← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 5760

عون المعبود وحاشية ابن القيم

العظيم آبادي، شرف الحق

Полный текст (4 665 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

كَنَفَرٍ وَرَهْطٍ وَالرَّاكِبُ فِي الْأَصْلِ هُوَ رَاكِبُ الْإِبِلِ خَاصَّةً ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَأُطْلِقَ عَلَى كُلِّ مَنْ رَكِبَ دَابَّةً انْتَهَى وَيَجِيءُ تَحْقِيقُ الْحَدِيثِ فِي آخِرِ الْبَابِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بن شريك التيمي وأخرجه النسائي وبن ماجه [١٨٠٨] (قلت يارسول اللَّهِ فَسْخُ الْحَجِّ لَنَا خَاصَّةً أَوْ لِمَنْ بَعْدَنَا قَالَ بَلْ لَكُمْ خَاصَّةً) قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ قِيلَ إِنَّ الْفَسْخَ إِنَّمَا وَقَعَ إِلَى الْعُمْرَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُحَرِّمُونَ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَا يَسْتَبِيحُونَهَا فِيهَا فَفَسَخَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْحَجَّ عَلَيْهِمْ وَأَمَرَهُمْ بِالْعُمْرَةِ فِي زَمَانِ الْحَجِّ لِيَزُولُوا عَنْ شُبَهِ الْجَاهِلِيَّةِ وَلِيَتَمَسَّكُوا بِمَا تَبَيَّنَ لَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَقَدْ بَيَّنَ ﷺ أَنَّهُ لَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ أَنْ يَفْسَخَهُ وَقَدِ اتَّفَقَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا فَسَدَ حَجُّهُ مَضَى فِيهِ مَعَ الْفَسَادِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَنْ أَهَلَّ بِحَجَّتَيْنِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ وَمِنْ حُجَّتِهِمْ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْمُضِيَّ فِيهَا لَا يَلْزَمُ وَأَنَّ فِعْلَهُ لَمْ يَصِحَّ بِالْإِجْمَاعِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ يَرْفُضُ أَحَدَهُمَا إِلَى قَابِلٍ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي مَعْنَى الْفَسْخِ وَقَدْ أَخْبَرَ ﷺ أَنَّ فَسْخَ الْحَجِّ كَانَ لَهُمْ خَاصًّا دُونَ مَنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَلْزَمُهُ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ مِنْ عَامِهِ وَيُهْرِيقُ دَمًا وَيَحُجُّ مِنْ قَابِلٍ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ يَصِيرُ قَارِنًا وَعَلَيْهِ دَمٌ وَلَا يَلْزَمُهُ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ شَيْءٌ مِنْ عُمْرَةٍ وَلَا دَمٍ وَلَا قَضَاءٍ مِنْ قَابِلٍ انْتَهَى ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] فِيهِ عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَقَدْ حَمَلَهُ طَائِفَة عَلَى أَنَّ الَّذِي اِخْتَصَّ بِهِ هُوَ وُجُوب الْفَسْخ عَلَيْهِمْ حَتْمًا وَأَمَّا غَيْرهمْ فَيُسْتَحَبّ لَهُ ذَلِكَ هَذَا إِنْ كَانَ مُرَاده مُتْعَة الْفَسْخ وَإِنْ كَانَ الْمُرَاد مُطْلَق الْمُتْعَة فَهُوَ خِلَاف الْإِجْمَاع وَالسُّنَّة الْمُتَوَاتِرَة والله أعلم قال الحافظ شمس الدين بن الْقَيِّم ﵀ وَقَدْ قَالَ عَبْد اللَّه بْن أَحْمَد سَأَلْت أَبِي عَنْ حَدِيث بِلَال بن الحرث الْمُزَنِيِّ فِي فَسْخ الْحَجّ فَقَالَ لَا أَقُول بِهِ وَلَيْسَ إِسْنَاده بِالْمَعْرُوفِ وَلَمْ يَرْوِهِ إِلَّا الدَّرَاوَرْدِيّ وَحْده وَقَالَ عَبْد الْحَقّ الصَّحِيح فِي هَذَا قَوْل أَبِي ذَرّ غَيْر الْمَرْفُوع إِلَى النبي ﷺ وقال بن القطان فيه الحرث بن بلال عن أبيه بلال بن الحرث والحرث بْن بِلَال لَا يُعْرَف حَاله

стр. 1577

قُلْتُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ حَدِيثُ بِلَالٍ أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِيهِ وَتَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ عَنْهُ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَالْحَارِثُ بْنُ بِلَالٍ شِبْهُ الْمَجْهُولِ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ بِلَالٍ هَذَا إِنَّهُ لَا يَثْبُتُ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فِي ذَلِكَ صَحِيحٌ انْتَهَى وَفِي الْمُنْتَقَى قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثُ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ عِنْدِي لَيْسَ بِثَبَتٍ وَلَا أَقُولُ بِهِ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا الرَّجُلُ يَعْنِي الْحَارِثَ بْنَ بِلَالٍ وَقَالَ أَرَأَيْتَ لَوْ عُرِفَ الْحَارِثُ بْنُ بِلَالٍ إِلَّا أَنَّ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْوُونَ مَا يَرْوُونَ مِنَ الْفَسْخِ فَأَيْنَ يَقَعُ الْحَارِثُ بْنُ بِلَالٍ مِنْهُمْ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ لَيْسَ يَصِحُّ حَدِيثٌ فِي أَنَّ الْفَسْخَ كَانَ لَهُمْ خَاصَّةً وَهَذَا أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يُفْتِي بِهِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَشَطْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَيَشْهَدُ لِمَا قَالَهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ بَلْ هِيَ لِلْأَبَدِ وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ مَوْقُوفٌ وَقَدْ خَالَفَهُ أبو موسى وبن عباس وغيرهما انتهى وقال بن الْقَيِّمِ فِي زَادِ الْمَعَادِ نَحْنُ نَشْهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ حَدِيثَ بِلَالِ بْنِ الْحَارِثِ لَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ غَلَطٌ عَلَيْهِ قَالَ ثُمَّ كَيْفَ يَكُونُ هَذَا ثَابِتًا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وبن عَبَّاسٍ يُفْتِي بِخِلَافِهِ وَيُنَاظِرُ عَلَيْهِ طُولَ عُمُرِهِ بِمَشْهَدٍ مِنَ الْخَاصِّ وَالْعَامِّ وَأَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مُتَوَافِرُونَ وَلَا يَقُولُ لَهُ رَجُلٌ وَاحِدٌ مِنْهُمْ هَذَا كَانَ مُخْتَصًّا بِنَا لَيْسَ لِغَيْرِنَا انْتَهَى وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ مِثْلُ قَوْلِ أَبِي ذَرٍّ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالصَّحَابَةِ وَلَكِنَّهُمَا جَمِيعًا مُخَالِفَانِ لِلْمَرْوِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّ ذَلِكَ لِلْأَبَدِ بِمَحْضِ الرَّأْيِ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ مِنْ أَنَّ الْمُتْعَةَ فِي الْحَجِّ كَانَتْ لَهُمْ خَاصَّةً فَيَرُدُّهُ إِجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَوَازِهَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمِنْ جُمْلَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ الْمَانِعُونَ مِنَ الْفَسْخِ أَنَّ مِثْلَ مَا قَالَهُ عُثْمَانُ وَأَبُو ذَرٍّ لَا يُقَالُ بِالرَّأْيِ وَيُجَابُ بِأَنَّ هَذَا مِنْ مَوَاطِنِ الِاجْتِهَادِ وَمِمَّا لِلرَّأْيِ فِيهِ مَدْخَلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَنَزَلَ الْقِرَآنُ فَقَالَ رَجُلٌ بِرَأْيِهِ مَا شَاءَ فَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْ عِمْرَانَ أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّمَتُّعِ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ مِنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ مَحْضِ الرَّأْيِ فَكَمَا أَنَّ الْمَنْعَ مِنَ التَّمَتُّعِ عَلَى الْعُمُومِ مِنْ قَبِيلِ الرَّأْيِ كَذَلِكَ دَعْوَى اخْتِصَاصِ التَّمَتُّعِ الْخَاصِّ أَعْنِي بِهِ الْفَسْخَ بِجَمَاعَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَقَدْ أطال الكلام بن الْقَيِّمِ فِي ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

стр. 1578

٢٦ - (بَاب الرَّجُلِ يَحُجُّ عَنْ غَيْرِهِ) [١٨٠٩] (امْرَأَةٌ مِنْ خَثْعَمَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَفْتُوحَةً فَمُثَلَّثَةٍ سَاكِنَةٍ فَعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ وَوَزْنِ الْفِعْلِ أَوِ التَّأْنِيثِ لِكَوْنِهِ اسْمَ قَبِيلَةٍ مَعْرُوفَةٍ (فَجَعَلَ الْفَضْلُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا) وَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا (وَتَنْظُرُ إِلَيْهِ) وَكَانَ الْفَضْلُ رَجُلًا جَمِيلًا (أَدْرَكَتْ أَبِي) حَالَ كَوْنِهِ (شَيْخًا) مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ وَقَوْلُهُ (كَبِيرًا) يَصِحُّ صِفَةً وَلَا يُنَافِي اشْتِرَاطَ كَوْنِ الْحَالِ نَكِرَةً إذا لَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْهَا (لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ) صِفَةٌ ثَانِيَةٌ وَيُحْتَمَلُ الْحَالُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ وَإِنْ شَدَدْتُهُ خَشِيتُ عَلَيْهِ (أَفَأَحُجُّ) نِيَابَةً (عَنْهُ قَالَ نَعَمْ) أَيْ حُجِّي عَنْهُ (وَذَلِكَ) أَيْ جَمِيعُ مَا ذُكِرَ (فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ) قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ فِي الْحَدِيثِ رِوَايَاتٌ أُخَرُ فَفِي بَعْضِهَا أَنَّ السَّائِلَ رَجُلٌ وَأَنَّهُ سَأَلَ هَلْ يَحُجُّ عَنْ أُمِّهِ فَيَجُوزُ تَعَدُّدُ الْقَضِيَّةِ وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُجْزِئُ الْحَجُّ عَنِ الْمُكَلَّفِ إِذَا كَانَ مَيْئُوسًا مِنْهُ الْقُدْرَةُ عَلَى الْحَجِّ بِنَفْسِهِ مِثْلُ الشَّيْخُوخَةِ فَإِنَّهُ مَيْئُوسٌ زَوَالُهَا وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَدَمُ الْقُدْرَةِ لِأَجْلِ مَرَضٍ أَوْ جُنُونٍ يُرْجَى بُرْؤُهُمَا فَلَا يَصِحُّ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ مَعَ الزِّيَادَةِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي صِحَّةِ التَّحْجِيجِ عَنْهُ مِنَ الْأَمْرَيْنِ عَدَمُ ثَبَاتِهِ عَلَى الرَّاحِلَةِ وَالْخَشْيَةُ عَنِ الضَّرَرِ عَلَيْهِ مِنْ شَدِّهِ فَمَنْ لَا يَضُرُّهُ الشَّدُّ كَالَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الْمِحَفَّةِ لَا يُجْزِئُهُ حَجُّ الْغَيْرِ عَنْهُ وَيُؤْخَذُ مِنَ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إِذَا تَبَرَّعَ أَحَدٌ بِالْحَجِّ عَنْ غَيْرِهِ لَزِمَهُ الْحَجُّ عَنْ ذَلِكَ الْغَيْرِ وَإِنْ كَانَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَوَجْهُهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَمْ تُبَيِّنْ أَنَّ أَبَاهَا مُسْتَطِيعٌ بِالزَّادِ وَالرَّاحِلَةِ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ ﷺ عَنْ ذَلِكَ وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ إِلَّا الْإِجْزَاءُ لَا الْوُجُوبُ فَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ وَبِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهَا قَدْ عَرَفَتْ وُجُوبَ الْحَجِّ عَلَى أَبِيهَا كَمَا يَدُلُّ لَهُ قَوْلُهَا إِنَّ فَرِيضَةَ اللَّهِ عَلَى عِبَادِهِ فِي الْحَجِّ فَإِنَّهَا عِبَادَةٌ دَالَّةٌ عَلَى عِلْمِهَا بِشَرْطِ دليل الوجوب وهو الاستطاعة واتفق القائلون فإجزاء الْحَجِّ عَنْ فَرِيضَةِ الْغَيْرِ بِأَنَّهُ لَا يُجْزِئُ إِلَّا عَنْ مَوْتٍ أَوْ عَدَمِ قُدْرَةٍ عَنْ عَجْزٍ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ النَّفْلِ فَإِنَّهُ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِلَى جَوَازِ النِّيَابَةِ عَنِ الْغَيْرِ فيه

стр. 1579

مُطْلَقًا لِلتَّوْسِيعِ فِي النَّفْلِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْحَجَّ عَنْ فَرْضِ الْغَيْرِ لَا يُجْزِئُ أَحَدًا وَأَنَّ هَذَا الْحُكْمَ يَخْتَصُّ بِصَاحِبَةِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَإِنْ كَانَ الِاخْتِصَاصُ خِلَافَ الْأَصْلِ إِلَّا أَنَّهُ اسْتَدَلَّ بِزِيَادَةِ رِوَايَةٍ فِي الْحَدِيثِ بِلَفْظِ حُجِّي عَنْهُ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ بَعْدَكِ وَرُدَّ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةُ رُوِيَتْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْوَلَدِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ الْقِيَاسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ وَقَدْ نَبَّهَ ﷺ عَلَى الْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ فَدَيْنُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ فَجَعَلَهُ دَيْنًا وَالدَّيْنُ يَصِحُّ أَنْ يَقْضِيَهُ غَيْرُ الْوَلَدِ بِالِاتِّفَاقِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ [١٨١٠] (عن بن رَزِينٍ) هُوَ لَقِيطٌ الْعُقَيْلِيُّ (وَلَا الظِّعَنَ) بِكَسْرِ الظَّاءِ وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِهَا مَصْدَرُ ظَعَنَ يَظْعُنُ بِالضَّمِّ إِذَا سَارَ قَالَهُ السُّيُوطِيُّ وَقَالَ السِّنْدِيُّ الظَّعَنُ بِفَتْحَتَيْنِ أَوْ سُكُونِ الثَّانِي وَفِي الْمَجْمَعِ الظَّعْنُ الرَّاحِلَةُ أَيْ لَا يَقْوَى عَلَى السَّيْرِ وَلَا عَلَى الرُّكُوبِ مِنْ كِبَرِ السِّنِّ (قَالَ احْجُجْ عَنْ أَبِيكَ وَاعْتَمِرْ) الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ حَجِّ الْوَلَدِ عَنْ أَبِيهِ الْعَاجِزِ عَنِ الْمَشْيِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَقَدْ جَزَمَ بِوُجُوبِ الْعُمْرَةِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدُ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَالثَّوْرِيُّ وَالْمُزَنِيُّ وَالْمَشْهُورُ عَنِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ وَلَا خِلَافَ فِي الْمَشْرُوعِيَّةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَا أَعْلَمُ فِي إِيجَابِ الْعُمْرَةِ حَدِيثًا أَجْوَدَ مِنْ هَذَا وَلَا أَصَحَّ مِنْهُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قَوْل الْإِمَام أَحْمَد قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ مُسْلِم سَمِعْت أَحْمَد بْن حَنْبَل يَقُول فَذَكَرَهُ وفي سنن بن مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ عَلَى شَرْط الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَة قالت يارسول اللَّه هَلْ عَلَى النِّسَاء جِهَاد قَالَ جِهَاد لَا قِتَال فِيهِ الْحَجّ وَالْعُمْرَة وَاحْتَجَّ مَنْ نَفَى الْوُجُوب بِحَدِيثِ جَابِر أَنَّ النَّبِيّ ﷺ سُئِلَ عَنْ الْعُمْرَة أَوَاجِبَة هِيَ قَالَ لَا وَأَنْ

стр. 1580

[١٨١١] (يَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فَمُوَحَّدَةٌ سَاكِنَةٌ (أَوْ قَرِيبٌ لِي) شَكٌّ مِنَ الراوي والحديث أخرجه أيضا بن حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ وَالْبَيْهَقِيُّ قَالَ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَلَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ أَصَحُّ مِنْهُ وَقَدْ رُوِيَ مَوْقُوفًا وَالرَّفْعُ زِيَادَةٌ يَتَعَيَّنُ قَبُولُهَا إِذَا جَاءَتْ من طريق ثقة وهي ها هنا كَذَلِكَ لِأَنَّ الَّذِي رَفَعَهُ عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ الْحَافِظُ وَهُوَ ثِقَةٌ مُحْتَجٌّ بِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَتَابَعَهُ عَلَى رَفْعِهِ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيُّ وَكَذَا رَجَّحَ عبد الحق وبن الْقَطَّانِ رَفْعَهُ وَقَدْ رَجَّحَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ وقال أحمد رفعه خطأ وقال بن الْمُنْذِرِ لَا يَثْبُتُ رَفْعُهُ وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ وَمَالَ إِلَى صِحَّتِهِ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَحُجَّ عَنْ غَيْرِهِ وَسَوَاءً كَانَ مُسْتَطِيعًا أَوْ غَيْرَ مُسْتَطِيعٍ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَسْتَفْصِلْ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي سَمِعَهُ يُلَبِّي عَنْ شُبْرُمَةَ وَهُوَ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ الْعُمُومِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إِنَّهُ يُجْزِئُ حَجُّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ عَنْ نَفْسِهِ مَا لَمْ يَتَضَيَّقْ عَلَيْهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا إِسْنَادٌ صَحِيحٌ لَيْسَ فِي الْبَابِ أَصَحُّ مِنْهُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] تَعْتَمِر خَيْر لَك رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيث الْحَجَّاج بْن أَرْطَاة عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر عن جابر وقال حَسَن صَحِيح قَالَ الْبَيْهَقِيُّ كَذَا رَوَاهُ الْحَجَّاج مَرْفُوعًا وَالْمَحْفُوظ إِنَّمَا هُوَ عَنْ جَابِر مَوْقُوف عَلَيْهِ غَيْر مَرْفُوع وَقَدْ نُوقِشَ التِّرْمِذِيّ فِي تصحيحه فإن مِنْ رِوَايَة الْحَجَّاج بْن أَرْطَاة وَقَدْ ضُعِّفَ وَلَوْ كَانَ ثِقَة فَهُوَ مُدَلِّس كَبِير وَقَدْ قَالَ عَنْ مُحَمَّد بْن الْمُنْكَدِر لَمْ يَذْكُر سَمَاعًا وَلَا رَيْب أَنَّ هَذَا قَادِح فِي صِحَّة الْحَدِيث وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ لَيْسَ فِي الْعُمْرَة شَيْء ثَابِت بِأَنَّهَا تَطَوُّع وَقَدْ رَوَى عَنْ النَّبِيّ ﷺ بِإِسْنَادٍ ضَعِيف لَا تَقُوم بِمِثْلِهِ حُجَّة تَمَّ كَلَامه قال البيهقي وروى بن لَهِيعَة عَنْ عَطَاء عَنْ جَابِر مَرْفُوعًا الْحَجّ وَالْعُمْرَة فَرِيضَتَانِ وَاجِبَتَانِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيف لَا يَصِحّ فَقَدْ سَقَطَ الِاحْتِجَاج بِرِوَايَةِ جابر من الطريقين وفي سنن بن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث عُمَر بْن قَيْس أَخْبَرَنِي طَلْحَة بْن يَحْيَى عَنْ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّه أَنَّهُ سَمِعَ رَسُول اللَّه ﷺ يَقُول الْحَجّ جِهَاد وَالْعُمْرَة تَطَوُّع رَوَاهُ عَنْ هِشَام عَمَّار عَنْ الْحَسَن بْن يَحْيَى الْخُشَنِيِّ

стр. 1581

٢٧ - (بَاب كَيْفَ التَّلْبِيَةُ) [١٨١٢] هِيَ مَصْدَرُ لَبَّى كَزَكَّى تَزْكِيَةً أَيْ كَيْفَ قَالَ لَبَّيْكَ وَهُوَ عِنْدَ بن سِيبَوَيْهِ وَالْأَكْثَرِينَ مُثَنَّى لِقَلْبِ أَلِفِهِ يَاءً مَعَ الْمُظْهَرِ وَلَيْسَتْ ثَنِيَّتُهُ حَقِيقَةً بَلْ مِنَ الْمُثَنَّاةِ لَفْظًا وَمَعْنَاهَا التَّكْثِيرُ وَالْمُبَالَغَةِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ بِعَامِلٍ مُضْمَرٍ أَيْ أَجَبْتُ إِجَابَةً بَعْدَ إجابة إلى مالا نهاية له قال بن عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إِجَابَةُ دَعْوَةِ إِبْرَاهِيمَ حِينَ أَذَّنَ في الناس بالحج (اللهم لبيك) أي ياالله أَجَبْنَاكَ فِيمَا دَعَوْتَنَا وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بْنُ مَنِيعٍ في مسنده وبن أَبِي حَاتِمٍ مِنْ طَرِيقِ قَابُوسَ بْنِ أَبِي ظبيان عن أبيه عن بن عَبَّاسٍ قَالَ لَمَّا فَرَغَ إِبْرَاهِيمُ ﵇ مِنْ بِنَاءِ الْبَيْتِ قِيلَ لَهُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ قَالَ رَبِّ وَمَا يَبْلُغُ صَوْتِي قَالَ أَذِّنْ وَعَلَيَّ الْبَلَاغُ قَالَ فَنَادَى إِبْرَاهِيمُ ياأيها النَّاسُ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْحَجُّ إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ فَسَمِعَهُ مَنْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَفَلَا تَرَوْنَ أَنَّ النَّاسَ يَجِيئُونَ مِنْ أَقْصَى الْأَرْضِ يُلَبُّونَ ومن طريق بن جريج عن عطاء عن بن عَبَّاسٍ وَفِيهِ فَأَجَابُوهُ بِالتَّلْبِيَةِ فِي أَصْلَابِ الرِّجَالِ وَأَرْحَامِ النِّسَاءِ وَأَوَّلُ مَنْ أَجَابَهُ أَهْلُ الْيَمَنِ فَلَيْسَ حَاجٌّ يَحُجُّ مِنْ يَوْمِئِذٍ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ إِلَّا مَنْ كَانَ أَجَابَ إِبْرَاهِيمُ يَوْمَئِذٍ (إِنَّ الْحَمْدَ) رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافٍ كَأَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَبَّيْكَ اسْتَأْنَفَ كَلَامًا آخَرَ فَقَالَ إِنَّ الْحَمْدَ وَبِالْفَتْحِ عَلَى التَّعْلِيلِ كَأَنَّهُ قَالَ أَجَبْتُكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيُ عَنْ أبي حنيفة وبن قدامة عن أحمد بن حنبل وبن عَبْدِ الْبَرِّ عَنِ اخْتِيَارِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ الْإِجَابَةُ مُطْلَقَةً غَيْرَ مُعَلَّلَةٍ فَإِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لِلَّهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ والفتح بدل عَلَى التَّعْلِيلِ لَكِنْ قَالَ فِي اللَّامِعِ وَالْعُدَّةِ إِنَّهُ إِذَا كُسِرَ صَارَ لِلتَّعْلِيلِ أَيْضًا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ اسْتِئْنَافٌ جَوَابًا عَنْ سُؤَالٍ عَنِ الْعِلَّةِ (وَالنِّعْمَةَ لَكَ) بِكَسْرِ النُّونِ الْإِحْسَانُ وَالْمِنَّةُ مُطْلَقًا وَهِيَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْأَشْهَرِ عَطْفًا عَلَى الْحَمْدِ وَيَجُوزُ الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ خَبَرِ إِنَّ تَقْدِيرُهُ إِنَّ الْحَمْدَ لَكَ والنعمة مستقرة لك وجوز بن الْأَنْبَارِيِّ أَنْ يَكُونَ الْمَوْجُودُ خَبَرَ الْمُبْتَدَأِ وَخَبَرُ إن هو ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ فِي مَعْنَى التَّلْبِيَة ثَمَانِيهِ أَقْوَال أَحَدهمَا إِجَابَة لَك بَعْد إِجَابَة وَلِهَذَا الْمَعْنَى كُرِّرَتْ التَّلْبِيَة إِيذَانًا بِتَكْرِيرِ الْإِجَابَة

стр. 1582

الْمَحْذُوفُ (وَالْمُلْكَ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى اسْمِ إِنَّ وَبِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ وَالْمُلْكُ كَذَلِكَ (وَسَعْدَيْكَ) هُوَ مِنْ بَابِ لَبَّيْكَ فَيَأْتِي فِيهِ مَا سَبَقَ وَمَعْنَاهُ أَسْعِدْنِي إِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ فَالْمَصْدَرُ فِيهِ مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ وَإِنْ كَانَ الْأَصْلُ فِي مَعْنَاهُ أُسْعِدكَ بِالْإِجَابَةِ إِسْعَادًا بَعْدَ إِسْعَادٍ عَلَى أَنَّ الْمَصْدَرَ فِيهِ مُضَافٌ لِلْمَفْعُولِ وَقِيلَ الْمَعْنَى مُسَاعَدَةٌ عَلَى طَاعَتِكَ بَعْدَ مُسَاعَدَةٍ فَيَكُونُ مِنَ الْمُضَافِ الْمَنْصُوبِ (وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ وَبِضَمِّهَا مَعَ الْقَصْرِ كَالْعَلَاءِ وَالْعُلَا وَبِالْفَتْحِ مَعَ الْقَصْرِ وَمَعْنَاهُ الطَّلَبُ والمسألة يعني أنه تعالى هو المطلوب المسؤول مِنْهُ فَبِيَدِهِ جَمِيعُ الْأُمُورُ (وَالْعَمَلُ) لَهُ سُبْحَانَهُ لأنه المستحق للعبادة وحده وفي حَذْفٌ يُحْتَمَلُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ وَالْعَمَلُ إِلَيْكَ أَيْ إِلَيْكَ الْقَصْدُ بِهِ وَالِانْتِهَاءُ بِهِ إِلَيْكَ لِتُجَازِيَ عَلَيْهِ وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بن عقبة عن نافع وغيره عن بن عُمَرَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ فَقَالَ لَبَّيْكَ الْحَدِيثَ وَلِلْبُخَارِيِّ فِي اللِّبَاسِ مِنْ طَرِيقِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الثاني أنه انقياد من قولهم لببت الرَّجُل إِذَا قَبَضْت عَلَى تَلَابِيبه وَمِنْهُ لَبَّبْته بِرِدَائِهِ وَالْمَعْنَى اِنْقَدْت لَك وَسَعَتْ نَفْسِي لَك خَاضِعَة ذَلِيلَة كَمَا يُفْعَل بِمَنْ لُبِّبَ بِرِدَائِهِ وَقُبِضَ عَلَى تَلَابِيبه الثَّالِث أَنَّهُ مِنْ لَبَّ بِالْمَكَانِ إِذَا قَامَ بِهِ وَلَزِمَهُ وَالْمَعْنَى أَنَا مُقِيم عَلَى طَاعَتك مُلَازِم لَهَا اِخْتَارَهُ صَاحِب الصِّحَاح الرَّابِع أَنَّهُ مِنْ قَوْلهمْ دَارِي تَلِبّ دَارك أَيْ تُوَاجِههَا وَتُقَابِلهَا أَيْ مُوَاجِهَتك بِمَا تُحِبّ مُتَوَجِّه إِلَيْك حَكَاهُ فِي الصِّحَاح عَنْ الْخَلِيل الْخَامِس مَعْنَاهُ حُبًّا لَك بَعْد حُبّ مِنْ قَوْلهمْ اِمْرَأَة لَبَّة إِذَا كَانَتْ مُحِبَّة لِوَلَدِهَا السَّادِس أَنَّهُ مَأْخُوذ مِنْ لَبَّ الشَّيْء وَهُوَ خَالِصه وَمِنْهُ لَبَّ الطَّعَام وَلَبَّ الرَّجُل عَقْله وَقَلْبه وَمَعْنَاهُ أَخْلَصْت لُبِّي وَقَلْبِي لَك وَجَعَلْت لَك لُبِّي وَخَالِصَتِي السَّابِع أَنَّهُ مِنْ قولهم فلان رخي اللبب وفي لب رَخِيّ أَيْ فِي حَال وَاسِعَة مُنْشَرِح الصَّدْر وَمَعْنَاهُ إِنِّي مُنْشَرِح الصَّدْر مُتَّسِع الْقَلْب لِقَبُولِ دَعْوَتك وَإِجَابَتهَا مُتَوَجِّه إِلَيْك بِلَبَبٍ رَخِيّ يُوجِد الْمُحِبّ إِلَى مَحْبُوبه لَا بِكُرْهٍ وَلَا تَكَلُّف الثَّامِن أَنَّهُ مِنْ الْإِلْبَاب وَهُوَ الِاقْتِرَاب أَيْ اِقْتِرَابًا إِلَيْك بَعْد اِقْتِرَاب كَمَا يَتَقَرَّب الْمُحِبّ من محبوبه

стр. 1583

الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يُهِلُّ مُلَبِّدًا يَقُولُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ لَا يَزِيدُ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَاتِ زَادَ مسلم من هذا الوجه قال بن عُمَرَ كَانَ عُمَرُ يُهِلُّ بِهَذَا وَيَزِيدُ لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكَ وَالْعَمَلُ وَهَذَا الْقَدْرُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَيْضًا عِنْدَهُ عن نافع عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَزِيدُ فِيهَا فَذَكَرَ نَحْوَهُ فعرف أن بن عُمَرَ اقْتَدَى فِي ذَلِكَ بِأَبِيهِ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الزِّيَادَةِ عَلَى مَا وَرَدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي ذَلِكَ قَالَ الطَّحَاوِيُّ بَعْدَ أَنْ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِ بن عمر وبن مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ جَمِيعًا عَلَى هَذِهِ التَّلْبِيَةِ غَيْرَ أَنَّ قَوْمًا قَالُوا لَا بَأْسَ أَنْ يَزِيدَ مِنَ الذِّكْرِ لِلَّهِ مَا أَحَبَّ وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يعني الذي أخرجه النسائي وبن ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وسعديك مِنْ الْمُسَاعِدَة وَهِيَ الْمُطَاوَعَة وَمَعْنَاهُ مُسَاعَدَة فِي طَاعَتك وَمَا تُحِبّ بَعْد مُسَاعِدَة قَالَ الْحَرْبِيّ ولم يسمع سعديك مفردا والرغباء إِلَيْك يُقَال بِفَتْحِ الرَّاء مَعَ الْمَدّ وَبِضَمِّهَا مَعَ الْقَصْر وَمَعْنَاهَا الطَّلَب وَالْمَسْأَلَة وَالرَّغْبَة وَاخْتَلَفَ النُّحَاة فِي الْيَاء فِي لَبَّيْكَ فَقَالَ سِيبَوَيْهِ هِيَ يَاء التَّثْنِيَة وَهُوَ مِنْ الْمُلْتَزَم نَصْبه عَلَى الْمَصْدَر كَقَوْلِهِمْ حَمْدًا وَشُكْرًا وَكَرَامَة وَمَسَرَّة وَالْتَزَمُوا تَثْنِيَته إِيذَانًا بِتَكْرِيرِ مَعْنَاهُ وَاسْتِدَامَته وَالْتَزَمُوا إِضَافَته إِلَى ضَمِير الْمُخَاطَب لَمَّا خَصُّوهُ بِإِجَابَةِ الداعي وقد جاء إضافته إلى ضمير للغائب نَادِرًا كَقَوْلِ الشَّاعِر دَعَوْت لَمَّا نَابَنِي مُسَوَّرًا فَلَبَّى فَلَبَّى يَدَيَّ مُسَوَر وَالتَّثْنِيَة فِيهِ كَالتَّثْنِيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿ثُمَّ اِرْجِعْ الْبَصَر كَرَّتَيْنِ﴾ وَلَيْسَ الْمُرَاد مِمَّا يَشْفَع الْوَاحِد فَقَطّ وَكَذَلِكَ سَعْدِيّك وَدَوَالِيك وَقَالَ يُونُس هُوَ مُفْرَد وَالْبَاء فِيهِ مِثْل عَلَيْك وَإِلَيْك وَلَدَيْك وَمِنْ حَجَّة سيبويه على يونس أن على وإلى يَخْتَلِفَانِ بِحَسْب الْإِضَافَة فَإِنَّ جَرًّا مُضْمِرًا كَانَا بِالْيَاءِ وَإِنَّ جَرًّا ظَاهِرًا كَانَا بِالْأَلْفِ فَلَوْ كَانَ لَبَّيْكَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ بِالْيَاءِ فِي جَمِيع أَحْوَاله سَوَاء أُضَيِّف إِلَى ظَاهِر أَوْ مُضْمِر كَمَا قَالَ فَلُبِّي يَدِيّ مُسَوَّر وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْ النُّحَاة أُصَلِّ الْكَلِمَة لُبًّا لُبًّا أَيّ إِجَابَة بَعْد إِجَابَة فَثَقُلَ عَلَيْهِمْ تَكْرَار الْكَلِمَة فَجَمَعُوا بَيْن اللَّفْظَيْنِ لِيَكُونَ أَخَفْ عَلَيْهِمْ فَجَاءَتْ التَّثْنِيَة وَحَذَفَ التَّنْوِين لِأَجَلِ الْإِضَافَة وَقَدْ اِشْتَمَلَتْ كَلِمَات التَّلْبِيَة عَلَى قَوَاعِد عَظِيمَة وَفَوَائِد جليلة

стр. 1584

ماجه وصححه بن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ قَالَ مِنْ تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَبَّيْكَ إِلَهَ الْحَقِّ لبيك وبزيادة بن عُمَرَ الْمَذْكُورَةِ وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ فَقَالُوا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُزَادَ عَلَى مَا عَلَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ كَمَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ ثُمَّ فَعَلَهُ هُوَ وَلَمْ يَقُلْ لَبُّوا بِمَا شِئْتُمْ مِمَّا مِنْ جِنْسِ هَذَا بَلْ عَلَّمَهُمْ كَمَا عَلَّمَهُمُ التَّكْبِيرَ فِي الصَّلَاةِ فَكَذَا لَا يَنْبَغِي أَنْ يُتَعَدَّى فِي ذَلِكَ شَيْئًا مِمَّا عَلَّمَهُ ثُمَّ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] إِحْدَاهَا أَنَّ قَوْلك لَبَّيْكَ يَتَضَمَّن إِجَابَة دَاعٍ دَعَاك وَمُنَادٍ نَادَاك وَلَا يَصِحّ فِي لُغَة وَلَا عَقْل إِجَابَة مِنْ لَا يَتَكَلَّم وَلَا يَدْعُو مِنْ أَجَابَهُ الثَّانِيَة أَنَّهَا تَتَضَمَّن الْمَحَبَّة كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يُقَال لَبَّيْكَ إِلَّا لِمِنْ تُحِبّهُ وَتُعَظِّمهُ وَلِهَذَا قِيلَ فِي مَعْنَاهَا أَنَا مُوَاجِه لَك بِمَا تُحِبّ وَأَنَّهَا مِنْ قَوْلهمْ اِمْرَأَة لَبَّة أَيّ مَحَبَّة لِوَلَدِهَا الثَّالِثَة أَنَّهَا تَتَضَمَّن اِلْتِزَام دَوَام الْعُبُودِيَّة وَلِهَذَا قِيلَ هِيَ مِنْ الْإِقَامَة أَيّ أَنَا مُقِيم عَلَى طَاعَتك الرَّابِعَة أَنَّهَا تَتَضَمَّن الْخُضُوع وَالذُّلّ أَيّ خُضُوعًا بَعْد خُضُوع مِنْ قَوْلهمْ أَنَا مُلَبٍّ بَيْن يَدَيْك أَيّ خَاضِع ذَلِيل الْخَامِسَة أَنَّهَا تَتَضَمَّن الْإِخْلَاص وَلِهَذَا قِيلَ إِنَّهَا مِنْ اللُّبّ وَهُوَ الْخَالِص السَّادِسَة أَنَّهَا تَتَضَمَّن الْإِقْرَار بِسَمْعِ الرَّبّ تَعَالَى إِذْ يَسْتَحِيل أَنَّ يَقُول الرَّجُل لَبَّيْكَ لِمِنْ لَا يَسْمَع دُعَاءَهُ السَّابِعَة أَنَّهَا تَتَضَمَّن التَّقَرُّب مِنْ اللَّه وَلِهَذَا قِيلَ إِنَّهَا مِنْ الْإِلْبَاب وَهُوَ التَّقَرُّب الثَّامِنَة أَنَّهَا جَعَلَتْ فِي الْإِحْرَام شِعَارًا لِانْتِقَالِ مِنْ حَال إِلَى حَال وَمِنْ مَنْسَك إِلَى مَنْسَك كَمَا جَعَلَ التَّكْبِير فِي الصَّلَاة سَبْعًا لِلِانْتِقَالِ مِنْ رُكْن إِلَى رُكْن وَلِهَذَا كَانَتْ السُّنَّة أَنْ يُلَبِّي حَتَّى يَشْرَع فِي الطَّوَاف فَيَقْطَع التَّلْبِيَة ثُمَّ إِذَا سَارَ لَبَّى حَتَّى يَقِف بِعَرَفَة فَيَقْطَعهَا ثُمَّ يُلَبِّي حَتَّى يَقِف بِمُزْدِلَفَةَ فَيَقْطَعهَا ثُمَّ يُلَبِّي حتى يرمي جمرة العقبة فيقطعها فَالتَّلْبِيَة شِعَار الْحَجّ وَالتَّنَقُّل فِي أَعْمَال الْمَنَاسِك فَالْحَاجّ كُلَّمَا اِنْتَقَلَ مِنْ رُكْن إِلَى رُكْن قَالَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ كَمَا أَنَّ الْمُصَلِّي يَقُول فِي اِنْتِقَاله مِنْ رُكْن إِلَى رُكْن اللَّه أَكْبَر فَإِذَا حَلَّ مِنْ نُسُكه قَطَعَهَا كَمَا يَكُون سَلَام الْمُصَلِّي قَاطِعًا لِتَكْبِيرِهِ التَّاسِعَة أَنَّهَا شِعَار لِتَوْحِيدِ مِلَّة إِبْرَاهِيم الَّذِي هُوَ رُوح الْحَجّ وَمَقْصِده بَلْ رُوح الْعِبَادَات كُلّهَا وَالْمَقْصُود مِنْهَا وَلِهَذَا كَانَتْ التَّلْبِيَة مِفْتَاح هَذِهِ الْعِبَادَة الَّتِي يَدْخُل فِيهَا بِهَا الْعَاشِرَة أَنَّهَا مُتَضَمِّنَة لِمِفْتَاحِ الْجَنَّة وَبَاب الْإِسْلَام الَّذِي يَدْخُل مِنْهُ إِلَيْهِ وَهُوَ كَلِمَة الْإِخْلَاص وَالشَّهَادَة لِلَّهِ بِأَنَّهُ لَا شَرِيك لَهُ

стр. 1585

فَقَالَ إِنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ وَمَا هَكَذَا كُنَّا نُلَبِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ انْتَهَى وَسَيَأْتِي بَعْضُ الْكَلَامِ فِيهِ ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ فِي حُكْمِ التَّلْبِيَةِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ الْأَوَّلُ أَنَّهَا سُنَّةٌ مِنَ السُّنَنِ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهَا شَيْءٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالثَّانِي وَاجِبَةٌ وَيَجِبُ بِتَرْكِهَا دَمٌ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عن بعض الشافعية وحكاه بن قُدَامَةَ عَنْ بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْخَطَّابِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّالِثُ وَاجِبَةٌ لَكِنْ يَقُومُ مَقَامَهَا فعل يتعلق بالحج قال بن الْمُنْذِرِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إِنْ كَبَّرَ أَوْ هَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ يَنْوِي بِذَلِكَ الْإِحْرَامَ فَهُوَ مُحْرِمٌ الرَّابِعُ أَنَّهَا رُكْنٌ فِي الْإِحْرَامِ لَا ينعقد ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] الْحَادِيَة عَشَرَة أَنَّهَا مُشْتَمِلَة عَلَى الْحَمْد لِلَّهِ الَّذِي هُوَ مِنْ أَحَبّ مَا يَتَقَرَّب بِهِ الْعَبْد إِلَى اللَّه وَأَوَّل مَنْ يُدْعَى إِلَى الْجَنَّة أَهْله وَهُوَ فَاتِحَة الصَّلَاة وَخَاتِمَتهَا الثَّانِيَة عَشْرَة أَنَّهَا مُشْتَمِلَة عَلَى الِاعْتِرَاف لِلَّهِ بِالنِّعْمَةِ كُلّهَا وَلِهَذَا عَرَّفَهَا بِاللَّامِ الْمُفِيدَة لِلِاسْتِغْرَاقِ أَيْ النِّعَم كُلّهَا لَك وَأَنْتَ مُولِيهَا وَالْمُنْعِم بِهَا الثَّالِثَة عَشْرَة أَنَّهَا مُشْتَمِلَة عَلَى الِاعْتِرَاف بِأَنَّ الْمِلْك كُلّه لِلَّهِ وَحْده فَلَا مِلْك عَلَى الْحَقِيقَة لِغَيْرِهِ الرَّابِعَة عَشْرَة أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى مُؤَكَّد الثُّبُوت بِإِنَّ الْمُقْتَضِيَة تَحْقِيق الْخَبَر وَتَثْبِيته وَأَنَّهُ مِمَّا لَا يَدْخُلهُ رَيْب وَلَا شَكّ الْخَامِسَة عَشْرَة فِي إِنَّ وَجْهَانِ فَتْحهَا وَكَسْرهَا فَمَنْ فَتَحَهَا تَضَمَّنَتْ مَعْنَى التَّعْلِيل أَيْ لَبَّيْكَ الْحَمْد وَالنِّعْمَة لَك وَمَنْ كَسَرَهَا كَانَتْ جُمْلَة مُسْتَقِلَّة مُسْتَأْنَفَة تَتَضَمَّن اِبْتِدَاء الثَّنَاء عَلَى اللَّه وَالثَّنَاء إِذَا كَثُرَتْ جُمَله وَتَعَدَّدَتْ كَانَ أَحْسَن من قلتها وأما إذا فتحت فإنها تقدر بِلَامِ التَّعْلِيل الْمَحْذُوفَة مَعَهَا قِيَاسًا وَالْمَعْنَى لَبَّيْكَ لِأَنَّ الْحَمْد لَك وَالْفَرْق بَيْن أَنْ تَكُون جُمَل الثَّنَاء عِلَّة لِغَيْرِهَا وَبَيْن أَنْ تَكُون مُسْتَقِلَّة مُرَادَة لِنَفْسِهَا وَلِهَذَا قَالَ ثَعْلَب مَنْ قَالَ إِنَّ بِالْكَسْرِ فَقَدْ عَمَّ وَمَنْ قَالَ أَنَّ بِالْفَتْحِ فَقَدْ خَصَّ وَنَظِير هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ وَالتَّعْلِيلَيْنِ وَالتَّرْجِيح سَوَاء قَوْله تَعَالَى حِكَايَة عَنْ الْمُؤْمِنِينَ ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْل نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرّ الرَّحِيم﴾ كَسْر إِنَّ وَفَتْحهَا فَمَنْ فَتَحَ كَانَ الْمَعْنَى نَدْعُوهُ لِأَنَّهُ هُوَ الْبَرّ الرَّحِيم وَمَنْ كَسَرَ كَانَ الْكَلَام جُمْلَتَيْنِ إِحَدهمَا قَوْله نَدْعُوهُ ثُمَّ اِسْتَأْنَفَ فَقَالَ إِنَّهُ هُوَ الْبَرّ الرَّحِيم قَالَ أَبُو عُبَيْد وَالْكَسْر أَحْسَن وَرَجَّحَهُ بِمَا ذَكَرْنَاهُ السَّادِسَة عَشْرَة أَنَّهَا مُتَضَمِّنَة لِلْإِخْبَارِ عَنْ اِجْتِمَاع الْمُلْك وَالنِّعْمَة وَالْحَمْد لِلَّهِ عزوجل وَهَذَا نَوْع آخَر مِنْ الثَّنَاء عَلَيْهِ غَيْر الثَّنَاء بِمُفْرَدَاتِ تِلْكَ الْأَوْصَاف الْعَلِيَّة فَلَهُ سُبْحَانه مِنْ أَوْصَافه الْعُلَى نَوْعَا ثَنَاء نَوْع مُتَعَلِّق بِكُلِّ صِفَة عَلَى اِنْفِرَادهَا وَنَوْع مُتَعَلِّق بِاجْتِمَاعِهَا وَهُوَ كَمَال مَعَ كَمَال وَهُوَ عَامَّة الْكَمَال والله سبحانه

стр. 1586

بدونها حكاه بن عبد البر عن الثوري وأبي حنيفة وبن حَبِيبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ قَالُوا هِيَ نَظِيرُ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ أَخْرَجَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْهُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] يُفَرَّق فِي صِفَاته بَيْن الْمُلْك وَالْحَمْد وَسَوَّغَ هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ اِقْتِرَان أَحَدهمَا بِالْآخَرِ مِنْ أَعْظَم الْكَمَال وَالْمُلْك وَحْده كَمَال وَالْحَمْد كَمَال وَاقْتِرَان أَحَدهمَا بِالْآخَرِ كَمَال فَإِذَا اِجْتَمَعَ الْمُلْك الْمُتَضَمِّن لِلْقُدْرَةِ مَعَ النِّعْمَة الْمُتَضَمِّنَة لِغَايَةِ النَّفْع وَالْإِحْسَان وَالرَّحْمَة مَعَ الْحَمْد الْمُتَضَمِّن لِعَامَّةِ الْجَلَال وَالْإِكْرَام الدَّاعِي إِلَى مَحَبَّته كَانَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعَظَمَة وَالْكَمَال وَالْجَلَال مَا هُوَ أَوْلَى بِهِ وَهُوَ أَهْله وَكَانَ فِي ذِكْر الْحَمْد لَهُ وَمَعْرِفَته بِهِ مِنْ اِنْجِذَاب قَلْبه إِلَى اللَّه وَإِقْبَاله عَلَيْهِ وَالتَّوَجُّه بِدَوَاعِي الْمَحَبَّة كُلّهَا إِلَيْهِ مَا هُوَ مَقْصُود الْعُبُودِيَّة وَلُبّهَا وَذَلِكَ فَضْل اللَّه يُؤْتِيه مَنْ يَشَاء وَنَظِير هَذَا اِقْتِرَان الْغِنَى بِالْكَرَمِ كَقَوْلِهِ ﴿فَإِنَّ رَبِّي غَنِيّ كَرِيم﴾ فَلَهُ كَمَال مِنْ غِنَاهُ وَكَرَمه وَمِنْ اِقْتِرَان أَحَدهمَا بِالْآخَرِ وَنَظِيره اِقْتِرَان الْعِزَّة بِالرَّحْمَةِ ﴿وَإِنَّ رَبّك لَهُوَ الْعَزِيز الرَّحِيم﴾ وَنَظِيره اِقْتِرَان العفو بالقدرة ﴿وكان الله عفوا غفورا﴾ وَنَظِيره اِقْتِرَان الْعِلْم بِالْحِلْمِ ﴿وَاَللَّه عَلِيم حَلِيم﴾ وَنَظِيره اِقْتِرَان الرَّحْمَة بِالْقُدْرَةِ ﴿وَاَللَّه قَدِير وَاَللَّه غَفُور رَحِيم﴾ وَهَذَا يُطْلِع ذَا اللُّبّ عَلَى رِيَاض مِنْ الْعِلْم أَنِيقَات وَيَفْتَح لَهُ بَاب مَحَبَّة اللَّه وَمَعْرِفَته وَاَللَّه الْمُسْتَعَان وَعَلَيْهِ التُّكْلَان السابعة عشرة أن النبي قَالَ أَفْضَل مَا قُلْت أَنَا وَالنَّبِيُّونَ مِنْ قَبْلِي لَا إِلَه إِلَّا اللَّه وَحْده لَا شَرِيك لَهُ لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير وَقَدْ اِشْتَمَلَتْ بِالتَّلْبِيَةِ عَلَى هَذِهِ الْكَلِمَات بِعَيْنِهَا وَتَضَمَّنَتْ مَعَانِيهَا وَقَوْله وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير لَك أَنْ تُدْخِلهَا تَحْت قَوْلك فِي التَّلْبِيَة لَا شَرِيك لَك وَلَك أَنْ تُدْخِلهَا تَحْت قَوْلك إِنَّ الْحَمْد وَالنِّعْمَة لَك وَلَك أَنْ تُدْخِلهَا تَحْت إِثْبَات الْمُلْك لَهُ تَعَالَى إِذْ لَوْ كَانَ بَعْض الْمَوْجُودَات خَارِجًا عَنْ قُدْرَته وَمُلْكه وَاقِعًا بِخَلْقِ غَيْره لَمْ يَكُنْ نَفْي الشَّرِيك عَامًّا وَلَمْ يَكُنْ إِثْبَات الْمُلْك وَالْحَمْد لَهُ عَامًّا وَهَذَا مِنْ أَعْظَم الْمُحَال وَالْمُلْك كُلّه لَهُ وَالْحَمْد كُلّه لَهُ وَلَيْسَ لَهُ شَرِيك بِوَجْهٍ من الوجوه الثامنة عشر أَنَّ كَلِمَات التَّلْبِيَة مُتَضَمِّنَة لِلرَّدِّ عَلَى كُلّ مُبْطِل فِي صِفَات اللَّه وَتَوْحِيده فَإِنَّهَا مُبْطِلَة لِقَوْلِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى اِخْتِلَاف طَوَائِفهمْ وَمَقَالَاتهمْ وَلِقَوْلِ الْفَلَاسِفَة وَإِخْوَانهمْ مِنْ الْجَهْمِيَّةِ الْمُعَطِّلِينَ لِصِفَاتِ الْكَمَال الَّتِي هِيَ مُتَعَلَّق الْحَمْد فَهُوَ سُبْحَانه مَحْمُود لِذَاتِهِ وَلِصِفَاتِهِ وَلِأَفْعَالِهِ فَمَنْ

стр. 1587

قال التلبية فرض الحج وحكاه بن المنذر عن بن عمر وطاووس وعكرمة وحكى النووي عن داود أنه لابد مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا وَهَذَا زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ كَوْنِهَا رُكْنًا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ومسلم والنسائي والترمذي وبن مَاجَهْ [١٨١٣] (ذَا الْمَعَارِجِ) مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمَعَارِجُ الْمَصَاعِدُ وَالدَّرَجُ وَاحِدُهَا مَعْرَجٌ يُرِيدُ مَعَارِجَ الْمَلَائِكَةِ إِلَى السَّمَاءِ وَقِيلَ الْمَعَارِجُ الْفَوَاضِلُ الْعَالِيَةُ كَذَا فِي النِّهَايَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيِّ ذَا الْمَعَارِجِ وَذَا الْفَوَاضِلِ (فَلَا يَقُولُ) النَّبِيُّ ﷺ (لَهُمْ شَيْئًا) فَسُكُوتُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى قَوْلِهِمْ يَدُلُّ على جواز الزيادة على التلبية المعنية ويدل ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] جَحَدَ صِفَاته وَأَفْعَاله فَقَدْ جَحَدَ حَمْده وَمُبْطِلَة لقول مجوس الأمة لقدرية الَّذِينَ أَخْرَجُوا مِنْ مِلْك الرَّبّ وَقُدْرَته أَفْعَال عِبَاده مِنْ الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ وَالْإِنْس فَلَمْ يُثْبِتُوا لَهُ عَلَيْهَا قُدْرَة وَلَا جَعَلُوهُ خَالِقًا لَهَا فَعَلَى قَوْلهمْ لَا تَكُون دَاخِلَة تَحْت مُلْكه إِذْ مَنْ لَا قُدْرَة لَهُ عَلَى الشَّيْء كَيْفَ يَكُون هَذَا الشَّيْء دَاخِلًا تَحْت مُلْكه فَلَمْ يَجْعَلُوا الْمُلْك كُلّه لِلَّهِ وَلَمْ يَجْعَلُوهُ عَلَى كُلّ شَيْء قَدِير وَأَمَّا الْفَلَاسِفَة فَعِنْدهمْ لَا قُدْرَة لَهُ عَلَى شَيْء الْبَتَّة فَمَنْ عَلِمَ مَعْنَى هَذِهِ الْكَلِمَات وَشَهِدَهَا وَأَيْقَنَ بِهَا بَايَنَ جَمِيع الطَّوَائِف الْمُعَطِّلَة التَّاسِعَة عَشْرَة فِي عَطْف الْمُلْك عَلَى الْحَمْد وَالنِّعْمَة بَعْد كَمَالِ الْخَبَر وَهُوَ قَوْله إِنَّ الْحَمْد وَالنِّعْمَة لَك وَالْمُلْك وَلَمْ يَقُلْ إِنَّ الْحَمْد وَالنِّعْمَة وَالْمُلْك لَطِيفَة بَدِيعَة وَهِيَ أَنَّ الْكَلَام يَصِير بِذَلِكَ جُمْلَتَيْنِ مُسْتَقِلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَوْ قَالَ إِنَّ الْحَمْد وَالنِّعْمَة وَالْمُلْك لَك كَانَ عَطْف الْمُلْك عَلَى مَا قَبْله عَطْف مُفْرَد فَلَمَّا تَمَّتْ الْجُمْلَة الْأُولَى بِقَوْلِهِ لَك ثُمَّ عَطَفَ الْمُلْك كَانَ تَقْدِيره وَالْمُلْك لَك فَيَكُون مُسَاوِيًا لِقَوْلِهِ لَهُ الْمُلْك وَلَهُ الْحَمْد وَلَمْ يَقُلْ لَهُ الْمُلْك وَالْحَمْد وَفَائِدَته تَكْرَار الْحَمْد فِي الثَّنَاء الْعِشْرُونَ لَمَّا عَطَفَ النِّعْمَة عَلَى الْحَمْد وَلَمْ يَفْصِل بَيْنهمَا بِالْخَبَرِ كَانَ فِيهِ إِشْعَار بِاقْتِرَانِهِمَا وَتَلَازُمهمَا وَعَدَم مُفَارَقَة أَحَدهمَا لِلْآخَرِ فَالْإِنْعَام وَالْحَمْد قَرِينَانِ الْحَادِيَة وَالْعِشْرُونَ فِي إِعَادَة الشَّهَادَة لَهُ بِأَنَّهُ لَا شَرِيك لَهُ لَطِيفَة وَهِيَ أَنَّهُ أَخْبَرَ لَا شَرِيك لَهُ عَقِب إِجَابَته بِقَوْلِهِ لَبَّيْكَ ثُمَّ أَعَادَهَا عَقِب قَوْله إِنَّ الْحَمْد وَالنِّعْمَة لَك وَالْمُلْك لَا شَرِيك لَك وَذَلِكَ يَتَضَمَّن أَنَّهُ لَا شَرِيك لَهُ فِي الْحَمْد وَالنِّعْمَة وَالْمُلْك وَالْأَوَّل يَتَضَمَّن أَنَّهُ لَا شَرِيك لَك فِي إِجَابَة هَذِهِ الدَّعْوَة وَهَذَا نَظِير قَوْله تَعَالَى ﴿شَهِدَ اللَّه أَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَة وَأُولُو الْعِلْم قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ الْعَزِيز الْحَكِيم﴾

стр. 1588

عَلَى جَوَازِ مَا وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ عَنِ بن مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ ﷺ فَذَكَرَهُ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُلَبِّي بِغَيْرِ ذَلِكَ وَمَا تقدم عن عمر وبن عُمَرَ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لَبَّيْكَ غَفَّارَ الذُّنُوبِ وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الطَّوِيلِ فِي صِفَةِ الْحَجِّ حَتَّى اسْتَوَتْ بِهِ نَاقَتُهُ عَلَى الْبَيْدَاءِ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ قَالَ وَأَهَلَّ النَّاسُ بِهَذَا الَّذِي يُهِلُّونَ بِهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ شَيْئًا مِنْهُ وَلَزِمَ تَلْبِيَتَهُ وَالْحَاصِلُ أَنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّلْبِيَةِ الْمَرْفُوعَةِ أَفْضَلُ لِمُدَاوَمَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالزِّيَادَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَرُدَّهَا عَلَيْهِمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَيْهَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَذَا فِي الْفَتْحِ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ فَإِنْ زَادَ فِي التَّلْبِيَةِ شَيْئًا مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ وَأَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَذَلِكَ أن بن عُمَرَ حَفِظَ التَّلْبِيَةَ عَنْهُ ثُمَّ زَادَ مِنْ قِبَلِهِ زِيَادَةً وَاللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ بن ماجه انْتَهَى [١٨١٤] (أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي) وَالْحَدِيثُ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ لِلرَّجُلِ بِالتَّلْبِيَةِ بِحَيْثُ لا يضر نفسه وبه قال بن رَسْلَانَ وَخَرَجَ بِقَوْلِهِ أَصْحَابِي النِّسَاءُ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ لا تجهر بِهَا بَلْ تَقْتَصِرُ عَلَى إِسْمَاعِ نَفْسِهَا وَذَهَبَ دَاوُدُ إِلَى أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ وَاجِبٌ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فَأَمَرَنِي أَنْ آمُرَ أَصْحَابِي لَا سِيَّمَا وَأَفْعَالُ الْحَجِّ وَأَقْوَالُهُ بَيَانٌ لِمُجْمَلٍ وَاجِبٍ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى وَلِلَّهِ على الناس حج البيت وَقَوْلُهُ ﵌ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى التَّلْبِيَةَ وَاجِبَةً وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ مَنْ لَمْ يُلَبِّ لَزِمَهُ دَمٌ وَلَا شَيْءَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَنْ لَمْ يُلَبِّ قال المنذري وأخرجه الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] فَأَخْبَرَ بِأَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ فِي أَوَّل الْآيَة وَذَلِكَ دَاخِل تَحْت شَهَادَته وَشَهَادَة مَلَائِكَته وَأُولِي الْعِلْم وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُود بِهِ ثُمَّ أَخْبَرَ عَنْ قِيَامه بِالْقِسْطِ وَهُوَ الْعَدْل فَأَعَادَ الشَّهَادَة بِأَنَّهُ لَا إِلَه إِلَّا هُوَ مَعَ قِيَامه بِالْقِسْطِ

стр. 1589

٢٨ - (باب متى يقطع الحاج التَّلْبِيَةَ) [١٨١٥] (لَبَّى حَتَّى رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ ذَهَبَ عَامَّةُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي هَذَا إِلَى حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ دُونَ حَدِيثِ بن عُمَرَ وَقَالُوا لَا يَزَالُ يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِيَ جمرة العقبة إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ يَقْطَعُهَا مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَكَذَلِكَ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يُلَبِّي حَتَّى يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ ثُمَّ يَقْطَعُهَا وَقَالَ يُلَبِّي حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ يَوْمَ عَرَفَةَ فَإِذَا رَاحَ إِلَى الْمَسْجِدِ قَطَعَهَا وَقَالَ الْحَسَنُ يُلَبِّي حَتَّى يُصَلِّيَ الْغَدَاةَ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ فَإِذَا صَلَّى الْغَدَاةَ أَمْسَكَ عَنْهَا وَكَرِهَ مَالِكٌ التَّلْبِيَةَ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ وَلَمْ يَكْرَهْهَا غَيْرُهُ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ لَمْ يَزَلْ يُلَبِّي حِينَ بَلَغَ الْجَمْرَةَ فَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّهُ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ مَعَ أَوَّلِ حَصَاةٍ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا اللَّفْظِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَرْمِيَ الْجَمْرَةَ بِأَسْرِهَا سَبْعَ حَصَيَاتٍ وَقَوْلُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ وَفِي حديث بن مَسْعُودٍ نَحْوُهُ وَذَلِكَ يُؤَيِّدُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ [١٨١٦] (قَالَ غَدَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لِمُسْلِمٍ يُهِلُّ الْمُهِلُّ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ وَيُكَبِّرُ الْمُكَبِّرُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا فِي الذَّهَابِ مِنْ مِنًى إِلَى عَرَفَاتٍ يَوْمَ عَرَفَةَ وَالتَّلْبِيَةُ أَفْضَلُ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ يَقْطَعُ التَّلْبِيَةَ بَعْدَ صُبْحِ يَوْمِ عَرَفَةَ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ

стр. 1590

٢٩ - (بَاب مَتَى يَقْطَعُ الْمُعْتَمِرُ التَّلْبِيَةَ) [١٨١٧] (حَتَّى يَسْتَلِمَ الحجر) قال بن الْأَثِيرِ هُوَ افْتَعَلَ مِنَ السَّلَامِ التَّحِيَّةِ وَأَهْلُ الْيَمَنِ يُسَمُّونَ الرُّكْنَ الْأَسْوَدَ الْمُحَيَّا أَيْ أَنَّ النَّاسَ يُحَيُّونَهُ بِالسَّلَامِ وَقِيلَ هُوَ افْتَعَلَ مِنَ السَّلَامِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ وَاحِدَتُهَا سَلِمَةٌ بِكَسْرِ اللَّامِ يُقَالُ اسْتَلَمَ الْحَجَرَ إِذَا لَمَسَهُ وَتَنَاوَلَهُ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ صَحِيحٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ قَالَ أَبُو عِيسَى حَدِيثُ بن عَبَّاسٍ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا لَا يَقْطَعُ الْمُعْتَمِرُ التَّلْبِيَةَ حَتَّى يَسْتَلِمَ الْحَجَرَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إِذَا انْتَهَى إِلَى بُيُوتِ مَكَّةَ قَطَعَ التَّلْبِيَةَ وَالْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ النَّبِيِّ ﷺ وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ انْتَهَى قُلْتُ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ حَدَّثَنَا هَنَّادٌ أَخْبَرَنَا هُشَيْمٌ عَنِ بن أبي ليلى عن عطاء عن بن عَبَّاسٍ قَالَ يَرْفَعُ الْحَدِيثَ إِنَّهُ كَانَ يُمْسِكُ عَنِ التَّلْبِيَةِ فِي الْعُمْرَةِ إِذَا اسْتَلَمَ الْحَجَرَ انتهى ٠ - (باب المحرم يؤدب غلامه) [١٨١٨] وبوب بن مَاجَهْ فِي التَّوَقِّي فِي الْإِحْرَامِ (إِذَا كُنَّا بِالْعَرْجِ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَالْجِيمِ

стр. 1591

قَرْيَةٌ جَامِعَةٌ مِنْ أَعْمَالِ الْفَرْعِ عَلَى أَيَّامٍ مِنَ الْمَدِينَةِ (وَكَانَتْ زِمَالَةُ أَبِي بَكْرٍ إِلَخْ) بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ مَرْكُوبُهُمَا وَمَا كَانَ مَعَهُمَا مِنْ أَدَاوَتِ السَّفَرِ وَاحِدًا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ١ - (بَاب الرَّجُلِ يُحْرِمُ فِي ثِيَابِهِ) [١٨١٩] (أَنَّ رَجُلًا أَتَى النبي ﷺ في فتح الْبَارِي لَمْ أَقِفْ عَلَى اسْمِهِ لَكِنْ ذَكَرَ بن فَتْحُونَ أَنَّ اسْمَهُ عَطَاءُ بْنُ مُنْيَةَ قَالَ بن فَتْحُونَ إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَهُوَ أَخُو يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ رَاوِي الْخَبَرِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَطَأٌ مِنِ اسْمِ الرَّاوِي فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ عَنْ أَبِيهِ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ بَيْنَ عَطَاءٍ وَيَعْلَى أَحَدًا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَمْرَو بْنَ سَوَّادٍ إِذْ فِي كِتَابِ الشِّفَاءِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ عَنْهُ قَالَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَأَنَا مُتَخَلِّقٌ الْحَدِيثَ لَكِنْ عَمْرٌو هذا لا يدرك ذا فإنه صاحب بن وَهْبٍ (وَهُوَ بِالْجِعْرَانَةِ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ عَلَى الصَّحِيحِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عَلَى الْأَلْسِنَةِ وَهِيَ بَيْنَ الطَّائِفِ وَهِيَ إِلَى مَكَّةَ أَدْنَى فِي حُدُودِ الْحَرَمِ أحرم منه ﷺ لِلْعُمْرَةِ وَهُوَ أَفْضَلُ مِنَ التَّنْعِيمِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ﵀ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الدَّلِيلَ الْقَوْلِيَّ أَقْوَى عِنْدَهُ لِأَنَّ الْقَوْلَ لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ قَصْدِهِ وَالْفِعْلُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اتِّفَاقِيًّا لَا قَصْدِيًّا وَقَدْ أَمَرَ ﷺ عَائِشَةَ أَنْ تَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيمِ وَهُوَ أَقْرَبُ المواضع من الحرم قاله علي القارىء (وَعَلَيْهِ أَثَرُ خَلُوقٍ) بِفَتْحِ الْخَاءِ

стр. 1592

الْمُعْجَمَةِ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ يُتَّخَذُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَغَيْرِهِ حَتَّى كَادَ يَتَقَاطَرُ الطِّيبُ مِنْ بَدَنِهِ (وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ) ثَوْبٌ مَعْرُوفٌ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ جُبَّةُ الْبَرْدِ جَنَّةُ الْبَرْدِ (فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْهُ) بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ كُشِفَ عَنْهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ (اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الْخَلُوقِ) هُوَ أَعُمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِثَوْبِهِ أَوْ بِبَدَنِهِ (وَاصْنَعْ فِي عُمْرَتِكَ إِلَخْ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَ أَعْمَالَ الْحَجِّ قَالَ بن الْعَرَبِيِّ كَأَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَخْلَعُونَ الثِّيَابَ وَيَجْتَنِبُونَ الطِّيبَ فِي الْإِحْرَامِ إِذَا حَجُّوا وَكَانُوا يَتَسَاهَلُونَ فِي ذَلِكَ فِي الْعُمْرَةِ فَأَخْبَرَهُ النَّبِيُّ ﵌ أَنْ مَجْرَاهُمَا واحد وقال بن الْمُنِيرِ قَوْلُهُ وَاصْنَعْ مَعْنَاهُ اتْرُكْ لِأَنَّ الْمُرَادَ بَيَانُ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ وَهِيَ أَنَّ التَّرْكَ فِعْلٌ وَأَمَّا قَوْلُ بن بَطَّالٍ أَرَادَ الْأَدْعِيَةَ وَغَيْرَهَا مِمَّا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ فَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ التُّرُوكَ مُشْتَرَكَةٌ بِخِلَافِ الْأَعْمَالِ فَإِنَّ فِي الْحَجِّ أَشْيَاءَ زَائِدَةٌ عَلَى الْعُمْرَةِ كَالْوُقُوفِ وَمَا بَعْدَهُ قَالَهُ الْحَافِظُ قال الخطابي فيه من الفقه أن أَحْرَمَ وَعَلَيْهِ ثِيَابُ مَخِيطٍ مِنْ قَمِيصٍ وَجُبَّةٍ وَنَحْوِهِمَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ تَمْزِيقُهُ وَأَنَّهُ إِذَا نَزَعَهُ مِنْ رَأْسِهِ لَمْ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ قَالَ يَشُقُّهُ وَعَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ يُمَزِّقُ ثِيَابَهُ قُلْتُ وَهَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﵌ أَمَرَهُ بِخَلْعِ الْجُبَّةِ وَخَلَعَهَا الرَّجُلُ مِنْ رَأْسِهِ فَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ غَرَامَةً وَقَدْ نَهَى ﵌ عَنْ إِضَاعَةِ الْمَالِ وتَمْزِيقُ الثِّيَابِ تَضْيِيعٌ لَهُ فَهُوَ غَيْرُ جَائِزٍ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ [١٨٢١] (عَنْ يَعْلَى بْنِ مُنْيَةَ) يُقَالُ فِيهِ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ وَيَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ وَأُمَيَّةُ أَبُوهُ وَمُنْيَةُ أُمُّهُ (وَيَغْتَسِلَ

стр. 1593

أَيْ مَحَلَّ الطِّيبِ مِنَ الْبَدَنِ أَوِ الثَّوْبِ (مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ اغْسِلِ الطيب الذي بك ثلاث مرات قال بن جُرَيْجٍ أَحَدُ رُوَاتِهِ فَقُلْتُ لِعَطَاءٍ أَرَادَ الْإِنْقَاءَ حِينَ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقَالَ نَعَمْ قَالَ الْحَافِظُ إِنَّ عَطَاءً فَهِمَ مِنَ السِّيَاقِ أَنَّ قَوْلَهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ ﷺ لَكِنْ يُحْتَمَلُ أن يكون من كلام الصحابي وأنه ﷺ أَعَادَ لَفْظَهُ اغْسِلْهُ مَرَّةً ثُمَّ مَرَّةً عَلَى عَادَتِهِ أَنَّهُ كَانَ إِذَا تَكَلَّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا لِتُفْهَمَ عَنْهُ نَبَّهَ عَلَيْهِ عِيَاضٌ انْتَهَى وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ اغْسِلْ عَنْكَ أَثَرَ الْخَلُوقِ وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِثَوْبِهِ أَوْ بِبَدَنِهِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَلَيْهِ قَمِيصٌ فِيهِ أَثَرُ صُفْرَةٍ وَالْخَلُوقُ فِي الْعَادَةِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي الثَّوْبِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَطَاءٍ بِلَفْظِ رَأَى رَجُلًا عَلَيْهِ جُبَّةٌ عَلَيْهَا أَثَرُ خَلُوقٍ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ رَبَاحٍ عَنْ عَطَاءٍ مِثْلُهُ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ وَمَنْصُورٌ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَطَاءٍ عن يعلى أن رجلا قال يارسول اللَّهِ إِنِّي أَحْرَمْتُ وَعَلَيَّ جُبَّتِي هَذِهِ وَعَلَى جُبَّتِهِ رَدْغٌ مِنْ خَلُوقٍ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقَالَ اخْلَعْ هَذِهِ الْجُبَّةَ وَاغْسِلْ هَذَا الزَّعْفَرَانَ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا رَدٌّ عَلَى الْحَافِظِ الْإِسْمَاعِيلِيِّ حَيْثُ قَالَ لَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّ الْخَلُوقَ كَانَ عَلَى الثَّوْبِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ مُتَضَمِّخًا وَكَانَ مُصَفِّرًا لِحْيَتَهُ وَرَأَسَهُ وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ أَمَّا الطِّيبُ الَّذِي بِكَ فَاغْسِلْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَهُوَ يُوَضِّحُ أَنَّ الطِّيبَ لَمْ يَكُنْ عَلَى ثَوْبِهِ وَإِنَّمَا كَانَ عَلَى بَدَنِهِ وَلَوْ كَانَ عَلَى الْجُبَّةِ لَكَانَ فِي نَزْعِهَا كِفَايَةٌ مِنْ جِهَةِ الْإِحْرَامِ انْتَهَى كَلَامُهُ وَاسْتُدِلَّ بِحَدِيثِ الْبَابِ عَلَى مَنْعِ اسْتِدَامَةِ الطِّيبِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ لِلْأَمْرِ بِغَسْلِ أَثَرِهِ مِنَ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ بِأَنَّ قِصَّةَ يَعْلَى كَانَتْ بِالْجِعْرَانَةِ وَهِيَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ بِلَا خِلَافٍ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا طَيَّبَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِيَدِهَا عِنْدَ إِحْرَامِهِمَا وَكَانَ ذَلِكَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَهِيَ سَنَةُ عَشْرٍ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ بِالْأَمْرِ الْآخِرِ فَالْآخِرِ وَبِأَنَّ الْمَأْمُورَ بِغَسْلِهِ فِي قِصَّةِ يَعْلَى إِنَّمَا هُوَ الْخَلُوقُ لَا مُطْلَقُ الطِّيبِ فَلَعَلَّ عِلَّةَ الْآمِرِ فِيهِ مَا خَالَطَهُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ وَقَدْ ثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ تَزَعْفُرِ الرَّجُلِ مُطْلَقًا مُحْرِمًا وَغَيْرَ مُحْرِمٍ

стр. 1594

وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ مَنْ أَصَابَ طِيبًا فِي إِحْرَامِهِ نَاسِيًا أَوْ جَاهِلًا ثُمَّ عَلِمَ فَبَادَرَ إِلَى إِزَالَتِهِ فَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ وَعَلَى أَنَّ اللُّبْسَ جَهْلًا لَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ وَقَالَ مَالِكٌ إِنْ طَالَ ذَلِكَ عَلَيْهِ لَزِمَهُ دَمٌ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ يَجِبُ مُطْلَقًا ٢ - (بَابُ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ) [١٨٢٣] قَالَ الْحَافِظُ الْمُرَادُ بِالْمُحْرِمِ مَنْ أَحْرَمَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أو قرن وحكى بن دقيق العيد أن بن عَبْدِ السَّلَامِ كَانَ يَسْتَشْكِلُ مَعْرِفَةَ حَقِيقَةِ الْإِحْرَامِ يَعْنِي عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَيَرُدُّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ النِّيَّةُ لِأَنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فِي الْحَجِّ الَّذِي الْإِحْرَامُ رُكْنُهُ وَشَرْطُ الشَّيْءِ غَيْرُهُ وَيَعْتَرِضُ عَلَى مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ التَّلْبِيَةُ بِأَنَّهَا لَيْسَتْ رُكْنًا وَكَأَنَّهُ يَحُومُ عَلَى تَعْيِينِ فِعْلٍ تَتَعَلَّقُ بِهِ النِّيَّةُ فِي الِابْتِدَاءِ انْتَهَى وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ مَجْمُوعُ الصِّفَةِ الْحَاصِلَةِ مِنْ تَجَرُّدٍ وتلبية ونحو ذلك (وَلَا الْبُرْنُسَ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَالنُّونِ هُوَ كُلُّ ثَوْبٍ رَأْسُهُ مِنْهُ مُلْتَزِقٌ بِهِ مِنْ دُرَّاعَةٍ أَوْ جُبَّةٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ قَلَنْسُوَةٌ طَوِيلَةٌ كَانَ النُّسَّاكُ يَلْبَسُونَهَا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ مِنَ الْبِرْسِ بِكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ الْقُطْنِ كَذَا فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ غَطَّى رَأْسَهُ مِنْ مُعْتَادِ اللِّبَاسِ كَالْعَمَائِمِ وَالْقَلَانِسِ وَنَحْوِهَا وَكَالْبُرْنُسِ أَوِ الْحِمْلِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَالْمِكْتَلِ يَضَعُهُ فَوْقَهُ وَكُلُّ مَا دَخَلَ فِي مَعْنَاهُ فَإِنَّ فِيهِ الْفِدْيَةُ (وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ) الْوَرْسُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُهْمَلَةٌ نَبْتٌ أَصْفَرُ طيب الرائحة يصبغ به قال بن الْعَرَبِيِّ لَيْسَ الْوَرْسُ مِنَ الطِّيبِ وَلَكِنَّهُ نَبَّهَ بِهِ عَلَى اجْتِنَابِ الطِّيبِ وَمَا يُشْبِهُهُ فِي مُلَاءَمَةِ الشَّمِّ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَحْرِيمُ أَنْوَاعِ الطِّيبِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا يُقْصَدُ بِهِ التَّطَيُّبُ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ مَسَّهُ تَحْرِيمُ مَا صبغ كله أو بعضه ولكنه لابد عِنْدَ الْجُمْهُورِ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِلْمَصْبُوغِ رَائِحَةٌ فَإِنْ ذَهَبَتْ جَازَ لُبْسُهُ خِلَافًا لِمَالِكٍ (إِلَّا لِمَنْ لَا يَجِدِ النَّعْلَيْنِ) فِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ وَلْيُحْرِمْ أَحَدُكُمْ فِي إِزَارٍ وَرِدَاءٍ وَنَعْلَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ

стр. 1595

الْخُفَّيْنِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ وَاجِدَ النَّعْلَيْنِ لا يلبس الخفين المقطوعين وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَعَنْ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازُهُ وَالْمُرَادُ بِالْوِجْدَانِ الْقُدْرَةُ عَلَى التَّحْصِيلِ (أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ) هُمَا الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مِفْصَلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَى مَنْ لَبِسَهُمَا إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ تَجِبُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ وَاجِبَةً لَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ ﵌ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْحَاجَةِ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ شَرْطٌ لجواز لبس الخفين خِلَافًا لِلْمَشْهُورِ عَنْ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ أَجَازَ لُبْسَهُمَا من غير قطع لإطلاق حديث بن عَبَّاسٍ الْآتِي وَأَجَابَ عَنْهُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَاجِبٌ وَهُوَ مِنَ الْقَائِلِينَ بِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَأَنَا أَتَعَجَّبُ مِنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُخَالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُهُ وَقَلَّتْ سُنَّةٌ لَمْ تَبْلُغْهُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا وَفِيهِ أَنَّ الْمُحْرِمَ مَنْهِيٌّ عَنِ الطِّيبِ فِي بَدَنِهِ وَفِي لِبَاسِهِ وَفِي مَعْنَاهُ الطِّيبُ فِي طَعَامِهِ لِأَنَّ بُغْيَةَ النَّاسِ فِي تَطْيِيبِ الطَّعَامِ كَبُغْيَتِهِمْ فِي تَطْيِيبِ اللِّبَاسِ وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ وَوَجَدَ الْخُفَّيْنِ قَطَعَهُمَا وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا نُهِيَ عَنْهُ مِنْ تَضْيِيعِ الْمَالِ لَكِنَّهُ مُسْتَثْنًى مِنْهُ وَكُلُّ إِتْلَافٍ مِنْ بَابِ الْمَصْلَحَةِ فَلَيْسَ بِتَضْيِيعٍ وَلَيْسَ فِي أَمْرِ الشَّرِيعَةِ إِلَّا الِاتِّبَاعُ وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا فَقَالَ عطاء لا يقطعهما لأن في قطعهما فساد وَكَذَلِكَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمِمَّنْ قَالَ يَقْطَعُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مَالِكٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ بِنَحْوِهِ [١٨٢٥] (لَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ) أَيِ الْمُحْرِمَةُ وَالِانْتِقَابُ لُبْسُ غِطَاءٍ لِلْوَجْهِ فيه نقبان على العينين تَنْظُرُ الْمَرْأَةُ مِنْهُمَا قَالَ فِي الْفَتْحِ النِّقَابُ الْخِمَارُ الَّذِي يُشَدُّ عَلَى الْأَنْفِ أَوْ تَحْتَ المحاجر انتهى قاله الشوكاني وقال بن الْمُنْذِرِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ تَلْبَسُ الْمَخِيطَ والخفاف وَلَهَا أَنْ تُغَطِّيَ رَأْسَهَا لَا وَجْهَهَا فَتَسْدُلُ الثَّوْبَ سَدْلًا خَفِيفًا تُسْتَرُ بِهِ عَنْ نَظَرِ الرِّجَالِ انْتَهَى (وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ) تَثْنِيَةُ الْقُفَّازِ بِوَزْنِ رُمَّانٍ قَالَ فِي الْقَامُوسِ شَيْءٌ يُعْمَلُ لِلْيَدَيْنِ يُحْشَى بِقُطْنٍ تَلْبَسُهُمَا الْمَرْأَةُ لِلْبَرْدِ أَوْ ضَرْبٌ مِنَ الْحُلِيِّ لِلْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَالْقُفَّازُ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الْفَاءِ بَعْدَ الْأَلِفِ زَايٌ مَا تَلْبَسُهُ الْمَرْأَةُ فِي يَدِهَا فَيُغَطِّي أَصَابِعَهَا وَكَفَّيْهَا عِنْدَ مُعَانَاةِ الشَّيْءِ كَغَزْلٍ وَنَحْوِهِ وَهُوَ لِلْيَدِ كَالْخُفِّ لِلرَّجُلِ وَالنِّقَابُ الْخِمَارُ الذي يشد

стр. 1596

عَلَى الْأَنْفِ أَوْ تَحْتَ الْمَحَاجِرِ وَظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْمَرْأَةِ وَلَكِنِ الرَّجُلُ فِي الْقُفَّازِ مِثْلُهَا لكونه في معنى الخف فإن كلامنهما مُحِيطٌ بِجُزْءٍ مِنَ الْبَدَنِ وَأَمَّا النِّقَابُ فَلَا يَحْرُمُ عَلَى الرَّجُلِ مِنْ جِهَةِ الْإِحْرَامِ لِأَنَّهُ لَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَغْطِيَةُ وَجْهِهِ عَلَى الرَّاجِحِ وَمَعْنَى لَا تَنْتَقِبْ أَيْ لَا تَسْتُرْ وَجْهَهَا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَمَنَعَهُ الْجُمْهُورُ وَأَجَازَهُ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي مَنْعِهَا مِنْ سَتْرِ وَجْهِهَا وَكَفَّيْهَا بما سِوَى النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ انْتَهَى كَلَامُهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي قال علي القارىء قَوْلُهُ لَا تَنْتَقِبْ نَفْيٌ أَوْ نَهْيٌ أَيْ لَا تَسْتُرْ وَجْهَهَا بِالْبُرْقُعِ وَالنِّقَابِ وَلَوْ سَدَلَتْ عَلَى وَجْهِهَا شَيْئًا مُجَافِيًا جَازَ وَتَغْطِيَةُ وَجْهِ الرجل حَرَامٌ كَالْمَرْأَةِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ ﵏ فِي رِوَايَةٍ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ﵀ (وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ) أَيْ مَرْفُوعًا بِذِكْرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَلَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ الْحَرَامُ كَمَا رَوَاهَا اللَّيْثُ لَكِنِ اخْتُلِفَ عَلَى مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَرَوَى حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْهُ عَنْ نَافِعٍ مَرْفُوعًا كَمَا قَالَ اللَّيْثُ وَرَوَى مُوسَى بْنُ طَارِقٍ عَنْهُ عَنْ نَافِعٍ مَوْقُوفًا عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرَ وَهَكَذَا رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ وَأَيُّوبُ كُلُّهُمْ عَنْ نافع عن بن عُمَرَ مَوْقُوفًا وَأَمَّا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَدِينِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ مَرْفُوعًا لَكِنْ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ هَذَا قَلِيلُ الْحَدِيثِ هَذَا مَعْنَى قَوْلِ الْمُؤَلِّفِ وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ مرفوعا بذكر هذا الزيادة ثم قال البخاري تابعه موسى بن عقد وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة وجويرية وبن إِسْحَاقَ فِي النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ أَيْ هَؤُلَاءِ وَاللَّيْثُ بِذْكِرِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَرْفُوعًا وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ وَمَالِكٌ وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ عَنْ نَافِعٍ موقوفا هذا معنى قول البخاري

стр. 1597

قالت أَخْرَجَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ بن عُمَرَ لَا تَنْتَقِبِ الْمُحْرِمَةُ وَهُوَ اقْتَصَرَهُ عَلَى الْمَوْقُوفِ فَقَطْ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ لَا تَنْتَقِبِ الْمَرْأَةُ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ فَنَقَلَ الْحَاكِمُ عَنْ شَيْخِهِ عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ بن عُمَرَ أُدْرِجَ فِي الْحَدِيثِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ ذِكْرَ الْقُفَّازَيْنِ إِنَّمَا هُوَ من قول بن عُمَرَ لَيْسَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ إِنَّهُ رَوَاهُ اللَّيْثُ مُدْرَجًا وَقَدِ اسْتَشْكَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِمَامِ الْحُكْمَ بِالْإِدْرَاجِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ وَجْهَيْنِ الْأَوَّلُ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنِ النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ مُفْرَدًا مَرْفُوعًا كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ الْمَدَنِيِّ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ جَاءَ النَّهْيُ عَنِ الْقُفَّازَيْنِ مُبْتَدَأً بِهِ فِي صدره الْحَدِيثِ مُسْنَدًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سَابِقًا عَلَى النَّهْيِ عَنْ غَيْرِهِ قَالَ وَهَذَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِدْرَاجِ وَيُخَالِفُ الطَّرِيقَ الْمَشْهُورَةَ فروى أبو داود أيضا من طريق بن إِسْحَاقَ كَمَا سَيَأْتِي وَقَالَ الْحَافِظُ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْإِدْرَاجِ لَكِنِ الْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعِيدٍ الْمَدَنِيَّ مَجْهُولٌ وَقَدْ ذَكَرَهُ بن عَدِيٍّ مُقْتَصِرًا عَلَى ذِكْرِ النِّقَابِ وَقَالَ لَا يُتَابَعُ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ هَذَا عَلَى رَفْعِهِ قَالَ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ نَافِعٍ مِنْ قَوْلِ بن عُمَرَ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعِيدٍ هَذَا مُنْكَرُ الْحَدِيثِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي الْإِحْرَامِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مُقَارِبُ الحال وفي الوجه الثاني بن إِسْحَاقَ وَهُوَ لَا شَكَّ دُونَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ وَقَدْ فَصَلَ الْمَوْقُوفَ مِنَ الْمَرْفُوعِ وَقَوْلُ الشَّيْخِ إِنَّ هَذَا يَمْنَعُ مِنَ الْإِدْرَاجِ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِي الِاقْتِرَاحِ إِنَّهُ يُضَعِّفُ لَا يَمْنَعُهُ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ ظَنَّهُ مَرْفُوعًا قَدَّمَهُ وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي الْحَدِيثِ سَائِغٌ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى قَالَهُ العيني ﵀ [١٨٢٧] (أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ أَخْبَرَنَا أَبِي) هُوَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سعد (عن بن إِسْحَاقَ قَالَ فَإِنَّ نَافِعًا) وَلَفْظُ

стр. 1598

أَحْمَدَ حَدَّثَنِي نَافِعٌ (لَمْ يَذْكُرَا) أَيْ عَبَدَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَلَمَةَ (مَا بَعْدَهُ) أَيْ مِنْ قَوْلِهِ وَلْتَلْبَسْ إِلَى آخِرِهِ إِنَّمَا تَفَرَّدَ بِهِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ (وَجَدَ الْقُرَّ) بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْبَرْدُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ الْمُسْنَدَ مِنْهُ بِنَحْوِهِ أَتَمَّ مِنْهُ [١٨٢٩] (السَّرَاوِيلُ لِمَنْ لَا يَجِدُ الْإِزَارَ) قَالَ فِي فَتْحِ الْبَارِي هَذَا الْحُكْمُ لِلْمُحْرِمِ لَا الْحَلَالِ فَلَا يَتَوَقَّفُ جَوَازُ لُبْسِهِ السَّرَاوِيلَ عَلَى فَقْدِ الْإِزَارِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ أَحْمَدُ فَأَجَازَ لُبْسَ الْخُفِّ وَالسَّرَاوِيلِ لِلْمُحْرِمِ الَّذِي لَا يَجِدُ النَّعْلَيْنِ وَالْإِزَارَ عَلَى حَالِهِمَا وَاشْتَرَطَ الْجُمْهُورُ قَطْعَ الْخُفِّ وَفَتْقِ السراويل فَلَوْ لَبِسَ شَيْئًا مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِ لَزِمَتْهُ الفدية والدليل لهم قوله في حديث بن عُمَرَ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَيُلْحَقُ النَّظِيرُ بِالنَّظِيرِ لاستوائهما في الحكم وقال بن قُدَامَةَ الْأَوْلَى قَطْعُهُمَا عَمَلًا بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَخُرُوجًا مِنَ الْخِلَافِ انْتَهَى وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْأَكْثَرُ جَوَازُ لُبْسِ السَّرَاوِيلِ بِغَيْرِ فَتْقٍ كَقَوْلِ أَحْمَدَ وَاشْتَرَطَ الْفَتْقَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَطَائِفَةٌ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مَنْعُ السَّرَاوِيلِ لِلْمُحْرِمِ مطلقا ومثله عن مالك وكأن حديث بن عَبَّاسٍ لَمْ يَبْلُغْهُ فَفِي الْمُوَطَّأِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ الرَّازِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ يَجُوزُ لُبْسُهُ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَمَا قَالَهُ أَصْحَابُهُمْ فِي الْخُفَّيْنِ وَمَنْ أَجَازَ لُبْسَ السَّرَاوِيلِ عَلَى حَالِهِ قَيَّدَهُ بِأَنْ لَا يَكُونَ فِي حَالَةِ لَوْ فَتَقَهُ لَكَانَ إِزَارًا لِأَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ يَكُونُ وَاجِدًا لِإِزَارٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ

стр. 1599

البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ أَتَمَّ مِنْهُ (هَذَا حَدِيثُ أَهْلِ مَكَّةَ) لِأَنَّ سُلَيْمَانَ بْنَ حَرْبٍ مَكِّيٌّ وَرَوَى عَنْهُ الْمُصَنِّفُ وَإِسْنَادُ الْحَدِيثِ يَدُورُ عَلَى جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ وَهُوَ بَصْرِيٌّ وَأَنَّ جَابِرًا لَمْ يَذْكُرِ الْقَطْعَ وَتَفَرَّدَ بِذِكْرِ السَّرَاوِيلِ [١٨٣٠] (فَنُضَمِّدُ) بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ نُلَطِّخُ (جِبَاهَنَا) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَالْجَبْهَةُ مِنَ الْإِنْسَانِ تُجْمَعُ عَلَى جِبَاهٍ مِثْلُ كَلْبَةٍ وَكِلَابٍ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ هِيَ مَوْضِعُ السُّجُودِ (بِالسُّكِّ) بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْكَافِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الطِّيبِ مَعْرُوفٌ (فَإِذَا عَرِقَتْ) بِكَسْرِ الرَّاءِ (فَلَا يَنْهَاهَا) وَسُكُوتُهُ ﷺ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ لِأَنَّهُ لَا يَسْكُتُ عَلَى بَاطِلٍ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ من حديث بْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ادَّهَنَ بِزَيْتٍ غَيْرِ مُقَتَّتٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي الْقَامُوسِ زَيْتٌ مُقَتَّتٌ طُبِخَ فِيهِ الرَّيَاحِينُ أَوْ خُلِطَ بِأَدْهَانٍ طَيِّبَةٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِادِّهَانِ بِالزَّيْتِ الَّذِي لَمْ يُخْلَطُ بِشَيْءٍ مِنَ الطيب وقد قال بن الْمُنْذِرِ أَنَّهُ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَأْكُلَ الزَّيْتَ وَالشَّحْمَ وَالسَّمْنَ وَالشَّيْرَجَ وَأَنْ يَسْتَعْمِلَ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ بَدَنِهِ سِوَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ قَالَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الطِّيبَ لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهُ فِي بَدَنِهِ وَفَرَّقُوا بَيْنَ الطِّيبِ وَالزَّيْتِ فِي هَذَا ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ حديث بن عُمَر هَذَا فِيهِ أَحْكَام عَدِيدَة الْحُكْم الْأَوَّل أَنَّهُ ﷺ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَس الْمُحْرِم وَهُوَ غَيْر مَحْصُور فَأَجَابَ بِمَا لَا يَلْبَس لِحَصْرِهِ فَعُلِمَ أَنَّ غَيْره عَلَى الْإِبَاحَة وَنُبِّهَ بِالْقَمِيصِ عَلَى مَا فُصِّلَ لِلْبَدَنِ كُلّه مِنْ جُبَّة أَوْ دَلَق أَوْ دُرَّاعَة أَوْ عَرْقِشين وَنَحْوه وَنَبَّهَ بِالْعِمَامَةِ عَلَى كُلّ ساتر للرأس معتاد كالقبع والطاقية والقلنسوة والكلتة

стр. 1600

وَاسْتَدَلَّ الْمُؤَلِّفُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّ الطِّيبَ الْبَاقِيَ عَلَى الثَّوْبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ لَا يَضُرُّ لُبْسُهُ بَعْدَ الْإِحْرَامِ [١٨٣١] (يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ) لعموم حديث بن عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ شُمُولُ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ لَوْلَا هَذَا الْحَدِيثُ (فَتَرَكَ ذَلِكَ) يَعْنِي رَجَعَ عَنْ فَتْوَاهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَلْبَسَ الْخُفَّيْنِ بِغَيْرِ قَطْعٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ انْتَهَى قُلْتُ رِوَايَتُهُ لَيْسَتْ مُعَنْعَنَةً بَلْ شَافَهَ الزُّهْرِيَّ وروى عنه ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَنَحْوهَا وَنَبَّهَ بِالْبُرْنُسِ عَلَى الْمُحِيط بِالرَّأْسِ وَالْبَدَن جَمِيعًا كَالْغِفَارَةِ وَنَحْوهَا وَنَبَّهَ بِالسَّرَاوِيلِ عَلَى الْمُفَصَّل عَلَى الْأَسَافِل كَالتُّبَّانِ وَنَحْوه وَنَبَّهَ بِالْخُفَّيْنِ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِنْ الْجُرْمُوق وَالْجَوْرَب وَالزُّرْبُول ذِي السَّاق وَنَحْوه الْحُكْم الثَّانِي أَنَّهُ مَنَعَهُ مِنْ الثَّوْب الْمَصْبُوغ بِالْوَرْسِ أَوْ الزَّعْفَرَان وَلَيْسَ هَذَا لِكَوْنِهِ طِيبًا فَإِنَّ الطِّيب فِي غَيْر الْوَرْس وَالزَّعْفَرَان أَشَدّ وَلِأَنَّهُ خَصَّهُ بِالثَّوْبِ دُون الْبَدَن وَإِنَّمَا هَذَا مِنْ أَوْصَاف الثَّوْب الَّذِي يُحْرِم فِيهِ أَنْ لَا يَكُون مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ وَلَا زَعْفَرَان وَقَدْ نُهِيَ أَنْ يَتَزَعْفَر الرَّجُل وَهَذَا مَنْهِيّ عَنْهُ خَارِج الْإِحْرَام وَفِي الْإِحْرَام أَشَدّ وَالنَّبِيّ ﷺ لَمْ يَتَعَرَّض هُنَا إِلَّا لِأَوْصَافِ الْمَلْبُوس لَا لِبَيَانِ جَمِيع مَحْظُورَات الْإِحْرَام الْحُكْم الثَّالِث أَنَّهُ ﷺ رَخَّصَ فِي لِبْس الْخُفَّيْنِ عِنْد عَدَم النَّعْلَيْنِ وَلَمْ يَذْكُر فَدِيَة وَرَخَّصَ فِي حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة فِي حَلْق رَأْسه مَعَ الْفِدْيَة وَكِلَاهُمَا مَحْظُور بِدُونِ الْعُذْر وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ أَذَى الرَّأْس ضَرُورَة خَاصَّة لَا تَعُمّ فَهِيَ رَفَاهِيَة لِلْحَاجَةِ وَأَمَّا لِبْس الْخُفَّيْنِ عِنْد عَدَم النَّعْلَيْنِ فَبَدَل يَقُوم مَقَام الْمُبْدَل وَالْمُبْدَل وَهُوَ النَّعْل لَا فَدِيَة فِيهِ فَلَا فَدِيَة فِي بَدَله وَأَمَّا حَلْق الرَّأْس فَلَيْسَ بِبَدَلٍ وَإِنَّمَا هُوَ تَرَفُّه لِلْحَاجَةِ فَجُبِرَ بِالدَّمِ الْحُكْم الرَّابِع أَنَّهُ أَمَرَ لَابِس الْخُفَّيْنِ بقطعهما أسفل من كعبيه في حديث بن عُمَر لِأَنَّهُ إِذَا قَطَعَهُمَا أَسْفَل مِنْ الْكَعْبَيْنِ صَارَا شَبِيهَيْنِ بِالنَّعْلِ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاء فِي هَذَا الْقَطْع هَلْ هُوَ وَاجِب أَمْ لَا عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّهُ وَاجِب وَهَذَا قَوْل الشَّافِعِيّ وأبي حنيفة ومالك والثوري وإسحاق وبن الْمُنْذِر وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد لِأَمْرِ رَسُول اللَّه ﷺ بِقَطْعِهِمَا وَتَعَجَّبَ الْخَطَّابِيّ مِنْ أَحْمَد فَقَالَ الْعَجَب

стр. 1601

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] مِنْ أَحْمَد فِي هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَكَاد يُخَالِف سُنَّة تَبْلُغهُ وَقُلْت سُنَّة لَمْ تَبْلُغهُ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَة إِذَا لَمْ يَقْطَعهُمَا تَلْزَمهُ الْفِدْيَة وَالثَّانِي أَنَّ الْقَطْع لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَهُوَ أَصَحّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد وَيُرْوَى عَنْ عَلِيّ بن أبي طالب وهو قول أصحاب بن عَبَّاس وَعَطَاء وَعِكْرِمَة وَهَذِهِ الرِّوَايَة أَصَحّ لِمَا في الصحيحين عن بن عَبَّاس قَالَ سَمِعْت النَّبِيّ ﷺ يَخْطُب بِعَرَفَاتٍ مَنْ لَمْ يَجِد إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيل وَمَنْ لَمْ يَجِد نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ فَأَطْلَقَ الْإِذْن فِي لِبْس الْخُفَّيْنِ وَلَمْ يَشْتَرِط الْقَطْع وَهَذَا كَانَ بِعَرَفَاتٍ وَالْحَاضِرُونَ مَعَهُ إِذْ ذَاكَ أَكْثَرهمْ لَمْ يَشْهَدُوا خُطْبَته بِالْمَدِينَةِ فَإِنَّهُ كَانَ مَعَهُ مِنْ أَهْل مَكَّة وَالْيَمَن وَالْبَوَادِي مَنْ لَا يُحْصِيهِمْ إِلَّا اللَّه تَعَالَى وَتَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْحَاجَة مُمْتَنِع وَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ جَابِر قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه ﷺ مَنْ لَمْ يَجِد نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَمَنْ لَمْ يَجِد إِزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيل فَهَذَا كَلَام مُبْتَدَأ مِنْ النَّبِيّ ﷺ بَيَّنَ فِيهِ فِي عَرَفَات فِي أَعْظَم جَمْع كَانَ لَهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجِد الْإِزَار فَلْيَلْبَسْ السَّرَاوِيل وَمَنْ لَمْ يَجِد النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلَمْ يَأْمُر بِقَطْعِ وَلَا فَتْق وَأَكْثَر الْحَاضِرِينَ بِعَرَفَاتٍ لَمْ يَسْمَعُوا خُطْبَته بِالْمَدِينَةِ وَلَا سَمِعُوهُ يَأْمُر بِقَطْعِ الْخُفَّيْنِ وَتَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْته مُمْتَنِع فَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ هَذَا الْجَوَاز لَمْ يَكُنْ شُرِعَ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّ الَّذِي شُرِعَ بِالْمَدِينَةِ هُوَ لُبْس الْخُفّ الْمَقْطُوع ثُمَّ شُرِعَ بِعَرَفَاتٍ لُبْس الْخُفّ مِنْ غَيْر قَطْع فَإِنْ قِيلَ فحديث بن عمر مقيد وحديث بن عَبَّاس مُطْلَق وَالْحُكْم وَالسَّبَب وَاحِد وَفِي مِثْل هَذَا يَتَعَيَّن حَمْل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد وَقَدْ أمر في حديث بن عُمَر بِالْقَطْعِ فَالْجَوَاب مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدهمَا أَنَّ قوله في حديث بن عُمَر وَلْيَقْطَعْهُمَا قَدْ قِيلَ إِنَّهُ مُدْرَج مِنْ كَلَام نَافِع قَالَ صَاحِب الْمُغْنِي كَذَلِكَ رُوِيَ فِي أَمَالِي أَبِي الْقَاسِم بْن بشران بِإِسْنَادٍ صَحِيح أَنَّ نَافِعًا قَالَ بَعْد رِوَايَته لِلْحَدِيثِ وَلْيَقْطَعْ الْخُفَّيْنِ أَسْفَل مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَالْإِدْرَاج فِيهِ مُحْتَمِل لِأَنَّ الْجُمْلَة الثَّانِيَة يَسْتَقِلّ الْكَلَام الْأَوَّل بِدُونِهَا فَالْإِدْرَاج فِيهِ مُمْكِن فَإِذَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ أَنَّ نَافِعًا قَالَهُ زَالَ الْإِشْكَال وَيَدُلّ على صحة هذا أن بن عُمَر كَانَ يُفْتِي بِقَطْعِهِمَا لِلنِّسَاءِ فَأَخْبَرَتْهُ صَفِيَّة بِنْت أَبِي عُبَيْد عَنْ عَائِشَة أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ رَخَّصَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَس الْخُفَّيْنِ وَلَا يَقْطَعهُمَا قَالَتْ صَفِيَّة فَلَمَّا أَخْبَرَتْهُ بِهَذَا رَجَعَ الْجَوَاب الثَّانِي أَنَّ الْأَمْر بِالْقَطْعِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ وَرَسُول اللَّه ﷺ يَخْطُب عَلَى الْمِنْبَر فَنَادَاهُ رَجُل فَقَالَ مَا يَلْبَس الْمُحْرِم مِنْ الثِّيَاب فأجابه بذلك وفيه الأمر بالقطع وحديث بن عَبَّاس وَجَابِر بَعْده

стр. 1602

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَعَمْرو بْن دِينَار رَوَى الْحَدِيثَيْنِ مَعًا ثُمَّ قَالَ اُنْظُرُوا أَيّهمَا كَانَ قَبْل وَهَذَا يَدُلّ على أنهم علموا نسخ الأمر بحديث بن عَبَّاس وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ قَالَ أَبُو بَكْر النَّيْسَابُورِيّ حديث بن عُمَر قَبْل لِأَنَّهُ قَالَ نَادَى رَجُل رَسُول اللَّه ﷺ وَهُوَ فِي المسجد فذكره وبن عَبَّاس يَقُول سَمِعْت رَسُول اللَّه ﷺ يَخْطُب بِعَرَفَاتٍ فَإِنْ قِيلَ حَدِيث بن عباس رواه أيوب والثوري وبن عيينة وبن زيد وبن جُرَيْجٍ وَهُشَيْم كُلّهمْ عَنْ عَمْرو بْن دِينَار عن جابر بن زيد عن بن عَبَّاس وَلَمْ يَقُلْ أَحَد مِنْهُمْ بِعَرَفَاتٍ غَيْر شُعْبَة وَرِوَايَة الْجَمَاعَة أَوْلَى مِنْ رِوَايَة الْوَاحِد قِيلَ هَذَا عَبَث فَإِنَّ هَذِهِ اللَّفْظَة مُتَّفَق عَلَيْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَنَاهِيك بِرِوَايَةِ شُعْبَة لَهَا وَشُعْبَة حَفِظَهَا وَغَيْره لَمْ يَنْفِهَا بَلْ هِيَ فِي حُكْم جُمْلَة أُخْرَى فِي الْحَدِيث مُسْتَقِلَّة وَلَيْسَتْ تَتَضَمَّن مُخَالَفَة لِلْآخَرِينَ وَمِثْل هَذَا يُقْبَل وَلَا يُرَدّ وَلِهَذَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقَدْ قَالَ علي ﵁ قَطْع الْخُفَّيْنِ فَسَاد يَلْبَسهُمَا كَمَا هُمَا وَهَذَا مُقْتَضَى الْقِيَاس فَإِنَّ النَّبِيّ ﷺ سَوَّى بَيْن السَّرَاوِيل وَبَيْن الْخُفّ فِي لِبْس كُلّ مِنْهُمَا عِنْد عَدَم الْإِزَار وَالنَّعْل وَلَمْ يَأْمُر بِفَتْقِ السَّرَاوِيل لَا فِي حَدِيث بن عمر ولا في حديث بن عَبَّاس وَلَا غَيْرهمَا وَلِهَذَا كَانَ مَذْهَب الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ يَلْبَس السَّرَاوِيل بِلَا فَتْق عِنْد عَدَم الْإِزَار فَكَذَلِكَ الْخُفّ يُلْبَس وَلَا يُقْطَع وَلَا فَرْق بَيْنهمَا وَأَبُو حَنِيفَة طَرَدَ الْقِيَاس وَقَالَ يَفْتَق السَّرَاوِيل حَتَّى يَصِير كَالْإِزَارِ وَالْجُمْهُور قَالُوا هَذَا خِلَاف النَّصّ لِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ السَّرَاوِيل لِمَنْ لَمْ يَجِد الْإِزَار وَإِذَا فُتِقَ لَمْ يَبْقَ سَرَاوِيل وَمَنْ اِشْتَرَطَ قَطْع الْخُفّ خَالَفَ الْقِيَاس مَعَ مُخَالَفَته النَّصّ الْمُطْلَق بِالْجَوَازِ وَلَا يَسْلَم مِنْ مُخَالَفَة النَّصّ وَالْقِيَاس إِلَّا مَنْ جَوَّزَ لِبْسهمَا بِلَا قَطْع أَمَّا الْقِيَاس فَظَاهِر وَأَمَّا النَّصّ فَمَا تَقَدَّمَ تَقْدِيره وَالْعَجَب أَنَّ مَنْ يُوجِب الْقَطْع يوجب مالا فَائِدَة فِيهِ فَإِنَّهُمْ لَا يُجَوِّزُونَ لِبْس الْمَقْطُوع كَالْمَدَاسِ وَالْجُمْجُم وَنَحْوهمَا بَلْ عِنْدهمْ الْمَقْطُوع كَالصَّحِيحِ فِي عَدَم جَوَاز لِبْسه فَأَيّ مَعْنًى لِلْقَطْعِ وَالْمَقْطُوع عِنْدكُمْ كَالصَّحِيحِ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَة فَيُجَوِّز لِبْس الْمَقْطُوع وَلَيْسَ عِنْده كَالصَّحِيحِ وَكَذَلِكَ الْمَدَاس وَالْجُمْجُم وَنَحْوهمَا قَالَ شَيْخنَا وَأَفْتَى بِهِ جَدِّي أَبُو الْبَرَكَات فِي آخِر عُمْره لَمَّا حَجَّ قَالَ شَيْخنَا وَهُوَ الصَّحِيح لِأَنَّ الْمَقْطُوع لِبْسه أَصْل لَا بَدَل قَالَ شَيْخنَا فَأَبُو حَنِيفَة فهم من حديث بن عُمَر أَنَّ الْمَقْطُوع لِبْسه أَصْل لَا بَدَل فَجَوَّزَ لِبْسه مُطْلَقًا وَهَذَا فَهْم صَحِيح وَقَوْله فِي هَذَا أَصَحّ مِنْ قَوْل الثَّلَاثَة وَالثَّلَاثَة فَهِمُوا مِنْهُ الرُّخْصَة فِي لِبْس السَّرَاوِيل عَنْهُ عَدَم الْإِزَار وَالْخُفّ عِنْد عَدَم النَّعْل وَهَذَا فَهْم صَحِيح وَقَوْلهمْ فِي

стр. 1603

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] هَذَا أَصَحّ مِنْ قَوْله وَأَحْمَد فَهِمَ مِنْ النَّصّ الْمُتَأَخِّر لِبْس الْخُفّ صَحِيحًا بِلَا قَطْع عِنْد عَدَم النَّعْل وَأَنَّ ذَلِكَ نَاسِخ لِلْأَمْرِ بِالْقَطْعِ وَهَذَا فَهْم صَحِيح وَقَوْله فِي ذَلِكَ أَصَحّ الْأَقْوَال فَإِنْ قِيلَ فَلَوْ كَانَ الْمَقْطُوع أَصْلًا لَمْ يَكُنْ عَدَم النَّعْل شَرْطًا فِيهِ وَالنَّبِيّ ﷺ إِنَّمَا جَعَلَهُ عِنْد عَدَم النَّعْل قِيلَ بَلْ الْحَدِيث دَلِيل عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ كَالْخُفِّ إِذْ لَوْ كَانَ كَالْخُفِّ لَمَا أَمَرَ بِقَطْعِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بِقَطْعِهِ يَخْرُج مِنْ شَبَه الْخُفّ وَيَلْتَحِق بِالنَّعْلِ وَأَمَّا جَعْله عَدَم النَّعْل شَرْطًا فَلِأَجْلِ أَنَّ الْقَطْع إِفْسَاد لِصُورَتِهِ وَمَالِيَّته وَهَذَا لَا يُصَار إِلَيْهِ إِلَّا عِنْد عَدَم النَّعْل وَأَمَّا مَعَ وُجُود النَّعْل فَلَا يَفْسُد الْخُفّ وَيُعْدَم مَالِيَّته فَإِذَا تَبَيَّنَ هَذَا تَبَيَّنَ أَنَّ الْمَقْطُوع مُلْحَق بِالنَّعْلِ لَا بِالْخُفِّ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة وَأَنَّ عَلَى قَوْل الْمُوجِبِينَ لِلْقَطْعِ لَا فَائِدَة فِيهِ فَإِنَّهُمْ لَا يُجَوِّزُونَ لِبْس الْمَقْطُوع وَهُوَ عِنْدهمْ كَالْخُفِّ فَإِنْ قِيلَ فَغَايَة مَا يَدُلّ عَلَيْهِ الْحَدِيث جَوَاز الِانْتِقَال إِلَى الْخُفّ وَالسَّرَاوِيل عِنْد عَدَم النَّعْل وَالْإِزَار وَهَذَا يُفِيد الْجَوَاز وَأَمَّا سُقُوط الْفِدْيَة فَلَا فَهَلَّا قُلْتُمْ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَة يَجُوز لَهُ ذَلِكَ مَعَ الْفِدْيَة فَاسْتَفَادَ الْجَوَاز مِنْ هَذَا الْحَدِيث وَاسْتَفَادَ الْفِدْيَة مِنْ حَدِيث كَعْب بْن عُجْرَة حَيْثُ جَوَّزَ لَهُ فِعْل الْمَحْظُور مَعَ الْفِدْيَة فَكَانَ أَسْعَد بِالنُّصُوصِ وَبِمُوَافَقَتِهَا مِنْكُمْ مَعَ مُوَافَقَته لِابْنِ عُمَر فِي ذَلِكَ قِيلَ بَلْ إِيجَاب الْفِدْيَة ضَعِيف فِي النَّصّ وَالْقِيَاس فَإِنَّ النَّبِيّ ﷺ ذَكَرَ الْبَدَل فِي حَدِيث بن عمر وبن عَبَّاس وَجَابِر وَعَائِشَة وَلَمْ يَأْمُر فِي شَيْء مِنْهَا بِالْفِدْيَةِ مَعَ الْحَاجَة إِلَى بَيَانهَا وَتَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْته مُمْتَنِع فَسُكُوته عَنْ إِيجَابهَا مَعَ شِدَّة الْحَاجَة إِلَى بَيَانه لَوْ كَانَ وَاجِبًا دَلِيل عَلَى عَدَم الْوُجُوب كَمَا أَنَّهُ جَوَّزَ لِبْس السَّرَاوِيل بِلَا فَتْق وَلَوْ كَانَ الْفَتْق وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ وَأَمَّا الْقِيَاس فَضَعِيف جِدًّا فَإِنْ قِيلَ هَذَا مِنْ بَاب الْأَبْدَال الَّتِي تَجُوز عِنْد عَدَم مُبْدَلَاتهَا كَالتُّرَابِ عِنْد عَدَم الْمَاء وَكَالصِّيَامِ عِنْد الْعَجْز عَنْ الْإِعْتَاق وَالْإِطْعَام وَكَالْعِدَّةِ بِالْأَشْهُرِ عِنْد تَعَذُّر الْأَقْرَاء وَنَظَائِره وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَاب الْمَحْظُور الْمُسْتَبَاح بِالْفِدْيَةِ وَالْفَرْق بَيْنهمَا أَنَّ النَّاس مُشْتَرِكُونَ فِي الْحَاجَة إِلَى لِبْس مَا يَسْتُرُونَ بِهِ عَوْرَاتهمْ وَيَقُونَ بِهِ أَرْجُلهمْ الْأَرْض وَالْحُرّ وَالشَّوْك وَنَحْوه فَالْحَاجَة إِلَى ذَلِكَ عَامَّة وَلَمَّا اِحْتَاجَ إِلَيْهِ الْعُمُوم لَمْ يُحْظَر عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمْ فِيهِ فَائِدَة بِخِلَافِ مَا يُحْتَاج إِلَيْهِ لِمَرَضٍ أَوْ بُرْد فَإِنَّ ذَلِكَ حَاجَة لِعَارِضٍ وَلِهَذَا رَخَّصَ النَّبِيّ ﷺ لِلنِّسَاءِ فِي اللِّبَاس مُطْلَقًا بِلَا فَدِيَة وَنَهَى عَنْ النِّقَاب وَالْقُفَّازَيْنِ فَإِنَّ الْمَرْأَة لَمَّا كَانَتْ كُلّهَا عَوْرَة وَهِيَ مُحْتَاجَة إِلَى سَتْر بَدَنهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا فِي سَتْر بَدَنهَا فِدْيَة وَكَذَلِكَ حَاجَة الرِّجَال إِلَى السَّرَاوِيلَات وَالْخِفَاف هِيَ عَامَّة إِذَا لَمْ يجدوا الإزار والنعال وبن عُمَر لَمَّا لَمْ يَبْلُغهُ حَدِيث الرُّخْصَة مُطْلَقًا أَخَذَ بِحَدِيثِ الْقَطْع وَكَانَ يَأْمُر النِّسَاء بِقَطْعِ الْخِفَاف حَتَّى أَخْبَرَتْهُ بَعْد هَذَا صَفِيَّة زَوْجَته عن عائشة أن النبي ﷺ أَرْخَصَ لِلنِّسَاءِ فِي ذَلِكَ فَرَجَعَ عَنْ قوله

стр. 1604

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] وَمِمَّا يُبَيِّن أَنَّ النَّبِيّ ﷺ أَرْخَصَ فِي الْخُفَّيْنِ بِلَا قَطْع بَعْد أَنْ مَنَعَ مِنْهُمَا أَنَّ فِي حَدِيث بن عُمَر الْمَنْع مِنْ لِبْس السَّرَاوِيل مُطْلَقًا وَلَمْ يُبَيِّن فِيهِ حَالَةً مِنْ حَالَةٍ وَفِي حَدِيث بن عَبَّاس وَجَابِر الْمُتَأَخِّرِينَ تَرْخِيصه فِي لِبْس السَّرَاوِيل عِنْد عَدَم الْإِزَار فَدَلَّ عَلَى أَنَّ رُخْصَة الْبَدَل لَمْ تَكُنْ شُرِعَتْ فِي لِبْس السَّرَاوِيل وَأَنَّهَا إِنَّمَا شُرِعَتْ وَقْت خَطَبَتْهُ بِهَا وَهِيَ مُتَأَخِّرَة فَكَانَ الْأَخْذ بِالْمُتَأَخِّرِ أَوْلَى لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُؤْخَذ بِالْآخِرِ فَالْآخِر مِنْ أَمْر رَسُول اللَّه ﷺ فَمَدَار الْمَسْأَلَة عَلَى ثَلَاث نُكَت إِحْدَاهَا أَنَّ رُخْصَة الْبَدَلِيَّة إِنَّمَا شُرِعَتْ بِعَرَفَاتٍ وَلَمْ تُشْرَع قَبْل وَالثَّانِيَة أَنَّ تَأْخِير الْبَيَان عَنْ وَقْت الْحَاجَة مُمْتَنِع وَالثَّالِثَة أَنَّ الْخُفّ الْمَقْطُوع كَالنَّعْلِ أَصْل لَا أَنَّهُ بدل والله أعلم فصل وأما نَهْيه ﷺ فِي حَدِيث بن عُمَر الْمَرْأَة أَنْ تَنْتَقِب وَأَنْ تَلْبَس الْقُفَّازَيْنِ فَهُوَ دَلِيل عَلَى أَنَّ وَجْه الْمَرْأَة كَبَدَنِ الرَّجُل لَا كَرَأْسِهِ فَيَحْرُم عَلَيْهَا فِيهِ مَا وُضِعَ وَفُصِّلَ عَلَى قَدْر الْوَجْه كَالنِّقَابِ وَالْبُرْقُع وَلَا يَحْرُم عَلَيْهَا سَتْره بِالْمِقْنَعَةِ وَالْجِلْبَاب وَنَحْوهمَا وَهَذَا أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ فَإِنَّ النَّبِيّ ﷺ سَوَّى بَيْن وَجْههَا وَيَدَيْهَا وَمَنَعَهَا مِنْ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَاب وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَا يَحْرُم عَلَيْهَا سَتْر يَدَيْهَا وَأَنَّهُمَا كَبَدَنِ الْمُحْرِم يَحْرُم سَتْرهمَا بِالْمُفَصَّلِ عَلَى قَدْرهمَا وَهُمَا الْقُفَّازَانِ فَهَكَذَا الْوَجْه إِنَّمَا يَحْرُم سَتْره بِالنِّقَابِ وَنَحْوه وَلَيْسَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ حَرْف وَاحِد فِي وُجُوب كَشْف الْمَرْأَة وَجْههَا عِنْد الْإِحْرَام إِلَّا النَّهْي عَنْ النِّقَاب وَهُوَ كَالنَّهْيِ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ فَنِسْبَة النِّقَاب إِلَى الْوَجْه كَنِسْبَةِ الْقُفَّازَيْنِ إِلَى الْيَد سَوَاء وَهَذَا وَاضِح بِحَمْدِ اللَّه وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ أَسْمَاء أَنَّهَا كَانَتْ تُغَطِّي وَجْههَا وَهِيَ مُحْرِمَة وَقَالَتْ عَائِشَة كَانَتْ الرُّكْبَان يَمُرُّونَ بِنَا وَنَحْنُ مُحْرِمَات مَعَ رَسُول اللَّه ﷺ فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا سَدَلَتْ إِحْدَانَا جِلْبَابهَا عَلَى وَجْههَا فَإِذَا جَاوَزُونَا كَشَفْنَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَاشْتِرَاط الْمُجَافَاة عَنْ الْوَجْه كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَغَيْره ضَعِيف لا أصل له دليل وَلَا مَذْهَبًا قَالَ صَاحِب الْمُغْنِي وَلَمْ أَرَ هَذَا الشَّرْط يَعْنِي الْمُجَافَاة عَنْ أَحْمَد وَلَا هُوَ فِي الْخَبَر مَعَ أَنَّ الظَّاهِر خِلَافه فَإِنَّ الثَّوْب الْمُسْدَل لَا يَكَاد يَسْلَم مِنْ إِصَابَة الْبَشَرَة فَلَوْ كَانَ هَذَا شَرْطًا لَبَيَّنَ وَإِنَّمَا مُنِعَتْ الْمَرْأَة مِنْ الْبُرْقُع وَالنِّقَاب وَنَحْوهمَا مِمَّا يُعَدّ لِسَتْرِ الْوَجْه قَالَ أَحْمَد لَهَا أَنْ تُسْدِل عَلَى وَجْههَا مِنْ فَوْق وَلَيْسَ لَهَا أَنْ تَرْفَع الثَّوْب مِنْ أَسْفَل كَأَنَّهُ يَقُول إِنَّ النِّقَاب مِنْ أَسْفَل عَلَى وَجْههَا تَمَّ كَلَامه فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيّ عَنْ النَّبِيّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ إِحْرَام الرَّجُل فِي رَأْسه وَإِحْرَام الْمَرْأَة فِي وَجْههَا فَجَعَلَ وَجْه الْمَرْأَة كَرَأْسِ الرَّجُل وَهَذَا يَدُلّ عَلَى وُجُوب كَشْفه

стр. 1605

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قِيلَ هَذَا الْحَدِيث لَا أَصْل لَهُ وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَد مِنْ أَصْحَاب الْكُتُب الْمُعْتَمَد عَلَيْهَا وَلَا يُعْرَف لَهُ إِسْنَاد وَلَا تَقُوم بِهِ حُجَّة وَلَا يُتْرَك لَهُ الْحَدِيث الصَّحِيح الدَّالّ عَلَى أَنَّ وَجْههَا كَبَدَنِهَا وَأَنَّهُ يَحْرُم عَلَيْهَا فِيهِ مَا أُعِدّ لِلْعُضْوِ كَالنِّقَابِ وَالْبُرْقُع وَنَحْوه لَا مُطْلَق السَّتْر كَالْيَدَيْنِ وَاَللَّه أَعْلَم قَالَ الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ تَحْرِيم لِبْس الْقُفَّازَيْنِ قَوْل عَبْد اللَّه بْن عمر وعطاء وطاووس وَمُجَاهِد وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيُّ وَمَالِك وَالْإِمَام أَحْمَد وَالشَّافِعِيّ فِي أَحَد قَوْلَيْهِ وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ وَتُذْكَر الرُّخْصَة عَنْ عَلِيّ وَعَائِشَة وَسَعْد بْن أَبِي وَقَّاص وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَة وَالشَّافِعِيّ فِي الْقَوْل الْآخَر وَنَهْي الْمَرْأَة عَنْ لِبْسهمَا ثَابِت فِي الصَّحِيح كَنَهْيِ الرَّجُل عَنْ لِبْس الْقَمِيص وَالْعَمَائِم وَكِلَاهُمَا فِي حَدِيث وَاحِد عَنْ رَاوٍ وَاحِد وَكَنَهْيِهِ الْمَرْأَة عَنْ النِّقَاب وَهُوَ فِي الْحَدِيث نَفْسه وَسُنَّة رَسُول اللَّه ﷺ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ وَهِيَ حُجَّة عَلَى مَنْ خَالَفَهَا وَلَيْسَ قَوْل مَنْ خَالَفَهَا حجة عليها فأما تعليل حديث بن عُمَر فِي الْقُفَّازَيْنِ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْله فَإِنَّهُ تَعْلِيل بَاطِل وَقَدْ رَوَاهُ أَصْحَاب الصَّحِيح وَالسُّنَن والمسانيد عن بْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ ﷺ فِي حَدِيث نَهْيه عَنْ لِبْس الْقُمُص وَالْعَمَائِم وَالسَّرَاوِيلَات وَانْتِقَاب الْمَرْأَة وَلِبْسهَا الْقُفَّازَيْنِ وَلَا رَيْب عِنْد أَحَد مِنْ أَئِمَّة الْحَدِيث أَنَّ هَذَا كُلّه حَدِيث وَاحِد مِنْ أَصَحّ الْأَحَادِيث عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ مرفوعا إليه ليس من كلام بن عُمَر وَمَوْضِع الشُّبْهَة فِي تَعْلِيله أَنَّ نَافِعًا اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ فِيهِ فَرَوَاهُ اللَّيْث بْن سَعْد عنه عن بْن عُمَر عَنْ النَّبِيّ ﷺ فَذَكَرَ فِيهِ وَلَا تَلْبَس الْقُفَّازَيْنِ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ حَاتِم بْن إِسْمَاعِيل وَيَحْيَى بْن أَيُّوب عَنْ مُوسَى بْن عُقْبَة عَنْ نَافِع عَلَى مَا قَالَ اللَّيْث وَرَوَاهُ مُوسَى بْن طَارِق عَنْ مُوسَى بْن عقبة مَوْقُوفًا على بن عُمَر وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عُبَيْد اللَّه بْن عُمَر وَمَالِك وَأَيُّوب مَوْقُوفًا وَكَذَلِكَ هُوَ فِي الْمُوَطَّأ عَنْ نَافِع أَنَّ عَبْد اللَّه بْن عُمَر كَانَ يَقُول لَا تَنْتَقِب الْمَرْأَة وَلَا تَلْبَس الْقُفَّازَيْنِ وَلَكِنْ قَدْ رَفَعَهُ اللَّيْث بْن سَعْد وَمُوسَى بْن عقبة فِي الْأَكْثَر عَنْهُ وَإِبْرَاهِيم بْن سَعْد أَيْضًا رَفَعَهُ عَنْ نَافِع ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق عَنْ نَافِع مَرْفُوعًا كَمَا تَقَدَّمَ فَأَمَّا حَدِيث اللَّيْث بْن سَعْد فَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ فِي صَحِيحه وَالتِّرْمِذِيّ وَقَالَ حَدِيث صَحِيح وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنه وَلَمْ يَرَوْا وَقْف مَنْ وَقَفَهُ عِلَّة وَأَمَّا حَدِيث مُوسَى بْن عقبة فَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنه عَنْ سُوَيْد بْن نَصْر أَخْبَرَنَا عَبْد اللَّه بْن الْمُبَارَك عَنْ مُوسَى بْن عقبة فَذَكَرَ الْحَدِيث وَقَالَ فِي آخِره وَلَا تَنْتَقِب الْمَرْأَة الْحَرَام وَلَا تَلْبَس الْقُفَّازَيْنِ مَرْفُوعًا قَالَ الْبُخَارِيّ تَابَعَهُ مُوسَى بْن عُقْبَة وَإِسْمَاعِيل بْن إبراهيم بن عقبة وجويرية وبن إِسْحَاق فِي النِّقَاب وَالْقُفَّازَيْنِ وَقَالَ عُبَيْد اللَّه وَكَانَ يَقُول لَا تَنْتَقِب الْمُحْرِمَة وَلَا تَلْبَس القفازين وقال مالك عن

стр. 1606

٣٣ - (بَاب الْمُحْرِمِ يَحْمِلُ السِّلَاحَ) [١٨٣٢] (عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا) النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ (إِلَّا بِجُلْبَانِ السِّلَاحِ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ شِبْهُ الْجِرَابِ مِنَ الْأَدَمِ يُوضَعُ فِيهِ السَّيْفُ مغمورا ويطرح فيه الراكب سوطه وأدائه وَيُعَلِّقُهُ فِي آخِرَةِ الْكُورِ أَوْ وَسَطِهِ وَرَوَاهُ الْقُتَيْبِيُّ بِضَمِّ الْجِيمِ وَاللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ وَقَالَ هُوَ أَوْعِيَةُ السِّلَاحِ بِمَا فِيهَا وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَلَا يَدْخُلُهَا إِلَّا بِجُلْبَانِ السِّلَاحِ السَّيْفِ وَالْقَوْسِ وَنَحْوِهِ يُرِيدُ مَا يَحْتَاجُ فِي إِظْهَارِهِ وَالْقِتَالِ بِهِ إِلَى مُعَانَاةٍ لَا كَالرِّمَاحِ لِأَنَّهَا مُظْهَرَةٌ يُمْكِنُ تَعْجِيلِ الْأَذَى بِهَا وَإِنَّمَا اشْتَرَطُوا ذَلِكَ لِيَكُونَ عَلَمًا وَأَمَارَةً لِلسِّلْمِ إِذَا كَانَ دخولهم صلحا كذا في النهاية وقال بن بَطَّالٍ أَجَازَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ حَمْلَ السِّلَاحِ لِلْمُحْرِمِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَكَرِهَهُ الْحَسَنُ (قَالَ الْقِرَابُ بِمَا فِيهِ) قَالَ الْكِرْمَانِيُّ الْقِرَابُ جِرَابٌ قُلْتُ لَيْسَ بِجِرَابٍ وَلَكِنَّهُ يُشْبِهُ الْجِرَابَ يَطْرَحُ فِيهِ الرَّاكِبُ سَيْفَهُ بِغِمْدِهِ وَسَوْطَهُ وَيُطْرَحُ فِيهِ زَادٌ مِنْ تَمْرٍ وَغَيْرِهِ قَالَهُ الْعَيْنِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَكَذَا جَاءَ تَفْسِيرُ الْجُلْبَانِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ أَسْمَعْ فِيهِ مِنْ ثِقَةٍ شَيْئًا وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ إِنَّمَا سُمِّيَ جُلْبَانًا لِجَفَائِهِ وَارْتِفَاعِ شَخْصِهِ مِنْ قَوْلِهِمْ رَجُلٌ جُلْبَانٌ وَامْرَأَةٌ جُلْبَانَةٌ إِذَا كَانَتْ جَسِيمَةٌ جَافِيَةُ الْخُلُقِ قُلْتُ قَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ هَذَا الْحَدِيثُ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى فِي مُصَالَحَتِهِمْ عَلَى أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا بِالسُّيُوفِ فِي الْقُرُبِ أَنَّهُمْ لَمْ يَأْمَنُوا أَهْلَ مَكَّةَ أَنْ يَخْفِرُوا الذِّمَّةَ فَاشْتَرَطَ حَمَلَ السِّلَاحِ فِي الْقُرُبِ مَعَهُمْ وَلَمْ يَشْتَرِطْ شَهْرَ السِّلَاحِ لِيَكُونَ سِمَةً وَأَمَارَةً لَهُ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَتَمَّ مِنْهُ ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] نافع عن بن عُمَر لَا تَنْتَقِب الْمَرْأَة وَتَابَعَهُ لَيْث بْن أَبِي سُلَيْمٍ فَالْبُخَارِيّ ﵀ ذَكَرَ تَعْلِيله وَلَمْ يَرَهَا عِلَّة مُؤَثِّرَة فَأَخْرَجَهُ فِي صَحِيحه عَنْ عَبْد اللَّه بْنِ يَزِيد حَدَّثَنَا اللَّيْث حدثنا نافع عن بن عمر فذكره

стр. 1607

٣٤ - (بَاب فِي الْمُحْرِمَةِ تُغَطِّي وَجْهَهَا) [١٨٣٣] (كَانَ الرُّكْبَانُ) بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ الرَّاكِبِ (يَمُرُّونَ) أَيْ مَارِّينَ (بِنَا) أَيْ عَلَيْنَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ (مُحْرِمَاتٌ) بِالرَّفْعِ عَلَى الْخَبَرِيَّةِ أَيْ مَكْشُوفَاتُ الْوُجُوهِ (فَإِذَا حَاذَوْا بِنَا) وَهُوَ بِفَتْحِ الذَّالِ مِنَ الْمُحَاذَاةِ بِمَعْنَى الْمُقَابَلَةِ أَيْ قَابَلُوا (سَدَلَتْ) أَيْ أَرْسَلَتْ (جِلْبَابَهَا) بِكَسْرِ الْجِيمِ أَيْ بُرْقُعَهَا أَوْ طَرَفَ ثَوْبِهَا (مِنْ رَأْسِهَا عَلَى وَجْهِهَا) بِحَيْثُ لَمْ يَمَسَّ الْجِلْبَابُ بَشَرَةً كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَقَالَ مُحَدِّثُ الْعَصْرِ مَوْلَانَا مُحَمَّدٌ إِسْحَاقُ الدَّهْلَوِيُّ أَيْ سَدَلَتْ مُنْفَصِلًا عَنِ الْوَجْهِ لِئَلَّا يَتَعَارَضَ حَدِيثُ لَا تَنْتَقِبِ الْمُحْرِمَةُ (فَإِذَا جَاوَزُونَا) أَيْ تَعَدَّوْا عَنَّا وتقدموا علينا (كشفناه) أزلنا الجلباب ورفعناه النِّقَابَ وَتَرَكْنَا الْحِجَابَ وَلَوْ جُعِلَ الضَّمِيرُ إِلَى الْوَجْهِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ فَلَهُ وَجْهٌ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَفِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ وَاسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ إِذَا احْتَاجَتْ إِلَى سَتْرِ وَجْهِهَا لِمُرُورِ الرِّجَالِ قَرِيبًا مِنْهَا تَسْدُلُ الثوب من فوق رأسها على وجهها لِأَنَّ الْمَرْأَةَ تَحْتَاجُ إِلَى سَتْرِ وَجْهِهَا فَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهَا سَتْرُهُ مُطْلَقًا كَالْعَوْرَةِ لَكِنْ إِذَا سَدَلَتْ يَكُونُ الثَّوْبُ مُتَجَافِيًا عَنْ وَجْهِهَا بِحَيْثُ لَا يُصِيبُ الْبَشَرَةَ هَكَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرُهُمْ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ خِلَافُهُ لِأَنَّ الْمَسْدُولَ لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْ إِصَابَةِ الْبَشَرَةِ فَلَوْ كَانَ التجافي شرطا لبينه ﷺ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه بن مَاجَهْ وَذَكَرَ سَعْدُ بْنُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَنَّ مُجَاهِدًا لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَائِشَةَ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ مُجَاهِدٌ عَنْ عَائِشَةَ مُرْسَلٌ وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِمَا مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ أَحَادِيثَ مِنْهَا مَا هُوَ ظَاهِرٌ فِي سَمَاعِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي جَمَاعَةٍ غَيْرَ مُحْتَجٍّ بِهِ انْتَهَى

стр. 1608

٣٥ - (بَاب فِي الْمُحْرِمِ يُظَلَّلُ) [١٨٣٤] (وَأَحَدَهُمَا) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ أَحَدَهُمَا (آخِذٌ) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ (بِخِطَامِ) بِكَسْرِ الْخَاءِ بِمَعْنَى الزِّمَامِ وَالْمِهَارِ كَكِتَابٍ (رَافِعٌ) بِالتَّنْوِينِ (ثَوْبَهُ) ثَوْبًا فِي يَدِهِ (يَسْتُرُهُ) أَيْ يُظَلِّلُهُ بِثَوْبٍ مُرْتَفِعٍ عَلَى رَأْسِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَصِلِ الثَّوْبُ إِلَى رَأْسِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَلَفْظُ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ حجة الْوَدَاعِ فَرَأَيْتُهُ حِينَ رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ وَانْصَرَفَ وَهُوَ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَمَعَهُ بِلَالٌ وَأُسَامَةُ أَحَدُهُمَا يَقُودُ بِهِ رَاحِلَتَهُ وَالْآخَرُ رَافِعٌ ثَوْبَهُ عَلَى رَأْسِ النَّبِيِّ ﷺ يُظَلِّلُهُ مِنَ الشَّمْسِ (مِنَ الْحَرِّ) وَفِيهِ جَوَازُ تَظْلِيلِ الْمُحْرِمِ عَلَى رَأْسِهِ بِثَوْبٍ وَغَيْرِهِ مِنْ مَحْمَلٍ وَغَيْرِهِ وَإِلَى ذَلِكَ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ لَا يَجُوزُ وَالْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِمَا وَأَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ بِأَنَّ هَذَا الْمِقْدَارَ لَا يَكَادُ يَدُومُ فَهُوَ كَمَا أَجَازَ مَالِكٌ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَسْتَظِلَّ بِيَدِهِ فَإِنْ فَعَلَ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَعَدَ تَحْتَ خَيْمَةٍ أَوْ سَقْفٍ جَازَ وَقَدِ احْتُجَّ لِمَالِكٍ وَأَحْمَدَ عَلَى مَنْعِ التَّظَلُّلِ بما رواه البيهقي بإسناد صحيح عن بن عُمَرَ أَنَّهُ أَبْصَرَ رَجُلًا عَلَى بَعِيرِهِ وَهُوَ مُحْرِمٌ قَدِ اسْتَظَلَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الشَّمْسِ فَقَالَ اضْحَ لِمَنْ أَحْرَمْتَ لَهُ وَبِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا مَا مِنْ مُحْرِمٍ يَضْحَى لِلشَّمْسِ حَتَّى تَغْرُبَ إِلَّا غَرَبَتْ بِذُنُوبِهِ حَتَّى يَعُودَ كَمَا وَلَدَتْهُ أُمُّهُ وقوله اضح بالضاد المعجمة وكذا يضحي الشمس وَالْمُرَادُ ابْرُزْ لِلضُّحَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَنَّكَ لا تظمأ فيها ولا تضحى ويجاب عن قول بن عُمَرَ بِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ وَبِأَنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ مَعَ كَوْنِهِ ضَعِيفًا لَا يَدُلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَهُوَ المنع من التظلل ووجوب الكشف لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ أَنَّهُ أَفْضَلُ عَلَى أنه يبعد منه ﷺ أَنْ يَفْعَلَ الْمَفْضُولَ وَيَدَعَ الْأَفْضَلَ فِي مَقَامِ التَّبْلِيغِ قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ

стр. 1609

٣٦ - (بَاب الْمُحْرِمِ يَحْتَجِمُ) [١٨٣٥] (احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ يَكُنْ أَكْثَرُ مَنْ كَرِهَ مِنَ الْفُقَهَاءِ الْحِجَامَةَ لِلْمُحْرِمِ إِلَّا مِنْ أَجْلِ قَطْعِ الشَّعْرِ وَإِنِ احْتَجَمَ فِي مَوْضِعٍ لَا شَعْرَ عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ قَطَعَ شَعْرًا افْتَدَى وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يَحْتَجِمُ الْمُحْرِمُ إِلَّا مِنْ ضَرُورَةٍ لَا بُدَّ مِنْهَا وَكَانَ الْحَسَنُ يَرَى فِي الْحِجَامَةِ دَمًا يُهْرِيقُهُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ انْتَهَى [١٨٣٦] (مِنْ دَاءٍ كَانَ بِهِ) أَيْ مِنْ مَرَضٍ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ فِي وَسَطِ رَأْسِهِ مِنْ رِوَايَةِ بن بُحَيْنَةَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ الْحِجَامَةِ لِلْمُحْرِمِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِهَا لَهُ فِي الرَّأْسِ وَغَيْرِهِ إِذَا كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي ذَلِكَ وَقَطْعِ الشَّعْرِ حِينَئِذٍ لَكِنْ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ لِقَطْعِ الشَّعْرِ فَإِنْ لَمْ يَقْطَعْ فَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَدَلِيلُ الْمَسْأَلَةِ قَوْلُهُ تعالى فمن كان مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ الْآيَةَ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَهُ عُذْرٌ فِي الْحِجَامَةِ فِي وَسَطِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ قَطْعِ شَعْرٍ أَمَّا إِذَا أَرَادَ الْمُحْرِمُ الْحِجَامَةَ بِغَيْرِ حَاجَةٍ فَإِنْ تَضَمَّنَتْ قَلْعَ شَعْرٍ فَهِيَ حَرَامٌ لِتَحْرِيمِ قَطْعِ الشَّعْرِ فَإِنْ لَمْ تَضَمَّنْ ذَلِكَ بِأَنْ كَانَتْ فِي مَوْضِعٍ لَا شَعْرَ فِيهِ فَهِيَ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الجمهور ولا فدية فيها وعن بن عُمَرَ وَمَالِكٍ كَرَاهَتُهَا وَعَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِيهَا الْفِدْيَةُ دَلِيلُنَا أَنَّ إِخْرَاجَ الدَّمِ لَيْسَ حَرَامًا فِي الْإِحْرَامِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ بَيَانُ قَاعِدَةٍ مِنْ مَسَائِلِ الْإِحْرَامِ وَهِيَ أَنَّ الْحَلْقَ وَاللِّبَاسَ وَقَتْلَ الصَّيْدِ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ يُبَاحُ لِلْحَاجَةِ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَمَنِ احْتَاجَ إِلَى حَلْقٍ أَوْ لِبَاسٍ لِمَرَضٍ أَوْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أو قتل صيد للمجاعة وَغَيْرِ ذَلِكَ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا

стр. 1610

[١٨٣٧] (عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ) أَيْ أَعْلَى الْقَدَمِ (مِنْ وَجَعٍ كَانَ بِهِ) وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ احْتَجَمَ وَهُوَ محرم على ظهر القدم من وثأكان بِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ احْتَجَمَ وهو محرم من وثاكان بِهِ وَمَعْنَاهُ مِنْ وَجَعٍ يُصِيبُ اللَّحْمَ لَا يَبْلُغُ الْعَظْمَ أَوْ وَجَعٍ يُصِيبُ الْعَظْمَ مِنْ غَيْرِ كَسْرٍ قَالَهُ السِّنْدِيُّ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ إِطْلَاقَ مَنْ ذَهَبَ إِلَى كَرَاهَتِهَا وَكَذَا إِطْلَاقَ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ فِيهَا الْفِدْيَةُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه الترمذي ولفظ النسائي من وثأكان به (بن أَبِي عَرُوبَةَ) هُوَ سَعِيدٌ أَيْ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ مُرْسَلًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ أَنَسٍ ٧ - (بَاب يَكْتَحِلُ الْمُحْرِمُ) [١٨٣٨] (أَمِيرُ الْمَوْسِمِ) قَالَ فِي الْمِصْبَاحِ السِّمَةُ هِيَ الْعَلَامَةُ وَمِنْهُ الْمَوْسِمُ لِأَنَّهُ مُعَلَّمٌ يُجْتَمَعُ إِلَيْهِ انْتَهَى وَالْمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ أَمِيرَ الْحُجَّاجِ فِي مَوْسِمِ الْحَجِّ (قَالَ أُضَمِّدُهُمَا بِالصَّبِرِ) بِفَتْحٍ ثُمَّ كَسْرٍ دَوَاءٌ مَعْرُوفٌ مُرٌّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الصَّبِرُ لَيْسَ بِطِيبٍ وَلِذَلِكَ رَخَّصَ لَهُ أَنْ يَتَعَالَجَ بِهِ فَأَمَّا الْكُحْلُ الَّذِي لَا طيب فيه فَلَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَنَا لَهُ فِي النِّسَاءِ أَشَدُّ كَرَاهَةً مِنِّي لَهُ فِي الرِّجَالِ وَلَا أَعْلَمُ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْفِدْيَةَ وَرَخَّصَ فِي الْكُحْلِ لِلْمُحْرِمِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَكَرِهَ الْإِثْمِدَ لِلْمُحْرِمِ سُفْيَانُ وَإِسْحَاقُ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ

стр. 1611

(باب المحرم يغتسل) [١٨٤٠] أَيِ الِاغْتِسَالُ لِلْمُحْرِمِ تَرَفُّهًا وَتَنَظُّفًا وَتَطَهُّرًا مِنَ الجنابة قال بن الْمُنْذِرِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَغْتَسِلَ مِنَ الْجَنَابَةِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا عَدَا ذَلِكَ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يُغَطِّيَ رَأْسَهُ فِي الْمَاءِ وَرُوِيَ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نافع أن بن عُمَرَ كَانَ لَا يَغْسِلُ رَأْسَهُ وَهُوَ مُحْرِمٌ إلا من احتلام (بِالْأَبْوَاءِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ مَوْضِعٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ وَهُمَا نَازِلَانِ بِهَا (بَيْنَ الْقَرْنَيْنِ) هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ تَثْنِيَةُ قَرْنٍ وَهُمَا الْخَشَبَتَانِ الْقَائِمَتَانِ عَلَى رَأْسِ الْبِئْرِ وَشِبْهُهُمَا مِنَ الْبِنَاءِ وَتُمَدُّ بَيْنَهُمَا خَشَبَةٌ يُجَرُّ عَلَيْهَا الْحَبْلُ الْمُسْتَقَى بِهِ وَيُعَلَّقُ عَلَيْهَا الْبَكَرَةُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ (عَلَى الثَّوْبِ) السَّاتِرِ (فَطَأْطَأَهُ) أَيْ أَزَالَهُ عَنْ رَأْسِهِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ جَمَعَ ثِيَابَهُ إِلَى صَدْرِهِ حَتَّى نَظَرْتُ إِلَيْهِ وَحَتَّى رَأَيْتُ رَأْسَهُ وَوَجْهَهُ فِي رِوَايَةٍ لَهُ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَوَائِدُ مِنْهَا اغْتِسَالُ الْمُحْرِمِ وَغَسْلُهُ رَأْسَهُ وَإِمْرَارُ الْيَدِ عَلَى شَعْرِهِ بِحَيْثُ لَا يَنْتِفُ شَعْرًا وَمِنْهَا قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَأَنَّ قَبُولَهُ كَانَ مَشْهُورًا عِنْدَ الصَّحَابَةِ وَمِنْهَا الرُّجُوعُ إِلَى النَّصِّ عِنْدَ الِاخْتِلَافِ وَتَرْكُ الِاجْتِهَادِ وَالْقِيَاسِ عِنْدَ وُجُودِ النَّصِّ وَمِنْهَا السَّلَامُ عَلَى الْمُتَطَهِّرِ فِي وُضُوءٍ وَغُسْلٍ بِخِلَافِ الْجَالِسِ عَلَى الْحَدَثِ وَمِنْهَا جَوَازُ الِاسْتِعَانَةِ فِي الطَّهَارَةِ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهَا إِلَّا لِحَاجَةٍ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ غَسْلِ الْمُحْرِمِ رَأْسَهُ وَجَسَدَهُ عَنِ الجَنَابَةِ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا غَسْلُهُ لِتَبَرُّدٍ فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ جَوَازُهُ بِلَا كَرَاهَةٍ وَيَجُوزُ عِنْدَنَا غَسْلُ رَأْسِهِ بِالسِّدْرِ وَالْخَطْمِيِّ بِحَيْثُ لَا يَنْتِفُ شَعْرًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ هُوَ حَرَامٌ مُوجِبٌ لِلْفِدْيَةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وبن ماجه

стр. 1612

٣٩ - (بَاب الْمُحْرِمِ يَتَزَوَّجُ) [١٨٤١] (عَنْ نُبَيْهٍ) بِضَمِّ النُّونِ مُصَغَّرًا (أَنَّ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ مُصَغَّرًا (أَرْسَلَ) نُبَيْهًا الرَّاوِيَ الْمَذْكُورَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلَمٍ (إِلَى أَبَانَ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ (أَمِيرُ الْحَاجِّ) مِنْ جِهَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ (أَرَدْتُ أَنْ أُنْكِحَ) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ أُزَوِّجَ ابْنِي (فَأَرَدْتُ أَنْ تَحْضُرَ) فيه ندب الاستئذان لحضور العقد (فَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبَانُ) فَقَالَ لَا أَرَاهُ إِلَّا أَعْرَابِيًّا أَيْ جَاهِلًا بِالسُّنَّةِ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ (قَالَ إِنِّي سَمِعْتُ أَبِي عُثْمَانَ) عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ بَدَلٌ مِنْ أَبِي وَفِي تَصْرِيحِهِ بِسَمِعْتُ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ أَبَاهُ فَالْمُثْبَتُ مُقَدَّمٌ (لَا يَنْكِحُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ لَا يَعْقِدُ لِنَفْسِهِ (الْمُحْرِمُ) بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ بِهِمَا (وَلَا يُنْكِحُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ لَا يَعْقِدُ لِغَيْرِهِ بِوِلَايَةٍ وَلَا وَكَالَةٍ وَهُوَ بِالْجَزْمِ فِيهِمَا عَلَى النَّهْيِ كَمَا ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ قَالَهُ الزُّرْقَانِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ ذَهَبَ إِلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَرَأَيَا النِّكَاحَ إِذَا عُقِدَ فِي الْإِحْرَامِ مَفْسُوخًا عَقَدَهُ الْمَرْءُ لِنَفْسِهِ أَوْ كَانَ وَلِيًّا يَعْقِدُهُ لِغَيْرِهِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ لِنَفْسِهِ وَإِنْكَاحُهُ لِغَيْرِهِ جَائِزٌ وَاجْتَمَعُوا في ذلك بخبر بن عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ خَبَرَ عُثْمَانَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ إِخْبَارٌ عَنْ حَالِ الْمُحْرِمِ وَأَنَّهُ بِاشْتِغَالِهِ بِنُسُكِهِ لَا يَتَّسِعُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَلَا يَفْرُغُ لَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى يَنْكِحُ أَيْ إِنَّهُ لَا يَطَأُ لَيْسَ أَنَّهُ لَا يَعْقِدُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ قُلْتُ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ بِكَسْرِ الْحَاءِ عَلَى مَعْنَى النَّهْيِ لَا عَلَى حِكَايَةِ الْحَالِ وَقِصَّةُ أَبَانَ فِي مَنْعِهِ عُمَرَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ مِنَ الْعَقْدِ وَإِنْكَارِهِ ذَلِكَ وَهُوَ رَاوِي الْخَبَرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ الْعَقْدُ فَأَمَّا إِنَّ الْمُحْرِمَ مَشْغُولٌ بِنُسُكِهِ مَمْنُوعٌ مِنَ الْوَطْءِ فَهَذَا مِنَ الْعِلْمِ الْعَامِّ الْمَفْرُوغِ مِنْ بَيَانِهِ اتِّفَاقُ الْجَمَاعَةِ وَالْعَامَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه

стр. 1613

[١٨٤٢] (زَادَ وَلَا يَخْطُبُ) بِضَمِّ الطَّاءِ مِنَ الْخِطْبَةِ بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيْ لَا يُطَالِبِ امْرَأَةً لِنِكَاحٍ قال علي القارىء رُوِيَ الْكَلِمَاتُ الثَّلَاثُ بِالنَّفْيِ وَالنَّهْيِ وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّهَا عَلَى صِيغَةِ النَّهْيِ أَصَحُّ عَلَى أَنَّ النَّفْيَ بِمَعْنَى النَّهْيِ أَيْضًا بَلْ أَبْلَغُ وَالْأَوَّلَانِ لِلتَّحْرِيمِ وَالثَّالِثُ لِلتَّنْزِيهِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ فَلَا يَصِحُّ نِكَاحُ الْمُحْرِمِ وَلَا إِنْكَاحُهُ عِنْدَهُ وَالْكُلُّ لِلتَّنْزِيهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُدَ وَأَبُو عِيسَى وَأَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِي كُتُبِهِمْ وَالَّذِي وَجَدْنَاهُ الْأَكْثَرَ فِيمَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ الْإِثْبَاتُ وَهُوَ الرَّفْعُ فِي تِلْكَ الْكَلِمَاتِ [١٨٤٣] (وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ) وَمِنْ غَرِيبِ التَّارِيخِ أَنَّهَا دُفِنَتْ بِسَرِفَ أَيْضًا وَهُوَ بَيْنَ الْحَرَمَيْنِ قَرِيبَ مَكَّةَ دُونَ الْوَادِي الْمَشْهُورَةِ بِوَادِي فَاطِمَةَ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَهُوَ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ [١٨٤٤] (تَزَوَّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ) قَالَ الْعَيْنِيُّ وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَعِكْرِمَةُ وَمَسْرُوقُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ وَقَالُوا لا ــ [حاشية ابن القيم، تهذيب السنن] قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَعَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّب قَالَ وَهِمَ بن عَبَّاس فِي تَزْوِيج مَيْمُونَة وَهُوَ مُحْرِم وَقَدْ رَوَى مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ رَبِيعَة بْن أَبِي عَبْد الرَّحْمَن عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار أن رسول الله ﷺ بَعَثَ أَبَا رَافِع مَوْلَاهُ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَار فَزَوَّجَاهُ مَيْمُونَة بِنْت الْحَارِث وَرَسُول اللَّه ﷺ بِالْمَدِينَةِ قَبْل أَنْ يَخْرُج وَهَذَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِره الْإِرْسَال فَهُوَ مُتَّصِل لِأَنَّ سُلَيْمَان بْن يَسَار رَوَاهُ عَنْ أَبِي رافع أن رسول الله ﷺ تَزَوَّجَ مَيْمُونَة وَهُوَ حَلَال وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَال وَكُنْت الرَّسُول بَيْنهمَا وَسُلَيْمَان بْن يَسَار مَوْلَى مَيْمُونَة وَهَذَا صَرِيح فِي تَزَوُّجهَا بِالْوَكَالَةِ قبل الإحرام

стр. 1614

بَأْسَ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَنْكِحَ وَلَكِنَّهُ لَا يَدْخُلُ بها حتى يحل وهو قول بن عباس وبن مَسْعُودٍ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ وَسَالِمٌ وَالْقَاسِمُ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لَا يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَنْكِحَ وَلَا يُنْكِحَ غَيْرَهُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَالنِّكَاحُ بَاطِلٌ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ وَعَلِيٍّ انْتَهَى قُلْتُ لا حجة لهم برواية بن عباس هذه لأنها مخالف لِرِوَايَةِ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَرْوِهِ كَذَلِكَ إِلَّا بن عَبَّاسٍ وَحْدَهُ وَانْفَرَدَ بِهِ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَلِأَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ وَغَيْرَهُ وَهَّمُوهُ فِي ذَلِكَ وَخَالَفَتْهُ مَيْمُونَةُ وَأَبُو رَافِعٍ فَرَوَيَا أَنَّهُ نَكَحَهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَهُوَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ لِأَنَّ مَيْمُونَةَ هِيَ الزَّوْجَةُ وَأَبُو رَافِعٍ هُوَ السَّفِيرُ بينهما فهما أعرف بالواقعة من بن عَبَّاسٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مِنَ التَّعَلُّقِ بِالْقِصَّةِ مالهما وَلِصِغَرِهِ حِينَئِذٍ عَنْهُمَا إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي سِنِّهِمَا وَلَا يَقْرَبُ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَهْمًا فَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ بِأَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فِي أرض الحرم وهو حلال فأطلق بن عَبَّاسٍ عَلَى مَنْ فِي الْحَرَمِ أَنَّهُ مُحْرِمٌ لَكِنْ هُوَ بَعِيدٌ وَأُجِيبَ عَنِ التَّفَرُّدِ بِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوُهُ كَمَا قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَسَكَتَ عَنْهُ هُوَ ثُمَّ الْمُنْذِرِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ فَالْقَوْلُ الْمُحَقَّقُ فِي جَوَابِهِ بِأَنَّ رِوَايَةَ صَاحِبِ الْقِصَّةِ وَالسَّفِيرِ فِيهَا أَوْلَى لِأَنَّهُ أَخْبَرُ وَأَعْرَفُ بِهَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ بِأَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي الْوَاقِعَةِ كَيْفَ كَانَتْ وَلَا تَقُومُ بِهَا الْحُجَّةُ وَلِأَنَّهَا تَحْتَمِلُ الْخُصُوصِيَّةَ فَكَانَ الْحَدِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى بِأَنْ يُؤْخَذَ بِهِ وَقَالَ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَتَزَوَّجَ كَمَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الجارية للوطء وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ قِيَاسٌ فِي مُعَارَضَةِ السُّنَّةِ فَلَا يُعْتَبَرُ بِهِ وَأَمَّا تَأْوِيلُهُمْ حَدِيثَ عُثْمَانَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْوَطْءُ فَمُتَعَقَّبٌ بِالتَّصْرِيحِ فِيهِ بِقَوْلِهِ وَلَا يُنْكِحُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَبِقَوْلِهِ فِيهِ وَلَا يَخْطُبُ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ بنحوه [١٨٤٥] (وهم بن عَبَّاسٍ إِلَخْ) هَذَا هُوَ أَحَدُ الْأَجْوِبَةِ الَّتِي أجاب بها الجمهور عن حديث بن عباس

стр. 1615

٤٠ - (بَاب مَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ الدَّوَابِّ) [١٨٤٦] بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ دَابَّةٍ وَهِيَ مَا دَبَّ مِنَ الْحَيَوَانِ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الطَّيْرِ وَغَيْرِهِ وَمَنْ أَخْرَجَ الطَّيْرَ مِنَ الدَّوَابِّ فَحَدِيثُ الْبَابِ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُرَدُّ بِهِ عَلَيْهِ (خَمْسٌ) أَيْ مِنَ الدَّوَابِّ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ (لَا جُنَاحَ) أَيْ لَا إِثْمَ وَلَا جَزَاءَ وَالْمَعْنَى لَا حَرَجَ (فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ) أَيْ فِي أَرْضِهِ وَوَرَدَ فِي لَفْظٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَتِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ الْحَدِيثَ وَعِنْدَ أَبِي عَوَانَةَ لِيَقْتُلِ الْمُحْرِمُ وَظَاهِرُ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَيُحْتَمَلُ النَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ وَقَدْ رَوَى الْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِقَتْلِ الْعَقْرَبِ وَالْفَأْرَةِ وَالْحَيَّةِ وَالْحِدَأَةِ وَهَذَا الْأَمْرُ وَرَدَ بَعْدَ نَهْيِ الْمُحْرِمِ عَنِ الْقَتْلِ وَفِي الْأَمْرِ الْوَارِدِ بَعْدَ النَّهْيِ خِلَافٌ مَعْرُوفٌ فِي الْأُصُولِ هَلْ يُفِيدُ الْوُجُوبَ أَوْ لَا قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ (الْعَقْرَبُ) قَالَ فِي الْفَتْحِ هذا اللفظ للذكر والأنثى قال بن الْمُنْذِرِ لَا نَعْلَمُهُمُ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ قَتْلِ العقرب (وَالْغُرَابِ) هَذَا الْإِطْلَاقُ مُقَيَّدٌ بِمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِلَفْظِ الْأَبْقَعِ وَهُوَ الَّذِي فِي ظَهْرِهِ أَوْ بَطْنِهِ بَيَاضٌ وَقَدِ اعْتَذَرَ بن بطال وبن عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَبُولِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ بِأَنَّهَا لَمْ تَصِحَّ لِأَنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ وَهُوَ مُدَلِّسٌ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ شُعْبَةَ لَا يَرْوِي عَنْ شُيُوخِهِ الْمُدَلِّسِينَ إِلَّا مَا هُوَ مَسْمُوعٌ لَهُمْ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ بَلْ صَرَّحَ النَّسَائِيُّ بِسَمَاعِ قَتَادَةَ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَقَدِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى إِخْرَاجِ الْغُرَابِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ مِنْ ذَلِكَ وَيُقَالُ لَهُ غُرَابُ الزَّرْعِ وَأَفْتَوْا بِجَوَازِ أَكْلِهِ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ من الغربان ملحقا بالأبقع انتهى قال بن الْمُنْذِرِ أَبَاحَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ الْعِلْمُ قَتْلَ الْغُرَابِ فِي الْإِحْرَامِ إِلَّا عَطَاءً قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ يُتَابِعْ أَحَدٌ عَطَاءً عَلَى هَذَا (وَالْفَأْرَةُ) بِهَمْزَةٍ سَاكِنَةٍ وَيَجُوزُ فِيهَا التَّسْهِيلُ قَالَ فِي الْفَتْحِ وَلَمْ يَخْتَلِفِ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ قَتْلِهَا لِلْمُحْرِمِ إِلَّا مَا حُكِيَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا جَزَاءٌ إِذَا قَتَلَهَا المحرم أخرجه عنه بن الْمُنْذِرِ وَقَالَ هَذَا خِلَافُ السُّنَّةِ وَخِلَافُ قَوْلِ جَمِيعِ أَهْلِ الْعِلْمِ (وَالْحِدَأَةُ) بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ بِغَيْرِ مَدٍّ عَلَى وزن عنبة
следующие страницы →