Полный текст (4 665 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
بَعْضِ طُرُقِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ
[١٩٦٧] (بَيْنَ أَصَابِعِهِ حَجَرًا) أَيْ حَصًى كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَيْنَ أَصَابِعِهِ
[١٩٦٨] (وَلَمْ يَقُمْ عِنْدَهَا) أَيْ عِنْدَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَمَّا بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَفِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنَّهُ كَانَ يَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ فَيُطِيلُ الْقِيَامَ كَمَا سَيَجِيءُ
[١٩٦٩] (عن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي الْجِمَارَ) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصٍ الْعُمَرِيُّ وَفِيهِ مَقَالٌ وَقَدْ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا بِأَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ
[١٩٧٠] (يَرْمِي عَلَى رَاحِلَتِهِ يَوْمَ النَّحْرِ) قَالَ الشَّافِعِيُّ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ وَصَلَ مِنًى رَاكِبًا أَنْ يَرْمِيَ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ رَاكِبًا وَمَنْ وَصَلَهَا مَاشِيًا أَنْ يَرْمِيَهَا مَاشِيًا وَفِي الْيَوْمَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ مِنَ التَّشْرِيقِ يَرْمِي جَمِيعَ الْجَمَرَاتِ مَاشِيًا وَفِي الْيَوْمِ الثَّالِثِ رَاكِبًا وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يُسْتَحَبُّ يَوْمَ النَّحْرِ أَنْ يَرْمِيَ مَاشِيًا
ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ (لِتَأْخُذُوا) بِكَسْرِ اللَّامِ
قَالَ النَّوَوِيُّ هِيَ لَامُ الْأَمْرِ وَمَعْنَاهُ خُذُوا مَنَاسِكَكُمْ قَالَ وَهَكَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ غَيْرِ مُسْلِمٍ وَتَقْدِيرُ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي أَتَيْتُ بِهَا فِي حَجَّتِي مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَالْهَيْئَاتِ هِيَ أُمُورُ الْحَجِّ وَصِفَتُهُ وَالْمَعْنَى اقْبَلُوهَا وَاحْفَظُوهَا وَاعْمَلُوا بِهَا وَعَلِّمُوهَا النَّاسَ (قَالَ لَا أَدْرِي) وَلَفْظُ مُسْلِمٍ فَإِنِّي لَا أَدْرِي (لَعَلِّي لَا أَحُجُّ بَعْدَ حَجَّتِي) بِفَتْحِ الْحَاءِ مَصْدَرٌ (هَذِهِ) الَّتِي فِي تِلْكَ السَّنَةِ الْحَاضِرَةِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى تَوْدِيعِهِمْ وَإِعْلَامِهِمْ بِقُرْبِ وَفَاتِهِ ﷺ وَلِهَذَا سُمِّيَتْ حِجَّةُ الوداع
وروى البيهقي وبن عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ ﷺ رَمَى أَيَّامَ التَّشْرِيقِ مَاشِيًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَإِنْ صح هذا
стр. 1717
كَانَ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ
وَقَالَ غَيْرُهُ قَدْ صَحَّحَهُ الترمذي
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَفَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ وَحَسْبُكَ مَا رَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ مِنْ فِعْلِ النَّاسِ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ ﷺ وَقَفَ بِعَرَفَةَ رَاكِبًا وَرَمَى الْجِمَارَ مَاشِيًا وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ انْتَهَى
قُلْتُ وَيُسْتَثْنَى مِنْهُ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ النَّحْرِ وَحَدِيثُ جَابِرٍ هَذَا لَيْسَ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهُ الْمُنْذِرِيُّ
قَالَ الْمِزِّيُّ هَذَا الْحَدِيثُ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ
قُلْتُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[١٩٧١] (ضُحًى) أَيْ قَبْلَ الزَّوَالِ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ لَا خِلَافَ أَنَّ هَذَا الْوَقْتَ هُوَ الْأَحْسَنُ لِرَمْيِهَا
وَاخْتُلِفَ فِيمَنْ رَمَاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ من نصف الليل وبه قال عطاء وطاووس
وَقَالَتِ الْحَنَفِيَّةُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالْجُمْهُورُ إِنَّهُ لَا يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَمَنْ رَمَى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ جَازَ وَإِنْ رَمَاهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَ
قال بن الْمُنْذِرِ السُّنَّةُ أَنْ لَا يَرْمِيَ إِلَّا بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ وَلَا يَجُوزُ الرَّمْيُ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لِأَنَّ فَاعِلَهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ وَمَنْ رَمَاهَا حِينَئِذٍ فَلَا إِعَادَةَ عَلَيْهِ إِذْ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ لَا يُجْزِئُهُ انْتَهَى
وَالْأَدِلَّةُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ وَقْتَ الرَّمْيِ مِنْ بَعْدِ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِمَنْ كَانَ لَا رُخْصَةَ لَهُ وَمَنْ كَانَ لَهُ رُخْصَةٌ كَالنِّسَاءِ وَغَيْرِهِنَّ مِنَ الضَّعَفَةِ جَازَ لَهُ قَبْلَ ذَلِكَ وَلَكِنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِي أَوَّلِ لَيْلَةِ النَّحْرِ إِجْمَاعًا
وَاعْلَمْ أَنْ قَدْ قِيلَ إِنَّ الرَّمْيَ وَاجِبٌ بِالْإِجْمَاعِ كَمَا حَكَى ذَلِكَ بَعْضٌ وَاقْتَصَرَ صَاحِبُ الْفَتْحِ عَلَى حِكَايَةِ الْوُجُوبِ عَنِ الجُمْهُورِ
وَقَالَ إِنَّهُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ سنة وحكى بن جَرِيرٍ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا أَنَّ الرَّمْيَ إِنَّمَا شُرِعَ حِفْظًا لِلتَّكْبِيرِ فَإِنْ تَرَكَهُ وَكَبَّرَ أَجْزَأَهُ وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَاجِبٌ لِأَنَّ أَفْعَالَهُ صَلَّى اللَّهُ عليه وآهله وَسَلَّمَ بَيَانٌ لِمُجْمَلٍ وَاجِبٍ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى ولله على الناس حج البيت وقوله ﷺ خذوا عني مَنَاسِكَكُمْ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ
[١٩٧٢] (عَنْ وَبْرَةَ) بِفَتَحَاتٍ وَقِيلَ بِسُكُونِ الموحدة هو بن عبد الرحمن تابعي (قال سألت بن عُمَرَ مَتَى أَرْمِي الْجِمَارَ) أَيْ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ (قَالَ إِذَا رَمَى إِمَامُكَ) أَيِ اقْتَدِ فِي الرَّمْيِ
стр. 1718
بِمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ بِوَقْتِ الرَّمْيِ
قَالَهُ الطِّيبِيُّ ﵀
وَيُؤَيِّدُهُ مَا قَالَ بَعْضُهُمْ مَنْ تَبِعَ عَالِمًا لَقِيَ اللَّهَ سَالِمًا
وَأَمَّا قول بن حَجَرٍ الْمَكِّيِّ أَيِ الْإِمَامُ الْأَعْظَمُ إِنْ حَضَرَ الْحَجَّ وَإِلَّا فَأَمِيرُ الْحَجِّ فَفِيهِ أَنَّهُمْ لَا يَجُوزُ الِاقْتِدَاءُ بِهِمْ فِي زَمَانِنَا (فَارْمِ) تَقْدِيرُهُ ارْمِ مَوْضِعَ الْجَمْرَةِ أَوِ ارْمِ الرَّمْيَ أَوِ الْحَصَى (فَأَعَدْتُ عَلَيْهِ الْمَسْأَلَةَ) أَرَدْتُ تَحْقِيقَ وَقْتِ رَمْيِ الْجَمْرَةِ (فَقَالَ كُنَّا نَتَحَيَّنُ) أَيْ نَطْلُبُ الْحِينَ وَالْوَقْتَ أَيْ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ نَنْتَظِرُ دُخُولَ وَقْتِ الرَّمْيِ (فَإِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ رَمَيْنَا) بِلَا ضَمِيرٍ أَيِ الْجَمْرَةَ وفي رواية بن مَاجَهْ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُ بَعْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
[١٩٧٣] (أَفَاضَ رسول الله ﷺ من آخِرِ يَوْمِهِ) أَيْ طَافَ لِلزِّيَارَةِ فِي آخِرِ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ أَوَّلُ أَيَّامِ النَّحْرِ (حِينَ صَلَّى الظُّهْرَ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى ثُمَّ أَفَاضَ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ (فَمَكَثَ بِهَا) أَيْ بِمِنًى (لَيَالِيَ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ) هَذَا مِنْ جُمْلَةِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمَبِيتَ بِمِنًى وَاجِبٌ وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الدَّمِ لِتَرْكِهِ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِيهِ (يُكَبِّرُ مَعَ كُلِّ حَصَاةٍ) حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ صِفَتَهُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (وَيَقِفُ عِنْدَ الْأُولَى إِلَخْ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْوُقُوفِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ وَهِيَ الْوُسْطَى وَالتَّضَرُّعُ عِنْدَهَا وَتَرْكُ الْقِيَامِ عِنْدَ الثَّالِثَةِ وَهِيَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ وَقَدْ تقدم الكلام عليه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قَدْ صَحَّ عَنْ رَسُول اللَّه ﷺ أَنَّهُ رَمَى الْجَمْرَة بِسَبْعِ حَصَيَات مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عَبَّاس وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر
وَشَكُّ الشَّاكّ لَا يُؤَثِّر فِي جَزْم الجازم
стр. 1719
[١٩٧٤] (عن بن مَسْعُودٍ قَالَ لَمَّا انْتَهَى) أَيْ وَصَلَ (إِلَى الْجَمْرَةِ الْكُبْرَى) أَيِ الْعَقَبَةِ وَوَهِمَ الطِّيبِيُّ فَقَالَ أَيِ الْجَمْرَةِ الَّتِي عِنْدَ مَسْجِدِ الْخَيْفِ (جَعَلَ الْبَيْتَ) أَيِ الْكَعْبَةَ (عَنْ يَسَارِهِ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ وَقَفَ عِنْدَ الْجَمْرَةِ أَنْ يَجْعَلَ مَكَّةَ عَنْ يَسَارِهِ (وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَجْعَلَ مِنًى عَلَى جِهَةِ يَمِينِهِ وَيَسْتَقْبِلَ الْجَمْرَةَ بِوَجْهِهِ (وَرَمَى الْجَمْرَةَ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ رَمْيَ الْجَمْرَةِ يكون بسبع حصيات وهو يرد قول بن عُمَرَ مَا أُبَالِي رَمَيْتُ الْجَمْرَةَ بِسِتٍّ أَوْ بِسَبْعٍ
وَرُوِيَ عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ لَا شَيْءَ على من رمى بست
وعن طاووس يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ وَعَنْ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ مَنْ رَمَى أَقَلَّ مِنْ سَبْعٍ وَفَاتَهُ التَّدَارُكُ يَجْبُرُهُ بِدَمٍ
وَعَنِ الشَّافِعِيِّ فِي تَرْكِ حَصَاةٍ مُدٌّ وَفِي تَرْكِ حَصَاتَيْنِ مُدَّانِ وَفِي ثَلَاثَةٍ فَأَكْثَرَ دَمٌ
وَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ إِنْ تَرَكَ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الْجَمَرَاتِ الثَّلَاثِ فَنِصْفُ صَاعٍ وَإِلَّا فَدَمٌ (أُنْزِلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْبَقَرَةِ) خَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِأَنَّ مُعْظَمَ أَحْكَامِ الْحَجِّ فِيهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه مختصرا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَاخْتَلَفَ النَّاس فِي ذَلِكَ فَاَلَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُور وُجُوب اِسْتِيفَاء السَّبْع فِي كُلّ رَمْي وَحَكَى الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضهمْ أَنَّهُ لَوْ تَرَكَ رَمْي جَمِيعهنَّ بَعْد أَنْ يُكَبِّر عِنْد كُلّ جَمْرَة سَبْع تَكْبِيرَات أَجْزَأَهُ ذَلِكَ قَالَ وَإِنَّمَا جَعَلَ الرَّمْي بِالْحَصَى فِي ذَلِكَ سَبَبًا لِحِفْظِ التَّكْبِيرَات السَّبْع
وَقَالَ عَطَاء إِنْ رَمَى بِخَمْسٍ أَجْزَأَهُ وَقَالَ مُجَاهِد إِنْ رَمَى بِسِتٍّ فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاق
وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد إِنْ نَقَصَ حَصَاة أَوْ حَصَاتَيْنِ فَلَا بَأْس وَقَالَ مَرَّة إِنْ رَمَى بِسِتٍّ نَاسِيًا فَلَا شَيْء عَلَيْهِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَعَمَّدهُ فَإِنْ تَعَمَّدَهُ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ
وَكَانَ عُمَر يَقُول مَا أُبَالِي رَمَيْت بِسِتٍّ أَوْ بِسَبْعٍ وَقَالَ مَرَّة لَا يُجْزِيه أَقَلُّ مِنْ سَبْع
وَرَوَى النَّسَائِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنه وَالْأَثْرَم وَغَيْرهمْ عَنْ بن أبي نجيح سئل طاووس عَنْ رَجُل تَرَكَ حَصَاة قَالَ يُطْعِم لُقْمَة فَقَالَ أَبُو عَبْد الرَّحْمَن لَمْ تَسْمَع قَوْل سَعْد قَالَ سَعْد بْن مَالِك رَجَعْنَا فِي حَجَّة رَسُول اللَّه ﷺ فَمِنَّا مَنْ يَقُول رَمَيْت بِسِتٍّ وَمِنَّا مَنْ يَقُول رَمَيْت بِسَبْعٍ فَلَمْ يَعِبْ ذَلِكَ بَعْضنَا على بعض
стр. 1720
[١٩٧٥] (عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ فَتَشْدِيدِ الدَّالِ وبالحاء المهملتين
بن عَاصِمٍ (عَنْ أَبِيهِ) أَيْ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ الصَّحِيحُ أَنَّ أَبَا البداح صحابي يروي عن أبيه
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ فَقِيلَ لَهُ إِدْرَاكٌ وَقِيلَ إِنَّ الصُّحْبَةَ لِأَبِيهِ وَلَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ صَحَابِيٌّ (رَخَّصَ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَالْمَدِّ جَمْعُ رَاعٍ لِرُعَاتِهَا (فِي الْبَيْتُوتَةِ) أَيْ فِي تَرْكِهَا (يَرْمُونَ) أَيْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ (يَوْمَ النَّحْرِ) أَيْ يَوْمَ الْعِيدِ وَهُوَ الْعَاشِرُ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ (ثُمَّ يَرْمُونَ الْغَدَ) مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ الْيَوْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ وَأَوَّلُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ (وَمِنْ بَعْدِ الْغَدِ) وَهُوَ الْيَوْمُ الثَّانِيَ عَشَرَ (بِيَوْمَيْنِ) أَيْ لِيَوْمَيْنِ مُتَعَلِّقٌ لِيَرْمُونَ فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ وَهُوَ الْيَوْمُ الْحَادِيَ عَشَرَ لِذَلِكَ الْيَوْمِ بِالْيَوْمِ الْآتِي وَهُوَ الثَّانِيَ عَشَرَ وَيَجْمَعُونَ بَيْنَ رَمْيِ يَوْمَيْنِ بِتَقْدِيمِ الرَّمْيِ عَلَى يَوْمِهِ وَفِي التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِرِعَاءِ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النَّحْرِ ثُمَّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَيَرْمُوهُ فِي أَحَدِهِمَا (وَيَرْمُونَ يَوْمَ النَّفْرِ) أَيِ الِانْصِرَافِ مِنْ مِنًى وَهَذَا الظَّاهِرُ خِلَافُ مَا فَسَّرَهُ مَالِكٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ فِي الْمُوَطَّأِ وَالزُّرْقَانِيُّ فِي شَرْحِهِ قَالَ مَالِكٌ تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ فِيمَا نَرَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ لِرَعْيِهِمْ فَإِذَا مَضَى الْيَوْمُ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ ثَانِيهِ أَتَوُا الْيَوْمَ الثَّالِثَ رَمَوْا مِنَ الْغَدِ وَذَلِكَ يَوْمَ النَّفْرِ الْأَوَّلِ لِمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَيَرْمُونَ لِلْيَوْمِ الَّذِي مَضَى أَيْ ثَانِي النَّحْرِ ثُمَّ يَرْمُونَ لِيَوْمِهِمْ ذَلِكَ الْحَاضِرِ ثَالِثَ النَّحْرِ وَيَدُلُّ لِفَهْمِ مَالِكٍ الْإِمَامِ رِوَايَةَ سُفْيَانَ الْآتِيَةَ بِلَفْظِ رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا وَيَدَعُوا يَوْمًا
قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ بَدَا لَهُمُ النَّفْرُ فَقَدْ فَرَغُوا لِأَنَّهُمْ تَعَجَّلُوا فِي يَوْمَيْنِ وَإِنْ أَقَامُوا بِمِنًى إِلَى الْغَدِ رَمَوْا مَعَ النَّاسِ يَوْمَ النَّفْرِ الْآخِرِ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَنَفَرُوا وَهَكَذَا قَالَهُ مَالِكٌ وَالزُّرْقَانِيُّ فِي شرحه
وقال الخطابي أراد بيوم النفر ها هنا النَّفْرَ الْكَبِيرَ وَهَذَا رُخْصَةٌ رَخَّصَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلرِّعَاءِ لِأَنَّهُمْ مُضْطَرُّونَ إِلَى حِفْظِ أَمْوَالِهِمْ فَلَوْ أَنَّهُمْ أَخَذُوا بِالْمُقَامِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى ضَاعَتْ أَمْوَالُهُمْ وَلَيْسَ حُكْمُ غَيْرِهِمْ كَحُكْمِهِمْ
وَقَدِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَعْيِينِ الْيَوْمِ الَّذِي يُرْمَى فِيهِ فَقَالَ مَالِكٌ يَرْمُونَ يَوْمَ النَّحْرِ فَإِذَا مَضَى الْيَوْمُ الَّذِي يَلِي يَوْمَ النَّحْرِ رَمَوْا مِنَ الْغَدِ وَذَلِكَ يَوْمُ النَّفْرِ الأول
стр. 1721
يَرْمُونَ لِلْيَوْمِ الَّذِي مَضَى وَيَرْمُونَ لِيَوْمِهِمْ ذَلِكَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يَقْضِي أَحَدٌ شَيْئًا حَتَّى يَجِبَ عَلَيْهِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مالك
وقال بعضهم هم بالخيار إن شاؤوا قدموا وإن شاؤوا أَخَّرُوا
انْتَهَى
قُلْتُ النَّفْرُ الْآخِرُ وَالنَّفْرُ الْكَبِيرُ هُوَ نَفْرُ الْيَوْمِ الرَّابِعِ إِنْ لَمْ يَتَعَجَّلُوا
كَذَا فِي الشَّرْحِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ
[١٩٧٦] (عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَدِيٍّ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ قَالَ الْحَاكِمُ مَنْ قَالَ عَنْ أَبِي الْبَدَّاحِ بْنِ عَدِيٍّ فَقَدْ نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ انْتَهَى (رَخَّصَ لِلرِّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَذِكْرُ الْأَوَّلِ أَصَحُّ
[١٩٧٧] (عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِ الْجِمَارِ) أَيْ عَنْ عَدَدِ الْحَصَى الَّتِي يرمي بها الجمار (فقال) بن عَبَّاسٍ (مَا أَدْرِي) قُلْتُ قَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ وبن عُمَرَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَمَى بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ فَهُوَ أَوْلَى بِالْأَخْذِ وأما بن عَبَّاسٍ فَتَرَدَّدَ وَشَكَّ فِيهِ فَلَا يُؤْخَذُ بِهِ
كَذَا فِي الشَّرْحِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[١٩٧٨] (إِذَا رَمَى أَحَدُكُمْ إِلَخْ) وَعِنْدَ أَحْمَدَ فِي مسنده من هذا الوجه إذا رميتم وحلفتم فَقَدْ حَلَّ لَكُمُ الطِّيبُ وَكُلُّ شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ بِمَجْمُوعِ الْأَمْرَيْنِ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْحَلْقُ يَحِلُّ كُلُّ مُحَرَّمٍ على المحرم إلا النساء فلا يحل وطئهن إِلَّا بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَى حِلِّ الطِّيبِ وَغَيْرِهِ إِلَّا الْوَطْءَ بَعْدَ الرَّمْيِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ كَذَا فِي سُبُلِ السلام
وعند أحمد أيضا من حديث بن عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ فَقَدْ حَلَّ لكم كل
стр. 1722
شَيْءٍ إِلَّا النِّسَاءَ قَالَ فِي الْبَدْرِ الْمُنِيرِ إِسْنَادُهُ حَسَنٌ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ بِالرَّمْيِ لِجَمْرَةِ الْعَقَبَةِ كُلُّ مَحْظُورٍ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ إِلَّا الْوَطْءَ لِلنِّسَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ بِهِ بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى
قال المنذري والحجاج هذا هو بن أَرْطَاةَ قَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْحُفَّاظِ أَنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
وَذَكَرَ عَبَّادُ بْنُ الْعَوَّامِ وَيَحْيَى وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيَّانِ أَنَّ الْحَجَّاجَ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ الزُّهْرِيِّ شَيْئًا
وَذُكِرَ عَنِ الْحَجَّاجِ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ شَيْئًا
٩ - (بَاب الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ)
[١٩٧٩] (قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمِ الْمُحَلِّقِينَ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى التَّرَحُّمِ عَلَى الْحَيِّ وَعَدَمِ اخْتِصَاصِهِ بِالْمَيِّتِ (وَالْمُقَصِّرِينَ) هُوَ عَطْفٌ عَلَى مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قُلْ وَالْمُقَصِّرِينَ وَيُسَمَّى عَطْفُ التَّلْقِينِ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ من التقصير لتكريره ﷺ الدُّعَاءَ لِلْمُحَلِّقِينَ وَتَرْكِ الدُّعَاءِ لِلْمُقَصِّرِينَ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ مَعَ سُؤَالِهِمْ لَهُ ذَلِكَ
وَظَاهِرُ صِيغَةِ الْمُحَلِّقِينَ أَنَّهُ يُشْرَعُ حَلْقُ جَمِيعِ الرَّأْسِ لِأَنَّهُ الَّذِي تَقْتَضِيهِ الصِّيغَةُ إِذْ لَا يُقَالُ لِمَنْ حَلَقَ بَعْضَ رَأْسِهِ إِنَّهُ حَلَقَ إِلَّا مَجَازًا
وَقَدْ قَالَ بِوُجُوبِ حَلْقِ الْجَمِيعِ أحمد ومالك واستحبه الكوفيون والشافعي ويجزىء الْبَعْضَ عِنْدَهُمْ وَاخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِهِ فَعَنِ الْحَنَفِيَّةِ الرُّبْعُ إِلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ قَالَ النِّصْفُ وَعَنِ الشَّافِعِيِّ أَقَلُّ مَا يَجِبُ حَلْقُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ وَهَكَذَا الْخِلَافُ فِي التَّقْصِيرِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْحَلْقِ هَلْ هُوَ نُسُكٌ أَوْ تَحْلِيلُ مَحْظُورٍ فَذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ الْجُمْهُورُ وَإِلَى الثَّانِي عَطَاءٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ
وَقَدْ أَطَالَ صَاحِبُ الْفَتْحِ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَمَنْ أَحَبَّ الْإِحَاطَةَ بِجَمِيعِ ذُيُولِهِ فَلْيَرْجِعْ إِلَيْهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم
стр. 1723
[١٩٨٠] (حَلَقَ رَأْسَهُ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَتَخْفِيفِهَا أَيْ أَمَرَ بِحَلْقِهِ
اخْتَلَفُوا فِي اسْمِ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِي حَلَقَ رَأْسَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ زَعَمُوا أَنَّهُ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ
قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ ﷺ قَصَرَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى مُحَلِّقِينَ رؤوسكم ومقصرين فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ كُلٍّ مِنْهُمَا إِلَّا أَنَّ الْحَلْقَ أَفْضَلُ بِلَا خِلَافٍ وَالظَّاهِرُ وُجُوبُ اسْتِيعَابِ الرَّأْسِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ وَحَكَى النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ وَالْمُرَادُ بِهِ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ أَوِ السَّلَفِ ﵏ وَلَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ ﷺ ولا عن أحد من أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ الِاكْتِفَاءُ بِبَعْضِ شَعْرِ الرَّأْسِ
وَأَمَّا الْقِيَاسُ عَلَى مَسْحِ الرَّأْسِ فَغَيْرُ صَحِيحٍ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا
وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ ﷺ وَأَصْحَابِهِ الْكِرَامِ قَطُّ أَنَّهُمُ اكْتَفَوْا بِحَلْقِ بَعْضِ الرَّأْسِ أَوْ تَقْصِيرِهِ بَلْ وَرَدَ النَّهْيُ عَنِ الْقَزَعَةِ حَتَّى لِلصِّغَارِ وَهِيَ حَلْقُ بَعْضِ الرَّأْسِ وَتَخْلِيَةُ بَعْضِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنَ الْإِحْرَامِ إِلَّا بِالِاسْتِيعَابِ كَمَا قَالَ بِهِ مَالِكٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
[١٩٨١] (ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَنْزِلِهِ بِمِنًى) وَهُوَ الْآنَ يُسَمَّى مسجد الحنيف
قال بن حجر المكي هو ما بين مسجد الحنيف وَمَحَلِّ نَحْرِهِ الْمَشْهُورِ عَلَى يَمِينِ الذَّاهِبِ إِلَى عَرَفَةَ (فَدَعَا بِذِبْحٍ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ مَا يُذْبَحُ مِنَ الْغَنَمِ (ثُمَّ دَعَا بِالْحَلَّاقِ) هُوَ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْعَدَوِيُّ وَقِيلَ غَيْرُهُ (فَأَخَذَ بِشِقِّ رَأْسِهِ الْأَيْمَنِ) قَالَ الطِّيبِيُّ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ الِابْتِدَاءُ بِالْأَيْمَنِ وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ الْأَيْسَرُ أَيْ لِيَكُونَ أَيْمَنَ الْحَالِقِ (الشعرة) بفتح الشين (ثم قال ها هنا) بِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ (أَبُو طَلْحَةَ) الْأَنْصَارِيُّ (فَدَفَعَهُ) أَيِ النِّصْفَ (إِلَى أَبِي طَلْحَةَ) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّبَرُّكِ بِشَعْرِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَنَحْوِهِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى طَهَارَةِ شَعْرِ الْآدَمِيِّ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
стр. 1724
[١٩٨٢] (قَالَ لِلْحَالِقِ) قَدْ وُجِدَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي النُّسْخَتَيْنِ
قَالَ الْمِزِّيُّ حَدِيثُ عُبَيْدِ بْنِ هِشَامٍ الْحَلَبِيِّ وَعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ الْحِمْصِيِّ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ دَاسَةَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَبُو الْقَاسِمِ وَلَمْ يُوجَدْ هَذَا الْحَدِيثُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ وَكَذَا لَيْسَ فِي مُخْتَصَرِ الْمُنْذِرِيِّ كَذَا فِي الشَّرْحِ
[١٩٨٣] (كَانَ يُسْأَلُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (يَوْمَ مِنًى) أَيْ عَنْ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأَفْعَالِ وَتَأْخِيرِهَا (فَيَقُولُ لَا حَرَجَ) قَالَ الطِّيبِيُّ أَفْعَالُ يَوْمِ النَّحْرِ أَرْبَعَةٌ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ثُمَّ الذَّبْحُ ثُمَّ الْحَلْقُ ثُمَّ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ فَقِيلَ هَذَا التَّرْتِيبُ سُنَّةٌ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لِهَذَا الْحَدِيثِ فلا يتعلق بتركه دم
وقال بن جُبَيْرٍ إِنَّهُ وَاجِبٌ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَوَّلُوا قَوْلَهُ وَلَا حَرَجَ عَلَى دَفْعِ الْإِثْمِ لِجَهْلِهِ دُونَ الْفِدْيَةِ انْتَهَى
قُلْتُ الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ بَعْضِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِيهَا عَلَى بعض وهو إجماع كما قال بن قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي
قَالَ فِي الْفَتْحِ إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الدَّمِ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ انْتَهَى
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى إِيجَابِ الدَّمِ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ إِلَى الْجَوَازِ وَعَدَمِ وُجُوبِ الدَّمِ قَالُوا لِأَنَّ قَوْلَهُ ﷺ وَلَا حَرَجَ يَقْتَضِي رَفْعَ الْإِثْمِ وَالْفِدْيَةِ مَعًا لِأَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الْحَرَجِ نَفْيُ الضِّيقِ وَإِيجَابُ أَحَدِهِمَا فِيهِ ضِيقٌ وَأَيْضًا لَوْ كَانَ الدَّمُ وَاجِبًا لَبَيَّنَهُ ﷺ لِأَنَّ تَأْخِيرَ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ لَا يَجُوزُ
قَالَهُ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ وَأَطَالَ فِيهِ الْكَلَامَ (إِنِّي أَمْسَيْتُ) الْمَسَاءُ خِلَافُ الصَّبَاحِ
قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْمَسَاءُ مَا بَيْنَ الظُّهْرِ إِلَى الْمَغْرِبِ وَالْمَعْنَى أَنِّي دَخَلْتُ فِي الْمَسَاءِ وَلَمْ أَرْمِ وَكَانَ عَلَيَّ الرَّمْيُ قَبْلَ الزَّوَالِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
стр. 1725
[١٩٨٤] (لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ الْحَلْقُ) أَيْ لَا يَجِبُ عَلَيْهِنَّ الْحَلْقُ فِي التَّحَلُّلِ إِنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ أَيْ إِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْهِنَّ التَّقْصِيرُ بِخِلَافِ الرِّجَالِ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِمْ أَحَدُهُمَا وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ وَفِي النَّيْلِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّهِنَّ التَّقْصِيرُ وَقَدْ حَكَى الْحَافِظُ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ
قَالَ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنْ حَلَقَتْ أَجْزَأَهَا
قَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ لَا يَجُوزُ
وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ نهى أن تحلق المرأة رأسها
وحديث بن عَبَّاسٍ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالطَّبَرَانِيُّ وَقَدْ قَوَّى إِسْنَادَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَأَبُو حاتم في العلل وحسنه الحافظ وأعله بن القطان ورد عليه بن المواق فأصاب
قاله الشوكاني
٠ - (باب العمرة)
[١٩٨٦] هِيَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الزِّيَارَةِ وَفِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ أَفْعَالٍ مَخْصُوصَةٍ هِيَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ دون الوقوف بعرفة ودون المبيت بمزدلفة
(عن بن جريج عن عكرمة) وأخرجه بن خُزَيْمَةَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ عَنِ بن جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ
وَفِي صحيح البخاري من طريق بن جريج أن عكرمة بن خالد سأل بن عُمَرَ عَنِ الْعُمْرَةِ قَبْلَ الْحَجِّ فَقَالَ لَا بأس
قال عكرمة قال بن عمر اعتمر النبي قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ
قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بن سعد عن بن إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ سَأَلْتُ بن عُمَرَ مِثْلَهُ
وَعِنْدَ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ
стр. 1726
من طريق يعقوب بن إبراهيم عن بن إِسْحَاقَ حَدَّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ فِي نَفَرٍ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَقُلْتُ إِنَّا لَمْ نَحُجَّ قَطُّ أَفَنَعْتَمِرُ مِنَ الْمَدِينَةِ قَالَ نَعَمْ وَمَا يَمْنَعُكُمْ مِنْ ذَلِكَ فَقَدِ اعْتَمَرَ رَسُولُ الله عُمَرَهُ كُلَّهَا قَبْلَ حَجِّهِ قَالَ فَاعْتَمَرْنَا
كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
[١٩٨٧] (لِيَقْطَعَ) وَلِيُبْطِلَ (بِذَلِكَ) أَيْ بِاعْتِمَارِهَا فِي ذِي الْحِجَّةِ (أَمْرَ أَهْلِ الشِّرْكِ) الَّذِينَ يَرَوْنَ أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ أَفْجَرُ الْفُجُورِ فِي الْأَرْضِ وَيَجْعَلُونَ الْمُحَرَّمَ صَفَرًا وَهَذَا مِنْ تَحَكُّمَاتِهِمُ الْبَاطِلَةِ الْمَأْخُوذَةِ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ (وَمَنْ دَانَ دِينَهُمْ) أَيْ تَعَبَّدَ بِدِينِهِمْ وَتَدَيَّنَ بِهِ (إِذَا عَفَا) أَيْ كَثُرَ يُقَالُ عفى الْقَوْمُ إِذَا كَثُرَ عَدَدُهُمْ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى حتى عفوا (الْوَبَرْ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْبَاءِ أَيْ وَبَرُ الْإِبِلِ الذي حلق بِالرِّحَالِ
وَلَفْظُ الشَّيْخَيْنِ يَقُولُونَ إِذَا عَفَا الْأَثَرْ أَيِ انْدَرَسَ أَثَرُ الْإِبِلِ وَغَيْرِهَا فِي سَيْرِهَا وَيُحْتَمَلُ أَثَرُ الدَّبَرِ (وَبَرَأَ الدَّبَرْ) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْ مَا كَانَ يَحْصُلُ بِظُهُورِ الْإِبِلِ مِنَ الْحَمْلِ عَلَيْهَا وَمَشَقَّةِ السَّفَرِ فَإِنَّهُ كَانَ يَبْرَأُ بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ مِنَ الْحَجِّ كَذَا فِي الْفَتْحِ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تُقْرَأُ سَاكِنَةَ الرَّاءِ لِإِرَادَةِ السَّجْعِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ طَرَفًا مِنْهُ وَلَمْ يُخْرِجَا قِصَّةَ عَائِشَةَ فِي الْعُمْرَةِ وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ
[١٩٨٨] (أَخْبَرَنِي رَسُولُ مَرْوَانَ الَّذِي) صِفَةُ رَسُولٍ (أُرْسِلَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (إِلَى أُمِّ مَعْقِلٍ) وَالْمُرْسِلُ بِكَسْرِ السِّينِ هُوَ مَرْوَانُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ الَّذِي صِفَةُ مَرْوَانَ وَلَفْظُ أَرْسَلَ بِصِيغَةِ الْمَعْلُومِ وَفَاعِلُهُ مروان وهذا احتمال قوي وتؤيده رواية بن مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَوَانَةَ وَفِيهَا الَّذِي أَرْسَلَهُ إِلَى أُمِّ مَعْقِلٍ (فَلَمَّا قَدِمَ) أَبُو مَعْقِلٍ (قَالَتْ أُمُّ مَعْقِلٍ) لِزَوْجِهَا أَبِي مَعْقِلٍ (قَدْ عَلِمْتَ) بِصِيغَةِ الْخِطَابِ (أَنَّ عَلَيَّ حَجَّةٌ) أَيْ بِإِرَادَةِ حَجٍّ لِي كَانَتْ مَعَ رَسُولِ الله لَكِنْ مَا قُدِّرَ لِيَ
стр. 1727
الحج مع النبي وَفَاتَنِي وَحَصَلَ لِيَ الْحُزْنُ وَالتَّأَسُّفُ عَلَى فَوْتِ الْمَعِيَّةِ الَّتِي كَانَتْ بَاعِثَةً لِكَثْرَةِ الثَّوَابِ وَتُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ وَلَفْظُهُ أَنَّ أُمَّ مَعْقِلٍ جَعَلَتْ عليها حجة معك وعند بن مَنْدَهْ أَيْضًا جَعَلَتْ عَلَى نَفْسِهَا حَجَّةً مَعَكَ فَلَمْ يَتَيَسَّرْ لَهَا ذَلِكَ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ عَلَيَّ حَجَّةً فَرْضًا أَوْ نَذْرًا فَلَا يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى إِجْزَاءِ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ عَنِ الْحَجِّ وَأَنَّهُ يَسْقُطُ بِهَا الْفَرْضُ عَنِ الذِّمَّةِ بَلِ الْمُرَادُ أَنَّ ثَوَابَ الْعُمْرَةِ فِي رَمَضَانَ كثواب الحج مع رسول الله وَهَذَا التَّأْوِيلُ هُوَ الْمُتَعَيَّنُ
وَلَا شَكَّ أَنَّ رُوَاةَ هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يُتْقِنُوا أَلْفَاظَ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَحْفَظُوهَا بَلِ اخْتَلَطُوا وَغَيَّرُوا الْأَلْفَاظَ وَاضْطَرَبُوا فِي الْإِسْنَادِ وَفِيهِ ضَعِيفٌ وَمَجْهُولٌ (حَتَّى دَخَلَا عليه) أي على النبي (إِنَّ عَلَيَّ حَجَّةً) تَقَدَّمَ تَأْوِيلُهُ (بَكْرًا) بِالْفَتْحِ الْفَتِيُّ مِنَ الْإِبِلِ (صَدَقَتْ) زَوْجَتِي أُمُّ مَعْقِلٍ (جَعَلْتُهُ) الْبَكْرَ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أَيِ الْغَزْوِ وَالْجِهَادِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الْبَكْرِ (فَإِنَّهُ) الْحَجُّ (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) كَمَا أَنَّ الْجِهَادَ فِي سبيل الله
قال الخطابي فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ جَوَازُ إِحْبَاسِ الْحَيَوَانِ وَفِيهِ أَنَّهُ جَعَلَ الْحَجَّ مِنَ السَّبِيلِ
وَقَدِ اخْتَلَفَ الناس في ذلك فكان بن عَبَّاسٍ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُعْطِيَ الرَّجُلُ مِنْ زَكَاتِهِ فِي الْحَجِّ وَرُوِيَ مِثْلُ ذَلِكَ عن بن عُمَرَ وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ يَقُولَانِ يُعْطِي مِنْ ذَلِكَ الْحَجَّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ لَا تُصْرَفُ الزَّكَاةُ إلى الحج وسهم السبيل عندهم الْغُزَاةُ وَالْمُجَاهِدُونَ انْتَهَى
وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَحَدِيثُ أُمِّ مَعْقِلٍ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ انْتَهَى
وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي مَعْقِلٍ وَهُوَ الْأَسَدِيُّ وَيُقَالُ الْأَنْصَارِيُّ وَحَدِيثُ أُمِّ مَعْقِلٍ فِي إِسْنَادِهِ رَجُلٌ مَجْهُولٌ وَفِي إِسْنَادِهِ أَيْضًا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ الْبَجْلِيُّ الْكُوفِيُّ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غير واحد
وقد اختلف على أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فِيهِ فَرُوِيَ فيه عنه كما ها هنا وَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ أُمِّ مَعْقِلٍ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ وَرُوِيَ عَنْهُ عَنْ أَبِي مَعْقِلٍ كَمَا ذَكَرْنَا
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حديث بن عباس قال قال رسول الله لامرأة من الأنصار سماها بن عَبَّاسٍ فَنَسِيتُ اسْمَهَا مَا مَنَعَكِ أَنْ تَحُجِّي مَعَنَا قُلْتُ لَمْ يَكُنْ لَنَا إِلَّا نَاضِحَانِ فَحَجَّ أَبُو وَلَدِهَا وَابْنُهَا عَلَى نَاضِحٍ وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ
قَالَ فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي فَإِنَّ عُمْرَةً فِيهِ تَعْدِلُ حَجَّةً وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ حَجَّةٌ أَوْ نَحْوًا مِمَّا قَالَ وَسَمَّاهَا فِي رِوَايَةِ مسلم أم
стр. 1728
سِنَانٍ
وَفِيهِ قَالَ جَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فقال رسول الله أَعْطِهَا فَلْتَحُجَّ عَلَيْهِ فَعُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجَّةً أَوْ حَجَّةً مَعِي انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ (إِنِّي امْرَأَةٌ قَدْ كَبِرْتُ) مِنْ بَابِ سَمِعَ أَيْ مِنْ طُولِ عُمُرِي (وَسَقِمْتُ) الْآنَ فَمَا أَدْرِي مَتَى أَحُجُّ (فَهَلْ مِنْ عَمَلٍ يُجْزِئُ) أي يكفي (عني من حجتي) معك (تجزىء حَجَّةً) مَعِي
[١٩٨٩] (الْأَسَدِيِّ أَسَدِ خُزَيْمَةَ) الْأَسَدِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى أَسَدٍ وَالْأَسَدُ كَثِيرُونَ لَكِنْ أُمُّ مَعْقِلٍ هِيَ مَنْسُوبَةٌ إِلَى أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ أَبِي قَبِيلَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ مُضَرَ الْحَمْرَاءِ قَالَهُ فِي تَاجِ الْعَرُوسِ (فَجَعَلَهُ أَبُو مَعْقِلٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وَلَمْ يَكُنْ لِي غَيْرُ هَذَا الْجَمَلِ فَكَانَ هَذَا هُوَ السَّبَبُ لِفَوْتِ حَجَّتِي مَعَ رَسُولِ الله (وَأَصَابَنَا مَرَضٌ) بَعْدَ ذَلِكَ (وَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ) بعد رجوعه مع النبي وليس المراد أنه مات قبل خروجه إِلَى الْحَجِّ فَالْعِبَارَةُ فِيهَا تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ قَالَتْ لَنَا نَاضِحٌ فَرَكِبَهُ أَبُو فُلَانٍ وَابْنُهُ وَتَرَكَ نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ
وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ قَالَتْ نَاضِحَانِ كَانَا لِأَبِي فُلَانٍ زَوْجِهَا حَجَّ هُوَ وَابْنُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا وَكَانَ الْآخَرُ يسقي عليه غلامنا (فلما فرغ) النبي (مِنْ حَجِّهِ) وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ (جِئْتُهُ) أَيْ أَنَا إلى رسول الله (فقال) لي النبي (لَقَدْ تَهَيَّأْنَا) لِلْخُرُوجِ مَعَكَ فَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى الْخُرُوجِ وَخَرَجَ أَبُو مَعْقِلٍ مَعَكَ (فَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ) بَعْدَ الْحَجِّ (فَأَوْصَى بِهِ) أَيْ جَعَلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (فَهَلَّا خَرَجْتِ عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى ذَلِكَ الْجَمَلِ الْمُعَدِّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ (فَإِنَّهَا) الْعُمْرَةُ فِي رَمَضَانَ (كَحَجَّةٍ) مَعِي أَيْ في الثواب
стр. 1729
(فَكَانَتْ تَقُولُ) أُمُّ مَعْقِلٍ (الْحَجُّ حَجَّةٌ وَالْعُمْرَةُ عُمْرَةٌ) تَعْنِي مَا هُمَا وَاحِدَةٌ فِي الْمَنْزِلَةِ فكيف جعل النبي عمرة رمضان كحجة (ولا شَكَّ (قَدْ قَالَ هَذَا) الْقَوْلَ أَيِ الْعُمْرَةُ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً (فَمَا أَدْرِي أَلِيَ خَاصَّةً) أَوْ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ عَامَّةً
قَالَ الْحَافِظُ في الفتح قال بن خُزَيْمَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إِنَّ الشَّيْءَ يُشَبَّهُ بِالشَّيْءِ وَيُجْعَلُ عِدْلَهُ إِذَا أَشْبَهَهُ فِي بَعْضِ الْمَعَانِي لَا جَمِيعِهَا لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا يُقْضَى بها فرض الحج ولا النذر
وقال بن بَطَّالٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَجَّ الَّذِي نَدَبَهَا إِلَيْهِ كَانَ تَطَوُّعًا لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى أن العمرة لا تجزىء عَنْ حَجَّةِ الْفَرِيضَةِ
فَالْحَاصِلُ أَنَّهُ أَعْلَمَهَا أَنَّ الْعُمْرَةَ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ الْحَجَّةَ فِي الثَّوَابِ لَا أَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَهَا فِي إِسْقَاطِ الْفَرْضِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الِاعْتِمَارَ لَا يُجْزِئُ عَنْ حَجِّ الْفَرْضِ
وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنَ رَاهَوَيْهِ أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ نَظِيرُ مَا جَاءَ أن قل هو الله أحد تعدل ثلث القرآن
وقال بن الْعَرَبِيِّ حَدِيثُ الْعُمْرَةِ صَحِيحٌ وَهُوَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ فَقَدْ أَدْرَكَتِ الْعُمْرَةُ مَنْزِلَةَ الْحَجِّ بانضمام رمضان إليها
وقال بن الْجَوْزِيِّ فِيهِ أَنَّ ثَوَابَ الْعَمَلِ يَزِيدُ بِزِيَادَةِ شَرَفِ الْوَقْتِ كَمَا يَزِيدُ بِحُضُورِ الْقَلْبِ وَبِخُلُوصِ الْقَصْدِ
وَقَالَ غَيْرُهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ عُمْرَةٌ فَرِيضَةٌ فِي رَمَضَانَ كَحَجَّةِ فَرِيضَةٍ وَعُمْرَةٌ نَافِلَةٌ فِي رَمَضَانَ كَحَجَّةِ نَافِلَةٍ
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِبَرَكَةِ رَمَضَانَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَخْصُوصًا بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ
قَالَ الْحَافِظُ الثَّالِثُ قَالَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَقَدِّمِينَ كَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ فَإِنَّهُ قَالَ ولا تعلم هَذَا إِلَّا لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ وَحْدَهَا وَهَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ مِنْ قَوْلِ أُمِّ مَعْقِلٍ وَالظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ
وَقَالَ النَّمَرِيُّ أُمُّ طُلَيْقٍ لَهَا صُحْبَةٌ حَدِيثُهَا مَرْفُوعٌ عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً فِيهَا نَظَرٌ
وَقَالَ أَيْضًا أُمُّ مَعْقِلٍ الْأَنْصَارِيَّةُ وَهِيَ أُمُّ طُلَيْقٍ لها كنيتان انتهى
قال الحافظ وزعم بن عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ أُمَّ مَعْقِلٍ هِيَ أُمُّ طُلَيْقٍ لَهَا كُنْيَتَانِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ أَبَا معقل مات في عهد النبي وَأَبَا طُلَيْقٍ عَاشَ حَتَّى سَمِعَ مِنْهُ طَلْقُ بْنُ حَبِيبٍ وَهُوَ مِنْ صِغَارِ التَّابِعِينَ فَدَلَّ عَلَى تَغَايُرِ الْمَرْأَتَيْنِ انْتَهَى
قُلْتُ لِحَدِيثِ أُمِّ مَعْقِلٍ طُرُقٌ وَأَسَانِيدُ وَلَا يَخْلُو مِنَ الِاضْطِرَابِ في المتن والإسناد
وقد
стр. 1730
ساق بعض أسانيد الْحَافِظُ فِي الْإِصَابَةِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي مَعْقِلٍ وَلِأَجْلِ دَفْعِ الِاضْطِرَابِ وَرَفْعِ التَّنَاقُضِ قَدْ أَوَّلْتُ فِي تَفْسِيرِ بَعْضِ الْأَلْفَاظِ كَمَا عَرَفْتَ
وَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ مَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عن بن عَبَّاسٍ كَذَا فِي الشَّرْحِ
[١٩٩٠] (فَأَتَى) الرَّجُلُ (رَسُولَ الله) بعد ما رجع رسول الله مِنْ حَجَّتِهِ (إِنَّهَا سَأَلَتْنِي الْحَجَّ مَعَكَ) قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ (ذَاكَ) الْجَمَلُ (حَبِيسٌ) أَيْ وَقْفٌ (قال) النبي (أَمَا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ الْمُخَفَّفَةِ حَرْفُ التَّنْبِيهِ (وَإِنَّهَا أَمَرَتْنِي) عَطْفٌ عَلَى أَنَّهَا سَأَلَتْنِي
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي أن حديث بن عَبَّاسٍ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ فِي قِصَّةِ امْرَأَةٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَأَنَّ حَدِيثَ أُمِّ مَعْقِلٍ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَنِ أَنَّهُمَا قِصَّتَانِ وَقَعَتَا لِامْرَأَتَيْنِ وَوَقَعَتْ لِأُمِّ طُلَيْقٍ قِصَّةٌ مِثْلُ هَذِهِ أَخْرَجَهَا أَبُو عَلِيِّ بن السكن وبن مَنْدَهْ وَالدُّولَابِيُّ فِي الْكُنَى مِنْ طَرِيقِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ أَنَّ أَبَا طُلَيْقٍ حَدَّثَهُ أَنَّ امْرَأَتَهُ قَالَتْ لَهُ وَلَهُ جَمَلٌ وَنَاقَةٌ أَعْطِنِي جَمَلَكَ أَحُجَّ عَلَيْهِ قَالَ جَمَلِي حَبِيسٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَتْ إِنَّهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَنْ أَحُجَّ عَلَيْهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقَالَ رسول الله صَدَقَتْ أُمُّ طُلَيْقٍ وَفِيهِ مَا يَعْدِلُ الْحَجَّ قَالَ عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ وَفِي الْقِصَّةِ الَّتِي في حديث بن عَبَّاسٍ مِنَ التَّغَايُرِ لِلْقِصَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ غيره ولقوله في حديث بن عَبَّاسٍ إِنَّهَا أَنْصَارِيَّةٌ وَأَمَّا أُمُّ مَعْقِلٍ فَإِنَّهَا أَسَدِيَّةٌ انْتَهَى
وَقَدْ أَخْرَجَ النَّسَائِيُّ نَحْوَهُ مُخْتَصَرًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَعْقِلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وفيه ذكر العمرة في رمضان وأخرجه بن ماجه مختصرا
قال رسول الله عُمْرَةٌ فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجَّةً انْتَهَى
стр. 1731
[١٩٩١] (اعْتَمَرَ عُمْرَتَيْنِ) وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أن النبي اعْتَمَرَ ثَلَاثَ عُمَرٍ عُمْرَتَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَعُمْرَةً فِي شَوَّالٍ
قَالَ الْحَافِظُ إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ
وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا لَكِنْ قَوْلُهَا فِي شَوَّالٍ مُغَايِرٌ لِقَوْلِ غَيْرِهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنْ يَكُونَ وَقَعَ فِي آخِرِ شَوَّالٍ وَأَوَّلِ ذِي القعدة ويؤيده ما رواه بن مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ عَائِشَةَ لم يعتمر رسول الله إِلَّا فِي ذِي الْقَعْدَةِ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ بن القيم وظن بعض الناس أن النبي اعْتَمَرَ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ وَاحْتَجَّ بِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عَائِشَةَ قَالُوا وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا ذِكْرُ مَجْمُوعِ مَا اعْتَمَرَهُ فَإِنَّ أَنَسًا وعائشة وبن عَبَّاسٍ وَغَيْرَهُمْ قَدْ قَالُوا إِنَّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ فَعُلِمَ أَنَّ مُرَادَهَا بِهِ أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي ذِي الْقَعْدَةِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالَ الْحَافِظ شَمْس الدِّين بْن الْقَيِّم ﵀ لَمْ يَتَكَلَّم الْمُنْذِرِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيث وَهُوَ وَهْم فَإِنَّ رَسُول اللَّه ﷺ لَمْ يَعْتَمِر فِي شَوَّال قَطّ فَإِنَّهُ لَا رَيْب أَنَّهُ اِعْتَمَرَ عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة وَكَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَة ثُمَّ اِعْتَمَرَ مِنْ الْعَام الْقَادِم عُمْرَة الْقَضِيَّة وَكَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَة ثُمَّ غَزَا غُزَاة الْفَتْح وَدَخَلَ مَكَّة غَيْر مُحْرِم ثُمَّ خَرَجَ إِلَى هَوَازِن وَحَرْب ثَقِيف ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّة فَاعْتَمَرَ مِنْ الْجِعْرَانَة وَكَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَة ثُمَّ اِعْتَمَرَ مَعَ حَجَّته عُمْرَة قَرَنَهَا بِهَا وَكَانَ اِبْتِدَاؤُهَا فِي ذِي الْقَعْدَة وَسَيَأْتِي حَدِيث أَنَس بَعْد هَذَا فِي أَنَّ عُمْرَة ﷺ كُلّهَا كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَة
وَقَدْ رَوَى مَالِك فِي الْمُوَطَّأ عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ لَمْ يَعْتَمِر إِلَّا ثَلَاثًا إِحْدَاهُنَّ فِي شَوَّال وَاثْنَتَيْنِ فِي ذِي الْقَعْدَة
وَهَذَا مُرْسَل عِنْد جَمِيع رُوَاة الموطأ
قال بن عَبْد الْبَرّ وَقَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا عَنْ عَائِشَة وَلَيْسَ رُوَاته مُسْنَدًا مِمَّنْ يُذْكَر مَعَ مَالِك في صحة النقل
وقال بن شِهَاب اِعْتَمَرَ رَسُول اللَّه ﷺ ثَلَاث عُمَر اِعْتَمَرَ عَام الْحُدَيْبِيَة فَصَدَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة سِتّ وَاعْتَمَرَ مِنْ الْعَام الْمُقْبِل فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة سَبْع آمِنًا هُوَ وَأَصْحَابه ثُمَّ اِعْتَمَرَ الْعُمْرَة الثَّالِثَة فِي ذِي الْقَعْدَة سَنَة ثَمَان حِين أَقْبَلَ مِنْ الطَّائِف مِنْ الْجِعْرَانَة
وَرَوَى مَعْمَر عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ اِعْتَمَرَ أَرْبَعًا فَذَكَرَ مِثْل هَذَا وَكَذَلِكَ فِي حَدِيث عَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَغَيْره وَكَذَلِكَ ذَكَر مُوسَى بْن عُقْبَة وَزَادَ وَمِنْهُنَّ وَاحِدَة مَعَ حَجَّته وَكَذَلِكَ قَالَ جَابِر اِعْتَمَرَ رَسُول اللَّه ﷺ ثَلَاث عُمَر
كُلّهنَّ فِي ذِي الْقَعْدَة إِحْدَاهُنَّ زَمَن الْحُدَيْبِيَة وَالْأُخْرَى فِي
стр. 1732
ومرة في شوال
قال بن الْقَيِّمِ وَهَذَا الْحَدِيثُ وَهْمٌ وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا عَنْهَا فَإِنَّ هَذَا لَمْ يَقَعْ قَطُّ فَإِنَّهُ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ بِلَا رَيْبٍ الْعُمْرَةُ الْأُولَى كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ عُمْرَةُ الْحُدَيْبِيَةِ ثُمَّ لَمْ يَعْتَمِرْ إِلَّا فِي الْعَامِ الْقَابِلِ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَخْرُجْ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى فَتَحَهَا سَنَةَ ثَمَانٍ فِي رَمَضَانَ وَلَمْ يَعْتَمِرْ ذَلِكَ الْعَامِ ثُمَّ خَرَجَ إِلَى حُنَيْنٍ وَهَزَمَ اللَّهُ أعداؤه فَرَجَعَ إِلَى مَكَّةَ وَأَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَكَانَ ذَلِكَ في ذي القعدة كما قال أنس وبن عَبَّاسٍ فَمَتَى اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ وَلَكِنْ لَقِيَ الْعَدُوَّ فِي شَوَّالٍ وَخَرَجَ فِيهِ مِنْ مَكَّةَ وَقَضَى عُمْرَتَهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ أَمْرِ الْعَدُوِّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ لَيْلًا وَلَمْ يَجْمَعْ ذَلِكَ الْعَامَ بَيْنَ عُمْرَتَيْنِ وَلَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ انتهى
قال بن الْقَيِّمِ وَقَوْلُهَا اعْتَمَرَ فِي شَوَّالٍ إِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا فَلَعَلَّهُ فِي عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ حِينَ خَرَجَ فِي شَوَّالٍ وَلَكِنْ إِنَّمَا أَحْرَمَ بِهَا في ذي القعدة وكذا له شَيْخُ مَشَايِخِنَا مُحَمَّدٌ إِسْحَاقُ الْمُحَدِّثُ الدَّهْلَوِيُّ فَقَالَ قَوْلُهَا عُمْرَةً فِي شَوَّالٍ هَذِهِ إِشَارَةٌ إِلَى عُمْرَةِ الْجِعْرَانَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ لكن لما كان خروجه إِلَى حُنَيْنٍ فِي شَوَّالٍ وَكَانَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ حُنَيْنٍ وُقُوعُ هَذِهِ الْعُمْرَةِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ فِي هَذَا السَّفَرِ نَسَبَتْهَا إِلَى شَوَّالٍ وَإِنْ كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[١٩٩٢] (مَرَّتَيْنِ) يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ بن عُمَرَ لَمْ يَعُدَّ الْعُمْرَةَ الَّتِي قَرَنَهَا النَّبِيُّ بِحَجَّتِهِ وَلَمْ يَعُدَّ أَيْضًا عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ الَّتِي صد عنها (لقد علم بن عُمَرَ) كَأَنَّهَا نَسَبَتْهُ إِلَى نِسْيَانِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ بأنها كانت
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
صُلْح قُرَيْش وَالْأُخْرَى فِي رَجْعَته مِنْ الطَّائِف وَمِنْ حُنَيْنٍ مِنْ الْجِعْرَانَة وَهَذَا لَا يُنَاقِض مَا رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ جَعْفَر عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِر أَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ حَجَّ ثَلَاث حِجَج قَبْل أَنْ يُهَاجِر وَحَجَّة بَعْد مَا هَاجَرَ مَعَهَا عُمْرَة فَإِنَّ جَابِرًا أَرَادَ عُمْرَته الْمُفْرَدَة الَّتِي أَنْشَأَ لَهَا سَفَرًا لِأَجْلِ الْعُمْرَة وَلَا يُنَاقِض هَذَا أيضا حديث بن عُمَر أَنَّهُ ﷺ اِعْتَمَرَ عُمْرَتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي بَعْد هَذَا فَإِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا عَنْ عَائِشَة أَنَّهُ اِعْتَمَرَ فِي شَوَّال فَلَعَلَّهُ عَرَضَ لَهَا فِي ذَلِكَ مَا عَرَضَ لِابْنِ عُمَر مِنْ قَوْله إِنَّهُ اِعْتَمَرَ فِي رَجَب وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْفُوظًا عَنْ عَائِشَة كَانَ الْوَهْم مِنْ عُرْوَة أَوْ مِنْ هِشَام وَاَللَّه أَعْلَم بَلْ أَنْ يُحْمَل عَلَى أَنَّهُ اِبْتَدَأَ إِحْرَامهَا فِي شَوَّال وَفَعَلَهَا فِي ذِي الْقَعْدَة
فَتَتَّفِق الْأَحَادِيث كُلّهَا
وَاَللَّه أَعْلَم
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قال بن حزم صدقت عائشة وصدق بن عُمَر
لِأَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ لَمْ يَعْتَمِر مُنْذُ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَة عُمْرَة كَامِلَة مُفْرَدَة
إِلَّا اِثْنَتَيْنِ كَمَا قَالَ بن عُمَر وَهُمَا عُمْرَة الْقَضَاء
وَعُمْرَة الْجِعْرَانَة عَام حنين
стр. 1733
أَرْبَعَ عُمَرٍ
وَقَدْ رَوَى مُجَاهِدٌ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ اعتمر النبي أربع كَمَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ (قَدِ اعْتَمَرَ ثَلَاثًا) عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَالْعُمْرَةَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ وَعُمْرَةَ الْجِعْرَانَةِ (سِوَى الَّتِي قَرَنَهَا بِحَجَّةِ الْوَدَاعِ) وَهِيَ الرَّابِعَةُ وَكَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ مَعَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ بن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا بِنَحْوِهِ
[١٩٩٣] (أَرْبَعَ عُمَرٍ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْمِيمِ جَمْعُ عُمْرَةٍ هُوَ مَفْعُولُ اعْتَمَرَ (عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ) بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِهَا قِيلَ هِيَ اسْمُ بِئْرٍ وَقِيلَ شَجَرَةٌ وَقِيلَ قَرْيَةٌ قَرِيبٌ مِنْ مَكَّةَ أَكْثَرُهَا فِي الْحَرَمِ وَهِيَ عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ ذَهَبَ رَسُولُ اللَّهِ مُعْتَمِرًا إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ فَاجْتَمَعَ قُرَيْشٌ وَصَدُّوهُ مِنْ دُخُولِ مَكَّةَ فَصَالَحَهُمْ وَرَجَعَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ الْعَامَ الْمُقْبِلَ وَلَمْ يَعْتَمِرْ وَلَكِنْ عَدُّوهَا مِنَ الْعُمَرِ لِتَرَتُّبِ أَحْكَامِهَا مِنْ إِرْسَالِ الْهَدْيِ وَالْخُرُوجِ عَنِ الْإِحْرَامِ فَنَحَرَ وَحَلَقَ وَكَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ (وَالثَّانِيَةَ) بِالنَّصْبِ عَطْفٌ عَلَى عُمْرَةِ الحديبية أي العمرة الثانية (حين تواطؤوا عَلَى عُمْرَةٍ مِنْ قَابِلٍ) أَيْ تَوَافَقُوا وَصَالَحُوا فِي الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى أَدَاءِ الْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ الْقَابِلَةِ وَهِيَ أَيْضًا فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ (وَالثَّالِثَةَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ) فِيهَا لُغَتَانِ إِحْدَاهُمَا بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ مُخَفَّفَةً وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ وَالثَّانِيَةُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ وَهِيَ مَا بَيْنَ الطَّائِفِ وَمَكَّةَ وَهِيَ إِلَى مَكَّةَ أَقْرَبُ فَهِيَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ أَيْضًا سَنَةَ ثَمَانٍ وَهِيَ بَعْدَ الْفَتْحِ (وَالرَّابِعَةَ الَّتِي قَرَنَ مَعَ حَجَّتِهِ) هِيَ فِي سَنَةِ عَشْرٍ وَكَانَتْ أَفْعَالُهَا فِي ذِي الْحَجَّةِ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا إِحْرَامُهَا فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ كَانَ في ذي القعدة
كذا في عمدة القارىء
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ مرسلا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَعَدَّتْ عَائِشَة وَأَنَس إِلَى هَاتَيْنِ الْعُمْرَتَيْنِ عُمْرَة الْحُدَيْبِيَة الَّتِي صُدَّ عَنْهَا وَالْعُمْرَة الَّتِي قَرَنَهَا بِحَجَّتِهِ فَتَأَلَّفَتْ أَقْوَالهمْ وَانْتَفَى التَّعَارُض عَنْهَا
ثُمَّ قال الشيخ بن الْقَيِّم ﵀ بَعْد قَوْل الْمُنْذِرِيِّ وَذَكَرَ بعضهم أن رسول الله ﷺ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فِي رَمَضَان إِلَى أَنْ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَكَانَ اِبْتِدَاء خُرُوجهمْ لَهَا فِي رَمَضَان وَهَذَا لَا يَصِحّ لِأَنَّهُ ﷺ يَخْرُج فِي رَمَضَان إِلَى مَكَّة إِلَّا في غزاة الفتح ولم يعتمر منها
стр. 1734
[١٩٩٤] (هُدْبَةُ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ وَفِي صَحِيحٍ هَدَّابٌ وَهُمَا وَاحِدٌ (إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ) أَيِ الْعُمْرَةُ كُلُّهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَّا الَّتِي فِي حَجَّتِهِ كَانَتْ فِي ذِي الْحِجَّةِ قاله الحافظ وقال بن الْقَيِّمِ وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُنَّ فِي ذِي الْقَعْدَةِ إِلَّا الَّتِي مَعَ حَجَّتِهِ وبين قول عائشة وبن عباس لم يعتمر رسول الله إِلَّا فِي ذِي الْقَعْدَةِ لِأَنَّ مَبْدَأَ عُمْرَةِ الْقِرَانِ كَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَنِهَايَتَهَا كَانَ فِي ذِي الْحِجَّةِ مَعَ انْقِضَاءِ الْحَجِّ فَعَائِشَةُ وبن عَبَّاسٍ أَخْبَرَا عَنِ ابْتِدَائِهَا وَأَنَسٌ أَخْبَرَ عَنِ انْقِضَائِهَا (أَتْقَنْتُ) مِنَ الْإِتْقَانِ وَهُوَ الْحِفْظُ وَالضَّبْطُ التام (من ها هنا) الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ عُمْرَةً زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ (مِنْ هُدْبَةَ) بْنِ خَالِدٍ (وَسَمِعْتُهُ) أَيِ الْقَوْلَ الْمَذْكُورَ آنِفًا (مِنْ أَبِي الْوَلِيدِ) الطَّيَالِسِيِّ (وَلَمْ أَضْبُطْهُ) أَيْ لَمْ أَحْفَظْهُ كَمَا يَنْبَغِي ثُمَّ شَرَعَ فِي بَيَانِ لَفْظِ هُدْبَةَ فَقَالَ (عُمْرَةً زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ) نُصِبَ بِاعْتَمَرَ وَهِيَ الْعُمْرَةُ الْأُولَى (أَوْ مِنَ الْحُدَيْبِيَةِ) هَذَا شَكٌّ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ فَوْقَ أَبِي دَاوُدَ وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ بِالشَّكِّ وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَأَخْرَجَهُ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَلَفْظُهُ عمرته من الحدييبة (وَعُمْرَةَ الْقَضَاءِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ) مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ هِيَ الْعُمْرَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ عُمْرَةُ الْقَضَاءِ والقضية وإنما سميت بهما لأنه قَاضَى قُرَيْشًا لَا أَنَّهَا وَقَعَتْ قَضَاءً عَنِ العُمْرَةِ الَّتِي صَدَرَ عَنْهَا إِذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَتَا عُمْرَةً وَاحِدَةً وَهَذَا مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ هِيَ قضاء عنها قال بن الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ شَرْحِ الْهِدَايَةِ وَتَسْمِيَةُ الصَّحَابَةِ وَجَمِيعِ السَّلَفِ إِيَّاهَا بِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ ظَاهِرٌ خِلَافُهُ وَتَسْمِيَةُ بَعْضِهِمْ إِيَّاهَا عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ لَا يَنْفِيهِ فَإِنَّهُ اتَّفَقَ فِي الْأُولَى مُقَاضَاةُ النَّبِيِّ أَهْلَ مَكَّةَ عَلَى أَنْ يَأْتِيَ مِنَ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَيَدْخُلَ مَكَّةَ بِعُمْرَةٍ وَيُقِيمَ ثَلَاثًا وَهَذَا الْأَمْرُ قَضِيَّةٌ تَصِحُّ إِضَافَةُ هَذِهِ الْعُمْرَةِ إِلَيْهَا فَإِنَّهَا عُمْرَةٌ كَانَتْ عَنْ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فَهِيَ قَضَاءٌ عَنْ تِلْكَ الْقَضِيَّةِ فَتَصِحُّ إِضَافَتُهَا إِلَى كل منهما فلا تستلزم الإضافة إلى القضية نفي القضاء والإضافة إلى القضاء تفيد ثبوته فيثبت مفيد ثُبُوتُهُ بِلَا مُعَارِضٍ انْتَهَى (وَعُمْرَةً مِنَ الْجِعْرَانَةِ) هِيَ الثَّالِثَةُ (غَنَائِمَ) جَمْعُ غَنِيمَةٍ وَهِيَ مَا نِيلَ مِنْ أَهْلِ الشِّرْكِ عَنْوَةً وَالْحَرْبُ قَائِمَةً والفيء ما ينل مِنْهُمْ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا (حُنَيْنٍ
стр. 1735
بِالصَّرْفِ وَادٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ وَكَانَتْ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ فِي زَمَنِ غَزْوَةِ الفتح ودخل عليه بِهَذِهِ الْعُمْرَةِ إِلَى مَكَّةَ لَيْلًا وَخَرَجَ مِنْهَا لَيْلًا إِلَى الْجِعْرَانَةِ فَبَاتَ بِهَا فَلَمَّا أَصْبَحَ وَزَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ فِي بَطْنِ سَرِفَ حَتَّى جَامَعَ الطَّرِيقَ وَمِنْ ثَمَّ خَفِيَتْ هَذِهِ الْعُمْرَةُ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ النَّاسِ
قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (وَعُمْرَةً مَعَ حَجَّتِهِ) فِي ذِي الْحِجَّةِ هِيَ الرَّابِعَةُ
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هُدْبَةَ بْنِ خَالِدٍ
وَأَخْرَجَ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْوَلِيدِ وَسَاقَ مَتْنَهُ بِالضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ وَأَخْرَجَهُ الترمذي
فائدة ولم يحفظ عن النبي أَنَّهُ اعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَعْتَمِرْ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ
فَإِنْ قِيلَ فَبِأَيِّ شَيْءٍ يَسْتَحِبُّونَ الْعُمْرَةَ فِي السَّنَةِ مِرَارًا خُصُوصًا فِي رَمَضَانَ ثُمَّ لَمْ يُثْبِتُوا ذَلِكَ عن النبي قيل إن النبي كَانَ يَشْتَغِلُ فِي الْعِبَادَاتِ بِمَا هُوَ أَهَمُّ مِنَ الْعُمْرَةِ وَلَمْ يَكُنْ يُمْكِنُهُ الْجَمْعُ بَيْنَ تِلْكَ الْعِبَادَاتِ وَبَيْنَ الْعُمْرَةِ فَإِنَّهُ لَوِ اعْتَمَرَ مِرَارًا لَبَادَرَتِ الْأُمَّةُ إِلَى ذَلِكَ وَكَانَ يَشُقُّ عليها وقد كان يترك النبي كَثِيرًا مِنَ الْعَمَلِ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ
وَلَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ خَرَجَ مِنْهُ حَزِينًا فَقَالَتْ لَهُ عَائِشَةُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ إِنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ شَقَقْتُ عَلَى أُمَّتِي وَهَمَّ أَنْ يَنْزِلَ يَسْتَسْقِي مَعَ سُقَاةِ زَمْزَمَ لِلْحَاجِّ فَخَافَ أَنْ يُغْلَبَ أَهْلُهَا عَلَى سِقَايَتِهِمْ بَعْدَهُ
وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ الْعُمْرَةُ إِلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا وَالْحَجُّ الْمَبْرُورُ لَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إِلَّا الْجَنَّةُ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ من حديث بن مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي التَّكْرَارِ وَتَنْبِيهٌ عَلَى ذَلِكَ إِذْ لَوْ كَانَتِ الْعُمْرَةُ بِالْحَجِّ لَا تُعْقَلُ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً لَسَوَّى بَيْنَهُمَا وَلَمْ يُفَرَّقَا
وَقَدْ ندب النبي إِلَى ذَلِكَ بِلَفْظِهِ فَثَبَتَ الِاسْتِحْبَابُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْحَدِيثَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الِاعْتِمَارِ خِلَافًا لِقَوْلِ مَنْ قَالَ يُكْرَهُ أَنْ يُعْتَمَرَ فِي السَّنَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ كَالْمَالِكِيَّةِ وَهَذَا الْقَوْلُ لَا يَصِحُّ وَالصَّحِيحُ جَوَازُ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ الِاعْتِمَارِ وَخَالَفَ مالكا مطرف من أصحابه وبن الْمَوَّازِ قَالَ مُطَرِّفٌ لَا بَأْسَ بِالْعُمْرَةِ فِي السنة مرارا
وقال بن الْمَوَّازِ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ
وَقَدِ اعْتَمَرَتْ عَائِشَةُ مَرَّتَيْنِ فِي شَهْرٍ وَلَا أَدْرِي أَنْ يُمْنَعَ أَحَدٌ مِنَ التَّقَرُّبِ إِلَى اللَّهِ بِشَيْءٍ مِنَ الطَّاعَاتِ وَلَا مِنَ الِازْدِيَادِ مِنَ الْخَيْرِ فِي مَوْضِعٍ وَلَمْ يَأْتِ بِالْمَنْعِ مِنْهُ نَصٌّ
وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ
وَيَكْفِي فِي هذا أن النبي أَعْمَرَ عَائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ سِوَى عُمْرَتِهَا الَّتِي كَانَتْ أَهَلَّتْ بِهَا وَذَلِكَ فِي عَامٍ وَاحِدٍ وَاعْتَمَرَتْ عَائِشَةُ فِي سَنَةٍ مَرَّتَيْنِ
فَقِيلَ لِلْقَاسِمِ لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا أَحَدٌ فَقَالَ أَعَلَى أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ
وَكَانَ أَنَسٌ إِذَا جَمَّمَ رَأْسَهُ خَرَجَ فَاعْتَمَرَ
وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يَعْتَمِرُ فِي السنة مرارا
ذكره بن الْقَيِّمِ وَأَطَالَ الْكَلَامَ فِيهِ
стр. 1736
٨١ - (باب المهلة بالعمرة تحيض [١٩٩٥] قبل إِتْمَامُ أَفْعَالِ الْعُمْرَةِ)
(فَيُدْرِكُهَا الْحَجُّ فَتَنْقُضُ عُمْرَتَهَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فَتَرْفُضُ عُمْرَتَهَا (وَتُهِلُّ) تُحْرِمُ (بِالْحَجِّ) بَعْدَ رَفْضِهَا (هَلْ تَقْضِي عُمْرَتَهَا) الَّتِي أَحْرَمَتْ بِهَا قَبْلَ إِدْرَاكِ الْحَجِّ
فَإِنْ قُلْتَ يُفْهَمُ مِنْ تَرْجَمَةِ الْبَابِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ قَدْ رَفَضَتِ الْعُمْرَةَ لِأَجْلِ عُذْرِ الْحَيْضِ فَالْعُمْرَةُ الَّتِي أَهَلَّتْ بِهَا مِنَ التَّنْعِيمِ قَضَاءٌ عَنْهَا لِأَدَاءِ مَرَّةٍ أُخْرَى
قُلْتُ نَعَمْ كَذَا يُفْهَمُ مِنْ تَرْجَمَةِ الْبَابِ لَكِنْ فِيهِ كَلَامٌ لِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَا يَصِحُّ رَفْضُهَا وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ وَفِي لَفْظٍ حَلَلْتِ مِنْهُمَا جَمِيعًا
فَإِنْ قِيلَ قَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهَا ارْفُضِي عُمْرَتَكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَفِي لَفْظٍ آخَرَ دَعِي عُمْرَتَكِ وَانْقُضِي رَأْسَكِ وَامْتَشِطِي وَفِي لَفْظٍ أَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي رَفْضِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ ارْفُضِيهَا وَدَعِيهَا وَالثَّانِي أَمْرُهُ لَهَا بِالِامْتِشَاطِ
قِيلَ مَعْنَى قَوْلِهِ ارْفُضِيهَا أَيِ اتْرُكِي أَفْعَالَهَا وَالِاقْتِصَارَ عَلَيْهَا وَكُونِي فِي حَجَّةٍ مَعَهَا وَيَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ حَلَلْتِ مِنْهُمَا جَمِيعًا لَمَّا قُضِيَتْ أَعْمَالُ الْحَجِّ
وَقَوْلُهُ يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ فَهَذَا صَرِيحٌ أَنَّ إِحْرَامَ الْعُمْرَةِ لَمْ تُرْفَضْ وَإِنَّمَا رُفِضَتْ أَعْمَالُهَا وَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا وَأَنَّهَا بِقَضَاءِ حَجَّتِهَا انْقَضَى حَجَّتُهَا وَعُمْرَتُهَا ثُمَّ أَعْمَرَهَا مِنَ التَّنْعِيمِ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهَا إِذْ تَأْتِي بِعُمْرَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ كَصَوَاحِبَاتِهَا
وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ إِيضَاحًا بَيِّنًا مَا روى مسلم في صحيحه ولفظ قَالَتْ عَائِشَةُ وَخَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَحِضْتُ فَلَمْ أَزَلْ حَائِضًا حَتَّى كَانَ يَوْمُ عَرَفَةَ وَلَمْ أُهِلَّ إِلَّا بِعُمْرَةٍ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَنْقُضَ رَأْسِي وَأَمْتَشِطَ وَأُهِلَّ بِالْحَجِّ وَأَتْرُكَ الْعُمْرَةَ قَالَتْ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ حَتَّى إِذَا قَضَيْتُ حَجِّي بَعَثَ مَعِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ وَأَمَرَنِي أَنْ أَعْتَمِرَ مِنَ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي أَدْرَكَنِي الْحَجُّ ولم أحل منها فَهَذَا حَدِيثٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ وَالصَّرَاحَةُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ أَحَلَّتْ مِنْ عُمْرَتِهَا وَأَنَّهَا بَقِيَتْ مُحْرِمَةً بِهَا حَتَّى أَدْخَلَتْ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَهَذَا خَبَرُهَا عَنْ نَفْسِهَا وَذَلِكَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَهَا كُلٌّ مِنْهُمَا
стр. 1737
يُوَافِقُ الْآخَرَ كَذَا فِي زَادِ الْمَعَادِ (أُخْتَكَ عَائِشَةَ) بَدَلٌ مِنْ أُخْتِكَ (فَإِذَا هَبَطْتَ) مِنْ بَابِ ضَرَبَ أَيْ نَزَلْتَ (بِهَا) أَيْ عَائِشَةَ (مِنَ الْأَكَمَةِ) تَلٌّ وَقِيلَ شُرْفَةٌ كَالرَّابِيَةِ وَهُوَ مَا اجْتَمَعَ مِنَ الْحِجَارَةِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ وَرُبَّمَا غَلُظَ وَرُبَّمَا لَمْ يَغْلُظْ وَالْجَمْعُ أَكَمٌ وَأَكَمَاتٌ مِثْلُ قَصَبَةٍ وَقَصَبٍ وَقَصَبَاتٍ وَجَمْعُ الْأَكَمِ آكَامٌ مِثْلُ جَبَلٍ وَجِبَالٍ وَجَمْعُ الْآكَامِ أُكُمٌ بِضَمَّتَيْنِ مِثْلُ كِتَابٍ وَكُتُبٍ وَجَمَعُ الْأُكُمِ آكَامٌ مِثْلُ عُنُقٍ وَأَعْنَاقٍ كَذَا فِي الْمِصْبَاحِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَزَّارُ وَلَا يُعْلَمُ رَوَتْ حَفْصَةُ عَنْ أَبِيهَا إِلَّا هَذَا الْحَدِيثَ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يُعْمِرَ عَائِشَةَ مِنَ التَّنْعِيمِ انْتَهَى [١٩٩٦] (أَبِي مُزَاحِمٌ) بَدَلٌ مِنْ لَفْظِ أَبِي (فَجَاءَ إِلَى الْمَسْجِدِ) الَّذِي هُنَاكَ (فَاسْتَقْبَلَ بَطْنَ سَرِفَ) بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ فَاءٌ مَوْضِعٌ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ مِنْ طَرِيقِ الْمَرْوَةِ جَبَلٍ بِمَكَّةَ بَنَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ وَفِيهِ مَاتَتْ أَيْ تَوَجَّهَ وَاسْتَقْبَلَ وَجْهَهُ إِلَى بَطْنِ سَرِفَ (فَأَصْبَحَ بِمَكَّةَ) قَالَ السِّنْدِيُّ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ ظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ بِمَكَّةَ إِلَّا أَنَّهُ جَاءَ الْجِعْرَانَةَ لَيْلًا ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مَكَّةَ فَأَصْبَحَ بِهَا بِحَيْثُ مَا عُلِمَ بِخُرُوجِهِ مِنْهَا وَهُوَ خِلَافُ الْمَشْهُورِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ بِالْجِعْرَانَةِ فَأَصْبَحَ فِيهَا كَبَائِتٍ فَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ مِنْ تَصَرُّفَاتِ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَالصَّوَابُ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ عَنْ مُحَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ لَيْلًا فَدَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا فَقَضَى عُمْرَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ بِالْجِعْرَانَةِ كَبَائِتٍ فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ مِنَ الْغَدِ خَرَجَ فِي بَطْنِ سَرِفَ حَتَّى جَامَعَ الطَّرِيقَ طَرِيقَ جَمْعٍ بِسَرِفَ فمن أجل ذلك خفت عُمْرَتُهُ عَلَى النَّاسِ انْتَهَى وَلَفْظُ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ مُعْتَمِرًا فَدَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا ثُمَّ خَرَجَ مِنْ تَحْتِ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ بِالْجِعْرَانَةِ كَبَائِتٍ فَلَمَّا زَالَتِ الشَّمْسُ أَخَذَ فِي بَطْنِ سَرِفَ حَتَّى جَامَعَ الطَّرِيقَ طَرِيقَ الْمَدِينَةِ وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ خَرَجَ لَيْلًا مِنَ الْجِعْرَانَةِ حِينَ أَمْسَى مُعْتَمِرًا فَدَخَلَ مَكَّةَ لَيْلًا فَقَضَى عُمْرَتَهُ ثُمَّ خَرَجَ مِنْ تَحْتِ لَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ بِالْجِعْرَانَةِ كَبَائِتٍ حَتَّى إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ خَرَجَ مِنَ الْجِعْرَانَةِ فِي بَطْنِ سَرِفَ حَتَّى جَامَعَ الطَّرِيقَ
стр. 1738
طَرِيقَ الْمَدِينَةِ بِسَرِفَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ أَتَمَّ مِنْهُ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَلَا يُعْرَفُ لِمُحَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ هذا الحديث
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ رُوِيَ عَنْهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ
٢ - (بَاب الْمَقَامِ فِي الْعُمْرَةِ)
[١٩٩٧] أَيِ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَدَاءِ الْعُمْرَةِ
(أقام في عمرة القضاء ثلاثا) قال بن الْقَيِّمِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ سِوَى المرة الأولى فإنه وصل إلى الحدييبة وَصُدَّ عَنِ الدُّخُولِ إِلَيْهَا ثُمَّ دَخَلَهَا الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ فَقَضَى عُمْرَتَهُ وَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ خَرَجَ ثُمَّ دَخَلَهَا الْمَرَّةَ الثَّالِثَةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ دَخَلَهَا بِعُمْرَةٍ مِنَ الْجِعْرَانَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ نَحْوَهُ تَعْلِيقًا
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ من حديث أبي إسحاق السبيعي عن البراء بْنِ عَازِبٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ثَلَاثًا
٣ - (بَاب الْإِفَاضَةِ فِي الْحَجِّ)
[١٩٩٨] هِيَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ في قوله تعالى وليطوفوا بالبيت العتيق
(أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ) أَيْ طَافَ بِالْبَيْتِ (ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى يَعْنِي رَاجِعًا) وَالَّذِي رَوَاهُ جابر في الحديث
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هكذا قال بن عُمَر وَقَالَ جَابِر فِي حَدِيثه الطَّوِيل ثُمَّ أَفَاضَ إِلَى الْبَيْت فَصَلَّى بِمَكَّة الظُّهْر
стр. 1739
طَرِيقَ الْمَدِينَةِ بِسَرِفَ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ أَتَمَّ مِنْهُ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَلَا يُعْرَفُ لِمُحَرِّشٍ الْكَعْبِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ غَيْرَ هذا الحديث
وَقَالَ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ رُوِيَ عَنْهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ
٢ - (بَاب الْمَقَامِ فِي الْعُمْرَةِ)
أَيِ الْمُقَامِ بِمَكَّةَ بَعْدَ أَدَاءِ الْعُمْرَةِ
(أقام في عمرة القضاء ثلاثا) قال بن الْقَيِّمِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَكَّةَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ خَمْسَ مَرَّاتٍ سِوَى المرة الأولى فإنه وصل إلى الحدييبة وَصُدَّ عَنِ الدُّخُولِ إِلَيْهَا ثُمَّ دَخَلَهَا الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ فَقَضَى عُمْرَتَهُ وَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا ثُمَّ خَرَجَ ثُمَّ دَخَلَهَا الْمَرَّةَ الثَّالِثَةَ عَامَ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ ثُمَّ دَخَلَهَا بِعُمْرَةٍ مِنَ الْجِعْرَانَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ نَحْوَهُ تَعْلِيقًا
وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي صَحِيحَيْهِمَا فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ من حديث أبي إسحاق السبيعي عن البراء بن عازب ﵄ أن رسول الله ﷺ أَقَامَ بِمَكَّةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ ثَلَاثًا
٣ - (بَاب الْإِفَاضَةِ فِي الْحَجِّ)
هِيَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ وَهُوَ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العتيق
(أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ) أَيْ طَافَ بِالْبَيْتِ (ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ بِمِنًى يَعْنِي رَاجِعًا) وَالَّذِي رَوَاهُ جَابِرٌ فِي الْحَدِيثِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
رَوَاهُ مُسْلِم وَقَالَتْ عَائِشَة أَفَاضَ رَسُول اللَّه ﷺ مِنْ آخِر يَوْمه حِين صَلَّى الظُّهْر ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَمَكَثَ بِهَا الْحَدِيث وَسَيَأْتِي
فَاخْتَلَفَ النَّاس فِي ذلك فرجحت طائفة منهم بن حَزْم وَغَيْره حَدِيث جَابِر وَأَنَّهُ صَلَّى الظُّهْر بِمَكَّة
قَالُوا وَقَدْ وَافَقَتْهُ عَائِشَة وَاخْتِصَاصهَا بِهِ وَقُرْبهَا مِنْهُ وَاخْتِصَاص جَابِر وَحِرْصه عَلَى الِاقْتِدَاء بِهِ أَمْر لَا يُرْتَاب فِيهِ
قَالُوا وَلِأَنَّهُ ﷺ رَمَى الْجَمْرَة وَحَلَقَ رَأْسه وَخَطَبَ النَّاس وَنَحَرَ مِائَة بَدَنَة هُوَ وَعَلِيّ وَانْتَظَرَ حَتَّى سُلِخَتْ وَأَخَذَ مِنْ كُلّ بَدَنَة بِضْعَة فَطُبِخَتْ وَأَكَلَا مِنْ لَحْمهَا
قَالَ بن حَزْم وَكَانَتْ حَجَّته فِي آذَار وَلَا يَتَّسِع النَّهَار لِفِعْلِ هَذَا جَمِيعه مَعَ الْإِفَاضَة إِلَى الْبَيْت وَالطَّوَاف وَصَلَاة الرَّكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَرْجِع إِلَى مِنًى وَوَقْت الظُّهْر بَاقٍ
وَقَالَتْ طَائِفَة مِنْهُمْ شيخ الإسلام بن تَيْمِيَة وَغَيْره الَّذِي يُرَجِّح أَنَّهُ إِنَّمَا صَلَّى الظُّهْر بِمِنًى لِوُجُوهِ أَحَدهَا أَنَّهُ لَوْ صَلَّى الظُّهْر بِمَكَّة لَأَنَابَ عَنْهُ فِي إِمَامَة النَّاس بِمِنًى إِمَامًا يُصَلِّي بِهِمْ الظُّهْر وَلَمْ يَنْقُل ذلك أحد
ومحتال أَنْ يُصَلِّي بِالْمُسْلِمِينَ الظُّهْر بِمِنًى نَائِب لَهُ وَلَا يَنْقُلهُ أَحَد فَقَدْ نَقَلَ النَّاس نِيَابَة عَبْد الرَّحْمَن بْن عَوْف لَمَّا صَلَّى بِهِمْ الْفَجْر فِي السَّفَر وَنِيَابَة الصِّدِّيق لَمَّا خَرَجَ ﷺ يُصْلِح بَيْن بَنِي عَمْرو بْن عَوْف وَنِيَابَته فِي مَرَضه وَلَا يَحْتَاج إِلَى ذِكْر مَنْ صَلَّى بِهِمْ بِمَكَّة لِأَنَّ إِمَامهمْ الرَّاتِب الَّذِي كَانَ مُسْتَمِرًّا عَلَى الصَّلَاة قَبْل ذَلِكَ وَبَعْده هُوَ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي بِهِمْ
الثَّانِي أَنَّهُ لَوْ صَلَّى بِهِمْ بِمَكَّة لَكَانَ أَهْل مَكَّة مُقِيمِينَ فَكَانَ يَتَعَيَّن عَلَيْهِمْ الْإِتْمَام وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ النَّبِيّ ﷺ أَتِمُّوا صَلَاتكُمْ فَإِنَّا قَوْم سَفْر كَمَا قَالَهُ فِي غُزَاة الْفَتْح
الثَّالِث أَنَّهُ يُمْكِن اِشْتِبَاه الظُّهْر الْمَقْصُورَة بِرَكْعَتَيْ الطَّوَاف وَلَا سِيَّمَا وَالنَّاس يُصَلُّونَهُمَا مَعَهُ وَيَقْتَدُونَ بِهِ فِيهِمَا فَظَنَّهُمَا الرَّائِي الظُّهْر
وَأَمَّا صَلَاته بِمِنًى وَالنَّاس خَلْفه فَهَذِهِ لَا يُمْكِن اِشْتِبَاههَا بِغَيْرِهَا أَصْلًا لَا سِيَّمَا وَهُوَ ﷺ كَانَ إِمَام الْحَجّ الَّذِي لَا يُصَلِّي لَهُمْ سِوَاهُ فَكَيْف يَدَعهُمْ بِلَا إِمَام يُصَلُّونَ أَفْرَادًا وَلَا يُقِيم لَهُمْ مَنْ يُصَلِّي بِهِمْ هَذَا فِي غَايَة الْبُعْد
وَأَمَّا حَدِيث عَائِشَة فَقَدْ فَهِمَ مِنْهُ جَمَاعَة مِنْهُمْ الْمُحِبّ الطَّبَرِيُّ وَغَيْره أَنَّهُ صَلَّى الظُّهْر بِمِنًى ثُمَّ أَفَاضَ إِلَى الْبَيْت بَعْد مَا صَلَّى الظُّهْر لِأَنَّهَا قَالَتْ أَفَاضَ مِنْ آخِر يَوْمه حِين صَلَّى الظُّهْر ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى
قَالُوا وَلَعَلَّهُ صَلَّى الظُّهْر بِأَصْحَابِهِ ثُمَّ جَاءَ إِلَى مَكَّة فَصَلَّى الظُّهْر بِمَنْ لَمْ يُصَلِّ كَمَا قَالَ جابر
стр. 1740
الطَّوِيلِ وَعَائِشَةُ هُوَ أَنَّهُ ﷺ صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ فَمِنْهُمْ مَنْ رَجَّحَ هذا الحديث ومنهم حَدِيثَ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ تَوَقَّفَ لِصِحَّةِ الْحَدِيثَيْنِ
كَذَا فِي فَتْحِ الْوَدُودِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إِثْبَاتُ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَأَوَّلَ النَّهَارِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا الطَّوَافَ وَهُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ لَا يَصِحُّ الْحَجُّ إِلَّا بِهِ
وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِعْلُهُ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالنَّحْرِ وَالْحَلْقِ فَإِنْ أَخَّرَهُ عَنْهُ وَفَعَلَهُ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ أَجْزَأَهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ فَإِنْ أَخَّرَهُ إِلَى مَا بَعْدِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ وَأَتَى بِهِ بَعْدَهَا أَجْزَأَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إِذَا تَطَاوَلَ لَزِمَهُ مَعَهُ دَمٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ مُخْتَصَرٌ
[١٩٩٩] (عَنْ أَبِيهِ) وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ (وَعَنْ أُمِّهِ) أَيْ أُمِّ أَبِي عُبَيْدَةَ (زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ) بَدَلٌ عَنْ أُمِّهِ وَهِيَ بِنْتُ أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ (كَانَتْ لَيْلَتِي الَّتِي يَصِيرُ) أَيْ يَرْجِعُ (إِلَيَّ فِيهَا) أَيْ يَدْخُلُ عَلَيَّ فِيهَا (مَسَاءَ يَوْمِ النَّحْرِ) أَيِ اتَّفَقَ أَنْ كَانَتْ لَيْلَةُ نَوْبَتِي مَسَاءَ يَوْمِ النَّحْرِ أَيْ مَسَاءَ لَيْلَةٍ تَلِي يَوْمَ النَّحْرِ وَهِيَ لَيْلَةُ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ وَالْمَسَاءُ يُطْلَقُ عَلَى مَا بَعْدَ الزَّوَالِ إِلَى أَنْ يَشْتَدَّ الظَّلَامُ
قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ
ولعل المراد به ها هنا أَوَّلُ اللَّيْلِ (فَصَارَ) أَيْ رَجَعَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ثُمَّ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَرَأَى قَوْمًا لَمْ يصلوا فصلى بهم ثالثة كما قال بن عُمَر وَهَذِهِ حَرْفَشَة فِي الْعِلْم وَطَرِيقَة يَسْلُكهَا الْقَاصِرُونَ فِيهِ وَأَمَّا فُحُول أَهْل الْعِلْم فَيَقْطَعُونَ بِبُطْلَانِ ذَلِكَ وَيُحِيلُونَ الِاخْتِلَاف عَلَى الْوَهْم وَالنِّسْيَان الَّذِي هُوَ عُرْضَة الْبَشَر وَمَنْ لَهُ إِلْمَام بِالسُّنَّةِ وَمَعْرِفَة بِحُجَّتِهِ ﷺ يقطع بأنه لم يصل الظهر فِي ذَلِكَ الْيَوْم ثَلَاث مَرَّات بِثَلَاثِ جَمَاعَات بَلْ وَلَا مَرَّتَيْنِ
وَإِنَّمَا صَلَّاهَا عَلَى عَادَته الْمُسْتَمِرَّة قَبْل ذَلِكَ الْيَوْم وَبَعْده ﷺ
وفهم منه آخرون منهم بن حَزْم وَغَيْره أَنَّهُ أَفَاضَ حِين صَلَّاهَا بِمَكَّة
وَفِي نُسْخَة مِنْ نُسَخ السُّنَن أَفَاضَ حَتَّى صَلَّى الظُّهْر ثُمَّ رَجَعَ وَهَذِهِ الرِّوَايَة ظَاهِرَة فِي أَنَّهُ صَلَّاهَا بِمَكَّة كَمَا قَالَ جَابِر وَرِوَايَة حِين مُحْتَمِلَة لِلْأَمْرَيْنِ وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 1741
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (إِلَى) فِي ذَلِكَ الْمَسَاءِ أَيْ دَخَلَ عَلَيَّ فِيهِ (فَدَخَلَ عَلَيَّ) بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (وَهْبُ) فَاعِلُ دَخَلَ (بْنُ زَمْعَةَ) وَدَخَلَ (مَعَهُ رَجُلٌ مِنْ آلِ أَبِي أُمَيَّةَ) أَيْضًا حَالَ كَوْنِهِمَا (مُتَقَمِّصَيْنِ) أَيْ لَابِسَيِ الْقَمِيصَ (هَلْ أَفَضْتَ) أَيْ طُفْتَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ يَا (أَبَا عَبْدِ اللَّهِ) هَذِهِ كُنْيَةُ وَهْبٍ (قَالَ) الرَّاوِي (فَنَزَعَهُ) أَيْ نَزَعَ وَهْبٌ ذَلِكَ الْقَمِيصَ (مِنْ رَأْسِهِ) أَيْ قِبَلَ رَأْسِهِ (وَنَزَعَ صَاحِبُهُ) الَّذِي دَخَلَ عَلَيْهَا مَعَهُ أَيْضًا (ثُمَّ قَالَ) وَهْبٌ (وَلِمَ) أَمَرْتَنَا بِنَزْعِ الْقَمِيصِ عَنَّا (إِنَّ هَذَا) أَيْ يَوْمَ النَّحْرِ (يَوْمٌ رُخِّصَ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (لَكُمْ إِذَا أَنْتُمْ) أَيُّهَا الْحَجِيجُ (رَمَيْتُمُ الْجَمْرَةَ) أَيْ فَرَغْتُمْ عَنْ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ (أَنْ تُحِلُّوا) مَفْعُولُ مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ لِقَوْلِهِ رُخِّصَ (يَعْنِي) أَيْ يُرِيدُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ أَنْ تَحِلُّوا أَيْ أَنْ تَحِلُّوا (مِنْ كُلِّ مَا حُرِمْتُمْ مِنْهُ إِلَّا النِّسَاءَ) إلى ها هنا تَفْسِيرٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ) أَيْ دَخَلْتُمْ فِي الْمَسَاءِ (قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا هَذَا الْبَيْتَ) يَوْمَ النَّحْرِ (صِرْتُمْ حُرُمًا) بِضَمَّتَيْنِ وَيَجُوزُ تَسْكِينُ الرَّاءِ أَيْضًا جَمْعُ حَرَامٍ بِمَعْنَى مُحْرِمٍ أَيْ صِرْتُمْ مُحْرِمِينَ (كَهَيْئَتِكُمْ) أَيْ كَمَا كُنْتُمْ مُحْرِمِينَ (قَبْلَ أَنْ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ) أَيْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ (حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ) أَيْ بالبيت
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هذا الحديث يرويه بن إِسْحَاق عَنْ أَبِي عُبَيْدَة بْن عَبْد اللَّه بْن زَمْعَة عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أُمّه زَيْنَب بِنْت أَبِي سَلَمَة يُحَدِّثَانِهِ عَنْ أُمّ سَلَمَة وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة وَحَدَّثَتْنِي أُمّ قَيْس بِنْت مِحْصَن وَكَانَتْ جَارَة لَهُمْ قَالَتْ خَرَجَ مِنْ عِنْدِي عُكَّاشَة بْن مِحْصَن فِي نَفَر مِنْ بَنِي أَسَد مُتَقَمِّصًا عَشِيَّة يَوْم النَّحْر ثُمَّ رَجَعُوا إِلَيَّ عِشَاء وَقُمُصُهُمْ عَلَى أَيْدِيهمْ يَحْمِلُونَهَا فَقُلْت أَيْ عكاشة مَا لَكُمْ خَرَجْتُمْ مُتَقَمِّصِينَ ثُمَّ رَجَعْتُمْ وَقُمُصُكُمْ عَلَى أَيْدِيكُمْ تَحْمِلُونَهَا فَقَالَ أَخْبَرَتْنَا أُمّ قَيْس كَانَ هَذَا يَوْمًا رَخَّصَ فِيهِ رَسُول اللَّه ﷺ لَنَا إِذَا نَحْنُ رَمَيْنَا الْجَمْرَة حَلَلْنَا مِنْ كُلّ مَا أَحْرَمْنَا مِنْهُ إِلَّا مَا كَانَ مِنْ النِّسَاء حَتَّى تَطُوف بِالْبَيْتِ فَإِذَا أَمْسَيْنَا وَلَمْ نَطُفْ جَعَلْنَا قُمُصَنَا عَلَى أَيْدِينَا وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيث مَحْفُوظ فَإِنَّ أَبَا عُبَيْدَة رَوَاهُ عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أُمّه وَعَنْ أم قيس
стр. 1742
وَالْحَاصِلُ أَنَّ هَذَا التَّرْخِيصَ لَكُمْ إِنَّمَا هُوَ بِشَرْطِ أَنْ تَطُوفُوا طَوَافَ الْإِفَاضَةِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ تَدْخُلُوا فِي مَسَاءِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَمَّا إِذَا فَاتَ هَذَا الشَّرْطُ بِأَنْ أَمْسَيْتُمْ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فَلَيْسَ لَكُمْ هَذَا التَّرْخِيصُ وَإِنْ رَمَيْتُمْ وَذَبَحْتُمْ وَحَلَقْتُمْ بَلْ بَقِيتُمْ مُحْرِمِينَ كَمَا كُنْتُمْ مُحْرِمِينَ قَبْلَ الرَّمْيِ
وَفِقْهُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ أَفَاضَ يَوْمَ النَّحْرِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَبْلَ مَسَاءِ يَوْمِ النَّحْرِ رُخِّصَ لَهُ التَّحَلُّلُ عَنِ الْإِحْرَامِ وَحَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ مَا خَلَا النِّسَاءَ وَأَنَّ مَنْ لَمْ يُفِضْ يَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ مَسَائِهِ بَلْ دَخَلَتْ لَيْلَةُ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ قَبْلَ إِفَاضَتِهِ لَمْ يُرَخَّصْ لَهُ التَّحْلِيلُ بَلْ بَقِيَ حَرَامًا كَمَا كَانَ وَلَمْ يَحِلَّ لَهُ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ حَرَامًا عَلَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ كَالتَّقَمُّصِ وَغَيْرِهِ بَلْ بَقِيَ حَرَامًا كَمَا كَانَ وَإِنْ كَانَ رَمَى وَذَبَحَ وَحَلَقَ وَأَنَّ مَنْ لَبِسَ الْقَمِيصَ فِي الْإِحْرَامِ جَاهِلًا أَوْ نَاسِيًا وَجَبَ عَلَيْهِ أن ينزعه بعد ما عَلِمَهُ أَوْ ذَكَرَهُ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ نَزْعُهُ مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ وَإِنْ لَزِمَ مِنْهُ تَغْطِيَةُ رَأْسِهِ
وَقَدْ وَقَعَ حَدِيثُ يَعْلَى عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ بِلَفْظِ اخْلَعْ عَنْكَ الْجُبَّةَ فَخَلَعَهَا مِنْ قِبَلِ رَأْسِهِ وَأَمَّا مَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ فَقَدْ شَقَّ قَمِيصَهُ مِنْ جَيْبِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ رِجْلَيْهِ فَنَظَرَ الْقَوْمُ إِلَيْهِ فَقَالَ إِنِّي أَمَرْتُ بِبُدْنِي الَّتِي بَعَثْتُ بِهَا أَنْ تُقَلَّدَ الْيَوْمَ وَتُشْعَرَ فَلَبِسْتُ قَمِيصِي وَنَسِيتُ فَلَمْ أَكُنْ لِأُخْرِجَ قَمِيصِي مِنْ رَأْسِي أَخْرَجَهُ الطَّحَاوِيُّ فَفِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَطَاءٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِمَا انْفَرَدَ بِهِ فَكَيْفَ إِذَا خَالَفَهُ مَنْ هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ
وَقَدْ تَرَكَهُ مَالِكٌ وَهُوَ جَارُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ وَلَعَلَّ مَنْ لَا يَقُولُ بِهِ يَحْمِلُهُ عَلَى التَّغْلِيطِ وَالتَّشْدِيدِ فِي تَأْخِيرِ الطَّوَافِ مِنْ يَوْمِ النَّحْرِ وَالتَّأْكِيدِ فِي إِتْيَانِهِ فِي يَوْمِ النَّحْرِ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَأْبَى مِثْلَ هَذَا الْحَمْلِ جِدًّا وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ
[٢٠٠٠] (أَخَّرَ طَوَافَ يَوْمِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَقَدْ اِسْتَشْكَلَهُ النَّاس قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا حُكْم لَا أَعْلَم أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاء يَقُول بِهِ
تَمَّ كَلَامه
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ عقبة عن أبي الزبير عن عائشة وبن عباس أن النبي ﷺ أَخَّرَ طَوَاف يَوْم النَّحْر إِلَى اللَّيْل
وَأَخْرَجَهُ الترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيّ حَدِيث حَسَن وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ تَعْلِيقًا
وَكَأَنَّ رِوَايَة أَبِي دَاوُدَ لَهُ عَقِب حَدِيث أُمّ سَلَمَة اِسْتِدْلَال مِنْهُ عَلَى أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ حَدِيث أُمّ سَلَمَة لِأَنَّ رَسُول اللَّه ﷺ حَلَّ قَبْل طَوَافه بِالْبَيْتِ ثُمَّ أَخَّرَهُ إِلَى اللَّيْل
لَكِنَّ هَذَا الْحَدِيث وَهْم فَإِنَّ الْمَعْلُوم مِنْ فِعْله ﷺ أَنَّهُ إِنَّمَا طَافَ طَوَاف الْإِفَاضَة نَهَارًا بَعْد الزَّوَال كَمَا قَالَهُ جَابِر وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر وَعَائِشَة وَهَذَا أَمْر لَا يَرْتَاب فِيهِ أَهْل الْعِلْم وَالْحَدِيث وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْل عَائِشَة أَفَاضَ رَسُول اللَّه ﷺ حِين صَلَّى الظُّهْر مِنْ رِوَايَة أَبِي سَلَمَة وَالْقَاسِم عَنْهَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَحَدِيث أَبِي سَلَمَة عَنْ عَائِشَة أَصَحّ
وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي سَمَاع أَبِي الزُّبَيْر مِنْ عائشة نظر وقد سمع من بن عباس
стр. 1743
النَّحْرِ إِلَى اللَّيْلِ) قِيلَ فِي مَعْنَاهُ إِنَّهُ رُخِّصَ لِطَوَافِ الزِّيَارَةِ إِلَى اللَّيْلِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَطُفْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فِي اللَّيْلِ
وَفِي زَادِ الْمَعَادِ أَفَاضَ ﷺ إِلَى مَكَّةَ قَبْلَ الظُّهْرِ رَاكِبًا فَطَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ طَوَافُ الزِّيَارَةِ وَالصَّدْرِ وَلَمْ يَطُفْ غَيْرَهُ وَلَمْ يُسْمَعْ مَعَهُ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَطَائِفَةٌ زَعَمَتْ أَنَّهُ لَمْ يَطُفْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِنَّمَا أَخَّرَ طواف الزيارة إلى الليل وهو قول طاووس وَمُجَاهِدٍ وَعُرْوَةَ وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمَكِّيِّ عَنْ عَائِشَةَ الْمُخَرَّجِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ
قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ غَلَطٌ بَيِّنٌ خِلَافُ الْمَعْلُومِ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ الَّذِي لَا يَشُكُّ فِيهِ أهل العلم بحجته ﷺ
وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَطَّانُ عِنْدِي أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إِنَّمَا طَافَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَئِذٍ نَهَارًا وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ أَوْ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَصَلَّى الظُّهْرَ بِهَا بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ فَابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إِنَّهُ رَجَعَ إِلَى مِنًى فَصَلَّى الظُّهْرَ بِهَا وَجَابِرٌ يَقُولُ إِنَّهُ صَلَّى الظُّهْرَ بِمَكَّةَ وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ هَذِهِ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ أَخَّرَ الطَّوَافَ إِلَى اللَّيْلِ وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يُرْوَ إِلَّا مِنْ هَذَا الطَّرِيقِ
وَأَبُو الزُّبَيْرِ مُدَلِّسٌ لَمْ يَذْكُرْ ها هنا سَمَاعًا عَنْ عَائِشَةَ انْتَهَى
وَقَالَ السِّنْدِيُّ الْمَعْلُومُ الثَّابِتُ مِنْ فِعْلِهِ ﷺ هُوَ أَنَّهُ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ الطَّوَافُ الْفَرْضُ قَبْلَ اللَّيْلِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ رَخَّصَ فِي تَأْخِيرِهِ إِلَى اللَّيْلِ أَوِ الْمُرَادَ بِطَوَافِ الزِّيَارَةِ غَيْرُ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ أَيْ إِنَّهُ كَانَ يَقْصِدُ زِيَارَةَ الْبَيْتِ أَيَّامَ مِنًى بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ فَإِذَا زَارَ طَافَ أَيْضًا وَكَانَ يُؤَخِّرُ طَوَافَ تِلْكَ الزِّيَارَةِ إِلَى اللَّيْلِ بِتَأْخِيرِ تِلْكَ الزِّيَارَةِ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا يَذْهَبُ إِلَى مَكَّةَ لِأَجْلِ تِلْكَ الزِّيَارَةِ فِي النَّهَارِ بَعْدَ الْعَصْرِ مَثَلًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ
وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا مُسْتَوْفًى
[٢٠٠١] (لَمْ يَرْمُلْ) مِنْ بَابِ نَصَرَ (أَفَاضَ فِيهِ) أَيْ فِي طَوَافِ الْإِفَاضَةِ
قَالَ المنذري وأخرجه النسائي وبن ماجه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَيُمْكِن أَنْ يُحْمَل قَوْلهَا أَخَّرَ طَوَاف يَوْم النَّحْر إِلَى اللَّيْل عَلَى أَنَّهُ أَذِنَ فِي ذَلِكَ فَنُسِبَ إِلَيْهِ وَلَهُ نَظَائِر
стр. 1744
٨٤ - (بَاب الْوَدَاعِ [٢٠٠٢] مِنَ الْبَيْتِ)
فَهَذَا بَابٌ لِإِثْبَاتِ الْوَدَاعِ وَالْبَابُ الْآتِي لِإِثْبَاتِ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(كَانَ النَّاسُ) أَيْ بَعْدَ حَجِّهِمْ (يَنْصَرِفُونَ فِي كُلِّ وَجْهٍ) أَيْ طَرِيقٍ طَائِفًا أَوْ غَيْرَ طَائِفٍ (لَا يَنْفِرَنَّ أَحَدٌ) أَيِ النَّفَرَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِي أَوْ لَا يَخْرُجَنَّ أَحَدٌ مِنْ مَكَّةَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْآفَاقِيُّ (حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ) أَيْ بِالطَّوَافِ بِهِ
قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَخَالَفَ فِيهِ مَالِكٌ هَكَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
٥ - (بَاب الْحَائِضِ تَخْرُجُ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ)
[٢٠٠٣] (ذَكَرَ صَفِيَّةَ) أَيْ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ سِبْطِ هَارُونَ أَخِي مُوسَى ﵉ (لَعَلَّهَا حَابِسَتُنَا) أَيْ مَانِعَتُنَا عَنِ الرُّجُوعِ إِلَى الْمَدِينَةِ لِانْتِظَارِ طَوَافِهَا (فَلَا إِذًا) جَوَابٌ وَجَزَاءٌ أَيْ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ أَنَّهَا أَفَاضَتْ فَلَا أَمْنَعُهَا لِلْخُرُوجِ
وَنَظِيرُهُ مَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَشْرِبَةِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الظُّرُوفِ فَقَالَتِ الْأَنْصَارُ إِنَّهُ لابد لَنَا مِنْهَا قَالَ فَلَا إِذًا قَالَ فِي الْفَتْحِ فَلَا إِذًا جَوَابٌ وَجَزَاءٌ أَيْ إِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْهَا فَلَا تدعوها
وفي لفظ الشيخين قلت يارسول اللَّهِ إِنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ وَطَافَتْ بِالْبَيْتِ ثُمَّ حَاضَتْ بَعْدَ الْإِفَاضَةِ قَالَ فَلْتَنْفِرْ إِذَنْ أَيْ فَلَا حَبْسَ عَلَيْنَا حِينَئِذٍ لِأَنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ فَلَا مَانِعَ مِنَ التَّوَجُّهِ وَالَّذِي يَجِبُ عَلَيْهَا قَدْ فَعَلَتْهُ
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَلَا بَأْسَ انْفِرِي وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ اخْرُجِي وَفِي رِوَايَةٍ فَلْتَنْفِرْ وَمَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ وَالْمُرَادُ بِهَا الرَّحِيلُ مِنْ منى إلى جهة المدينة
стр. 1745
قال بن الْمُنْذِرِ قَالَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ بِالْأَمْصَارِ لَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ الَّتِي طَافَتْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ طَوَافُ الْوَدَاعِ
وَرُوِّينَا عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُمْ أَمَرُوهَا بِالْمَقَامِ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا لِطَوَافِ الْوَدَاعِ كَأَنَّهُمْ أَوْجَبُوهُ عَلَيْهَا كَطَوَافِ الْإِفَاضَةِ إِذْ لَوْ حَاضَتْ قَبْلَهُ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهَا
قَالَ وقد ثبت رجوع بن عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ ذَلِكَ وَبَقِيَ عمر فخالفناه لثبوت حديث عائشة
وروى بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ كَانَ الصَّحَابَةُ يَقُولُونَ إِذَا أَفَاضَتْ قَبْلَ أَنْ تَحِيضَ فَقَدْ فَرَغَتْ إِلَّا عُمَرَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ بِمَعْنَاهُ
[٢٠٠٤] (أَرِبْتَ عَنْ يَدَيْكَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ سَقَطْتَ مِنْ أَجْلِ مَكْرُوهٍ يُصِيبُ يَدَيْكَ مِنْ قَطْعٍ أَوْ وَجَعٍ أَوْ سَقَطْتَ بِسَبَبِ يَدَيْكَ أَيْ مِنْ بِنَايَتِهِمَا
قِيلَ هُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْخَجَالَةِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ دُعَاءٌ عَلَيْهِ لَكِنْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ حَقِيقَتَهُ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ نِسْبَةُ الْخَطَأِ إِلَيْهِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ سَقَطَتْ آرَابُكَ مِنَ الْيَدَيْنِ خَاصَّةً (لِكَيْمَا أُخَالِفَ) مَا زَائِدَةٌ
وَاسْتَدَلَّ الطَّحَاوِيُّ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى نَسْخِ حَدِيثِ عُمَرَ فِي حَقِّ الْحَائِضِ وَكَذَلِكَ اسْتَدَلَّ عَلَى نَسْخِهِ بِحَدِيثِ أُمِّ سُلَيْمٍ عِنْدَ أَبِي داود الطيالسي أنها قالت حضت بعد ما طُفْتُ بِالْبَيْتِ فَأَمَرَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ أَنْفِرَ
وَحَاضَتْ صَفِيَّةُ فَقَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ حَبَسَتْنَا فَأَمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ أَنْ تَنْفِرَ
وَرَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي كِتَابِ الْمَنَاسِكِ وَإِسْحَاقُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّحَاوِيُّ وَأَصْلُهُ فِي الْبُخَارِيِّ
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا أخرجه النسائي والترمذي وصححه الحاكم عن بن عُمَرَ قَالَ مَنْ حَجَّ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ إِلَّا الْحُيَّضَ رَخَّصَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
وَعِنْدَ الشَّيْخَيْنِ مِنْ حديث بن عَبَّاسٍ أُمِرَ النَّاسُ أَنْ يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إِلَّا أَنَّهُ خُفِّفَ عَنِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ
وأخرج أحمد في مسنده عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَخَّصَ لِلْحَائِضِ أَنْ تَصْدُرَ قَبْلَ أَنْ تَطُوفَ بِالْبَيْتِ إِذَا كَانَتْ قَدْ طَافَتْ فِي الْإِفَاضَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَالْإِسْنَادُ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ حَسَنٌ
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَقَالَ غَرِيبٌ
стр. 1746
٨٦ - (بَاب طَوَافِ الْوَدَاعِ)
[٢٠٠٥] (بِالْأَبْطَحِ) وَهُوَ الْبَطْحَاءُ الَّتِي بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى وَهِيَ مَا انْبَطَحَ مِنَ الْأَرْضِ وَاتَّسَعَ وَهُوَ الْمُحَصَّبُ وَحَدُّهَا مَا بَيْنَ الْجَبَلَيْنِ إِلَى الْمَقْبَرَةِ
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ الْأَبْطَحُ وَالْبَطْحَاءُ وَخَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ شَيْءٌ وَاحِدٌ كَذَا فِي الْعَيْنِيِّ (حَتَّى فَرَغْتُ) مِنَ الْعُمْرَةِ (فَطَافَ بِهِ) أَيْ طَوَافَ الْوَدَاعِ (ثُمَّ خَرَجَ) أَيْ إِلَى الْمَدِينَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى التَّنْعِيمِ وَالْأَبْطَحِ وَالْمُحَصَّبِ
[٢٠٠٦] (فِي النَّفْرِ الْآخِرِ) أَيِ الرُّجُوعِ مِنْ مِنًى (فَنَزَلَ الْمُحَصَّبَ) كَمُعَظَّمٍ
قَالَ الطِّيبِيُّ هُوَ فِي الْأَصْلِ كُلُّ مَوْضِعٍ كَثِيرِ الْحَصَاةِ وَالْمُرَادُ بِهِ الشِّعْبُ الَّذِي أَحَدُ طَرَفَيْهِ مِنًى وَيَتَّصِلُ الْآخَرُ بِالْأَبْطَحِ فَعَبَّرَ بِهِ عَنِ الْمُحَصَّبِ الْمَعْرُوفِ إِطْلَاقًا لِاسْمِ الْمُجَاوِرِ عَلَى الْمُجَاوَرِ انْتَهَى وَفِي النِّهَايَةِ هُوَ الشِّعْبُ الَّذِي مَخْرَجُهُ إِلَى الْأَبْطَحِ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى وَسَيَجِيءُ الْكَلَامُ فِيهِ
[٢٠٠٧] (كَانَ إِذَا جَازَ مَكَانًا مِنْ دَارِ يَعْلَى) لَعَلَّهُ الْمَوْضِعُ الْمَعْلُومُ بِمَوْضِعِ اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ قَالَهُ السِّنْدِيُّ
وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ كَانَ إِذَا جَاءَ مَكَانًا فِي
стр. 1747
دَارِ يَعْلَى اسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَدَعَا
وَفِي أُسْدِ الْغَابَةِ مِنْ وَجْهٍ آخَرُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَأْتِي مَكَانًا فِي دَارِ يَعْلَى فَيَسْتَقْبِلُ الْبَيْتَ فَيَدْعُو وَيَخْرُجُ مِنْهُ فَيَدْعُو وَنَحْنُ مُسْلِمَاتٌ (نَسِيَهُ) أَيْ ذَلِكَ الْمَكَانَ (عُبَيْدُ اللَّهِ) بْنُ أَبِي يَزِيدَ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ لَا يُطَابِقُ الْبَابَ إِلَّا بِالتَّعَسُّفِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ طَارِقٍ بِالْإِسْنَادِ الَّذِي خَرَّجَاهُ بِهِ
قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمِّهِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَا يَصِحُّ
٧ - (بَاب التَّحْصِيبِ)
[٢٠٠٨] وَهُوَ النُّزُولُ فِي الْمُحَصَّبِ وَهُوَ لَيْسَ مِنْ أَمْرِ الْمَنَاسِكِ الَّذِي يَلْزَمُ فِعْلُهُ إِنَّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلِاسْتِرَاحَةِ بَعْدَ الزَّوَالِ فَصَلَّى فِيهِ الْعَصْرَيْنِ وَالْمَغْرِبَيْنِ وَبَاتَ فِيهِ لَيْلَةَ الرَّابِعَ عَشَرَ لَكِنْ لَمَّا نَزَلَهُ ﷺ كَانَ النُّزُولُ بِهِ مُسْتَحَبًّا اتِّبَاعًا لَهُ وَقَدْ فَعَلَهُ بَعْدَهُ الْخُلَفَاءُ
(لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ) أَيْ أَسْهَلَ لِخُرُوجِهِ رَاجِعًا إِلَى الْمَدِينَةِ (فَمَنْ شَاءَ نَزَلَهُ وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَنْزِلْهُ) قَالَ النَّوَوِيُّ وَإِنَّ عائشة وبن عباس كان لَا يَقُولَانِ بِهِ وَيَقُولَانِ هُوَ مَنْزِلٌ اتِّفَاقِيٌّ لَا مَقْصُودٌ فَحَصَلَ خِلَافٌ بَيْنَ الصَّحَابَةِ ﵃
وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ اسْتِحْبَابُهُ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ وَغَيْرِهِمْ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ بِهِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَيَبِيتَ مِنْ بَعْضِ اللَّيْلِ أَوْ كُلِّهِ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالْمُحَصَّبُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَالْحَصْبَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الصَّادِ وَالْأَبْطَحُ وَالْبَطْحَاءُ وَخَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ اسْمٌ لِشَيْءٍ وَاحِدٍ وَأَصْلُ الْخَيْفِ كُلُّ مَا انْحَدَرَ عَنِ الجبل وارتفع عن المسيل
قال بن عَبْدِ الْبَرِّ وَتَبِعَهُ عِيَاضٌ اسْمٌ لِمَكَانٍ مُتَّسِعٍ بَيْنَ مَكَّةَ وَمِنًى وَهُوَ أَقْرَبُ إِلَى مِنًى وَيُقَالُ لَهُ الْأَبْطَحُ وَالْبَطْحَاءُ وَخَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه
стр. 1748
[٢٠٠٩] (أَنْ أُنْزِلَهُ) أَيِ الْمُحَصَّبَ (كَانَ) أَيْ أَبُو رَافِعٍ (عَلَى ثَقَلٍ) بِفَتْحِ الثَّاءِ وَالْقَافِ أَيْ مَتَاعِهِ (فِي الْأَبْطَحِ) وَهُوَ الْمُحَصَّبُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وقال عثمان وهو بن أَبِي شَيْبَةَ يَعْنِي فِي الْأَبْطَحِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
[٢٠١٠] (في حجته) متعلق بقلت يارسول الله ﷺ (عَقِيلُ) بْنُ أَبِي طَالِبٍ (مَنْزِلًا) أَيْ فِي مَكَّةَ أَيْ كَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَاهُ أَبَا طَالِبٍ هُوَ وَأَخُوهُ طَالِبٌ وَلَمْ يَرِثْ أَبَا طَالِبٍ ابْنَاهُ جَعْفَرٌ وَلَا عَلِيٌّ شَيْئًا لِأَنَّهُمَا كَانَا مُسْلِمَيْنِ وَلَوْ كَانَا وَارِثَيْنِ لَنَزَلَ ﷺ فِي دُورِهِمَا وَكَانَ قَدِ اسْتَوْلَى طَالِبٌ وَعَقِيلٌ عَلَى الدَّارِ كُلِّهَا بِاعْتِبَارِ مَا وَرِثَاهُ مِنْ أَبِيهِمَا لِكَوْنِهِمَا كَانَا لَمْ يُسْلِمَا أَوْ بِاعْتِبَارِ تَرْكِ النَّبِيِّ ﷺ لِحَقِّهِ مِنْهَا بِالْهِجْرَةِ وَفُقِدَ طَالِبٌ بِبَدْرٍ فَبَاعَ عَقِيلٌ الدَّارَ كُلَّهَا قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (بخيف) أي بوادي وهو المحصب (حَالَفَتْ قُرَيْشًا) قَالَ النَّوَوِيُّ تَحَالَفُوا عَلَى إِخْرَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مِنْ مَكَّةَ إِلَى هَذَا الشِّعْبِ وَهُوَ خَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ وَكَتَبُوا بَيْنَهُمُ الصَّحِيفَةَ الْمَسْطُورَةَ فِيهَا أَنْوَاعٌ مِنَ الْبَاطِلِ فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهَا الْأَرَضَةَ فَأَكَلَتْ مَا فِيهَا مِنَ الْكُفْرِ وَتَرَكَتْ مَا فِيهَا مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَخْبَرَ جبرائيل النَّبِيَّ ﷺ بِذَلِكَ فَأَخْبَرَ بِهِ عَمَّهُ أَبَا طَالِبٍ فَأَخْبَرَهُمْ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَجَدُوهُ كَمَا قَالَهُ فسقط في أيديهم ونكسوا على رؤوسهم
وَالْقِصَّةُ مَشْهُورَةٌ
وَإِنَّمَا اخْتَارَ ﷺ النُّزُولَ هُنَاكَ شُكْرًا لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى النِّعْمَةِ فِي دُخُولِهِ ظَاهِرًا وَنَقْضًا لِمَا تَعَاقَدُوهُ بَيْنَهُمْ
قَالَهُ الْعَيْنِيُّ (لَا يُؤْوُوهُمْ) مِنْ آوَى يُؤْوِي إِيوَاءً
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ والنسائي وبن ماجه
стр. 1749
[٢٠١١] (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) إِلَى آخِرِ حَدِيثِ (حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ) أَيْ يَرْجِعَ (فَذَكَرَ نَحْوَهُ) وَلَفْظُ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَنَحْنُ بِمِنًى نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ وَذَلِكَ أَنَّ قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ حَالَفَتْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ أَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُبَايِعُوهُمْ حَتَّى يُسَلِّمُوا إِلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصَّبِ (لَمْ يَذْكُرِ) الْأَوْزَاعِيُّ (أَوَّلَهُ) أَيْ أَوَّلَ الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ هَلْ تَرَكَ لَنَا إِلَخْ
(وَلَا ذَكَرَ) الْأَوْزَاعِيُّ (الْخَيْفَ الْوَادِي) مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ كَمَا ذَكَرَهُ مَعْمَرٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مُطَوَّلًا
[٢٠١٢] (بن عُمَرَ كَانَ يَهْجَعُ هَجْعَةً) أَيْ يَنَامُ نَوْمَةً خَفِيفَةً فِي أَوَّلِ اللَّيْلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ أَتَمَّ مِنْهُ
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ نَحْوَهُ
[٢٠١٣] (ثُمَّ هَجَعَ بِهَا هَجْعَةً) وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ المنذري
٨ - (باب من قَدَّمَ شَيْئًا قَبْلَ شَيْءٍ فِي حَجِّهِ)
[٢٠١٤] (أَنَّهُ قَالَ وَقَفَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَ النَّوَوِيُّ قَدْ سَبَقَ أَنَّ أَفْعَالَ يَوْمِ النَّحْرِ أَرْبَعَةٌ رَمْيُ
стр. 1750
جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ ثُمَّ الذَّبْحُ ثُمَّ الْحَلْقُ ثُمَّ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ وَأَنَّ السُّنَّةَ تَرْتِيبُهَا هَكَذَا فَلَوْ خَالَفَ وَقَدَّمَ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ جَازَ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَظَاهِرُ قَوْلِهِ ﷺ لَا حَرَجَ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْكَ مُطْلَقًا وَقَدْ صَرَّحَ فِي بَعْضِهَا بِتَقْدِيمِ الْحَلْقِ عَلَى الرَّمْيِ
وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ نَحَرَ قَبْلَ الرَّمْيِ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْعَامِدِ وَالسَّاهِي فِي ذَلِكَ فِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَعَدَمِهَا وَإِنَّمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الْإِثْمِ عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُ التَّقْدِيمَ
وَقَوْلِهِ ﷺ اذْبَحْ وَلَا حَرَجَ ارْمِ وَلَا حَرَجَ مَعْنَاهُ افْعَلْ مَا بَقِيَ عَلَيْكَ وَقَدْ أَجْزَأَكَ مَا فَعَلْتَهُ وَلَا حَرَجَ عَلَيْكَ فِي التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ (فَمَا سُئِلَ يَوْمَئِذٍ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ أَوْ أُخِّرَ) يَعْنِي مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
[٢٠١٥] (عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ) بِفَتْحِ الشِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ (حَاجًّا) أَيْ مُرِيدًا الْحَجَّ (فَمَنْ قال يارسول اللَّهِ سَعَيْتُ) أَيْ لِلْحَجِّ عَقِيبَ الْإِحْرَامِ بَعْدَ طَوَافِ قُدُومِ الْآفَاقِ أَوْ طَوَافِ نَفْلٍ لِلْمَكِّيِّ (قَبْلَ أَنْ أَطُوفَ) أَيْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ بظاهره يشمل الآفاقي وَالْمَكِّيَّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي أَفْضَلِيَّةِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ حَيْثُ قَيَّدَهُ بِالْآفَاقِيِّ (أَوْ قَدَّمْتُ شَيْئًا أَوْ أَخَّرْتُ شَيْئًا) أَيْ فِي أَفْعَالِ أَيَّامِ مِنًى (يَقُولُ لَا حَرَجَ لَا حَرَجَ) أَيْ لَا إِثْمَ (إِلَّا عَلَى رَجُلٍ) بِالِاسْتِثْنَاءِ يُؤَيِّدُ أَنَّ مَعْنَى الْحَرَجِ هُوَ الْإِثْمُ (اقْتَرَضَ) بِالْقَافِ أَيِ اقْتَطَعَ (عِرْضَ رَجُلٍ مُسْلِمٍ) أَيْ نَالَ مِنْهُ وَقَطَعَهُ بِالْغِيبَةِ أَوْ غَيْرِهَا (وَهُوَ) أَيْ وَالْحَالُ أَنَّ ذَلِكَ الرَّجُلَ (ظَالِمٌ) فَيَخْرُجُ حَرَجُ الرُّوَاةِ وَالشُّهُودِ فَإِنَّهُ مُبَاحٌ (فَذَلِكَ الَّذِي) أَيِ الرَّجُلُ الْمَوْصُوفُ (حَرِجَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ وَقَعَ مِنْهُ حَرَجٌ (وَهَلَكَ) أَيْ بِالْإِثْمِ وَالْعَطْفُ تَفْسِيرِيٌّ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ
стр. 1751
مُجَاهِدٌ وَطَاوُسٌ وَالشَّافِعِيُّ وَفُقَهَاءُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ فِي جَمَاعَةٍ مِنَ السَّلَفِ وَأَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْجَمِيعِ قَدَّمَ مِنْهَا مَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ مِنْهَا مَا أَخَّرَ
وَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهُ إِذَا قَدَّمَ شَيْئًا أَوْ أَخَّرَ كَانَ عَلَيْهِ دَمٌ وَقَالُوا أَرَادَ ﷺ رَفْعَ الْحَرَجِ وَالْإِثْمِ دُونَ الْفِدْيَةِ
وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ سَاهِيًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ
وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ إِنِّي لَمْ أَشْعُرْ فَحَلَقْتُ فَكَأَنَّهُمُ اعْتَمَدُوا عَلَيْهِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
٩ - (بَاب فِي مَكَّةَ [٢٠١٦] هَلْ يُبَاحُ فِيهَا شَيْءٌ مَا لَا يُبَاحُ فِي غَيْرِهَا)
(بَابَ بَنِي سَهْمٍ) قال في تاج العروس بنو سهم قبيل فِي قُرَيْشٍ وَهُمْ بَنُو سَهْمِ بْنِ عَمْرِو بْنِ هُصَيْصِ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ (لَيْسَ بَيْنَهُمَا سُتْرَةٌ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى السُّتْرَةِ فِي مَكَّةَ وَمَنْ لَا يَقُولُ بِهِ حَمَلَهُ عَلَى أَنَّ الطَّائِفِينَ كَانُوا يَمُرُّونَ وَرَاءَ مَوْضِعِ سُجُودٍ أَوْ وَرَاءَ مَا يَقَعُ فِيهِ نَظَرُ الْخَاشِعِ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَذَاهِبِ
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ بِقَوْلِهِ حَدَّثَنَا بن نمير حدثنا أبو أسامة عن بن جُرَيْجٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ أَبِي وَدَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَعْيَانِ بَنِي الْمُطَّلِبِ عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ وَدَاعَةَ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ إِذَا فَرَغَ مِنْ سَعْيِهِ حَاجَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّقِيفَةِ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي حَاشِيَةِ الْمَطَافِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطَّوَافِ أَحَدٌ
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ بَابُ السُّتْرَةِ بِمَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَسَاقَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي جُحَيْفَةَ وَفِيهِ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِالْهَاجِرَةِ فَصَلَّى بِالْبَطْحَاءِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَنَصَبَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةً
قَالَ الْحَافِظُ وَالْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهَا بَطْحَاءُ مكة
وقال بن الْمُنِيرِ إِنَّمَا خَصَّ مَكَّةَ بِالذِّكْرِ رَفْعًا لِتَوَهُّمِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّ السُّتْرَةَ قِبْلَةٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قِبْلَةٌ إِلَّا الْكَعْبَةُ فَلَا يَحْتَاجُ فِيهَا إِلَى سُتْرَةٍ انْتَهَى
وَالَّذِي أَظُنُّهُ أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُنَكِّتَ عَلَى مَا تَرْجَمَ بِهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ حَيْثُ قَالَ فِي بَابٍ لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ بِمَكَّةَ شَيْءٌ ثُمَّ أَخْرَجَ عَنِ بن جُرَيْجٍ عَنْ كَثِيرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ الْمُطَّلِبِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَيِ النَّاسِ سُتْرَةٌ وَأَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا أَصْحَابُ السُّنَنِ وَرِجَالُهُ مُوَثَّقُونَ إِلَّا أَنَّهُ مَعْلُولٌ فَقَدْ رَوَاهُ أبو داود عن أحمد عن
стр. 1752
بن عيينة قال كان بن جُرَيْجٍ أَخْبَرَنَا بِهِ هَكَذَا فَلَقِيتُ كَثِيرًا فَقَالَ لَيْسَ مِنْ أَبِي سَمِعْتُهُ وَلَكِنْ مِنْ بَعْضِ أَهْلِي عَنْ جَدِّي فَأَرَادَ الْبُخَارِيُّ التَّنْبِيهَ عَلَى ضَعْفِ هَذَا الْحَدِيثِ وَأَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا فِي مَشْرُوعِيَّةِ السُّتْرَةِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ وَقَدْ قَدَّمْنَا وَجْهَ الدَّلَالَةِ مِنْهُ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَأَنْ لَا فَرْقَ فِي مَنْعِ الْمُرُورِ بَيْنَ يَدَيِ الْمُصَلِّي بَيْنَ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَاغْتَفَرَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ ذَلِكَ لِلطَّائِفِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ لِلضَّرُورَةِ
وَعَنْ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ جَوَازُ ذَلِكَ فِي جَمِيعِ مَكَّةَ انْتَهَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ سُفْيَانُ) بْنُ عُيَيْنَةَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا أَيْ لَيْسَ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ الْكَعْبَةِ سُتْرَةٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ مَجْهُولٌ وَجَدُّهُ هُوَ الْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ الْقُرَشِيُّ السَّهْمِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ وَلِأَبِيهِ أَبِي وَدَاعَةَ الْحَارِثِ بْنِ صَبِرَةَ أَيْضًا صُحْبَةٌ وَهُمَا مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ وَيُقَالُ فِيهِ صَبِرَةَ بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالضَّادِ المعجمة والأول أظهر وأشهر
٠ - (باب تحريم مَكَّةَ)
[٢٠١٧] (ثُمَّ قَالَ إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ) أَيْ مَنَعَ الْفِيلَ عَنْ تَعَرُّضِهِ (وَسَلَّطَ عَلَيْهَا) أَيْ عَلَى مَكَّةَ (وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ) قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ دَلَّ عَلَى أَنَّ فَتْحَ مَكَّةَ كَانَ عَنْوَةً وَقَهْرًا كَمَا هُوَ عِنْدنَا أَيْ أُحِلَّ لِي سَاعَةً أَيْ زَمَانًا قَلِيلًا إِرَاقَةُ الدَّمِ دُونَ الصَّيْدِ وَقَطْعِ الشَّجَرِ
وَفِي زَادِ الْمَعَادِ أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ إِلَّا عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ انْتَهَى (هِيَ) أَيْ مَكَّةُ (حَرَامٌ) أَيْ عَلَى كُلِّ
стр. 1753
أَحَدٍ بَعْدَ تِلْكَ السَّاعَةِ (إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَيِ النَّفْخَةِ الْأُولَى (لَا يُعْضَدُ) أَيْ لَا يُقْطَعُ (شَجَرُهَا) أَيْ وَلَوْ يَحْصُلُ التَّأَذِّي بِهِ
وَأَمَّا قَوْلُ بَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ إِنَّهُ يَجُوزُ قَطْعُ الشَّوْكِ الْمُؤْذِي فَمُخَالِفٌ لِإِطْلَاقِ النَّصِّ وَلِذَا جَرَى جَمْعٌ مِنْ مُتَأَخِّرِيهِمْ عَلَى حُرْمَةِ قَطْعِهِ مُطْلَقًا وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَاخْتَارَهُ فِي عِدَّةِ كُتُبِهِ
وَأَمَّا قَوْلُ الْخَطَّابِيِّ كُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى إِبَاحَةِ قَطْعِ الشَّوْكِ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمَحْظُورُ مِنْهُ الشَّوْكَ الَّذِي يَرْعَاهُ الْإِبِلُ وَهُوَ مَا دَقَّ دُونَ الصُّلْبِ الَّذِي لَا تَرْعَاهُ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْحَطَبِ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بأهل العلم علماء المالكية
قاله القارىء (وَلَا يُنَفَّرُ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ الْمَفْتُوحَةِ (صَيْدُهَا) أَيْ لَا يُتَعَرَّضُ لَهُ بِالِاصْطِيَادِ وَالْإِيحَاشِ وَالْإِيهَاجِ (لُقَطَتُهَا) بِضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ سَاقِطَتُهَا (إِلَّا لِمُنْشِدٍ) أَيْ مُعَرِّفٍ أَيْ لَا يَلْتَقِطُهَا أَحَدٌ إِلَّا مَنْ عَرَّفَهَا لِيَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا وَلَمْ يَأْخُذْهَا لِنَفْسِهِ وَانْتِفَاعِهَا
قِيلَ أَيْ لَيْسَ فِي لُقَطَةِ الْحَرَمِ إِلَّا التَّعْرِيفَ فَلَا يَتَمَلَّكُهَا أَحَدٌ وَلَا يَتَصَدَّقُ بِهَا وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقِيلَ حُكْمُهَا كَحُكْمِ غَيْرِهَا
وَالْمَقْصُودُ مِنْ ذِكْرِهَا أَنْ لَا يُتَوَهَّمَ تَخْصِيصُ تَعْرِيفِهَا بِأَيَّامِ الْمَوْسِمِ وَعَلَيْهِ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ تَبِعَهُ (إِلَّا الْإِذْخِرَ) بِالنَّصْبِ أَيْ قُلْ إِلَّا الْإِذْخِرَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ بَيْنَهُمَا ذَالٌ مُعْجَمَةٌ سَاكِنَةٌ وَهُوَ نَبْتٌ عَرِيضُ الْأَوْرَاقِ طَيِّبُ الرَّائِحَةِ تُسْقَفُ بِهَا الْبُيُوتُ فَوْقَ الْخَشَبِ (فَقَامَ أَبُو شَاهٍ) قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِهَاءٍ وَتَكُونُ هَاءً فِي الْوَقْفِ وَالدَّرْجِ وَلَا يُقَالُ بِالتَّاءِ قَالُوا وَلَا يُعْرَفُ اسْمُ أَبِي شَاهٍ هَذَا وَإِنَّمَا يُعْرَفُ بِكُنْيَتِهِ (اكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ) هَذَا تَصْرِيحٌ بِجَوَازِ كِتَابَةِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ فِي حَدِيث اُكْتُبُوا لِأَبِي شَاة فِيهِ أَنَّ مَكَّة فُتِحَتْ عَنْوَة
وَفِيهِ تَحْرِيم قَطْع شَجَر الْحَرَم وَتَحْرِيم التَّعَرُّض لِصَيْدِهِ بِالتَّنْفِيرِ فَمَا فوقه
стр. 1754
الْعِلْمِ غَيْرَ الْقُرْآنِ
وَمِثْلُهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ ﵁ مَا عِنْدنَا إِلَّا مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ
وَمِثْلُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ
كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ
وَجَاءَتْ أَحَادِيثُ بِالنَّهْيِ عَنْ كِتَابَةِ غَيْرِ الْقُرْآنِ فَمِنَ السَّلَفِ مَنْ مَنَعَ كِتَابَةَ الْعِلْمِ
وَقَالَ جُمْهُورُ السَّلَفِ بِجَوَازِهِ ثُمَّ أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ بَعْدَهُمْ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَأَجَابُوا عَنْ أَحَادِيثِ النَّهْيِ بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَكَانَ النَّهْيُ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ اشْتِهَارِ الْقُرْآنِ لِكُلِّ أَحَدٍ فَنَهَى عَنْ كِتَابَةِ غَيْرِهِ خَوْفًا مِنِ اخْتِلَاطِهِ وَاشْتِبَاهِهِ فَلَمَّا اشْتَهَرَ وَأُمِنَتْ تِلْكَ الْمَفْسَدَةُ أَذِنَ فِيهِ وَالثَّانِي أَنَّ النَّهْيَ نَهْيُ تَنْزِيهٍ لِمَنْ وُثِقَ بِحِفْظِهِ وَخِيفَ اتِّكَالُهُ عَلَى الْكِتَابَةِ وَالْإِذْنُ لِمَنْ لَمْ يُوثَقْ بِحِفْظِهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٢٠١٨] (وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا) بِالْقَصْرِ النَّبَاتُ الرَّقِيقُ مَا دَامَ رَطْبًا فَاخْتِلَاؤُهُ قَطْعُهُ وَإِذَا يَبِسَ فَهُوَ حَشِيشٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ
[٢٠١٩] (عَنْ أُمِّهِ) اسْمُهَا مُسَيْكَةُ (قلت يارسول اللَّهِ أَلَا نَبْنِي) مِنَ الْبِنَاءِ أَيْ نَحْنُ مَعَاشِرَ الصَّحَابَةِ (مُنَاخُ) بِضَمِّ الْمِيمِ مَوْضِعُ الْإِنَاخَةِ (مَنْ سَبَقَ إِلَيْهِ) وَالْمَعْنَى أَنَّ الِاخْتِصَاصَ فِيهِ بِالسَّبْقِ لَا بِالْبِنَاءِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَفِيهِ أَنَّ لُقَطَتهَا لَا يَجُوز أَخْذهَا إِلَّا لِتَعْرِيفِهَا أَبَدًا وَالْحِفْظ عَلَى صَاحِبهَا
وَفِيهِ جَوَاز قَطْع الْإِذْخِر خَاصَّة رُطَبه وَيَابِسه
وَفِيهِ أَنَّ اللاجىء إِلَى الْحَرَم لَا يَتَعَرَّض لَهُ مَا دَامَ فِيهِ وَيُؤَيِّدهُ قَوْله فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيث فَلَا يَحِلّ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْفِك بِهَا دَمًا
وَفِيهِ جَوَاز تَأْخِير الِاسْتِثْنَاء عَنْ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَط اِتِّصَاله بِهِ وَلَا نِيَّته مِنْ أَوَّل الْكَلَام
وَفِيهِ الْإِذْن فِي كِتَابَة السُّنَن وَأَنَّ النَّهْي عَنْ ذَلِكَ الْمَنْسُوخ
والله أعلم
стр. 1755
وَقَالَ الطِّيبِيُّ مَعْنَاهُ أَتَأْذَنُ أَنْ نَبْنِيَ لَكَ بَيْتًا فِي مِنًى لِتَسْكُنَ فِيهِ فَمَنَعَ وَعَلَّلَ بِأَنَّ مِنًى مَوْضِعٌ لِأَدَاءِ النُّسُكِ مِنَ النَّحْرِ وَرَمْيِ الْجِمَارِ وَالْحَلْقِ يَشْتَرِكُ فِيهِ النَّاسُ فَلَوْ بَنَى فِيهَا لَأَدَّى إِلَى كَثْرَةِ الْأَبْنِيَةِ تَأَسِّيًا بِهِ فَتَضِيقُ عَلَى النَّاسِ وَكَذَلِكَ حُكْمُ الشَّوَارِعِ وَمَقَاعِدِ الْأَسْوَاقِ
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَرْضُ الْحَرَمِ مَوْقُوفَةٌ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَتَحَ مَكَّةَ قَهْرًا وَجَعَلَ أَرْضَ الْحَرَمِ مَوْقُوفَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا أَحَدٌ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ عَنْ أُمِّهِ مُسَيْكَةَ وَذَكَرَ غَيْرُهُمَا أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ
[٢٠٢٠] (قَالَ احْتِكَارُ الطَّعَامِ فِي الْحَرَمِ) وَهُوَ اشْتِرَاءُ الْقُوتِ فِي حَالَةِ الْغَلَاءِ لِيُبَاعَ إِذَا اشْتَدَّ غَلَاهُ وَهُوَ حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ وَفِي الْحَرَمِ أَشَدُّ (إِلْحَادٌ فِيهِ) أَيْ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ فِي الْحَرَمِ
قَالَ تَعَالَى وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عذاب أليم قال المناوي احْتِكَارُ الطَّعَامِ أَيِ احْتِبَاسُ مَا يُقْتَاتُ لِيَقِلَّ فَيَغْلُوَ فَيَبِيعَهُ بِكَثِيرٍ فِي الْحَرَمِ الْمَكِّيِّ إِلْحَادٌ فِيهِ يَعْنِي احْتِكَارُ الْقُوتِ حَرَامٌ فِي جَمِيعِ الْبِلَادِ وَبِمَكَّةَ أَشَدُّ تَحْرِيمًا فَإِنَّهُ بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ فَيَعْظُمُ الضَّرَرُ بِذَلِكَ الْإِلْحَادِ وَالِانْحِرَافِ عَنِ الْحَقِّ إِلَى الْبَاطِلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ الْكَبِيرِ عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ أَنَّهُ سَمِعَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ احْتِكَارُ الطَّعَامِ بِمَكَّةَ إِلْحَادٌ
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْبُخَارِيُّ عَلَّلَ الْمُسْنَدَ بِهَذَا
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قال بن الْقَطَّان وَعِنْدِي أَنَّهُ ضَعِيف لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَة يُوسُف بْن مَاهَك عَنْ أُمّه مُسَيْكَة وَهِيَ مَجْهُولَة لَا نَعْرِف رَوَى عَنْهَا غَيْر اِبْنهَا
وَالصَّوَاب تَحْسِين الْحَدِيث فَإِنَّ يُوسُف بْن مَاهَك من التابعين وقد سمع أم هانئ وبن عمر وبن عَبَّاس وَعَبْد اللَّه بْن عَمْرو وَقَدْ رَوَى عَنْ أُمّه وَلَمْ يُعْلَم فِيهَا جَرْح وَمِثْل هَذَا الْحَدِيث حَسَن عِنْد أَهْل الْعِلْم بِالْحَدِيثِ وَأُمّه تَابِعِيَّة قَدْ سَمِعَتْ عَائِشَة
следующие страницы →