Полный текст (4 665 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.
стр. 1331
بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ فَعَلَى الْأَوَّلِ إِمَّا أَنْ يَكُونَ أَقَلُّ الْجَمْعِ اثْنَيْنِ وَإِمَّا أَنْ يَدْخُلَ فِي الْمُعَوِّذَتَيْنِ سُورَةُ الْإِخْلَاصِ وَالْكَافِرُونَ إِمَّا تَغْلِيبًا يَعْنِي لِأَنَّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ أَكْثَرُ أَوْ لِأَنَّ فِي كِلْتَيْهِمَا يَعْنِي الْإِخْلَاصَ وَالْكَافِرُونَ بَرَاءَةٌ مِنَ الشِّرْكِ وَالْتِجَاءٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى يَعْنِي فَفِيهِمَا مَعْنَى التَّعَوُّذِ أَيْضًا كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ
[١٥٢٤] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هو بن مسعود انتهى
وكلما كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بِغَيْرِ اسْمِ أَبِيهِ فَهُوَ بن مَسْعُودٍ ﵁ (يُعْجِبُهُ) أَيْ يُحَسِّنُهُ (أَنْ يَدْعُوَ) أَيْ يَقُولَ اللَّهُمَّ آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ أَوْ غَيْرَهُ (وَيَسْتَغْفِرَ ثَلَاثًا) أَيْ يَقُولُ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[١٥٢٥] (عِنْدَ الْكَرْبِ) أَيِ الْمِحْنَةِ وَالْمَشَقَّةِ (أَوْ فِي الْكَرْبِ) شَكَّ الرَّاوِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا
وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ
[١٥٢٦] (وَعَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ) بْنِ جُدْعَانَ (وَسَعِيدٍ) بن إِيَاسٍ (الْجَرِيرِيُّ) فَحَمَّادٌ يَرْوِي عَنْ ثَلَاثَةِ شُيُوخٍ عَنْ ثَابِتٍ وَعَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ وَسَعِيدٍ الْجَرِيرِيِّ وَكُلُّهُمْ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ (إِنَّكُمْ لَا تدعون) الله
стр. 1332
بِالتَّكْبِيرِ أَوْ لَا تَذْكُرُونَ (أَصَمَّ وَلَا غَائِبًا) الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ لَكُمْ إِلَى الْجَهْرِ الْبَلِيغِ وَرَفْعِ الصَّوْتِ كَثِيرًا فَإِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ أَعْنَاقِ رِكَابِكُمْ) بَلْ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ فَهُوَ بِحَسَبِ مُنَاسَبَةِ الْمَقَامِ تَمْثِيلٌ وَتَقْرِيبٌ إِلَى فَهْمِ اللَّبِيبِ وَالْمَعْنَى قُرْبُ التَّقْرِيبِ وَكِنَايَةٌ عَنْ كَمَالِ قُرْبِهِ إِلَى الْعَبْدِ (عَلَى كَنْزٍ) أَيْ عَظِيمٍ (مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ) سَمَّى هَذِهِ الْكَلِمَةَ الْآتِيَةَ كَنْزًا لِأَنَّهَا كالكنز في نفاسته وصيانيه مِنْ أَعْيُنِ النَّاسِ أَوْ أَنَّهَا مِنْ ذَخَائِرِ الْجَنَّةِ أَوْ مِنْ مُحَصِّلَاتِ نَفَائِسِ الْجَنَّةِ
قَالَ النَّوَوِيُّ الْمَعْنَى أَنَّ قَوْلَهَا يُحَصِّلُ ثَوَابًا نَفِيسًا يُدَّخَرُ لِصَاحِبِهِ فِي الْجَنَّةِ (قَالَ لَا حَوْلَ) أَيْ لَا حَرَكَةَ فِي الظَّاهِرِ (وَلَا قُوَّةَ) أَيْ لَا اسْتِطَاعَةَ فِي الْبَاطِنِ (إِلَّا بِاللَّهِ) أَوْ لَا تَحْوِيلَ عَنْ شَيْءٍ وَلَا قُوَّةَ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ وَقُوَّتِهِ
وَقِيلَ الْحَوْلُ الْحِيلَةُ إِذْ لَا دَفْعَ وَلَا مَنْعَ إِلَّا بِاللَّهِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ هِيَ كَلِمَةُ اسْتِسْلَامٍ وَتَفْوِيضٍ وَأَنَّ الْعَبْدَ لَا يَمْلِكُ مِنْ أَمْرِهِ شَيْئًا وَلَيْسَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِ شَرٍّ وَلَا قُوَّةٌ فِي جَلْبِ خَيْرٍ إِلَّا بِإِرَادَةِ اللَّهِ تعالى انتهى
قال القارىء والأحسن ما ورد فيه عن بن مَسْعُودٍ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَقُلْتُهَا فَقَالَ تَدْرِي مَا تَفْسِيرُهَا قُلْتُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ لَا حَوْلَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعِصْمَةِ اللَّهِ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ إِلَّا بِعَوْنِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ
وَلَعَلَّ تَخْصِيصَهُ ﷺ بِالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ لِأَنَّهُمَا أَمْرَانِ مُهِمَّانِ فِي الدِّينِ
[١٥٢٧] (وَهُمْ يَتَصَعَّدُونَ فِي ثَنِيَّةٍ) هُوَ الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ (يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ) اسْمُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ
[١٥٢٨] (ارْبَعُوا) بِفَتْحِ الْبَاءِ (عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أَيِ ارْفُقُوا بِهَا وَأَمْسِكُوا عَنِ الْجَهْرِ الَّذِي يَضُرُّكُمْ ذَكَرَهُ
стр. 1333
فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
بِنَحْوِهِ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا
[١٥٢٩] (أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أبي عبد الرحمن الحبلي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَتَمَّ مِنْهُ
[١٥٣٠] (مَنْ صَلَّى عَلَيَّ) صَلَاةً (وَاحِدَةً فَصَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَفِي حَدِيثِهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ عَشْرًا انْتَهَى
[١٥٣١] (فَإِنَّ صَلَاتَكُمْ مَعْرُوضَةٌ عَلَيَّ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ أَيْ تُعْرَضُ عَلَيَّ فِي كُلِّ يَوْمِ جُمُعَةٍ فَمَنْ كَانَ أَكْثَرَهُمْ عَلَيَّ صَلَاةً كَانَ أَقْرَبَهُمْ مِنِّي مَنْزِلَةً
وَإِنَّمَا خَصَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ سَيِّدُ الْأَيَّامِ وَالْمُصْطَفَى سَيِّدُ الْأَنَامِ فَلِلصَّلَاةِ عَلَيْهِ فِيهِ مَزِيَّةٌ لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ (وَقَدْ أَرَمْتَ) عَلَى وَزْنِ ضَرَبْتَ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ قَالَ الْحَرْبِيُّ هَكَذَا يَرْوِيهِ الْمُحَدِّثُونَ وَلَا أَعْرِفُ وَجْهَهُ وَالصَّوَابُ أَرَمَتْ فَتَكُونُ التَّاءُ لِتَأْنِيثِ الْعِظَامِ أَوْ رَمَمْتَ أَيْ صِرْتَ رَمِيمًا
وَقَالَ غَيْرُهُ إِنَّمَا هُوَ أَرَمْتَ بِوَزْنِ ضَرَبْتَ وَأَصْلُهُ أَرْمَمْتَ أَيْ بَلِيتَ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ عَلَى أَنَّهُ أَدْغَمَ إِحْدَى الْمِيمَيْنِ فِي التَّاءِ وَهَذَا قَوْلٌ سَاقِطٌ لِأَنَّ الْمِيمَ لَا تُدْغَمُ
стр. 1334
فِي التَّاءِ أَبَدًا
وَقِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أُرِمْتَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ بِوَزْنِ أُمِرْتَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَرَمَتِ الْإِبِلُ تَأْرَمُ إِذَا تَنَاوَلَتِ الْعَلَفَ وَقَلَعَتْهُ مِنَ الْأَرْضِ
(قُلْتُ) أَصْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنْ رَمَّ الْمَيِّتُ وَأَرَمَ إِذَا بَلِيَ وَالرِّمَّةُ الْعَظْمُ الْبَالِي وَالْفِعْلُ الْمَاضِي مِنْ أُرَمِّمُ لِلْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ أَرَمَمْتَ وَأَرْمَمْتَ بِإِظْهَارِ التَّضْعِيفِ وَكَذَلِكَ كُلُّ فِعْلٍ مُضَعَّفٍ فَإِنَّهُ يَظْهَرُ فِيهِ التَّضْعِيفُ مَعَهُمَا تَقُولُ فِي شَدَّدَ شَدَدْتُ وَفِي أَعَدَّ أَعْدَدْتُ وَإِنَّمَا ظَهَرَ التَّضْعِيفُ لِأَنَّ تَاءَ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ مُتَحَرِّكَةٌ وَلَا يَكُونُ مَا قَبْلَهُمَا إِلَّا سَاكِنًا فَإِذَا سَكَنَ مَا قَبْلَهَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ غَلِطَ فِي هَذَا الْحَدِيث فَرِيقَانِ فَرِيق فِي لَفْظه وَفَرِيق فِي تَضْعِيفه فَأَمَّا الْفَرِيق الْأَوَّل فَقَالُوا اللَّفْظ بِهِ أَرَمَّتْ بِفَتْحِ الرَّاء وَتَشْدِيد الْمِيم وَفَتْحهَا وَفَتْح التَّاء قَالُوا وَأَصْله أَرْمَمْت أَيْ صِرْت رَمِيمًا فَنَقَلُوا حَرَكَة الْمِيم إِلَى الرَّاء قَبْلهَا ثُمَّ أَدْغَمُوا إِحْدَى الْمِيمَيْنِ فِي الْأُخْرَى وَأَبْقَوْا تَاء الْخِطَاب عَلَى حَالهَا فَصَارَ أَرَمَّتْ وَهَذَا غَلَط إِنَّمَا يَجُوز إِدْغَام مِثْل هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ آخِر الْفِعْل مُلْتَزِم السُّكُون لِاتِّصَالِ ضَمِير الْمُتَكَلِّم وَالْمُخَاطَب وَنُون النِّسْوَة بِهِ كَقَوْلِك أَرَمَّ وَأَرَمَّا وَأَرَمُّوا وَأَمَّا إِذَا اِتَّصَلَ بِهِ ضَمِير يُوجِب سُكُونه لَمْ يَجُزْ الْإِدْغَام لِإِفْضَائِهِ إِلَى اِلْتِقَاء السَّاكِنَيْنِ عَلَى غَيْر أَحَدهمَا أَوْ إِلَى تَحْرِيك آخِره وَقَدْ اِتَّصَلَ بِهِ مَا يُوجِب سُكُونه
وَلِهَذَا لَا نَقُول أَمَّدَتْ وَأُمِدْت وَأَمَّدْنَ فِي أَمْدَدْت وَأَمْدَدْت وَأَمْدَدْنَ لِمَا ذُكِرَ وَهَؤُلَاءِ لَمَّا رَأَوْا الْفِعْل يُدْغَم إِذَا لَمْ يَكُنْ آخِره سَاكِنًا نَحْو أَرَمَّ ظَنُّوا أَنَّهُ كَذَلِكَ فِي أَرْمَمْت وَغَفَلُوا عَنْ الْفَرْق
وَالصَّوَاب فِيهِ أَرَمَتْ بِوَزْنِ ضَرَبَتْ فَحَذَفُوا إِحْدَى الْمِيمَيْنِ تَخْفِيفًا وَهِيَ لُغَة فَصَيْحَة مَشْهُورَة جَاءَ بِهَا الْقُرْآن فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ظَلْت عَلَيْهِ عَاكِفًا﴾ وَقَوْله ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ وَأَصْله ظَلِلْت عَلَيْهِ وَظَلِلْتُمْ تَفَكَّهُونَ وَنَظَائِره كَثِيرَة
وَأَمَّا الْفَرِيق الثَّانِي الَّذِينَ ضَعَّفُوهُ فَقَالُوا هَذَا الْحَدِيث مَعْرُوف بِحُسَيْنِ بْن عَلِيّ الْجُعْفِيِّ حَدَّثَ بِهِ عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن جَابِر عَنْ أَبِي الْأَشْعَث الصَّنْعَانِيِّ عَنْ أَوْس بْن أَوْس قَالُوا وَمَنْ نَظَرَ ظَاهِر هَذَا الْإِسْنَاد لَمْ يَرْتَبْ فِي صِحَّته لِثِقَةِ رُوَاته وَشُهْرَتهمْ وَقَبُول الْأَئِمَّة أَحَادِيثهمْ وَاحْتِجَاجهمْ بِهَا وَحَدَّثَ بِهَذَا الْحَدِيث عَنْ حُسَيْن الْجُعْفِيِّ جَمَاعَة مِنْ النُّبَلَاء قَالُوا وَعِلَّته أَنَّ حُسَيْن بْن عَلِيّ الْجُعْفِيَّ لَمْ يَسْمَع مِنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن جَابِر وَإِنَّمَا سَمِعَ مِنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن تَمِيم وَعَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن تَمِيم لَا يُحْتَجّ بِهِ فَلَمَّا حَدَّثَ بِهِ حُسَيْن الْجُعْفِيُّ غَلِطَ فِي اسم الجد فقال بن جَابِر وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ الْحُفَّاظ وَنَبَّهُوا عَلَيْهِ
стр. 1335
وَهِيَ الْمِيمُ الثَّانِيَةُ الْتَقَى سَاكِنَانِ فَإِنَّ الْمِيمَ الْأُولَى سَكَنَتْ لِأَجْلِ الْإِدْغَامِ وَلَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ سَاكِنَيْنِ وَلَا يَجُوزُ تَحْرِيكُ الثَّانِي لِأَنَّهُ وَجَبَ سُكُونُهُ لِأَجْلِ تَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا تَحْرِيكُ الْأَوَّلِ وَحَيْثُ حُرِّكَ ظَهَرَ التَّضْعِيفُ
وَالَّذِي جَاءَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْإِدْغَامِ وَحَيْثُ لَمْ يَظْهَرِ التَّضْعِيفُ فِيهِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ احْتَاجُوا أَنْ يُشَدِّدُوا التَّاءَ لِيَكُونَ مَا قَبْلَهَا سَاكِنًا حَيْثُ تَعَذَّرَ تَحْرِيكُ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ أَوْ يَتْرُكُوا الْقِيَاسَ فِي الْتِزَامِ مَا قَبْلَ تَاءِ الْمُتَكَلِّمِ وَالْمُخَاطَبِ فَإِنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ وَلَمْ تَكُنْ مُحَرَّفَةً فَلَا يُمْكِنُ تَخْرِيجُهُ إِلَّا عَلَى لُغَةِ بَعْضِ الْعَرَبِ فَإِنَّ الْخَلِيلَ زَعَمَ أَنَّ نَاسًا مِنْ بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ يَقُولُونَ رَدَّتُ وَرَدَتُ وَكَذَلِكَ مَعَ جَمَاعَةِ الْمُؤَنَّثِ يقولون ردن ومرن يريدون رددت ورددت وأردون وَامْرُرْنَ قَالَ كَأَنَّهُمْ قَدَّرُوا الْإِدْغَامَ قَبْلَ دُخُولِ التَّاءِ وَالنُّونِ فَيَكُونُ لَفْظُ الْحَدِيثِ أَرَمَّتَ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَفَتْحِ التَّاءِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُهُ
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَلَهُ عِلَّةٌ وَقَدْ جَمَعْتُ طُرُقَهُ فِي جزء مفرد انتهى
٧ - (باب النهي أَنْ يَدْعُوَ الْإِنْسَانُ عَلَى أَهْلِهِ وَمَالِهِ)
[١٥٣٢] (أَبُو حَزْرَةَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ زَاءٍ مُعْجَمَةٍ سَاكِنَةٍ ثُمَّ رَاءٍ مُهْمَلَةٍ (لَا تَدْعُوا) أَيْ دعاء
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالَ الْبُخَارِيّ فِي التَّارِيخ الْكَبِير عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن تَمِيم السَّلَمِيّ الشَّامِيّ عَنْ مَكْحُول سَمِعَ مِنْهُ الْوَلِيد بْن مُسْلِم عِنْده مَنَاكِير وَيُقَال هُوَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَهْل الْكُوفَة أَبُو أُسَامَة وَحُسَيْن فَقَالُوا عَبْد الرَّحْمَن بن يزيد بن جابر وبن تَمِيم أَصَحّ وَقَالَ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي حَاتِم سَأَلْت أَبِي عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن تَمِيم فَقَالَ عِنْده مَنَاكِير يُقَال هُوَ الَّذِي رَوَى عَنْهُ أَبُو أُسَامَة وَحُسَيْن الجعفي وقالا هو بن يَزِيد بْن جَابِر وَغَلِطَا فِي نَسَبه وَيَزِيد بْن تَمِيم أَصَحّ وَهُوَ ضَعِيف الْحَدِيث
وَقَالَ أَبُو بَكْر الْخَطِيب رَوَى الْكُوفِيُّونَ أَحَادِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن تَمِيم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن جَابِر وَوَهَمُوا فِي ذَلِكَ وَالْحَمْل عَلَيْهِمْ فِي تَلِك الْأَحَادِيث
وَقَالَ مُوسَى بْن هَارُون الْحَافِظ رَوَى أَبُو أُسَامَة عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر وَكَانَ ذَلِكَ وَهْمًا مِنْهُ هُوَ لَمْ يَلْقَ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن جَابِر وَإِنَّمَا لَقِيَ عَبْد الرَّحْمَن بْن يَزِيد بْن تَمِيم فظن أنه بن جابر وبن جابر ثقة وبن تَمِيم ضَعِيف قَالُوا وَقَدْ أَشَارَ غَيْر وَاحِد مِنْ الْحُفَّاظ إِلَى مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة
стр. 1336
سُوءٍ (عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أَيْ بِالْهَلَاكِ وَمِثْلِهِ (وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَوْلَادِكُمْ) أَيْ بِالْعَمَى وَنَحْوِهِ (وَلَا تَدْعُوا عَلَى أَمْوَالِكُمْ) أَيْ مِنَ الْعَبِيدِ وَالْإِمَاءِ بِالْمَوْتِ وَغَيْرِهِ (لَا تُوَافِقُوا) نَهْيٌ لِلدَّاعِي وَعِلَّةُ النَّهْيِ أَيْ لَا تَدْعُوا عَلَى مَنْ ذُكِرَ لِئَلَّا تُوَافِقُوا (مِنَ اللَّهِ سَاعَةَ نَيْلٍ) أَيْ عَطَاءٍ (فِيهَا عَطَاءٌ فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ) أَيْ لِئَلَّا تُصَادِفُوا سَاعَةَ إِجَابَةٍ وَنَيْلٍ فَتُسْتَجَابَ دَعَوْتُكُمُ السُّوءُ
ذَكَرَهُ فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْخَدَمِ
٨ - (بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ
[١٥٣٣] (لِلنَّبِيِّ ﷺ صل علي) قال بن الْمَلَكِ الصَّلَاةُ بِمَعْنَى الدُّعَاءِ وَالتَّبَرُّكِ قِيلَ يَجُوزُ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي مُعْطِي الزَّكَاةِ وَصَلِّ عَلَيْهِمْ وَأَمَّا الصَّلَاةُ الَّتِي لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهَا بِمَعْنَى التَّعْظِيمِ وَالتَّكْرِيمِ فَهِيَ خَاصَّةٌ لَهُ انْتَهَى
وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَاءِ وَالْخَفَاجِيُّ فِي شَرْحِهِ فَلْيُرْجَعْ إِلَيْهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مُخْتَصَرًا وَأَشَارَ إِلَى هَذَا الْفَصْلِ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
٩ - (بَاب الدُّعَاءِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ)
[١٥٣٤] (إِذَا دَعَا الرَّجُلُ لِأَخِيهِ) أَيِ الْمُؤْمِنِ (بِظَهْرِ الْغَيْبِ) الظَّهْرُ مُقْحَمٌ لِلتَّأْكِيدِ أَيْ فِي غَيْبَةِ
стр. 1337
الْمَدْعُوِّ لَهُ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ حَاضِرًا مَعَهُ بأن دعاله بِقَلْبِهِ حِينَئِذٍ أَوْ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ (قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ آمِينَ) أَيِ اسْتَجِبْ لَهُ يَا رَبِّ دُعَاءَهُ لِأَخِيهِ
فَقَوْلُهُ (وَلَكَ) فِيهِ الْتِفَاتٌ أَوِ اسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَكَ فِي حَقِّ أَخِيكَ وَلَكَ (بِمِثْلٍ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَنْوِينِ اللَّامِ أَيْ أَعْطَى اللَّهُ لَكَ بِمِثْلِ مَا سَأَلْتَ لِأَخِيكَ
قَالَ الطِّيبِيُّ الْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي الْمُبْتَدَأِ كَمَا فِي بِحَسْبِكِ دِرْهَمٌ
وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ يَدْعُو لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ بِتِلْكَ الدَّعْوَةِ لِيَدْعُوَ لَهُ الْمَلَكُ بِمِثْلِهَا فَيَكُونَ أَعْوَنَ لِلِاسْتِجَابَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ
وَأُمُّ الدَّرْدَاءِ هَذِهِ هِيَ الصُّغْرَى تَابِعِيَّةٌ وَاسْمُهَا هُجَيْمَةُ وَيُقَالُ جُهَيْمَةُ وَيُقَالُ جُمَانَةُ وَالْكُبْرَى اسْمُهَا خَيْرَةُ لَهَا صُحْبَةٌ وَلَيْسَ لَهَا فِي الْكِتَابَيْنِ حَدِيثٌ
وَذَكَرَ خَلَفٌ الْوَاسِطِيُّ فِي تَعْلِيقِهِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِ أُمِّ الدَّرْدَاءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِظَاهِرٍ رَآهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ رِوَايَتِهَا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى هَذَا غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ ﵃ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٥٣٥] (إِنَّ أَسْرَعَ الدُّعَاءِ إِجَابَةً) تُمَيَّزُ (دَعْوَةُ غَائِبٍ لِغَائِبٍ) لِخُلُوصِهِ وَصِدْقِ النِّيَّةِ وَبُعْدِهِ عَنِ الرِّيَاءِ وَالسُّمْعَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالْإِفْرِيقِيُّ يُضَعَّفُ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زِيَادِ بْنِ أَنْعَمَ الْإِفْرِيقِيُّ
[١٥٣٦] (ثَلَاثُ دَعَوَاتٍ) مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ (مُسْتَجَابَاتٌ لَا شَكَّ فِيهِنَّ) أَيْ فِي اسْتِجَابَتِهِنَّ وَهُوَ آكَدُ مِنْ حَدِيثِ ثَلَاثَةٌ لَا تُرَدُّ دَعْوَتُهُمْ وَإِنَّمَا آكَدَ بِهِ لِالْتِجَاءِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِصِدْقِ الطَّلَبِ وَرِقَّةِ الْقَلْبِ وَانْكِسَارِ الْخَاطِرِ (دَعْوَةُ الْوَالِدِ) أَيْ لِوَلَدِهِ أَوْ عَلَيْهِ وَلَمْ يَذْكُرِ الْوَالِدَةَ لِأَنَّ حَقَّهَا أَكْثَرُ فَدُعَاؤُهَا أَوْلَى بِالْإِجَابَةِ (وَدَعْوَةُ الْمُسَافِرِ) يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ دَعَوْتُهُ لِمَنْ أَحْسَنَ إِلَيْهِ وَبِالشَّرِّ لِمَنْ أَذَاهُ وَأَسَاءَ إِلَيْهِ لِأَنَّ دُعَاءَهُ لَا يَخْلُو عَنِ الرِّقَّةِ (وَدَعْوَةُ المظلوم) أي لمن يعينه وينصره أو يسليه
стр. 1338
وَيُهَوِّنُ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ بِأَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الظُّلْمِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ الَّذِي رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يُقَالُ لَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْمُؤَذِّنُ وَلَا نَعْرِفُ اسْمَهُ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ غَيْرَ حَدِيثٍ وَأَخْرَجَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ
٠ - (بَابُ ما يقول الرجل إذا خاف)
[١٥٣٧] (اللَّهُمَّ إِنَّا نَجْعَلُكَ فِي نُحُورِهِمْ) يُقَالُ جَعَلْتُ فُلَانًا فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ أَيْ قُبَالَتَهُ وَحِذَاءَهُ لِيُقَاتِلَ مِنْكَ وَيَحُولَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ وَخَصَّ النَّحْرَ بالذكر لأن العدو به يستقبل عند الْمُنَاهَضَةِ لِلْقِتَالِ
وَالْمَعْنَى نَسْأَلُكَ أَنْ تَصُدَّ صُدُورَهُمْ وَتَدْفَعَ شُرُورَهُمْ وَتَكْفِينَا أُمُورَهُمْ وَتَحُولَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ
قال المنذري وأخرجه النسائي
١ - (بَابُ الِاسْتِخَارَةِ)
[١٥٣٨] (يُعَلِّمُنَا الِاسْتِخَارَةَ) أَيْ طَلَبُ تَيَسُّرِ الْخَيْرِ فِي الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْفِعْلِ أَوِ التَّرْكِ مِنَ الْخَيْرِ وَهُوَ ضِدُّ الشَّرِّ فِي الْأُمُورِ الَّتِي نُرِيدُ الْإِقْدَامَ عَلَيْهَا مُبَاحَةً كَانَتْ أَوْ عِبَادَةً لَكِنْ بِالنِّسْبَةِ إِلَى إِيقَاعِ الْعِبَادَةِ فِي وَقْتِهَا وَكَيْفِيَّتِهَا لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَصْلِ فِعْلِهَا كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ (كَمَا يُعَلِّمُنَا السُّورَةَ مِنَ الْقُرْآنِ) وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِهَذَا الدُّعَاءِ (يَقُولُ) بَدَلٌ أَوْ حَالٌ (إِذَا هَمَّ) أَيْ قَصَدَ
стр. 1339
(أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ) أَيْ مِنْ نِكَاحٍ أَوْ سَفَرٍ أَوْ غَيْرِهِمَا مِمَّا يُرِيدُ فِعْلَهُ أَوْ تَرْكَهُ
قال بن أَبِي جَمْرَةَ الْوَارِدُ عَلَى الْقَلْبِ عَلَى مَرَاتِبَ الْهِمَّةُ ثُمَّ اللَّمَّةُ ثُمَّ الْخَطْرَةُ ثُمَّ النِّيَّةُ ثُمَّ الْإِرَادَةُ ثُمَّ الْعَزِيمَةُ فَالثَّلَاثَةُ الْأُوَلُ لَا يُؤَاخَذُ بِهَا بِخِلَافِ الثَّلَاثِ الْأَخِيرَةِ فَقَوْلُهُ إِذَا هَمَّ يُشِيرُ إِلَى أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يَرِدُ عَلَى الْقَلْبِ فَيَسْتَخِيرُ فَيَظْهَرُ لَهُ بِبَرَكَةِ الصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ مَا هُوَ الْخَيْرُ بِخِلَافِ مَا إِذَا تَمَكَّنَ الْأَمْرُ عِنْدَهُ وَقَوِيَتْ عَزِيمَتُهُ فِيهِ فَإِنَّهُ يَصِيرُ إِلَيْهِ مَيْلٌ وَحُبٌّ فَيَخْشَى أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ وَجْهُ الْأَرْشَدِيَّةِ لِغَلَبَةِ مَيْلِهِ إِلَيْهِ قَالَ ويحتمل أن يكون المراد بالهم الْعَزِيمَةَ لِأَنَّ الْخَوَاطِرَ لَا تَثْبُتُ فَلَا يَسْتَخِيرُ إلا على ما يقصد التصميم على فِعْلِهِ وَإِلَّا لَوِ اسْتَخَارَ فِي كُلِّ خَاطِرٍ لَاسْتَخَارَ فِيمَا لَا يَعْبَأُ بِهِ فَتَضِيعُ عَلَيْهِ أوقاته
ووقع في حديث بن مَسْعُودٍ بِلَفْظِ إِذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَمْرًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ (فَلْيَرْكَعْ) أَيْ لِيُصَلِّ أَمْرُ نَدْبٍ (رَكْعَتَيْنِ) بِنِيَّةِ الِاسْتِخَارَةِ وَهُمَا أَقَلُّ مَا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ يَقْرَأُ فِي الْأُولَى الْكَافِرُونَ وَفِي الثَّانِيَةِ الْإِخْلَاصَ (مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ) بَيَانٌ لِلْأَكْمَلِ وَنَظِيرُهُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَشُكْرُ الْوُضُوءِ
قَالَ ميرك فيه إشارة إلى أنه لا تجزىء الْفَرِيضَةُ وَمَا عُيِّنَ وَقْتًا فَتَجُوزُ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمْعٌ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا فِي غَيْرِ الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ (وَلْيَقُلْ) أَيْ بَعْدَ الصَّلَاةِ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ) أَيْ أَطْلُبُ أَصْلَحَ الْأَمْرَيْنِ (بِعِلْمِكَ) أَيْ بِسَبَبِ عِلْمِكَ وَالْمَعْنَى أَطْلُبُ مِنْكَ أَنْ تَشْرَحَ صَدْرِي لِخَيْرِ الْأَمْرَيْنِ بِسَبَبِ عِلْمِكَ بِكَيْفِيَّاتِ الْأُمُورِ كُلِّهَا
قَالَ الطِّيبِيُّ الْبَاءُ فِيهِ وَفِي قَوْلِهِ (وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ) إِمَّا لِلِاسْتِعَانَةِ كما في قوله تعالى بسم الله مجريها ومرساها أَيْ أَطْلُبُ خَيْرَكَ مُسْتَعِينًا بِعِلْمِكَ فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ فِيمَ خَيْرُكُ وَأَطْلُبُ مِنْكَ الْقُدْرَةَ فَإِنَّهُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِكَ وَإِمَّا لِلِاسْتِعْطَافِ أَيْ بِحَقِّ عِلْمِكَ الشَّامِلِ وَقُدْرَتِكَ الْكَامِلَةِ (وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ) أَيْ تَعْيِينَ الْخَيْرِ وَتَبْيِينَهُ وَإِعْطَاءَ الْقُدْرَةِ لِي عَلَيْهِ (فَإِنَّكَ تَقْدِرُ) بِالْقُدْرَةِ الْكَامِلَةِ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُمْكِنٍ تَعَلَّقَتْ بِهِ إِرَادَتُكَ (وَلَا أَقْدِرُ) عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بِقُدْرَتِكَ وَحَوْلِكَ وَقُوَّتِكَ (وَتَعْلَمُ) بِالْعِلْمِ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْأَشْيَاءِ خَيْرِهَا وَشَرِّهَا (وَلَا أَعْلَمُ) شَيْئًا مِنْهَا إِلَّا بِإِعْلَامِكَ وَإِلْهَامِكَ (اللَّهُمَّ فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ) أَيْ إِنْ كَانَ فِي عِلْمِكَ (أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ) أَيِ الَّذِي يُرِيدُهُ (يُسَمِّيهِ) أَيْ يُسَمِّي ذَلِكَ الْأَمْرَ وَيَنْطِقُ بِحَاجَتِهِ وَيَتَكَلَّمُ بِمُرَادِهِ (بِعَيْنِهِ) أَيْ بِعَيْنِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الَّذِي يُرِيدُ بِهِ الْمُسْتَخِيرُ
وَهَذِهِ الْجُمْلَةُ صِفَةُ قَوْلِهِ هَذَا الْأَمْرَ
وَقَوْلُهُ يُسَمِّيهِ بِعَيْنِهِ جُمْلَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ (خَيْرٌ لِي) أَيِ الْأَمْرُ الَّذِي عَزَمْتُ عَلَيْهِ أَصْلَحُ (فِي دِينِي) أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِدِينِي أَوَّلًا وَآخِرًا (ومعاشي) في
стр. 1340
الصَّحَّاحِ الْعَيْشُ الْحَيَاةُ وَقَدْ عَاشَ الرَّجُلُ مَعَاشًا وَمَعِيشًا وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ مَصْدَرًا وَأَنْ يَكُونَ اسْمًا مِثْلُ مَعَابٌ وَمَعِيبٌ
ولفظ الطبراني في الأوسط من حديث بن مَسْعُودٍ فِي دِينِي وَفِي دُنْيَايَ وَعِنْدَهُ فِي الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي أَيُّوبَ فِي دُنْيَايَ وَآخِرَتِي (وَمَعَادِي) أَيْ مَا يَعُودُ إِلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَهُوَ إِمَّا مَصْدَرٌ أَوْ ظَرْفٌ (وَعَاقِبَةِ أَمْرِي) الظَّاهِرُ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ دِينِي (فَاقْدُرْهُ) بِضَمِّ الدَّالِ وَبِكَسْرٍ (لِي) أَيِ اجْعَلْهُ مَقْدُورًا لِي أَوْ هَيِّئْهُ وَأَنْجِزْهُ لِي
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْقَدْرُ عِبَارَةٌ عَمَّا قَضَاهُ اللَّهُ وَحَكَمَ بِهِ مِنَ الْأَمْرِ وَهُوَ مَصْدَرُ قَدَرَ يَقْدِرُ قَدْرًا وَقَدْ تُسَكَّنُ دَالُهُ وَمِنْهُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ الَّتِي تُقَدَّرُ فِيهَا الْأَرْزَاقُ وَتُقْضَى وَمِنْهُ حَدِيثُ الِاسْتِخَارَةِ فَاقْدُرْهُ لِي قَالَ مَيْرَكُ رُوِيَ بِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِهَا وَمَعْنَاهُ أَدْخِلْهُ تَحْتَ قُدْرَتِي وَيَكُونُ قَوْلُهُ (وَيَسِّرْهُ لِي) طَلَبَ التَّيْسِيرِ بَعْدَ التَّقْرِيرِ وَقِيلَ الْمُرَادُ مِنَ التَّقْدِيرِ التَّيْسِيرُ فَيَكُونُ وَيَسِّرْهُ عُطِفَتْ تَفْسِيرِيًّا (وَبَارِكْ لِي فِيهِ) أَيْ أَكْثِرِ الْخَيْرَ وَالْبَرَكَةَ فِيمَا أَقَدَرْتَنِي عَلَيْهِ وَيَسَّرْتَهُ لِي (مِثْلَ الْأَوَّلِ) أَيْ يَقُولُ مَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ مِنْ قَوْلِهِ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَمَعَادِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي (فَاصْرِفْنِي عَنْهُ) أَيِ اصْرِفْ خَاطِرِي عَنْهُ حَتَّى لَا يَكُونَ سَبَبَ اشْتِغَالِ الْبَالِ (وَاصْرِفْهُ عَنِّي) أَيْ لَا تُقَدِّرْنِي عَلَيْهِ (وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ) أَيْ يَسِّرْهُ عَلَيَّ وَاجْعَلْهُ مَقْدُورًا لِفِعْلِي (حَيْثُ كَانَ) أَيِ الْخَيْرُ مِنْ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ حَيْثُ كُنْتُ وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ خَيْرًا فَوَفِّقْنِي لِلْخَيْرِ حَيْثُ كَانَ وَفِي رِوَايَةِ بن حِبَّانَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُ ذَلِكَ خَيْرًا لِي فَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كَانَ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْنَمَا كَانَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ (ثُمَّ رَضِّنِي) مِنَ التَّرْضِيَةِ وَهُوَ جَعْلُ الشَّخْصِ رَاضِيًا وَأُرْضِيتُ وَرُضِّيتُ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنًى (بِهِ) أَيْ بِالْخَيْرِ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ بِقَضَائِكَ قال بن الْمَلَكِ أَيِ اجْعَلْنِي رَاضِيًا بِخَيْرِكَ الْمَقْدُورِ لِأَنَّهُ رُبَّمَا قَدَّرَ لَهُ مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ فَرَآهُ شَرًّا (أَوْ قَالَ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ) قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ فِي دِينِي إِلَخْ
وَقَالَ الْجَزَرِيُّ فِي مِفْتَاحِ الْحِصْنِ أَوْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لِلتَّخْيِيرِ أَيْ أَنْتَ مُخَيَّرٌ إِنْ شِئْتَ قُلْتَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ أَوْ قُلْتَ مَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي قَالَ الطِّيبِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ فِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي عَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَوْمُ حَيْثُ قَالُوا هِيَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ خَيْرٌ فِي دِينِهِ دُونَ دُنْيَاهُ وَخَيْرٌ فِي دُنْيَاهُ فَقَطْ وَخَيْرٌ فِي الْعَاجِلِ دُونَ الْآجِلِ وَبِالْعَكْسِ وَهُوَ أَوْلَى وَالْجَمْعُ أَفْضَلُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ فِي أَنَّهُ ﷺ قَالَ فِي دِينِي وَمَعَاشِي وَعَاقِبَةِ أَمْرِي أَوْ قَالَ بَدَلُ الْأَلْفَاظِ
стр. 1341
الثَّلَاثَةِ فِي عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ وَلَفْظُ فِي الْمُعَادَةِ فِي قَوْلِهِ فِي عَاجِلِ أَمْرِي رُبَّمَا يُؤَكِّدُ هَذَا وَعَاجِلُ الْأَمْرِ يَشْمَلُ الدِّينِيَّ وَالدُّنْيَوِيَّ وَالْآجِلُ يَشْمَلُهُمَا وَالْعَاقِبَةَ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه بنحوه
٢ - (بَاب فِي الِاسْتِعَاذَةِ)
[١٥٣٩] (مِنَ الْجُبْنِ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْبَاءِ وَتُضَمُّ الْمَهَابَةُ لِلْأَشْيَاءِ وَالتَّأَخُّرُ عَنْ فِعْلِهَا وَإِنَّمَا تَعَوَّذَ مِنْهُ ﷺ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى عَدَمِ الْوَفَاءِ بِفَرْضِ الْجِهَادِ وَالصَّدْعِ بِالْحَقِّ وَإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَيَجُرُّ إِلَى الْإِخْلَالِ بِكَثِيرٍ مِنَ الْوَاجِبَاتِ (وَالْبُخْلِ) بِضَمِّ الْبَاءِ الموحدة وإسكان الخاء المعجمة وبفتحهما وبضمهما وَبِفَتْحِ الْبَاءِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ ضِدُّ الْكَرَمِ ذَكَرَ مَعْنَى ذَلِكَ فِي الْقَامُوسِ وَقَدْ قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ بِمَنْعِ مَا يَجِبُ إِخْرَاجُهُ مِنَ الْمَالِ شَرْعًا أَوْ عَادَةً وَلَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّ الْبُخْلَ بِمَا لَيْسَ بِوَاجِبٍ مِنْ غَرَائِرِ النَّقْصِ الْمُضَادَّةِ لِلْكَمَالِ فَالتَّعَوُّذُ مِنْهَا حَسَنٌ بِلَا شَكٍّ فَأَوْلَى تَبْقِيَةُ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهِ وَتَرْكُ التَّعَرُّضِ لِتَقْيِيدِهِ بِمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ (وَسُوءِ الْعُمْرِ) هُوَ الْبُلُوغُ إِلَى حَدٍّ فِي الْهَرَمِ يَعُودُ مَعَهُ كَالطِّفْلِ فِي سُخْفِ الْعَقْلِ وَقِلَّةِ الفهم وضعف القوة (وفتنة الصدر) قال بن الْجَوْزِيِّ فِي جَامِعِ الْمَسَانِيدِ هِيَ أَنْ يَمُوتَ غَيْرَ تَائِبٍ وَقَالَ الْأَشْرَفِيُّ فِي شَرْحِ الْمَصَابِيحِ قِيلَ هِيَ مَوْتُهُ وَفَسَادُهُ وَقِيلَ مَا يَنْطَوِي عليه الصدر من غل وحسد وخلق سيىء وَعَقِيدَةٍ غَيْرِ مُرْضِيَةٍ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ الضِّيقُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يضله يجعل صدره ضيقا حرجا (وَعَذَابِ الْقَبْرِ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُنْكَرِينَ لِذَلِكَ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْبَابِ مُتَوَاتِرَةٌ
قال المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
[١٥٤٠] (المعتمر) هو بن سليمان التيمي (إني أعوذ بك) أي ألتجىء إِلَيْكَ (مِنَ الْعَجْزِ) هُوَ ضِدُّ الْقُدْرَةِ (وَالْكَسَلِ) أَيِ التَّثَاقُلُ عَنِ الْأَمْرِ الْمَحْمُودِ (وَالْجُبْنِ) هُوَ ضِدُّ الشُّجَاعَةِ وَهُوَ الْخَوْفُ عِنْدَ
стр. 1342
الْقِتَالِ (وَالْبُخْلِ) وَهُوَ تَرْكُ أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيَّةِ (والهرم) أي أرذل العمل (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) فِيهِ إِثْبَاتٌ لِعَذَابِ الْقَبْرِ وَتَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَا يُعَذَّبُونَ (مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[١٥٤١] (قَالَ سَعِيدٌ) بْنُ مَنْصُورٍ (الزُّهْرِيُّ) هَذِهِ صِفَةُ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ (مِنَ الْهَمِّ وَالْحُزْنِ) بِضَمِّ الْحَاءِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَبِفَتْحِهِمَا
قَالَ الطِّيبِيُّ الْهَمُّ فِي الْمُتَوَقَّعِ وَالْحُزْنُ فِيمَا فَاتَ (وَظَلَعِ الدَّيْنِ) بِالظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ بِفَتْحَتَيْنِ فِي أَكْثَرِ النُّسَخِ أَيِ الضَّعْفِ لِحَقٍّ بِسَبَبِ الدَّيْنِ وَفِي بَعْضِهَا بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بِفَتْحَتَيْنِ وَتَسْكِينِ اللَّامِ وَذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ فِي ضَلْعٍ أَيْ ثِقَلِهِ وَشِدَّتِهِ وَذَلِكَ حِينَ لَا يَجِدُ مَنْ عَلَيْهِ الدَّيْنُ وَفَاءَهُ لَا سِيَّمَا مَعَ الْمُطَالَبَةِ
وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ مَا دَخَلَ هَمُّ الدَّيْنِ قَلْبًا إِلَّا أَذْهَبَ مِنَ الْعَقْلِ مَا لَا يَعُودُ إِلَيْهِ (وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ) أَيْ قَهْرِهِمْ وَشِدَّةِ تَسَلُّطِهِمْ عَلَيْهِ
وَالْمُرَادُ بِالرِّجَالِ الظَّلَمَةُ أَوِ الدَّائِنُونَ وَاسْتَعَاذَ ﵊ مِنْ أَنْ يَغْلِبَهُ الرِّجَالُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الْوَهَنِ فِي النَّفْسِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (مَا ذَكَرَهُ التَّيْمِيُّ) هُوَ مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[١٥٤٢] (كَانَ يُعَلِّمُهُمْ) أَيْ أَصْحَابَهُ أَوْ أَهْلَ بَيْتِهِ (هَذَا الدعاء) الذي يأتي
قال النووي ذهب طاووس إِلَى وُجُوبِهِ وَأَمَرَ ابْنَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ حِينَ لَمْ يَدْعُ بِهَذَا الدُّعَاءِ فِيهَا
وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عذاب جهنم) في إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا مُخَلِّصَ مِنْ عَذَابِهَا إِلَّا بِالِالْتِجَاءِ إِلَى بَارِئِهَا (مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) أَيْ عَلَى تَقْدِيرِ لُقِيِّهِ (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا
стр. 1343
وَالْمَمَاتِ) تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ وَكَرَّرَ أَعُوذُ فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ إِظْهَارًا لِعِظَمِ مَوْقِعِهَا وَأَنَّهَا حَقِيقَةٌ بإعاذة مستقلة
قاله القارىء
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ
[١٥٤٣] (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ النَّارِ) أَيْ فِتْنَةٍ تُؤَدِّي إِلَى النَّارِ لِئَلَّا يَتَكَرَّرَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِفِتْنَةِ النَّارِ سُؤَالُ الْخَزَنَةِ عَلَى سَبِيلِ التَّوْبِيخِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نذير (وَعَذَابِ النَّارِ) أَيْ مِنْ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ وَهُمُ الْكُفَّارُ فَإِنَّهُمْ هُمُ الْمُعَذَّبُونَ وَأَمَّا الْمُوَحِّدُونَ فَإِنَّهُمْ مُؤَدَّبُونَ وَمُهَذَّبُونَ بِالنَّارِ لَا مُعَذَّبُونَ بِهَا (وَمِنْ شَرِّ الْغِنَى) وَهُوَ الْبَطَرُ وَالطُّغْيَانُ وَتَحْصِيلُ الْمَالِ مِنَ الْحَرَامِ وَصَرْفُهُ فِي الْعِصْيَانِ وَالتَّفَاخُرُ بِالْمَالِ وَالْجَاهِ (وَالْفَقْرِ) هُوَ الْحَسَدُ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ وَالطَّمَعُ فِي أَمْوَالِهِمْ وَالتَّذَلُّلُ بِمَا يُدَنِّسُ الْعِرْضَ وَيَثْلِمُ الدِّينَ وَعَدَمُ الرِّضَا بِمَا قَسَمَ اللَّهُ لَهُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا لَا تُحْمَدُ عَاقِبَتُهُ
وَقِيلَ الْفِتْنَةُ هُنَا الِابْتِلَاءُ وَالِامْتِحَانُ أَيْ مِنْ بَلَاءِ الْغِنَى وَبَلَاءِ الْفَقْرِ أَيْ مِنَ الْغِنَى وَالْفَقْرِ الَّذِي يَكُونُ بَلَاءً وَمَشَقَّةً ذَكَرَهُ فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ أَتَمَّ مِنْهُ
[١٥٤٤] (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْفَقْرِ) أَيْ مِنْ قَلْبٍ حَرِيصٍ عَلَى جَمْعِ الْمَالِ أَوْ مِنَ الَّذِي يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى كُفْرَانِ النِّعْمَةِ فِي الْمَالِ وَنِسْيَانِ ذِكْرِ الْمُنْعِمِ الْمُتَعَالِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَرَادَ فَقْرَ النَّفْسِ أَعْنِي الشَّرَهَ الَّذِي يُقَابِلُ غِنَى النَّفْسِ الَّذِي هُوَ قَنَاعَتُهَا (وَالْقِلَّةِ) الْقِلَّةِ فِي أَبْوَابِ البر وخصال الخير لأنه ﵊ كَانَ يُؤْثِرُ الْإِقْلَالَ فِي الدُّنْيَا وَيَكْرَهُ الِاسْتِكْثَارَ مِنَ الْأَعْرَاضِ الْفَانِيَةِ (وَالذِّلَّةِ) أَيْ مِنْ أَنْ أَكُونَ ذَلِيلًا فِي أَعْيُنِ النَّاسِ بِحَيْثُ يَسْتَخِفُّونَهُ وَيُحَقِّرُونَ شَأْنَهُ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الذِّلَّةُ الْحَاصِلَةُ مِنَ الْمَعْصِيَةِ أَوِ التَّذَلُّلُ لِلْأَغْنِيَاءِ عَلَى وَجْهِ الْمَسْكَنَةِ وَالْمُرَادُ بِهَذِهِ الْأَدْعِيَةِ تَعْلِيمُ الْأُمَّةِ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَصْلُ الْفَقْرِ كَسْرُ فَقَارِ الظَّهْرِ وَالْفَقْرُ يُسْتَعْمَلُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ الْأَوَّلُ وُجُودُ الْحَالَةِ الضَّرُورِيَّةِ وَذَلِكَ عَامٌّ لِلْإِنْسَانِ مَا دَامَ فِي الدُّنْيَا بَلْ عَامٌّ فِي الْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا وعليه قوله تعالى ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله وَالثَّانِي عَدَمُ الْمُقْتَنَيَاتِ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وإنما الصدقات
стр. 1344
للفقراء
وَالثَّالِثُ فَقْرُ النَّفْسِ وَهُوَ الْمُقَابِلُ بِقَوْلِهِ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ وَالْمَعْنَى بِقَوْلِهِمْ مِنْ عَدَمِ الْقَنَاعَةِ لَمْ يُفِدْهُ الْمَالُ غِنًى
الرَّابِعُ الْفَقْرُ إِلَى اللَّهِ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ اغْنَنِي بِالِافْتِقَارِ إِلَيْكَ وَلَا تُفْقِرْنِي بِالِاسْتِغْنَاءِ عَنْكَ وَإِيَّاهُ عَنَى تَعَالَى بِقَوْلِهِ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ من خير فقير وَالْمُسْتَعَاذُ مِنْهُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ وإنما استعاذ مِنَ الْفَقْرِ الَّذِي هُوَ فَقْرُ النَّفْسِ لَا قِلَّةُ الْمَالِ (مِنْ أَنْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ) مَعْلُومٌ وَمَجْهُولٌ وَالظُّلْمُ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ أَوِ التَّعَدِّي فِي حَقِّ غَيْرِهِ
قَالَ المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَعْفَرِ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ
[١٥٤٥] (مِنْ زَوَالِ نِعْمَتِكَ) أَيْ نِعْمَةِ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ وَمِنْحَةِ الْإِحْسَانِ وَالْعِرْفَانِ (وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ) بِضَمِّ الْوَاوِ الْمُشَدَّدَةِ أَيِ انْتِقَالُهَا مِنَ السَّمْعِ وَالْبَصَرِ وَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ
فَإِنْ قُلْتَ مَا الْفَرْقُ بَيْنَ الزَّوَالِ وَالتَّحَوُّلِ قُلْتُ الزَّوَالُ يُقَالُ فِي شَيْءٍ كَانَ ثَابِتًا فِي شَيْءٍ ثُمَّ فَارَقَهُ وَالتَّحَوُّلُ تَغَيُّرُ الشَّيْءِ وَانْفِصَالُهُ عَنْ غَيْرِهِ فَمَعْنَى زَوَالِ النِّعْمَةِ ذَهَابُهَا مِنْ غَيْرِ بَدَلٍ وَتَحَوُّلُ الْعَافِيَةِ إِبْدَالُ الصِّحَّةِ بِالْمَرَضِ وَالْغِنَى بِالْفَقْرِ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْكِتَابِ وَتَحْوِيلُ عَافِيَتِكَ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى مفعوله (وفجأة نِقْمَتِكَ) بِضَمِّ الْفَاءِ وَالْمَدِّ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَسُكُونِ الْجِيمِ بِمَعْنَى الْبَغْتَةِ وَالنِّقْمَةُ بِكَسْرِ النُّونِ وَبِفَتْحٍ مَعَ سُكُونِ الْقَافِ وَكَفَرْحَةِ الْمُكَافَأَةِ بِالْعُقُوبَةِ وَالِانْتِقَامِ بِالْغَضَبِ وَالْعَذَابِ وَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ (وَجَمِيعِ سَخَطِكَ) أَيْ مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ أَوْ جَمِيعِ آثَارِ غَضَبِكَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
[١٥٤٦] (دُوَيْدِ بْنِ نَافِعٍ) بِدَالَيْنِ مُهْمَلَتَيْنِ مُصَغَّرًا
وَقِيلَ أَوَّلُهُ مُعْجَمَةٌ
كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (أَعُوذُ
стр. 1345
بِكَ مِنَ الشِّقَاقِ) أَيْ مِنْ مُخَالَفَةِ الْحَقِّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عزة وشقاق (والنفاق) أي إظهار الإسلام وإبطال الْكُفْرِ وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَنْ تُظْهِرَ لِصَاحِبِكَ خِلَافَ مَا تُضْمِرُهُ وَقِيلَ النِّفَاقُ فِي الْعَمَلِ بِكَثْرَةِ كَذِبِهِ وَخِيَانَةِ أَمَانَتِهِ وَخُلْفِ وَعْدِهِ وَالْفُجُورِ فِي مُخَاصَمَتِهِ (وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ) مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمَذْكُورَيْنِ أَوَّلًا أَعْظَمُ الْأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ لِأَنَّهُ يَسْرِي ضَرَرُهُمَا إِلَى الْغَيْرِ
ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ وَدُوَيْدُ بْنُ نَافِعٍ وَفِيهِمَا مَقَالٌ
[١٥٤٧] (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ) أَيِ الْأَلَمِ الَّذِي يَنَالُ الْحَيَوَانَ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ مِنَ الْغِذَاءِ وَيُؤَدِّي تَارَةً إِلَى الْمَرَضِ وَتَارَةً إِلَى الْمَوْتِ (فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ) أَيِ الْمُضَاجِعُ وَهُوَ مَا يُلَازِمُ صَاحِبَهُ فِي الْمَضْجَعِ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
وَقَالَ السِّنْدِيُّ وَالضَّجِيعُ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ مَنْ يَنَامُ فِي فِرَاشِكَ أَيْ بئس الصاحب الْجُوعُ الَّذِي يَمْنَعُكَ مِنْ وَظَائِفِ الْعِبَادَاتِ كَالسُّجُودِ وَالرُّكُوعِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْجُوعُ يُضْعِفُ الْقُوَى وَيُشَوِّشُ الدِّمَاغَ فَيُثِيرُ أَفْكَارًا رَدِيَّةً وَخَيَالَاتٍ فَاسِدَةً فَيُخِلُّ بِوَظَائِفِ الْعِبَادَاتِ وَالْمُرَاقَبَاتِ وَلِذَلِكَ خَصَّ بِالضَّجِيعِ الَّذِي يُلَازِمُهُ لَيْلًا وَمِنْ ثَمَّ حَرَّمَ الْوِصَالَ
وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِمَا قِيلَ مِنْ أَنَّ الْجُوعَ الْمُجَرَّدَ لَا ثَوَابَ فِيهِ (وأعوذ بك الْخِيَانَةِ) وَهِيَ ضِدُّ الْأَمَانَةِ
قَالَ الطِّيبِيُّ هِيَ مُخَالَفَةُ الْحَقِّ بِنَقْضِ الْعَهْدِ فِي السِّرِّ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهَا شَامِلَةٌ لِجَمِيعِ التَّكَالِيفِ الشَّرْعِيَّةِ كَمَا يَدُلُّ عليه قوله تعالى إنا عرضنا الأمانة الآية وقوله تعالى ياأيها الذين آمنوا لا تخونوا الله ورسوله وتخونوا أماناتكم شامل لجميعها (فإنها بئست البطانة) أي الخصلة الباطنة هي ضد الطهارة وَأَصْلُهَا فِي الثَّوْبِ فَاسْتُعِيرَ لِمَا يَسْتَبْطِنُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَمْرِهِ وَيَجْعَلُهُ بِطَانَةَ حَالِهِ
قَالَ فِي المغرب بطانة الشيء أَهْلُهُ أَوْ خَاصَّتُهُ مُسْتَعَارَةٌ مِنْ بِطَانَةِ الثَّوْبِ قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ وَفِيهِ مَقَالٌ
стр. 1346
[١٥٤٨] (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْأَرْبَعِ) وَهُوَ إِجْمَالٌ وَتَفْصِيلُهُ قَوْلُهُ الْآتِي (مِنْ عِلْمٍ لَا ينفع ومن قلب لايخشع إِلَخْ) أَيْ لَا يُسْتَجَابُ وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ فَكَأَنَّهُ غَيْرُ مَسْمُوعٍ يُقَالُ اسْمَعْ دُعَائِي أَيْ أَجِبْ لِأَنَّ الْغَرَضَ مِنَ السَّمَاعِ هُوَ الْإِجَابَةُ وَالْقَبُولُ قَالَ أَبُو طَالِبٍ الْمَكِّيُّ قَدِ اسْتَعَاذَ مِنْ نَوْعٍ مِنَ الْعُلُومِ كَمَا اسْتَعَاذَ مِنَ الشِّرْكِ وَالنِّفَاقِ وَسُوءِ الْأَخْلَاقِ وَالْعِلْمِ الَّذِي لَمْ يَقْتَرِنْ بِهِ التَّقْوَى فَهُوَ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الدُّنْيَا وَنَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الْهَوَى وَقَالَ الطِّيبِيُّ اعْلَمْ أَنَّ فِي كُلٍّ مِنَ الْقَرَائِنِ الْأَرْبَعِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ وُجُودَهُ مَبْنِيٌّ عَلَى غَايَتِهِ وَأَنَّ الْغَرَضَ مِنْهُ تِلْكَ الْغَايَةُ وَذَلِكَ أَنَّ تَحْصِيلَ الْعُلُومِ إِنَّمَا هُوَ لِلِانْتِفَاعِ بِهَا فَإِذَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ لَمْ يَخْلُصْ مِنْهُ كَفَافًا بَلْ يَكُونُ وَبَالًا وَلِذَلِكَ اسْتَعَاذَ
وَإِنَّ الْقَلْبَ إِنَّمَا خُلِقَ لِأَنْ يَتَخَشَّعَ لِبَارِئِهِ وَيَنْشَرِحَ لِذَلِكَ الصَّدْرُ وَيُقْذَفَ النُّورُ فِيهِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ كَانَ قَاسِيًا فَيَجِبُ أَنْ يُسْتَعَاذَ مِنْهُ قَالَ تَعَالَى فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ الله وَإِنَّ النَّفْسَ يُعْتَدُّ بِهَا إِذَا تَجَافَتْ عَنْ دَارِ الْغُرُورِ وَأَنَابَتْ إِلَى دَارِ الْخُلُودِ وَهِيَ إِذَا كَانَتْ مَنْهُومَةً لَا تَشْبَعُ حَرِيصَةً عَلَى الدُّنْيَا كَانَتْ أَعْدَى عَدُوِّ الْمَرْءِ فَأَوْلَى الشَّيْءِ الَّذِي يُسْتَعَاذُ مِنْهُ هِيَ أَيِ النَّفْسُ
وَعَدَمُ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الدَّاعِيَ لَمْ يَنْتَفِعْ بِعِلْمِهِ وَعَمَلِهِ وَلَمْ يَخْشَعْ قَلْبُهُ وَلَمْ تشبع نفسه ذكره علي القارىء قال المنذري وأخرجه النسائي وبن مَاجَهْ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أرقم عن رسول الله بِنَحْوِهِ أَتَمَّ مِنْهُ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رسول الله وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
[١٥٤٩] (قَالَ أَبُو الْمُعْتَمِرِ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَبُو الْمُعْتَمِرِ هُوَ سُلَيْمَانُ بْنُ طَرْخَانَ التَّيْمِيُّ وَالِدُ الْمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَهُوَ مِمَّنِ اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِسَمَاعِهِ عَنْ أَنَسِ بن مالك
стр. 1347
[١٥٥٠] (مِنْ شَرِّ مَا عَمِلْتُ) أَيْ فَعَلْتُ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ مِنْ شَرِّ عَمَلٍ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ (وَمِنْ شَرِّ مَا لَمْ أَعْمَلْ) اسْتَعَاذَ مِنْ شَرِّ أَنْ يَعْمَلَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَا لَا يَرْضَاهُ بِأَنْ يَحْفَظَهُ مِنْهُ أَوْ مِنْ شَرِّ أَنْ يَصِيرَ مُعْجَبًا بِنَفْسِهِ في ترك القبائح فإنه يجب أَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنْ فَضْلِ رَبِّهِ أَوْ لِئَلَّا يُصِيبَهُ شَرُّ عَمَلِ غَيْرِهِ
قَالَ تَعَالَى وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خاصة وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اسْتَعَاذَ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُحِبُّ أَنْ يُحْمَدَ بِمَا لَمْ يَفْعَلْ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[١٥٥١] (الْمَعْنَى) وَاحِدٌ وَأَحْمَدُ وَوَكِيعٌ كِلَاهُمَا يَرْوِيَانِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَوْسٍ (عَنْ شُتَيْرٍ) تَصْغِيرُ شَتْرٍ (بْنِ شَكَلٍ) بِفَتْحَتَيْنِ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ شَكَلٍ وَهُوَ صَحَابِيٌّ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ (فِي حَدِيثِ أَبِي أَحْمَدَ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ الْمَذْكُورُ (مِنْ شَرِّ سَمْعِي) حَتَّى لَا أَسْمَعَ بِهِ مَا تَكْرَهُهُ (وَمِنْ شَرِّ بَصَرِي) حَتَّى لَا أَرَى شَيْئًا لَا تَرْضَاهُ (وَمِنْ شَرِّ لِسَانِي) حَتَّى لَا أَتَكَلَّمَ بِمَا لَا يَعْنِينِي (وَمِنْ شَرِّ قَلْبِي) حَتَّى لَا أَعْتَقِدَ اعْتِقَادًا فَاسِدًا وَلَا يَكُونَ فِيهِ نَحْوُ حِقْدٍ وَحَسَدٍ وَتَصْمِيمِ فِعْلٍ مَذْمُومٍ أَبَدًا (وَمِنْ شَرِّ مَنِيِّي) وَهُوَ أَنْ يغلب المني عليه حتى يقع في الزنى أَوْ مُقَدَّمَاتِهِ يَعْنِي مِنْ شَرِّ فَرْجِهِ وَغَلَبَةِ المني علي حتى لا أقع في الزنى وَالنَّظَرِ إِلَى الْمَحَارِمِ
وَقِيلَ هُوَ جَمْعُ الْمَنِيَّةِ بِفَتْحِ الْمِيمِ أَيْ مِنْ شَرِّ الْمَوْتِ أَيْ قَبْضِ رُوحِهِ عَلَى عَمَلٍ قَبِيحِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَشَكَلُ بْنُ حُمَيدٍ الْعَبْسِيُّ لَهُ صُحْبَةُ سَكَنَ الْكُوفَةَ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ شُتَيْرِ بْنِ شَكَلٍ وَذَكَرَ له بن الْقَاسِمِ الْبَغَوِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ
وَقَالَ وَلَا أَعْلَمُ له غيره
стр. 1348
وَشُتَيْرٌ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ التَّاءِ ثَالِثِ الحروف وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ
وَشَكَلٌ بِفَتْحِ الشِّينِ وَبَعْدَهَا كَافٌ مَفْتُوحَةٌ أَيْضًا وَلَامٌ
[١٥٥٢] (صَيْفِيٌّ) بْنُ زِيَادٍ هُوَ مَوْلَى أَفْلَحَ وَأَفْلَحُ هُوَ مُخَضْرَمٌ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ (عَنْ أَبِي الْيَسْرِ) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ (مِنَ الْهَدْمِ) بِسُكُونِ الدَّالِ وَهُوَ سُقُوطُ الْبِنَاءِ وَوُقُوعُهُ عَلَى الشَّيْءِ
وَرُوِيَ بِالْفَتْحِ وَهُوَ اسْمُ مَا انْهَدَمَ مِنْهُ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (مِنَ التَّرَدِّي) أَيِ السُّقُوطِ مِنْ مَكَانٍ عَالٍ كَالْجَبَلِ وَالسَّطْحِ أَوِ الْوُقُوعِ فِي مَكَانٍ سَافِلٍ كَالْبِئْرِ (مِنَ الْغَرَقِ) بِفَتْحَتَيْنِ مَصْدَرُ غَرِقَ فِي الْمَاءِ (وَالْحَرَقِ) بِالتَّحْرِيكِ أَيْضًا أَيْ بِالنَّارِ وَإِنَّمَا اسْتَعَاذَ مِنَ الْهَلَاكِ بِهَذِهِ الْأَسْبَابِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ نَيْلِ الشَّهَادَةِ لِأَنَّهَا مِحَنٌ مُجْهِدَةٌ مُقْلِقَةٌ لَا يَكَادُ الْإِنْسَانُ يَصْبِرُ عَلَيْهَا وَيَثْبُتُ عِنْدَهَا (وَالْهَرَمِ) أَيْ سُوءِ الْكِبَرِ الْمُعَبَّرِ عَنْهُ بِالْخَرَفِ وَأَرْذَلِ الْعُمُرِ لَكَيْلًا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا (أَنْ يَتَخَبَّطَنِيَ الشَّيْطَانُ) أَيْ إِبْلِيسُ أَوْ أَحَدُ أَعْوَانِهِ
قِيلَ التَّخَبُّطُ الْإِفْسَادُ وَالْمُرَادُ إِفْسَادُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ وَتَخْصِيصُهُ بِقَوْلِهِ (عِنْدَ الْمَوْتِ) لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى الْخَاتِمَةِ
وَقَالَ الْقَاضِي أَيْ مِنْ أَنْ يَمَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بنزعاته الَّتِي تَزِلُّ الْأَقْدَامَ وَتُصَارِعُ الْعُقُولَ وَالْأَوْهَامَ
وَأَصْلُ التَّخَبُّطِ أَنْ يَضْرِبَ الْبَعِيرُ الشَّيْءَ بِخُفِّ يَدِهِ فيسقط
قال الخطابي استعاذته ﵇ مِنْ تَخَبُّطِ الشَّيْطَانِ عِنْدَ الْمَوْتِ هُوَ أَنْ يَسْتَوْلِيَ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ عِنْدَ مُفَارَقَتِهِ الدُّنْيَا فَيُضِلَّهُ وَيَحُولَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّوْبَةِ أَوْ يُعَوِّقَهُ عَنْ إِصْلَاحِ شَأْنِهِ وَالْخُرُوجِ مِنْ مَظْلِمَةٍ تَكُونُ قَبْلَهُ أو يؤسه مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَيَتَأَسَّفُ عَلَى حَيَاةِ الدُّنْيَا فَلَا يَرْضَى بِمَا قَضَاهُ اللَّهُ مِنَ الْفَنَاءِ وَالنَّقْلَةِ إِلَى دَارِ الْآخِرَةِ فَيُخْتَمُ لَهُ بِسُوءٍ وَيَلْقَى اللَّهَ وَهُوَ سَاخِطٌ عَلَيْهِ
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الشَّيْطَانَ لَا يكون في حال أشد على بن آدَمَ مِنْهُ فِي حَالِ الْمَوْتِ يَقُولُ لِأَعْوَانِهِ دُونَكُمْ هَذَا فَإِنَّهُ إِنْ فَاتَكُمُ الْيَوْمَ لَمْ تَلْحَقُوهُ بَعْدَ الْيَوْمِ
نَعُوذُ بِاللَّهِ مِنْ شَرِّهِ وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُبَارِكَ لَنَا فِي ذَلِكَ الْمَصْرَعِ وَأَنْ يَخْتِمَ لَنَا وَلِكَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ يَجْعَلَ خير أيامنا لِقَائِهِ انْتَهَى
(أَنْ أَمُوتَ فِي سَبِيلِكَ مُدْبِرًا) أَيْ مُرْتَدًّا أَوْ مُدْبِرًا عَنْ ذِكْرِكَ وَمُقْبِلًا عَلَى غَيْرِكَ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ فَارًّا وَتَبِعَهُ بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ وَقَالَ إِدْبَارًا مُحَرَّمًا أَوْ مُطْلَقًا
قِيلَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ بَابِ تَعْلِيمِ الْأُمَّةِ وإلا فرسول الله لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ التَّخَبُّطُ وَالْفِرَارُ مِنَ الزَّحْفِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ (أَنْ أَمُوتَ لَدِيغًا) فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنَ اللَّدْغِ وَهُوَ يُسْتَعْمَلُ فِي ذَوَاتِ السُّمِّ مِنَ الْعَقْرَبِ وَالْحَيَّةِ
стр. 1349
وَنَحْوِهِمَا
وَقَيَّدَ بِالْمَوْتِ مِنَ اللَّدْغِ فَلَا يُنَافِيهِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الصَّغِيرِ عَنْ عَلِيٍّ أنه لدغت النبي عَقْرَبٌ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ الْعَقْرَبَ لَا تَدَعُ مُصَلِّيًا وَلَا غَيْرَهُ ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ وَمِلْحٍ فَجَعَلَ يَمْسَحُ عَلَيْهَا أي على موضع لدغها ويقرأ قل ياأيها الكافرون وقل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
وَأَبُو الْيَسْرِ كَعْبُ بْنُ عَمْرٍو الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبَعْدِهَا سِينٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَرَاءٌ مُهْمَلَةٌ
[١٥٥٣] (مَوْلًى لِأَبِي أَيُّوبَ) هُوَ صَيْفِيٌّ مَوْلَى أَفْلَحَ وَإِسْنَادُ مَوْلًى إِلَى أَبِي أَيُّوبَ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ لِأَنَّ الصَّيْفِيَّ مَوْلَى أَفْلَحَ لَا مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ وَإِنَّمَا مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ هُوَ أَفْلَحُ كَمَا فِي كُتُبِ الرِّجَالِ لَكِنْ هَذَا يُخَالِفُ مَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فَإِنَّهُ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ بِلَفْظٍ عَنْ صَيْفِيٍّ مَوْلَى أَبِي أَيُّوبَ كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ
[١٥٥٤] (مِنَ الْبَرَصِ) بِفَتْحَتَيْنِ بَيَاضٍ يَحْدُثُ فِي الْأَعْضَاءِ (وَالْجُنُونِ) أَيْ زَوَالِ الْعَقْلِ الَّذِي هُوَ مَنْشَأُ الْخَيْرَاتِ (وَالْجُذَامِ) بِضَمِّ الْجِيمِ عِلَّةٌ يَذْهَبُ مَعَهَا شُعُورُ الْأَعْضَاءِ
وَفِي الْقَامُوسِ الْجُذَامُ كَغُرَابٍ عِلَّةٌ تَحْدُثُ مِنَ انْتِشَارِ السَّوْدَاءِ فِي الْبَدَنِ كُلِّهِ فَيُفْسِدُ مِزَاجَ الْأَعْضَاءِ وَهَيْئَاتِهَا وَرُبَّمَا انْتَهَى إِلَى تآكل الأعضاء وسقوطها عن تقرح (وسيىء الْأَسْقَامِ) كَالسُّلِّ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْمَرَضِ الْمُزْمِنِ الطَّوِيلِ وَهُوَ تَعْمِيمٌ بَعْدَ تَخْصِيصٍ
قَالَ الطِّيبِيُّ وَإِنَّمَا لَمْ يَتَعَوَّذْ مِنَ الْأَسْقَامِ مُطْلَقًا فَإِنَّ بَعْضَهَا مِمَّا يَخِفُّ مُؤْنَتُهُ وَتَكْثُرُ مَثُوبَتُهُ عِنْدَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ مَعَ عَدَمِ إِزْمَانِهِ كَالْحُمَّى وَالصُّدَاعِ وَالرَّمَدِ وَإِنَّمَا اسْتَعَاذَ مِنَ السَّقَمِ الْمُزْمِنِ فَيَنْتَهِي بِصَاحِبِهِ إِلَى حَالَةٍ يَفِرُّ مِنْهَا الْحَمِيمُ وَيَقِلُّ دُونَهَا الْمُؤَانِسُ وَالْمُدَاوِي مَعَ مَا يُورِثُ مِنَ الشَّيْنِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[١٥٥٥] (الْغُدَانِيُّ) بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَخِفَّةِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ نِسْبَةٌ إِلَى غُدَانَةَ بْنِ يَرْبُوعٍ (قَالَ) أَيْ
стр. 1350
أَبُو أُمَامَةَ (هُمُومٌ) جَمْعُ الْهَمِّ وَحَذَفَ الْخَبَرَ لِدَلَالَةِ قَوْلِهِ (لَزِمَتْنِي) عَلَيْهِ (وَدُيُونٌ) عَطْفٌ عَلَى هُمُومٍ أَيْ وَدُيُونٌ لَزِمَتْنِي فَلَزِمَتْنِي صِفَةٌ لِلنَّكِرَةِ متخصصة لَهُ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَقُولُ هُمُومٌ لَزِمَتْنِي مُبْتَدَأٌ وخبر كما في قولهم شراهر ذَا نَابٍ أَيْ هُمُومٌ عَظِيمَةٌ لَا يُقَادَرُ قَدْرَهَا وَدُيُونٌ جَمَّةٌ نَهَضَتْنِي وَأَثْقَلَتْنِي انْتَهَى (قَالَ أَفَلَا أُعَلِّمُكَ) عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ أَيْ أَلَا أُرْشِدُكَ فَلَا أُعَلِّمُكَ وَأَصْلُهُ فَأَلَّا أُعَلِّمُكَ ثُمَّ قُدِّمَتِ الْهَمْزَةُ لِأَنَّ لَهَا صَدْرَ الْكَلَامِ وَهُوَ أَظْهَرُ لِبُعْدِهِ عَنِ التَّكَلُّفِ فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى لِلْفَاءِ فَائِدَةٌ (كَلَامًا) أَيْ دُعَاءً (قُلْ إِذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا الْوَقْتَانِ وَأَنْ يُرَادَ بِهِمَا الدَّوَامُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (من الهم والحزن) بضم الحاء وسكون الزاء وَبِفَتْحِهِمَا
قَالَ الطِّيبِيُّ الْهَمُّ فِي الْمُتَوَقَّعِ وَالْحُزْنُ فِيمَا فَاتَ (مِنَ الْعَجْزِ) هُوَ ضِدُّ الْقُدْرَةِ وَأَصْلُهُ التَّأَخُّرُ عَنِ الشَّيْءِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْعَجْزِ وَهُوَ مُؤَخَّرُ الشَّيْءِ ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي مُقَابِلِهِ فِي مُقَابِلَةِ الْقُدْرَةِ وَاشْتُهِرَ فِيهَا وَالْمُرَادُ هُنَا الْعَجْزُ عَنْ أَدَاءِ الطَّاعَةِ وَعَنْ تَحَمُّلِ الْمُصِيبَةِ (وَالْكَسَلِ) أَيِ التَّثَاقُلِ عَنِ الْأَمْرِ الْمَحْمُودِ مَعَ وُجُودِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ (مِنَ الْجُبْنِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ ضِدُّ الشُّجَاعَةِ وَهُوَ الْخَوْفُ عِنْدَ الْقِتَالِ وَمِنْهُ عَدَمُ الْجَرَاءَةِ عِنْدَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ (مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ) أَيْ كَثْرَتِهِ وَثِقَلِهِ (وَقَهْرِ الرِّجَالِ) أَيْ غَلَبَتِهِمْ (قَالَ) أَيِ الرَّجُلُ أَوْ أَبُو سَعِيدٍ (فَفَعَلْتُ ذَلِكَ) أَيْ مَا ذَكَرَ مِنَ الدُّعَاءِ عِنْدَ الصَّبَاحِ وَالْمَسَاءِ (فَأَذْهَبَ اللَّهُ هَمِّي) أَيْ حُزْنِي (وَقَضَى عني ديني) قاله علي القارىء
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ غَسَّانُ بْنُ عَوْفٍ وَهُوَ بَصْرِيٌّ وَقَدْ ضُعِّفَ
стр. 1351
٩ - كِتَاب الزَّكَاة
[١٥٥٦] اخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ وَقْتِ فَرْضِ الزَّكَاةِ فَذَهَبَ الْأَكْثَرُ إِلَى أَنَّهُ وَقَعَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَقِيلَ كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ قَبْلَ فَرْضِ رَمَضَانَ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وجزم بن الْأَثِيرِ فِي التَّارِيخِ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي التَّاسِعَةِ
قَالَ الْحَافِظُ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ ثَبَتَ فِي حَدِيثِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ وَفِي حَدِيثِ وَفْدِ عَبْدِ الْقِيسِ وَفِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ ذَكَرَ الزَّكَاةَ
وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ
(لَمَّا تُوُفِّيَ) عَلَى بِنَاءِ الْمَفْعُولِ أَيْ مَاتَ (وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ عَلَى الصَّحِيحِ أَيْ جَعَلَهُ خَلِيفَةً (بَعْدَهُ) أَيْ بَعْدَ وَفَاتِهِ ﷺ (وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ) أَيْ مَنَعَ الزَّكَاةَ وَعَامَلَ مُعَامَلَةَ مَنْ كَفَرَ أَوِ ارْتَدَّ لِإِنْكَارِهِ افْتِرَاضَ الزَّكَاةِ (مِنَ الْعَرَبِ) قَالَ الطِّيبِيُّ يُرِيدُ غَطَفَانَ وَفَزَارَةَ وَبَنِي سُلَيْمٍ وَغَيْرَهُمْ مَنَعُوا الزَّكَاةَ فَأَرَادَ أَبُو بَكْرٍ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ فَاعْتَرَضَ عُمَرُ ﵁ بِقَوْلِهِ الْآتِي وَقَالَ (كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ) أَيِ الَّذِي يَمْنَعُ الزَّكَاةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَهْلِ الْإِيمَانِ (أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ) الْمُرَادُ بِهِ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْأَوْثَانِ (فَمَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ) يَعْنِي كَلِمَةَ التَّوْحِيدِ وَهِيَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْقَدُ الْإِسْلَامُ بِتِلْكَ وَحْدَهَا (عَصَمَ) بِفَتْحِ الصَّادِ أَيْ حَفَظَ وَمَنَعَ (مِنِّي) أَيْ مِنْ تَعَرُّضِي أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي (إِلَّا بِحَقِّهِ) أَيْ بِحَقِّ الْإِسْلَامِ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ
стр. 1352
لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِمَالِهِ وَنَفْسِهِ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ إِلَّا بِحَقِّهِ أَيْ بِحَقِّ هَذَا الْقَوْلِ أَوْ بِحَقِّ أَحَدِ الْمَذْكُورَيْنِ (حِسَابُهُ) أَيْ جَزَاؤُهُ وَمُحَاسَبَتُهُ (عَلَى اللَّهِ) بِأَنَّهُ مُخْلِصٌ أَمْ لَا قَالَ الطِّيبِيُّ يَعْنِي مَنْ قَالَ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَظْهَرَ الْإِسْلَامَ نَتْرُكُ مُقَاتَلَتَهُ وَلَا نُفَتِّشُ بَاطِنَهُ هَلْ هُوَ مُخْلِصٌ أَمْ مُنَافِقٌ فَإِنَّ ذَلِكَ مُفَوَّضٌ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَحِسَابُهُ عَلَيْهِ (فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ) جَوَابًا وَتَأْكِيدًا (مَنْ فَرَّقَ) بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ أَيْ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ دُونَ الزَّكَاةِ (فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ) كَمَا أَنَّ الصَّلَاةَ حَقُّ النَّفْسِ
قَالَهُ الطِّيبِيُّ
وَقَالَ غَيْرُهُ يَعْنِي الْحَقُّ الْمَذْكُوُرُ فِي قَوْلِهِ إِلَّا بِحَقِّهِ أَعَمَّ مِنَ الْمَالِ وَغَيْرِهِ
قَالَ الطِّيبِيُّ كَأَنَّ عُمَرَ حَمَلَ قَوْلَهُ بِحَقِّهِ عَلَى غَيْرِ الزَّكَاةِ فَلِذَلِكَ صَحَّ اسْتِدْلَالُهُ بِالْحَدِيثِ فَأَجَابَ أَبُو بَكْرٍ بِأَنَّهُ شَامِلٌ لِلزَّكَاةِ أَيْضًا أَوْ تَوَهَّمَ عُمَرُ أَنَّ الْقِتَالَ لِلْكُفْرِ فَأَجَابَ بِأَنَّهُ لِمَنْعِ الزَّكَاةِ لَا لِلْكُفْرِ وَلِذَلِكَ رَجَعَ عُمَرُ إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَعَلِمَ أَنَّ فِعْلَهُ مُوَافِقٌ لِلْحَدِيثِ وَأَنَّهُ قَدْ وُفِّقَ بِهِ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى (عِقَالًا) بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْحَبْلَ الَّذِي يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ وَلَيْسَ مِنَ الصَّدَقَةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْقِتَالُ فَقِيلَ أَرَادَ الْمُبَالَغَةَ بِأَنَّهُمْ لَوْ مَنَعُوا مِنَ الصَّدَقَةِ مَا يُسَاوِي هَذَا الْقَدْرَ يَحِلُّ قِتَالَهُمْ فَكَيْفَ إِذَا مَنَعُوا الزَّكَاةَ كُلَّهَا
وَقِيلَ قَدْ يُطْلَقُ الْعِقَالُ عَلَى صدقة عام وهو المراد ها هنا كَمَا سَيَجِيءُ بَيَانُهُ
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنَاقًا مَكَانَ عِقَالًا (فَوَاللَّهِ مَا هُوَ) أَيِ الشَّأْنُ أَوْ سَبَبُ رُجُوعِي إِلَى رَأْيِ أَبِي بَكْرٍ ﵁ (إِلَّا أَنْ رَأَيْتُ) أَيْ عَلِمْتُ وَأَيْقَنْتُ (شَرَحَ) أَيْ فَتَحَ وَوَسَّعَ وَلَيَّنَ (لِلْقِتَالِ) مَعْنَاهُ عَلِمْتُ أَنَّهُ جَازِمٌ بِالْقِتَالِ لِمَا أَلْقَى اللَّهُ فِي قَلْبِهِ مِنَ الطُّمَأْنِينَةِ لِذَلِكَ وَاسْتِصْوَابُهُ ذَلِكَ (فَعَرَفْتُ أَنَّهُ) أَيْ رَأْيَ أَبِي بَكْرٍ أَوِ الْقِتَالِ (الْحَقُّ) أَيْ بِمَا أَظْهَرَ مِنَ الدَّلِيلِ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ فَعَرَفْتُ بِذَلِكَ أَنَّ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَنَّهُ الْحَقُّ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّهُ ﷺ جَعَلَ آخِرَ كَلَامِهِ عِنْدَ وَفَاتِهِ قَوْلَهُ الصَّلَاةَ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ لِيَعْقِلَ أَنَّ فَرْضَ الزَّكَاةِ قَائِمٌ كَفَرْضِ الصَّلَاةِ وَأَنَّ الْقَائِمَ بِالصَّلَاةِ هُوَ الْقَائِمُ بِأَخْذِ الزَّكَاةِ وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاللَّهِ لَأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ
اسْتِدْلَالًا بِهَذَا مَعَ سَائِرِ مَا عَقَلَ مِنْ أَنْوَاعِ الْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُوبِهَا
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَسَائِرِ الْعِبَادَاتِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ إِذَا كَانُوا مُقَاتَلِينَ عَلَى الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ فَقَدْ عُقِلَ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرِّدَّةَ لَا تُسْقِطُ عَنِ الْمُرْتَدِّ الزَّكَاةَ الْوَاجِبَةَ فِي أَمْوَالِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ
стр. 1353
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ (قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ) مِنْ قَوْلِهِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ إِلَى قَوْلِهِ سَنَتَيْنِ وُجِدَ فِي نُسْخَةٍ وَاحِدَةٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِيهَا فَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِقَالِ زَكَاةُ عَامٍ وَهُوَ مَعْرُوفٌ فِي اللُّغَةِ بِذَلِكَ وَهُوَ قَوْلُ الْكِسَائِيِّ وَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَالْمُبَرِّدِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ الْعِقَالَ يُطْلَقُ عَلَى زَكَاةِ الْعَامِ بِقَوْلِ عَمْرِو بْنِ الْعَدَّاءِ سَعَى عِقَالًا فَلَمْ يَتْرُكْ لَنَا سَيِّدًا فَكَيْفَ لَوْ قَدْ سَعَى عَمْرٌو عِقَالَيْنِ أَرَادَ مُدَّةَ عِقَالٍ فَنَصَبَهُ عَلَى الظَّرْفِ وَعَمْرٌو هَذَا السَّاعِي هُوَ عَمْرُو بْنُ عَقَبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَلَّاهُ عَمُّهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ صَدَقَاتِ كَلْبٍ فَقَالَ فِيهِ قَائِلُهُمْ ذَلِكَ
قَالُوا وَلِأَنَّ الْعِقَالَ الَّذِي هُوَ الْحَبْلُ الَّذِي يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ لَا يَجِبُ دَفْعُهُ فِي الزَّكَاةِ فَلَا يَجُوزُ الْقِتَالُ عَلَيْهِ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ
وَذَهَبَ كَثِيرُونَ مِنَ الْمُحَقِّقِينَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِقَالِ الْحَبْلُ الَّذِي يُعْقَلُ بِهِ الْبَعِيرُ وَهَذَا الْقَوْلُ يُحْكَى عن مالك وبن أَبِي ذِئْبٍ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ اخْتِيَارُ صَاحِبِ التَّحْرِيرِ وَجَمَاعَةٍ مِنْ حُذَّاقِ الْمُتَأَخِّرِينَ انْتَهَى
(قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ رَبَاحُ بْنُ زَيْدٍ) الْقُرَشِيُّ (وَعَبْدُ الرزاق عن معمر عن الزهري) بن شِهَابٍ (بِإِسْنَادِهِ) أَيْ بِإِسْنَادِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَكِنْ رِوَايَةُ مَعْمَرٍ فِي سُنَنِ النَّسَائِيِّ وَالدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ الطَّرِيقِ فَلَفْظُ النَّسَائِيِّ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَاصِمٍ حَدَّثَنَا عِمْرَانُ أَبُو الْعَوَّامِّ الْقَطَّانُ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَدِيثَ
قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ عِمْرَانُ الْقَطَّانُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ فِي الْحَدِيثِ
وَهَذَا الْحَدِيثُ خَطَأٌ وَالَّذِي قَبْلَهُ الصَّوَابُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَذَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ (قَالَ بَعْضُهُمْ عِقَالًا) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ بَعْضَ شُيُوخِ الزُّهْرِيِّ قَالَ عِقَالًا فَالزُّهْرِيُّ رَوَى عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ عِقَالًا وَرَوَى أَيْضًا بِلَفْظٍ
стр. 1354
آخَرَ فَفِي رِوَايَةِ رَبَاحِ بْنِ زَيْدٍ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ الزُّهْرِيُّ هَكَذَا وَأَمَّا فِي رِوَايَةِ أَبِي الْيَمَانِ الْحَكَمِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ الزُّهْرِيُّ عَنَاقًا وَهِيَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الزَّكَاةِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْرٍ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ عَنَاقًا وَهِيَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي اسْتِتَابَةِ الِمُرْتَدِّينَ وَهَكَذَا رَوَى عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ وَالْوَلِيدُ وَبَقِيَّةُ كُلُّهُمْ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إِلَّا الْوَلِيدَ فَإِنَّهُ رَوَيَ عَنْ شُعَيْبٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ عَنَاقًا وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ عِنْدَ النَّسَائِيِّ فِي كِتَابِ الْمُحَارَبَةِ وَتَحْرِيمِ الدَّمِ وَكِتَابِ الْجِهَادِ
وَأَمَّا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ فَرَوَى عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ عِقَالًا وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ
وَأَمَّا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الِاعْتِصَامِ فَعَنْ قُتَيْبَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ بِلَفْظِ لَوْ مَنَعُونِي كَذَا وَكَذَا لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْعِقَالِ ولا العناق
قال البخاري وقال لي بن بُكَيْرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ عَنَاقًا وَهُوَ أَصَحُّ وَرَوَاهُ النَّاسُ عَنَاقًا وَعِقَالًا ها هنا لا يجوز انتهى (ورواه بن وَهْبٍ) هُوَ عَبْدُ اللَّهِ (عَنْ يُونُسَ) بْنِ يَزِيدَ الْأَيْلِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ (عَنَاقًا) كَمَا رَوَى عن الزهري جماعة كَذَا (قَالَ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَمَعْمَرٌ وَالزُّبَيْدِيُّ عَنِ الزُّهْرِيِّ) بِإِسْنَادِهِ (عَنَاقًا) فَرِوَايَةُ شُعَيْبٍ أَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي الزَّكَاةِ وَأَيْضًا النَّسَائِيُّ كَمَا تَقَدَّمَتْ وَرِوَايَةُ الزُّبَيْدِيِّ أَخْرَجَهَا النَّسَائِيُّ فِي الْجِهَادِ مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَرْبٍ عَنِ الزُّبَيْدِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عبيد الله عن أبي هريرة كَذَا (رَوَى) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ رَوَاهُ (عَنْبَسَةُ عَنْ يُونُسَ عَنِ الزُّهْرِيِّ) بِإِسْنَادِهِ إِلَى أَبِي هُرَيْرَةَ (عَنَاقًا) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَبِالنُّونِ وَهِيَ الْأُنْثَى مِنْ وَلَدِ الْمَعْزِ لَمْ تَبْلُغْ سَنَةً فَإِمَّا هُوَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ أَوْ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَنْ عِنْدَهُ أَرْبَعِينَ سَخْلَةً تَجِبُ عَلَيْهِ وَاحِدَةٌ مِنْهَا وَأَنَّ حَوْلَ الْأُمَّهَاتِ حَوْلُ النِّتَاجِ وَلَا يُسْتَأْنَفُ لَهَا حَوْلٌ قَالَهُ السِّنْدِيُّ وَيَجِيءُ بَيَانُهُ مُفَصَّلًا مِنْ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ وَالنَّوَوِيِّ
وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ رَوَى يُونُسُ وَشُعَيْبٌ وَمَعْمَرٌ وَالزُّبَيْدِيُّ كُلُّهُمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنَاقًا وَأَمَّا
стр. 1355
يُونُسُ فَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ قَالَ عَنْبَسَةُ عَنْ يُونُسَ عناقا وقال بن وهب عن يونس عقالا ومرة قال بن وَهْبٍ عَنَاقًا كَمَا قَالَ الْجَمَاعَةُ
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ ثَلَاثَةِ شُيُوخٍ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَأَنَسٍ فَحَدِيثُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فِي كُتُبِهِمْ غَيْرَ بن مَاجَهْ وَحَدِيثُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عِنْدَ النَّسَائِيِّ وَحَدِيثُ أَنَسٍ عِنْدَ النَّسَائِيِّ أَيْضًا وَقَالَ هُوَ خَطَأٌ ثُمَّ رَوَى عَنِ الزُّهْرِيِّ ثَمَانِيَةُ أَنْفُسٍ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَعُقَيْلٌ وَمَعْمَرٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ خَالِدٍ وَالزُّبَيْدِيُّ وَسُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَسُفْيَانُ بْنُ الْحُسَيْنِ وَيُونُسُ وَكُلُّهُمْ قَالُوا عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنَاقًا غَيْرَ يُونُسَ فَإِنَّهُ قَالَ مَرَّةً عَنَاقًا وَمَرَّةً قَالَ عِقَالًا
وَأَمَّا عُقَيْلٌ فَرَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَرَوَى عَنِ اللَّيْثِ اثْنَانِ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ فَيَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ عَنَاقًا كَمَا قَالَ الْجَمَاعَةُ وَقُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ مَرَّةً قَالَ عِقَالًا وَمَرَّةً قَالَ لَوْ مَنَعُونِي كَذَا وَكَذَا
فَيُعْلَمُ عِنْدَ التَّعَمُّقِ أَنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ قَالُوا عَنَاقًا أَمَّا عِقَالًا فَمَا قَالَ غَيْرُ يُونُسَ فِي طَبَقَةِ رُوَاةِ الزُّهْرِيِّ وَأَمَّا مَنْ بَعْدَهُمْ فَمَا قَالَ غَيْرُ قُتَيْبَةُ وَلِذَا قَالَ الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ في صحيحه قال لي بن بُكَيْرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ عُقَيْلٍ عَنَاقًا وَهُوَ أَصَحُّ وَرَوَاهُ النَّاسُ عَنَاقًا وَعِقَالًا ها هنا لَا يَجُوزُ انْتَهَى
وَالْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ ﵁
وَقَالَ النَّوَوِيُّ هَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عِقَالًا وَكَذَا فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْبُخَارِيِّ وَفِي بَعْضِهَا عَنَاقًا وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَرَّرَ الْكَلَامَ مَرَّتَيْنِ فَقَالَ فِي مَرَّةٍ عِقَالًا وَفِي الْأُخْرَى عَنَاقًا فَرُوِيَ اللَّفْظَانِ فَأَمَّا رِوَايَةُ الْعَنَاقِ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَتِ الْغَنَمُ صِغَارًا كُلُّهَا بِأَنْ مَاتَتْ أُمَّهَاتُهَا فِي بَعْضِ الْحَوْلِ فَإِذَا حَالَ حَوْلُ الْأُمَّهَاتِ زَكَّى السِّخَالَ الصِّغَارَ بِحَوْلِ الْأُمَّهَاتِ سَوَاءٌ بَقِيَ مِنَ الْأُمَّهَاتِ شَيْءٌ أَمْ لَا
هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ
وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الأنماطي
لا تزكى الأولاد بحول الأمهات إلى أَنْ يَبْقَى مِنَ الْأُمَّهَاتِ نِصَابٌ
وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إِلَّا أَنْ يَبْقَى مِنَ الْأُمَّهَاتِ شَيْءٌ وَيُتَصَوَّرُ ذَلِكَ أَيْضًا فِيمَا إِذَا مَاتَ مُعْظَمُ الْكِبَارِ وَحَدَثَتْ صِغَارٌ فَحَالَ حَوْلُ الْكِبَارِ عَلَى بَقِيَّتِهَا وَعَلَى الصِّغَارِ انْتَهَى
وَقَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ وَفِي قَوْلِهِ لَوْ مَنَعُونِي عَنَاقًا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الصَّدَقَةِ فِي السِّخَالِ وَالْفُصْلَانِ وَالْعَجَاجِيلِ وَأَنَّ واحدة منها تجزىء عَنِ الْوَاجِبِ فِي الْأَرْبَعِينَ مِنْهَا إِذَا كَانَتْ كُلُّهَا صِغَارًا وَلَا يُكَلَّفُ صَاحِبُهَا مُسِنَّةً
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّتَاجَ حَوْلَ الْأُمَّهَاتِ وَلَوْ كَانَ يَسْتَأْنِفُ بِهَا الْحَوْلُ لَمْ يُوجَدِ السَّبِيلُ إِلَى أَخْذِ الْعَنَاقِ انْتَهَى كَلَامُهُ
كَذَا فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ بِاخْتِصَارٍ
стр. 1356
(بَاب مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ)
[١٥٥٨] (سَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ أَصْلٌ فِي بَيَانِ مَقَادِيرِ مَا يَحْتَمِلُ مِنَ الْأَمْوَالِ الْمُوَاسَاةَ وَإِيجَابَ الصَّدَقَةِ فِيهَا وَإِسْقَاطَهَا عَنِ الْقَلِيلِ الَّذِي لَا يَحْتَمِلُهَا لِئَلَّا يُجْحَفَ بِأَرْبَابِ الْأَمْوَالِ وَلَا يُبْخَسَ الْفُقَرَاءُ حُقُوقَهُمْ
وَجُعِلَتْ هَذِهِ الْمَقَادِيرُ أُصُولًا وَأَنْصِبَةً إِذَا بَلَغَتْهَا أَنْوَاعُ هَذِهِ الْأَمْوَالِ وَجَبَ فِيهَا الْحَقُّ (لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ ذَوْدٍ) الذَّوْدُ بِإِعْجَامِ الْأَوَّلِ وَإِهْمَالِ آخِرِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ اسْمٌ لِعَدَدٍ مِنَ الْإِبِلِ غَيْرِ كَثِيرٍ وَيُقَالُ مَا بَيْنَ الثَّلَاثِ إِلَى الْعَشْرِ وَلَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَإِنَّمَا يُقَالُ لِلْوَاحِدِ بَعِيرٌ كَمَا قِيلَ لِلْوَاحِدَةِ مِنَ النِّسَاءِ امْرَأَةٌ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الذَّوْدُ مِنَ الْإِنَاثِ دُونَ الذُّكُورِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَالْحَدِيثُ عَامٌّ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ ذُكُورًا كَانَتْ أَوْ إِنَاثًا
وَرُوِيَ بِالْإِضَافَةِ وَرُوِيَ بِتَنْوِينِ خَمْسٍ فَيَكُونُ ذَوْدٌ بَدَلًا عَنْهَا لَكِنِ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ هِيَ الْأُولَى (خَمْسُ أَوَاقٍ) كَجَوَارٍ جَمْعُ أُوقِيَّةٍ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَيُقَالُ لَهَا الْوَقِيَّةُ بِحَذْفِ الْأَلِفِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَهِيَ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا وَخَمْسَةُ أَوَاقٍ مِائَتَا دِرْهَمٍ (خَمْسَةُ أَوْسُقٍ) جَمْعُ وَسْقٍ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَكَسْرِهَا وَالْوَسْقُ سِتُّونَ صَاعًا وَالصَّاعُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ وَالْمُدُّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ
قَالَ الدَّاوُدِيُّ مِعْيَارُهُ الَّذِي لَا يَخْتَلِفُ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ وَبِكَفَّيِ الرَّجُلِ لَيْسَ بِعَظِيمِ الْكَفَّيْنِ وَلَا صَغِيرِهِمَا
قَالَ صَاحِبُ الْقَامُوسِ جَرَّبْتُ ذَلِكَ فَوَجَدْتُهُ صَحِيحًا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ يَرَى أَنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَجِبُ فِي شَيْءٍ مِنَ الْخَضْرَاوَاتِ لِأَنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّهَا لَا تُوسَقُ وَدَلِيلُ الْخَبَرِ أَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِيمَا يُوسَقُ وَيُكَالُ مِنَ الحبوب والثمار دون مالا يُكَالُ مِنَ الْفَوَاكِهِ وَالْخَضْرَاوَاتِ وَنَحْوِهَا وَعَلَيْهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ
قَالَ وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيمَا زَادَ مِنَ الْوَرِقِ عَلَى مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُخْرِجُ عَمَّا زَادَ عَلَى الْمِائَتَيْ دِرْهَمٍ بِحِسَابِهِ رُبْعَ الْعُشْرِ قَلَّتِ الزِّيَادَةُ أو كثرت
وروي ذلك عن علي وبن عمر وبه قال النخعي والثوري وبن أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وروي عن الحسن وعطاء وطاووس وَالشَّعْبِيِّ وَمَكْحُولٍ وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهُمْ قَالُوا لَا شَيْءَ فِي الزِّيَادَةِ حَتَّى
стр. 1357
تَبْلُغَ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ انْتَهَى كَلَامُهُ
(الْجَمَلِيُّ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْمِيمِ مَنْسُوبٌ إِلَى جَمَلِ بْنِ كِنَانَةَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النسائي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا [١٥٥٩] (سِتُّونَ مَخْتُومًا) أَيْ سِتُّونَ صَاعًا وَكَانَ الصَّاعُ مُعَلَّمًا بِعَلَامَةٍ فَلِذَلِكَ سَمَّاهُ مَخْتُومًا (أَبُو الْبَخْتَرِيِّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَالْمُثَنَّاةِ بَيْنَهُمَا مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ فَيْرُوزٍ
[١٥٦٠] (مَخْتُومًا بِالْحَجَّاجِيِّ) أَيْ مَخْتُومًا بِعَلَامَةِ الْحَجَّاجِ وَهِيَ سِتُّونَ صَاعًا وَكُلُّ صَاعٍ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ وَكُلُّ مُدٍّ رِطْلٌ وَثُلُثٌ عِنْدَ الْحِجَازِيِّينَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي الطَّهَارَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أخرجه البخاري والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
[١٥٦١] (فَغَضِبَ عِمْرَانُ) بْنُ حُصَيْنٍ وَغَرَضُهُ أَنَّهُ إِنْ وَجَدْنَا فِي الْقُرْآنِ مَسْأَلَةً فَحَسْبُنَا وَإِنْ لَمْ أَجِدْ فِي الْقُرْآنِ أَنْظُرُ إِلَى السُّنَّةِ فَنَأْخُذُ مِنْهَا فَكَمْ مِنَ الْمَسَائِلِ لَيْسَ ذِكْرُهَا فِي الْقُرْآنِ وَإِنَّمَا أَخَذْنَاهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ مَثَّلَ عِمْرَانُ لِلسَّائِلِ (وَقَالَ) عِمْرَانُ (لِلرَّجُلِ) السَّائِلِ (أَوَجَدْتُمْ) فِي الْقُرْآنِ (فِي كُلِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا) مَنْصُوبٌ عَلَى التَّمَيُّزِ (دِرْهَمًا) مَفْعُولُ وَجَدْتُمْ (وَذَكَرَ أَشْيَاءَ نَحْوَ هذا) لإثبات مدعاه
стр. 1358
٢ - (باب العروض إلخ)
[١٥٦٢] جَمْعُ عَرْضٍ بِسُكُونِ الرَّاءِ مِثْلُ فَلْسٍ وَفُلُوسٍ هُوَ الْمَتَاعُ
قَالُوا وَالدِّرْهَمُ وَالدَّنَانِيرُ عَيْنٌ وَمَا سِوَاهُمَا عَرْضٌ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْعُرُوضُ الْأَمْتِعَةُ الَّتِي لَا يَدْخُلُهَا كَيْلٌ وَلَا وَزْنٌ وَلَا تَكُونُ حَيَوَانًا وَلَا عَقَارًا كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ
(مِنَ الَّذِي) أَيْ مِنَ الْمَالِ الَّذِي (نُعِدُّ) أَيْ نُهَيِّئُهُ (لِلْبَيْعِ) أَيْ لِلتِّجَارَةِ وَخُصَّ لِأَنَّهُ الْأَغْلَبُ
قَالَ الطِّيبِيُّ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا يُنْوَى بِهِ الْقِنْيَةُ لَا زَكَاةَ فِيهِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ثُمَّ المنذري
وقال بن عَبْدِ الْبَرِّ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ
وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي أَحْكَامِهِ خُبَيْبٌ هَذَا لَيْسَ بِمَشْهُورٍ وَلَا نَعْلَمُ رَوَى عَنْهُ إِلَّا جَعْفَرُ بْنُ سَعْدٍ وليس جعفر ممن يعتمد عليه
قال بن الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ مُتَعَقِّبًا عَلَى عَبْدِ الْحَقِّ فَذَكَرَ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ حَدِيثَ مَنْ كَتَمَ مَالًا فَهُوَ مِثْلُهُ وَسَكَتَ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ سَعْدٍ هَذَا عَنْ خُبَيْبِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ أَبِيهِ فَهُوَ مِنْهُ تَصْحِيحٌ
وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ سمرة بن جندب لو يعرف بن أَبِي حَاتِمٍ بِحَالِهِ وَذَكَرَ أَنَّهُ رَوَى عَنْهُ رَبِيعَةُ وَابْنُهُ خُبَيْبٌ انْتَهَى
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ فِي الْإِبِلِ صَدَقَتُهَا وَفِي الْغَنَمِ صَدَقَتُهَا وَفِي الْبَقَرِ صَدَقَتُهَا وَفِي الْبَزِّ صَدَقَتُهُ الْحَدِيثَ
وَالْبَزُّ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ مَا يَبِيعُهُ الْبَزَّازُونَ
كَذَا ضَبَطَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ
وَالْحَدِيثُ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُهُ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَمِنَ النَّاسِ مَنْ صَحَّفَهُ بضم الباء وبالراي الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ غَلَطٌ انْتَهَى
وَأَخْرَجَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَالدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَبِي عَمْرِو بْنِ حَمَاسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ كُنْتُ أَبِيعُ الْأُدْمَ فَمَرَّ بِي عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَ لي أد صدقة مالك فقلت ياأمير الْمُؤْمِنِينَ إِنَّمَا هُوَ فِي الْأُدْمِ فَقَالَ قَوِّمْهُ ثم أخرج صدقته
وروى البيهقي عن بن عُمَرَ قَالَ لَيْسَ فِي الْعَرُوضِ زَكَاةٌ إِلَّا مَا كَانَ لِلتِّجَارَةِ
وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ بن عُمَرَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَالْقَاسِمِ أَنَّهُمْ قَالُوا بِذَلِكَ
وَقَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ التِّجَارَةِ
وَاسْتَدَلَّ لِلْوُجُوبِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى أنفقوا من طيبات ما كسبتم الْآيَةَ قَالَ مُجَاهِدٌ نَزَلَتْ فِي التِّجَارَةِ
قَالَ بن الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعُ قَائِمٌ
стр. 1359
عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي مَالِ التِّجَارَةِ
وَمِمَّنْ قَالَ بِوُجُوبِهَا الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ
قَالَ لَكِنْ لَا يُكَفَّرُ جَاحِدُهَا لِلِاخْتِلَافِ فِيهَا
(بَابُ الْكَنْزِ مَا هُوَ وَزَكَاةِ الْحُلِيِّ)
[١٥٦٣] هَذِهِ التَّرْجَمَةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْأَمْرَيْنِ الْأَوَّلُ فِي تَعْرِيفِ الْكَنْزِ وَالثَّانِي فِي زَكَاةِ الْحُلِيِّ
(أَنَّ امْرَأَةً) هِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ يَزِيدَ بْنِ السَّكَنِ (مَسَكَتَانِ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْوَاحِدَةُ مَسَكَةٌ وَهِيَ الْأَسْوِرَةُ وَالْخَلَاخِيلُ (قَالَ أَيَسُرُّكِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِنَّمَا هُوَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ تَعَالَى يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جهنم فتكوى بها جباههم وجنوبهم قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِنَحْوِهِ وَقَالَ لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْبَابِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ شَيْءٌ
وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا وَذَكَرَ أَنَّ الْمُرْسَلَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ انْتَهَى كلامه
قال الزيلعي قال بن الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ إِسْنَادُهُ لَا مَقَالَ فِيهِ فَإِنَّ أَبَا دَاوُدَ رَوَاهُ عَنْ أَبِي كَامِلٍ الْجَحْدَرِيِّ وَحُمَيْدِ بْنِ مَسْعَدَةَ وَهُمَا مِنَ الثِّقَاتِ احْتَجَّ بِهِمَا مُسْلِمٌ وَخَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ إِمَامٌ فَقِيهٌ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَكَذَلِكَ حُسَيْنُ بْنُ ذَكْوَانَ الْمُعَلِّمُ احتجابه في الصحيح ووثقه بن المديني وبن مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ وَعَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ فَهُوَ مِمَّنْ قَدْ عُلِمَ وَهَذَا إِسْنَادٌ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى
[١٥٦٤] (كُنْتُ أَلْبَسُ أَوْضَاحًا) بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ وَضَحٍ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ هِيَ نَوْعٌ مِنَ الْحُلِيِّ تُعْمَلُ مِنَ الْفِضَّةِ سُمِّيَتْ بِهَا لِبَيَاضِهَا وَاحِدُهَا وَضَحٌ انْتَهَى
وَفِي مُنْتَهَى الْإِرَبِ بِالْفَارِسِيَّةِ وَضَحَ بِمَعْنَى خَلْخَالٍ أَيْ حَلْقَةٍ طلا ونقره كه درباي كنند وآترا بفارسي باي برنجن نامند انتهى (أكنزهو) أَيِ اسْتِعْمَالُ الْحُلِيِّ كَنْزٌ مِنَ الْكُنُوزِ الَّذِي تُوُعِّدَ عَلَى اقْتِنَائِهِ فِي الْقُرْآنِ أَمْ
стр. 1360
لَا (فَقَالَ مَا بَلَغَ) أَيِ الَّذِي بَلَغَ (أَنْ تُؤَدَّى) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (زَكَاتُهُ) أَيْ بَلَغَ نِصَابًا (فَزُكِّيَ) عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَتَّابُ بْنُ بَشِيرٍ أَبُو الْحُسَيْنِ الْحَرَّانِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ انْتَهَى
وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُهَاجِرِ عَنْ ثَابِتٍ بِهِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ وَلَفْظُهُ إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ
وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِمَا
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ ثَابِتُ بْنُ عَجْلَانَ
قَالَ فِي التَّنْقِيحِ وَهَذَا لَا يَضُرُّ فَإِنَّ ثَابِتَ بن عجلان روى له البخاري ووثقه بن مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ وَقَوْلُ عَبْدِ الْحَقِّ فِيهِ لَا يُحْتَجُّ بِهِ قَوْلٌ لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ انْتَهَى
وقال بن دَقِيقِ الْعِيدِ وَقَوْلُ الْعُقَيْلِيِّ فِي ثَابِتِ بْنِ عجلان لا يتابع على حديثه تحامل مِنْهُ انْتَهَى وَأَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنِ الْكَنْزِ مَا هُوَ فَقَالَ هُوَ الْمَالُ الَّذِي لَا تُؤَدَّى مِنْهُ الزَّكَاةُ انْتَهَى أَيْ فَمَا أَدَّيْتَ مِنْهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَعَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ بن عُمَرَ مَرْفُوعًا كُلُّ مَا أَدَّيْتَ زَكَاتَهُ وَإِنْ كَانَتْ تَحْتَ سَبْعِ أَرْضِينَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَكُلُّ مالا تُؤَدَّى زَكَاتَهُ فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ والمشهور وقفه
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَيَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وصححه الحاكم
وقال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَفِي سَنَدِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ مَقَالٌ
وَقَالَ الزَّيْنُ الْعِرَاقِيُّ سَنَدُهُ جَيِّدٌ
وَرَوَى بن أبي شيبة عن بن عَبَّاسٍ مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَلِلْحَاكِمِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا إِذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ أَذْهَبْتَ عَنْكَ شَرَّهُ
وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ مَوْقُوفًا وَرَجَّحَهُ أَبُو زُرْعَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا
[١٥٦٥] (فَتَخَاتٌ مِنْ وَرَقٍ) أَيِ الْخَوَاتِيمِ الْكِبَارِ كَانَتِ النِّسَاءُ يَتَخَتَّمْنَ بِهَا وَالْوَاحِدَةُ فَتْخَةٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ زَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ حِينَ كَانَ التَّحَلِّي بِالذَّهَبِ حَرَامًا عَلَى النِّسَاءِ فَلَمَّا أُبِيحَ ذَلِكَ لَهُنَّ سَقَطَتْ مِنْهُ الزَّكَاةُ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَكَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الْقَوْلُ مَعَ حَدِيثِ عَائِشَةَ إِنْ كَانَ ذِكْرُ الْوَرِقِ فِيهِ مَحْفُوظًا غير أن رواية القاسم بن محمد وبن أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ فِي تَرْكِ إِخْرَاجِ الزكاة
стр. 1361
مِنَ الْحُلِيِّ مَعَ مَا ثَبَتَ مِنْ مَذْهَبِهَا إِخْرَاجُ الزَّكَاةِ عَنْ أَمْوَالِ الْيَتَامَى يُوقِعُ رَيْبًا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمَرْفُوعَةِ وَهِيَ لَا تُخَالِفُ النَّبِيَّ ﷺ إِلَّا فِيمَا عَلِمْتُهُ مَنْسُوخًا انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ بِهِ
وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ
وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءٍ فَنَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ دُونَ أَبِيهِ ثُمَّ قَالَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَطَاءٍ مَجْهُولٌ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ لَكِنَّهُ لَمَّا نُسِبَ إِلَى جَدِّهِ ظَنَّ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ مَجْهُولٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ انْتَهَى
وَتَبِعَ الدَّارَقُطْنِيَّ فِي تَجْهِيلِ مُحَمَّدِ بْنِ عَطَاءٍ عبد الحق في أحكامه وتعقبه بن الْقَطَّانِ فَقَالَ لَمَّا خَفِيَ عَلَى الدَّارَقُطْنِيِّ أَمْرُهُ جَعَلَهُ مَجْهُولًا وَتَبِعَهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَحَدُ الثِّقَاةِ وَقَدْ جَاءَ مُبَيَّنًا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بَيَّنَهُ شَيْخُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الرَّازِيُّ وَهُوَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ إِمَامُ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ انتهى
قال بن دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْإِمَامِ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ مِنْ رِجَالِ الصَّحِيحَيْنِ وَكَذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَدَّادٍ وَالْحَدِيثُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ انْتَهَى
أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ كَانَتْ تَلِي بَنَاتِ أَخِيهَا يَتَامَى فِي حِجْرِهَا لَهُنَّ الْحُلِيُّ فَلَا تُخْرِجُ مِنْ حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ
وَأَخْرَجَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يُحَلِّي بَنَاتَهُ وَجَوَارِيهِ الذَّهَبَ ثُمَّ لَا يُخْرِجُ مِنْ حُلِيِّهِنَّ الزَّكَاةَ
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ الْحُلِيِّ فَقَالَ لَيْسَ فِيهِ زَكَاةٌ
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دينار قال سمعت بن خَالِدٍ يَسْأَلُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ عَنِ الْحُلِيِّ أَفِيهِ زَكَاةٌ
قَالَ جَابِرٌ لَا فَقَالَ وَإِنْ كَانَ يَبْلُغُ أَلْفَ دِينَارٍ فَقَالَ جَابِرٌ أَكْثَرُ انْتَهَى وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ الْمُنْذِرِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُحَلِّي بَنَاتِهَا الذَّهَبَ وَلَا تُزَكِّيهِ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفٍ
قَالَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ قَالَ الْأَثْرَمُ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ خَمْسَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ كَانُوا لَا يَرَوْنَ فِي الْحُلِيِّ زكاة أنس بن مالك وجابر وبن عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَأَسْمَاءُ انْتَهَى
قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحُلِيِّ فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عمر وبن عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا فِيهِ الزَّكَاةَ وَهُوَ قَوْلُ بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وبن سِيرِينَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَمُجَاهِدٍ وَالزُّهْرِيِّ وَإِلَيْهِ ذهب الثوري وأصحاب الرأي
وروي عن بن عُمَرَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَائِشَةَ وَعَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ
стр. 1362
وَالشَّعْبِيِّ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا فِيهِ زَكَاةً وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ الظَّاهِرُ مِنَ الْكِتَابِ يَشْهَدُ لِقَوْلِ مَنْ أَوْجَبَهَا وَالْأَثَرُ يُؤَيِّدُهُ وَمَنْ أَسْقَطَهَا ذَهَبَ إِلَى النَّظَرِ وَمَعَهُ طَرَفٌ مِنَ الْأَثَرِ وَالِاحْتِيَاطِ أَدَاؤُهَا انْتَهَى
وَفِي سُبُلِ السَّلَامِ وَالْحَدِيثُ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْحِلْيَةِ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا نِصَابَ لَهَا لِأَمْرِهِ ﷺ بِتَزْكِيَةِ هَذِهِ الْمَذْكُورَةِ وَلَا يَكُونُ خَمْسُ أَوَاقِي فِي الْأَغْلَبِ
وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ وُجُوبُ الزَّكَاةِ وَهُوَ مَذْهَبُ جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَأَحَدِ أَقْوَالِ الشَّافِعِيِّ عَمَلًا بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَالثَّانِي لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ أَقْوَالِهِ لِآثَارٍ وَرَدَتْ عَنِ السَّلَفِ قَاضِيَةٍ بِعَدَمِ وُجُوبِهَا فِي الْحِلْيَةِ وَلَكِنْ بَعْدَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ لَا أَثَرَ لِلْآثَارِ وَالثَّالِثُ أَنَّ زَكَاةَ الْحِلْيَةِ عَارِيَتُهَا كَمَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ أَنَسٍ وَأَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ الرَّابِعُ أَنَّهَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ مَرَّةً وَاحِدَةً رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسٍ
وَأَظْهَرُ الْأَقْوَالِ دَلِيلًا وُجُوبُهَا لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَقُوَّتِهِ
وَأَمَّا نِصَابُهَا فَعِنْدَ الْمُوجِبِينَ نِصَابُ النَّقْدَيْنِ وَظَاهِرُ حَدِيثِهَا الْإِطْلَاقُ وَكَأَنَّهُمْ قَيَّدُوهُ بِأَحَادِيثِ النَّقْدَيْنِ وَيُقَوِّي الْوُجُوبَ حَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ انْتَهَى مَا فِي سُبُلِ السَّلَامِ
[١٥٦٦] (سُفْيَانُ) هُوَ الثَّوْرِيُّ (عَنْ عُمَرَ بْنِ يَعْلَى) هُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ الْكُوفِيُّ ضعفه بن مَعِينٍ
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وُجِدَ فِي النسختين وهو من رواية بن داسة
قال الحافظ جمال الْحَافِظُ جَمَالُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فِي كِتَابِ الْمَرَاسِيلِ عُمَرُ بْنُ يَعْلَى وَهُوَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُرَّةَ حَدِيثٌ فِي زَكَاةِ الْخَاتَمِ أَبُو دَاوُدَ فِي الزَّكَاةِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ صَالِحٍ عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عُمَرَ بْنِ يَعْلَى نَحْوُ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ عَنْ عائشة في رواية بن دَاسَةَ انْتَهَى (نَحْوُ حَدِيثِ الْخَاتَمِ) أَيْ نَحْوُ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي زَكَاةِ الْخَاتَمِ (قِيلَ لِسُفْيَانَ) الثَّوْرِيِّ (كَيْفَ تُزَكِّيهِ) أَيْ خَاتَمًا وَاحِدًا مِنْ وَرِقٍ وَهُوَ لَا يَبْلُغُ النِّصَابَ (قَالَ) سُفْيَانُ (تَضُمُّهُ) أَيِ الْخَاتَمَ (إِلَى غَيْرِهِ) مِنَ الْحُلِيِّ فَتُزَكِّي الْخَاتَمَ مَعَ حُلِيٍّ آخَرَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قلت والحديث أخرجه بن الْجَارُودِ فِي الْمُنْتَقَى حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ مِنْ ذَهَبٍ عَظِيمٍ فَقَالَ أَتُؤَدِّي زَكَاةَ هَذَا قَالَ وَمَا
стр. 1363
زَكَاتُهُ قَالَ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ جَمْهَرَةٌ عَظِيمَةٌ
قَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ فِي هَذَا عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَعْلَى الطَّائِفِيِّ انْتَهَى
(بَابٌ فِي زَكَاةِ السَّائِمَةِ)
[١٥٦٧] أَيِ الْمَوَاشِي الَّتِي تَرْعَى فِي الصَّحْرَاءِ وَالْمَرْعَى
(قَالَ أَخَذْتُ مِنْ ثُمَامَةَ) بِضَمِّ الْمُثَلَّثَةِ قَالَ الحافظ بن حَجَرٍ صَرَّحَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ فِي مُسْنَدِهِ بِأَنَّ حَمَّادًا سَمِعَهُ مِنْ ثُمَامَةَ وَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ فَانْتَفَى تَعْلِيلُ مَنْ أَعَلَّهُ بِكَوْنِهِ مُكَاتَبَةً (أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَهُ) أَيْ كِتَابًا (لِأَنَسٍ) لِيَعْمَلَ بِهِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْكِتَابِ (حِينَ بَعَثَهُ) أَيْ أَنَسًا (مُصَدِّقًا) هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ صَدَقَاتِ الْمُسْلِمِينَ أَيْ حِينَ وَجَّهَ أَنَسًا إِلَى الْبَحْرَيْنِ عَامِلًا عَلَى الصَّدَقَةِ (وَكَتَبَهُ) أَيْ كَتَبَ النَّبِيُّ الْكِتَابَ (لَهُ) أَيْ لِأَنَسٍ (فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ) أَيْ أَوْجَبَ أَوْ شَرَعَ أَوْ قَدَّرَ لِأَنَّ إِيجَابَهَا بِالْكِتَابِ إِلَّا أَنَّ التَّحْدِيدَ وَالتَّقْدِيرَ عَرَفْنَاهُ ببيان النبي (الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ) عَطْفٌ عَلَى الَّتِي عَطْفَ تفسير أي الصدقة التي (فمن سألها) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ طُلِبَهَا (عَلَى وَجْهِهَا) حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ الثَّانِي فِي سُئِلَهَا أَيْ كَائِنَةً عَلَى الْوَجْهِ الْمَشْرُوعِ بِلَا تَعَدٍّ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ حَسَبَ مَا بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ مَقَادِيرِهَا (فَلْيُعْطِهَا) أَيِ الصَّدَقَةَ (وَمَنْ سُئِلَ فَوْقَهَا فَلَا يُعْطِهِ) يُتَنَاوَلُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدِهِمَا أَنْ لَا يُعْطِيَ الزِّيَادَةَ عَلَى الْوَاجِبِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ لَا يُعْطِيَ شَيْئًا مِنْهَا لِأَنَّ السَّاعِيَ إِذَا طَلَبَ فَوْقَ الْوَاجِبِ كَانَ خَائِنًا فَإِذَا ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُ سَقَطَتْ طَاعَتُهُ
وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ وَالْحَاكِمَ إِذَا ظَهَرَ فِسْقُهُمَا بَطَلَ حُكْمُهُمَا
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إِخْرَاجِ الْمَرْءِ صَدَقَةَ أَمْوَالِهِ الظَّاهِرَةَ بِنَفْسِهِ دُونَ الْإِمَامِ
وَفِي الْحَدِيثِ بَيَانُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ فِي الْأَوْقَاصِ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْفَرِيضَتَيْنِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الْإِبِلَ إِذَا زَادَتْ عَلَى عِشْرِينَ وَمِائَةٍ لَمْ يَسْتَأْنِفْ لَهَا الْفَرِيضَةَ لِأَنَّهُ عَلَّقَ بِغَيْرِ الْفَرْضِ كَالْوَاحِدَةِ بَعْدَ الْخَمْسَةِ وَالثَّلَاثِينَ وَبَعْدَ الْخَمْسَةِ وَالْأَرْبَعِينَ وَبَعْدَ كَمَالِ السِّتِّينَ قَالَهُ الخطابي (في
стр. 1364
كُلِّ خَمْسِ ذَوْدٍ) بِإِضَافَةِ خَمْسٍ إِلَى ذَوْدٍ أَيْ إِبِلٍ وَتَقَدَّمَ مَعْنَاهُ (فَفِيهَا بِنْتُ مَخَاضٍ) وَهِيَ الَّتِي مَضَى عَلَيْهَا سِنةٌ وَطَعَنَتْ فِي الثَّانِيَةِ وَحَمَلَتْ أُمُّهَا
وَالْمَخَاضُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْمُعْجَمَةِ الْمُخَفَّفَةِ الْحَامِلُ أَيْ دَخَلَ وَقْتُ حَمْلِهَا وَإِنْ لَمْ تَحْمِلْ (فَابْنُ لَبُونٍ ذَكَرٌ) هُوَ الَّذِي دَخَلَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ
وَقَوْلُهُ ذَكَرٌ تَأْكِيدٌ لقوله بن لَبُونِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْعُدُولِ إِلَى بن اللَّبُونِ عِنْدَ عَدَمِ بِنْتِ الْمَخَاضِ (فَفِيهَا بِنْتُ لَبُونٍ) وَهِيَ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا حَوْلَانِ وَصَارَتْ أُمُّهَا لَبُونًا بِوَضْعِ الْحَمْلِ (فَفِيهَا حِقَّةٌ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْقَافِ هِيَ الَّتِي أَتَتْ عَلَيْهَا ثَلَاثُ سِنِينَ وَطَعَنَتْ فِي الرَّابِعَةِ (طَرُوقَةُ الْفَحْلِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ مَطْرُوقَةٌ كَحَلُوبَةٍ بِمَعْنَى مَحْلُوبَةٍ وَالْمُرَادُ أَنَّهَا بَلَغَتْ أَنْ يَطْرُقَهَا الْفَحْلُ وَهِيَ الَّتِي أَتَتْ عَلَيْهَا ثَلَاثُ سِنِينَ وَدَخَلَتْ فِي الرَّابِعَةِ (فَفِيهَا جَذَعَةٌ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ الَّتِي أَتَى عَلَيْهَا أَرْبَعُ سِنِينَ وَطَعَنَتْ فِي الْخَامِسَةِ (فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ) أَيْ إِذَا زَادَ يُجْعَلُ الْكُلُّ عَلَى عَدَدِ الْأَرْبَعِينَاتِ وَالْخَمْسِينَاتِ مَثَلًا إِذَا زَادَ وَاحِدٌ عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ يُعْتَبَرُ الْكُلُّ ثَلَاثَ أَرْبَعِينَاتٍ وَوَاحِدٌ وَالْوَاحِدُ لَا شَيْءَ فِيهِ وَثَلَاثُ أَرْبَعِينَاتٍ فِيهَا ثَلَاثُ بَنَاتِ لَبُونٍ إِلَى ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ وَفِي ثلاثين ومائة حقة لخمسين وبنتا لبون لأربعينين وَهَكَذَا وَلَا يَظْهَرُ التَّغَيُّرُ إِلَّا عِنْدَ زِيَادَةِ عَشْرٍ (فَإِذَا تَبَايَنَ) أَيِ اخْتَلَفَ الْأَسْنَانُ فِي بَابِ الْفَرِيضَةِ بِأَنْ يَكُونَ الْمَفْرُوضُ سِنًّا وَالْمَوْجُودُ عِنْدَ صَاحِبِ الْمَالِ سِنًّا آخَرَ (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ)
وَالْمُرَادُ أَنَّ الْحِقَّةَ تُقْبَلُ مَوْضِعَ الْجَذَعَةِ مَعَ شَاتَيْنِ أَوْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَحَمَلَهُ بَعْضٌ عَلَى أَنَّ ذَاكَ تَفَاوُتُ قِيمَةِ مَا بَيْنَ الْجَذَعَةِ وَالْحِقَّةِ فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ فَالْوَاجِبُ هُوَ تَفَاوُتُ الْقِيمَةِ لَا تَعْيِينُ ذَلِكَ فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ أَدَاءِ الْقِيَمِ فِي الزَّكَاةِ وَالْأَكْثَرُ عَلَى تَعْيِينِ ذَلِكَ الْقَدْرِ بِرِضَا صَاحِبِ الْمَالِ وَإِلَّا فَلْيَطْلُبِ السِّنَّ الْوَاجِبَ وَلَمْ يُجَوِّزُوا الْقِيمَةَ (اسْتَيْسَرَتَا لَهُ) أَيْ كَانَتَا مَوْجُودَتَيْنِ فِي
стр. 1365
مَاشِيَتِهِ مَثَلًا (وَلَيْسَتْ عِنْدَهُ) أَيْ صَاحِبِ الْمَالِ (فَإِنَّهَا تُقْبَلُ) مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ (مِنْهُ) أَيْ صَاحِبِ الْمَالِ (وَيُعْطِيهِ الْمُصَدِّقَ) أَصْلُهُ الْمُتَصَدِّقُ أَيِ الْعَامِلُ عَلَى أَخْذِ الصَّدَقَاتِ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ وَكَسْرِ الدَّالِ أَيِ الْعَامِلُ عَلَى أَخْذِ الصَّدَقَاتِ مِنْ أَرْبَابِهَا وهو المراد ها هنا يُقَالُ صَدَقَهُمْ يُصْدِقُهُمْ فَهُوَ مُصْدِقٌ وَأَمَّا الْمُصَّدِّقُ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ وَالدَّالِ مَعًا وَكَسْرِ الدَّالِ فَهُوَ صَاحِبُ الْمَاشِيَةِ وَأَصْلُهُ الْمُتَصَدِّقُ (عِشْرِينَ دِرْهَمًا أَوْ شَاتَيْنِ) أَوْ لِلتَّخْيِيرِ أَيْ فِيهِ خَيَارٌ لِلْمُصَدِّقِ أَيْ إِنْ شَاءَ أَعْطَى عِشْرِينَ دِرْهَمًا وَإِنْ شاء أعطى شاتين (إلى ها هنا) أَيْ لَمْ أَضْبِطْ هَذَا الْقَدْرَ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَيَجْعَلُ مَعَهَا شَاتَيْنِ إِلَى قَوْلِهِ إِلَّا حِقَّةٌ فَإِنَّهَا تُقْبَلُ مِنْهُ ثُمَّ أَتْقَنْتُ الْبَاقِيَ مِنَ الْحَدِيثِ كَمَا أَحَبَّ (فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ) أَيْ بَدَلًا مِنْ بِنْتِ مَخَاضٍ قَهْرًا عَلَى السَّاعِي (وَلَيْسَ معه شيء) أي لا يلزمه مع بن لَبُونٍ شَيْءٌ آخَرُ مِنَ الْجُبْرَانِ
قَالَ الطِّيبِيُّ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فَضِيلَةَ الْأُنُوثَةِ تُجْبَرُ بِفَضْلِ السِّنِّ (إِلَّا أَرْبَعٌ) مِنَ الْإِبِلِ (فَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ) لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغِ النِّصَابَ (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) فَيَخْرُجُ عَنْهَا نَفْلًا مِنْهُ وَإِلَّا وَاجِبٌ عَلَيْهِ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ ذُكِرَ لِدَفْعِ تَوَهُّمٍ نَشَأَ مِنْ قَوْلِهِ لَيْسَ فِيهَا صَدَقَةٌ أَنَّ الْمَنْفِيَّ مُطْلَقُ الصَّدَقَةِ لِاحْتِمَالِ اللَّفْظِ لَهُ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ فَهَذِهِ صَدَقَةُ الْإِبِلِ الْوَاجِبَةُ فُصِّلَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَظَاهِرُهُ وُجُوبُ أَعْيَانِ مَا ذَكَرَ إِلَّا أَنَّهُ مَنْ لَمْ يَجِدِ الْعَيْنَ الْوَاجِبَةَ أَجْزَأَهُ غَيْرُهَا (وَفِي سَائِمَةِ الْغَنَمِ) سُمِّيَتْ بِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ آلَةُ الدِّفَاعِ فَكَانَتْ غَنِيمَةً لِكُلِّ طَالِبٍ ثُمَّ الضَّأْنُ وَالْمَاعِزُ سَوَاءٌ فِي الْحُكْمِ
وَالسَّائِمَةُ هِيَ الَّتِي تَرْعَى فِي أَكْثَرِ السَّنَةِ
قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزَّكَاةَ إِنَّمَا تَجِبُ فِي الْغَنَمِ إِذَا كَانَتْ سَائِمَةً فأما
стр. 1366
الْمَعْلُوفَةُ فَلَا زَكَاةَ فِيهَا وَلِذَلِكَ لَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي عَوَامِلِ الْبَقَرِ وَالْإِبِلِ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنْ كَانَتْ سَائِمَةً وَأَوْجَبَهَا مَالِكٌ فِي عَوَامِلِ الْبَقَرِ وَنَوَاضِحِ الْإِبِلِ انْتَهَى (فَإِذَا زَادَتْ) وَلَوْ وَاحِدَةً كَمَا فِي كِتَابِ عَمْروِ بْنِ حَزْمٍ (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى مِائَتَيْنِ) وَلَوْ وَاحِدَةً (فَإِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِ مِائَةٍ فَفِي كُلِّ مِائَةِ شَاةٍ شَاةٌ) فِي النَّيْلِ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا تَجِبُ الشَّاةُ الرَّابِعَةُ حَتَّى تَفِيَ أَرْبَعَ مِائَةٍ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ وَبَعْضِ الْكُوفِيِّينَ إِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ وَاحِدَةٍ وَجَبَتِ الْأَرْبَعُ انْتَهَى
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَعْنَاهُ أَنْ تَزِيدَ مِائَةً أُخْرَى فَتَصِيرَ أَرْبَعَمِائَةٍ فَيَجِبُ أَرْبَعُ شِيَاهٍ وَهُوَ قَوْلُ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ
وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ إِذَا زَادَتْ عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ وَاحِدَةٍ فَفِيهَا أَرْبَعُ شِيَاهٍ انْتَهَى
(هَرِمَةٌ) بِفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ هِيَ الْكَبِيرَةُ الَّتِي سَقَطَتْ أَسْنَانُهَا (وَلَا ذَاتُ عَوَارٍ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّهَا أَيْ مَعِيبَةٍ وَقِيلَ بِالْفَتْحِ الْعَيْبُ وَبِالضَّمِّ الْعَوَرُ (وَلَا تَيْسُ الْغَنَمِ) بِتَاءٍ فَوْقِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ ثُمَّ الْيَاءِ التَّحْتَانِيَّةِ وَهُوَ فَحْلُ الْغَنَمِ (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ الْمُصَدِّقُ) اخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهُ بِالتَّشْدِيدِ وَالْمُرَادُ الْمَالِكُ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي عُبَيْدٍ
وَتَقْدِيرُ الْحَدِيثِ لَا تُؤْخَذُ هَرِمَةٌ وَلَا ذَاتُ عَيْبٍ أَصْلًا وَلَا يُؤْخَذُ التَّيْسُ وَهُوَ فَحْلُ الْغَنَمِ إِلَّا بِرِضَا الْمَالِكِ لِكَوْنِهِ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ فَفِي أَخْذِهِ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ إِضْرَارٌ بِهِ وَعَلَى هَذَا فَالِاسْتِثْنَاءُ مُخْتَصٌّ بِالثَّالِثِ
وَمِنْهُمْ مَنْ ضَبَطَهُ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ وَهُوَ السَّاعِي وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إِلَى التَّفْوِيضِ إِلَيْهِ فِي اجْتِهَادِهِ لِكَوْنِهِ يَجْرِي مَجْرَى الْوَكِيلِ فَلَا يَتَصَرَّفُ بِغَيْرِ الْمَصْلَحَةِ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَلَفْظُهُ وَلَا تُؤْخَذُ ذَاتُ عَوَارٍ وَلَا تَيْسٌ وَلَا هَرِمَةٌ إِلَّا أَنْ يَرَى الْمُصَدِّقُ أَنَّ ذَلِكَ أَفْضَلُ لِلْمَسَاكِينِ فَيَأْخُذُ عَلَى النَّظَرِ لَهُمْ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي (وَلَا يَجْمَعْ بَيْنَ مُفْتَرَقٍ إِلَخْ) قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ مَعْنَى هَذَا أَنْ يَكُونَ النَّفَرُ الثَّلَاثَةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَرْبَعُونَ شَاةً وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ فَيَجْمَعُونَهَا حَتَّى لَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ كُلِّهِمْ إِلَّا شَاةً وَاحِدَةً أَوْ يَكُونَ لِلْخَلِيطَيْنِ مِائَتَا شَاةٍ وَشَاةٌ فَيَكُونُ عَلَيْهِمَا فِيهَا ثَلَاثُ شِيَاهٍ فَيُفَرِّقُونَهَا حَتَّى لَا يَكُونَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا شَاةً وَاحِدَةً
قَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ خِطَابٌ لِلْمَالِكِ مِنْ جِهَةٍ وَلِلسَّاعِي مِنْ جِهَةٍ فَأَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ أَنْ لَا يُحْدِثَ شَيْئًا من الجمع والتفريق خشية الصدقة قرب الْمَالِ يَخْشَى أَنْ تَكْثُرَ الصَّدَقَةُ فَيَجْمَعُ أَوْ يُفَرِّقُ لِتَقِلَّ وَالسَّاعِي يَخْشَى أَنْ تَقِلَّ الصَّدَقَةُ فَيَجْمَعُ أَوْ يُفَرِّقُ لِتَكْثُرَ
فَمَعْنَى قَوْلِهِ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ أَيْ خَشْيَةَ أَنْ تَكْثُرَ الصَّدَقَةُ أَوْ خَشْيَةَ أَنْ تَقِلَّ الصَّدَقَةُ فَلَمَّا كَانَ مُحْتَمِلًا
стр. 1367
لِلْأَمْرَيْنِ لَمْ يَكُنِ الْحَمْلُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِأَوْلَى مِنَ الْآخَرِ فَحَمَلَ عَلَيْهِمَا مَعًا لَكِنَّ الْأَظْهَرَ حَمْلُهُ عَلَى الْمَالِكِ
ذَكَرَهُ فِي فَتْحِ الْبَارِي (وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ) أَيْ شَرِيكَيْنِ (فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فَمَعْنَاهُ أَنْ يَكُونَا شَرِيكَيْنِ فِي الْإِبِلِ يَجِبُ فِيهَا الْغَنَمُ فَتُوجَدُ الْإِبِلُ فِي أَيْدِي أَحَدِهِمَا فَتُؤْخَذُ مِنْهُ صَدَقَتُهَا فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِحِصَّتِهِ عَلَى السَّوِيَّةِ
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ السَّاعِيَ إِذَا ظَلَمَ فَأَخَذَ زِيَادَةً عَلَى فَرْضِهِ فَإِنَّهُ لَا يَرْجَعُ بِهَا عَلَى شَرِيكِهِ وَإِنَّمَا يَغْرَمُ لَهُ قِيمَةَ مَا يَخُصُّهُ مِنَ الْوَاجِبِ دُونَ الزِّيَادَةِ الَّتِي هِيَ ظُلْمٌ وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ بِالسَّوِيَّةِ
وَقَدْ يَكُونُ تَرَاجُعُهَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ أَرْبَعُونَ شَاةً لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِشْرُونَ قَدْ عَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَيْنَ مَالِهِ فَيَأْخُذُ الْمُصَدِّقُ مِنْ نُصِيبِ أَحَدِهِمَا شَاةً فَيَرْجِعُ الْمَأْخُوذُ مِنْ مَالِهِ عَلَى شَرِيكِهِ بِقِيمَةِ نِصْفِ شَاتِهِ
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخُلْطَةَ تَصِحُّ مَعَ تَعَيُّنِ أَعْيَانِ الْأَمْوَالِ
وقد روي عن عطاء وطاووس أَنَّهُمَا قَالَا إِذَا عَرَفَ الْخَلِيطَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا أَمْوَالَهُمَا فَلَيْسَا بِخَلِيطَيْنِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ فِي شَرْطِ الْخَلِيطَةِ
فَقَالَ مَالِكٌ إِذَا كَانَ الرَّاعِي وَالْمَرَاحُ وَالْفَحْلُ وَاحِدًا فَهُمَا خَلِيطَانِ وَكَذَلِكَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ
وَقَالَ مَالِكٌ فَإِنْ فَرَّقَهُمَا الْمَبِيتُ هَذِهِ فِي قَرْيَةٍ وَهَذِهِ فِي قَرْيَةٍ فَهُمَا خَلِيطَانِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَرَاحِ فَلَيْسَا بِخَلِيطَةٍ وَاشْتَرَطَ فِي الْخُلْطَةِ الْمَرَاحَ وَالْمَسْرَحَ وَالسَّقْيَ وَاخْتِلَاطَ الْفُحُولَةِ وَقَالَ إِذَا افْتَرَقَا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ فَلَيْسَا بِخَلِيطَيْنِ إِلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ لَا يَكُونَانِ خَلِيطَيْنِ حَتَّى يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَمَامُ النصاب
وعند الشافعي إذا تم مالهما نصاب فَهُمَا خَلِيطَانِ وَإِنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا شَاةٌ وَاحِدَةٌ (إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا) أَيْ فَيُعْطِي شَيْئًا تَطَوُّعًا (وَفِي الرِّقَةِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْقَافِ الفضة الخالصة مضروبة كانت أولا أَصْلُهُ وَرِقٌ وَهُوَ الْفِضَّةُ حَذَفَ مِنْهُ الْوَاوَ وَعَوَّضَ عَنْهَا التَّاءَ كَمَا فِي عِدَةٍ وَدِيَةٍ (رُبْعُ الْعُشْرِ) بِضَمِّ الْأَوَّلِ وَسُكُونِ الثَّانِي وَضَمِّهِمَا فِيهِمَا يَعْنِي إِذَا كَانَتِ الْفِضَّةُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَرُبْعُ الْعُشْرِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ (إِلَّا تِسْعِينَ وَمِائَةً) مِنَ الدَّرَاهِمِ
وَالْمَعْنَى إِذَا كَانَتِ الْفِضَّةُ نَاقِصَةً عَنْ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ
قَالَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ثُمَّ ذَكَرَ عِبَارَة الْمُنْذِرِيِّ بِنَصِّهَا إِلَى قَوْل الشَّافِعِيّ وَبِهِ نَأْخُذ
стр. 1368
المنذري أخرجه النسائي وأخرجه البخاري وبن مَاجَهْ
[١٥٦٨] (مَخَافَةَ الصَّدَقَةِ) مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لَهُ وَقَدْ تَنَازَعَ فِيهِ الْفِعْلَانِ يَجْمَعُ وَيُفَرِّقُ وَالْمَخَافَةُ مَخَافَتَانِ مَخَافَةُ السَّاعِي أَنْ تَقِلَّ الصَّدَقَةُ وَمَخَافَةُ رَبِّ الْمَالِ أَنْ تَكْثُرَ الصَّدَقَةُ فَأَمَرَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ لَا يُحْدِثَ شَيْئًا مِنَ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ التَّقْدِيرَ مَخَافَةَ وُجُوبِ الصَّدَقَةِ أَوْ كَثْرَتِهَا إِنْ رَجَعَ لِلْمَالِكِ وَمَخَافَةَ سُقُوطِ الصَّدَقَةِ أَوْ قِلَّتِهَا إِنْ رَجَعَ إِلَى السَّاعِي
قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ النَّهْيُ لِلسَّاعِي عَنْ جَمْعِ الْمُتَفَرِّقَةِ مِثْلُ أَنْ يَجْمَعَ أَرْبَعِينَ شَاةً لِرَجُلَيْنِ لِأَخْذِ الصَّدَقَةِ وَتَفْرِيقِ الْمُجْتَمِعَةِ مِثْلُ أَنْ يُفَرِّقَ مِائَةً وَعِشْرِينَ لِرَجُلٍ أَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ لِيَأْخُذَ ثَلَاثَ شِيَاهٍ
وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ
وَالنَّهْيُ لِلْمَالِكِ أَنْ يَجْمَعَ أَرْبَعِينَهُ مَثَلًا إِلَى أَرْبَعِينَ لِغَيْرِهِ لِتَقْلِيلِ الصَّدَقَةِ وَأَنْ يُفَرِّقَ عِشْرِينَ لَهُ مَخْلُوطَةً بِعِشْرِينَ لِغَيْرِهِ لِسُقُوطِهَا وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ
وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ هَذَا نَهْيٌ لِلْمَالِكِ وَالسَّاعِي جَمِيعًا نَهْي رَبَّ الْمَالِ عَنِ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ قَصْدًا إِلَى تَكْثِيرِ الصَّدَقَةِ
قَالَ الطِّيبِيُّ وَيَتَأَتَّى هَذَا فِي صُوَرٍ أَرْبَعٍ أَشَارَ إِلَيْهَا الْقَاضِي بِقَوْلِهِ الظَّاهِرِ أَنَّهُ نَهْي لِلْمَالِكِ
стр. 1369
عَنِ الْجَمْعِ وَالتَّفْرِيقِ قَصْدًا إِلَى سُقُوطِ الزَّكَاةِ أَوْ تَقْلِيلِهَا
كَمَا إِذَا كَانَ لَهُ أَرْبَعُونَ شَاةً فَيَخْلِطُهَا بِأَرْبَعِينَ لِغَيْرِهِ لِيَعُودَ وَاجِبُهُ مِنْ شَاةٍ إِلَى نِصْفِهَا وَكَمَا إِذَا كَانَ لَهُ عِشْرُونَ مَخْلُوطَةٌ بِمِثْلِهَا فَفَرَّقَهَا لِئَلَّا يَكُونَ نِصَابًا فَلَا يَجِبُ شَيْءٌ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ نُهِيَ السَّاعِي أَنْ يُفَرِّقَ الْمَوَاشِي عَلَى الْمَالِكِ فَيَزِيدَ الْوَاجِبُ كَمَا إِذَا كَانَ لَهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ شَاةً وَوَاجِبُهَا شَاةٌ فَفَرَّقَهَا السَّاعِي أَرْبَعِينَ أَرْبَعِينَ لِيَأْخُذَ ثَلَاثَ شِيَاهٍ وَأَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ لِتَجِبَ فِيهِ الزَّكَاةُ أَوْ تَزِيدَ كَمَا إِذَا كَانَ لِرَجُلَيْنِ أَرْبَعُونَ شَاةً متفرقة فجمعها الساعي ليأخذ شاة أو كان لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةٌ وَعِشْرُونَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا لِيَصِيرَ الْوَاجِبُ ثَلَاثَ شِيَاهٍ وَهُوَ قَوْلُ مَنْ لَمْ يَعْتَبِرِ الْخُلْطَةَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهَا تَأْثِيرًا كَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ وَمَا كَانَ مِنْ خَلِيطَيْنِ فَإِنَّهُمَا يَتَرَاجَعَانِ بَيْنَهُمَا بِالسَّوِيَّةِ يُعَضِّدُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ وَقَوْلُهُ بِالسَّوِيَّةِ أَيْ بِالْعَدَالَةِ بِمُقْتَضَى الْحِصَّةِ فَيَشْمَلُ أَنْوَاعَ المشاركة
قال بن الْمَلَكِ مِثْلُ أَنْ كَانَ بَيْنَهُمَا خَمْسُ إِبِلٍ فَأَخَذَ السَّاعِي وَهِيَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا شَاةٌ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِقِيمَةِ حِصَّتِهِ عَلَى السَّوِيَّةِ وَبَاقِي بَيَانِهِ تَقَدَّمَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الترمذي وبن مَاجَهْ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَدْ رَوَى يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يَرْفَعْهُ وَإِنَّمَا رَفَعَهُ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ هَذَا كَلَامُهُ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ وَاسْتَشْهَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ إِلَّا أَنَّ حَدِيثَهُ عَنِ الزُّهْرِيِّ فِيهِ مَقَالٌ وَقَدْ تَابَعَ سُفْيَانَ بْنَ حُسَيْنٍ عَلَى رَفْعِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ وَهُوَ مِمَّنِ اتَّفَقَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِحَدِيثِهِ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْعِلَلِ سَأَلْتُ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ صَدُوقٌ (وَلَمْ يَذْكُرِ الزُّهْرِيُّ الْبَقَرَ) أَيْ تَقْسِيمَ الْبَقَرِ أَثْلَاثًا كَمَا ذَكَرَ فِي الشَّاةِ
[١٥٦٩] (بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ) أَيْ بِإِسْنَادِ عَبَّادِ بْنِ الْعَوَّامِ وَمَعْنَى حَدِيثِهِ إِلَّا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَزِيدَ الْوَاسِطِيَّ زَادَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِي رِوَايَتِهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنِ ابْنَةُ مَخَاضٍ فَابْنُ لَبُونٍ وَلَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي رِوَايَةِ عَبَّادٍ عَنْ سُفْيَانَ (وَلَمْ يَذْكُرْ) مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الْوَاسِطِيُّ (كَلَامَ الزُّهْرِيِّ) مِنْ تَقْسِيمِ الشاء أَثْلَاثًا كَمَا ذَكَرَهُ عَبَّادٌ عَنْ سُفْيَانَ وَاللَّهُ أعلم
стр. 1370
[١٥٧٠] (الَّذِي كَتَبَهُ) أَيِ الْكِتَابَ (فِي الصَّدَقَةِ وَهِيَ) أَيِ النُّسْخَةُ (فَوَعَيْتُهَا) أَيْ حَفِظْتُ النُّسْخَةَ (وَهِيَ) أَيِ النُّسْخَةُ (فَذَكَرَ) أَيِ الزُّهْرِيُّ (الْحَدِيثَ) مِثْلَ حَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ (فَفِيهَا بِنْتَا لَبُونٍ وَحِقَّةٌ) الْحِقَّةُ عَنْ خَمْسِينَ وَبِنْتَا اللَّبُونِ عَنْ ثَمَانِينَ وَكَذَلِكَ إِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَأَرْبَعِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ عَنْ مِائَةٍ وَبِنْتِ لَبُونٍ عَنْ أَرْبَعِينَ وَإِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَخَمْسِينَ فَفِيهِ ثَلَاثُ حِقَاقٍ عَنْ كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ وَإِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَسِتِّينَ فَفِيهَا أَرْبَعُ بَنَاتِ لَبُونٍ عَنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ وَاحِدَةٌ وَإِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَسَبْعِينَ فَفِيهَا ثلاث بنات لبون عن مائة وعشرين حقة عَنْ خَمْسِينَ وَإِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَثَمَانِينَ فَفِيهَا حِقَّتَانِ عَنْ مِائَةٍ وَابْنَتَا لَبُونٍ عَنْ ثَمَانِينَ وَإِذَا بَلَغَتْ مِائَةً وَتِسْعِينَ فَفِيهَا ثَلَاثُ حِقَاقٍ عَنْ مِائَةٍ وَخَمْسِينَ وَبِنْتُ لَبُونٍ عَنْ أَرْبَعِينَ وَإِذَا بَلَغَتْ مِائَتَيْنِ فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ عَنْ كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لَبُونٍ عَنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ وَاحِدَةٌ وَهَذَا لَا يُخَالِفُ مَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِيهِ فَفِي كُلِّ أَرْبَعِينَ بِنْتُ لَبُونٍ وَفِي كُلِّ خَمْسِينَ حِقَّةٌ مَعْنَاهُ مِثْلُ هَذَا لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ إِلَّا أَنَّهُ مُجْمَلٌ وَهَذَا مُفَصَّلٌ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ هَذِهِ عَنْ سَالِمٍ مُرْسَلَةٌ (ثَلَاثُ حِقَاقٍ) جَمْعُ حِقَّةٍ (فَفِيهَا أَرْبَعُ حِقَاقٍ أَوْ خَمْسُ بَنَاتِ لبون) أو ها هنا لِلتَّخْيِيرِ لِتَوَافُقِ حِسَابِ الْأَرْبَعِينَاتِ
следующие страницы →