Полный текст (7 603 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.
стр. 771
على الطَّهَارَة. قلت: لَا نسلم ذَلِك كَمَا فِي مَوضِع الِاسْتِنْجَاء.
قَوْله: كَالدَّمِ وَغَيره ... إِلَى آخِره، قِيَاس فَاسد، لِأَنَّهُ لم يَأْتِ نَص بِجَوَاز الفرك فِي الدَّم وَنَحْوه، وَإِنَّمَا جَاءَ فِي يَابِس الْمَنِيّ على خلاف الْقيَاس، فَيقْتَصر على مورد النَّص. فَإِن قلت: قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خلق من المَاء بشرا﴾ (الْفرْقَان: ٥٤) سَمَّاهُ: مَاء، وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة لَيْسَ بِمَاء، فَدلَّ على أَنه أَرَادَ بِهِ التَّشْبِيه فِي الحكم، وَمن حكم المَاء أَن يكون طَاهِرا. قلت: أَن تَسْمِيَته: مَاء، لَا تدل على طَهَارَته، فَإِن الله تَعَالَى سمى مني الدَّوَابّ: مَاء، بقوله: ﴿وَالله خلق كل دَابَّة من مَاء﴾ (النُّور: ٤٥) فَلَا يدل ذَلِك على طَهَارَة مَاء الْحَيَوَان. فان قلت: إِنَّه أصل الْأَنْبِيَاء والأولياء، فَيجب أَن يكون طَاهِرا. قلت: هُوَ أصل الْأَعْدَاء أَيْضا: كنمرود وَفرْعَوْن وهامان وَغَيرهم، على أَنا نقُول: الْعلقَة أقرب إِلَى الْإِنْسَان الْمَنِيّ، وَهُوَ أَيْضا أصل الْأَنْبِيَاء، ﵊، وَمَعَ هَذَا لَا يُقَال: إِنَّهَا طَاهِرَة. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَترد الطَّرِيقَة الثَّانِيَة أَيْضا مَا فِي رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة من طَرِيق أُخْرَى عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، كَانَ يَسْلت الْمَنِيّ من ثَوْبه بعرق الْإِذْخر ثمَّ يُصَلِّي فِيهِ وَتَحْته من ثَوْبه يَابسا، ثمَّ يُصَلِّي فِيهِ، فَإِنَّهُ يتَضَمَّن ترك الْغسْل فِي الْحَالَتَيْنِ. قلت: رد الطَّرِيقَة الثَّانِيَة بِهَذَا غير صَحِيح، وَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل على طَهَارَته، وَقد يجوز أَن يكون كَانَ، ﵊، يفعل بذلك فيطهر الثَّوْب، وَالْحَال أَن الْمَنِيّ فِي نَفسه نجس، كَمَا قد رُوِيَ فِيمَا أصَاب النَّعْل من الْأَذَى، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث ابي هُرَيْرَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، عَن النَّبِي ﷺ : (إِذا وطىء الْأَذَى بخفيه فطهورهما التُّرَاب) . وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيّ أَيْضا، وَلَفظه: (إِذا وطىء أحدكُم الْأَذَى بخفيه أَو نَعله فطهورهما التُّرَاب) . وَقَالَ الطَّحَاوِيّ: فَكَانَ ذَلِك التُّرَاب يجزىء من غسلهمَا، وَلَيْسَ فِي ذَلِك دَلِيل على طَهَارَة الْأَذَى فِي نَفسه، فَكَذَلِك مَا رُوِيَ فِي الْمَنِيّ. فان قلت: فِي سَنَده مُحَمَّد بن كثير الصَّنْعَانِيّ، وَقد تكلمُوا فِيهِ. قلت: وَثَّقَهُ ابْن حبَان وروى حَدِيثه فِي (صَحِيحه) . وَأخرجه الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) وَقَالَ: صَحِيح على شَرط مُسلم، وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ النَّوَوِيّ: فِي (الْخُلَاصَة) : وَرَوَاهُ ابو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح، وَلَا يلْتَفت إِلَى قَول ابْن الْقطَّان: وَهَذَا حَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد من طَرِيق لَا يظنّ بهَا الصِّحَّة. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضا من حَدِيث عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، بِمَعْنَاهُ، وَرُوِيَ أَيْضا نَحوه من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَأخرجه ابْن حبَان أَيْضا. وَالْمرَاد من الْأَذَى: النَّجَاسَة. وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَأما مَالك فَلم يعرف الفرك، وَالْعَمَل عِنْدهم على وجوب الْغسْل كَسَائِر النَّجَاسَات. قلت: لَا يلْزم من عدم معرفَة الفرك أَن يكون الْمَنِيّ طَاهِرا عِنْده، فَإِن عِنْده الْمَنِيّ نجس كَمَا هُوَ عندنَا، وَذكر فِي (الْجَوَاهِر) للمالكية: الْمَنِيّ نجس وَأَصله دم، وَهُوَ يمر فِي ممر الْبَوْل، فَاخْتلف فِي سَبَب التَّنْجِيس: هَل هُوَ رده إِلَى أَصله، أَو مروره فِي مجْرى الْبَوْل؟ وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا: وَقَالَ بَعضهم: الثَّوْب الَّذِي اكتفت فِيهِ بالفرك ثوب النّوم، وَالثَّوْب الَّذِي غسلته ثوب الصَّلَاة، وَهُوَ مَرْدُود أَيْضا بِمَا فِي إِحْدَى رِوَايَات مُسلم من حَدِيثهَا أَيْضا: (لقد رَأَيْتنِي أفركه من ثوب رَسُول الله ﷺ فركاً، فَيصَلي فِيهِ) . وَهَذَا التعقيب: بِالْفَاءِ، يَنْفِي احْتِمَال تخَلّل الْغسْل بَين الفرك وَالصَّلَاة؛ وأصرح مِنْهُ. رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة أَنَّهَا كَانَت تحكه من ثَوْبه وَهُوَ يُصَلِّي.
قلت: أَرَادَ بقوله: وَقَالَ بَعضهم، الْحَافِظ أَبَا جَعْفَر الطَّحَاوِيّ، فَإِنَّهُ قَالَ فِي (مَعَاني الْآثَار) : حَدثنَا ابْن مَرْزُوق، قَالَ: حَدثنَا بشر بن عمر، قَالَ: حَدثنَا شُعْبَة عَن الحكم عَن همام بن الْحَارِث أَنه كَانَ نازلاً على عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، فَاحْتَلَمَ، فرأته جَارِيَة لعَائِشَة وَهُوَ يغسل أثر الْجَنَابَة من ثَوْبه، أَو يغسل ثَوْبه، فاخبرت بذلك عَائِشَة، فَقَالَت عَائِشَة: لقد رَأَيْتنِي، وَمَا أَزِيد على أَن أفركه من ثوب رَسُول الله ﷺ . وَأخرج الطَّحَاوِيّ هَذَا من أَرْبَعَة عشر طَرِيقا. وَأخرجه مُسلم أَيْضا، ثمَّ قَالَ: فَذهب ذاهبون إِلَى أَن الْمَنِيّ طَاهِر، وَأَنه لَا يفْسد المَاء، وَإِن وَقع فِيهِ وَإِن حكمه فِي ذَلِك حكم النخامة، وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِك بِهَذِهِ الْآثَار. وَأَرَادَ بهؤلاء الذاهبين: الشَّافِعِي وَأحمد وَإِسْحَاق وَدَاوُد، ثمَّ قَالَ: وَخَالفهُم فِي ذَلِك آخَرُونَ، فَقَالُوا: بل هُوَ نجس. وَأَرَادَ بالآخرين: الْأَوْزَاعِيّ وَالثَّوْري وَأَبا حنيفَة وَأَصْحَابه ومالكاً وَاللَّيْث بن سعد وَالْحسن بن حَيّ، وَهُوَ رِوَايَة عَن أَحْمد، ثمَّ قَالَ الطَّحَاوِيّ: وَقَالُوا لاحجة لكم فِي هَذِه الْآثَار لِأَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَت فِي ذكر ثِيَاب ينَام فِيهَا، وَلم يَأْتِ فِي ثِيَاب يُصَلِّي فِيهَا، وَقد رَأينَا أَن الثِّيَاب النَّجِسَة بالغائط وَالْبَوْل وَالدَّم لَا بَأْس بِالنَّوْمِ فِيهَا، وَلَا تجوز الصَّلَاة فِيهَا، فقد يجوز أَن يكون الْمَنِيّ كَذَلِك، وَإِنَّمَا يكون هَذَا الحَدِيث حجَّة علينا وَلَو كُنَّا نقُول: لَا يصلح النّوم فِي الثَّوْب النَّجس، فَأَما إِذا كُنَّا نُبيح ذَلِك ونوافق مَا رويتم عَن النَّبِي ﷺ فِي ذَلِك، ونقول من بعد: لَا يصلح الصَّلَاة فِي ذَلِك، فَلم نخالف شَيْئا مِمَّا رُوِيَ فِي ذَلِك عَن النَّبِي ﷺ ، وَقد جَاءَت عَن عَائِشَة فِيمَا كَانَت تفعل بِثَوْب رَسُول الله
стр. 772
صلى الله عَلَيْهِ وَسلم الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ إِذا اصابه الْمَنِيّ: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: حَدثنَا يحيى بن حسان، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن الْمُبَارك وَبشر بن الْمفضل عَن عَمْرو بن مَيْمُون عَن سُلَيْمَان بن يسَار عَن عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، قَالَت: (كنت أغسل الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله ﷺ فَيخرج إِلَى الصَّلَاة وَإِن بقع المَاء لفي ثَوْبه) . وَإِسْنَاده صَحِيح على شَرط مُسلم. وَأخرجه الْجَمَاعَة أَيْضا على مَا يأتى بَيَانه إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَالَ الطَّحَاوِيّ: فَهَكَذَا كَانَت تفعل عَائِشَة بِثَوْب النَّبِي ﷺ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ، تغسل الْمَنِيّ مِنْهُ وتفركه من وثبه الَّذِي كَانَ لَا يُصَلِّي فِيهِ، ثمَّ إِن هَذَا الْقَائِل اسْتدلَّ فِي رده على الطَّحَاوِيّ فِيمَا ذَكرْنَاهُ بِأَن قَالَ: وَهَذَا التعقيب بِالْفَاءِ يَنْفِي ... الخ، وَهَذَا اسْتِدْلَال فَاسد، لِأَن كَون الْفَاء للتعقيب لَا يَنْفِي احْتِمَال تخَلّل الْغسْل بَين الفرك وَالصَّلَاة، لِأَن أهل الْعَرَبيَّة قَالُوا: إِن التعقيب فِي كل شَيْء بِحَسبِهِ، أَلا ترى أَنه يُقَال: تزوج فلَان فولد لَهُ إِذا لم يكن بَينهمَا إلَاّ مُدَّة الْحمل، وَهُوَ مُدَّة متطاولة، فَيجوز على هَذَا أَن يكون معنى قَول عَائِشَة: لقد رَأَيْتنِي أفركه من ثوب رَسُول الله ﷺ ، أَرَادَت بِهِ ثوب النّوم، ثمَّ تغسله فَيصَلي فِيهِ، وَيجوز أَن تكون: الْفَاء، بِمَعْنى: ثمَّ، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ خلقنَا النُّطْفَة علقَة فخلقنا الْعلقَة مُضْغَة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا الغظام لَحْمًا﴾ (الْمُؤْمِنُونَ: ١٤) . فالفاآت، فِيهَا بِمَعْنى: ثمَّ، لتراخى معطوفاتها، فَإِذا ثَبت جَوَاز التَّرَاخِي فِي الْمَعْطُوف يجوز أَن يَتَخَلَّل بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ مُدَّة يجوز وُقُوع الْغسْل فِي تِلْكَ الْمدَّة، وَيُؤَيّد مَا ذكرنَا مَا رَوَاهُ الْبَزَّار فِي (مُسْنده) والطَّحَاوِي فِي (مَعَاني الْآثَار) عَن عَائِشَة، قَالَت: كنت أفرك الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله ﷺ ثمَّ يُصَلِّي فِيهِ. قَوْله: وأصرح مِنْهُ رِوَايَة ابْن خُزَيْمَة ... الخ لَا يساعده أَيْضا فِيمَا ادَّعَاهُ، لِأَن قَوْله: وَهُوَ يُصَلِّي، جملَة إسمية وَقعت حَالا منتظرة، لَان عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مَا كَانَت تحك الْمَنِيّ من ثوب النَّبِي، ﷺ ، حَال كَونه فِي الصَّلَاة، فَإِذا كَانَ كَذَلِك يحْتَمل تخَلّل الْغسْل بَين الفرك وَالصَّلَاة.
٢٢٩ - حدّثنا عَبْدَانُ قَالَ أخبرنَا عَبْدُ اللَّهِ بنُ المُبارَكِ قَالَ أخبرنَا عَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ الجَزَريُّ عنْ سلَيْمانَ بنِ يَسَارٍ عنْ عائِشَةَ قالَتْ كنْتُ أَغْسِلُ الجنَابَةَ مِنْ ثَوْبِ النبيِّ ﷺ فيَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةِ وإنَّ بُقَعَ المَاءِ فِي ثوْبِهِ..
لم يُطَابق الحَدِيث التَّرْجَمَة إلَاّ فِي غسل الْمَنِيّ فَقَط، وَقد ذَكرْنَاهُ.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: عَبْدَانِ، بِفَتْح الْعين وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة، تقدم فِي بَاب الْوَحْي، وَعبد الله بن الْمُبَارك كَذَلِك، وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَعبد الله، أَي: ابْن الْمُبَارك فَكَأَنَّهُ وَقع فِي نسخته الَّتِي ينْقل عَنْهَا: عبد الله، مَنْسُوبا إِلَى الْأَب بالتفسير من البُخَارِيّ، فَلذَلِك قَالَ: اي ابْن الْمُبَارك، ثمَّ قَالَ: وَقَالَهُ على سَبِيل التَّعْرِيف إشعاراً بِأَنَّهُ لَفظه لالفظة نسخته، وَعَمْرو بن مَيْمُون الْجَزرِي مَنْسُوب إِلَى الجزيرة، وَكَانَ مَيْمُون بن مهْرَان وَالِد عَمْرو نزلها فنسب إِلَيْهَا وَلَده، وَقَالَ بَعضهم: وَوَقع فِي رِوَايَة الْكشميهني وَحده: الْجَوْزِيّ، بواو، سَاكِنة بعْدهَا: زَاي، وَهُوَ غلط مِنْهُ. قلت: الظَّاهِر أَن الْغَلَط من النَّاقِل أَو الْكَاتِب، فدور رَأس: الزَّاي، ونقط: الرَّاء، فَصَارَ: الْجَوْزِيّ. وَقد يَقع من الناقلين وَالْكتاب الجهلة أَكثر من هَذَا وأفحش. وَالرَّابِع: سُلَيْمَان بن يسَار، ضد الْيَمين، مولى مَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ، فَقِيه الْمَدِينَة العابد الْحجَّة، توفّي عَام سَبْعَة وَمِائَة. وَالْخَامِس: عَائِشَة الصديقة.
بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد، والإخبار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مروزي ورقي ومدني، فعبدان وَابْن الْمُبَارك مروزيان، وعبدان لقب واسْمه عبد الله بن عُثْمَان، وَقد ذَكرْنَاهُ غير مرّة.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن عَبْدَانِ وَعَن قُتَيْبَة وَعَن مُسَدّد وَعَن مُوسَى ابْن إِسْمَاعِيل وَعَن عَمْرو بن خَالِد، كَمَا يَأْتِي ذكر الْجَمِيع هَهُنَا. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة أَيْضا عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، وَعَن أبي كَامِل وَعَن أبي كريب وَيحيى بن أبي زَائِدَة، أربعتهم عَن عَمْرو بن مَيْمُون بِهِ. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِيهِ عَن النُّفَيْلِي عَن زُهَيْر بِهِ، وَعَن مُحَمَّد بن عبيد الْبَصْرِيّ عَن سليم بن أحصد عَن عَمْرو بن مَيْمُون بِهِ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن منيع عَن أبي مُعَاوِيَة عَن عَمْرو بن مَيْمُون نَحوه، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِيهِ عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك بِهِ.
стр. 773
وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن عَبدة بن سُلَيْمَان عَن عَمْرو بن مَيْمُون. قَالَ: سَأَلت سُلَيْمَان بن يسَار ... فَذكره.
بَيَان لغته وَمَا يستنبط مِنْهُ قَوْله: (أغسل الْجَنَابَة) ، قَالَ الْكرْمَانِي: الْجَنَابَة معنى لَا عين، فَكيف يغسل؟ قلت: الْمُضَاف مَحْذُوف أَي: أثر الْجَنَابَة، أَو موجوبه أَو هِيَ مجَاز عَنهُ، وَيُقَال: المُرَاد من الْجَنَابَة: الْمَنِيّ، من بَاب تَسْمِيَة الشَّيْء باسم سَببه، وان وجوده سَبَب لبعده عَن الصَّلَاة وَنَحْوهَا. قلت: يجوز أَن تكون عَائِشَة، ﵂، أطلقت على: الْمَنِيّ، اسْم الْجَنَابَة، فَحِينَئِذٍ لَا حَاجَة إِلَى التَّقْدِير بالحذف أَو بالمجاز. قَوْله: (وَإِن بقع المَاء) ، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْقَاف وبالعين الْمُهْملَة: جمع بقْعَة، كالنطف والنطفة، والبقعة فِي الأَصْل قِطْعَة من الأَرْض يُخَالف لَوْنهَا لون مَا يَليهَا، وَفِي بعض النّسخ، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة وَسُكُون الْقَاف، جمع بقْعَة: كتمرة وتمر، مِمَّا يفرق بَين الْجِنْس الْوَاحِد مِنْهُ بِالتَّاءِ. وَقَالَ التَّيْمِيّ: بريد بالبقعة الْأَثر. قَالَ أهل اللُّغَة: البقع اخْتِلَاف اللونين، يُقَال: غراب أبقع. وَقَالَ ابْن بطال: البقع بقع الْمَنِيّ وطبعه. قلت: هَذَا لَيْسَ بِشَيْء، لِأَن فِي الحَدِيث صرح: وَإِن بقع المَاء، وَوَقع عِنْد ابْن مَاجَه: وَأَنا أرى أثر الْغسْل فِيهِ، يَعْنِي لم يجِف.
وَمن أَحْكَام هَذَا الحَدِيث: أَنه حجَّة للحنفية فِي قَوْلهم: إِن الْمَنِيّ نجس، لقَوْل عَائِشَة: كنت أغسل الْجَنَابَة من ثوب النَّبِي، ﷺ ، وَقَوْلها: كنت، يدل على تكْرَار هَذَا الْفِعْل مِنْهَا، فَهَذَا أدل دَلِيل على نَجَاسَة الْمَنِيّ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَالْحَدِيث حجَّة لمن قَالَ بِنَجَاسَة الْمَنِيّ. قلت: لَا حجَّة لَهُ لاحْتِمَال أَن يكون غسله بِسَبَب أَن مَمَره كَانَ نجسا، أَو بِسَبَب اخْتِلَاطه برطوبة فرجهَا، على مَذْهَب من قَالَ بِنَجَاسَة رُطُوبَة فرجهَا. انْتهى. قلت بلَى: لَهُ حجَّة، وتعليله بِهَذَا لدعواه لَا يُفِيد شَيْئا، لِأَن المشرحين من الْأَطِبَّاء الأقدمين قَالُوا: إِن مُسْتَقر الْمَنِيّ فِي غير مُسْتَقر الْبَوْل، وَكَذَلِكَ مخرجاهما، وَأما نَجَاسَة رُطُوبَة فرج الْمَرْأَة فَفِيهَا خلاف عِنْدهم.
وَمن أَحْكَامه: خدمَة الْمَرْأَة لزَوجهَا فِي غسل ثِيَابه وَنَحْو ذَلِك، خُصُوصا إِذا كَانَ من أَمر يتَعَلَّق بهَا، وَهُوَ من حسن الْعشْرَة وَجَمِيل الصُّحْبَة.
وَمِنْهَا: نقل أَحْوَال المقتدى بِهِ، وَإِن كَانَ يستحي من ذكرهَا عَادَة.
وَمِنْهَا: خُرُوج الْمُصَلِّي إِلَى الْمَسْجِد بِثَوْبِهِ الَّذِي غسل مِنْهُ الْمَنِيّ قبل جفافه.
٢٣٠ - حدّثنا قتَيْبةُ قَالَ حَدثنَا يَزيدُ قَالَ حدّثنا عَمْرٌ وعنْ سُلَيْمانَ بِنْ يَسارٍ قالَ سمِعْتُ عائِشَةَ ح وحدّثنا مُسَدَّدٌ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حَدثنَا عَمروُ بنُ مَيْمُونٍ عنْ سْلَيْمانَ بنِ يسارٍ قَالَ سَألْتُ عائِشةَ عَن المَنِيِّ يُصِيبُ الثِّوْبَ فَقالَتْ كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رسولِ اللَّهِ ﷺ فَيَخْرُجُ إِلَيّ الصَّلاةِ وأثَرُ الغَسْلِ فِي ثَوْبِهِ بُقَعُ المَاءِ.
اخْرُج البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث عَن خَمْسَة أنفس، ثَلَاثَة مِنْهُم فِي هَذَا الْبَاب، وهم: عَبْدَانِ وقتيبة ومسدد، وإثنان مِنْهُم فِي الْبَاب الَّذِي يَلِيهِ، وهما: مُوسَى بن إِسْمَاعِيل وَعَمْرو بن خَالِد، وَقد ذكرُوا عَن قريب، وَذكرنَا أَيْضا من أخرجه غَيره.
وَرِجَاله هَهُنَا سَبْعَة: قُتَيْبَة بن سعيد، وَقد تقدم فِي بَاب السَّلَام من الاسلام. وَالثَّانِي: يزِيد، من الزِّيَادَة، وَذكره البُخَارِيّ غير مَنْسُوب مُجَردا، وَاخْتلف فِيهِ، فَقيل: هُوَ يزِيد بن زُرَيْع، وَقيل: يزِيد بن هَارُون، وَكِلَاهُمَا رويا عَن عَمْرو بن مَيْمُون، وَوَقع فِي رِوَايَة الْفربرِي: ابْن حَمَّاد بن شَاكر: هَكَذَا حَدثنَا يزِيد، غير مَنْسُوب، وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن السكن، أحد الروَاة عَن الْفربرِي: حَدثنَا يزِيد، يَعْنِي ابْن زُرَيْع. وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ الكلاباذي، وَرجح الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي فِي شَرحه أَنه ابْن هَارُون، قَالَ: لِأَنَّهُ لم يُوجد من رِوَايَة ابْن زُرَيْع، وَوجد من رِوَايَة ابْن هَارُون، وَقَالَ بَعضهم: لَا يلْزم من عدم الوجدان عدم الْوُجُود، وَقد جزم أَبُو مَسْعُود بِأَنَّهُ رَوَاهُ، فَدلَّ على وجدانه. قلت: لَيْسَ كَذَلِك، فَإِن أَبَا مَسْعُود مَا جزم بِهِ، وَإِنَّمَا قَالَ: يُقَال: هُوَ ابْن هَارُون: لَا إِبْنِ زُرَيْع؛ وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق الدَّوْرَقِي، وَأحمد بن منيع ويوسف بن مُوسَى قَالُوا: حَدثنَا يزِيد بن هَارُون وَرَوَاهُ أَبُو نعيم من حَدِيث الْحَارِث بن أبي أُسَامَة أخبرنَا يزِيد بن هَارُون وَرَوَاهُ أَبُو نصر السجْزِي فِي (فَوَائده) من طَرِيق إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد التَّيْمِيّ، حَدثنَا يزِيد بن هَارُون قَالَ أَبُو نصر: أخرجه البُخَارِيّ عَن قُتَيْبَة عَن يزِيد بن هَارُون. وَقَالَ الجياني: حَدثنَا أَبُو عمر النمري حَدثنَا مُحَمَّد بن عبد الْملك حَدثنَا ابْن الْأَعرَابِي أخبرنَا مُحَمَّد بن عبد الْملك حَدثنَا يزِيد بن هَارُون أخبرنَا عَمْرو. انْتهى. وَرجح هَذَا الْقَائِل كَلَامه فِي كَون يزِيد هَذَا ابْن زُرَيْع لَا ابْن هَارُون بشيئين لَا ينْهض كَلَامه بهما. أَولهمَا: بقوله: وَقد خرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ
стр. 774
وَغَيره من حَدِيث يزِيد بن هَارُون بِلَفْظ مُخَالف للسياق الَّذِي أوردهُ البُخَارِيّ، وَهَذَا من مرجحات كَونه ابْن زُرَيْع. قلت: هَذَا الَّذِي قَالَه حجَّة عَلَيْهِ ورد لكَلَامه، لِأَن مُخَالفَة لفظ من روى هَذَا الحَدِيث لسياق البُخَارِيّ لَيست مرجحة لكَون يزِيد هَذَا هُوَ ابْن زُرَيْع مَعَ، صَرَاحَة ذكر ابْن هَارُون فِي الرِّوَايَات الْمَذْكُورَة. وَالثَّانِي: قَالَ: وقتيبة مَعْرُوف بالرواية عَن يزِيد بن زُرَيْع دون ابْن هَارُون. قلت: هَذَا أَيْضا حجَّة عَلَيْهِ ومردود عَلَيْهِ، لِأَن كَون قُتَيْبَة مَعْرُوفا بالرواية عَن يزِيد بن زُرَيْع لَا يُنَافِي رِوَايَته عَن يزِيد بن هَارُون، بعد أَن ثَبت أَن قُتَيْبَة روى عَنْهُمَا جَمِيعًا. وَلَقَد غره فِي هَذَا مَا قَالَه الْمزي: الصَّحِيح أَنه يزِيد بن زُرَيْع، فَإِن قُتَيْبَة مَشْهُور بالرواية عَن ابْن زُرَيْع دون ابْن هَارُون. انْتهى. قَالُوا: فِيهِ نظر، وَوَجهه مَا ذكرنَا، وَكَانَ قصد هَذَا الْقَائِل توهية كَلَام الشَّيْخ قطب الدّين، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ ذكره إِيَّاه بِمَا ذكره، وَلَا يخفى ذَلِك على من لَهُ فطانة. قَوْله: (حَدثنَا عَمْرو عَن سُلَيْمَان) ، كَذَا وَقع: عَمْرو، غير مَنْسُوب عِنْد الْأَكْثَرين، وَوَقع عِنْد ابي ذَر يَعْنِي: ابْن مَيْمُون، وَهُوَ: عَمْرو بن مَيْمُون بن مهْرَان، وَقد تقدم. قَوْله: (حَدثنَا عبد الْوَاحِد) ، هُوَ: عبد الْوَاحِد بن زِيَاد الْبَصْرِيّ، وَفِي طبقته عبد الْوَاحِد بن زيد الْبَصْرِيّ، وَلم يخرج لَهُ البُخَارِيّ شَيْئا.
بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي سِتَّة مَوَاضِع، وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: فِي الْإِسْنَاد الأول: سَمِعت، وَفِي الثَّانِي: سَأَلت، إِشَارَة إِلَى الرَّد على من زعم أَن سُلَيْمَان بن يسَار لم يسمع عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، مِنْهُم: أَحْمد بن حَنْبَل وَالْبَزَّار، وَقد صرح البُخَارِيّ بِسَمَاعِهِ مِنْهَا، وَكَذَا هُوَ فِي (صيحح مُسلم) قلت: فِي سَمِعت وَسَأَلت، لَطِيفَة أُخْرَى لم تأت صوبها الشُّرَّاح، وَهِي: أَن كل وَاحِدَة من هَاتين اللفظتين لَا تَسْتَلْزِم الاخرى لَان السماع لَا يسْتَلْزم السُّؤَال وَلَا السُّؤَال يسْتَلْزم السماع فَلذَلِك ذكرهمَا فِي الْإِسْنَاد ليدل على صِحَة السُّؤَال وَصِحَّة السماع فَافْهَم. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وواسطي ومدني. وَفِيه: وَقعت صُورَة (ح) إِشَارَة إِلَى التَّحْوِيل من إِسْنَاد قبل ذكر متن الحَدِيث إِلَى اسناد آخر لَهُ، وَفِيه: فِي الْإِسْنَاد الثَّانِي وَقع: قَالَ: حَدثنَا عَمْرو، يعْنى ابْن مَيْمُون، وَأَشَارَ بِهِ إِلَى أَن شَيْخه لم ينْسبهُ، وَهَذَا تَفْسِير لَهُ من تِلْقَاء نَفسه. فان قلت: الِاخْتِلَاف الْمَذْكُور فِي: يزِيد، هَل هُوَ: يزِيد ابْن زُرَيْع، أَو: يزِيد ابْن هَارُون التباس، وَهُوَ يقْدَح فِي الحَدِيث. قلت: لَا، لِأَن أياً كَانَ فَهُوَ عدل ضَابِط بِشَرْط البُخَارِيّ، وَإِنَّمَا كَانَ يقْدَح لَو كَانَ أَحدهمَا على غير شَرطه.
بَيَان إعرابه وَمَعْنَاهُ قَوْله: (عَن الْمَنِيّ) أَي: عَن حكم الْمَنِيّ، هَل يشرع غسله أم لَا؟ قَالَ بَعضهم: فَحصل الْجَواب بِأَنَّهَا كَانَت تغسله وَلَيْسَ فِي ذَلِك مَا يَقْتَضِي إِيجَابه. قلت: قد ذكرت فِيمَا مضى أَن قَوْله: كنت، يدل على تكْرَار الْغسْل مِنْهَا، وَهُوَ عَلامَة الْوُجُوب مَعَ وُرُود الامر فِيهِ بِالْغسْلِ، وَالْأَمر الْمُجَرّد عَن الْقَرَائِن يدل على الْوُجُوب، وَهَذَا الْقَائِل يُرِيد تمشية مذْهبه من غير دَلِيل نقلي وَلَا عَقْلِي. قَوْله: (فَيخرج إِلَى الصَّلَاة) أَي: يخرج من الْحُجْرَة إِلَى الْمَسْجِد للصَّلَاة. قَوْله: (بقع المَاء) ، قد مر تَفْسِير البقع، وَهُوَ مَرْفُوع على جَوَاب سُؤال مُقَدّر، تَقْدِيره، أَن يُقَال: مَا ذَلِك الْأَثر؟ فَأجَاب: بقع المَاء. اي: هُوَ بقع المَاء، وَفِي الْحَقِيقَة يكون خَبرا لمبتدأ مَحْذُوف؛ وَقَالَ بَعضهم: هُوَ بدل وَلَيْسَ بِشَيْء، وَيجوز النصب فِيهِ على الِاخْتِصَاص أَي: أَعنِي بقع المَاء.
٦٥ - (بابُ إِذا غَسَلَ الجَنَابَةَ أَوْ غَيْرَها فَلمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم غسل الْمَنِيّ أَو غَيره، وَلم يذهب أَثَره، وَمرَاده أَن الْأَثر إِذا كَانَ بَاقِيا لَا يضرّهُ، وَقَالَ بَعضهم: الْأَثر أثر الشَّيْء المغسول، وَفِيه نظر، لِأَن على قَوْله يكون الْبَاقِي أثر الْمَنِيّ وَنَحْوه، وَهَذَا يضرّهُ، بل المُرَاد الْأَثر المرئي للْمَاء لَا للمني، وَلَفظ حَدِيث الْبَاب يدل على هَذَا، وَهُوَ قَوْله: واثر الْغسْل فِي ثَوْبه بقع المَاء. قَوْله: (اَوْ غَيرهَا) أَي غير الْجَنَابَة، نَحْو: دم الْحيض، وَلم يذكر فِي الْبَاب حَدِيثا يدل على هَذِه التَّرْجَمَة. وَقَالَ بَعضهم: وَذكر فِي الْبَاب حَدِيث الْجَنَابَة وَألْحق غَيرهَا قِيَاسا، وَأَشَارَ بذلك إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره من حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: (أَن خَوْلَة بنت يسَار قَالَت: يَا رَسُول الله! لَيْسَ لي إلَاّ ثوب وَاحِد وَأَنا أحيض، فَكيف أصنع؟ قَالَ: إِذا طهرت فاغسليه. قَالَت: فان لم يخرج الدَّم؟ قَالَ: يَكْفِيك المَاء وَلَا يَضرك أَثَره) انْتهى. قلت: البُخَارِيّ يذكر مَسْأَلَة ثمَّ يقيس عَلَيْهَا غَيرهَا، أَو يسْرد حَدِيثا فِي بَاب مترجم دَالا على التَّرْجَمَة، وَلَا فَائِدَة فِي ذكر تَرْجَمَة بِدُونِ ذكر حَدِيث مُوَافق لَهَا مُشْتَمل عَلَيْهَا، وَلم نَعْرِف مَا مُرَاده من هَذَا الْقيَاس، هَل هُوَ لغَوِيّ أَو اصطلاحي شَرْعِي أَو منطقي؟ وَمَا هَذَا إلَاّ قِيَاس
стр. 775
فَاسد. وَأَيْضًا من أَيْن عرفنَا أَنه أَشَارَ بِهَذَا إِلَى مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد؟ وَمن أَيْن عرفنَا أَنه وقف على هَذَا أَو لم يقف؟ وَلَكِن كل ذَلِك تخمين بتخبيط. قَوْله: (فَلم يذهب اثره) : الْفَاء، فِيهِ للْعَطْف لَا للجزاء. لقَوْله: (إِذا غسل) ، لِأَن جزاءه مَحْذُوف تَقْدِيره: صَحَّ صلَاته، أَو نَحْو ذَلِك، وَالضَّمِير فِي: أَثَره، يرجع إِلَى كل وَاحِد من غسل الْجَنَابَة وَغَيرهَا. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَلم يذهب أَثَره: أَي أثر الْغسْل. وَقَالَ بَعضهم، وَأعَاد الضَّمِير مذكراً على المعني أَي: فَلم يذهب أثر الشَّيْء المغسول. قلت: كَلَام الْكرْمَانِي أوجه، لِأَن الْمَعْنى على أَن بَقَاء أثر الْغسْل لَا يضر لإبقاء المغسول، اللَّهُمَّ إلَاّ إِذا عسر إِزَالَة أثر المغسول، فَلَا يضر حِينَئِذٍ للْحَرج، وَهُوَ مَدْفُوع شرعا. وَقَالَ الْكرْمَانِي؛ فِي بعض النّسخ: أَثَرهَا، اي: أثر الْجَنَابَة. قلت: إِن صحت هَذِه النُّسْخَة فَلَا حَاجَة إِلَى التَّأْوِيل الْمَذْكُور، وَلَكِن تَفْسِيره بقوله: أَي، أثر الْجَنَابَة يرجع إِلَى تَفْسِير الْقَائِل الْمَذْكُور، وفساده ظَاهر.
٢٣١ - حدّثنا مُوسَى بِنْ إسْماعِيلَ الْمِنْقَرِيُّ قَالَ حَدثنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ حَدثنَا عَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ قَالَ سَأَلْتُ سُلَيْمانَ بن يَسارٍ فِي الثَّوْبِ تُصِيبُهُ الجَنَابَةُ قَالَ قالَتْ عائِشَةُ كُنْتُ أَغْسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رسولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَيّ الصَّلاةِ وأَثَرُ الغَسْلِ فِيهِ بُقَعُ المَاءِ.
مُطَابقَة الحَدِيث لإحدى الترجمتين، وَهِي أولاهما ظَاهِرَة، والمنقري بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون النُّون وَفتح الْقَاف: نِسْبَة إِلَى بني منقر، بطن من تَمِيم، وَهُوَ أَبُو سَلمَة التَّبُوذَكِي. عبد الْوَاحِد هُوَ: ابْن زِيَاد الْمَذْكُور عَن قريب. قَوْله: (سَمِعت سُلَيْمَان بن يسَار) ، هَكَذَا هُوَ عِنْد الْأَكْثَرين، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (سَأَلت سُلَيْمَان بن يسَار) . قَوْله: (فِي الثَّوْب) مَعْنَاهُ على رِوَايَة: سَمِعت، أَي: سَمِعت سُلَيْمَان يَقُول فِي حكم الثَّوْب الَّذِي تصيبة الْجَنَابَة، وعَلى رِوَايَة: سَأَلت، الْمَعْنى: قلت لِسُلَيْمَان: مَا تَقول فِي الثَّوْب الَّذِي تصيبة الْجَنَابَة؟ وعَلى هَذِه الرِّوَايَة يجوز أَن تكون كلمة: فِي بِمَعْنى: من، كَمَا فِي قَوْله.
(وَهل يعمن من كَانَ فِي الْعَصْر الْخَالِي)
قَوْله: (كنت أغسله) ، أَي: كنت أغسل أثر الْجَنَابَة، قَالَه الْكرْمَانِي. قلت: لَيْسَ مَعْنَاهُ كَذَا، لِأَن مَعْنَاهُ: كنت أغسل الْمَنِيّ من ثوب رَسُول الله ﷺ ، وَلَيْسَ الْمَعْنى: أغسل أثر الْمَنِيّ، فعلى هَذَا تذكير الضَّمِير يكون بِاعْتِبَار معنى الْجَنَابَة، لِأَن مَعْنَاهَا: الْمَنِيّ هَهُنَا، وَبَاقِي الْكَلَام فِيهِ قد مر فِيمَا قبله.
٢٣٢ - حدّثنا عَمْرُو بنُ خالِدٍ قَالَ حَدثنَا زُهَيْرٌ قَالَ حَدثنَا عمْرُو بنُ مَيْمُونِ بنِ مِهْرانَ عنْ سُلَيْمانَ بنِ يسارٍ عنْ عائشَةَ أنَّهَا كانَتْ تَغْسِلُ الَمنِيَّ مِنْ ثَوْبِ النبيِّ ﷺ ثُمَّ أَرَاهُ فِيهِ بُقْعةً اوْ بُقَعاً.
عَمْرو بن خَالِد، بِفَتْح الْعين، وَلَيْسَ فِي شُيُوخ البُخَارِيّ عمر بن خَالِد بِضَم الْعين. قَوْله: (زُهَيْر) هُوَ ابْن مُعَاوِيَة. قَوْله: (عَمْرو بن مَيْمُون بن مهْرَان) ، بِكَسْر الْمِيم غير منصرف، وَلم يذكر جد عَمْرو فِي هَذَا الحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عَن عَائِشَة من خَمْسَة أوجه إلَاّ فِي هَذَا الْوَجْه، وَفِي هَذَا الْوَجْه نُكْتَة أُخْرَى وَهِي أَن فِيهِ الْإِخْبَار عَن سُلَيْمَان عَن عَائِشَة، ﵂، أَنَّهَا كَانَت تغسل على سَبِيل الْغَيْبَة، وَفِي الْأَوْجه الْأَرْبَعَة الْمُتَقَدّمَة الْإِخْبَار عَنْهَا على سَبِيل التَّكَلُّم عَنْهَا. قَوْله: (من ثوب رَسُول الله ﷺ ، وَفِي بعض النّسخ: (من ثوب النَّبِي ﷺ . قَوْله: (ثمَّ أرَاهُ) من رُؤْيَة الْعين أَي: أبصره، وَالضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الثَّوْب، وَفِي بعض النّسخ: (ثمَّ أرى) ، بِدُونِ الضَّمِير، فعلى هَذَا مفعول: أرى، مَحْذُوف على مَا يَجِيء الْآن. فان قلت: كَيفَ التئام هَذَا بِمَا قبله، لِأَن مَا قبله إِخْبَار عَن سُلَيْمَان وَقَوله: ثمَّ أرَاهُ، نقل عَن عَائِشَة، ﵂ قلت فِيهِ مَحْذُوف تَقْدِيره قَالَت ثمَّ أرَاهُ وَهَذَا الْوَجْه من كَلَام الْكرْمَانِي أَن أول الْكَلَام نقل بِالْمَعْنَى عَن لفظ عَائِشَة وَآخره نقل للفظها بِعَيْنِه. قَوْله: (فِيهِ) أَي: فِي الثَّوْب، هَذَا على تَقْدِير أَن يكون: أرى، بِدُونِ الضَّمِير الْمَنْصُوب، وَالتَّقْدِير: ثمَّ أرى فِي الثَّوْب بقْعَة، فَيكون انتصاب بقْعَة على المفعولية. وَأما على تَقْدِير: أرَاهُ، بالضمير الْمَنْصُوب، فمرجعه يكون الْأَثر الَّذِي يدل عَلَيْهِ وَقَوله: (تغسل الْمَنِيّ من ثوب النَّبِي ﷺ أَي: أرى أثر الْغسْل فِي الثَّوْب بقْعَة. قَوْله: (أَو بقعاً) ، الظَّاهِر أَنه من كَلَام عَائِشَة، وَيحْتَمل أَن يكون شكا من سُلَيْمَان أَو من أحد الروَاة. وَالله تَعَالَى أعلم.
стр. 776
٦٦ - (بابُ أَبْوَالِ الابِلِ والدَّوابِّ والغَنَمِ ومَرَابِضهَا)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم أَبْوَال الْإِبِل ... إِلَى آخِره، إِنَّمَا جمع الأبوال لِأَنَّهُ لَيْسَ المُرَاد ذكر حكم بَوْل الْإِبِل فَقَط، بل المُرَاد بَيَان حكم بَوْل الْإِبِل وَبَوْل الدَّوَابّ وَبَوْل الْغنم، وَلَكِن لَيْسَ فِي البا إلَاّ ذكر بَوْل الْإِبِل فَقَط، وَلَا وَاحِد لِلْإِبِلِ من لَفظهَا، وَهِي مُؤَنّثَة لِأَن أَسمَاء الجموع الَّتِي وَاحِد لَهَا من لَفظهَا، إِذا كَانَت لغير الْآدَمِيّين، فالتأنيث لَهَا لَازم. وَقد تسكن الْبَاء فِيهِ للتَّخْفِيف، وَالْجمع آبال. وَالدَّوَاب: جمع دبة، وَهِي فِي اللُّغَة: اسْم لما يدب على وَجه الأَرْض، فَيتَنَاوَل سَائِر الْحَيَوَانَات. وَفِي الْعرف: اسْم لذِي الْأَرْبَع خَاصَّة. وَقَالَ الْكرْمَانِي: المُرَاد هَهُنَا مَعْنَاهُ الْعرفِيّ، وَهُوَ ذَوَات الحوافر، يَعْنِي: الْخَيل وَالْبِغَال وَالْحمير. قلت: لَيْسَ مَعْنَاهُ الْعرفِيّ منحصراً فِي هَذِه، بل يُطلق على كل ذِي أَربع، وَالْبُخَارِيّ لم يذكر فِي هَذَا الْبَاب إلَاّ حديثين: أَحدهمَا يفهم مِنْهُ حكم بَوْل الْإِبِل. وَالْآخر: يفهم مِنْهُ جَوَاز الصَّلَاة فِي مرابض الْغنم، فعلى هَذَا ذكر لَفظه الدَّوَابّ لَا فَائِدَة فِيهِ. وَقَالَ بَعضهم: وَيحْتَمل أَن يكون من عطف الْعَام على الْخَاص. قلت: هُوَ كَذَلِك، فَأَي شَيْء ذكر الِاحْتِمَال فِيهِ، وَفِيه عطف الْخَاص على الْعَام أَيْضا، وَهُوَ عطف الْغنم على الدَّوَابّ. قَوْله: (ومرابضها) بِالْجَرِّ عطف على قَوْله: (وَالْغنم) وَهُوَ جمع: مربض، بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة: من ربض بِالْمَكَانِ يربض، من بَاب: ضرب يضْرب، إِذا ألصق بِهِ، وَأقَام ملازماً لَهُ، والمربض: الْمَكَان الَّذِي يربض فِيهِ، والمرابض للغنم كالمعاطن لِلْإِبِلِ، وربوض الْغنم كبروك الْجمل. وَقَالَ بَعضهم: المربض، بِكَسْر الْمِيم وَفتح الْمُوَحدَة؛ قلت: هُوَ غلط صَرِيح لَيْسَ لقائله مس بالعلوم الادبية، وَالضَّمِير فِي: مرابضها، يرجع إِلَى الْغنم. وَقَالَ بعضم: الضَّمِير يعود على أقرب مَذْكُور. قلت: هَذَا قريب مِمَّا قُلْنَا.
فان قلت: مَا وَجه مُنَاسبَة هَذَا الْبَاب بِمَا قبله؟ قلت: يجوز أَن يكون من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا يشْتَمل على شَيْء، وَهُوَ نجس فِي نَفسه، على قَول من يَقُول بِنَجَاسَة الْمَنِيّ ونجاسة بَوْل الْإِبِل، وعَلى قَول من يَقُول بطهارتهما يكون وَجه الْمُنَاسبَة بَينهمَا فِي كَونهمَا على السوَاء فِي الطَّهَارَة.
وصلَّى أبُو مُوسَي ﵁ فِي دَارِ البرهيده والسِّرْقِيْنُ والبَرِّيةُ إِلَى جنْبه فَقَالَ هَهُنا وثَمَّ سَوَاءٌ
هَذَا الاثر وَصله أَبُو نعيم، شيخ البُخَارِيّ فِي كتاب (الصَّلَاة) لَهُ، قَالَ: حَدثنَا الْأَعْمَش عَن مَالك بن الْحَارِث هُوَ السّلمِيّ الْكُوفِي، عَن أَبِيه، قَالَ: صلى بِنَا أَبُو مُوسَى فِي دَار الْبَرِيد، وَهُنَاكَ سرقين الدَّوَابّ والبرية على الْبَاب، فَقَالُوا: لَو صليت على الْبَاب ... فَذكره. وَهَذَا تَفْسِير لما ذكره البُخَارِيّ مُعَلّقا. وَأخرجه ابْن أبي شيبَة أَيْضا فِي (مُصَنفه) فَقَالَ: ثَنَا وَكِيع الْأَعْمَش عَن مَالك بن الْحَارِث عَن أَبِيه قَالَ، كُنَّا مَعَ أبي مُوسَى فِي دَار الْبَرِيد، فَحَضَرت الصَّلَاة فصلى بِنَا على رَوْث وتبن. فَقُلْنَا: لَا نصلي هَهُنَا والبرية إِلَى جَنْبك. فَقَالَ: الْبَريَّة وَهَهُنَا سَوَاء. وَقَالَ ابْن حزم: روينَا من طَرِيق شُعْبَة وسُفْيَان، كِلَاهُمَا عَن الْأَعْمَش عَن مَالك بن الْحَارِث عَن أَبِيه قَالَ: صلى بِنَا أَبُو مُوسَى على مَكَان فِيهِ سرقين، وَهَذَا لفظ سُفْيَان، وَقَالَ شُعْبَة: رَوْث الدَّوَابّ. قَالَ: ورويناه من طَرِيق غَيرهمَا: والصحراء أَمَامه. وَقَالَ: هَهُنَا وَهُنَاكَ سَوَاء، وَأَبُو مُوسَى الاشعري اسْمه: عبد الله بن قيس، تقدم فِي بَاب: أَي: الْإِسْلَام أفضل. قَوْله: (فِي دَار الْبَرِيد) وَهِي دَار ينزلها من يَأْتِي برسالة السُّلْطَان، وَالْمرَاد من: دَار الْبَرِيد، هَهُنَا مَوضِع بِالْكُوفَةِ كَانَت الرُّسُل تنزل فِيهِ إِذا حَضَرُوا من الْخُلَفَاء إِلَى الْأُمَرَاء، وَكَانَ أَبُو مُوسَى، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، أَمِيرا على الْكُوفَة فِي زمن عمر، وَفِي زمن عُثْمَان، ﵄، وَكَانَ الدَّار فِي طرف الْبَلَد، وَلِهَذَا كَانَت الْبَريَّة إِلَى جنبها، و: الْبَرِيد، بِفَتْح الْبَاء الْمُوَحدَة: الْمُرَتّب، وَالرَّسُول، وإثنا عشر ميلًا، قَالَه الْجَوْهَرِي. قَوْله: (والسرقين) ، بِكَسْر السِّين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء هُوَ: الزبل، وَحكى فِيهِ ابْن سَيّده فتح أَوله، وَهُوَ فَارسي مُعرب، وَيُقَال لَهُ، السرجين، بِالْجِيم، وَهُوَ فِي الأَصْل حرف بَين الْقَاف وَالْجِيم يقرب من الْكَاف. قَوْله: (والبرية) بتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف: الصَّحرَاء. قَالَ صَاحب (الْمُحكم) : هِيَ منسوبة إِلَى الْبر، وَالْجمع: البراري. قَوْله: (جنبه) الْجنب والجانب والجنبة: النَّاحِيَة. وَيُقَال: قعدت إِلَى جنب فلَان، وَإِلَى جَانب فلَان بِمَعْنى. قَوْله: (وَثمّ) بِفَتْح الثَّاء الْمُثَلَّثَة وَتَشْديد الْمِيم، وَهُوَ اسْم يشار بِهِ إِلَى الْمَكَان الْبعيد، نَحْو: ﴿وأزلفنا ثمَّ الآخرين﴾ (الشُّعَرَاء: ٦٤) وَهُوَ ظرف لَا يتَصَرَّف، فَلذَلِك غلط من أعربه مَفْعُولا: لرأيت فِي قَوْله: تَعَالَى ﴿واذا رَأَيْت ثمَّ رَأَيْت﴾ (الْإِنْسَان: ٢٠) قَوْله: (سَوَاء) ، يَعْنِي فِي صِحَة الصَّلَاة، ثمَّ اعْلَم أَن قَوْله: (والسرقين) يجوز أَن يكون مَعْطُوفًا على: الدَّار، وعَلى: الْبَرِيد، قَالَ الْكرْمَانِي: ويروى بِالرَّفْع، وَلم يذكر وَجهه. قلت: وَجه أَن يكون مُبْتَدأ. وَقَوله: والبرية، بِالرَّفْع عطف عَلَيْهِ،
стр. 777
وَقَوله: الى جنبه، خَبره وَيكون مَحل الْجُمْلَة النصب على الْحَال، وعَلى تَقْدِير جر: السرقين، يكون ارْتِفَاع: الْبَريَّة، على الِابْتِدَاء. وَمَا بعده خَبره، وَالْجُمْلَة حَال أَيْضا وفاعل: قَالَ، أَبُو مُوسَى، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. قَوْله: (هَهُنَا) اسْم مَوضِع، وَمحله رفع على الِابْتِدَاء، و: ثمَّ، عطف عَلَيْهِ، وَخَبره قَوْله: سَوَاء، يَعْنِي: أَنَّهُمَا متساويان فِي صِحَة الصَّلَاة. قَالَ ابْن بطال: قَوْله: أَبْوَال الْإِبِل وَالدَّوَاب، وَافق البُخَارِيّ فِيهِ أهل الظَّاهِر، وقاس بَوْل مَا يكون مَأْكُولا لَحْمه على بَوْل الْإِبِل، وَلذَلِك قَالَ: وَصلى أَبُو مُوسَى فِي دَار الْبَرِيد والسرقين، ليدل على طَهَارَة أرواث الدَّوَابّ وَأَبْوَالهَا، وَلَا حجَّة لَهُ فِيهَا، لِأَنَّهُ يُمكن أَن يكون صلى على ثوب بَسطه فِيهِ أَو فِي مَكَان يَابِس لَا تعلق بِهِ نَجَاسَة. وَقد قَالَ عَامَّة الْفُقَهَاء: إِن من بسط على مَوضِع نجس بساطاً وَصلى فِيهِ إِن صلَاته جَائِزَة، وَلَو صلى على السرقين بِغَيْر بِسَاط لَكَانَ مذهبا لَهُ، وَلم تجز مُخَالفَة الْجَمَاعَة بِهِ. وَقَالَ بَعضهم نصْرَة للْبُخَارِيّ وردا على ابْن بطال: وَأجِيب بِأَن الأَصْل عَدمه، وَقد رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ فِي (جَامعه) عَن الْأَعْمَش بِسَنَدِهِ، وَلَفظه: صلى بِنَا أَبُو مُوسَى على مَكَان فِيهِ سرقين، وَهَذَا ظَاهر فِي أَنه بِغَيْر حَائِل. قلت: الظَّاهِر أَنه كَانَ بِحَائِل، لِأَن شَأْنه يَقْتَضِي أَن يحْتَرز عَن الصَّلَاة على عين السرقين، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وَقد روى سعيد بن مَنْصُور عَن سعيد بن الْمسيب وَغَيره: أَن الصَّلَاة على الطنفسة مُحدث، إِسْنَاده صَحِيح. قلت: أَرَادَ بِهَذَا تأييد مَا قَالَه، وَلكنه لَا يجديه، لِأَن كَون الصَّلَاة على الطنفسة محدثة لَا يسْتَلْزم أَن يكون على الْحَصِير وَنَحْوه كَذَلِك، فَيحْتَمل أَن يكون أَبُو مُوسَى قد صلى فِي دَار الْبَرِيد والسرقين على حَصِيرا وَنَحْوه، وَهُوَ الظَّاهِر، على أَن الطنفسة، بِكَسْر الطَّاء وَفتحهَا: بِسَاط لَهُ خمل رَقِيق، وَلم يَكُونُوا يستعملونها فِي حَالَة الصَّلَاة كاستعمال المترفين إِيَّاهَا، فكرهوا ذَلِك فِي الصَّدْر الأول، واكتفوا بالدون من السجاجيد تواضعاً، بل كَانَ أَكْثَرهم يُصَلِّي على الْحَصِير، بل كَانَ الْأَفْضَل عِنْدهم الصَّلَاة على التُّرَاب تواضعاً ومسكنة.
٢٣٣ - حدّثنا سُلَيْمانُ بنُ حَرْبٍ قَالَ حدّثنا حَمَّادُ بنُ زَيْدٍ عنْ أيُّوبَ عنْ أبي قِلَابَةَ عنْ أنَسٍ ﵁ قالَ قدِمَ انَاسٌ مِنْ عُكْلٍ أوْ عُرَيْنَةَ فَاجْتَوَوُا المَدِينَةَ فَأمَرَهُمُ النبيُّ ﷺ بلِقاحٍ وأنْ يَشْرَبُوا مِنْ أَبْوالِها وأَلْبَانِها فانْطَلَقُوا فَلَمَّا صَحُّوا قتَلُوا رَاعِيَ النبيِّ ﷺ واسْتَاقُوا النَّعَمَ فَجَاءَ الخَبَرُ فِي أوَّلِ النَّهارِ فَبَعَثَ فِي آثارِهِمْ فَلَمَّا ارْتَفَعَ النَّهارُ جِىءَ بهِمْ فَأَمَرَ فَقَطَع أيْدِيْهُمْ وأرْجُلَهُمْ وسُمِر تْ أَعْيُنُهُمْ وَالْقُوافي الحَرَّةِ يَسْتَسْقُونَ فَلَا يُسْقَونَ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة فِي بَوْل الْإِبِل فَقَط، وَالْمَذْكُور فِيهَا أَرْبَعَة أَشْيَاء.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة كلهم قد ذكرُوا، فسليمان بن حَرْب فِي بَاب من كره أَن يعود فِي الْكفْر، وَحَمَّاد فِي بَاب الْمعاصِي من أَمر الْجَاهِلِيَّة، وَأَيوب السّخْتِيَانِيّ التَّابِعِيّ فِي بَاب حلاوة الْإِيمَان، وَأَبُو قلَابَة، بِكَسْر الْقَاف: عبد الله، كَذَلِك. وَكلهمْ أَعْلَام ائمة بصريون. (بَيَان لطائف اسناده) فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وَالْبَاقِي عنعنة فِي أبعة مَوَاضِع. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ. وَفِيه: أَن الروَاة بصريون.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ فِي ثَمَانِيَة مَوَاضِع: هُنَا عَن سلمَان بن حَرْب، وَفِي الْمُحَاربين عَن قُتَيْبَة، وَفِي الْجِهَاد عَن مُعلى بن اسد، وَفِي الْمُحَاربين عَن مُوسَى بن اسماعيل، وَعَن عَليّ بن عبد الله، وَمُحَمّد بن الصَّلْت، وَفِي التَّفْسِير عَن عَليّ بن عبد الله، وَفِي الْمَغَازِي عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحِيم، وَفِي الدِّيات عَن قُتَيْبَة. وَأخرجه مُسلم فِي الْحُدُود عَن هَارُون بن عبد الله بن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَعَن الْحسن بن أَحْمد، وَعَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن، وَعَن أبي بكر بن أبي شيبَة وَمُحَمّد بن الصَّباح، وَعَن مُحَمَّد بن الْمثنى، وَعَن أَحْمد بن عُثْمَان النَّوْفَلِي. وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الطَّهَارَة عَن سُلَيْمَان بن حَرْب، وَعَن مُوسَى بن إِسْمَاعِيل، وَعَن مُحَمَّد بن الصَّباح، وَعَن عَمْرو بن عُثْمَان، وَعَن مُحَمَّد بن قدامَة. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْمُحَاربَة عَن احْمَد بن سُلَيْمَان، وَعَن عَمْرو بن عُثْمَان، وَعَن إِسْحَاق بن مَنْصُور، وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود، وَأعَاد حَدِيث عَمْرو بن عُثْمَان فِي التَّفْسِير، وَفِي رِوَايَة مُسلم أَدخل بَين أَيُّوب وَأبي قلَابَة أَبَا رَجَاء، مولى أبي قلَابَة، وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ أَن رِوَايَة حَمَّاد بن زيد إِنَّمَا هِيَ عَن أَيُّوب عَن أبي رَجَاء عَن أبي قلَابَة. وَقَالَ: سُقُوط أبي رَجَاء وثبوته صَوَاب، وَيُشبه أَن يكون أَيُّوب سمع من
стр. 778
ابي قلَابَة عَن أنس قصَّة العرنيين مُجَرّدَة، وَسمع من ابي رَجَاء عَن ابي قلَابَة حَدِيثه مَعَ عمر بن عبد الْعَزِيز فِي الْقسَامَة، وَفِي آخرهَا قصَّة العرنيين، فحفظ عَنهُ حَمَّاد بن زيد الْقصَّتَيْنِ عَن أبي رَجَاء عَن ابي قلَابَة، وَحفظ الْآخرُونَ عَن ابي قلَابَة عَن أنس قصَّة العرنيين حسب.
بَيَان لغاته قَوْله: (من عكل) بِضَم الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الْكَاف، وَفِي آخِره لَام: وعكل خمس قبائل، وَذَلِكَ أَن عَوْف بن عبد منَاف ولد قيسا، فولد قيس وائلاً وعوانة، فولد وَائِل عوفاً وثعلبة، فولد عَوْف بن وَائِل الْحَارِث وجشماً وسعداً وعلياً وقيساً، وأمهم بنت ذِي اللِّحْيَة، لِأَنَّهُ كَانَ مطائلاً لحيته، فحضنتهم أمة سَوْدَاء يُقَال لَهَا: عكل، كَذَا قَالَه الْكَلْبِيّ وَغَيره، وَيُقَال: عكل امْرَأَة حضنت ولد عَوْف بن إِيَاس بن قيس بن عَوْف بن عبد مَنَاة ابْن اد بن طابخة. وَزعم السَّمْعَانِيّ: أَنهم بطن من غنم، ورد ذَلِك عَلَيْهِ أَبُو الْحسن الْجَزرِي بِأَن عكل امْرَأَة من حمير يُقَال لَهَا: بنت ذِي اللِّحْيَة، تزَوجهَا عَوْف بن قيس بن وَائِل بن عَوْف بن عبد مَنَاة بن اد، فَولدت لَهُ سَعْدا وجشماً وعلياً، ثمَّ هَلَكت الحميرية، فحضنت عكل وَلَدهَا وهم من جملَة الربَاب، تحالفوا على بني تَمِيم. قَوْله: (اَوْ عرينة) ، بِضَم الْعين وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفتح النُّون، وعرينة بن نَذِير بن قيس بن عبقر بن أَنْمَار بن الْغَوْث بن طي بن أدد، وَزعم الْيَشْكُرِي أَن عرينة بن عَزِيز بن نَذِير. قَوْله: (فاجتووا الْمَدِينَة) أَي: أَصَابَهُم الجوى، بِالْجِيم: وَهُوَ دَاء الْجوف إِذا تطاول، وَيُقَال الاجتواء كَرَاهِيَة الْمقَام. يُقَال: اجتويت الْبَلَد: إِذا كرهتها وَإِن كَانَت مُوَافقَة لَك فِي بدنك، واستوبلتها إِذا لم توافقك فِي بدنك وَإِن أحببتها. قَوْله: (بلقاح) بِكَسْر اللَّام، وَهِي: الْإِبِل، الْوَاحِدَة: لقوح، وَهِي الحلوب مثل: قلُوص وقلاص، قَالَ ابو عَمْرو: إِذا انتجت فَهِيَ لقوح شَهْرَيْن أَو ثَلَاثَة، ثمَّ هِيَ لبون بعد ذَلِك. قَوْله: (فَاسْتَاقُوا النعم) : استاقوا، من الاستياق، وَهُوَ السُّوق. و: النعم، بِفتْحَتَيْنِ: وَاحِد الْأَنْعَام، وَهِي المَال الراعية، وَأكْثر مَا يَقع هَذَا الِاسْم على الْإِبِل. قَوْله: (فِي آثَارهم) الْآثَار جمع: اثر، بِكَسْر الْهمزَة وَسُكُون الثَّاء الْمُثَلَّثَة، يُقَال: خرجت فِي أَثَره إِذا خرجت وَرَاءه. قَوْله: (وسمرت) ، بِضَم السِّين وَتَخْفِيف الْمِيم وتشديدها، وَمعنى سمرت أَعينهم: كحلت بمسامير محماة. وَفِي رِوَايَة: سملت، بِاللَّامِ مَوضِع الرَّاء، يُقَال: سلمت عينه، بِصِيغَة الْمَجْهُول ثلاثياً، إِذا فقئت بحديدة محماة. وَقيل: هما بِمَعْنى وَاحِد. قَوْله: (فِي الْحرَّة) ، بِفَتْح الْحَاء الْمُهْملَة وَتَشْديد الرَّاء: وَهِي الأَرْض ذَات الْحِجَارَة السود، وَيجمع على: حر وحرار وحرات وحرين وأحرين، وَهُوَ من الجموع النادرة: كثبين وقلين، فِي جمع: ثبة وَقلة. وَالْمرَاد من الْحرَّة هَذِه: حرَّة بِظَاهِر مَدِينَة الرَّسُول ﷺ ، بهَا حِجَارَة سود كَثِيرَة، وَكَانَت بهَا الْوَقْعَة الْمَشْهُورَة أَيَّام يزِيد بن مُعَاوِيَة. قَوْله: (يستسقون) من الاسْتِسْقَاء، وَهِي طلب السَّقْي وَطلب السقياء أَيْضا، وَهُوَ الْمَطَر.
بَيَان إعرابه قَوْله: (فاجتووا الْمَدِينَة) : الْفَاء، فِيهِ للْعَطْف. قَوْله: (وان يشْربُوا) عطف على: لقاح، وَكلمَة: ان، مَصْدَرِيَّة، وَالتَّقْدِير: فَأَمرهمْ بالشرب من أَلْبَانهَا. قَوْله: (قتلوا) جَوَاب: لما، قَوْله: (فَبعث) أَي: رَسُول الله ﷺ ، ومفعوله مَحْذُوف أَي: الطّلب، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ. قَوْله: (فَقطع أَيْديهم إِسْنَاد الْفِعْل إِلَى النَّبِي ﷺ مجَاز، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا جَاءَ فِي رِوَايَة أُخْرَى: (فَأمر بِقطع أَيْديهم) . وَالْأَيْدِي جمع: يَد، فإمَّا أَن يُرَاد بهَا أقل الْجمع الَّذِي هُوَ إثنان عِنْد بعض الْعلمَاء، لِأَن لكل مِنْهُم يدين، وَإِمَّا أَن يُرَاد التَّوْزِيع. قَوْله: (وألقوا) ، بِصِيغَة الْمَجْهُول من: الْإِلْقَاء. قَوْله: (يستسقون) جملَة وَقعت حَالا.
بَيَان الْمعَانِي قَوْله: (قدم أنَاس) أَي: على رَسُول الله ﷺ ، فَأَمرهمْ بلقاح أَي: فَأَمرهمْ أَن يلْحقُوا بهَا. قَوْله: (فَلَمَّا صحوا) فِيهِ حذف تَقْدِيره: فَشَرِبُوا من أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا، فَلَمَّا صحوا، قَوْله: (فَلَمَّا ارْتَفع النَّهَار) فِيهِ حذف أَيْضا تَقْدِيره: فأدركوا فِي ذَلِك الْيَوْم فَأخذُوا، فَلَمَّا ارْتَفع جِيءَ بهم، أَي: إِلَى النَّبِي ﷺ وهم أُسَارَى. قَوْله: (وَلَا يسقون) ، بِضَم الْيَاء وَفتح الْقَاف.
بَيَان اخْتِلَاف أَلْفَاظه قَوْله: (عَن أنس) زَاد الْأصيلِيّ: ابْن مَالك قَوْله: (قدم أنَاس) بِالْهَمْزَةِ المضمومة عِنْد الْأَكْثَرين، وَعند الْأصيلِيّ والكشميهني والسرخسي: (نَاس) ، بِلَا همزَة، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الدِّيات من طَرِيق أبي رَجَاء عَن أبي قلَابَة: (قدم أنَاس على رَسُول الله ﷺ . وَقَوله: (من عكل أَو عرينة) الشَّك فِيهِ من حَمَّاد، قَالَه بَعضهم. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَلَفظ: أَو، ترديد من أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَقَالَ الدَّاودِيّ: هُوَ شكّ من الرَّاوِي، وَالَّذِي قَالَ: إِنَّه حَمَّاد لَا يدْرِي أَي شَيْء وَجه تعيينة بذلك، وللبخاري فِي الْمُحَاربين: عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد: (أَن رهطا من عكل، أَو قَالَ: من عرينة) . وَله فِي الْجِهَاد: عَن وهيب
стр. 779
عَن أَيُّوب: (أَن رهطا من عكل) ، وَلم يشك، وَكَذَا فِي الْمُحَاربين: عَن يحيى بن أبي كثير، وَفِي الدِّيات: عَن أبي رَجَاء، كِلَاهُمَا عَن أبي قلَابَة، وَله فِي الزَّكَاة عَن شُعْبَة عَن قَتَادَة عَن أنس: أَن نَاسا من عرينة، وَلم يشك أَيْضا، وَكَذَا لمُسلم من رِوَايَة أبي عوَانَة مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أنس، وَفِي الْمَغَازِي: عَن سعيد بن أبي عرُوبَة عَن قَتَادَة: (أَن نَاسا من عكل وعرينة) ، بِالْوَاو العاطفية. قيل: هُوَ الصَّوَاب، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ مَا وَقع فِي رِوَايَة أبي عوَانَة، وَالطَّبَرَانِيّ من حَدِيث قَتَادَة عَن أنس قَالَ: (كَانُوا أَرْبَعَة من عرينة وَثَلَاثَة من عكل) . قلت: هَذَا يُخَالف مَا عِنْد البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد من طَرِيق وهيب عَن أَيُّوب، وَفِي الدِّيات من طَرِيق حجاج الصَّواف عَن أبي رَجَاء، كِلَاهُمَا عَن أبي قلَابَة عَن أنس: (أَن رهطا من عكل ثَمَانِيَة) ، وَجه ذَلِك أَنه صرح بِأَن الثَّمَانِية من عكل، وَلم يذكر عرينة قلت: يُمكن التَّوْفِيق بِأَن احداً من الروَاة طوى ذكر عرينة لِأَنَّهُ روى عَن أنس تَارَة من عكل أَو عرينة، وَتارَة من عرينة بِدُونِ ذكر عكل، وَتارَة من عكل وعرينة، كَمَا بَينا. فَإِن قلت: فِي رِوَايَة أبي عوَانَة والطبري: (كَانُوا سَبْعَة) ، وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ: ثَمَانِيَة، فَهَذَا مُخَالف. قلت: لَا مُخَالفَة أصلا لاحْتِمَال أَن يكون الثَّامِن من غير القبيلتين، وَكَانَ من أتباعهم. قَوْله: (فاجتووا الْمَدِينَة) وَفِي رِوَايَة: (استوخموها) ، وللبخاري من رِوَايَة سعيد عَن قَتَادَة فِي هَذِه الْقِصَّة: (فَقَالُوا: يَا نَبِي الله إِنَّا كُنَّا أهل ضرع وَلم نَكُنْ أهل ريف) ، وَله فِي الطِّبّ من رِوَايَة ثَابت عَن أنس: (أَن نَاسا كَانَ بهم سقم قَالُوا: يَا رَسُول الله أرونا وأطعمنا، فَلَمَّا صحوا قَالُوا: إِن الْمَدِينَة وخمة) . وَفِي رِوَايَة أبي عوَانَة من رِوَايَة غيلَان عَن أنس: (كَانَ بهم هزال شَدِيد) . وَعِنْده من رِوَايَة ابْن سعد عَنهُ: (مصفر ألوانهم) بعد أَن صحت أَجْسَادهم، فَهُوَ من حمى الْمَدِينَة كَمَا عِنْد أَحْمد من رِوَايَة حميد عَن أنس. قَوْله: (فامرهم بلقاح) وللبخاري فِي رِوَايَة همام عَن قَتَادَة: (فَأَمرهمْ أَن يلْحقُوا براعية) ، وَله عَن قُتَيْبَة عَن حَمَّاد: (فَأمر لَهُم بلقاح) بِزِيَادَة الَّلام، وَوَجهه أَن تكون الَّلام زَائِدَة أَو للاختصاص، وَلَيْسَت للتَّمْلِيك. وَعند أبي عوَانَة من رِوَايَة مُعَاوِيَة بن قُرَّة الَّتِي أخرج مُسلم إسنادها: أَنهم بدؤوا بِطَلَب الْخُرُوج إِلَى اللقَاح، (فَقَالُوا: يَا رَسُول الله، قد وَقع هَذَا الوجع، فَلَو أَذِنت لنا فخرجنا إِلَى الْإِبِل) ، وللبخاري من رِوَايَة وهيب عَن أَيُّوب: (أَنهم قَالُوا: يَا رَسُول الله إبغنار سلاً، أَي: أطلب لَبَنًا. قَالَ: مَا أجد لكم إلَاّ أَن تلحقوا بالذود) ، وَفِي رِوَايَة ابي رَجَاء: (هَذِه نعم لنا نخرج فاخرجوا فِيهَا) . وَله فِي الْمُحَاربين: عَن مُوسَى عَن وهيب بِسَنَدِهِ فَقَالَ: (إلَاّ أَن تلحقوا بِإِبِل رَسُول الله ﷺ . وَله فِيهِ من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: عَن يحيى بن أبي كثير بِسَنَدِهِ: (فَأَمرهمْ أَن يَأْتُوا إبل الصَّدَقَة) ، وَكَذَا فِي الزَّكَاة من طَرِيق شُعْبَة عَن قَتَادَة. فان قلت: كَيفَ التَّوْفِيق بَين هَذِه الْأَحَادِيث؟ قلت: طَريقَة أَنه ﷺ كَانَت لَهُ إبل من نصِيبه من الْمغنم، وَكَانَ يشرب لَبنهَا، وَكَانَت ترعى مَعَ إبل الصَّدَقَة. فَأخْبرهُ مرّة عَن إبِله، وَمرَّة عَن إبل الصَّدَقَة لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي مَوضِع وَاحِد. وَقَالَ بَعضهم: وَالْجمع بَينهَا أَن إبل الصَّدَقَة كَانَت ترعى خَارج الْمَدِينَة، وصادف بعث النَّبِي ﷺ بلقاحه إِلَى المرعى طلب هَؤُلَاءِ النَّفر الْخُرُوج إِلَى الصَّحرَاء لشرب ألبان الْإِبِل، فَأَمرهمْ أَن يخرجُوا مَعَه فَخَرجُوا مَعَه إِلَى الْإِبِل، فَفَعَلُوا مَا فعلوا. قَوْله: (وَأَن يشْربُوا) وَفِي رِوَايَة للْبُخَارِيّ عَن أبي رَجَاء: (فأخرجوا فَاشْرَبُوا من أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا) ، بِصِيغَة الْأَمر. وَفِي رِوَايَة شُعْبَة عَن قَتَادَة: (فَرخص لَهُم أَن يَأْتُوا الصَّدَقَة فيشربوا) . قَوْله: (فَلَمَّا صحوا) ، وَفِي رِوَايَة أبي رَجَاء: (فَانْطَلقُوا فَشَرِبُوا من أَلْبَانهَا وَأَبْوَالهَا فَلَمَّا صحوا) ، وَفِي رِوَايَة وهيب: (وسمنوا) ، وَفِي رِوَايَة الْإِسْمَاعِيلِيّ من رِوَايَة ثَابت: (وَرجعت إِلَيْهِم ألوانهم) . قَوْله: (فجَاء الْخَبَر) ، وَفِي رِوَايَة وهيب عَن أَيُّوب: الصَّرِيخ، بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، وَهُوَ على وزن: فعيل، بِمَعْنى: فَاعل، أَي صرخَ بالإعلام بِمَا وَقع مِنْهُم، وَهَذَا الصَّارِخ هُوَ أحد الراعيين، كَمَا ثَبت فِي (صَحِيح أبي عوَانَة) من رِوَايَة مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أنس. وَقد أخرج مُسلم إِسْنَاده وَلَفظه: (فَقتلُوا أحد الراعيين وَجَاء الآخر وَقد حزع، فَقَالَ: قد قتلوا صَاحِبي وذهبوا بِالْإِبِلِ) . قَوْله: (فَذهب فِي آثَارهم) زَاد فِي رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: الطّلب، وَفِي حَدِيث سَلمَة بن الْأَكْوَع: (خيلاً من الْمُسلمين أَمِيرهمْ كرز بن جَابر الفِهري) . وَكَذَا ذكره ابْن إِسْحَاق وَالْأَكْثَرُونَ، وكرز، بِضَم الْكَاف وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخِره زَاي مُعْجمَة، وللنسائي من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ: (فَبعث فِي طَلَبهمْ قافة) ، وَهُوَ جمع: قائف، وَلمُسلم من رِوَايَة مُعَاوِيَة بن قُرَّة عَن أنس: (أَنهم شباب من الْأَنْصَار قريب من عشْرين رجلا، وَبعث مَعَهم قائفاً يقتفي آثَارهم) . قَوْله: (قطع أَيْديهم) ، كَذَا هُوَ للأكثرين، وَفِي رِوَايَة الْأصيلِيّ وَالْمُسْتَمْلِي والسرخسي: (فَأمر بِقطع أَيْديهم) ، وَقَالَ: الدَّاودِيّ: يَعْنِي قطع يَدي كل وَاحِد وَرجلَيْهِ، وهذ يردهُ رِوَايَة التِّرْمِذِيّ من خلاف، وَكَذَا ذكر الْإِسْمَاعِيلِيّ عَن الْفرْيَابِيّ عَن الْأَوْزَاعِيّ بِسَنَدِهِ، وللبخاري من رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ أَيْضا. قَوْله:
стр. 780
(وسمرت) ، لم تخْتَلف رِوَايَات البُخَارِيّ كلهَا بالراء، وَوَقع لمُسلم من رِوَايَة عبد الْعَزِيز: (وسلمت) ، بِالتَّخْفِيفِ وَاللَّام، وللبخاري من رِوَايَة وهيب عَن أَيُّوب، وَمن رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن يحيى، كِلَاهُمَا عَن أبي قلَابَة: (ثمَّ أَمر بمسامير فأحميت فكحلهم بهَا) . وَلَا يُخَالف ذَلِك رِوَايَة الْمُسْتَمْلِي، لِأَنَّهُ فَقَأَ الْعين بِأَيّ شَيْء كَانَ. قَوْله: (يستسقون فَلَا يسقون) زَاد وهيب وَالْأَوْزَاعِيّ: حَتَّى مَاتُوا، وَفِي رِوَايَة سعيد: (يعضون الْحِجَارَة) ، وَفِي رِوَايَة أبي رَجَاء: (ثمَّ نبذهم فِي الشَّمْس حَتَّى مَاتُوا) وَفِي الطِّبّ فِي رِوَايَة ثَابت، قَالَ أنس: (فَرَأَيْت رجلا مِنْهُم يكدم الأَرْض بِلِسَانِهِ حَتَّى يَمُوت) ، وَلأبي عوَانَة من هَذَا الْوَجْه: (يعَض الأَرْض ليجد بردهَا مِمَّا يجد من الْحر والشدة) ، وَزعم الْوَاقِدِيّ أَنهم صلبوا، وَلم يثبت ذَلِك فِي الرِّوَايَات الصَّحِيحَة.
بَيَان مَا فِيهِ من تَفْسِير الْمُبْهم وَغير ذَلِك قَوْله: (قدم أنَاس من كل أَو عرينة) وَفِي رِوَايَة ابي عوَانَة والطبري بإسنادهما إِلَى انس، قَالَ: (كَانُوا أَرْبَعَة عَن عرينة وَثَمَانِية عَن عكل) . وَفِي (طَبَقَات) ابْن سعد: أرسل رَسُول الله ﷺ فِي إثرهم كرز بن جَابر الفِهري وَمَعَهُ عشرُون فَارِسًا، وَكَانَ العرنيون ثَمَانِيَة، وَكَانَت اللقَاح ترعى بِذِي الحدر، نَاحيَة بقيا قَرِيبا من نمير، على سِتَّة أَمْيَال من الْمَدِينَة، فَلَمَّا غدوا على اللقَاح أدركهم يسَار مولى رَسُول الله ﷺ وَمَعَهُ نفر فَقَاتلهُمْ فَقطعُوا يَده وَرجله وغرز والشوك فِي لِسَانه وَعَيْنَيْهِ حَتَّى مَاتَ فَفعل بهم النَّبِي ﷺ كَذَلِك، وَأنزل عَلَيْهِ ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ويسعون فِي الارض فَسَادًا ... ﴾ (الْمَائِدَة: ٣٣) الْآيَة. فَلم يسمل بعد ذَلِك عينا. انْتهى. وَكَانَ يسَار نوبياً أَصَابَهُ رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة محَارب، فَلَمَّا رَآهُ يحسن الصَّلَاة أعْتقهُ، وَقَالَ ابْن عقبَة كَانَ أَمِير السّريَّة سعيد بن زيد بن عَمْرو بن نفَيْل وخمل يسَار مَيتا فَدفن بقباء وَزعم الرشاطي أَنهم من غير عرينة الَّتِي فِي قضاعة، وَفِي (مُصَنف عبد الرَّزَّاق) : كَانُوا من بني فَزَارَة، وَفِي كتاب ابْن الطلاع: أَنهم كَانُوا من بني سليم، وَفِيه نظر، لِأَن هَاتين القبيلتين لَا يَجْتَمِعَانِ مَعَ العرنيين. وَفِي (مُسْند الشاميين) للطبراني عَن أنس: كَانُوا سَبْعَة: أربة من عرينة وَثَلَاثَة من عكل، فَقيل العرنيين لِأَن أَكْثَرهم كَانَ من عرينة، وَذكرنَا عَن الطَّبَرِيّ نَحوه، ثمَّ إِن قدومه كَانَ فِيمَا ذكره ابْن إِسْحَاق من الْمَغَازِي فِي جمادي الْآخِرَة سنة سِتّ، وَذكره البُخَارِيّ بعد الْحُدَيْبِيَة، وَكَانَت فِي ذِي الْقعدَة مِنْهَا، وَذكر الْوَاقِدِيّ أَنَّهَا كَانَت فِي شَوَّال مِنْهَا، وَتَبعهُ ابْن سعد وَابْن حبَان وَغَيرهمَا، وَذكر الْوَاقِدِيّ أَن السّريَّة كَانَت عشْرين، وَلم يقل من الْأَنْصَار، وسمى مِنْهُم جمَاعَة من الْمُهَاجِرين، مِنْهُم: بريد بن الْحصيب وَسَلَمَة بن الْأَكْوَع الأسلميان وجندب وَرَافِع ابْنا مكيث الجهنيان وَأَبُو زر وَأَبُو رهم الغفاريان وبلال بن الْحَارِث وَعبد الله بن عَمْرو بن عَوْف المزنيان، وَقَالَ بَعضهم: الْوَاقِدِيّ لَا يحْتَج بِهِ إِذا انْفَرد، فَكيف إِذا خَالف؟ قلت: مَا لِلْوَاقِدِي وَهُوَ إِمَام وَثَّقَهُ جمَاعَة مِنْهُم أَحْمد؟ وَالْعجب من هَذَا الْقَائِل، إِنَّه يَقع فِيهِ وَهُوَ أحد مَشَايِخ إِمَامه. وَقَالَ الطَّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى جرير بن عبد الله البَجلِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: قدم قوم من عرينة حُفَاة، فَلَمَّا صحوا واشتدوا قتلوا رُعَاة اللقَاح، ثمَّ خَرجُوا القاح، فَبَعَثَنِي رَسُول الله ﷺ ، فَلَمَّا أدركناهم بعد مَا أشرفوا على بِلَادهمْ ... فَذكره إِلَى أَن قَالَ: فَجعلُوا يَقُولُونَ: المَاء المَاء، وَرَسُول الله ﷺ يَقُول: النَّار النَّار. انْتهى. قلت: هَذَا مُشكل، لِأَن قصَّة العرنيين كَانَت فِي شَوَّال سنة سِتّ كَمَا ذكرنَا، وَإِسْلَام جرير كَانَ فِي السّنة الْعَاشِرَة، وَهَذَا قَول الْأَكْثَرين إلَاّ أَن الطَّبَرَانِيّ وَابْن قَانِع قَالَا: أسلم قَدِيما. فان صَحَّ مَا قَالَاه فَلَا إِشْكَال، وَذكر ابْن سعد أَن عدد اللقَاح كَانَ خمس عشرَة، وَأَنَّهُمْ نحرُوا مِنْهُم وَاحِدَة يُقَال لَهَا: الحنا.
بييان استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: أَن مَالِكًا اسْتدلَّ بِهَذَا الحَدِيث على طَهَارَة بَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمه، وَبِه قَالَ أَحْمد وَمُحَمّد بن الْحسن والإصطخري وَالرُّويَانِيّ الشافعيان، وَهُوَ قَول الشّعبِيّ وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَالزهْرِيّ وَابْن سِيرِين وَالْحكم الثَّوْريّ، وَقَالَ ابو دَاوُد بن علية: بَوْل كل حَيَوَان وَنَحْوه، وَإِن كَانَ لَا يُؤْكَل لَحْمه، طَاهِر غير بَوْل الْآدَمِيّ. وَقَالَ أَبُو حنيفَة وَالشَّافِعِيّ وَأَبُو يُوسُف وَأَبُو ثَوْر وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ: الأبوال كلهَا نَجِسَة إلَاّ مَا عُفيَ عَنهُ، وَأَجَابُوا عَنهُ بِأَن مَا فِي حَدِيث العرنيين قد كَانَ للضَّرُورَة، فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيل على أَنه يُبَاح فِي غير حَال الضَّرُورَة، لِأَن ثمَّة أَشْيَاء أبيحت فِي الضرورات وَلم تبح فِي غَيرهَا، كَمَا فِي لبس الْحَرِير فَإِنَّهُ حرَام على الرِّجَال وَقد ابيح لبسه فِي الْحَرْب أَو للحكة أَو لشدَّة الْبرد إِذا لم يجد غَيره، وَله أَمْثَال كَثِيرَة فِي الشَّرْع، وَالْجَوَاب الْمقنع فِي ذَلِك أَنه، ﵊، عرف بطرِيق الْوَحْي شفاهم، والاستشفاء بالحرام جَائِز عِنْد التيقن
стр. 781
بِحُصُول الشِّفَاء، كتناول الْميتَة فِي المخصمة، وَالْخمر عِنْد الْعَطش، وإساغة اللُّقْمَة، وَإِنَّمَا لَا يُبَاح مَا لَا يستيقن حُصُول الشِّفَاء بِهِ. وَقَالَ ابْن حزم: صَحَّ يَقِينا أَن رَسُول الله ﷺ إِنَّمَا أَمرهم بذلك على سَبِيل التَّدَاوِي من السقم الَّذِي كَانَ أَصَابَهُ، وَأَنَّهُمْ صحت أجسامهم بذلك، والتداوي منزلَة ضَرُورَة. وَقد قَالَ : ﴿إلَاّ مَا اضطررتم إِلَيْهِ﴾ (الْأَنْعَام: ١١٩) فَمَا اضْطر الْمَرْء إِلَيْهِ فَهُوَ غير محرم عَلَيْهِ من المآكل والمشارب. وَقَالَ شمس الائمة: حَدِيث أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قد رَوَاهُ قَتَادَة عَنهُ أَنه رخص لَهُم فِي شرب ألبان الْإِبِل. وَلم يذكر الأبوال، وَإِنَّمَا ذكره فِي رِوَايَة حميد الطَّوِيل عَنهُ، والْحَدِيث حِكَايَة حَال، فَإِذا دَار بَين أَن يكون حجَّة أَو لَا يكون حجَّة سقط الِاحْتِجَاج بِهِ، ثمَّ نقُول: خصهم رَسُول الله ﷺ بذلك لِأَنَّهُ عرف من طَرِيق الْوَحْي أَن شفاءهم فِيهِ وَلَا يُوجد مثله فِي زَمَاننَا، وَهُوَ كَمَا خص الزبير، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، بِلبْس الْحَرِير لحكة كَانَت بِهِ، أَو للقمل، فَإِنَّهُ كَانَ كثير الْقمل، أَو لأَنهم كَانُوا كفَّارًا فِي علم الله تَعَالَى وَرَسُوله، ﵇، علم من طَرِيق الْوَحْي أَنهم يموتون على الرِّدَّة، ولايبعد أَن يكون شِفَاء الْكَافِر بِالنَّجسِ. انْتهى. فَإِن قلت: هَل لأبوال الْإِبِل تَأْثِير فِي الِاسْتِشْفَاء حَتَّى أَمرهم ﷺ بذلك؟ قلت: قد كَانَت إبِله ﷺ ترعى الشيح والقيصوم، وأبوال الْإِبِل الَّتِي ترعى ذَلِك وَأَلْبَانهَا تدخل فِي علاج نوع من أَنْوَاع الِاسْتِشْفَاء، فَإِذا كَانَ كَذَلِك كَانَ الْأَمر فِي هَذَا أَنه، ﵊، عرف من طَرِيق الْوَحْي كَون هَذِه للشفاء، وَعرف أَيْضا مرضهم الَّذِي تزيله هَذِه الأبوال، فَأَمرهمْ لذَلِك، وَلَا يُوجد هَذَا فِي زَمَاننَا، حَتَّى إِذا فَرضنَا أَن أحدا عرف مرض شخص بِقُوَّة الْعلم، وَعرف أَنه لَا يُزِيلهُ إلَاّ بتناول الْمحرم، يُبَاح لَهُ حِينَئِذٍ أَن يتَنَاوَلهُ، كَمَا يُبَاح شرب الْخمر عِنْد الْعَطش الشَّديد، وَتَنَاول الْميتَة عِنْد المخمصة، وَأَيْضًا التَّمَسُّك بِعُمُوم قَوْله ﷺ : (استنزهوا من الْبَوْل فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ) . أولى لِأَنَّهُ ظَاهر فِي تنَاول جَمِيع الأبوال، فَيجب اجتنابها لهَذَا الْوَعيد، والْحَدِيث رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَة وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَغَيره مَرْفُوعا.
وَمن الاحكام نظر الإِمَام فِي مصَالح قدوم الْقَبَائِل والغرباء إِلَيْهِ، وَأمره لَهُم بِمَا يُنَاسب حَالهم وَإِصْلَاح أبدانهم.
وَمِنْهَا: جَوَاز التطبب وطب كل جَسَد بِمَا اعتاده، وَلِهَذَا أفرد البُخَارِيّ بَابا لهَذَا الحَدِيث وَترْجم عَلَيْهِ: الدَّوَاء بأبوال الْإِبِل وَأَلْبَانهَا.
وَمِنْهَا: ثُبُوت أَحْكَام الْمُحَاربَة فِي الصَّحرَاء، فَإِنَّهُ ﷺ بعث فِي طَلَبهمْ لما بلغه فعلهم بالرعاء، وَاخْتلف الْعلمَاء فِي ثُبُوت أَحْكَامهَا فِي الْأَمْصَار، فنفاه أَبُو حنيفَة، وأثبته مَالك وَالشَّافِعِيّ. وَمِنْهَا: شَرْعِيَّة الْمُمَاثلَة فِي الْقصاص. وَمِنْهَا: جَوَاز عُقُوبَة الْمُحَاربين، وَهُوَ مُوَافق لقَوْله تَعَالَى: ﴿انما جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله ... ﴾ (الْمَائِدَة: ٣٣) الْآيَة، وَهل كلمة: أَو، فِيهَا للتَّخْيِير أَو للتنويع قَولَانِ. وَمِنْهَا: قتل الْمُرْتَد من غير اسْتِتَابَة، وَفِي كَونهَا وَاجِبَة أَو مُسْتَحبَّة خلاف مَشْهُور، وَقيل: هَؤُلَاءِ حَاربُوا، وَالْمُرْتَدّ إِذا حَارب لَا يستناب لِأَنَّهُ يجب قَتله، فَلَا معنى للاستتابة.
الاسئلة والاجوبة الأول: لَو كَانَت أَبْوَال الْإِبِل مُحرمَة الشّرْب لما جَازَ التَّدَاوِي بهَا لما روى أَبُو دَاوُد من حَدِيث أم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: (إِن الله تَعَالَى لم يَجْعَل شِفَاء امتي فِيمَا حرم عَلَيْهَا) . وَأجِيب: بِأَنَّهُ مَحْمُول على حَالَة الِاخْتِيَار، وَأما حَالَة الِاضْطِرَار فَلَا يكون حَرَامًا: كالميتة للْمُضْطَر، كَمَا ذكرنَا. وَقَالَ ابْن حزم: هَذَا حَدِيث بَاطِل، لِأَن فِي مُسْنده سُلَيْمَان الشَّيْبَانِيّ وَهُوَ مَجْهُول. قلت: أخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) وَصَححهُ، قَالَ: حَدثنَا أَحْمد بن الْمثنى، قَالَ: أخبرنَا أَبُو خَيْثَمَة، قَالَ: حَدثنَا جرير عَن الشَّيْبَانِيّ عَن حسان بن الْمخَارِق قَالَ: (قَالَت أم سَلمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا: اشتكت ابْنة لي، فنبذت لَهَا فِي كوز، فَدخل النَّبِي ﷺ وَهُوَ يغلي فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقلت: اشتكت ابْنَتي فنبذنا لَهَا هَذَا: فَقَالَ، ﵊: إِن الله لم يَجْعَل شفاءكم فِي حرَام) . وَقَول ابْن حزم: أَن فِي سَنَده سلمَان وهم، وَإِنَّمَا هُوَ: سُلَيْمَان، بِزِيَادَة الْيَاء آخر الْحُرُوف، وَهُوَ أحد الثِّقَات، أخرج عَنهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي (صَحِيحَيْهِمَا) فَإِن قلت: يرد عَلَيْهِ قَوْله، ﵊ فِي الْخمر: إِنَّهَا لَيست بدواء وَإِنَّهَا دَاء، فِي جَوَاب من سَأَلَ عَن التَّدَاوِي بهَا. قلت: هَذَا رُوِيَ عَن سُوَيْد بن طَارق: (أَنه سَأَلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْخمر فَنَهَاهُ، ثمَّ سَأَلَهُ فَنَهَاهُ، فَقَالَ يَا نَبِي الله: إِنَّهَا دَوَاء! فَقَالَ: لَا، وَلكنهَا دَاء) . وَأجَاب ابْن حزم عَن ذَلِك فَقَالَ: لَا حجَّة فِيهِ، لِأَن فِي سَنَده: سماك بن حَرْب، وَهُوَ يقبل التَّلْقِين، شهد عَلَيْهِ بذلك شُعْبَة وَغَيره، وَلَو صَحَّ لم يكن فِيهِ حجَّة، لِأَن فِيهِ: أَن الْخمر لَيْسَ بدواء، وَلَا خلاف بَيْننَا فِي أَنَّهَا لَيْسَ بداوء فَلَا يحل تنَاوله، وَقد أجَاب بَعضهم بِأَن ذَلِك خَاص بِالْخمرِ، ويلتحق بهَا غَيرهَا من المسكرات. قلت: فِيهِ نظر، لِأَن دَعْوَى
стр. 782
الخصوصية بِلَا دَلِيل لَا تسمع، وَالْجَوَاب الْقَاطِع أَن هَذَا مَحْمُول على حَالَة الِاخْتِيَار كَمَا ذكرنَا. فان قلت: رُوِيَ عَن ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا: (كَانَت الْكلاب تبول وَتقبل وتدبر فِي الْمَسْجِد فَلم يَكُونُوا يرشون شَيْئا) ، وَرُوِيَ عَن جَابر والبراء، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، مَرْفُوعا: (مَا أكل لَحْمه فَلَا بَأْس ببوله) . وَحَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، الْآتِي ذكره فِي بَاب: إِذا القى على ظهر الْمُصَلِّي قذر أَو جيفة لم تفْسد عَلَيْهِ صلَاته، والْحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي ورد فِي غَزْوَة تَبُوك: (فَكَانَ الرجل ينْحَر بعيره فيعصر فرثه فيشربه وَيجْعَل مَا بَقِي على كبده) . قلت: أما حَدِيث ابْن عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، فَغير مُسْند، لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنه، ﵊، علم بذلك. وَأما حَدِيث جَابر والبراء فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَضَعفه. وَأما حَدِيث ابْن مَسْعُود فَلِأَنَّهُ كَانَ بِمَكَّة قيل وُرُود الحكم بِتَحْرِيم النجو وَالدَّم، وَقَالَ ابْن حزم: هُوَ مَنْسُوخ بِلَا شكّ. وَأما حَدِيث غَزْوَة تَبُوك فقد قيل: إِنَّه كَانَ للتداوي، وَقَالَ ابْن خُزَيْمَة: لَو كَانَ الفرث إِذا عصره نجسا لم يجز للمرء أَن يَجعله على كبده.
السُّؤَال الثَّانِي: مَا وَجه تعذيبهم بالنَّار وَهُوَ تسمير أَعينهم بمسامير محمية، كَمَا ذكرنَا، وَقد نهى النَّبِي ﷺ عَن التعذيب بالنَّار؟ الْجَواب: أَنه كَانَ قبل نزُول الْحُدُود، وَآيَة الْمُحَاربَة وَالنَّهْي عَن الْمثلَة، فَهُوَ مَنْسُوخ. وَقيل: لَيْسَ بمنسوخ، وَإِنَّمَا فعل النَّبِي ﷺ بِمَا فعل قصاصا لأَنهم فعلوا بالرعاة مثل ذَلِك. وَقد رَوَاهُ مُسلم فِي بعض طرقه، وَلم يذكرهُ البُخَارِيّ. قَالَ الْمُهلب: إِنَّمَا لم يذكرهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ من شَرطه. وَيُقَال: فَلذَلِك بوب البُخَارِيّ فِي كِتَابه، وَقَالَ: بَاب إِذا حرق الْمُشرك هَل يحرق؟ وَوَجهه أَنه ﷺ لما سمل أَعينهم، وَهُوَ تحريق بالنَّار، اسْتدلَّ بِهِ أَنه لما جَازَ تحريق أَعينهم بالنَّار، وَلَو كَانُوا لم يحرقوا أعين الرعاء، أَنه أولى بِالْجَوَازِ بتحريق الْمُشرك إِذا أحرق الْمُسلم. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: وَكَانَ البُخَارِيّ جمع بَين حَدِيث: (لَا تعذبوا بِعَذَاب الله) ، وَبَين هَذَا، بِحمْل الأول على غير سَبَب، وَالثَّانِي على مُقَابلَة السَّيئَة بِمِثْلِهَا من الْجِهَة الْعَامَّة، وَإِن لم يكن من نوعها الْخَاص، وإلَاّ فَمَا فِي هَذَا الحَدِيث أَن العرنيين فعلوا ذَلِك بالرعاة. وَقيل: النَّهْي عَن الْمثلَة نهي تَنْزِيه لَا نهي تَحْرِيم.
السُّؤَال الثَّالِث: إِن الْإِجْمَاع قَامَ على أَن من وَجب عَلَيْهِ الْقَتْل فَاسْتَسْقَى المَاء إِنَّه لَا يمْنَع مِنْهُ لِئَلَّا يجْتَمع عَلَيْهِ عذابان؟ الْجَواب: أَنه إِنَّمَا لم يسقوا هُنَاكَ معاقبة لجنايتهم، لِأَنَّهُ، ﷺ ، دَعَا عَلَيْهِم، فَقَالَ: عطَّش الله من عطَّش آل مُحَمَّد اللَّيْلَة. أخرجه النَّسَائِيّ: فَأجَاب الله دعاءه، وَكَانَ ذَلِك بِسَبَب أَنهم منعُوا فِي تِلْكَ اللَّيْلَة إرْسَال مَا جرت بِهِ الْعَادة من اللَّبن الَّذِي كَانَ يراح بِهِ النَّبِي ﷺ من لقاحه فِي كل لَيْلَة، كَمَا ذكره ابْن سعد، وَلِأَنَّهُم ارْتَدُّوا فَلَا حُرْمَة لَهُم. وَقَالَ القَاضِي عِيَاض: لم يَقع نهي من النَّبِي ﷺ عَن سقيهم وَفِيه نظر لِأَنَّهُ، ﷺ ، اطلع على ذَلِك، وسكوته كافٍ فِي ثُبُوت الحكم. وَقَالَ النَّوَوِيّ: الْمُحَارب لَا حُرْمَة لَهُ فِي سقِِي المَاء وَلَا فِي غَيره، وَيدل عَلَيْهِ أَن من لَيْسَ مَعَه مَاء إلَاّ لطهارته لَيْسَ لَهُ أَن يسْقِيه الْمُرْتَد وَيتَيَمَّم، بل يَسْتَعْمِلهُ وَلَو مَاتَ الْمُرْتَد عطشاً. وَقَالَ الْخطابِيّ: إِنَّمَا فعل بهم النَّبِي ﷺ ذَلِك لِأَنَّهُ أَرَادَ بهم الْمَوْت بذلك، وَفِيه نظر لَا يخفى، وَقيل: إِن الْحِكْمَة فِي تعطيشهم لكَوْنهم كفرُوا بِنِعْمَة سقِِي ألبان الْإِبِل الَّتِي حصل لَهُم بهَا الشِّفَاء من الْجزع والوخم، وَفِيه ضعف.
قالَ أبُو قِلَابَةَ فَهَؤُلاءِ سَرَقُوا وقتَلُوا وَكَفَرُوا بَعد إيمانِهِمْ وَحارَبُوا الله وَرَسُولَهُ.
ابو قلَابَة: عبد الله، وَقَوله هَذَا إِن كَانَ دَاخِلا فِي قَول أَيُّوب بِأَن يكون مقولاً لَهُ يكون دَاخِلا تَحت الْإِسْنَاد، وَإِن كَانَ مقول البُخَارِيّ يكون تَعْلِيقا مِنْهُ. وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا قَالَه أَبُو قلَابَة استنباطاً، ثمَّ قَالَ: وَلَيْسَ مَوْقُوفا على أبي قلَابَة كَمَا توهمه بَعضهم. قلت: كَلَامه متناقض لَا يخفى. قَوْله: (سرقوا) إِنَّمَا أطلق عَلَيْهِم سراقاً لِأَن أَخذهم اللقَاح سَرقَة لكَونه من حرز بِالْحَافِظِ. قَوْله: (وحاربوا الله وَرَسُوله) وَأطلق عَلَيْهِم محاربين لما ثَبت عِنْد أَحْمد من رِوَايَة حميد عَن أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي أصل الحَدِيث، وهربوا محاربين.
٢٣٤ - حدّثنا آدَمُ قالَ حدّثنا شُعْبَةُ قَالَ أخبرنَا أبُو النَّيَّاحِ يَزِيدُ بنُ حُمَيْدٍ أَنَسٍ قالَ كانَ النبِيُّ ﷺ يُصَلِّي قَبْلَ أنْ يُبْنَى المَسْجِدُ فِي مَرَابِض الغَنَمِ..
هَذَا أحد حَدِيثي الْبَاب، وَهُوَ مُطَابق لآخر التَّرْجَمَة.
بَيَان رِجَاله وهم أَرْبَعَة: آدم بن أبي اياس، وَشعْبَة بن
стр. 783
الْحجَّاج، تقدما فِي كتاب الْإِيمَان، وابو التياح؛ بِفَتْح التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق وَتَشْديد الْيَاء آخر الْحُرُوف وَفِي آخِره حاء مُهْملَة، واسْمه يزِيد، تقدم فِي بَاب: مَا كَانَ النَّبِي، صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، يتخولهم.
بَيَان لطائف اسناده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: الْإِخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع. وَفِيه: العنعنة فِي مَوضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين خراساني وكوفي وبصري.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هُنَا عَن آدم، وَفِي الصَّلَاة عَن سُلَيْمَان بن حَرْب. وَأخرجه مُسلم فِي الصَّلَاة مُخْتَصرا، كَمَا هَهُنَا عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه وَعَن يحيى بن حبيب. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن مُحَمَّد بن بشار عَن يحيى الْقطَّان، وَعَن آدم فِي الْمَغَازِي عَن عبيد الله بن معَاذ عَن أَبِيه، وَعَن أبي بكر عَن عبيد بن سعيد، وَعَن مُحَمَّد ابْن الْوَلِيد عَن غنْدر، خمستهم عَن شُعْبَة عَنهُ بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الْعلم عَن بنداربه.
بَيَان لغته قد مر فِي أول الْبَاب، وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: أجمع كل من يحفظ عَنهُ الْعلم على إِبَاحَة الصَّلَاة فِي مرابض الْغنم إلَاّ الشَّافِعِي، فَإِنَّهُ قَالَ: لَا إِكْرَاه الصَّلَاة فِي مرابض الْغنم إِذا كَانَ سليما من أبعارها وَأَبْوَالهَا، وَمِمَّنْ روى عَنهُ إجَازَة ذَلِك، وَفعله ابْن عمر وَجَابِر وَأَبُو ذَر وَالزُّبَيْر وَالْحسن وَابْن سِيرِين وَالنَّخَعِيّ وَعَطَاء. وَقَالَ ابْن بطال: حَدِيث الْبَاب حجَّة على الشَّافِعِي، ﵁، لِأَن الحَدِيث لَيْسَ فِيهِ تَخْصِيص مَوضِع من آخر، وَمَعْلُوم أَن مرابضها لَا تسلم من البعر وَالْبَوْل، فَدلَّ على الْإِبَاحَة وعَلى طَهَارَة الْبَوْل والبعر. قلت: قد اسْتدلَّ بِهِ من يَقُول بِطَهَارَة بَوْل الْمَأْكُول لَحْمه وروثه، وَقَالُوا: لِأَن المرابض لَا تَخْلُو عَن ذَلِك، فَدلَّ على أَنهم كَانُوا يباشرونها فِي صلواتهم فَلَا تكون نَجِسَة. وَأجَاب مخالفوهم بِاحْتِمَال وجود الْحَائِل، ورد عَلَيْهِم بِأَنَّهُم لم يَكُونُوا يصلونَ على حَائِل دون الأَرْض، ورد عَلَيْهِم بِأَنَّهُ شَهَادَة على النَّفْي وَأَيْضًا فقد ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن أنس أَن النَّبِي ﷺ صلى على حَصِير فِي دَارهم، وَصَحَّ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنه، ﵇، كَانَ يُصَلِّي على الْخمْرَة. وَقَالَ ابْن حزم: هَذَا الحَدِيث يَعْنِي حَدِيث الْبَاب مَنْسُوخ لِأَن فِيهِ أَن ذَلِك كَانَ قبل أَن يَبْنِي الْمَسْجِد، فَاقْتضى أَنه فِي أول الْهِجْرَة، ورد عَلَيْهِ بِمَا صَحَّ عَن عَائِشَة، ﵂، أَنه، ﷺ : (امرهم بِبِنَاء الْمَسَاجِد فِي الدّور، وَأَن تطيب وتنظف) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَأحمد وَغَيرهمَا، وَصَححهُ ابْن خُزَيْمَة وَغَيره، وَلأبي دَاوُد نَحوه من حَدِيث سَمُرَة، وَزَاد: وَإِن تطهرها، قَالَ: وَهَذَا بعد بِنَاء الْمَسْجِد، وَمَا ادَّعَاهُ من النّسخ يَقْتَضِي الْجَوَاز ثمَّ الْمَنْع، وَيرد هَذَا أُذُنه، ﵇، وَفِي الصَّلَاة فِي مرابض الْغنم. وَفِي (صَحِيح ابْن حبَان) عَن أبي هُرَيْرَة، قَالَ: رَسُول الله، ﷺ : إِن لم تَجدوا إلَاّ مرابض الْغنم وأعطان الْإِبِل فصلوا فِي مرابض الْغنم وَلَا تصلوا فِي أعطان الْإِبِل. قَالَ الطوسي وَالتِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح. وَفِي (تَارِيخ نيسابور) من حَدِيث أبي حبَان عَن ابي زرْعَة عَنهُ مَرْفُوعا: (الْغنم من دَوَاب الْجنَّة فامسحوا رغامها وصلوا فِي مرابضها) . وَعند الْبَزَّار فِي (مُسْنده) : (أَحْسنُوا إِلَيْهَا وأميطوا عَنْهَا الْأَذَى) . وَفِي حَدِيث عبد الله بن الْمُغَفَّل: (صلوا فِي مرابض الْغنم وَلَا تصلوا فِي أعطان الْإِبِل فَإِنَّهَا خلقت من الشَّيَاطِين) . قَالَ الْبَيْهَقِيّ) كَذَا رَوَاهُ جمَاعَة. وَقَالَ بضعهم: كُنَّا نؤمر، وَلم يذكر النَّبِي، ﷺ . وَفِي لفظ: (إِذا أدركتكم الصَّلَاة وَأَنْتُم فِي مراح الْغنم فصلوا فِيهَا، فَإِنَّهَا سكينَة وبركة، وَإِذا أدركتكم الصَّلَاة وَأَنْتُم فِي أعطان الْإِبِل فاخرجوا مِنْهَا فَإِنَّهَا جن خلقت من الْجِنّ. أَلا ترى أَنَّهَا إِذا نفرت كَيفَ تشمخ بأنفها) . وَفِي مُسْند عبد الله بن وهب الْبَصْرِيّ عَن سعيد بن أبي أَيُّوب عَن رجل حَدثهُ عَن ابْن الْمُغَفَّل: (نهى النَّبِي، ﵊، أَن يُصَلِّي فِي معاطن الْإِبِل، وَأمر أَن يُصَلِّي فِي مراح الْبَقر وَالْغنم) . وَعند ابْن مَاجَه بِسَنَد صَحِيح من حَدِيث عبد الْملك بن الرّبيع بن سُبْرَة عَن أَبِيه عَن جده، مَرْفُوعا: (لَا يُصَلِّي فِي أعطان الْإِبِل، وَيُصلي فِي مراح الْغنم) . وَعند ابي الْقَاسِم بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ عَن عقبَة بت عَامر: (صلوا فِي مرابض الْغنم) . وَكَذَا رَوَاهُ ابْن عمر وَأسيد بن حضير، وَعند ابْن خُزَيْمَة من حَدِيث الرَّاء: (سُئِلَ، ﷺ ، عَن الصَّلَاة فِي مرابض الْغنم؟ فَقَالَ: صلوا فِيهَا فَإِنَّهَا بركَة) . وَقَالَ ابْن الْمُنْذر: يجوز الصَّلَاة أَيْضا فِي مراح الْبَقر لعُمُوم قَوْله، ﵊: (أَيْنَمَا أَدْرَكتك الصَّلَاة فصلِّ) . وَهُوَ قَول عَطاء وَمَالك. قلت: ذهل ابْن الْمُنْذر عَن حَدِيث عبد الله بن وهب الَّذِي ذَكرْنَاهُ آنِفا حَتَّى اسْتدلَّ بذلك، فَلَو وقف عَلَيْهِ لاستدل بِهِ. وَالله تَعَالَى أعلم.
стр. 784
٦٧ - (بابُ مَا يَقَعُ مِنَ النَّجَاسات فِي السِّمْنِ والمَاءِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم وُقُوع النَّجَاسَة فِي السّمن وَالْمَاء، فكلمة: مَا، مَصْدَرِيَّة وَكلمَة: من بَيَانِيَّة. وَقَالَ بَعضهم: بَاب مَا يَقع ... الخ. أَي: هَل ينجسهما أم لَا؟ أَو: لَا ينجس المَاء إلَاّ إِذا تغير دون غَيره. قلت: لَا حَاجَة إِلَى هَذَا التَّفْسِير، فَكَأَنَّهُ لما خَفِي عَلَيْهِ الْمَعْنى الَّذِي ذَكرْنَاهُ قدر مَا قدره.
فان قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَالْبَاب الَّذِي قبله؟ قلت: من حَيْثُ إِن فِي هَذَا الْبَاب السَّابِق ذكر بَوْل مَا يُؤْكَل لَحْمه، وَالْبَوْل فِي نَفسه نجس، وَكَذَلِكَ فِي هَذَا الْبَاب ذكر الْفَأْرَة الَّتِي هِيَ نجس، وَذكر الدَّم كَذَلِك وَالْإِشَارَة إِلَى أحكامهما على مَا جَاءَ من السّلف وَمن الحَدِيث.
وَقَالَ الزُّهْري لَا بأْسَ بالمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أوْ رِيحٌ أوْلَوْنٌ
الزُّهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم بن شهَاب الْفَقِيه الْمدنِي، نزيل الشَّام، ثمَّ الْكَلَام فِيهِ على أَنْوَاع. الأول: أَن هَذَا تَعْلِيق من البُخَارِيّ، وَلكنه مَوْصُول عَن عبد الله بن وهب فِي مُسْند: حَدثنَا يُونُس عَن ابْن شهار أَنه قَالَ: كل مَا فضل مِمَّا يُصِيبهُ من الْأَذَى حَتَّى لَا يُغير ذَلِك طعمه وَلَا لَونه وَلَا رِيحه، فَلَا بَأْس أَن يتَوَضَّأ بِهِ. وَورد فِي هَذَا الْمَعْنى حَدِيث عَن أبي أُمَامَة الْبَاهِلِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (إِن المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء إلَاّ مَا غلب على رِيحه وطعمه ولونه) . روايه ابْن مَاجَه: حَدثنَا مَحْمُود ابْن خَالِد وَالْعَبَّاس بن الْوَلِيد الدمشقيان قَالَ: حَدثنَا مَرْوَان بن مُحَمَّد حَدثنَا رشدين، أخبرنَا مُعَاوِيَة بن صَالح عَن رَاشد ابْن سعد عَن أبي أُمَامَة، ﵁، وَقَالَ الدراقطني: إِنَّمَا يَصح هَذَا من قَول رَاشد بن سعد وَلم يرفعهُ غير رشدين. قلت: وَفِيه نظر، لِأَن أَبَا أَحْمد بن عدي رَوَاهُ فِي (الْكَامِل) من طَرِيق أَحْمد بن عمر عَن حَفْص بن عمر حَدثنَا ثَوْر بن يزِيد عَن رَاشد بن سعد عَن أبي أُمَامَة فرفعه. وَقَالَ: لم يروه عَن ثَوْر إلَاّ حَفْص. قلت: وَفِيه نظر أَيْضا، لِأَن الْبَيْهَقِيّ رَوَاهُ من حَدِيث ابي الْوَلِيد عَن الساماني عَن عَطِيَّة بن بَقِيَّة بن الْوَلِيد عَن أَبِيه عَن ثَوْر، وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: والْحَدِيث غير قوي إلَاّ أَنا لَا نعلم فِي نَجَاسَة المَاء إِذا تغير بِالنَّجَاسَةِ خلافًا.
النَّوْع الثَّانِي فِي مَعْنَاهُ: قَوْله: (لَا بَأْس) أَي: لَا حرج فِي اسْتِعْمَال مَاء مُطلقًا مَا لم يُغَيِّرهُ طعم أَو ريح أَو لون. وَقَوله: (لم يُغَيِّرهُ) ، جملَة من الْفِعْل وَالْمَفْعُول. وَقَوله: (طعم) بِالرَّفْع فَاعله، وَحَاصِل الْمَعْنى: كل مَاء طَاهِر فِي نَفسه وَلَا يَتَنَجَّس بِإِصَابَة الْأَذَى، أَي: النَّجَاسَة إلَاّ إِذا تغير أحد الْأَشْيَاء الثَّلَاثَة مِنْهُ، وَهِي: الطّعْم وَالرِّيح واللون. فان قلت: الطّعْم أَو الرّيح أَو اللَّوْن هُوَ المغير، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف الْمُشَدّدَة، لَا المغير على صِيغَة الْفَاعِل، والمغير، بِالْكَسْرِ هُوَ الشَّيْء النَّجس الَّذِي يخالطه، فَكيف يَجْعَل الطّعْم أَو الرّيح أَو اللَّوْن مغيراً على صِيغَة الْفَاعِل على مَا وَقع فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، وَأما الَّذِي فِي عبارَة عبد الله بن وهب فَهُوَ على الأَصْل. قلت: المغير فِي الْحَقِيقَة هُوَ المَاء، وَلَكِن تَغْيِيره لما كَانَ لم يعلم إلَاّ من جِهَة الطّعْم أَو الرّيح أَو اللَّوْن فَكَأَنَّهُ صَار هُوَ المغير، وَهُوَ من قبيل ذكر السَّبَب، وَإِرَادَة الْمُسَبّب. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لَا بَأْس، أَي لَا يَتَنَجَّس المَاء بوصول النَّجس إِلَيْهِ قَلِيلا أَو كثيرا، بل لَا بُد من تغير أحد الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة فِي تنجسه، وَالْمرَاد من لفظ: مَا لم يُغَيِّرهُ طعمه، مَا لم يتَغَيَّر طعمه. فَنَقُول: لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُرَاد بالطعم، الْمَذْكُور فِي لفظ الزُّهْرِيّ، طعم المَاء أَو طعم الشَّيْء المنجس، فعلى الأول مَعْنَاهُ: مَا لم يُغير المَاء عَن حَاله الَّتِي خلق عَلَيْهَا طعمه، وتغيره طعمه لَا بُد أَن يكون بِشَيْء نجس، إِذا الْبَحْث فِيهِ. وعَلى الثَّانِي مَعْنَاهُ: مَا لم يُغير المَاء طعم النَّجس، وَيلْزم مِنْهُ تغير طعم المَاء، إِذْ لَا شكّ أَن الطّعْم هُوَ المغير للطعم، واللون للون، وَالرِّيح للريح، إِذْ الْغَالِب أَن الشَّيْء يُؤثر فِي الملاقي بِالنِّسْبَةِ، وَجعل الشَّيْء متصفاً بِوَصْف نَفسه، وَلِهَذَا يُقَال: لَا يسخن إلَاّ الْحَار، وَلَا يبرد إلَاّ الْبَارِد، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مَا لم يُغير طعم المَاء طعم الملاقي النَّجس، أَو لَا بَأْس، مَعْنَاهُ: لَا يَزُول طهوريته مَا لم يُغَيِّرهُ طعم من الطعوم الطاهرة اَوْ النَّجِسَة. نعم، إِن كَانَ المغير طعماً نجسا يُنجسهُ، وَإِن كَانَ طَاهِرا يزِيل طهوريته لَا طَهَارَته، فَفِي الْجُمْلَة فِي اللَّفْظ تعقيد. انْتهى. قلت: تَفْسِيره هَكَذَا هُوَ عين التعقيد لِأَنَّهُ فسر قَوْله: (لَا بَأْس) بمعنيين: أَحدهمَا بقوله: (أَي لَا يَتَنَجَّس) إِلَى آخِره، وَالْآخر بقوله: (لَا يَزُول طهوريته) . وكلا المغنيين لَا يساعدهما اللَّفْظ، بل هُوَ خَارج عَنهُ. وَقَوله: (المغير للطعم هُوَ الطّعْم) غير سديد،
стр. 785
لَان المغير للطعم، وَهُوَ الشَّيْء الملاقي لَهُ، وَكَذَلِكَ اللَّوْن وَالرِّيح، وَكَذَلِكَ قَوْله: (المُرَاد من لفظ مَا لم يُغَيِّرهُ طعمه مَا لم يتَغَيَّر طعمه) غير موجه، لِأَنَّهُ تَفْسِير للْفِعْل الْمُتَعَدِّي بِالْفِعْلِ اللَّازِم، من غير وَجه، وَكَذَلِكَ ترديده بقوله: لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يُرَاد بالطعم الْمَذْكُور ... إِلَى آخِره، غير موجه لِأَن الضَّمِير الْمَنْصُوب فِي: لم يُغَيِّرهُ، يرجع إِلَى المَاء، فَيكون الْمَعْنى على هَذَا: لَا بَأْس بِالْمَاءِ مَا لم يُغَيِّرهُ طعم المَاء، وَطعم المَاء ذاتي، فَكيف يُغير ذَات المَاء؟ وَإِنَّمَا بِغَيْرِهِ طعم الشَّيْء الملاقي، وَالْفرق بَين الطعمين ظَاهر.
النَّوْع الثَّالِث فِي استنباط الحكم مِنْهُ استنبط مِنْهُ: أَن مَذْهَب الزُّهْرِيّ فِي المَاء الَّذِي يخالطه شَيْء نجس الِاعْتِبَار بتغيره بذلك من غير فرق بَين الْقَلِيل وَالْكثير، وَهُوَ مَذْهَب جمَاعَة من الْعلمَاء، وشنع أَبُو عبيد فِي (كتاب الطّهُور) على من ذهب إِلَى هَذَا بِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ أَن: من بَال فِي إبريق وَلم يُغير للْمَاء وَصفا إِنَّه يجوز لَهُ التطهر بِهِ، هُوَ مستشنع. قَالَ بَعضهم: وَلِهَذَا نصر قَول التَّفْرِيق بالقلتين. قلت: كَيفَ ينصر هَذَا بِحَدِيث الْقلَّتَيْنِ، وَقد قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ مَدَاره على علته، أَو مُضْطَرب فِي الرِّوَايَة، أَو مَوْقُوف، وحسبك أَن الشَّافِعِي رِوَايَة عَن الْوَلِيد بن كثير وَهُوَ إباضي. وَاخْتلفت رِوَايَته فَقيل: قُلَّتَيْنِ، وَقيل: قُلَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا. وَرُوِيَ أَرْبَعُونَ قلَّة، وَرُوِيَ أَرْبَعُونَ فرقا، ووقف على أبي هُرَيْرَة وَعبيد الله بن عمر، وَقَالَ الْيَعْمرِي: حكم ابْن مَنْدَه بِصِحَّتِهِ على شَرط مُسلم من جِهَة الروَاة، وَلكنه أعرض عَن جِهَة الرِّوَايَة بِكَثْرَة الِاخْتِلَاف فِيهَا وَالِاضْطِرَاب، وَلَعَلَّ مُسلما تَركه لذَلِك. قلت: وَكَذَلِكَ لم يُخرجهُ البُخَارِيّ لاخْتِلَاف وَقع فِي إِسْنَاده. وَقَالَ أَبُو عمر فِي (التَّمْهِيد) : مَا ذهب إِلَى الشَّافِعِي من حَدِيث الْقلَّتَيْنِ مَذْهَب ضَعِيف من جِهَة النّظر، غير ثَابت فِي الْأَثر، لِأَنَّهُ قد تكلم فِيهِ جمَاعَة من أهل الْعلم بِالنَّقْلِ. وَقَالَ الدبوسي فِي كتاب (الْأَسْرَار) : هُوَ خبر ضَعِيف، وَمِنْهُم من لم يقبله، لِأَن الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ لم يعملوا بِهِ. وَقَالَ ابْن بطال: وَمذهب الزُّهْرِيّ هُوَ قَول الْحسن وَالنَّخَعِيّ وَالْأَوْزَاعِيّ، وَمذهب أهل الْمَدِينَة، وَهِي رِوَايَة أبي مُصعب عَن مَالك، وروى عَنهُ ابْن الْقَاسِم أَن قَلِيل المَاء ينجس بِقَلِيل النَّجَاسَة، وَإِن لم يظْهر فِيهِ. وَهُوَ قَول الشَّافِعِي، وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنى عَن عبد الله بن عَبَّاس وَابْن مَسْعُود وَسَعِيد بن الْمسيب على اخْتِلَاف عَنهُ، وَسَعِيد بن جُبَير، وَهُوَ قَول اللَّيْث وَابْن صَالح بن حَيّ وَدَاوُد بن عَليّ وَمن تبعه، وَهُوَ مَذْهَب أهل الْبَصْرَة. وَقد قَالَ بعض أَصْحَابنَا: هُوَ الصَّحِيح فِي النّظر، وثابت بالأثر من ذَلِك صب المَاء على بَوْل الْأَعرَابِي.
وَحَدِيث بِئْر بضَاعَة، وَحَدِيث ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا؛ المَاء لَا يُنجسهُ شَيْء، وَمذهب أَصْحَابنَا المَاء إِمَّا جارٍ أَو راكد، قَلِيل أَو كثير؛ فالجاري إِذا وَقعت فِيهِ النَّجَاسَة وَكَانَت غير مرئية كالبول وَالْخمر وَنَحْوهمَا فَإِنَّهُ لَا ينجس مَا لم يتَغَيَّر لَونه أَو طعمه أَو رِيحه، وَإِن كَانَت مرئية كالجيفة وَنَحْوهَا فَإِنَّهُ لَا ينجس. فَإِن كَانَ يجْرِي عَلَيْهَا جَمِيع المَاء لَا يجوز التَّوَضُّؤ بِهِ من أَسْفَلهَا، وان كَانَ يجْرِي أَكْثَرهَا عَلَيْهَا فَكَذَلِك اعْتِبَارا للْغَالِب، وَإِن كَانَ أَقَله يجْرِي عَلَيْهَا يجوز التَّوَضُّؤ بِهِ من اسفلها، وَإِن كَانَ يجْرِي عَلَيْهَا النّصْف دون النّصْف فَالْقِيَاس جَوَاز التَّوَضُّؤ. وَفِي الِاسْتِحْسَان لَا يجوز احْتِيَاطًا. والراكد اخْتلفُوا فِيهِ: فَقَالَت الظَّاهِرِيَّة: لَا ينجس أصلا. وَقَالَت عَامَّة الْعلمَاء: إِن كَانَ المَاء قَلِيلا ينجس، وَإِن كثيرا لَا ينجس، لكِنهمْ اخْتلفُوا فِي الْحَد الْفَاصِل بَينهمَا؛ فعندنا بالخلوص، فَإِن كَانَ يخلص بعضه إِلَى بعض فَهُوَ قَلِيل، وَإِلَّا فَهُوَ كثير. وَاخْتلف اصحابنا فِي تَفْسِير الخلوص بعد أَن اتَّفقُوا أَنه يعْتَبر الخلوص، بِالتَّحْرِيكِ، وَهُوَ: أَن يكون بِحَال لَو حرك طرف مِنْهُ يَتَحَرَّك الطّرف الآخر، فَهُوَ مِمَّا يخلص، وإلَاّ فَهُوَ مِمَّا لَا يخلص. وَاخْتلفُوا فِي جِهَة التحريك، فَعَن أبي يُوسُف عَن أبي حنيفَة: أَنه يعْتَبر التحريك بالاغتسال من غير عنف، وَعَن مُحَمَّد أَنه يعْتَبر بِالْوضُوءِ، وَرُوِيَ أَنه بِالْيَدِ من غير اغتسال وَلَا وضوء، وَأما اعتبارهم فِي تَفْسِير الخلوص: فَعَن أبي حَفْص الْكَبِير أَنه أعتبره بالصبغ، وَعَن أبي نصر مُحَمَّد بن سَلام أَنه اعْتَبرهُ بالتكدير، وَعَن أبي سُلَيْمَان الْجوزجَاني أَنه اعْتَبرهُ بالمساحة. فَقَالَ: إِن كَانَ عشرا فِي عشر فَهُوَ مِمَّا لَا يخلص، وَإِن كَانَ دونه فَهُوَ مِمَّا يخلص. وَعَن ابْن الْمُبَارك أَنه اعْتَبرهُ بِالْعشرَةِ أَولا، ثمَّ بِخَمْسَة عشر، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو مُطِيع الْبَلْخِي، فَقَالَ: إِن كَانَ خَمْسَة عشر فِي خَمْسَة عشر أَرْجُو أَن يجوز، وَإِن كَانَ عشْرين فِي عشْرين لَا أجد فِي قلبِي شَيْئا. وَعَن مُحَمَّد أَنه قدره بمسجده، وَكَانَ ثمانياً فِي ثمانٍ، وَبِه أَخذ مُحَمَّد بن سَلمَة. وَقيل: كَانَ مَسْجده عشرا فِي عشرٍ. وَقيل: كَانَ، دَاخله ثمانياً فِي ثمانٍ، وخارجه عشرا فِي عشرٍ. وَعَن الْكَرْخِي: لَا عِبْرَة للتقدير، وَإِنَّمَا الْمُعْتَبر هُوَ التَّحَرِّي، فَلَو كَانَ أَكثر رَأْيه أَن النَّجَاسَة خلصت إِلَى الْموضع
стр. 786
الَّذِي يتَوَضَّأ مِنْهُ لَا يجوز، وَإِن كَانَ أَكثر رَأْيه أَنَّهَا لم تصل إِلَيْهِ يجوز. وَقد استقصينا الْكَلَام فِيهِ فِي (شرحنا لمعاني الْآثَار) للطحاوي، رَحمَه الله تَعَالَى.
وقالَ حَمَّادٌ: لَا بَأْسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ
حَمَّاد: على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ، هُوَ الإِمَام ابْن أبي سُلَيْمَان، شيخ الإِمَام ابي حنيفَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، تقدم فِي بَاب قِرَاءَة الْقُرْآن بعد الْحَدث. قَوْله: (لَا بَأْس) أَي: لَا حرج (بريش الْميتَة) يَعْنِي: لَيْسَ بِنَجس، وَلَا ينجس المَاء الَّذِي وَقع فِيهِ، سَوَاء كَانَ ريش الْمَأْكُول لَحْمه أَو غَيره؛ وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه: حَدثنَا معمر عَن حَمَّاد بن أبي سُلَيْمَان أَنه قَالَ: لَا بَأْس بصوف الْميتَة، وَلَكِن يغسل، وَلَا بَأْس بريش الْميتَة، وَهَذَا مَذْهَب أبي حنيفَة أَيْضا وَأَصْحَابه.
وقالَ الزُّهْرِيُّ فِي عظامِ المَوْتَى نَحْوِ الفِيلِ وغَيْرِهِ أَدْرَكْتُ نَاسا مِنْ سَلَفِ العُلمَاءِ يَمْتَشِطونَ بهَا ويَدَّهِنونَ فِيها لَا يَرَوْنَ بِهِ بَاساً
الزُّهْرِيّ هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم. قَوْله: (وَغَيره) أَي: غير الْفِيل مِمَّا لَا يُؤْكَل. وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (غَيره) يحْتَمل أَن يُرِيد بِهِ مَا هُوَ من جنسه من الَّذِي لَا تُؤثر الذَّكَاة فِيهِ، أَي: مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه، وَأَن يُرِيد أَعم من ذَلِك. قلت: هَذَا الَّذِي ذكره يمشي على مَذْهَب الشَّافِعِي، وَعِنْدنَا جَمِيع أَجزَاء الْميتَة الَّتِي لَا دم فِيهَا: كالقرن وَالسّن والظلف والحافر والخف والوبر وَالصُّوف طَاهِر، وَفِي العصب رِوَايَتَانِ، وَذهب عمر بن عبد الْعَزِيز وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَمَالك وَأحمد وَإِسْحَاق والمزني وَابْن الْمُنْذر: إِلَى أَن الشّعْر وَالصُّوف والوبر والريش طَاهِرَة لَا تنجس بِالْمَوْتِ، كمذهبنا، والعظم والقرن والظلف وَالسّن نَجِسَة. وَقَالَ الشَّافِعِي: الْكل نجس إلَاّ الشّعْر، فَإِن فِيهِ خلافًا ضَعِيفا. وَفِي الْعظم أَضْعَف مِنْهُ. وَأما الْفِيل فَفِيهِ خلاف بَين أَصْحَابنَا، فَعِنْدَ مُحَمَّد هُوَ نجس الْعين حَتَّى لَا يجوز بيع عظمه وَلَا يطهر جلده بالدباغ وَلَا بالذكاة، وَعند أبي حنيفَة وَأبي يُوسُف هُوَ كَسَائِر السباغ، فَيجوز الِانْتِفَاع بعظمه وَجلده بالدباغ. قَوْله: (أدْركْت نَاسا) التَّنْوِين فِيهِ للتكثير أَي نَاسا كثيرين. قَوْله: (يمتشطون بهَا) أَي: بعظام الْمَوْتَى، يَعْنِي يجْعَلُونَ مِنْهَا مشطاً ويستعملونه، فَهَذَا يدل على طَهَارَته، وَهُوَ مَذْهَب أبي حنيفَة أَيْضا. قَوْله: (ويدَّهنون فِيهَا) اي: فِي عِظَام الْمَوْتَى، يَعْنِي: يجْعَلُونَ مِنْهَا مَا يحط فِيهِ الدّهن وَنَحْوه، وأصل: يدهنون: يتدهنون، لِأَنَّهُ من بَاب الافتعال، فقلبت التَّاء دَالا وادغمت الدَّال فِي الدَّال؛ وَقَالَ بَعضهم: يجوز ضم أَوله وَإِسْكَان الدَّال. قلت: فعلى هَذَا يكون من بَاب الادهان، فَلَا يُنَاسب مَا قبله إلَاّ إِذا جَاءَت فِيهِ رِوَايَة بذلك، وَذَلِكَ لِأَن مَعْنَاهُ بِالتَّشْدِيدِ هم يدهنون أنفسهم، وَإِذا كَانَ من بَاب الإفعال يكون الْمَعْنى: هم يدهنون غَيرهم، فَلَا منع من ذَلِك إلَاّ أَنه مَوْقُوف على الرِّوَايَة. وَنقل بعض الشُّرَّاح عَن السفاقسي فِيهِ ثَلَاثَة أوجه: إثنان مِنْهَا مَا ذكرناهما الْآن، وَالْوَجْه الثَّالِث: هُوَ بتَشْديد الدَّال وَتَشْديد الْهَاء، أَيْضا. قلت: لَا منع من ذَلِك من حَيْثُ قَاعِدَة التصريف، وَلَكِن رِعَايَة السماع أولى مَعَ رِعَايَة الْمُنَاسبَة بَين الْمَعْطُوف والمعطوف عَلَيْهِ. قَوْله: (لَا يرَوْنَ بِهِ بَأْسا) أَي حرجاً، فَلَو كَانَ نجسا لما استعملوه امتشاطاً وادهاناً، وَعلم مِنْهُ أَنه إِذا وَقع مِنْهُ شَيْء فِي المَاء لَا يُفْسِدهُ. وَقَالَ ابْن بطال: ريش الْميتَة وَعظم الفيلة وَنَحْوهَا طَاهِر عِنْد ابي حنيفَة، كَأَنَّهُ تعلق بِحَدِيث ابْن عَبَّاس الْمَوْقُوف: إِنَّمَا حرم من الْميتَة مَا يُؤْكَل مِنْهَا وَهُوَ اللَّحْم، فَأَما الْجلد وَالسّن والعظم وَالشعر وَالصُّوف فَهُوَ حَلَال. قَالَ يحيى بن معِين: تفرد بِهِ أَبُو بكر الْهُذلِيّ عَن الزُّهْرِيّ، وَهُوَ لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد روى عبد الْجَبَّار بن مُسلم وَهُوَ ضَعِيف عَن الزُّهْرِيّ شَيْئا فِي مَعْنَاهُ، وَحَدِيث أم سَلمَة مَرْفُوعا: (لَا بَأْس بمسك الْميتَة إِذا دبغ، وَلَا بشعرها إِذا غسل بِالْمَاءِ) . إِنَّمَا رَوَاهُ يُوسُف بن أبي السّفر، وَهُوَ مَتْرُوك. وَقَالَ ابْن بطال: عظم الفيلة وَنَحْوه نجس عِنْد مَالك وَالشَّافِعِيّ، كِلَاهُمَا احتجا بِمَا روى الشَّافِعِي عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر أَنه كَانَ يكره أَن يدهن فِي مدهن من عِظَام الْفِيل، وَفِي (المُصَنّف) : وَكَرِهَهُ عمر ابْن عبد الْعَزِيز وَعَطَاء وطاووس، وَقَالَ ابْن الْمَوَّاز: نهىَ مَالك عَن الِانْتِفَاع بِعظم الْميتَة والفيل، وَلم يُطلق تَحْرِيمهَا لِأَن عُرْوَة وَابْن شهَاب وَرَبِيعَة
أَجَازُوا الامتساط بهَا. وَقَالَ ابْن حبيب: أجَاز اللَّيْث وَابْن الْمَاجشون وَابْن وهب ومطرف.
стр. 787
وَأصبغ الامتشاط بهَا والادهان فِيهَا. وَقَالَ مَالك إِذا زكى الْفِيل فَعَظمهُ طَاهِر وَالشَّافِعِيّ يَقُول الذَّكَاة لَا تعْمل فِي السبَاع وَقَالَ اللَّيْث وَابْن وهب أَن غلى الْعظم فِي مَاء سخن وطبخ جَازَ الإدهان مِنْهُ والامتشاط قلت حَدِيث ابْن عَبَّاس الَّذِي تعلق بِهِ أَبُو حنيفَة أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ أَبُو بكر الْهُذلِيّ ضَعِيف وَذكر فِي الإِمَام أَن غير الْهُذلِيّ أَيْضا رَوَاهُ وَحَدِيث أم سَلمَة أَيْضا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ يُوسُف بن أبي السّفر مَتْرُوك قُلْنَا لَا يُؤثر فِيهِ مَا قَالَ إِلَّا بعد بَيَان جِهَته وَالْجرْح الْمُبْهم غير مَقْبُول عِنْد الحذاق من الْأُصُولِيِّينَ وَهُوَ كَانَ كَاتب الْأَوْزَاعِيّ.
وقالَ ابْنُ سِيِرِينَ وإبْرَاهيمُ لَا بَأْسَ بِتِجارَةِ العَاجِ
ابْن سِيرِين هُوَ مُحَمَّد، تقدم فِي بَاب اتِّبَاع الْجَنَائِز من الْإِيمَان، وَإِبْرَاهِيم هُوَ النَّخعِيّ تقدم فِي بَاب ظلم دون ظلم فِي كتاب الْإِيمَان.
أما التَّعْلِيق عَن ابْن سِيرِين فَذكره عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه عَن الثَّوْريّ عَن همامَ عَن ابْن سِيرِين أَنه كَانَ لَا يرى التِّجَارَة بالعاج بَأْسا وَأما التَّعْلِيق عَن إِبْرَاهِيم فَلم يذكرهُ السَّرخسِيّ فِي رِوَايَته، وَلَا أَكثر الروَاة عَن الفريري، فالعاج، بتَخْفِيف الْجِيم، جمع عاجة. قَالَ الْجَوْهَرِي: العاج عظم الْفِيل وَكَذَا قَالَ فِي الْكتاب. ثمَّ قَالَ: والعاج أَيْضا الذبل وَهُوَ ظهر السلحفاة والبحرية يتَّخذ مِنْهُ السوار والخاتم وَغَيرهمَا قَالَ جرير:
(ترى العيس الحولى جَريا بكرعها ... لَهَا مسكا من غير عاج وَلَا ذبل)
فَهَذَا يدل على أَن العاج غيرالذبل وَفِي (الْمُحكم) والعاج أَنْيَاب الفيلة، وَلَا يُسمى غير الناب عاجاً وَقد أنكر الْخَلِيل أَن يُسمى عاجاً سوى أَنْيَاب الفيلة، وَذكر غَيره أَن الذبل يُسمى عاجاً وَكَذَا قَالَه الْخطابِيّ، وأنكروا عَلَيْهِ والذبل، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة وَسُكُون الْبَاء الْمُوَحدَة قَالَ الْأَزْهَرِي الذبل، الْقُرُون، فَإِذا كَانَ من عاج فَهُوَ مسك وعاج ووقف، إِذا كَانَ من ذبل فَهُوَ مسك لَا غير وَفِي (الْعباب) الذبل ظهر السلحفاة البحرية، كَمَا ذكرنَا الْآن وَقَالَ: بَعضهم، قَالَ القالي: الْعَرَب تسمي كل عظم عاجاً، فَإِن ثَبت هَذَا فَلَا حجَّة فِي الْأَثر الْمَذْكُور على طَهَارَة عظم الْفِيل. قلت مَعَ وجود النَّقْل عَن الْخَلِيل لَا يعْتَبر بِنَقْل القالي مَعَ مَا ذكرنَا من الدَّلِيل على طَهَارَة عظم الْميتَة مُطلقًا.
٢٣٥ - حدّثناإسْمَاعِيلُ قَالَ حَدثنِي مَالِكٌ عنِ ابنِ شِهاب عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَبْدِ اللَّهِ عَن ابْن عَبَّاسَ عنْ مَيْمُونَةَ أَنَّ رَسولَ اللَّهِ ﷺ سَلَ عنْ قَارَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَقالَ أَلْقُوهًّ وَمَا حَوْلَهَا فَاطْرَحُوهُ وَكُلُوا سَمْنَكُمْ..
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة بَيَان رِجَاله وهم سِتَّة إِسْمَاعِيل هُوَ ابْن أويس تقدم فِي بَاب تفاضل أهل الْإِيمَان، وَعبيد الله هُوَ سبط عتبَة بن مَسْعُود وَهُوَ فِي قصَّة هِرقل، وَمَالك هُوَ ابْن أنس، وَابْن شهَاب هُوَ مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ، ومَيْمُونَة أم الْمُؤمنِينَ بنت الْحَارِث، خَالَة ابْن عَبَّاس، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، تقدّمت فِي بَاب السمر بِالْعلمِ بَيَان لطائف إِسْنَاده مِنْهَا أَن فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع وبصيغة الْإِفْرَاد، وَفِيه العنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مدنيون وَفِيه: القَوْل فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: رِوَايَة الصَّحَابِيّ عَن الصحابية.
بَيَان ذكر تعدده مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الذَّبَائِح عَن عبد الْعَزِيز بن عبد الله عَن مَالك بِهِ، وَعَن الْحميدِي عَن سُفْيَان عَن الزُّهْرِيّ بِهِ، وَهُوَ من أَفْرَاده عَن مُسلم، وَأخرجه أَبُو دَاوُد فِي الْأَطْعِمَة عَن مُسَدّد عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن أَحْمد بن صَالح وَالْحسن بن عَليّ، كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق عَن عبد الرَّحْمَن بن بزدويه عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ بِمَعْنَاهُ. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِيهِ عَن سعيد بن عبد الرَّحْمَن وَأبي عُثْمَان
стр. 788
وَهُوَ الْحُسَيْن بن حَدِيث، كِلَاهُمَا عَن سُفْيَان بِهِ، وَقَالَ: حسن صَحِيح. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الذَّبَائِح عَن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ وَعَن يَعْقُوب ين إِبْرَاهِيم وَمُحَمّد بن يحيى بن عبد لله النيسايوري، كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن مَالك بِهِ، وَعَن خشيش بن أَصْرَم عَن عبد الرَّزَّاق عَن عبد الرَّحْمَن بن بزدويه أَن معمراً ذكر عَن الزُّهْرِيّ بِهِ.
ذكر لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله: (فَأْرَة) بِهَمْزَة سَاكِنة وَجَمعهَا فأر بِالْهَمْز أَيْضا قَوْله: (سَقَطت فِي سمن) وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ أَيْضا فِي الذَّبَائِح من رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن ابْن شهَاب (فَمَاتَتْ) ، وَزَاد النَّسَائِيّ من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن مهْدي عَن مَالك، (فِي سمن جامد) قَوْله: (وألقوها) أَي. الْفَأْرَة أَي: أرموها وَمَا حولهَا أَي: وَمَا حول الْفَأْرَة من السّمن، وَيعلم من هَذِه الرِّوَايَة أَن السّمن كَانَ جَامِدا كَمَا صرح بِهِ فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى، لِأَن الْمَائِع لَا حوله لَهُ إِذْ الْكل حوله.
بَيَان ذكر استنباط الحكم يستنبط مِنْهُ أَن السّمن الجامد أذا وَقعت فِيهِ فَأْرَة أَو نَحْوهَا تطرح الْفَأْرَة وَيُؤْخَذ مَا حولهَا من السّمن ويرمى بِهِ، وَلَكِن إِذا تحقق أَن شَيْئا مِنْهَا لم يصل إِلَى شَيْء خَارج عَمَّا حولهَا وَالْبَاقِي يُؤْكَل، وَيُقَاس على هَذَا نَحْو الْعَسَل والدبس إِذا كَانَ جَامِدا، وَأما الْمَائِع فقد اخْتلفُوا فِيهِ، فَذهب الْجُمْهُور إِلَى أَنه ينجس كُله، قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا. وَقد شَذَّ قوم فَجعلُوا الْمَائِع كُله كَالْمَاءِ، وَلَا يعْتَبر ذَلِك، وسلك دواد بن عَليّ فِي ذَلِك مسلكهم إلَاّ فِي السّمن الجامد والذائب. فَإِنَّهُ تبع ظَاهر هَذَا الحَدِيث، وَخَالف مَعْنَاهُ فِي الْعَسَل والخل وَسَائِر الْمَائِعَات، فَجَعلهَا كلهَا فِي لُحُوق النَّجَاسَة إِيَّاهَا بِمَا ظهر فِيهَا، فشذ أَيْضا ويزمه أَن لَا يتَعَدَّى الْفَأْرَة كَمَا لَا يتَعَدَّى السّمن. قَالَ أَبُو عَمْرو: وَاخْتلف الْعلمَاء فِي الاستصباح بِهِ بعد إِجْمَاعهم على نَجَاسَته، فَقَالَت طَائِفَة من الْعلمَاء لَا يستصبح بِهِ وَلَا ينْتَفع بِشَيْء مِنْهُ، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك، الْحسن بن صَالح وَأحمد بن حَنْبَل محتجين بالرواية الْمَذْكُورَة، وَإِن كَانَ مَائِعا فَلَا تقربوه، وبعموم النَّهْي عَن الْميتَة فِي الْكتاب الْعَزِيز. وَقَالَ الْآخرُونَ: يجوز الاستصباح بِهِ وَالِانْتِفَاع فِي كل شَيْء الْأكل وَالْبيع وَهُوَ قَول مَالك وَالشَّافِعِيّ وأصحابهما وَالثَّوْري، وَأما الْأكل فمجمع على تَحْرِيمه إلَاّ الشذوذ الَّذِي ذَكرْنَاهُ، وَأما الاستصباح فَروِيَ عَن عَليّ وَابْن عمر أَنَّهُمَا أجازا ذَلِك، وَمن حجتهم فِي تَحْرِيم بَيْعه قَوْله ﷺ : (لعن الله الْيَهُود. حرمت عَلَيْهِم الشحوم فَبَاعُوهَا وأكلوا ثمنهَا أَن الله إِذا حرم أكل شَيْء حرم ثمنه) وَقَالَ آخَرُونَ: ينْتَفع بِهِ وَيجوز بَيْعه وَلَا يُؤْكَل، وَمِمَّنْ قَالَ ذَلِك: أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه وَاللَّيْث بن سعد، وَقد رُوِيَ عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَالقَاسِم وَسَالم محتجين بالرواية الْأُخْرَى، وَإِن كَانَ مَائِعا فاستصبحوا بِهِ وانتفعوا وَالْبيع من بَاب الِانْتِفَاع وَأما قَوْله فِي حَدِيث عبد الرَّزَّاق وَإِن كَانَ مَائِعا فَلَا تقربوه، فَيحْتَمل أَن يُرَاد بِهِ الْأكل، وَقد أجْرى ﷺ التَّحْرِيم فِي شحوم الْميتَة من كل وَجه وَمنع الِانْتِفَاع بهَا، وَقد أَبَاحَ فِي السّمن يَقع فِيهِ الْميتَة، الِانْتِفَاع بِهِ، فَدلَّ على جَوَاز وُجُوه الِانْتِفَاع بِشَيْء مِنْهَا غير الْأكل، وَمن جِهَة النّظر أَن شحوم الْميتَة مُحرمَة الْعين والذات، وَأما الزَّيْت، وَنَحْوه يَقع فِيهِ الْميتَة فَإِنَّمَا ينجس بالمحاورة وَمَا ينجس بالمحاورة فبيعه جَائِز، كَالثَّوْبِ تصيبه النَّجَاسَة من الدَّم وَغَيره، وَأما قَوْله: إِن الله تَعَالَى (إِذا حرم أكل شَيْء حرم ثمنه) ، فَإِنَّمَا خرج على لُحُوم الْميتَة الَّتِي حرم أكلهَا وَلم يبح الِانْتِفَاع بِشَيْء مِنْهَا، وَكَذَلِكَ الْخمر، وَأَجَازَ عبد الله بن نَافِع غسل الزَّيْت وَشبهه تقع فِيهِ الْميتَة، وَرُوِيَ عَن مَالك أَيْضا وَصفته، أَن يعمد إِلَى ثَلَاث أواني أَو أَكثر فَيجْعَل الزَّيْت النَّجس فِي وَاحِدَة مِنْهَا حَتَّى يكون نصفهَا أَو نَحوه، ثمَّ يصب عَلَيْهِ المَاء حَتَّى يمتلىء، ثمَّ يُؤْخَذ الزَّيْت من عَلَاء المَاء، ثمَّ يَجْعَل فِي آخر وَيعْمل بِهِ كَذَلِك، ثمَّ فِي آخر، وَهُوَ قَول لَيْسَ لقائله سلف، وَلَا تسكن إِلَيْهِ النَّفس قلت: هَذَا مِمَّا لَا ينعصر بالعصر، وَفِيه خلاف بَين أبي يُوسُف وَمُحَمّد، فَقَالَ أَبُو يُوسُف: يطهر مَا لَا ينعصر بالعصر بِغسْلِهِ ثَلَاثًا وتجفيفه فِي كل مرّة، وَذَلِكَ كالحنطة والخزفة الجديدة والحصير والسكين المموه بِالْمَاءِ النَّجس وَاللَّحم المغلي بِالْمَاءِ النَّجس فالطريق فِيهِ أَن تغسل الْحِنْطَة ثَلَاثًا وتجفف فِي كل مرّة، وَكَذَلِكَ الْحَصِير، وَيغسل الخزف حَتَّى لَا يبْقى لَهُ بعد ذَلِك طعم وَلَا لون وَلَا رَائِحَة، ويموه السكين بِالْمَاءِ الطَّاهِر ثَلَاث مَرَّات، ويطبخ اللَّحْم ثَلَاث مَرَّات، ويجفف فِي كل مرّة ويبرد من الطَّبْخ، وَأما الْعَسَل وَاللَّبن وَنَحْوهمَا إِذا مَاتَ فِيهَا الْفَأْرَة أَو نَحْوهَا يَجْعَل فِي الْإِنَاء وَيصب فِيهِ المَاء ويطبخ حَتَّى يعود إِلَى مَا كَانَ، وَهَكَذَا يفعل ثَلَاثًا وَقَالَ مُحَمَّد مَا لَا ينعصر بالعصر إِذا تنجس لَا يطهر أبدا، وَقد رُوِيَ عَن عَطاء قَوْله: تفرد بِهِ روى عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريح عَنهُ، قَالَ: ذكرُوا أَنه يدهن بِهِ
стр. 789
السفن وَلَا يمس ذَلِك وَلَكِن يُؤْخَذ بعوده فَقلت: يدهن بِهِ غير السفن؟ قَالَ لَا أعلم قلت وَابْن يدهن بِهِ من السفن قَالَ: ظُهُورهَا وَلَا يدهن بطونها. قلت: فَلَا بُد أَن يمس! قَالَ: يغسل يَدَيْهِ من مَسّه. وَقد رُوِيَ عَن جَابر الْمَنْع من الدّهن بِهِ وَعَن سَحْنُون. أَن مَوتهَا فِي الزَّيْت الْكثير غير ضار، وَلَيْسَ الزَّيْت كَالْمَاءِ وَعَن عبد الْملك. إِذا وَقعت فَأْرَة أَو دجَاجَة فِي زَيْت أَو بِئْر فَإِن لم يتَغَيَّر طعمه وَلَا رِيحه أزيل ذَلِك مِنْهُ وَلم يَتَنَجَّس، وَإِن مَاتَت فِيهِ تنجس وَإِن كثر وَوَقع فِي كَلَام ابْن الْعَرَبِيّ: أَن الْفَأْرَة عِنْد مَالك طَاهِرَة خلافًا لأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ، وَلَا نعلم عندنَا حخلافاً فِي طَهَارَتهَا فِي حَال حَيَاتهَا.
٢٣٦ - حدّثنا عَلِي بنُ عَبْدَ اللَّهِ قالحدثنا مالِكُ عَن ابنِ شِهابِ عنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بنِ عَتْبَةَ بنِ مَسْعُودِ عَن ابنِ عَبَّاسِ عنْ مَيْمُونَةَ أنَّ النَّبيُّ ﷺ سُئِلَ عنْ فَأْرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ فَقَالَ خُذُوها وَمَا حَوْلَها فَاطْرَحُوهُ
(انْظُر الحَدِيث رقم: ٢٣٥) .
هَذَا هُوَ الطَّرِيق الثَّانِي لحَدِيث مَيْمُونَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، وَقد تقدم الْكَلَام فِيهِ مُسْتَوْفِي، وَعلي هُوَ ابْن عبد الله الْمَدِينِيّ، تقدم فِي بَاب الْفَهم فِي الْعلم، ومعن، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفِي آخِره نون بن عِيسَى أَبُو يحيى القزار، بِالْقَافِ والزايين المنقوطتين أولاهما مُشَدّدَة، الْمدنِي كَانَ لَهُ علمَان حاكة وَهُوَ يَشْتَرِي القز ويلقي إِلَيْهِم، كَانَ يتوسد عتبَة مَالك، قَرَأَ الْمُوَطَّأ على مَالك للرشيد وبنيه، وَكَانَ مَالك لَا يُجيب الْعِرَاقِيّين حَتَّى يكون هُوَ سائله، مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة.
وفيهالتحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، والعنعنة فِي أَرْبَعَة مَوَاضِع.
وَفِي الطَّرِيق الأولى أَن رَسُول الله ﷺ سُئِلَ وَفِي هَذِه الطَّرِيق أَن النَّبِي ﷺ سُئِلَ عَن فَأْرَة، وَقَالَ بعضم السَّائِل عَن ذَلِك هِيَ مَيْمُونَة، وَوَقع فِي رِوَايَة يحيى الْقطَّان وَجُوَيْرِية عَن مَالك فِي هَذَا الحَدِيث أَن مَيْمُونَة استفتت رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره قلت فِي رِوَايَة البُخَارِيّ من طَرِيقين تَصْرِيح بِأَن السَّائِل غير مَيْمُونَة، مَعَ أَنه يحْتَمل أَن لَا يكون غَيرهَا، وَلَكِن لَا يُمكن الْجَزْم بِأَنَّهَا هِيَ السائلة كَمَا جزم بِهِ هَذَا الْقَائِل.
قَوْله: (خذوها) أَي الْفَأْرَة وَمَا حولهَا أَي: وَمَا حول الْفَأْرَة وَقد قُلْنَا إِنَّه يدل على أَن السّمن كَانَ جَامِدا قَوْله: (فاطرحوه) الضَّمِير الْمَنْصُوب فِيهِ يرجع إِلَى الْمَأْخُوذ الَّذِي دلّ عَلَيْهِ قَوْله: (خذوها) والمأخوذ هُوَ الْفَأْرَة وَمَا حولهَا ويرمى الْمَأْخُوذ ويؤكل الْبَاقِي كَمَا دلّت عَلَيْهِ الرِّوَايَة الأولى فَإِن قلت: من أَيْن يعلم من هَذِه الرِّوَايَة جَوَاز أكل الْبَاقِي؟ قلت: لِأَن الطرح لأجل عدم جَوَاز مأكوليته، وَيفهم مِنْهُ جَوَاز مأكولية الْبَاقِي بِدَلِيل الرِّوَايَة الْأُخْرَى.
قَالَ مَعْنٌ حَدثنَا مَالِكٌ مَا لَا أحْصِيهِ يَقُولُ عنِ ابنِ عَبَّاسٍ عنْ مَيْمُونَةَ رِضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُم
أَشَارَ البُخَارِيّ بِهَذَا الْكَلَام إِلَى أَن الصَّحِيح فِي هَذَا عَن ابْن عَبَّاس عَن ميمونةٍ وَإِن كَانَت هَذِه الطَّرِيقَة أنزل من الطَّرِيقَة الأولى وَذَلِكَ لِأَن فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث اخْتِلَافا كثيرا بيَّنه الدَّارَقُطْنِيّ حَيْثُ رُوِيَ تَارَة بِإِسْقَاط مَيْمُونَة من حَدِيث الزُّهْرِيّ عَن عبيد الله عَن ابْن عَبَّاس عَن النَّبِي ﷺ ، وَهَذِه رِوَايَة الْأَوْزَاعِيّ عَن الزُّهْرِيّ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن مَالك من غير ذكر مَيْمُونَة وَكَذَا فِي رِوَايَة القعْنبِي عَن مَالك، وَتارَة بِإِسْقَاط ابْن عَبَّاس، كَمَا لم يذكر فِي رِوَايَة ابْن وهب عَن ابْن عَبَّاس، وَمِنْهُم من لم يذكر ابْن عَبَّاس وَلَا مَيْمُونَة كيحيى ابْن بكير وَأبي مُصعب وَرَوَاهُ عبد الْملك بن الْمَاجشون عَن مَالك عَن الزُّهْرِيّ عَن عبد الله عَن ابْن مَسْعُود، وَقَالَ: عبد الحبار عَن الزُّهْرِيّ عَن سَالم عَن أَبِيه، وَوهم عبد الْملك وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد من حَدِيث عبد الرَّزَّاق عَن الزُّهْرِيّ عَن سعيد بن الْمسيب عَن أبي هُرَيْرَة وَلَفظه: (سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن الْفَأْرَة تقع فِي السّمن، قَالَ: إِذا كَانَ جَامِدا فالقوها، وَإِن كَانَ مَائِعا فَلَا تقربوه) وَقَالَ أَبُو عمر: هَذَا اضْطِرَاب شَدِيد من مَالك فِي سَنَد هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: هَذَا الحَدِيث مَعْلُول، وَفِي رِوَايَة: سُئِلَ الزُّهْرِيّ عَن الداربة تَمُوت فِي الزَّيْت وَالسمن وَهُوَ جامد أَو غير جامد: فَقَالَ: بلغنَا إِن رَسُول الله ﷺ أَمر بفأرة مَاتَت فِي سمن فَأمر بِمَا قرب مِنْهَا فَطرح، ثمَّ أكل. وَلما كَانَ الْأَمر كَذَلِك بَين البُخَارِيّ أَن الرِّوَايَة الَّتِي فِيهَا ابْن عَبَّاس عَن مَيْمُونَة هِيَ الْأَصَح أَلا ترى أَن معن بن عِيسَى يَقُول: (حَدثنَا مَالك) يَعْنِي بِهَذَا الحَدِيث (مَا لَا أحصيه) يَعْنِي: أمراراً كَثِيرَة لَا يضبطها لكثرتها: يَقُول عَن ابْن عَبَّاس عَن مَيْمُونَة: وَقَالَ الْكرْمَانِي: قَالَ معن: هُوَ كَلَام
стр. 790
ابْن الْمَدِينِيّ، فَهُوَ دَاخل تَحت الْإِسْنَاد، وَيحْتَمل، وَإِن كَانَ احْتِمَالا بَعيدا، أَن يكون تَعْلِيقا من البُخَارِيّ قَالَ بَعضهم: هُوَ مُتَّصِل، وَأبْعد من قَالَ إِنَّه مُعَلّق قلت أحتمال التَّعْلِيق غير بعيد وَلَا يخفى ذَلِك.
٢٣٧ - حدّثنا أحْمَدُ بنُ مُحَّمَدٍ قَالَ أَخْبَرْنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ المُبَارَكِ قَالَ أخبرنَا مَعْمَرُ عَن هَمَّامِ بنِ مُنَبِهٍ عنْ أبي هُرَيْرَةَ عَن النَّبيَّ ﷺ قالَ كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ المُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَكُونُ يَوْمَ القِيَامَةِ كَهَيْئَتِا إذْ طُعِنَتْ تَفَجَّرُ دَماً اللَّوْنُ لونُ الدَّمِ والعَرْفُ عَرْفُ لَمِسْكِ
ذكرُوا فِي مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة أوجهاً كلهَا بعيدَة مِنْهَا مَا قَالَه الْكرْمَانِي: وَجه مُنَاسبَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة من جِهَة الْمسك: فَإِن أَصله دم انْعَقَد وفضلة نَجِسَة من الغزال، فَيَقْتَضِي أَن يكون نجسا كَسَائِر الدِّمَاء، وكسائر الفضلات، فَأَرَادَ البُخَارِيّ أَن يبين طَهَارَته بمدح الرَّسُول ﷺ لَهُ، كَمَا بَين طَهَارَة عظم الْفِيل بالأثر، فظهرت الْمُنَاسبَة غَايَة الظُّهُور، وَإِن استشكله الْقَوْم غَايَة الاستشكال انْتهى. قلت: لم تظهر الْمُنَاسبَة بِهَذَا الْوَجْه أصلا وظهورها غَايَة الظُّهُور بعيد جدا واستشكال الْقَوْم باقٍ، وَلِهَذَا قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيّ: إِيرَاد المُصَنّف لهَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب لَا وَجه لَهُ، لِأَنَّهُ لَا مدْخل لَهُ فِي طَهَارَة الدَّم وَلَا نَجَاسَته، وَإِنَّمَا ورد فِي فضل المطعون فِي سَبِيل الله تَعَالَى، قَالَ بَعضهم: وَأجِيب: بِأَن مَقْصُود المُصَنّف إِيرَاده تَأْكِيدًا لمذهبه فِي أَن المَاء لَا يَتَنَجَّس بِمُجَرَّد الملاقاة مَا لم يتَغَيَّر، وَذَلِكَ لِأَن تبدل الصّفة يُؤثر فِي الْمَوْصُوف، فَكَمَا أَن تغير صفة الدَّم بالرائحة إِلَى طيب الْمسك أخرجه من النَّجَاسَة إِلَى الطَّهَارَة، فَكَذَلِك تغير صفة المَاء إِذا تغير بِالنَّجَاسَةِ، يُخرجهُ عَن صفة الطَّهَارَة إِلَى صفة النَّجَاسَة، فَإِذا لم يُوجد التَّغَيُّر لم تُوجد النَّجَاسَة. قلت: هَذَا الْقَائِل أَخذ هَذَا من كَلَام الْكرْمَانِي، فَإِنَّهُ نَقله فِي شَرحه عَن بَعضهم، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل وَتعقب، بِأَن الْغَرَض إِثْبَات انحصار التنجس بالتغير، وَمَا ذكر يدل على أَن التنجس يحصل بالتغير وَهُوَ باقٍ إِلَّا أَنه لَا يحصل إلَاّ بِهِ، وَهُوَ مَوضِع النزاع أنْتَهى قلت: هَذَا أَيْضا كَلَام الْكرْمَانِي، وَلكنه سبكه فِي صُورَة غير ظَاهِرَة، وَقَول الْكرْمَانِي هَكَذَا، فَنَقُول للْبُخَارِيّ: لَا يلْزم من وجود الشَّيْء عِنْد الشَّيْء أَن لَا يُوجد عِنْد عَدمه لجَوَاز مُقْتَض آخر، وَلَا يلْزم من كَونه خرج بالتغير إِلَى النَّجَاسَة أَن لَا يخرج إلَاّ بِهِ لاحْتِمَال وصف آخر يخرج بِهِ عَن الطَّهَارَة بِمُجَرَّد الملاقاة، إنتهى حَاصِل هَذَا أَنه وَارِد على قَوْلهم: إِن مَقْصُود البُخَارِيّ من إِيرَاد هَذَا الحَدِيث تَأْكِيد مذْهبه فِي أَن المَاء لَا يَتَنَجَّس بِمُجَرَّد الملاقاة.
وَمِنْهَا مَا قَالَه ابْن بطالإنما ذكر البُخَارِيّ هَذَا الحَدِيث فِي بَاب نَجَاسَة المَاء لِأَنَّهُ لم يجد حَدِيثا صَحِيح السَّنَد فِي المَاء، فاستدل على حكم الْمَائِع بِحكم الدَّم الْمَائِع، وَهُوَ الْمَعْنى الْجَامِع بَينهمَا انْتهى. قلت: هَذَا أَيْضا وَجه غير حسن لَا يخفى.
وَمِنْهَا مَا قَالَه ابْن رشد وَهُوَ أَن مُرَاده أَن انْتِقَال الدَّم إِلَى الرَّائِحَة الطّيبَة هُوَ الَّذِي نَقله من حَالَة الدَّم إِلَى حَالَة الْمَدْح، فَحصل من هَذَا تَغْلِيب وصف وَاحِد، وَهُوَ، الرَّائِحَة، على وصفين، وهما: الطّعْم واللون، فيستنبط مِنْهُ أَنه مَتى تغير أحد اللأوصاف الثَّلَاثَة بصلاح أَو فَسَاد تبعه الأصفان الباقيان انْتهى قلت هَذَا ظَاهر الْفساد لِأَنَّهُ يلْزم مِنْهُ إِنَّه إِذا وصف وَاحِد بِالنَّجَاسَةِ أَن لَا يُؤثر حَتَّى يُوجد الوصفان الْآخرَانِ، وَلَيْسَ بِصَحِيح. وَمِنْهَا مَا قَالَه ابْن الْمُنِير: لما تَغَيَّرت صفته إِلَى صفة طَاهِرَة بَطل حكم النَّجَاسَة فِيهِ.
وَمِنْهَا مَا قَالَه الْقشيرِي: المراعاة فِي المَاء بِتَغَيُّر لَونه دون رَائِحَته، لِأَن النَّبِي ﷺ سمى الْخَارِج من جرح الشَّهِيد دَمًا وَإِن كَانَ رِيحه ريح الْمسك، وَلم يقل مسكاً، وَغلب اسْم الْمسك لكَونه على رَائِحَته، فَكَذَلِك المَاء مَا لم يتَغَيَّر طعمه.
وكل هَؤُلَاءِ خارجون عَن الدائرة، وَلم يذكر أحد مِنْهُم وَجها صَحِيحا ظَاهرا لإيراد هَذَا الحَدِيث فِي هَذَا الْبَاب، لِأَن هَذَا الحَدِيث فِي بَيَان فضل الشَّهِيد: على أَن الحكم الْمَذْكُور فِيهِ من أُمُور الْآخِرَة، وَالْحكم فِي المَاء بِالطَّهَارَةِ والنجاسة من أُمُور الدُّنْيَا، وَكَيف يلتثم هَذَا بِذَاكَ؟
ورعاية الْمُنَاسبَة فِي مثل هَذِه الْأَشْيَاء بِأَدْنَى وَجه يلمح فِيهِ كَافِيَة، والتكلفات بالوجوه الْبَعِيدَة غير مستملحة، وَيُمكن أَن يُقَال: وَجه الْمُنَاسبَة فِي هَذَا أَنه لما كَانَ مبْنى الْأَمر فِي المَاء بالتغير بِوُقُوع النَّجَاسَة، وَأَنه يخرج عَن كَونه صَالحا للاستعمال لتغير صفته الَّتِي خلق عَلَيْهَا أَو أورد لَهُ نظيراً بِتَغَيُّر دم الشَّهِيد. فَإِن مُطلق الدَّم نجس، وَلكنه تغير بِوَاسِطَة الشَّهَادَة فِي سَبِيل الله، وَلِهَذَا لَا يغسل عَنهُ دَمه ليظْهر شرفه يَوْم الْقِيَامَة لأهل الْموقف بانتقال صفته المذمومة
стр. 791
إِلَى الصّفة المحمودة حَيْثُ صَار انتشاره كرائحة الْمسك، فَافْهَم فَإِن هَذَا الْمِقْدَار كافٍ.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: اخْتلفُوا فِيهِ أَنه أَحْمد بن مُحَمَّد بن أبي مُوسَى الْمروزِي الْمَعْرُوف بمردويه، هَكَذَا قَالَه الْحَاكِم: أَبُو عبد الله، والكلاباذي وَالْإِمَام أَبُو نصر حَامِد بن مَحْمُود بن عَليّ الْفَزارِيّ فِي كِتَابه (مُخْتَصر البُخَارِيّ) وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ أَنه، أَحْمد بن مُحَمَّد بن عدي عرف بشبويه، وَقَالَ: أَبُو أَحْمد بن عدي بن أَحْمد بن مُحَمَّد عَن عبد الله بن معمر، لَا يعرف، ومردويه مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ ومئتين وَأخرج التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، وَقَالَ لَا بَأْس وشبويه مَاتَ سنة تسع وَعشْرين أَو ثَلَاثِينَ وَمِائَة، وَرُوِيَ عَنهُ أَبُو دَاوُد الثَّانِي: عبد الله بن الْمُبَارك الثَّالِث: معمر، بِفَتْح الميمين وَسُكُون الْعين الْمُهْملَة بالراء، ابْن رَاشد تقدم فِي كتاب الْوَحْي هُوَ وَابْن الْمُبَارك. الرَّابِع: همام، على وزن فعال بِالتَّشْدِيدِ ابْن المنبه، بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة بعد النُّون الْمَفْتُوحَة، تقدم فِي بَاب حسن إِسْلَام الْمَرْء. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة ﵁.
بَيَان لطائف إِسْنَاده فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَالْأَخْبَار كَذَلِك فِي موضِعين والعنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: رُوَاته مَا بَين مروزي وبصري ومدني.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ أَيْضا فِي الْجِهَاد وَأخرجه مُسلم أَيْضا فِي الْجِهَاد وَأخرجه ابْن عَسَاكِر مضعفاً عَن أبي أَمَامه يرفعهُ، (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ لَا يكلّم أحد فِي سَبِيل الله وَالله تَعَالَى أعلم بِمن يكلم) فَذكره وَفِي لفظ (مَا وَقعت قَطْرَة أحب إِلَى الله من قَطْرَة دم فِي سَبِيل الله، أَو قَطْرَة دمع فِي سَواد اللَّيْل لَا يَرَاهَا إلَاّ الله تَعَالَى) .
بَيَان لغاته وَمَعْنَاهُ قَوْله: (كلم) بِفَتْح الْكَاف وَسُكُون اللَّام قَالَ الْكرْمَانِي: أَي جِرَاحَة، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الْكَلم الْجرْح من كَلمه يكلمهُ، كلما إِذا جرحه، من بَاب: ضرب يضْرب، وَالْجمع: كلوم وَكَلَام، وَرجل كليم ومكلوم أَي: مَجْرُوح، وَمِنْه اشتقاق الْكَلَام من الِاسْم وَالْفِعْل والحرف. قَوْله: (يكلمهُ الْمُسلم) بِضَم الْيَاء وَسُكُون الْكَاف وَفتح اللَّام أَي يكلم بِهِ فَحذف الْجَار وأوصل الْمَجْرُور إِلَى الْفِعْل، وَالْمُسلم، مَرْفُوع لِأَنَّهُ مفعول مَا لم يسم فالعه. قَوْله: (فِي سَبِيل الله) قيد يخرج بِهِ مَا إِذا كلم الرجل فِي غير سَبِيل الله وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ فِي الْجِهَاد من طَرِيق الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة: (وَالله تَعَالَى أعلم بِمن يكلم فِي سَبيله) . قَوْله: (كهيئتها) أَي: كَهَيئَةِ الْكَلِمَة وأنث الضَّمِير بِاعْتِبَار الْكَلِمَة وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَتَبعهُ بَعضهم تَأْنِيث الضَّمِير بِاعْتِبَار إِرَادَة الْجراحَة. قلت: لَيْسَ، كَذَلِك بل بِاعْتِبَار الْكَلِمَة لِأَن الْكَلم والكلمة مصدران، والجراحة اسْم لَا يعبر بِهِ عَن الْمصدر، مَعَ أَن بَعضهم قَالَ: ويوضحه، رِوَايَة القايسي عَن أبي زيد الْمروزِي عَن الفريري كل كلمة يكلمها وَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر. قلت: هَذَا يُوضح مَا قلت لَا مَا قَالَه. فَافْهَم قَوْله: (إِذْ طعنت) أَي: حِين طعنت، وَفِي بعض النّسخ وَجَمِيع نسخ مُسلم: إِذا طعنت) بِلَفْظ: إِذا مَعَ الْألف، قَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: إِذْ للاستقبال وَلَا يَصح الْمَعْنى عَلَيْهِ قلت: هُوَ هَاهُنَا لمجر، الظَّرْفِيَّة، إِذْ هُوَ بِمَعْنى إِذْ وَقد يتعاقبان أَو هُوَ لاستحضار صُورَة الطعْن، إِذْ الاستحضار كَمَا يكون بِصَرِيح لفظ الْمُضَارع، كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله الَّذِي أرسل الرِّيَاح فتثير سحاباً﴾ (الرّوم: ٢٤٨) يكون أَيْضا بِمَا فِي معنى الْمُضَارع، كَمَا نَحن فِيهِ وَقَالَ الْكرْمَانِي: أَيْضا مَا وَجه التَّأْنِيث فِي طعنت المطعون هُوَ الْمُسلم قلت أَصله طعن بهَا وَقد حذف الْجَار لم أصل الضَّمِير المجرود إِلَى الْفِعْل وَصَارَ الْمُنْفَصِل مُتَّصِلا قلت: هَذَا تعسف؟ بل التَّأْنِيث فِيهَا بِاعْتِبَار الْكَلِمَة، لما فِي هيئتها لِأَنَّهَا المطعونة فِي الْحَقِيقَة وَالَّذِي إِنَّمَا يُسمى مطعوناً بِاعْتِبَار الْكَلِمَة والطعنة. قَوْله: (تفجر) بتَشْديد الْجِيم لِأَن أَصله تنفجر، فحذفت إِحْدَى التَّاءَيْنِ كَمَا فِي قَوْله: ﴿نَار تلظى﴾ (فاطر: ٩) فعله تتلظى، وَقَالَ الْكرْمَانِي، تفجر، بِضَم الْجِيم من الثلاثي، وبفتح الْجِيم الْمُشَدّدَة، وحذفت التَّاء الأولى مِنْهُ من التفعل قلت: أَشَارَ بِهَذَا إِلَى جوباز الْوَجْهَيْنِ فِيهِ، وَلكنه مَبْنِيّ على مَجِيء الرِّوَايَة بهما قَوْله: (واللون) وَفِي بعض النّسخ (اللَّوْن) بِدُونِ الْوَاو، واللون من المبصرات وَهُوَ أظهر المحسومات حَقِيقَة ووجوداً، فَذَلِك اسْتغنى عَن تَعْرِيفه وإثباته بِالدَّلِيلِ، وَمن القدماء من زعم أَنه لَا حَقِيقَة للألوان أصلا وَمِنْهُم من ظن أَن اللَّوْن الْحَقِيقِيّ لَيْسَ إلَاّ السوَاد وَالْبَيَاض، وَمَا عداهما إِنَّمَا حصل من تركيبهما وَمِنْهُم من زعم أَن الألوان الْحَقِيقِيَّة خَمْسَة: السوَاد، وَالْبَيَاض، والحمرة، والخضرة، والصفرة. وَجعل فِي البوافي مركبة مِنْهَا. (وَالدَّم) أَصله: دم وبالتحريك، وَإِنَّمَا قَالُوا: دمي بدمي لأجل الكسرة الَّتِي قيل الْيَاء كَمَا لَو إرضى يرضى من الرضْوَان. وَقَالَ سِيبَوَيْهٍ: أَصله: دمى، بِالتَّحْرِيكِ وَإِن جَاءَ جمعه مُخَالفا لنظائره، والذاهب مِنْهُ الْيَاء، وَالدَّلِيل عَلَيْهَا قَوْلهم فِي تَثْنِيَة دميان، وَبَعض الْعَرَب يَقُول فِي تثنيته دموان.
стр. 792
قَوْله: (وَعرف المسلك) ، بِكَسْر الْمِيم، وَهُوَ مُعرب، مشك، بالشين الْمُعْجَمَة وَضم الْمِيم، ويروى: عرف مسك، مُنْكرا وَكَذَلِكَ. الدَّم، يرْوى مُنْكرا قَوْله: (وَالْعرْف) ينْتج بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة وَسُكُون الرَّاء وَفِي آخه فَاء وَهِي الرَّائِحَة الطّيبَة والمنتنة أَيْضا.
بَيَان استنباط الْفَوَائِد وَمِنْهَا: أَن الْحِكْمَة فِي كَون دم الشَّهِيد يَأْتِي يَوْم الْقِيَامَة على هَيْئَة إِنَّه يشْهد لصَاحبه بفضله، وعَلى ظالمه بِفِعْلِهِ وَمِنْهَا: كَونه على رَائِحَة الْمسك إِظْهَارًا لفضيلته لأهل الْمَحْشَر، وَلِهَذَا لَا يغسل دَمه وَلَا هُوَ يغسل خلافًا لسَعِيد بن الْمسيب وَالْحسن وَمِنْهَا: الدّلَالَة على فضل الْجراحَة فِي سَبِيل الله. وَمِنْهَا: أَن قَوْله: (عرف الْمسك) لَا يسْتَلْزم أَن يكون مسكاً حَقِيقَة بل يَجعله الله شَيْئا يشبه هَذَا وَلَا كَونه دَمًا يسْتَلْزم أَن يكون دَمًا نجسا حَقِيقَة، وَيجوز أَن يحوله الله إِلَى مسك حَقِيقَة لقدرته على كل شَيْء كَمَا أَنه يحول أَعمال بني آدم من الْحَسَنَات والسيئات إِلَى جَسَد ليوزن فِي الْمِيزَان الَّذِي ينصبه يَوْم الْقِيَامَة وَالله أعلم.
٦٨ - (بَاب البَولِ فِي الماءِ الدَّائِمِ)
أَي هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم الْبَوْل فِي المَاء الراكد، وَهُوَ الَّذِي لَا يجْرِي فِي رِوَايَة الْأصيلِيّ، بَاب لَا تبولوا فِي المَاء الراكد وَفِي بعض النّسخ: بَاب المَاء الدَّائِم، وَفِي بَعْضهَا، بَاب الْبَوْل فِي المَاء الدَّائِم ثمَّ الَّذِي لَا يجْرِي، وَتَفْسِير الدَّائِم هُوَ: الَّذِي لَا يجْرِي وَذكر قَوْله: بعد ذَلِك الَّذِي لَا يجْرِي يكون تَأْكِيدًا لمعناه وَصفَة مُوضحَة لَهُ، وَقيل: للِاحْتِرَاز عَن راكد لَا يجْرِي بعضه كالبرك وَنَحْوهَا. قلت: فِيهَا تعسف، وَالْألف وَاللَّام فِي المَاء، إِمَّا لبَيَان حَقِيقَة الْجِنْس أَو للْعهد الذهْنِي، وَهُوَ: المَاء الَّذِي يُرِيد الملكف التوضأ بِهِ والاغتسال مِنْهُ.
فَإِن قلت مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: ظَاهر لِأَن الْبَاب السَّابِق فِي بَيَان السّمن وَالْمَاء الَّذِي يَقع فِيهِ النَّجَاسَة، وَهَذَا أَيْضا فِي بَيَان المَاء الراكد الَّذِي يَبُول فِيهِ الرجل فيتقاربان فِي الحكم وَلم أجد مِمَّن اعتنى بشرح هَذَا الْكتاب أَن يذكر وُجُوه المناسبات بَين الْأَبْوَاب والكتب إلَاّ نَادرا.
٢٣٨ - حدّثنا أَبُو الْيَمَان قالَ أخبرنَا شُعَيْبٌ قَالَ إأخبرنا أبُو الزِّنادِ أنَّ عَبْدَ الرَّحْمانِ بنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ حَدَّثَهُ أنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ تَعَالَى أنَّهُ سَمِعَ رَسولَ الله ﷺ يَقُول نحْنُ الآخَرُونَ السَّابِقُونَ
باسْنَادِهِ قَالَ لَا يَبُولَنَّ احَدُكُمْ فِي الماءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسَلُ فِيهِ.
هَذَانِ حديثان مستقلان، ومطابقة الحَدِيث الثَّانِي للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة. وَأما الْحِكْمَة فِي تَقْدِيم الحَدِيث الأول فقد اخْتلفُوا فِيهَا فَقَالَ ابْن بطال: يحْتَمل أَن يكون أَبُو هُرَيْرَة سمع ذَلِك من النَّبِي ت وَمَا بعده فِي نسق وَاحِد،. فَحدث بهما جَمِيعًا وَيحْتَمل أَن يكون همام فعل ذَلِك لِأَنَّهُ سَمعهَا من أبي هُرَيْرَة وإلَاّ فَلَيْسَ فِي الحَدِيث مُنَاسبَة للتَّرْجَمَة. قيل: فِي الِاحْتِمَال الأول نظر لتعذره. وَلِأَنَّهُ مَا بلغنَا أَن النَّبِي ﷺ حفظ عَنهُ أحد فِي مجْلِس وَاحِد مِقْدَار هَذِه النُّسْخَة صَحِيحا إِلَّا أَن يكون من الْوَصَايَا الْغَيْر الصَّحِيحَة، وَلَا يقرب من الصَّحِيح. وَقَالَ ابْن الْمُنِير: مَا حَاصله أَن هما مَا رَاوِيه، روى جملَة أَحَادِيث عَن أبي هُرَيْرَة استفتحها لَهُ أَبُو هُرَيْرَة بِحَدِيث نَحن الْآخرُونَ فَصَارَ همام كلما حدث عَن أبي هُرَيْرَة ذكر الْجُمْلَة من أَولهَا، وَتَبعهُ البُخَارِيّ فِي ذَلِك، وَكَذَلِكَ فِي مَوَاضِع أُخْرَى من كِتَابه فِي كتاب: الْجِهَاد والمغازي وَالْإِيمَان وَالنُّذُور وقصص الْأَنْبِيَاء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، والاعتصام ذكر فِي أوائلها كلهَا نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ وَقَالَ ابْن الْمُنِير: هُوَ حَدِيث وَاحِد، فَإِذا كَانَ وَاحِدًا تكون الْمُطَابقَة فِي آخر الحَدِيث. وَفِيه نظر لِأَنَّهُ لَو كَانَ وَاحِدًا لما فَصله البُخَارِيّ بقوله: (وبأسناده) وَأَيْضًا فَقَوله: نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ طرف من حَدِيث مَشْهُور فِي ذكر يَوْم الْجُمُعَة لَو رَاعى البُخَارِيّ مَا ادَّعَاهُ لساق الْمَتْن بِتَمَامِهِ، وَيُقَال: الْحِكْمَة فِي هَذَا أَن حَدِيث نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ، أول الحَدِيث فِي صحيفَة همام عَن أبي هُرَيْرَة، وَكَانَ همام إِذا رُؤِيَ الصَّحِيفَة استفتج بِذكر، ثمَّ سرد الْأَحَادِيث، فواقه البُخَارِيّ هَاهُنَا وَيُقَال: الْحِكْمَة فِيهِ أَن من عَادَة الْمُحدثين ذكر الحَدِيث جملَة لتَضَمّنه مَوضِع الدّلَالَة الْمَطْلُوبَة، وَلَا يكون مَا فِيهِ مَقْصُودا بالاستدلال، وَإِنَّمَا جَاءَ تبعا لموْضِع الدَّلِيل وَفِيه نظر، وَلَا يخفى.
وَقَالَ الْكرْمَانِي
стр. 793
قَالَ بعض عُلَمَاء الْعَصْر: إِن قيل: مَا مُنَاسبَة صدر الحَدِيث لآخرة؟ قُلْنَا: وَجهه أَن هَذِه الْأمة آخر من يدْفن من الْأُمَم، وَأول من يخرج مِنْهَا لِأَن الأَرْض لَهُم وعَاء والوعاء آخر مَا يوضع فِيهِ، وَأول مَا يخرج مِنْهُ فَكَذَلِك المَاء الراكد. آخر مَا يَقع فِيهِ من الْبَوْل أول مَا يُصَادف أَعْضَاء المتطهر مِنْهُ، فَيَنْبَغِي أَن يجْتَنب ذَلِك وَلَا يَفْعَله قلت فِيهِ: جر الثقيل وَلَا يشفي العليل.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو الْيَمَان، بِفَتْح الْيَاء آخر الْحُرُوف وَتَخْفِيف الْمِيم: هُوَ الحكم بن نَافِع. الثَّانِي: شُعَيْب ابْن أبي حَمْزَة، وَكِلَاهُمَا تقدما فِي قصَّة هِرقل. الثَّالِث: والزناد، بِكَسْر الزَّاي وَتَخْفِيف النُّون: عبد لله بن ذكْوَان. الرَّابِع: الْأَعْرَج، وَهُوَ عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز، والأعرج صفته تقدما فِي بَاب: حب الرَّسُول من الْإِيمَان. الْخَامِس: أَبُو هُرَيْرَة.
بَيَان لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موصع، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع وَفِيه: الْأَخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين. وَفِيه: السماع فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين حمصي ومدني. وَفِيه: فِي بعض النّسخ أخبرنَا أَبُو الزِّنَاد أَن الْأَعْرَج وَفِي بَعْضهَا: حَدثنَا أَبُو الزِّنَاد أَن عبد الرَّحْمَن بن هُرْمُز الْأَعْرَج وَفِيه: كَمَا ترى أَن شعيباً روى عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج وَوَافَقَهُ سُفْيَان بن عُيَيْنَة فِيمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن أبي الزِّنَاد. وَكَذَا أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ. وَرَوَاهُ أَكثر أَصْحَاب ابْن عُيَيْنَة عَنهُ عَن أبي الزِّنَاد عَن مُوسَى بن أبي عُثْمَان عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَمن هَذَا الْوَجْه أخرجه النَّسَائِيّ، وَكَذَا أخرجه من طَرِيق النَّوَوِيّ عَن أبي الزِّنَاد، والطَّحَاوِي من طَرِيق عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد عَن أَبِيه، والطريقان صَحِيحَانِ وَلأبي الزِّنَاد فِيهِ شَيْخَانِ وَلَفْظهمَا فِي سِيَاق الْمَتْن مُخْتَلف فِيهِ.
وَأخرجه الطَّحَاوِيّ من عشر طرق: الأول: حَدثنَا صَالح عبد الرحمان بن عَمْرو الْحَارِث الْأنْصَارِيّ، وَعلي بن شيبَة بن الصلات الْبَغْدَادِيّ قَالَا حَدثنَا عبد الله بن يزِيد المقرىء، قَالَ: سَمِعت ابْن عون يحدث عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَ: نهى أَو نهيّ أَن يَبُول الرجل فِي المَاء الدَّائِم، أَو الراكد ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ أَو يغْتَسل فِيهِ. الطَّرِيق الثَّانِي: حَدثنَا عَليّ بن سعيد بن نوح الْبَغْدَادِيّ، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن بكر السَّهْمِي، قَالَ: حَدثنَا هِشَام بن حسان عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (لَا يَبُول أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يجْرِي ثمَّ يغْتَسل فِيهِ) وَأخرجه مُسلم بِنَحْوِهِ. الطَّرِيق الثَّالِث: حَدثنَا يُونُس بن عبد الْأَعْلَى، قَالَ: أَخْبرنِي أنس بن عِيَاض اللَّيْثِيّ عَن الْحَارِث بن أبي ذياب، وَهُوَ رجل من الأزد، عَن عَطاء بن مينا عَن أبي هُرَيْرَة أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: (لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ أَو يشرب) وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ بِنَحْوِهِ إِسْنَادًا ومتناً. الطَّرِيق الرَّابِع: حَدثنَا يُونُس، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الله بن وهب، قَالَ: أَخْبرنِي عَمْرو بن الْحَارِث أَن بكير بن عبد الله بن الْأَشَج حَدثهُ أَن أَبَا السَّائِب، مولى هِشَام بن زهرَة؟ حَدثهُ أَنه سمع أَبَا هُرَيْرَة يَقُول: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يغْتَسل أحدكُم فِي المَاء، الدَّائِم وَهُوَ جنب فَقَالَ: كَيفَ تفعل يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ فَقَالَ: يتَنَاوَلهُ تناولاً) وَأخرجه ابْن حبَان فِي (صَحِيحه) نَحوه عَن عبد الله بن مُسلم عَن جرملة بن يحيى عَن عبد الله بن وهب إِلَى آخِره. الطَّرِيق الْخَامِس: حَدثنَا ابْن أبي دَاوُد، قَالَ: حَدثنَا سعيد بن الحكم ابْن أبي مَرْيَم، قَالَ: أَخْبرنِي عبد الرَّحْمَن بن أبي الزِّنَاد، قَالَ: حَدثنِي أبي عَن مُوسَى بن أبي عُثْمَان عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يجْرِي ثمَّ يغْتَسل مِنْهُ) وَلم يعرف قَاسم اسْم: أبي مُوسَى، الْمَذْكُور وَتَركه التِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ. الطَّرِيق السَّادِس وَالسَّابِع: حَدثنَا حسن بن نَص الْبَغْدَادِيّ، قَالَ: حَدثنَا مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، قَالَ: حَدثنَا سُفْيَان (ح) وَحدثنَا فهر، قَالَ: حَدثنَا أَبُو نعيم، قَالَ: سُفْيَان عَن أبي الزِّنَاد، الطَّرِيق الثَّامِن: حَدثنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان الْمرَادِي الْمُؤَذّن قَالَ: حَدثنَا أَسد بن مُوسَى قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن لهيفة قَالَ: فَذكر بِإِسْنَادِهِ مثله، حَدثنَا عبد الرَّحْمَن الْأَعْرَج، قَالَ: سَمِعت أَبَا هُرَيْرَة يَقُول عَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يَتَحَرَّك ثمَّ يغْتَسل مِنْهُ) . الطَّرِيق التَّاسِع: حَدثنَا الرّبيع بن سُلَيْمَان الجيزي، قَالَ: حَدثنَا أَبُو زرْعَة وَهبة الله بن رَاشد، قَالَ: أخبرنَا حَيْوَة بن شُرَيْح، قَالَ: سَمِعت ابْن عجلَان يحدث عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: (لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الراكد وَلَا يغْتَسل فِيهِ) . الطَّرِيق الْعَاشِر: حَدثنَا إِبْرَاهِيم بن منقذ الْعُصْفُرِي؟ قَالَ: حَدثنِي إِدْرِيس بن يحيى، قَالَ: حَدثنَا عبد الله بن عَبَّاس عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ مثله، غير أَنه قَالَ: (وَلَا يغْتَسل فِيهِ جنب) .
стр. 794
بَيَان تعدد مَوْضِعه من أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ كَمَا ترى عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة. وَأخرجه مُسلم وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ عَن مُحَمَّد بن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن همام بن مُنَبّه عَن أبي هُرَيْرَة وَأخرجه ابْن مَاجَه عَن ابْن عجلَان عَن أَبِيه عَن أبي هُرَيْرَة وَأخرجه مُسلم أَيْضا من حَدِيث جَابر عَن رَسُول الله ﷺ أَنه: (نهى أَن يبال فِي المَاء الراكد) . وَأخرجه الطَّحَاوِيّ أَيْضا وَابْن مَاجَه وَالطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) وَأخرجه ابْن مَاجَه أَيْضا من حَدِيث نَافِع عَن ابْن عمر، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : (لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الناقع) .
بَيَان لغته وَمَعْنَاهُ قَوْله: (وَنحن الْآخرُونَ) بِكَسْر الْحَاء جمع الآخر، بِمَعْنى الْمُتَأَخر، يذكر فِي مُقَابلَة الأول، وَبِفَتْحِهَا جمع الآخر، أفعل التَّفْصِيل، وَهَذَا الْمَعْنى أَعم من الأول، وَالرِّوَايَة بِالْكَسْرِ فَقَط، وَمَعْنَاهُ نَحن الْمُتَأَخّرُونَ فِي الدُّنْيَا المتقدمون فِي يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله: (وبإسناده) الضَّمِير يرجع إِلَى الحَدِيث أَي: حَدثنَا أَبُو الْيَمَان بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُور قَوْله: (لَا يبولن) ، بِفَتْح اللَّام وبنون التَّأْكِيد الثَّقِيلَة. وَفِي رِوَايَة ابْن مَاجَه: (لَا يَبُول) ، بِغَيْر نون التَّأْكِيد. قَوْله: (فِي المَاء الدَّائِم) من دَامَ الشَّيْء يَدُوم ويدام، قَالَ الشَّاعِر:
(يَا مي لَا غرو وَلَا ملاماً ... فِي الْحبّ أَن الْحبّ لن يداما)
وديماً ودواماً وديمومة قَالَه ابْن سَيّده وَأَصله الاستدارة، وَذَلِكَ أَن أَصْحَاب الهندسة يَقُولُونَ إِن المَاء إِذا كَانَ بمَكَان فَإِنَّهُ يكون مستديراً فِي الشكل، وَيُقَال الدَّائِم الثَّابِت الْوَاقِف الَّذِي لَا يجْرِي. وَقَوله: (لَا يجْرِي) إِيضَاح لمعناه وتأكيد لَهُ وَيُقَال: الدَّائِم الراكد، جَاءَ فِي بعض الرِّوَايَات: وَفِي (تَارِيخ نيسابور) المَاء الراكد الدَّائِم. وَيُقَال: احْتَرز بقوله: (الَّذِي لَا يجْرِي) عَن راكد يجْرِي بعضه، كالبرك وَقيل: احْتَرز بِهِ عَن المَاء الدائر لِأَنَّهُ جَار من حَيْثُ الصُّورَة، سَاكن من حَيْثُ الْمَعْنى. قَوْله: (ثمَّ يغْتَسل) يجوز فِيهِ الْأَوْجه الثَّلَاثَة الْجَزْم عطفا على: (لَا يبولن) لِأَنَّهُ مجزوم الْموضع بِلَا الَّتِي للنَّهْي، وَلكنه بني على الْفَتْح لتوكيده بالنُّون. وَالرَّفْع: تَقْدِير ثمَّ هُوَ يغْتَسل فِيهِ. وَالنّصب: على إِضْمَار أَن وَإِعْطَاء، ثمَّ حكم وَاو الْجمع وَنَظِيره فِي الْأَوْجه الثَّلَاثَة قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ يُدْرِكهُ الْمَوْت﴾ (النِّسَاء: ١٠٠) إغاثة قرىء بِالْجَزْمِ، وَهُوَ الَّذِي قرأنه السَّبْعَة، وبالرفع وَالنّصب على الشذوذ وَقَالَ النَّوَوِيّ لَا يجوز النصب لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن الْمنْهِي عَنهُ الْجمع بَينهمَا دون إِفْرَاد أَحدهمَا. وَهَذَا لم يقلهُ أحد، بل الْبَوْل فِيهِ مَنْهِيّ عَنهُ سَوَاء أَرَادَ الِاغْتِسَال فِيهِ أَو مِنْهُ أم لَا، وَلَا يَقْتَضِي الْجمع إِذْ لَا يُرِيد بتشبيه، ثمَّ بِالْوَاو المشابهة من جَمِيع الْوُجُوه بل جَوَاز النصب بعده فَقَط سلمنَا لَكِن لَا يضر إِذْ كَون الْجمع يعلم من حَقنا وَكَون الْأَفْرَاد مَنْهِيّا من دَلِيل آخر كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تلبسوا الْحق بِالْبَاطِلِ وتكتموا الْحق﴾ (الْبَقَرَة: ٤٢) على تَقْدِير النصب. قَوْله: (فِيهِ) أَي: فِي المَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يجْرِي، وَتفرد البُخَارِيّ بِلَفْظ فِيهِ، أَو فِي رِوَايَة ابْن عُيَيْنَة عَن أبي الزِّنَاد (ثمَّ يغْتَسل مِنْهُ) كَمَا فِي رِوَايَة غَيره مِنْهُ بِكَلِمَة من وَلَك وَاحِد من اللَّفْظَيْنِ يُفِيد حكما بِالنَّصِّ، وَحكما بالاستنباط.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام الأول: احْتج بِهِ أَصْحَابنَا. أَن المَاء الَّذِي لَا يبلغ الغدير الْعَظِيم إِذا وَقعت فِيهِ نَجَاسَة لم يجز الْوضُوء بِهِ، قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا، وعَلى أَن الْقلَّتَيْنِ تحمل النَّجَاسَة لِأَن الحَدِيث مُطلق فبإطلاقه يتَنَاوَل الْقَلِيل وَالْكثير، والقلتين وَالْأَكْثَر مِنْهُمَا. وَلَو قُلْنَا: إِن الْقلَّتَيْنِ لَا تحمل النَّجَاسَة لم يكن للنَّهْي فَائِدَة على أَن هَذَا أصح من حَدِيث الْقلَّتَيْنِ وَقَالَ ابْن قدامَة وَدَلِيلنَا حَدِيث الْقلَّتَيْنِ، وَحَدِيث بِئْر بضَاعَة، وَهَذَانِ نَص فِي خلاف مَا ذهب إِلَيْهِ الْحَنَفِيَّة وَقَالَ أَيْضا بِئْر بضَاعَة لَا تبلغ إِلَى الْحَد الَّذِي يمْنَع التنجس عِنْدهم قلت: لَا نسلم أَن هذَيْن الْحَدِيثين نصر فِي خلاف مَذْهَبنَا، أما حَدِيث الْقلَّتَيْنِ فَلِأَنَّهُ وَإِن كَانَ بَعضهم صَححهُ فَإِنَّهُ مُضْطَرب سنداً ومتناً والقلة فِي نَفسهَا مَجْهُولَة وَالْعَمَل بِالصَّحِيحِ الْمُتَّفق عَلَيْهِ أقوى وَأقرب وَأما حَدِيث بِئْر بضَاعَة فَإنَّا نعمل بِهِ فَإِن ماءها كَانَ جَارِيا وَقَوله: وبئر بضَاعَة لَا تبلغ إِلَى آخِره غير صَحِيح لِأَن الْبَيْهَقِيّ رُوِيَ عَن الشَّافِعِي أَن بِئْر بضَاعَة كَانَت كَثِيرَة المَاء وَاسِعَة، وَكَانَ يطْرَح فِيهَا من الأنجاس مَا لَا يُغير لَهَا لوناً وَلَا ريحًا وَلَا طعماً فَإِن قَالُوا: حديثكم عَام فِي كل مَاء، وحديثنا خَاص فِيمَا يبلغ الْقلَّتَيْنِ، وَتَقْدِيم الْخَاص على الْعَام مُتَعَيّن، كَيفَ وحديثكم لَا بُد من تَخْصِيصه، فَإِنَّكُم وافقتمونا على تَخْصِيص المَاء الْكثير الَّذِي يزِيد على عشرَة
стр. 795
أَذْرع وَإِذا لم يكن بُد من التَّخْصِيص فالتخصيص بِالْحَدِيثِ أولى من التَّخْصِيص بِالرَّأْيِ من غير أصل يرجع إِلَيْهِ، وَلَا دَلِيل يعْتَمد عَلَيْهِ. قُلْنَا: لَا تسلمك أَن تَقْدِيم الْخَاص على الْعَام مُتَعَيّن، بل الظَّاهِر من مهب أبي حنيفَة، ﵁ تَرْجِيح الْعَام على الْخَاص فِي الْعَمَل بِهِ، كَمَا فِي حديثكم حَرِيم لئر الناضح فَإِنَّهُ رجح قَوْله: ﵇: من حفر بِئْرا فَلهُ مِمَّا حولهَا أَرْبَعُونَ ذِرَاعا على الْخَاص الْوَارِد فِي بِئْر الناضح أَنه سِتُّونَ ذِرَاعا وَرجح قَوْله ﷺ : (مَا أخرجت الأَرْض فَفِيهِ الْعشْر) على الْخَاص الْوَارِد بقوله: (لَيْسَ فِيمَا دون خَمْسَة أوسق صدقه) وَنسخ الْخَاص بِالْعَام، قَوْلهم: التَّخْصِيص بِالْحَدِيثِ أولى من التَّخْصِيص بِالرَّأْيِ قُلْنَا: هَذَا إِنَّمَا يكون إِذا كَانَ الحَدِيث الْمُخَصّص غير مُخَالف للْإِجْمَاع، وَحَدِيث الْقلَّتَيْنِ خير آحَاد ورد مُخَالفا لإِجْمَاع الصَّحَابَة فَيرد بَيَانه أَن ابْن عَبَّاس وَابْن الزبير ﵃ فتيا فِي زنجي وَقع فِي بِئْر زَمْزَم، بنزج المَاء كُله، وَلم يظْهر أَثَره فِي المَاء، وَكَانَ المَاء أَكثر من قُلَّتَيْنِ، وَذَلِكَ بِمحضر من الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، وَلم يُنكر عَلَيْهِمَا أحد مِنْهُم، فَكَانَ إِجْمَاعًا وَخبر الْوَاحِد إِذا ورد مُخَالفا للْإِجْمَاع يرد، يدل عَلَيْهِ أَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ قَالَ: لَا يثبت هَذَا الحَدِيث عَن النَّبِي ﷺ ، وَكفى بِهِ قدوة فِي هَذَا الْبَاب وَقَالَ أَبُو دَاوُد، لَا يكَاد يَصح لوَاحِد من الْفَرِيقَيْنِ حَدِيث عَن النَّبِي صلى الله تَعَالَى عَلَيْهِ وَسلم، فِي تَقْدِير المَاء. وَقَالَ صَاحب (الْبَدَائِع) وَلِهَذَا رَجَعَ أَصْحَابنَا فِي التَّقْدِير إِلَى الدَّلَائِل الحسية دون الدَّلَائِل السمعية.
الثَّانِي: اسْتدلَّ بِهِ أَبُو يُوسُف على نَجَاسَة المَاء الْمُسْتَعْمل، فَإِنَّهُ قرن بَين الْغسْل فِيهِ وَالْبَوْل فِيهِ، وَأما الْبَوْل فِيهِ فينجسه، فَكَذَلِك الْغسْل فِيهِ وَفِي دلَالَة الْقرَان بَين الشَّيْئَيْنِ على استوائهما فِي الحكم خلاف بَين الْعلمَاء فالمذكور عَن أبي يُوسُف والمزني ذَلِك، وَخَالَفَهُمَا غَيرهمَا وَقَالَ بَعضهم: وَاسْتدلَّ بِهِ بعض الْحَنَفِيَّة على تنجس المَاء الْمُسْتَعْمل، لِأَن الْبَوْل ينجس المَاء، فَكَذَلِك الِاغْتِسَال، وَقد نهى عَنْهُمَا مَعًا، وَهُوَ التَّحْرِيم، فَدلَّ على أَن النَّجَاسَة فيهمَا ثَابِتَة، ورد بِأَنَّهَا دلَالَة قرَان وَهِي ضَعِيفَة قلت: هَذَا عجب مِنْهُ، فَإِنَّهُ إِذا كَانَت دلَالَة الاقتران صَحِيحَة عِنْده، فبقوله: وَهِي ضَعِيفَة، يرد على قَائِله: على أَن مَذْهَب أَكثر أَصْحَاب إِمَامه مثل مَذْهَب بعض الْحَنَفِيَّة، ثمَّ قَالَ هَذَا الْقَائِل: وعَلى تَقْدِير تَسْلِيمهَا قد يلْزم التَّسْوِيَة، فَيكون النَّهْي عَن الْبَوْل لِئَلَّا يُنجسهُ، وَعَن الِاغْتِسَال فِيهِ لِئَلَّا يسلبه الطّهُورِيَّة قلت: هَذَا أعجب من الأول، لِأَنَّهُ تحكم حَيْثُ لَا يفهم هَذِه التَّسْوِيَة من نظم الْكَلَام، وَالَّذِي احْتج بِهِ فِي نَجَاسَة المَاء الْمُسْتَعْمل يَقُول بالتسوية من نظم الْكَلَام.
الثَّالِث: النَّوَوِيّ زعم أَن النَّهْي الْمَذْكُور فِيهِ للتَّحْرِيم فِي بعض الْمِيَاه، وَالْكَرَاهَة فِي بَعْضهَا، فَإِن كَانَ المَاء كثيرا جَارِيا لم يحرم الْبَوْل فِيهِ لمَفْهُوم الحَدِيث، وَلَكِن الأولى اجتنابه، وَإِن كَانَ قَلِيلا جَارِيا فقد قَالَ جمَاعَة من أَصْحَابنَا: يكره، وَالْمُخْتَار أَنه يحرم، لِأَنَّهُ يقذره وينجسه على الْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي، وَإِن كَانَ كثيرا راكداً فَقَالَ أَصْحَابنَا يكره وَلَا يحرم وَلَو قيل يحرم لم يكن بَعيدا وَأما الراكد الْقَلِيل فقد أطلق جمَاعَة من أَصْحَابنَا أَنه مَكْرُوه، وَالصَّوَاب الْمُخْتَار: أَنه حرَام، والتغوط فِيهِ كالبول فِيهِ، وأقبح، وَكَذَا أذا بَال فِي إِنَاء ثمَّ صبه فِي المَاء قلت: زعم النَّوَوِيّ أَنه من بَاب اسْتِعْمَال اللَّفْظ اسْتِعْمَال اللَّفْظ الْوَاحِد فِي مَعْنيين مُخْتَلفين، وَفِيه من الْخلاف مَا هُوَ مَعْرُوف عِنْد أهل الْأُصُول.
الرَّابِع: أَن هَذَا الحَدِيث عَام فَلَا بُد من تَخْصِيصه اتِّفَاقًا بِالْمَاءِ المتبحر الَّذِي لَا يَتَحَرَّك أحد طَرفَيْهِ بتحريك الطّرف الآخر، أَو بِحَدِيث الْقلَّتَيْنِ كَمَا ذهب إِلَيْهِ الشَّافِعِي، وبالعمومات الدَّالَّة على طهورية المَاء مَا لم تَتَغَيَّر أحد أَوْصَافه الثَّلَاثَة كَمَا ذهب إِلَيْهِ مَالك ﵀. وَقَالَ بَعضهم: الْفَصْل بالقلتين أقوى لصِحَّة الحَدِيث فِيهِ، وَقد اعْترف الطَّحَاوِيّ من الْحَنَفِيَّة بذلك، لكنه أعْتَذر عَن القَوْل بِهِ بِأَن الْقلَّة فِي الْعرف تطلق على الْكَبِيرَة وَالصَّغِيرَة، كالجرة وَلم يثبت فِي الحَدِيث تقديرهما، فَيكون مُجملا فَلَا يعْمل بِهِ، وَقواهُ ابْن دَقِيق الْعِيد. قلت: هَذَا الْقَائِل أدعى ثمَّ أبطل دَعْوَاهُ بِمَا ذكره فَلَا يحْتَاج إِلَى ود كَلَامه بِشَيْء آخر.
الْخَامِس: فِيهِ ذليل على تَحْرِيم الْغسْل وَالْوُضُوء بِالْمَاءِ النَّجس.
السَّادِس: فِيهِ التَّأْدِيب بالتنزه ومختص ببول نسفه، لغير البائل أَن يتَوَضَّأ بِمَا بَال فِيهِ غَيره، أَيْضا للبائل إِذا بَال فِي إِنَاء ثمَّ صبه فِي المَاء أَو بَال بِقرب المَاء ثمَّ جرى إِلَيْهِ، وَهَذَا من أقبح مَا نقل عَنهُ.
السَّابِع: أَن الْمَذْكُور فِيهِ الْغسْل من الْجَنَابَة، فَيلْحق بِهِ الِاغْتِسَال من الْحَائِض وَالنُّفَسَاء، وَكَذَلِكَ يحلق بِهِ اغتسال الْجُمُعَة، والاغتسال من غسل الْمَيِّت عِنْد من يُوجِبهَا. قلت: هَل يلْحق بِهِ الْغسْل الْمسنون أم لَا؟ قلت: من اقْتصر على اللَّفْظ فَلَا إِلْحَاق عِنْده كَأَهل الظَّاهِر، وَأما من يعْمل بِالْقِيَاسِ فَمن زعم أَن الْعلَّة
стр. 796
الِاسْتِعْمَال فالإلحاق صَحِيح، وَمن زعم أَن الْعلَّة رفع الْحَدث فَلَا إِلْحَاق عِنْده، فَاعْتبر بِالْخِلَافِ الَّذِي بَين أبي يُوسُف وَمُحَمّد فِي كَون المَاء مُسْتَعْملا.
الثَّامِن: فِيهِ دَلِيل على نَجَاسَة الْبَوْل.
٦٩ - (بابٌ إذَا أُلْقِيَ عَلى ظهْرِ المصَلِّى قَذَرٌ أَوْ جِيفَةٌ لَمْ تَفْسُدْ عَلَيْهِ صَلاتُهُ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم من ألقِي على ظَهره نَجَاسَة وَهُوَ فِي الصَّلَاة. وَقَوله: (لم تفْسد عَلَيْهِ صلَاته) جَوَاب: إِذا، والقذر، بِفَتْح الذَّال الْمُعْجَمَة ضد النَّظَافَة يُقَال: قذرت الشَّيْء، بِالْكَسْرِ، إِذا كرهته، (والجيفة:) جنَّة الْمَيِّت المريحة.
وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ من حَيْثُ إِن الْبَاب الأول يشْتَمل على حكم وُصُول النَّجَاسَة إِلَى المَاء، وَهَذَا الْبَاب يشْتَمل على حكم وصولها إِلَى الْمُصَلِّي وَهُوَ فِي الصَّلَاة، وَهَذَا الْمِقْدَار يتلمح بِهِ فِي وَجه التَّرْتِيب، وَإِن كَانَ حكم مَا مُخْتَلفا، فَإِن فِي الْبَاب الأول وُصُول الْبَوْل إِلَى المَاء الراكد يُنجسهُ. كَمَا ذكر المَاء فِيهِ مستقضىً بِمَا قَالَت الْعلمَاء فِيهِ، وَفِي هَذَا الْبَاب وُصُول النَّجَاسَة إِلَى الْمُصَلِّي لَا تفْسد صلَاته على مَا زعم البُخَارِيّ، فَإِنَّهُ وضع هَذَا الْبَاب لهَذَا الْمَعْنى، وَلِهَذَا صرح بقوله: (لم تفْسد عَلَيْهِ صلَاته) وَهَذَا يمشي على مَذْهَب من يرى عدم اشْتِرَاط إِزَالَة النَّجَاسَة لصِحَّة الصَّلَاة، أَو على مَذْهَب من يَقُول: إِن من حدث لَهُ فِي صَلَاة مَا يمْنَع انْعِقَادهَا ابْتِدَاء لَا تبطل صلَاته وَقَالَ بَعضهم: (لم تفْسد) مَحَله مَا إِذا لم يعلم بذلك وَتَمَادَى، وَيحْتَمل الصِّحَّة مُطلقًا على قَول من يذهب إِلَى أَن اجْتِنَاب النَّجَاسَة فِي الصَّلَاة لَيْسَ بِفَرْض، وعَلى قَول من ذهب إِلَى منع ذَلِك فِي الِابْتِدَاء دون مَا يطْرَأ وَإِلَيْهِ ميل المُصَنّف انْتهى قلت: من أَيْن علم ميل المُصَنّف إِلَى القَوْل الثَّانِي، وَقد وضع هَذَا الْبَاب وَترْجم بِعَدَمِ الْفساد مُطلقًا وَلم يُقيد بِشَيْء. مِمَّا ذكره هَذَا الْقَائِل؟ على أَنه قد أكد مَا ذهب، إِلَيْهِ من الْإِطْلَاق بِمَا رُوِيَ عَن عبد الله بن عمر وَسَعِيد بن الْمسيب وعامر الشّعبِيّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، على أَن فِيهِ نظرا على مَا تذكره عَن قريب إِن شَاءَ الله تَعَالَى، وَقَالَ هَذَا الْقَائِل أَيْضا وَعَلِيهِ يخرج صَنِيع الصَّحَابِيّ الَّذِي اسْتمرّ فِي الصَّلَاة بعد أَن سَالَتْ مِنْهُ الدِّمَاء يَرْمِي من رَمَاه قلت: هَذَا الصَّحَابِيّ فِي حَدِيث جَابر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سنَنه قَالَ: (خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ يَعْنِي فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع الحَدِيث وَفِيه: (فَنزل النَّبِي، ﵊، منزلا، وَقَالَ: من رجل يكلؤنا، فَانْتدبَ رجل من الْمُهَاجِرين وَرجل من الْأَنْصَار، وَقَالَ: كونا بِفَم الشّعب، قَالَ: فَلَمَّا خرج الرّجلَانِ إِلَى فَم الشّعب اضْطجع الْمُهَاجِرِي وَقَامَ الْأنْصَارِيّ يُصَلِّي، وأتى رجل، فَلَمَّا رأى شخصه عرفه أَنه ربيئة للْقَوْم، فَرَمَاهُ بِسَهْم فَوَضعه فِيهِ ونزعه حَتَّى قضى ثَلَاثَة أسْهم، ثمَّ ركع وَسجد) الحَدِيث وَتَخْرِيج هَذَا الْقَائِل صَنِيع هَذَا الصَّحَابِيّ على مَا ذكره غير صَحِيح، لِأَن هَذَا فعل وَاحِد من الصَّحَابَة، وَلَعَلَّه كَانَ ذهل عَنهُ، أَو كَانَ غير عَالم بِحكمِهِ، وَالتَّحْقِيق فِيهِ أَن الدَّم حِين خرج أصَاب بدنه وثوبه، فَكَانَ يَنْبَغِي أَن يخرج من الصَّلَاة وَلم يخرج، فَلَمَّا بدل مضيه فِي الصَّلَاة على جَوَاز الصَّلَاة مَعَ النَّجَاسَة كَذَلِك، لَا بدل مضيه فِيهَا على أَن خُرُوج الدَّم لَا ينْقض الْوضُوء.
وكانَ ابنُ عُمَرَ إِذا رَأَى ثَوْبِهِ دَمًا يُصَلِّى وَضَعهُ وَمَضَى فِي صَلاتِهِ
هَذَا الْأَثر لَا يُطَابق التَّرْجَمَة لِأَن فِيهَا مَا إِذا أصَاب الْمُصَلِّي نَجَاسَة وَهُوَ فِي الصَّلَاة لَا تفْسد صلَاته، والأثر يدل على أَن ابْن عمر إِذا رأى فِي ثَوْبه دَمًا، وَهُوَ فِي الصَّلَاة وضع ثَوْبه يَعْنِي: أَلْقَاهُ، وَمضى فِي صلَاته، فَهَذَا صَرِيح على أَنه لَا يرى جَوَاز الصَّلَاة مَعَ إِصَابَة النَّجَاسَة فِي ثَوْبه وَالدَّلِيل على صِحَة مَا قُلْنَا مَا رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة من طَرِيق برد بن سِنَان عَن نَافِع عَنهُ: أَنه كَانَ إِذا كَانَ فِي الصَّلَاة فَرَأى فِي ثَوْبه دَمًا فاستطاع أَن يَضَعهُ وَضعه، وَإِن لم يسْتَطع خرج فَغسله ثمَّ جَاءَ يَبْنِي على مَا كَانَ صلى. وَقَالَ بَعضهم: وَهُوَ يَقْتَضِي أَنه كَانَ يرى التَّفْرِقَة بَين الِابْتِدَاء والدوام قلت: لَا يَقْتَضِي هَذَا أصلا وَإِنَّمَا يدل على أَنه كَانَ لَا يرى جَوَاز الصَّلَاة مَعَ وجود النَّجَاسَة مَعَ الْمُصَلِّي مُطلقًا وَهَذَا حجَّة قَوِيَّة لأبي يُوسُف فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من أَن الْمُصَلِّي إِذا كَانَ انتضح عَلَيْهِ الْبَوْل أَكثر.
من قدر الدِّرْهَم ينْصَرف وَيغسل وَيَبْنِي على صلَاته، وَكَذَلِكَ إِذا ضرب رَأسه أَو صدمه شَيْء فَسَالَ مِنْهُ الدَّم.
стр. 797
وَقَالَ ابنُ المُسَيِّبَ والشَّعْبِي إِذا صلَّى وَفِي ثَوْبِهِ دَمٌ أَوْ جَنَابَةٌ أَو لِغَيْرِ القِبْلَةِ أَوْ تَيَمَمَ وصلَّى ثُمَّ أَدْرَكَ الماءَ فِي وَقْتِهِ لَا يُعيدُ
وَقع للأكثرين: (وَقَالَ ابْن الْمسيب:) وَوَقع للمستملي والسرخسي: وَكَانَ ابْن الْمسيب، يدل، قَالَ: فَإِن قلت: فعلى هَذَا يَنْبَغِي أَن يثنى الضَّمِير، لِأَن الْمَذْكُور اثْنَان وهم: ابْن الْمسيب وَالشعْبِيّ. قلت: أَرَادَ كلَّ وَاحِد مِنْهُمَا فَإِن ابْن الْمسيب هُوَ سعيد، وَالشعْبِيّ هُوَ عَامر، وَهَذَا الْأَثر بِمَا يُطَابق التَّرْجَمَة إِذا عمل بِظَاهِرِهِ على الْإِطْلَاق أما إِذا قيل: المُرَاد من قَوْله: دم أقل من قدر الدِّرْهَم عِنْد من يرى ذَلِك، أَو شَيْء يسير عِنْد من ذهب إِلَى أَن الْيَسِير عَفْو فَلَا يُطَابق التَّرْجَمَة على مَا لَا يخفى، وَكَذَلِكَ الْجَنَابَة لَا تطابق عِنْد من يرَاهُ طَاهِرا وَالْمرَاد من الْجَنَابَة أَثَرهَا وَهُوَ الْمَنِيّ، أَو فِيهِ إِطْلَاق الْجَنَابَة على الْمَنِيّ من قبيل ذكر الْمسيب، وَإِرَادَة السَّبَب. قَوْله: (أَو لغير الْقبْلَة) أَي: أَو صلى لغير الْقبْلَة على اجْتِهَاده، ثمَّ تبين الْخَطَأ قَوْله: (أَو تيَمّم) أَي: عِنْد عدم المَاء، وكل هَذِه قيود لَا بُد مِنْهَا على مَا لَا يخفى. قَوْله: (وَلَا يُعِيد) أَي: الصَّلَاة، وَذكر ابْن بطال عَن ابْن مَسْعُود وَابْن عمر وَسَالم وَعَطَاء وَالنَّخَعِيّ وَمُجاهد وَالزهْرِيّ وَطَاوُس: أَنه إِذا صلى فِي ثوب نجس، ثمَّ علم بِهِ بعد الصَّلَاة، لَا إِعَادَة عَلَيْهِ وَهُوَ قَول الْأَوْزَاعِيّ وَإِسْحَاق وَأبي ثَوْر، وَعَن ربيعَة وَمَالك: يُعِيد فِي الْوَقْت، وَعَن الشَّافِعِي: يُعِيد أبدا، وَبِه قَالَ أَحْمد، رَحمَه الله تَعَالَى.
٢٤٠ - حدّثنا عَبْدانُ قَالَ أَخْبرنِي أبي عنْ شُعْبَةَ عَن أبي إسْحَاقَ عنْ عَمْرو بنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قالَ بَيْنا رسولُ الله عَلَيْهِ وَسلم سَاجِدٌ ح قالَ وحَدثني أحمَدُ بنُ عُثْمانَ قَالَ حَدثنَا شُرَيْحُ بنُ مَسْلَمَةَ قَالَ حَدثنَا إبْراهِيمُ بنُ يُوسُفَ عنْ أبِيهِ عنْ أبي إسْحَاقَ قَالَحدثني عَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بنُ مَسْعُودٍ حَدَّثَهُ أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُصَلِّى عنْدَ البَيْتَ وأبُو جَهْلٍ وَأصْحَابٌ لَهُ جُلُوسٌ إِذْ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَيَّكُمْ يَجِىءُ بِسَلاً جَزُورِ بَنِي فُلانٍ فَيَضَعُهُ علَى ظهْرِ مُحَمَّدٍ إِذا سَجَدَ فَانْبَعَثَ أَشْقَى القوْمِ فَجَاءَ بِهِ فَنَظَر حَتَّى إذَا سَجَدَ النبيُّ ﷺ وَضَعَهُ علَى ظَهْرِهِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وأنَا أَنْظُرُ لَا أُغْنِي شَيْئَاً لَوْ كَانَ لِي مَتَعةٌ قَالَ فَجَعَلُوا يَضْحَكُونَ ويُحُيلُ بَعْضُهُمْ على بَعْضِ ورسولُ الله ﷺ ساجدُ لَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ حَتَّى جاءَتْهُ فَاطِمَةُ فَطَرَحَتْ عنْ ظَهْرِهِ فَرَفَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِقُرَيْشً ثَلاثَ مَرَّاتٍ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إذْ دَعَا عَلَيْهِمْ قالَ وكَانُوا يَرْون أنَّ الدَّعْوَةَ فِي ذَلِكَ البَلَدِ مُسْتَجَابَة ثُمَّ سَمَّى اللَّهُمَّ عَلَيْك بِأبي جهل وَعَلَيْك بِعتبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة والوليدين عتبَة وَأُميَّة بن خلف وَعُقْبَةَ بنِ أبي مُعَيْطٍ وعَدَّ السابِعَ فَلَمْ تَحْفَظْهُ قالَ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ رَأَيْتُ الَّذِينَ عَدَّ رسولُ اللَّهِ ﷺ صَرْعَى فِي القَلِيبٍ قَلِيبِ بَدْرٍ.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، لِأَن ظَاهره يدل على مَا ذهب إِلَيْهِ، وَلَكِن عَنهُ أجوبة تَأتي فِيهِ، بعون الله وتوفيقه.
(بَيَان رِجَاله) وهم عشرَة أنفس: الأول: عَبْدَانِ بن عُثْمَان بن حبلة، وَقد تقدم عَن قريب فِي بَاب: غسل الْمَنِيّ وفركه. الثَّانِي: أَبُو عُثْمَان بن جبلة، بِفَتْح الْجِيم وَالْبَاء الْمُوَحدَة. الثَّالِثَة: شُعْبَة بن الْحجَّاج، وَقد تقدم مُرَاده الرَّابِع: أَبُو إِسْحَاق السبيعِي اسْمه: عَمْرو بن عبد الله الْكُوفِي التَّابِعِيّ، تقدم ذكره فِي بَاب: الصَّلَاة من الْإِيمَان، والسبيعي، بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة. الْخَامِس: عَمْرو بن مَيْمُون أَبُو عبد الله الْكُوفِي الأودي، بِفَتْح الْهمزَة وبالدال الْمُهْملَة، أدْرك زمن النَّبِي ﷺ وَلم يلقه، وَحج مائَة حجَّة وَعمرَة، وَادي صدقته إِلَى عُمَّال رَسُول الله ﷺ ، وَهُوَ الَّذِي رأى قردة زنت فِي
стр. 798
الْجَاهِلِيَّة فاجتمعت القردة فرجموها، مَاتَ سنة خمس وَسبعين. السَّادِس: أَحْمد بن عُثْمَان بن حَكِيم، بِفَتْح الْخَاء وَكسر الْكَاف: الأودي الْكُوفِي، مَاتَ سنة سِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ. السَّابِع: شُرَيْح، بِضَم الشين الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف فِي آخِره حاء مُهْملَة، ابْن مسلمة، بِفَتْح الْمِيم وَاللَّام وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة الْكُوفِي التنوحي بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق وبالنون الْمُشَدّدَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة وَيُقَال بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة مَاتَ سنة اثْنَتَيْنِ وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ كَذَا ضَبطه الْكرْمَانِي والتنوح بالنُّون الْمُشَدّدَة وَقَالَ الْجَوْهَرِي، فِي مَادَّة، نوخ: وتنوخ، وَهِي حَيّ من الْيمن، وَلَا تشدد النُّون، الثَّامِن: إِبْرَاهِيم بن يُوسُف بن إِسْحَاق ابْن أبي إِسْحَاق السبيعِي، مَاتَ سنة ثَمَان وَتِسْعين وَمِائَة التَّاسِع: أَبوهُ يُوسُف الْمَذْكُور الْعَاشِر: عبد الله بن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. بَيَان لطائف إِسْنَاده وَهنا إسنادان فِي الأول: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد والإخابر بِصِيغَة الْإِفْرَاد والعنعنة فِي أَرْبَعَة وَاضع. وَفِي الثَّانِي: التحديث بِصِيغَة الْإِفْرَاد فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع، وبصيغة الْجمع فِي موضِعين والعنعنة فِي موضِعين، وَفِيه: أَن رُوَاته كوفيون غير عَبْدَانِ وَأَبِيهِ فَإِنَّهُمَا مروزيان. وَمن لطائف إِسْنَاده، أَنه قرن رِوَايَة عَبْدَانِ بِرِوَايَة أَحْمد بن عُثْمَان، مَعَ أَن اللَّفْظ لرِوَايَة أَحْمد تَقْوِيَة لروايته بِرِوَايَة عَبْدَانِ، لِأَن فِي إِبْرَاهِيم بن يُوسُف مقَالا، فَقَالَ عَيَّاش عَن ابْن معِين: لَيْسَ بِشَيْء، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ، وَقَالَ الْجوزجَاني: ضَعِيف. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: يكْتب حَدِيثه وَمن لطائفه: أَن رِوَايَة أَحْمد صرحت بِالتَّحْدِيثِ لأبي إِسْحَاق عَن عَمْرو بن مَيْمُون، ولعمرو بن مَيْمُون عَن عبد الله بن مَسْعُود. وَمِنْهَا: أَن رِوَايَته عينت ابْن عبد الله الْمَذْكُور فِي رِوَايَة عَبْدَانِ: وَهُوَ عبد الله بن مَسْعُود. وَمِنْهَا: أَن الْمَذْكُور فِي رِوَايَة عَبْدَانِ رَسُول الله ﷺ ، وَفِي روياة أَحْمد النَّبِي ﷺ .
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هُنَا، وَفِي الْجِزْيَة عَن عَبْدَانِ عَن أَبِيه، وَفِي مبعث النَّبِي ﷺ عَن مُحَمَّد بن بشار، وَهَاهُنَا أَيْضا عَن أَحْمد بن عُثْمَان، وَفِي الصَّلَاة عَن أَحْمد بن إِسْحَاق، وَفِي الْجِهَاد عَن عبد الله ابْن أبي شيبَة، وَفِي الْمَغَازِي عَن عَمْرو بن خَالِد مُخْتَصرا وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي بكر عبد الله بن أبي شيبَة، وَعَن مُحَمَّد ابْن الْمثنى وَمُحَمّد بن بشار، وَعَن سَلمَة بن شبيب مُخْتَصرا، وَعَن عبد الله بن عمر بن آبان. وَأخرجه النَّسَائِيّ فِي الطَّهَارَة عَن أَحْمد بن عُثْمَان بن حَكِيم عَن خَالِد بن مخلد، وَفِي السّير عَن أَحْمد بن سُلَيْمَان، وَعَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود، وَهَذَا الحَدِيث لَا يرْوى إلاّ بِإِسْنَاد أبي إِسْحَاق الْمَذْكُور.
بَيَان لغاته قَوْله: (سلا جزور بني فلَان) سلا بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وبالقصر: هِيَ الْجلْدَة الَّتِي يكون فِيهَا الْوَلَد، وَالْجمع أسلا. وَخص الْأَصْمَعِي: السلا، بالماشية وَفِي النَّاس بالمشيمة. وَفِي (الْمُحكم) السلا بِكَوْن للنَّاس وَالْخَيْل وَالْإِبِل. وَقَالَ الْجَوْهَرِي: هِيَ جلدَة رقيقَة إِن نزعت عَن وَجه الفصيل سَالِمَة يُولد وإلاّ قتلته، وَكَذَلِكَ إِذا انْقَطع السلا فِي الْبَطن. وَالثَّالِث: لفُ سلا، منقلبة عَن يَاء، ويقويه مَا حَكَاهُ أَبُو عبيد من أَن بَعضهم قَالَ: سليت الشَّاة، إِذا نزعت سلاها. وَالْجَزُور، بِفَتْح الْجِيم وَضم الزاء من الْإِبِل، يَقع على الذّكر وَالْأُنْثَى، وَهِي تؤنث، وَالْجمع: الجزر. وَتقول جزرت الْجَزُور أجزرها بِالضَّمِّ، واجتزرتها إِذا تحرتها. وَقَالَ بَعضهم: الْجَزُور من الْإِبِل مَا يجزر، أَي: يقطع قلت: لَا يدْرِي من أَي مَوضِع نقلهقوله: (فانبعث) أَي أسْرع وَهُوَ مُطَاوع بعث فانبعث بِمَعْنى: أرْسلهُ فانبعث. قَوْله: (مَنْعَة) بِفَتْح النُّون، وَحكى، إسكانها قَالَ النَّوَوِيّ: وَهُوَ شَاذ ضَعِيف قلت: يرد عَلَيْهِ مَا ذكره فِي كِتَابه (الْمُحكم) المنعة والمنعة والمنعة وَقَالَ يَعْقُوب فِي الْأَلْفَاظ مَنْعَة ومنعة، وَقَالَ القزار: فلَان فِي مَنْعَة من قومه وَمنعه أَي عز. وَفِي كتاب ابْن الْقُوطِيَّة وَابْن طريف: منع الْحصن مناعاً ومنعة. لم يرم، وَفِي (الغرييبين) فلَان فِي مَنْعَة، أَي: فِي تمنع على من رامه، وَفُلَان فِي مَنْعَة أَي: فِي قوم يمنعونه من الْأَعْدَاء. قَوْله: (صرعى) جمع صريع، كجرحى جمع جريح قَوْله: (فِي القليب) بِفَتْح الْقَاف وَكسر اللَّام، وَهُوَ: الْبِئْر قبل أَن يطوى، يذكر وَيُؤَنث. وَقَالَ أَبُو عبيد: هِيَ الْبِئْر العادية الْقَدِيمَة وَجمع الْقلَّة: أقلبة، وَالْكَثْرَة: قُلُب.
بَيَان اخْتِلَاف أَلْفَاظه قَوْله: (بَينا رَسُول الله ﷺ ساجد) بَقِيَّته من رِوَايَة عَبْدَانِ الْمَذْكُورَة (وَحَوله نَاس من قُرَيْش من الْمُشْركين) ثمَّ سَاق الحَدِيث مُخْتَصرا قَوْله: (إِن عبد الله) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني (عَن عبد الله) قَوْله: (فيضعه)
стр. 799
زَاد فِي رِوَايَة إِسْمَاعِيل: (فيعمد إِلَى فرثها ودمها وسلاها ثمَّ يمهله حَتَّى يسْجد) قَوْله: (فانبعث أَشْقَى الْقَوْم) ، وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والسرخسي (أَشْقَى قوم) بالتنكير، وَلَا خلاف فِي أَن أفعل التَّفْضِيل، إِذا فَارق كلمة من أَنه يعرف بِاللَّامِ أَو بِالْإِضَافَة فَإِن قلت: أَي فرق فِي الْمَعْنى فِي إِضَافَته إِلَى الْمعرفَة والنكرة قلت: بالتعريف والتخصيص ظَاهر، وَأَيْضًا النكرَة لَهَا شيوع، مَعْنَاهُ: أَشْقَى قوم، أَي: قوم كَانَ من الأقوام، يَعْنِي: أَشْقَى كل قوم من أَقوام الدُّنْيَا فَفِيهِ مُبَالغَة لَيست فِي الْمعرفَة. وَقَالَ بَعضهم: وَالْمقَام يَقْتَضِي الأول، يَعْنِي: أَشْقَى الْقَوْم، بالتعريف لِأَن الشَّقَاء هَاهُنَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أُولَئِكَ الأقوام فَقَط قلت: التنكير أولى لما قُلْنَا من الْمُبَالغَة، لِأَنَّهُ يدْخل هَاهُنَا دُخُولا ثَانِيًا بعد الأول، هَذَا الْقَائِل مَا أدْرك هَذِه النُّكْتَة، وَقد روى الطَّيَالِسِيّ فِي مُسْنده هَذَا الحَدِيث من طَرِيق شُعْبَة نَحْو رِوَايَة يُوسُف الْمَذْكُورَة وَقَالَ فِيهِ: (فجَاء عقبَة بن أبي معيط فقذفه على ظَهره) قَوْله: (لَا أغْنى) م: الإغناء كَذَا هُوَ فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين وَفِي رِوَايَة الْكشميهني والمستملى: (لَا أغير) قَوْله: (فَجعلُوا يَضْحَكُونَ) وَفِي رِوَايَة (حَتَّى مَال بعضم على بعض من الضحك) قَوْله: (فاطمةٌ بنت رَسُول الله ﷺ زَاد إِسْرَائِيل) (وَهِي جوَيْرِية، فاقبلت تسْعَى وَثَبت النَّبِي، ﵊، سَاجِدا) قَوْله: (فَطَرَحته) بالضمير الْمَنْصُوب فِي رِوَايَة الْأَكْثَرين، وي رِوَايَة الْكشميهني: (فطرحت) بِحَذْف الضَّمِير: وَزَاد إِسْرَائِيل (وَأَقْبَلت عَلَيْهِم تسبهم) وَزَاد الْبَزَّار (فَلم يردوا عَلَيْهَا شَيْئا) قَوْله: (فَرفع رَأسه) (زَاد الْبَزَّار من رِوَايَة زيد بن أبي أنيسَة عَن إِسْحَاق) فَحَمدَ الله واثنى عَلَيْهِ ثمَّ قَالَ: (أما بعد: اللَّهُمَّ) قَالَ الْبَزَّار: تفرد بقوله: (أما بعد،) زيد قَوْله: (ثمَّ قَالَ) كَذَا بِكَلِمَة، ثمَّ، وَهُوَ يشْعر بمهلة بَين الرّفْع وَالدُّعَاء، وَفِي رِوَايَة الْأَجْلَح عِنْد الْبَزَّار (فَرفع رَأسه كَمَا كَانَ يرفعهُ عِنْد تَمام سُجُوده) . قَوْله: (فَلَمَّا قضى صلَاته قَالَ: اللَّهُمَّ) وَلمُسلم وَالنَّسَائِيّ نَحوه، وَالظَّاهِر من ذَلِك أَن دعاءه وَقع خَارج الصَّلَاة، لَكِن وَقع وَهُوَ مُسْتَقْبل الْقبْلَة كَمَا ثَبت من رِوَايَة زُهَيْر عَن أبي إِسْحَاق عِنْد البُخَارِيّ وَمُسلم قَوْله: (ثَلَاث مَرَّات) كَرَّرَه إِسْرَائِيل فِي رِوَايَة لفظا لَا عددا، وَزَاد مُسلم فِي رِوَايَة زَكَرِيَّا: (وَكَانَ إِذا دَعَا دَعَا ثَلَاثًا وَإِذا سَأَلَ سَأَلَ ثَلَاثًا) قَوْله: (فشق عَلَيْهِم) وَلمُسلم من رِوَايَة زَكَرِيَّا: (فَلَمَّا سمعُوا صَوته ذهب عَنْهُم الضحك وخافوا دَعوته) . قَوْله: (وَكَانُوا يرَوْنَ) بِفَتْح الْيَاء، ويروي بِالضَّمِّ قَوْله: (فِي ذَلِك الْبَلَد) وَهُوَ مَكَّة، وَوَقع فِي (مستخرج) أبي نعيم من الْوَجْه الَّذِي أخرجه البُخَارِيّ فِي الثَّانِيَة بدل قَوْله: (فِي ذَلِك الْبَلَد) . قَوْله: (بِأبي جهل)) وَفِي رِوَايَة إِسْرَائِيل: (بِعَمْرو بن هِشَام) ، وَهُوَ اسْم أبي جهل: قَوْله: (والوليد بن عتبَة) بِضَم الْعين وَسُكُون التَّاء الْمُثَنَّاة من فَوق ثمَّ بياء مُوَحدَة، وَلم تخْتَلف الرِّوَايَات فِيهِ أَنه كَذَا، إلاّ أَنه وَقع فِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة زَكَرِيَّا: بِالْقَافِ، التَّاء، وَهُوَ وهم نبه عَلَيْهِ ابْن سُفْيَان الرَّاوِي عَن مُسلم، وَقد أخرجه الْإِسْمَاعِيلِيّ من طَرِيق شيخ مُسلم على الصَّوَاب قَوْله: (وَأُميَّة بن خلف) وَفِي رِوَايَة شُعْبَة: أَو أبي بن خلف، شكّ شُعْبَة، وَالصَّحِيح أُميَّة، لِأَن المقتلو ببدر هُوَ، أُميَّة إطباق أَصْحَاب الْمَغَازِي عَلَيْهِ، وَأَخُوهُ أبي بن خلف. قتل بِأحد. قَوْله: (فَلم تحفظه) بنُون الْمُتَكَلّم، ويروي. بِالْيَاءِ آخر الْحُرُوف. قَوْله: (قَالَ فوالذي نَفسِي بِيَدِهِ) أَي: قَالَ ابْن مَسْعُود ذَلِك، وَفِي رِوَايَة مُسلم: (وَالَّذِي بعث مُحَمَّدًا بِالْحَقِّ) ، وَفِي رِوَايَة النَّسَائِيّ: (وَالَّذِي أنزل عَلَيْهِ الْكتاب) ، وَفِي بعض النّسخ. (وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ) . قَوْله: (صرعى فِي القليب) وَرِوَايَة إِسْرَائِيل من الزِّيَادَة. (لقد رَأَيْتهمْ صرعى يَوْم بدر ثمَّ سحبوا إِلَى القليب قليب بدر) .
بَيَان إعرابه قَوْله: (بَينا رَسُول الله ﷺ أَصله: بَين، وَالْألف زيدت لإشباع الفتحة، وَهُوَ مُضَاف إِلَى الْجُمْلَة بعده، وَالْعَامِل فِيهِ إِذْ قَالَ بَعضهم الَّذِي يَجِيء فِي الحَدِيث بعد التَّحْوِيل إِلَى الْإِسْنَاد الثَّانِي. قَوْله: (رَسُول الله ﷺ مُبْتَدأ وَخبر قَوْله: (ساجد) قَوْله: (وَأَبُو جهل) مُبْتَدأ (وَأَصْحَاب لَهُ) عطف عَلَيْهِ وَقَوله: (جُلُوس) خَبره، وَالْجُمْلَة نصب على الْحَال، ومتعلق، لَهُ مَحْذُوف أَي: أَصْحَاب كائنون لَهُ، أَي: لأبي جهل، وَيجوز أَن يكون، جُلُوس خبر أَصْحَاب، وَخبر أبي جهل مَحْذُوف كَقَوْل الشَّاعِر:
(نَحن بِمَا عندنَا وَأَنت بِمَا ... عنْدك راضٍ والرأي مُخْتَلف)
وَالتَّقْدِير: نَحن راضون بِمَا عندنَا قَوْله: (رَأَيْت الَّذين) عد مَفْعُوله مَحْذُوف أَي: عدهم، ويروي، الَّذِي مُفردا، وَيجوز ذَلِك كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وخضتم كَالَّذِين خَاضُوا﴾ (سُورَة التَّوْبَة: ٦٩) أَي: كَالَّذِين. قَوْله: (صرعى) مفعول ثانٍ لقَوْله: (رَأَيْت) قَوْله: (قليب بدر) بِالْجَرِّ بدل من قَوْله: (فِي القليب) وَيجوز فِيهِ الرّفْع وَالنّصب من جِهَة الْعَرَبيَّة، أما الرّفْع فعلى أَنه خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف تَقْدِيره: هُوَ
стр. 800
قليب بدر وَأما النصب فعلى تَقْدِير أَعنِي قليب بدر.
(بَيَان الْمعَانِي) (وَأَبُو جهل وَأَصْحَاب لَهُ) السَّبْعَة الْمَدْعُو عَلَيْهِم، بَينه الْبَزَّار من طَرِيق الْأَجْلَح عَن أبي إِسْحَاق. قَوْله: (إِذْ قَالَ بَعضهم) هُوَ أَبُو جهل، سَمَّاهُ مُسلم من رِوَايَة زَكَرِيَّا، وَزَاد فِيهِ. (وَقد نحرت جزور بالْأَمْس) وَجَاء فِي رِوَايَة أُخْرَى: (بَينا رَسُول الله ﷺ قَائِم يُصَلِّي فِي ظلّ الْكَعْبَة، وَجمع من قُرَيْش فِي مجَالِسهمْ، إِذا قَالَ قَائِل مِنْهُم: أَلا تنظروا إِلَى هَذَا الْمرَائِي) ؟ قَوْله: (أَشْقَى الْقَوْم) هُوَ: عقبَة بن أبي معيط، ومعيط، بِضَم الْمِيم وَفتح الْعين الْمُهْملَة. وَقَالَ الدَّاودِيّ: إِنَّه أَبُو جهل فَقَوله: (وَإِنَّا أنظر) أَي: قَالَ عبد الله. وَأَنا شَاهد تِلْكَ الْحَالة. قَوْله: (لَا أغْنى) أَي: فِي كف شرهم، وَمعنى: لَا أغير، أَي: شَيْئا من فعلهم. قَوْله: (فَجعلُوا يَضْحَكُونَ) أَي: استهزاءً قَاتلهم الله. قَوْله: (ويحيل) بِالْحَاء الْمُهْملَة لَهُ يَعْنِي: ينْسب فعل ذَلِك بَعضهم إِلَى بعض، من قَوْلك: أحلّت الْغَرِيم إِذا جعلت لَهُ أَن يتقاضى المَال من غَيْرك، وَجَاء أحَال أَيْضا بِمَعْنى: وثب، وَفِي الحَدِيث: (أَن أهل خَيْبَر أحالوا إِلَى الْحصن) أَي: وَثبُوا، وَفِي رِوَايَة مُسلم من رِوَايَة زَكَرِيَّا: (ويميل) بِالْمِيم، أَي؛ من كَثْرَة الضحك. وَفِي كتاب الصَّلَاة، فِي بَاب الْمَرْأَة تطرح على الْمُصَلِّي شَيْئا من الْأَذَى، وَلَفظه. (حَتَّى مَال بَعضهم على بعض) قَوْله: (فَاطِمَة) هِيَ: بنت رَسُول الله ﷺ ، أنْكحهَا رَسُول الله ﷺ عَليّ بن أبي طَالب بعد وقْعَة أحد وسنها يَوْمئِذٍ خمس عشرَة سنة وَخَمْسَة أشهر، رُوِيَ لَهَا عَن رَسُول الله ﷺ ثَمَانِيَة عشر حَدِيثا. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ لَهَا حَدِيث وَاحِد. رَوَت عَنْهَا عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، توفيت بعد رَسُول الله ﷺ بِسِتَّة أشهر بِالْمَدِينَةِ، وَقيل: بِمِائَة يَوْم، وَقيل غير ذَلِك، وغسلها عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَصلى عَلَيْهَا ودفنت لَيْلًا، وفضائلها لَا تحصى، وَكفى لَهَا شرفاً كَونهَا بضعَة من رَسُول الله ﷺ . قَوْله: (بِقُرَيْش) أَي: بِهَلَاك قُرَيْش. فَإِن قلت: كَيفَ جَازَ الدُّعَاء على كل قُرَيْش وَبَعْضهمْ كَانُوا يَوْمئِذٍ مُسلمين كالصديق وَغَيره؟ قلت: لَا عُمُوم للفظ، وَلَئِن سلمنَا فَهُوَ مَخْصُوص بالكفار مِنْهُم، بل بِبَعْض الْكفَّار، وهم أَبُو جهل وَأَصْحَابه بِقَرِينَة رَسُول الله ﷺ (مستجابة) أَي: مجابة. يُقَال: اسْتَجَابَ وَأجَاب بِمَعْنى وَاحِد، وَمَا كَانَ اعْتِقَادهم إِجَابَة الدعْوَة من جِهَة رَسُول الله ﷺ ، بل هِيَ جِهَة الْمَكَان. قَوْله: (ثمَّ سمى) أَي: رَسُول الله ﷺ بتفصيل مَا أَرَادَ ذَلِك الْمُجْمل قَوْله (بِأبي جهل) واسْمه عمر بن هِشَام بن المغير كَانَت قُرَيْش تكنية أَبَا الْحَاكِم أَبَا جهل، وَلِهَذَا قَالَ الشَّاعِر:
(النَّاس كنُّوه أَبَا حكم ... واللَّه كنَّاه أَبَا جهل)
وَيُقَال: كَانَ يكنى أَبَا الْوَلِيد، وَكَانَ يعرف بِابْن الحنظلية، وَكَانَ أَحول. وَفِي (المحير) كَانَ مأبوناً، وَيُقَال: إِنَّه أَخذ من قَول عتبَة بن ربيعَة سَيعْلَمُ مصعراً سِتَّة من انتفخ سحره وَفِي (الوشاح) لِابْنِ دُرَيْد هُوَ أول من حز رَأسه وَلما رَآهُ ﷺ ، قَالَ: هَذَا فِرْعَوْن هَذِه الْأمة. قَوْله: (وعد السَّابِع) فَاعل: عد، رَسُول الله ﷺ ، أَو عبد الله بن مَسْعُود، وفاعل: فَلم نَحْفَظهُ، عبد الله، أَو عَمْرو بن مَيْمُون، قَالَه الْكرْمَانِي: وَقَالَ بَعضهم: قلت
؛ فَلَا أَدْرِي من أَيْن تهَيَّأ لَهُ الْجَزْم بذلك مَعَ أَن فِي رِوَايَة النَّوَوِيّ عِنْد مُسلم مَا يدل على أَن فَاعل: عد، عَمْرو بن مَيْمُون انْتهى. قلت: الْكرْمَانِي لم يجْزم بذلك، بل ذكره بِالشَّكِّ، فَكيف يُنكر عَلَيْهِ بِلَا وَجه؟ وَأما السَّابِع الَّذِي لم يذكر هُنَا فَهُوَ مَذْكُور عِنْد البُخَارِيّ فِي مَوضِع آخر. وَهُوَ: عمَارَة بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، وَكَذَا ذكره البرقاني وَغَيره. وَقَالَ صَاحب (التَّلْوِيح) وَهُوَ مُشكل، لِأَن عمَارَة هَذَا ذكر ابْن إِسْحَاق وَغَيره لَهُ قصَّة طَوِيلَة مَعَ النَّجَاشِيّ إِذْ تعرض لامْرَأَته، فامر النَّجَاشِيّ ساحراً فَنفخ فِي إحليل عمَارَة من سحره عُقُوبَة لَهُ، فتوحش وَصَارَ مَعَ الْبَهَائِم إِلَى أَن مَاتَ فِي خلَافَة عمر، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي أَرض الْحَبَشَة. قَالَ بَعضهم: وَالْجَوَاب أَن كَلَام ابْن مَسْعُود فِي أَنه رَآهُمْ صرعى فِي القليب مَحْمُول على الْأَكْثَر انْتهى. قلت: الْجَواب أَخذه هَذَا الْقَائِل من الْكرْمَانِي، فَإِنَّهُ قَالَ: وَأجِيب بِأَن المُرَاد رأى أَكْثَرهم، بِدَلِيل أَن ابْن معيط لم يقتل ببدر بل حمل مِنْهَا أَسِيرًا فَقتله النَّبِي ﷺ بعد انْصِرَافه من بدر على ثَلَاثَة أَمْيَال مِمَّا يَلِي الْمَدِينَة قلت: بِموضع يُسمى عرف الظبية وَهُوَ من الروحاء على ثَلَاثَة أَمْيَال من الْمَدِينَة. وَقيل: إِنَّه قَالَ لرَسُول الله ﷺ : أتقتلني من بَين سَائِر قُرَيْش؟ قَالَ: نعم. ثمَّ قَالَ: بَينا أَنا بِفنَاء الْكَعْبَة وَأَنا ساجد خلف الْمقَام إِذْ أَخذ بمنكبي فلف ثَوْبه على عنقِي فخنقني خنقاً شَدِيدا، ثمَّ جَاءَ مرّة أُخْرَى بسلاً جزور بني فلَان، وَكَانَ عقبَة من الْمُسْتَهْزِئِينَ أَيْضا، وَذكر مُحَمَّد بن حبيب أَنه من زنادقة قُرَيْش، وَاسم أبي معيط: أبان بن أبي عَمْرو، وَالَّذِي دَعَا عَلَيْهِم النَّبِي ﷺ سَبْعَة أنفس كَمَا ذكرُوا، وهم أَبُو جهل وَعتبَة بن ربيعَة وَشَيْبَة بن ربيعَة والوليد بن عتبَة وَأُميَّة
стр. 801
بن خلف، وَعقبَة بن أبي معيط، وَعمارَة بن الْوَلِيد بن الْمُغيرَة، أما أَبُو جهل فَقتله معَاذ بن عَمْرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء ذكره فِي الصَّحِيح (وَمر عَلَيْهِ ابْن مَسْعُود وَهُوَ صريع، وَاحْترز رَأسه وأتى بِهِ رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: هَذَا رَأس عَدو الله، وَنَقله رَسُول الله ﷺ سَيْفه، وَقَالَ رَسُول الله ﷺ : الْحَمد لله الَّذِي أخزاك يَا عَدو الله، هَذَا كَانَ فِرْعَوْن هَذِه الْأمة وَرَأس أَئِمَّة الْكفْر) وَفِي رِوَايَة الْبَيْهَقِيّ: (فخرَّ رَسُول الله ﷺ سَاجِدا) وَأما عتبَة بن ربيعَة فَقتله حَمْزَة ﵁. وَقيل: اشْترك حَمْزَة وَعلي رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا. فِي قَتله. وَأما شيبَة بن ربيعَة بن عبد شمس أَخُو عتبَة بن ربيعَة فَقتله حَمْزَة أَيْضا. وَأما الْوَلِيد بن عتبَة، بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاة من فَوق فَقتله عُبَيْدَة بن الْحَارِث، وَقيل: عَليّ. وَقيل: خمزة، وَقيل: اشْتَركَا فِي قَتله. وَأما أُميَّة بن خلف بن صَفْوَان بن أُميَّة. فقد اخْتلف أهل السّير فِي قَتله فَذكر مُوسَى بن عقبَة قلته رجل من الْأَنْصَار من بني مَازِن، وَقَالَ ابْن إِسْحَاق إِن معَاذ بن عفراء وخارج بن زيد وحبِيب بن أساف اشْتَركُوا فِي قَتله، وَادّعى ابْن الْجَوْزِيّ أَنه ﷺ قَتله، وَفِي السّير، من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، أَن بِلَال، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، خرج إِلَيْهِ وَمَعَهُ نفر من الْأَنْصَار فَقَتَلُوهُ، وَكَانَ بَينا، فَلَمَّا قتل انتفخ فالقوا عَلَيْهِ التُّرَاب حَتَّى غيبه ثمَّ جر إِلَى القليب فتقطع قبل وُصُوله إِلَيْهِ، وَكَانَ من الْمُسْتَهْزِئِينَ، وَفِيه نزل قَوْله تَعَالَى: ﴿ويل لكل همزَة لُمزَة﴾ (سُورَة الهُمَزة: ١) وَهُوَ الَّذِي كَانَ يعذب بِلَالًا فِي مَكَّة. وَأما عقبَة بن أبي معيط. فَقتله عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَقيل: عَاصِم بن ثَابت، وَالأَصَح أَن النَّبِي ﷺ قَتله بعرق الظبية، كَمَا ذَكرْنَاهُ عَن قريب. وَأما عمَارَة بن الْوَلِيد فقد ذكرنَا أمره مَعَ النَّجَاشِيّ. وَمَات زمن عمر بن الْخطاب، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي أَرض الْحَبَشَة.
بَيَان استنباط الْفَوَائِد وَالْأَحْكَام مِنْهَا: تَعْظِيم الدُّعَاء بِمَكَّة عِنْد الْكفَّار وَمَا أزداد عِنْد الْمُسلمين إلَاّ تَعْظِيمًا عَظِيما وَمِنْهَا: معرفَة الْكفَّار بِصدق النَّبِي ﷺ لخوفهم من دُعَائِهِ. وَلَكِن لأجل شفائهم الأزلي حملهمْ الْحَسَد والعناد على ترك الانقياد لَهُ. وَمِنْهَا: حلمه ﷺ عَمَّن آداه. فَفِي رِوَايَة الطَّيَالِسِيّ عَن شُعْبَة فِي هَذَا الحَدِيث: أَن ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، قَالَ: لم أره دَعَا عَلَيْهِم إلَاّ يَوْمئِذٍ وأنما استحقوا الدُّعَاء حِينَئِذٍ لما أقدموا عَلَيْهِ من التهكم بِهِ حَال عِبَادَته لرَبه تَعَالَى. وَمِنْهَا: اسْتِحْبَاب الدُّعَاء ثَلَاثًا. وَمِنْهَا: جَوَاز الدُّعَاء على الظَّالِم. وَقَالَ بَعضهم: مَحَله مَا إِذا كَانَ كَافِرًا، فَأَما الْمُسلم فَيُسْتَحَب الاسْتِغْفَار لَهُ وَالدُّعَاء بِالتَّوْبَةِ. وَمِنْهَا: أَن الْمُبَاشرَة أقوى من السَّبَب وآكد، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي عقبَة: أَشْقَى الْقَوْم، مَعَ أَنه كَانَ فيهم أَبُو جهل، وَهُوَ أَشد مِنْهُ كفرا، وَلَكِن كَانَ عقبَة مباشراً على مَا مر بَيَانه. وَمِنْهَا: أَن البُخَارِيّ اسْتدلَّ بِهِ على أَن من حدث لَهُ فِي صلَاته مَا يمْنَع انْعِقَادهَا ابْتِدَاء لَا تبطل صلَاته وَلَو تَمَادى، وَأجَاب الْخطابِيّ عَن هَذَا بِأَن أَكثر الْعلمَاء ذَهَبُوا إِلَى أَن السلا نجس. وتأولوا معنى الحَدِيث على أَنه ﷺ لم يكن تعبد إِذْ ذَاك بِتَحْرِيمِهِ، كَالْخمرِ كَانُوا يلابسون الصَّلَاة وَهِي تصيب ثِيَابهمْ وأبدانهم، قبل نزُول التَّحْرِيم، فَلَمَّا حرمت لم تجز الصَّلَاة فِيهَا، وَاعْترض عَلَيْهِ ابْن بطال. بِأَنَّهُ لَا شكّ أَنَّهَا كَانَت بعد نزُول قَوْله تَعَالَى: ﴿وثيابك فطهر﴾ (سُورَة المدثر: ٤) لِأَنَّهَا أول مَا نزل عَلَيْهِ ﷺ من الْقُرْآن قبل كل صَلَاة، ورد عَلَيْهِ بِأَن الفرت ورطوبة الْبدن طاهران، والسلا من ذَلِك. وَقَالَ النَّوَوِيّ: هَذَا ضَعِيف لِأَن رَوْث مَا يُؤْكَل لَحْمه لَيْسَ بطاهر، ثمَّ إِنَّه يتَضَمَّن النَّجَاسَة من حَيْثُ إِنَّه لَا يَنْفَكّ من الدَّم فِي الْعَادة، وَلِأَنَّهُ ذَبِيحَة عَبدة الْأَوْثَان فَهُوَ نجس، وَالْجَوَاب: أَنه ﷺ لم يعلم مَا وضع على ظَهره فاستمر فِي سُجُوده استصحاباً للطَّهَارَة، وَمَا يدْرِي هَل كَانَت هَذِه الصَّلَاة فَرِيضَة فَتجب إِعَادَتهَا على الصَّحِيح، أَو غَيرهَا فَلَا يجب وَإِن وَجَبت الْإِعَادَة فالوقت موسع لَهَا فَلَعَلَّهُ أعَاد وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَو أعَاد لنقل وَلم ينْقل. قلت: لَا يلْزم من عدم النَّقْل عدم الْإِعَادَة فِي نفس الْأَمر. فَإِن قلت: كَيفَ كَانَ لَا يعلم بِمَا وضع على ظَهره، فَإِن فَاطِمَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، ذهبت بِهِ قبل أَن يرفع رَأسه قلت: لَا يلْزم من إِزَالَة فَاطِمَة إِيَّاه عَن ظَهره إحساسه ﷺ بذلك، لِأَنَّهُ كَانَ إِذا دخل فِي الصَّلَاة استغرق باشتغاله بِاللَّه تَعَالَى، وَلَئِن سلمنَا إحساسه بِهِ فقد يحْتَمل أَنه لم يتَحَقَّق نَجَاسَته، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن شَأْنه أعظم من أَن يمْضِي فِي صلَاته وَبِه نَجَاسَة، وَقد يُقَال: إِن الفرث وَالدَّم كَانَ دَاخل السلا، وجلدته الظَّاهِرَة طَاهِرَة، فَكَانَ كحمل القارورة المرصصة وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ كَانَ ذَبِيحَة وَثني، فَجمع أَجْزَائِهَا نَجِسَة لِأَنَّهَا ميتَة. وَأجِيب عَن ذَلِك بِأَنَّهُ كَانَ قبل التَّعَبُّد بِتَحْرِيم ذَبَائِحهم، وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى تَارِيخ، وَلَا يَكْفِي فِيهِ الِاحْتِمَال. قلت: الِاحْتِمَال الناشىء عَن دَلِيل كافٍ وَلَا شكّ أَن تماديه ﷺ فِي هَذِه الْحَالة قرينَة تدل على أَنه كَانَ قبل تَحْرِيم ذَبَائِحهم لِأَنَّهُ ﷺ لَا يقر على أَمر غير مَشْرُوع وَلَا يُقرر غَيره عَلَيْهِ لِأَن
стр. 802
حَاله أجلّ من ذَلِك وَأعظم. وَمِنْهَا: أَن أَشهب الْمَالِكِي احْتج بِهِ على أَن إِزَالَة النَّجَاسَة لَيست بواجبة. قَالَ الْقُرْطُبِيّ: والدلائل القطعية توجب إِزَالَتهَا عَن ثوب الْمصلى وبدنه، وَالْمَكَان الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ يرد عَلَيْهِ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: وَمِنْهُم من فرق بَين ابْتِدَاء الصَّلَاة بِالنَّجَاسَةِ، فَقَالَ: لَا يجوز، وَبَين طرؤها على الْمُصَلِّي فِي نفس الصَّلَاة فيطرحها عَنهُ وَتَصِح صلَاته، وَالْمَشْهُور من مَذْهَب مَالك قطع طرؤها للصَّلَاة إِذا لم يُمكن طرحها بِنَاء على أَن إِزَالَتهَا وَاجِبَة.
الأسئلة والأجوبة مِنْهَا مَا قيل: إِنَّه كم كَانَ عدد الَّذين ألقوا فِي القليب؟ وَأجِيب: بِأَن قَتَادَة رُوِيَ عَن أنس عَن أبي طَلْحَة قَالَ: لما كَانَ يَوْم بدر، وَظهر عَلَيْهِم رَسُول الله ﷺ ، أَمر ببضعة وَعشْرين رجلا. وَفِي رِوَايَة: بأَرْبعَة وَعشْرين رجلا من صَنَادِيد قُرَيْش، فَألْقوا فِي طوى من أطواء بدر. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن إلقاءهم فِي الْبِئْر دفن لَهُم، وَالْحَرْبِيّ وَيجب دَفنه بل يتْرك فِي الصَّحرَاء، وهم كَانُوا حَربًا؟ وَأجِيب: بِأَن إلقاءهم فِي الْبِئْر كَانَ تحقيراً لَهُم وَلِئَلَّا يتَأَذَّى النَّاس برائحتهم وَلم يكن ذَلِك دفناً فَإِن قلت: فِي (سنَن) الدَّارَقُطْنِيّ. أَن من سنَنه ﷺ فِي مغازيه إِذا مر بجيفة إِنْسَان أَمر بدفنه، وَلَا يسْأَل عَنهُ مُؤمنا كَانَ أَو كَافِرًا. قلت: إِنَّمَا كَانَ لَا يسْأَل لِأَنَّهُ كَانَ يعلم بِالْوَحْي بِأَنَّهُ إِن كَانَ مُؤمنا كَانَ مُسْتَحقّ الدّفن لكرامته، وَإِن كَانَ كَافِرًا فلئلا يتَأَذَّى النَّاس برائحته، على أَن المُرَاد بدفنه لَيْسَ دفناً شَرْعِيًّا، بل صب التُّرَاب عَلَيْهِ للمواراة. وَمِنْهَا مَا قيل: إِن صب التُّرَاب عَلَيْهِم كَانَ يقطع رائحتهم؟ قلت: كَانَ إلقاؤهم فِي الْبِئْر أيسر عَلَيْهِم فِي ذَلِك الْوَقْت مَعَ زِيَادَة التحقير لَهُم لما ذكرنَا. وَمِنْهَا مَا قيل: كَيفَ كَانَ وَالنَّاس يَنْتَفِعُونَ بِمَائِهَا؟ وَأجِيب: بِأَنَّهُ لم يكن فِيهِ مَاء، وَكَانَت عَادِية مهجورة، وَيُقَال: وَافق أَنه كَانَ حفرهَا رجل من بني النَّار اسْمه بدر من قُرَيْش بن مخلد بن النَّضر بن كنَانَة الَّذِي سميت قُرَيْش بِهِ على أحد الْأَقْوَال، فَكَانَ فالاً مقدما لَهُم، وَالله تَعَالَى أعلم.
٧٠ - بابُ البُرَاقِ والمُخاطِ وَنَحوهِ فِي الثَّوْبِ
إِن قُلْنَا إِن بَاب البصاق مُبْتَدأ يحْتَاج إِلَى خبر فَيكون تَقْدِيره: بَاب البصاق فِي الثَّوْب لَا يضر الْمُصَلِّي، وَإِن قُلْنَا: هُوَ خبر مُبْتَدأ مَحْذُوف فَيكون تَقْدِيره: هَذَا بَاب فِي بَيَان حكم البصاق فِي الثَّوْب هَل يضر أم لَا، والبصاق، بِضَم الْبَاء على وزن: فعال: مَا يسيل من الْفَم، وَفِيه ثَلَاث لُغَات: بالصَّاد وَالزَّاي وَالسِّين، وأعلاها الزَّاي وأضعفها السِّين. قَوْله: (والمخاط) عطف على البصاق، وَهُوَ بِضَم الْمِيم، مَا يسيل من الْأنف. قَوْله: (وَنَحْوه) بِالْجَرِّ، عطف على مَا قبله. قَوْله: (فَأن قلت:) كَانَ يَنْبَغِي أَن يُقَال: وَنَحْوهمَا، لِأَن الْمَذْكُور شَيْئَانِ قلت: تَقْدِيره. وَنَحْو كل مِنْهُمَا، وَقَوله: (فِي الثَّوْب) يتَعَلَّق بِمَحْذُوف، أَي الْكَائِن، أَو كَائِنا. فَإِن قلت: مَا المُرَاد من قَوْله: وَنَحْوه؟ قلت: الْعرق، وعرق كل حَيَوَان يعْتَبر بسؤره الَّذِي يمتزج بلعابه، ويستثني مِنْهُ الْجمار على مَا عرف فِي الْفِقْه.
فَإِن قلت: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَبَين الْبَاب الَّذِي قبله؟ قلت: وَجههَا ظَاهر على وضع البُخَارِيّ لِأَنَّهُ وضع الْبَاب الَّذِي قبله فِيمَا إِذا ألْقى على ظهر الْمصلى قذر، وَرَأى بِهِ عدم بطلَان الصَّلَاة فِي مثل هَذِه الصُّورَة، وَحكم هَذَا الْبَاب كَذَلِك، وَلَا خلاف فِيهِ وَقَالَ بَعضهم: وَدخُول هَذَا فِي أَبْوَاب الطَّهَارَة من جِهَة أَنه لَا يفْسد المَاء. قلت: هَذَا حكم الْبَاب فِي البصاق الَّذِي يُصِيب الثَّوْب، وَذكره عقيب الْبَاب الَّذِي قبله من هَذِه الْجِهَة، وَلَا ذكر للْمَاء فِي الْبَابَيْنِ نعم، إِذا كَانَ حكم البصاق لَا يفْسد الثَّوْب يكون كَذَلِك لَا يفْسد المَاء.
وقَالَ عُرْوَةُ عَن المسْوَرِ وَمرْوانَ خَرَجَ النَّبِي ﷺ زَمَنَ حُدَيْبِيَةَ فَذَكَرَ الحَدِيثَ وَمَا تَنَخمَ النبيُّ ﷺ نُخامَةً إلَاّ وَقَعَتْ فِي كَفِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَذَلِكَ بِها وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ
مُطَابقَة هَذَا التَّعْلِيق للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة، وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل سَاقه البُخَارِيّ بِطُولِهِ فِي صلح الْحُدَيْبِيَة، والشروط الْجِهَاد، عَن عبد الله بن مُحَمَّد بن عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن الزُّهْرِيّ عَن عُرْوَة، وَقد علق مِنْهُ قِطْعَة فِي بَاب اسْتِعْمَال فضل وضوء
стр. 803
النَّاس بَيَان حَاله وهم ثَلَاثَة: الأول: عُرْوَة بن الزبير التَّابِعِيّ، فَقِيه الْمَدِينَة، تقدم فِي كتاب الْوَحْي. الثَّانِي: الْمسور، بِكَسْر الْمِيم وَسُكُون السِّين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو وبالراء، ابْن مخرمَة، بِفَتْح الْمِيم وَسُكُون الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الرَّاء، الصَّحَابِيّ، تقدم فِي بَاب اسْتِعْمَال وضوء النَّاس. الثَّالِث: مَرْوَان بن الحكم بِفَتْح الْخَاء الْمُهْملَة وَفتح الْكَاف، الْأمَوِي، ولد على عهد رَسُول الله ﷺ وَلم يسمع النَّبِي ﷺ لِأَنَّهُ خرج إِلَى الطَّائِف طفْلا لَا يعقل حِين نفى النَّبِي، ﵊، أَبَاهُ الحكم إِلَيْهَا، وَكَانَ مَعَ أَبِيه بهَا حَتَّى اسْتخْلف عُثْمَان، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فردهما إِلَى الْمَدِينَة، وَكَانَ إِسْلَام الحكم يَوْم فتح مَكَّة، وطرده رَسُول الله ﷺ إِلَى الطَّائِف لِأَنَّهُ كَانَ يفشي سره، مَاتَ فِي خلَافَة عُثْمَان، وَلما توفّي مُعَاوِيَة بن يزِيد بن مُعَاوِيَة بَايع بعض النَّاس بِالشَّام مَرْوَان بالخلافة، وَمَات بِدِمَشْق سنة خَمْسَة وَسِتِّينَ. فَإِن قلت: مَرْوَان لم يسمع رَسُول الله ﷺ وَلَا كَانَ بِالْحُدَيْبِية، وَكَيف روايتة. قلت: رِوَايَة الْمسور هِيَ الأَصْل لَكِن ضم إِلَيْهِ رِوَايَة مَرْوَان للتقوية والتأكيد.
ذكر لغاته قَوْله: (زمن حديبية) بِضَم الْخَاء الْمُهْملَة وَفتح الدَّال وَسُكُون الْيَاء آخر الْحُرُوف الأولى وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة وَفتح الْيَاء الثَّانِيَة كَذَا قَالَه الشَّافِعِي: وبتشديد الْيَاء عِنْد أَكثر الْمُحدثين، وَقَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: أهل الْمَدِينَة يثقلونها، وَأهل العراف يخففونها قلت: هِيَ تَصْغِير: حدباء لِأَن حديبية قَرْيَة سميت بشجرة هُنَاكَ وَهِي حدباء وَكَانَت الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم، بَايعُوا رَسُول الله ﷺ تَحت هَذِه الشَّجَرَة، وَهِي تسمى: بيعَة الرضْوَان، وَقيل: هِيَ قَرْيَة، سميت ببئر هُنَاكَ، وعَلى كلاًّ التَّقْدِيرَيْنِ الصَّوَاب التَّخْفِيف، وَهِي على نَحْو مرحلة من مَكَّة. قَوْله: (وَمَا تنخم النَّبِي ﷺ نخامة) قَوْله: (تنخم) فعل مَاض من بَاب التفعل، يُقَال: تنخم الرجل إِذا دفع بِشَيْء من صَدره أوأنفه، قَالَ فِي (الْمُحكم) وَثَلَاثَة نخم نخماً وَفِي (الصِّحَاح) وَفِي (الْمُجْمل) : النخامة بالفم النخاعة، وَفِي (المغيث) و (الْمغرب) مَا يخرج من الخيشوم، وَزعم النَّوَوِيّ أَنَّهَا تخرج من الْفَم، بِخِلَاف النخاعة فَإِنَّهَا تخرج من الْحلق. وَقَالَ بعض الْفُقَهَاء النخامة هِيَ الْخَارِج من الصَّدْر، والبلغم هُوَ النَّازِل من الدِّمَاغ، وَبَعْضهمْ عكسوا. قَوْله: (إِلَّا وَقعت) أَي: مَا تنخم فِي حَال من الْأَحْوَال إلَاّ فِي حَال وُقُوعهَا فِي الْكَفّ، وَهُوَ إِمَّا عطف على: خرج، وَأما على الحَدِيث، ثمَّ إِمَّا أَن يُرَاد: أَنه مَا تنخم من الْحُدَيْبِيَة إلَاّ وَقعت فِي كف رجل، وَإِمَّا أَن يُرَاد إِنَّه مَا تنخم قطّ إلَاّ وَقعت فَلَا يخْتَص بِزَمن الْحُدَيْبِيَة. قَالَ الْكرْمَانِي، وَالْأول هُوَ الظَّاهِر. قلت: الثَّانِي هُوَ الْأَظْهر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: فَإِن قلت: مَا وَجه ذكر حَدِيث الْحُدَيْبِيَة هُنَا. قلت: إِمَّا لِأَن أَمر التنخم وَقع فِي الحَدِيث، وَإِمَّا لِأَن الرَّاوِي سَاق الْحَدِيثين سوقاً وَاحِدًا وذكرهما مَعًا وَكَثِيرًا مَا يَفْعَله المحدثون، كَمَا تقدم فِي حَدِيث نَحن الْآخرُونَ السَّابِقُونَ، قلت لم يقطع الْكرْمَانِي على الْموضع الَّذِي سَاق البُخَارِيّ فِيهِ الحَدِيث، فَلذَلِك ردد فِي جَوَاب السُّؤَال فَلَو كَانَ أطلع عَلَيْهِ لم يتَرَدَّد.
بَيَان استنباط الْأَحْكَام مِنْهَا: الِاسْتِدْلَال على طَهَارَة البصاق والمخاط قَالَ ابْن بطال: وَهُوَ أَمر مجمع عَلَيْهِ لَا نعلم فِيهِ خلافًا إلَاّ مَا لاوي سلمَان: أَنه جعله غير طَاهِر، وَأَن الْحسن بن حَيّ كرهه فِي الثَّوْب، وَعَن الْأَوْزَاعِيّ أَنه كره أَن يدْخل سواكه فِي وضوئِهِ، وَذكر ابْن أبي شيبَة أَيْضا فِي (مُصَنفه) عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ، أَنه لَيْسَ بِطهُور. وَقَالَ ابْن حزم: صَحَّ عَن سلمَان الْفَارِسِي وَإِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَن اللعاب نجس إِذا فَارق الْفَم، وَقَالَ بعض الشُّرَّاح. وَمَا ثَبت عَن الشَّارِع من خلافهم فَهُوَ المتبع، وَالْحجّة الْبَالِغَة، فَلَا معنى لقَوْل من خَالف وَقد أَمر الشَّارِع الْمُصَلِّي أَن يبزق عَن شِمَاله أَو تَحت قَدَمَيْهِ، وبزق الشَّارِع فِي طرف رِدَائه ثمَّ رد بعضه على بعض وَقَالَ: أَو تفعل هَكَذَا وَهَذَا ظَاهر فِي طَهَارَته، لِأَنَّهُ لَا يجوز أَن يقوم الْمُصَلِّي على نَجَاسَة، وَلَا أَن يُصَلِّي وَفِي ثَوْبه نَجَاسَة. قلت: أما بصاق النَّبِي ﷺ فَهُوَ أطيب من كل طيب، وأطهر من كل طَاهِر وَأما بصاق غَيره فَيَنْبَغِي أَن يكون بالتفصيل، وَهُوَ أَن البزاق طَاهِر إِذا كَانَ من فَم طَاهِر، وَأما إِذا كَانَ من فَم يشرب الْخمر فَيَنْبَغِي أَن يكون نجسا فِي حَالَة شربه، لِأَنَّهُ سؤره فِي ذَلِك الْوَقْت نجس، فَكَذَلِك بصاقه، وَكَذَا إِذا كَانَ من فَم من فِي فَمه جِرَاحَة أَو دمل يخرج مِنْهُ دم أَو قيح. وَقَالَ أَصْحَابنَا الدَّم الْمسَاوِي للريق ينْقض الْوضُوء اسْتِحْسَانًا كالغالب النَّاقِص، وَلَو كَانَ لون الرِّيق أَحْمَر ينْقض، وَإِن كَانَ أصفر لَا ينْقض، ثمَّ إِذا حكم بِطَهَارَة البزاق على الْوَجْه الَّذِي ذَكرْنَاهُ يعلم مِنْهُ أَنه إِذا وَقع شَيْء مِنْهُ فِي المَاء لَا يُنجسهُ، وَيجوز الْوضُوء مِنْهُ، وَكَذَا إِذا وَقع فِي الطَّعَام لَا يُفْسِدهُ، غير أَن بعض الطباع يستقذر ذَلِك فَلَا يَخْلُو عَن الْكَرَاهَة. وَمن الاستنباط من
стр. 804
هَذَا الحَدِيث التَّبَرُّك ببزاق النَّبِي ﷺ توقيراً لَهُ وتعظيماً.
٢٤١ - حدّثنا مُحَمَدْ بنُ يُوسُفَ قَالَ حَدثنَا سُفْيانُ عنْ حُمَيْد عنْ أَنَسٍ قالَ بَزَقَ النبيُّ ﷺ فِي ثَوْبِهِ قالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ طَوَّلَهُ ابنُ مَرْيَمَ قَالَ أخبرنَا يَحْيَى بنُ أَيُّوبَ قالَ حَدثنِي حُمَيْدُ قالَ سَمِعْتُ انَساً عَن النبيِّ ﷺ ..
مطابقته للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة بَيَان رِجَاله وهم سَبْعَة الأول: مُحَمَّد بن يُوسُف الْفرْيَابِيّ، بِكَسْر الْفَاء وَسُكُون الرَّاء وبالياء آخر الْحُرُوف قبل الْألف وبالياء الْمُوَحدَة فِي آخِره، تقدم مرَارًا الثَّانِي: سُفْيَان الثَّوْريّ، كَمَا صرح بِهِ الدَّارَقُطْنِيّ، فَإِنَّهُ لما ذكر رُوَاة هَذَا الحَدِيث قَالَ: رَوَاهُ سُفْيَان بن سعيد عَن حميد، وَلم يذكر سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَالْفِرْيَابِي كثير الْمُلَازمَة لِسُفْيَان الثَّوْريّ. وَلما ذكر الجياني وَغَيره مَا رَوَاهُ مُحَمَّد بن يُوسُف البكندي عَن بن عبينة لم يذكرُوا هَذَا الحَدِيث مِنْهَا، وَابْن عُيَيْنَة مقل فِي حميد حَتَّى أَن البُخَارِيّ لم يخرج لَهُ إلَاّ حَدِيثا وَاحِدًا، وَهُوَ النواة فِي الصَدَاق وَكَذَا ذكره الشَّيْخ قطب الدّين الْحلَبِي فِي (شَرحه) الثَّالِث: حميد بِضَم الْحَاء الْمَشْهُور بالطويل فَإِن قلت: لَا يُقَال: إِن حميدا هَذَا هُوَ حميد بن هِلَال لِأَنَّهُ فِي طبقَة حميد الطَّوِيل، قلت: لِأَن الفياني لم يرويا عَن حميد بن هِلَال شَيْئا. الرَّابِع: أَبُو عبد الله هُوَ البُخَارِيّ نَفسه. الْخَامِس: سعيد بن الحكم بن مُحَمَّد بن أبي مَرْيَم الْمصْرِيّ، أحد شُيُوخ البُخَارِيّ، وَله (وطأ) رَوَاهُ عَن مَالك وَهُوَ ثِقَة، مَاتَ سنة أَربع وَعشْرين وَمِائَتَيْنِ. السَّادِس: يحيى بن أَيُّوب الغافقي الْمصْرِيّ، مولى عمر بن الحكم بن مَرْوَان أَبُو الْعَبَّاس، مَاتَ سنة ثَمَان وَسِتِّينَ وَمِائَة، وَفِيه لين. وَقَالَ أَبُو حَاتِم لَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. السَّابِع: أنس بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ.
بَيَان لطائف إِسْنَاده فِيهِ: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين، وبصيغة الْإِفْرَاد فِي مَوضِع. وَفِيه الْأَخْبَار بِصِيغَة الْجمع فِي مَوضِع وَاحِد وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: التَّصْرِيح بِسَمَاع حميد عَن أنس خلافًا لما روى يحيى الْقطَّان عَن حَمَّاد بن سَلمَة أَنه قَالَ: حَدِيث حميد عَن أنس فِي البزاق إِنَّمَا سَمعه عَن ثَابت عَن أبي نَضرة، فَظهر من تَصْرِيح سَمَاعه أَنه لم يُدَلس فِيهِ، وَقَالَ يحيى الْقطَّان، وَلم يقل شَيْئا لِأَن هَذَا قد رَوَاهُ قَتَادَة عَن أنس. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: وَالْقَوْل عندنَا قَول حَمَّاد بن سَلمَة لِأَن الَّذِي رَوَاهُ عَن قَتَادَة عَن أنس غير هَذَا، وَهُوَ أَنه ﷺ قَالَ: البزاق فِي الْمَسْجِد خَطِيئَة وكفارتها دَفنهَا. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مكي وبصري ومصري.
بَيَان مَعْنَاهُ قَوْله: (بزق النَّبِي ﷺ فِي ثَوْبه) أَي: ثوب رَسُول الله ﷺ وَهُوَ الظَّاهِر. وَقَالَ الْكرْمَانِي: وَيحْتَمل عود الضَّمِير إِلَى أنس، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، وَهُوَ بعيد. قلت: وَجه بعده، وَإِن كَانَ فِيهِ احْتِمَال، مَا رَوَاهُ أَبُو نعيم فِي (مسخرجه) وَهُوَ هَذَا الحَدِيث من طَرِيق الْفرْيَابِيّ، وَزَاد فِي آخِره، وَهُوَ فِي الصَّلَاة. قَوْله: (طوله) أَي: طول هَذِه الحَدِيث شَيْخه سعيد بن الحكم بن أبي مَرْيَم يَعْنِي، ذكره مطولا فِي بَاب: حك البزاق بِالْيَدِ من الْمَسْجِد، وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى. قَوْله: (سَمِعت أنسا عَن النَّبِي ﷺ يَعْنِي: مثل الحَدِيث الْمَذْكُور وَهُوَ مفعولة الثَّانِي حذف للْعلم بِهِ.
٧١ - (بابٌ لَا يَجُوزُ الوُضُوءُ بالنَّبِيذِ ولاٍ بالمُسْكِرِ)
أَي: هَذَا بَاب فِيهِ لَا يجوز الْوضُوء إِلَخ أَي: بَيَان عدم الْجَوَاز بالنيذ قَوْله: (وَلَا بالمسكر) أَي: وَلَا يجوز أَيْضا بالمسكر، قَالَ بَعضهم: هُوَ من عطف الْعَام على الْخَاص. قلت: إِنَّمَا يكون ذَلِك إِذا كَانَ المُرَاد بالنبيذ مَا لم يصل إِلَى حد الْإِسْكَار، وَأما إِذا وصل فَلَا يكون من هَذَا الْبَاب، وَتَخْصِيص النَّبِيذ بِالذكر من بَين المسكرات لِأَنَّهُ مَحل الْخلاف فِي جَوَاز التوضىء بِهِ، قَالَ ابْن سَيّده: النبذ، طرحك الشَّيْء، وكل طرح نبذ، والنبيذ الشَّيْء المنبوذ والنبيذ مَا نَبَذته من عصير وَنَحْوه، وَقد نبذ وانتبذ ونبذ، والانتبا: المعالجة وَفِي (الصِّحَاح) وَكتاب (الشَّرْح) لِابْنِ درسْتوَيْه الْعَامَّة تَقول: أنبذت انْتهى وَذكره اللحياني فِي (نوادره) وَمن حمض الحامض انبذت لُغَة وَلكنهَا قَليلَة، وَذكرهَا أَيْضا ثَعْلَب فِي كتاب (فعلت وأفعلت) وَفِي (الْجَامِع) للقزاز، أَكثر النَّاس يَقُولُونَ: نبذت النَّبِيذ، بِغَيْر الْألف، وَحكى الْفراء عَن الدوسي، قَالَ: وَكَانَ ثِقَة انبذت النَّبِيذ، وَلَا أسمعها أَنا من الْعَرَب. قلت: النَّبِيذ فعيل بِمَعْنى مفعول، وَهُوَ المَاء الَّذِي ينتبذ فِيهِ تمرات لتخرج حلاوتها إِلَى المَاء. وَفِي (النِّهَايَة) لِابْنِ الْأَثِير: النَّبِيذ مَا يعْمل من الْأَشْرِبَة
стр. 805
من التَّمْر وَالزَّبِيب وَالْعَسَل وَالْحِنْطَة وَالشعِير وَغير ذَلِك، يُقَال: نبذت الشّعير وَالْعِنَب إِذا أنزلت عَلَيْهِ المَاء ليصير نبيذاً، فصرف من مفعول إِلَى فعيل، وانتبذته، اتخذته نبيذاً سَوَاء كَانَ مُسكرا أَو غير مُسكر، وَهُوَ من بَاب فعل يفعل، بِالْفَتْح فِي الْمَاضِي وَالْكَسْر فِي الْمُضَارع. كضرب ذكره صَاحب (الدستور) فِي هَذَا الْبَاب وَفِي (الْعباب) انبذت النَّبِيذ لُغَة عامية ونبذت الشَّيْء تنبيذاً شدّد للْمُبَالَغَة.
فَإِن قلت: مَا وَجه لمناسبة بَين الْبَابَيْنِ؟ قلت: لَيست بَينهمَا مُنَاسبَة خَاصَّة لَكِن من حَيْثُ إِن كلاًّ مِنْهُمَا يشْتَمل على حكم وَيرجع إِلَى حَال الْمُكَلف من الصِّحَّة والفسادة.
وَكَرُهَه الحَسَنُ وَأَبُوا العَالِيَةِ
الْحسن هُوَ الْبَصْرِيّ وَأَبُو الْعَالِيَة رفيع بن مهْرَان الرباحي بِكَسْر الرَّاء وبالياء آخر الْحُرُوف المخففة وَكسر الْحَاء الْمُهْملَة وَقد تقدم فِي أول كتاب الْعلم ورفيع بِضَم الرَّاء وَفتح الْفَاء وَأما الَّذِي علقه عَن الْحسن فَرَوَاهُ عَن الْحسن فَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة حَدثنَا وَكِيع عَن سُفْيَان عَمَّن سمع الْحسن يَقُول: (لَا يتَوَضَّأ بنبيذ وَلَا بِلَبن) وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي مُصَنفه حدّثنا الثَّوْريّ عَن إِسْمَاعِيل بن مُسلم الْمَكِّيّ عَن الْحسن قَالَ: (لَا يتَوَضَّأ بِلَبن وَلَا بنبيذ) وروى أَبُو عبيد من طَرِيق أُخْرَى عَن الْحسن أَنه لَا بَأْس بِهِ فعلى هَذَا كَرَاهَته عِنْده كَرَاهَة تَنْزِيه فَحِينَئِذٍ لَا يساعد التَّرْجَمَة وَأما الَّذِي علقه عَن أبي الْعَالِيَة فروى الدَّارَقُطْنِيّ فِي سنَنه بِسَنَد جيد عَن أبي خلدَة فَقَالَ: قلت لأبي الْعَالِيَة رجل لَيْسَ عِنْده مَاء وَعِنْده نَبِيذ أيغتسل بِهِ من الْجَنَابَة قَالَ: لَا وَقَالَ ابْن أبي شيبَة: حَدثنَا مَرْوَان ابْن مُعَاوِيَة عَن أبي خلدَة عَن أبي الْعَالِيَة أَنه كره أَن يغْتَسل بالنبيذ وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو عبيد عَن أبي خلدَة وَفِي رِوَايَة فكرهه. قلت: الظَّاهِر أَن هَذَا أَيْضا كَرَاهَة تَنْزِيه.
وقالَ عَطَاء التيَمُّمُ أَحَب إلَيَّ مِنَ الوُضُوءِ بالنَّبِيذِ واللبَنِ
عَطاء هُوَ ابْن أبي رَبَاح، وَهَذَا يدل على أَن عَطاء يُجِيز اسْتِعْمَال النَّبِيذ فِي الْوضُوء، وَلَكِن التَّيَمُّم أحب إِلَيْهِ مِنْهُ، فعلى هَذَا هُوَ أَيْضا لَا يساعد التَّرْجَمَة، وروى أَبُو دَاوُد من طَرِيق ابْن جريج عَن عَطاء إِنَّه كره الْوضُوء بالنبيذ وَاللَّبن وَقَالَ: إِن التَّيَمُّم أعجب إِلَيّ مِنْهُ. قلت: أما التَّوَضُّؤ بِاللَّبنِ، فَلَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون بِنَفس اللَّبن، أَو بِمَاء خالطه لبن، فَالْأول لَا يجوز بِالْإِجْمَاع وَأما الثَّانِي فَيجوز عندنَا خلافًا للشَّافِعِيّ. وَأما الْوضُوء بالنبيذ فَهُوَ جَائِز عِنْد أبي حنيفَة، وَلَكِن بِشَرْط أَن يكون حلواً رَقِيقا يسيل على الْأَعْضَاء كَالْمَاءِ، وَمَا اشتده مِنْهَا صَار حَرَامًا لَا يجوز التَّوَضُّؤ بِهِ وَإِن غيرته النَّار، فَمَا دَامَ حلواً فَهُوَ على الْخلاف، وَلَا يجوز التَّوَضُّؤ بِمَا سواهُ من الأنبذة جَريا على قَضِيَّة الْقيَاس. وَقَالَ ابْن بطال: اخْتلفُوا فِي الْوضُوء بالنبيذ، فَقَالَ مَالك وَالشَّافِعِيّ وَأحمد: لَا يجوز الْوضُوء بنيِّه ومطبوخة مَعَ عدم المَاء وجوده، تَمرا كَانَ أَو غَيره، فآن كَانَ مَعَ ذَلِك مشتداً فَهُوَ نجس لَا يجوز شربه وَلَا الْوضُوء بِهِ وَقَالَ أَبُو حنيفَة: لَا يجوز الْوضُوء بِهِ مَعَ وجود المَاء، فَإِذا عدم فَيجوز بمبطوح التَّمْر خَاصَّة. وَقَالَ الْحسن: جَازَ الْوضُوء بالنبيذ. وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ: جَازَ بِسَائِر الأنبذة انْتهى. وَفِي (الْمَعْنى) لِابْنِ قدامَة وَرُوِيَ عَن عَليّ، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِنَّه كَانَ لَا يرى بَأْسا بِالْوضُوءِ بنبيذ التَّمْر، وَبِه قَالَ الْحسن والأزاعي. وَقَالَ عِكْرِمَة: النَّبِيذ وضوء من لم يجد المَاء، وَقَالَ إِسْحَاق: النَّبِيذ الحلو أحب إِلَيّ من التَّيَمُّم، وجمعهما أحب إليَّ وَعَن أبي حنيفَة كَقَوْل عِكْرِمَة، وَقيل عَنهُ: يجوز الْوضُوء بنبيذ التَّمْر إِذا طبخ وَاشْتَدَّ عِنْد عدم المَاء فِي السّفر، لحَدِيث ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ. وَفِي (أَحْكَام الْقُرْآن) لأبي بكر الرَّازِيّ، عَن أبي حنيفَة فِي ذَلِك ثَلَاث رِوَايَات. إِحْدَاهَا: يتَوَضَّأ بِهِ وَيشْتَرط فِيهِ النِّيَّة، وَلَا يتَيَمَّم، وَهَذِه هِيَ الْمَشْهُورَة، وَقَالَ قاضيخان، وَهُوَ قَوْله الأول، وَبِه قَالَ زفر. وَالثَّانيَِة: يتَيَمَّم وَلَا يتَوَضَّأ، رَوَاهَا عَنهُ نوح ابْن أبي مَرْيَم، وَأسد بن عَمْرو، وَالْحسن بن زِيَاد قَالَ قاضيخان: وَهُوَ الصَّحِيح عَنهُ، وَالَّذِي رَجَعَ إِلَيْهَا وَبهَا قَالَ أَبُو يُوسُف وَأكْثر الْعلمَاء، وَاخْتَارَ الطَّحَاوِيّ هَذَا. وَالثَّالِثَة: رُوِيَ عَنهُ الْجمع بَينهمَا، وَهَذَا قَول مُحَمَّد وَقَالَ صَاحب (الْمُحِيط) صفة هَذَا النَّبِيذ أَن يلقى فِي المَاء تُمَيْرَات حَتَّى يَأْخُذ المَاء حلاوتها وَلَا يشْتَد وَلَا يسكر، فَإِن اشْتَدَّ حرم شربه، فَكيف الْوضُوء؟ وَإِن كَانَ مطبوخاً فَالصَّحِيح أَنه لَا يتَوَضَّأ بِهِ. وَقَالَ فِي (الْمُفِيد) إِذا ألْقى فِيهِ تمرات فحلا وَلم يزل عَنهُ اسْم المَاء وَهُوَ رَقِيق فَيجوز الْوضُوء بِهِ بِلَا خلاف بَين أَصْحَابنَا، وَلَا يجوز الِاغْتِسَال بِهِ وَهَذَا خلاف مَا قَالَه فِي (الْمَبْسُوط) أَنه يجوز الِاغْتِسَال بِهِ وَقَالَ الْكَرْخِي: الْمَطْبُوخ أدنى طبخة يجوز الْوضُوء بِهِ إلَاّ عِنْد مُحَمَّد، وَقَالَ الدباس: لَا يجوز، وَفِي
стр. 806
(الْبَدَائِع) وَاخْتلف الْمَشَايِخ فِي جَوَاز الِاغْتِسَال بنبيذ التَّمْر على أصل أبي حنيفَة، فَقَالَ بَعضهم: لَا يجوز، لِأَن الْجَوَاز عرف بِالنَّصِّ، وَأَنه ورد بِالْوضُوءِ دون الِاغْتِسَال، فَيقْتَصر على مورد النَّص، وَقَالَ بَعضهم: يجوز لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْمَعْنى.
ثمَّ لَا بُد من تَفْسِير نَبِيذ التَّمْر الَّذِي فِيهِ الْخلاف وَهُوَ أَن يلقى فِي المَاء شَيْء من التَّمْر لتخرج حلاوتها إِلَى المَاء، وَهَكَذَا ذكر ابْن مَسْعُود، رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ، فِي تَفْسِير النَّبِيذ الَّذِي تَوَضَّأ بِهِ النَّبِي ﷺ فَقَالَ: تمرات ألقيتها فِي المَاء، لِأَن من عَادَة الْعَرَب أَنَّهَا تطرح التَّمْر فِي المَاء ليحلو فَمَا دَامَ رَقِيقا حلواً أَو قارصاً يتَوَضَّأ بِهِ عِنْد أبي حنيفَة وَإِن كَانَ غليظاً كالرب لَا يجوز التَّوَضُّؤ بِهِ، وَكَذَا إِذا كَانَ رَقِيقا لكنه غلا وَاشْتَدَّ وَقذف بالزبد لِأَنَّهُ صَار مُسكرا، والمسكر حرَام، فَلَا يجوز التَّوَضُّؤ بِهِ، لِأَن النَّبِيذ الَّذِي تَوَضَّأ بِهِ رَسُول الله ﷺ كَانَ رَقِيقا حلواً، فَلَا يلْحق بِهِ الغليظ والنبيذ إِذا كَانَ نياً أَو كَانَ مطبوخاً أدنى طبخه، فَمَا دَامَ قارصاً أَو حلواً فَهُوَ على الْخلاف وَإِن غلا وَاشْتَدَّ وَقذف بالزبد فَلَا، وَذكر الْقَدُورِيّ فِي (شَرحه مُخْتَصر الْكَرْخِي) الِاخْتِلَاف فِيهِ بَين الْكَرْخِي وَأبي طَاهِر الدباس، على قَول الْكَرْخِي: يجوز، وعَلى قَول أبي طَاهِر: لَا يجوز، ثمَّ الَّذين جوزوا التَّوَضُّؤ بِهِ احْتَجُّوا بِحَدِيث ابْن مَسْعُود حَيْثُ قَالَ لَهُ النَّبِي ﷺ لَيْلَة الْجِنّ: (مَاذَا فِي إداوتك؟ قَالَ: نَبِيذ قَالَ: تَمْرَة طيبَة وَمَاء طهُور) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ، وز اد، (فَتَوَضَّأ بِهِ وَصلى الْفجْر) وَقَالَ بَعضهم: وَهَذَا الحَدِيث أطبق عُلَمَاء السّلف على تَضْعِيفه. قلت: إِنَّمَا ضَعَّفُوهُ لِأَن فِي رُوَاته أَبَا زيد وَهُوَ رجل مَجْهُول لَا يعرف لَهُ رِوَايَة غير هَذَا الحَدِيث، قَالَه التِّرْمِذِيّ. وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي (شرح التِّرْمِذِيّ) أَبُو زيد مولى عَمْرو بن حُرَيْث، روى عَنهُ رَاشد بن كيسَان وَأَبُو روق، وَهَذَا يُخرجهُ عَن حد الْجَهَالَة، وَأما اسْمه فَلم يعرف فَيجوز أَن يكون التِّرْمِذِيّ أَرَادَ أَنه مَجْهُول الِاسْم.
على أَنه روى هَذَا الحَدِيث أَرْبَعَة عشر رجلا عَن ابْن مَسْعُود كَمَا رَوَاهُ أَبُو زيد. الأول: أَبُو رَافع عِنْد الطَّحَاوِيّ وَالْحَاكِم. الثَّانِي: رَبَاح أَبُو عَليّ عِنْد الطَّبَرَانِيّ فِي (الْأَوْسَط) . الثَّالِث: عبد الله بن عمر عِنْد أبي مُوسَى الْأَصْبَهَانِيّ فِي (كتاب الصَّحَابَة) . الرَّابِع: عَمْرو الْبكالِي عِنْد أبي أَحْمد فِي (الكنى) بِسَنَد صَحِيح. الْخَامِس: أَبُو عُبَيْدَة ابْن عبد الله. السَّادِس: أَبُو الْأَحْوَص، وحديثهما عِنْد مُحَمَّد بن عِيسَى الْمَدَائِنِي. فَإِن قلت: قَالَ الْبَيْهَقِيّ: مُحَمَّد بن عِيسَى الْمَدَائِنِي واهي الحَدِيث، والْحَدِيث بَاطِل. قلت: قَالَ البرقاني: فِيهِ ثِقَة لَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ اللألكائي: صَالح لَيْسَ يدْفع عَن السماع. السَّابِع: عبد الله بن مسلمة عِنْد الْحَافِظ أبي الْحسن بن المظفر فِي كتاب (غرائب شُعْبَة) . الثَّامِن: قَابُوس بن ظبْيَان عَن أَبِيه عِنْد ابْن المظفر أَيْضا بِسَنَد لَا بَأْس بِهِ. التَّاسِع: عبد الله بن عَمْرو بن غيلَان الثَّقَفِيّ عِنْد الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي جمعه حَدِيث يحيى بن أبي كثير عَن يحيى عَنهُ. الْعَاشِر: عبد الله بن عَبَّاس عِنْد ابْن مَاجَه والطَّحَاوِي. الْحَادِي عشر: أَبُو وَائِل شَقِيق بن سَلمَة عِنْد الدَّارَقُطْنِيّ. الثَّانِي عشر: ابْن عبد الله رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدَة بن عبد الله عَن طَلْحَة بن عبد الله عَن أَبِيه أَن أَبَاهُ حَدثهُ. الثَّالِث عشر: أَبُو عُثْمَان ابْن سنه عِنْد أبي حَفْص بن شاهي فِي كتاب (النَّاسِخ والمنسوخ) من طَرِيق جَيِّدَة، وخرجها الْحَاكِم فِي (مُسْتَدْركه) الرَّابِع عشر: أَبُو عُثْمَان النَّهْدِيّ عِنْد الدَّوْرَقِي فِي (مُسْنده) بطرِيق لَا بَأْس بهَا. فَإِن قلت: صَحَّ عَن عبد الله إِنَّه قَالَ: لم أكن مَعَ النَّبِي ﷺ لَيْلَة الْجِنّ قلت يجوز أَن يكون صَحبه فِي بعض اللَّيْل واستوقفه فِي الْبَاقِي ثمَّ عَاد إِلَيْهِ، فصح أَنه لم يكن مَعَه عِنْد الْجِنّ، لَا نفس الْخُرُوج.
وَقد قيل: إِن لَيْلَة الْجِنّ كَانَت مرَّتَيْنِ. فَفِي أول مرّة خرج إِلَيْهِم لم يكن مَعَ النَّبِي ﷺ ابْن مَسْعُود وَلَا غَيره، كَمَا هُوَ ظَاهر حَدِيث مُسلم، ثمَّ بعد ذَلِك خرج إِلَيْهِم وَهُوَ مَعَه لَيْلَة أُخْرَى، كَمَا روى أَبُو حَاتِم فِي (تَفْسِيره) فِي أول سُورَة الْجِنّ، من حَدِيث ابْن جريح قَالَ: قَالَ ابْن عبد الْعَزِيز بن عمر: أما الْجِنّ الَّذين لقوه بنخلة فجن نيتوى، وَأما الْجِنّ الَّذين لقوه بِمَكَّة فجن نَصِيبين. وَقَالَ بَعضهم: على تَقْدِير صِحَّته، أَي: صِحَة حَدِيث ابْن مَسْعُود: إِنَّه مَنْسُوخ، لِأَن ذَلِك كَانَ بِمَكَّة ونزول قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلم تَجدوا مَاء فَتَيَمَّمُوا﴾ (سُورَة النِّسَاء: ٤٣) إِنَّمَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ بِلَا خلاف. قلت: هَذَا الْقَائِل نقل هَذَا عَن ابْن الْقصار من الْمَالِكِيَّة، وَابْن حزم من كبار الظَّاهِرِيَّة، وَالْعجب مِنْهُ أَنه، مَعَ علمه أَن هَذَا مَرْدُود، نقل هَذَا وَسكت عَلَيْهِ. وَجه الرَّد مَا ذكره الطَّبَرَانِيّ فِي (الْكَبِير) وَالدَّارَقُطْنِيّ: أَن جبري ﵇، نزل على رَسُول الله ﷺ بِأَعْلَى مَكَّة فهمز لَهُ بعقبه فأنبع المَاء وَعلمه الْوضُوء. وَقَالَ السُّهيْلي: الْوضُوء مكي، وَلكنه مدنِي التِّلَاوَة، وَإِنَّمَا قَالَت عَائِشَة، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا. آيَة التَّيَمُّم وَلم تقل: آيَة الْوضُوء، لِأَن الْوضُوء كَانَ مَفْرُوضًا قبل غير أَنه لم يكن قُرْآنًا يُتْلَى حَتَّى نزلت آيَة التَّيَمُّم، وَحكى عِيَاض عَن أبي الجهم: أَن الْوضُوء كَانَ سنة حَتَّى نزل فِيهِ الْقُرْآن بِالْمَدِينَةِ.
стр. 807
٢٤٢ - حدّثنا عليُّ بنُ عَبْدُ اللَّهِ قَالَ حدّثنا سُفْيَانُ قَالَ حدّثنا الزُّهْرِي عَنْ أبي سلمَةَ عنْ عائِشَةَ عَنِ النبيِّ ﷺ قالَ كعملُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ
مُطَابقَة هَذَا الحَدِيث للتَّرْجَمَة بِالْجَرِّ الثقيل، وَكَانَ مَوْضِعه كتاب الْأَشْرِبَة، وَجه ذَلِك أَن الشَّرَاب إِذا كَانَ مُسكرا يكون شربه حَرَامًا، فَكَذَلِك لَا يجوز التَّوَضُّؤ بِهِ. وَقَالَ الْكرْمَانِي: لِخُرُوجِهِ عَن اسْم المَاء فِي اللُّغَة والشريعة، وَكَذَلِكَ النَّبِيذ غير الْمُسكر أَيْضا، هُوَ فِي معنى السكر من جِهَة أَنه لَا يَقع عَلَيْهِ إسم المَاء وَلَو جَازَ أَن يشمى النَّبِيذ مَاء، لِأَن فِيهِ مَاء، جَازَ أَن يُسمى الْخلّ مَاء، لِأَن فِيهِ مَاء انْتهى. قلت: كَون النَّبِيذ الْغَيْر مُسكر فِي معنى الْمُسكر غير صَحِيح، لِأَن النَّبِيذ الَّذِي لَا يسكر إِذا كَانَ رَقِيقا وَقد ألقيت فِيهِ تُمَيْرَات لتخرج حلاوتها إِلَى المَاء لَيْسَ فِي معنى الْمُسكر أصلا وَلَا يلْزم أَن يكون النَّبِيذ الَّذِي كَانَ مَعَ ابْن مَسْعُود فِي معنى النَّبِيذ الْمُسكر، وَلم يقل بِهِ أحد، وَلَا يلْزم من عدم جَوَاز تَسْمِيَة الْخلّ مَاء عدم جَوَاز تَسْمِيَة النَّبِيذ الَّذِي ذكره ابْن مَسْعُود مَاء أَلا ترى أَن النَّبِي ﷺ ، كَيفَ قَالَ: (تَمْرَة طيبَة وَمَاء طهُور) ، حِين سَأَلَ ابْن مَسْعُود: مَا فِي إدواتك؟ قَالَ: نَبِيذ، وَقد أطلق عَلَيْهِ المَاء وَوَصفه بالطهورية، فَكيف ذهل الْكرْمَانِي عَن هَذَا حَتَّى قَالَ مَا قَالَه ترويجاً لما ذهب إِلَيْهِ، وَالْحق أَحَق أَن يتبع.
الْإِدَاوَة، بِكَسْر الْهمزَة، إِنَاء صَغِير يتَّخذ من جلد للْمَاء كَمَا كَمَا السطيحة وَنَحْوهَا، وَجَمعهَا: أداوي. ثمَّ قَالَ الْكرْمَانِي: وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة إِمَام اللُّغَة، النَّبِيذ لَا يكون طَاهِرا، لِأَن الله تَعَالَى شَرط الطّهُور بِالْمَاءِ والصعيد وَلم يَجْعَل لَهما ثَالِثا والنبيذ لَيْسَ مِنْهُمَا. قلت: الْكَلَام مَعَ أبي عُبَيْدَة لِأَنَّهُ إِن أَرَادَ بِهِ مُطلق النَّبِيذ فَغير مُسلم لِأَن فِيهِ مصادمة الحَدِيث النَّبَوِيّ، وَإِن أَرَادَ بِهِ النَّبِيذ الْخَاص وَهُوَ الغليظ الْمُسكر فَنحْن أَيْضا نقُول بِمَا قَالَه.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة الأول: عَليّ بن عبد الله الْمدنِي، وَقد تقدم غير مرّة. الثَّانِي: سُفْيَان بن عُيَيْنَة، وَقد تقدم غير مرّة. الثَّالِث: مُحَمَّد بن مُسلم الزُّهْرِيّ. الرَّابِع: أَبُو سَلمَة. بِفَتْح اللَّام، عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَقد تقدم فِي كتاب الْوَحْي. الْخَامِس: عَائِشَة الصديفة أم الْمُؤمنِينَ، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا.
بَيَان لطائف إِسْنَاده وَفِيه: التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع وَفِيه: العنعنة فِي موضِعين. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين مديني ومكي. وَفِيه: رِوَايَة التَّابِعِيّ عَن التَّابِعِيّ.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هَاهُنَا عَن عَليّ عَن سُفْيَان، وَفِي الْأَشْرِبَة عَن عبد الله ابْن يُوسُف عَن مَالك، وَعَن أبي الْيَمَان عَن شُعَيْب، ثَلَاثَتهمْ عَن الزُّهْرِيّ بِهِ وَأخرجه مُسلم فِي الْأَشْرِبَة عَن يحيى بن يحيى عَن مَالك بِهِ، وَعَن يحيى بن يحيى وَأبي بكر بن أبي شيبَة وَعمر والناقد وَزُهَيْر بن حَرْب وَسَعِيد بن مَنْصُور، خمستهم عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن حَرْمَلَة بن يحيى عَن أبي وهب عَن يُونُس وَعَن حسن الْحلْوانِي وَعبد بن حميد، كِلَاهُمَا عَن يَعْقُوب، وَعَن إِسْحَاق ابْن إِبْرَاهِيم وَعبد بن حميد كِلَاهُمَا عَن عبد الرَّزَّاق عَن معمر، ثَلَاثَتهمْ عَن الزُّهْرِيّ بِهِ وَفِي حَدِيث معمر: (كل شراب مُسكر حرَام) وَأخرجه أَبُو دَاوُد وَفِيه عَن القعني عَن مَالك بِهِ، وَعَن يزِيد بن عبد ربه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن عَن مَالك بِهِ وَعَن يزِيد بن عبد ربه. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ عَن إِسْحَاق بن مُوسَى عَن معن عَن مَالك بِهِ. وَأخرجه النَّسَائِيّ عَن سُوَيْد بن نصر عَن ابْن الْمُبَارك، وَعَن قُتَيْبَة بن سعيد، كِلَاهُمَا عَن مَالك بِهِ، وَعَن ابْن قُتَيْبَة عَن سُفْيَان بِهِ، وَعَن عَليّ بن مَيْمُونَة عَن بشر بن السّري عَن عبد الرَّزَّاق، وَفِيه وَفِي الْوَلِيمَة عَن سُوَيْد بن نصر عَن عبد الله بن الْمُبَارك عَن معمر بِهِ وَأخرجه ابْن مَاجَه فِي الْأَشْرِبَة عَن أبي بكر بن أبي شيبَة عَن سُفْيَان بِهِ.
بَيَان مَعْنَاهُ وَحكمه قَوْله: (كل شراب) أَي: كل وَاحِد من أَفْرَاد الشَّرَاب الْمُسكر حرَام وَذَلِكَ لِأَن كلمة، كل إِذا أضيفت إِلَى النكرَة تَقْتَضِي عُمُوم الْإِفْرَاد، وَإِذا أضيفت إِلَى الْمعرفَة تَقْتَضِي عُمُوم الْإِجْزَاء وَقَالَ بَعضهم: قَوْله: (كل شراب أسكر) أَي: كَانَ من شَأْنه الْإِسْكَار سَوَاء حصل بشربه الْإِسْكَار أم لَا. قلت: لَيْسَ مَعْنَاهُ كَذَا، لِأَن الشَّارِع أخبر بِحرْمَة الشَّرَاب عِنْد اتصافه بالإسكار، وَلَا يدل ذَلِك على أَنه يحرم إِذا كَانَ يسكر فِي المستقل، ثمَّ نقل عَن الْخطابِيّ، فَقَالَ: قَالَ الْخطابِيّ: فِيهِ دَلِيل على أَن قَلِيل الْمُسكر وَكَثِيره حرَام من أَي نوع كَانَ لِأَنَّهَا صِيغَة عُمُوم أُشير بهَا ألى جنس الشَّرَاب الَّذِي يكون مِنْهُ السكر، فَهُوَ كَمَا قَالَ: كل طَعَام أشْبع فَهُوَ حَلَال، فَإِنَّهُ يكون دَالا على حل كل طَعَام من شَأْنه الإشباع، وَإِن لم يحصل الشِّبَع بِهِ لبَعض. قلت: قَوْله، قَلِيل الْمُسكر وَكَثِيره حرَام من أَي نوع كَانَ لَا يمشي فِي كل شراب، وَإِنَّمَا ذَلِك فِي الْخمر لما رُوِيَ عَن ابْن عَبَّاس،
стр. 808
رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا، مَوْقُوفا وَمَرْفُوعًا (إِنَّمَا حرمت الْخمْرَة بِعَينهَا والمسكر من كل شراب) فَهَذَا يدل على أَن الْخمر حرَام قليلها وكثيرها أسكرت أَو لَا، وعَلى أَن غَيرهَا من الْأَشْرِبَة إِنَّمَا يحرم عِنْد الْإِسْكَار وَهَذَا ظَاهر. قلت: ورد عَنهُ ﷺ (كل مُسكر خمر وكل مُسكر حرَام) قلت: طعن فِيهِ يحيى بن معِين وَلَئِن سلم فَالْأَصَحّ أَنه مَوْقُوف على ابْن عمر، وَلِهَذَا رَوَاهُ مُسلم بِالظَّنِّ، فَقَالَ: لَا أعلمهُ إلاّ مَرْفُوعا وَلَئِن سلم فَمَعْنَاه كل مَا أسكر كَثِيره فَحكمه حكم الْخمر.
٧٢ - (بابُ غَسْلِ المَرّأةِ أَبَاهَا الدَّمَ عنْ وَجْهِهِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان غسل الْمَرْأَة الدَّم عَن وَجهه فَقَوله: (أَبَاهَا) مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول الْمصدر أَعنِي: غسل المرإة، والمصدر مُضَاف إِلَى فَاعله. قَوْله: (الدَّم) مَنْصُوب بدل من أَبَاهَا الاشتمال، وَيجوز أَن يكون مَنْصُوبًا بالاختصاص، تَقْدِيره: أَعنِي الدَّم، وَفِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: بَاب غسل الْمَرْأَة عَن وَجه أَبِيهَا، وَهَذَا هُوَ الأجو،. قَوْله: (عَن وَجهه) وَفِي رِوَايَة الْكشميهني: (من وَجهه) وَالْمعْنَى فِي رِوَايَة. عَن إِمَّا أَن يكون بِمَعْنى من وَإِمَّا أَن يتَضَمَّن الْغسْل معنى الْإِزَالَة ومحيء، عَن، بِمَعْنى من، وَقع فِي كَلَام الله تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يقبل التَّوْبَة عَن عباده وَيَعْفُو عَن السَّيِّئَات﴾ (سُورَة الشورى: ٢٥) وَهَاهُنَا سؤالان: الأول: فِي وَجه الْمُنَاسبَة بَين الْبَابَيْنِ؟ وَالثَّانِي: فِي وَجه إِدْخَال هَذَا الْبَاب فِي كتاب الْوضُوء. قلت: أما الأول فَيمكن أَن يُقَال إِن كلاًّ مِنْهُمَا يشْتَمل على حكم شَرْعِي. أما الأول: فَفِيهِ أَن اسْتِعْمَال النَّبِيذ لَا يجوز. وأماالثاني: فَلِأَن ترك النَّجَاسَة على الْبدن لَا يجوز، فهما متساويات فِي عدم الْجَوَاز، وَهَذَا الْمِقْدَار كَاف وَأما الْجَواب عَن الثَّانِي فَهُوَ أَن النُّسْخَة إِن كَانَت كتاب الطَّهَارَة بدل كتاب الْوضُوء فَلَا خَفَاء فِيهِ، وَأَن كَانَ كتاب الْوضُوء فَالْمُرَاد مِنْهُ إِمَّا مَعْنَاهُ اللّغَوِيّ، فَإِنَّهُ مَأْخُوذ من الْوَضَاءَة وَهِي: الْحسن والنظافة، فَيتَنَاوَل حِينَئِذٍ رفع الْخبث، أَيْضا. وَأما مَعْنَاهُ الاصطلاحي فَيكون ذكر الطَّهَارَة عَن الْخبث فِي هَذَا الْكتاب بالتبعية لطهارة الْحَدث والمناسبة بَينهمَا كَونهمَا من شَرَائِط الصَّلَاة، وَمن بَاب النَّظَافَة وَغير ذَلِك فَهَذَا حَاصِل مَا ذكره الْكرْمَانِي وَلَكِن أحسن فِيهِ، وَإِن كَانَ لَا يَخْلُو عَن بعض التعسف.
وَقَالَ أبُو العَالِيةِ امْسَحُوا عَلى رِجْلِي فَإِنَّها مَرِيضَةٌ
مطاقة هَذَا الْأَثر للتَّرْجَمَة من حَيْثُ إِنَّهَا متضمنة جَوَاز الإستغاثة فِي الْوضُوء وَإِزَالَة النَّجَاسَة.
وَأَبُو الْعَالِيَة هُوَ رفيع بن مهْرَان الرباحي.
وَقد تقدم عَن قريب، وَهَذَا التَّعْلِيق وَصله عبد الرَّزَّاق عَن معمر عَن عَاصِم بن سُلَيْمَان قَالَ: (دَخَلنَا على أبي الْعَالِيَة وَهُوَ وجع فوضؤه، فَلَمَّا بقيت غسل إِحْدَى رجلَيْهِ قَالَ: إمسحوا على هَذِه فَإِنَّهَا مَرِيضَة. وَكَانَت بهَا جَمْرَة) وَرَوَاهُ ابْن أبي شيبَة وَقَالَ بَعضهم وَزَاد بن أبي شيبَة أَنَّهَا كَانَت معصوبة قلت: لَيْسَ رِوَايَة ابْن أبي شيبَة هَكَذَا وَإِنَّمَا الْمَذْكُور فِي مضنفه: حَدثنَا أَبُو مُعَاوِيَة عَن عَاصِم وَدَاوُد عَن أبي الْعَالِيَة أَنه اشْتَكَى رجله فعصبها وَتَوَضَّأ وَمسح عَلَيْهَا وَقَالَ: إِنَّهَا مَرِيضَة. وَهَذَا غير الَّذِي ذكره البُخَارِيّ، على مَا لَا يخفي، وَالله تَعَالَى أعلم.
٢٤٣ - حدّثنا مُحَمَّدُ قَالَ أخْبَرنا سُفْيانُ بنُ عُيَيُنَةَ عَن أبي حازِمٍ سَمِعَ سَهْلَ بنَ سَعْدٍ السَّاعِدِيَّ وَسَأَلَهُ النَّاسُ مَا بَيْني وَبَيْنَهُ أَحَدٌ بِأَيَّ شَيْء دُووِىَ جُرْحُ النَّبيِّ ﷺ فقالَ مَا بَقِيَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي كانَ عَليٌ يَجِىءُ بِتُرْسِهِ فِيهِ ماءٌ وفاطِمَةُ تَغْسِلُ عَنْ وَجْههِ الدَّمَ فَأُخِذَ حَصِيرٌ فَأَحْرَقَ فَحُسِيَ بِهِ جُرْحُهُ.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
بَيَان رِجَاله وهم أَرْبَعَة: الأول: مُحَمَّد هُوَ ابْن سَلام البيكندي، وَكَذَا جَاءَ فِي بعض النّسخ، وَقَالَ أَبُو عَليّ الجياني: لم ينْسبهُ أحد من الروَاة وَهُوَ عِنْدِي ابْن سَلام، وَبِذَلِك جزم أَبُو ت نعيم فِي (الْمُسْتَخْرج) وَوَقع فِي رِوَايَة ابْن عَسَاكِر: حَدثنَا مُحَمَّد، يَعْنِي ابْن سَلام، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَهِشَام بن عمار عَن سُفْيَان بِهِ، وَرَوَاهُ الْإِسْمَاعِيلِيّ أَيْضا عَن مُحَمَّد بن الصَّباح عَن سُفْيَان بِهِ. الثَّانِي سُفْيَان بن عُيَيْنَة. الثَّالِث: أَبُو حَازِم، بِالْحَاء الْمُهْملَة وَالزَّاي الْمَكْسُورَة، سَلمَة بن دِينَار الْمَدِينِيّ الْأَعْرَج الزَّاهِد المَخْزُومِي، مَاتَ سنة خمس وَثَلَاثِينَ وَمِائَة. الرَّابِع: سهل ابْن سعد
стр. 809
الساغدي الْأنْصَارِيّ أَبُو الْعَبَّاس، وَكَانَ يُسمى حزنا فَسَماهُ النَّبِي ﷺ : سهلاً رُوِيَ لَهُ عَن رَسُول الله ﷺ ، مائَة حَدِيث وثمان وَثَلَاثُونَ حَدِيثا ذكر البُخَارِيّ تِسْعَة وَثَلَاثِينَ، مَاتَ سنة إِحْدَى وَتِسْعين، وَهُوَ ابْن مائَة سنة، وَهُوَ آخر من مَاتَ من الصَّحَابَة بِالْمَدِينَةِ.
ذكر لطائف إِسْنَاده فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والعنعنة فِي مَوضِع وَاحِد. وَفِيه: السماع والإسناد رباعي، والرواة مَا بَين ومدني.
بَين تعدد وَضعه وَمن أخرجه غَيره أخرجه البُخَارِيّ هَاهُنَا عَن مُحَمَّد، وَفِي الْجِهَاد عَن عَليّ ابْن عبد الله وَفِي النِّكَاح عَن قُتَيْبَة وَأخرجه مُسلم فِي الْمَغَازِي عَن أبي بكر ابْن أبي شيبَة وَزُهَيْر بن حَرْب وَإِسْحَاق بن إِبْرَاهِيم وَابْن أبي عمر. وَأخرجه التِّرْمِذِيّ فِي الطِّبّ عَن ابْن أبي عمر، وَأخرجه ابْن مَاجَه فِيهِ عَن مُحَمَّد بن الصَّباح وَهِشَام بن عمار، تسعتهم عَنهُ بِهِ، وَمعنى حَدِيثهمْ وَاحِد، وَقَالَ التِّرْمِذِيّ: حسن صَحِيح.
ذكر لغته وَإِعْرَابه وَمَعْنَاهُ قَوْله: (السَّاعِدِيّ) بتَشْديد الْيَاء المنصوبة لِأَنَّهُ صفة سهل، وَهُوَ مَنْصُوب لِأَنَّهُ مفعول سمع. قَوْله: (وَسَأَلَهُ النَّاس) وَفِي بعض النسح. (وسألوه النَّاس) على لُغَة، أكلوني البراغيث، وَهَذِه جملَة من الْفِعْل وَالْفَاعِل وَالْمَفْعُول، ومحلها النصب على الْحَال. قَوْله: (مَا بيني وَبَينه أحد) يَعْنِي: عِنْد السُّؤَال عَنهُ. قَالَ الْكرْمَانِي: هِيَ جملعة مُعْتَرضَة لَا مَحل لَهَا فِي الْإِعْرَاب. قلت: الْجُمْلَة المعترضة هِيَ الَّتِي تقع بَين الْكَلَامَيْنِ وَلَيْسَ لَهَا تعلق بِأَحَدِهِمَا. وَقد تقع فِي آخر الْكَلَام، وَيجوز أَن تكون جملَة حَالية أَيْضا، وَيكون محلهَا من الْإِعْرَاب النصب، وَلَكِن وَقعت بِلَا وَاو، وذز الْحَال، إِمَّا مفعول، سَأَلَ، فيكونان حَالين متداخلتين، وَأما مفعول سمع، فيكونان مترادفتين. قَوْله: (بِأَيّ شَيْء) الْيَاء فِيهِ تتَعَلَّق بقوله: (وَسَأَلَهُ) وَكلمَة أَي للاستفهام. قَوْله (دووى) بِضَم الدام وَكسر الْوَاو، وَصِيغَة الْمَجْهُول من المداواة، وَقَالَ بَعضهم: حذفت إِحْدَى الواوين فِي الْكِتَابَة. قلت: بالواوين فِي أَكثر النّسخ، وَفِي بَعْضهَا بواو وَاحِدَة، فحذفت مِنْهَا إِحْدَى الواوين كَمَا حذفت من دَاوُد وَطَاوُس فِي الْخط. قَوْله: (أعلم) مَرْفُوع لِأَنَّهُ صفة، أحد، وَيجوز أَن مَنْصُوبًا على الْحَال، وَعرضه من هَذَا التَّرْكِيب أَنه، أعلم النَّاس بِهَذِهِ الْقَضِيَّة، لِأَن مَوته بِأخر وَكَانَ آخر من بَقِي من الصَّحَابَة بِالْمَدِينَةِ، كَمَا صرح بِهِ البُخَارِيّ فِي النِّكَاح فِي رِوَايَته عَن تيبة عَن سُفْيَان، وَمثل هَذَا التَّرْكِيب لَا يسْتَعْمل بِحَسب الْعرف إِلَّا عِنْد انْتِفَاء الْمسَاوِي وَهَذَا ظَاهر، وَبِهَذَا يسْقط سُؤال من قَالَ: لَا يلْزم مِنْهُ مُنَافَاة مساوات غَيره لَهُ فِيهِ. قَوْله: (فَأخذ) على صِيغَة الْمَجْهُول، وَكَذَلِكَ قَوْله: (فاحرق فحشي) وَفِي رِوَايَة البخاي فِي الطِّبّ. (فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَة، ﵂، الدَّم تزيد على المَاء كَثْرَة، عُمْدَة إِلَى حصيرة فأحرقتها والصقتها على الخرج فرقي الدَّم) ، وَهَذِه الْوَاقِعَة كَانَت بِأحد، وَزعم ابْن سعد عَن عتبَة بن أبي وَقاص، (شج النَّبِي، ﵊ فِي وَجهه وَأصَاب رباعيته؛ فَكَانَ سَالم مولى أبي حُذَيْفَة يغسل عَن النَّبِي ﷺ الدَّم، والني، ﵇، يَقُول: (كَيفَ يفلح قوم صَنَعُوا هَذَا بِنَبِيِّهِمْ؟ فَانْزِل الله ﵎: ﴿لَيْسَ لَك من الْأَمر شَيْء﴾ (سُورَة آل عمرَان: ١٢٨) الْآيَة وَزعم السُّهيْلي: أَن عبد الله بن قمية هُوَ الَّذِي جرح وَجهه ﷺ .
بَيَان استنباط الْأَحْكَام مِنْهُ قل ابْن بطال: فِيهِ: دَلِيل على جَوَاز مُبَاشرَة الْمَرْأَة أَبَاهَا وَذَوي محارمها ومداواة أمراضهم، وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْعَالِيَة: امسحوا على رجْلي فَإِنَّهَا مَرِيضَة، وَلم يخص بَعضهم دون بعض، بل عمهم جَمِيعًا. وَفِيه: إِبَاحَة التَّدَاوِي، لِأَن النَّبِي ﷺ داوى جرحه. وَفِيه: جَوَاز المداواة بالحصير المحرق لِأَنَّهُ يقطع الدَّم، وَفِيه: إِبَاحَة الاستغاثة فِي المداواة.
وَقَالَ النَّوَوِيّ: وَفِيه: وُقُوع الِابْتِلَاء والأنتقام بالأنبياء، عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام، لينالوا جزيل الْأجر، ولتعرف أممهم وَغَيرهم مَا أَصَابَهُم ويأنسوا بِهِ، وليعلموا أَنهم من الْبشر يصيبهم محن الدُّنْيَا ويطرؤ على أَجْسَادهم مَا يطرؤ على أجسام الْبشر ليتيقنوا أَنهم مخلوقون مربوبون وَلَا يفتدون بِمَا ظهر على أَيْديهم من المعجزات كَمَا افْتتن النَّصَارَى. وَفِيه: أَن المداواة لَا تنَافِي التَّوَكُّل. وَفِيه: سُؤال من لَا يعلم عَمَّن يعلم عَن أَمر خَفِي عَلَيْهِ.
٧٣ - (بابُ السِّواكِ)
أَي: هَذَا بَاب فِي بَيَان أَحْكَام السِّوَاك. قَالَ ابْن سَيّده: السِّوَاك، يذكر وَيُؤَنث، والسواك كالمسواك، الْجمع: سوك، وَقَالَ أَبُو حنيفَة رُبمَا همز فَقيل: سؤك، وَأنْشد الْخَلِيل لعبد الرَّحْمَن بن حسان، رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا.
أغر الثنايا أَحْمَر اللثات سؤك الأسحل.
بِالْهَمْز، يُقَال: ساك الشَّيْء سوكاً دلكه وساك فيمه بِالْعودِ وَاسْتَاك، مُشْتَقّ مِنْهُ، وَفِي الْجَامِع،
السِّوَاك والمسواك مَا يدلك
стр. 810
بِهِ الْأَسْنَان من الْعود والتذكير أَكثر، وَهُوَ نفس الْعود الَّذِي يستاك بِهِ، وَأَصله الْمَشْي الضَّعِيف يُقَال: جَاءَت الْغنم وَالْإِبِل تستاك هزالًا أَي: لَا تحرّك رؤسها وَفِي (الصِّحَاح) بِجمع على سوك مثل: كتاب وَكتب، وَيُقَال: ساك فَمه، وَإِذا لم يذكر الْفَم يُقَال: استاك وَهَاهُنَا سؤالان. الأول: مَا وَجه الْمُنَاسبَة بَين هَذَا الْبَاب وَالْبَاب الَّذِي قبله؟ . وَالثَّانِي: مَا وَجه مَا ذكره بَين الْأَبْوَاب الْمَذْكُورَة هَاهُنَا؟ . الْجَواب عَن الأول: أَن كلاًّ مِنْهُمَا يشْتَمل على الأزالة غير أَن الْبَاب الأول يشْتَمل على إِزَالَة الدَّم، وَهَذَا الْبَاب يشْتَمل على إِزَالَة رَائِحَة الْفَم، وَهَذَا الْقدر كَاف. وَعَن الثَّانِي: ظَاهر، وَهُوَ أَن الْأَبْوَاب كلهَا فِي أَحْكَام الْوضُوء، وَإِزَالَة النَّجَاسَات وَنَحْوهَا، وَبَاب السِّوَاك من أَحْكَام الْوضُوء عِنْد الْأَكْثَرين.
وقالَ ابنُ عَبَّاسِ بِتُّ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَاسْنَن
هَذَا التَّعْلِيق لَيْسَ فِي رِوَايَة المستعلي، وَهُوَ قِطْعَة من حَدِيث طَوِيل فِي قصَّة مبيت عبد الله بن عَبَّاس عِنْد خَالَته مَيْمُونَة، أم الْمُؤمنِينَ رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا، ليشاهد صَلَاة النَّبِي ﷺ بِاللَّيْلِ وَصله البُخَارِيّ من طرق، وَتقدم بعضه وَيَأْتِي الْبَاقِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى.
قَوْله: (فاستن) من الاستنان، وَهُوَ الاستياك، وَهُوَ ذَلِك الْأَسْنَان وَحكمهَا بِمَا يجلوها، مَأْخُوذ من السن، وَهُوَ إمرار الشَّيْء الَّذِي فِيهِ خشونة على شَيْء آخر، وَمِنْه المسن الَّذِي يشحذ بِهِ الْحَدِيد، وَنَحْوه وَقَالَ ابْن الْأَثِير: الاستنان: اسْتِعْمَال السِّوَاك، افتعال من الْأَسْنَان وَهُوَ الإمرار على شَيْء.
٢٤٤ - حدّثنا أبُو النُّعْمانِ قَالَ حدّثنا حَمَّادْ بنْ زَيْدٍ عنْ غَيْلانَ بن جَرِيرٍ عنْ أبي بُرْدَةَ عنْ أبيهِ قَالَ أتَيْتُ النَّبيِّ لله فَوَجَدْتَهُ يَسْتَنُّ بِسِوَاكٍ بِيَدِهِ يَقُولُ اعْ أُعْ والسِّوَاكُ فِي فِيهِ كأَنَّهُ يَتَهَوَّعُ.
مُطَابقَة الحَدِيث للتَّرْجَمَة ظَاهِرَة.
بَيَان رِجَاله وهم خَمْسَة: الأول: أَبُو النُّعْمَان، بِضَم النُّون. مُحَمَّد بن الْفضل الْمَشْهُور بعارم، تقدم فِي آخر كتاب الْإِيمَان. الثَّانِي: حَمَّاد بن زيد، تقدم فِي بَاب الْمعاصِي من أَمر الْجَاهِلِيَّة. الثَّالِث: غيلَان، بِفَتْح الْغَيْن الْمُعْجَمَة، وَسُكُون الْيَاء آخرالحروف. ابْن جرير، بِفَتْح الْجِيم وبالراء الْمَكْسُورَة المكررة، المعولي، بِسُكُون الْعين الْمُهْملَة وَفتح الْوَاو، وَأما الْمِيم فَقَالَ الغسائي: بِفَتْحِهَا مَنْسُوبا إِلَى بطن من الأزد، وَقَالَ ابْن الْأَثِير بِكَسْرِهَا، مَاتَ سنة تسع وَعشْرين وَمِائَة. الرَّابِع: أَبُو بردة، بِضَم الْبَاء الْمُوَحدَة واسْمه عَامر. الْخَامِس: أَبوهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ابْن عبد الله بن قيس، وَقد تقدم ذكرهمَا فِي بَاب: أَي الْإِسْلَام أفضل.
بَيَان لطائف إِسْنَاده فِيهِ التحديث بِصِيغَة الْجمع فِي موضِعين والعنعنة فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع. وَفِيه: أَن رُوَاته مَا بَين بَصرِي وكوفي، وَأَبُو بردة الْكُوفِي القَاضِي بكوفة، وَقيل: اسْمه الْحَارِث.
بَيَان تعدد مَوْضِعه وَمن أخرجه غَيره. أخرجه البُخَارِيّ هُنَا، وَقَوله: (أعْ أُعْ) من أَفْرَاد البُخَارِيّ. وَأخرجه مُسلم فِي الطَّهَارَة عَن يحيى بن حبيب، وَأَبُو دَاوُد فِيهِ عَن مُسَدّد وَأبي الرّبيع وَالنَّسَائِيّ فِيهِ عَن أَحْمد بن عَبدة، خمستهم عَن حَمَّاد بن زيد.
بَيَان لغته وَإِعْرَابه وَتَفْسِير: الاستنان، قد مر قَوْله: (أَعْ أُعْ) ، بِضَم الْهمزَة وبالعين الْمُهْملَة، كَذَا فِي رِوَايَة أبي ذَر، وَذكر ابْن التِّين أَن غَيره رَوَاهُ بِفَتْح الْهمزَة، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة عَن أَحْمد بن عَبدة عَن حَمَّاد بِتَقْدِيم الْعين على الْهمزَة، وَكَذَا أخرجه الْبَيْهَقِيّ من طَرِيق إِسْمَاعِيل القَاضِي عَن عَارِم شيخ البُخَارِيّ فِيهِ، وَعَن أبي دَاوُد (أَهْ أُهْ) ، بِضَم الْهمزَة وَقيل: بِفَتْحِهَا وَالْهَاء سَاكِنة وَعند ابْن خُزَيْمَة (عاعا) وَفِي (صَحِيح الجوزقي) (أَحْ أُحْ) بِكَسْر الْهمزَة وَبِالْحَاءِ الْمُهْملَة، وَفِي (مُسْند أَحْمد) (وَاضع طرف السِّوَاك على لِسَانه يستن إِلَى فَوق) فوصفه حَمَّاد (كَانَ يرفع لِسَانه) ووضفه غيلَان (كَانَ يستن طولا) وَكلهَا عبارَة عَن إبلاغ السِّوَاك إِلَى أقْصَى الْحلق، اع فِي الأَصْل حِكَايَة الصَّوْت، وَفِي بعض النّسخ: بالغين الْمُعْجَمَة، قَالَ الْكرْمَانِي: قَوْله: (يتهواع) أَي: يتقيأ، وَهُوَ من بَاب التفعل الَّذِي للتكلف، يُقَال: هاع يهوع إِذا قاء من غير تكلّف، فَإِذا تكلّف يُقَال تهوع. وَفِي (الموعب) هاع الرجل يهوع هوعاً وهواعاً، جَاءَ القييء من غير تكلّف، وَأنْشد:
(مَا هاعَ عمروٌ حِين أَدخل حلقه ... يَا صَاح، ريش حمامة، بل قاءَ)
следующие страницы →