Полный текст (4 665 стр.). Показаны 1926–1965 · переход к 1931.
стр. 1926
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
بِقَوْلِهِ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا فَإِنْ تَسَاقَطَتْ الرِّوَايَتَانِ لَمْ يَكُنْ فِي سَائِر الْأَلْفَاظ دَلِيل عَلَى الْوُقُوع وَإِنْ رُجِّحَ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَرِوَايَة أَبِي الزُّبَيْر صَرِيحَة فِي الرَّفْع وَرِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر غَيْر صَرِيحَة فِي الرَّفْع فَإِنَّهُ لم يذكر فاعل الحساب فلعل أباه ﵁ حسبها عليه بعد موت النبي فِي الْوَقْت الَّذِي أَلْزَمَ النَّاس فِيهِ بِالطَّلَاقِ الثَّلَاث وَحَسِبَهُ عَلَيْهِمْ اِجْتِهَادًا مِنْهُ وَمَصْلَحَة رَآهَا لِلْأُمَّةِ لِئَلَّا يَتَتَابَعُوا فِي الطَّلَاق الْمُحَرَّم فَإِذَا عَلِمُوا أَنَّهُ يَلْزَمهُمْ وَيَنْفُذ عَلَيْهِمْ أَمْسَكُوا عَنْهُ وقد كان في زمن النبي لَا يَحْتَسِب عَلَيْهِمْ بِهِ ثَلَاثًا فِي لَفْظ وَاحِد فَلَمَّا رَأَى عُمَر النَّاس قَدْ أَكْثَرُوا مِنْهُ رَأَى إِلْزَامهمْ بِهِ وَالِاحْتِسَاب عَلَيْهِمْ بِهِ
قَالُوا وَبِهَذَا تَأْتَلِف الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي هَذَا الْبَاب وَيَتَبَيَّن وَجْههَا وَيَزُول عَنْهَا التَّنَاقُض وَالِاضْطِرَاب وَيُسْتَغْنَى عَنْ تَكَلُّف التَّأْوِيلَات الْمُسْتَكْرَهَة لَهَا وَيَتَبَيَّن مُوَافَقَتهَا لِقَوَاعِد الشَّرْع وَأُصُوله
قَالُوا وَهَذَا الظَّنّ بِعُمَر ﵁ أَنَّهُ إِذَا اِحْتَسَبَ عَلَى النَّاس بِالطَّلَاقِ الثَّلَاث اِحْتَسَبَ عَلَى اِبْنه بِتَطْلِيقَتِهِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِي الْحَيْض وَكَوْن النَّبِيّ لَمْ يَرَهَا شَيْئًا مِثْل كَوْن الطَّلَاق الثَّلَاث عَلَى عَهْده كَانَ وَاحِدَة
وَإِلْزَام عُمَر النَّاس بِذَلِكَ كَإِلْزَامِهِ لَهُ بِهَذَا وَأَدَّاهُ اِجْتِهَاده ﵁ إِلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ تَخْفِيفًا وَرِفْقًا بِالْأُمَّةِ لِعِلَّةِ إِيقَاعهمْ الطَّلَاق وَعَدَم تَتَابُعهمْ فِيهِ فَلَمَّا أَكْثَرُوا مِنْهُ وَتَتَابَعُوا فِيهِ أَلْزَمَهُمْ بِمَا اِلْتَزَمُوهُ وَهَذَا كَمَا أَدَّاهُ اِجْتِهَاده فِي الْجَلْد فِي الْخَمْر ثَمَانِينَ وَحَلْق الرَّأْس فِيهِ والنفي والنبي إِنَّمَا جَلَدَ فِيهِ أَرْبَعِينَ وَلَمْ يَحْلِق فِيهِ رَأْسًا وَلَمْ يُغَرِّب فَلَمَّا رَأَى النَّاس قَدْ أَكْثَرُوا مِنْهُ وَاسْتَهَانُوا بِالْأَرْبَعِينَ ضَاعَفَهَا عَلَيْهِمْ وَحَلَقَ وَنَفَى
وَلِهَذَا نَظَائِر كَثِيرَة سَتُذْكَرُ فِي مَوْضِع آخَر إِنْ شَاءَ اللَّه
قَالُوا وَتَوَهَّمَ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّا خَالَفْنَا الْإِجْمَاع فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة غَلَط فَإِنَّ الْخِلَاف فِيهَا أَشْهَر مِنْ أَنْ يُجْحَد وَأَظْهَر مِنْ أَنْ يُسْتَر
وَإِذَا كَانَتْ الْمَسْأَلَة مِنْ مَوَارِد النِّزَاع فَالْوَاجِب فِيهَا اِمْتِثَال مَا أَمَرَ اللَّه بِهِ وَرَسُوله مِنْ رَدِّ مَا تَنَازَعَ فِيهِ الْعُلَمَاء إِلَى اللَّه وَرَسُوله وَتَحْكِيم اللَّه وَرَسُوله دُون تَحْكِيم أَحَد مِنْ الْخَلْق قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّه وَالرَّسُول إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْم الْآخِر ذَلِكَ خَيْر وَأَحْسَن تَأْوِيلًا﴾
فَهَذِهِ بَعْض كَلِمَات الْمَانِعِينَ مِنْ الْوُقُوع
وَلَوْ اِسْتَوْفَيْنَا الْكَلَام فِي الْمَسْأَلَة لَاحْتَمَلَتْ سَفَرًا كَبِيرًا فَلْنَقْتَصِرْ عَلَى فَوَائِد الْحَدِيث
قَالَ الْمُوَقِّعُونَ
وَفِيهِ دَلِيل عَلَى أَنَّ الرَّجْعَة يَسْتَقِلّ بِهَا الزَّوْج دُون الْوَلِيّ وَرِضَا الْمَرْأَة لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ إِلَيْهِ دُون غَيْره وَدَلَالَة الْقُرْآن عَلَى هَذَا أَظْهَر مِنْ هَذِهِ الدَّلَالَة
قَالَ تَعَالَى ﴿وَبُعُولَتهنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ فَجَعَلَ الْأَزْوَاج أَحَقَّ بِالرَّجْعَةِ مِنْ الْمَرْأَة وَالْوَلِيّ
وَاخْتَلَفُوا فِي قَوْله مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا هَلْ الْأَمْر بِالرَّجْعَةِ عَلَى الْوُجُوب أَوْ الِاسْتِحْبَاب فَقَالَ الشَّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَة وَالْأَوْزَاعِيُّ وبن أَبِي لَيْلَى وَسُفْيَان الثَّوْرِيُّ وَأَحْمَد فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بَلْ أَشْهَرهمَا عَنْهُ الْأَمْر بِالرَّجْعَةِ اِسْتِحْبَاب
قَالَ بَعْضهمْ لِأَنَّ اِبْتِدَاء النِّكَاح إِذَا لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فَاسْتِدَامَته كَذَلِكَ وَقَالَ مَالِك فِي الْأَشْهَر عَنْهُ وَدَاوُد وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى الرَّجْعَة وَاجِبَة الْأَمْر بِهَا وَلِأَنَّ الطَّلَاق لَمَّا كَانَ مُحَرَّمًا فِي هَذَا الزَّمَن كَانَ بَقَاء النِّكَاح وَاسْتِدَامَته فِيهِ وَاجِبًا وَبِهَذَا يَبْطُل قَوْلهمْ إِذَا لَمْ يَجِب اِبْتِدَاء النِّكَاح لَمْ تَجِب اِسْتِدَامَته فَإِنَّ الِاسْتِدَامَة هَا هُنَا وَاجِبَة لِأَجْلِ الْوَقْت فَإِنَّهُ لَا يَجُوز فِيهِ الطَّلَاق
قَالُوا وَلِأَنَّ الرَّجْعَة إِمْسَاك بِدَلِيلِ قَوْله ﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاك بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيح بِإِحْسَانٍ﴾ فَالْإِمْسَاك مُرَاجَعَتهَا فِي الْعِدَّة وَالتَّسْرِيح تَرْكهَا حَتَّى
стр. 1927
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
تَنْقَضِي عِدَّتهَا
وَإِذَا كَانَتْ الرَّجْعَة إِمْسَاكًا فَلَا رَيْب فِي وُجُوب إِمْسَاكهَا فِي زَمَن الْحَيْض وَتَحْرِيم طَلَاقهَا فَتَكُون وَاجِبَة
ثُمَّ اِخْتَلَفَ الْمُوجِبُونَ لِلرَّجْعَةِ فِي عِلَّة ذَلِكَ فَقَالَتْ طَائِفَة
إِنَّمَا أَمَرَهُ بِرَجْعَتِهَا لِيَقَع الطَّلَاق الَّذِي أَرَادَهُ فِي زَمَن الْإِبَاحَة وَهُوَ الطُّهْر الَّذِي لَمْ يَمَسّهَا فِيهِ فَلَوْ لَمْ يَرْتَجِعهَا لَكَانَ الطَّلَاق الَّذِي تَرَتَّبَتْ عَلَيْهِ الْأَحْكَام هُوَ الطَّلَاق الْمُحَرَّم وَالشَّارِع لَا يُرَتِّب الْأَحْكَام عَلَى طَلَاق مُحَرَّم فَأَمَرَ بِرَجْعَتِهَا لِيُطَلِّقهَا طَلَاقًا مُبَاحًا يَتَرَتَّب عَلَيْهِ أَحْكَام الطَّلَاق
وَقَالَتْ طَائِفَة بَلْ أَمَرَهُ بِرَجْعَتِهَا عُقُوبَة لَهُ عَلَى طَلَاقهَا فِي زَمَن الْحَيْض فَعَاقَبَهُ بِنَقِيضِ قَصْده وَأَمَرَهُ بِارْتِجَاعِهَا عَكْس مَقْصُوده
وَقَالَتْ طَائِفَة بَلْ الْعِلَّة فِي ذَلِكَ أَنَّ تَحْرِيم الطَّلَاق فِي زَمَن الْحَيْض مُعَلَّل بِتَطْوِيلِ الْعِدَّة فَأَمَرَهُ بِرَجْعَتِهَا لِيَزُولَ الْمَعْنَى الَّذِي حَرُمَ الطَّلَاق فِي الْحَيْض لِأَجْلِهِ
وَقَالَ بَعْض الْمُوجِبِينَ إِنَّ أَبَى رَجْعَتهَا أُجْبِرَ عَلَيْهَا
فَإِنْ اِمْتَنَعَ ضُرِبَ وَحُبِسَ فَإِنْ أَصَرَّ حُكِمَ عَلَيْهِ بِرَجْعَتِهَا وَأَشْهَدَ أَنَّهُ قَدْ رَدَّهَا عَلَيْهِ فَتَكُون اِمْرَأَته يَتَوَارَثَانِ وَيَلْزَمهُ جَمِيع حُقُوقهَا حَتَّى يُفَارِقهَا فِرَاقًا ثَانِيًا قَالَهُ أَصْبَغُ وَغَيْره مِنْ الْمَالِكِيَّة
ثُمَّ اِخْتَلَفُوا
فَقَالَ مَالِك يُجْبَر عَلَى الرَّجْعَة إِنْ طَهُرَتْ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّة لِأَنَّهُ وَقْت لِلرَّجْعَةِ
وَقَالَ أَشْهَب إِذَا طَهُرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ لَمْ تَجِب رَجْعَتهَا فِي هَذِهِ الْحَال وَإِنْ كَانَتْ فِي الْعِدَّة لِأَنَّهُ لَا يَجِب عَلَيْهِ إِمْسَاكهَا فِي هَذِهِ الْحَال لِجَوَازِ طَلَاقهَا فِيهِ فَلَا يَجِب عَلَيْهِ رَجْعَتهَا فِيهِ إِذْ لَوْ وَجَبَتْ الرَّجْعَة فِي هَذَا الْوَقْت لَحَرُمَ الطلاق فيه
وقوله حَتَّى تَطْهُر ثُمَّ تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر ثُمَّ إِنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْد ذَلِكَ وَإِنْ شَاءَ طلق قال البيهقي أكثر الروايات عن بن عمر أن النبي أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعهَا حَتَّى تَطْهُر ثُمَّ إِنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ فَإِنْ كَانَتْ الرواية عن سالم ونافع وبن دِينَار فِي أَمْره بِأَنْ يُرَاجِعهَا حَتَّى تَطْهُر ثُمَّ تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر مَحْفُوظَة فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيّ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ الِاسْتِبْرَاء أَنْ يَسْتَبْرِئهَا بَعْد الْحَيْضَة الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا بِطُهْرٍ تَامّ ثُمَّ حَيْض تَامّ لِيَكُونَ تَطْلِيقهَا وَهِيَ تَعْلَم عِدَّتهَا أَبِالْحَمْلِ هِيَ أَمْ بِالْحَيْضِ أَوْ لِيَكُونَ تَطْلِيقهَا بَعْد عِلْمه بِالْحَمْلِ وهو
стр. 1928
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
غَيْر جَاهِل مَا صَنَعَ أَوْ يُرَغِّب فَيُمْسِك لِلْحَمْلِ أَوْ لِيَكُونَ إِنْ كَانَتْ سَأَلَتْ الطَّلَاق غَيْر حَامِل أَنْ تَكُفّ عَنْهُ حَامِلًا
آخِر كلامه
وأكثر الروايات في حديث بن عُمَر مُصَرِّحَة بِأَنَّهُ إِنَّمَا أَذِنَ فِي طَلَاقهَا بَعْد أَنْ تَطْهُر مِنْ تِلْكَ الْحَيْضَة ثُمَّ تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر هَكَذَا أَخْرَجَاهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَة نَافِع عَنْهُ وَمِنْ رِوَايَة اِبْنه سَالِم عَنْهُ
وَفِي لَفْظ مُتَّفَق عَلَيْهِ ثُمَّ يُمْسِكهَا حَتَّى تَطْهُر ثُمَّ تَحِيض عِنْده حَيْضَة أُخْرَى ثُمَّ يُمْهِلهَا حَتَّى تَطْهُر مِنْ حَيْضهَا وَفِي لَفْظ آخَر مُتَّفَق عَلَيْهِ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا حَتَّى تَحِيض حَيْضَة مُسْتَقْبَلَة سِوَى حَيْضَتهَا الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا فَفِي تَعَدُّد الْحَيْض وَالطُّهْر ثَلَاثَة أَلْفَاظ مَحْفُوظَة مُتَّفَق عَلَيْهَا مِنْ رِوَايَة اِبْنه سَالِم وَمَوْلَاهُ نَافِع وَعَبْد اللَّه بْن دِينَار وَغَيْرهمْ وَاَلَّذِينَ زَادُوا قَدْ حَفِظُوا مَا لَمْ يَحْفَظهُ هَؤُلَاءِ
وَلَوْ قُدِّرَ التَّعَارُض فَالزَّائِدُونَ أَكْثَر وأثبت في بن عُمَر وَأَخَصُّ بِهِ فَرِوَايَاتهمْ أَوْلَى لِأَنَّ نَافِعًا مَوْلَاهُ أَعْلَم النَّاس بِحَدِيثِهِ وَسَالِم اِبْنه كَذَلِكَ وَعَبْد اللَّه بْن دِينَار مِنْ أَثْبَت النَّاس فِيهِ وَأَرْوَاهُمْ عَنْهُ فَكَيْف يُقَدَّم اِخْتِصَار أَبِي الزُّبَيْر وَيُونُس بْن جُبَيْر عَلَى هَؤُلَاءِ وَمِنْ الْعَجَب تَعْلِيل حَدِيث أَبِي الزُّبَيْر فِي رَدّهَا عَلَيْهِ مِنْ غَيْر اِحْتِسَاب بِالطَّلْقَةِ بِمُخَالَفَةِ غَيْره لَهُ ثُمَّ تَقَدَّمَ رِوَايَته الَّتِي سَكَتَ فِيهَا عَنْ تَعَدُّد الْحَيْض وَالطُّهْر عَلَى رِوَايَة نَافِع وبن دِينَار وَسَالِم فَالصَّوَاب الَّذِي لَا يُشَكّ فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَة ثَابِتَة مَحْفُوظَة وَلِذَلِكَ أَخْرَجَهَا أَصْحَاب الصَّحِيحَيْنِ
وَاخْتُلِفَ فِي جَوَاز طَلَاقهَا فِي الطُّهْر الْمُتَعَقِّب لِلْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَ فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد وَمَالِك أَشْهَرهمَا عِنْد أَصْحَاب مَالِك الْمَنْع حَتَّى تَحِيض حَيْضَة مُسْتَقْبَلَة سِوَى تَلِك الْحَيْضَة ثُمَّ تَطْهُر كَمَا أمر به النبي
وَالثَّانِي يَجُوز طَلَاقهَا فِي الطُّهْر الْمُتَعَقِّب لِتِلْكَ الْحَيْضَة وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَحْمَد فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى
وَوَجْهه أَنَّ التَّحْرِيم إِنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الْحَيْض فَإِذَا طَهُرَتْ زَالَ مُوجِب التَّحْرِيم فَجَازَ طَلَاقهَا فِي هَذَا الطُّهْر كَمَا يَجُوز فِي الطُّهْر الَّذِي بَعْده وَكَمَا يَجُوز أَيْضًا طَلَاقهَا فِيهِ لَوْ لَمْ يَتَقَدَّم طَلَاق فِي الْحَيْض وَلِأَنَّ فِي بَعْض طُرُق حَدِيث بن عُمَر فِي الصَّحِيح ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا وَفِي لَفْظ ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْر جِمَاع فِي قُبُل عِدَّتهَا وَفِي لَفْظ فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا لِطُهْرِهَا قَالَ فَرَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا لِطُهْرِهَا وَفِي حَدِيث أَبِي الزُّبَيْر وَقَالَ إِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِك وَكُلّ هَذِهِ الْأَلْفَاظ فِي الصَّحِيح
وَأَمَّا أَصْحَاب الْقَوْل الثَّانِي فاحتجوا بما تقدم من أمره بِإِمْسَاكِهَا حَتَّى تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر ثُمَّ تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر
وَقَدْ تَقَدَّمَ
قَالُوا وَحِكْمَة ذَلِكَ من وجوه
стр. 1929
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
أَحَدهَا أَنَّهُ لَوْ طَلَّقَهَا عَقِب تَلِك الْحَيْضَة كَانَ قَدْ رَاجَعَهَا لِيُطَلِّقهَا
وَهَذَا عَكْس مَقْصُود الرَّجْعَة فَإِنَّ اللَّه سُبْحَانه إِنَّمَا شُرِعَ الرَّجْعَة لِإِمْسَاكِ الْمَرْأَة وَإِيوَائِهَا وَلَمّ شَعَث النِّكَاح وَقَطْع سَبَب الْفُرْقَة وَلِهَذَا سَمَّاهُ إِمْسَاكًا فَأَمَرَهُ الشَّارِع أَنْ يُمْسِكهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْر وَأَنْ لَا يُطَلِّق فِيهِ حَتَّى تَحِيض حَيْضَة أُخْرَى ثُمَّ تَطْهُر لِتَكُونَ الرَّجْعَة لِلْإِمْسَاكِ لَا لِلطَّلَاقِ
قَالُوا وَقَدْ أَكَّدَ الشَّارِع هَذَا الْمَعْنَى حَتَّى إِنَّهُ أَمَرَ فِي بَعْض طُرُق هَذَا الْحَدِيث بِأَنْ يُمْسِكهَا فِي الطُّهْر الْمُتَعَقِّب لِتِلْكَ الْحَيْضَة فَإِذَا حَاضَتْ بَعْده وَطَهُرَتْ فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا قَبْل أَنْ يَمَسّهَا فَإِنَّهُ قَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا فَإِذَا طَهُرَتْ مَسَّهَا حَتَّى إِذَا طَهُرَتْ أُخْرَى فَإِنْ شاء طلقها وإن شاء أمسكها ذكره بن عَبْد الْبَرّ وَقَالَ الرَّجْعَة لَا تَكَاد تُعْلَم صِحَّتهَا إِلَّا بِالْوَطْءِ لِأَنَّهُ الْمُبْتَغَى مِنْ النِّكَاح وَلَا يَحْصُل الْوَطْء إِلَّا فِي الطُّهْر فَإِذَا وَطِئَهَا حَرُمَ طَلَاقهَا فِيهِ حَتَّى تَحِيض
ثُمَّ تَطْهُر فَاعْتَبَرْنَا مَظِنَّة الْوَطْء وَمَحِلّه وَلَمْ يَجْعَلهُ مَحِلًّا لِلطَّلَاقِ
الثَّانِي أَنَّ الطَّلَاق حَرُمَ فِي الْحَيْض لِتَطْوِيلِ الْعِدَّة عَلَيْهَا فَلَوْ طَلَّقَهَا عَقِب الرَّجْعَة مِنْ غَيْر وَطْء لَمْ تَكُنْ قَدْ اِسْتَفَادَتْ بِالرَّجْعَةِ فَائِدَة فَإِنَّ تِلْكَ الْحَيْضَة الَّتِي طَلُقَتْ فِيهَا لَمْ تَكُنْ تُحْتَسَب عَلَيْهَا مِنْ الْعِدَّة وَإِنَّمَا تُسْتَقْبَل الْعِدَّة مِنْ الطُّهْر الَّذِي يَلِيهَا أَوْ مِنْ الْحَيْضَة الْأُخْرَى عَلَى الِاخْتِلَاف فِي الْأَقْرَاء فَإِذَا طَلَّقَهَا عَقِب تَلِك الْحَيْضَة كَانَتْ فِي مَعْنَى مِمَّنْ طَلُقَتْ ثُمَّ رَاجَعَهَا وَلَمْ يَمَسّهَا حَتَّى طَلَّقَهَا فَإِنَّهَا تُبْنَى عَلَى عِدَّتهَا فِي أَحَد الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّهَا لَمْ تَنْقَطِع بِوَطْءٍ فَالْمَعْنَى الْمَقْصُود إِعْدَامه مِنْ تَطْوِيل الْعِدَّة مَوْجُود بِعَيْنِهِ هُنَا لَمْ يَزَلْ بِطَلَاقِهَا عَقِب الحيضة فأراد رسول الله قَطْع حُكْم الطَّلَاق جُمْلَة بِالْوَطْءِ فَاعْتُبِرَ الطُّهْر الذي هو موضع الوطء فإذا وطىء حَرُمَ طَلَاقهَا حَتَّى تَحِيض ثُمَّ تَطْهُر
وَمِنْهَا أَنَّهَا رُبَّمَا كَانَتْ حَامِلًا وَهُوَ لَا يَشْعُر فَإِنَّ الْحَامِل قَدْ تَرَى الدَّم بِلَا رَيْب وَهَلْ حُكْمه حُكْم الْحَيْض أَوْ دَم فَسَاد عَلَى الْخِلَاف فِيهِ فَأَرَادَ الشَّارِع أَنْ يَسْتَبْرِئهَا بَعْد تِلْكَ الْحَيْضَة بِطُهْرٍ تَامّ ثُمَّ بِحَيْضٍ تَامّ فَحِينَئِذٍ تَعْلَم هَلْ هِيَ حَامِل أَوْ حَائِل فَإِنَّهُ رُبَّمَا يُمْسِكهَا إِذَا عَلِمَ أَنَّهَا حَامِل مِنْهُ وَرُبَّمَا تَكُفّ هِيَ عَنْ الرَّغْبَة فِي الطَّلَاق إِذَا عَلِمَتْ أَنَّهَا حَامِل وَرُبَّمَا يَزُول الشَّرّ الْمُوجِب لِلطَّلَاقِ بِظُهُورِ الْحَمْل فَأَرَادَ الشارع تحيق عِلْمهَا بِذَلِكَ نَظَرًا لِلزَّوْجَيْنِ وَمُرَاعَاة لِمَصْلَحَتِهِمَا وَحَسْمًا لِبَابِ النَّدَم وَهَذَا مِنْ أَحْسَن مَحَاسِن الشَّرِيعَة
وَقِيلَ الْحِكْمَة فِيهِ أَنَّهُ عَاقَبَهُ بِأَمْرِهِ بِتَأْخِيرِ الطَّلَاق جَزَاء لَهُ عَلَى مَا فَعَلَهُ مِنْ إِيقَاعه عَلَى الْوَجْه الْمُحَرَّم
وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّ بن عُمَر لَمْ يَكُنْ يَعْلَم التَّحْرِيم
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا حُكْم شَامِل لَهُ وَلِغَيْرِهِ مِنْ الْأُمَّة وَكَوْنه ﵁ لَمْ يَكُنْ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ يُفِيد نَفْي الْإِثْم لَا عَدَم تَرَتُّب هَذِهِ الْمَصْلَحَة عَلَى الطَّلَاق الْمُحَرَّم فِي نفسه
стр. 1930
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَقِيلَ حِكْمَته أَنَّ الطُّهْر الَّذِي بَعْد تِلْكَ الْحَيْضَة هُوَ مِنْ حَرِيم تَلِك الْحَيْضَة فَهُمَا كَالْقُرْءِ الْوَاحِد فَلَوْ شُرِعَ الطَّلَاق فِيهِ لَصَارَ كَمَوْقِعِ طَلْقَتَيْنِ فِي قُرْء وَاحِد وَلَيْسَ هَذَا بِطَلَاقِ السُّنَّة
وَقِيلَ حِكْمَته أَنَّهُ نَهَى عَنْ الطَّلَاق فِي الطُّهْر لِيَطُولَ مَقَامه مَعَهَا وَلَعَلَّهُ تَدْعُوهُ نَفْسه إِلَى وَطْئِهَا وَذَهَاب مَا فِي نَفْسه مِنْ الْكَرَاهَة لَهَا فَيَكُون ذَلِكَ حِرْصًا عَلَى اِرْتِفَاع الطَّلَاق الْبَغِيض إِلَى اللَّه الْمَحْبُوب إِلَى الشَّيْطَان وَحَضًّا عَلَى بَقَاء النِّكَاح وَدَوَام المودة والرحمة والله أعلم
وقوله ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا وَفِي اللَّفْظ الْآخَر فَإِذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْهَا إِنْ شَاءَ هَلْ الْمُرَاد بِهِ اِنْقِطَاع الدَّم أَوْ التَّطَهُّر بِالْغُسْلِ أَوْ مَا يَقُوم مَقَامه مِنْ التَّيَمُّم عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَد إِحْدَاهُمَا أَنَّهُ اِنْقِطَاع الدَّم وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِيّ
وَالثَّانِيَة أَنَّهُ الِاغْتِسَال وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة إِنْ طَهُرَتْ لِأَكْثَر الْحَيْض حَلَّ طَلَاقهَا بِانْقِطَاعِ الدَّم وَإِنْ طَهُرَتْ لِدُونِ أَكْثَره لَمْ يَحِلّ طَلَاقهَا حَتَّى تَصِير فِي حُكْم الطَّاهِرَات بِأَحَدِ ثَلَاثَة أَشْيَاء إِمَّا أَنْ تَغْتَسِل وَإِمَّا أَنْ تَتَيَمَّم عِنْد الْعَجْز وَتُصَلِّي وَإِمَّا أَنْ يَخْرُج عَنْهَا وَقْت صَلَاة لِأَنَّهُ مَتَى وُجِدَ أَحَد هَذِهِ الْأَشْيَاء حَكَمْنَا بِانْقِطَاعِ حَيْضهَا
وَسِرّ الْمَسْأَلَة أَنَّ الْأَحْكَام الْمُتَرَتِّبَة عَلَى الْحَيْض نَوْعَانِ مِنْهَا مَا يَزُول بِنَفْسِ اِنْقِطَاعه كَصِحَّةِ الْغُسْل وَالصَّوْم وَوُجُوب الصَّلَاة فِي ذِمَّتهَا
وَمِنْهَا مَا لَا يَزُول إِلَّا بِالْغُسْلِ كَحِلِّ الْوَطْء وصحة الصلاة وجواز الليث فِي الْمَسْجِد وَصِحَّة الطَّوَاف وَقِرَاءَة الْقُرْآن عَلَى أَحَد الْأَقْوَال فَهَلْ يُقَال الطَّلَاق مِنْ النَّوْع الْأَوَّل أَوْ مِنْ الثَّانِي وَلِمَنْ رَجَّحَ إِبَاحَته قَبْل الْغُسْل أَنْ يَقُول الْحَائِض إِذَا اِنْقَطَعَ دَمهَا صَارَتْ كَالْجُنُبِ يَحْرُم عَلَيْهَا مَا يَحْرُم عَلَيْهِ وَيَصِحّ مِنْهَا مَا يَصِحّ مِنْهُ وَمَعْلُوم أَنَّ الْمَرْأَة الْجُنُب لَا يَحْرُم طَلَاقهَا
وَلِمَنْ رَجَّحَ الثَّانِي أَنْ يُجِيب عَنْ هَذَا بِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ كَالْجُنُبِ لَحَلَّ وَطْؤُهَا وَيُحْتَجّ بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنه مِنْ حَدِيث الْمُعْتَمِر بْن سُلَيْمَان قَالَ سَمِعْت عُبَيْد اللَّه عَنْ نَافِع عَنْ عَبْد اللَّه أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته وَهِيَ حَائِض تَطْلِيقَة فَانْطَلَقَ عُمَر فَأَخْبَرَ النَّبِيّ بذلك فقال النبي مُرْ عَبْد اللَّه فَلْيُرَاجِعْهَا فَإِذَا اِغْتَسَلَتْ مِنْ حَيْضَتهَا الْأُخْرَى فَلَا يَمَسّهَا حَتَّى يُطَلِّقهَا فَإِنْ شَاءَ أَنْ يُمْسِكهَا فَلْيُمْسِكْهَا فَإِنَّهَا الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ اللَّه أَنْ تُطَلَّق لَهَا النِّسَاء
وَهَذَا عَلَى شَرْط الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ مُفَسِّر لِقَوْلِهِ فَإِذَا طَهُرَتْ فَيَجِب حَمْله عَلَيْهِ
وَتَمَام هَذِهِ الْمَسْأَلَة أَنَّ الْعِدَّة هَلْ تَنْقَضِي بِنَفْسِ اِنْقِطَاع الدَّم وَتَنْقَطِع الرَّجْعَة أَمْ لَا تَنْقَطِع إِلَّا بِالْغُسْلِ وَفِيهِ خِلَاف بَيْن السَّلَف وَالْخَلَف يَأْتِي فِي موضعه إن شاء الله تعالى
стр. 1931
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وقوله ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا قَبْل أَنْ يَمَسّ دَلِيل عَلَى أَنَّ طَلَاقهَا فِي الطُّهْر الَّذِي مَسَّ فِيهِ مَمْنُوع مِنْهُ وَهُوَ طَلَاق بِدْعَة وَهَذَا مُتَّفَق عَلَيْهِ فَلَوْ طَلَّقَ فِيهِ
قَالُوا لَمْ يجب عليه رجعتها قال بن عَبْد الْبَرّ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الرَّجْعَة لَا تَجِب فِي هَذِهِ الصُّورَة وَلَيْسَ هَذَا الْإِجْمَاع ثَابِتًا وَإِنْ كَانَ قَدْ حَكَاهُ صَاحِب الْمُغْنِي أَيْضًا فَإِنَّ أَحَد الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَب أَحْمَد وُجُوب الرَّجْعَة فِي هَذَا الطَّلَاق حَكَاهُ فِي الرِّعَايَة وَهُوَ الْقِيَاس لِأَنَّهُ طَلَاق مُحَرَّم فَتَجِب الرَّجْعَة فِيهِ كَمَا تَجِب فِي الطَّلَاق فِي زَمَن الْحَيْض
وَلِمَنْ فَرَّقَ بَيْنهمَا أَنْ يَقُول زَمَن الطُّهْر وَقْت لِلْوَطْءِ وَلِلطَّلَاقِ وَزَمَن الْحَيْض لَيْسَ وَقْتًا لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَظَهَرَ الْفَرْق بَيْنهمَا فَلَا يَلْزَم مِنْ الْأَمْر بِالرَّجْعَةِ فِي غَيْر زَمَن الطَّلَاق الْأَمْر بِهَا فِي زَمَنه وَلَكِنَّ هَذَا الْفَرْق ضَعِيف جِدًّا فَإِنَّ زَمَن الطُّهْر مَتَى اِتَّصَلَ بِهِ الْمَسِيس صَارَ كَزَمَنِ الْحَيْض فِي تَحْرِيم الطَّلَاق سَوَاء وَلَا فَرْق بَيْنهمَا بَلْ الْفَرْق الْمُؤَثِّر عِنْد النَّاس أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي وَجَبَتْ لِأَجْلِهِ الرَّجْعَة إِذَا طَلَّقَهَا حَائِضًا مُنْتَفٍ فِي صُورَة الطَّلَاق فِي الطُّهْر الَّذِي مَسَّهَا فِيهِ فَإِنَّهَا إِنَّمَا حَرُمَ طَلَاقهَا فِي زَمَن الْحَيْض لِتَطْوِيلِ الْعِدَّة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا لَا تَحْتَسِب بِبَقِيَّةِ الْحَيْضَة قُرْءًا اِتِّفَاقًا
فَتَحْتَاج إِلَى اِسْتِئْنَاف ثَلَاثَة قُرُوء كَوَامِل وَأَمَّا الطُّهْر فَإِنَّهَا تَعْتَدّ بِمَا بَقِيَ مِنْهُ قُرْءًا وَلَوْ كَانَ لَحْظَة فَلَا حَاجَة بِهَا إِلَى أَنْ يُرَاجِعهَا فَإِنَّ مَنْ قَالَ الْأَقْرَاء الْأَطْهَار كَانَتْ أَوَّل عِدَّتهَا عِنْده عَقِب طَلَاقهَا وَمَنْ قَالَ هِيَ الْحَيْض اِسْتَأْنَفَ بِهَا بَعْد الطُّهْر وَهُوَ لَوْ رَاجَعَهَا ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقهَا لَمْ يُطَلِّقهَا إِلَّا فِي طُهْر فَلَا فَائِدَة فِي الرَّجْعَة
هَذَا هُوَ الْفَرْق الْمُؤَثِّر بَيْن الصُّورَتَيْنِ
وَبَعْد فَفِيهِ إِشْكَال لَا يُنْتَبَهُ لَهُ إِلَّا مَنْ بِهِ خِبْرَة بِمَأْخَذِ الشَّرْع وَأَسْرَاره وَجَمْعه وَفَرْقه
وذلك أن النبي أَمَرَهُ أَنْ يُطَلِّقهَا إِذَا شَاءَ قَبْل أَنْ يَمَسّهَا وَقَالَ فَتِلْكَ الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ بِهَا اللَّه أَنْ تُطَلَّق لَهَا النِّسَاء وَهَذَا ظَاهِر فِي أَنَّ الْعِدَّة إِنَّمَا يَكُون اِسْتِقْبَالهَا مِنْ طُهْر لَمْ يَمَسّهَا فِيهِ إِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا بِالْأَطْهَارِ وَأَمَّا طُهْر قَدْ أَصَابَهَا فِيهِ فلم يجعله النبي مِنْ الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ اللَّه أَنْ تُطَلَّق لَهَا النِّسَاء فَكَمَا لَا تَكُون عِدَّتهَا مُتَّصِلَة بِالْحَيْضَةِ الَّتِي طَلَّقَ فِيهَا يَنْبَغِي أَنْ لَا تَكُون مُتَّصِلَة بِالطُّهْرِ الَّذِي مَسَّهَا فِيهِ
لِأَنَّ النبي سَوَّى بَيْنهمَا فِي الْمَنْع مِنْ الطَّلَاق فِيهِمَا وَأَخْبَرَ أَنَّ الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ بِهَا اللَّه أَنْ يُطَلَّق لَهَا النِّسَاء هِيَ مِنْ وَقْت الطُّهْر الَّذِي لَمْ يَمَسّهَا فِيهِ فَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ الطُّهْر الَّذِي مَسَّهَا فِيهِ هُوَ أَوَّل الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ اللَّه أَنْ تُطَلَّق لَهَا النِّسَاء وَهَذَا مَذْهَب أَبِي عُبَيْد وَهُوَ فِي الظُّهُور وَالْحُجَّة كَمَا تَرَى وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَد وَالشَّافِعِيّ وَمَالِك وَأَصْحَابهمْ لَوْ بَقِيَ مِنْ الطُّهْر لَحْظَة حُسِبَتْ لَهَا قُرْءًا وَإِنْ كَانَ قَدْ جَامَعَ فِيهِ إِذَا قُلْنَا الْأَقْرَاء الْأَطْهَار
قَالَ الْمُنْتَصِرُونَ لِهَذَا الْقَوْل إِنَّمَا حَرُمَ الطَّلَاق فِي زَمَن الْحَيْض دَفْعًا لِضَرَرِ تَطْوِيل الْعِدَّة عَلَيْهَا فَلَوْ لَمْ تُحْتَسَب بِبَقِيَّةِ الطُّهْر قُرْءًا كَانَ الطَّلَاق فِي زَمَن الطُّهْر أَضَرَّ بِهَا وَأَطْوَل عَلَيْهَا
وَهَذَا ضَعِيف جِدًّا فَإِنَّهَا إِذْ طَلُقَتْ فِيهِ قَبْل الْمَسِيس اُحْتُسِبَ بِهِ وَأَمَّا إِذَا طَلُقَتْ بَعْد الْمَسِيس كَانَ حُكْمهَا حُكْم الْمُطَلَّقَة فِي زَمَن الْحَيْض فَكَمَا لَا تُحْتَسَب بِبَقِيَّةِ الْحَيْضَة لَا تُحْتَسَب بِبَقِيَّةِ هَذَا الطُّهْر المسوسة فيه
стр. 1932
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالُوا وَلَمْ يَحْرُم الطَّلَاق فِي الطُّهْر لِأَجْلِ التَّطْوِيل الْمَوْجُود فِي الْحَيْض بَلْ إِنَّمَا حَرُمَ لِكَوْنِهَا مُرْتَابَة فَلَعَلَّهَا قَدْ حَمَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْوَطْء فَيَشْتَدّ نَدَمه إِذَا تَحَقَّقَ الْحَمْل وَيَكْثُر الضَّرَر
فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُطَلِّقهَا طَلَّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْر جِمَاع لِأَنَّهُمَا قَدْ تَيَقَّنَا عَدَم الرِّيبَة وَأَمَّا إِذَا ظَهَرَ الْحَمْل فَقَدْ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَة وَأَقْدَم عَلَى فِرَاقهَا حَامِلًا
قَالُوا فَهَذَا الْفَرْق بَيْن الطَّلَاق فِي الْحَيْض وَالطُّهْر الْمُجَامَع فِيهِ
قَالُوا وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَة إِنْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْ هَذَا الْوَطْء فَعِدَّتهَا بِوَضْعِ الْحَمْل وَإِنْ لَمْ تَكُنْ قَدْ حَمَلَتْ مِنْهُ فَهُوَ قُرْء صَحِيح فَلَا ضَرَر عَلَيْهَا فِي طَلَاقهَا فِيهِ
وَلِمَنْ نَصَرَ قَوْل أَبِي عُبَيْد أَنْ يَقُول الشَّارِع إِنَّمَا جَعَلَ اِسْتِقْبَال عِدَّة الْمُطَلَّقَة مِنْ طُهْر لَمْ يَمَسّهَا فِيهِ لِيَكُونَ الْمُطَلِّق عَلَى بَصِيرَة مِنْ أَمْره وَالْمُطَلَّقَة عَلَى بَصِيرَة مِنْ عِدَّتهَا أَنَّهَا بِالْأَقْرَاءِ
فَأَمَّا إِذَا مَسَّهَا فِي الطُّهْر ثُمَّ طَلَّقَهَا لَمْ يَدْرِ أَحَامِلًا أَمْ حَائِلًا وَلَمْ تَدْرِ الْمَرْأَة أَعِدَّتهَا بِالْحَمْلِ أَمْ بِالْأَقْرَاءِ فَكَانَ الضَّرَر عَلَيْهِمَا فِي هَذَا الطَّلَاق أَشَدَّ مِنْ الضَّرَر فِي طَلَاقهَا وَهِيَ حَائِض فَلَا تُحْتَسَب بِبَقِيَّةِ ذَلِكَ الطُّهْر قُرْءًا كَمَا لَمْ يَحْتَسِب الشَّارِع بِهِ فِي جَوَاز إِيقَاع الطَّلَاق فِيهِ
وَهَذَا التَّفْرِيع كُلّه عَلَى أَقْوَال الْأَئِمَّة وَالْجُمْهُور
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُوقِع الطَّلَاق الْبِدْعِيّ فَلَا يَحْتَاج إِلَى شَيْء مِنْ هَذَا
وَقَوْله لِيُطَلِّقهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْحَامِل طَلَاقهَا سُنِّيّ قال بن عَبْد الْبَرّ لَا خِلَاف بَيْن الْعُلَمَاء أَنَّ الْحَامِل طَلَاقهَا لِلسُّنَّةِ قَالَ الْإِمَام أَحْمَد أَذْهَب إِلَى حَدِيث سَالِم عَنْ أَبِيهِ ثُمَّ لْيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَة أُخْرَى أَنَّ طَلَاق الْحَامِل لَيْسَ بِسُنِّيٍّ وَلَا بِدْعِيّ وَإِنَّمَا يَثْبُت لَهَا ذَلِكَ مِنْ جِهَة الْعَدَد لامن جهة الوقت ولفظه الحمل في حديث بن عُمَر اِنْفَرَدَ بِهَا مُسْلِم وَحْده فِي بَعْض طُرُق الْحَدِيث
وَلَمْ يَذْكُرهَا الْبُخَارِيّ
فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ طَلَاقهَا سُنِّيًّا وَلَا بِدْعِيًّا لِأَنَّ الشَّارِع لَمْ يَمْنَع مِنْهُ
فَإِنْ قِيلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ سُنِّيًّا كَانَ طَلَاقهَا بِدْعِيًّا لِأَنَّ النَّبِيّ إِنَّمَا أَبَاحَ طَلَاقهَا فِي طُهْر لَمْ يَمَسّهَا فِيهِ فَإِذَا مَسَّهَا فِي الطُّهْر وَحَمَلَتْ وَاسْتَمَرَّ حَمْلهَا اِسْتَمَرَّ الْمَنْع مِنْ الطَّلَاق فَكَيْف يُبِيحهُ تَجَدُّد ظُهُور الْحَمْل فَإِذَا لَمْ يَثْبُتُوا هَذِهِ اللَّفْظَة لَمْ يَكُنْ طَلَاق الْحَامِل جَائِزًا
فَالْجَوَاب أَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ حَرُمَ الطَّلَاق بَعْد الْمَسِيس مَعْدُوم عِنْد ظُهُور الْحَمْل لِأَنَّ الْمُطَلِّق عِنْد ظُهُور الْحَمْل قَدْ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَة فَلَا يَخَاف ظُهُور أَمْر يَتَجَدَّد بِهِ النَّدَم وَلَيْسَتْ الْمَرْأَة مُرْتَابَة لِعَدَمِ اِشْتِبَاه الْأَمْر عَلَيْهَا بِخِلَافِ طَلَاقهَا مَعَ الشَّكّ فِي حَمْلهَا
وَاَللَّه أَعْلَم
وَقَوْله طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا اِحْتَجَّ بِهِ من قال الحامل لا تحيض لأنه حَرَّمَ الطَّلَاق فِي زَمَن الْحَيْض وَأَبَاحَهُ فِي وَقْت الطُّهْر وَالْحَمْل فَلَوْ كَانَتْ الْحَامِل تَحِيض لَمْ يُبَحْ طَلَاقهَا حَامِلًا إِذَا رَأَتْ الدَّم وَهُوَ خِلَاف الْحَدِيث
стр. 1933
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَلِأَصْحَابِ الْقَوْل الْآخَر أَنْ يُجِيبُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ حَيْض الْحَامِل لَمْ يَكُنْ لَهُ تَأْثِير فِي الْعِدَّة بِحَالٍ لَا فِي تَطْوِيلهَا وَلَا تَخْفِيفهَا إِذَا عِدَّتهَا بِوَضْعِ الْحَمْل أَبَاحَ الشَّارِع طَلَاقهَا حَامِلًا مُطْلَقًا وَغَيْر الْحَامِل لَمْ يُبَحْ طَلَاقهَا إِلَّا إِذَا لَمْ تَكُنْ حَائِضًا لِأَنَّ الْحَيْض يُؤَثِّر فِي الْعِدَّة لِأَنَّ عِدَّتهَا بِالْأَقْرَاءِ فَالْحَدِيث دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَة لَهَا حَالَتَانِ أَحَدهمَا أَنْ تَكُون حَائِلًا فَلَا تُطَلَّق إِلَّا فِي طُهْر لَمْ يَمَسّهَا فِيهِ
وَالثَّانِيَة أَنْ تَكُون حَامِلًا فَيَجُوز طَلَاقهَا
وَالْفَرْق بَيْن الْحَامِل وغيرها في الطلاق إنما هُوَ بِسَبَبِ الْحَمْل وَعَدَمه لَا بِسَبَبِ حَيْض وَلَا طُهْر وَلِهَذَا يَجُوز طَلَاق الْحَامِل بَعْد الْمَسِيس دُون الْحَائِل وَهَذَا جَوَاب سَدِيد وَاَللَّه أَعْلَم
وَقَدْ أَفْرَدْت لِمَسْأَلَةِ الْحَامِل هَلْ تَحِيض أَمْ لَا مُصَنَّفًا مُفْرَدًا
وَقَدْ اِحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ مَنْ يَرَى أَنَّ السُّنَّة تَفْرِيق الطَّلْقَات عَلَى الْأَقْرَاء فَيُطَلِّق لِكُلِّ قُرْء طَلْقَة وَهَذَا قَوْل أَبِي حَنِيفَة وَسَائِر الْكُوفِيِّينَ وَعَنْ أَحْمَد رِوَايَة كقولهم
قالوا وذلك لأن النبي إِنَّمَا أَمَرَهُ بِإِمْسَاكِهَا فِي الطُّهْر الْمُتَعَقِّب لِلْحَيْضِ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْصِل بَيْنه وَبَيْن الطَّلَاق طُهْر كَامِل وَالسُّنَّة أَنْ يَفْصِل بَيْن الطَّلْقَة وَالطَّلْقَة قُرْء كَامِل فَإِذَا طَهُرَتْ ثُمَّ حَاضَتْ ثُمَّ طَهُرَتْ
طَلَّقَهَا طَلْقَة بَائِنَة لِحُصُولِ الْفَصْل بَيْن الطَّلْقَتَيْنِ بِطُهْرٍ كَامِل
قَالُوا فَلِهَذَا الْمَعْنَى اُعْتُبِرَ الشَّارِع الْفَصْل بَيْن الطَّلَاق الْأَوَّل وَالثَّانِي
قَالُوا وفي بعض حديث بن عُمَر السُّنَّة أَنْ يَسْتَقْبِل الطُّهْر فَيُطَلِّق لِكُلِّ قرء وروى النسائي في سننه عن بن مَسْعُود قَالَ طَلَاق السُّنَّة أَنْ يُطَلِّقهَا تَطْلِيقَة وَهِيَ طَاهِر فِي غَيْر جِمَاع فَإِذَا حَاضَتْ فَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى فَإِذَا حَاضَتْ وَطَهُرَتْ طَلَّقَهَا أُخْرَى ثُمَّ تَعْتَدّ بَعْد ذَلِكَ بِحَيْضَةٍ
وَهَذَا الاستدلال ضعيف فإن النبي لَمْ يَأْمُرهُ بِإِمْسَاكِهَا فِي الطُّهْر الثَّانِي لِيُفَرِّق الطَّلْقَات الثَّلَاث عَلَى الْأَقْرَاء وَلَا فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَمَرَهُ بِطَلَاقِهَا طَاهِرًا قَبْل أَنْ يَمَسّهَا وَقَدْ ذَكَرْنَا حِكْمَة إِمْسَاكهَا فِي الطُّهْر الْأَوَّل
وَأَمَّا قَوْله وَالسُّنَّة أَنْ يَسْتَقْبِل الطُّهْر فَيُطَلِّق لِكُلِّ قُرْء فَهُوَ حَدِيث قَدْ تَكَلَّمَ النَّاس فِيهِ وَأَنْكَرُوهُ عَلَى عطاء الخرساني فَإِنَّهُ اِنْفَرَدَ بِهَذِهِ اللَّفْظَة دُون سَائِر الرُّوَاة قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَأَمَّا الْحَدِيث الَّذِي رَوَاهُ عَطَاء الخرساني عن بن عمر في هذه القصة أن النبي قَالَ السُّنَّة أَنْ يَسْتَقْبِل الطُّهْر فَيُطَلِّق لِكُلِّ قُرْء فَإِنَّهُ أَتَى فِي هَذَا الْحَدِيث بِزِيَادَاتٍ لَمْ يُتَابَع عَلَيْهَا وَهُوَ ضَعِيف فِي الْحَدِيث لَا يُقْبَل مِنْهُ مَا يَنْفَرِد بِهِ
وَأَمَّا حديث بن مَسْعُود فَمَعَ أَنَّهُ مَوْقُوف عَلَيْهِ فَهُوَ حَدِيث يَرْوِيه أَبُو إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَنْ عَبْد اللَّه وَاخْتُلِفَ عَلَى أَبِي إِسْحَاق فِيهِ فَقَالَ الْأَعْمَش عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ سُفْيَان الثَّوْرِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاق عَنْ أَبِي الْأَحْوَص عَنْهُ طَلَاق السُّنَّة أَنْ يُطَلِّقهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْر جِمَاع وَلَعَلَّ هَذَا حَدِيثَانِ
стр. 1934
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَعْمَش قَالَ سَأَلْت إِبْرَاهِيم فَقَالَ لِي مِثْل ذَلِكَ
وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا غايته أن يكون قول بن مَسْعُود وَقَدْ خَالَفَهُ عَلِيّ وَغَيْره
وَقَدْ رُوِيَ عن بن مَسْعُود رِوَايَتَانِ إِحْدَاهُمَا التَّفْرِيق وَالثَّانِيَة إِفْرَاد الطَّلْقَة وَتَرْكهَا حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتهَا
قَالَ طَلَاق السُّنَّة أَنْ يُطَلِّقهَا وَهِيَ طَاهِر ثُمَّ يَدَعهَا حَتَّى تَنْقَضِي عِدَّتهَا أَوْ يُرَاجِعهَا إِنْ شَاءَ ذَكَرَهُ بن عَبْد الْبَرّ عَنْهُ
وَلِأَنَّ هَذَا أَرْدَأ طَلَاق لِأَنَّهُ طَلَاق مِنْ غَيْر حَاجَة إِلَيْهِ وَتَعْرِيض لِتَحْرِيمِ الْمَرْأَة عَلَيْهِ إِلَّا بَعْد زَوْج وَإِصَابَة وَالشَّارِع لَا غَرَض لَهُ فِي ذَلِكَ وَلَا مَصْلَحَة لِلْمُطَلِّقِ فَكَانَ بِدْعِيًّا
وَاَللَّه أَعْلَم
وَقَوْله فَتِلْكَ الْعِدَّة الَّتِي أَمَرَ اللَّه أَنْ تُطَلَّق لَهَا النِّسَاء اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَرَى الْأَقْرَاء هِيَ الْأَطْهَار
قَالُوا وَاللَّام بِمَعْنَى الْوَقْت كَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿أَقِمْ الصَّلَاة لِدُلُوكِ الشَّمْس﴾ وَقَوْل الْعَرَب كَتَبَ لِثَلَاثٍ مَضَيْنَ وَلِثَلَاثٍ بَقَيْنَ
وَفِي الْحَدِيث فَلْيُصَلِّهَا حِين ذَكَرَهَا وَمِنْ الْغَد لِلْوَقْتِ قَالُوا فَهَذِهِ اللَّام الْوَقْتِيَّة بِمَعْنَى (فِيهِ)
وَأَجَابَ الْآخَرُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ اللَّام فِي قَوْله تَعَالَى ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ هِيَ اللَّام الْمَذْكُورَة فِي قَوْله أَنْ تُطَلَّق لَهَا النِّسَاء وَلَا يَصِحّ أَنْ تَكُون وَقْتِيَّة وَلَا ذَكَرَ أَحَد مِنْ أَهْل الْعَرَبِيَّة أَنَّ اللَّام تَأْتِي بِمَعْنَى فِي أَصْلًا
ولا يصح أن تكون هنا بِمَعْنَى فِي وَلَوْ صَحَّ فِي غَيْر هَذَا الْمَوْضِع لِأَنَّ الطَّلَاق لَا يَكُون فِي نَفْس الْعِدَّة وَلَا تَكُون عِدَّة الطَّلَاق ظَرْفًا لَهُ قَطّ وَإِنَّمَا اللَّام هُنَا عَلَى بَابهَا لِلِاخْتِصَاصِ
وَالْمَعْنَى طَلِّقُوهُنَّ مُسْتَقْبِلَات عِدَّتِهِنَّ وَيُفَسِّر هَذَا قِرَاءَة النبي في حديث بن عُمَر فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُل عِدَّتِهِنَّ أَيْ فِي الوقت الذي تستقبل فِيهِ الْعِدَّة
وَعَلَى هَذَا فَإِذَا طَلَّقَهَا فِي طُهْرهَا اِسْتَقْبَلَتْ الْعِدَّة مِنْ الْحَيْضَة الَّتِي تَلِيه فَقَدْ طَلَّقَهَا فِي قُبُل عِدَّتهَا بِخِلَافِ مَا إِذَا طَلَّقَهَا حَائِضًا فَإِنَّهَا لَا تَعْتَدّ بِتِلْكَ الْحَيْضَة وَيُنْتَظَر فَرَاغهَا وَانْقِضَاء الطُّهْر الَّذِي يَلِيهَا ثُمَّ تَشْرَع فِي الْعِدَّة فَلَا يَكُون طَلَاقهَا حَائِضًا طَلَاقًا فِي قُبُل عِدَّتهَا وَقَدْ أَفْرَدْت لِهَذِهِ الْمَسْأَلَة مُصَنَّفًا مُسْتَقِلًّا ذَكَرْت فِيهِ مَذَاهِب النَّاس وَمَآخِذهمْ وَتَرْجِيح الْقَوْل الرَّاجِح وَالْجَوَاب عَمَّا اِحْتَجَّ بِهِ أَصْحَاب الْقَوْل الْآخَر
وَقَوْله مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا دَلِيل عَلَى أَنَّ الْأَمْر بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ أَمْر بِهِ
وَقَدْ اِخْتَلَفَ النَّاس فِي ذَلِكَ وَفَصْل النِّزَاع أَنَّ الْمَأْمُور الْأَوَّل إِنْ كَانَ مبلغا محضا كأمر النبي آحاد الصحابة أن يأمر الغائب عنه يأمره فَهَذَا أَمْر بِهِ مِنْ جِهَة الشَّارِع قَطْعًا وَلَا يَقْبَل ذَلِكَ نِزَاعًا أَصْلًا وَمِنْهُ قَوْله مُرْهَا فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ وَقَوْله مُرُوهُمْ بِصَلَاةٍ كَذَا فِي حِين كَذَا وَنَظَائِره فَهَذَا الثَّانِي مَأْمُور به من جهة الرسول فَإِذَا عَصَاهُ الْمُبَلَّغ إِلَيْهِ فَقَدْ عَصَى أَمْر الرَّسُول صَلَوَات اللَّه وَسَلَامه عَلَيْهِ وَالْمَأْمُور الْأَوَّل مُبَلِّغ مَحْض وَإِنْ كَانَ الْأَمْر مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَأْمُور الْأَوَّل تَوَجُّه التَّكْلِيفِ وَالثَّانِي غَيْر مُكَلَّف لَمْ يَكُنْ أَمْرًا لِلثَّانِي مِنْ جِهَة الشَّارِع كقوله مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ لِسَبْعٍ
فَهَذَا الْأَمْر خِطَاب لِلْأَوْلِيَاءِ بِأَمْرِ الصِّبْيَان بِالصَّلَاةِ فَهَذَا فَصْل الْخِطَاب فِي هَذَا الْبَاب
وَاَللَّه أَعْلَم بِالصَّوَابِ
فَهَذِهِ كَانَتْ نبهنا بها على بعض فوائد حديث بن عُمَر فَلَا تَسْتَطِلْهَا فَإِنَّهَا مُشْتَمِلَة عَلَى فَوَائِد
стр. 1935
٥ - (بَاب الرَّجُلِ يُرَاجِعُ وَلَا يُشْهِدُ)
(عَنْ يَزِيدَ الرشك) بكسر المهملة وإسكان المعجمة هو بن أَبِي يَزِيدَ الضُّبَعِيُّ (ثُمَّ يَقَعُ بِهَا) أَيْ يُجَامِعُهَا لِلرَّجْعَةِ (وَلَا تَعُدْ) نَهَى عَنِ الْعَوْدِ إِلَى تَرْكِ الْإِشْهَادِ وَقَدِ اسْتَدَلَّ بَالْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ الْإِشْهَادِ عَلَى الرَّاجِعَةِ
وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْإِشْهَادِ فِي الرَّجْعَةِ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ
وَاسْتُدِلَّ لهم بحديث بن عُمَرَ السَّالِفِ فَإِنَّ فِيهِ أَنَّهُ قَالَ ﷺ فَلْيُرَاجِعْهَا وَلَمْ يَذْكُرِ الْإِشْهَادَ
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِنَّهُ يَجِبُ الْإِشْهَادُ فِي الرَّجْعَةِ
وَالِاحْتِجَاجُ بِحَدِيثِ الْبَابِ لَا يَصْلُحُ لِلِاحْتِجَاجِ لِأَنَّهُ قَوْلُ صَحَابِيٍّ فِي أَمْرٍ مِنْ مَسَارِحِ الِاجْتِهَادِ وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَيْسَ بِحُجَّةٍ لَوْلَا مَا وَقَعَ مِنْ قَوْلِهِ طَلَّقْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ وَرَاجَعْتَ لِغَيْرِ سُنَّةٍ
هَذَا تَلْخِيصُ مَا فِي النيل
قال المنذري وأخرجه بن ماجه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
جَمَّة وَقَوَاعِد مُهِمَّة وَمَبَاحِث لِمَنْ قَصْدُهُ الظُّفْرُ بِالْحَقِّ وَإِعْطَاءُ كُلّ ذِي حَقّ حَقّه مِنْ غَيْر مَيْل مَعَ ذِي مَذْهَبه وَلَا خِدْمَة لإمامة وأصحابه بحديث رسول الله بل تابع للدليل حريص على المظفر بِالسُّنَّةِ وَالسَّبِيل يَدُور مَعَ الْحَقِّ أَنَّى تَوَجَّهَتْ رَكَائِبُهُ وَيَسْتَقِرّ مَعَهُ حَيْثُ اِسْتَقَرَّتْ مَضَارِبه وَلَا يَعْرِف قَدْر هَذَا السَّيْر إِلَّا مَنْ عَلَتْ هِمَّته وَتَطَلَّعَتْ نَوَازِع قَلْبه وَاسْتَشْرَفَتْ نَفْسه إِلَى الِارْتِضَاع مِنْ ثَدْيِ الرِّسَالَةِ وَالْوُرُود مِنْ عَيْن حَوْض النُّبُوَّة وَالْخَلَاص مِنْ شِبَاك الْأَقْوَال الْمُتَعَارِضَة وَالْآرَاء الْمُتَنَاقِضَة إِلَى فَضَاء الْعِلْم الْمَوْرُوث عَمَّنْ لَا يَنْطِق عَنْ الْهَوَى وَلَا يَتَجَاوَز نُطْقه الْبَيَان وَالرَّشَاد وَالْهُدَى وَبَيْدَاء الْيَقِين الَّتِي مَنْ حَلَّهَا حُشِدَ فِي زُمْرَة الْعُلَمَاء وَعُدَّ مِنْ وَرَثَة الْأَنْبِيَاء وَمَا هِيَ إِلَّا أَوْقَات مَحْدُودَة وَأَنْفَاس عَلَى الْعَبْد مَعْدُودَة فَلْيُنْفِقْهَا فِيمَا شَاءَ
أَنْتَ الْقَتِيل لِكُلِّ مَنْ أَحْبَبْته فَانْظُرْ لِنَفْسِك فِي الْهَوَى مَنْ تَصْطَفِي
стр. 1936
٦ - (بَاب فِي سُنَّةِ طَلَاقِ الْعَبْدِ)
(أَنَّهُ اسْتَفْتَى بن عباس) أي أنه طلب الفتوى من بن عَبَّاسٍ (فِي مَمْلُوكٍ كَانَتْ تَحْتَهُ مَمْلُوكَةٌ) أَيْ كَانَتْ فِي نِكَاحِهِ (فَطَلَّقَهَا) أَيْ طَلَّقَ الْمَمْلُوكُ الْمَمْلُوكَةَ (ثُمَّ عُتِقَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ (بَعْدَ ذَلِكَ) أَيْ بَعْدَ الطَّلَاقِ (هَلْ يَصْلُحُ لَهُ) أَيْ هَلْ يَجُوزُ لِلْمَمْلُوكِ (أَنْ يَخْطُبَهَا) مِنَ الْخِطْبَةِ بالكسر (قال) أي بن عَبَّاسٍ (نَعَمْ) أَيْ يَجُوزُ لَهُ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ لَمْ يَذْهَبْ إِلَى هَذَا أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِيمَا أَعْلَمُ وَفِي إِسْنَادِهِ مَقَالٌ
وَمَذْهَبُ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ أَنَّ الْمَمْلُوكَةَ إِذَا كَانَتْ تَحْتَ مَمْلُوكٍ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ أَنَّهَا لَا تَصْلُحُ لَهُ إِلَّا بَعْدَ زَوْجٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النسائي وبن مَاجَهْ
وَأَبُو الْحَسَنِ هَذَا قَدْ ذُكِرَ بِخَيْرٍ وَصَلَاحٍ وَقَدْ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيَّانِ غَيْرَ أَنَّ الرَّاوِيَ عَنْهُ عُمَرُ بْنُ مُعَتِّبٍ وَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ عُمَرُ بْنُ الْمُعَتِّبِ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَسُئِلَ أَيْضًا عَنْهُ فَقَالَ مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ يَحْيَى يعني بن أَبِي كَثِيرٍ
وَقَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيُّ عُمَرُ بْنُ مُعَتِّبٍ لَيْسَ بَالْقَوِيِّ
وَقَالَ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرٍ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَمُعَتِّبٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ ثَالِثِ الْحُرُوفِ وَكَسْرِهَا وَبَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ
انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
(بِإِسْنَادِهِ وَمَعْنَاهُ بِلَا إِخْبَارٍ) أَيْ بِإِسْنَادِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ وَمَعْنَاهُ لَكِنْ بِصِيغَةِ الْعَنْعَنَةِ دُونَ صِيغَةِ الْإِخْبَارِ (بَقِيَتْ لَكَ وَاحِدَةٌ) أَيْ تَطْلِيقَةٌ وَاحِدَةٌ لِأَنَّهَا صَارَتْ حُرَّةً وَطَلَاقُهَا ثلاثة (قال بن
стр. 1937
الْمُبَارَكِ لِمَعْمَرٍ مَنْ أَبُو الْحَسَنِ هَذَا لَقَدْ تَحَمَّلَ صَخْرَةً عَظِيمَةً إِلَخْ) لَيْسَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَلِذَا لَمْ يَذْكُرْهَا الْمُنْذِرِيُّ ﵀ وَذَكَرَهَا الْخَطَّابِيُّ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ يُرِيدُ بِذَلِكَ إِنْكَارَ مَا جَاءَ بِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ
(طَلَاقُ الْأَمَةِ) مَصْدَرٌ مُضَافٌ لمفعوله أي تطليقها (تطليقتان وقروؤها حَيْضَتَانِ) وَفِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ وَعِدَّتُهَا حَيْضَتَانِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَلَيْسَ فِي الْمَسْأَلَة إِجْمَاع فَإِنَّ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ الْإِمَام أَحْمَد الْقَوْل بِهَذَا الْحَدِيث قال ولا أرى شيئا يدفعه وَغَيْر وَاحِد يَقُول بِهِ أَبُو سَلَمَة وَجَابِر وَسَعِيد بْن الْمُسَيَّب هَذَا آخِر كَلَامه
وَقَالَ مَرَّة حَدِيث عُثْمَان وَزَيْد فِي تَحْرِيمهَا عَلَيْهِ جيد وحديث بن عباس يرويه عمر بن معتب ولا أعرفه ثم ذكر كلام بن الْمُبَارَك
قَالَ أَحْمَد أَمَّا أَبُو حَسَن فَهُوَ عِنْدِي مَعْرُوف وَلَكِنْ لَا أَعْرِف عُمَر بْن معتب
وقال الإمام أحمد في رواية بن مَنْصُور فِي عَبْدٍ تَحْتَهُ مَمْلُوكَة وَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمَّ عُتِقَا يَتَزَوَّجهَا وَتَكُون عَلَى وَاحِدَة عَلَى حَدِيث عُمَر بْن مُعَتِّب
وَقَالَ فِي رِوَايَة أَبِي طَالِب فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة يَتَزَوَّجهَا وَلَا يُبَالِي عُتِقَا أَوْ بَعْد الْعِدَّة وَهُوَ قَوْل بن عَبَّاس وَجَابِر بْن عَبْد اللَّه وَأَبِي سَلَمَة وَقَتَادَة
قَالَ أَبُو بَكْر عَبْد الْعَزِيز إِنْ صَحَّ الْحَدِيث فَالْعَمَل عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَصِحّ فَالْعَمَل عَلَى حَدِيث عُثْمَان وَزَيْد
وَحَدِيث عُثْمَان وَزَيْد الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ هُوَ مَا رَوَاهُ الْأَثْرَم فِي سُنَنه عَنْ سُلَيْمَان بْن يَسَار أَنَّ نُفَيْعًا مُكَاتِب أُمّ سَلَمَة طَلَّقَ اِمْرَأَته حُرَّة بِتَطْلِيقَتَيْنِ فَسَأَلَ عُثْمَان وَزَيْد بْن ثَابِت عَنْ ذَلِكَ فَقَالَا حُرِّمَتْ عَلَيْك
стр. 1938
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا فَقَالَتْ طَائِفَةٌ الطَّلَاقُ بَالرِّجَالِ وَالْعِدَّةُ بَالنِّسَاءِ روي ذلك عن بن عمر وزيد بن ثابت وبن عَبَّاسٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ فَإِذَا كَانَتْ أَمَةٌ تَحْتَ حُرٍّ فَطَلَاقُهَا ثَلَاثٌ وَعِدَّتُهَا قراءان وإن كانت حرة تحت عبد فطلاقها اثنتان وَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ أَقْرَاءٍ فِي قَوْلِ هَؤُلَاءِ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ الْحُرَّةُ تَعْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَقْرَاءٍ كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ وطلاقها ثلاث كالعدة والأمة تعتد قرءين وتطلق تَطْلِيقَتَيْنِ سَوَاءً كَانَتْ تَحْتَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ إِنْ ثَبَتَ وَلَكِنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ ضَعَّفُوهُ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ عَبْدًا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ هُوَ حَدِيثٌ مَجْهُولٌ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَلَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ مُظَاهِرِ بْنِ أَسْلَمَ وَمُظَاهِرٌ لَا يُعْلَمُ لَهُ فِي الْعِلْمِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَدْ ذَكَرَ لَهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ حَدِيثًا آخَرَ رَوَاهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ يَقْرَأُ عَشْرَ آيَاتٍ مِنْ آخِرِ آلِ عِمْرَانَ كُلَّ لَيْلَةٍ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَلِلْحَدِيثِ بَعْدُ عِلَّةٌ عَجِيبَةٌ ذَكَرهَا الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخه الْكَبِير قَالَ مُظَاهِر بْن أَسْلَمَ عَنْ الْقَاسِم عَنْ عَائِشَة رَفَعَهُ طَلَاق الْأَمَة تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّتهَا حَيْضَتَانِ قَالَ أَبُو عَاصِم حَدَّثَنَا بن جُرَيْج عَنْ مُظَاهِر ثُمَّ لَقِيت مُظَاهِرًا فَحَدَّثَنَا بِهِ وَكَانَ أَبُو عَاصِم يُضَعَّف مُظَاهِرًا وَقَالَ يحيى بن سليمان حدثنا بن وَهْب قَالَ حَدَّثَنِي أُسَامَة بْن زَيْد بْن أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْد أَبِيهِ فَأَتَاهُ رَسُول الْأَمِير فَقَالَ إِنَّ الْأَمِير يَقُول لَك كَمْ عِدَّة الْأَمَة قَالَ عِدَّة الْأَمَة حَيْضَتَانِ وَطَلَاق الْحُرّ الْأَمَة ثَلَاث وَطَلَاق الْعَبْد الْحُرَّة تَطْلِيقَتَانِ وَعِدَّة الْحُرَّة ثَلَاث حِيَض ثُمَّ قَالَ لِلرَّسُولِ أَيْنَ تَذْهَب قَالَ أَمَرَنِي أَنْ أَسْأَل الْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه قَالَ فَأُقْسِم عَلَيْك إِلَّا رَجَعْت إِلَيَّ فَأَخْبَرْتنِي مَا يَقُولَانِ فَذَهَبَ وَرَجَعَ إِلَى أَبِي فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُمَا قَالَا كَمَا قَالَ وَقَالَا لَهُ قُلْ إِنَّ هَذَا لَيْسَ فِي كِتَاب اللَّه وَلَا فِي سُنَّة رَسُول اللَّه وَلَكِنْ عَمِلَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ
стр. 1939
قُلْتُ وَمُظَاهِرٌ هَذَا مَخْزُومِيٌّ مَكِّيٌّ ضَعَّفَهُ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ
وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ لَيْسَ بِشَيْءٍ مَعَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثٍ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ إِنْ ثَبَتَ وَلَكِنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ ضَعَّفُوهُ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ عَبْدًا
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَوْ كَانَ ثَابِتًا قُلْنَا بِهِ إِلَّا أَنَّا لَا نُثْبِتُ حَدِيثًا يَرْوِيهِ مَنْ تُجْهَلُ عَدَالَتُهُ وَبَاللَّهِ التَّوْفِيقُ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَمُظَاهِرٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ هَاءٌ مَكْسُورَةٌ وَرَاءٌ مُهْمَلَةٌ
(بَاب فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ)
(لَا طَلَاقَ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ) أَيْ لَا صِحَّةَ لَهُ وَقَدْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ النَّاجِزُ عَلَى الْأَجْنَبِيَّةِ وَأَمَّا التَّعْلِيقُ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ إِنْ تَزَوَّجْتُ فُلَانَةً فَهِيَ طَالِقٌ فَذَهَبَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ إِلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ أَنَّهُ يَصِحُّ التَّعْلِيقُ مُطْلَقًا
وَذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَرَبِيعَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ والأوزاعي وبن أَبِي لَيْلَى إِلَى التَّفْصِيلِ وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ جَاءَ بِحَاصِرٍ نَحْوَ أَنْ يَقُولَ كُلُّ امْرَأَةٍ أَتَزَوَّجُهَا مِنْ بَنِي فُلَانٍ أَوْ بَلَدِ كَذَا فَهِيَ طَالِقٌ صَحَّ الطَّلَاقُ وَوَقَعَ وَإِنْ عَمَّمَ لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ
وَهَذَا التَّفْصِيلُ لَا وَجْهَ لَهُ إِلَّا مُجَرَّدُ الِاسْتِحْسَانِ كَمَا أَنَّهُ لَا وَجْهَ لِلْقَوْلِ بِإِطْلَاقِ الصِّحَّةِ
وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ الطَّلَاقُ قَبْلَ النِّكَاحِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَذَكَر الدَّارَقُطْنِيُّ حَدِيث مُظَاهَر ثُمَّ قَالَ وَالصَّحِيح عَنْ الْقَاسِم خِلَاف هَذَا وَذَكَر عَنْ الْقَاسِم أَنَّهُ قِيلَ لَهُ بَلَغَك فِي هَذَا عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ لَا
وذكره الدارقطني أيضا من حديث بن عُمَر مَرْفُوعًا وَقَالَ تَفَرَّدَ بِهِ عُمَر بْن شبيب والصحيح أنه من قول بن عمر
стр. 1940
مطلقا
كذا في النيل (زاد بن الصَّبَّاحِ) أَيْ فِي رِوَايَتِهِ (وَلَا وَفَاءَ نَذْرٍ إِلَّا فِيمَا تَمْلِكُ) فَلَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُعْتِقَ هَذَا الْعَبْدَ وَلَمْ يَكُنْ مَلَكَهُ وَقْتَ النَّذْرِ لَمْ يَصِحَّ النَّذْرُ فَلَوْ مَلَكَهُ بَعْدَ هَذَا لَمْ يَعْتِقْ عَلَيْهِ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ
وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ رُوِيَ فِي هَذَا الْبَابِ
وَقَالَ أَيْضًا سَأَلْتَ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْمَاعِيلَ فَقُلْتُ أَيُّ شَيْءٍ أَصَحُّ فِي الطَّلَاقِ قَبْلَ النِّكَاحِ فَقَالَ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَأَسْعَدُ النَّاسِ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِظَاهِرِهِ وَأَجْرَاهُ عَلَى عُمُومِهِ إِذْ لَا حُجَّةَ مَعَ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ حَالٍ وَحَالٍ وَالْحَدِيثُ حَسَنٌ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
(مَنْ حَلَفَ عَلَى مَعْصِيَةٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ وَمَنْ حَلَفَ عَلَى قَطِيعَةِ رَحِمٍ فَلَا يَمِينَ لَهُ) وَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ كَالْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ الْكَلَامِ مَعَ أَخِيهِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ الْيَمِينَ الْمُطْلَقَةَ مِنَ الْأَيْمَانِ فَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَمِينَ لَهُ أَيْ لَا يَبَرُّ بِيَمِينِهِ لَكِنْ يَحْنَثُ وَيُكَفِّرُ كَمَا رُوِيَ أَنَّهُ قَالَ مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَلْيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَالْوَجْهُ الْآخَرُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ بِهِ النَّذْرُ الَّذِي مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ الْيَمِينِ كَقَوْلِهِ إِنْ فَعَلْتُ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ وَلَدِي فَإِنَّ هَذِهِ يَمِينٌ بَاطِلَةٌ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا وَلَا يَلْزَمُهُ فِيهَا كَفَّارَةٌ وَلَا فِدْيَةٌ وَكَذَلِكَ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَذْبَحَ وَلَدَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّرِ وَالتَّقَرُّبِ
فَالنَّذْرُ لَا يَنْعَقِدُ فِيهِ وَالْوَفَاءُ بِهِ لَا يَلْزَمُ بِهِ وَلَيْسَ فِيهَا كَفَّارَةٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(وَلَا نَذْرَ إِلَّا فِيمَا ابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُ اللَّهِ تَعَالَى) أَيْ فِي الطَّاعَةِ لَا فِي الْمَعْصِيَةِ
стр. 1941
٨ - (بَاب فِي الطَّلَاقِ)
عَلَى غَلَطٍ قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ عَلَى غَيْظٍ بَدَلُ قَوْلِهِ عَلَى غَلَطٍ أَيْ فِي حَالَةِ الْغَضَبِ وَهَكَذَا فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا عَلَى غَلَطٍ فَالْمَعْنَى فِي حَالَةٍ يَخَافُ عَلَيْهِ الْغَلَطُ وَهِيَ حَالَةُ الْغَضَبِ وَالْأَقْرَبُ أَنَّهُ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ غَيْظٌ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
ثُمَّ الطَّلَاقُ فِي غَيْظٍ وَاقِعٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ
وَفِي رِوَايَةٍ عَنِ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ لَا يَقَعُ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مُخْتَارُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى انْتَهَى
قُلْتُ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْمَوْجُودَةِ عِنْدِي عَلَى غَضَبٍ بَدَلُ قَوْلِهِ عَلَى غَلَطٍ وَفِي نُسْخَةِ الْخَطَّابِيِّ عَلَى إِغْلَاقٍ
(كَانَ يَسْكُنُ إِيلِيَّا) قَالَ فِي الْمَجْمَعِ هُوَ بَالْمَدِّ وَالْقَصْرِ مَدِينَةُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ (لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ فِي إِغْلَاقٍ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي غِلَاقٍ
(قَالَ أَبُو دَاوُدَ الْغِلَاقُ أَظُنُّهُ فِي الْغَضَبِ) فَعِنْدَ الْمُصَنِّفِ ﵀ مَعْنَى الْإِغْلَاقِ الْغَضَبُ وَفَسَّرَهُ عُلَمَاءُ الغريب بالإكراه وهو قول بن قتيبة والخطابي وبن السَّيِّدِ وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ الْجُنُونُ وَاسْتَبْعَدَهُ الْمُطَرِّزِيُّ وَقِيلَ الغضب وكذا فسره أحمد ورده بن السَّيِّدِ فَقَالَ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقَعْ عَلَى أَحَدٍ طَلَاقٌ لِأَنَّ أَحَدًا لَا يُطَلِّقُ حَتَّى يَغْضَبَ
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْإِغْلَاقُ التَّضْيِيقُ
كَذَا فِي التَّلْخِيصِ
وَالْحَدِيثُ أَخَذَ بِهِ مَنْ لَمْ يُوقِعِ الطَّلَاقَ وَالْعِتَاقَ مِنَ الْمُكْرَهِ وَهُوَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قَالَ شَيْخُنَا وَالْإِغْلَاق اِنْسِدَاد
بَاب الْعِلْم وَالْقَصْد عَلَيْهِ
يَدْخُل فِيهِ طَلَاق الْمَعْتُوه وَالْمَجْنُون وَالسَّكْرَان وَالْمُكْرَه وَالْغَضْبَان الَّذِي لَا يَعْقِل مَا يَقُول لِأَنَّ كُلًّا مِنْ هَؤُلَاءِ قَدْ أُغْلِقَ عَلَيْهِ بَاب الْعِلْم وَالْقَصْد وَالطَّلَاق إِنَّمَا يَقَع مِنْ قَاصِدٍ لَهُ عَالِم بِهِ
وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 1942
مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ يَصِحُّ طَلَاقُهُ وعتاقه
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ
وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ صَالِحٍ الْمَكِّيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ
وَالْمَحْفُوظُ فِيهِ إِغْلَاقٌ وَفَسَّرُوهُ بَالْإِكْرَاهِ لِأَنَّ الْمُكْرَهَ يُغْلَقُ عَلَيْهِ أَمْرُهُ وَتَصَرُّفُهُ وَقِيلَ كَأَنَّهُ يُغْلَقُ عَلَيْهِ وَيُحْبَسُ وَيُضَيَّقُ عليه حتى يطلق وقيل الإغلاق ها هنا الْغَضَبُ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ النَّهْيُ عَنْ إِيقَاعِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ كُلِّهِ فِي دَفْعَةٍ وَاحِدَةٍ لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ وَلَكِنْ لِيُطَلِّقْ لِلسُّنَّةِ كَمَا أُمِرَ انْتَهَى
(بَاب فِي الطلاق على الهزل)
(عن بن مَاهَكَ) بِفَتْحِ الْهَاءِ هُوَ يُوسُفُ بْنُ مَاهَكَ الْفَارِسِيُّ الْمَكِّيُّ (ثَلَاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ وَهَزْلُهُنَّ جِدٌّ) الْهَزْلُ أَنْ يُرَادَ بَالشَّيْءِ غَيْرَ مَا وُضِعَ لَهُ بِغَيْرِ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا وَالْجِدُّ مَا يُرَادُ بِهِ مَا وُضِعَ لَهُ أَوْ مَا صَلُحَ لَهُ اللَّفْظُ مَجَازًا (النِّكَاحُ وَالطَّلَاقُ وَالرِّجْعَةُ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا فَفِي الْقَامُوسِ بَالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ عَوْدُ الْمُطَلِّقِ إِلَى طَلِيقَتِهِ
وَفِي الْمَشَارِقِ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ وَرَجْعَةُ الْمُطَلَّقَةِ فِيهَا الْوَجْهَانِ وَالْكَسْرُ أَكْثَرُ وَأَنْكَرَ بن مَكِّيٍّ الْكَسْرَ وَلَمْ يُصِبْ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ اتَّفَقَ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ صَرِيحَ لَفْظِ الطلاق إذا جرى على لسان انسان الْبَالِغِ الْعَاقِلِ فَإِنَّهُ مُؤَاخَذٌ بِهِ وَلَا يَنْفَعُهُ أَنْ يَقُولَ كُنْتُ لَاعِبًا أَوْ هَازِلًا أَوْ لَمْ أَنْوِهِ طَلَاقًا أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأُمُورِ
وَاحْتَجَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ اللَّهِ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ الله هزوا وَقَالَ لَوْ أُطْلِقَ لِلنَّاسِ ذَلِكَ لَتَعَطَّلَتِ الْأَحْكَامُ وَلَمْ يُؤْمَنْ مُطَلِّقٌ أَوْ نَاكِحٌ أَوْ مُعْتِقٌ أَنْ يَقُولُ كُنْتُ فِي قَوْلِي هَازِلًا فَيَكُونُ في ذلك
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَقَدْ اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَرَى طَلَاق الْمُكْرَه لَازِمًا قَالَ لِأَنَّهُ أَكْثَر مَا فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَقْصِدهُ وَالْقَصْد لَا يُعْتَبَر فِي الصَّرِيح بِدَلِيلِ وُقُوعه مِنْ الْهَازِل وَاللَّاعِب وَهَذَا قِيَاس فَاسِدٌ فَإِنَّ الْمُكْرَه غَيْر قَاصِد لِلْقَوْلِ وَلَا لِمُوجِبِهِ وَإِنَّمَا حُمِلَ عَلَيْهِ وَأُكْرِه عَلَى التَّكَلُّم بِهِ وَلَمْ يُكْرَه عَلَى الْقَصْد
وَأَمَّا الْهَازِل فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ بِاللَّفْظِ اِخْتِيَارًا وَقَصَدَ بِهِ غَيْر مُوجِبه وَهَذَا لَيْسَ إِلَيْهِ بَلْ إِلَى الشَّارِع فَهُوَ أَرَادَ اللَّفْظ الَّذِي إِلَيْهِ وَأَرَادَ أَنْ لَا يَكُون مُوجِبه وَلَيْسَ إِلَيْهِ فَإِنَّ من باشر سبب لكم بِاخْتِيَارِهِ لَزِمَهُ مُسَبَّبه وَمُقْتَضَاهُ وَإِنْ لَمْ يُرِدْهُ
وَأَمَّا الْمُكْرَه فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ لَا هَذَا وَلَا هَذَا فَقِيَاسه عَلَى الْهَازِل غَيْرُ صَحِيحٍ
стр. 1943
إِبْطَالُ حُكْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فَكُلُّ مَنْ تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مِمَّا جَاءَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَزِمَهُ حُكْمُهُ وَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ أَنَّ الْمُدَّعَى خِلَافُهُ وَذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِأَمْرِ الْفُرُوجِ وَاحْتِيَاطٌ لَهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمَعَافِرِيُّ رُوِيَ فِيهِ وَالْعِتْقُ وَلَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ لَيْسَ مِنْهُ شَيْءٌ عَلَى شَرْطِ الصَّحِيحِ فَلَا كَلَامَ وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ ضَعِيفٌ فَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ يُحَسَّنُ كَمَا قَالَ التِّرْمِذِيُّ
(بَاب نَسْخِ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ)
(وَالْمُطَلَّقَاتُ يتربصن) أي ينتظرن (ثلاثة قروء) جَمْعُ قَرْءٍ بَالْفَتْحِ وَهُوَ الطُّهْرُ أَوِ الْحَيْضُ قَوْلَانِ (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خلق الله في أرحامهن) من الولد أو الحيض (اية) بالغصب أَيْ أَتِمَّ الْآيَةَ وَتَمَامُ الْآيَةِ (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ والله عزيز حكيم) فَهُوَ أَحَقُّ بِرَجْعَتِهَا وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا كَلِمَةُ إِنْ وَصْلِيَّةٌ (فَنُسِخَ ذَلِكَ) أَيْ كَوْنُ الرَّجُلِ أَحَقَّ بِرَجْعَةِ امْرَأَتِهِ وَإِنْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا (فَقَالَ الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ الْآيَةَ) أَيِ التَّطْلِيقُ الشَّرْعِيُّ مَرَّةٌ بَعْدَ مَرَّةٍ عَلَى التَّفْرِيقِ دُونَ الْجَمْعِ وَالْإِرْسَالِ دَفْعَةً
وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ (الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بمعروف أو تسريح بإحسان) أَيْ فَعَلَيْكُمْ إِمْسَاكُهُنَّ بَعْدَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ لَمْ يَذْكُر أَبُو دَاوُدَ فِي النُّسَخ غَيْر هَذَيْنَ
وَفِيهِ أَحَادِيث أَصَحّ وَأَصْرَح مِنْهَا مِنْهَا حَدِيث مَالِك عَنْ هِشَام بْن عُرْوَة عَنْ أَبِيهِ قَالَ كَانَ الرَّجُل إِذَا طَلَّقَ اِمْرَأَته ثُمَّ اِرْتَجَعَهَا قَبْل أَنْ تَنْقَضِي عِدَّتهَا كَانَ ذَلِكَ لَهُ وَإِنْ طَلَّقَهَا أَلْف مَرَّة فَعَمَد رَجُل إِلَى اِمْرَأَةٍ لَهُ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ أَمْهَلَهَا حَتَّى إِذَا شَارَفَتْ اِنْقِضَاء عِدَّتهَا اِرْتَجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا وَقَالَ وَاَللَّه لَا آوِيك إِلَيَّ
وَلَا تَحِلِّينَ أَبَدًا فَأَنْزَلَ اللَّه عَزَّ
стр. 1944
التَّطْلِيقَتَيْنِ بِأَنْ تُرَاجِعُوهُنَّ مِنْ غَيْرِ ضِرَارٍ أَوْ إِرْسَالَهُنَّ بِإِحْسَانٍ
قَالَ فِي مَعَالِمِ التَّنْزِيلِ رُوِيَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ كَانَ النَّاسُ فِي الِابْتِدَاءِ يُطَلِّقُونَ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ وَلَا عَدٍّ وَكَانَ الرَّجُلُ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ فَإِذَا قَارَبَتِ انْقِضَاءَ عِدَّتِهَا رَاجَعَهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا كَذَلِكَ ثُمَّ راجعها يقصد مضارتها فنزلت الطلاق مرتان يَعْنِي الطَّلَاقُ الَّذِي يَمْلِكُ الرَّجْعَةَ عَقِيبَهُ مَرَّتَانِ فَإِذَا طَلَّقَ ثَلَاثًا فَلَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا بَعْدَ نِكَاحِ زَوْجٍ آخَرَ انْتَهَى
وَاعْلَمْ أَنَّ نَسْخَ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ إِنَّمَا هُوَ إِذَا كَانَتْ مُفَرَّقَةً فِي ثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ لحديث بن عَبَّاسٍ كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ
رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَسَيَأْتِي فِي هَذَا الْكِتَابِ أَيْضًا
فَيَجُوزُ للرجل أن يراجع امرأته بعد ما طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ كَمَا يَجُوزُ له الرجعة بعد ما طَلَّقَهَا وَاحِدَةً
فَإِنْ قُلْتَ يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يدعي أن حديث بن عَبَّاسٍ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ الْمُرْسَلَةِ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَاحِدَةً مَنْسُوخٌ أَيْضًا بِحَدِيثِ الْبَابٌ فَمَا الْجَوَابُ قُلْتُ دَعْوَى نَسْخِ حديث بن عَبَّاسٍ مَوْقُوفٌ عَلَى ثُبُوتِ مُعَارِضٍ مُقَاوِمٍ مُتَرَاخٍ فَأَيْنَ هَذَا
وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَابِ فَلَوْ صَحَّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجَّةٌ فَإِنَّهُ إِنَّمَا فِيهِ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ وَيُرَاجِعُهَا بِغَيْرِ عَدَدٍ فَنُسِخَ ذَلِكَ وَقُصِرَ عَلَى ثَلَاثٍ فِيهَا تَنْقَطِعُ الرَّجْعَةُ فَأَيْنَ فِي ذَلِكَ الْإِلْزَامُ بَالثَّلَاثِ بِفَمٍ وَاحِدٍ ثُمَّ كَيْفَ يَسْتَمِرُّ الْمَنْسُوخُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵁ لَا تَعْلَمُ بِهِ الْأُمَّةُ وَهُوَ مِنْ أَهَمِّ الْأُمُورِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِحِلِّ الْفُرُوجِ ثُمَّ كَيْفَ يَقُولُ عُمَرُ ﵁ إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي شَيْءٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ وَهَلْ لِلْأُمَّةِ أَنَاةٌ فِي الْمَنْسُوخِ بِوَجْهٍ مَا ثُمَّ كَيْفَ يُعَارَضُ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ بِحَدِيثِ الْبَابِ الَّذِي فِيهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَفِيهِ مَقَالٌ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَجَلَّ (الطَّلَاق مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ فَاسْتَقْبَلَ النَّاس الطَّلَاق جَدِيدًا مِنْ يَوْمئِذٍ مَنْ كَانَ مِنْهُمْ طَلَّقَ أَوْ لَمْ يُطَلِّق ورواه الترمذي متصلا عن عائشة ثم قال وَالْمُرْسَل أَصَحّ
وَفِيهِ حَدِيث عَائِشَة فِي اِمْرَأَة رِفَاعَة وَقَوْل النَّبِيّ ﷺ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَته وَيَذُوق عُسَيْلَتك وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ صَرِيح فِي تَحْرِيمهَا عَلَيْهِ بَعْد الطَّلْقَة الثَّالِثَة
стр. 1945
(وَإِخْوَتِهِ) بَالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى رُكَانَةَ أَيْ وَأَبُو إِخْوَةِ رُكَانَةَ (أُمَّ رُكَانَةَ) بَالنَّصْبِ مَفْعُولُ طَلَّقَ (فَقَالَتْ مَا يُغْنِي) أَيْ أَبُو رُكَانَةَ (إِلَّا كَمَا تُغْنِي هَذِهِ الشَّعْرَةُ) تُرِيدُ أَنَّهُ عِنِّينٌ (فأخذت النَّبِيَّ ﷺ حَمِيَّةٌ) بَالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ أَيْ غَيْرَةٌ وَغَضَبٌ (أَتَرَوْنَ فُلَانًا يشبه منه كذا وكذا من عبديزيد) أَيْ أَنَّ رُكَانَةَ وَإِخْوَتَهُ مُتَشَابِهُونَ فِي الْخِلْقَةِ وَالصُّورَةِ فَهُمْ أَوْلَادُهُ وَلَا شَكَّ فِي رُجُولِيَّتِهِ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَتِ امْرَأَتُهُ الْمُزَنِيَّةُ (فَفَعَلَ) أَيْ فَطَلَّقَهَا (أُمَّ رُكَانَةَ) بَالنَّصْبِ بَدَلٌ مِنَ امْرَأَتِكَ (وَإِخْوَتِهِ) بَالْجَرِّ أَيْ وَأُمَّ إِخْوَتِهِ (طَلَّقَهَا ثَلَاثًا) أَيْ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ (قَدْ عَلِمْتُ رَاجِعْهَا) أَيْ قَدْ عَلِمْتُ أَنَّكَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا وَلَكِنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ وَاحِدَةٌ فَرَاجِعْهَا
وَلَفْظُ أَحْمَدَ طَلَّقَ رُكَانَةَ امْرَأَتَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ثَلَاثًا فَحَزِنَ عَلَيْهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَإِنَّهَا وَاحِدَةٌ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ تَقَعُ وَاحِدَةً وَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا وَهُوَ الْحَقُّ الثَّابِتُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَسَيَجِيءُ تَحْقِيقُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى ياأيها النبي إذا طلقتم النساء
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ والحديث الذي رححه أَبُو دَاوُدَ هُوَ حَدِيث نَافِع بْن عُجَيْر أَنَّ رُكَانَة بْن عُبَيْد طَلَّقَ اِمْرَأَته سُهْمَةِ الْبَتَّة فَأُخْبِر بِذَلِكَ النَّبِيّ ﷺ وَقَالَ وَاَللَّه مَا أَرَدْت إِلَّا وَاحِدَة فَقَالَ النَّبِيّ ﷺ وَاَللَّه مَا أَرَدْت إِلَّا وَاحِدَة فَقَالَ رُكَانَة وَاَللَّه مَا أَرَدْت إِلَّا وَاحِدَة فَرَدَّهَا إِلَيْهِ رَسُول اللَّه ﷺ فَطَلَّقَهَا الثَّانِيَة فِي زَمَن عُمَر ﵁ وَالثَّالِثَة فِي زَمَن عُثْمَان ﵁ قَالَ أبو داود وهذا أصح من حديث بن جُرَيْج يَعْنِي الْحَدِيث الَّذِي قَبْل هَذَا
تَمَّ كَلَامه
وَهَذَا هُوَ الْحَدِيث الَّذِي ضَعَّفَهُ الْإِمَام أَحْمَد وَالنَّاس فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَة عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ بْن السَّائِب عَنْ نَافِع بْن عُجَيْر عَنْ رُكَانَة وَمِنْ رِوَايَة الزُّبَيْر بْن سَعِيد عَنْ عَبْد اللَّه بْن عَلِيّ بْن يَزِيد بْن رُكَانَة عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه وَكُلّهمْ ضُعَفَاء وَالزُّبَيْر أَضْعَفهمْ وَضَعَّفَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيث قَالَ عَلِيّ بْن يَزِيد بْن رُكَانَة عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَصِحّ حَدِيثه
стр. 1946
الْخِطَابُ لِلنَّبِيِّ بِلَفْظِ الْجَمْعِ أَوْ عَلَى إِرَادَةِ ضم أمته إليه والتقدير ياأيها النبي وَأُمَّتَهُ وَقِيلَ هُوَ عَلَى إِضْمَارِ قُلْ أَيْ قل لأمتك
والثاني أليق فخص النبي ﵊ بَالنِّدَاءِ لِأَنَّهُ إِمَامُ أُمَّتِهِ اعْتِبَارًا بِتَقَدُّمِهِ وَعَمَّمَ بالخطاب كما يقال لأمير القوم يافلان افْعَلُوا كَذَا
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ فَطَلِّقُوهُنَّ لعدتهن أَيْ عِنْدَ ابْتِدَاءِ شُرُوعِهِنَّ فِي الْعِدَّةِ وَاللَّامُ لِلتَّوْقِيتِ كَمَا يُقَالُ لَقِيتُهُ لِلَيْلَةٍ بَقِيَتْ مِنَ الشَّهْرِ
قَالَ مُجَاهِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فَطَلِّقُوهُنَّ لعدتهن قال بن عَبَّاسٍ فِي قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ
أَخْرَجَهُ الطَّبَرِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ
قَالَهُ الْحَافِظُ (وَحَدِيثُ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ) مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ قَوْلُهُ أَصَحُّ وَحَدِيثُ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ يَأْتِي فِي بَابِ فِي الْبَتَّةَ (وَعَبْدُ الله بن علي بن يزيد بن ركانة) بَالْجَرِّ عَطْفٌ عَلَى نَافِعٍ أَيْ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ
وَحَدِيثُهُ أَيْضًا يَأْتِي فِي الباب المذكور (أصح) أي من حديث بن عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ وَالْحَاصِلُ أَنْ حَدِيثَ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ وَحَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ الْآتِيَيْنِ أصح من حديث بن عَبَّاسٍ الْمَذْكُورِ
وَبَيْنَ وَجْهِ كَوْنِهِمَا أَصَحَّ مِنْهُ بِقَوْلِهِ (لِأَنَّهُمْ وَلَدُ الرَّجُلِ إِلَخْ) وَحَاصِلُهُ أَنَّ نَافِعَ بْنَ عُجَيْرٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَلَيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ مِنْ أَوْلَادِ رُكَانَةَ وهما
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَأَمَّا قَوْل أَبِي دَاوُدَ إِنَّهُ أَصَحّ مِنْ حديث بن جريج فلأن بن جُرَيْج رَوَاهُ عَنْ بَعْض بَنِي رَافِع مَوْلَى النَّبِيّ ﷺ عَنْ عِكْرِمَة عن بن عَبَّاس وَلِأَبِي رَافِع بَنُونَ لَيْسَ فِيهِمْ مَنْ يُحْتَجّ بِهِ إِلَّا عُبَيْد اللَّه بْن رَافِع وَلَا نَعْلَم هَلْ هُوَ هَذَا أَوْ غَيْره وَلِهَذَا وَاَللَّه أَعْلَم رَجَّحَ أَبُو دَاوُدَ حَدِيث نافع بن عُجَيْر عَلَيْهِ وَلَكِنْ قَدْ رَوَاهُ الْإِمَام أَحْمَد في مسنده من حديث بن إِسْحَاق حَدَّثَنِي دَاوُدَ بْن الْحُصَيْن عَنْ عِكْرِمَة عن بن عَبَّاس
وَهَذَا أَصَحّ مِنْ حَدِيث نَافِع بْن عجير ومن حديث بن جُرَيْج
وَقَدْ صَحَّحَ الْإِمَام أَحْمَد هَذَا السَّنَد فِي قِصَّة رَدّ زَيْنَب اِبْنَة رَسُول اللَّه ﷺ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بن الربيع وقال الصحيح حديث بن عباس أن رسول الله ﷺ رَدَّهَا عَلَى أَبِي الْعَاصِ بِالنِّكَاحِ الْأَوَّل وهو بهذا الإسناد بعينه من رواية بن إِسْحَاق عَنْ دَاوُدَ بْن الحصين عَنْ عِكْرِمَة عن بن عَبَّاس
وَهَكَذَا ذَكَر الثَّوْرِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ أَنَّ رِوَايَة بن إِسْحَاق هِيَ الصَّوَاب
وَحَكَمُوا لَهُ عَلَى رِوَايَة حَجَّاج بْن أَرْطَاةَ عَنْ عَمْرو بْن شُعَيْب عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّه أَنَّ النَّبِيّ ﷺ رَدَّهَا عَلَيْهِ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَحَجَّاج بْن أَرْطَاةَ أَعْرَف مِنْ نَافِع بْن عُجَيْر وَمَنْ مَعَهُ
وَبِالْجُمْلَةِ فَأَبُو دَاوُدَ لَمْ يَتَعَرَّض لِحَدِيثِ مُحَمَّد بْن إِسْحَاق وَلَا ذَكَره
والله أعلم
стр. 1947
قَدْ بَيَّنَا فِي حَدِيثِهِمَا أَنَّ رُكَانَةَ إِنَّمَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ فَحَدِيثُهُمَا أَصَحُّ لِأَنَّ أَوْلَادَ الرَّجُلِ أَعْلَمُ بِمَا جَرَى بِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ
وَالْمُؤَلِّفُ ﵀ يُعِيدُ كَلَامَهُ هَذَا بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِهِمَا فِي بَابِ فِي الْبَتَّةَ وَهُنَاكَ يَظْهَرُ لَكَ مَا فِيهِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي إِسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ مَقَالٌ لِأَنَّ بن جُرَيْجٍ إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ بَعْضِ بَنِي أَبِي رَافِعٍ وَلَمْ يُسَمِّهِ وَالْمَجْهُولُ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ
وَحُكِيَ أَيْضًا أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ كَانَ يُضَعِّفُ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ كُلَّهَا انْتَهَى
حَتَّى ظَنَنْتُ أَنَّهُ رَادُّهَا إِلَيْهِ) أَيْ حتى ظننت أن بن عَبَّاسٍ يَرُدُّ الْمَرْأَةَ إِلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ (فَيَرْكَبُ الْحَمُوقَةَ) أَيْ يَفْعَلُ فِعْلَ الْأَحْمَقِ (عَصَيْتَ رَبَّكَ) أَيْ بِتَطْلِيقِكَ الثَّلَاثَ دَفْعَةً (فَطَلِّقُوهُنَّ فِي قُبُلِ عدتهن) قال النووي هذه قراءة بن عباس وبن عُمَرَ وَهِيَ شَاذَّةٌ لَا يَثْبُتُ قُرْآنًا بَالْإِجْمَاعِ وَلَا يَكُونُ لَهَا حُكْمُ خَبَرِ الْوَاحِدِ عِنْدنَا وَعِنْدَ مُحَقِّقِي الْأُصُولِيِّينَ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ نُقِلَتْ هَذِهِ الْقِرَاءَةُ أَيْضًا عَنْ أُبَيٍّ وَعُثْمَانَ وَجَابِرٍ وعلي بن الحسين وغيرهم انتهى
وفتوى بن عَبَّاسٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا مَجْمُوعَةً بَانَتْ مِنْهُ لَكِنْ هَذَا رَأْيُهُ وَرِوَايَتُهُ الْمَرْفُوعَةُ الصَّحِيحَةُ الْآتِيَةُ فِي هَذَا الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَبِينُ مِنْهُ بَلْ تَكُونُ الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ الْمَجْمُوعَةُ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً وَالْمُعْتَبَرُ هُوَ رِوَايَةُ الرَّاوِي لَا رَأْيُهُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي مَقَرِّهِ
وَأَيْضًا سَيَأْتِي عَنِ بن عَبَّاسٍ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ أَنَّهُ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ ثلاثا بفم واحد فهي واحدة
ففتوى بن عَبَّاسٍ هَذَا يُنَاقِضُ فَتْوَاهُ الْأَوَّلُ فَإِذَنْ لَمْ يَبْقَ الِاعْتِبَارُ إِلَّا عَلَى رِوَايَتِهِ
ثُمَّ أَوْرَدَ أبو داود عدة متابعات لفتوى بن عَبَّاسٍ وَقَالَ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَى هَذَا الحديث
стр. 1948
حميد الأعرج وغيره عن مجاهد عن بن عَبَّاسٍ) هَذَا هُوَ الْمُتَابِعُ الْأَوَّلُ (وَرَوَاهُ شُعْبَةُ إلى قوله عن بن عباس) هو المتابع الثاني (وأيوب وبن جريج إلى عن بن عباس) أي روى هذا الحديث أيوب وبن جريج الخ وهو الثالث من المتابعات (وبن جريج عن عبد الحميد إلى عن بن عباس) أي روى هذا الحديث بن جُرَيْجٍ إِلَخْ وَهُوَ الرَّابِعُ مِنَ الْمُتَابِعَاتِ (وَرَوَاهُ الأعمش إلى عن بن عباس) هو الخامس من المتابعات (وبن جريج عن عمرو بن دينار عن بن عَبَّاسٍ) هُوَ السَّادِسُ مِنَ الْمُتَابِعَاتِ (كُلُّهُمْ قَالُوا فِي الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ إِنَّهُ أَجَازَهَا) أَيْ أَمْضَاهَا وَلَمْ يَقُلْ إِنَّهَا وَاحِدَةٌ (قَالَ وَبَانَتْ مِنْكَ) هَذَا بَيَانٌ لِقَوْلِهِ أَجَازَهَا (نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ) بَالنَّصْبِ أَيْ كُلَّهُمْ قَالُوا نَحْوَ حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ (بِفَمٍ وَاحِدٍ) أَيْ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ (فَهِيَ وَاحِدَةٌ) فتوى بن عَبَّاسٍ هَذَا يُوَافِقُ رِوَايَتَهُ الْآتِيَةَ وَإِسْنَادَهُ عَلَى ما قال بن الْقَيِّمِ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ (وَرَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ عِكْرِمَةَ هَذَا) أَيْ كَوْنُ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ بِفَمٍ وَاحِدٍ وَاحِدَةٌ (قَوْلُهُ) أَيْ قَوْلُ عِكْرِمَةَ (وَلَمْ يَذْكُرْ) أَيْ إِسْمَاعِيلُ بن إبراهيم (بن عباس) بالنصب على المفعولية
واعلم أن بن عَبَّاسٍ كَمَا كَانَ يُفْتِي بِأَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ كَذَلِكَ كَانَ يُفْتِي بِهِ صَاحِبُهُ عِكْرِمَةُ أَيْضًا فَحَدَّثَ أَيُّوبُ عَنْهُ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَتْوَى بن عَبَّاسٍ وَحَدَّثَ بَعْضَهُمْ فَتْوَاهُ نَفْسُهُ (وَصَارَ قَوْلُ بن عَبَّاسٍ إِلَى قَوْلِهِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ) وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
وَغَرَضُ الْمُؤَلِّفِ أَنَّ بن عَبَّاسٍ تَرَكَ الْإِفْتَاءَ بِكَوْنِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً وَصَارَ قَائِلًا بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَحِلُّ
стр. 1949
بَعْدَ الثَّلَاثِ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَلَكِنْ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ أَيُّوبَ قَالَ دَخَلَ الْحَكَمُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى الزُّهْرِيِّ وَأَنَا مَعَهُمْ فَسَأَلُوهُ عَنِ الْبِكْرِ تُطَلَّقُ ثَلَاثًا فقال سئل عن ذلك بن عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَكُلُّهُمْ قَالُوا لَا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زوجا غيره قال فخرج الحكم فأتى طاؤسا وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ فَسَأَلَهُ عَنْ قول بن عَبَّاسٍ فِيهَا وَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ الزُّهْرِيِّ قَالَ فَرَأَيْتُ طاؤسا رَفَعَ يَدَيْهِ تَعَجُّبًا مِنْ ذَلِكَ
وَقَالَ وَاللَّهِ ما كان بن عَبَّاسٍ يَجْعَلُهَا إِلَّا وَاحِدَةً (وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى) وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَلَفْظُهُ مَالِكٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُكَيْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَشَجِّ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ الْأَنْصَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَاصِمِ بْنِ عُمَرَ قَالَ فَجَاءَهُمَا مُحَمَّدُ بْنُ إِيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ فَقَالَ إِنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَمَاذَا تَرَيَانِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ إِنَّ هَذَا الْأَمْرَ مَا بَلَغَ لَنَا فِيهِ قَوْلٌ فَاذْهَبْ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنِّي تَرَكْتُهُمَا عِنْدَ عَائِشَةَ فَاسْأَلْهُمَا ثُمَّ آتِنَا فَأَخْبِرْنَا فَذَهَبَ فَسَأَلَهُمَا فقال بن عباس لأبي هريرة أفته ياأبا هُرَيْرَةَ فَقَدْ جَاءَتْكَ مُعْضِلَةٌ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غيره وقال بن عَبَّاسٍ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْضًا
قَالَ مَالِكٌ وَعَلَى ذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا
قَالَ مَالِكٌ وَالثَّيِّبُ إِذَا مَلَكَهَا الرَّجُلُ وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا إِنَّهَا تَجْرِي مَجْرَى الْبِكْرِ الْوَاحِدَةُ تُبِينُهَا وَالثَّلَاثُ تُحَرِّمُهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ انْتَهَى
(قَالَ أَبُو دَاوُدَ وقول بن عَبَّاسٍ إِلَى قَوْلِهِ هَذَا مِثْلُ خَبَرُ الصَّرْفِ قَالَ فِيهِ ثُمَّ إِنَّهُ رَجَعَ عَنْهُ
стр. 1950
الصَّرْفُ بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ دَفْعُ ذَهَبٍ وَأَخْذُ فِضَّةٍ وَعَكْسُهُ
قَالَهُ الْحَافِظُ وَالْأَوْلَى فِي تَعْرِيفِ الصَّرْفِ أَنْ يُقَالَ هُوَ بَيْعُ النُّقُودِ وَالْأَثْمَانِ بِجِنْسِهَا
واعلم أن بن عَبَّاسٍ كَانَ يَعْتَقِدُ أَوَّلًا أَنَّهُ لَا رِبَا فِيمَا كَانَ يَدًا بِيَدٍ وَأَنَّهُ يَجُوزُ بَيْعُ دِرْهَمٍ بِدِرْهَمَيْنِ وَدِينَارٍ بِدِينَارَيْنِ وَصَاعِ تَمْرٍ بِصَاعَيْ تَمْرٍ وَكَذَا الْحِنْطَةُ وَسَائِرُ الرِّبَوِيَّاتِ وَكَانَ مُعْتَمَدُهُ حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ بِتَحْرِيمِ بَيْعِ الْجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ حِينَ بَلَغَهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ كَمَا ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ
وَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ حَيَّانَ الْعَدَوِيِّ سَأَلْتُ أَبَا مِجْلَزَ عَنِ الصَّرْفِ فَقَالَ كَانَ بن عَبَّاسٍ لَا يَرَى بِهِ بَأْسًا زَمَانًا مِنْ عُمْرِهِ مَا كَانَ مِنْهُ عَيْنًا بِعَيْنٍ يَدًا بِيَدٍ وَكَانَ يَقُولُ إِنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ فَلَقِيَهُ أَبُو سَعِيدٍ فَذَكَرَ الْقِصَّةَ وَالْحَدِيثَ وَفِيهِ التَّمْرُ بَالتَّمْرِ وَالْحِنْطَةُ بَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرُ بَالشَّعِيرِ وَالذَّهَبُ بَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةُ بَالْفِضَّةِ يَدًا بِيَدٍ مِثْلًا بِمِثْلٍ فمن زاد فهو ربا
فقال بن عَبَّاسٍ أَسْتَغْفِرُ اللَّهَ وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فَكَانَ يَنْهَى عَنْهُ أَشَدَّ النَّهْيِ
فَإِذَا عَرَفْتَ هَذَا فَاعْلَمْ أن المؤلف يقول إن بن عَبَّاسٍ كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا بِجَعْلِ الطَّلَاقِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ
وَقَالَ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ كَمَا كَانَ يَقُولُ أَوَّلًا فِي الصَّرْفِ مِنْ أَنَّهُ لَا رِبَا إِلَّا فِي النَّسِيئَةِ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ وَقَالَ بِرِبَا الْفَضْلِ
قُلْتُ رُجُوعُهُ فِي مَسْأَلَةِ الصَّرْفِ بِبَلُوغِ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ واستغفاره عما أفتى أولا ونهيه عند أَشَدَّ النَّهْيِ ظَاهِرةٌ لَا سُتْرَةَ فِيهِ وَأَمَّا رُجُوعُهُ فِي مَسْأَلَةِ الطَّلَاقِ فَفِيهِ خَفَاءٌ كَيْفَ وَلَمْ يَثْبُتْ لَا بِسَنَدٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ أَنَّهُ بَلَغَهُ رِوَايَةٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ نَاسِخَةٌ لِرِوَايَتِهِ الْآتِيَةِ مُوجِبَةٌ لِرُجُوعِهِ عَنْهَا وَكَذَا لَمْ يَرِدْ فِي شَيْءٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ اسْتَغْفَرَ عَنْ جَعْلِ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً أَوْ نَهَى عَنْهُ أَحَدًا وَأَمْرُ الطَّلَاقِ أَشَدُّ من أمر الربا
وإفتائه بِخِلَافِ رِوَايَتِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ عَلَى وُجُودِ نَاسِخٍ لِرِوَايَتِهِ
وَسَيَأْتِي وَجْهٌ وَجِيهٌ لِإِفْتَائِهِ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ في كلام الإمام بن القيم إن شاء الله تعالى
(قال بن عَبَّاسٍ بَلَى كَانَ الرَّجُلُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا إِلَى قَوْلِهِ قَدْ تَتَابَعُوا فِيهَا) أَيْ فِي التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ دَفْعَةً وَقَوْلُهُ تَتَابَعُوا بَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفِي بَعْضِ النسخ
стр. 1951
تَتَايَعُوا بِيَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتٍ وَهُمَا بِمَعْنًى أَيْ أَسْرَعُوا فِي التَّطْلِيقَاتِ الثَّلَاثِ بِأَنْ أَوْقَعُوهَا دَفْعَةً (قَالَ أَجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ) أَيْ أَمْضُوا الثَّلَاثَ عَلَيْهِمْ
وَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ مَنْ ذَهَبَ إن أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ إِنْ كَانَتْ مَدْخُولَةً وَقَعَتِ الثَّلَاثُ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مَدْخُولَةً فَوَاحِدَةٌ
وَيُجَابُ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِقَبْلِ الدُّخُولِ لَا يُنَافِي صِدْقَ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الصَّحِيحَةِ عَلَى الْمُطَلَّقَةِ بَعْدَ الدُّخُولِ وَغَايَةُ مَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ وَقَعَ فِيهَا التَّنْصِيصُ عَلَى بَعْضِ أَفْرَادِ مَدْلُولِ الرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الْآتِيَةِ بَعْدَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ الِاخْتِصَاصَ بَالْبَعْضِ الَّذِي وَقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ ضَعِيفَةٌ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ الرُّوَاةُ عن طاؤس مَجَاهِيلُ التَّتَايُعُ التَّهَافُتُ فِي الشَّيْءِ وَاللِّجَاجِ وَلَا يَكُونُ التَّتَايُعُ بَالْيَاءِ إِلَّا بَالشَّرِّ وَوَقَعَ عَنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ بَالْبَاءِ بِوَاحِدَةٍ وَالْأَكْثَرُ عَلَى الْأَوَّلِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
(أَنَّ أَبَا الصَّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَتَعْلَمُ إِلَخْ) وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عن بن عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكْرٍ وَسَنَتَيْنِ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةٌ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِنَّ النَّاسَ قَدِ اسْتَعْجَلُوا فِي أَمْرٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فلو أمضيناه
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ قَالَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا الْحَدِيث أَحَد مَا اِخْتَلَفَ فِيهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِم وَتَرَكَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَظُنّهُ إِنَّمَا تَرَكَهُ لِمُخَالَفَتِهِ سَائِر الرِّوَايَات عن بن عَبَّاس وَسَاقَ الرِّوَايَات عَنْهُ ثُمَّ قَالَ فَهَذِهِ رِوَايَة سَعِيد بْن جُبَيْر وَعَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَمُجَاهِد وَعِكْرِمَة وَعُمَر بْن دِينَار وَمَالِك بْن الْحَارِث وَمُحَمَّد بْن إِيَاس بْن الْبُكَيْر وَرَوَيْنَاهُ عَنْ مُعَاوِيَة بْن أَبِي عَيَّاش الْأَنْصَارِيّ كلهم عن بن عباس أنه أجاز الثلاث وأمضاهن قال بن الْمُنْذَر فَغَيْر جَائِز أَنْ نَظُنّ بِابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ يَحْفَظ عَنْ النَّبِيّ ﷺ شَيْئًا ثُمَّ يُفْتِي بِخِلَافِهِ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فإن كان يعني قول بن عَبَّاس إِنَّ الثَّلَاث كَانَتْ تُحْتَسَب عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه ﷺ يَعْنِي أَنَّهُ بِأَمْرِ رَسُول اللَّه ﷺ فَاَلَّذِي يُشْبِه وَاَللَّه أَعْلَم أَنْ يَكُون بن عَبَّاس قَدْ عَلِمَ أَنْ كَانَ شَيْءٌ فَنُسِخَ
قال البيهقي
ورواية عكرمة عن بن عَبَّاس فِيهَا تَأْكِيد لِصِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيل يُرِيد الْبَيْهَقِيّ الْحَدِيث الَّذِي ذَكَره أَبُو دَاوُدَ فِي بَاب نَسْخ الْمُرَاجَعَة وَقَدْ تَقَدَّمَ
стр. 1952
عَلَيْهِمْ فَأَمْضَاهُ عَلَيْهِمْ
وَقَوْلُهُ أَنَاةٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ مُهْلَةٌ وَبَقِيَّةُ اسْتِمْتَاعٍ لِانْتِظَارِ الْمُرَاجَعَةِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ
وَهَذَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ إِذَا أُوقِعَتْ مَجْمُوعَةً وَقَعَتْ وَاحِدَةً قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ علي وبن مَسْعُودٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ نَقَلَ ذلك بن مُغِيثٍ فِي كِتَابِ الْوَثَائِقِ لَهُ وَعَزَاهُ لِمُحَمَّدِ بن وضاح ونقل الغنوي ذلك عن جماعة مِنْ مَشَايِخِ قُرْطُبَةَ كَمُحَمَّدِ بْنِ تَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيِّ وَغَيْرِهِمَا ونقله بن المنذر عن أصحاب بن عَبَّاسٍ كَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَيَتَعَجَّبُ من بن التِّينِ حَيْثُ جَزَمَ بِأَنَّ لُزُومَ الثَّلَاثِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ فِي التَّحْرِيمِ مَعَ ثُبُوتِ الِاخْتِلَافِ كَمَا تَرَى انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ بن الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ وَهَذَا خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَالصَّحَابَةُ كُلُّهُمْ مَعَهُ فِي عَصْرِهِ وَثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ عَصْرِ عُمَرَ ﵁ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ فَلَوْ عَدَّهُمُ الْعَادُّ بِأَسْمَائِهِمْ وَاحِدًا وَاحِدًا أَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ إِمَّا بِفَتْوَى وَإِمَّا بِإِقْرَارٍ عَلَيْهَا وَلَوْ فُرِضَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَرَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُنْكِرًا لِلْفَتْوَى بِهِ بَلْ كَانُوا مَا بَيْنَ مُفْتٍ وَمُقِرٍّ بِفُتْيَا وَسَاكِتٍ غَيْرِ مُنْكِرٍ وَهَذَا حَالُ كُلِّ صَحَابِيٍّ مِنْ عَهْدِ الصِّدِّيقِ ﵁ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَهُمْ يَزِيدُونَ عَلَى الْأَلْفِ قَطْعًا كَمَا ذَكَرَ يونس بن بكير عن بن إِسْحَاقَ وَكُلُّ صَحَابِيٍّ مِنْ لَدُنْ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ إِلَى ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ ﵄ كَانَ عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاس بْن سُرَيْج يُمْكِن أَنْ يَكُون ذَلِكَ إِنَّمَا جَاءَ فِي نَوْعٍ خَاصٍّ مِنْ الطَّلَاق الثَّلَاث وَهُوَ أَنْ يُفَرِّق بَيْن اللَّفْظ
كَأَنْ يَقُول أَنْتِ طَالِق أَنْتِ طَالِق أَنْتِ طَالِق وَكَانَ فِي عَهْد النَّبِيّ ﷺ وَعَهْد أَبِي بَكْر وَالنَّاس عَلَى صِدْقهمْ وَسَلَامَتهمْ لَمْ يَكُنْ ظَهَرَ فِيهِمْ الْخِبّ وَالْخِدَاع فَكَانُوا يَصْدُقُونَ أَنَّهُمْ أَرَادُوا بِهِ التَّوْكِيد وَلَا يُرِيدُونَ الثَّلَاث
وَلَمَّا رَأَى عُمَر ﵁ فِي زَمَانه أُمُورًا ظَهَرَتْ وَأَحْوَالًا تَغَيَّرَتْ مَنَعَ مِنْ حَمْل اللَّفْظ عَلَى التَّكْرَار فَأَلْزَمهُمْ الثَّلَاث
وَقَالَ بَعْضهمْ إِنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا جَاءَ فِي غَيْر الْمَدْخُول بِهَا وَذَهَبَ إلى هذا جماعة من أصحاب بن عَبَّاسٍ وَرَوَوْا أَنَّ الثَّلَاث لَا تَقَع عَلَى غَيْر الْمَدْخُول بِهَا لِأَنَّهَا بِالْوَاحِدَةِ تَبِين فَإِذَا قَالَ أَنْتِ طَالِق بَانَتْ وَقَوْله ثَلَاثًا وَقَعَ بَعْد الْبَيْنُونَة وَلَا يُعْتَدّ بِهِ وَهَذَا مَذْهَب إِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ
وَقَالَ بَعْضهمْ قَدْ ثَبَتَ عَنْ فَاطِمَة بِنْت قَيْسٍ أَنَّ أَبَا حَفْص بْن الْمُغِيرَة طَلَّقَهَا ثَلَاثًا فَأَبَانَهَا النَّبِيّ ﷺ وَلَمْ يَجْعَل لَهَا نَفَقَة ولا سكنى وفي حديث بن عُمَر أَنَّهُ قَالَ يَا رَسُول اللَّه أَرَأَيْت لَوْ طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا قَالَ إِذْن عَصَيْت رَبّك وَبَانَتْ مِنْك اِمْرَأَتك رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ
وَعَنْ عَلِيّ ﵁ أَنَّهُ قَالَ سَمِعَ النَّبِيّ ﷺ رَجُلًا طَلَّقَ اِمْرَأَته الْبَتَّة فَغَضِبَ وَقَالَ يَتَّخِذُونَ آيَات اللَّه هُزُوًا أَوْ دِين اللَّه هُزُوًا وَلَعِبًا مَنْ طَلَّقَ الْبَتَّة أَلْزَمْنَاهُ ثَلَاثًا لَا تَحِلّ لَهُ حَتَّى تَنْكِح زَوْجًا غَيْره رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا
стр. 1953
فَتْوَى أَوْ إِقْرَارٌ أَوْ سُكُوتٌ وَلِهَذَا ادَّعَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ هَذَا الْإِجْمَاعَ قَدِيمٌ وَلَمْ تَجْتَمِعِ الْأُمَّةُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ عَلَى خِلَافِهِ بَلْ لَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مَنْ يُفْتِي بِهِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ وَإِلَى يَوْمِنَا هَذَا فَأَفْتَى بِهِ حَبْرُ الْأُمَّةِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأَفْتَى أَيْضًا بَالثَّلَاثِ أَفْتَى بِهَذَا وَهَذَا وَأَفْتَى بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بن عوف حكاه عنهما بن وضاح وعن علي وبن مسعود روايتان كما عن بن عَبَّاسٍ
وَأَمَّا التَّابِعُونَ فَأَفْتَى بِهِ عِكْرِمَةُ وَأَفْتَى به طاؤس
وَأَمَّا تَابِعُو التَّابِعِينَ فَأَفْتَى بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ حَكَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ عَنْهُ وَأَفْتَى بِهِ خِلَاسُ بْنُ عَمْرٍو وَالْحَارِثُ الْعُكْلِيُّ
وَأَمَّا أَتْبَاعُ تَابِعِي التَّابِعِينَ فَأَفْتَى بِهِ دَاوُدُ بْنُ علي وأكثر أصحابه حكاه عنهم بن المغلس وبن حَزْمٍ وَغَيْرُهُمَا وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ مَالِكٍ حَكَاهُ التِّلِمْسَانِيُّ فِي شَرْحِ التَّفْرِيعِ لِابْنِ حَلَّابٍ قَوْلًا لِبَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُقَاتِلٍ وَأَفْتَى بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ حَكَاهُ شيخ الإسلام بن تَيْمِيَةَ عَنْهُ قَالَ وَكَانَ الْجَدُّ يُفْتِي بِهِ أَحْيَانًا انْتَهَى كَلَامُهُ
وَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ إِلَى أَنَّ الثَّلَاثَ تَقَعُ ثَلَاثًا وَحَدِيثُ بن عَبَّاسٍ الصَّحِيحُ الصَّرِيحُ فِي عَدَمِ وُقُوعِ الثَّلَاثِ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ
وَأُجِيبَ مَنْ قَبْلَهُمْ عَنْ حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ بِأَجْوِبَةٍ لَا يَخْلُو وَاحِدٌ مِنْهَا عَنِ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَسُّفِ وَمَحَلُّ بَسْطِهَا وَالْكَشْفِ عَمَّا فِيهَا هُوَ غَايَةُ الْمَقْصُودِ
وَلِلْقَائِلِينَ بِأَنَّ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ حَدِيثٌ آخَرُ صَحِيحٌ وَهُوَ مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِهِ حَدَّثَنَا سَعْدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ حَدَّثَنَا أَبِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ مولى بن عباس عن بن عباس قال طلق ركانة بن عبديزيد أَخُو بَنِي الْمُطَّلِبِ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا قَالَ فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَيْفَ طلقتها
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالُوا وَهَذِهِ الْأَحَادِيث أَكْثَر وَأَشْهَر مِنْ حَدِيث أَبِي الصَّهْبَاء وَقَدْ عَمِلَ بِهَا الْأَئِمَّة فَالْأَخْذ بِهَا أَوْلَى
وَقَالَ بَعْضهمْ الْمُرَاد أَنَّهُ كَانَ الْمُعْتَاد فِي زَمَن النَّبِيّ ﷺ تَطْلِيقَة وَاحِدَة وَقَدْ اِعْتَادَ النَّاس الْآن التَّطْلِيقَات الثَّلَاث وَالْمَعْنَى كَانَ الطَّلَاق الْمُوَقَّع الْآن ثَلَاثًا مُوَقَّعًا فِي عَهْد النَّبِيّ ﷺ وَأَبِي بَكْر وَاحِدَة
وَقَالَ بَعْضهمْ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيث أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَلَغَ النَّبِيّ ﷺ فَيُقِرّ عَلَيْهِ وَالْحُجَّة إِنَّمَا هِيَ فِي إِقْرَاره بَعْد بُلُوغه وَلَمَّا بَلَغَهُ طَلَاق رُكَانَة اِمْرَأَته الْبَتَّة اِسْتَحْلَفَهُ مَا أَرَدْت بِهَا إِلَّا وَاحِدَة وَلَوْ كَانَ الثَّلَاث وَاحِدَة لَمْ يَكُنْ لِاسْتِحْلَافِهِ مَعْنَى وَأَنَّهَا وَاحِدَة سَوَاء أَرَادَ بِهَا الثَّلَاث أَوْ الواحدة
стр. 1954
قَالَ طَلَّقْتُهَا ثَلَاثًا قَالَ فَقَالَ فِي مَجْلِسٍ واحد قال نعم قال فإنما تملك وَاحِدَةٌ فَأَرْجِعْهَا إِنْ شِئْتَ
قَالَ فَرَاجَعَهَا
فَكَانَ بن عَبَّاسٍ يَرَى إِنَّمَا الطَّلَاقُ عِنْدَ كُلِّ طُهْرٍ
قال بن الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ وَقَدْ صَحَّحَ الْإِمَامُ هَذَا الْإِسْنَادَ وَحَسَّنَهُ
قَالَ الْحَافِظُ فِي فَتْحِ الْبَارِي الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو يَعْلَى وَصَحَّحَهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ
وَهَذَا الْحَدِيثُ نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَ الَّذِي فِي غَيْرِهِ مِنَ الرِّوَايَاتِ
وَقَدْ أَجَابُوا عَنْهُ بِأَرْبَعَةِ أَشْيَاءٍ أَحَدُهَا أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ إِسْحَاقَ وَشَيْخَهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِمَا وَأُجِيبَ بِأَنَّهُمُ احْتَجُّوا فِي عِدَّةٍ مِنَ الْأَحْكَامِ بِمِثْلِ هَذَا الْإِسْنَادِ كَحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ رَدَّ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ زَيْنَبَ ابْنَتَهُ بَالنِّكَاحِ الْأَوَّلِ وَلَيْسَ كُلُّ مُخْتَلَفٍ فِيهِ مَرْدُودٌ
الثاني معارضته بفتوى بن عَبَّاسٍ بِوُقُوعِ الثَّلَاثِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ فَلَا يُظَنُّ بَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ هَذَا الْحُكْمُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ يُفْتِي بِخِلَافِهِ إِلَّا بِمُرَجِّحٍ ظَهَرَ لَهُ وَرَاوِي الْخَبَرِ أَخْبَرُ مِنْ غَيْرِهِ بِمَا رَوَى
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِرِوَايَةِ الرَّاوِي لَا بِرَأْيِهِ لِمَا يَطْرُقُ رَأْيُهُ مِنَ احْتِمَالِ النِّسْيَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
وَأَمَّا كَوْنُهُ تَمَسَّكَ بِمُرَجِّحٍ فَلَمْ يَنْحَصِرْ فِي الْمَرْفُوعِ لِاحْتِمَالِ التَّمَسُّكِ بِتَخْصِيصٍ أَوْ تَقْيِيدٍ أَوْ تَأْوِيلٍ وَلَيْسَ قَوْلُ مُجْتَهِدٍ حُجَّةً عَلَى مُجْتَهِدٍ آخَرَ
الثَّالِثُ أَنَّ أَبَا دَاوُدَ رَجَّحَ أَنَّ رُكَانَةَ إِنَّمَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ كَمَا أَخْرَجَهُ هُوَ مِنْ طَرِيقِ آلِ بَيْتِ رُكَانَةَ وَهُوَ تَعْلِيلٌ قَوِيٌّ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ رُوَاتِهِ حَمَلَ الْبَتَّةَ عَلَى الثَّلَاثِ فَقَالَ طَلِّقْهَا ثَلَاثًا فَبِهَذِهِ النُّكْتَةِ يَقِفُ الاستدلال بحديث بن عَبَّاسٍ الرَّابِعُ أَنَّهُ مَذْهَبٌ شَاذٌّ فَلَا يُعْمَلُ به
وأجيب بأنه نقل عن علي وبن مَسْعُودٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ مِثْلُهُ نقل ذلك بن مُغِيثٍ فِي كِتَابِ الْوَثَائِقِ لَهُ وَعَزَاهُ لِمُحَمَّدِ بن وضاح ونقل الغنوي ذلك عن جماعة مِنْ مَشَايِخِ قُرْطُبَةَ كَمُحَمَّدِ بْنِ تَقِيِّ بْنِ مَخْلَدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْخُشَنِيِّ وَغَيْرِهِمَا ونقله بن المنذر عن أصحاب بن عباس كعطاء وطاؤس وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَقَالَ بَعْضهمْ الْإِجْمَاع مُنْعَقِد عَلَى خِلَاف هَذَا الْحَدِيث وَالْإِجْمَاع مَعْصُوم مِنْ الْغَلَط وَالْخَطَأ دُون خَبَر الْوَاحِد
وَقَالَ بَعْضهمْ إِنَّمَا هَذَا فِي طَلَاق السُّنَّة
فَإِنَّهَا كَانَتْ عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه ﷺ يُرَاد بِهَا الواحدة كما أراد بها ركانة ثم تتايع النَّاس فِيهَا فَأَرَادُوا بِهَا الثَّلَاث فَأَلْزَمهُمْ عُمَر إِيَّاهَا
فَهَذِهِ عَشْرَة مَسَالِك لِلنَّاسِ فِي رَدّ هَذَا الْحَدِيث
وَقَالَ أَبُو بَكْر بْن الْعَرَبِيّ الْمَعَافِرِيّ فِي كِتَابه النَّاسِخ وَالْمَنْسُوخ (غَائِلَة) قَالَ تَعَالَى (الطَّلَاق مَرَّتَانِ) زَلَّ قَوْم فِي آخِر الزَّمَان فَقَالُوا إِنَّ الطَّلَاق الثَّلَاث فِي كَلِمَةٍ لَا يَلْزَم وَجَعَلُوهُ وَاحِدَة وَنَسَبُوهُ
стр. 1955
قُلْتُ قَدْ أَجَابَ الْحَافِظُ عَنِ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي وَالرَّابِعِ وَلَمْ يُجِبْ عَنِ الثَّالِثِ بَلْ قواه وجوابه ظاهر من كلام بن الْقَيِّمِ فِي الْإِغَاثَةِ حَيْثُ قَالَ إِنَّ أَبَا دَاوُدَ إِنَّمَا رَجَّحَ حَدِيثَ الْبَتَّةَ عَلَى حَدِيثِ بن جريج لأنه روى حديث بن جُرَيْجٍ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا مَجْهُولٌ وَلَمْ يَرْوِ أَبُو دَاوُدَ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَلِذَا رَجَّحَ أَبُو دَاوُدَ حَدِيثَ الْبَتَّةَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا رَوَاهُ فِي سُنَنِهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ
وَحَدِيثُ بن جُرَيْجٍ شَاهِدٌ لَهُ وَعَاضِدٌ فَإِذَا انْضَمَّ حَدِيثُ أبي الصهباء إلى حديث بن إسحاق وإلى حديث بن جُرَيْجٍ مَعَ اخْتِلَافِ مَخَارِجِهَا وَتَعَدُّدِ طُرُقِهَا أَفَادَ الْعِلْمُ بِأَنَّهَا أَقْوَى مِنَ الْبَتَّةَ بِلَا شَكٍّ
وَلَا يُمْكِنُ مَنْ شَمَّ رَوَائِحَ الْحَدِيثِ وَلَوْ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَرْتَابَ فِي ذَلِكَ فَكَيْفَ يُقَدِّمُ الْحَدِيثَ الضَّعِيفَ الَّذِي ضَعَّفَهُ الْأَئِمَّةُ وَرُوَاتُهُ مجاهيل على هذه الأحاديث انتهى كلام بن الْقَيِّمِ
فَإِنْ قُلْتَ قَدْ ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ بن عَبَّاسٍ أَنَّ الصَّحَابَةَ كُلَّهُمْ قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الثَّلَاثَ وَاحِدَةٌ فَكَيْفَ خَالَفَهُمْ عُمَرُ ﵁ حَيْثُ أَمْضَاهَا عَلَيْهِمْ
قُلْتُ لَمْ يُخَالِفْ عُمَرُ ﵁ إِجْمَاعَ مَنْ تَقَدَّمَهُ بَلْ رَأَى إِلْزَامَهُمْ بَالثَّلَاثِ عُقُوبَةً لَهُمْ لَمَّا عَلِمُوا أَنَّهُ حَرَامٌ وَتَتَابَعُوا فِيهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّ هَذَا سَائِغٌ لِلْأُمَّةِ أَنْ يُلْزِمُوا النَّاسَ مَا ضَيَّقُوا بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَقْبَلُوا فِيهِ رُخْصَةَ اللَّهِ وَتَسْهِيلَهُ وَرُخْصَتَهُ بَلِ اخْتَارُوا الشِّدَّةَ وَالْعُسْرَ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
إِلَى السَّلَف الْأَوَّل فَحَكَوْهُ عَنْ عَلِيّ وَالزُّبَيْر وعبد الرحمن بن عوف وبن مسعود وبن عَبَّاس وَعَزَوْهُ إِلَى الْحَجَّاج بْن أَرْطَاةَ الضَّعِيف الْمَنْزِلَة الْمَغْمُوز الْمَرْتَبَة وَرَوَوْا فِي ذَلِكَ حَدِيثًا لَيْسَ لَهُ أَصْل وَغَوَى قَوْم مِنْ أَهْل الْمَسَائِل
فَتَتَبَّعُوا الْأَهْوَاء الْمُبْتَدَعَة فِيهِ وَقَالُوا إِنَّ قَوْله أَنْتِ طَالِق ثَلَاثًا كَذِب لِأَنَّهُ لَمْ يُطَلِّق ثَلَاثًا كَمَا لَوْ قَالَ طَلَّقْت ثَلَاثًا وَلَمْ يُطَلِّق إِلَّا وَاحِدَة وَكَمَا لَوْ قَالَ أَحْلِف ثَلَاثًا كَانَتْ يَمِينًا وَاحِدَة
(مُنْبِهَة) لَقَدْ طَوَّفْت فِي الْآفَاق وَلَقِيت مِنْ عُلَمَاء الْإِسْلَام وَأَرْبَاب الْمَذَاهِب كُلّ صَادِق فَمَا سَمِعْت لِهَذِهِ الْمَقَالَة بِخَبَرٍ وَلَا أَحْسَسْت لَهَا بِأَثَرِ إِلَّا الشِّيعَة الَّذِينَ يَرَوْنَ نِكَاح الْمُتْعَة جَائِزًا وَلَا يرون الطلاق واقعا
ولذلك قال فيهم بن سَكْرَة الْهَاشِمِيُّ يَا مَنْ يَرَى الْمُتْعَة فِي دِينه حِلًّا وَإِنْ كَانَتْ بِلَا مَهْر وَلَا يَرَى تِسْعِينَ تَطْلِيقَة تَبِين مِنْهُ رَبَّة الْخِدْر من ها هنا طابت مواليدكم فاغتنموها يابني الْقَطْر وَقَدْ اِتَّفَقَ عُلَمَاء الْإِسْلَام وَأَرْبَاب الْحَلّ وَالْعَقْد فِي الْأَحْكَام عَلَى أَنَّ الطَّلَاق الثَّلَاث في كلمة
стр. 1956
فَكَيْفَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ وَكَمَالِ نَظَرِهِ لِلْأُمَّةِ وَتَأْدِيبِهِ لَهُمْ وَلَكِنَّ الْعُقُوبَةَ تَخْتَلِفُ بَاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَشْخَاصِ وَالتَّمَكُّنِ مِنَ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِ الْفِعْلِ الْمُعَاقَبِ عَلَيْهِ وَخَفَائِهِ وأمير المؤمنين ﵃ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ إِنَّ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَإِنَّمَا هُوَ رَأْيٌ رَآهُ مَصْلَحَةً لِلْأُمَّةِ يَكُفُّهُمْ بِهَا التَّسَارُعَ إِلَى إِيقَاعِ الثَّلَاثِ وَلِهَذَا قَالَ فَلَوْ أَنَّا أَمْضَيْنَاهُ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ فَأَجِيزُوهُنَّ عَلَيْهِمْ أَفَلَا تَرَى أَنَّ هَذَا رَأْيٌ مِنْهُ رَآهُ لِلْمَصْلَحَةِ لَا إِخْبَارٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَلَمَّا عَلِمَ ﵁ أَنَّ تِلْكَ الْأَنَاةَ وَالرُّخْصَةَ نِعْمَةٌ مِنَ اللَّهِ عَلَى الْمُطَلِّقِ وَرَحْمَةٌ بِهِ وَإِحْسَانٌ إِلَيْهِ وَأَنَّهُ قَابَلَهَا بِضِدِّهَا وَلَمْ يَقْبَلْ رُخْصَةَ اللَّهِ وَمَا جَعَلَهُ لَهُ مِنَ الْأَنَاةِ عَاقَبَهُ بِأَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَأَلْزَمَهُ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
وَإِنْ كَانَ حَرَامًا فِي قَوْل بَعْضهمْ وَبِدْعَة فِي قَوْل الْآخَرِينَ لَازِمٌ وَأَيْنَ هَؤُلَاءِ الْبُؤَسَاء مِنْ عَالِم الدِّين وَعَلَم الْإِسْلَام مُحَمَّد بْن إِسْمَاعِيل الْبُخَارِيّ وَقَدْ قَالَ فِي صَحِيحه بَاب جَوَاز الثَّلَاث لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿الطَّلَاق مَرَّتَانِ﴾ وَذَكَر حَدِيث اللِّعَان فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبْل أَنْ يَأْمُرهُ رَسُول اللَّه ﷺ وَلَمْ يُغَيِّر عَلَيْهِ النَّبِيّ ﷺ وَلَا يُقِرّ عَلَى الْبَاطِل وَلِأَنَّهُ جَمَعَ مَا فُسِحَ لَهُ فِي تَفْرِيقه فَأَلْزَمَتْهُ الشَّرِيعَة حُكْمه وَمَا نَسَبُوهُ إِلَى الصَّحَابَة كَذِب بَحْت لَا أَصْل لَهُ فِي كِتَابٍ وَلَا رِوَايَة لَهُ عَنْ أَحَد
وَقَدْ أَدْخَلَ مَالك فِي مُوَطَّئِهِ عَنْ عَلِيّ أَنَّ الْحَرَام ثَلَاث لَازِمَةٌ فِي كَلِمَةٍ فَهَذَا فِي مَعْنَاهَا
فَكَيْف إِذَا صَرَّحَ بِهَا وَأَمَّا حَدِيث الْحَجَّاج بْن أَرْطَاةَ فَغَيْر مَقْبُول فِي الْمِلَّة وَلَا عِنْد أَحَد مِنْ الْأَئِمَّة
فَإِنَّ قِيلَ فَفِي صَحِيح مُسْلِم عَنْ بن عَبَّاس وَذَكَر حَدِيث أَبِي الصَّهْبَاء هَذَا
قُلْنَا هَذَا لَا مُتَعَلَّق فِيهِ مِنْ خَمْسَة أَوْجُه الْأَوَّل أَنَّهُ حَدِيث مُخْتَلَف فِي صِحَّته فَكَيْف يُقَدَّم عَلَى إِجْمَاع الْأُمَّة وَلَمْ يُعْرَف لَهَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَة خِلَاف إِلَّا عَنْ قَوْم اِنْحَطُّوا عَنْ رُتْبَة التَّابِعِينَ وَقَدْ سَبَقَ الْعَصْرَانِ الْكَرِيمَانِ وَالِاتِّفَاق عَلَى لُزُوم الثَّلَاث فَإِنْ رَوَوْا ذَلِكَ عَنْ أَحَد مِنْهُمْ فَلَا تَقْبَلُوا مِنْهُمْ إِلَّا مَا يَقْبَلُونَ مِنْكُمْ نَقْل الْعَدْل عَنْ الْعَدْل وَلَا تَجِد هَذِهِ الْمَسْأَلَة مَنْسُوبَة إِلَى أَحَد مِنْ السَّلَف أَبَدًا
الثَّانِي إِنَّ هَذَا الحديث لم يرو إلا عن بن عَبَّاس وَلَمْ يُرْوَ عَنْهُ إِلَّا مِنْ طَرِيق طَاوُسٍ
فَكَيْف يُقْبَل مَا لَمْ يَرْوِهِ مِنْ الصَّحَابَة إِلَّا وَاحِد وَمَا لَمْ يَرْوِهِ عَنْ ذَلِكَ الصَّحَابِيّ إِلَّا وَاحِد وَكَيْف خَفِيَ عَلَى جميع الصحابة وسكتوا عنه إلا بن عباس وكيف خفي على أصحاب بن عَبَّاس إِلَّا طَاوُس الثَّالِث يُحْتَمَل أَنْ يُرَاد بِهِ قَبْل الدُّخُول
وَكَذَلِكَ تَأَوَّلَهُ النَّسَائِيّ فَقَالَ
بَاب طَلَاق الثَّلَاث الْمُتَفَرِّقَة قَبْل الدُّخُول
بِالزَّوْجَةِ
وَذَكَر هَذَا الْحَدِيث بِنَصِّهِ
الرَّابِع أَنَّهُ يُعَارِضهُ حَدِيث مَحْمُود بْن لَبِيَدٍ قَالَ أُخْبِر رَسُول اللَّه ﷺ عَنْ رَجُل طلق امرأته
стр. 1957
مَا الْتَزَمَهُ مِنَ الشِّدَّةِ وَالِاسْتِعْجَالِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِ الشَّرِيعَةِ بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِحِكْمَةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ قَدَرًا وَشَرْعًا فَإِنَّ النَّاسَ إِذَا تَعَدَّوْا حُدُودَهُ وَلَمْ يَقِفُوا عِنْدَهَا ضَيَّقَ عَلَيْهِمْ مَا جَعَلَهُ لِمَنِ اتَّقَاهُ مِنَ الْمَخْرَجِ
وَقَدْ أَشَارَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ
مَنْ قَالَ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ مِنَ الْمُطَلِّقِ ثَلَاثًا إِنَّكَ لَوِ اتَّقَيْتَ اللَّهَ لَجَعَلَ لَكَ مخرجا كما قاله بن مسعود وبن عَبَّاسٍ فَهَذَا نَظَرُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ﵁ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ لَا أَنَّهُ ﵁ غَيَّرَ أَحْكَامَ اللَّهِ وَجَعَلَ حَلَالَهَا حَرَامًا
فَهَذَا غَايَةُ التَّوْفِيقِ بَيْنَ النُّصُوصِ وَفِعْلِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ ﵁ وَمَنْ مَعَهُ كَذَا فِي زَادِ الْمَعَادِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
١ - (بَاب فِي ما عُنِيَ بِهِ الطَّلَاقُ وَالنِّيَّاتُ)
(إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بَالنِّيَّةِ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بَالنِّيَّاتِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّ صِحَّةَ الْأَعْمَالِ وَوُجُوبَ أَحْكَامِهَا إِنَّمَا تَكُونُ بَالنِّيَّةِ وَأَنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْمُصْرِفَةُ لَهَا إِلَى جِهَاتِهَا وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَعْيَانَ الْأَعْمَالِ لِأَنَّ أعيانها حاصلة بغير نية (وإنما لامرىء مَا نَوَى) أَشَارَ بِهِ إِلَى أَنَّ تَعْيِينَ الْمَنْوِيِّ شَرْطٌ فَلَوْ كَانَ عَلَى إِنْسَانٍ صَلَوَاتٌ لَا يَكْفِيهِ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ بَلْ شَرْطٌ أَنْ يَنْوِيَ كَوْنَهَا ظُهْرًا أَوْ غَيْرَهُ فَلَوْلَا هَذَا الْقَوْلُ لَاقْتَضَى الْكَلَامُ الْأَوَّلُ أَنْ تصح الفائتة بلا تعيين
كذا قال بن
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
ثَلَاث تَطْلِيقَات جَمِيعًا فَقَامَ غَضْبَان ثُمَّ قَالَ أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللَّه وَأَنَا بَيْن أَظْهُركُمْ حَتَّى قَامَ رَجُل فَقَالَ يَا رَسُول اللَّه أَلَا أَقْتُلهُ رَوَاهُ النَّسَائِيّ
فَلَمْ يُرِدْ النَّبِيّ ﷺ بَلْ أَمْضَاهُ وَكَمَا فِي حَدِيث عُوَيْمِر الْعِجْلَانِيّ فِي اللِّعَان حَيْثُ أَمْضَى طَلَاقه الثَّلَاث وَلَمْ يَرُدّهُ
الْخَامِس وَهُوَ قَوِيٌّ فِي النَّظَر وَالتَّأْوِيل أَنَّهُ قَالَ كَانَ الطَّلَاق الثَّلَاث عَلَى عَهْد رَسُول اللَّه ﷺ وَاحِدَة يُحْتَمَل أَنْ يُرِيد بِهِ كَانَ حُكْم الثَّلَاث إِذَا وَقَعَتْ أَنْ تُجْعَل وَاحِدَةً وَأَنْ يُرِيد بِهِ كَانَتْ عِبَارَة الثَّلَاث عَلَى عَهْده أَنْ تُذْكَر وَاحِدَة فَلَمَّا تَتَابَعَ النَّاس فِي الطَّلَاق وَذَكَرُوا الثَّلَاث بَدَل الْوَاحِدَة أَمْضَى ذَلِكَ عُمَر كَمَا أَمْضَاهُ رَسُول اللَّه ﷺ عَلَى عُوَيْمِر حِين طَلَّقَ ثَلَاثًا
فَلَا يَبْقَى فِي الْمَسْأَلَة إِشْكَال
فَهَذَا أَقْصَى مَا يُرَدُّ بِهِ هَذَا الْحَدِيث
стр. 1958
الْمَلَكِ وَالْعَلْقَمِيُّ (فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) أَيِ انْتِقَالُهُ مِنْ دَارِ الْكُفْرِ إِلَى دَارِ الْإِسْلَامِ قَصْدًا وَعَزْمًا (فَهِجْرَتُهُ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) فَإِنْ قُلْتَ الشَّرْطُ وَالْجَزَاءُ قَدِ اتَّحَدَا قُلْنَا لَا اتِّحَادَ لِأَنَّ التَّكْرَارَ قَدْ يُفِيدُ الْكَمَالَ كَمَا قَالَ أَبُو النَّجْمِ وَشِعْرِي شِعْرِي أَيْ شِعْرٌ كَامِلٌ وَالْمَعْنَى فَهِجْرَتُهُ كَامِلَةٌ (وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ لِدُنْيَا) اللَّامُ لِلتَّعْلِيلِ أَوْ بِمَعْنَى إِلَى وَدُنْيَا بِغَيْرِ تَنْوِينٍ لِأَنَّهَا تَأْنِيثٌ أَدْنَى وَجَمْعُهَا دُنَى كَكُبْرَى وَكُبَرُ (يُصِيبُهَا) أَيْ يُحَصِّلُهَا (أَوِ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا) إِنَّمَا ذَكَرَهَا مَعَ كَوْنِهَا مُنْدَرِجَةً تَحْتَ دُنْيَا تَعْرِيضًا لِمَنْ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ فِي نِكَاحِ مُهَاجِرَةٍ فَقِيلَ لَهُ مُهَاجِرُ أُمِّ قَيْسٍ أَوْ تَنْبِيهًا عَلَى زِيَادَةِ التَّحْذِيرِ مِنْ ذَلِكَ وَهَذَا مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِمَزِيَّتِهِ (فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ) يَعْنِي لَا يُثَابُ عَلَى هِجْرَتِهِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُطَلِّقَ إِذَا طَلَّقَ بِصَرِيحِ لَفْظِ الطَّلَاقِ أَوْ بِبَعْضِ الْكِنَائِيِّ الَّتِي يُطَلَّقُ بِهَا وَنَوَى عَدَدًا مِنْ أَعْدَادِ الطَّلَاقِ كَانَ مَا نَوَاهُ مِنَ الْعَدَدِ وَاقِعًا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَإِلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَصَرْفَ الْأَلْفَاظَ عَلَى مَصَارِفِ النِّيَّاتِ وَقَالَ فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى ثَلَاثًا أَنَّهَا تَطْلُقُ ثَلَاثًا وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ
وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ هِيَ وَاحِدَةٌ وَهُوَ أَحَقٌّ بِهَا وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
(أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ) خَبَرُ إِنَّ قَوْلُهُ قَالَ سَمِعْتُ (وَكَانَ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ (قَائِدَ كَعْبٍ) مِنَ الْقَوْدِ نَقِيضُ السَّوْقِ فَهُوَ مِنْ أَمَامٍ وَذَاكَ مِنْ خَلْفٍ (مِنْ بَنِيهِ) أَيْ مِنْ بَنِيهِمْ
وَكَانَ أَبْنَاؤُهُ أَرْبَعَةً عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدٌ وَعُبَيْدَ اللَّهِ (قَالَ سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ) وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تِيبَ عَلَيْهِمْ (فَسَاقَ قِصَّتَهُ) وَقِصَّتُهُ مَذْكُورَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ (حَتَّى إِذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ) أَيْ يَوْمًا (مِنَ الْخَمْسِينَ) أَيِ الَّتِي مَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّاسَ مِنَ الْكَلَامِ فِيهَا مَعَ هَؤُلَاءِ (إذا
стр. 1959
رسول الله ﷺ قال الْوَاقِدِيُّ هُوَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ (يَأْتِي) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ يَأْتِينِي (يَأْمُرُكَ أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَكَ) الِاعْتِزَالُ بَالْفَارِسِيَّةِ بيكسو شدن (فَقُلْتُ أُطَلِّقُهَا أَمْ مَاذَا أَفْعَلُ) أَيْ مَا الْمُرَادُ بَالِاعْتِزَالِ الطَّلَاقُ أَوْ غَيْرُهُ (قَالَ لَا بَلِ اعْتَزِلْهَا فَلَا تَقْرَبَنَّهَا) أَيْ لَيْسَ الْمُرَادُ بَالِاعْتِزَالِ الطَّلَاقُ بَلْ عَدَمُ الْقُرْبَانِ (فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي الْحَقِي) بِفَتْحِ الْحَاءِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا قَالَ لَهَا الْحَقِي بِأَهْلِكِ وَلَمْ يُرِدْهُ طَلَاقًا أَنَّهُ لَا يَكُونُ طَلَاقًا وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْكِنَايَاتِ كُلِّهَا عَلَى قِيَاسِهِ
وَكَانَ أَبُو عُبَيْدٍ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ الْحَقِي بِأَهْلِكِ إِنَّهَا تَطْلِيقَةٌ يَكُونُ فِيهَا الْعَبْدُ مَالِكًا لِلرَّجْعَةِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ أَرَادَ ثَلَاثًا انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مُطَوَّلًا وَمُخْتَصَرًا
٢ - (بَاب فِي الْخِيَارِ)
(عَنْ أَبِي الضُّحَى) هُوَ مُسْلِمُ بْنُ صُبَيْحٍ بَالتَّصْغِيرِ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَكْثَرُ مِنَ اسْمِهِ (خَيَّرَنَا) أَيْ مَعْشَرَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَذَلِكَ بعد نزول قوله تعالى ياأيها النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا (فَاخْتَرْنَاهُ) أَيْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتِهَا (فَلَمْ يَعُدَّ) أي رسول الله ﷺ (ذَلِكَ) أَيِ التَّخْيِيرَ (شَيْئًا) أَيْ مِنَ الطَّلَاقِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلَاقًا وَفِي أُخْرَى لَهُ فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا
وَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مَنْ خَيَّرَ زَوْجَتَهُ فَاخْتَارَتْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا وَلَا يَقَعُ بِهِ فُرْقَةٌ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْحَسَنِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ نَفْسَ التَّخْيِيرِ يَقَعُ بِهِ بَائِنَةً سَوَاءً اخْتَارَتْ زَوْجَهَا أَمْ لَا
وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَالنَّقَّاشُ عَنْ مَالِكٍ
قَالَ الْقَاضِي لَا يَصِحُّ هَذَا عَنْ مَالِكٍ ثُمَّ هُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ بِحَدِيثِ الْبَابِ الصَّحِيحِ الصَّرِيحِ وَلَعَلَّ الْقَائِلِينَ بِهِ لَمْ يَبْلُغْهُمْ
стр. 1960
هَذَا الْحَدِيثُ
كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
٣ - (بَاب فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ)
(هَلْ تَعْلَمُ أحدا قال يقول الْحَسَنِ فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ) أَيْ أَنَّهَا ثَلَاثٌ (قَالَ) أَيْ أَيُّوبُ (لَا) أَيْ لَا أَعْلَمُ أحدا قال يقول الْحَسَنِ إِلَخْ (إِلَّا شَيْءٌ حَدَّثَنَاهُ) الضَّمِيرُ يَرْجِعُ إِلَى شَيْءٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ بِنَحْوِهِ) أَيْ قَالَ إِنَّهَا ثَلَاثٌ
وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قُلْتُ لِأَيُّوبَ هَلْ عَلِمْتَ أَحَدًا قَالَ فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ أَنَّهَا ثَلَاثٌ إِلَّا الْحَسَنَ قَالَ لَا إِلَّا الْحَسَنَ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ غُفْرًا إِلَّا مَا حَدَّثَنِي قَتَادَةُ عَنْ كَثِيرٍ مَوْلَى بَنِي سَمُرَةَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ثَلَاثٌ
وَكَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ
فَعُلِمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْمُؤَلِّفِ حَذْفًا وَاخْتِصَارًا (فَسَأَلْتُهُ فَقَالَ مَا حَدَّثْتُ بِهَذَا قَطُّ) وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ فَسَأَلْتُهُ فَلَمْ يَعْرِفْهُ (فَقَالَ بَلَى) أَيْ قَدْ حَدَّثَ (وَلَكِنَّهُ نَسِيَ) أَيْ عَنِ التَّحْدِيثِ
وَاعْلَمْ أَنَّ إِنْكَارَ الشَّيْخِ أَنَّهُ حَدَّثَ بِذَلِكَ إِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقَةِ الْجَزْمِ كَمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ الْمُؤَلِّفِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ عِلَّةٌ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ هَكَذَا وَقَعَ فِي السُّنَن لِأَبِي دَاوُدَ وَلَمْ يُفَسِّر قَوْل الْحَسَن فِي حَدِيثه
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مُفَسَّرًا عَنْ حَمَّاد بْن زَيْد قَالَ قُلْت لِأَيُّوبَ هَلْ عَلِمْت أَحَدًا قَالَ أَمْرك بِيَدِك ثَلَاثًا إِلَّا الْحَسَن قَالَ لَا ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ غَفْرًا إِلَّا مَا حَدَّثَنِي قَتَادَة عَنْ كَثِير مَوْلَى بَنِي سَمُرَة عَنْ أَبِي سَلَمَة عَنْ أَبِي هُرَيْرَة عَنْ النَّبِيّ ﷺ قَالَ ثَلَاث ثُمَّ ذَكَر التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّمَا هُوَ مَوْقُوف
قَالَ أَبُو مُحَمَّد بْن حَزْم وَكَثِير مَوْلَى بَنِي سَلَمَة مَجْهُول وَعَنْ الْحَسَن فِي أَمْرك بِيَدِك قال ثلاث
стр. 1961
قَادِحَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى طَرِيقَةِ الْجَزْمِ بَلْ عَدَمُ مَعْرِفَةِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَعَدَمُ ذِكْرِ الْجُمْلَةِ وَالتَّفْصِيلِ بِدُونِ تَصْرِيحٍ بَالْإِنْكَارِ كَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيِّ فَلَيْسَ ذَلِكَ مِمَّا يُعَدُّ قَادِحًا فِي الْحَدِيثِ وَقَدْ بُيِّنَ هَذَا فِي عِلْمِ اصْطِلَاحِ الْحَدِيثِ
وَقَدِ اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَمْرُكِ بِيَدِكِ كَانَ ذَلِكَ ثَلَاثًا
قَالَ التِّرْمِذِيُّ قَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ فَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْهُمْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ هِيَ وَاحِدَةٌ وَهُوَ قَوْلُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنَ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَزَيْدُ بْنُ ثابت القضاء ما قضت
وقال بن عُمَرَ إِذَا جَعَلَ أَمْرَهَا بِيَدِهَا وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا ثَلَاثًا وَأَنْكَرَ الزَّوْجُ وَقَالَ لَمْ أَجْعَلْ أَمْرَهَا بِيَدِهَا إِلَّا فِي وَاحِدَةٍ اسْتُحْلِفَ الزَّوْجُ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ
وَذَهَبَ سُفْيَانُ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ إِلَى قَوْلِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ
وَأَمَّا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ فَقَالَ الْقَضَاءُ مَا قَضَتْ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ
وَأَمَّا إِسْحَاقُ فَذَهَبَ إِلَى قول بن عُمَرَ انْتَهَى كَلَامُ التِّرْمِذِيِّ
وَقَوْلُهُ الْقَضَاءُ مَا قَضَتْ مَعْنَاهُ الْحُكْمُ مَا نَوَتْ مِنْ رَجْعِيَّةٍ أَوْ بَائِنَةٍ وَاحِدَةً أَوْ ثَلَاثًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ سُلَيْمَانَ بْنِ حَرْبٍ
وَذُكِرَ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفٌ وَلَمْ يُعْرَفْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا
وَقَالَ النَّسَائِيُّ هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ
(عَنِ الْحَسَنِ فِي أَمْرُكِ بِيَدِكِ قَالَ ثَلَاثٌ) يَعْنِي إِذَا قَالَ الزَّوْجُ لِزَوْجَتِهِ أَمْرُكِ بِيَدِكِ فَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ ثَلَاثًا فَتَقَعُ الثَّلَاثُ
وَقَدْ تَقَدَّمَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٤ - (بَاب فِي الْبَتَّةِ)
(أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ) هُوَ الْإِمَامُ الْمَعْرُوفُ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ (طَلَّقَ امرأته
стр. 1962
سُهَيْمَةَ) بَالتَّصْغِيرِ (الْبَتَّةَ) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ أَيْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ الْبَتَّةَ (فَأَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ المختار بناءه للفاعل قاله القارىء (وَقَالَ وَاللَّهِ مَا أَرَدْتُ إِلَّا وَاحِدَةً) عَطْفٌ عَلَى فَأَخْبَرَ (فَرَدَّهَا إِلَيْهِ)
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ بَيَانٌ أَنَّ طَلَاقَ الْبَتَّةَ وَاحِدَةٌ إِذَا لَمْ يُرِدْ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ وَأَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ غير بائن انتهى
وقال القارىء طَلَاقُ الْبَتَّةَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَإِنْ نَوَى بِهَا اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَهُوَ مَا نَوَى
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَإِنْ نَوَى ثَلَاثًا فَثَلَاثٌ
وَعِنْدَ مَالِكٍ ثَلَاثٌ
وَاسْتُدِلَّ بَالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ الثَّلَاثَ مَجْمُوعَةً تَقَعُ ثَلَاثًا وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ ﷺ أَحْلَفَهُ أَنَّهُ أَرَادَ بَالْبَتَّةَ وَاحِدَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِهَا أَكْثَرَ لَوَقَعَ مَا أَرَادَهُ وَلَوْ لَمْ يَفْتَرِقِ الْحَالُ لَمْ يُحَلِّفْهُ
وَأُجِيبَ بِأَنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ وَمَعَ ضَعْفِهِ مضطرب ومع اضطرابه معارض بحديث بن عَبَّاسٍ أَنَّ الطَّلَاقَ كَانَ عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَاحِدَةً فَالِاسْتِدْلَالُ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ
وَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَى ضَعْفِهِ وَاضْطِرَابِهِ فَرَاجِعِ التَّعْلِيقَ الْمُغْنِيَ شَرْحَ الدَّارَقُطْنِيِّ فَإِنَّهُ قَدْ بَيَّنَ فِيهِ أَخُونَا الْمُعَظَّمُ أَبُو الطَّيِّبِ ضَعْفَ الْحَدِيثِ وَاضْطِرَابَهُ بَالْبَسْطِ وَالتَّفْصِيلِ
(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّهُ طَلَّقَ الحديث) قال
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قال الحافظ شمس الدين بن القيم ﵀ وَفِي تَارِيخ الْبُخَارِيِّ عَلِيّ بْن يَزِيد بْن رُكَانَة الْقُرَشِيّ عَنْ أَبِيهِ لَمْ يَصِحّ حديثه هذا لفظه
وقال
стр. 1963
المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ
وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَسَأَلْتُ مُحَمَّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيَّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ فِيهِ اضْطِرَابٌ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَفِي إِسْنَادِهِ الزُّبَيْرُ بْنُ سَعِيدٍ الْهَاشِمِيُّ فَقَدْ ضَعَّفَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ
وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ مُضْطَرَبٌ فِيهِ تَارَةً قِيلَ فِيهِ ثَلَاثًا وَتَارَةً قِيلَ فِيهِ وَاحِدَةً وَأَصَحُّهُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ وَأَنَّ الثَّلَاثَ ذُكِرَتْ فِيهِ عَلَى الْمَعْنَى
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ حَدِيثُ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّ طُرُقَهُ ضَعِيفَةٌ وَضَعَّفَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ وَقَدْ وَقَعَ الِاضْطِرَابُ فِي إِسْنَادِهِ وَفِي مَتْنِهِ انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
(قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَهَذَا أَصَحُّ من حديث بن جُرَيْجٍ أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ إِلَخْ) قَالَ بن الْقَيِّمِ فِي حَاشِيَةِ السُّنَنِ إِنَّ أَبَا دَاوُدَ لَمْ يَحْكُمْ بِصِحَّتِهِ وَإِنَّمَا قَالَ بَعْدَ رِوَايَتِهِ هذا أصح من حديث بن جُرَيْجٍ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَهُ صَحِيحٌ فَإِنَّ حديث بن جُرَيْجٍ ضَعِيفٌ وَهَذَا ضَعِيفٌ أَيْضًا فَهُوَ أَصَحُّ الضَّعِيفَيْنِ عِنْدَهُ وَكَثِيرًا مَا يُطْلِقُ أَهْلُ الْحَدِيثِ هَذِهِ الْعِبَارَةَ عَلَى أَرْجَحِ الْحَدِيثَيْنِ الضَّعِيفَيْنِ وَهُوَ كَثِيرٌ مِنْ كَلَامِ
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
عَبْد الْحَقّ الْإِشْبِيلِيّ فِي سَنَده كُلّهمْ ضَعِيف وَالزُّبَيْر أَضْعَفهمْ
وَذَكَر التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَاب الْعِلَل عَنْ الْبُخَارِيّ أَنَّهُ مُضْطَرَب فِيهِ تَارَة قِيلَ فِيهِ ثَلَاثًا وَتَارَة قِيلَ فِيهِ وَاحِدَة
ثُمَّ ذكر الشيخ بن الْقَيِّم كَلَام الْحَافِظ الْمُنْذِرِيّ وَاعْتِرَاضه عَلَى أَبِي دَاوُدَ فِي تَصْحِيحه ثُمَّ قَالَ الشَّيْخ وَفِيمَا قَالَهُ الْمُنْذِرِيّ نَظَرٌ فَإِنَّ أَبَا دَاوُدَ لَمْ يَحْكُم بِصِحَّتِهِ وَإِنَّمَا قَالَ بَعْد رِوَايَته هَذَا أصح من حديث بن جُرَيْج أَنَّهُ طَلَّقَ اِمْرَأَته ثَلَاثًا لِأَنَّهُمْ أَهْل بَيْته وَهُمْ أَعْلَم بِقَضِيَّتِهِمْ وَحَدِيثهمْ وَهَذَا لَا يَدُلّ عَلَى أَنَّ الْحَدِيث عِنْده صَحِيح فَإِنَّ حديث بن جُرَيْج ضَعِيف وَهَذَا ضَعِيف أَيْضًا فَهُوَ أَصَحّ الضَّعِيفَيْنِ عِنْده وَكَثِيرًا مَا يُطْلِق أَهْل الْحَدِيث هَذِهِ الْعِبَارَة عَلَى أَرْجَح الْحَدِيثَيْنِ الضَّعِيفَيْنِ
وَهُوَ كَثِير فِي كَلَام الْمُتَقَدِّمِينَ
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ اِصْطِلَاحًا لَهُمْ لَمْ تَدُلّ اللُّغَة عَلَى إِطْلَاق الصِّحَّة عَلَيْهِ فَإِنَّك تَقُول لِأَحَدِ الْمَرِيضَيْنِ هَذَا أَصَحّ مِنْ هَذَا وَلَا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ صَحِيح مُطْلَقًا
وَاَللَّه أَعْلَم
стр. 1964
الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَوْ لَمْ يَكُنِ اصْطِلَاحًا لَهُمْ لَمْ تَدُلَّ اللُّغَةُ عَلَى إِطْلَاقِ الصِّحَّةِ عَلَيْهِ فَإِنَّكَ تَقُولُ لِأَحَدِ الْمَرِيضَيْنِ هَذَا أَصَحُّ مِنْ هَذَا وَلَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَحِيحٌ مُطْلَقًا انْتَهَى كلامه
وقال بن الْقَيِّمِ فِي الْإِغَاثَةِ إِنَّ أَبَا دَاوُدَ إِنَّمَا رجح حديث البتة على حديث بن جريج لأنه روى حديث بن جُرَيْجٍ مِنْ طَرِيقٍ فِيهَا مَجْهُولٌ وَلَمْ يَرْوِ أَبُو دَاوُدَ الْحَدِيثَ الَّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ رُكَانَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَلِذَا رَجَّحَ أَبُو دَاوُدَ حَدِيثَ الْبَتَّةَ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا رَوَاهُ فِي سُنَنِهِ وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ أَصَحُّ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ وَحَدِيثُ بن جُرَيْجٍ شَاهِدٌ لَهُ انْتَهَى بِقَدْرِ الْحَاجَةِ
وَقَدْ نَقَلْنَاهُ فِيمَا قَبْلُ بِأَزْيَدَ مِنْ هَذَا
٥ - (بَاب فِي الْوَسْوَسَةِ بِالطَّلَاقِ)
قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْوَسْوَسَةُ حَدِيثُ النَّفْسِ وَالشَّيْطَانِ بِمَا لَا نَفْعَ فِيهِ وَلَا خَيْرَ كَالْوِسْوَاسِ بَالْكَسْرِ وَالِاسْمُ بَالْفَتْحِ وَقَدْ وَسْوَسَ لَهُ وَإِلَيْهِ
(إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لِأُمَّتِي) وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أُمَّتِي أَيْ عَفَا عَنْهُمْ (عَمَّا لَمْ تَتَكَلَّمْ بِهِ) إِنْ كَانَ قَوْلِيًّا (أَوْ تَعْمَلْ بِهِ) إِنْ كَانَ فِعْلِيًّا (وَبِمَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا) بَالنَّصْبِ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ يُقَالُ حَدَّثْتُ نَفْسِي بِكَذَا أَوْ بَالرَّفْعِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ يُقَالُ حَدَّثَتْنِي نَفْسِي بِكَذَا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ أَنَّهُ إِذَا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ بِقَلْبِهِ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِهِ بِلِسَانِهِ فَإِنَّ الطَّلَاقَ غَيْرُ وَاقِعٍ وَبِهِ قَالَ عَطَاءُ بْنُ رَبَاحٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَقَتَادَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ
وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إِذَا عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ وَقَعَ الطَّلَاقُ لَفَظَ بِهِ أَوْ لَمْ يَلْفِظْ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ انْتَهَى
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَتَبَ الطَّلَاقَ طَلُقَتِ امْرَأَتُهُ لِأَنَّهُ عَزَمَ بِقَلْبِهِ وَعَمِلَ بِكِتَابَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَشَرَطَ مَالِكٌ فِيهِ الْإِشْهَادَ عَلَى ذَلِكَ
قَالَهُ الْحَافِظُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه بنحوه
стр. 1965
١٦ - (بَاب فِي الرَّجُلِ يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ يَا أُخْتِي)
(عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ) هُوَ طَرِيفُ بْنُ مُجَالِدٍ (الهجيمي) بضم الهاء وفتح الجيم (ياأخية) تَصْغِيرُ أُخْتٍ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ عَلَى الْإِنْكَارِ (فَكَرِهَ ذَلِكَ) أي قوله لامرأته ياأخية (وَنَهَى عَنْهُ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ إِنَّمَا كَرِهَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَظَنَّةٌ لِلتَّحْرِيمِ وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ كَأُخْتِي وَأَرَادَ بِهِ الظِّهَارَ كَانَ مُظَاهِرًا كَمَا يَقُولُ أَنْتِ كَأُمِّي وَكَذَلِكَ هَذَا فِي كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ
وَعَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَكْثَرُهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى هَذَا إِلَّا أَنْ يَنْوِيَ بِهَذَا الْكَلَامِ الْكَرَامَةَ فَلَا يَلْزَمُهُ الظِّهَارُ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَقَالَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ
وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ تَحْرِيمٌ
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ هُوَ ظِهَارٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَكَرِهَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ هَذَا الْقَوْلَ لِئَلَّا يَلْحَقَهُ بِذَلِكَ ضَرَرٌ فِي أَهْلٍ أَوْ يَلْزَمَهُ كَفَّارَةٌ فِي مَالٍ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ هَذَا مُرْسَلٌ
(سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ ياأخية فنهاه) قال بن بَطَّالٍ وَمِنْ ثَمَّ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ يَصِيرُ بِذَلِكَ مُظَاهِرًا إِذَا قَصَدَ ذَلِكَ فَأَرْشَدَهُ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى اجْتِنَابِ اللَّفْظِ الْمُشْكِلِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ) أَيْ حَدِيثَ أَبِي تَمِيمَةَ (عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمُخْتَارِ عَنْ خَالِدٍ) هُوَ الْحَذَّاءُ (عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ) فَزَادَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بَيْنَ خَالِدٍ وَأَبِي تَمِيمَةَ أَبَا عُثْمَانَ وَرَوَاهُ مُرْسَلًا وَرَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْ خَالِدٍ هُوَ الْحَذَّاءُ (عَنْ رَجُلٍ عَنْ أَبِي تَمِيمَةَ) فَزَادَ شُعْبَةُ بَيْنَهُمَا رَجُلًا وَرَوَاهُ مُرْسَلًا وَأَمَّا خَالِدٌ الطَّحَّانُ فِي الطَّرِيقَةِ الْأُولَى فَلَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُمَا وَاسِطَةٌ وَكَذَا عَبْدُ السَّلَامِ فِي
следующие страницы →