← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5756

عمدة القاري شرح صحيح البخاري

بدر الدين العيني

Полный текст (7 603 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.

стр. 701

(فيتمسَّحون بِهِ) ، من بَاب التفعل، وَهُوَ يَأْتِي لمعانٍ، وَمَعْنَاهُ هَهُنَا: الْعَمَل، ليدل على أَن أصل الْفِعْل حصل مرّة بعد مرّة، نَحْو تجرَّعه أَي: شربه جرعة بعد جرعة، وَالْمعْنَى هَهُنَا كَذَلِك، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم يمسح بِهِ وَجهه وَيَديه مرّة بعد أُخْرَى، وَيجوز أَن يكون للتكلف، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُم لشدَّة الازدحام على فضل وضوئِهِ كَانَ يتعانى لتحصيله كتشجع وتصبر. قَوْله: (عنزة) ، بِالتَّحْرِيكِ: أقصر من الرمْح وأطول من العصار، وَفِيه زج كزج الرمْح. وَأما الْإِعْرَاب فَقَوله: (يَقُول) فِي مَحل النصب على أَنه مفعول ثَان: لسمعت، على قَول من يَقُول: إِن السماع يَسْتَدْعِي مفعولين، وَالْأَظْهَر أَنه: حَال. قَوْله: (بالهاجر) : الْبَاء، فِيهِ ظرفية بِمَعْنى: فِي الهاجرة. قَوْله: (يأخذونه) فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ خبر جعل الَّذِي هُوَ من أَفعَال المقاربة. قَوْله: (عنزة) مَرْفُوع بِالِابْتِدَاءِ وَخَبره مقدما، قَوْله: (بَين يَدَيْهِ) ، وَالْجُمْلَة حَالية. بَيَان إستنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ الدّلَالَة الظَّاهِرَة على طَهَارَة المَاء الْمُسْتَعْمل إِذا كَانَ المُرَاد أَنهم كَانُوا يَأْخُذُونَ مَا سَالَ من أَعْضَائِهِ ﷺ ، وَإِن كَانَ المُرَاد أَنهم كَانُوا يَأْخُذُونَ مَا فضل من وضوئِهِ ﷺ فِي الْإِنَاء فَيكون المُرَاد مِنْهُ التَّبَرُّك بذلك، وَالْمَاء طَاهِر فازداد طَهَارَة ببركة وضع النَّبِي ﷺ ، يَده الْمُبَارَكَة فِيهِ. الثَّانِي: فِيهِ الدّلَالَة على جَوَاز التَّبَرُّك بآثار الصَّالِحين. الثَّالِث: فِيهِ قصر الرباعة فِي السّفر، لِأَن الْوَاقِع كَانَ فِي السّفر، وَصرح فِي رِوَايَة أُخْرَى أَن خُرُوجه ﷺ ، وَهَذَا كَانَ من قبَّة حَمْرَاء من أَدَم بِالْأَبْطح بِمَكَّة. الرَّابِع: فِيهِ نصب العنزة وَنَحْوهَا بَين يَدي الْمُصَلِّي إِذا كَانَ فِي الصَّحرَاء. وَقَالَ أبُو مُوسَى دَعا النبيُّ ﷺ بِقَدَحٍ فِيهِ ماءٌ فَغَسل يَدَيْهِ وَوجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فِيهِ ثُمَّ قَالَ لَهُمَا اشْرَبَا مِنْهُ وأَفْرِغَا علَى وُجُوهِكُمَا ونُحُورِكُمَا. قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: لَيْسَ هَذَا من الْوضُوء فِي شَيْء، وَإِنَّمَا هُوَ مثل من استشفى بِالْغسْلِ لَهُ فَغسل. قلت: أَرَادَ بِهَذَا الْكَلَام أَنه لَا مُطَابقَة لَهُ للتَّرْجَمَة، وَلَكِن فِيهِ مُطَابقَة من حَيْثُ إِنَّه، ﵊، لما غسل يَدَيْهِ وَوَجهه فِي الْقدح صَار المَاء مُسْتَعْملا وَلكنه طَاهِر، إِذْ لَو لم يكن طَاهِرا لما أَمر بشربه وإفراغه على الْوَجْه والنحر، وَهَذَا المَاء طَاهِر وطهور أَيْضا بِلَا خلاف، وَلكنه إِذا وَقع مثل هَذَا من غير النَّبِي، ﵊، يكون المَاء على حَاله طَاهِرا، وَلَكِن لَا يكون مطهراً على مَا عرف. بَيَان مَا فِيهِ من الْأَشْيَاء الأول: أَن أَبَا مُوسَى هُوَ الْأَشْعَرِيّ، واسْمه عبد الله بن قيس، تقدم فِي بَاب: أَي الْإِسْلَام أفضل. الثَّانِي: أَن أَن هَذَا تَعْلِيق وَهُوَ طرف من حَدِيث مطول أخرجه البُخَارِيّ فِي الْمَغَازِي. وأوله عَن أبي مُوسَى، قَالَ: (كنت عِنْد النَّبِي ﷺ بالجعرانة وَمَعَهُ بِلَال، ﵁، فَأَتَاهُ أَعْرَابِي قَالَ: أَلا تنجز لي مَا وَعَدتنِي؟ قَالَ: إبشر) الحَدِيث، وَفِيه: (دَعَا بقدح فِيهِ مَاء فَغسل يَدَيْهِ) الحَدِيث. وَأخرج أَيْضا قِطْعَة مِنْهُ فِي بَاب الْغسْل وَالْوُضُوء فِي المخضب. وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي فَضَائِل النَّبِي، ﵊. الثَّالِث: الْقدح، بفتحين: هُوَ الَّذِي يُؤْكَل فِيهِ. قَالَه ابْن الْأَثِير. قلت: الْقدح فِي اسْتِعْمَال النَّاس الْيَوْم الَّذِي يشرب فِيهِ. قَوْله: (وَمَج فِيهِ) اي: صب مَا تنَاوله من المَاء بِفِيهِ فِي الْإِنَاء. وَقَالَ ابْن الاثير. مج لعابه إِذا قذفه. وَقيل: لَا يكون مجاً حَتَّى تبَاعد بِهِ. قَوْله: (قَالَ لَهما) أَي: لأبي مُوسَى وبلال، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، وَكَانَ بِلَال مَعَ أبي مُوسَى حَاضرا عِنْد النَّبِي، ﵊. قَوْله: (وأفرغا) من: الإفراغ. قَوْله: (وَنَحْو ركما) بالنُّون جمع نحر، وَهُوَ: الصَّدْر. الرَّابِع: فِيهِ الدّلَالَة على طَهَارَة المَاء الْمُسْتَعْمل على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَفِيه جَوَاز مج الرِّيق فِي المَاء، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: هَذَا فِي حق النَّبِي ﷺ لِأَن لعابه أطيب من الْمسك وَمن غَيره يستقذر، وَلِهَذَا كره الْعلمَاء. وَالنَّبِيّ، ﵊، مقَامه أعظم، وَكَانُوا يتدافعون على نخامته ويدلكون بهَا وُجُوههم لبركتها وطيبها، وخلوفه مَا كَانَ يشابه خلوف غَيره، وَذَلِكَ لمناجاته الْمَلَائِكَة فطيب الله نكهته وخلوف فَمه وَجَمِيع رَائِحَته. وَقَالَ ابْن بطال: فِيهِ دَلِيل على أَن لعاب الْبشر لَيْسَ بِنَجس وَلَا بَقِيَّة شربه، وَذَلِكَ يدل على أَن نَهْيه، ﵊، عَن النفخ فِي الطَّعَام وَالشرَاب لَيْسَ على سَبِيل أَن مَا تطاير فِيهِ من اللعاب نجس، وَإِنَّمَا هُوَ خشيَة أَن يتقذرة الْآكِل مِنْهُ، فَأمر بالتأدب فِي ذَلِك. وَقَالَ أَيْضا: وَحَدِيث ابي مُوسَى يحْتَمل أَن يكون النَّبِي ﷺ أَمر بالشرب من الَّذِي مج فِيهِ، والإفراغ على الْوُجُوه والنحور من أجل مرض أَو شَيْء أصابهما. قَالَ الْكرْمَانِي: لم يكن ذَلِك من أجل مَا ذكره، بل كَانَ لمُجَرّد التَّيَمُّن

стр. 702

والتبرك بِهِ، وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر. قلت: فعلى هَذَا لَا تطابق بَينه وَبَين تَرْجَمَة الْبَاب، وَالْعجب من ابْن بطال حَيْثُ يَقُول بِالِاحْتِمَالِ فِي الَّذِي يدل على هَذَا الحَدِيث على التَّبَرُّك والتيمن ظَاهرا، وَيَقُول بِالْجَزْمِ فِي الَّذِي يحْتَمل غَيره. ١٨٩ - حدّثنا عَليُّ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا يَعْقُوبُ بنُ إبْراهِيمَ بنِ سَعْدٍ قالَ حدّثنا أبي عنْ صالِحٍ عَن ابنِ شِهابٍ قَالَ أخْبرَني مَحْمُودُ بنُ الرَّبِيعِ قالَ وَهْوَ الَّذِي مَجَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ فِي وَجْهِهِ وهْوَ غُلَامٌ منْ بِئْرِهِمْ.. هَذَا الحَدِيث لَا يُطَابق التَّرْجَمَة أصلا، وَإِنَّمَا يدل على ممازحة الطِّفْل بِمَا قد يصعب عَلَيْهِ، لِأَن مج المَاء قد يصعب عَلَيْهِ، وَإِن كَانَ قد يستلذه. وَقد أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي كتاب الْعلم فِي بَاب: مَتى يَصح سَماع الصَّغِير، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى من جمع الْوُجُوه. وَعلي بن عبد الله هُوَ ابْن الْمَدِينِيّ، أحد الْأَعْلَام، وَصَالح هُوَ ابْن كيسَان، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. وَالربيع بِفَتْح الرَّاء. قَوْله: (من بئرهم) ، يتَعَلَّق بقوله: (مج) . وَقَوله: (وَهُوَ غُلَام) جملَة إسمية وَقعت حَالا. وَقَوله: (وَهُوَ الَّذِي مج) إِلَى لفظ: (بئرهم) ، كَلَام لِابْنِ شهَاب ذكره تعريفاً أَو تَشْرِيفًا، وَالضَّمِير فِي بئرهم: لمحمود وَقَومه بِدلَالَة الْقَرِينَة عَلَيْهِ، وَالَّذِي اخبر بِهِ مَحْمُود هُوَ قَوْله: عقلت من النَّبِي ﷺ مجة مجها فِي وَجْهي وَأَنا ابْن خمس سِنِين من دلو. وقالَ عُرْوَةُ عَنِ المِسْوَرِ وَغَيْرِهِ يُصَدِّقُ كُلُّ وَاحِدٍ منْهُما صاحِبَهُ وَإِذا وَضَّأَ النبيُّ ﷺ كادُوا يَقْتَتِلُونَ علَى وَضُوئِهِ عُرْوَة: هُوَ ابْن الزبير بن الْعَوام تقدم. الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو: ابْن مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء: الزُّهْرِيّ ابْن بنت عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، قبض رَسُول الله ﷺ وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، وَصَحَّ سَمَاعه من رَسُول الله ﷺ ، رُوِيَ لَهُ اثْنَان وَعِشْرُونَ حَدِيثا، ذكر البُخَارِيّ مِنْهَا سِتَّة، فَأَصَابَهُ حجر من أَحْجَار المنجنيق وَهُوَ يُصَلِّي فِي الْحجر، فَمَكثَ خَمْسَة أَيَّام ثمَّ مَاتَ زمن محاصرة الْحجَّاج مَكَّة سنة أَربع وَسِتِّينَ. وَالْألف وَاللَّام فِيهِ كالألف وَاللَّام فِي: الْحَارِث، يجوز إِثْبَاتهَا وَيجوز نَزعهَا وَهُوَ فِي الْحَالَتَيْنِ علم. قَوْله: (يصدق كل وَاحِد مِنْهُمَا صَاحبه) أَي: يصد كل من الْمسور ومروان صَاحبه، لِأَن المُرَاد من قَوْله: وَغَيره، وَهُوَ مَرْوَان على مَا يَأْتِي. وَقد خبط الْكرْمَانِي هُنَا خباطاً فَاحِشا، وسأبنيه عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (وَغَيره) يُرِيد بِهِ مَرْوَان بن الحكم، لِأَن البُخَارِيّ أخرج هَذَا التَّعْلِيق فِي كتاب الشُّرُوط فِي بَاب الشُّرُوط فِي الْجِهَاد مَوْصُولا، فَقَالَ: حَدثنِي عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا عبد الرَّزَّاق أخبرنَا معمر قَالَ: اخبرني الزُّهْرِيّ، قَالَ: أَخْبرنِي عُرْوَة ابْن الزبير عَن الْمسور ابْن مخرمَة ومروان، يصدق كل وَاحِد مِنْهُمَا حَدِيث صَاحبه، قَالَا: (خرج رَسُول الله ﷺ زمن الْحُدَيْبِيَة) الحَدِيث وَهُوَ طَوِيل جدا إِلَى أَن قَالَ: (ثمَّ إِن عُرْوَة جعل يرمق أَصْحَاب النَّبِي، ﵊، بِعَيْنيهِ. قَالَ: فوَاللَّه مَا تنخم رَسُول الله ﷺ ، نخامة إلَاّ وَقعت فِي كف رجل مِنْهُم، فدلك بهَا وَجهه وَجلده، وَإِذا أَمرهم ابتدروا أمره، وَإِذا تَوَضَّأ كَانُوا يقتتلون على وضوئِهِ، وَإِذا تكلم خفضوا أَصْوَاتهم عِنْده، وَمَا يحدون إِلَيْهِ النّظر تَعْظِيمًا لَهُ) إِلَى آخر الحَدِيث. وَالْمرَاد من قَوْله: ثمَّ إِن عُرْوَة، وَهُوَ عُرْوَة بن مَسْعُود أرْسلهُ كفار مَكَّة إِلَى النَّبِي، ﵊، زمن الْحُدَيْبِيَة. قَوْله: (واذا تَوَضَّأ) الضَّمِير فِيهِ يرجع إِلَى النَّبِي، ﵊، والحاكي هُوَ عُرْوَة بن مَسْعُود لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي شَاهد من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ بَين يَدي النَّبِي، ﵊. وَهُوَ أَيْضا أخبر بذلك لأهل مَكَّة، كَمَا ستقف على الحَدِيث بِطُولِهِ. قَوْله: (كَانُوا يقتتلون) كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي، رِوَايَة البَاقِينَ: (كَادُوا يقتتلون) . قَالَ بَعضهم: هُوَ الصَّوَاب، لِأَنَّهُ لم يَقع بَينهم قتال. قلت: كِلَاهُمَا سَوَاء، وَالْمرَاد بِهِ الْمُبَالغَة فِي ازدحامهم على نخامة النَّبِي ﷺ وعَلى وضوئِهِ. وَأما الْكرْمَانِي فَإِنَّهُ قَالَ: أَولا: فَإِن قلت: هُوَ رِوَايَة عَن الْمَجْهُول وَلَا اعْتِبَار بِهِ. قلت: الْغَالِب أَن عُرْوَة لَا يرْوى إلَاّ عَن الْعدْل، فَحكمه حكم الْمَعْلُوم. وَأَيْضًا هُوَ مَذْكُور على سَبِيل التّبعِيَّة، وَيحْتَمل فِي التَّابِع مَا لَا يحْتَمل فِي غَيره. أَقُول

стр. 703

هَذَا السُّؤَال، غير وَارِد أصلا، لِأَن هَذَا التَّعْلِيق، وَهُوَ قَوْله: وَقَالَ عُرْوَة ... قد أخرجه البُخَارِيّ مَوْصُولا، وَبَين فِيهِ أَن المُرَاد من قَوْله: وَغَيره هُوَ مَرْوَان، كَمَا ذَكرْنَاهُ، فَإِذا سقط السُّؤَال فَلَا يحْتَاج إِلَى الْجَواب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ثَانِيًا: فَإِن قلت: هَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ أم لَا؟ قلت: هُوَ عطف على مقول ابْن شهَاب اي: قَالَ ابْن شهَاب: أَخْبرنِي مَحْمُود وَقَالَ عُرْوَة، أَقُول: نعم، هَذَا تَعْلِيق وَصله فِي كِتَابه كَمَا ذكرنَا وَلَيْسَ هُوَ عطفا على مقول ابْن شهَاب. وَقَالَ ثَالِثا: قَوْله مِنْهُمَا أَي: من مَحْمُود والمسور، أَي: مَحْمُود يصدق مسوراً، ومسور يصدق مَحْمُودًا. أَقُول: لَيْسَ كَذَلِك، بل الْمَعْنى أَن الْمسور يصدق مَرْوَان بن الحكم، ومروان يصدق مسوراً. وَقَالَ رَابِعا: وَلَفظ يصدق، هُوَ كَلَام ابْن شهَاب أَيْضا، ومقول كل وَاحِد مِنْهُمَا هُوَ لفظ: وَإِذا تَوَضَّأ. أَقُول: لفظ: وَإِذا تَوَضَّأ، لَيْسَ مقول كل وَاحِد مِنْهُمَا، بل مقول عُرْوَة بن مَسْعُود، لِأَنَّهُ هُوَ الْقَائِل بذلك والحاكي بِهِ عِنْد مُشْركي مَكَّة، وَذكر أَبُو الْفضل بن طَاهِر أَن هَذَا الحَدِيث مَعْلُول، وَذَلِكَ أَن الْمسور ومروان لم يدركا هَذِه الْقِصَّة الَّتِي كَانَت بِالْحُدَيْبِية سنة سِتّ لِأَن مولدهما كَانَ بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ، وعَلى ذَلِك اتّفق المؤرخون. وَأما مَا فِي (صَحِيح مُسلم) عَن الْمسور قَالَ: (سَمِعت النَّبِي ﷺ يخْطب النَّاس على هَذَا الْمِنْبَر وَأَنا يَوْمئِذٍ محتلم) ، فَيحْتَاج إِلَى تَأْوِيل لغَوِيّ أَنه كَانَ يعقل لَا الِاحْتِلَام الشَّرْعِيّ، أَو أَنه كَانَ سميناً غير مهزول فِيمَا ذكره الْقُرْطُبِيّ. وَقَالَ صَاحب (الْأَفْعَال) : حلم حلماً إِذا عقل. وَقَالَ غَيره: تحلم الْغُلَام صَار سميناً، وَهُوَ مَعْدُود فِي صغَار الصَّحَابَة، مَاتَ سنة أَربع وَسِتِّينَ. ١٩٠ - حدّثنا عَبْد الرَّحْمنِ بنُ يُونُسَ قالَ حدّثنا حاتِمُ بنُ إسْماعِيلَ عَنِ الجَعْدِ قالَ سَمِعْتُ السَّائِبَ بن يَزِيدَ يَقُولُ ذَهَبَتْ بِي خالَتِي إِلَى النبيِّ ﷺ فَقالَتْ يَا رسولَ اللَّهِ إنَّ ابنَ اُخْتِي وَجِعٌ فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعا لي بالْبَرَكَةِ ثُمَّ تَوَضَأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ ثُمَّ قُمْتُ خَلفَ ظَهْرِهِ فَنظَرْتُ إِلَى خاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة إِن كَانَ المُرَاد من قَوْله: (فَشَرِبت من وضوئِهِ) المَاء الَّذِي يتقاطر من أَعْضَائِهِ الشَّرِيفَة، وَإِن كَانَ المُرَاد: من فضل وضوئِهِ، فَلَا مُطَابقَة. وَوَقع للمستملي على رَأس هَذَا الحَدِيث لَفظه: بَاب، بِلَا تَرْجَمَة. وَعند الْأَكْثَرين وَقع بِلَا فصل بَينه وَبَين الَّذِي قبله. بَيَان رِجَاله وهم اربعة. الأول: عبد الرَّحْمَن بن يُونُس أَبُو مُسلم الْبَغْدَادِيّ الْمُسْتَمْلِي اُحْدُ الْحفاظ، استملى لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة وَغَيره، مَاتَ فَجْأَة سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: حَاتِم بن إِسْمَاعِيل الْكُوفِي، نزل الْمَدِينَة وَمَات بهَا سنة سِتّ وَثَمَانِينَ وَمِائَة، فِي خلَافَة هَارُون. الثَّالِث: الْجَعْد، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة ابْن عبد الرَّحْمَن بن أَوْس الْمدنِي الْكِنْدِيّ، وَالْمَشْهُور أَنه يُقَال لَهُ: الجعيد، بِالتَّصْغِيرِ. الرَّابِع: السَّائِب اسْم فَاعل من السَّبَب، بِالْمُهْمَلَةِ وبالياء آخر الْحُرُوف بعْدهَا الْبَاء الْمُوَحدَة: ابْن يزِيد من الزِّيَادَة الْكِنْدِيّ. قَالَ: حج بِي أبي مَعَ رَسُول الله ﷺ حجَّة الْوَدَاع وَأَنا ابْن سبع سِنِين، رُوِيَ لَهُ خَمْسَة أَحَادِيث، وَالْبُخَارِيّ أخرجهَا كلهَا، توفّي بِالْمَدِينَةِ سنة إِحْدَى وَتِسْعين. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بغدادي وكوفي ومدني. وَمِنْهَا: أَن الرِّوَايَة فِيهِ من صغَار الصَّحَابَة، ﵃. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي صفة النَّبِي ﷺ عَن مُحَمَّد بن عبيد الله، وَفِي الطِّبّ عَن إِبْرَاهِيم بن حَمْزَة، وَفِي الدَّعْوَات عَن قُتَيْبَة وهناد عَن عبد الرَّحْمَن، أربعتهم عَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل وَفِي صفة النَّبِي ﷺ عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن الْفضل بن مُوسَى. وَأخرجه مُسلم فِي صفة رَسُول الله ﷺ عَن قُتَيْبَة وَمُحَمّد بن عباد، كِلَاهُمَا عَن حَاتِم بن إِسْمَاعِيل بِهِ وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي المناقب عَن قُتَيْبَة بِهِ وَقَالَ حسن غَرِيب من هَذَا الْوَجْه وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطِّبّ عَن قُتَيْبَة بِهِ. بَيَان اللُّغَات قَوْله: (ذهبت بِهِ) ، وَالْفرق بَينه وَبَين: أذهبه أزاله وَجعله ذَاهِبًا. وَمعنى ذهب بِهِ: استصحبه وَمضى بِهِ مَعَه. قَوْله: (وَقع) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْقَاف وبالتنوين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني وَأبي ذَر الْهَرَوِيّ وَقع بِفَتْح الْقَاف على لفظ الْمَاضِي، وَفِي رِوَايَة كَرِيمَة: (وجع) ، بِفَتْح الْوَاو وَكسر الْجِيم، وَعَلِيهِ الْأَكْثَرُونَ، وَمعنى: وَقع، بِكَسْر الْقَاف: أَصَابَهُ وجع فِي قَدَمَيْهِ

стр. 704

وَزعم ابْن سَيّده أَنه يُقَال: وَقع الرجل وَالْفرس وَقعا فَهُوَ وَقع: إِذا حفي من الْحِجَارَة والشوط، وَقد وقعه الْحجر، وحافر وقيع وقعته الْحِجَارَة فقصت مِنْهُ، ثمَّ استعير للمشتكي الْمَرِيض، يُبينهُ قَوْلهَا: وجع، وَالْعرب تسمي كل مرض وجعاً. وَفِي (الْجَامِع) : وَقع الرجل فَوَقع إِذا حفي من مَشْيه على الْحِجَارَة. وَقيل: هُوَ أَن يشتكي لحم رجلَيْهِ من الحفا. وَقَالَ ابْن بطال: وَقع مَعْنَاهُ أَنه وَقع فِي الْمَرَض. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: وَقع أَي: سقط، والوقع أَيْضا: الحفا. قَوْله: (فَشَرِبت من وضوئِهِ) بِفَتْح الْوَاو. قَوْله: (إِلَى خَاتم النُّبُوَّة) بِكَسْر: التَّاء، أَي: فَاعل الْخَتْم، وَهُوَ الْإِتْمَام وَالْبُلُوغ إِلَى الآخر، وبفتح: التَّاء، بِمَعْنى: الطابع، وَمَعْنَاهُ الشَّيْء الَّذِي هُوَ دَلِيل على أَنه لَا نَبِي بعده. وَقَالَ القَاضِي الْبَيْضَاوِيّ: خَاتم النُّبُوَّة أثر بَين كَتفيهِ، نعت بِهِ فِي الْكتب الْمُتَقَدّمَة وَكَانَ عَلامَة يعلم بهَا أَنه النَّبِي الْمَوْعُود، وصيانة لنبوته عَن تطرق الْقدح إِلَيْهَا صِيَانة الشَّيْء المستوثق بالختم. قَوْله: (مثل زر الحجلة) : الزر، بِكَسْر الزَّاي وَتَشْديد الرَّاء. والحجلة، بِفَتْح الْحَاء وَالْجِيم: وَاحِدَة الحجال، وَهُوَ بيُوت تزين بالثياب والستور والإثرة، لَهَا على وأزرار. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الحجلة، بِالتَّحْرِيكِ: بَيت كالقبة يستر بالثياب وَيكون لَهُ أزرار كبار، وَيجمع على: حجال. وَقيل: المُرَاد بالحجلة: الطير، وَهِي الَّتِي تسمى القبحة، وَتسَمى الْأُنْثَى الحجلة، وَالذكر: يَعْقُوب، وزرها: بيضها. وَيُؤَيّد هَذَا أَن فِي حَدِيث آخر: (مثل بَيْضَة الْحَمَامَة) . وَعَن مُحَمَّد بن عبد الله شيخ البُخَارِيّ. الحجلة من حجل الْفرس الَّذِي بَين عَيْنَيْهِ، وَفِي بعض نسخ المغاربة: الحجلة، بِضَم الْحَاء الْمُهْملَة وَسُكُون الْجِيم. قَالَ الْكرْمَانِي: وَقد رُوِيَ أَيْضا بِتَقْدِيم الرَّاء على الزَّاي، وَيكون المُرَاد مِنْهُ: الْبيض. يُقَال: أرزت الجرادة بِفَتْح الرَّاء وَتَشْديد الزَّاي: إِذا كبست ذنبها فِي الأَرْض فباضت. وَجَاءَت فِيهِ رِوَايَات كَثِيرَة: فَفِي رِوَايَة مُسلم عَن جَابر بن سَمُرَة: (وَرَأَيْت الْخَاتم عِنْد كَتفيهِ مثلي بَيْضَة الْحَمَامَة يشبه جسده) ، وَفِي رِوَايَة أَحْمد، من حَدِيث عبد الله بن سرجس: (وَرَأَيْت خَاتم النُّبُوَّة فِي نغض كتفه الْيُسْرَى كَأَنَّهُ جمع فِيهِ خيلان سود كَأَنَّهُمَا الثآليل) . وَفِي رِوَايَة أَحْمد أَيْضا من حَدِيث ابي رمثة التَّيْمِيّ، قَالَ: (خرجت مَعَ أبي حَتَّى أتيت رَسُول الله ﷺ فَرَأَيْت بِرَأْسِهِ ردع حناء، وَرَأَيْت على كتفه مثل التفاحة، فَقَالَ ابي: إِنِّي طَبِيب أَلَا أبطها لَك؟ قَالَ: طبيبها الَّذِي خلقهَا) . وَفِي (صَحِيح) الْحَاكِم: (شعر مُجْتَمع) ، وَفِي كتاب الْبَيْهَقِيّ: (مثل السّلْعَة) . وَفِي (الشَّمَائِل) : (بضعَة نَاشِزَة) . وَفِي حَدِيث عَمْرو بن أَخطب: (كشيء يخْتم بِهِ) . وَفِي (تَارِيخ) ابْن عَسَاكِر: (مثل البندقة) ، وَفِي التِّرْمِذِيّ: (كالتفاحة) . وَفِي (الرَّوْض) : كاثم المحجم الغائص على اللَّحْم. وَفِي (تَارِيخ ابْن ابي خَيْثَمَة) : شامة خضراء محتفرة فِي اللَّحْم، وَفِيه أَيْضا: شامة سوادء تضرب إِلَى الصُّفْرَة حولهَا شَعرَات متراكبات كَأَنَّهَا عرف الْفرس. وَفِي (تَارِيخ الْقُضَاعِي) : ثَلَاث مجتمعات. وَفِي كتاب (المولد) لِابْنِ عَابِد: كَانَ نورا يتلألأ. وَفِي (سيرة) ابْن أبي عَاصِم: عذرة كعذرة الْحَمَامَة. قَالَ أَبُو أَيُّوب: يعْنى فرطمة الْحَمَامَة، وَفِي (تَارِيخ نيسابور) : مثل البندقة من لحم مَكْتُوب فِيهِ بِاللَّحْمِ: (مُحَمَّد رَسُول الله) . وَعَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كتينة صَغِيرَة تضرب إِلَى الدهمة، وَكَانَت مِمَّا يَلِي الْقَفَا. قَالَت: فلمسته حِين توفّي فَوَجَدته قد رفع. وَقيل: كركبة العنز، وأسده أَبُو عمر عَن عباد بن عَمْرو، وَذكر الْحَافِظ ابْن دحْيَة فِي كِتَابه (التَّنْوِير) : كَانَ الْخَاتم الَّذِي بَين كَتِفي رَسُول الله، ﵊، كَأَنَّهُ بَيْضَة حمامة مَكْتُوب فِي بَاطِنهَا: (الله وَحده) : وَفِي ظَاهرهَا: (توجه حَيْثُ شِئْت فَإنَّك مَنْصُور) . ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث غَرِيب استنكره؛ قَالَ: وَقيل: كَانَ من نور. فَإِن قلت: هَل كَانَ خَاتم النُّبُوَّة بعد ميلاده أَو ولد هُوَ مَعَه؟ قلت: قيل: ولد وَهُوَ مَعَه، وَعَن ابْن عَائِد فِي (مغازيه) بِسَنَدِهِ إِلَى شَدَّاد بن أَوْس، فَذكر حَدِيث الرَّضَاع وشق الصَّدْر، وَفِيه: وَأَقْبل الثَّالِث. يعين الْملك وَفِي يَده خَاتم لَهُ شُعَاع فَوَضعه بَين كَتفيهِ وثدييه، وَوجد برده زَمَانا. وَفِي (الدَّلَائِل) لأبي نعيم: أَن النَّبِي، ﵊، لما ولد ذكرت أمه أَن الْملك غمسه فِي المَاء الَّذِي أنبعه ثَلَاث غمسات، ثمَّ أخرج صرة من حَرِير أَبيض، فَإِذا فِيهَا خَاتم، فَضرب على كَتفيهِ كالبيضة المكنونة تضيء كالزهرة: فان قلت: أَيْن كَانَ مَوْضِعه؟ قلت: قد رُوِيَ أَنه بَين كَتفيهِ. وَقيل: كَانَ على نغض كتفه اليسى، لِأَنَّهُ يُقَال: إِنَّه الْموضع الَّذِي يدْخل مِنْهُ الشَّيْطَان إِلَى بَاطِن الْإِنْسَان، فَكَانَ هَذَا عصمَة لَهُ، ﵊، من الشَّيْطَان. وَذكر أَبُو عمرَان، مَيْمُون بن مهْرَان، ذكر عَن عمر بن عبد الْعَزِيز، ﵁: أَن رجلا سَأَلَ ربه أَن يرِيه مَوضِع الشَّيْطَان مِنْهُ، فَرَأى جسده ممهى يرى دَاخله من خَارجه، وَرَأى الشَّيْطَان فِي صُورَة ضفدع عِنْد نغض كتفه حداء قلبه، لَهُ خرطوم كخرطوم الْبَعُوضَة، وَقد أدخلهُ فِي مَنْكِبه الْأَيْسَر إِلَى قلبه

стр. 705

يوسوس إِلَيْهِ، فَإِذا ذكر الله تَعَالَى العَبْد خنس. ثمَّ الْحِكْمَة فِي الْخَاتم. على وَجه الِاعْتِبَار. أَن قلبه، ﵊، لما ملىء حِكْمَة وإيمانا، كَمَا فِي (الصَّحِيح) ، ختم عَلَيْهِ كَمَا يخْتم على الْوِعَاء المملوء مسكاً أَو درا، فَلم يجد عدوه سَبِيلا إِلَيْهِ من أجل ذَلِك الْخَتْم، لِأَن الشَّيْء الْمَخْتُوم محروس، وَكَذَا تَدْبِير الله، ، فِي هَذِه الدُّنْيَا إِذا وجد الشَّيْء بختمه زَالَ الشَّك وَانْقطع الْخِصَام فِيمَا بَين الْآدَمِيّين، فَلذَلِك ختم رب العلمين فِي قلبه ختماً تطامن لَهُ الْقلب، وَبَقِي النُّور فِيهِ، ونفذت قُوَّة الْقلب إِلَى الصلب فظهرت بَين الْكَتِفَيْنِ كالبيضة، وَمن أجل ذَلِك برز بِالصّدقِ على أهل الْموقف، فَصَارَت لَهُ الشَّفَاعَة من بَين الرُّسُل بالْمقَام الْمَحْمُود، لِأَن ثَنَاء الصدْق هُوَ الَّذِي خصّه ربه بِمَا لم يخص بِهِ أحدا غَيره من الْأَنْبِيَاء، وَغَيرهم، يحققه قَول الله الْعَظِيم: ﴿وَبشر الَّذين آمنُوا أَن لَهُم قدم صدق عِنْد رَبهم﴾ (يُونُس: ٢) قَالَ ابو سعيد الْخُدْرِيّ، وَقد صدق: هُوَ مُحَمَّد، ﵇، شفيعكم يَوْم الْقِيَامَة، وَكَذَا قَالَ الْحسن وَقَتَادَة وَزيد بن أسلم: وَقَول الرَّسُول ﷺ فِيمَا ذكره مُسلم من حَدِيث أبي بن كَعْب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وأخرت الثَّالِثَة ليَوْم ترغب إِلَيّ فِيهِ الْخلق كلهم حَتَّى إِبْرَاهِيم، ﵊. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: هَذَا الْخَاتم هُوَ أثر شقّ الْملكَيْنِ بَين كَتفيهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا بَاطِل، لِأَن شقّ الْملكَيْنِ إِنَّمَا كَانَ فِي صَدره. مشكلات مَا وَقع فِي هَذَا الْبَاب قَوْله: (فِي نغض كتفه الْيُسْرَى) ، بِضَم النُّون وَفتحهَا وَكسر الْغَيْن الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره ضاد مُعْجمَة، قَالَ ابْن الاثير: النغض والنغض والناغض: أَعلَى الْكَتف. وَقيل: هُوَ الْعظم الرَّقِيق الَّذِي على طرفه. قَوْله: (كأه جمع) ، بِضَم الْجِيم وَسُكُون الْمِيم، مَعْنَاهُ: مثل جمع الْكَفّ، وَهُوَ أَن تجمع الْأَصَابِع وتضمها، وَمِنْه يُقَال: ضربه بِجمع كَفه. (و: الخيلان) بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْيَاء، جمع: خَال. قَوْله: (الثآليل) جمع: ثؤلول، وَهُوَ الْحبَّة الَّتِي تظهر فِي الْجلد كالحمصة فمادونها. قَوْله: (ردع حناء) ، بِفَتْح الرَّاء وَسُكُون الدَّال وَفِي آخِره عين مُهْملَة: أَي لطخ حناء، والحناء، بِالْكَسْرِ وَالتَّشْدِيد وبالمد، مَعْرُوف. والحناءة أخص مِنْهُ. قَوْله: (أَلَا أبطها) ؟ من البَطِّ، وَهُوَ: شقّ الدمل وَالْخَرَاج. قَوْله: (بضعَة نَاشِزَة) . الْبضْعَة، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة: الْقطعَة من اللَّحْم. و: نَاشِزَة، بالنُّون والشين وَالزَّاي المعجمتين أَي: مُرْتَفعَة عَن الْجِسْم. قَوْله: (محتفرة) : أَي غائصة، وَأَصله من حفر الأَرْض. بَيَان استنباط الْأَحْكَام الاول: فِيهِ بركَة الاسترقاء. الثَّانِي: فِيهِ الدّلَالَة على مسح رَأس الصَّغِير، وَكَانَ مولد السَّائِب الَّذِي مسح رَسُول الله ﷺ رَأسه فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة، وَشهد حجَّة الْوَدَاع، وَخرج مَعَ الصّبيان إِلَى ثنية الْوَدَاع يتلَقَّى النَّبِي ﷺ مقدمه من تَبُوك. الثَّالِث: فِيهِ الدّلَالَة على طَهَارَة المَاء الْمُسْتَعْمل، وَإِن كَانَ المُرَاد من قَول السَّائِب بن يزِيد: فَشَرِبت من وضوئِهِ، وَهُوَ: المَاء الَّذِي يتقاطر من أَعْضَائِهِ الشَّرِيفَة. وَقَالَ بَعضهم: هَذِه الْأَحَادِيث يَعْنِي الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب. ترد عَلَيْهِ: أَي على أبي حنيفَة، لِأَن النَّجس لَا يتبرك بِهِ. قلت: قصد هَذَا الْقَائِل التشنيع على أبي حنيفَة بِهَذَا الرَّد الْبعيد، لِأَن لَيْسَ فِي الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة مَا يدل صَرِيحًا على أَن المُرَاد من: فضل وضوئِهِ، هُوَ: المَاء الَّذِي تقاطر من أَعْضَائِهِ الشَّرِيفَة. وَكَذَا فِي قَوْله: (كَانُوا يقتتلون على وضوئِهِ) ، وَكَذَا فِي قَول السَّائِب: (فَشَرِبت من وضوئِهِ) . وَلَئِن سلمنَا أَن المُرَاد هُوَ المَاء الَّذِي يتقاطر من أَعْضَائِهِ الشَّرِيفَة، فَأَبُو حنيفَة يُنكر هَذَا وَيَقُول بِنَجَاسَة ذَاك، حاشاه مِنْهُ، وَكَيف يَقُول ذَلِك هُوَ يَقُول بِطَهَارَة بَوْله وَسَائِر فضلاته؟ وَمَعَ هَذَا قد قُلْنَا: لم يَصح عَن أبي حنيفَة تنجيس المَاء الْمُسْتَعْمل، وفتوى الحنيفة عَلَيْهِ، فَانْقَطع شغب هَذَا المعاند. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَفِي إِجْمَاع أهل الْعلم على أَن البلل الْبَاقِي على أَعْضَاء المتوضىء، وَمَا قطر مِنْهُ على ثِيَابه، دَلِيل قوي على طَهَارَة المَاء الْمُسْتَعْمل. قلت: الْمثل. حفظت شَيْئا وَغَابَتْ عَنْك أَشْيَاء. وَالْمَاء الْبَاقِي على أَعْضَاء المتوضيء لَا خلاف لأحد فِي طَهَارَته، لِأَن من يَقُول بِعَدَمِ طهرته إِنَّمَا يَقُول بالانفصال عَن الْعُضْو، بل عِنْد بضعهم بالانفصال والاستقرار فِي مَكَان. وَأما المَاء الَّذِي قطر مِنْهُ على ثِيَابه فَإِنَّمَا سقط حكمه للضَّرُورَة لتعذر الِاحْتِرَاز عَنهُ. ٤١ - (بابُ مَنْ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مِنْ غَرْفَةٍ وَاحِدةٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق من غرفَة وَاحِدَة، كَمَا فعله عبد الله بن زيد. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن كلا مِنْهُمَا من تعلقات الْوضُوء. فَالْأول: فِي الْوضُوء، بِالْفَتْح، وَالثَّانِي: فِي الْوضُوء، بِالضَّمِّ.

стр. 706

١٩١ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدّثنى خالِدُ بنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ حدّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ أَبِيهِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ أنَّهُ أفْرَغَ مِنَ الاِناءِ علَى يَدَيْهِ فَغَسَلهُمَا ثُمَّ غَسَلَ أوْ مَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ مِنْ كَفَّةٍ وَاحِدَةٍ فَفَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا فغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثاً ثُمَّ غَسَل يَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ومَسَحَ برَأُسِهِ مَا أَقْبلَ وَمَا أَدْبَرَ وَغَسَلَ رِجْلَيْهِ إِلَى الكَعْبَيْنِ ثُمَّ قالَ هَكَذَا وُضُوءُ رَسُول اللَّهِ ﷺ .. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة. الأول: مُسَدّد بِفَتْح الدَّال المسددة، وَقد تقدم فِي أول كتاب الايمان. الثَّانِي: خَالِد بن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن الوَاسِطِيّ، أَبُو الْهَيْثَم الطَّحَّان، يحْكى أَنه تصدق بزنة بدنه فضَّة ثَلَاث مَرَّات، مَاتَ سنة تسع وَسِتِّينَ وَمِائَة. الثَّالِث: عَمْرو بن يحيى، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، ابْن عمَارَة الْمَازِني الْأنْصَارِيّ، تقدم قَرِيبا. الرَّابِع: أَبوهُ يحيى، تقدم أَيْضا. الْخَامِس: عبد الله بن زيد الْأنْصَارِيّ. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي ومدني. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ فعل الصَّحَابِيّ ثمَّ إِسْنَاده إِلَى النَّبِي ﷺ . بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد ذكرنَا عَن قريب أَن البُخَارِيّ قد أخرج حَدِيث عبد الله بن زيد فِي خَمْسَة مَوَاضِع. وَأخرجه مُسلم عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن خَالِد بن عبد الله بِسَنَدِهِ هَذَا من غير شكّ، وَلَفظه: (ثمَّ أَدخل يَده فاستخرجها فَمَضْمض واستنشق) : وَأخرجه أَيْضا الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق وهب بن بَقِيَّة عَن خَالِد كَذَلِك. بَيَان لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله: (أفرغ) اي: صب المَاء فِي الْإِنَاء على يَدَيْهِ. قَوْله: (ثمَّ غسل) أَي: فَمه. قَوْله: (أَو مضمض) شكّ من الرَّاوِي. قَالَ الْكرْمَانِي: الظَّاهِر أَن الشَّك من يحيى. وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَن الشَّك من مُسَدّد شيخ البُخَارِيّ، ثمَّ قَالَ: وَأغْرب الْكرْمَانِي فَقَالَ: الظَّاهِر أَن الشَّك فِيهِ من التَّابِعِيّ: قلت: كل مِنْهُمَا مُحْتَمل، وَكَونه من الظَّاهِر من أَيْن بِلَا قرينَة؟ قَوْله: (من كفة) كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَفِي رِوَايَة الْأَكْثَر بن: (من كف) بِلَا هَاء، وَفِي بعض النّسخ: (من غرفَة وَاحِدَة) . وَقَالَ ابْن بطال: من كفة، أَي: من حفْنَة وَاحِدَة، فاشتق لذَلِك من اسْم الْكَفّ عبارَة عَن ذَلِك الْمَعْنى، وَلَا يعرف فِي كَلَام الْعَرَب إِلْحَاق هَاء التَّأْنِيث فِي الْكَفّ. وَقَالَ ابْن التِّين: اشتق بذلك من اسْم الْكَفّ، وَسمي الشَّيْء باسم مَا كَانَ فِيهِ. وَقَالَ صَاحب (الْمطَالع) : هِيَ بِالضَّمِّ وَالْفَتْح مثل غرفَة وغرفة، أَي: مَلأ كَفه من مَاء. وَقَالَ بَعضهم: ومحصل ذَلِك أَن المُرَاد من قَوْله: (كَفه) فعلة فِي أَنَّهَا تَأْنِيث الْكَفّ. قلت: هَذَا مُحَصل غير حَاصِل، فَكيف يكون كفة تَأْنِيث كف، والكف مؤنث؟ وَالْأَقْرَب إِلَى الصَّوَاب مَا ذكره ابْن التِّين قَوْله: (فَغسل يَدَيْهِ إِلَى الْمرْفقين) . وَلَا يكون ذَلِك إلَاّ بعد غسل الْوَجْه، وَلم يذكر غسل الْوَجْه. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت: أَيْن ذكر غسل الْوَجْه؟ قلت: هُوَ من بَاب اخْتِصَار الحَدِيث وَذكر مَا هُوَ الْمَقْصُود، وَهُوَ الَّذِي ترْجم لَهُ الْبَاب مَعَ زِيَادَة بَيَان مَا اخْتلف فِيهِ من التَّثْلِيث فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق وَإِدْخَال الْمرْفق فِي الْيَد وتثنية غسل الْيَد وَمسح مَا أقبل وَأدبر من الرَّأْس وَغسل الرجل منتهياً إِلَى الكعب، وَأما غسل الْوَجْه فَأمره ظَاهر لَا احْتِيَاج لَهُ إِلَى الْبُنيان؛ فالتشبيه فِي: (هَكَذَا وضوء رَسُول الله ﷺ لَيْسَ من جَمِيع الْوُجُوه، بل فِي حكم الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق. قلت: هَذَا جَوَاب لَيْسَ فِيهِ طائل، وَتصرف غير موجه، لِأَن هَذَا فِي بَاب التَّعْلِيم لغيره صفة الْوضُوء، فَيشْهد بذلك قَوْله: (هَكَذَا وضوء رَسُول الله ﷺ ، وَيُؤَيّد ذَلِك مَا جَاءَ فِي حَدِيث الآخر عَن عَمْرو بن يحيى الْمَازِني، عَن أَبِيه أَن رجلا قَالَ لعبد الله بن زيد، وَهُوَ حد عَمْرو بن يحيى: (أتستطيع أَن تريني كَيفَ كَانَ رَسُول الله يتَوَضَّأ) ؟ الحَدِيث ... وَقد مر عَن قريب، وكل مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن زيد فِي هَذَا الْبَاب حَدِيث وَاحِد وَقد ذكر فِيهِ غسل الْوَجْه، وَكَذَا ثَبت ذَلِك فِي رِوَايَة مُسلم وَغَيره، فَإِذا كَانَ هَذَا فِي بَاب التَّعْلِيم فَكيف يجوز لَهُ ترك فرض من فروض الْوضُوء وَذكر شَيْء من الزَّوَائِد؟ وَالظَّاهِر أَنه سقط من الرَّاوِي كَمَا أَنه شكّ فِي قَوْله: (ثمَّ غسل أَو مضمض) . وَقَول الْكرْمَانِي: واما غسل الْوَجْه فَأمره ظَاهر، غير ظَاهر، وَكَونه ظَاهرا عِنْد عبد الله بن زيد لَا يسْتَلْزم أَن يكون ظَاهرا عِنْد السَّائِل عَنهُ، وَلَو كَانَ ظَاهرا لما سَأَلَهُ. وَقَوله

стр. 707

: ذكر مَا هُوَ الْمَقْصُود، أَي: ذكر البُخَارِيّ مَا هُوَ الْمَقْصُود، وَهُوَ الَّذِي ترْجم لَهُ الْبَاب. قلت: كَانَ يَنْبَغِي أَن يقْتَصر على المضمضمة وَالِاسْتِنْشَاق فَقَط، كَمَا هُوَ عَادَته فِي تقطيع الحَدِيث لأجل التراجم، فَيتْرك اختصاراً ذكر فرض من الْفُرُوض القطعية، وَيذكر زَوَائِد لَا تطابق التَّرْجَمَة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَقد يُجَاب أَيْضا بِأَن الْمَفْعُول الْمَحْذُوف الْوَجْه، أَي: ثمَّ غسل وَجهه، وَحذف لظُهُوره، فأو، بِمَعْنى: الْوَاو، فِي قَوْله: (أَو مضمض) ، وَمن كفة وَاحِدَة يتَعَلَّق: بمضمض واستنشق فَقَط. قلت: هَذَا أقرب إِلَى الصَّوَاب لِأَنَّهُ لَا يُقَال فِي الْفَم فِي الْوضُوء إلَاّ مضمض، وَإِن كَانَ يُطلق عَلَيْهِ الْغسْل. بَيَان استنباط الْأَحْكَام قد تقدم، وَإِنَّمَا مُرَاد البُخَارِيّ هَهُنَا بَيَان أَن الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق من غرفَة وَاحِدَة، وَهَذَا أحد الْوُجُوه الْخَمْسَة الْمُتَقَدّمَة، وَلَيْسَ هَذَا حجَّة على من يرى خلاف هَذَا الْوَجْه، لِأَن الْكل نقل عَنهُ، ﵇، بَيَانا للْجُوَاز. ٤٢ - (بابُ مَسْحِ الرَّأْسِ مَرَّةً) أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان مسح الرَّأْس مرّة وَاحِدَة. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة. ١٩٢ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قالَ حدّثنا وُهَيْبٌ قَالَ حدّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيىَ عنْ أَبِيه قَالَ شَهدْتُ عَمْرَو بنَ أبي حَسَنِ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ زَيْدٍ عنْ وُضُوءِ النبيِّ ﷺ فَدَعا بِتَوْرٍ مِنْ ماءٍ فَتَوَضَّأَ لهُمْ (فَكَفَأَهُ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسلَهُمَا ثَلاثاً ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فِي الاِناءِ) فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ ثَلاثاً بِثَلاثِ غَرَفاتٍ مِنْ ماءٍ ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فِي الاناءِ فَغَسَلَ وَجْههُ ثَلَاثًا ثُمَّ اَدْخَلَ يَدَهُ فِي الاِناءِ فَغَسَلَ يَدَيْهِ الى المِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ اَدْخَلَ يَدَهُ فِي الاناءِ فمَسَح بِرَأْسِهِ فَأَقْبَل بِيَدَيْهِ وَادْبَرَ بِهِمَا ثُمَّ اَدْخَلَ يَدَهُ فِي الاِناءِ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ.. قَوْله: (بَاب مسح الرَّأْس مرّة) ، هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (بَاب مسح الرَّأْس مسحة) . ومطابقة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهِي فِي قَوْله: (فَمسح بِرَأْسِهِ) ، أَي: مرّة وَاحِدَة، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ شَيْئَانِ. أَحدهمَا: أَنه نَص على الثَّلَاث وعَلى مرَّتَيْنِ فِي غَيره. وَالثَّانِي: أَنه صرح بالمرة فِي حَدِيث مُوسَى عَن وهيب، كَمَا يذكرهُ الْآن، وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ فِيمَا مضى. قَوْله: (وهيب) هُوَ ابْن خَالِد. قَوْله: (فَدَعَا بتور من مَاء) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (فَدَعَا بِمَاء) ، لم يذكر: التور. قَوْله: (فكفأه) أَي: أماله، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (فاكفأه) ، بِزِيَادَة همزَة فِي أَوله، وَهَذِه كلهَا مَضَت فِي بَاب غسل الرجلَيْن إِلَى الْكَعْبَيْنِ، والتفاوت بَينهمَا أَنه كرر لفظ: مرَّتَيْنِ، هَهُنَا وَزَاد: الْبَاء، فِي: مسح بِرَأْسِهِ. وَلَفظ: (ثمَّ ادخل يَده فِي الاناء) ، وَنقص لفظ: مرّة وَاحِدَة، مِنْهُ وَلَفظ: إِلَى الْكَعْبَيْنِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: هَل فرق بَين تكْرَار لفظ: مرَّتَيْنِ، وَعَدَمه غير التَّأْكِيد؟ قلت: هَذَا نَص فِي غسل كل يَد مرَّتَيْنِ، وَذَلِكَ ظَاهر فِيهِ. وحدّثنا مُوسَى قَالَ حدّثنا وُهَيْبٌ قَالَ مَسَحَ رَأسَهُ مَرَّةً. مُوسَى هُوَ ابْن إِسْمَاعِيل التَّبُوذَكِي؛ ووهب هُوَ ابْن خَالِد، وَتَقَدَّمت طَرِيق مُوسَى هَذَا فِي بَاب غسل الرجلَيْن إِلَى الْكَعْبَيْنِ، وَذكر فِيهَا أَنه مسح الراس مرّة وَاحِدَة. وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ الشَّافِعِي: الْمسنون ثَلَاث مسحات، وَالْحجّة عَلَيْهِ أَن الْمسنون يحْتَاج إِلَى شرع، وَحَدِيث عُثْمَان، ﵁، وَإِن كَانَ فِيهِ: أَنه مسح بِرَأْسِهِ مرّة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الشَّرْع الَّذِي قَالَ الشَّافِعِي فِي مسنونية الثَّلَاث مَا روى أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : أَنه، ﵊، مسح ثَلَاثًا، وَالْقِيَاس على سَائِر الْأَعْضَاء. قلت: روى أَبُو دَاوُد: حَدثنَا هَارُون بن عبد الله، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن آدم، قَالَ: حَدثنَا اسرائيل عَن عَامر عَن شَقِيق بن حَمْزَة عَن شَقِيق بن سَلمَة، قَالَ: (رَأَيْت عُثْمَان بن عَفَّان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، غسل ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمسح رَأسه ثَلَاثًا، ثمَّ قَالَ: رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فعل هَذَا) . قلت: الْمَذْكُور من حَدِيث الْجَمَاعَة هُوَ مسح الراس مرّة وَاحِدَة، وَلِهَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد فِي (سنَنه) : أَحَادِيث عُثْمَان الصِّحَاح تدل على أَن مسح الرَّأْس مرّة، فَإِنَّهُم ذكرُوا الْوضُوء ثَلَاثًا

стр. 708

وَقَالُوا فِيهَا: مسح رَأسه، وَلم يذكرُوا عددا، كَمَا ذكرُوا فِي غَيره، وَوصف عبد الله بن زيد وضوء النَّبِي ﷺ وَقَالَ: مسح براسه مرّة وَاحِدَة، مُتَّفق عَلَيْهِ. وَحَدِيث عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَفِيه: (مسح رَأسه مرّة وَاحِدَة) . وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، وَكَذَا وصف عبد الله بن أبي أوفى وَابْن عَبَّاس وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع وَالربيع، كلهم قَالُوا: وَمسح بِرَأْسِهِ مرّة وَاحِدَة، وَلم يَصح فِي أَحَادِيثهم شَيْء صَرِيح فِي تكْرَار الْمسْح. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: قد رُوِيَ من أوجه غَرِيبَة عَن عُثْمَان ذكرُ التّكْرَار فِي مسح الرَّأْس، إلَاّ أَنَّهَا مَعَ خلاف الْحفاظ الثِّقَات لَيست بِحجَّة عِنْد أهل الْمعرفَة، وَإِن كَانَ بعض أَصْحَابنَا يحْتَج بهَا. فان قلت: قد روى الدَّارَقُطْنِيّ فِي (سنَنه) عَن مُحَمَّد بن مَحْمُود الوَاسِطِيّ عَن شُعَيْب بن أَيُّوب عَن أبي يحيى الجماني عَن أبي حنيفَة عَن خَالِد بن عَلْقَمَة عَن عبد خير عَن عَلَيْهِ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَنه تَوَضَّأ) الحَدِيث، وَفِيه: (وَمسح بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا) ، ثمَّ قَالَ: هَكَذَا رَوَاهُ أَبُو حنيفَة عَن عَلْقَمَة بن خَالِد. وَخَالفهُ جمَاعَة من الْحفاظ الثِّقَات عَن خَالِد بن عَلْقَمَة، فَقَالُوا فِيهِ: وَمسح رَأسه مرّة وَاحِدَة وَمَعَ خلَافَة إيَّاهُم قَالَ: إِن السّنة فِي الْوضُوء مسح الرَّأْس مرّة وَاحِدَة. قلت: الزِّيَادَة عَن الثِّقَة مَقْبُولَة، وَلَا سِيمَا من مثل أبي حنيفَة، ﵁. وَأما قَوْله: فقد خَالف فِي حكم الْمسْح، غير صَحِيح، لِأَن تكْرَار الْمسْح مسنون عَن أبي حنيفَة أَيْضا، صرح بذلك صَاحب (الْهِدَايَة) : وَلَكِن بِمَاء وَاحِد. وَقَول الْكرْمَانِي وَالْقِيَاس على سَائِر الْأَعْضَاء، ردَّ بِأَن الْمسْح مَبْنِيّ على التَّخْفِيف، بِخِلَاف الْغسْل، وَلَو شرع التّكْرَار لصار صُورَة المغسول. وَقد اتّفق على كَرَاهَة غسل الرَّأْس بدل الْمسْح وَإِن كَانَ مجزياً. وَأجِيب: بِأَن الخفة تَقْتَضِي عدم الِاسْتِيعَاب، وَهُوَ مَشْرُوع بالِاتِّفَاقِ، فَلْيَكُن الْعدَد كَذَلِك ورد بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُور الَّذِي رَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة وَصَححهُ وَغَيره أَيْضا من طَرِيق عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ فِي صفة الْوضُوء حَيْثُ قَالَ: قَالَ النَّبِي، ﵊، بعد أَن فرغ: (من زَاد على هَذَا فقد أَسَاءَ وظلم) . فَإِن فِي رِوَايَة سعيد بن مَنْصُور التَّصْرِيح بِأَنَّهُ مسح رَأسه مرّة وَاحِدَة، فَدلَّ على أَن الزِّيَادَة فِي مسح الرَّأْس على الْمرة غير مُسْتَحبَّة، وَيحمل مَا رُوِيَ من الْأَحَادِيث فِي تثليث الْمسْح، إِن صحت على إِرَادَة الِاسْتِيعَاب بِالْمَسْحِ، لَا أَنَّهَا مسحات مُسْتَقلَّة لجَمِيع الرَّأْس، جمعا بَين هَذِه الْأَدِلَّة الْقَائِل بِهَذَا الرَّد هُوَ بَعضهم مِمَّن تصدى لشرح البُخَارِيّ، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ الثَّلَاث نَص فِيهِ، والاستيعاب بِالْمَسْحِ لَا يتَوَقَّف على الْعدَد، وَالصَّوَاب أَن يُقَال: الحَدِيث الَّذِي فِيهِ الْمسْح ثَلَاثًا لَا يُقَاوم الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا الْمسْح مرّة وَاحِدَة، وَلذَلِك قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أَكثر أهل الْعلم من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَمن بعدهمْ. وَقَالَ ابو عمر ابْن عبد الْبر: كلهم يَقُول مسح الرَّأْس مسحة وَاحِدَة. فَإِن قلت: هَذَا الَّذِي ذكرته يرد على أبي حنيفه. قلت: لَا يرد أصلا، فَإِنَّهُ رأى التَّثْلِيث سنة لكَونه رَوَاهُ، وَلكنه شَرط أَن يكون بِمَاء وَاحِد، وَهَذَا خلاف مَا قَالَه الشَّافِعِي، ﵀، وَمَعَ هَذَا الْمَذْهَب: الْإِفْرَاد لَا التثليثْ، لما ذكرنَا. ٤٣ - (بابُ وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ إمْرَأَتِهِ وَفَضْلِ وَضُوءِ المَرْأَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم وضوء الرجل مَعَ امْرَأَته فِي إِنَاء وَاحِد، وَالْوُضُوء فِي الْمَوْضِعَيْنِ بِضَم الْوَاو فِي الأول وَفِي الثَّانِي بِالْفَتْح، لِأَن المُرَاد من الأول وَالْفِعْل، وَمن الثَّانِي المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ. قَوْله: (وَفضل) بِالْجَرِّ عطفا على قَوْله: (وضوء الرجل) وَفِي بعض النّسخ: (بَاب وضوء الرجل مَعَ الْمَرْأَة) ، وَهُوَ أَعم من أَن تكون: امْرَأَته، أَو غَيرهَا. وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالحَمِيمِ مِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ هَذَا الْأَثر الْمُعَلق لَيْسَ لَهُ مُطَابقَة للتَّرْجَمَة أصلا، وَهَذَا ظَاهر كَمَا ترى. وَقَالَ بَعضهم: ومناسبته للتَّرْجَمَة من جِهَة الْغَالِب أَن أهل الرجل تبع لَهُ فِيمَا يفعل، فَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى الرَّد على من منع الْمَرْأَة أَن تتطهر بِفضل الرجل، لِأَن الظَّاهِر أَن امْرَأَة عمر، ﵁، كَانَت تَغْتَسِل بفضله أَو مَعَه، فَنَاسَبَ قَوْله: وضوء الرجل مَعَ امْرَأَته من إِنَاء وَاحِد. قلت: من لَهُ ذوق أَو إِدْرَاك يَقُول هَذَا الْكَلَام الْبعيد، فمراده من قَوْله: إِن اهل الرجل تبع لَهُ فِيمَا يفعل، فِي كل الْأَشْيَاء أَو فِي بضعهما؟ فَإِن كَانَ الأول فَلَا نسلم ذَلِك، وَإِن كَانَ الثَّانِي فَيجب التَّعْيِين. وَقَوله: لِأَن الظَّاهِر. إِلَى آخِره، أَي: ظَاهر دلّ على هَذَا. وَهل هَذَا إلَاّ حدس وتخمين؟ وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه مناسبته للتَّرْجَمَة؟ قلت: غَرَض البُخَارِيّ فِي هَذَا الْكتاب لَيْسَ منحصراً

стр. 709

فِي ذكر متون الْأَحَادِيث، بل يُرِيد الإفادة أَعم من ذَلِك، وَلِهَذَا يذكر آثَار الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وفتاوى السّلف وأقوال الْعلمَاء، ومعاني اللُّغَات وَغَيرهَا، فقصد هَهُنَا بَيَان التوضيء بِالْمَاءِ الَّذِي مسته النَّار وتسخن بهَا بِلَا كَرَاهَة دفعا لما قَالَ مُجَاهِد. قلت: هَذَا أعجب من الأول وَأغْرب، وَكَيف يُطَابق هَذَا الْكَلَام وَقد وضع أبواباً مترجمة، وَلَا بُد من رِعَايَة تطابق بَين تِلْكَ الْأَبْوَاب وَبَين الْآثَار الَّتِي يذكرهَا فِيهَا، وإلَاّ يعد من التخابيط؟ وَكَونه يذكر فَتَاوَى السّلف وأقوال الْعلمَاء ومعاني اللُّغَات لَا يدل على ترك المناسبات والمطابقات، وَهَذِه الْأَشْيَاء أَيْضا إِذا ذكرت بِلَا مُنَاسبَة يكون التَّرْتِيب مخبطاً، فَلَو ذكر شخص مَسْأَلَة فِي الطَّلَاق مثلا فِي كتاب الطَّهَارَة، أَو مَسْأَلَة من كتاب الطَّهَارَة فِي كتاب الْعتاق مثلا، نسب إِلَيْهِ التخبيط. ثمَّ هَذَا الْأَثر الأول وَصله سعيد بن مَنْصُور وَعبد الرَّزَّاق وَغَيرهمَا بِإِسْنَاد صَحِيح بِلَفْظ: إِن عمر، ﵁، كَانَ يتَوَضَّأ بالحميم ثمَّ يغْتَسل مِنْهُ، وَرَوَاهُ ابي شيبَة وَالدَّارَقُطْنِيّ بِلَفْظ: (كَانَ يسخن لَهُ مَاء فِي حميم ثمَّ يغْتَسل مِنْهُ) . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِسْنَاده صَحِيح. قَوْله: (بالحميم) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة: وَهُوَ المَاء المسخن. وَقَالَ ابْن بطال: قَالَ الطَّبَرِيّ: هُوَ المَاء السخين، فعيل بِمَعْنى مفعول. وَمِنْه سمي الْحمام حَماما لإسخانه من دخله، والمحموم محموماً لسخونة جسده. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع أهل الْحجاز وَأهل الْعرَاق جَمِيعًا على الْوضُوء بِالْمَاءِ السخن غير مُجَاهِد فَإِنَّهُ كرهه. رَوَاهُ عَنهُ لَيْث بن أبي سليم. وَذكر الرَّافِعِيّ فِي كِتَابه: إِن الصَّحَابَة تطهروا بِالْمَاءِ المسخن بَين يَدي رَسُول الله ﷺ وَلم يُنكر عَلَيْهِم هَذَا الْخَبَر. وَقَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ: لم أره فِي غير الرَّافِعِيّ! قلت: قد وَقع ذَلِك لبَعض الصَّحَابَة فِيمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَالْحسن بن سُفْيَان فِي (مُسْنده) ؛ وَأَبُو نعيم فِي (الْمعرفَة) ، وَالْمَشْهُور من طَرِيق الأسلع بن شريك، قَالَ: كنت أرحل نَاقَة رَسُول الله ﷺ فأصابتني جَنَابَة فِي لَيْلَة بَارِدَة، وَأَرَادَ رَسُول الله ﷺ الرحلة فَكرِهت أَن أرحل نَاقَة رَسُول الله ﷺ وَأَنا جنب، وخشيت أَن اغْتسل بِالْمَاءِ الْبَارِد فأموت أَو أمرض، فَأمرت رجلا من الْأَنْصَار يرحلها، وَوضعت أحجاراً فاسخنت بهَا مَاء فاغتسلت، ثمَّ لحقت رَسُول الله ﷺ فَذكرت ذَلِك لَهُ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿يَا ايها الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وانتم سكارى﴾ (النِّسَاء: ٤٣) إِلَى ﴿غَفُورًا﴾ (النِّسَاء: ٤٣) وَفِي سَنَده: الْهَيْثَم بن زُرَيْق الرَّاوِي لَهُ عَن أَبِيه عَن الأسلع مَجْهُولَانِ، والْعَلَاء بن الْفضل رَاوِيه عَن الْهَيْثَم وَفِيه ضعف، وَقد قيل: إِنَّه تفرد بِهِ. وَقد رُوِيَ ذَلِك عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم عمر بن الْخطاب، ﵁، كَمَا ذكره البُخَارِيّ، وَمِنْهُم سَلمَة بن الْأَكْوَع أَنه كَانَ يسخن المَاء يتَوَضَّأ بِهِ، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة بِإِسْنَاد صَحِيح، وَمِنْهُم ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أَنه قَالَ: (إِنَّا نَتَوَضَّأ بالحميم وَقد أغلي على النَّار) ، رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) عَن مُحَمَّد بن بشر عَن مُحَمَّد بن عَمْرو: حَدثنَا سملة، قَالَ: قَالَ ابْن عَبَّاس. وَمِنْهُم ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، رَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن أَيُّوب عَن نَافِع: أَن ابْن عمر كَانَ يتَوَضَّأ بالحميم. قَوْله: (وَمن بَيت نَصْرَانِيَّة) وَهُوَ الْأَثر الثَّانِي، وَهُوَ عطف على قَوْله: (بالحميم) أَي: وَتَوَضَّأ عمر من بَيت نَصْرَانِيَّة. وَوَقع فِي رِوَايَة كَرِيمَة بِحَذْف الْوَاو من قَوْله: (وَمن بَيت) ، وَهَذَا غير صَحِيح لِأَنَّهُمَا أثران مستقلان، فَالْأول ذَكرْنَاهُ، وَالثَّانِي الَّذِي علقه البُخَارِيّ وَوَصله الشَّافِعِي وَعبد الرَّزَّاق وَغَيرهمَا عَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن زيد بن أسلم عَن أَبِيه: (أَن عمر تَوَضَّأ من مَاء نَصْرَانِيَّة فِي جر نَصْرَانِيَّة) ، وَهَذَا لفظ الشَّافِعِي. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي: رَوَاهُ خَلاد بن أسلم عَن سُفْيَان بِسَنَدِهِ فَقَالَ: (مَاء نَصْرَانِيّ) ، بالتذكير. وَالْمَحْفُوظ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِي: (نَصْرَانِيَّة) ، بالتأنيث. وَفِي (الام) للشَّافِعِيّ: من جرة نَصْرَانِيَّة، بِالْهَاءِ فِي آخرهَا. وَفِي (الْمُهَذّب) لأبي إِسْحَاق: جر نَصْرَانِيّ، وَقَالَ: صَحِيح. وَذكر ابْن فَارس فِي (حلية الْعلمَاء) : هَذَا سلاخة عرقوب الْبَعِير يَجْعَل وعَاء للْمَاء، فَإِن قلت: مَا وَجه تطابق هَذَا الاثر للتَّرْجَمَة؟ قلت: قَالَ الْكرْمَانِي: بِنَاء على حذف وَاو الْعَطف من قَوْله: (وَمن بَيت نَصْرَانِيَّة) ، ومعتقداً أَنه أثر وَاحِد لما كَانَ هَذَا الاخير الَّذِي هُوَ مُنَاسِب لترجمة الْبَاب من فعل عمر، ﵁. ذكر الْأَمر الأول أَيْضا، وَإِن لم يكن مناسباً لَهَا، لاشْتِرَاكهمَا فِي كَونهمَا من فعله تكثيراً للفائدة واختصاراً فِي الْكتاب. وَيحْتَمل أَن يكون هَذَا قصَّة وَاحِدَة، أَي: تَوَضَّأ من بَيت النَّصْرَانِيَّة بِالْمَاءِ الْحَمِيم، وَيكون الْمَقْصُود ذكر اسْتِعْمَال سُؤْر الْمَرْأَة النَّصْرَانِيَّة، وَذكر الْحَمِيم إِنَّمَا هُوَ لبَيَان الْوَاقِع، فَتكون مناسبته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة قلت: هَذَا مِنْهُ لعدم إطلاعه فِي كتب الْقَوْم، فَظن أَنه أثر وَاحِد، وَقد عرفت أَنَّهُمَا أثران مستقلان. ثمَّ ادّعى أَن الْأَمر الْأَخير مُنَاسِب للتَّرْجَمَة، فهيهات أَن يكون مناسباً، لِأَن الْبَاب فِي وضوء الرجل مَعَ امْرَأَته، وَفضل وضوء الْمَرْأَة؟ فَأَي وَاحِد من هذَيْن مُنَاسِب لهَذَا؟ وَأي وَاحِد من هذَيْن يدل على ذَلِك؟ أما توضؤ عمر بالحميم فَلَا يدل على شَيْء من ذَلِك ظَاهرا، وَأما توضؤ عمر

стр. 710

من بَيت نَصْرَانِيَّة فَهَل يدل على أَن وضوءه كَانَ من فضل هَذِه النَّصْرَانِيَّة؟ فَلَا يدل وَلَا يسْتَلْزم ذَلِك. فَمن ادّعى ذَلِك فَعَلَيهِ الْبَيَان بالبرهان. وَقَالَ بَعضهم الثَّانِي مُنَاسِب لقَوْله: وَفضل وضوء الْمَرْأَة، لِأَن عمر، ﵁، تَوَضَّأ بِمَائِهَا، وَفِيه دَلِيل على جَوَاز التطهر بِفضل وضوء المراة الْمسلمَة لِأَنَّهَا لَا تكون أَسْوَأ حَالا من النَّصْرَانِيَّة. قلت: التَّرْجَمَة فضل وضوء الْمَرْأَة، والنصرانية هَل لَهَا فضل وضوء حَتَّى يكون التطابق بَينه وَبَين التَّرْجَمَة؟ فَقَوله: من بَيت نَصْرَانِيَّة لَا يدل على أَن المَاء كَانَ من فضل اسْتِعْمَال النَّصْرَانِيَّة، وَلِأَن المَاء كَانَ لَهَا. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة الشَّافِعِي: من مَاء نَصْرَانِيَّة فِي جر نَصْرَانِيَّة، قلت: نعم، وَلَكِن لَا يدل على أَنه كَانَ من فضل اسْتِعْمَالهَا، وَالَّذِي يدل عَلَيْهِ هَذَا الْأَثر جَوَاز اسْتِعْمَال مِيَاههمْ، وَلَكِن يكره اسْتِعْمَال أوانيهم وثيابهم. سَوَاء فِيهِ أهل الْكتاب وَغَيرهم. وَقَالَ الشَّافِعِيَّة: وأوانيهم المستعملة فِي المَاء أخف كَرَاهَة، فَإِن تَيَقّن طَهَارَة أوانيهم أَو ثِيَابهمْ فَلَا كَرَاهَة إِذا فِي اسْتِعْمَالهَا. قَالُوا: وَلَا نعلم فِيهَا خلافًا، وَإِذا تطهر من إِنَاء كَافِر وَلم يتَيَقَّن طَهَارَته وَلَا نَجَاسَته، فَإِن كَانَ من قوم لَا يتدينون باستعمالها صحت طَهَارَته قطعا، وَإِن كَانَ من قوم يتدينون باستعمالها فَوَجْهَانِ: أصَحهمَا: الصِّحَّة، وَالثَّانِي: الْمَنْع. وَمِمَّنْ كَانَ لَا يرى بَأْسا بِهِ: الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وأصحابهما. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: وَلَا أعلم أحدا كرهه إلَاّ أَحْمد وَإِسْحَاق. قلت: وتبعهما أهل الظَّاهِر، وَاخْتلف قَول مَالك فِي هَذَا، فَفِي (الْمُدَوَّنَة) : لَا يتَوَضَّأ بسؤر النَّصْرَانِي وَلَا بِمَاء أَدخل يَده فِيهِ. وَفِي (الْعُتْبِيَّة) أجَازه مرّة وَكَرِهَهُ أُخْرَى. وَقَالَ الشَّافِعِي فِي (الام) : لَا بَأْس بِالْوضُوءِ من مَاء الْمُشرك وبفضل وضوئِهِ مَا لم يعلم فِيهِ نَجَاسَة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: انْفَرد إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ بِكَرَاهَة فضل الْمَرْأَة إِن كَانَت جنبا. ١٩٣ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ: أخبرنَا مالِكٌ عنْ نافِعٍ عنْ عبْدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ انَّهُ قالَ كانَ الرِّجالُ والنِّسَاءُ

стр. 711

يَتَوَضَّؤُنَ فِي زَمانِ رسولِ الله ﷺ جمِيعاً. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة لِأَنَّهُ يدل على التَّرْجَمَة صَرِيحًا، لِأَن الْمَذْكُور فِيهَا شَيْئَانِ، والْحَدِيث لَيْسَ فِيهِ إلَاّ شَيْء وَاحِد. وَقَالَ الْكرْمَانِي: يدل على الأول صَرِيحًا، وعَلى الثَّانِي التزاماً. فَإِن قلت: هَذَا لَا يدل على أَن الرِّجَال وَالنِّسَاء كَانُوا يتوضؤون من إِنَاء وَاحِد. قلت: قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وروى هَذَا الحَدِيث مُحَمَّد بن النُّعْمَان عَن مَالك بِلَفْظ: (من الميضأة) . وَفِي رِوَايَة القعْنبِي وَابْن وهب عَنهُ: (كَانُوا يتوضؤون زمن النَّبِي، ﵊، فِي الْإِنَاء الْوَاحِد) . وَأخرجه أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث أَيُّوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر قَالَ: (كُنَّا نَتَوَضَّأ نَحن وَالنِّسَاء من إِنَاء وَاحِد على عهد رَسُول الله، ﵊، ندلي فِيهِ أَيْدِينَا) ، وَلَا شكّ أَن الْأَحَادِيث يُفَسر بَعْضهَا بَعْضًا. بَيَان رِجَاله وهم أَرْبَعَة كلهم تقدمُوا، وَعبد الله هُوَ التنيسِي. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والإخبار بِصِيغَة الْجمع والعنعنة وَالْقَوْل. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين تنيسي ومدني. وَمِنْهَا: أَن هَذَا السَّنَد من سلسلة الذَّهَب، وَعَن البُخَارِيّ: أصح أَسَانِيد مَالك عَن نَافِع عَن ابْن عمر. بَيَان الْمعَانِي قَالَ بَعضهم ظَاهر: (كَانَ الرِّجَال) التَّعْمِيم، لَكِن: اللَّام، للْجِنْس لَا للاستغراق. قلت: أَخذ هَذَا من كَلَام الْكرْمَانِي حَيْثُ قَالَ: فَإِن قلت: يُقرر فِي علم الْأُصُول أَن الْجمع الْمحلى بِالْألف وَاللَّام للاستغراق، فَمَا حكمه هَهُنَا؟ قلت: قَالُوا بِعُمُومِهِ إِلَّا إِذا دلّ الدَّلِيل على الْخُصُوص، وَهَهُنَا الْقَرِينَة العادية مخصصة بالبغض. قلت: الْجمع مثل الرِّجَال وَالنِّسَاء وَمَا فِي مَعْنَاهُ من الْعَام المتناول للمجموع إِذا عرّف بِاللَّامِ يكون مجَازًا عَن الْجِنْس، مثلا إِذا قلت: فلَان يركب الْخَيل ويلبس الثِّيَاب الْبيض، يكون للْجِنْس للْقطع بِأَن لَيْسَ الْقَصْد إِلَى عهد أَو استغراق، فَلَو حلف لَا يتَزَوَّج النِّسَاء وَلَا يَشْتَرِي العبيد أَو لَا يكلم النَّاس يَحْنَث بِالْوَاحِدِ، إِلَّا أَن يَنْوِي الْعُمُوم فَلَا يَحْنَث قطّ، لِأَنَّهُ نوى حَقِيقَة كَلَامه، ثمَّ هَذَا الْجِنْس بِمَنْزِلَة النكرَة يخص فِي الْإِثْبَات، كَمَا إِذا حلف أَن يركب الْخَيل يحصل الْبر بركوب وَاحِد، ثمَّ قَول ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (كَانَ الرِّجَال وَالنِّسَاء) إِثْبَات فَيَقَع على الْأَقَل بِقَرِينَة الْعَادة، وَإِن كَانَ يحْتَمل الْكل. فَإِن قلت: لَا يصلح التَّمَسُّك بِهِ لِأَن قَوْله: (جَمِيعًا) يُنَافِي وُقُوعه على الْأَقَل. قلت: مَعْنَاهُ مُجْتَمعين، فالاجتماع رَاجع إِلَى حَالَة كَونهم يتوضؤون لَا إِلَى كَون الرِّجَال وَالنِّسَاء مُطلقًا. فَافْهَم. فَإِنَّهُ مَوضِع دَقِيق. ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي. فان قلت: لَا يَصح التَّمَسُّك بِهِ، لِأَن فعل البغض لَيْسَ بِحجَّة. قلت: التَّمَسُّك لَيْسَ بِالْإِجْمَاع بل بتقرير الرَّسُول، ﵊. أَقُول: حَاصِل السُّؤَال أَنه لَا يَصح التَّمَسُّك بِمَا رُوِيَ عَن ابْن عمر من قَوْله: (كَانَ الرِّجَال وَالنِّسَاء يتوضؤون فِي زمن النَّبِي، ﵊ لِأَنَّك قد قلت: إِن المُرَاد الْبَعْض لقِيَام الْقَرِينَة عَلَيْهِ بذلك، واجتماع الْكل مُتَعَذر، فَلَا يكون حجَّة لعدم الْإِجْمَاع عَلَيْهِ، وَحَاصِل الْجَواب أَن التَّمَسُّك لَيْسَ بطرِيق الِاجْتِمَاع، بل بِأَن الرَّسُول، ﵊، قررهم على ذَلِك وَلم يُنكر عَلَيْهِم، فَيكون ذَلِك حجَّة للْجُوَاز. وَقد ذكر أهل الْأُصُول أَن قَول الصَّحَابِيّ: كَانَ النَّاس يَفْعَلُونَ، وَنَحْو ذَلِك، حجَّة فِي الْعَمَل. لَا سِيمَا إِذا قيد الصَّحَابِيّ ذَلِك بِزَمن النَّبِي، ﵊، ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: لِمَ لَا يكون من بَاب الْإِجْمَاع السكوتي، وَهُوَ حجَّة عِنْد الْأَكْثَر؟ قلت: لَا يتَصَوَّر الْإِجْمَاع إلَاّ بعد وَفَاة رَسُول الله، ﵊. بَيَان استنباط الاحكام الأول: فِيهِ أَن الصَّحَابِيّ إِذا أسْند الْفِعْل إِلَى زمن رَسُول الله ﷺ يكون حكمه الرّفْع عِنْد الْجُمْهُور، خلافًا لقوم. وَقَالَ بعضهمم: يُسْتَفَاد مِنْهُ أَن البُخَارِيّ يرى ذَلِك. قلت: لَا نسلم ذَلِك، لِأَن البُخَارِيّ وضع هَذَا الْمَرْوِيّ عَن ابْن عمر لبَيَان جَوَاز وضوء الرِّجَال وَالنِّسَاء جَمِيعًا من إِنَاء وَاحِد، وَمَعَ هَذَا لَا يُطَابق هَذَا تَرْجَمَة الْبَاب بِحَسب الظَّاهِر كَمَا قَرَّرْنَاهُ. الثَّانِي فِيهِ دَلِيل على جَوَاز توضيء الرجل وَالْمَرْأَة من إِنَاء وَاحِد. وَأما فضل الْمَرْأَة فَيجوز عِنْد الشَّافِعِي الْوضُوء بِهِ أَيْضا للرجل، سَوَاء خلت بِهِ أَو لَا. قَالَ الْبَغَوِيّ، وَغَيره: فَلَا كَرَاهَة فِيهِ للأحاديث الصَّحِيحَة فِيهِ، وَبِهَذَا قَالَ مَالك وَأَبُو حنيفَة وَجُمْهُور الْعلمَاء. وَقَالَ أَحْمد وَدَاوُد: لَا يجوز إِذا خلت بِهِ، وَرُوِيَ هَذَا عَن عبد الله بن سرجس وَالْحسن الْبَصْرِيّ، وَرُوِيَ عَن أَحْمد كمذهبنا، وَعَن ابْن الْمسيب وَالْحسن كَرَاهَة فَضلهَا مُطلقًا. وَحكى ابو عمر فِيهَا خَمْسَة مَذَاهِب: أَحدهَا: أَنه لَا بَأْس أَن يغْتَسل الرجل بفضلها مَا لم تكن جنبا أَو حَائِضًا. وَالثَّانِي: يكره أَن يتَوَضَّأ بفضلها وَعَكسه. وَالثَّالِث: كَرَاهَة فَضلهَا لَهُ والرخصة فِي عَكسه. وَالرَّابِع: لَا بَأْس بشروعهما مَعًا، وَلَا ضير فِي فَضلهَا، وَهُوَ قَول احْمَد. وَالْخَامِس: لَا بَأْس بِفضل كل مِنْهُمَا شرعا جَمِيعًا أَو خلا كل وَاحِد مِنْهُم بِهِ، وَعَلِيهِ فُقَهَاء الْأَمْصَار. اما اغتسال الرِّجَال وَالنِّسَاء من إِنَاء وَاحِد، فقد نقل الطَّحَاوِيّ والقرطبي وَالنَّوَوِيّ الِاتِّفَاق على جَوَاز ذَلِك، وَقَالَ بَعضهم: وَفِيه نظر لما حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن أبي هُرَيْرَة أَنه كَانَ يُنْهِي عَنهُ. وَكَذَا حَكَاهُ ابْن عبد الْبر عَن قوم. قلت: فِي نظره نظر، لأَنهم قَالُوا بالِاتِّفَاقِ دون الْإِجْمَاع، فَهَذَا الْقَائِل لم يعرف الْفرق بَين الِاتِّفَاق والاجماع، على أَنه روى جَوَاز ذَلِك عَن تِسْعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وهم: عَليّ بن أبي طَالب وَابْن عَبَّاس وَجَابِر وَأنس وَأَبُو هُرَيْرَة وَعَائِشَة وَأم سَلمَة وَأم هانىء ومَيْمُونَة. فَحَدِيث عَليّ، ﵁، عَن أَحْمد قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ وَأَهله يغتسلون من إِنَاء وَاحِد) ، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) من حَدِيث عِكْرِمَة عَنهُ: (أَن رَسُول الله ﷺ وَعَائِشَة اغتسلا من إِنَاء وَاحِد من جَنَابَة، وتوضآ جَمِيعًا للصَّلَاة) ؛ وَحَدِيث جَابر، ﵁، عِنْد ابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) قَالَ: كَانَ رَسُول الله ﷺ وأزواجه يغتسلون من إِنَاء وَاحِد) ؛ وَحَدِيث أنس عِنْد البُخَارِيّ عَن أبي الْوَلِيد عَن شُعْبَة عَن عبد الله بن جُبَير عَن أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ يغْتَسل هُوَ وَالْمَرْأَة من نِسَائِهِ من الْإِنَاء الْوَاحِد) . وروى الطَّحَاوِيّ نَحوه عَن أبي بكرَة القَاضِي؛ وَحَدِيث أبي هُرَيْرَة، ﵁، عِنْد الْبَزَّار فِي (مُسْنده) قَالَ: (كَانَ رَسُول الله ﷺ وَأَهله أَو بعض أَهله. يغتسلون من إِنَاء وَاحِد) ؛ وَحَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، عِنْد الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ، قَالَ: (كنت اغْتسل أَنا وَرَسُول الله ﷺ من إِنَاء وَاحِد فَيبْدَأ قبلي) ؛ وَحَدِيث أم سَلمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا عِنْد ابْن مَاجَه والطَّحَاوِي، قَالَت: (كنت أَغْتَسِل أَنا وَرَسُول الله، ﵊، من إِنَاء وَاحِد) ، وَأخرجه البُخَارِيّ بأتم مِنْهُ، وَحَدِيث أم هانىء، ﵂، عِنْد النَّسَائِيّ: (أَن النَّبِي ﷺ اغْتسل هُوَ ومَيْمُونَة من إِنَاء وَاحِد فِي قَصْعَة فِيهَا أثر الْعَجِين) ؛ وَحَدِيث مَيْمُونَة عِنْد التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن عَبَّاس، قَالَ: حَدَّثتنِي مَيْمُونَة، قَالَت: (كنت اغْتسل أَنا وَرَسُول الله ﷺ من إِنَاء وَاحِد من الْجَنَابَة) . وَقَالَ: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح، فَهَذِهِ الْأَحَادِيث كلهَا حجَّة على من يكره أَن يتَوَضَّأ الرجل بِفضل الْمَرْأَة، أَو تتوضأ الْمَرْأَة بِفضل الرجل، وَبَقِي الْكَلَام فِي ابْتِدَاء أَحدهمَا قبل الآخر. وَجَاء حَدِيث بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ : (اغْتَسَلت من جَنَابَة، فجَاء النَّبِي ﷺ ليتوضأ مِنْهَا أَو يغْتَسل. فَقَالَت لَهُ: يَا رَسُول الله إِنِّي كنت جنبا فَقَالَ ﷺ : إِن المَاء لَا يجنب) . وَجَاء أَيْضا حَدِيث أم حَبِيبَة الجهنية عِنْد ابْن مَاجَه والطَّحَاوِي قَالَت: (رُبمَا اخْتلفت يَدي وَيَد رَسُول الله ﷺ فِي الْوضُوء من إِنَاء وَاحِد) ، وَهَذَا فِي حق الْوضُوء. قَالَ الطَّحَاوِيّ: هَذَا يدل على أَن أَحدهمَا كَانَ يَأْخُذ من المَاء بعد صَاحبه. فَإِن قلت: رُوِيَ عَن عبد الله بن سرجس، قَالَ: (نهى رَسُول الله ﷺ أَن يغْتَسل الرجل بِفضل

стр. 712

المراة وَالْمَرْأَة بِفضل الرجل، وَلَكِن يشرعان جَمِيعًا) ، وَأخرجه الطَّحَاوِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَرُوِيَ أَيْضا من حَدِيث الحكم الْغِفَارِيّ، قَالَ: (نهى رَسُول الله ﷺ أَن يتَوَضَّأ الرجل بِفضل الْمَرْأَة أَو بسؤر الْمَرْأَة، لَا يدْرِي أَبُو حَاجِب أَيهمَا قَالَ) . وَأَبُو حَاجِب هُوَ الَّذِي روى عَن الحكم، وَاسم أبي حَاجِب: سوَادَة بن عَاصِم الْعَنزي. وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه والطَّحَاوِي، وَرُوِيَ أَيْضا عَن حميد بن عبد الرَّحْمَن، قَالَ: (كنت لقِيت من صحب النَّبِي ﷺ ، كَمَا صَحبه أَبُو هُرَيْرَة أَربع سِنِين، قَالَ: نهى رَسُول الله ﷺ ، فَذكر مثله، أخرجه الطَّحَاوِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي الْمعرفَة. قلت: نقل عَن الإِمَام أَحْمد أَن الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي منع التطهر بِفضل الْمَرْأَة، وَفِي جَوَاز ذَلِك مضطربة، قَالَ: لَكِن صَحَّ من الصَّحَابَة الْمَنْع فِيمَا إِذا دخلت بِهِ، وَلَكِن يُعَارض هَذَا مَا رُوِيَ بِصِحَّة الْجَوَاز عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة الَّذين ذَكَرْنَاهُمْ. وَأشهر الْأَحَادِيث عِنْد المانعين: حَدِيث عبد الله ابْن سرجس، وَحَدِيث حكم الْغِفَارِيّ. وَأما حَدِيث عبد الله بن سرجس، فَإِنَّهُ رُوِيَ مَرْفُوعا وموقوفاً. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: الْمَوْقُوف أولى بِالصَّوَابِ، وَقد قَالَ البُخَارِيّ: أَخطَأ من رَفعه. قلت: الحكم للرافع، لِأَنَّهُ زَاد: والراوي قد يُفْتِي بالشَّيْء ثمَّ يرويهِ مرّة أُخْرَى، وَيجْعَل الْمَوْقُوف فَتْوَى فَلَا يُعَارض الْمَرْفُوع، وَصَححهُ ابْن حزم مَرْفُوعا من حَدِيث عبد الْعَزِيز بن الْمُخْتَار الَّذِي فِي مُسْنده، والشيخان أخرجَا لَهُ، وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم وَأَبُو زرْعَة، فَلَا يضرّهُ وقف من وَقفه. وَتوقف ابْن الْقطَّان فِي تَصْحِيحه لِأَنَّهُ لم يره إلَاّ فِي كتاب الدَّارَقُطْنِيّ، وَشَيخ الدَّارَقُطْنِيّ فِيهِ لَا يعرف حَاله. قلت: شَيْخه فِيهِ عبد الله بن مُحَمَّد بن سعد المَقْبُري، وَلَو رَآهُ عِنْد ابْن مَاجَه أَو عِنْد الطَّحَاوِيّ لما توقف، لَان ابْن مَاجَه رَوَاهُ عَن مُحَمَّد بن يحيى عَن المعلي بن أَسد، والطَّحَاوِي رَوَاهُ مُحَمَّد بن خُزَيْمَة، وهما مشهوران. وَأما حَدِيث الحكم الْغِفَارِيّ، فَقَالَت جمَاعَة من أهل الحَدِيث، إِن هَذَا الحَدِيث لَا يَصح، وَأَشَارَ الْخطابِيّ أَيْضا إِلَى عدم صِحَّته، وَقَالَ ابْن مَنْدَه: لَا يثبت من جِهَة السَّنَد. قلت: لما أخرجه التِّرْمِذِيّ قَالَ: هَذَا حَدِيث حسن، وَرجحه ابْن مَاجَه على حَدِيث عبد الله بن سرجس، وَصَححهُ ابْن حبَان وَأَبُو مُحَمَّد الْفَارِسِي، وَالْقَوْل قَول من صَححهُ لَا من ضعفه، لِأَنَّهُ مُسْند ظَاهره السَّلامَة من تضعف وَانْقِطَاع، وَقَالَ ابْن قدامَة: الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد وَاحْتج بِهِ، وتضعيف البُخَارِيّ لَهُ بعد ذَلِك لَا يقبل لاحْتِمَال أَن يكون وَقع لَهُ من غير طَرِيق صَحِيح، وَيرد بِهَذَا أَيْضا قَول النَّوَوِيّ: اتّفق الْحفاظ على تَضْعِيفه. الثَّالِث من الْأَحْكَام أَن ظَاهر الحَدِيث يدل على جَوَاز تنَاول الرِّجَال وَالنِّسَاء المَاء فِي حَالَة وَاحِدَة، وَحكى ابْن التِّين عَن قوم: أَن الرِّجَال وَالنِّسَاء كَانُوا يتوضؤون جَمِيعًا من إِنَاء وَاحِد، هَؤُلَاءِ على حِدة وَهَؤُلَاء على حِدة. قلت: الزِّيَادَة فِي الحَدِيث وَهُوَ قَوْله: (من إِنَاء وَاحِد) يرد عَلَيْهِم، وَكَأَنَّهُم استبعدوا إجتماع الرِّجَال وَالنِّسَاء الأجنبيات، وَأجَاب ابْن التِّين عَن ذَلِك بِمَا حَكَاهُ عَن سَحْنُون أَن مَعْنَاهُ كَانَ الرِّجَال يتوضؤون ويذهبون، ثمَّ تَأتي النِّسَاء فيتوضأن. قلت: هَذَا خلاف الَّذِي يدل عَلَيْهِ جَمِيعًا، وَمَعَ هَذَا جَاءَ صَرِيحًا وحدة الْإِنَاء فِي (صَحِيح ابْن خُزَيْمَة) فِي هَذَا الحَدِيث من طَرِيق مُعْتَمر عَن عبيد الله بن عمر عَن نَافِع عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (أَنه أبْصر النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه يتطهرون، وَالنِّسَاء مَعَهم، من إِنَاء وَاحِد كلهم يتطهرون مِنْهُ) . قيل: وَلنَا أَن نقُول: مَا كَانَ مَانع من ذَلِك قبل نزُول آيَة الْحجاب، وَأما بعده فَيخْتَص بالزوجات والمحارم، وَفِيه نظر، وَالله تَعَالَى أعلم. ٤٤ - (بابُ صَبِّ النبيِّ ﷺ وَضوءَهُ علَى المُغْمَى عَلَيهِ) أَي: هَذَا فِي بَيَان صب النَّبِي، ﵊، وضوء، بِفَتْح الْوَاو: وَهُوَ المَاء الَّذِي تَوَضَّأ بِهِ على من أُغمي عَلَيْهِ، يُقَال: أُغمي عَلَيْهِ، بِضَم الْهمزَة، فَهُوَ مغمى عَلَيْهِ، وغمي بِضَم الْغَيْن وَتَخْفِيف الْمِيم فَهُوَ مغمى عَلَيْهِ، بِصِيغَة الْمَفْعُول، لِأَن أَصله مغموي على وزن: مفعول، اجْتمعت الْوَاو وَالْيَاء وسبقت إِحْدَاهمَا بِالسُّكُونِ فقلبت يَاء، ثمَّ أدغمت الْيَاء فِي الْيَاء، فَصَارَ: مغمى، بِضَم الْمِيم الثَّانِيَة وَتَشْديد الْيَاء، ثمَّ أبدلت من ضمة الْمِيم كسرة لأجل الْيَاء، فَصَارَ مغمى، وَالْإِغْمَاء والغشي بِمَعْنى وَاحِد. قَالَه الْكرْمَانِي: وَلَيْسَ كَذَلِك، فَإِن الغشي مرض يحصل من طول التَّعَب، وَهُوَ أخف من الْإِغْمَاء، وَالْفرق بَينه وَبَين الْجُنُون وَالنَّوْم أَن الْعقل يكون فِي الْإِغْمَاء مَغْلُوبًا، وَفِي الْجُنُون يكون مسلوباً، وَفِي النّوم يكون مَسْتُورا. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا نوعا من الْوضُوء.

стр. 713

١٩٤ - حدّثنا أبُو الوَلِيدِ قَالَ حدّثنا شُعْبَةُ عنْ مُحَمَّدِ بن المِنْكَدِرِ قالَ سَمِيْتُ جابِراً يَقُولُ جاءَ رسولُ اللَّهِ ﷺ يَعُودُني وَانَا مَرِيضٌ لَا اَعْقلُ فَتَوَضَّأَ وَصَبَّ علَيَّ مِنْ وَضُوئِهِ فَعَقَلْتُ فَقُلْتُ يَا رسولَ اللَّهِ لِمَنِ المِيرَاثُ إنَّمَا يَرِثُنِي كَلَالَةٌ فَنزلَتْ آيَةُ الفَرَائِضِ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم أَرْبَعَة. الأول: أَبُو الْوَلِيد الطَّيَالِسِيّ هِشَام بن عبد الْملك، تقدم فِي كتاب الايمان. الثَّانِي: شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَقد تكَرر ذكره. الثَّالِث: مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر التَّيْمِيّ الْقرشِي التَّابِعِيّ الْمَشْهُور، الْجَامِع بَين الْعلم والزهد، وَكَانَ الْمُنْكَدر خَال عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَشكى إِلَيْهَا الْحَاجة فَقَالَت لَهُ: أول شَيْء يأتيني أبْعث بِهِ إِلَيْك، فَجَاءَهَا عشرَة آلَاف دِرْهَم، فَبعثت بهَا إِلَيْهِ فَاشْترى مِنْهَا جَارِيَة فَولدت لَهُ مُحَمَّدًا إِمَامًا متألهاً بكاء، مَاتَ سنة إِحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: جَابر بن عبد الله الصَّحَابِيّ الْكَبِير، تقدم فِي كتاب الْوَحْي. بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي ومدني وَمِنْهَا: أَنهم كلهم أَئِمَّة أجلاء. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن أبي الْوَلِيد، وَفِي الطِّبّ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن غنْدر، وَفِي الْفَرَائِض عَن عبد الله بن عُثْمَان عَن عبد الله بن الْمُبَارك. وَأخرجه مُسلم فِي الْفَرَائِض عَن مُحَمَّد بن حَاتِم عَن بهز بن أَسد، عَن إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم عَن النَّضر بن شُمَيْل وَأبي عَامر الْعَقدي، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى عَن وهب بن جرير. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ، وَفِي الطَّهَارَة، وَفِي التَّفْسِير، وَفِي الطِّبّ عَن مُحَمَّد بن الْأَعْلَى عَن خَالِد بن الْحَارِث، ثمانيتهم عَنهُ بِهِ. بَيَان اللُّغَات وَالْمعْنَى وَالْإِعْرَاب قَوْله: (يَقُول) جملَة وَقعت حَالا، وَكَذَا قَوْله: (يعودنِي) . وَكَذَا قَوْله: (وَأَنا مَرِيض لَا أَعقل) اي: لَا أفهم، وَحذف مَفْعُوله إِمَّا للتعميم أَي: لَا أَعقل شَيْئا، أَو لجعله كالفعل اللَّازِم. قَوْله: (من وضوئِهِ) ، بِفَتْح الْوَاو: مَعْنَاهُ من المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ، أَو مِمَّا بَقِي مِنْهُ. وَأخرج فِي الِاعْتِصَام عَن عَليّ بن عبد الله: ثمَّ صب وضوءه عَليّ، وَلأبي دَاوُد: (فَتَوَضَّأ وصبه عَليّ) . قَوْله: (لمن الْمِيرَاث) ؟ الْألف وَاللَّام فِيهِ عوض عَن يَاء الْمُتَكَلّم، أَي: لمن ميراثي، وَيُؤَيِّدهُ مَا أخرجه فِي الِاعْتِصَام أَنه قَالَ: (كَيفَ اصْنَع فِي مالى) ؛ وَفِي رِوَايَة: (مَا تَأْمُرنِي أَن أصنع فِي مَالِي) ؟ وَفِي أُخْرَى: (كَيفَ أَقْْضِي فِي مَالِي) ، وَفِي أُخْرَى: (إِنَّمَا ترثني سبع أَخَوَات) ، وَفِي أُخْرَى فَنزلت: ﴿يُوصِيكُم الله فِي أَوْلَادكُم﴾ (النِّسَاء: ١١) . قَوْله: (كَلَالَة) فِيهَا أَقْوَال أَصَحهَا: مَا عدا الْوَالِد وَالْولد، وَفِيه حَدِيث صَحِيح من طَرِيق الْبَراء بن عَازِب. وَقيل: مَا عدا الْوَلَد خَاصَّة، وَقيل: الْأُخوة للام، وَقيل: بَنو الْعم وَمن أشبهم، وَقيل: الْعَصَبَات كلهم وَإِن بعدوا، ثمَّ قيل: للْوَرَثَة، وَقيل: للْمَيت، وَقيل: لَهما، وَقيل: لِلْمَالِ الْمَوْرُوث. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: الكُّل: الَّذِي لَا ولد لَهُ وَلَا وَالِد، يُقَال: كَلُّ الرجل يكلُّ كَلَالَة. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: تطلق الْكَلَالَة على ثَلَاثَة: على من لم يخلف ولدا وَلَا والداً، وعَلى من لَيْسَ بِولد وَلَا وَالِد من الْمُخلفين، وعَلى الْقَرَابَة من غير جِهَة الْوَلَد وَالْوَالِد. قَوْله: (فَنزلت آيَة الْفَرَائِض) وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿يستفتونك قل الله يفتيكم فِي الْكَلَالَة﴾ (النِّسَاء: ١٧٦) إِلَى آخر السُّورَة، وَقيل: هِيَ آيَة الْمَوَارِيث مُطلقًا. والفرائض: جمع فَرِيضَة، وَالْمرَاد هَهُنَا: الحصص الْمقدرَة فِي كتاب الله للْوَرَثَة. بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: قَالَ ابْن بطال فِيهِ دَلِيل على طهورية المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ، لِأَنَّهُ لَو لم يكن طَاهِرا لما صبه عَلَيْهِ. قلت: لَيْسَ فِيهِ دَلِيل، لِأَنَّهُ يحْتَمل أَنه صب من الْبَاقِي فِي الْإِنَاء. الثَّانِي: فِيهِ رقية الصَّالِحين للْمَاء ومباشرتهم إِيَّاه، وَذَلِكَ مِمَّا يُرْجَى بركته. الثَّالِث: فِيهِ دَلِيل على أَن بركَة يَد رَسُول الله ﷺ تزيل كل عِلّة. الرَّابِع: فِيهِ أَن مَا يقْرَأ على المَاء مِمَّا ينفع. الْخَامِس: فِيهِ فَضِيلَة عِيَادَة الضُّعَفَاء. السَّادِس: فِيهِ فَضِيلَة عِيَادَة الأكابرِ الأصاغرَ. ٤٥ - (بابُ الْغُسْلِ وَالوُضُوءِ فِي المِخْضَبِ والقَدَحِ والخَشَبِ والحِجَارَةِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْغسْل وَالْوُضُوء فِي المخضب، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفِي آخِره بَاء مُوَحدَة. قَالَ ابْن سَيّده: المخضب شبه الإجانة، وَقَالَ صَاحب (الْمُنْتَهى) : هُوَ المركن. وَقَالَ ابو هِلَال العسكري فِي كتاب (التَّلْخِيص) : إِنَاء يغسل فِيهِ. وَفِي (مجمع الغرائب) هُوَ إجانة تغسل فِيهِ الثِّيَاب وَيُقَال لَهُ المركن. قَوْله: (والقدح) وَاحِد الأقداح الَّتِي للشُّرْب

стр. 714

وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الْقدح الَّذِي يُؤْكَل فِيهِ، وَأكْثر مَا يكون من الْخشب مَعَ ضيف فِيهِ. قَوْله: (والخشب) ، بِفَتْح الْخَاء الْمُعْجَمَة: جمع خَشَبَة، وَكَذَلِكَ: الْخشب، بِضَمَّتَيْنِ وبسكون الشين أَيْضا، وَمرَاده: الْإِنَاء الْخشب، وَكَذَلِكَ الْإِنَاء الْحِجَارَة، وَذَلِكَ لِأَن الْأَوَانِي تكون من الْخشب وَالْحجر وَسَائِر جَوَاهِر الأَرْض كالحديد والصفر والنحاس وَالذَّهَب وَالْفِضَّة. فَقَوله: (والخشب) يتَنَاوَل سَائِر الأخشاب. وَقَوله: (وَالْحِجَارَة) يتَنَاوَل سَائِر الْأَحْجَار من الَّتِي لَهَا قيمَة، وَالَّتِي لَا قيمَة لَهَا، وَالْحِجَارَة حمع حجر وَهُوَ جمع نَادِر: كالجمالة جمع جمل، وَكَذَلِكَ: حجار، بِدُونِ الْهَاء، وهما جمع كَثْرَة، وَجمع الْقلَّة أَحْجَار. فَإِن قلت: مَا وَجه عطف: الْخشب وَالْحِجَارَة، على: الخضب والقدح؟ قلت: من بَاب عطف التَّفْسِير، لِأَن المخضب والقدح قد يكونَانِ من الْخشب، وَقد يكونَانِ من الْحِجَارَة، وَقد صرح فِي الحَدِيث الْمَذْكُور فِي هَذَا الْبَاب بمخضب من حِجَارَة كَمَا يَأْتِي عَن قريب، وَالدَّلِيل على صِحَة ذَلِك مَا قد وَقع فِي بعض النّسخ الصَّحِيحَة: فِي المخضب والقدح الْخشب وَالْحِجَارَة، بِدُونِ حرف الْعَطف. وَقَالَ بَعضهم: وَعطف: الْخشب وَالْحِجَارَة، على: المخضب والقدح، لَيْسَ من عطف الْعَام على الْخَاص فَقَط، بل بَين هذَيْن وهذين عُمُوم وخصوص من وَجه. قلت: قصارى فهم هَذَا الْقَائِل أَنه لَيْسَ من عطف الْعَام على الْخَاص، ثمَّ أضْرب عَنهُ إِلَى بَيَان الْعُمُوم وَالْخُصُوص من وَجه بَين هَذِه الْأَشْيَاء، وَلم يبين وَجه الْعَطف مَا هُوَ وَقد وَقع فِي بعض النّسخ بعد قَوْله: وَالْحِجَارَة. (والتور) ، بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق، قَالَ الْجَوْهَرِي: هُوَ إِنَاء يشرب فِيهِ، زَاد المطرزي: صَغِير، وَفِي (المغيث) لأبي مُوسَى: هُوَ إِنَاء يشبه إجانة من صفر، أَو حِجَارَة يتَوَضَّأ فِيهِ ويؤكل. وَقَالَ ابْن قر قَول: هُوَ مثل قدح من الْحِجَارَة، وَقد مر الْكَلَام فِيهِ عَن قريب. والمناسبة بَين هَذَا الْبَاب والأبواب الَّتِي قبله ظَاهِرَة، لِأَن الْكل فِيمَا يتَعَلَّق بِالْوضُوءِ. ١٩٥ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ مُنِيرٍ سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بنَ بَكْرٍ حدّثنا حُمَيْدٌ عنْ أَنَسٍ قالَ حَضَرَت الصَّلَاةُ فَقامَ مَنْ كانَ قَرِيبَ الدَّارِ إِلَى أَهْلِهِ وَبَقِيَ قَوْمٌ فَاُتِيَ رسولُ اللَّهِ ﷺ بِمِخْضَبٍ مِنْ حِجَارَةٍ فِيهِ ماءٌ فَصَغُرَ المِخْضَبُ اَنْ يَبْسُطَ فِيهِ كَفَّهُ فَتَوَضَّأَ القَوْمُ كُلُّهُمْ قُلْنَا كَمْ كُنْتُمْ قَالَ ثَمَانِينَ وزِيادَةً.. مُطَابق الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة فِي قَوْله: (بمخضب من حِجَارَة) إِلَى آخِره. بَيَان رِجَاله وهم أَرْبَعَة. الأول: عبد الله بن مُنِير، بِضَم الْمِيم وَكسر النُّون وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره رواء، وَوَقع فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: ابْن الْمُنِير، بِالْألف وَاللَّام. قلت: يجوز كِلَاهُمَا كَمَا عرف فِي مَوْضِعه، وَقد يلتبس هَذَا: بِابْن الْمُنِير، الَّذِي لَهُ كَلَام فِي تراجم البُخَارِيّ وَفِي غَيرهَا، وَهُوَ بِضَم الْمِيم وَفتح النُّون وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ مُتَأَخّر عَن ذَلِك بزهاء أَرْبَعمِائَة سنة، وَهُوَ: أَبُو الْعَبَّاس أَحْمد بن ابي الْمَعَالِي مُحَمَّد كَانَ قَاضِي اسكندرية وخطيبها، وَعبد الله بن مُنِير الْحَافِظ الزَّاهِد السَّهْمِي الْمروزِي، مَاتَ سنة إِحْدَى وَأَرْبَعين وَمِائَتَيْنِ. الثَّانِي: عبد الله بن بكر أَبُو وهب الْبَصْرِيّ، نزل بَغْدَاد وَتُوفِّي فِي خلَافَة الْمَأْمُون سنة ثَمَان وَمِائَتَيْنِ. الثَّالِث: حميد، بِالتَّصْغِيرِ، ابْن ابي حميد الطَّوِيل، مَاتَ وَهُوَ قَائِم يُصَلِّي، وَقد تقدم فِي بَاب خوف الْمُؤمن أَن يحبط عمله. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَالسَّمَاع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وبصري. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي عَلَامَات النُّبُوَّة عَن يزِيد بن هَارُون، وَأخرجه مُسلم وَلَفظه: (كَانَ النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه بالزوراء، والزوراء بِالْمَدِينَةِ عِنْد السُّوق وَالْمَسْجِد، دَعَا بقدح فِيهِ مَاء فَوضع كَفه فِيهِ فَجعل يَنْبع من بَين أَصَابِعه، فَتَوَضَّأ جَمِيع أَصْحَابه. قَالَ: قلت: كم كَانُوا يَا أَبَا حَمْزَة؟ قَالَ: كَانُوا زهاء الثلاثمائة) . وَأخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ وَغَيره. بَيَان الْمعَانِي وَالْإِعْرَاب قَوْله: (حضرت الصَّلَاة) هِيَ صَلَاة الْعَصْر. قَوْله: (من كَانَ) فِي مَحل الرّفْع، لِأَنَّهُ فَاعل: قَامَ. قَوْله: (إِلَى أَهله) يتَعَلَّق بقوله: (فَقَامَ) ، وَذَلِكَ الْقيام كَانَ لقصد تَحْصِيل المَاء والتوضىء بِهِ. قَوْله: (وَبَقِي قوم) أَي: عِنْد رَسُول الله ﷺ مَا غَابُوا عَن مَجْلِسه وَلم يَكُونُوا على الْوضُوء أَيْضا، وَإِنَّمَا توضؤوا من المخضب الَّذِي اتى بِهِ رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (فأُتي) بِضَم الْهمزَة على صِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (من حِجَارَة) كلمة: من. للْبَيَان. قَوْله: (فصغر المخضب) أَي: لم يسع بسط

стр. 715

الْكَفّ فِيهِ لصغره، وَقد علم من ذَلِك أَن المخضب يكون من حِجَارَة وَغَيره، وَيكون صَغِيرا وكبيراً. قَوْله: (ان يبسط) اي: لِأَن يبسط، وَكلمَة: أَن، مَصْدَرِيَّة أَي: لبسط الْكَفّ فِيهِ. قَوْله: (فَتَوَضَّأ الْقَوْم) أَي: الْقَوْم الَّذين بقوا عِنْد النَّبِي ﷺ من ذَلِك المخضب الصَّغِير. قَوْله: (فَقُلْنَا) وَفِي بعض النّسخ وَفِي بَعْضهَا: قلت. وَهُوَ من كَلَام حميد الطَّوِيل الرَّاوِي عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (كم كُنْتُم) ؟ مُمَيّز: كم، مَحْذُوف تَقْدِيره: كم نفسا كُنْتُم؟ وَكَذَلِكَ مُمَيّز ثَمَانِينَ مَنْصُوب لِأَنَّهُ خبر للكون الْمُقدر تَقْدِيره: كُنَّا ثَمَانِينَ نفسا وَزِيَادَة على الثَّمَانِينَ. بَيَان استنباط الْأَحْكَام: الأول: فِيهِ دلَالَة على معْجزَة كَبِيرَة للنَّبِي ﷺ . الثَّانِي: فِيهِ التهيء للْوُضُوء عِنْد حُضُور الصَّلَاة. الثَّالِث: فِيهِ أَن الْأَوَانِي كلهَا، سَوَاء كَانَت من الْخشب أَو من جَوَاهِر الأَرْض طَاهِرَة، فَلَا كَرَاهَة فِي اسْتِعْمَالهَا، وَذكر أَبُو عبيد فِي (كتاب الطّهُور) عَن ابْن سِيرِين: كَانَت الْخُلَفَاء يتوضأون فِي الطشت، وَعَن الْحسن رَأَيْت عُثْمَان يصب عَلَيْهِ من إبريق يعْنى نُحَاسا. قَالَ أَبُو عبيد: وعَلى هَذَا أَمر النَّاس فِي الرُّخْصَة والتوسعة فِي الْوضُوء فِي آنِية النّحاس وأشباهه من الْجَوَاهِر إلَاّ مَا رُوِيَ عَن ابْن عمر من الْكَرَاهَة. قلت: ذكر ابْن أبي شيبَة عَن يحيى بن سليم عَن ابْن جريج قَالَ: قَالَ مُعَاوِيَة: كرهت أَن أتوضأ فِي النّحاس، وَفِي كتاب (الْأَشْرَاف) : رخص كثير من أهل الْعلم فِي ذَلِك، وَبِه قَالَ الثَّوْريّ وَابْن الْمُبَارك وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْر، وَمَا علمت أَنِّي رَأَيْت أحدا كره الْوضُوء فِي آنِية الصفر والنحاس والرصاص وَشبهه، والأشياء على الْإِبَاحَة وَلَيْسَ يحرم مَا هُوَ مَوْقُوف على ابْن عمر. وَقَالَ ابْن بطال: وَقد وجدت عَن ابْن عمر أَنه تَوَضَّأ فِيهِ، وَهَذِه الرِّوَايَة أشبه للصَّوَاب، وَكَانَ الشَّافِعِي وَإِسْحَاق وَأَبُو ثَوْر يكْرهُونَ الْوضُوء فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة، وَبِه نقُول. وَلَو تَوَضَّأ لَهُ متوضىء أَجزَأَهُ وَقد أَسَاءَ، وَعَن أبي حنيفَة، ﵁، كَانَ يكره الْأكل وَالشرب فِي آنِية الْفضة، وَكَانَ لَا يرى بَأْسا بالمفضض، وَكَانَ لَا يرى بِالْوضُوءِ مِنْهُ بَأْسا. قلت: أَبُو حنيفَة كَانَ يكره الْأكل فِي آنِية الذَّهَب أَيْضا، وَالْمرَاد من الْكَرَاهَة: كَرَاهَة التَّحْرِيم، وَفِي (سنَن) أبي دَاوُد، بِسَنَد ضَعِيف عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (كنت أَغْتَسِل أَنا وَرَسُول الله، ﵊، فِي تور من شبه) . وَفِي (مُسْند) أَحْمد بِسَنَد صَحِيح عَن زَيْنَب بنت جحش: (أَن النَّبِي، ﵊، كَانَ يتَوَضَّأ من مخضب من صفر) . الصفر، بِضَم الصَّاد: هُوَ النّحاس الْجيد. قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: كسر الصَّاد فِيهِ لُغَة وَلم يجزه غَيره، وَيُقَال لَهُ: الشّبَه، أَيْضا بِفتْحَتَيْنِ لِأَنَّهُ يشبه الذَّهَب. ١٩٦ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ العَلَاءِ قَالَ حدّثنا أبُو أسَامَةَ عنْ بُرَيْدٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبي مُوسى أنَّ النَّبيَّ ﷺ دَعا بِقَدَحٍ فِيهِ ماءٌ فَغَسلَ يَدَيْهِ وَوَجْهَهُ فِيهِ وَمَجَّ فيهِ. (انْظُر الحَدِيث: ١٨٨ وطرفه) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: مُحَمَّد بن الْعَلَاء، بِالْمُهْمَلَةِ وبالمد. الثَّانِي: أَبُو أُسَامَة حَمَّاد ابْن اسامة. الثَّالِث: بريد، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف: بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي مُوسَى، وَاسم أبي الْحَارِث، وَيُقَال: عَامر، وَيُقَال: اسْمه كنيته، وَأَبُو مُوسَى اسْمه عبد الله بن قيس الْأَشْعَرِيّ، وَهَذَا الْإِسْنَاد بِعَيْنِه تقدم فِي بَاب فضل من علم وَعلم. وَلَا تفَاوت بَينهمَا إلَاّ فِي لفظ حَمَّاد، فَإِنَّهُ ذكر هُنَا بالكنية. وثمة بِالِاسْمِ. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة مكيون. بَيَان الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب قَوْله: (مج فِيهِ) أَي: صب فِيهِ، وَمِنْه: مج لعابه إِذا قذفه. قَوْله: (فِيهِ مَاء) ، جملَة إسمية فِي مَوضِع الْجَرّ لِأَنَّهَا صفة لقدح. قَوْله: (فَغسل يَدَيْهِ) : الْفَاء، للْعَطْف على: دَعَا بِالْمُهْمَلَةِ، وَمعنى دَعَا طلب. قَوْله: (وَوَجهه) بِالنّصب عطف على قَوْله: (يَدَيْهِ) . وَقَوله: (وَمَج) عطف على (غسل) . بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: قَالَ الْكرْمَانِي، هَذَا الحَدِيث يدل على الْغسْل فِي الْقدح، بِفَتْح الْغَيْن، لَا على الْغسْل، بِضَم الْغَيْن، وَلَا على الْوضُوء. الثَّانِي: قَالَ الدَّاودِيّ: فِيهِ جَوَاز الْوضُوء بِمَاء قد مج فيهه. الثَّالِث: فِيهِ دلَالَة على جَوَاز الشّرْب مِنْهُ، وَكَذَا الإفراغ مِنْهُ على الْوُجُوه والنحور، لِأَن تَمام الحَدِيث أخرجه البُخَارِيّ مُعَلّقا عَن أبي مُوسَى فِي بَاب اسْتِعْمَال فضل وضوء النَّاس، وَقد ذكرنَا بَقِيَّة الْكَلَام هُنَاكَ.

стр. 716

١٩٧ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ يُونُسَ قالَ حدّثنا عَبْدُ العَزِيزِ بنُ أبي سَلَمَة قَالَ حدّثنا عَمْرُو بنُ يَحْيَى عنْ أبِيهِ عنْ عَبْدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ قالَ أتَى رسولُ اللَّهِ ﷺ فَاخْرَجْنا لَهُ مَاء فِي تَوْرٍ مِنْ صُفْرٍ فَتَوَضَّأَ فَغَسلَ وَجْهَهُ ثَلاثاً وَيَدَيْهِ مَرَّتَيْن مَرَّتَيْن وَمَسَحَ بِرَأسِهِ فَاقْبَلَ بِهِ وَأدْبَرَ وَغَسَلَ رِجلَيْه.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَحْمد بن عبد الله بن يُونُس، نسب إِلَى جده، تقدم فِي بَاب من قَالَ: الْإِيمَان هُوَ الْعَمَل الصَّالح. الثَّانِي: عبد الْعَزِيز بن عبد الله بن أبي سَلمَة، بِفَتْح اللَّام: الْمَاجشون، بِفَتْح الْجِيم، مر فِي بَاب السُّؤَال والفتيا عِنْد رمي الْجمار. الثَّالِث: عَمْرو بن يحيى. الرَّابِع: أَبوهُ يحيى بن عمَارَة. الْخَامِس: عبد الله بن زيد، وَقد تقدمُوا فِي بَاب غسل الرجلَيْن. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي ومدني. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ اثْنَيْنِ وهما أَحْمد بن يُونُس وَعبد الْعَزِيز، وَكِلَاهُمَا منسوبان إِلَى جدهما، وَاسم أَب كل مِنْهُمَا: عبد الله، وكنية كل مِنْهُمَا: ابو عبد الله، وكل مِنْهُمَا: ثِقَة حَافظ فَقِيه. بَيَان الْمَعْنى وَالْحكم قَوْله: (أَتَانَا رَسُول الله، ﵊ رِوَايَة الْكشميهني وابي الْوَقْت، وَرِوَايَة غَيرهمَا: (أَتَى رَسُول الله ﵊ . قَوْله: (فِي تور) صفة لقَوْله: (مَاء) ، وَمحله النصب، وَكلمَة: من فِي: (من صفر) للْبَيَان، وَتَفْسِير: التور، قد مر عَن قريب قَوْله: (فَغسل وَجهه) تَفْسِير لقَوْله: (فَتَوَضَّأ) وَفِيه حذف تَقْدِيره: فَمَضْمض واستنشق، كَمَا دلّت عَلَيْهِ الرِّوَايَات الْأُخَر، والمخرج مُتحد. قَوْله: (فِي تور من صفر) زِيَادَة عبد الْعَزِيز. قَالَ الْكرْمَانِي: فان قلت: لم يذكر فِي التَّرْجَمَة لفظ: التور، وَكَانَ الْمُنَاسب أَن يذكر هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي بعده. قلت: لَعَلَّ إِيرَاده فِي هَذَا الْبَاب من جِهَة أَن ذَلِك لتور كَانَ على شكل الْقدح، أَو من جملَة أَنه حجر، لِأَن الصفر من أَنْوَاع الْأَحْجَار، أَقُول: رَأَيْت فِي نُسْخَة صَحِيحَة بِخَط المُصَنّف: والتور، بعد قَوْله: (والخشب وَالْحِجَارَة) . ١٩٨ - حدّثنا أبُو اليَمَانِ قَالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ أَخْبرنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بنُ عَبْدِ اللَّهِ بنِ عُتْبَةَ أنَّ عائِشَةَ قالَتْ لمَا ثَقُلَ النبيُّ ﷺ واشْتَدَّ بِهِ وَجَعُهُ اسْتَأْذَنَ أزْوَاجَهُ فِي أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِي فاذِنَّ لهُ فَخَرَجَ النبيُّ ﷺ بَيْنَ رَجُلَيْنِ تَخُطُّ رِجْلَاهُ فِي الارْضِ بَيْنَ عَبَّاسٍ وَرَجُلٍ آخَرَ قالَ عُبَيْدُ اللَّهِ فاخبَرْتُ عَبْدَ اللَّهِ ابنَ عَبَّاسٍ فقالَ أتَدْرِي منِ الرَّجُلُ الآخَرُ قُلْتُ لَا قالَ هُوَ عَلِيٌّ وكانَتْ عائِشَةُ ﵂ تُحَدِّثُ أنّ النَّبيَّ ﷺ قالَ بَعْدَ مَا دَخَلَ بَيْتَهُ واشْتَدَّ وَجعُهُ هَرِيقُوا عَليَّ مِنْ سَبْع قِرَبٍ لمْ تُحْلَلْ اوْ كِيَتُهُنَّ لعَلِّي أَعْهَدُ إلَى النَّاسِ وأُجْلِسَ فِي مِخْضَبٍ لحَفْصَةَ زَوْجِ النبيِّ ﷺ ثمَّ طَفِقْنَا نَصُبُّ عَلَيْهِ من تِلْكَ القِرَبِ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إليْنَا أنْ قدْ فَعَلْتُنَّ ثُمَّ خَرَجَ إلَى النَّاسِ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْيَمَان، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف: واسْمه الحكم ابْن نَافِع. الثَّانِي: شُعَيْب بن أبي حَمْزَة دِينَار، وَأَبُو بشر الْحِمصِي. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: عبيد الله بن عبد الله، بتصغير الابْن وتكبير الْأَب، وَالْكل تقدمُوا فِي كتاب الْوَحْي. الْخَامِس: عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم أَجْمَعِينَ. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والإخبار، وبصيغة الْإِفْرَاد وَالْقَوْل. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بن حمصي ومدني. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رَاوِيَيْنِ جليلين: الزُّهْرِيّ وَعبيد الله. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي سبع مَوَاضِع هُنَا، وَفِي الصَّلَاة فِي موضِعين، وَفِي حد الْمَرِيض يشْهد الْجَمَاعَة، وَإِنَّمَا جعل الإِمَام ليؤتم بِهِ مُخْتَصرا، وَفِي الْهِبَة، وَالْخمس، وَأجر الْمَغَازِي، وَفِي بَاب مَرضه، ﵊، وَفِي الطِّبّ. وَأخرجه مُسلم

стр. 717

فِي الصَّلَاة عَن عبد بن حميد وَمُحَمّد بن رَافع. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي عشرَة النِّسَاء، وَفِي الْوَفَاة عَن مُحَمَّد بن مَنْصُور، وَفِي الْوَفَاة أَيْضا عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ، وَلم يذكر ابْن عَبَّاس. أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْجَنَائِز عَن ابْن إِسْمَاعِيل عَن سُفْيَان بِهِ. بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب قَوْله: (لما ثقل) ، بِضَم الْقَاف، يُقَال: ثقل الشَّيْء ثقلاً، مِثَال صغر صغراً، فَهُوَ ثقيل. وَقَالَ ابو نصر: أصبح فلَان ثاقلاً إِذا أثقله الملاض، والثقل ضد الخفة، وَالْمعْنَى هَهُنَا: اشْتَدَّ مَرضه، ويفسره قَوْلهَا بعده: وَاشْتَدَّ بِهِ وَجَعه، وَأما: الثّقل، بِفَتْح الثَّاء وَسُكُون الْقَاف، فَهُوَ مصدر: ثقل، بِفَتْح الْقَاف: الشَّيْء فِي الْوَزْن يثقله ثقلاً، من بَاب: نصر ينصر، إِذا وَزنه. وَكَذَلِكَ: ثقلت الشَّاة إِذا رفعتها للنَّظَر مَا ثقلهَا من خفتها. وَقَالَ بَعضهم: وَفِي الْقَامُوس: ثقل كفرح يعْنى بِكَسْر الْقَاف فَهُوَ ثاقل وثقيل: اشْتَدَّ مَرضه. قلت: هَذَا يحْتَاج إِلَى نسبته إِلَى أحد من أَئِمَّة اللُّغَة الْمُعْتَمد عَلَيْهِم. قَوْله: (فِي أَن يمرض) على صِيغَة الْمَجْهُول، من: التمريض، يُقَال: مَرضه تمريضاً إِذا أَقمت عَلَيْهِ فِي مَرضه، يَعْنِي: خدمته فِيهِ. وَيحْتَمل أَن يكون التَّشْدِيد فِيهِ للسلب والإزالة كَمَا تَقول قردت الْبَعِير إِذا أزلت قراده، والمعني هُنَا: أزلت مَرضه بِالْخدمَةِ. قَوْله: (فَأذن) بتَشْديد النُّون لِأَنَّهُ جمَاعَة النِّسَاء، أَي: أَذِنت زَوْجَات النَّبِي، ﵊، أَن يمرض فِي بَيتهَا. قَوْله: (تخط رِجْلَاهُ) بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة، و: رِجْلَاهُ، فَاعله أَي: يُؤثر بِرجلِهِ على الأَرْض كَأَنَّهَا تخط خطا، وَفِي بعض النّسخ: تخط، بِصِيغَة الْمَجْهُول. قَوْله: (قَالَ عبيد الله) هُوَ الرَّاوِي لَهُ عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَهُوَ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور بِغَيْر وَاو الْعَطف. قَوْله: (وَكَانَت) مَعْطُوف أَيْضا بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور، وعباس هُوَ ابْن عبد الْمطلب عَم النَّبِي ﷺ . قَوْله: (فَأخْبرت) أَي: بقول عَائِشَة، ﵂. قَوْله: (بعد مَا دخل بَيته) وَفِي بعض النّسخ: (بَيتهَا) ، وأضيف إِلَيْهَا مجَازًا: بملابسة السُّكْنَى فِيهِ. قَوْله: (هريقوا عَليّ) كَذَا فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين بِدُونِ الْهمزَة فِي أَوله، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ: (أهريقوا) ، بِزِيَادَة الْهمزَة. وَفِي بعض النّسخ: (اريقوا) . إعلم أَن فِي هَذِه الْمَادَّة ثَلَاث لُغَات. الأولى: هراق المَاء يهرقه هراقة أَي: صب، وَأَصله: أراق يريق إِرَاقَة، من بَاب الإفعال، وأصل: أراق يريق على وزن أفعل، نقلت حَرَكَة الْيَاء إِلَى مَا قبلهَا، ثمَّ قلبت ألفا لتحركها فِي الأَصْل وانفتاح مَا قبلهَا بعد النَّقْل، فَصَارَ أراق، وأصل: يريق يأريق على وزن: يؤفعل، مثل: يكرم، أَصله: يؤكرم، حذفت الْهمزَة مِنْهُ اتبَاعا لحذفها فِي الْمُتَكَلّم لِاجْتِمَاع الهمزتين فِيهِ، وَهُوَ ثقيل. اللُّغَة الثَّانِيَة: أهرق المَاء يهرقه إهراقاً على وزن: أفعل إفعالاً. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: قد أبدلوا من الْهمزَة الْهَاء ثمَّ لَزِمت فَصَارَت كَأَنَّهَا من نفس الْكَلِمَة حذفت الْألف بعد الْهَاء، وَتركت الْهَاء عوضا عَن حذفهم الْعين، لِأَن أصل أهرق: أريق. اللُّغَة الثَّالِثَة: أهراق يهريق إهراياقاً، فَهُوَ مهريق، وَالشَّيْء مهراق ومهراق أَيْضا بِالتَّحْرِيكِ، وَهَذَا شَاذ، وَنَظِيره: اسطاع يسطيع اسطياعاً، بِفَتْح الْألف فِي الْمَاضِي، وَضم الْيَاء فِي الْمُضَارع وَهُوَ لُغَة فِي: اطاع يُطِيع، فَجعلُوا السِّين عوضا من ذهَاب حَرَكَة عين الْفِعْل، فَكَذَلِك حكم: الْهَاء، وَقد خبط بَعضهم خباطاً فِي هَذَا الْمَوْضُوع لعدم وقوفهم على قَوَاعِد علم الصّرْف. قَوْله: (من سبع قرب) جمع قربَة، وَهِي مَا يستقى بِهِ، وَهُوَ جمع الْكَثْرَة، وَجمع الْقلَّة: قربات، بِسُكُون الرَّاء وَفتحهَا وَكسرهَا. قَوْله: (أوكيتهن) الأوكية جمع: وكاء، وَهُوَ الَّذِي يشد بِهِ رَأس الْقرْبَة. قَوْله: (أَعهد) بِفَتْح الْهَاء اي: أوصى من بَاب: علم يعلم، يُقَال عهِدت إِلَيْهِ أَي: أوصيته. قَوْله: (واجلس) على صِيغَة الْمَجْهُول اي: النَّبِي ﷺ ، وَفِي بعض الرِّوَايَات: (فاجلس) بِالْفَاءِ. و: المخضب، مر تَفْسِيره عَن قريب، وَزَاد ابْن خريمة من طَرِيق عُرْوَة عَن عَائِشَة أَنه كَانَ من نُحَاس. قَوْله: (ثمَّ طفقنا نصب عَلَيْهِ) بِكَسْر الْفَاء وَفتحهَا، حَكَاهُ الْأَخْفَش، وَالْكَسْر أفْصح. وَهُوَ من أَفعَال المقاربة، وَمَعْنَاهُ: جعلنَا نصب المَاء على رَأس النَّبِي ﷺ . قَوْله: (تِلْكَ) أَي: الْقرب السَّبع، وَفِي بعض الرِّوَايَات: (تِلْكَ الْقرب) . وَهُوَ فِي مَحل النصب لِأَنَّهُ مفعول نصب. قَوْله: (حَتَّى طفق) اي حَتَّى جعل النَّبِي ﷺ يُشِير إِلَيْنَا، وَفِي: طفق، معنى الِاسْتِمْرَار والمواصلة. قَوْله: (أَن قد فعلتن) أَي: بِأَن فعلتن مَا أمرتكن بِهِ من إهراق المَاء من الْقرب الموصوفة، و: فعلتن، بِضَم التَّاء وَتَشْديد النُّون، وَهُوَ جمع الْمُؤَنَّث الْمُخَاطب. قَوْله: (ثمَّ خرج إِلَى النَّاس) أَي: خرج من بَيت عَائِشَة، ﵂، وَزَاد البُخَارِيّ فِيهِ من طَرِيق عقيل عَن الزُّهْرِيّ: (فصلى بهم وخطبهم) ، على مَا يَأْتِي، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. بَيَان استنباط الاحكام الأول: فِيهِ الدّلَالَة على وجوب الْقسم على النَّبِي ﷺ وإلَاّ لم يحْتَج إِلَى الاسْتِئْذَان عَنْهُن، ثمَّ

стр. 718

وُجُوبه على غَيره بِالطَّرِيقِ الاولى. الثَّانِي: فِيهِ لبَعض الضرات أَن تهب نوبتها للضرة الْأُخْرَى. الثَّالِث: فِيهِ اسْتِحْبَاب الْوَصِيَّة. الرَّابِع: فِيهِ جَوَاز الإجلاس فِي المخضب وَنَحْوه لأجل صب المَاء عَلَيْهِ، سَوَاء كَانَ من خشب أَو حجر أَو نُحَاس، وَقد رُوِيَ عَن ابْن عمر كَرَاهَة الْوضُوء فِي النّحاس، وَقد ذَكرْنَاهُ وَقد رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: أَنا أتوضأ بِالنُّحَاسِ وَمَا يكره مِنْهُ شَيْء إلَاّ رَائِحَته فَقَط. وَقيل: الْكَرَاهَة فِيهِ لِأَن المَاء يتَغَيَّر فِيهِ، وَرُوِيَ أَن الْمَلَائِكَة تكره ريح النّحاس. وَقيل: يحْتَمل أَن تكون الْكَرَاهَة فِيهِ لِأَنَّهُ مستخرج من معادن الأَرْض شَبيه بِالذَّهَب وَالْفِضَّة، وَالصَّوَاب: جَوَاز اسْتِعْمَاله بِمَا ذكرنَا من رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة، وَفِي رَسُول الله ﷺ الأسوة الْحَسَنَة وَالْحجّة الْبَالِغَة. الْخَامِس: فِيهِ إِرَاقَة المَاء على الْمَرِيض بنية التَّدَاوِي وَقصد الشِّفَاء. السَّادِس: فِيهِ دلَالَة على فضل عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، لتمريض النَّبِي ﷺ فِي بَيتهَا. السَّابِع: فِيهِ إِشَارَة إِلَى جَوَاز الرقي والتداوي للعليل، وَيكرهُ ذَلِك لمن لَيْسَ بِهِ عِلّة. الثَّامِن: فِيهِ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يشْتَد بِهِ الْمَرَض ليعظم الله أجره بذلك، وَفِي الحَدِيث الآخر: (إِنِّي أوعك كَمَا يوعك رجلَانِ مِنْكُم) . التَّاسِع: فِيهِ جَوَاز الْأَخْذ بِالْإِشَارَةِ. الْعَاشِر: فِيهِ أَن الْمَرِيض تسكن نَفسه لبَعض أَهله دون بعض. الأسئلة والاجوبة: الأول: مَا كَانَت الْحِكْمَة فِي طلب النَّبِي ﷺ المَاء فِي مَرضه؟ أُجِيب: بِأَن الْمَرِيض إِذا صب عَلَيْهِ المَاء الْبَارِد ثَابت إِلَيْهِ قوته، لَكِن فِي مرض يَقْتَضِي ذَلِك، وَالنَّبِيّ ﷺ علم ذَلِك فَلذَلِك طلب المَاء، وَلذَلِك بعد اسْتِعْمَال المَاء قَامَ وَخرج إِلَى النَّاس. الثَّانِي: مَا الْحِكْمَة فِي تعْيين الْعدَد بالسبعة فِي الْقرب؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون ذَلِك من نَاحيَة التَّبَرُّك، وَفِي عدد السَّبع بركَة، لِأَن لَهُ دُخُولا كثيرا فِي كثير من أُمُور الشَّرِيعَة، وَلِأَن الله تَعَالَى خلق كثيرا من مخلوقاته سبعا. قلت: نِهَايَة الْعدَد عشرَة، وَالْمِائَة تتركب من العشرات، والالوف من المئات، والسبعة من وسط الْعشْرَة، وَخير الْأُمُور أوساطها، وَهِي وتر، وَالله تَعَالَى يحب الْوتر، بِخِلَاف السَّادِس وَالثَّامِن، وَأما التَّاسِع فَلَيْسَ من الْوسط وَإِن كَانَ وترا. الثَّالِث: مَا الْحِكْمَة فِي تعْيين الْقرب؟ أُجِيب: بِأَن المَاء يكون فِيهَا مَحْفُوظًا وَفِي مَعْنَاهَا مَا يشاكلها مِمَّا يحفظ فِيهِ المَاء، وَلِهَذَا جَاءَ فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ فِي هَذَا الحَدِيث من آبار شَتَّى. الرَّابِع: مَا الْحِكْمَة فِي شَرطه، ﵊، فِي الْقرب عدم حل أوكيتهن؟ أُجِيب: بِأَن أولى المَاء أطهره وأصفاه، لِأَن الْأَيْدِي لم تخالطه وَلم تدنسه بعد، والقرب إِنَّمَا توكى وَتحل على ذكر الله تَعَالَى، فَاشْترط أَن يكون صب المَاء عَلَيْهِ من الأسقية الَّتِي لم تحلل ليَكُون قد جمع بركَة الذّكر فِي شدها وحلها مَعًا. الْخَامِس: مَا الْحِكْمَة فِي أَن عَائِشَة، ﵂، قَالَت: (وَرجل آخر) وَلم تعينه، مَعَ أَنه كَانَ هُوَ عَليّ بن أبي طَالب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ؟ أُجِيب: بِأَنَّهُ كَانَ فِي قَلبهَا مِنْهُ مَا يحصل فِي قُلُوب الْبشر مِمَّا يكون سَببا فِي الْإِعْرَاض عَن ذكر اسْمه، وَجَاء فِي رِوَايَة: (بَين الْفضل ابْن عَبَّاس) ، وَفِي أُخْرَى: (بَين رجلَيْنِ أَحدهمَا أُسَامَة) ، وَطَرِيق الْجمع أَنهم كَانُوا يتناوبون الْأَخْذ بِيَدِهِ الْكَرِيمَة، تَارَة هَذَا وَتارَة هَذَا، وَكَانَ الْعَبَّاس أَكْثَرهم أخذا بِيَدِهِ الْكَرِيمَة، لِأَنَّهُ كَانَ أدومهم لَهَا إِكْرَاما لَهُ واختصاصاً بِهِ، وَعلي وَأُسَامَة وَالْفضل يتناوبون الْيَد الْأُخْرَى، فعلى هَذَا يُجَاب بِأَنَّهَا صرحت بِالْعَبَّاسِ وأبهمت الآخر لكَوْنهم ثَلَاثَة، وَهَذَا الْجَواب أحسن من الاول. السَّادِس: قَالَ الْكرْمَانِي: أَيْن ذكر الْخشب فِي هَذِه الاحاديث الَّتِي فِي هَذَا الْبَاب؟ ثمَّ أجَاب بقوله: لَعَلَّ الْقدح كَانَ من الْخشب. ٤٦ - (بابُ الوُضُوء مِنَ التَّوْرِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوضُوء من التور، وَقد مر تَفْسِير التور مُسْتَوفى، وَوَقع فِي حَدِيث شريك عَن أنس فِي الْمِعْرَاج فَأتى بطشت من ذهب فِيهِ تور من ذهب، فَدلَّ هَذَا أَن التور غير الطشت، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَن يكون التور إبريقاً وَنَحْوه، لِأَن الطشت لَا بُد لَهُ من ذَلِك. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة. ١٩٩ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قالَ حدّثنا سُلَيْمانُ قالَ حدّثنى عَمْرُو بنُ يَحْيَ عَنْ أبِيهِ قالَ كانَ عَمِّي يُكْثِرُ مِنَ الوُضُوءِ قَالَ لَعَبْدِ اللَّهِ بن زَيْدٍ أَخْبِرْنِي كَيْفَ رَأيْتَ النبيَّ ﷺ يَتَوضَّأُ فَدَعَا بِتَوْرٍ مِنْ ماءٍ فَكَفَأَ عَلَى يَدَيْهِ فَغَسَلَهُمَا ثَلاثَ مِرَارٍ ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فِي التَّوْرِ فَمضْمَضَ واسْتَنْثَرَ ثَلاثَ مَرَّاتٍ مِنْ غَرْفَةٍ واحِدَةٍ ثُمَّ أدْخَلَ يَدَهُ فاغْتَرَفَ بِها فَغَسَلَ وَجْهَهُ

стр. 719

ثَلاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ غَسَلَ يَدَيْهِ إِلَى الْمِرْفَقَيْنِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ أخَذَ بِيَدِهِ مَاء فَمَسَحَ رَأْسَهُ فأدْبَرَ بِهِ وأقْبَلَ ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ فقالَ هَكَذَا رَأيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَتَوَضَّأُ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: خَالِد بن مخلد، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام: الْقَطوَانِي البَجلِيّ، مر فِي أول كتاب الْعلم. الثَّانِي: سُلَيْمَان بن بِلَال أَبُو مُحَمَّد، مر فِي أول كتاب الْإِيمَان. الثَّالِث: عَمْرو بن يحيى. الرَّابِع: يحيى بن عمَارَة. الْخَامِس: عَم يحيى هُوَ عَمْرو بن أبي حسن، كَمَا تقدم. وَبَقِيَّة الْكَلَام فِيهِ وَفِيمَا يتَعَلَّق بِالْحَدِيثِ مر فِي بَاب مسح الرَّأْس كُله، ولنذكر هُنَا مَا لم نذكرهُ هُنَاكَ. قَوْله: (ثَلَاث مَرَّات) وَفِي رِوَايَة: (ثَلَاث مَرَّات) ، فَإِن قلت: حكم الْعدَد فِي ثَلَاثَة إِلَى عشرَة أَن يُضَاف إِلَى جمع الْقلَّة، فَلم أضيف إِلَى جمع الْكَثْرَة مَعَ وجود الْقلَّة وَهُوَ: مَرَّات؟ قلت: هما يتعاوضان فيستعمل كل مِنْهُمَا مَكَان الآخر كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿ثَلَاثَة قُرُوء﴾ (الْبَقَرَة: ٢٢٨) . قَوْله: (ثمَّ ادخل يَده فِي التور فَمَضْمض) فِيهِ حذف تَقْدِيره: ثمَّ أخرجهَا فَمَضْمض، وَقد صرح بِهِ مُسلم فِي رِوَايَته. قَوْله: (واستنثر) قد مر تَفْسِير الاستنثار هُنَاكَ. فَإِن قلت: لِمَ لَمْ يذكر الِاسْتِنْشَاق؟ قلت: الاستنثار مُسْتَلْزم للاستنشاق لِأَنَّهُ إِخْرَاج المَاء من الْأنف، هَكَذَا قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: لَا يَتَأَتَّى هَذَا على قَول من يَقُول: الاستنثار وَالِاسْتِنْشَاق وَاحِد، فعلى قَول هَذَا يكون هَذَا من بَاب الِاكْتِفَاء أَو الِاعْتِمَاد على الرِّوَايَة الاخرى. قَوْله: (من غرفَة وَاحِدَة) حَال من الضَّمِير الَّذِي فِي: (مضمض) ، وَالْمعْنَى: مضمض ثَلَاث مَرَّات واستنثر ثَلَاث مَرَّات حَال كَونه مغترفاً بغرفة وَاحِدَة وَهُوَ أحد الْوُجُوه الْخَمْسَة للشَّافِعِيَّة. وَقَالَ بَعضهم قَوْله (من غرفَة وَاحِدَة) يتَعَلَّق بقوله: (فَمَضْمض واستنثر) ، وَالْمعْنَى جمع بَينهمَا بِثَلَاث مَرَّات من غرفَة وَاحِدَة كل مرّة بغرفة. قلت: يكون الْجَمِيع ثَلَاث غرفات، والتركيب لَا يدل على هَذَا، وَهُوَ يُصَرح بغرفة وَاحِدَة. نعم، جَاءَ فِي حَدِيث عبد الله بن زيد: بِثَلَاث غرفات، وَفِي رِوَايَة ابي دَاوُد وَمُسلم: (فَمَضْمض واستنشق من كف وَاحِدَة، يفعل ذَلِك ثَلَاثًا) . يَعْنِي: بِفعل الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق كل مرّة مِنْهُمَا بغرفة، فَتكون المضامض الثَّلَاث والاستنشاقات الثَّلَاث بِثَلَاث غرفات، وَهُوَ أحد الْوُجُوه للشَّافِعِيَّة وَهُوَ الْأَصَح عِنْدهم قَوْله: (فَغسل وَجهه ثَلَاث مَرَّات) لفظ: ثَلَاث مَرَّات، مُتَعَلق بالفعلين اي: اغترف ثَلَاثًا فَغسل ثَلَاثًا، وَهُوَ على سَبِيل تنَازع العاملين، وَذَلِكَ لِأَن الْغسْل ثَلَاثًا لَا يُمكن باغتراف وَاحِد. قَوْله: (فَأَدْبَرَ بيدَيْهِ وَأَقْبل) ، احْتج بِهِ الْحسن بن حَيّ على أَن الْبدَاءَة بمؤخر الرَّأْس، وَالْجَوَاب أَن: الْوَاو، لَا تدل على التَّرْتِيب، وَقد سبقت الرِّوَايَة بِتَقْدِيم الإقبال حَيْثُ قَالَ: (فَأقبل بِيَدِهِ وَأدبر بهَا) ، وَإِنَّمَا اخْتلف فعل رَسُول الله ﷺ فِي التَّأْخِير والتقديم ليري أمته السعَة فِي ذَلِك والتيسير لَهُم. قَوْله: (فَقَالَ) ، أَي: عبد الله بن زيد. ٢٠٠ - حدّثنا مُسَدَّدٌ قالَ حدّثنا حَمَّادٌ عَنْ ثابِتٍ عَنْ أنَسٍ أنّ النَّبيَّ ﷺ دَعا بِاناءٍ مِنْ ماءٍ فُاتِيَ بِقَدَحٍ رَحْرَاحٍ فِيهِ شَيءٌ مِنْ ماءٍ فَوَضَعَ أصَابِعَهُ فِيهِ قَالَ أنَسٌ فَجَعَلْتُ أنْظُرُ إلَى المَاءِ يَنْبُعُ مِنْ بَيْنِ أصَابِعِه قالَ أنَسٌ فَحَزَرْتُ مَنْ تَوضَّأَ مِنْهُ مَا بَيْنَ السَّبْعِين إِلَى الثَّمَانِينِ.. مطابقته للتَّرْجَمَة غير ظَاهِرَة لِأَن التَّرْجَمَة بَاب الْوضُوء من التور، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا أطلق اسْم التور على الْقدح. بَيَان رِجَاله وهم أَرْبَعَة. الأول: مُسَدّد بن مسهرد. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد، تقدم كِلَاهُمَا. فَإِن قلت: فَلِمَ لَا يجوز أَن يكون حَمَّاد هَذَا هُوَ حَمَّاد ابْن سَلمَة؟ قلت: لِأَن مُسَددًا لم يسمع من حَمَّاد بن سَلمَة. الثَّالِث: ثَابت الْبنانِيّ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وبالنونين، مر فِي بَاب الْقِرَاءَة الْعرض. الرَّابِع: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَنهم كلهم أَئِمَّة أجلاء. بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي فَضَائِل النَّبِي ﷺ عَن أبي الرّبيع الزهْرَانِي. بَيَان الْمَعْنى قَوْله: (رحراح) ، بِفَتْح الرَّاء وبالحاءين الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي: وَاسع، وَيُقَال: رحرح أَيْضا بِحَذْف الْألف. وَقَالَ الْخطابِيّ: الرحراح: الْإِنَاء الْوَاسِع الْفَم الْقَرِيب القعر، وَمثله لَا يسع المَاء الْكثير، فَهُوَ أدل على المعجزة. وروى ابْن خُزَيْمَة هَذَا الحَدِيث عَن أَحْمد بن عَبدة عَن حَمَّاد بن زيد، فَقَالَ بدل رحراح: زجاج، بزاي مَضْمُومَة وجيمين،

стр. 720

وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْوضُوء من آنِية الزّجاج، وَفِي مُسْنده عَن ابْن عَبَّاس أَن الْمُقَوْقس أهْدى للنَّبِي ﷺ قدحاً من زجاج، لَكِن فِي إِسْنَاده مقَال. قَوْله: (فِيهِ شَيْء من مَاء) أَي: قَلِيل من مَاء، لِأَن التَّنْوِين للتقليل، وَمن، للتَّبْعِيض. قَوْله: (يَنْبع) يجوز فِيهِ فتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَضمّهَا وَكسرهَا. قَوْله: (فحزرت) من الحزر، بِتَقْدِيم الزَّاي على الرَّاء، وَهُوَ: الْخرص. وَالتَّقْدِير قَوْله: (من) . فِي مَحل النصب على المفعولية قَوْله (مَا بَين السّبْعين إِلَى الثَّمَانِينَ) وَتقدم من رِوَايَة حميد أَنهم كَانُوا ثَمَانِينَ وَزِيَادَة، وَالْجمع بَينهمَا أَن أنسا لم يكن يضْبط الْعدة بل كَانَ يتَحَقَّق أَنَّهَا تنيف على السّبْعين، ويشك هَل بلغت العقد الثَّامِن أَو جاوزته، كَذَا قَالَ بَعضهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: ورد أَيْضا عَن جَابر ثمَّة: (كُنَّا خَمْسَة عشر وَمِائَة) ، وَهَذِه قضايا مُتعَدِّدَة فِي مَوَاطِن مُخْتَلفَة وأحوال مُتَغَايِرَة، وَهَذَا أوجه من ذَاك، وَيُسْتَفَاد من هَذَا بلاغه معجزته ﷺ ، وَهُوَ أبلغ من تفجير المَاء من الْحجر لمُوسَى، ﵊، لِأَن فِي طبع الْحِجَارَة أَن يخرج مِنْهَا المَاء الغدق الْكثير، وَلَيْسَ ذَلِك فِي طباع أَعْضَاء بني آدم. ٤٧ - (بابُ الوُضُوءِ بالمُدِّ) أَي: هَذَا بَاب الْوضُوء بِالْمدِّ، بِضَم الْمِيم وَتَشْديد الدَّال: وَالْمدّ، اخْتلفُوا فِيهِ. فَقيل: الْمَدّ رَطْل وَثلث بالعراقي، وَبِه يَقُول الشَّافِعِي وفقهاء الْحجاز. وَقيل: هُوَ رطلان، وَبِه يَقُول أَبُو حنيفَة وفقهاء الْعرَاق. وَقَالَ بَعضهم: وَخَالف بعض الحنيفة، فَقَالَ: الْمَدّ رطلان. قلت: مَذْهَب أبي حنيفَة أَن الْمَدّ رطلان، وَهَذَا الْقَائِل لم يبين الْمُخَالف من هُوَ، وَمَا خَالف أَبُو حنيفَة أصلا لِأَنَّهُ يسْتَدلّ فِي ذَلِك بِمَا رَوَاهُ جَابر، قَالَ: (كَانَ النَّبِي، ﷺ ، يتَوَضَّأ بِالْمدِّ رطلين ويغتسل بالصاع ثَمَانِيَة أَرْطَال) . أخرجه ابْن عدي، وَبِمَا رَوَاهُ عَن أنس، قَالَ: (كَانَ رَسُول الله، ﷺ ، يتَوَضَّأ بِمد رطلين ويغتسل بالصاع ثَمَانِيَة أَرْطَال) ، أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ. ٢٠١ - حدّثنا أبُو نعَيْمٍ قالَ حدّثنا مِسْعَرٌ قالَ حدّثنى ابنُ جَبْرٍ قالَ سَمِعْتُ أنَساً يَقُولُ كَانَ النَّبيُّ ﷺ يَغْسِلُ أوْ كانَ يغْتسِلُ بِالصَّاعِ إِلَى خَمْسَةِ أمْدَادٍ وَيَتَوَضَّأُ بالمُدِّ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم أَرْبَعَة الأول: أَبُو نعيم، بِضَم النُّون: هُوَ الْفضل بن دُكَيْن، تقدم فِي بَاب فضل من اسْتَبْرَأَ لدينِهِ فِي كتاب الْإِيمَان. الثَّالِث: مسعر، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْعين الْمُهْملَة: ابْن كدام، بِكَسْر الْكَاف وبالدال الْمُهْملَة. وَقَالَ أَبُو نعيم: كَانَ مسعر شكاكاً فِي حَدِيثه. وَقَالَ شُعْبَة: كُنَّا نسمي مسعرَ المصحفَ لصدقه. وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن سعد: كَانَ شُعْبَة وسُفْيَان إِذا اخْتلفَا فِي شَيْء. قَالَ: اذْهَبْ بِنَا إِلَى الْمِيزَان: مسعر. مَاتَ سنة خمس وَخمسين وَمِائَة. الثَّالِث: ابْن جبر، بِفَتْح الْجِيم وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، وَالْمرَاد بِهِ: سبط جبر لِأَنَّهُ عبد الله بن عبد الله جبر بن عتِيك، تقدم فِي بَاب عَلامَة الايمان حب الْأَنْصَار، وَمن قَالَ بِالتَّصْغِيرِ فقد صحف، لِأَن ابْن جُبَير، وَهُوَ ابْن سعيد لَا رِوَايَة لَهُ عَن أنس فِي هَذَا الْكتاب، وَقد روى هَذَا الحَدِيث الاسماعيلي من طَرِيق ابي نعيم، شيخ البُخَارِيّ، قَالَ: حَدثنَا مسعر، قَالَ: حَدثنِي شيخ من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: ابْن جبر، وَيُقَال لَهُ: جَابر ابْن عتِيك. الرَّابِع: أنس بن مَالك، ﵁. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وَالسَّمَاع. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ كوفيان: أَبُو نعيم ومسعر، وبصريان: ابْن جبر وَأنس. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ من ينْسب إِلَى جده. بَيَان اللُّغَات وَالْمعْنَى قَوْله: (أنسا) بِالتَّنْوِينِ، لِأَنَّهُ منصرف وقعع مَفْعُولا. قَالَ الْكرْمَانِي فِي بَعْضهَا: أنس، بِدُونِ الْألف، وَجوز حذف الْألف مِنْهُ فِي الْكِتَابَة للتَّخْفِيف. قلت: لَا بُد من التَّنْوِين وَإِن كَانَت الْألف لَا تكْتب. قَوْله: (يغسل) أَي: يغسل جسده. قَوْله: (أَو يغْتَسل) شكّ من الرَّاوِي. وَقَالَ الْكرْمَانِي: الشَّك من ابْن جبر أَنه ذكر لفظ النَّبِي، ﵊، أَو لم يذكر، وَفِي أَنه قَالَ: يغسل أَو يغْتَسل، من بَاب الافتعال، وَالْفرق بَين الْغسْل والاغتسال مثل الْفرق بَين الْكسْب والاكتساب. وَقَالَ غَيره: وَالشَّكّ فِيهِ من البُخَارِيّ، اَوْ من أبي نعيم لما حَدثهُ بِهِ، فقد رَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ م طَرِيق ابي نعيم وَلم يشك، فَقَالَ: يغْتَسل. قلت: الظَّاهِر أَن هَذَا من النَّاسِخ لِأَن الْإِسْمَاعِيلِيّ لم يروه بِالشَّكِّ، فنسبته إِلَى البُخَارِيّ، أَو إِلَى شَيْخه أَو إِلَى ابْن جبر تَرْجِيح بِلَا مُرَجّح، فَلم لَا ينْسب إِلَى مسعر. قَوْله: (بالصاع) قَالَ الْجَوْهَرِي: الصَّاع هُوَ الَّذِي يُكَال بِهِ، وَهُوَ: أَرْبَعَة أَمْدَاد

стр. 721

إِلَى خَمْسَة أَمْدَاد. وَقَالَ ابْن سَيّده: الصَّاع مكيال لأهل الْمَدِينَة، يَأْخُذ أَرْبَعَة أَمْدَاد، يذكر وَيُؤَنث، وَجمعه: أصوع وأصواع وصيعان وصواع، كالصاع. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الصَّاع مكيال يسع أَرْبَعَة أَمْدَاد، وَالْمدّ مُخْتَلف فِيهِ، وَفِي (الْجَامِع) : تصغيره صويع، فِيمَن ذكَّر، وصويعة فِيمَن أنَّث، وَجمع التَّذْكِير أصواع وأصوع فِي التَّذْكِير، وأصوع فِي التَّأْنِيث. وَفِي (الجمهرة) : أصوع فِي أُذُنِي الْعدَد. وَقَالَ ابْن بري فِي (تَلْخِيص اغلاط الْفُقَهَاء) : الصَّوَاب فِي جمع صَاع أصوع. وَقَالَ ابْن قرقول: جَاءَ فِي أَكثر الرِّوَايَات: آصَع. قلت: أصل الصَّاع صوع، قلبت الْوَاو ألفا لتحركها وانفتاح مَا قبلهَا، وَفِيه ثَلَاث لُغَات: صَاع، وصوع على الأَصْل، وصواع؛ وَالْجمع: أصوع، وَإِن شِئْت أبدلت من الْوَاو المضمومة همزَة. قَوْله: (وَيتَوَضَّأ بِالْمدِّ) ، وَهُوَ ربع الصَّاع، وَيجمع على أَمْدَاد ومدد ومداد، وَيَأْتِي الْخلاف فِيهِ الْآن، وَقد مر بعضه عَن قريب. بَيَان استنباط الحكم يستنبط مِنْهُ حكمان. الأول: أَنه، ﵊، كَانَ يغْتَسل بالصاع فَيقْتَصر عَلَيْهِ وَرُبمَا يزِيد عَلَيْهِ إِلَى خَمْسَة أَمْدَاد، فَدلَّ ذَلِك أَن مَاء الْغسْل غير مُقَدّر بل يَكْفِي فِيهِ الْقَلِيل وَالْكثير إِذا أَسْبغ وَعم، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِي: وَقد يرفق الْفَقِيه بِالْقَلِيلِ فَيَكْفِي، ويخرق الأخرق فَلَا يَكْفِي، وَلَكِن الْمُسْتَحبّ أَن لَا ينقص فِي الْغسْل وَالْوُضُوء عَمَّا ذكر فِي الحَدِيث. وَقَالَ بَعضهم: فَكَأَن أنسا لم يطلع على أَنه ﷺ لم يسْتَعْمل فِي الْغسْل أَكثر من ذَلِك، لِأَنَّهُ جعلهَا النِّهَايَة. وَسَيَأْتِي حَدِيث عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنَّهَا كَانَت تَغْتَسِل هِيَ وَالنَّبِيّ ﷺ من إِنَاء وَاحِد وَهُوَ: الْفرق، وروى مُسلم من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، أَيْضا أَنه ﷺ كَانَ يغْتَسل من إِنَاء يسع ثَلَاثَة أَمْدَاد. قلت: أنس، ﵁، لم يَجْعَل مَا ذكره نِهَايَة لَا يتَجَاوَز عَنْهَا، وَلَا ينقص عَنْهَا وَإِنَّمَا حكى مَا شَاهده، وَالْحَال تخْتَلف بِقدر اخْتِلَاف الْحَاجة، وَحَدِيث الْفرق لَا يدل على أَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَالنَّبِيّ ﷺ كَانَا يغتسلان بِجَمِيعِ مَا فِي الْفرق. وَغَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه يدل أَنَّهُمَا يغتسلان من إِنَاء وَاحِد يُسمى: فرقا، وكونهما يغتسلان مِنْهُ لَا يسْتَلْزم اسْتِعْمَال جَمِيع مَا فِيهِ من المَاء، وَكَذَلِكَ الْكَلَام فِي: ثَلَاثَة أَمْدَاد. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَفِيه رد على من قدر الْوضُوء وَالْغسْل بِمَا ذكر فِي حَدِيث الْبَاب: كَابْن شعْبَان من الْمَالِكِيَّة، وَكَذَا من قَالَ بِهِ من الْحَنَفِيَّة مَعَ مخالفتهم لَهُ فِي مِقْدَار الْمَدّ والصاع. قلت: لَا رد فِيهِ على من قَالَ بِهِ من الْحَنَفِيَّة، لِأَنَّهُ لم يقل ذَلِك بطرِيق الْوُجُوب، كَمَا قَالَ ابْن شعْبَان بطرِيق الْوُجُوب، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يجزىء أقل من ذَلِك. وَأما من قَالَ بِهِ من الْحَنَفِيَّة فَهُوَ مُحَمَّد بن الْحسن، فَإِنَّهُ رُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: إِن المغتسل لَا يُمكن أَن يعم جسده بِأَقَلّ من مدر، وَهَذَا يخْتَلف باخْتلَاف أجساد الْأَشْخَاص، وَلِهَذَا جعل الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام للمتوضىء والمغتسل ثَلَاث أَحْوَال. أَحدهَا: أَن يكون معتدل الْخلق كاعتدال خلقه، ﵊، فيقتدي بِهِ فِي اجْتِنَاب النَّقْص عَن الْمَدّ والصاع. الثَّانِيَة: أَن يكون ضئيلاً ونحيف الْخلق بِحَيْثُ لَا يعادل جسده جسده، ﷺ ، فَيُسْتَحَب لَهُ أَن يسْتَعْمل من المَاء مَا يكون نسبته إِلَى جسده كنسبة الْمَدّ والصاع إِلَى جسده، ﷺ . الثَّانِيَة: أَن يكون متفاحش الْخلق طولا وعرضاً وَعظم الْبَطن وثخانة الْأَعْضَاء، فَيُسْتَحَب أَن لَا ينقص عَن مِقْدَار يكون بِالنِّسْبَةِ إِلَى بدنه كنسبة الْمَدّ والصاع إِلَى بدن رَسُول الله ﷺ . ثمَّ إعلم أَن الرِّوَايَات مُخْتَلفَة فِي هَذَا الْبَاب، فَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (أَن النَّبِي، ﵊، كَانَ يغْتَسل بالصاع وَيتَوَضَّأ بِالْمدِّ) . وَمن حَدِيث جَابر كَذَلِك، وَمن حَدِيث أم عمَارَة: (أَن النَّبِي ﷺ تَوَضَّأ فَأتى بِإِنَاء فِيهِ مَاء قدر ثُلثي الْمَدّ) . وَفِي رِوَايَته عَن أنس: (كَانَ النَّبِي ﷺ يتَوَضَّأ بِإِنَاء يسع رطلين ويغتسل الصَّاع) . وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة وَابْن حبَان فِي (صَحِيحَيْهِمَا) ، وَالْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) من حَدِيث عبد الله بن زيد، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن النَّبِي ﷺ أُتِي بِثُلثي مد من مَاء فَتَوَضَّأ، فَجعل يدلك ذِرَاعَيْهِ) . وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح على شَرط الشَّيْخَيْنِ، وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ الثَّوْريّ: حَدِيث أم عمَارَة حسن. وَفِي رِوَايَة مُسلم من حَدِيث عَائِشَة، ﵂: (كَانَت تَغْتَسِل هِيَ وَالنَّبِيّ ﷺ فِي إِنَاء وَاحِد يسع ثَلَاثَة أَمْدَاد) . وَفِي رِوَايَة: (من إِنَاء وَاحِد تخْتَلف أَيْدِينَا فِيهِ) وَفِي رِوَايَة (فدعَتْ بأناء قدر الصَّاع فاغتسلت فِيهِ) وَفِي آخِره كَانَت تَغْتَسِل بِخَمْسَة مكاكيك وتتوضأ بمكوك وَفِي اخرى: (تغسله ﷺ بالصاع وتوضئه بِالْمدِّ) . وَفِي أُخْرَى: (يتَوَضَّأ بِالْمدِّ ويغتسل بالصاع إِلَى خَمْسَة أَمْدَاد) ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: (بِنَحْوِ من صَاع) ، وَفِي لفظ: (من قدح يُقَال لَهُ: الْفرق) ، وَعند النَّسَائِيّ فِي كتاب (التَّمْيِيز) : نَحْو ثَمَانِيَة أَرْطَال) . وَفِي (مُسْند) أَحْمد بن منيع: (حزرته ثَمَانِيَة أَو تِسْعَة أَو عشرَة أَرْطَال) .

стр. 722

وَعند ابْن مَاجَه، بِسَنَد ضَعِيف عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عقيل عَن أَبِيه عَن جده، قَالَ: رَسُول الله ﷺ : (يجزىء من الْوضُوء مد، وَمن الْغسْل صَاع) . وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) من حَدِيث ابْن عَبَّاس، وَعند أبي نعيم فِي (معرفَة الصَّحَابَة) من حَدِيث أم سعد بنت زيد بن ثَابت ترفعه: (الْوضُوء مد وَالْغسْل صَاع) . وَقَالَ الشَّافِعِي وَأحمد: لَيْسَ معنى الحَدِيث على التَّوْقِيت أَنه لَا يجوز أَكثر من وَلَا أقل، بل هُوَ قدر مَا يَكْفِي. وَقَالَ النَّوَوِيّ: قَالَ الشَّافِعِي وَغَيره من الْعلمَاء الْجمع بَين هَذِه الرِّوَايَات: إِنَّهَا كَانَت اغتسالات فِي أَحْوَال وجدفيها أَكثر مَا اسْتَعْملهُ وَأقله، فَدلَّ على أَنه لَا حدَّ فِي قدر مَاء الطَّهَارَة يجب اسْتِيفَاؤهُ. قلت: الْإِجْمَاع قَائِم على ذَلِك، فالقلة وَالْكَثْرَة بِاعْتِبَار الْأَشْخَاص وَالْأَحْوَال. فَافْهَم. وَالْفرق، بِفَتْح الْفَاء وَالرَّاء، وَقَالَ ابو زيد: بِفَتْح الرَّاء وسكونها، وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْفَتْح أفْصح، وَزعم الْبَاجِيّ أَنه الصَّوَاب، وَلَيْسَ كَمَا قَالَ، بل هما لُغَتَانِ. وَقَالَ ابْن الاثير: الْفرق، بِالتَّحْرِيكِ: يسع سِتَّة عشر رطلا، وَهُوَ ثَلَاثَة أصوع. وَقيل: الْفرق خَمْسَة أقساط، وكل قسط نصف صَاع. وَأما الْفرق، بِالسُّكُونِ، فمائة وَعِشْرُونَ رطلا، وَقَالَ أَبُو دَاوُد: سَمِعت أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول: الْفرق سِتَّة عشر رطلا، والمكوك إِنَاء يسع الْمَدّ، مَعْرُوف عِنْدهم. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: المكوك: الْمَدّ، وَقيل: الصَّاع، وَالْأول أشبه، لِأَنَّهُ جَاءَ فِي الحَدِيث مُفَسرًا بِالْمدِّ. وَقَالَ أَيْضا: المكوك اسْم للمكيال، وَيخْتَلف مِقْدَاره باخْتلَاف اصْطِلَاح النَّاس عَلَيْهِ فِي الْبِلَاد، وَيجمع على مكاكي بإبدال الْيَاء بِالْكَاف الاخيرة، ويجىء أَيْضا على مكاكيك. الحكم الثَّانِي: أَنه ﷺ كَانَ يتَوَضَّأ بِالْمدِّ، وَهُوَ رطلان عِنْد أبي حنيفَة. وَعند الشَّافِعِي: رَطْل وَثلث بالعراقي، وَقد ذَكرْنَاهُ، وَأما الصَّاع: فَعِنْدَ أبي يُوسُف خَمْسَة أَرْطَال وَثلث رَطْل عراقية، وَبِه قَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد. وَقَالَ ابو حنيفَة وَمُحَمّد: الصَّاع ثَمَانِيَة أَرْطَال، وَحجَّة أبي يُوسُف مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ عَنهُ، قَالَ: قدمت الْمَدِينَة، وَأخرج إِلَى من أَثِق بِهِ صَاعا، وَقَالَ: هَذَا صَاع النَّبِي ﷺ ، فَوَجَدته خَمْسَة أَرْطَال وَثلث، وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَسمعت ابْن عمرَان يَقُول: الَّذِي أخرجه لأبي يُوسُف هُوَ مَالك. وَقَالَ عُثْمَان بن سعيد الدَّارمِيّ: سَمِعت عَليّ بن الْمَدِينِيّ يَقُول: عبرت صَاع النَّبِي ﷺ فَوَجَدته خَمْسَة أَرْطَال وَثلث رَطْل، وَاحْتج أَبُو حنيفَة وَمُحَمّد بِحَدِيث جَابر وَأنس، ﵄، وَقد ذَكرْنَاهُ فِي أول الْبَاب. ٤٨ - (بابُ المَسْحِ عَلَى الخُفَّيْن) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لِأَن كل وَاحِد مِنْهُمَا فِي حكمٍ من أَحْكَام الْوضُوء. ٢٠٢ - حدّثنا أصْبَغُ بنُ الفَرَجِ المِصْرِيُّ عَنِ ابنِ وهْبٍ قالَ حدّثنى عمْرٌ وقَالَ حدّثنا أبُو النَّضْرِ عَنْ أبي سَلَمَةَ بنِ عَبْدِ الرَّحْمنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن عُمَرَ عنْ سَعْدِ بنِ أبي وَقَّاصٍ عَنِ النَّبِّي ﷺ أنَّهُ مَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ وأنّ عَبْدَ اللَّهِ بنَ عُمَرَ سَألَ عُمرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ نَعَمْ إذَا حَدَّثكَ شَيْئاً سَعْدٌ عَنِ النبيِّ ﷺ فَلَا تَسْأَلْ عَنْهُ غَيْرَهُ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: أصبغ، بِفَتْح الْهمزَة وَسُكُون الصَّاد الْمُهْملَة وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة وَفِي آخِره عين مُعْجمَة: ابو عبد الله بن وهب الْقرشِي الْمصْرِيّ، وَلم يكون فِي المصريين أحد أَكثر حَدِيثا مِنْهُ، وَأصبغ كَانَ وراقاً لَهُ، مر فِي بَاب من يرد الله بِهِ خيرا يفقهه فِي الدّين. الثَّالِث: عَمْرو، بِالْوَاو و: ابْن الْحَارِث أَبُو امية الْمُؤَدب الْأنْصَارِيّ الْمصْرِيّ القارىء الْفَقِيه، مَاتَ بِمصْر سنة ثَمَان وَأَرْبَعين وَمِائَة. الرَّابِع: أَبُو النَّضر، بِفَتْح النُّون وَسُكُون الضَّاد الْمُعْجَمَة: سَالم بن أبي أُميَّة الْقرشِي الْمدنِي، مولى عمر بن عبد الله التَّيْمِيّ وكاتبه، مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة، بِفَتْح اللَّام: عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف الْقرشِي الْفَقِيه الْمدنِي، مر فِي كتاب الْوَحْي. السَّادِس: عبد الله بن عمر بن الْخطاب. السَّابِع: سعد بن أبي وَقاص، مر فِي بَاب: إِذا لم يكن الْإِسْلَام على الْحَقِيقَة.

стр. 723

بينان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وبصيغة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة من رُوَاته مصريون، وهم: أصبغ وَابْن وهب وَعَمْرو، وَثَلَاثَة مدنيون وهم: أَبُو النَّضر وَأَبُو سَلمَة وَابْن عمر. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة تَابِعِيّ عَن تَابِعِيّ: أَبُو النَّصْر عَن أبي سَلمَة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة صَحَابِيّ عَن صَحَابِيّ. وَمِنْهَا: أَن مُعظم الروَاة قرشيون فُقَهَاء أَعْلَام. وَمِنْهَا: أَن هَذَا من مُسْند سعد بِحَسب الظَّاهِر، وَكَذَا جعله أَصْحَاب الْأَطْرَاف، وَيحْتَمل أَن يكون من مُسْند عمر أَيْضا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: رَوَاهُ أَبُو أَيُّوب الإفْرِيقِي عَن أبي النَّضر عَن أبي سَلمَة عَن ابْن عمر عَن عمر وَسعد عَن النَّبِي ﷺ ، ثمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَالصَّوَاب قَول عَمْرو بن الْحَارِث عَن أبي النَّضر عَن أبي سَلمَة عَن ابْن عمر عَن سعد. بَيَان من أخرجه غَيره لم يُخرجهُ البُخَارِيّ إلَاّ هَهُنَا، وَهُوَ من أَفْرَاده، وَلم يخرج مُسلم فِي الْمسْح إلَاّ لعمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد، والْحَارث بن مِسْكين، كِلَاهُمَا عَن ابْن وهب بِهِ. بَيَان الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب قَوْله: (وَأَن عبد الله بن عمر) عطف على قَوْله: (عَن عبد الله بن عمر) فَيكون مَوْصُولا إِن حمل على أَن أَبَا سَلمَة سمع ذَلِك من عبد الله، وإلَاّ فَأَبُو سَلمَة لم يدْرك الْقِصَّة، وَعَن ذَلِك قَالَ الْكرْمَانِي: وَهَذَا إِمَّا تَعْلِيق من البُخَارِيّ، وَإِمَّا كَلَام أبي سَلمَة، وَالظَّاهِر هُوَ الثَّانِي. قَوْله: (عَن ذَلِك) أَي: عَن مسح رَسُول الله ﷺ على الْخُفَّيْنِ. قَوْله: (شَيْئا) نكرَة عَام، لِأَن الْوَاقِع فِي سِيَاق الشَّرْط كالواقع فِي سِيَاق النَّفْي فِي إِفَادَة الْعُمُوم. وَقَوله: (حَدثَك) جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول. وَقَوله: (سعد) بِالرَّفْع فَاعله. قَوْله: (فَلَا تسْأَل عَنهُ) أَي: عَن الشَّيْء الَّذِي حَدثهُ سعد. قَوْله: (غَيره) أَي: غير سعد، وَذَلِكَ لقُوَّة وثوقه بنقله. بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: فِيهِ جَوَاز الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وَلَا يُنكره إلَاّ المبتدع الضال. وَقَالَت الخوراج: لَا يجوز. وَقَالَ صَاحب (الْبَدَائِع) : الْمسْح على الْخُفَّيْنِ جَائِز عِنْد عامفة الْفُقَهَاء، وَعَامة الصَّحَابَة إلَاّ شَيْئا رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه لَا يجوز، وَهُوَ قَول الرافضة. ثمَّ قَالَ: وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: أدْركْت سبعين بَدْرِيًّا من الصَّحَابَة كلهم يرى الْمسْح على الْخُفَّيْنِ، وَلِهَذَا رَآهُ أَبُو حنيفَة من شَرَائِط أهل السّنة وَالْجَمَاعَة. فَقَالَ: نَحن نفضل الشَّيْخَيْنِ، ونحب الخنتين، ونرى الْمسْح على الْخُفَّيْنِ، وَلَا نحرم نَبِيذ الْجَرّ. يَعْنِي: المثلث؛ وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: مَا قلت بِالْمَسْحِ حَتَّى جَاءَنِي مثل ضوء النَّهَار، فَكَانَ الْجُحُود ردا على كبار الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، ونسبته إيَّاهُم إِلَى الْخَطَأ، فَكَانَ بِدعَة، وَلِهَذَا قَالَ الْكَرْخِي: أَخَاف الْكفْر على من لَا يرى الْمسْح على الْخُفَّيْنِ، وَالْأمة لم تخْتَلف أَن رَسُول الله ﷺ مسح. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَإِنَّمَا جَاءَ كَرَاهَة ذَلِك عَن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَعَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم. فَأَما الرِّوَايَة عَن عَليّ سبق الْكتاب بِالْمَسْحِ على الْخُفَّيْنِ فَلم يرو ذَلِك عَنهُ بِإِسْنَاد مَوْصُول يثبت مثله. وَأما عَائِشَة فَثَبت عَنْهَا أَنَّهَا أحالت بِعلم ذَلِك على عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَأما ابْن عَبَّاس فَإِنَّمَا كرهه حِين لم يثبت مسح النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم بعد نزُول الْمَائِدَة، فَلَمَّا ثَبت رَجَعَ إِلَيْهِ. وَقَالَ الْجَوْز قاني فِي (كتاب الموضوعات) : إِنْكَار عَائِشَة غير ثَابت عَنْهَا. وَقَالَ الكاشاني: وَأما الرِّوَايَة عَن ابْن عَبَّاس فَلم تصح لِأَن مَدَاره على عِكْرِمَة، وَرُوِيَ أَنه لما بلغ عَطاء قَالَ: كذب عِكْرِمَة، وَرُوِيَ عَن عَطاء أَنه قَالَ: كَانَ ابْن عَبَّاس يُخَالف النَّاس فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ فَلم يمت حَتَّى تَابعهمْ، وَفِي (الْمُغنِي) لِابْنِ قدامَة: قَالَ أَحْمد: لَيْسَ فِي قلبِي من الْمسْح شَيْء، فِيهِ أَرْبَعُونَ حَدِيثا عَن أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ، مَا رفعوا إِلَى رَسُول الله ﷺ وَمَا لم يرفعوا؛ وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: الْمسْح أفضل، يَعْنِي من الْغسْل، لِأَن النَّبِي ﷺ وَأَصْحَابه إِنَّمَا طلبُوا الْفضل، وَهَذَا مَذْهَب الشّعبِيّ وَالْحكم وَإِسْحَاق. وَفِي (هِدَايَة الْحَنَفِيَّة) : الْأَخْبَار فِيهِ مستفيضة حَتَّى إِن من لم يره كَانَ مبتدعاً، لَكِن من رَآهُ ثمَّ لم يمسح أَخذ بالعزيمة، وَكَانَ مأجوراً. وَحكى الْقُرْطُبِيّ مثل هَذَا عَن مَالك أَنه قَالَ عِنْد مَوته: وَعَن مَالك فِيهِ أَقْوَال. أَحدهمَا: أَنه لَا يجوز الْمسْح أصلا. الثَّانِي: أَنه يجوز وَيكرهُ. الثَّالِث، وَهُوَ الْأَشْهر: يجوز أبدا بِغَيْر تَوْقِيت. الرَّابِع: أَنه يجوز بتوقيت. الْخَامِس: يجوز للْمُسَافِر دون الْحَاضِر. السَّادِس: عَكسه. وَقَالَ إِسْحَاق وَالْحكم وَحَمَّاد الْمسْح أفضل من غسل الرجلَيْن، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن احْمَد. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: هما سَوَاء، وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد. وَقَالَ أَصْحَاب الشَّافِعِي: الْغسْل أفضل من الْمسْح بِشَرْط أَن لَا يتْرك الْمسْح رَغْبَة عَن السّنة، وَلَا يشك فِي جَوَازه وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لَا أعلم أحدا من الْفُقَهَاء رُوِيَ عَنهُ إِنْكَار الْمسْح إلَاّ مَالِكًا، وَالرِّوَايَات الصِّحَاح عَنهُ بِخِلَاف ذَلِك. قلت: فِيهِ نظر لما فِي (مُصَنف) ابْن أبي شيبَة من أَن مُجَاهدًا وَسَعِيد بن جُبَير وَعِكْرِمَة كرهوه، وَكَذَا حكى أَبُو الْحسن النسابة عَن مُحَمَّد بن عَليّ بن الْحُسَيْن وَأبي إِسْحَاق السبيعِي وَقيس بن الرّبيع، وَحَكَاهُ القَاضِي أَبُو الطّيب عَن

стр. 724

أبي بكر بن أبي دَاوُد والخوارج وَالرَّوَافِض. وَقَالَ الْمَيْمُونِيّ عَن أَحْمد: فِيهِ سَبْعَة وَثَلَاثُونَ صحابياً، وَفِي رِوَايَة الْحسن بن مُحَمَّد عَنهُ أَرْبَعُونَ، وَكَذَا قَالَه الْبَزَّار فِي (مُسْنده) وَقَالَ ابْن حَاتِم: أحد وَأَرْبَعُونَ صحابياً. وَفِي (الْأَشْرَاف) عَن الْحسن: حَدثنِي بِهِ سَبْعُونَ صحابياً. وَقَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر: مسح على الْخُفَّيْنِ سَائِر أهل بدر وَالْحُدَيْبِيَة وَغَيرهم من الْمُهَاجِرين وَالْأَنْصَار وَسَائِر الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ وفقهاء الْمُسلمين، وَقد أَشَرنَا إِلَى رِوَايَة وَخمسين من الصَّحَابَة فِي الْمسْح فِي شرحنا (لمعاني الْآثَار) للطحاوي، فَمن أَرَادَ الْوُقُوف عَلَيْهِ فَليرْجع إِلَيْهِ. الثَّانِي: فِيهِ تَعْظِيم لسعد بن أبي وَقاص، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. الثَّالِث: فِيهِ أَن الصَّحَابِيّ الْقَدِيم الصُّحْبَة قد يخفى عَلَيْهِ من الْأُمُور الجليلة فِي الشَّرْع مَا يطلع عَلَيْهِ غَيره، لِأَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، أنكر الْمسْح على الْخُفَّيْنِ مَعَ قدم صحبته وَكَثْرَة رِوَايَته. الرَّابِع: فِيهِ أَن خبر الْوَاحِد إِذا حُف بالقرائن يُفِيد الْيَقِين، وَقد تكاثرت الرِّوَايَات بالطرق المتعددة من الصَّحَابَة الَّذين كَانُوا لَا يفارقون النَّبِي ﷺ فِي الْحَضَر وَلَا فِي السّفر، فَجرى ذَلِك مجْرى التَّوَاتُر. وَحَدِيث الْمُغيرَة كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك، فَسقط بِهِ من يَقُول آيَة الْوضُوء مَدَنِيَّة، وَالْمسح مَنْسُوخ بهَا، لِأَنَّهُ مُتَقَدم، إِذْ غَزْوَة تَبُوك آخر غَزْوَة كائنة لرَسُول الله ﷺ ، نزلت قبلهَا، وَمِمَّا يدل على أَن الْمسْح غير مَنْسُوخ حَدِيث جرير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَنه رأى النَّبِي ﷺ مسح على الْخُفَّيْنِ، وَهُوَ أسلم بعد الْمَائِدَة، وَكَانَ الْقَوْم يعجبهم ذَلِك. وَأَيْضًا فَإِن حَدِيث الْمُغيرَة فِي الْمسْح كَانَ فِي السّفر فيعجبهم اسْتِعْمَال جرير لَهُ فِي الْحَضَر. وَقَالَ النَّوَوِيّ: لما كَانَ إِسْلَام جرير مُتَأَخِّرًا علمنَا أَن حَدِيثه يعْمل بِهِ، وَهُوَ مُبين أَن المُرَاد بِآيَة الْمَائِدَة غير صَاحب الْخُف، فَتكون السّنة مخصصة لِلْآيَةِ. الْخَامِس: فِيهِ دَلِيل على أَنهم كَانُوا يرَوْنَ نسخ السّنة بِالْقُرْآنِ، قَالَه الْخطابِيّ. وقالَ مُوسَى بنُ عُقْبَةَ: أخْبَرَنِي أبُو النَّضْرِ أنّ أَبَا سَلَمَةَ أخْبَرَهُ أنَ سَعْداً حَدَّثَهُ فَقَالَ عُمَرُ لِعَبْدِ اللَّهِ نَحْوَهُ. مُوسَى بن عقبَة، بِضَم الْعين وَسُكُون الْقَاف: التَّابِعِيّ، صَاحب الْمَغَازِي، مَاتَ سنة إِحْدَى واربعين وَمِائَة. وَفِيه ثَلَاثَة من التَّابِعين وهم: مُوسَى، وَأَبُو النَّضر سَالم، وَأَبُو سَلمَة عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وهم على الْوَلَاء مدنيون. وَهَذَا تَعْلِيق وَصله الْإِسْمَاعِيلِيّ وَالنَّسَائِيّ وَغَيرهمَا، فالإسماعيلي عَن أبي يعلى: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن الْحجَّاج حَدثنَا وهيب عَن مُوسَى بن عقبَة عَن عُرْوَة ابْن الزبير أَن سَعْدا وَابْن عمر اخْتلفَا فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ، فَلَمَّا اجْتمعَا عِنْد عمر قَالَ سعد لِابْنِ عمر: سل أَبَاك عَمَّا أنْكرت عَليّ! فَسَأَلَهُ، فَقَالَ عمر: نعم، وَإِن ذهبت إِلَى الْغَائِط. قَالَ مُوسَى: وَأَخْبرنِي سَالم أَبُو النَّضر عَن أبي سَلمَة بِنَحْوِ من هَذَا عَن سعد وَابْن عمر وَعمر، وَقَالَ عمر لِابْنِهِ، كَأَنَّهُ يلومه: إِذا حدث سعد عَن النَّبِي، ﵊، فَلَا تَبْغِ وَرَاء حَدِيثه شَيْئا. وَالنَّسَائِيّ عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد. والْحَارث بن مِسْكين عَن ابْن وهب، وَعَن قُتَيْبَة عَن إِسْمَاعِيل بن جَعْفَر عَن مُوسَى. وَرَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيث وهيب بن خَالِد عَن مُوسَى، وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: وَرِوَايَة عُرْوَة وَأبي سَلمَة عَن سعد وَابْن عمر فِي حَيَاة عمر مُرْسلَة. وَقَالَ التِّرْمِذِيّ عَن البُخَارِيّ: حَدِيث أبي سَلمَة عَن ابْن عمر فِي الْمسْح صَحِيح، قَالَ: وَسَأَلت البُخَارِيّ عَن حَدِيث ابْن عمر فِي الْمسْح مَرْفُوعا فَلم يعرفهُ. وَقَالَ الْمَيْمُونِيّ: سَأَلت أَحْمد عَنهُ فَقَالَ: لَيْسَ بِصَحِيح، ابْن عمر يُنكر على سعد الْمسْح. قلت: إِنَّمَا أنكر عَلَيْهِ مَسحه فِي الْحَضَر، كَمَا هُوَ مُبين فِي بعض الرِّوَايَات، وَأما السّفر فقد كَانَ ابْن عمر يُعلمهُ. وَرَوَاهُ عَن النَّبِي ﷺ فِيمَا رَوَاهُ ابْن ابي خَيْثَمَة فِي (تَارِيخه الْكَبِير) ، وَابْن أبي شيبَة فِي (مُصَنفه) من رِوَايَة عَاصِم عَن سَالم عَنهُ: (رَأَيْت النَّبِي ﷺ يمسح على الْخُفَّيْنِ بِالْمَاءِ فِي السّفر) . وَاعْلَم أَن خبر: إِن، فِي قَوْله: (إِن سَعْدا) مَحْذُوف، تَقْدِيره: إِن سَعْدا حدث أَبَا سَلمَة أَن رَسُول الله ﷺ مسح على الْخُفَّيْنِ. وَقَوله: (فَقَالَ) : الْفَاء، عطف على ذَلِك الْمُقدر. قَوْله: (نَحوه) مَنْصُوب بِأَنَّهُ مقول القَوْل، أَي: نَحْو إِذا حَدثَك سعد عَن النَّبِي ﷺ فَلَا تسْأَل عَنهُ غَيره. ٢٠٣ - حدّثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ الحَرَّانِيُّ قالَ حدّثنا اللَّيْثُ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعْدِ بنِ إبْراهِيمَ عَنْ نافِعِ بنِ جُبَيْرٍ عَنْ عُرْوَةَ بنِ المُغِيرَةِ عَنْ أبِيهِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ ﵁ عَنْ

стр. 725

رسولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فاتَّبَعَهُ المُغيرةُ بِادَاوَةٍ فِيها ماءٌ فَصَبَّ عَلَيْهِ حِينَ فَرَغَ مِنْ حاجَتِهِ فَتَوَضَّأَ وَمَسَحَ عَلَى الخُفَّيْنِ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: عَمْرو، بِالْوَاو: ابْن خَالِد بن فروخ، بِالْفَاءِ الْمَفْتُوحَة وَضم الرَّاء الْمُشَدّدَة وَفِي آخِره خاء مُعْجمَة: ابو الْحسن الْحَرَّانِي، ونسبته إِلَى حران، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء وَبعد الالف نون. قَالَ الْكرْمَانِي: مَوضِع بالجزيرة بَين الْعرَاق وَالشَّام. قلت: لَيْسَ كَمَا قَالَه، بل هِيَ مَدِينَة قديمَة بَين دجلة والفرات كَانَت تعدل ديار مصر، وَالْيَوْم خراب. وَقيل: هِيَ مولد إِبْرَاهِيم الْخَلِيل، ﵊، ويوسف وَإِخْوَته، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام. وَقَالَ ابْن الْكَلْبِيّ: لما خرج نوح، ﵊، من السَّفِينَة بناها. وَقيل: إِنَّمَا بناها ران، خَال يَعْقُوب، ﵊، فأبدلت الْعَرَب الْهَاء حاء فَقَالُوا: احران. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ. الثَّالِث: يحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ. تقدما فِي كتاب الْوَحْي. الرَّابِع: سعد، بِسُكُون الْعين؛ إِبْنِ ابراهيم بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. الْخَامِس: نَافِع بن جُبَير بن مطعم. السَّادِس: عُرْوَة بن الْمُغيرَة بن شُعْبَة. السَّابِع: أَبُو الْمُغيرَة بن شُعْبَة. بَيَان لطائف اسناده الاول: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة الْكَثِيرَة. وَالثَّانِي: أَن رُوَاته مَا بَين حراني ومصري ومدني. وَالثَّالِث: فِيهِ أَرْبَعَة من التَّابِعين على الْوَلَاء، وهم: يحيى وَسعد وَنَافِع وَعُرْوَة. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي مَوَاضِع فِي الطَّهَارَة عَن عَمْرو بن عَليّ عَن عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ، وَعَن عَمْرو ابْن خَالِد عَن اللَّيْث، كِلَاهُمَا عَن يحيى بن سعد، وَفِي الْمَغَازِي عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث عَن عبد الْعَزِيز بن أبي سَلمَة، كِلَاهُمَا عَن سعد بن إِبْرَاهِيم عَن نَافِع بن جُبَير بن مطعم عَنهُ بِهِ، وَفِي الطَّهَارَة أَيْضا، وَفِي اللبَاس عَن أبي نعيم عَن زَكَرِيَّا بن أبي زَائِدَة عَن الشّعبِيّ عَنهُ بِهِ، وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة، وَفِي الصَّلَاة عَن مُحَمَّد بن رَافع، وَزَاد فِي قصَّة الصَّلَاة خلف عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن أَحْمد بن صَالح، وَلم يذكر قصَّة الصَّلَاة، وَعَن مُسَدّد عَن عِيسَى بن يُونُس. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد والْحَارث بن مِسْكين وَعَن قُتَيْبَة مُخْتَصرا وَعَن عبد الله بن سعد ابْن إِبْرَاهِيم. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن رمح. بَيَان الْمعَانِي قَوْله: (أَنه خرج لِحَاجَتِهِ) وَفِي الْبَاب الَّذِي بعد هَذَا أَنه كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك على تردد فِي ذلم من بعض رُوَاته ولمالك وَأحمد وَأبي دَاوُود من طَرِيق عباد بن زيد عَن عُرْوَة بن الْمُغيرَة أَنه كَانَ فِي غَزْوَة تَبُوك بِلَا تردد وَأَن ذَلِك كَانَ عِنْد صَلَاة الْفجْر قَوْله: (فَأتبعهُ الْمُغيرَة) . من الِاتِّبَاع؛ بتَشْديد التَّاء: من بَاب الافتعال، ويروى: فَاتبعهُ، من الِاتِّبَاع بِالتَّخْفِيفِ من بَاب الإفعال. وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ من طَرِيق مَسْرُوق عَن الْمُغيرَة فِي الْجِهَاد وَغَيره: أَن النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، وَهُوَ الَّذِي أمره أَن يتبعهُ بِالْإِدَاوَةِ. وَزَاد: (حَتَّى توارى عني فَقضى حَاجته، ثمَّ أقبل فَتَوَضَّأ) . وَعند أَحْمد من طَرِيق أُخْرَى عَن الْمُغيرَة أَن المَاء الَّذِي تَوَضَّأ بِهِ أَخذه الْمُغيرَة من أعرابية صبته لَهُ من قربَة كَانَت جلد ميتَة، وَأَن النَّبِي ﷺ قَالَ: سلها إِن كَانَت دبغتها فَهُوَ طهُور مَاؤُهَا. قَالَ: إِنِّي وَالله دبغتها. قَوْله: (بإداوة) بِكَسْر الْهمزَة، أَي بمطهرة. قَوْله: (فَتَوَضَّأ) ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد زِيَادَة وَهِي: (وَعَلِيهِ جُبَّة شامية) . وَفِي رِوَايَة ابي دَاوُد: (من صوف من جبات الرّوم) . وللبخاري فِي رِوَايَته الَّتِي مَضَت فِي بَاب الرجل يوضىء صَاحبه: (فَغسل وَجهه وَيَديه) ، وَذهل الْكرْمَانِي عَن هَذِه الرِّوَايَة فَقَالَ: فَإِن قلت الْمَفْهُوم من قَوْله: (فَتَوَضَّأ وَمسح) أَنه غسل رجلَيْهِ وَمسح خفيه، لِأَن التَّوَضُّؤ لَا يُطلق إلَاّ على غسل تَمام أَعْضَاء الْوضُوء، ثمَّ قَالَ: قلت: المُرَاد بِهِ هَهُنَا غسل غير الرجلَيْن بِقَرِينَة عطف مسح الْخُفَّيْنِ عَلَيْهِ للْإِجْمَاع على عدم وجوب الْجمع بَين الْغسْل وَالْمسح، أَقُول: وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ فِي الْجِهَاد: (إِنَّه تمضمض واستنشق وَغسل وَجهه) . زَاد أَحْمد فِي (مُسْنده) (ثَلَاث مَرَّات، فَذهب يخرج يَدَيْهِ من كميه فَكَانَا ضيقين، فأخرجهما من تَحت الْجُبَّة) . وَلمُسلم من وَجه آخر: (وَألقى الْجُبَّة على مَنْكِبَيْه) . وَلأَحْمَد: (فَغسل يَده الْيُمْنَى ثَلَاث مَرَّات، وَيَده الْيُسْرَى ثَلَاث مَرَّات) . وللبخاري، فِي رِوَايَة أُخْرَى: (وَمسح بِرَأْسِهِ) . وَفِي رِوَايَة لمُسلم: (وَمسح بناصيته على الْعِمَامَة وعَلى الْخُفَّيْنِ) ، وَلَو تَأمل الْكرْمَانِي هَذِه الرِّوَايَات لما التجأ إِلَى هَذَا السُّؤَال وَالْجَوَاب.

стр. 726

بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: فِيهِ مَشْرُوعِيَّة الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز الِاسْتِعَانَة، كَمَا مر فِي بَابه. الثَّالِث: فِيهِ الِانْتِفَاع بجلود الميتات إِذا كَانَت مدبوغة. الرَّابِع: فِيهِ الِانْتِفَاع بِثِيَاب الْكفَّار حَتَّى يتَحَقَّق نجاستها لِأَنَّهُ، ﵊، لبس الْجُبَّة الرومية، وَاسْتدلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيّ على أَن الصُّوف لَا يَتَنَجَّس بِالْمَوْتِ، لِأَن الْجُبَّة كَانَت شامية، وَكَانَ الشَّام إِذْ ذَاك دَار كفر، ومأكول أَهلهَا الميتات. الْخَامِس: فِيهِ الرَّد على من زعم أَن الْمسْح على الْخُفَّيْنِ مَنْسُوخ بِآيَة الْوضُوء الَّتِي فِي الْمَائِدَة لِأَنَّهَا نزلت فِي غَزْوَة الْمُريْسِيع، وَكَانَت هَذِه الْقِصَّة فِي غَزْوَة تَبُوك وَهِي بعْدهَا بِلَا خلاف. السَّادِس: فِيهِ التشمير فِي السّفر وَلبس الثِّيَاب الضيقة فِيهِ لكَونهَا أعون على ذَلِك. السَّابِع: فِيهِ قبُول خبر الْوَاحِد فِي الْأَحْكَام وَلَو كَانَت امْرَأَة، سَوَاء كَانَ ذَلِك فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى ام لَا، لِأَنَّهُ ﵊، قبل خبر الأعرابية. الثَّامِن: فِيهِ اسْتِحْبَاب التواري عَن أعين النَّاس عِنْد قَضَاء الْحَاجة والإبعاد عَنْهُم. التَّاسِع: فِيهِ جَوَاز خدمَة السادات بِغَيْر إذْنهمْ. الْعَاشِر: فِيهِ اسْتِحْبَاب الدَّوَام على الطَّهَارَة، لِأَنَّهُ ﷺ ، امْر الْمُغيرَة أَن يتبعهُ بِالْمَاءِ لأجل الْوضُوء. الْحَادِي عشر: فِيهِ أَن الِاقْتِصَار على غسل مُعظم الْمَفْرُوض غسله لَا يجوز لإخراجه ﷺ يَدَيْهِ من تَحت الْجُبَّة، وَلم يكتف بِمَا بَقِي. ٢٠٤ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ قالَ حدّثنا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيىَ عَنْ أبي سَلَمَةَ عَنْ جعْفَرِ بنِ عَمرٍ وبنِ أُمَيَّةَ الضَّمْرِيِّ أنّ أباهُ أخْبَرَهُ أنَّهُ رَأَى النَّبيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى الخفَّيْنِ. (الحَدِيث ٢٠٤ طرفه فِي: ٢٠٥) . مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: الأول: أَبُو نعيم هُوَ الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: شَيبَان بن عبد الرَّحْمَن النَّحْوِيّ. الثَّالِث: يحيى بن أبي كثير التَّابِعِيّ. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، تقدمُوا فِي بَاب كِتَابَة الْعلم. الْخَامِس: جَعْفَر بن عَمْرو بن أُميَّة الضمرِي، بالضاد الْمُعْجَمَة الْمَفْتُوحَة: أَخُو عبد الْملك بن مَرْوَان من الرضَاعَة، من كبار التَّابِعين، مَاتَ سنة خمس وَتِسْعين. السَّادِس: عَمْرو بن أُميَّة، شهد بَدْرًا وأُحداً مَعَ الْمُشْركين، وَأسلم حِين انْصَرف الْمُشْركُونَ عَن أحد، وَكَانَ من رجال الْعَرَب نجدة وجراءة، رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله ﷺ عشرُون حَدِيثا، للْبُخَارِيّ مِنْهَا حديثان، مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة سِتِّينَ. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة والإخبار. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ ثَلَاثَة من التَّابِعين وهم: يحيى وابو سَلمَة وجعفر. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين كُوفِي وبصري ومدني. بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن عَبَّاس الْعَنْبَري عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن حَرْب بن شَدَّاد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن مُحَمَّد بن مُصعب عَن الْأَوْزَاعِيّ. بَيَان الحكم: وَهُوَ مَشْرُوعِيَّة الْمسْح على الْخُفَّيْنِ. وتابَعَهُ حَرْبُ بنُ شَدَّادٍ وأبَانُ عَنْ يَحْيىَ اي: تَابع شَيبَان بن عبد الرَّحْمَن الْمَذْكُور حَرْب بن شَدَّاد. فَقَوله: (حَرْب) مَرْفُوع لِأَنَّهُ فَاعل: تَابعه، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى شَيبَان، وَقد وَصله النَّسَائِيّ عَن عَبَّاس الْعَنْبَري عَن عبد الرَّحْمَن عَن حَرْب عَن يحيى بن أبي كثير عَن أبي سَلمَة. قَوْله: (وَأَبَان) عطف على حَرْب، وَهُوَ أبان بن يزِيد الْعَطَّار، وَحَدِيثه وَصله الطَّبَرَانِيّ فِي (مُعْجَمه الْكَبِير) عَن مُحَمَّد ابْن يحيى بن الْمُنْذر الْقَزاز، حَدثنَا مُوسَى بن إِسْمَاعِيل حَدثنَا أبان بن يزِيد عَن يحيى فَذكره. ثمَّ إعلم أَن أبان، عِنْد من صرفه، الْألف فِيهِ أَصْلِيَّة، ووزنه: فعال، وَمن مَنعه عَكسه. فَقَالَ: الْهمزَة زَائِدَة وَالْألف بدل من الْيَاء، لِأَن أَصله بَين. ٢٠٥ - حدّثنا عَبْدَانُ قالَ أخْبرنا عَبْدُ اللَّهُ قَالَ أخْبرنا الَاوْزاعِيُّ عَنْ يَحْيىَ عَن أبي سَلَمَةَ عَنْ جَعْفَرِ بنِ عَمْرٍ عَنْ أبِيهِ قَالَ رَأيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلى عِمَامَتِهِ وخُفَّيْهِ. (انْظُر الحَدِيث: ٢٠٤) . مُطَابقَة للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم سَبْعَة: الأول: عَبْدَانِ، بِفَتْح الْمُهْملَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة: لقب عبد الله بن عُثْمَان الْعَتكِي الْحَافِظ. الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك الْمروزِي، شيخ الْإِسْلَام، تقدما فِي كتاب الْوَحْي. الثَّالِث: الْأَوْزَاعِيّ، وَهُوَ عبد الرَّحْمَن، تقدم فِي كتب الْعلم فِي بَاب الْخُرُوج فِي طلب الْعلم. الرَّابِع: يحيى بن أبي كثير. الْخَامِس: أَبُو سَلمَة بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف. السَّادِس: جَعْفَر بن عَمْرو. السَّابِع: أَبوهُ عَمْرو بن أُميَّة. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والإخبار بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي وشامي ومدني.

стр. 727

بَيَان الْمَعْنى قَوْله: (على عمَامَته وخفيه) ، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْأَوْزَاعِيّ وَهُوَ مَشْهُور عَنهُ، وَأسْقط بعض الروَاة عَنهُ جعفراً من الْإِسْنَاد هُوَ خطأ، قَالَه أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، وَقَالَ الْأصيلِيّ: ذكر الْعِمَامَة فِي هَذَا الحَدِيث من خطأ الْأَوْزَاعِيّ، لِأَن شَيبَان رَوَاهُ عَن يحيى وَلم يذكرهَا، وَتَابعه حَرْب وَأَبَان، وَالثَّلَاثَة خالفوا الْأَوْزَاعِيّ، لِأَن شَيبَان رَوَاهُ عَن يحيى، فَوَجَبَ تَغْلِيب الْجَمَاعَة على الْوَاحِد. أَقُول: على تَقْدِير تفرد الْأَوْزَاعِيّ بِذكر الْعِمَامَة لَا يسْتَلْزم ذَلِك تخطئته، لِأَنَّهُ زِيَادَة من ثِقَة غير مُنَافِيَة لرِوَايَة غَيره فَتقبل. بَيَان الحكم وَهُوَ شَيْئَانِ: أَحدهمَا: الْمسْح على الْعِمَامَة. وَالْآخر: على الْخُفَّيْنِ. أما الأول: فَاخْتلف الْعلمَاء فِيهِ، فَذهب الإِمَام أَحْمد إِلَى جَوَاز الِاقْتِصَار على الْعِمَامَة بِشَرْط الاعمام بعد كَمَال الطَّهَارَة، كَمَا فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ، وَاحْتج المانعون بقوله تَعَالَى: ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ (الْمَائِدَة: ٦) وَمن مسح على الْعِمَامَة لم يمسح على رَأسه، وَأَجْمعُوا على أَنه لَا يجوز مسح الْوَجْه فِي التَّيَمُّم على حَائِل دونه، فَكَذَلِك الرَّأْس. وَقَالَ الْخطابِيّ: فرض الله مسح الرَّأْس، والْحَدِيث فِي مسح الْعِمَامَة مُحْتَمل للتأويل، فَلَا يتْرك الْمُتَيَقن للمحتمل. قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَمِمَّنْ مسح على الْعِمَامَة: أَبُو بكر الصّديق، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَبِه قَالَ عمر وَأنس وَأَبُو أُمَامَة، وَرُوِيَ عَن سعد بن مَالك وَأبي الدارداء. وَبِه قَالَ عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن وَقَتَادَة وَمَكْحُول وَالْأَوْزَاعِيّ وابو ثَوْر. وَقَالَ عُرْوَة وَالنَّخَعِيّ وَالشعْبِيّ وَالقَاسِم وَمَالك وَالشَّافِعِيّ واصحاب الرَّأْي: لَا يجوز الْمسْح عَلَيْهَا؛ وَفِي (المغنى) : وَمن شَرَائِط جَوَاز الْمسْح على الْعِمَامَة شَيْئَانِ: أَحدهمَا: أَن تكون تَحت الحنك، سَوَاء أرْخى لَهَا ذؤابة أم لَا، قَالَه القَاضِي، وَلَا فرق بَين الصَّغِيرَة والكبيرة إِذا وَقع عَلَيْهَا الِاسْم. وَقيل: إِنَّمَا لم يجز الْمسْح على الْعِمَامَة الَّتِي لَيْسَ لَهَا حنك، لِأَن النَّبِي ﷺ أَمر بالتلحي وَنهى عَن الاقتعاط. قَالَ أَبُو عبيد: الاقتعاط: أَن لَا يكون تَحت الحنك مِنْهَا شَيْء. وَرُوِيَ أَن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رأى رجلا لَيْسَ تَحت حنكه من عمَامَته شَيْء، فحنكه بكور مِنْهَا، وَقَالَ: مَا هَذِه الفاسقية؟ الشَّرْط الثَّانِي: أَن تكون ساترة لجَمِيع الرَّأْس إلَاّ مَا جرت الْعَادة بكشفه، كمقدم الرَّأْس والأذنين، وَيسْتَحب أَن يمسح على مَا ظهر من الرَّأْس مَعَ الْمسْح على الْعِمَامَة، نَص عَلَيْهِ أَحْمد، وَلَا يجوز الْمسْح على القلنسوة. وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: لَا نعلم أحدا قَالَ بِالْمَسْحِ على القلنسوة إلَاّ أنسا مسح على قلنسوته. وَفِي جَوَاز الْمسْح للْمَرْأَة على الْخمار رِوَايَتَانِ: احداهما: يجوز، وَالثَّانيَِة: لَا يجوز. قَالَ نَافِع وَحَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان وَالْأَوْزَاعِيّ وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز، وَلَا يجوز الْمسْح على الْوِقَايَة قولا وَاحِدًا، وَلَا نعلم فِيهِ خلافًا لِأَنَّهُ لَا يشق نَزعهَا. وَأما الحكم الثَّانِي: للْحَدِيث فقد مر الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوفى. وتابَعَهُ مَعْمَرٌ عَنْ يَحْيىَ عَنْ أبي سَلَمَة عَنْ عَمْرٍ وَقَالَ رَأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يَمْسَحُ عَلَى عِمَامَتِه وخُفَّيْهِ. أَي: تَابع الْأَوْزَاعِيّ معمر بن رَاشد. فَقَوله: (معمر) بِالرَّفْع فَاعل لقَوْله: (تَابعه) ، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ للأوزاعي، وَهَذِه الْمُتَابَعَة مُرْسلَة وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الْعِمَامَة، لما روى عَنهُ عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن يحيى عَن أبي سَلمَة عَن عمر، وَقَالَ: (رَأَيْت النَّبِي ﷺ يمسح على خفيه) ، هَكَذَا وَقع فِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق، وَلم يذكر الْعِمَامَة. وَأَبُو سَلمَة لم يسمع من عَمْرو، وَإِنَّمَا سمع من أَبِيه جَعْفَر، فَلَا حجَّة فِيهَا. قَالَه الْكرْمَانِي، قلت: وَقع فِي كتاب الطَّهَارَة لِابْنِ مُنْذر من طَرِيق معمر: وَفِيه إِثْبَات ذكر الْعِمَامَة، وَقَالَ بَعضهم: سَماع أبي سَلمَة من عَمْرو مُمكن، فَإِنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ سنة سِتِّينَ، وَأَبُو سَلمَة مدنِي، وَقد سمع من خلق مَاتُوا قبل عمر. وَقلت: كَونه مدنياً وسماعه من خلق مَاتُوا قبله لَا يسْتَلْزم سَمَاعه من عَمْرو، وبالاحتمال لَا يثبت ذَلِك. ٤٩ - (بابٌ إِذا أدْخَلَ رِجْلَيْهِ وهُمَا طَاهِرَتانِ) قَوْله: (بَاب) إِذا قطع عَمَّا بعده لَا يكون معرباً، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ فِي جُزْء الْمركب، وَإِذا أضيف إِلَى مَا بعده بِتَأْوِيل: بَاب فِي بَيَان إِدْخَال الرجل رجلَيْهِ فِي خفيه وهما طاهرتان، أَي: وَالْحَال أَن رجلَيْهِ طاهرتان، عَن الْحَدث بِأَن يكون الْبَاب معرباً على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف، أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان إِدْخَال الرجل ... إِلَى آخِره. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لِأَن كلاًّ مِنْهُمَا فِي حكم الْمسْح على الْخُفَّيْنِ.

стр. 728

٢٠٦ - حدّثنا أبُو نُعَيْمٍ قالَ حدّثنا زَكَرِيَّاءُ عَنْ عامِرٍ عَنْ عُرْوَةَ بن المُغِيرَةِ عَنْ أبِيهِ قَالَ كُنْتُ مَعَ النَّبيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ فأهْوَيْتُ لَانْزِعَ خُفَّيْهِ فقالَ دَعْهُمَا فَانِّي أدْخَلْتُهُمَا طَاهرَتَيْنِ فَمَسَحَ عَلَيْهمَا.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو نعيم الْفضل بن دُكَيْن. الثَّانِي: ذكريا بن أبي زَائِدَة الْكُوفِي. الثَّالِث: عَامر بن شرَاحِيل الشّعبِيّ التَّابِعِيّ، قَالَ: ادركت خَمْسمِائَة صَحَابِيّ أَو أَكثر يَقُولُونَ: عَليّ وَطَلْحَة وَالزُّبَيْر فِي الْجنَّة، تقدم هُوَ وزَكَرِيا فِي بَاب فضل من اسْتَبْرَأَ لدينِهِ. الرَّابِع: عُرْوَة بن الْمُغيرَة. الْخَامِس: الْمُغيرَة بن شُعْبَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم كوفيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره قد مر عَن قريب. بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب قَوْله: (فِي سفر) : هُوَ سفرة غَزْوَة تَبُوك كَمَا ورد مُبينًا فِي رِوَايَة أُخْرَى فِي (الصَّحِيح) وَكَانَت فِي رَجَب سنة تسع. قَوْله: (فَأَهْوَيْت) أَي: مددت يَدي، وَيُقَال: أَي أَشرت إِلَيْهِ. قَالَ الْجَوْهَرِي: يُقَال أَهْوى إِلَيْهِ بيدَيْهِ ليأخذه. قَالَ الْأَصْمَعِي: اهويت الشَّيْء إِذا أَوْمَأت بِهِ. وَقَالَ التَّيْمِيّ: أهويت أَي: قصدت الْهوى من الْقيام إِلَى الْقعُود. وَقيل: الإهواء: الإمالة. قَوْله: (لأنزع) ، بِكَسْر الزَّاي من بَاب: ضرب يضْرب، فَإِن قلت: فِيهِ حرف الْحلق، وَمَا فِيهِ حرف من حُرُوف الْحلق، يكون من بَاب: فعل يفعل بِالْفَتْح، فيهمَا. قلت: لَيْسَ الْأَمر كَذَلِك، وَإِنَّمَا إِذا وجد فعل يفعل بِالْفَتْح فيهمَا، فَالشَّرْط فِيهِ أَن يكون فِيهِ حرف من حُرُوف الْحلق، وَأما إِذا كَانَت كلمة فِيهَا حرف حلق لَا يلْزم أَن تكون من بَاب فعل يفعل بِالْفَتْح فيهمَا. قَوْله: (خُفْيَة) أَي: خَفِي رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (دعهما) اي: دع الْخُفَّيْنِ. فَقَوله: (دع) أَمر مَعْنَاهُ: أترك، وَهُوَ من الْأَفْعَال الَّتِي أماتوا ماضيها. قَوْله: (فَإِنِّي أدخلتهما) أَي: الرجلَيْن. قَوْله: (طاهرتين) أَي من الْحَدث، وَهُوَ مَنْصُوب على الْحَال، وَهَذَا رِوَايَة الْأَكْثَرين. وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (وهما طاهرتان) ، وَهِي جملَة أسمية حَالية. وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد: (فَإِنِّي أدخلت الْقَدَمَيْنِ الْخُفَّيْنِ وهما طاهرتان) . وللحميدي فِي (مُسْنده) : (قلت يَا رَسُول الله: أيمسح أَحَدنَا على خفيه؟ قَالَ: نعم، إِذا أدخلهما وهما طاهرتان) . وَلابْن خُزَيْمَة من حَدِيث صَفْوَان بن غَسَّان: (أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نمسح على الْخُفَّيْنِ إِذا نَحن أدخلناهما على طهر ثَلَاثًا إِذا سافرنا، وَيَوْما وَلَيْلَة إِذا أَقَمْنَا) . قَوْله: (فَمسح عَلَيْهِمَا) أَي: على الْخُفَّيْنِ، وَفِيه إِضْمَار تَقْدِيره: فأحدث فَمسح عَلَيْهِمَا، لِأَن وَقت جَوَاز الْمسْح بعد الْحَدث. وَالْوُضُوء، وَلَا يجوز قبله، لِأَنَّهُ على طَهَارَة. بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: فِيهِ جَوَاز الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وَبَيَان مشروعيته. الثَّانِي: احتجت بِهِ الشَّافِعِيَّة على أَن شَرط جَوَاز الْمسْح لبسهما على طَهَارَة كَامِلَة قبل لبس الْخُف، لِأَن الحَدِيث جعل الطَّهَارَة قبل لبس الْخُف شرطا لجَوَاز الْمسْح، وَالْمُعَلّق بِشَرْط لَا يَصح إلَاّ بِوُجُود ذَلِك الشَّرْط. وَقَالَ بَعضهم: قَالَ صَاحب (الْهِدَايَة) من الْحَنَفِيَّة: شَرط إِبَاحَة الْمسْح لبسهما على طَهَارَة كَامِلَة. قَالَ وَالْمرَاد بالكاملة وَقت الْحَدث لَا وَقت اللّبْس. انْتهى. فَقَالَ: والْحَدِيث حجَّة عَلَيْهِ، وَذكر مَا ذَكرْنَاهُ الْآن عَن الشَّافِعِيَّة. قلت: نقُول أَولا مَا قَالَه صَاحب (الْهِدَايَة) ، ثمَّ نرد على هَذَا الْقَائِل مَا قَالَه. أما عبارَة صَاحب الْهِدَايَة فَهِيَ قَوْله: إِذا لبسهما على طَهَارَة كَامِلَة، لَا يُفِيد اشْتِرَاط الْكَمَال وَقت اللّبْس، بل وَقت الْحَدث، وَهُوَ الْمَذْهَب عندنَا حَتَّى لَو غسل رجلَيْهِ وَلبس خفيه ثمَّ أكمل الطَّهَارَة ثمَّ أحدث يجْزِيه الْمسْح، وَهَذَا لِأَن الْخُف مَانع حُلُول الْحَدث بالقدم، فيراعى كَمَال الطَّهَارَة وَقت الْمَنْع وَهُوَ وَقت الْحَدث، حَتَّى لَو كَانَت نَاقِصَة عِنْد ذَلِك كَانَ الْخُف رَافعا. وَأما بَيَان الرَّد على هَذَا الْقَائِل: بِأَن الحَدِيث الْمَذْكُور لَيْسَ بِحجَّة على صَاحب (الْهِدَايَة) ، فَهُوَ إِنَّا نقُول أَولا: إِن اشْتِرَاط اللّبْس على طَهَارَة كَامِلَة لَا خلاف فِيهِ لأحد، وَإِنَّمَا الْخلاف فِي أَنه هَل يشْتَرط الْكَمَال عِنْد اللّبْس أَو عِنْد الْحَدث؟ فعندنا عِنْد الْحَدث، وَعند الشَّافِعِي عِنْد اللّبْس. وَتظهر ثَمَرَته فِيمَا إِذا غسل رجلَيْهِ أَولا وَلبس خفيه، ثمَّ أتم الْوضُوء قبل أَن يحدث، ثمَّ أحدث جَازَ لَهُ الْمسْح عندنَا، خلافًا لَهُ. وَكَذَا لَو تَوَضَّأ فرتب. لَكِن غسل إِحْدَى رجلَيْهِ وَلبس الْخُف، ثمَّ غسل الْأُخْرَى وَلبس الْخُف الآخر يجوز عندنَا خلافًا لَهُ، ثمَّ قَوْله: الْمُعَلق بِشَرْط لَا يَصح إلَاّ بِوُجُود ذَلِك الشَّرْط، سلمناه، وَلَكِن لَا نسلم أَنه ﷺ شَرط كَمَال الطَّهَارَة وَقت اللّبْس، لِأَنَّهُ لَا يفهم من نَص الحَدِيث غَايَة مَا فِي الْبَاب أَنه أخبر أَنه لبسهما وَقَدمَاهُ كَانَتَا طاهرتين، فأخذنا من هَذَا اشْتِرَاط الطَّهَارَة لأجل جَوَاز الْمسْح، سَوَاء كَانَت الطَّهَارَة حَاصِلَة وَقت اللّبْس أَو وَقت

стр. 729

الْحَدث، وتقييده بِوَقْت اللّبْس أَمر زَائِد لَا يفهم من الْعبارَة. فَإِذا تقرر هَذَا على هَذَا لم يكن الحَدِيث حجَّة على صَاحب (الْهِدَايَة) ، بل هُوَ حجَّة لَهُ، حَيْثُ اشْترط الطَّهَارَة لأجل جَوَاز الْمسْح، وَحجَّة عَلَيْهِ حَيْثُ يَأْخُذ مِنْهُ مَا لَيْسَ يدل على مدعاه. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: معنى قَوْله ﷺ : أدخلتهما طاهرتين، يجوز أَن يُقَال: غسلتهما، وَإِن لم يكمل الطَّهَارَة صلى رَكْعَتَيْنِ قبل أَن يتم صلَاته، وَيحْتَمل أَن يُرِيد: طاهرتان من جَنَابَة أَو خبث. وَلَو قلت: دَخَلنَا الْبَلَد وَنحن ركبان، يشْتَرط أَن يكون كل وَاحِد رَاكِبًا عِنْد دُخُوله، وَلَا يشْتَرط افترانهم فِي الدُّخُول، فَتكون كل وَاحِدَة من رجلَيْهِ عِنْد إدخالها الْخُف طَاهِرَة إِذا لم يدخلهما الْخُفَّيْنِ مَعًا، وهما طاهرتان، لِأَن إدخالهما مَعًا غير مُتَصَوّر عَادَة، وَإِن أَرَادَ إِدْخَال كل وَاحِدَة الْخُف وَهِي طَاهِرَة بعد الْأُخْرَى فقد وجد الْمُدَّعِي، وَمَعَ هَذَا فَإِن هَذِه الْمَسْأَلَة مَبْنِيَّة على أَن التَّرْتِيب شَرط عِنْد الشَّافِعِي وَلَيْسَ بِشَرْط عندنَا، وَقَالَ: هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَلابْن خُزَيْمَة، من حَدِيث صَفْوَان بن عَسَّال: (أمرنَا رَسُول الله ﷺ أَن نمسح على الْخُفَّيْنِ إِذا نَحن أدخلناهما على طهر ثَلَاثًا إِذا سافرنا، وَيَوْما وَلَيْلَة إِذا أَقَمْنَا) . قَالَ ابْن خُزَيْمَة: ذكرته للمزني فَقَالَ لي: حدث بِهِ أَصْحَابنَا، فَإِنَّهُ أقوى حجَّة للشَّافِعِيّ. قلت: فَإِن كَانَ مُرَاده من قَوْله: فَإِنَّهُ من أقوى حجَّة، كَون مُدَّة الْمسْح للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة، فَمُسلم. وَنحن نقُول بِهِ، وَإِن كَانَ مُرَاده اشْتِرَاط الطَّهَارَة وَقت اللّبْس فَلَا نسلم ذَلِك، لِأَنَّهُ لَا يفهم ذَلِك من نَص الحَدِيث على مَا ذَكرْنَاهُ الْآن. وَقَالَ أَيْضا: وَحَدِيث صَفْوَان، وَإِن كَانَ صَحِيحا، لكنه لَيْسَ على شَرط البُخَارِيّ، لَكِن حَدِيث الْبَاب مُوَافق لَهُ فِي الدّلَالَة على اشْتِرَاط الطَّهَارَة عِنْد اللّبْس. قلت: بعد أَن صَحَّ حَدِيث صَفْوَان عِنْد جمَاعَة من الْمُحدثين لَا يلْزم أَن يكون على شَرط البُخَارِيّ. وَقَوله: مُوَافق لَهُ فِي الدّلَالَة. إِلَى آخِره، غير مُسلم فِي كَون الطَّهَارَة عِنْد اللّبْس. نعم، مُوَافق لَهُ فِي مُطلق اشْتِرَاط الطَّهَارَة لَا غير، فَإِن ادّعى هَذَا الْقَائِل أَنه يدل على كَونهَا عِنْد اللّبْس، فَعَلَيهِ الْبَيَان بِأَيّ نوع من أَنْوَاع الدّلَالَة. الثَّالِث: من الْأَحْكَام، فِيهِ: خدمَة الْعَالم، وللخادم أَن يقْصد إِلَى مَا يعرف من خدمته دون أَن يَأْمر بهَا. الرَّابِع: فِيهِ إِمْكَان الْفَهم عَن الْإِشَارَة ورد الْجَواب بِالْعلمِ على مَا يفهم من الْإِشَارَة، لِأَن الْمُغيرَة أَهْوى لينزع الْخُفَّيْنِ، ففهم عَنهُ ﷺ مَا أَرَادَ، فَأجَاب بِأَنَّهُ يجْزِيه الْمسْح. الْخَامِس: فِيهِ: أَن من لبس خفيه على غير طَهَارَة انه لَا يمسح عَلَيْهِمَا بِلَا خلاف. ٥٠ - (بابُ مَنْ لَمْ يَتَوَضَّأْ مِنْ لَحْمِ الشَّاةِ والسَّوِيقِ) أَي: هَذَا بَاب فِي حكم من لم يتَوَضَّأ من أكل لحم الشَّاة، قيد بِلَحْم الشَّاة ليندرج مَا هُوَ مثلهَا وَمَا هُوَ دونهَا فِي حكمهَا. قَوْله: (والسويق) بِالسِّين وَالصَّاد، لُغَة فِيهِ لمَكَان المضارعة، وَالْجمع: أسوقة. وَسمي بذلك لانسياقه فِي الْخلق، والقطعة من السويق سويقة، وَعَن أبي حنيفَة: الجذيذة السويق، لِأَن الْحِنْطَة جذت لَهُ. يُقَال: جذذت الْحِنْطَة للسويق. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: إِذا أَرَادوا أَن يعملوا الفريصة، وَهِي ضرب من السويق، ضربوا من الزَّرْع مَا يُرِيدُونَ حِين يستفرك، ثمَّ يسهمونه، وتسهيمه أَن يسخن على المقلى حَتَّى ييبس، وَإِن شاؤا جعلُوا مَعَه على المقلى الفودنج، وَهُوَ أطيب الْأَطْعِمَة. وَعَابَ رجل السويق بِحَضْرَة أَعْرَابِي فَقَالَ: لَا تَعبه، فَإِنَّهُ عدَّة الْمُسَافِر، وَطَعَام العجلان، وغذاء المبتكر، وبلغة الْمَرِيض، وَهُوَ يسر فؤاد الحزين، وَيرد من نفس المحرور، وجيد فِي التسمين، ومنعوت فِي الطِّبّ، وفقارة لحلق البلغم، وملتوته يصفي الدَّم؛ وَإِن شِئْت كَانَ شرابًا، وَإِن شِئْت كَانَ طَعَاما، وَإِن شِئْت ثريداً وَإِن شِئْت خبيصاً. وثريت السويق: صببت عَلَيْهِ مَاء ثمَّ لتيته، وَفِي (مجمع الغرائب) : ثرى يثري ثرية: إِذا بل التُّرَاب، وَإِنَّمَا بل السويق لما كَانَ لحقه من اليبس والقدم، وَهُوَ شَيْء يتَّخذ من الشّعير أَو الْقَمْح، يدق فَيكون شبه الدَّقِيق إِذا احْتِيجَ إِلَى أكله خلط بِمَاء، أَو لبن أَو رب أَو نَحوه. وَقَالَ قوم: الكعك. قَالَ السفاقسي: قَالَ بَعضهم: كَانَ ملتوتاً بِسمن. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ دَقِيق الشّعير والسلت المقلو، وَيرد قَول من قَالَ: إِن السويق هُوَ الكعك قَول الشَّاعِر: (يَا حبذا الكعك بِلَحْم مثرود ... وخشكنان مَعَ سويق مقنود.) وَقَالَ ابْن التِّين لَيْسَ فِي حَدِيثي الْبَاب ذكر السويق، وَقَالَ بَعضهم: أُجِيب بِأَنَّهُ دخل من بَاب أولى، لِأَنَّهُ إِذا لم يتَوَضَّأ من اللَّحْم مَعَ دسومته، فعدمه من السويق أولى، وَلَعَلَّه أَشَارَ بذلك إِلَى الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي بعد. قلت: وَإِن سلمنَا مَا قَالَه،

стр. 730

فتخصيص السويق بِالذكر لماذا؟ وَقَوله: وَلَعَلَّه ... إِلَى آخِره، أبعد من الْجَواب الأول، لِأَنَّهُ عقد على السويق بَابا، فَلَا يذكر إلَاّ فِي بَابه، وَذكره إِيَّاه هَهُنَا لَا طائل تَحْتَهُ. لِأَنَّهُ لَا يُفِيد شَيْئا زَائِدا. وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهر، لِأَن أَكثر هَذِه الْأَبْوَاب فِي أَحْكَام الْوضُوء. وأكَلَ أبُو بَكْرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ ﵃ فَلَمْ يَتَوَضَّؤوُا لَيْسَ فِي رِوَايَة أبي ذَر لَحْمًا، وَإِنَّمَا روى: أكل أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان فَلم يتوضؤوا، وَوجد ذَلِك فِي رِوَايَة الْكشميهني، وَالْأولَى أَعم، لِأَن فِيهَا حذف الْمَفْعُول، وَهُوَ يتَنَاوَل أكل كل مَا مسته النَّار لَحْمًا أَو غَيره، وَكَذَا وصل هَذَا التَّعْلِيق الطَّبَرَانِيّ فِي (مُسْند الشاميين) بِإِسْنَاد حسن من طَرِيق سُلَيْمَان بن عَامر، قَالَ: (رَأَيْت أَبَا بكر وَعمر وَعُثْمَان أكلُوا مِمَّا مست النَّار وَلم يتوضؤوا) وروى ابْن أبي شيبَة عَن هَيْثَم: أخبرنَا عَليّ بن زيد حَدثنَا مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر، قَالَ: (أكلت مَعَ رَسُول الله ﷺ وَمَعَ أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان خبْزًا وَلَحْمًا فصلوا وَلم يتوضؤوا) وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ عَن ابْن أبي عمر عَن ابْن عُيَيْنَة حَدثنَا ابْن عقيل فَذكره مطولا، وَرَوَاهُ ابْن حبَان عَن عبد الله بن مُحَمَّد حَدثنَا إِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم حَدثنَا أَبُو عَلْقَمَة عبد الله بن مُحَمَّد بن أبي فَرْوَة حَدثنِي مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَنهُ، وَرَوَاهُ ابْن خُزَيْمَة حَدثنَا مُوسَى بن سهل حَدثنَا عَليّ بن عَبَّاس حَدثنَا شُعَيْب بن أبي حَمْزَة عَن ابْن الْمُنْكَدر، وروى الطَّحَاوِيّ عَن أبي بكرَة، قَالَ: حَدثنَا أَبُو دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا رَبَاح بن أبي مَعْرُوف عَن عَطاء عَن جَابر، قَالَ: (أكلنَا مَعَ ابي بكر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خبْزًا وَلَحْمًا ثمَّ صلى وَلم يتَوَضَّأ) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من عشر طرق، وروى أَيْضا عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، نَحوه. قَوْله: (فَلم يتوضؤوا) : غَرَضه مِنْهُ بَيَان الْإِجْمَاع السكوتي. ٧٠ - (حَدثنَا عبد الله بن يُوسُف قَالَ أخبرنَا مَالك عَن زيد بن أسلم عَن عَطاء بن يسَار عَن عبد الله بن عَبَّاس أَن رَسُول الله ﷺ َ - أكل كتف شَاة ثمَّ صلى وَلم يتَوَضَّأ) مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. (بَيَان رِجَاله) وهم خَمْسَة. كلهم ذكرُوا. وَمن لطائف إِسْنَاده التحديث بِصِيغَة الْجمع والإخبار بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. (بَيَان من أخرجه غَيره) أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد جَمِيعًا فِي الطَّهَارَة عَن القعْنبِي عَن مَالك. (بَيَان الْمَعْنى) قَوْله " أكل كتف شَاة " أَي أكل لَحْمه وَفِي لفظ للْبُخَارِيّ فِي الْأَطْعِمَة " تعرق " أَي أكل مَا على الْعرق بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَهُوَ الْعظم وَيُقَال لَهُ الْعرَاق بِالضَّمِّ أَيْضا وَفِي لفظ " انتشل عرقا من قدر " وَعند مُسلم " أَنه أكل عرقا أَو لَحْمًا ثمَّ صلى وَلم يتَوَضَّأ وَلم يمس مَاء " وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاق السراج فِي مُسْنده بِزِيَادَة " وَلم يمضمض " وَفِي مُسْند أَحْمد " انتهش من كتف " وَعند ابْن ماجة " ثمَّ مسح يَده بمسح كَانَ تَحْتَهُ " وَفِي الْمنصف " أكل من عظم أَو تعرق من ضلع " وَفِي سنَن أبي دَاوُد " فرأيته يسيل على لحيته أمشاج من دم دَمًا ثمَّ قَامَ إِلَى الصَّلَاة " وَفِي مُسْند القَاضِي إِسْمَاعِيل بن إِسْحَاق كَانَ ذَلِك فِي بَيت ضباعة بنت الْحَارِث بن عبد الْمطلب وَهِي بنت عَم النَّبِي ﷺ َ -. (بَيَان الحكم) وَهُوَ أكل مَا مسته النَّار لَا يُوجب الْوضُوء وَهُوَ قَول الثَّوْريّ وَالْأَوْزَاعِيّ وَأبي حنيفَة وَمَالك وَأحمد واسحق وَأبي ثَوْر وَأهل الشَّام وَأهل الْكُوفَة وَالْحسن بن الْحسن وَاللَّيْث بن سعد وَأَبُو عبيد وَدَاوُد بن عَليّ وَابْن جرير الطَّبَرِيّ إِلَّا أَن أَحْمد يرى الْوضُوء من لحم الْجَزُور فَقَط وَقَالَ ابْن الْمُنْذر وَكَانَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان وَعلي وَابْن مَسْعُود وعامر بن ربيعَة وَأَبُو أُمَامَة وَأبي بن كَعْب وَأَبُو الدَّرْدَاء لَا يرَوْنَ الْوضُوء مِمَّا مست النَّار وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ وَالزهْرِيّ وَأَبُو قلَابَة وَأَبُو مجلز وَعمر بن عبد الْعَزِيز يجب الْوضُوء مِمَّا غيرت النَّار وَهُوَ قَول زيد بن ثَابت وَأبي طَلْحَة وَأبي مُوسَى وَأبي هُرَيْرَة وَأنس وَعَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ وَأم حَبِيبَة أم الْمُؤمنِينَ وَأبي أَيُّوب وَاحْتَجُّوا بِأَحَادِيث كَثِيرَة مِنْهَا حَدِيث أبي طَلْحَة صَاحب رَسُول الله ﷺ َ - " عَن رَسُول الله ﷺ َ - أَنه أكل ثَوْر أقط فَتَوَضَّأ مِنْهُ قَالَ عمر والثور الْقطعَة " رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَمِنْهَا حَدِيث زيد بن ثَابت ﵁ عَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ " توضؤا مِمَّا غيرت النَّار " رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَالنَّسَائِيّ وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَمِنْهَا حَدِيث أم حَبِيبَة قَالَت " أَن رَسُول الله ﷺ َ - قَالَ

стр. 731

توضؤا مِمَّا مست النَّار " رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَأحمد فِي مُسْنده وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " توضؤا مِمَّا غيرت النَّار وَلَو من ثَوْر أقط " رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَأخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَأحمد فِي مُسْنده وَأخرجه التِّرْمِذِيّ والسراج فِي مُسْنده وَمِنْهَا حَدِيث سهل بن الْحَنَفِيَّة قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ َ - " من أكل لَحْمًا فَليَتَوَضَّأ " رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ بِإِسْنَاد حسن واحتجت الْجَمَاعَة الأولى بِأَحَادِيث مِنْهَا حَدِيث ابْن عَبَّاس وَحَدِيث عَمْرو بن أُميَّة وَغَيرهمَا وَأَحَادِيث هَؤُلَاءِ مَنْسُوخَة بِمَا روى عَن جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ " كَانَ آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله ﷺ َ - هُوَ ترك الْوضُوء مِمَّا مست النَّار " أخرجه الطَّحَاوِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان فِي صَحِيحه وَقَالُوا أَيْضا يجوز أَن يكون المُرَاد من الْوضُوء فِي الْأَحَادِيث الأول غسل الْيَد لَا وضوء الصَّلَاة فَإِن قلت روى تَوَضَّأ وروى وَلم يتَوَضَّأ قلت هُوَ دائر بَين الْأَمريْنِ فَحَدِيث جَابر بَين أَن المُرَاد الْوضُوء الَّذِي هُوَ غسل الْيَد ٢٠٨ - حدّثنا يَحْيىَ بنُ بُكَيْرٍ قَالَ حدّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ قالَ أخْبرَنِي جَعْفَرُ بنُ عَمْرِ وابِن أُمَيَّةَ أنّ أخْبَرهُ أَبَاهُ أنَّهُ رأى رسولَ الله ﷺ يَحْتَزُّ مِنْ كَتِفِ شَاةٍ فَدُعِيَ إِلَى الصَّلَاةِ فألْقى السِّكِّينَ فَصَلَّى ولَمْ يَتَوضَّأْ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة. الأول: يحيى بن بكير هُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير الْمصْرِيّ. الثَّانِي: اللَّيْث بن سعد الْمصْرِيّ. الثَّالِث: عقيل، بِضَم الْعين: بن خَالِد الْأَيْلِي الْمصْرِيّ، سبقوا فِي كتاب الْوَحْي. الرَّابِع: مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الزُّهْرِيّ. الْخَامِس: جَعْفَر بن عَمْرو بن أُميَّة. السَّادِس: أَبوهُ عَمْرو بن امية. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة والإخبار. وَمِنْهَا: أَن ثَلَاثَة من رُوَاته مصريون وَالثَّلَاثَة الْبَاقِيَة مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فيهم إمامين كبيرين. ذكر تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله، وَفِي الْجِهَاد كَذَلِك، وَفِي الْأَطْعِمَة عَن أبي الْيَمَان، وفيهَا عَن مُحَمَّد بن مقَاتل أَيْضا. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن مُحَمَّد بن الصَّباح، وَعَن أَحْمد بن عِيسَى. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الْأَطْعِمَة عَن مَحْمُود بن غيرن. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْوَلِيمَة عَن أَحْمد بن مُحَمَّد. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الطَّهَارَة عَن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم بن دُحَيْم. بَيَان الْمَعْنى وَغَيره قَوْله: (يحتز) بِالْحَاء الْمُهْملَة وبالزاي اي: يقطع، يُقَال احتزه اي: قطعه. وَزَاد البُخَارِيّ فِي الْأَطْعِمَة من طَرِيق معمر عَن الزُّهْرِيّ: (يَأْكُل مِنْهَا) ، وَفِي الصَّلَاة من طَرِيق صَالح عَن الزُّهْرِيّ: (يَأْكُل ذِرَاعا يحتز مِنْهَا) ، وَفِي أُخْرَى: (يحتز من كتف يَأْكُل مِنْهَا) . قَوْله: (من كتف شَاة) قَالَ ابْن سَيّده: الْكَتف الْعَظِيم بِمَا فِيهِ، وَهِي أُنْثَى، وَالْجمع أكتاف. يُقَال: كتف، بِفَتْح الْكَاف وَكسر التَّاء، و: كتف، بِكَسْر الْكَاف وَسُكُون التَّاء، وَقيل: هِيَ عظم عريض خلف الْمنْكب، وَهِي تكون للنَّاس وَغَيرهم، والكتف من الْإِبِل وَالْخَيْل وَالْبِغَال وَالْحمير وَغَيرهَا: مَا فَوق الْعَضُد. وَقيل: الكتفان أَعلَى الْيَدَيْنِ، وَالْجمع أكتاف. قَالَ سِيبَوَيْهٍ: لم يجاوزوا بِهِ هَذَا الْبناء، وَحكى اللحياني فِي جمعه: كتفه. قَوْله: (فالقى السكين) زَاد فِي الْأَطْعِمَة عَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب عَن الزُّهْرِيّ: (فألقاها) . و: السكين، على وزن: فعيل، كشريب يذكر وَيُؤَنث. وَحكى الْكسَائي: سكينَة، وَلَعَلَّه سمى بِهِ لِأَنَّهُ يسكن حَرَكَة الْمَذْبُوح بِهِ. بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: فِيهِ دلَالَة على أَن أكل مَا مسته النَّار لَا يُوجب الْوضُوء، وَقد ذَكرْنَاهُ. الثَّانِي: فِيهِ جَوَاز قطع اللَّحْم بالسكين. فَإِن قلت: ورد النَّهْي عَن ذَلِك فِي (سنَن ابي دَاوُد) . قلت: حَدِيث ضَعِيف، فَإِذا ثَبت خص بِعَدَمِ الْحَاجة الداعية إِلَى ذَلِك لما فِيهِ من التَّشَبُّه بالأعاجم وَأهل الترف. الثَّالِث: فِيهِ جَوَاز دُعَاء الْأَئِمَّة إِلَى الصَّلَاة، وَكَانَ الدَّاعِي فِي الحَدِيث بِلَالًا، ﵁. الرَّابِع: فِيهِ قبُول الشَّهَادَة على النَّفْي محصوراً، مثل هَذَا أعنى قَوْله: (وَلم يتَوَضَّأ) . ٥١ - (بابُ مَنْ مَضْمَضَ مِنَ السَّوِيقِ ولَمْ يَتَوَضَّأْ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من مضمض من أكل السويق وَلم يتَوَضَّأ. وَفِي رِوَايَة: (لم يتَوَضَّأ) يجوز وَجْهَان. أَحدهمَا: إِثْبَات

стр. 732

الْهمزَة الساكنة، عَلامَة للجزم. وَالْآخر: حذفهَا. تَقول: لم يتوضَّ، كَمَا تَقول: لم يخشَ، بِحَذْف الْألف، وَالْأول هُوَ الْأَشْهر. وَقَالَ بعض الشَّارِحين: يجوز فِي: (لم يتَوَضَّأ) رِوَايَتَانِ. قلت: لَا يُقَال فِي مثل هَذَا رِوَايَتَانِ، بل يُقَال: وَجْهَان، أَو لُغَتَانِ، أَو طَرِيقَانِ، أَو نَحْو ذَلِك. ٢٠٩ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ قَالَ أخْبرنا مالِكٌ عَنْ يَحْيَى بنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشيْرِ بنِ يَسَارٍ مَوْلَى بَنِي حارِثَةَ أنّ سُوَيْدَ بن النُّعْمانِ أخْبرَهُ أنَّهُ خَرَجَ مَعَ رَسُول الله ﷺ عَام خَيْبَرَ حتَّى إذَا كانُوا بالصَّهْبَاءِ وَهْيَ أدْنَى خَيْبَرَ فَصَلَّى العَصْرَ ثُمَّ دَعا بِالَازْوَادِ فَلَمْ يُؤْتَ إلَاّ بِالسَّوِيق فأمرَ بِهِ فَتُرِّي فَأكَلَ رسولُ اللَّهِ ﷺ وأكلْنَا ثُمَّ قامَ إلَى المَغْرِبِ فمَضْمَضَ ومَضْمَضْنَا ثُمَّ صلي ولَمْ يَتَوَضَّأ.. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الثَّلَاثَة الأُول تكَرر ذكرهم، وَيحيى بن سعيد الْأنْصَارِيّ، وَبشير، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الشين الْمُعْجَمَة: ابْن يسَار بِفَتْح، الْيَاء آخر الْحُرُوف: كَانَ شَيخا كَبِيرا فَقِيها فَقِيها أدْرك عَامَّة الصَّحَابَة، وسُويد بِضَم السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو سُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف ابْن النُّعْمَان، بِضَم النُّون: الْأنْصَارِيّ الأوسي الْمدنِي من أَصْحَاب بيعَة الرضْوَان، رُوِيَ لَهُ سَبْعَة أَحَادِيث للْبُخَارِيّ مِنْهَا حَدِيث وَاحِد، وَهُوَ هَذَا الحَدِيث. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع، والإخبار كَذَلِك والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم مدنيون إلَاّ شيخ البُخَارِيّ. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، كِلَاهُمَا من أكَابِر التَّابِعين. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم أَئِمَّة أجلاء فُقَهَاء كبار. بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي سَبْعَة مَوَاضِع من الْكتاب فِي الطَّهَارَة فِي موضِعين، وَفِي أَحدهمَا عَن عبد الله بن يُوسُف، وَفِي الآخر عَن خَالِد بن مخلد، وَأخرجه فِي الْمَغَازِي عَن القعْنبِي عَن مَالك، وَعَن مُحَمَّد بن بشار، وَفِي الْجِهَاد عَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَفِي موضِعين فِي الْأَطْعِمَة أَحدهمَا: عَن عَليّ بن عبد الله، وَعَن سُلَيْمَان بن حَرْب. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة عَن اللَّيْث، وَفِي الْوَلِيمَة عَن مُحَمَّد بن بشار. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة. بَيَان اللُّغَات وَالْإِعْرَاب قَوْله: (عَام خَيْبَر) ، عَام: مَنْصُوب على الظَّرْفِيَّة. و: خَيْبَر، بَلْدَة مَعْرُوفَة بَينهَا وَبَين الْمَدِينَة نَحْو أَربع مراحل. وَقَالَ ابو عبيد: ثَمَانِيَة برد، وَسميت باسم رجل من العماليق نزلها وَكَانَ اسْمه خَيْبَر بن فانية بن مهلائل، وَكَانَ عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، مصَّرها، وَهِي غير منصرف للعلمية والتأنيث، فتحهَا رَسُول الله، ﷺ ، وَقَالَ عِيَاض: اخْتلفُوا فِي فتحهَا، فَقيل: فتحت عنْوَة، وَقيل: صلحا، وَقيل: جلا أَهلهَا عَنْهَا بِغَيْر قتال، وَقيل: بَعْضهَا صلحا وَبَعضهَا عنْوَة وَبَعضهَا جلاء أَهلهَا بِغَيْر قتال. قَوْله: (بالصبهاء) بِالْمدِّ، مَوضِع على رَوْحَة من خَيْبَر، كَذَا رَوَاهُ فِي الْأَطْعِمَة، وَقَالَ الْبكْرِيّ: على بريد، على لفظ تَأْنِيث أصهب. قَوْله: (وَهِي أدنى خَيْبَر) أَي: اسفلها وطرفها جِهَة الْمَدِينَة. قَوْله: (فصلى الْعَصْر) ، الْفَاء: فِيهِ لمحض الْعَطف وَلَيْسَت للجزاء إِذْ قَوْله: إِذا لَيست جزائية بل هِيَ ظرفية. قَوْله: (بالأزواد) جمع زَاد، وَهُوَ طَعَام يتَّخذ للسَّفر. قَوْله: (فَأمر بِهِ) أَي: بالسويق. قَوْله: (فثرى) بِضَم الثَّاء الْمُثَلَّثَة، على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمَاضِي، من التثرية، وَمَعْنَاهُ: بلَّ، وَقد مر مَعْنَاهُ عَن قريب مُسْتَوفى. قَوْله: (فَأكل رَسُول الله، ﵊ أَي: مِنْهُ. قَوْله: (وأكلنا) زَاد فِي رِوَايَة سُلَيْمَان: (وشربنا) ؛ وَفِي الْجِهَاد من رِوَايَة عبد الْوَهَّاب: (فأكلنا وشربنا) . قَوْله: (فَمَضْمض) اي: قبل الدُّخُول فِي الصَّلَاة. فَإِن قلت: مَا فَائِدَة الْمَضْمَضَة مِنْهُ وَلَا دسم لَهُ؟ قلت: يحتبس مِنْهُ شَيْء فِي أثْنَاء الْأَسْنَان وجوانب الْفَم فيشغله تتبعه عَن أَحْوَال الصَّلَاة. بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: أَن فِيهِ اسْتِحْبَاب الْمَضْمَضَة بعد الطَّعَام، للمعنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا، وَقَالَ بَعضهم: اسْتدلَّ بِهِ البُخَارِيّ على جَوَاز صَلَاتَيْنِ فَأكْثر بِوضُوء وَاحِد. قلت: البُخَارِيّ لم يضع الْبَاب لذَلِك، وَإِن كَانَ يفهم مِنْهُ ذَلِك. الثَّانِي: فِيهِ دلَالَة على عدم وجوب الْوضُوء مِمَّا مسته النَّار، وَقَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن الْوضُوء مِمَّا مست النَّار مَنْسُوخ لِأَنَّهُ مُتَقَدم، وخيبر كَانَت سنة سبع، وَقَالَ بَعضهم: لَا دلَالَة فِيهِ لِأَن أَبَا هُرَيْرَة حضر بعد فتح خَيْبَر. قلت: لَا يستبعد ذَلِك، لِأَن أَبَا هُرَيْرَة رُبمَا يروي حَدِيثا عَن صَحَابِيّ كَانَ ذَلِك قبل أَن يسلم فيسنده إِلَى النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَآله وَسلم، لِأَن

стр. 733

الصَّحَابَة كلهم عدُول. الثَّالِث: فِيهِ دلَالَة على جمع الرفقاء على الزَّاد فِي السّفر، لِأَن الْجَمَاعَة رَحْمَة وَفِيهِمْ الْبركَة. الرَّابِع: اسْتدلَّ بِهِ الملهب على أَن للْإِمَام أَن يَأْخُذ المحتكرين بِإِخْرَاج الطَّعَام عِنْد قلته ليبيعوه من أهل الْحَاجة. الْخَامِس: فِيهِ الدّلَالَة على أَن على الإِمَام أَن ينظر لأهل الْعَسْكَر فَيجمع الزَّاد ليصيب مِنْهُ من مَا لَا زَاد لَهُ. ٢١٠ - حدّثنا أصْبَغُ قالَ أخْبرنا ابنُ وَهْبٍ قَالَ أخْبرني عَمْرٌ وعَنْ بُكَيْرٍ عَنْ كُرَيْبٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أنّ النَّبيَّ ﷺ أَكلَ عِندها كتِفاً ثُمَّ صلَّى ولَمْ يَتَوضَّأْ.. كَانَ يَنْبَغِي أَن يذكر هَذَا الحَدِيث فِي الْبَاب الَّذِي قبله لمطابقة التَّرْجَمَة، وَلَا مُطَابقَة لَهُ للتَّرْجَمَة فِي هَذَا الْبَاب، وَكَذَا سَأَلَ الْكرْمَانِي بقوله: فَإِن قلت: هَذَا الحَدِيث لَا يتَعَلَّق بالترجمة، ثمَّ أجَاب بقوله: قلت: الْبَاب الأول من هذَيْن الْبَابَيْنِ هُوَ أصل التَّرْجَمَة، لَكِن لما كَانَ فِي الحَدِيث الثَّالِث حكم آخر سوى عدم التوضىء، وَهُوَ الْمَضْمَضَة، أدرج بَين أَحَادِيثه بَابا آخر مترجماً بذلك الحكم، تَنْبِيها على الْفَائِدَة الَّتِي فِي ذَاك الحَدِيث الزَّائِدَة على الأَصْل، أَو هُوَ من قلم الناسخين، لِأَن النُّسْخَة الَّتِي عَلَيْهَا خطّ الْفربرِي هَذَا الحَدِيث مِنْهَا فِي الْبَاب الأول، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَاب إلَاّ الحَدِيث الأول مِنْهُمَا، وَهُوَ ظَاهر. أَقُول: هَذَا بِلَا شكّ من النساخ الجهلة، لِأَن غَالب من يستنسخ هَذَا الْكتاب يسْتَعْمل نَاسِخا حسن الْخط جدا، وغالب من يكون خطه حسنا لَا يَخْلُو عَن الْجَهْل، وَلَو كتب كلَّ فن أَهله لقل الْغَلَط والتصحيف، وَهَذَا ظَاهر لَا يخفى. بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة: أصبغ، وَعبد الله بن وهب، وَعَمْرو بن الْحَارِث تقدمُوا قَرِيبا. وَبُكَيْر، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة مُصَغرًا: ابْن عبد الله الاشج الْمدنِي التَّابِعِيّ، وكريب مُصَغرًا تقدما. ومَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ تقدّمت فِي بَاب السمر بِالْعلمِ. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن النّصْف الأول مصريون، وَالنّصف الثَّانِي مدنيون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ إسمين مصغَّرين وهما تابعيان. بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن احْمَد بن عِيسَى عَن ابْن وهب. بَيَان الْمَعْنى وَالْحكم قَوْله: (كَتفًا) اي: كتف لحم. وَفِيه عدم الْوضُوء عِنْد أكل اللَّحْم، أَي لحمٍ كَانَ. (بَاب هَل يمضم من اللَّبن) بَاب، بِالسُّكُونِ: غير مُعرب، لِأَن الْإِعْرَاب يَقْتَضِي التَّرْكِيب، فَإِن قدر شَيْء قبله نَحْو: هَذَا بَاب، يكون معرباً على أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف. قَوْله: (يمضمض) على صِيغَة الْمَجْهُول من الْمُضَارع، وَفِي بعض النّسخ: (هَل يتمضمض) ، وَكلمَة: هَل، للاستفهام على سَبِيل الاستفسار. ٢١١ - حدّثنا يَحْيىَ بنُ بُكَيرٍ وقُتَيْبَةُ قالَا حدّثنا اللَّيْثُ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ ابنِ شِهابٍ عَنْ عُبَيْدَ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ عتْبَةَ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ أنّ رسولَ اللَّهِ ﷺ شَرِبَ لَبَناً فَمَضْمَضَ وَقَالَ إنّ لَهُ دَسمَاً. (الحَدِيث ٢١١ طرفه فِي: ٥٦٠٩) . مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم سَبْعَة تقدم ذكرهم، وَبُكَيْر بِضَم الْبَاء، وَعقيل بِضَم الْعين، وَابْن شهَاب مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَعبد الله بن عبيد الله بتصغير الابْن وتكبير الاب، وَعتبَة بِضَم الْعين وَسُكُون الثَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ شيخين للْبُخَارِيّ وهما: ابْن بكير وقتيبة بن سعيد، كِلَاهُمَا يرويان عَن اللَّيْث بن سعد، وَهَذَا أحد الْأَحَادِيث الَّتِي أخرجهَا الْأَئِمَّة السِّتَّة غير ابْن مَاجَه عَن شيخ وَاحِد وَهُوَ قُتَيْبَة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين مصري وَهُوَ يحيى بن عبد الله بن بكير، وَاللَّيْث وَعقيل، وبلخي وَهُوَ قُتَيْبَة ومدني وَهُوَ ابْن شهَاب وَعبيد الله. بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن قُتَيْبَة بِهِ. وَأخرجه مُسلم أَيْضا عَن زُهَيْر بن حَرْب وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى، وَعَن أَحْمد بن عِيسَى. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن دُحَيْم

стр. 734

عَن الْوَلِيد بن مُسلم عَن الْأَوْزَاعِيّ بِهِ. بَيَان الْمَعْنى وَالْحكم قَوْله: (دسماً) مَنْصُوب لِأَنَّهُ إسم: إِن، وَقدم عَلَيْهِ خَبره. و: الدسم، بِفتْحَتَيْنِ: الشَّيْء الَّذِي يظْهر على اللَّبن من الدّهن. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: هُوَ من دسم الْمَطَر الأَرْض إِذا لم يبلغ أَن يبل الثرى، و: الدسم، بِضَم الدَّال وَسُكُون السِّين: الشَّيْء الْقَلِيل. وَأما الحكم فَفِيهِ دلَالَة على اسْتِحْبَاب تنظيف الْفَم من أثر اللَّبن وَنَحْوه. ويستنبط مِنْهُ أَيْضا اسْتِحْبَاب تنظيف الْيَدَيْنِ. تابَعَهُ يُونُسُ وصالِحُ بنُ كَيْسَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَي: تَابع عقيلاً يُونُس بن يزِيد. وَقَوله: (يُونُس) فَاعل: (تَابع) ، وَالضَّمِير يرجع إِلَى: عقيل، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يرويهِ عَن مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، وَوَصله مُسلم عَن حَرْمَلَة عَن ابْن وهب، حَدثنَا يُونُس عَن ابْن شهَاب بِهِ. قَوْله: (وَصَالح بن كيسَان) اي: تَابع عقيلاً أَيْضا صَالح بن كيسَان، وَوَصله أَبُو الْعَبَّاس السراج فِي (مُسْنده) وَتَابعه أَيْضا الْأَوْزَاعِيّ. أخرجه البُخَارِيّ فِي الْأَطْعِمَة عَن أبي عَاصِم عَنهُ بِلَفْظ حَدِيث الْبَاب. وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من طَرِيق الْوَلِيد بن مُسلم، قَالَ: حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ، فَذكره بِصِيغَة الْأَمر: (مضمضوا من اللَّبن) الحَدِيث. وَكَذَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق أُخْرَى عَن اللَّيْث بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور. وَأخرج ابْن مَاجَه من حَدِيث أم سَلمَة وَسَهل بن سعد مثله. وَإسْنَاد كل مِنْهُمَا حسن. وَفِي (التَّهْذِيب) لِابْنِ جرير الطَّبَرِيّ: هَذَا خبر عندنَا صَحِيح وَإِن كَانَ عِنْد غَيرنَا فِيهِ نظر لاضطراب ناقليه فِي سَنَده، فَمن قَائِل: عَن الزُّهْرِيّ عَن ابْن عَبَّاس، من غير إِدْخَال: عبيد الله، بَينهمَا؛ وَمن قَائِل: عَن الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله أَن النَّبِي، ﵊، من غير ذكر: ابْن عَبَّاس. وَبعد فَلَيْسَ فِي مضمضته، ﵊، وجوب مضمضة وَلَا وضوء على من شربه، إِذا كَانَت أَفعاله غير لَازِمَة الْعَمَل بهَا لأمته، إِذا لم تكن بَيَانا عَن حكم فرض فِي التَّنْزِيل. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَفِيه نظر من حَيْثُ إِن ابْن مَاجَه رَوَاهُ عَن عبد الرَّحْمَن بن إِبْرَاهِيم: حَدثنَا الْوَلِيد بن مُسلم ... الحَدِيث ذَكرْنَاهُ الْآن. وَفِي حَدِيث مُوسَى بن يَعْقُوب عِنْده ايضاً، وَهُوَ بِسَنَد صَحِيح، قَالَ: حَدثنِي أَبُو عُبَيْدَة بن عبد الله بن زَمعَة عَن أَبِيه عَن أم سَلمَة مَرْفُوعا: (إِذا شربتم اللَّبن فمضمضوا فَإِن لَهُ دسماً) ، وَعِنْده أَيْضا من حَدِيث عبد المهين بن عَبَّاس بن سهل بن سعد عَن أَبِيه عَن جده: أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (مضمضوا من اللَّبن فَإِن لَهُ دسما) . وَعند ابْن أبي حَاتِم فِي (كتاب الْعِلَل) من حَدِيث أنس: (هاتوا مَاء، فَمَضْمض بِهِ) . وَفِي حَدِيث جَابر ﵁ من عِنْد ابْن شاهين: (فَمَضْمض من دسمه) . وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو جَعْفَر الْبَغْدَادِيّ: الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ عَن عُثْمَان بن أبي شيبَة عَن زيد بن حباب عَن مُطِيع بن رَاشد عَن تَوْبَة الْعَنْبَري، سمع أنس بن مَالك أَن رَسُول الله ﷺ (شرب لَبَنًا فَلم يمضمض وَلم يتَوَضَّأ وَصلى) ، يدل على نسخ الْمَضْمَضَة. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) : يخدش فِيهِ مَا رَوَاهُ أَحْمد بن منيع فِي (مُسْنده) بِسَنَد صَحِيح: حَدثنَا إِسْمَاعِيل حَدثنَا أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَنه كَانَ يمضمض من اللَّبن ثَلَاثًا) ، فَلَو كَانَ مَنْسُوخا لما فعله بعد النَّبِي، ﵊ قلت: لَا يلْزم من فعله هَذَا، وَالصَّوَاب فِي هَذَا أَن الْأَحَادِيث الَّتِي فِيهَا الْأَمر بالمضمضة أَمر اسْتِحْبَاب لَا وجوب، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الْمَذْكُور آنِفا، وَمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى، بِإِسْنَاد حسن عَن أنس: (أَن النَّبِي، ﷺ ، شرب لَبَنًا فَلم يتمضمض وَلم يتَوَضَّأ) . فَإِن قلت: ادّعى ابْن شاهين أَن حَدِيث أنس نَاسخ لحَدِيث ابْن عَبَّاس. قلت: لم يقل بِهِ أحد، وَمن قَالَ فِيهِ بِالْوُجُوب حَتَّى يحْتَاج إِلَى دَعْوَى النّسخ؟ . ٥٣ - (بابُ الوُضُوءِ مِنَ النوْمِ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان الْوضُوء من النّوم. هَل يجب أَو يسْتَحبّ؟ والمناسبة بَين هَذَا الْبَاب وَبَين الْبَاب الَّذِي قبله من حَيْثُ إِن كلا مِنْهُمَا مُشْتَمل على حكم من أَحْكَام الْوضُوء. وَمَنْ لمْ يَرَ مِنَ النَّعْسِةِ والنَّعْسَتَيْنِ أوِ الخَفْقَةِ وُضُوءًا

стр. 735

هَذَا عطف على مَا قبله، وَالتَّقْدِير: وَبَاب من لم ير من النعسة ... إِلَى آخِره، والنعسة: على وزن فعلة: مرّة من النعس، من بَاب: نعس، بِفَتْح الْعين، يَنْعس: بضَمهَا من بَاب: نصر ينصر؛ وَمن قَالَ: نعس، بِضَم الْعين فقد أَخطَأ. وَفِي (الموعب) : وَبَعض بني عَامر يَقُول: يَنْعس، بِفَتْح الْعين. يُقَال: نعس يَنْعس نعساً ونعاساً فَهُوَ ناعس ونعسان. وَامْرَأَة نعسى. وَقَالَ ابْن السّكيت وثعلب: لَا يُقَال: نعسان، وَحكى الزّجاج عَن الْفراء أَنه قَالَ: قد سَمِعت: نعسان، من أَعْرَابِي من عنزة، قَالَ: وَلَكِن لَا أشتهيه. وَعَن صَاحب (الْعين) أَنه قَالَ: وسمعناهم يَقُولُونَ: نعسان ونعسى، حملوه على: وَسنَان ووسنى. وَفِي (الْمُحكم) : النعاس النّوم. وَقيل: ثقلته، وَامْرَأَة نعسانة وناعسة ونعوس، وَفِي (الصِّحَاح) و (الْمُجْمل) : النعاس: الوسن. وَقَالَ كرَاع: وَسنَان أَي: ناعس، وَالسّنة، بِكَسْر السِّين، أَصْلهَا: وَسنة، مثل: عدَّة أَصْلهَا وعدة، حذفت الْوَاو تبعا لحذفها فِي مضارعه، ونقلت فتحتها إِلَى عين الْفِعْل: وَزنهَا عِلّة. قَوْله: (والنعستين) تَثْنِيَة نعسة. قَوْله: (اَوْ الخفقة) عطف على قَوْله: (النعسة) وَهُوَ أَيْضا على وزن فعلة: مرّة، من الخفق، يُقَال: خَفق الرجل، بِفَتْح الْفَاء، يخْفق خفقاً إِذا حرك رَأسه وَهُوَ ناعس؛ وَفِي (الغريبين) : معنى تخفق رؤوسهم: تسْقط أذقانهم على صُدُورهمْ. وَقَالَ ابْن الْأَثِير: خَفق إِذا نعس، والخفوق الِاضْطِرَاب، وخفق اللَّيْل إِذا ذهب. وَقَالَ ابْن التِّين: الخفقة النعسة، وَإِنَّمَا كرر لاخْتِلَاف اللَّفْظ، وَقَالَ بَعضهم: الظَّاهِر أَنه من ذكر الْخَاص بعد الْعَام قلت: على قَول ابْن التِّين بَين النعس والخفقة مُسَاوَاة، وعَلى قَول بَعضهم: عُمُوم وخصوص بِمَعْنى أَن كل خفقة نعسة، وَلَيْسَ كل نعسة خفقة، وَيدل عَلَيْهِ مَا قَالَ أهل اللُّغَة: خَفق رَأسه إِذا حركها وَهُوَ ناعس. وَقَالَ ابو زيد: خَفق بِرَأْسِهِ من النعاس: أماله، وَمِنْه قَول الْهَرَوِيّ فِي (الغريبين) : تخفق رؤوسهم، كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَفِيه: الخفق مَعَ النعاس. وَقَوله: هَذَا من حَدِيث أخرجه مُحَمَّد بن نصر فِي قيام اللَّيْل بِإِسْنَاد صَحِيح عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ينتظرون الصَّلَاة فينغسون حَتَّى تخفق رؤوسهم، ثمَّ يقومُونَ الى الصَّلَاة) . وَقَالَ بَعضهم: ظَاهر كَلَام البُخَارِيّ: النعاس يُسمى نوماً، وَالْمَشْهُور التَّفْرِقَة بَينهمَا، أَن من فترت حواسه بِحَيْثُ يسمع كَلَام جليسه وَلَا يفهم مَعْنَاهُ فَهُوَ ناعس، وَإِن زَاد على ذَلِك فَهُوَ نَائِم، وَمن عَلَامَات النّوم الرُّؤْيَا، طَالَتْ أَو قصرت. قلت: لَا نسلم أَن ظَاهر كَلَام البُخَارِيّ يدل على عدم التَّفْرِقَة، فَإِنَّهُ عطف قَوْله: (وَمن لم ير من النعسة) إِلَى آخِره على قَوْله: (النّوم والنعس) فِي قَوْله: (بَاب النّوم) . وَالتَّحْقِيق فِي هَذَا الْمقَام أَن مَعنا ثَلَاثَة أَشْيَاء: النّوم والنعسة والخفقة. أما النّوم: فَمن قَالَ: إِن نفس النّوم حدث يَقُول بِوُجُوب الْوضُوء من النعاس، وَمن قَالَ: إِن نفس النّوم لَيْسَ بِحَدَث لَا يَقُول بِوُجُوب الْوضُوء على الناعس؛ وَأما الخفقة: فقد رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: وَجب الْوضُوء على كل نَائِم إلَاّ من خَفق خفقة. فَالْبُخَارِي أَشَارَ إِلَى هَذِه الثَّلَاثَة، فَأَشَارَ إِلَى النّوم بقوله: (بَاب النّوم) . وَالنَّوْم فِيهِ تَفْصِيل كَمَا نذكرهُ عَن قريب، وَأَشَارَ بقوله: (النعسة والنعستين) إِلَى القَوْل بِعَدَمِ وجوب الْوضُوء فِي النعسة والنعستين، وَيفهم من هَذَا أَن النعسة إِذا زَادَت على النعستين وَجب الْوضُوء، لِأَنَّهُ يكون حِينَئِذٍ نَائِما مُسْتَغْرقا، وَأَشَارَ إِلَى من يَقُول بِعَدَمِ وجوب الْوضُوء على من يخْفق خفقة وَاحِدَة، كَمَا روى عَن ابْن عَبَّاس بقوله: (اَوْ الخفقة) ، وَيفهم من هَذَا أَن الخفقة إِذا زَادَت على الْوَاحِدَة يجب الْوضُوء، وَلِهَذَا قيد ابْن عَبَّاس الخفقة بالواحدة. واما النّوم فَفِيهِ أَقْوَال. الأول: إِن النّوم لَا ينْقض الْوضُوء بِحَال، وَهُوَ محكي عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَسَعِيد بن الْمسيب، وَأبي مجلز وَحميد بن عبد الرَّحْمَن والأعرج، وَقَالَ ابْن حزم: وَإِلَيْهِ ذهب الْأَوْزَاعِيّ، وَهُوَ قَول صَحِيح عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة وَغَيرهم، مِنْهُم: ابْن عمر وَمَكْحُول وَعبيدَة السَّلمَانِي. الثَّانِي: النّوم ينْقض الْوضُوء على كل حَال وَهُوَ مَذْهَب الْحسن والمزني وابي عبد الله الْقَاسِم بن سَلام وَإِسْحَاق بن رَاهَوَيْه، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهُوَ قَول غَرِيب عَن الشَّافِعِي، قَالَ: وَبِه أَقُول. قَالَ: وَرُوِيَ مَعْنَاهُ عَن ابْن عَبَّاس وَأنس وَأبي هُرَيْرَة، وَقَالَ ابْن حزم: النّوم فِي ذَاته حدث ينْقض الْوضُوء، سَوَاء قل أَو كثر، قَاعِدا أَو قَائِما فِي صَلَاة أَو غَيرهَا أَو رَاكِعا أَو سَاجِدا أَو مُتكئا أَو مُضْطَجعا، أَيقَن من حواليه أَنه لم يحدث أَو لم يوقنوا. الثَّالِث: كثير النّوم ينْقض وقليله لَا ينْقض بِكُل حَال، قَالَ ابْن الْمُنْذر: وَهُوَ قَول الزُّهْرِيّ وَرَبِيعَة وَالْأَوْزَاعِيّ وَمَالك وَأحمد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَعند التِّرْمِذِيّ: وَقَالَ بَعضهم: إِذا نَام حَتَّى غلب على عقله وَجب عَلَيْهِ الْوضُوء، وَبِه يَقُول إِسْحَاق. الرَّابِع: إِذا نَام على هَيْئَة من هيئات الْمُصَلِّي: كالراكع والساجد والقائم والقاعد، لَا ينْقض وضوءه، سَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو لم يكن، فَإِن نَام مُضْطَجعا أَو مُسْتَلْقِيا على قَفاهُ انْتقض، وَهُوَ قَول أبي حنيفَة وَدَاوُد، وَقَول غَرِيب للشَّافِعِيّ، وَقَالَهُ أَيْضا حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان

стр. 736

وسُفْيَان. الْخَامِس: لَا يقنقص إلَاّ نوم الرَّاكِع، وَهُوَ قَول عَن أَحْمد ذكره ابْن التِّين. السَّادِس: لَا ينْقض إلَاّ نوم الساجد، رُوِيَ أَيْضا عَن أَحْمد. السَّابِع: من نَام سَاجِدا فِي مُصَلَّاهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ وضوء. وَإِن نَام سَاجِدا فِي غير صَلَاة تَوَضَّأ، وَإِن تعمد النّوم فِي الصَّلَاة فَعَلَيهِ الْوضُوء، وَهُوَ قَول ابْن الْمُبَارك. الثَّامِن: لَا ينْقض النّوم الْوضُوء فِي الصَّلَاة، وينقض خَارج الصَّلَاة، وَهُوَ قَول الشَّافِعِي. التَّاسِع: إِذا نَام جَالِسا مُمكنا مقعدته من الأَرْض لم ينْقض، سَوَاء قل أَو كثر، وَسَوَاء كَانَ فِي الصَّلَاة أَو خَارِجهَا، وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي، رَحمَه الله تَعَالَى؛ وَقَالَ أَبُو بكر بن الْعَرَبِيّ: تتبع عُلَمَاؤُنَا مسَائِل النّوم الْمُتَعَلّقَة بالأحاديث الجامعة لتعارضها، فوجدوها أحد عشر حَالا: مَاشِيا، وَقَائِمًا، ومستنداً، وراكعاً، وَقَاعِدا متربعاً، ومحتبياً، ومتكئاً، وراكباً، وساجداً، ومضطجعاً، ومستقراً. وَهَذَا فِي حَقنا، فَأَما سيدنَا رَسُول الله ﷺ فَمن خَصَائِصه أَنه لَا ينْتَقض وضوؤه بِالنَّوْمِ، مُضْطَجعا وَلَا غير مُضْطَجع. ٢١٢ - حدّثنا عَبْدُ اللَّهِ بنُ يُوسُفَ أخبرنَا مالِكٌ عَنْ هِشامٍ عَنْ أبِيهِ عَنْ عائِشَةَ أَن رسولَ الله ﷺ قالَ إذَا نَعَسَ أحَدُكُمْ وَهْوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عنهُ النَّوْمُ فانَّ أحَدَكُمْ إذَ صَلَّى وَهْوَ ناعِسٌ لَا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ. مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث وَالَّذِي بعده للتَّرْجَمَة تفهم من معنى الحَدِيث، فَإِن النَّبِي ﷺ لما أوجب قطع الصَّلَاة، وَأمر بالرقاد دلّ ذَلِك على أَنه كَانَ مُسْتَغْرقا فِي النّوم، فَإِنَّهُ علل ذَلِك بقوله: (فان أحدكُم) الخ، وَفهم من ذَلِك أَنه إِذا كَانَ النعاس أقل من ذَلِك، وَلم يغلب عَلَيْهِ فَإِنَّهُ مَعْفُو عَنهُ، وَلَا وضوء فِيهِ: وَأَشَارَ البُخَارِيّ إِلَى ذَلِك بقوله: (وَمن لم من النعسة) الخ، وَلَا غَلَبَة فِي النعسة والنعستين، فَإِذا زَادَت يغلب عَلَيْهِ النّوم فينتقض وضوؤه، كَمَا ذكرنَا، وَكَذَلِكَ لَا غَلَبَة فِي الخفقة الْوَاحِدَة كَمَا أَشَرنَا إِلَيْهِ عَن قريب، وَقَالَ ابْن الْمُنِير: فان قلت: كَيفَ مخرج التَّرْجَمَة من الحَدِيث ومضمونها أَن لَا يتَوَضَّأ من النعاس الْخَفِيف، ومضمون الحَدِيث النَّهْي عَن الصَّلَاة مَعَ النعاس؟ قلت: إِمَّا أَن يكون البُخَارِيّ تلقاها من مَفْهُوم تَعْلِيل النَّهْي عَن الصَّلَاة حِينَئِذٍ بذهاب الْعقل الْمُؤَدِّي إِلَى أَن ينعكس الْأَمر: (يُرِيد أَن يَدْعُو فيسب نَفسه) ، فَإِنَّهُ دلّ أَنه إِن لم يبلغ هَذَا الْمبلغ صلى بِهِ، وَإِمَّا أَن يكون تلقاها من كَونه إِذا بَدَأَ بِهِ النعاس، وَهُوَ فِي النَّافِلَة اقْتصر على إتْمَام مَا هُوَ فِيهِ وَلم يسْتَأْنف أُخْرَى، فتماديه على مَا كَانَ فِيهِ يدل على أَن النعاس الْيَسِير لَا يُنَافِي الطَّهَارَة، وَلَيْسَ بِصَرِيح فِي الحَدِيث، بل يحْتَمل قطع الصَّلَاة الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَيحْتَمل النَّهْي عَن اسْتِئْنَاف شَيْء آخر، وَالْأول أظهر. بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة ذكرُوا كلهم غير مرّة، وَهِشَام هُوَ ابْن عُرْوَة يروي عَن أَبِيه عُرْوَة بن الزبير بن الْعَوام عَن عَائِشَة، ﵂. وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ صرح بِذكر عُرْوَة، والرواة كلهم مدنيون غير شيخ البُخَارِيّ. بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه مُسلم أَيْضا فِي الصَّلَاة عَن قُتَيْبَة عَن مَالك. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن القعْنبِي عَن مَالك. بَيَان الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب قَوْله: (وَهُوَ يُصَلِّي) جملَة إسمية وَقعت حَالا. قَوْله: (فليرقد) أَي: فلينم، وللنسائي من طَرِيق أَيُّوب عَن هِشَام: (فلينصرف) ، وَالْمرَاد بِهِ الْخُرُوج من الصَّلَاة بِالتَّسْلِيمِ، فان قلت: فقد جَاءَ فِي حَدِيث ابْن عَبَّاس، فِي نَومه فِي بَيت مَيْمُونَة ﵂: (فَجعلت إِذا غفيت يَأْخُذ بشحمتي أُذُنِي) ، وَلم يَأْمُرهُ بِالنَّوْمِ. قلت: لِأَنَّهُ جَاءَ تِلْكَ اللَّيْلَة ليتعلم مِنْهُ فَفعل ذَلِك ليَكُون أثبت لَهُ. فان قلت: الشَّرْط هُوَ سَبَب للجزاء، فههنا النعاس سَبَب للنوم أَو لِلْأَمْرِ بِالنَّوْمِ؟ قلت: مثله مُحْتَمل للأمرين، كَمَا يُقَال فِي نَحْو: اضربه تاديباً، لِأَن التَّأْدِيب مفعول لَهُ، إِمَّا لِلْأَمْرِ بِالضَّرْبِ وَإِمَّا للْمَأْمُور بِهِ، وَالظَّاهِر الأول. قَوْله: (وَهُوَ ناعس) جملَة اسمية وَقعت حَالا. فَإِن قلت: مَا الْفَائِدَة فِي تَغْيِير الأسلوب حَيْثُ قَالَ: ثمَّة وَهُوَ يُصَلِّي، بِلَفْظ الْفِعْل، وَهَهُنَا: وَهُوَ ناعس، بِلَفْظ إسم الْفَاعِل؟ قلت: ليدل على أَنه لَا يَكْفِي تجدّد أدنى نُعَاس وتقضيه فِي الْحَال، بل لَا بُد من ثُبُوته بِحَيْثُ يُفْضِي إِلَى عدم درايته بِمَا يَقُول. وَعدم علمه بِمَا يقْرَأ. فَإِن قلت: هَل فرق بَين نعس وَهُوَ يُصَلِّي، وَصلى وَهُوَ ناعس؟ قلت: الْفرق الَّذِي بَين ضرب قَائِما، وَقَامَ ضَارِبًا، وَهُوَ احْتِمَال الْقيام بِدُونِ الضَّرْب فِي الأول، وَاحْتِمَال الضَّرْب بِدُونِ الْقيام فِي الثَّانِي. وَإِنَّمَا اخْتَار ذَلِك ثمَّة وَهَذَا هُنَا لِأَن الْحَال قيد وفضلة، وَالْأَصْل فِي الْكَلَام هُوَ مَاله الْقَيْد، فَفِي الأول: لَا شكّ أَن النعاس هُوَ عِلّة الْأَمر بالرقاد لَا الصَّلَاة فَهُوَ

стр. 737

الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ فِي التَّرْكِيب، وَفِي الثَّانِي: الصَّلَاة عِلّة للاستغفار، إِذْ تَقْدِير الْكَلَام: فَإِن أحدكُم إِذا صلى وَهُوَ ناعس يسْتَغْفر. وَقَوله: (لَا يدْرِي) وَقع موقع الْجَزَاء إِذا كَانَت كلمة: إِذا، شَرْطِيَّة. وَإِن لم تكن شَرْطِيَّة يكون خَبرا: لَان، فَافْهَم. قَوْله: (لَعَلَّه يسْتَغْفر) أَي: يُرِيد الاسْتِغْفَار، (فيسب) يَعْنِي: يَدْعُو على نَفسه، وَصرح بِهِ النَّسَائِيّ فِي رِوَايَة من طَرِيق أَيُّوب عَن هِشَام؛ وَفِي بعض النّسخ: (يسب) ، بِدُونِ الْفَاء. فَإِن قلت: مَا الْفرق بَينهمَا؟ قلت: بِدُونِ الْفَاء تكون الْجُمْلَة حَالا، وبالفاء عطفا على: (يسْتَغْفر) ؛ وَيجوز فِي: (يسب) الرّفْع وَالنّصب، أما الرّفْع فباعتبار عطف الْفِعْل على الْفِعْل، وَأما النصب فباعتبار أَنه جَوَاب لكلمة: لَعَلَّ، الَّتِي للترجي، فَإِنَّهَا مثل: لَيْت. فَإِن قلت: كَيفَ يَصح هَهُنَا معنى الترجي؟ قلت: الترجي فِيهِ عَائِد إِلَى الْمُصَلِّي لَا إِلَى الْمُتَكَلّم بِهِ، أَي: لَا يدْرِي أمستغفر أم سَاب مترجياً للاسغفار، فَهُوَ فِي الْوَاقِع بضد ذَلِك. أَو اسْتعْمل بِمَعْنى التَّمَكُّن بَين الاسْتِغْفَار والسب، لِأَن الترجى بَين حُصُول المرجو وَعَدَمه، فَمَعْنَاه: لَا يدْرِي أيستغفر أم يسب؟ وَهُوَ مُتَمَكن مِنْهُمَا على السوية. بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: أَن فِيهِ الْأَمر بِقطع الصَّلَاة عِنْد غَلَبَة النّوم عَلَيْهِ، وَأَن وضوءه ينْتَقض حِينَئِذٍ. الثَّانِي: أَن النعاس إِذا كَانَ أقل من ذَلِك يُعْفَى عَنهُ، فَلَا ينْتَقض وضوؤه، وَقد أَجمعُوا على أَن النّوم الْقَلِيل لَا ينْقض الْوضُوء، وَخَالف فِيهِ الْمُزنِيّ فَقَالَ: ينْقض قَلِيله وَكَثِيره، لما ذكرنَا. وَقَالَ الْمُهلب وَابْن بطال وَابْن التِّين وَغَيرهم: إِن الْمُزنِيّ خرق الْإِجْمَاع. قلت: هَذَا تحامل مِنْهُم عَلَيْهِ، لِأَن الَّذِي قَالَه نقل عَن بعض الصَّحَابَة التَّابِعين، وَقد ذَكرْنَاهُ عَن قريب، إِن شَاءَ الله تَعَالَى. الثَّالِث: فِيهِ الْأَخْذ بِالِاحْتِيَاطِ لِأَنَّهُ علل بِأَمْر مُحْتَمل. الرَّابِع: فِيهِ الدُّعَاء فِي الصَّلَاة من غير تعْيين بِشَيْء من الْأَدْعِيَة. الْخَامِس: فِيهِ الْحَث على الْخُشُوع وَحُضُور الْقلب فِي الْعِبَادَة، وَذَلِكَ لِأَن الناعس لَا يحضر قلبه، والخشوع إِنَّمَا يكون بِحُضُور الْقلب. ٢١٣ - حدّثنا أبْو مَعْمَرٍ قَالَ حدّثنا عَبْدُ الوَارِث قَالَ حدّثنا أيُّوبُ عَنْ أبي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قالَ إذَا نَعَسَ أحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنَمْ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقرَأُ. وَجه الْمُطَابقَة للتَّرْجَمَة قد ذَكرْنَاهُ بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو معمر، بِفَتْح الميمين: هُوَ عبد الله بن عَمْرو الْمَشْهُور بالمقعد، تقدم ذكره فِي بَاب قَول النَّبِي، ﵊: (اللَّهُمَّ علمه الْكتاب) . الثَّانِي: عبد الْوَارِث بن سعيد بن ذكْوَان التنوري، تقدم فِي الْبَاب الْمَذْكُور. الثَّالِث: أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، سبق ذكره فِي بَاب حلاوة الْإِيمَان. الرَّابِع: أَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف وَتَخْفِيف اللَّام: واسْمه عبد الله بن زيد الحرمي، سبق ذكره فِي الْبَاب الْمَذْكُور. الْخَامِس: أنس بن مَالك، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته كلهم بصريون. وَمِنْهَا: أَن فِيهِ رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ، وهما: أَيُّوب وَأَبُو قلَابَة، رحمهمَا الله تَعَالَى. بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه النَّسَائِيّ أَيْضا فِي الطَّهَارَة عَن يَعْقُوب بن إِبْرَاهِيم عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن الطفَاوِي عَن أَيُّوب. بَيَان الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب قَوْله: (إِذا نعس أحدكُم) لَيْسَ فِي بعض النّسخ لفظ: احدكم، بل الْمَوْجُود: إِذا نعس، فَقَط اي: إِذا نعس الْمُصَلِّي، وَحذف فَاعله للْعلم بِهِ بِقَرِينَة ذكر الصَّلَاة، وَقد جَاءَ فِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: (إِذا نعس احدكم) ، وَفِي (مُسْند) مُحَمَّد بن نصر من طَرِيق وهيب عَن أَيُّوب: (فلينصرف) . قَوْله: (فلينم) قَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا هَذَا فِي صَلَاة اللَّيْل، لِأَن الْفَرِيضَة لَيست فِي أَوْقَات النّوم، وَلَا فِيهَا من التَّطْوِيل مَا يُوجب ذَلِك. قُلْنَا: الْعبْرَة لعُمُوم اللَّفْظ لَا لخُصُوص السَّبَب. قَوْله: (فِي الصَّلَاة) وَفِي بعض النّسخ لَيْسَ فِيهِ ذكر الصَّلَاة. قَوْله: (حَتَّى يعلم) بِالنّصب لَا غير، وَقَالَ الْكرْمَانِي: قيل معنى: (فلينم) ؛ فليتجوز فِي الصَّلَاة ويتمها وينام. قَوْله: (مَا يقْرَأ) كلمة: مَا، مَوْصُولَة، والعائد الْمَفْعُول مَحْذُوف، وَالتَّقْدِير: مَا يَقْرَؤُهُ، وَيحْتَمل أَن تكون استفهامية. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: فِي هَذَا الحَدِيث اضْطِرَاب، لِأَن حَمَّاد بن زيد رَوَاهُ فَوَقفهُ، وَقَالَ فِيهِ: قرىء عَليّ كتاب عَن أبي قلَابَة، فعرفته. وَرَوَاهُ عبد الْوَهَّاب الثَّقَفِيّ عَن أَيُّوب فَلم يذكر أنسا. وَأجِيب: بِأَن هَذَا لَا يُوجب الِاضْطِرَاب، لِأَن رِوَايَة عبد الْوَارِث أرجح بموافقة وهيب والطفاوي لَهُ عَن أَيُّوب. قَوْله: (قرىء على) لَا يدل على أَنه لم يسمعهُ من أبي قلَابَة، بل يحمل على أَنه عرف أَنه فِيمَا سَمعه من أبي قلَابَة. بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: أَن فِيهِ الْأَمر بِقطع الصَّلَاة عِنْد غَلَبَة النّوم. الثَّانِي: أَن قَلِيل النّوم مَعْفُو كَمَا ذكرنَا

стр. 738

فِي الحَدِيث السَّابِق، لِأَن ذَلِك يُوضح معنى هَذَا. الثَّالِث: فِيهِ الْحَث على الخضوع والخشوع، وَذَلِكَ بطرِيق الِالْتِزَام. ٥٤ - (بابُ الوُضُوءِ مِنْ غَيْرِ حَدَثٍ) أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْوضُوء من غير حدث، وَالْمرَاد بِهِ وضوء المتوضىء يَعْنِي: يكون على ظهرة ثمَّ يتَطَهَّر ثَانِيًا من غير حدث بَينهمَا. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ ظَاهِرَة، لكَون كل مِنْهُمَا من تعلقات الْوضُوء. ٢١٤ - حدّثنا مُحَمَّدُ بنُ يُوسُفَ قالَ حدّثنا سُفْيانُ عَنْ عَمْرِو بنِ عامِرٍ قالَ سَمِعْتُ أنَساً ح قالَ وحدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حدّثنا يَحْيىَ عَنْ سُفْيانَ قالَ حدّثنى عَمْرُو بنُ عامِرٍ عَنْ أنَسٍ قالَ كانَ النبيُّ ﷺ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ قُلْتُ كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ قالَ يُجْزِيءُ أحَدَنَا الوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ. مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة؛ وَلِلْحَدِيثِ إِسْنَاد ان: أَحدهمَا عَن مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ مر فِي بَاب: لَا يمسك ذكره بِيَمِينِهِ، عَن سُفْيَان الثَّوْريّ تقدم فِي بَاب عَلامَة الْمُنَافِق عَن عَمْرو، بِالْوَاو، ابْن عَامر الْأنْصَارِيّ الثِّقَة الصَّالح، روى لَهُ الْجَمَاعَة عَن أنس بن مَالك. وَالْآخر عَن مُسَدّد بن مسرهد، تكَرر ذكره عَن يحيى الْقطَّان، مر ذكره، وَهَذَا تَحْويل من إِسْنَاد إِلَى إِسْنَاد آخر، وَفِي بعض النّسخ بعد قَوْله: سَمِعت أنسا صُورَة: ح، وَهُوَ إِشَارَة إِلَى التَّحْوِيل، أَو إِلَى الْحَائِل أَو إِلَى: صَحَّ، أَو إِلَى الحَدِيث، وَقد مر تَحْقِيقه. بَيَان لطائف اسناده مِنْهَا: أَن فِي الْإِسْنَاد الأول التحديث بِصِيغَة الْجمع والعنعنة وَالسَّمَاع. وَفِي الثَّانِي: التحديث بِصِيغَة الْجمع والتحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة. وَمِنْهَا: أَن فِي الْإِسْنَاد الأول: بَين البُخَارِيّ وَبَين سُفْيَان رجل. وَفِي الثَّانِي: بَينهمَا رجلَانِ. وَمِنْهَا: أَن فِي الْإِسْنَاد الثَّانِي: صرح بِسَمَاع سُفْيَان عَن عَمْرو حَيْثُ قَالَ: حَدثنِي عمر، وَفِي الاول: قَالَ عَن عَمْرو، وسُفْيَان من المدلسين، والمدلس لَا يحْتَج بعنعنته إِلَّا أَن يثبت سَمَاعه من طَرِيق آخر. وَمِنْهَا: أَن رُوَاته مَا بَين فريابي وكوفي وبصري. وَمِنْهَا: أَن الْإِسْنَاد الأول عَال، وَالثَّانِي نَازل، وَذَلِكَ بِكَوْن سُفْيَان الثَّوْريّ أَتَى بِالْحَدِيثِ عَن عَمْرو، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّه هُوَ الثَّوْريّ لأَنا لم نجد لِسُفْيَان بن عُيَيْنَة عَن عمر رِوَايَة. بَيَان من أخرجه غَيره أخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الطَّهَارَة عَن ابْن بشار عَن يحيى وَعبد الرَّحْمَن، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَقَالَ: صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن عبد الْأَعْلَى عَن خَالِد عَن شُعْبَة عَنهُ بِمَعْنَاهُ. وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن سُوَيْد ابْن سعيد عَن شريك نَحوه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ من حَدِيث سَلمَة بن الْفضل عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق عَن حميد عَن أنس: (ان النَّبِي ﷺ كَانَ يتَوَضَّأ بِكُل صَلَاة، طَاهِرا كَانَ أَو غير طَاهِر. قَالَ: قلت لأنس: كَيفَ كُنْتُم تَصْنَعُونَ) ؟ الحَدِيث، وَقَالَ: حَدِيث حميد عَن أنس غَرِيب من هَذَا الْوَجْه، وَالْمَشْهُور عِنْد أهل الْعلم حَدِيث عَمْرو، وَفِي (الْعِلَل) قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا يَعْنِي البُخَارِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: لَا ادري مَا سَلمَة هَذَا؟ وَلم يعرف مُحَمَّد هَذَا من حَدِيث حميد. بَيَان الْمَعْنى وَالْإِعْرَاب قَوْله: (كَانَ النَّبِي ﷺ يتَوَضَّأ) هَذِه الْعبارَة تدل على أَنه كَانَ عَادَة لَهُ. قَوْله: (عِنْد كل صَلَاة) أَرَادَ بهَا الصَّلَاة الْمَفْرُوضَة من الْأَوْقَات الْخَمْسَة. قَوْله: (قلت كَيفَ تَصْنَعُونَ) ؟ الحَدِيث. الْقَائِل عَمْرو بن عَامر، وَالْخطاب للصحابة، ﵃، وَكلمَة: كَيفَ، يسْأَل بهَا عَن الْحَال. قَوْله: (يجزىء) ، بِضَم الْيَاء آخر الْحُرُوف، أَي: يَكْفِي من أجزأني الشَّيْء أَي: كفاني، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ: يكْتَفى، وفاعله الْوضُوء بِالرَّفْع. قَوْله: (أَحَدنَا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول يجزىء. بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: اخْتلفُوا فِي هَذَا الْبَاب، فَذَهَبت طَائِفَة من الظَّاهِرِيَّة والشيعة إِلَى وجوب الْوضُوء لكل صَلَاة فِي حق المقيمين دون الْمُسَافِرين، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِحَدِيث بُرَيْدَة بن الْحصيب؛ (أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يتَوَضَّأ لكل صَلَاة، فَلَمَّا كَانَ يَوْم الْفَتْح صلى الصَّلَوَات الْخمس بِوضُوء وَاحِد) . أخرجه الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة وابو يعلى، وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد عَنهُ، قَالَ: (صلى رَسُول الله ﷺ يَوْم فتح مَكَّة خمس صلوَات بِوضُوء وَاحِد.

стр. 739

.) ، الحَدِيث، وَذَهَبت طَائِفَة، الى أَن الْوضُوء وَاجِب لكل صَلَاة مُطلقًا من غير حدث، وَرُوِيَ ذَلِك عَن ابْن عمر وَأبي مُوسَى وَجَابِر أَن عبد الله، وَعبيدَة السَّلمَانِي، وَأبي الْعَالِيَة، وَسَعِيد بن الْمسيب وابراهيم وَالْحسن. وَحكى ابْن حزم فِي (كتاب الْإِجْمَاع) هَذَا الْمَذْهَب عَن عَمْرو بن عبيد، قَالَ: وروينا عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه لَا يُصَلِّي بِوضُوء واحدٍ أَكثر من خمس صلوَات، وَمذهب أَكثر الْعلمَاء من الْأَئِمَّة الْأَرْبَعَة، وَأكْثر أَصْحَاب الحَدِيث وَغَيرهم: أَن الْوضُوء لَا يجب إلَاّ من حدث. وَقَالُوا: لِأَن آيَة الْوضُوء نزلت فِي إِيجَاب الْوضُوء من الْحَدث عِنْد الْقيام إِلَى الصَّلَاة، لِأَن معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذا قُمْتُم الى الصَّلَاة﴾ (الْمَائِدَة: ٦) إِذا أردتم الْقيام إِلَى الصَّلَاة وَأَنْتُم محدثون، وَاسْتدلَّ الدَّارمِيّ على ذَلِك بقوله ﷺ : (لَا وضوء إِلَّا من حدث) . وَحكى الشَّافِعِي عَمَّن لقِيه من أهل الْعلم أَن التَّقْدِير: إِذا قُمْتُم من النّوم. فَإِن قلت: ظَاهر الْآيَة يَقْتَضِي التّكْرَار، لِأَن الحكم الْمَذْكُور وَهُوَ قَوْله: ﴿فَاغْسِلُوا﴾ (الْمَائِدَة: ٦) مُعَلّق بِالشّرطِ، وَهُوَ ﴿إِذا قُمْتُم الى الصَّلَاة﴾ (الْمَائِدَة: ٦) فَيَقْتَضِي تكْرَار الحكم عِنْد تكْرَار الشَّرْط، كَمَا هُوَ الْقَاعِدَة عِنْدهم. قلت: الْمَسْأَلَة مُخْتَلف فِيهَا، وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه لَا يَقْتَضِيهِ لفظا. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: فَإِن قلت: ظَاهر الْآيَة يُوجب الْوضُوء على كل قَائِم إِلَى الصَّلَاة، مُحدث وَغير مُحدث، فَمَا وَجهه؟ قلت: يحْتَمل أَن يكون الْأَمر للْوُجُوب، فَيكون الْخطاب للمحدثين خَاصَّة. وَأَن يكون للنَّدْب. فان قلت: هَل يجوز أَن يكون الامر شَامِلًا للمحدثين وَغَيرهم، لهَؤُلَاء على وَجه الْإِيجَاب ولهؤلاء على وَجه النّدب؟ قلت: لَا، لِأَن تنَاول الْكَلِمَة الْوَاحِدَة لمعنيين مُخْتَلفين من بَاب الإلغاز والعمية. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ، رَحمَه الله تَعَالَى: قد يجوز أَن يكون وضوؤه، ﵊، لكل صَلَاة على مَا روى بُرَيْدَة، كَانَ ذَلِك على التمَاس الْفضل لَا على الْوُجُوب، وَالدَّلِيل على ذَلِك مَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيّ وَابْن أبي شيبَة من حَدِيث أبي عطيف الْهُذلِيّ، قَالَ: (صليت مَعَ عبد الله بن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، الظّهْر فَانْصَرف فِي مجْلِس فِي دَاره، فَانْصَرَفت مَعَه حَتَّى إِذا نُودي بالعصر دَعَا بوضؤ فَتَوَضَّأ، فَقلت لَهُ: أَي شَيْء هَذَا يَا ابا عبد الرَّحْمَن الْوضُوء عِنْد كل صَلَاة؟ فَقَالَ: وَقد فطنت لهَذَا مني، لَيست بِسنة، إِن كَانَ لكافياً وضوئي لصَلَاة الصُّبْح وصلواتي كلهَا مَا لم أحدث، وَلَكِنِّي سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: (من تَوَضَّأ على طهر كتب الله لَهُ بذلك عشر حَسَنَات، فَفِي ذَلِك رغبت يَا ابْن أخي) . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقد رُوِيَ عَن أنس بن مَالك مَا يدل على مَا ذكرنَا، يَعْنِي اكْتِفَاء الْمُصَلِّي بِوضُوء وَاحِد لصلوات كَثِيرَة مَا لم يحدث، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ قد علم حكم مَا ذكرنَا من فعل رَسُول الله ﷺ ، وَلم ير ذَلِك فرضا، بل كَانَ ذَلِك لإصابة الْفضل، وإلَاّ لما كَانَ وَسعه، وَلَا لغيره، أَن يخالفوه. وَقَالَ الطَّحَاوِيّ أَيْضا: وَيجوز أَن يكون ذَلِك فرضا أَولا ثمَّ نسخ، ثمَّ اسْتدلَّ على ذَلِك بِحَدِيث أَسمَاء ابْنة زيد بن الْخطاب ابْن عبد الله بن حَنْظَلَة بن أبي عَامر حَدثنَا أَن رَسُول الله ﷺ أَمر بِالْوضُوءِ لكل صَلَاة طَاهِرا كَانَ أَو غير طَاهِر، فَلَمَّا شقّ ذَلِك عَلَيْهِ أَمر بِالسِّوَاكِ لكل صَلَاة فَهَذَا دلّ على النّسخ. وَفِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة فِي (صَحِيحه) : فَلَمَّا شقّ ذَلِك عَلَيْهِ أَمر بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة، وَوضع عَنهُ الْوضُوء إلَاّ من حدث. وَيُقَال فِي الْجَواب: يحْتَمل أَن يكون ذَلِك من خَصَائِص النَّبِي ﷺ ، وَقَالَ ابْن شاهين: لم يبلغنَا أَن أحدا من الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ كَانُوا يتعمدون الْوضُوء لكل صَلَاة إلَاّ ابْن عمر، وَفِيه نظر، لِأَنَّهُ روى ابْن ابي شيبَة. حَدثنَا وَكِيع عَن ابْن عون عَن ابْن سِيرِين: كَانَ الحلفاء يتوضؤون لكل صَلَاة. وَفِي لفظ: كَانَ أَبُو بكر وَعمر وَعُثْمَان يتوضؤون لكل صَلَاة. وَقَالَ بَعضهم: يُمكن حمل الْآيَة على ظَاهرهَا من غير نسخ، وَيكون الْأَمر فِي حق الْمُحدثين على الْوُجُوب، وَفِي حق غَيرهم للنَّدْب. قلت: هَذَا لَا يَصح لما ذكرنَا عَن قريب أَنه على هَذَا يكون من بَاب الإلغاز، فَلَا يجوز. الثَّانِي من الاحكام: فِيهِ دلَالَة على فَضِيلَة الْوضُوء لكل صَلَاة وَحدهَا. الثَّالِث: يجوز الِاكْتِفَاء بِوضُوء وَاحِد مَا لم يحدث. الرَّابِع: فِيهِ دلَالَة على وجوب الْوضُوء عِنْد الْحَدث لمن يُرِيد الصَّلَاة. ٢١٥ - حدّثنا خالِدُ بنُ مَخْلَدٍ قالَ حدّثنا سُلَيْمانُ قَالَ حدّثنا يحْيى ابنُ سَعِيدٍ قالَ أَخْبرنِي بُشَيْرُ بنُ يَسَارٍ قَالَ أخْبرني سُوَيْدُ بنُ النُّعْمانِ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رسولِ اللَّهِ ﷺ عامَ خَيْبَرَ حَتَّى إذَا كُنَّا بالصَّهْباءِ صَلي لَنَا رسولُ اللَّهِ ﷺ العَصْرَ فَلَمَّا صلى دَعَا بالَاطْعِمَةِ فَلَم يُوتَإلَاّ بالسَّويقِ فأكَلْنَا وَشَرِبْنَا ثُمَّ قامَ النَّبيُّ ﷺ إلَى المَغْرِبِ فَمضْمَضَ

стр. 740

ثُمَّ صلَّى لنَا المغْرِبَ ولَمْ يَتوَضأ.. هَذَا الحَدِيث قد تقدم فِي بَاب: من مضمض من السويق وَلم يتَوَضَّأ عَن قريب، وتكلمنا هُنَاكَ بِمَا يتَعَلَّق بِهِ، وَهَهُنَا ذكره ثَانِيًا لفوائد. مِنْهَا: أَن هُنَاكَ رَوَاهُ عَن عبد الله بن يُوسُف بِالتَّحْدِيثِ عَن مَالك بالإخبار عَن يحيى بن سعيد بالعنعنة، وَهَهُنَا رُوِيَ عَن خَالِد بن مخلد بِالتَّحْدِيثِ بِصِيغَة الْجمع عَن سُلَيْمَان بن بِلَال بِالتَّحْدِيثِ بِصِيغَة الْجمع عَن يحيى بن سعيد بِالتَّحْدِيثِ بِصِيغَة الْإِفْرَاد صَرِيحًا مِنْهُ وَمن شَيْخه بالإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد، وَعَن شيخ شَيْخه بالإخبار بِصِيغَة الْجمع. وَمِنْهَا: أَن هُنَاكَ قَالَ: عَن بشير بن يسَار، مولى بني حَارِثَة، أَن سُوَيْد بن النُّعْمَان أخبرهُ، بالإخبار بِصِيغَة الْإِفْرَاد، وَهَهُنَا: أَخْبرنِي بشير بن يسَار، قَالَ: أخبرنَا سُوَيْد بن النُّعْمَان، بِصِيغَة الْجمع. وَهُنَاكَ: أَنه خرج مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وَهَهُنَا: خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ . وَهُنَاكَ: عَام خَيْبَر حَتَّى إِذا كَانُوا بالصهباء. وَهِي ادنى خَيْبَر، وَهَهُنَا: حَتَّى إِذا كُنَّا بالصبهاء، وَلم يقل: وَهِي أدني خَيْبَر. وَهُنَاكَ: فصلى الْعَصْر، وَهَهُنَا: صلى لنا رَسُول الله ﷺ الْعَصْر. وَهُنَاكَ: ثمَّ دَعَا بالأزواد، وَهَهُنَا: فَلَمَّا صلى دَعَا بالأطعمة. وَهُنَاكَ بعد قَوْله: فَلم يُؤْت إلَاّ بالسويق فَأمر بِهِ فثرى فاكل رَسُول الله ﷺ واكلنا، وَهَهُنَا: فَلم يُؤْت إلَاّ بالسويق فاكلنا وشربنا. وَهُنَاكَ: ثمَّ قَامَ إِلَى الْمغرب فَمَضْمض ومضمضنا ثمَّ صلى وَلم يتَوَضَّأ، وَهَهُنَا: فَمَضْمض ثمَّ صلى لنا الْمغرب وَلم يتَوَضَّأ. وَاعْلَم أَنه لَيْسَ للْبُخَارِيّ حَدِيث لسويد بن النُّعْمَان إلَاّ هَذَا الحَدِيث الْوَاحِد. وَقد أخرجه فِي مَوَاضِع كَمَا ذَكرْنَاهُ، وَهُوَ أَنْصَارِي حارثي، شهد بيعَة الرضْوَان، وَذكر ابْن سعد أَنه شهد قبل ذَلِك أحدا وَمَا بعْدهَا، وَالله اعْلَم. ٥٥ - (بَاب) بَاب بِالسُّكُونِ، لِأَن الْإِعْرَاب لَا يكون إلَاّ بِالْعقدِ والتركيب، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا قدر شَيْء فَيكون حِينَئِذٍ معرباً نَحْو مَا تَقول: هَذَا بَاب، لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يكون خبر مُبْتَدأ. وَقَالَ بَعضهم: بَاب، بِالتَّنْوِينِ هُوَ غلط. والمناسبة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن فِي الْبَاب الأول ذكر الْوضُوء من غير حدث، وَله فضل كَبِير إِذا كَانَ المتوضىء محترزاً عَن إِصَابَة الْبَوْل بدنه أَو ثَوْبه، وَفِي هَذَا الْبَاب يذكر الْوَعيد فِي حق من لَا يحْتَرز مِنْهُ. مِنَ الكَبَائِر أنْ لَا يَسْتَتَرَ مِنْ بَوْلهِ كلمة: أَن، مَصْدَرِيَّة فِي مَحل الرّفْع على الِابْتِدَاء. قَوْله: (من الْكَبَائِر) ، مقدما خَبره، وَالتَّقْدِير: ترك استتار الرجل من بَوْله من الْكَبَائِر، وَهُوَ جمع: كَبِيرَة، وَهِي: الفعلة القبيحة من الذُّنُوب الْمنْهِي عَنْهَا شرعا، الْعَظِيم أمرهَا: كَالْقَتْلِ وَالزِّنَا والفرار من الزَّحْف وَغير ذَلِك، وَهِي من الصِّفَات الْغَالِبَة، يَعْنِي: صَار إسما لهَذِهِ الفعلة القيبحة. وَفِي الأَصْل هِيَ صفة، وَالتَّقْدِير: الفعلة الْكَبِيرَة. وَاخْتلفُوا فِي الْكَبَائِر فَقيل: سبع، وَهُوَ مَا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من حَدِيث ابي هُرَيْرَة، أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: (اجتنبوا السَّبع الموبقات، فَقيل: يَا رَسُول الله وَمَا هن؟ قَالَ: الاشراك بِاللَّه، وَقتل النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ، وَالسحر، وَأكل الرِّبَا، وَأكل مَال الْيَتِيم، والتولي يَوْم الزَّحْف، وَقذف الْمُحْصنَات الْمُؤْمِنَات الْغَافِلَات) . وَقيل: الْكَبَائِر تسع، وروى الْحَاكِم فِي حَدِيث طَوِيل: (والكبائر تسع) فَذكر السَّبْعَة الْمَذْكُورَة، وَزَاد عَلَيْهَا: (عقوق الْوَالِدين الْمُسلمين، وَاسْتِحْلَال الْبَيْت الْحَرَام) . وَقيل: الْكَبِيرَة كل مَعْصِيّة. وَقيل: كل مَعْصِيّة. وَقيل: كل ذَنْب قرن بِنَار أَو لعنة أَو غضب أَو عَذَاب، وَقَالَ رجل لِابْنِ عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: الْكَبَائِر سبع؟ فَقَالَ: هِيَ إِلَى سَبْعمِائة. قلت: الْكَبِيرَة أَمر نسبي، فَكل ذَنْب فَوْقه ذَنْب فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ صَغِيرَة، وبالنسبة إِلَى مَا تَحْتَهُ كَبِيرَة. ٢١٦ - حدّثنا عُثْمانُ قَالَ حدّثنا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابنِ عَبَّاسٍ قالَ مَرَّ النَّبيُّ ﷺ بِحَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ أوْ مَكَّةَ فَسَمِعَ صَوْتَ إنْسَانَيْنِ يُعَذَّبَانِ فِي قُبُورِهمَا فقالَ النبيُّ ﷺ يُعَذَّبَانِ وَمَا يُعَذَّبَان فِي كَبِيرٍ ثُمَّ قالَ بَلى كانَ أحَدُهُمَا
следующие страницы →