Полный текст (4 665 стр.). Показаны 3886–3925 · переход к 3891.
стр. 3886
وَعِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصَّةِ الدَّجَّالِ وَنُزُولِ عِيسَى وَإِذَا هُمْ بِعِيسَى فَيُقَالُ تَقَدَّمْ يَا رُوحُ اللَّهِ فَيَقُولُ لِيَتَقَدَّمْ إِمَامُكُمْ فَلْيُصَلِّ بِكُمْ
وَلِابْنِ مَاجَهْ فِي حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ الطَّوِيلِ فِي الدَّجَّالِ قَالَ وَكُلُّهُمْ أَيِ المسلمون ببيت المقدس وإمامهم رجل صالح فقد تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ بِهِمْ إِذْ نَزَلَ عِيسَى فَرَجَعَ الْإِمَامُ يَنْكُصُ لِيَتَقَدَّمَ عِيسَى فَيَقِفُ عِيسَى بَيْنَ كَتِفَيْهِ ثُمَّ يَقُولُ تَقَدَّمْ فَإِنَّهَا لَكَ أُقِيمَتْ
انْتَهَى
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي الْفِتَنِ مِنْ حَدِيثِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ الله قَالَ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَنْزِلَ الرُّومُ بِالْأَعْمَاقِ أَوْ بِدَابِقٍ فَيَخْرُجُ إِلَيْهِمْ جَيْشٌ مِنَ الْمَدِينَةِ مِنْ خِيَارِ أَهْلِ الْأَرْضِ يَوْمَئِذٍ فَإِذَا تَصَافُّوا قَالَتِ الرُّومُ خَلُّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الَّذِينَ سَبَوْا مِنَّا نُقَاتِلُهُمْ فَيَقُولُ الْمُسْلِمُونَ لَا وَاللَّهِ لَا نُخَلِّي بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِنَا فَيُقَاتِلُونَهُمْ فَيَنْهَزِمُ ثُلُثٌ لَا يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ أَبَدًا وَيُقْتَلُ ثُلُثٌ هُمْ أَفْضَلُ الشُّهَدَاءِ عِنْدَ اللَّهِ
وَيَفْتَتِحُ الثلث لا يفتنون أبدا فيفتتحون قسطنطينية فبيناهم يَقْتَسِمُونَ الْغَنَائِمَ قَدْ عَلَّقُوا سُيُوفَهُمْ بِالزَّيْتُونِ إِذْ صَاحَ فِيهِمُ الشَّيْطَانُ إِنَّ الْمَسِيحَ قَدْ خَلَفَكُمْ في أهليكم فيخرجون وذلك باطل فإذا جاؤوا الشَّامَ خَرَجَ فَبَيْنَمَا هُمْ يُعِدُّونَ لِلْقِتَالِ يُسَوُّونَ الصفوف إذ أقيمت الصلاة فينزل عيسى بن مريم فَأَمَّهُمْ الْحَدِيثَ
وَقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي التَّوْضِيحِ أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِإِسْنَادٍ فِيهِ كَثِيرُ بْنُ زَيْدٍ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ وَبَقِيَّةُ رِجَالِهِ رِجَالُ الصَّحِيحِ بِلَفْظِ يوشك المسيح بن مَرْيَمَ أَنْ يَنْزِلَ حَكَمًا مُقْسِطًا فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ ويكسر الصليب وتكون الدعوة واحدة فأقرؤه من رسول الله
وَأَخْرَجَ أَحْمَدُ بِإِسْنَادَيْنِ رِجَالُهُمَا رِجَالُ الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنِّي لَأَرْجُو إِنْ طَالَ بي عمر أن ألقى عيسى بن مَرْيَمَ فَإِنْ عَجَّلَ بِي مَوْتٌ فَمَنْ لَقِيَهُ فليقرأه مِنِّي السَّلَامُ انْتَهَى
قُلْتُ لَفْظُ أَحْمَدَ حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ أَنَّهُ قَالَ إِنِّي لَأَرْجُو إِنْ طَالَ بِي عمر أن ألقى عيسى بن مَرْيَمَ ﵇ فَإِنْ عَجَّلَ بِي مَوْتٌ فمن لقيه منكم فليقرأه مِنِّي السَّلَامُ
حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَنْبَأَنَا شُعْبَةُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ
وَأَخْرَجَ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هريرة أيضا بلفظ ليهبطن عيسى بن مَرْيَمَ حَكَمًا وَإِمَامًا مُقْسِطًا وَلَيَسْلُكَنَّ فِجَاجًا حَاجًّا أَوْ مُعْتَمِرًا وَلَيَأْتِيَنَّ قَبْرِي حَتَّى يُسَلِّمَ وَلَأَرُدَّنَّ عَلَيْهِ انْتَهَى
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ قَتْلِ عيسى بن مَرْيَمَ الدَّجَّالَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَمِّي مُجَمِّعَ بْنَ جارية الأنصاري يقول سمعت رسول الله يقول يقتل بن مَرْيَمَ الدَّجَّالَ بِبَابِ لُدٍّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ
стр. 3887
وَفِي الْبَابِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَنَافِعِ بن علبة وَأَبِي بَرْزَةَ وَحُذَيْفَةَ بْنِ أَسِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَكَيْسَانَ وَعُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ وَجَابِرٍ وَأَبِي أمامة وبن مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ وَالنَّوَّاسِ بْنِ سِمْعَانَ وَعَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَحُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ انْتَهَى
فَلَا يَخْفَى عَلَى كل منصف أن نزول عيسى بن مَرْيَمَ ﵇ إِلَى الْأَرْضِ حَكَمًا مُقْسِطًا بِذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ ثَابِتٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَالسُّنَّةِ الْمُطَهَّرَةِ وَاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَنَّهُ الْآنَ حَيٌّ فِي السَّمَاءِ لَمْ يَمُتْ بِيَقِينٍ
وَأَمَّا ثُبُوتُهُ مِنَ الْكِتَابِ فَقَالَ اللَّهُ رَدًّا عَلَى الْيَهُودِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمُ الزَّاعِمِينَ أَنَّهُمْ قَتَلُوا عِيسَى بن مَرْيَمَ ﵇ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا بَلْ رفعه الله إليه فَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَخْبَرَنَا اللَّهُ تَعَالَى أَنَّ الَّذِي أَرَادَ الْيَهُودُ قَتْلَهُ وَأَخْذَهُ وَهُوَ عِيسَى بِجِسْمِهِ الْعُنْصُرِيِّ لَا غَيْرُ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَلَمْ يَظْفَرُوا مِنْهُ بِشَيْءٍ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ رَفْعِهِ بِقَوْلِهِ وَمَا يَضُرُّونَكَ من شيء وبرفع جسده حيا فسره بن عَبَّاسٍ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
فَثَبَتَ بِهَذَا أَنَّ عِيسَى ﵇ رُفِعَ حَيًّا وَيَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُتَوَاتِرَةُ الْمَذْكُورَةُ الْمُصَرِّحَةُ بِنُزُولِهِ بِذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ أي قبل موت عيسى بن مَرْيَمَ ﵇ كَمَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ الصَّالِحِينَ وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا فِي تَفْسِيرِ بن كَثِيرٍ فَثَبَتَ أَنَّ عِيسَى ﵇ لَمْ يَمُتْ بَلْ يَمُوتُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَيُؤْمِنُ بِهِ كُلُّ أَهْلِ الْكِتَابِ
وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَنَّ نُزُولَهُ إِلَى الْأَرْضِ مِنْ عَلَامَاتِ السَّاعَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّهُ لعلم للساعة
وقال الإمام بن كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ الصَّحِيحُ أَنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ إِلَى عِيسَى ﵇ فَإِنَّ السِّيَاقَ فِي ذِكْرِهِ وَأَنَّ الْمُرَادَ نُزُولُهُ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا ليؤمنن به قبل موته أَيْ قَبْلَ مَوْتِ عِيسَى ﵇ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى الْقِرَاءَةُ وَإِنَّهُ لَعَلَمٌ لِلسَّاعَةِ يَعْنِي بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَاللَّامِ أَيْ أَمَارَةٌ وَدَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِ السَّاعَةِ
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ أي آية للساعة خروج عيسى بن مَرْيَمَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ
وَهَكَذَا رُوِيَ عَنْ أبي هريرة وبن عَبَّاسٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَأَبِي مَالِكٍ وَعِكْرِمَةَ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَالضَّحَّاكِ وَغَيْرِهِمْ وَقَدْ تَوَاتَرَتِ الْأَخْبَارُ عَنْ رسول الله أَنَّهُ أَخْبَرَ بِنُزُولِ عِيسَى ﵇ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِمَامًا عَادِلًا وَحَكَمًا مُقْسِطًا انْتَهَى
стр. 3888
فَهَذِهِ الْآيَاتُ الْكَرِيمَةُ وَالنُّصُوصُ الصَّحِيحَةُ الثَّابِتَةُ عَنْ رسول الله تدل دلالة واضحة على نزول عيسى بن مَرْيَمَ ﵇ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ عِنْدَ قُرْبِ السَّاعَةِ وَلَا يُنْكِرُ نُزُولَهُ إِلَّا ضَالٌّ مُضِلٌّ مُعَانِدٌ لِلشَّرْعِ مُخَالِفٌ لِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ وَاتِّفَاقِ أَهْلِ السُّنَّةِ
وَمِنَ الْمَصَائِبِ الْعُظْمَى وَالْبَلَايَا الْكُبْرَى عَلَى الْإِسْلَامِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْمُلْحِدِينَ الدَّجَّالِينَ الْكَذَّابِينَ خَرَجَ مِنَ الْفِنْجَابِ مِنْ إِقْلِيمِ الْهِنْدِ وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ مُدَّعِيًا للإ سلام كَذَّبَ الشَّرِيعَةَ وَعَصَى اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَطَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَكَانَ أَوَّلُ مَا ادَّعَاهُ أَنَّهُ مُحَدَّثٌ وَمُلْهَمٌ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى ثُمَّ كَثُرَتْ فِتْنَتُهُ وَعَظُمَتْ بَلِيَّتُهُ مِنْ سَنَةِ سِتٍّ وَأَلْفٍ وَثَلَاثِ مِائَةٍ إِلَى السَّنَةِ الْحَاضِرَةِ وَهِيَ سَنَةُ عِشْرِينَ بَعْدَ الْأَلْفِ وَثَلَاثِ مِائَةٍ وَأَلَّفَ الرَّسَائِلَ الْعَدِيدَةَ (مِنْهَا تَوْضِيحُ الْمُرَادِ وَمِنْهَا إِزَالَةُ الْأَوْهَامِ وَمِنْهَا فَتْحُ الْإِسْلَامِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّحْرِيرَاتِ) فِي إِثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْإِلْهَامَاتِ الْكَاذِبَةِ وَالدَّعَاوَى الْعَقْلِيَّةِ الْوَاهِيَةِ وَأَقْوَالِ الزَّنْدَقَةِ وَالْإِلْحَادِ وَحَرَّفَ الْكَلِمَ وَالنُّصُوصَ الظَّاهِرَةَ عَنْ مَوَاضِعِهَا وَتَفَوَّهَ بِمَا تقشعر منه الجلود وبما لم تجترىء عَلَيْهِ إِلَّا غَيْرُ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَعَاذَنَا اللَّهُ تَعَالَى وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ شُرُورِهِ وَنَفْثِهِ وَنَفْخِهِ فَمِنْ أَقْوَالِهِ الْوَاهِيَةِ الْمَرْدُودَةِ الَّتِي صَرَّحَ بِهَا فِي رسائله أن نزول عيسى بن مَرْيَمَ وَرَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ بِجَسَدِهِ الْعُنْصُرِيِّ مِنَ الْخُرَافَاتِ وَالْمُسْتَحِيلَاتِ
وَادَّعَى أَنَّ عِيسَى الْمَسِيحَ الْمَوْعُودَ فِي الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَالْخَارِجَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لقتل الدجال ليس هو عيسى بن مَرْيَمَ الَّذِي تُوُفِّيَ بَلِ الْمَسِيحُ الْمَوْعُودُ مَثِيلُهُ وَهُوَ أَنَا الَّذِي أَنْزَلَنِي اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقَادِيَانِ وَأَنَا هُوَ الَّذِي جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ وَنَطَقَتْ بِهِ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ وَأَمَّا عِيسَى بن مَرْيَمَ فَلَيْسَ بِحَيٍّ فِي السَّمَاءِ
وَأَنْكَرَ وُجُودُ الْمَلَائِكَةِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي أَخْبَرَنَا بِهِ رَسُولُ الله وأنكر نزول جبرائيل ﵇ على النبي وَأَنْكَرَ نُزُولَ مَلَكِ الْمَوْتِ وَأَنْكَرَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ
وَيَذْهَبُ فِي وُجُودِ الْمَلَائِكَةِ مَذْهَبُ الْفَلَاسِفَةِ وَالْمَلَاحِدَةِ وَيَقُولُ إِنَّ النُّبُوَّةَ التَّامَّةَ قَدِ انْقَطَعَتْ وَلَكِنَّ النُّبُوَّةَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا إِلَّا الْمُبَشِّرَاتِ فَهِيَ بَاقِيَةٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا انْقِطَاعَ لَهَا أَبَدًا وَأَنَّ أَبْوَابَ النُّبُوَّةِ الْجُزْئِيَّةِ مَفْتُوحَةٌ أَبَدًا
وَيَقُولُ إِنَّ ظَوَاهِرَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مَصْرُوفَةٌ عَنْ ظَوَاهِرِهَا وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ يُبَيِّنُ مُرَادَهُ بِالِاسْتِعَارَاتِ وَالْكِنَايَاتِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْخُرَافَاتِ وَالْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ
قُلْتُ وَأَكْثَرُ عَقَائِدِهِ وَمُعْظَمُ مَقَالَاتِهِ مُوَافِقٌ لِمَقَالَاتِ الْفِرْقَةِ النَّيْجِرِيَّةِ الطَّاغِيَةِ وَمُطَابِقٌ لِمَذْهَبِ هَؤُلَاءِ الطَّائِفَةِ الزَّائِغَةِ فَإِنَّ الطَّائِفَةَ النَّيْجِرِيَّةَ أَفْسَدَتْ فِي أَرْضِ الْهِنْدِ وَتَقَوَّلَتْ عَلَى اللَّهِ بِمَا لَمْ يَقُلْ بِهِ وَصَنَّفَ رَئِيسُ النَّيْجِرِيَّةِ وَإِمَامُهُمْ تَفْسِيرًا لِلْقُرْآنِ الْكَرِيمِ بِلُغَةِ الْهِنْدِ فَفَسَّرَهُ بِرَأْيِهِ الْفَاسِدِ وَحَرَّفَ فِي مَعَانِي الْقُرْآنِ وَصَرَفَ إِلَى غَيْرِ مَحَلِّهِ وَجَاءَ بِالطَّامَّةِ الْكُبْرَى وَأَنْكَرَ مُعْظَمَ
стр. 3889
عَقَائِدِ الْإِسْلَامِ وَأَحْكَمَ وَأَتْقَنَ مَذَاهِبَ الْفَلَاسِفَةِ وَأَهْلَ الْأَهْوَاءِ وَعَكَفَ عَلَى تَأْلِيفَاتِ هَؤُلَاءِ فَاسْتَخْرَجَ عَنْهَا مَا أَرَادَ مِنَ الْأَقْوَالِ الْمُضَادَّةِ لِلشَّرِيعَةِ وَالْمُخَالِفَةِ لِلسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّحِيَّةِ وَرَدَّ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الثَّابِتَةَ وَأَنْكَرَ وُجُودَ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَالشَّيَاطِينِ وَالْجَنَّةِ وَالنَّارِ وَأَنْكَرَ الْمُعْجِزَاتِ بِأَسْرِهَا وَأَثْبَتَ الأب لعيسى بن مَرْيَمَ ﵇ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ الْمَقَالَاتِ الْبَاطِلَةِ الْمَرْدُودَةِ وَصَنَّفَ لِإِثْبَاتِ هَذِهِ الْمَقَالَاتِ رَسَائِلَ كَثِيرَةً وَحَرَّرَ التَّحْرِيرَاتِ فَضَلَّ وَأَضَلَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَكِنَّ عُلَمَاءَ الْإِسْلَامِ لَمْ يَزَلْ دَأْبُهُمْ وَهِمَّتُهُمْ لِرَدِّ مَقَالَاتِ أَهْلِ الْإِلْحَادِ وَالزَّيْغِ وَالْفَسَادِ وَيَعُدُّونَ ذَلِكَ خَيْرَ ذَخِيرَةٍ لِلْمَعَادِ فَقَامَ عَلَى رَدِّ مَقَالَاتِهِ الْفَاسِدَةِ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ الْقَاضِي بَشِيرُ الدِّينِ الْقَنُّوجِيُّ فَصَنَّفَ كِتَابًا سَمَّاهُ بِإِمْدَادِ الْآفَاقِ بِرَجْمِ أَهْلِ النِّفَاقِ فِي رَدِّ تَهْذِيبِ الْأَخْلَاقِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنَ التَّحْرِيرَاتِ الْعَجِيبَةِ وَالْمَضَامِينِ الْبَالِغَةِ
وَجَرَى بَيْنَ شَيْخِي وَبَيْنَ رَئِيسِ تِلْكَ الطَّائِفَةِ تَحْرِيرَاتٌ شَتَّى إِلَى عِدَّةِ سِنِينَ يَطُولُ بِذِكْرِهَا الْمَقَامُ
ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَعَاقَبَ تَعَاقُبًا حَسَنًا وَرَدَّ كَلَامَهُ رَدًّا بَلِيغًا الْفَاضِلُ اللَّاهُورِيُّ وَشَفَا صُدُورَ الْمُؤْمِنِينَ فَرَئِيسُ النَّيْجِرِيَّةِ مَتْبُوعٌ وَإِمَامُ صِرَاطِ الضَّلَالَةِ أَيِ الْمُدَّعِي لِمَثِيلِ الْمَسِيحِ تَابِعٌ لَهُ فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ وَإِنَّمَا الِاخْتِلَافُ بَيْنَهُمَا فِي تِلْكَ الْإِلْهَامَاتِ الْكَاذِبَةِ وَالِادِّعَاءِ لِمَثِيلِ الْمَسِيحِ
فَالْوَاجِبُ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ أَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ضَلَالَ هَذَا الرَّجُلِ الْمُفْتَرِي الْمُدَّعِي أَنَّ الْمَسِيحَ ﵇ قَدْ مَاتَ وَأَنَّهُ مَثِيلُ عِيسَى بَلْ عِيسَى ﵇ حَيٌّ فِي السَّمَاءِ وَيَنْزِلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِذَاتِهِ الشَّرِيفَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ عِيسَى ﵇ يَنْزِلُ عِنْدَ الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِيَّ دِمَشْقَ وَلَيْسَتْ مَدِينَةُ دِمَشْقَ وَلَا الْمَنَارَةُ الْبَيْضَاءُ بَلْدَةَ الْقَادَيَانِيِّ وَلَا مَنَارَتَهُ
وتقدم أيضا أن رسول الله قال في وصف عيسى ﵇ بِأَنَّهُ رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إِلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ وَأَنَّهُ يَنْزِلُ بَيْنَ مُمَصَّرَتَيْنِ كَأَنَّ رَأْسَهُ يَقْطُرُ وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ وَأَنَّهُ بِنُزُولِهِ تَذْهَبُ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ وَالتَّحَاسُدُ وَأَنَّهُ يَدْعُو إِلَى الْمَالِ فَلَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ وَأَنَّهُ يَحْثُو الْمَالَ حَثْوًا وَأَنَّهُ يُقَاتِلُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا وُجُودَ لِهَذِهِ الْأَوْصَافِ الشَّرِيفَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الرَّجُلِ الْمُدَّعِي أَنَّهُ مَثِيلُ عِيسَى وَأَنَّ عِيسَى ﵇ لَا أَبَ لَهُ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ وَهَذَا الرَّجُلُ لَهُ أَبٌ وَجَدٌّ وَلَيْسَ فِيهِ مِنَ الصِّفَاتِ مَا يُصَحِّحُ دَعَاوِيهِ كُلُّهَا أَكَاذِيبٌ وَاهِيَةٌ تَدُلُّ عَلَى ضَلَالَةِ وَسُخْفِ عَقْلِهِ وَفَسَادِ رَأْيِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هاد
стр. 3890
وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ شيخنا الإمام الرحلة الآفاق السَّيِّدَ مُحَمَّد نَذِير حُسَيْن الدَّهْلَوِيَّ أَدَامَ اللَّهُ بَرَكَاتِهِ وَمِنْهُمْ شَيْخُنَا الْمُحَدِّثُ الْقَاضِي حُسَيْنُ بْنُ مُحْسِنٍ الْأَنْصَارِيُّ أَلَّفَ رِسَالَةً سَمَّاهَا بِالْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ فِي الرَّدِّ عَلَى الْقَادَيَانِيِّ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْعُلَمَاءِ الْكِرَامِ الْحَامِي لِدِينِ الْإِسْلَامِ وَاتَّفَقَتْ كَلِمَتُهُمْ بِأَنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ قَدْ أَظْهَرَ فِي رَسَائِلِهِ عَقَائِدَ كُفْرِيَّةً وَمَقَالَاتٍ بِدْعِيَّةً خَرَجَ بِهَا عَنِ اتِّبَاعِ السُّنَنِ وَالْإِسْلَامِ وَتَبِعَ فِيهَا الْفَلَاسِفَةَ والْأَرِيَّةَ وَالنَّصَارَى وَالْمَلَاحِدَةَ الْبَاطِنِيَّةَ اللِّئَامَ وَأَنَّهُ قَدْ عَارَضَ الْحَقَّ الصَّرِيحَ وَأَنْكَرَ كَثِيرًا مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ وَإِجْمَاعِ السَّلَفِ الصَّالِحِينَ فَلَا يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِينَ أَنْ يُجَالِسُوهُ وَيُخَالِطُوهُ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
وَمِثْلُ هَذَا الرَّجُلِ الْمُدَّعِي خَرَجَ رجل في عصر شيخ الإسلام بن تيمية ﵀ وادعى بأنه عيسى بن مَرْيَمَ كَمَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْعَبَّاسِ تَقِيُّ الدِّينِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْحَلِيمِ بْنِ تَيْمِيَةَ ﵀ فِي رِسَالَتِهِ الْمُسَمَّاةِ بِبُغْيَةِ الْمُرْتَادِ فِي الرَّدِّ عَلَى الْمُتَفَلْسِفَةِ وَالْقَرَامِطَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ أَهْلِ الْإِلْحَادِ مِنَ الْقَائِلِينَ بِالْحُلُولِ وَالِاتِّحَادِ وَقَدْ كَانَ عِنْدَنَا بِدِمَشْقَ الشَّيْخُ الْمَشْهُورُ الَّذِي يُقَالُ لَهُ بن هُودٍ وَكَانَ مِنْ أَعْظَمِ مَنْ رَأَيْنَاهُ مِنْ هَؤُلَاءِ الِاتِّحَادِيَّةِ زُهْدًا وَمَعْرِفَةً وَرِيَاضَةً وَكَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَعْظِيمًا لِابْنِ سَبْعِينَ وَمُفَضِّلًا لَهُ عنده على بن عربي وغلامه بن إِسْحَاقَ
وَأَكْثَرُ النَّاسِ مِنَ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ كَانُوا يُطِيعُونَ أَمْرَهُ وَكَانَ أَصْحَابُهُ الْخَوَاصُّ بِهِ يَعْتَقِدُونَ فيه أنه أي بن هود المسيح بن مَرْيَمَ وَيَقُولُونَ إِنَّ أُمَّهُ اسْمُهَا مَرْيَمَ وَكَانَتْ نصرانية ويعتقدون أن قول النبي ينزل فيكم بن مَرْيَمَ هُوَ هَذَا وَأَنَّ رُوحَانِيَّةَ عِيسَى ﵇ تَنْزِلُ عَلَيْهِ وَقَدْ نَاظَرَنِي فِي ذَلِكَ مَنْ كَانَ أَفْضَلُ النَّاسِ عِنْدَهُمْ فِي مَعْرِفَتِهِ بِالْعُلُومِ الْفَلْسَفِيَّةِ وَغَيْرِهَا مَعَ دُخُولِهِ فِي الزُّهْدِ وَالتَّصَوُّفِ وَجَرَتْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ مُخَاطَبَاتٌ وَمُنَاظَرَاتٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا حَتَّى بَيَّنْتُ لَهُمْ فَسَادَ دَعْوَاهُمْ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْوَارِدَةِ فِي نُزُولِ عِيسَى الْمَسِيحِ وَأَنَّ ذَلِكَ الْوَصْفَ لَا يَنْطَبِقُ عَلَى هَذَا
стр. 3891
الرَّجُلِ وَبَيَّنْتُ لَهُمْ فَسَادَ مَا دَخَلُوا فِيهِ مِنَ الْقَرْمَطَةِ حَتَّى أَظْهَرْتُ مُبَاهَلَتَهُمْ وَحَلَفْتُ لَهُمْ أَنَّ مَا يَنْتَظِرُونَهُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ لَا يَكُونُ وَلَا يَتِمُّ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُتِمُّ أَمْرَ هَذَا الشَّيْخِ فَأَبَرَّ اللَّهُ تِلْكَ الْأَقْسَامَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ
هَذَا مَعَ تَعْظِيمِهِمْ لِي وَبِمَعْرِفَتِي عِنْدَهُمْ وَإِلَّا فَهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ سَائِرَ النَّاسِ مَحْجُوبُونَ بِحَالِ حَقِيقَتِهِمْ وَغَوَامِضِهِمْ وَإِنَّمَا النَّاسُ عِنْدَهُمْ كَالْبَهَائِمِ انْتَهَى كَلَامُهُ مُخْتَصَرًا
٥ - (بَاب فِي خَبَرِ الْجَسَّاسَةِ)
هِيَ بِفَتْحِ الْجِيمِ فَتَشْدِيدِ الْمُهْمَلَةِ الْأُولَى قِيلَ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَجَسُّسِهَا الْأَخْبَارَ لِلدَّجَّالِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ
[٤٣٢٥] (الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ) أَيْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ (إِنَّهُ) أَيِ الشَّأْنَ (حَبَسَنِي) أَيْ مَنَعَنِي مِنَ الْخُرُوجِ (عَنْ رَجُلٍ) أَيْ عَنْ حَالِ رَجُلٍ وَهُوَ الدَّجَّالُ (تَجُرُّ شَعْرَهَا) صِفَةٌ لِامْرَأَةٍ وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ طُولِ شَعْرِهَا (قَالَتْ) أَيْ تِلْكَ الْمَرْأَةُ (أَنَا الْجَسَّاسَةُ) وَفِي الْحَدِيثِ الْآتِي فلقيتهم دابة أهلب كثيرة الشَّعْرِ قَالُوا وَيْلَكَ مَا أَنْتِ قَالَتْ أَنَا الْجَسَّاسَةُ
قِيلَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا يَحْتَمِلُ أَنَّ لِلدَّجَّالِ جَسَّاسَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا دَابَّةٌ وَالثَّانِيَةُ امْرَأَةٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْجَسَّاسَةَ كَانَتْ شَيْطَانَةً تَمَثَّلَتْ تَارَةً فِي صُورَةِ دَابَّةٍ وَأُخْرَى فِي صُورَةِ امْرَأَةٍ وَلِلشَّيْطَانِ التَّشَكُّلُ فِي أَيِّ تَشَكُّلٍ أَرَادَ
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُسَمَّى الْمَرْأَةُ دَابَّةً مَجَازًا كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا على الله رزقها وَلَفْظُ مُسْلِمٍ فَلَقِيَتْهُمْ دَابَّةٌ أَهْلَبُ كَثِيرُ الشَّعْرِ لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ قَالُوا وَيْلَكَ مَا أَنْتِ قَالَتْ أَنَا الْجَسَّاسَةُ انْطَلِقُوا إِلَى هَذَا الرَّجُلِ فِي الدَّيْرِ فَإِنَّهُ إِلَى خَبَرِكُمْ بِالْأَشْوَاقِ قَالَ لَمَّا سَمَّتْ لَنَا رَجُلًا فَرِقْنَا مِنْهَا أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً وَسَيَجِيءُ هَذَا اللَّفْظُ فِي الْحَدِيثِ الْآتِي (مُسَلْسَلٌ) صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِرَجُلٍ أَيْ مُقَيَّدٌ بِالسَّلَاسِلِ (فِي الْأَغْلَالِ) أَيْ مَعَهَا (يَنْزُو) بِسُكُونِ النُّونِ وَضَمِّ الزَّايِ أَيْ يَثِبُ وُثُوبًا (فِيمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ مُتَعَلِّقٌ بقوله ينزو أو بمسلسل انتهى قال القارىء
стр. 3892
أَبْعَدَ مَنْ قَالَ إِنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِمُسَلْسَلٍ (خَرَجَ) بِحَذْفِ حَرْفِ الِاسْتِفْهَامِ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَخَرَجَ بذكره (نبي الأميين) أي العرب
قال بن الْمَلَكِ فِي شَرْحِ الْمَشَارِقِ أَرَادَ الدَّجَّالُ بِالْأُمِّيِّينَ العرب لأنهم لا يكتبون ولا يقرؤون غَالِبًا (بَعْدُ) مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ (قَالَ ذَاكَ خَيْرٌ لَهُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ الْمُشَارُ إِلَيْهِ مَا يُفْهَمُ مِنْ قَوْلِهِ وَأَطَاعُوهُ
قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ ﵀ هَذَا الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ عَرَفَ الْحَقَّ وَالْمَخْذُولُ مِنَ الْبُعْدِ مِنَ اللَّهِ بِمَكَانٍ لَمْ يُرَ لَهُ فِيهِ مُسَاهِمٌ فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ هَذَا قُلْنَا يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْخَيْرَ فِي الدُّنْيَا أَيْ طَاعَتَهُمْ لَهُ خَيْرٌ لَهُمْ فَإِنَّهُمْ إِنْ خَالَفُوا اجْتَاحَهُمْ وَاسْتَأْصَلَهُمْ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ الصِّرْفَةِ صَرَفَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَنِ الطَّعْنِ فِيهِ وَالتَّكَبُّرِ عَلَيْهِ وَتَفَوَّهَ بِمَا ذَكَرَ عَنْهُ كَالْمَغْلُوبِ عَلَيْهِ وَالْمَأْخُوذِ عَلَيْهِ فَلَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِغَيْرِهِ تَأْيِيدًا لِنَبِيِّهِ ﷺ وَالْفَضْلُ مَا شَهِدَتْ بِهِ الْأَعْدَاءُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيُّ مَوْلَاهُ الْحَرَّانِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالطَّرَائِفِيِّ قِيلَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ يتبع طرائف الحديث
قال بن نُمَيْرٍ كَذَّابٌ وَقَالَ أَبُو عَرُوبَةَ عِنْدَهُ عَجَائِبٌ
وقال بن حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ لَا يَجُوزُ عِنْدِي الِاحْتِجَاجُ بِرِوَايَتِهِ كُلِّهَا عَلَى حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ
وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ ثِقَةٌ
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ صَدُوقٌ
وَأَنْكَرَ عَلَى الْبُخَارِيِّ إِدْخَالَ اسْمِهِ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ وَقَالَ يُحَوَّلُ مِنْهُ انْتَهَى قُلْتُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ لَيْسَ فِيهَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ
[٤٣٢٦] (جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ) فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى جَوَازِ وَعْظِ الْوَاعِظِ النَّاسَ جَالِسًا عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَمَّا الْخُطْبَةُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَا بُدَّ لِلْخَطِيبِ أَنْ يَخْطُبَهَا قَائِمًا (وَهُوَ يَضْحَكُ) أَيْ يَتَبَسَّمُ ضَاحِكًا عَلَى عَادَتِهِ الشَّرِيفَةِ (لِيَلْزَمْ) بِفَتْحِ الزَّايِ (كُلُّ إِنْسَانٍ مُصَلَّاهُ) أَيْ مَوْضِعَ صَلَاتِهِ فَلَا يَتَغَيَّرُ وَلَا يَتَقَدَّمُ وَلَا يَتَأَخَّرُ (لِرَهْبَةٍ) أَيْ لِخَوْفٍ مِنْ عَدُوٍّ (وَلَا رَغْبَةٍ) أَيْ وَلَا لِأَمْرٍ مَرْغُوبٍ فِيهِ مِنْ عَطَاءٍ كَغَنِيمَةٍ (أَنَّ
стр. 3893
تَمِيمًا الدَّارِيَّ) أَيْ لِأَنَّ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَهُوَ مَنْسُوبٌ إِلَى جَدٍّ لَهُ اسْمُهُ الدَّارُ (وَافَقَ الَّذِي حَدَّثْتُكُمْ) أَيْ طَابَقَ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثْتُكُمْ (حَدَّثَنِي) قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا مَعْدُودٌ فِي مَنَاقِبِ تَمِيمٍ لِأَنَّ النَّبِيِّ ﷺ رَوَى عَنْهُ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَفِيهِ رِوَايَةُ الْفَاضِلِ عَنِ الْمَفْضُولِ وَرِوَايَةُ الْمَتْبُوعِ عَنْ تابعه وفيه قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ (فِي سَفِينَةٍ بَحْرِيَّةٍ) أَيْ لَا بَرِّيَّةٍ احْتِرَازًا عَنِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا تُسَمَّى سَفِينَةُ الْبَرِّ وَقِيلَ أَيْ مَرْكَبًا كَبِيرًا بَحْرِيًّا لا زورقا صغيرا نهريا قاله القارىء (مِنْ لَخْمٍ) بِفَتْحِ لَامٍ وَسُكُونِ خَاءٍ مُعْجَمَةٍ مَصْرُوفٌ وَقَدْ لَا يُصْرَفُ قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَكَذَا قَوْلُهُ (وَجُذَامٍ) بِضَمِّ الْجِيمِ (فَلَعِبَ بِهِمُ الْمَوْجُ) أَيْ دَارَ بِهِمْ وَاللَّعِبُ فِي الْأَصْلِ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ مِنْ فِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ فَاسْتُعِيرَ لِصَدِّ الْأَمْوَاجِ السُّفُنُ عَنْ صَوْبِ الْمَقْصِدِ وَتَحْوِيلِهَا يَمِينًا وَشِمَالًا (وَأَرْفَئُوا) أَيْ قَرَّبُوا السَّفِينَةَ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ أَرْفَأْتُ السَّفِينَةَ أُرْفِئُهَا إِرْفَاءً وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ أُرْفِيهَا بِالْيَاءِ عَلَى الْإِبْدَالِ وَهَذَا مَرْفَأُ السُّفُنِ أَيِ الْمَوْضِعُ الَّذِي تُشَدُّ إِلَيْهِ وَتُوقَفُ عِنْدَهُ كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ (فَجَلَسُوا) أَيْ بَعْدَ مَا تَحَوَّلُوا مِنَ الْمَرْكَبِ الْكَبِيرِ (فِي أَقْرُبِ السَّفِينَةِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ قَارِبٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهِ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ وَحُكِيَ ضَمُّهَا وهو جمع على غير قياس والقياس قوراب
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ أَقْرُبُ السَّفِينَةِ هُوَ بِضَمِّ الرَّاءِ جَمْعُ قَارِبٍ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا وهي سفينة صغيرة تكون مَعَ الْكَبِيرَةِ كَالْجَنِيبَةِ يَتَصَرَّفُ فِيهَا رُكَّابُ السَّفِينَةِ لِقَضَاءِ حَوَائِجِهِمْ (فَدَخَلُوا الْجَزِيرَةَ) اللَّامُ لِلْعَهْدِ أَيْ فِي الْجَزِيرَةِ الَّتِي هُنَاكَ (دَابَّةٌ أَهْلَبُ) وَالْهُلْبُ الشَّعْرُ وَقِيلَ مَا غَلُظَ مِنَ الشَّعْرِ وَقِيلَ مَا كَثُرَ مِنْ شَعْرِ الذَّنَبِ وَإِنَّمَا ذَكَّرَهُ لِأَنَّ الدَّابَّةَ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ كَذَا قالوا والأظهر أنه بتأويل الحيوان قاله القارىء
قَالَ النَّوَوِيُّ الْأَهْلَبُ غَلِيظُ الشَّعْرِ كَثِيرُهُ انْتَهَى (كَثِيرَةُ الشَّعْرِ) صِفَةٌ لِمَا قَبْلَهُ وَعَطْفُ بَيَانٍ زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ لَا يَدْرُونَ مَا قُبُلُهُ مِنْ دُبُرِهِ مِنْ كَثْرَةِ الشَّعْرِ (قَالُوا وَيْلَكَ) هِيَ كَلِمَةٌ تَجْرِي مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ إِلَى مَعْنَاهُ وَقَدْ تَرِدُ لِلتَّعَجُّبِ وَلِلتَّفَجُّعِ
قَالَ القارىء خَاطَبُوهَا مُخَاطَبَةَ الْمُتَعَجِّبِ الْمُتَفَجِّعِ (أَنَا الْجَسَّاسَةُ) سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِتَجَسُّسِهَا الْأَخْبَارَ لِلدَّجَّالِ (فِي هَذَا الدَّيْرِ) بِفَتْحِ الدَّالِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ أَيْ دَيْرِ النَّصَارَى فَفِي الْمُغْرِبِ صَوْمَعَةُ الرَّاهِبِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْقَصْرُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ فِي آخِرِ الْبَابِ (فإنه) أي
стр. 3894
الرَّجُلَ الَّذِي فِي الدَّيْرِ (إِلَى خَبَرِكُمْ) مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ (بِالْأَشْوَاقِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ جَمْعُ شَوْقٍ أَيْ كَثِيرُ الشَّوْقِ وَعَظِيمُ الِاشْتِيَاقِ وَالْبَاءُ لِلْإِلْصَاقِ
قَالَ التُّورْبَشْتِيُّ ﵀ أَيْ شَدِيدُ نِزَاعِ النَّفْسِ إِلَى مَا عِنْدَكُمْ مِنَ الْخَبَرِ حَتَّى كَأَنَّ الْأَشْوَاقَ مُلْصَقَةٌ بِهِ أَوْ كَأَنَّهُ مُهْتَمٌّ بِهَا (لما سمعت) أي ذكرت ووضعت (فَرِقْنَا) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ خِفْنَا (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الدَّابَّةِ (أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً) أَيْ كَرَاهَةَ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً
وَقَالَ الطِّيبِيُّ ﵀ أَنْ تَكُونَ شَيْطَانَةً بَدَلٌ مِنَ الضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ (سِرَاعًا) أَيْ حَالُ كَوْنِنَا مُسْرِعِينَ (أَعْظَمُ إِنْسَانٍ) أَيْ أَكْبَرُهُ جُثَّةً أَوْ أَهْيَبُهُ هَيْئَةً (رَأَيْنَاهُ) صفة إنسان احتراز عن من لَمْ يَرَوْهُ وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْكَلَامُ فِي مَعْنَى مَا رَأَيْنَاهُ مِثْلَهُ صَحَّ قَوْلُهُ (قَطُّ) الَّذِي يَخْتَصُّ بِنَفْيِ الْمَاضِي وَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الطَّاءِ الْمَضْمُومَةِ فِي أَفْصَحِ اللُّغَاتِ (خَلْقًا) تَمْيِيزُ أَعْظَمُ (وَأَشَدُّهُ) أَيْ أَقْوَى إِنْسَانٍ (وَثَاقًا) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَبِكَسْرٍ أَيْ قَيْدًا مِنَ السَّلَاسِلِ وَالْأَغْلَالِ (مَجْمُوعَةٌ) بِالرَّفْعِ أَيْ مَضْمُومَةٌ (فَذَكَرَ) أَيِ الرَّاوِي (الْحَدِيثَ) بِطُولِهِ وَقَدِ اخْتَصَرَهُ أَبُو دَاوُدَ وَذَكَرَهُ مُسْلِمٌ بِطُولِهِ وَإِنْ شِئْتَ الِاطِّلَاعَ عَلَى مَا حَذَفَهُ أَبُو دَاوُدَ فَارْجِعْ إِلَى صَحِيحِ مُسْلِمٍ (وَسَأَلَهُمْ) الضَّمِيرُ الْمَرْفُوعُ لِأَعْظَمُ إِنْسَانٍ الَّذِي كَانَ فِي الدَّيْرِ (عَنْ نَخْلِ بَيْسَانَ) بِفَتْحِ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ تَحْتِيَّةٍ وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالشَّامِ ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ قَرِيبَةٌ مِنَ الْأُرْدُنِّ ذَكَرَهُ بن الْمَلَكِ
زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هَلْ تُثْمِرُ قُلْنَا نَعَمْ قَالَ أَمَا إِنَّهَا تُوشِكُ أَنْ لَا تُثْمِرَ (وَعَنْ عَيْنِ زُغَرَ) بِزَايٍ فَغَيْنٍ مُعْجَمَتَيْنِ فَرَاءٍ كَزُفَرَ بَلْدَةٌ بِالشَّامِ قَلِيلَةُ النَّبَاتِ قِيلَ عَدَمُ صَرْفِهِ لِلتَّعْرِيفِ وَالتَّأْنِيثِ لِأَنَّهُ فِي الْأَصْلِ اسْمُ امْرَأَةٍ ثُمَّ نُقِلَ يَعْنِي لَيْسَ تَأْنِيثُهُ بِاعْتِبَارِ الْبَلْدَةِ وَالْبُقْعَةِ فَإِنَّهُ قَدْ يُذَكَّرُ مِثْلُهُ وَيُصْرَفُ بِاعْتِبَارِ الْبَلَدِ وَالْمَكَانِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ هِيَ بَلْدَةٌ مَعْرُوفَةٌ فِي الْجَانِبِ الْقِبْلِيِّ مِنَ الشَّامِ انْتَهَى
وَزَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هَلْ فِي الْعَيْنِ مَاءٌ وَهَلْ يَزْرَعُ أَهْلُهَا بِمَاءِ الْعَيْنِ قُلْنَا نَعَمْ هِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ وَأَهْلُهَا يَزْرَعُونَ مِنْ مَائِهَا (قَالَ إِنِّي أَنَا الْمَسِيحُ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الدَّجَّالُ وَسُمِّيَ بِهِ لِأَنَّ عَيْنَهُ الْوَاحِدَةَ مَمْسُوحَةٌ وَفِي تَسْمِيَتِهِ وُجُوهٌ أُخَرُ (وَإِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّامِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي التَّذْكِرَةِ هُوَ شَكٌّ أَوْ ظَنٌّ مِنْهُ ﷺ أَوْ قَصَدَ الْإِبْهَامَ عَلَى السَّامِعِ ثُمَّ نَفَى ذَلِكَ وَأَضْرَبَ عَنْهُ بِالتَّحْقِيقِ فَقَالَ لَا بَلْ مِنْ
стр. 3895
قِبَلِ الْمَشْرِقِ ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِمَا الزَّائِدَةِ وَالتَّكْرَارِ اللَّفْظِيِّ فَمَا زَائِدَةٌ لَا نَافِيَةٌ فَاعْلَمْ ذَلِكَ انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ
قَالَ الْقَاضِي لَفْظَةُ مَا هُوَ زَائِدَةٌ صِلَةٌ لِلْكَلَامِ لَيْسَتْ بِنَافِيَةٍ وَالْمُرَادُ إِثْبَاتُ أَنَّهُ فِي جِهَاتِ الْمَشْرِقِ انْتَهَى
وَفِي فَتْحِ الْوَدُودِ قِيلَ هَذَا شَكٌّ أَوْ ظَنٌّ مِنْهُ ﵇ أَوْ قَصَدَ الْإِبْهَامَ عَلَى السَّامِعِ ثُمَّ نَفَى ذَلِكَ وَأَضْرَبَ عَنْهُ فَقَالَ لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ ثُمَّ أَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مَا هُوَ وَمَا زَائِدَةٌ لَا نَافِيَةٌ وَالْمُرَادُ إِثْبَاتُ أَنَّهُ فِي جِهَةِ الْمَشْرِقِ
قِيلَ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً أَيِ الَّذِي هُوَ فِيهِ الْمَشْرِقُ
قُلْتُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا نَافِيَةٌ أَيْ مَا هُوَ إِلَّا فِيهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى (مَرَّتَيْنِ) وَلَفْظُ مُسْلِمٍ أَلَا إِنَّهُ فِي بَحْرِ الشَّامِ أَوْ بَحْرِ الْيَمَنِ لَا بَلْ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ مِنْ قِبَلِ الْمَشْرِقِ مَا هُوَ وأومىء بِيَدِهِ (وَأَوْمَأَ) أَيْ أَشَارَ ﷺ (قَالَتْ) أَيْ فَاطِمَةُ بِنْتُ قَيْسٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
[٤٣٢٧] (مُحَمَّدُ بْنُ صُدْرَانَ) هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ صُدْرَانَ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ وَالسُّكُونِ وَقَدْ يُنْسَبُ لِجَدِّهِ صَدُوقٌ مِنَ الْعَاشِرَةِ (عَنْ عَامِرٍ) هُوَ الشَّعْبِيُّ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (لَمْ يسلم) أي ما نجى (مِنْهُمْ) أَيِ الْمُغْرَقِينَ مَعَهُ (غَيْرُهُ) أَيْ غَيْرُ بن صدران
قال المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ
وَمُجَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ فِيهِ مَقَالٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ بْنِ دِعَامَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ بِنَحْوِهِ وَفِي أَلْفَاظِهِ اخْتِلَافٌ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنِ الشَّعْبِيِّ وَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ
انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
[٤٣٢٨] عَنْ (أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ) بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ الْمَدَنِيِّ ثقة (عن جابر) هو بن عَبْدِ اللَّهِ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (فَنَفِدَ طَعَامُهُمْ) أَيْ نُفِيَ وَلَمْ يَبْقَ (فَرُفِعَتْ لَهُمُ الْجَزِيرَةُ) بِصِيغَةِ المجهول
стр. 3896
وَالْمَعْنَى ظَهَرَتْ لَهُمْ (فَخَرَجُوا) أَيْ إِلَى تِلْكَ الْجَزِيرَةِ (الْخُبْزَ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالزَّايِ وَبَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ
وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ الْخَبَرَ بِالْخَاءِ وَالرَّاءِ بَيْنَهُمَا مُوَحَّدَةٌ (فَقُلْتُ لِأَبِي سَلَمَةَ) قَائِلُهُ وَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (فِي هَذَا الْقَصْرِ) وَقَدْ عَبَّرَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِالدَّيْرِ (فَقَالَ لِيَ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ) هُوَ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ يَرْوِي عَنْ أَبِيهِ أَبِي سَلَمَةَ وَالْقَائِلُ لِهَذِهِ الْمَقُولَةِ هُوَ الْوَلِيدُ (قَالَ) أَيْ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرحمن (شهد جَابِرِ) بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ (أَنَّهُ) أَيِ الدَّجَّالَ (قَالَ وَإِنْ دَخَلَ الْمَدِينَةَ)
قَالَ السُّيُوطِيُّ ﵀ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ يَعْنِي عَدَمَ دُخُولِهِ إِيَّاهَا إِنَّمَا هُوَ بَعْدَ خُرُوجِهِ
قَالَ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ بَعْضُ العلماء كان بعض الصحابة يظن أن بن الصَّيَّادِ هُوَ الدَّجَّالُ الْأَكْبَرُ الْمَوْعُودُ آخِرَ الزَّمَانِ وَلَيْسَ بِهِ وَإِنَّمَا هُوَ دَجَّالٌ صَغِيرٌ قَطْعًا لِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي خبر فاطمة أن الدجال الأكبر غير بن الصَّيَّادِ وَلَكِنَّهُ أَحَدُ الدَّجَاجِلَةِ الْكَذَّابِينَ الَّذِينَ أَخْبَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِخُرُوجِهِمْ وَقَدْ خَرَجَ أَكْثَرُهُمْ فَكَأَنَّ مَنْ جَزَمُوا بِأَنَّهُ بن الصَّيَّادِ لَمْ يَسْمَعُوا بِقِصَّةِ تَمِيمٍ وَإِلَّا فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بَعِيدٌ جِدًّا فَكَيْفَ يَلْتَئِمُ أَنْ يَكُونَ مَنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الْحَيَاةِ النَّبَوِيَّةِ شِبْهَ الْمُحْتَلِمِ وَيَجْتَمِعُ بِهِ ﷺ وَيُسَائِلُهُ أَنْ يَكُونَ بِآخِرِهَا شَيْخًا مَسْجُونًا فِي جَزِيرَةٍ مِنْ جَزَائِرِ الْبَحْرِ مُوثَقًا بِالْحَدِيدِ يَسْتَفْهِمُ فِي خَبَرِهِ ﷺ هَلْ خَرَجَ أَمْ لَا فَالْأَوْلَى أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عَدَمِ الِاطِّلَاعِ
وَأَمَّا قَوْلُ عُمَرَ فَلَعَلَّهُ كَانَ قَبْلَ سَمَاعِهِ قِصَّةَ تَمِيمٍ فَلَمَّا سَمِعَهَا لَمْ يَعُدْ لِحَلِفِهِ الْمَذْكُورِ وَأَمَّا جَابِرٌ فَشَهِدَ حَلِفَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَاسْتَصْحَبَ مَا كَانَ اطَّلَعَ عَلَيْهِ عُمَرُ بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ ﷺ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي إِسْنَادِهِ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ الزُّهْرِيُّ الْكُوفِيُّ احْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ
وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لَا يُحَدِّثُنَا عَنِ الْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِقَلِيلٍ حَدَّثَنَا عَنْهُ
стр. 3897
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ يَنْفَرِدُ عَنِ الثِّقَاتِ بِمَا لَا يُشْبِهُ حَدِيثَ الثِّقَاتِ فَلَمَّا تَحَقَّقَ ذَلِكَ مِنْهُ بَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ
وَذَكَرَهُ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ
وَقَالَ بن عَدِيٍّ الْجُرْجَانِيُّ وَلِلْوَلِيدِ بْنِ جُمَيْعٍ أَحَادِيثُ
وَرَوَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ جَابِرٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ عَنْهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ حَدِيثَ الْجَسَّاسَةِ بِطُولِهِ وَلَا يَرْوِيهِ غير الوليد بن جميع
هذا خبر بن صائد انتهى
قلت بن فُضَيْلٍ هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلِ بْنِ غَزْوَانَ الْكُوفِيُّ وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَقَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ كَانَ ثِقَةً ثَبْتًا فِي الْحَدِيثِ
وَأَمَّا شَيْخُهُ الْوَلِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جُمَيْعٍ فَقَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ
وَقَالَ بن مَعِينٍ وَالْعِجْلِيُّ ثِقَةٌ
وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ لَا بَأْسَ بِهِ
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ صَالِحُ الْحَدِيثِ
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ كَانَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ لَا يُحَدِّثُنَا عَنْهُ
فَلَمَّا كَانَ قَبْلَ موته بقليل حدثنا عنه
وذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَذَكَرَهُ أَيْضًا فِي الضُّعَفَاءِ
وَقَالَ يَنْفَرِدُ عَنِ الْأَثْبَاتِ بِمَا لَا يُشْبِهُ حَدِيثَ الثِّقَاتِ فَلَمَّا فَحُشَ ذَلِكَ مِنْهُ بَطَلَ الاحتجاج به
وقال بن سَعْدٍ كَانَ ثِقَةً لَهُ أَحَادِيثُ
وَقَالَ الْبَزَّارُ احْتَمَلُوا حَدِيثَهُ وَكَانَ فِيهِ تَشَيُّعٌ
وَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ فِي حَدِيثِهِ اضْطِرَابٌ
وَقَالَ الْحَاكِمُ لَوْ لَمْ يُخْرِجْ لَهُ مُسْلِمٌ لَكَانَ أَوْلَى
كَذَا فِي تهذيب التهذيب للحافظ بن حَجَرٍ ﵀
وَفِي التَّقْرِيبِ صَدُوقٌ يَهِمُ ورمى بالتشيع انتهى
٦ - (باب خبر بن الصائد)
وفي بعض النسخ بن صَيَّادٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَقِصَّتُهُ مُشْكِلَةٌ وَأَمْرُهُ مُشْتَبِهٌ فِي أَنَّهُ هَلْ هُوَ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ الْمَشْهُورُ أَمْ غَيْرُهُ
وَلَا شَكَّ فِي أَنَّهُ دَجَّالٌ مِنِ الدَّجَاجِلَةِ
قَالَ الْعُلَمَاءُ وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِأَنَّهُ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ وَلَا غَيْرُهُ وَإِنَّمَا أُوحِيَ إِلَيْهِ بِصِفَاتِ الدَّجَّالِ وَكَانَ في بن صَيَّادٍ قَرَائِنُ مُحْتَمِلَةٌ فَلِذَلِكَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ لَا يَقْطَعُ بِأَنَّهُ الدَّجَّالُ وَلَا غَيْرُهُ وَلِهَذَا قَالَ لِعُمَرَ ﵁ إِنْ يَكُنْ هُوَ فَلَنْ تَسْتَطِيعَ قَتْلَهُ
وَأَمَّا احْتِجَاجُهُ هُوَ بِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَالدَّجَّالُ كَافِرٌ وَبِأَنَّهُ لَا يُولَدُ لِلدَّجَّالِ وَقَدْ وُلِدَ لَهُ هُوَ وَأَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةَ وَأَنَّ بن صَيَّادٍ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَهُوَ مُتَوَجِّهٌ إِلَى مَكَّةَ فَلَا دَلَالَةَ لَهُ فِيهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ صِفَاتِهِ وَقْتَ فِتْنَتِهِ وَخُرُوجِهِ فِي الْأَرْضِ انْتَهَى
стр. 3898
قلت قد أطنب الحافظ بن حجر الكلام في أن بن الصَّيَّادِ هَلْ هُوَ الدَّجَّالُ أَوْ غَيْرُهُ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ فِي بَابِ مَنْ رَأَى تَرْكَ النَّكِيرِ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حُجَّةٌ إِلَخْ فَإِنْ شِئْتَ الْوُقُوفَ عَلَيْهِ فَارْجِعْ إليه
[٤٣٢٩] (وهو) أي بن صَائِدٍ وَالْوَاوُ لِلْحَالِ (يَلْعَبُ مَعَ الْغِلْمَانِ) جَمْعُ الْغُلَامِ (عِنْدَ أُطُمِ بَنِي مَغَالَةَ) قَالَ النَّوَوِيُّ الْمَغَالَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ
قَالَ الْقَاضِي وَبَنُو مَغَالَةَ كُلُّ مَا كَانَ عَلَى يَمِينِكِ إِذَا وَقَفْتَ آخِرَ الْبَلَاطِ مُسْتَقْبِلَ مَسْجِدَ رسول الله ﷺ
والأصم بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَالطَّاءِ هُوَ الْحِصْنُ جَمْعُهُ آطَامٌ انتهى
وقال القارىء بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَنُقِلَ بِالضَّمِّ وَالْمُهْمَلَةِ وَهُوَ قَبِيلَةٌ وَالْأُطُمُ الْقَصْرُ وَكُلُّ حِصْنٍ مَبْنِيٌّ بِحِجَارَةٍ وَكُلُّ بَيْتٍ مُرَبَّعٌ مُسَطَّحٌ الْجَمْعُ آطَامٌ وَأُطُومٌ كَذَا فِي الْقَامُوسِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ الْمَشْهُورُ مَغَالَةٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ انْتَهَى (فَلَمْ يَشْعُرْ) بِضَمِّ الْعَيْنِ أي لم يدر بن الصَّيَّادِ مُرُورَهُ ﷺ بِهِ وإتيانه لأنه النَّبِيَّ ﷺ جَاءَهُ عَلَى غفلة منه (ظهره) أي ظهر بن صَيَّادٍ (بِيَدِهِ) أَيِ الْكَرِيمَةِ (ثُمَّ قَالَ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فقال) أي بن صَيَّادٍ (أَنَّكَ رَسُولُ الْأُمِّيِّينَ) قَالَ الْقَاضِي يُرِيدُ بِهِمُ الْعَرَبَ لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا لَا يَكْتُبُونَ ولا يقرؤون
وَمَا ذَكَرَهُ وَإِنْ كَانَ حَقًّا مِنْ قِبَلِ الْمَنْطُوقِ لَكِنَّهُ يُشْعِرُ بِبَاطِلٍ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومِ وَهُوَ أَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِالْعَرَبِ غَيْرَ مَبْعُوثٍ إِلَى الْعَجَمِ كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ الْيَهُودِ وَهُوَ إِنْ قَصَدَ بِهِ ذَلِكَ فَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُلْقِي إِلَيْهِ الْكَاذِبُ الَّذِي يَأْتِيهُ وَهُوَ شَيْطَانُهُ انتهى
كذا في المرقاة (ثم قال بن صَيَّادٍ لِلنَّبِيِّ ﷺ أَتَشْهَدُ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) زَادَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالْبُخَارِيِّ فَرَفَضَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ
قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ تَرَكَ سُؤَالَهُ الْإِسْلَامَ لِيَأْسِهِ مِنْهُ حِينَئِذٍ ثُمَّ شَرَعَ فِي سُؤَالِهِ عَمَّا يَرَى
وَفِي الْمِشْكَاةِ فَرَصَّهُ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ المهملة
قال القارىء أَيْ ضَغَطَهُ حَتَّى ضَمَّ بَعْضُهُ إِلَى بَعْضٍ انْتَهَى (فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ)
فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ لَمْ يَقْتُلْهُ النَّبِيِّ ﷺ مَعَ أَنَّهُ ادَّعَى بِحَضْرَتِهِ النُّبُوَّةَ فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ كَانَ غَيْرَ بَالِغٍ وَالثَّانِي أَنَّهُ كَانَ فِي أَيَّامِ مُهَادَنَةِ الْيَهُودِ وَحُلَفَائِهِمْ
وَجَزَمَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ بِهَذَا الْجَوَابِ الثَّانِي
قَالَ وَالَّذِي عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ إِنَّمَا جَرَتْ مَعَهُ أَيَّامَ مُهَادَنَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ اليهود وحلفائهم وَذَلِكَ أَنَّهُ بَعْدَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ كَتَبَ بَيْنَهُ
стр. 3899
وَبَيْنَ الْيَهُودِ كِتَابًا وَصَالَحَهُمْ فِيهِ عَلَى أَنْ لا يهاجموا ويتركوا أمرهم وكان بن صَيَّادٍ مِنْهُمْ أَوْ دَخِيلًا فِي جُمْلَتِهِمْ وَكَانَ يَبْلُغُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ خَبَرُهُ وَمَا يَدَّعِيهِ مِنَ الْكِهَانَةِ وَيَتَعَاطَاهُ مِنَ الْغَيْبِ فَامْتَحَنَهُ النَّبِيُّ ﷺ بِذَلِكَ لِيَرُوزَ أَمْرَهُ وَيَخْبُرَ شَأْنَهُ فَلَمَّا كَلَّمَهُ عَلِمَ أَنَّهُ مُبْطِلٌ وَأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ السَّحَرَةِ أو الكهنة أو ممن يأتيه رئي مِنَ الْجِنِّ أَوْ يَتَعَاهَدُهُ شَيْطَانٌ فَيُلْقِي عَلَى لِسَانِهِ بَعْضَ مَا يَتَكَلَّمُ انْتَهَى مُخْتَصَرًا
(مَا يَأْتِيكَ) أَيْ مِنْ أَخْبَارِ الْغَيْبِ وَنَحْوِهِ (قَالَ) أي بن صَيَّادٍ (صَادِقٌ) أَيْ خَبَرٌ صَادِقٌ (وَكَاذِبٌ) أَيْ خبر كاذب
قال القارىء وَقِيلَ حَاصِلُ السُّؤَالِ أَنَّ الَّذِي يَأْتِيكَ مَا يَقُولُ لَكَ وَمُجْمَلُ الْجَوَابِ أَنَّهُ يُحَدِّثنِي بِشَيْءٍ قَدْ يَكُونُ صَادِقًا وَقَدْ يَكُونُ كَاذِبًا (خُلِّطَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ مُشَدَّدًا لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّكْثِيرِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُهُ أَيْ شُبِّهَ عَلَيْكَ الْأَمْرُ أَيِ الْكَذِبُ بِالصِّدْقِ
قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀ أَيْ مَا يَأْتِيكَ بِهِ شَيْطَانُكَ مُخَلَّطٌ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ لَهُ تَارَاتٍ يُصِيبُ فِي بعضها ويخطىء فِي بَعْضِهَا فَلِذَلِكَ الْتَبَسَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ (قَدْ خَبَّأْتُ لَكَ) أَيْ أَضْمَرْتُ لَكَ فِي نَفْسِي (خَبِيئَةً) أَيْ كَلِمَةً مُضْمَرَةً لِتُخْبِرَنِي بِهَا (هُوَ الدُّخُّ) قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْخَاءِ وَهِيَ لُغَةٌ فِي الدُّخَانِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالدُّخِّ هُنَا الدُّخَانُ وَأَنَّهَا لُغَةٌ فِيهِ وَخَالَفَهُمِ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ لَا مَعْنَى لِلدُّخَانِ هُنَا لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّا يُخَبَّأُ فِي كَفٍّ أَوْ كُمٍّ كَمَا قَالَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى خَبَّأْتُ أَضْمَرْتُ لَكَ اسْمَ الدُّخَانِ فَيَجُوزُ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ ﷺ أَضْمَرَ لَهُ آيَةَ الدُّخَانِ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين
قَالَ الْقَاضِي وَأَصَحُّ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ لَمْ يَهْتَدِ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي أَضْمَرَهَا النَّبِيُّ ﷺ إِلَّا لِهَذَا اللَّفْظِ النَّاقِصِ عَلَى عَادَةِ الْكُهَّانِ
إِذَا أَلْقَى الشَّيْطَانُ إِلَيْهِمْ بِقَدْرِ مَا يَخْطِفُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ الشِّهَابُ انْتَهَى (اخْسَأْ) بِفَتْحِ السِّينِ وَسُكُونِ الْهَمْزَةِ كَلِمَةٌ تُسْتَعْمَلُ عِنْدَ طَرْدِ الْكَلْبِ مِنَ الْخُسُوءِ وَهُوَ زَجْرُ الْكَلْبِ (فَلَنْ تَعْدُوَ) بِضَمِّ الدَّالِ أَيْ فَلَنْ تُجَاوِزَ (قَدْرَكَ) أَيِ الْقَدْرَ الَّذِي يُدْرِكُهُ الْكُهَّانُ مِنَ الِاهْتِدَاءِ إِلَى بَعْضِ الشَّيْءِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ لَا تَتَجَاوَزُ عَنْ إِظْهَارِ الْخَبِيئَاتِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ كَمَا هُوَ دَأْبُ الْكَهَنَةِ إِلَى دَعْوَى النُّبُوَّةِ فَتَقُولُ أَتَشَهَدُ أَنِّي رسول الله انتهى (إِنْ يَكُنْ) أَيْ
стр. 3900
إِنْ يَكُنْ هَذَا دَجَّالًا (فَلَنْ تُسَلَّطَ عَلَيْهِ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ لَا تَقْدِرَ (يَعْنِي الدَّجَّالَ) هَذَا تَفْسِيرٌ لِلضَّمِيرِ الْمَجْرُورِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ (وَإِنْ لَا يَكُنْ هُوَ) لَيْسَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ لَفْظُ هُوَ وَهُوَ خَبَرُ كَانَ وَاسْمُهُ مُسْتَكِنٌّ فِيهِ وَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يُكِنَّهُ فَوَضَعَ الْمَرْفُوعَ الْمُنْفَصِلَ مَوْضِعَ الْمَنْصُوبِ الْمُتَّصِلِ عَكْسَ قَوْلِهِمْ لَوْلَاهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تأكيدا للمستكن والخبر محذوفا على تقديران لَا يَكُنْ هُوَ الدَّجَّالَ (فَلَا خَيْرَ فِي قَتْلِهِ) أَيْ لِكَوْنِهِ صَغِيرًا أَوْ ذِمِّيًّا أَوْ كَوْنِ كَلَامِهِ مُحْتَمِلًا فِيهِ أَقْوَالٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْخَطَّابِيَّ ﵀ جَزَمَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِهِمْ خَبَّأَ لَهُ (يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) وَالْإِسْنَادُ الَّذِي خَرَّجَ بِهِ أَبُو دَاوُدَ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ
[٤٣٣٠] مَا أَشُكُّ) أَيْ لَا أتردد (أن المسيح الدجال بن صَيَّادٍ) أَيْ هُوَ هُوَ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ المنذري
[٤٣٣١] أن (بن الصياد الدجال) أي أن بن الصَّيَّادِ هُوَ الدَّجَّالُ (فَقُلْتُ تَحْلِفُ بِاللَّهِ) أَيْ أَتَحْلِفُ بِاللَّهِ مَعَ أَنَّهُ أَمْرٌ مَظْنُونٌ غَيْرُ مَجْزُومٍ بِهِ (عَلَى ذَلِكَ) أَيْ عَلَى أَنَّ بن الصَّيَّادِ الدَّجَّالُ (فَلَمْ يُنْكِرْهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَيْ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَقْطُوعًا لَأَنْكَرَهُ أَيْ وَلَمْ يُجِزِ الْيَمِينَ عَلَى مَا يَغْلِبُ بِهِ الظَّنُّ لَمَّا سَكَتَ عَنْهُ
قيل لعل عمر أراد بذلك أن بن الصَّيَّادِ مِنَ الدَّجَّالِينَ الَّذِينَ يَخْرُجُونَ فَيَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَرَدَّدَ حَيْثُ قَالَ إِنْ يَكُنْ هُوَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُوَ وَلَكِنْ فِيهِ أَنَّ الظَّاهِرَ الْمُتَبَادِرَ مِنْ إِطْلَاقِ الدَّجَّالِ هُوَ الْفَرْدُ الْأَكْمَلُ فَالْوَجْهُ حَمْلُ يَمِينِهِ عَلَى الْجَوَازِ عِنْدَ غَلَبَةِ الظَّنِّ والله تعالى أعلم قاله القارىء
وَقَالَ النَّوَوِيُّ اسْتَدَلَّ بِهِ جَمَاعَةٌ عَلَى جَوَازِ الْيَمِينِ بِالظَّنِّ وَأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهَا الْيَقِينُ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِهِ الْبَعْثُ وَالنُّشُورُ اخْتَلَفَ الناس في أمر بن صَيَّادٍ اخْتِلَافًا كَثِيرًا هَلْ هُوَ
стр. 3901
الدَّجَّالُ قَالَ وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهُ غَيْرُهُ احْتَجَّ بِحَدِيثِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ توافق صفة بن صَيَّادٍ صِفَةَ الدَّجَّالِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَشْبَهَ النَّاسِ بِالدَّجَّالِ عَبْدُ الْعُزَّى بْنُ قَطَنٍ وَلَيْسَ هُوَ كَمَا قَالَ
وَكَانَ أَمْرُ بن صَيَّادٍ فِتْنَةً ابْتَلَى اللَّهُ تَعَالَى بِهَا عِبَادَهُ فَعَصَمَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا الْمُسْلِمِينَ وَوَقَاهُمْ شَرَّهَا قَالَ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَكْثَرَ مِنْ سُكُوتِ النَّبِيِّ ﷺ لِقَوْلِ عُمَرَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ كَالْمُتَوَقِّفِ فِي أَمْرِهِ ثُمَّ جَاءَهُ الْبَيَانُ أَنَّهُ غَيْرُهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثِ تَمِيمٍ
هَذَا كَلَامُ الْبَيْهَقِيِّ
وَقَدِ اخْتَارَ أَنَّهُ غَيْرُهُ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ومسلم
[٤٣٣٢] (سالم) هو بن أبي الجعد (جابر) هو بن عبد الله (فقدنا بن صَيَّادٍ يَوْمَ الْحَرَّةِ) هُوَ يَوْمُ غَلَبَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمُحَارَبَتِهِ إِيَّاهُمْ وَهَذَا يُخَالِفُ مَا فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمَةِ من أنه قد مات
قال القارىء نَقْلًا عَنِ الطِّيبِيِّ قِيلَ هَذَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَلَيْسَ بِمُخَالِفٍ قَالَ وَهُوَ مُخَالِفٌ إِذْ يَلْزَمُ مِنْ فَقْدِهِ الْمُحْتَمَلِ مَوْتُهُ بِهَا وَبِغَيْرِهَا وَكَذَا بَقَاؤُهُ فِي الدُّنْيَا إِلَى حِينِ خُرُوجِهِ عَدَمُ جَزْمِ مَوْتِهِ بالمدينة انتهى
وقال الحافظ بن حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ أَثَرِ جَابِرٍ هَذَا وَهَذَا يُضْعِفُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ وَأَنَّهُمْ صَلَّوْا عَلَيْهِ وَكَشَفُوا عَنْ وَجْهِهِ وَأَثَرُ جَابِرٍ ﵁ سَكَتَ عَنْهُ المنذري وصححه الحافظ بن حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ
[٤٣٣٣] حَتَّى (يَخْرُجَ) أَيْ يَظْهَرَ (ثَلَاثُونَ دَجَّالًا) مِنِ الدَّجْلِ وَهُوَ التَّلْبِيسُ وَهُوَ كَثِيرُ الْمَكْرِ وَالتَّلْبِيسِ
قَالَ السُّيُوطِيُّ فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ فجاء ها هنا عَلَى طَرِيقِ جَبْرِ الْكَسْرِ
وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ سَبْعَةٌ وَعِشْرُونَ مِنْهُمْ أَرْبَعَةُ نسوة كلهم يزعم أنه رسول الله
زَادَ أَحْمَدُ وَأَنَا خَاتَمُ النَّبِيِّينَ لَا نَبِيَّ بَعْدِي وَزَادَ أَيْضًا آخِرُهُمُ الْأَعْوَرُ الدَّجَّالُ وَلِلطَّبَرَانِيِّ سبعون كذابا وسنده ضعيف
قال بن حَجَرٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ يَدَّعُونَ النُّبُوَّةَ مِنْهُمْ مَا ذُكِرَ مِنَ الثَّلَاثِينَ أَوْ نَحْوِهَا وَأَنَّ مَنْ زَادَ عَلَى الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ يَكُونُ كَذَّابًا فَقَطْ لَكِنْ يَدْعُو إِلَى الضَّلَالَةِ مِنْ غَيْرِ ادِّعَاءِ النُّبُوَّةِ انْتَهَى وَهَذَا الْقَدْرُ نَقَلَ السُّيُوطِيُّ مِنْ عِبَارَةِ الْحَافِظِ بْنِ
стр. 3902
حَجَرٍ وَفِي فَتْحِ الْبَارِي بَعْدَ هَذَا كَغُلَاةِ الرَّافِضَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ وَأَهْلِ الْوَحْدَةِ وَالْحُلُولِيَّةِ وَسَائِرِ الْفِرَقِ الدُّعَاةِ إِلَى مَا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ خِلَافُ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَحْمَدَ فَقَالَ عَلِيٌّ لِعَبْدِ اللَّهِ بن الكواء وإنك لمنهم وبن الْكَوَّاءِ لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّةَ وَإِنَّمَا كَانَ يَغْلُو فِي الرَّفْضِ انْتَهَى
قُلْتُ وَكَذَا رَئِيسُ الْفِرْقَةِ النَّيْجِيرِيَّةِ الَّذِي خَرَجَ مِنْ كول مِنْ إِقْلِيمِ الْهِنْدِ كَانَ دَجَّالًا مِنِ الدَّجَاجِلَةِ وَكَذَا الدَّجَّالُ الْقَادَيَانِيُّ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ الَّذِي عَمَّتْ فِتْنَتُهُ وَكَثُرَتْ بَلِيَّتُهُ فَإِنَّهُمَا مِنَ الدُّعَاةِ إِلَى مَا يُعْلَمُ بِالضَّرُورَةِ أَنَّهُ خِلَافُ مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ) قَالَ الْحَافِظُ هَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمْ يَدَّعِي النُّبُوَّةَ وَهَذَا هُوَ السِّرُّ فِي قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الْمَاضِي وَإِنِّي خَاتَمُ النَّبِيِّينَ انْتَهَى
وَأَرَادَ بِالْحَدِيثِ الْمَاضِي حَدِيثَ أَحْمَدَ الْمَذْكُورَ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٤٣٣٤] (أَخْبَرَنَا مُحَمَّدٌ يَعْنِي بن عمرو) هو بن عَلْقَمَةَ اللَّيْثِيُّ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (كُلُّهُمْ يَكْذِبُ عَلَى اللَّهِ وَعَلَى رَسُولِهِ) أَيْ يَتَحَدَّثُ بِالْأَحَادِيثِ الْمَوْضُوعَةِ الْكَاذِبَةِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ يَأْتُونَكُمْ مِنَ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَمْ تَسْمَعُوا أَنْتُمْ وَلَا آبَاؤُكُمُ الْحَدِيثَ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٤٣٣٥] عَنْ (إِبْرَاهِيمَ) هُوَ بن يَزِيدَ النَّخَعِيُّ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (فَقُلْتُ) قَائِلُهُ إِبْرَاهِيمُ (لَهُ) أَيْ لِعُبَيْدَةَ (هَذَا) يَعْنِي الْمُخْتَارَ الثَّقَفِيَّ (مِنْهُمْ) أَيْ مِنَ الدَّجَّالِينَ الْكَذَّابِينَ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ حرف التنبيه (إنه) أي المختار (من الرؤوس) أي من رؤوس الدَّجَّالِينَ وَكِبَارِهِمْ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَقَدْ وُجِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ خَلْقٌ كَثِيرُونَ فِي الْأَعْصَارِ وَأَهْلَكَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى وَقَلَعَ آثَارَهُمْ وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ ﵁ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ السَّاعَةِ كَذَّابِينَ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ جَابِرٌ فاحذروهم
стр. 3903
٧ - (بَاب الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ [٤٣٣٦] عَنْ عَلِيِّ بْنِ بَذِيمَةَ)
) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ الْخَفِيفَةِ بَعْدَهَا تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ الْجَزَرِيُّ ثِقَةٌ رُمِيَ بِالتَّشَيُّعِ (عَنْ أَبِي عبيدة) هو بن عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (فَلَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ) أَيْ مَا رَآهُ مِنْ ذَلِكَ أَمْسَ (أَنْ يَكُونَ أَكِيلَهُ وَشَرِيبَهُ وَقَعِيدَهُ) أَيْ من أن يكون أكيله وشربيه وَقَعِيدَهُ وَالْكُلُّ عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ بِمَعْنَى فَاعِلٍ هُوَ مَنْ يُصَاحِبُكَ فِي الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالْقُعُودِ (ضَرَبَ اللَّهُ قُلُوبَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ) يُقَالُ ضَرَبَ اللَّبَنَ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ أَيْ خَلَطَهُ
ذَكَرَهُ الرَّاغِبُ وقال بن الْمَلَكِ ﵀ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ أَيْ سَوَّدَ اللَّهُ قَلْبَ مَنْ لَمْ يَعْصِ بِشُؤْمِ مَنْ عَصَى فَصَارَتْ قُلُوبُ جَمِيعِهِمْ قَاسِيَةً بَعِيدَةً عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ أَوِ الرَّحْمَةِ بِسَبَبِ الْمَعَاصِي ومخالطة بعضهم بعضا انتهى
قال القارئ وَقَوْلُهُ قَلْبَ مَنْ لَمْ يَعْصِ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ لِأَنَّ مُؤَاكَلَتَهُمْ وَمُشَارَبَتَهُمْ مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ وَإِلْجَاءٍ بَعْدَ عَدَمِ انْتِهَائِهِمْ عَنْ مَعَاصِيهِمْ مَعْصِيَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْبُغْضِ فِي اللَّهِ أَنْ يَبْعُدُوا عَنْهُمْ وَيُهَاجِرُوهُمُ انْتَهَى قُلْتُ مَا قَالَ القارىء حَقٌّ صُرَاحٌ (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَخْ) هَذِهِ الْآيَةُ فِي آخِرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ (ثُمَّ قَالَ) أي النبي (بِالْمَعْرُوفِ) الْمَعْرُوفُ مَا عُرِفَ فِي الشَّرْعِ يَعْنِي أَمْرَ مَعْرُوفٍ بَيْنَ النَّاسِ يَعْرِفُونَهُ وَلَا يُنْكِرُونَهُ إِذَا رَأَوْهُ وَالْمُنْكَرُ أَمْرٌ لَا يُعْرَفُ فِي الشَّرْعِ بَلْ مُنْكَرٌ يُنْكِرُهُ مَنْ رَآهُ كَالشَّخْصِ الَّذِي لَا يَعْرِفُهُ النَّاسُ وَيُنْكِرُونَهُ إِذَا رَأَوْهُ (وَلَتَأْطُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا) قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ لَتَرُدُّنَّهُ عَلَى الْحَقِّ وَأَصْلُ الْأَطْرِ الْعَطْفُ وَالتَّثَنِّي
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ وَتَأْطُرُوهُ عَلَى الْحَقِّ أَطْرًا تَعْطِفُوهُ عَلَيْهِ (وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا) أَيْ لَتَحْبِسُنَّهُ عَلَيْهِ وَتُلْزِمُنَّهُ إِيَّاهُ كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ
وَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ قَصَرْتُ نَفْسِي عَلَى الشَّيْءِ إِذَا حَبَسْتُهَا عَلَيْهِ وَأَلْزَمْتُهَا إِيَّاهُ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ وَلَيَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا
стр. 3904
قال المنذري وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنِ النَّبِيِّ مرسلا
وأخرجه بن مَاجَهْ أَيْضًا مُرْسَلًا وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ فَهُوَ مُنْقَطِعٌ
[٤٣٣٧] (أَخْبَرَنَا أَبُو شِهَابٍ الْحَنَّاطُ) اسْمُهُ عَبْدُ رَبِّهِ بْنِ نَافِعٍ الكناني وهو الأصغر وثقه بن مَعِينٍ
قَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ (زَادَ) أَيْ سَالِمٌ بَعْدَ قَوْلِهِ وَلَتَقْصُرُنَّهُ عَلَى الْحَقِّ قَصْرًا (أَوْ لَيَضْرِبَنَّ اللَّهُ) أَيْ لَيَخْلِطَنَّ (بِقُلُوبِ بَعْضِكُمْ عَلَى بَعْضٍ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ لِتَأْكِيدِ التَّعْدِيَةِ (ثُمَّ لَيَلْعَنَنَّكُمْ) أَيِ اللَّهُ (كَمَا لَعَنَهُمْ) أَيْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَمَعَاصِيهِمْ
وَالْمَعْنَى أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ وَاقِعٌ قَطْعًا (رَوَاهُ الْمُحَارِبِيُّ عَنِ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيَّبِ إِلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّ الْمُحَارِبِيَّ خَالَفَ أَبَا شِهَابٍ الْحَنَّاطَ لِأَنَّهُ ذَكَرَ بَيْنَ الْعَلَاءِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسَالِمٍ عَبْدَ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ مَكَانَ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ وَخَالَفَهُمَا خَالِدٌ الطَّحَّانُ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ سَالِمًا
[٤٣٣٨] (قَالَ أَبُو بَكْرٍ) أَيِ الصِّدِّيقُ ﵁ (تقرؤون هَذِهِ الْآيَةَ) أَيْ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرّكُمْ من ضل إذا اهتديتم (وَتَضَعُونَهَا) أَيِ الْآيَةَ (عَلَى غَيْرِ مَوَاضِعِهَا) بِأَنْ تُجْرُونَهَا عَلَى عُمُومِهَا وَتَمْتَنِعُونَ عَنِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ مُطْلَقًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ (عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) انْتَصَبَ أَنْفُسَكُمْ بِعَلَيْكُمْ وَهُوَ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ أَيِ الْزَمُوا إِصْلَاحَ أَنْفُسِكُمْ (لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ) قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَمَّا قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أنفسكم الْآيَةَ فَلَيْسَ مُخَالِفًا لِوُجُوبِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ لِأَنَّ الْمَذْهَبَ الصَّحِيحَ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ في
стр. 3905
مَعْنَى الْآيَةِ أَنَّكُمْ إِذَا فَعَلْتُمْ مَا كُلِّفْتُمْ بِهِ فَلَا يَضُرُّكُمْ تَقْصِيرُ غَيْرِكُمْ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِذَا كان كذلك فما كُلِّفَ بِهِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ فَإِذَا فَعَلَهُ وَلَمْ يَمْتَثِلِ الْمُخَاطَبُ فَلَا عَتْبَ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى الْفَاعِلِ لِكَوْنِهِ أَدَّى مَا عَلَيْهِ (قَالَ عَنْ خَالِدٍ) أَيْ قَالَ وَهْبُ بْنُ بَقِيَّةَ عَنْ خَالِدٍ عَنْ إِسْمَاعِيلَ عَنْ قَيْسٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ وإنا سمعنا النبي يقول إلخ فمقولة القول هو قوله وإنا سمعنا النبي يَقُولُ إِلَخْ
وَخَالِدٌ هَذَا هُوَ الطَّحَّانُ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ) أَيْ لَمْ يَمْنَعُوهُ عَنْ ظُلْمِهِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى مَنْعِهِ (أَنْ يَعُمَّهُمُ اللَّهُ بِعِقَابٍ) أَيْ بِنَوْعٍ مِنَ العذاب (وقال عمرو) أي بن عَوْنٍ فِي رِوَايَتِهِ (عَنْ هُشَيْمٍ) عَنْ إِسْمَاعِيلَ عن قيس عن أبي بكر ومقولة الْقَوْلِ هُوَ قَوْلُهُ وَإِنِّي سَمِعْتُ إِلَخْ (يُعْمَلُ فِيهِمْ) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ نَائِبُ الْفَاعِلِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ كَمَا قَالَ خَالِدٌ أَبُو أُسَامَةَ وَجَمَاعَةٌ) أَيْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو أُسَامَةَ وَجَمَاعَةٌ مِثْلَ رِوَايَةِ خَالِدٍ (هُمْ أَكْثَرُ مِمَّنْ يَعْمَلُهُ) صِفَةُ قَوْمٍ أَيْ إِذَا كَانَ الَّذِينَ لَا يَعْمَلُونَ الْمَعَاصِيَ أَكْثَرَ مِنَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَهَا فَلَمْ يَمْنَعُوهُمْ عَنْهَا عَمَّهُمُ الْعَذَابُ قاله القارىء
وقال العزيزي لأن من لم يعمل إذ كانوا أكثر من يَعْمَلُ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ غَالِبًا فتركهم له رضي بِهِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن ماجه بنحوه
[٤٣٣٩] (عن جرير) هو بن عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (يَعْمَلُ) بِفَتْحِ الْيَاءِ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِرَجُلٍ أَوْ حَالٌ مِنْهُ أَيْ يَفْعَلُ (يَقْدِرُونَ) أَيِ الْقَوْمُ (عَلَى أَنْ يُغَيِّرُوا عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى الرَّجُلِ بِالْيَدِ أَوِ اللِّسَانِ فَإِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنْ إِنْكَارِ الْجَنَانِ
стр. 3906
قال المنذري وبن جَرِيرٍ هَذَا لَمْ يُسَمَّ وَقَدْ رَوَى الْمُنْذِرُ بْنُ جَرِيرٍ عَنْ أَبِيهِ أَحَادِيثَ وَاحْتَجَّ بِهِ مُسْلِمٌ
[٤٣٤٠] (وَعَنْ قَيْسِ بْنِ مُسْلِمٍ) مَعْطُوفٌ عَلَى إِسْمَاعِيلَ مَعْنَاهُ رَوَاهُ الْأَعْمَشُ عَنْ إِسْمَاعِيلَ وَعَنْ قَيْسٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابِ الْإِيمَانِ مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ (مَنْ رَأَى) أَيْ مَنْ عَلِمَ (مُنْكَرًا) أَيْ فِي غَيْرِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَفِي مِنْكُمْ كَمَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ وَالْمُنْكَرُ مَا أَنْكَرَهُ الشَّرْعُ (فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ) أَيْ بِأَنْ يَمْنَعَهُ بِالْفِعْلِ بِأَنْ يكسر الآلات ويربق الْخَمْرَ وَيَرُدَّ الْمَغْصُوبَ إِلَى مَالِكِهِ (وَقَطَعَ هَنَّادٌ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ) أَيْ لَمْ يَذْكُرْهَا بَلِ اقْتَصَرَ على القدر المذكور (وفاه بن الْعَلَاءِ) أَيْ ذَكَرَهُ وَافِيًا تَامًّا (فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ) أَيِ التَّغْيِيرَ بِالْيَدِ وَإِزَالَتَهُ بِالْفِعْلِ لِكَوْنِ فَاعِلِهِ أَقْوَى مِنْهُ (فَبِلِسَانِهِ) أَيْ فَلْيُغَيِّرْهُ بِالْقَوْلِ وَتِلَاوَةِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْوَعِيدِ عَلَيْهِ وَذِكْرِ الْوَعْظِ وَالتَّخْوِيفِ وَالنَّصِيحَةِ (فَبِقَلْبِهِ) بِأَنْ لَا يَرْضَى بِهِ وَيُنْكِرَ فِي بَاطِنِهِ عَلَى مُتَعَاطِيهِ فَيَكُونُ تَغْيِيرًا مَعْنَوِيًّا إِذْ لَيْسَ فِي وُسْعِهِ إِلَّا هَذَا الْقَدْرَ مِنَ التَّغْيِيرِ
وَقِيلَ التَّقْدِيرُ فَلْيُنْكِرْهُ بِقَلْبِهِ لِأَنَّ التَّغْيِيرَ لَا يُتَصَوَّرُ بِالْقَلْبِ فيكون التركيب من باب علفتها تبنا وماءا بَارِدًا (وَذَلِكَ) أَيِ الْإِنْكَارُ بِالْقَلْبِ (أَضْعَفُ الْإِيمَانِ) قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْ أَقَلُّهُ ثَمَرَةً
وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ أَيْ خِصَالُهُ فَالْمُرَادُ بِهِ الْإِسْلَامُ أو اثاره وثمراته
وقال القارىء أَوْ ذَلِكَ الشَّخْصُ الْمُنْكِرُ بِالْقَلْبِ فَقَطْ أَضْعَفُ أَهْلِ الْإِيمَانِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ قَوِيًّا صُلْبًا فِي الدِّينِ لَمَا اكْتَفَى بِهِ يُؤَيِّدُهُ الْحَدِيثُ الْمَشْهُورُ أَفْضَلُ الْجِهَادِ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ انْتَهَى
قُلْتُ وَعَلَى هَذَا فَالْمُشَارُ إِلَيْهِ من رأى والحديث الذي ذكره القارىء سَيَأْتِي فِي هَذَا الْبَابِ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ثُمَّ إِنَّ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إِذَا قَامَ بِهِ بَعْضُ النَّاسِ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنِ الْبَاقِينَ وَإِذَا تَرَكَهُ الْجَمِيعُ أَثِمَ كُلُّ مَنْ تَمَكَّنَ مِنْهُ بِلَا عُذْرٍ وَلَا خَوْفٍ ثُمَّ إِنَّهُ قَدْ يَتَعَيَّنُ كَمَا إِذَا كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا يَعْلَمُ بِهِ إِلَّا هُوَ أَوْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ إِزَالَتِهِ إِلَّا هُوَ
قَالَ الْعُلَمَاءُ وَلَا يَسْقُطُ عَنِ الْمُكَلَّفِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ لِكَوْنِهِ لَا يُفِيدُ فِي ظَنِّهِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ فِعْلُهُ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ
وَالَّذِي عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لَا الْقَبُولُ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي الْآمِرِ وَالنَّاهِي أَنْ يَكُونَ كَامِلَ الحال ممتثلا ما يَأْمُرُ بِهِ مُجْتَنِبًا مَا يَنْهَى عَنْهُ بَلْ عَلَيْهِ الْأَمْرُ وَإِنْ
стр. 3907
كَانَ مُخِلًّا بِمَا يَأْمُرُ بِهِ وَالنَّهْيُ وَإِنْ كَانَ مُتَلَبِّسًا بِمَا يَنْهَى عَنْهُ فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْئَانِ أَنْ يَأْمُرَ نَفْسَهُ وَيَنْهَاهَا وَيَأْمُرَ غَيْرَهُ وَيَنْهَاهُ فَإِذَا أَخَلَّ بِأَحَدِهِمَا كَيْفَ يُبَاحُ لَهُ الْإِخْلَالُ بِالْآخَرِ وَيَنْبَغِي لِلْآمِرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِي عَنِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَرْفُقَ لِيَكُونَ أَقْرَبَ إِلَى تَحْصِيلِ الْمَطْلُوبِ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ ﵁ مَنْ وَعَظَ أَخَاهُ سِرًّا فَقَدْ نَصَحَهُ وَزَانَهُ وَمَنْ وَعَظَهُ عَلَانِيَةً فَقَدْ فَضَحَهُ وَشَانَهُ قَالَ وَهَذَا الْبَابُ أَعْنِي بَابَ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ قَدْ ضُيِّعَ أَكْثَرُهُ مِنْ أَزْمَانٍ مُتَطَاوِلَةٍ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ إِلَّا رُسُومٌ قَلِيلَةٌ جِدًّا وَهُوَ بَابٌ عَظِيمٌ بِهِ قِوَامُ الْأَمْرِ وَمِلَاكُهُ وَإِذَا كَثُرَ الْخَبَثُ عَمَّ الْعِقَابُ الصَّالِحَ وَالطَّالِحَ فَيَنْبَغِي لِطَالِبِ الْآخِرَةِ وَالسَّاعِي فِي تَحْصِيلِ رِضَا اللَّهِ تَعَالَى أَنْ يَعْتَنِيَ بِهَذَا الْبَابِ فَإِنَّ نَفْعَهُ عَظِيمٌ لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَهَبَ مُعْظَمُهُ وَيُخْلِصُ نِيَّتَهُ وَلَا يَهَابُ مَنْ يُنْكِرُ عَلَيْهِ لِارْتِفَاعِ مَرْتَبَتِهِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ من ينصره وَقَالَ وَلَا يُتَارِكُهُ أَيْضًا لِصَدَاقَتِهِ وَمَوَدَّتِهِ وَمُدَاهَنَتِهِ وَطَلَبِ الْوَجَاهَةِ عِنْدَهُ وَدَوَامِ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْهِ فَإِنَّ صَدَاقَتَهُ وَمَوَدَّتَهُ تُوجِبُ لَهُ حُرْمَةً وَحَقًّا وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَنْصَحَهُ وَيَهْدِيَهُ إِلَى مَصَالِحِ آخِرَتِهِ وَيُنْقِذَهُ مِنْ مَضَارِّهَا وَصَدِيقُ الْإِنْسَانِ وَمُحِبُّهُ هُوَ مَنْ يَسْعَى فِي عِمَارَةِ آخِرَتِهِ وَإِنْ أَدَّى ذَلِكَ إِلَى نَقْصٍ فِي دُنْيَاهُ وَعَدُوُّهُ مَنْ سَعَى فِي ذَهَابِ دِينِهِ أَوْ نَقْصِ آخِرَتِهِ وَإِنْ حَصَلَ بِسَبَبِ ذَلِكَ صُورَةُ نَفْعٍ فِي دُنْيَاهُ انْتَهَى مُلَخَّصًا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي كِتَابِ الصَّلَاةِ
[٤٣٤١] كَيْفَ تَقُولُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ) أَيْ مَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ وَمَا تَقُولُ فِيهِ فَإِنَّ ظَاهِرَهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إِلَى الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ بَلْ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ إِصْلَاحُ نَفْسِهِ (أَمَا) بِالتَّخْفِيفِ حَرْفُ التَّنْبِيهِ (بَلِ ائْتَمِرُوا) أَيِ امْتَثِلُوا (بِالْمَعْرُوفِ) أَيْ وَمِنْهُ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ (وَتَنَاهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ) أَيِ انْتَهُوا وَاجْتَنِبُوا عَنْهُ وَمِنْهُ الِامْتِنَاعُ عَنْ نَهْيِهِ أَوِ الِائْتِمَارُ بِمَعْنَى التَّآمُرِ كَالِاخْتِصَامِ بِمَعْنَى التَّخَاصُمِ وَيُؤَيِّدُهُ التَّنَاهِي وَالْمَعْنَى لِيَأْمُرْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ طَائِفَةً عَنِ الْمُنْكَرِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ قَوْلُهُ بَلِ ائْتَمِرُوا إِضْرَابٌ عَنْ مُقَدَّرٍ أي سألت عنها رسول الله وَقُلْتُ أَمَا نَتْرُكُ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنِ الْمُنْكَرِ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْآيَةِ فَقَالَ ﵊ لَا
стр. 3908
تَتْرُكُوا بَلِ ائْتَمِرُوا بِالْمَعْرُوفِ إِلَخْ (حَتَّى إِذَا رَأَيْتَ) الْخِطَابُ عَامٌّ لِكُلِّ مُسْلِمٍ (شُحًّا مُطَاعًا) أَيْ بُخْلًا مُطَاعًا بِأَنْ أَطَاعَتْهُ نَفْسُكَ وَطَاوَعَهُ غيرك قاله القارىء
وَفِي النِّهَايَةِ هُوَ أَشَدُّ الْبُخْلِ وَقِيلَ الْبُخْلُ مَعَ الْحِرْصِ وَقِيلَ الْبُخْلُ فِي أَفْرَادِ الْأُمُورِ وَآحَادِهَا وَالشُّحُّ عَامٌّ وَقِيلَ الْبُخْلُ بِالْمَالِ وَالشُّحُّ بِالْمَالِ وَالْمَعْرُوفِ (وَهَوًى مُتَّبَعًا) بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ وَهَوًى لِلنَّفْسِ مَتْبُوعًا وَطَرِيقَ الْهُدَى مَدْفُوعًا وَالْحَاصِلُ أَنَّ كُلًّا يَتْبَعُ هَوَاهُ (وَدُنْيًا) بِالتَّنْوِينِ كَذَا ضبط في بعض النسخ بالقلم
وقال القارىء فِي شَرْحِ الْمِشْكَاةِ بِالْقَصْرِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ قَالَ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَنِ الْمَالِ وَالْجَاهِ فِي الدَّارِ الدَّنِيَّةِ (مُؤْثَرَةً) أَيْ مُخْتَارَةً عَلَى أُمُورِ الدِّينِ (وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ) أَيْ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَتَرْكِ الِاقْتِدَاءِ بِالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ
وَالْإِعْجَابُ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ هُوَ وِجْدَانُ الشَّيْءِ حَسَنًا وَرُؤْيَتُهُ مُسْتَحْسَنًا بِحَيْثُ يَصِيرُ صَاحِبُهُ بِهِ مُعْجَبًا وَعَنْ قَبُولِ كَلَامِ الْغَيْرِ مُجَنَّبًا وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ (فَعَلَيْكَ يَعْنِي بِنَفْسِكَ) كَأَنَّ فِي الْحَدِيثِ لَفْظُ فَعَلَيْكَ فَقَطْ فَزَادَ بَعْضُ الرُّوَاةِ يَعْنِي بِنَفْسِكَ إِيضَاحًا لِقَوْلِهِ فَعَلَيْكَ أَيْ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ فَعَلَيْكَ فَعَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فَعَلَيْكَ نَفْسَكَ (وَدَعْ عَنْكَ الْعَوَامُّ) أَيْ وَاتْرُكْ عَامَّةَ النَّاسِ الْخَارِجِينَ عَنْ طَرِيقِ الْخَوَاصِ (فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ) أَيْ خَلْفِكُمْ (أَيَّامَ الصَّبْرِ) أَيْ أَيَّامًا لَا طَرِيقَ لَكُمْ فِيهَا إِلَّا الصَّبْرَ أَوْ أَيَّامًا يُحْمَدُ فِيهَا الصَّبْرُ وَهُوَ الْحَبْسُ عَلَى خِلَافِ النَّفْسِ (الصَّبْرُ فِيهِ) كَذَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ الَّتِي فِي أَيْدِينَا وَفِي نُسْخَةٍ فِيهِنَّ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَأَمَّا تَذْكِيرُ الضَّمِيرِ كَمَا فِي عَامَّةِ النُّسَخِ فَلَا يَسْتَقِيمُ إِلَّا أَنْ يأول أَيَّامُ الصَّبْرِ بِوَقْتِ الصَّبْرِ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرُ فِيهِ مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ قَوْلُهُ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ هَكَذَا هُوَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَفِي بَعْضِهَا أَيَّامًا بِالنَّصْبِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى مُسَامَحَةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهُمْ كَثِيرًا مَا يَكْتُبُونَ الْمَنْصُوبَ بِصُورَةِ الْمَرْفُوعِ أَوْ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَرْفَعُ اسْمَ إِنَّ أَوْ عَلَى حَذْفِ ضَمِيرِ الشَّأْنِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ انْتَهَى (مِثْلُ قَبْضٍ عَلَى الْجَمْرِ) يَعْنِي يَلْحَقُهُ الْمَشَقَّةُ بِالصَّبْرِ كَمَشَقَّةِ الصَّابِرِ عَلَى قَبْضِ الْجَمْرِ بِيَدِهِ (يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِهِ) أَيْ فِي غَيْرِ زَمَانِهِ (وَزَادَنِي غَيْرُهُ) وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ (قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَجْرُ خَمْسِينَ) بِتَقْدِيرِ الِاسْتِفْهَامِ (مِنْهُمْ) قال القارئ فِيهِ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ أَجْرُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ أَنَّهُ غَيْرَ مُبْتَلًى وَلَمْ يُضَاعَفْ أَجْرُهُ وَثَانِيهُمَا أَنْ يُرَادُ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ لَمْ يُبْتَلَوْا بِبَلَائِهِ انْتَهَى (قَالَ أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ) قَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ هَذَا فِي الْأَعْمَالِ الَّتِي يَشُقُّ فِعْلُهَا فِي تِلْكَ الْأَيَّامِ لَا
стр. 3909
مُطْلَقًا وَقَدْ جَاءَ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نَصِيفَهُ وَلِأَنَّ الصَّحَابِيَّ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا انْتَهَى
وَقَالَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ لَيْسَ هَذَا عَلَى إِطْلَاقِهِ بَلْ هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَاعِدَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا أَنَّ الْأَعْمَالَ تَشْرُفُ بِثَمَرَاتِهَا وَالثَّانِيَةُ أَنَّ الْغَرِيبَ فِي آخِرِ الْإِسْلَامِ كالغريب في أوله وبالعكس لقوله ﵇ بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ غَرِيبًا كَمَا بَدَأَ فَطُوبَى لِلْغُرَبَاءِ مِنْ أُمَّتِي يُرِيدُ الْمُنْفَرِدِينَ عَنْ أَهْلِ زَمَانِهِمْ إِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَنَقُولُ الْإِنْفَاقُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ ﵇ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ ﵁ لَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مَدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ أَيْ مُدَّ الْحِنْطَةِ وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ تِلْكَ النَّفَقَةَ أَثْمَرَتْ فِي فَتْحِ الْإِسْلَامِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ مَا لَا يُثْمِرُ غَيْرُهَا وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ بِالنُّفُوسِ لَا يَصِلُ الْمُتَأَخِّرُونَ فِيهِ إِلَى فَضْلِ الْمُتَقَدِّمِينَ لِقِلَّةِ عَدَدِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَقِلَّةِ أَنْصَارِهِمْ فَكَانَ جِهَادُهُمْ أَفْضَلَ وَلِأَنَّ بَذْلَ النَّفْسِ مَعَ النُّصْرَةِ وَرَجَاءِ الْحَيَاةِ لَيْسَ كَبَذْلِهَا مَعَ عَدَمِهَا وَلِذَلِكَ قَالَ ﵇ أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر جَعَلَهُ أَفْضَلَ الْجِهَادِ لِيَأْسِهِ مِنْ حَيَاتِهِ وَأَمَّا النَّهْيُ عَنِ الْمُنْكَرِ بَيْنَ ظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ وَإِظْهَارِ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ ذَلِكَ شَاقٌّ عَلَى الْمُتَأَخِّرِينَ لِعَدَمِ الْمُعِينِ وَكَثْرَةِ الْمُنْكَرِ فِيهِمْ كَالْمُنْكِرِ عَلَى السُّلْطَانِ الْجَائِرِ وَلِذَلِكَ قَالَ ﵇ يَكُونُ القابض كَالْقَابِضِ عَلَى الْجَمْرِ لَا يَسْتَطِيعُ دَوَامَ ذَلِكَ لِمَزِيدِ الْمَشَقَّةِ فَكَذَلِكَ الْمُتَأَخِّرُ فِي حِفْظِ دِينِهِ وَأَمَّا الْمُتَقَدِّمُونَ فَلَيْسُوا كَذَلِكَ لِكَثْرَةِ الْمُعِينِ وَعَدَمِ الْمُنْكَرِ فَعَلَى هَذَا يَنْزِلُ الْحَدِيثُ انْتَهَى
كَذَا فِي مِرْقَاةِ الصُّعُودِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ
وَأَبُو ثَعْلَبَةَ اسْمُهُ جُرْثُومٌ وَأَبُو أُمَيَّةَ يُحْمِدُ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَفِي اسْمِ أَبِي ثَعْلَبَةَ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ قِيلَ جُرْثُومَةُ وَقِيلَ جُرْهُمٌ وَقِيلَ عَمْرٌو وَقِيلَ لاش وقيل لاشو وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَفِي اسْمِ أَبِيهِ اخْتِلَافٌ قِيلَ نَاشِرٌ وَنَاشِبٌ وُجُرْهُمٌ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَفِي حَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَزَادَنِي غَيْرُ عُتْبَةَ وَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ
وَعُتْبَةُ هَذَا هُوَ الْعَبَّاسُ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي حَكِيمٍ الْهَمْدَانِيُّ الشَّامِيُّ وَثَّقَهُ غَيْرَ وَاحِدٍ وَتَكَلَّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ
وَيُحْمِدُ بِضَمِّ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَسُكُونِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَهَا مِيمٌ مَكْسُورَةٌ وَدَالٌ مُهْمَلَةٌ هَكَذَا قَيَّدَهُ الْأَمِيرُ أَبُو نَصْرٍ وَغَيْرُهُ وَقَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْخُشَنِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى خُشَنٍ بِضَمِّ الْخَاءِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَيَاءٍ آخِرِ الْحُرُوفِ سَاكِنَةٍ وَنُونٍ وَهُوَ خُشَيْنُ بْنُ نَمِرِ بْنِ وَبَرَةَ بَطْنٌ مِنْ قُضَاعَةَ وَعَامَّتُهُمْ بِالشَّامِ وَفِي فَزَارَةَ أَيْضًا خُشَيْنٌ
стр. 3910
[٤٣٤٢] (أَوْ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ زَمَانٌ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (يُغَرْبِلُ النَّاسُ) أَيْ يُذْهِبُ خِيَارَهُمْ وَيُبْقِي أراذلهم كأنه نقى بالغربال كذا فِي الْمَجْمَعِ (فِيهِ) أَيْ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ (غَرْبَلَةً) مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ (تَبْقَى حُثَالَةٌ) بِمُثَلَّثَةٍ كَغُرَابَةٍ (مِنَ النَّاسِ) أَيْ أَرْذَالِهِمْ قَالَهُ السُّيُوطِيُّ
وَفِي الْمِرْقَاةِ لِلْقَارِي بِضَمِّ الْحَاءِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَهِيَ مَا سَقَطَ مِنْ قِشْرِ الشَّعِيرِ وَالْأَرُزِّ وَالتَّمْرِ وَالرَّدِيءِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (قَدْ مَرِجَتْ) أَيِ اختلطت وفسدت
قال القارىء بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ فَسَدَتْ (عُهُودُهُمْ وَأَمَانَاتُهُمْ) أَيْ لَا يَكُونُ أَمْرُهُمْ مُسْتَقِيمًا بَلْ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ عَلَى طبع وعلى عهد ينقضون العهود ويخون الْأَمَانَاتِ (وَاخْتَلَفُوا فَكَانُوا هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ) أَيْ يُمْزَجُ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَتَلَبَّسَ أَمْرُ دِينِهِمْ فَلَا يُعْرَفُ الْأَمِينُ مِنَ الْخَائِنِ وَلَا الْبَرُّ مِنَ الْفَاجِرِ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ (فَقَالُوا كَيْفَ بِنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ) أَيْ فَمَا نَفْعَلُ عِنْدَ ذَلِكَ وَبِمَ تَأْمُرُنَا (مَا تَعْرِفُونَ) أَيْ مَا تَعْرِفُونَ كَوْنَهُ حَقًّا (وَتَذَرُونَ) أَيْ تَتْرُكُونَ (مَا تُنْكِرُونَ) أَيْ مَا تُنْكِرُونَ أَنَّهُ حَقٌّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٤٣٤٣] (عَنْ هِلَالِ بْنِ خَبَّابٍ) بِمُعْجَمَةٍ وَمُوَحَّدَتَيْنِ (مَرِجَتْ عُهُودُهُمْ) تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ (وَخَفَّتْ) بِتَشْدِيدِ الْفَاءِ أَيْ قَلَّتْ (وَامْلِكْ) أَمْرٌ مِنَ الْإِمْلَاكِ بِمَعْنَى الشَّدِّ وَالْإِحْكَامِ أَيْ أَمْسِكْ (عَلَيْكَ لِسَانَكَ) وَلَا تَتَكَلَّمْ فِي أَحْوَالِ النَّاسِ كَيْلَا يُؤْذُوكَ (وَعَلَيْكَ بِأَمْرِ خَاصَّةِ نَفْسِكِ وَدَعْ
стр. 3911
عَنْكَ أَمْرَ الْعَامَّةِ) أَيِ الْزَمْ أَمْرَ نَفْسِكَ وَاحْفَظْ دِينَكَ وَاتْرُكِ النَّاسَ وَلَا تَتْبَعْهُمْ وَهَذَا رُخْصَةٌ فِي تَرْكِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ إِذَا كَثُرَ الْأَشْرَارُ وَضَعُفَ الْأَخْيَارُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ وَفِي إِسْنَادِهِ هِلَالُ بْنُ حَبَّابٍ أَبُو الْعَلَاءِ وَثَّقَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ ثِقَةٌ صَدُوقٌ وَكَانَ يُقَالُ تَغَيَّرَ قَبْلَ مَوْتِهِ مِنْ كِبَرِ السن
قال بن حبان لا يجوز احتجاج بِهِ إِذَا انْفَرَدَ وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلُ كُوفِيٌّ فِي حَدِيثِهِ وَهِمَ وَتَغَيَّرَ بِآخِرِهِ وَذَكَرَ لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَحَبَّابٌ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ بَاءٌ أُخْرَى
انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
[٤٣٤٤] (أَفْضَلُ الْجِهَادِ) أَيْ مِنْ أَفْضَلِهِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ (كَلِمَةُ عَدْلٍ) وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَاجَهْ كَلِمَةُ حَقٍّ وَالْمُرَادُ بِالْكَلِمَةِ مَا أَفَادَ أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْيًا عَنْ مُنْكَرٍ مِنْ لَفْظٍ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ كَكِتَابَةٍ وَنَحْوِهَا (عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ) أَيْ ظَالِمٍ إِنَّمَا صَارَ ذَلِكَ أَفْضَلَ الْجِهَادِ لِأَنَّ مَنْ جَاهَدَ الْعَدُوَّ كَانَ مُتَرَدِّدًا بَيْنَ رَجَاءٍ وَخَوْفٍ لَا يَدْرِي هَلْ يَغْلِبُ أَوْ يُغْلَبُ وَصَاحِبُ السُّلْطَانِ مَقْهُورٌ فِي يَدِهِ فَهُوَ إِذَا قَالَ الْحَقَّ وَأَمَرَهُ بِالْمَعْرُوفِ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلتَّلَفِ وَأَهْدَفَ نَفْسَهُ لِلْهَلَاكِ فَصَارَ ذَلِكَ أَفْضَلَ أَنْوَاعِ الْجِهَادِ مِنْ أَجْلِ غَلَبَةِ الْخَوْفِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ (أَوْ أَمِيرٍ جَائِرٍ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وأخرجه الترمذي وبن مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ
هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَعَطِيَّةُ الْعَوْفِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
[٤٣٤٥] (عَنِ الْعُرْسِ) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الراء المهملتين وسين مهملة (بن عَمِيرَةَ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ
وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ وَعَمِيرَةُ أُمُّهُ وَاسْمُ أَبِيهِ قَيْسٌ
وَقَالَ الْعَلْقَمِيُّ الْعُرْسُ هَذَا وَالْعُرْسُ بْنُ قَيْسٍ وَهُمَا صَحَابِيَّانِ انْتَهَى
وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي التَّجْرِيدِ عُرْسُ بْنُ عَمِيرَةَ الْكِنْدِيُّ أَخُو عدي روى عنه بن أَخِيهِ عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ وَغَيْرُهُ وَعُرْسُ بْنُ قَيْسِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْأَرْقَمِ الْكِنْدِيُّ صَحَابِيٌّ
انتهى
(الكندي
стр. 3912
بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ النُّونِ لَقَبُ ثَوْرِ بْنِ عُفَيْرٍ أَبُو حَيٍّ مِنَ الْيَمَنِ (إِذَا عُمِلَتْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (الْخَطِيئَةُ) أَيِ الْمَعْصِيَةُ (مَنْ شَهِدَهَا) أَيْ حَضَرَهَا (فَكَرِهَهَا) أَيْ بِقَلْبِهِ (كَمَنْ غَابَ عَنْهَا) أَيْ فِي عَدَمِ لُحُوقِ الْإِثْمِ لَهُ وَهَذَا فِي عَجْزٍ عَنْ إِزَالَتِهَا بِيَدِهِ وَلِسَانِهِ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يُضِيفَ إِلَى الْقَلْبِ اللِّسَانَ فَيَقُولُ اللَّهُمَّ هَذَا مُنْكَرٌ لَا أَرْتَضِيهِ قَالَهُ الْعَزِيزِيُّ (وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا) أَيْ فِي الْمُشَارَكَةِ فِي الْإِثْمِ وَإِنْ بَعُدَتِ الْمَسَافَةُ بَيْنَهُمَا
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٤٣٤٦] عَنْ عدي بن عدي عن النبي) قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهَذَا مُرْسَلٌ عَدِيُّ بْنُ عَدِيٍّ هو بن عميرة بن أَخِي الْعُرْسِ تَابِعِيٌّ
وَفِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَالثَّانِي الْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ أَبُو هَاشِمٍ الْمَوْصِلِيُّ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ كُلُّ حَدِيثٍ رَفَعَهُ الْمُغِيرَةُ فَهُوَ مُنْكَرٌ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ زِيَادٍ مُضْطَرِبُ الْحَدِيثِ قَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَ وَكِيعٌ وَكَانَ ثِقَةً وَقَالَ غَيْرُهُ فِي حَدِيثِهِ اضْطِرَابٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيَّانِ لَا يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ
وَقَالَ النَّسَائِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيُّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ
وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَأَدْخَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الضُّعَفَاءِ فَسَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ يُحَوَّلُ اسْمُهُ مِنْ كِتَابِ الضُّعَفَاءِ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَالْعُرْسُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَسُكُونِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَسِينٍ مُهْمَلَةٍ أَيْضًا
وَعَمِيرَةُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرِ الْحُرُوفِ وَبَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ مَفْتُوحَةٌ وَتَاءُ تَأْنِيثٍ
انْتَهَى كَلَامُ الْمُنْذِرِيِّ
[٤٣٤٧] حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ) قال السيوطي وأخرج بن جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَيْسَرَةَ الزَّرَّادِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بن مسعود قال قال رسول الله مَا هَلَكَ قَوْمٌ حَتَّى يَعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ قِيلَ لِعَبْدِ اللَّهِ كَيْفَ ذَلِكَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ انْتَهَى (لَنْ يَهْلِكَ النَّاسُ حَتَّى يَعْذِرُوا)) بِفَتْحِ التَّحْتِيَّةِ
стр. 3913
وَكَسْرِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ (أَوْ يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ) بِضَمِّ التَّحْتِيَّةِ مِنْ بَابِ الْإفْعَالِ وَأَوْ لِلشَّكِّ أي قال حَتَّى يَعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَوْ قَالَ حَتَّى يُعْذِرُوا مِنْ أَنْفُسِهِمْ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فَسَّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِهِ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ قَالَ مَعْنَى يَعْذِرُوا أَيْ تَكْثُرُ ذُنُوبُهُمْ وَعُيُوبُهُمْ
قَالَ وَفِيهِ لُغَتَانِ يُقَالُ أَعْذَرَ الرَّجُلُ إعذارا إذ صَارَ ذَا عَيْبٍ وَفَسَادٍ
قَالَ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَقُولُ عَذَرَ يَعْذِرُ بِمَعْنَاهُ وَلَمْ يَعْرِفْهُ الْأَصْمَعِيُّ
قال أبو عبيدة وقد يكون بعذر بِفَتْحِ الْيَاءِ بِمَعْنَى يَكُونُ لِمَنْ يَعْذِرُهُمُ الْعُذْرَ فِي ذَلِكَ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ يُقَالُ أَعْذَرَ فُلَانٌ مِنْ نَفْسِهِ إِذَا أَمْكَنَ مِنْهَا يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا يَهْلِكُونَ حَتَّى تَكْثُرَ ذُنُوبُهُمْ وَعُيُوبُهُمْ فَيَسْتَوْجِبُونَ الْعُقُوبَةَ وَيَكُونُ لِمَنْ يُعَذِّبُهُمْ عُذْرٌ كَأَنَّهُمْ قَامُوا بِعُذْرِهِمْ فِي ذَلِكَ وَيُرْوَى بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ عَذَرْتُهُ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَحَقِيقَةُ عَذَرْتُ مَحَوْتُ الْإِسَاءَةَ وَطَمَسْتُهَا انْتَهَى
وَقَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ بِضَمِّ الْيَاءِ مِنْ أَعْذَرَ فَقِيلَ معناه حتى يكثر ذُنُوبُهُمْ مِنْ أَعْذَرَ إِذَا صَارَ ذَا عَيْبٍ وَقِيلَ مَعْنَاهُ حَتَّى لَمْ يَبْقَ لَهُمْ عُذْرٌ بِإِظْهَارِ الْحَقِّ لَهُمْ وَتَرْكِهِمُ الْعَمَلَ بِهِ بِلَا عُذْرٍ وَمَانِعٍ مِنْ أَعْذَرَ إِذَا زَالَ عُذْرُهُ فَكَأَنَّهُمْ أَزَالُوا عُذْرَهُمْ وَأَقَامُوا الْحُجَّةَ لِمَنْ يَعْذِرُهُمْ حَيْثُ تَرَكُوا الْعَمَلَ بِالْحَقِّ بَعْدَ ظُهُورِهِ وَقِيلَ عَذَرَهُ إِذَا جَعَلَهُ مَعْذُورًا فِي الْعِقَابِ وَإِلَيْهِ يُشِيرُ تَفْسِيرُ الصَّحَابِيِّ فَإِنَّهُ جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ عن بن مَسْعُودٍ فَقِيلَ لَهُ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ فَقَرَأَ هَذِهِ الْآيَةَ فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ انْتَهَى وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
٨ - (بَاب قِيَامِ السَّاعَةِ)
أَيِ السَّاعَةُ الْكُبْرَى هَلْ يَكُونُ بَعْدَ هَذِهِ الْمُدَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ
[٤٣٤٨] فِي آخِرِ حَيَاتِهِ) قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ (أَرَأَيْتُمْ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ أَرَأَيْتَكُمْ أَيْ أَخْبِرُونِي وَهُوَ مِنْ إِطْلَاقِ السَّبَبِ عَلَى الْمُسَبَّبِ لِأَنَّ مُشَاهَدَةَ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ طَرِيقٌ إِلَى الْإِخْبَارِ عَنْهَا وَالْهَمْزَةُ فِيهِ مُقَرِّرَةٌ أَيْ قَدْ رَأَيْتُمْ ذَلِكَ فَأَخْبِرُونِي (لَيْلَتَكُمْ) أَيْ شَأْنَ لَيْلَتِكُمْ أَوْ خَبَرَ لَيْلَتِكُمْ (هَذِهِ) هَلْ تَدْرُونَ مَا يَحْدُثُ بَعْدَهَا مِنَ الْأُمُورِ الْعَجِيبَةِ وَتَاءُ أَرَأَيْتَكُمْ فَاعِلٌ وَالْكَافُ حَرْفُ خِطَابٍ لَا مَحَلَّ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ وَلَا تُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الِاسْتِخْبَارِ عَنْ حَالَةٍ عَجِيبَةٍ
стр. 3914
وَلَيْلَتَكُمْ بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ ثَانٍ لِأَخْبِرُونِي قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ (فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ) أَيْ عِنْدَ انْتِهَاءِ مِائَةِ سَنَةٍ كَذَا فِي الْفَتْحِ
وَقَالَ السِّنْدِيُّ وَاسْمُ إِنَّ ضَمِيرُ الشَّأْنِ وَلِلْبُخَارِيِّ فَإِنَّ رأس انتهى (منها) أي من تِلْكَ اللَّيْلَةِ (لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْمُرَادُ أَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ عَلَى الْأَرْضِ لَا يَعِيشُ بَعْدَهَا أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ سَنَةٍ سَوَاءٌ قَلَّ عُمُرُهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ وَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ عَيْشِ أَحَدٍ يُوجَدُ بَعْدَ تِلْكَ اللَّيْلَةِ فَوْقَ مِائَةِ سَنَةٍ
قَالَ وَفِيهِ احْتِرَازٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ
وَقَدِ احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ شَذَّ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ فَقَالَ بِمَوْتِ خَضِرِ ﵇ وَالْجُمْهُورُ عَلَى حَيَاتِهِ لِإِمْكَانِ أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَحْرِ لَا عَلَى الْأَرْضِ
وَقِيلَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ الْغَالِبِ
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ وَاخْتَلَفُوا فِي حَيَاةِ الْخَضِرِ وَنُبُوَّتِهِ فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ مِنَ الْعُلَمَاءِ هُوَ حَيٌّ مَوْجُودٌ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْمَعْرِفَةِ وَحِكَايَاتُهُمْ فِي رُؤْيَتِهِ وَالِاجْتِمَاعِ بِهِ وَالْأَخْذِ عَنْهُ وَسُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ وَوُجُودِهِ فِي الْمَوَاضِعِ الشَّرِيفَةِ وَمَوَاطِنِ الْخَيْرِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحْصَرَ وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ
قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ فِي فَتَاوِيهِ هُوَ حَيٌّ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْعَامَّةِ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ قَالَ وَإِنَّمَا شَذَّ بِإِنْكَارِهِ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ انْتَهَى
قُلْتُ مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّ حَيَاةَ الْخَضِرِ قَوْلُ الْجُمْهُورِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ الْحَافِظُ بن حَجَرٍ فِي الْإِصَابَةِ فَقَالَ اعْتَنَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِجَمْعِ الْحِكَايَاتِ الْمَأْثُورَةِ عَنِ الصَّالِحِينَ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ بَعْدَ الثَّالِثِ مِائَةٍ فَمَا بَلَغَتِ الْعِشْرِينَ مَعَ ما في أسانيد بعضها من يُضَعَّفُ لِكَثْرَةِ أَغْلَاطِهِ أَوْ إِيهَامِهِ بِالْكَذِبِ كَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ بْنِ جَهْضَمٍ
وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ مَاتَ الْخَضِرُ قَبْلَ انْقِضَاءِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنَ الْهِجْرَةِ
قَالَ وَنَصَرَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ هَذَا لِقَوْلِهِ ﷺ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى على الأرض ممن هو عليها أَحَدٌ يُرِيدُ مِمَّنْ كَانَ حَيًّا حِينَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ انْتَهَى
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ بْنُ دِحْيَةَ وَلَا يَثْبُتُ اجْتِمَاعُ الْخَضِرِ مَعَ أَحَدٍ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ إِلَّا مَعَ مُوسَى ﵇ كَمَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ خَبَرِهِ وَجَمِيعُ مَا وَرَدَ فِي حَيَاتِهِ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ النَّقْلِ
وَأَمَّا مَا جَاءَ مِنَ الْمَشَائِخِ فَهُوَ مِمَّا يُتَعَجَّبُ مِنْهُ كَيْفَ يَجُوزُ لِعَاقِلٍ أَنْ يَلْقَى شَخْصًا لَا يَعْرِفُهُ فَيَقُولُ لَهُ أَنَا فُلَانٌ فَيُصَدِّقُهُ انْتَهَى
стр. 3915
وَنَقَلَ أَبُو بَكْرٍ النَّقَّاشُ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى الرِّضَا وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْخَضِرَ مَاتَ وَأَنَّ الْبُخَارِيَّ سُئِلَ عَنْ حَيَاةِ الْخَضِرِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ بحديث بن عُمَرِ الْمَذْكُورِ وَهُوَ عُمْدَةُ مَنْ تَمَسَّكَ بِأَنَّهُ مَاتَ وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ بَاقِيًا
وَقَالَ أَبُو حَيَّانَ فِي تَفْسِيرِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَاتَ
ونقل عن بن أَبِي الْفَضْلِ الْمُرْسِيِّ أَنَّ الْخَضِرَ صَاحِبَ مُوسَى مَاتَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَزِمَهُ الْمَجِيءُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَالْإِيمَانِ بِهِ وَاتِّبَاعِهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا اتِّبَاعِي
وَنَقَلَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ مُبَارَكٍ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ أَنَّ الخضر مات وبذلك جزم بن المنادي
وذكر بن الْجَوْزِيِّ عَنْ أَبِي يَعْلَى بْنِ الْعَرَاءِ الْحَنْبَلِيِّ قَالَ سُئِلَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنِ الْخَضِرِ هَلْ مَاتَ فَقَالَ نَعَمْ
قَالَ وَبَلَغَنِي مِثْلُ هَذَا عَنْ أَبِي طَاهِرِ بْنِ الْعَبَّادِيِّ وَكَانَ يَحْتَجُّ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَجَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ
قَالَ الحافظ بن حَجَرٍ وَمِنْهُمْ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ نَاصِرٍ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بن الحسن النقاش ومنهم بن الْجَوْزِيِّ وَاسْتَدَلَّ بِمَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ مُوسَى كَانَ حَيًّا مَا وَسِعَهُ إِلَّا أَنْ يَتَّبِعَنِي قَالَ فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ مُوسَى فَكَيْفَ لَمْ يَتْبَعْهُ الْخَضِرُ أَنْ لَوْ كَانَ حَيًّا فَيُصَلِّي مَعَهُ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَيُجَاهِدُ تَحْتَ رَايَتِهِ كَمَا ثَبَتَ أَنَّ عِيسَى ﵇ يُصَلِّي خَلْفَ إِمَامِ هَذِهِ الْأُمَّةِ
وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْمُنَادَى بَحَثْتُ عَنْ تَعْمِيرِ الْخَضِرِ وَهَلْ هُوَ بَاقٍ أَمْ لَا فَإِذَا أَكْثَرُ الْمُغَفَّلِينَ مُغْتَرُّونَ بِأَنَّهُ بَاقٍ مِنْ أَجْلِ مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ
قَالَ وَالْأَحَادِيثُ الْمَرْفُوعَةُ فِي ذَلِكَ وَاهِيَةٌ وَالسَّنَدُ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ سَاقِطٌ لِعَدَمِ ثِقَتِهِمْ وَمَا عَدَا ذَلِكَ مِنَ الْأَخْبَارِ كُلُّهَا وَاهِيَةٌ لَا يَخْلُو حَالُهَا مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا أَنْ تَكُونَ أُدْخِلَتْ عَلَى الثِّقَاتِ اسْتِغْفَالًا أَوْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ
وَفِي تَفْسِيرِ الْأَصْبَهَانِيِّ رُوِيَ عَنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إِلَى أَنَّ الْخَضِرَ مَاتَ انْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ مِنَ الْإِصَابَةِ مُخْتَصَرًا
وَقَدْ أَطَالَ الْحَافِظُ الْكَلَامَ فِي ذَلِكَ فَأَجَادَ وَأَحْسَنَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(فَوَهَلَ النَّاسُ) بِفَتْحِ الْوَاوِ وَالْهَاءِ وَيَجُوزُ كَسْرُهَا أَيْ غَلِطُوا وَذَهَبَ وَهْمُهُمْ إِلَى خِلَافِ الصَّوَابِ فِي تَأْوِيلِ (مَقَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَيْ فِي حَدِيثِهِ (تِلْكَ) وَهِيَ قَوْلُهُ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا إِلَخْ (فِيمَا يَتَحَدَّثُونَ عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ) وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي بَابِ السَّمَرِ فِي الْفِقْهِ وَالْخَيْرِ بَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ مِنْ كِتَابِ الصَّلَاةِ فِي مَقَالَةِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ
قَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ أَيْ حَيْثُ تُؤَوِّلُونَهَا بِهَذِهِ التَّأْوِيلَاتِ الَّتِي كَانَتْ مَشْهُورَةً
стр. 3916
بَيْنَهُمْ إِلَيْهَا عِنْدَهُمْ فِي مَعْنَى الْمُرَادِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ مِثْلَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا انْقِرَاضُ الْعَالَمِ بِالْكُلِّيَّةِ وَنَحْوُهُ لِأَنَّ بَعْضَهُمْ كَانَ يَقُولُ إِنَّ السَّاعَةَ تَقُومُ عِنْدَ انْقِضَاءِ مِائَةِ سَنَةٍ كَمَا رَوَى ذَلِكَ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ ﵁ وَرَدَّ عَلَيْهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁
وغرض بن عُمَرَ ﵁ أَنَّ النَّاسَ مَا فَهِمُوا مَا أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِنْ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَحَمَلُوهَا عَلَى مَحَامِلَ كُلُّهَا بَاطِلٌ وَبَيَّنَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَرَادَ بِذَلِكَ انْخِرَامَ الْقَرْنِ عِنْدَ انْقِضَاءِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ مَقَالَتِهِ تِلْكَ وَهُوَ الْقَرْنُ الَّذِي كَانَ هُوَ فِيهِ بِأَنْ تَنْقَضِيَ أَهَالِيهِ وَلَا يَبْقَى مِنْهُمْ أَحَدٌ بَعْدَ مِائَةِ سَنَةٍ وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنْ يَنْقَرِضَ الْعَالَمُ بِالْكُلِّيَّةِ وَكَذَلِكَ وَقَعَ بِالِاسْتِقْرَاءِ فَكَانَ آخِرُ مَنْ ضُبِطَ عُمُرُهُ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حِينَئِذٍ أَبُو الطُّفَيْلِ عَامِرُ بْنُ وَاثِلَةَ وَقَدْ أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ آخِرُ الصَّحَابَةِ مَوْتًا وَغَايَةُ مَا قِيلَ فِيهِ أَنَّهُ بَقِيَ إِلَى سَنَةِ عَشْرٍ وَمِائَةٍ وَهِيَ رَأْسُ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْ مَقَالَةِ النَّبِيِّ ﷺ وَهَذَا إِعْلَامٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ بِأَنَّ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ لَيْسَتْ تَطُولُ كَأَعْمَارِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ لِيَجْتَهِدُوا فِي الْعَمَلِ انْتَهَى (يُرِيدُ) أَيْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِقَوْلِهِ مِائَةِ سَنَةٍ (أَنْ يَنْخَرِمَ) أَيْ يَنْقَطِعَ (ذَلِكَ الْقَرْنُ) الَّذِي هُوَ فِيهِ فَلَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ كَانَ مَوْجُودًا حَالَ تِلْكَ الْمَقَالَةِ
قَالَ فِي النِّهَايَةِ الْقَرْنُ أَهْلُ زَمَنٍ وَانْخِرَامُهُ ذَهَابُهُ وَانْقِضَاؤُهُ انْتَهَى
وَقَالَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ وَالْقَرْنُ بِفَتْحِ الْقَافِ كُلُّ طَبَقَةٍ مُقْتَرِنِينَ فِي وَقْتٍ وَمِنْهُ قِيلَ لِأَهْلِ كُلِّ مُدَّةٍ أَوْ طَبَقَةٍ بُعِثَ فِيهَا نَبِيٌّ قَرْنٌ
قَلَّتِ السُّنُونَ أَوْ كَثُرَتِ انْتَهَى
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ قَبْلَ أَنْ يَمُوتَ بِشَهْرٍ تَسْأَلُونَ عَنِ السَّاعَةِ وَإِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَأُقْسِمَ بِاللَّهِ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ نَفْسٍ مَنْفُوسَةٍ تَأْتِي عَلَيْهَا مِائَةُ سَنَةٍ هَذِهِ رِوَايَةُ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي نَضْرَةَ عَنْهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مَا مِنْ نَفْسٍ وَزَادَ فِي آخِرِهِ وَهِيَ حَيَّةٌ يَوْمَئِذٍ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ نَحْوَ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ
وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لَا تَأْتِي مِائَةُ سَنَةٍ وَعَلَى الْأَرْضِ نَفْسٌ مَنْفُوسَةٌ الْيَوْمَ
وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رِجَالٌ مِنَ الْأَعْرَابِ يَأْتُونَ النَّبِيَّ ﷺ فَيَسْأَلُونَهُ عَنِ السَّاعَةِ فَكَانَ يَنْظُرُ إِلَى أَصْغَرِهِمْ فَيَقُولُ إِنْ يَعِشْ هَذَا لَا يُدْرِكُهُ الْهَرَمُ حَتَّى تَقُومَ عَلَيْكُمْ سَاعَتُكُمُ أَيْ قِيَامَتُكُمْ وَهِيَ السَّاعَةُ الصُّغْرَى وَالْمُرَادُ مَوْتُ جَمِيعِهِمْ
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَرَادَ بِالسَّاعَةِ انْقِرَاضُ الْقَرْنِ الَّذِينَ هُمْ مِنْ عِدَادِهِمْ وَلِذَلِكَ أَضَافَ إِلَيْهِمْ
стр. 3917
وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَرَادَ مَوْتَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
[٤٣٤٩] لَنْ يُعْجِزَ اللَّهُ هَذِهِ الْأُمَّةَ مِنْ نِصْفِ يَوْمٍ) قَالَ الْمُنَاوِيُّ تَمَامُهُ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ يَعْنِي خَمْسَ مِائَةِ سَنَةٍ وَيَأْتِي شَرْحُهُ مُفَصَّلًا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ
وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ الْمُنْذِرِيُّ
[٤٣٥٠] إِنِّي لَأَرْجُو) أَيْ أُؤَمِّلُ (أَنْ لَا تَعْجِزَ) بِفَتْحِ الْمُثَنَّاةِ الْفَوْقِيَّةِ وَكَسْرِ الْجِيمِ مِنْ عَجَزَ عَنِ الشَّيْءِ عَجْزًا كَضَرَبَ ضَرْبًا (أُمَّتِي) أَيْ أَغْنِيَاؤُهَا عَنِ الصَّبْرِ عَلَى الْوُقُوفِ لِلْحِسَابِ (عِنْدَ رَبِّهَا) فِي الْمَوْقِفِ (أَنْ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ (يُؤَخِّرَهُمْ) أَيْ بِتَأْخِيرِهِمْ عَنْ لِحَاقِ فُقَرَاءِ أُمَّتِي السَّابِقِينَ إِلَى الْجَنَّةِ (نِصْفَ يَوْمٍ) مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ (قِيلَ لِسَعْدِ) بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ (وَكَمْ نِصْفُ يَوْمٍ) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَكَمْ نِصْفُ ذَلِكَ الْيَوْمِ (قَالَ) سَعْدٌ (خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ) إِنَّمَا فَسَّرَ الرَّاوِي نِصْفَ الْيَوْمِ بِخَمْسِ مِائَةٍ نَظَرًا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ ممَّا تَعُدُّونَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ هَكَذَا شَرَحَ هَذَا الْحَدِيثَ الْعَلْقَمِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ شُرَّاحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ فَالْحَدِيثُ عَلَى هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَمْرِ الْقِيَامَةِ
وَقَالَ الْمُنَاوِيُّ وَقِيلَ الْمَعْنَى إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ لِأُمَّتِي عِنْدَ اللَّهِ مَكَانَةٌ يُمْهِلُهُمْ مِنْ زَمَانِي هَذَا إِلَى انْتِهَاءِ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ
وقد شرحه علي القارىء فِي الْمِرْقَاةِ شَرْحِ الْمِشْكَاةِ هَكَذَا (إِنِّي لَأَرْجُو أَنْ لَا تَعْجِزَ أُمَّتِي) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَهُوَ مَفْعُولُ أَرْجُو أَيْ أَرْجُو عَدَمَ عَجْزِ أُمَّتِي (عِنْدَ رَبِّهَا) مِنْ كَمَالِ قُرْبِهَا (أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ نِصْفَ يَوْمٍ) يَوْمٌ بَدَلٌ مِنْ أن لا تعجز واختاره بن الْمَلَكِ أَوْ مُتَعَلَّقٌ بِهِ بِحَذْفِ عَنْ كَمَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الطِّيبِيُّ ثُمَّ قَالَ وَعَدَمُ الْعَجْزِ هُنَا كِنَايَةٌ عَنِ التَّمَكُّنِ مِنَ الْقُرْبَةِ
стр. 3918
وَالْمَكَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى مِثَالُ ذَلِكَ قَوْلُ الْمُقَرَّبِ عِنْدَ السُّلْطَانِ إِنِّي لَا أَعْجِزُ أَنْ يُوَلِّينِي الْمَلِكُ كَذَا وَكَذَا يَعْنِي بِهِ أَنَّ لِي عِنْدَهُ مَكَانَةً وَقُرْبَةً يَحْصُلُ بِهَا كُلُّ مَا أَرْجُوهُ عِنْدَهُ فَالْمَعْنَى إِنِّي أَرْجُو أَنْ يَكُونَ لِأُمَّتِي عِنْدَ اللَّهِ مَكَانَةٌ وَمَنْزِلَةٌ يُمْهِلُهُمْ مِنْ زَمَانِي هَذَا إِلَى انْتِهَاءِ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ عَلَى هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى قُرْبِ قِيَامِ السَّاعَةِ وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ أَبُو دَاوُدَ وَلِذَلِكَ أَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ وَعَلَى هَذَا حَمَلَهُ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ أَيْضًا وَلِذَلِكَ أَوْرَدَهُ فِي بَابِ قُرْبِ السَّاعَةِ وَاخْتَارَهُ الطِّيبِيُّ ﵀ وَزَيَّفَ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ وَاخْتَارَ الدَّاوُدِيُّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ وَرَدَّ عَلَى الْمَعْنَى الثَّانِي
قَالَ الْعَلْقَمِيُّ فِي شَرْحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ تَمَسَّكَ الطَّبَرِيُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ بَقِيَ مِنَ الدُّنْيَا بَعْدَ هِجْرَةِ الْمُصْطَفَى نِصْفُ يَوْمٍ وَهُوَ خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ قَالَ وَتَقُومُ السَّاعَةُ وَيَعُودُ الْأَمْرُ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ غَيْرَ الْبَارِي وَلَمْ يُبَيِّنْ وَجْهَهُ وَرَدَّ عَلَيْهِ الدَّاوُدِيُّ قَالَ وَقْتُ السَّاعَةِ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ وَيَكْفِي فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ أَنَّ الْأَمْرَ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فَقَدْ مَضَتْ خَمْسُ مِائَةِ سَنَةٍ وَثَلَاثُ مِائَةٍ وَحَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّهَا لَا تُؤَخَّرُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ كَمَا قَالَ تَعَالَى وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون يَعْنِي مِنْ عَدَدِكُمْ فَإِنَّ هَذَا الْيَوْمَ الَّذِي هُوَ كَأَلْفِ سَنَةٍ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْكُفَّارِ قَلِيلٌ وأن مقداره عليهم خمسين أَلْفَ سَنَةٍ وَإِنَّهُ لَيُخَفَّفُ عَنْ مَنِ اخْتَارَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَتَّى يَصِيرَ كَمِقْدَارِ رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ الْمَسْنُونَةِ انْتَهَى مِنْ شَرْحِ السُّنَنِ لِابْنِ رَسْلَانَ
قَالَ شَيْخُنَا قَالَ السُّهَيْلِيُّ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَنْفِي الزِّيَادَةَ عَلَى خَمْسِ مِائَةٍ قال وقد جاء بيان ذلك في ما رَوَاهُ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ إِنْ أَحْسَنَتْ أُمَّتِي فَبَقَاؤُهَا يَوْمٌ مِنْ أَيَّامِ الْآخِرَةِ وَذَلِكَ أَلْفُ سَنَةٍ وَإِنْ أَسَاءَتْ فَنِصْفُ يَوْمٍ
وَقَالَ الْحَافِظُ عِمَادُ الدِّينِ بْنُ كَثِيرٍ فِي تَارِيخِهِ هَذَا التَّحْدِيدُ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَا يَنْفِي مَا يَزِيدُ عَلَيْهَا إِنْ صَحَّ رَفْعُ الْحَدِيثِ فَأَمَّا مَا يُورِدُهُ كَثِيرٌ مِنَ الْعَامَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُؤَلَّفُ تَحْتَ الْأَرْضِ فَلَيْسَ لَهُ أَصْلٌ وَلَا ذِكْرٌ فِي كتب الحديث
وقال الحافظ بن حَجَرٍ قَدْ حَمَلَ بَعْضُ شُرَّاحِ الْمَصَابِيحِ حَدِيثَ لَنْ يُعْجِزَ اللَّهَ هَذِهِ الْأُمَّةُ فِي نِصْفِ يوم على حال يوم القيامة وريفه الطِّيبِيُّ فَأَصَابَ
قَالَ وَأَمَّا زِيَادَةُ جَعْفَرٍ فَهِيَ مَوْضُوعَةٌ لِأَنَّهَا لَا تُعْرَفُ إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ وَقَدْ كَذَّبَهُ الْأَئِمَّةُ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَسُقْ سَنَدَهُ بِذَلِكَ فَالْعَجَبُ مِنَ السُّهَيْلِيِّ كَيْفَ سَكَتَ عَنْهُ مَعَ مَعْرِفَتِهِ بِحَالِهِ انْتَهَى كَلَامُ الْعَلْقَمِيِّ
قُلْتُ قَالَ الطِّيبِيُّ على ما ذكره القارىء وَقَدْ وَهَمَ بَعْضُهُمْ وَنَزَّلَ الْحَدِيثَ عَلَى أَمْرِ الْقِيَامَةِ وَحَمَلَ الْيَوْمَ عَلَى يَوْمِ الْمَحْشَرِ فَهَبْ أَنَّهُ غَفَلَ عَمَّا حَقَّقْنَاهُ وَنَبَّهْنَا عَلَيْهِ فَهَلَّا انْتَبَهَ لِمَكَانِ الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ فِي أَيِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْكِتَابِ فَإِنَّهُ مَكْتُوبٌ فِي بَابِ قُرْبِ السَّاعَةِ فَأَيْنَ هُوَ مِنْهُ انْتَهَى
قَالَ
стр. 3919
القارىء ولعله ﷺ أراد بالخمسمائة أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْأَلْفِ السَّابِعِ فَإِنَّ الْيَوْمَ نَحْنُ فِي سَابِعِ سَنَةٍ مِنَ الْأَلْفِ الثَّامِنِ وَفِيهِ إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى عَنِ الْخَمْسِ مِائَةٍ فَيُوَافِقُ حَدِيثَ عُمُرُ الدُّنْيَا سَبْعَةُ آلَافِ سَنَةٍ فَالْكَسْرُ الزَّائِدُ يُلْغَى وَنِهَايَتُهُ إِلَى النِّصْفِ وَأَمَّا مَا بَعْدَهُ فَيُعَدُّ أَلْفًا ثَامِنًا بِإِلْغَاءِ الْكَسْرِ النَّاقِصِ وَقِيلَ أَرَادَ بَقَاءَ دِينِهِ وَنِظَامَ مِلَّتِهِ فِي الدُّنْيَا مُدَّةَ خَمْسِ مِائَةِ سَنَةٍ فَقَوْلُهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُمْ أَيْ عَنْ أَنْ يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ سَالِمِينَ عَنِ الْعُيُوبِ مِنَ ارْتِكَابِ الذُّنُوبِ وَالشَّدَائِدِ النَّاشِئَةِ مِنَ الْكُرُوبِ
انْتَهَى كَلَامُهُ
وَتَقَدَّمَ كَلَامَ الشَّيْخِ وَلِيِّ اللَّهِ الْمُحَدِّثِ الدَّهْلَوِيِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ حَدِيثِ لَا يَزَالُ هَذَا الدِّينُ قَائِمًا حَتَّى يَكُونَ عَلَيْكُمُ اثْنَا عَشَرَ خَلِيفَةً وَالْحَدِيثُ سَكَتَ عَنْهُ المنذري٠ وقال المناوي سنده جيد ٠
стр. 3920
٣٧ - كتاب الحدود
(باب الحكم في من ارتد)
[٤٣٥١] (أن عليا) هو بن أَبِي طَالِبٍ (أَحْرَقَ نَاسًا ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ) وَعِنْدَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ أَنَّ عَلِيًّا أُتِيَ بِقَوْمٍ قَدِ ارْتَدُّوا عَنِ الْإِسْلَامِ أَوْ قَالَ بِزَنَادِقَةٍ وَمَعَهُمْ كُتُبٌ لَهُمْ فَأَمَرَ بِنَارٍ فَأُنْضِجَتْ وَرَمَاهُمْ فِيهَا (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أَيِ الْإِحْرَاقُ بن عَبَّاسٍ وَكَانَ حِينَئِذٍ أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَةِ مِنْ قِبَلِ عَلِيٍّ ﵁
قَالَهُ الْحَافِظُ (وَكُنْتُ) عَطْفٌ عَلَى لَمْ أَكُنْ (قَاتِلَهُمْ) أَيِ الْمُرْتَدِّينَ عَنِ الْإِسْلَامِ (فَبَلَغَ ذَلِكَ) أَيْ قَوْلُ بن عَبَّاسٍ ﵁ (فَقَالَ) أَيْ عَلِيٌّ ﵁ (ويح بن عباس) وفي بعض النسخ أم بن عباس بزيادة لفظ أم وفي نسخة بن أُمِّ عَبَّاسٍ بِزِيَادَةِ لَفْظِ أُمٍّ بَيْنَ لَفْظِ بن وَعَبَّاسٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَهْوٌ مِنَ الْكَاتِبِ
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ زَادَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ فِي رِوَايَتِهِ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ وَيْحَ أم بن عَبَّاسٍ كَذَا عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَعِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ بِحَذْفِ أُمٍّ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ أَنَّهُ لَمْ يَرْضَ بِمَا اعْتَرَضَ بِهِ وَرَأَى أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّنْزِيهِ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى تَفْسِيرِ وَيْحَ بِأَنَّهَا كَلِمَةُ رَحْمَةٍ فَتَوَجَّعَ لَهُ لِكَوْنِهِ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى ظَاهِرِهِ فَاعْتَقَدَ التَّحْرِيمَ مُطْلَقًا فَأَنْكَرَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَالَهَا رِضًا بِمَا قَالَ وَأَنَّهُ حَفِظَ مَا نَسِيَهُ بِنَاءً عَلَى أَحَدِ مَا قِيلَ فِي تَفْسِيرِ وَيْحَ إِنَّهَا
стр. 3921
تُقَالُ بِمَعْنَى الْمَدْحِ وَالتَّعَجُّبِ كَمَا حَكَاهُ فِي النِّهَايَةِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ قَوْلِ الْخَلِيلِ هِيَ فِي مَوْضِعِ رَأْفَةٍ وَاسْتِمْلَاحٍ كَقَوْلِكَ لِلصَّبِيِّ وَيْحَهُ ما أحسنه انتهى
وقال القارىء وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَرَدَ مَوْرِدَ الْمَدْحِ وَالْإِعْجَابِ بِقَوْلِهِ وَيَنْصُرُهُ مَا جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ شَرْحِ السُّنَّةِ فبلغ ذلك عليا فقال صدق بن عباس انْتَهَى
وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ لَفْظُهُ لَفْظُ الدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَمَعْنَاهُ الْمَدْحُ لَهُ وَالْإِعْجَابُ بِقَوْلِهِ وَهَذَا كَقَوْلِ رسول الله ﷺ في أَبِي بَصِيرٍ وَيْلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى قَتْلِ الْمُرْتَدَّةِ كَالْمُرْتَدِّ وَخَصَّهُ الْحَنَفِيَّةُ بِالذَّكَرِ وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ النَّهْيَ عَلَى الْكَافِرَةِ الْأَصْلِيَّةِ إِذَا لَمْ تُبَاشِرِ الْقِتَالَ وَلَا الْقَتْلَ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ لَمَّا رَأَى الْمَرْأَةَ مَقْتُولَةً مَا كَانَتْ هَذِهِ لِتُقَاتِلَ ثُمَّ نَهَى عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا أَرْسَلَهُ إِلَى الْيَمَنِ قَالَ لَهُ أَيُّمَا رَجُلٍ ارْتَدَّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَادْعُهُ فَإِنْ عَادَ وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقَهُ وَأَيُّمَا امْرَأَةٍ ارْتَدَّتْ عَنِ الْإِسْلَامِ فَادْعُهَا فَإِنْ عَادَتْ وَإِلَّا فَاضْرِبْ عُنُقَهَا وَسَنَدُهُ حَسَنٌ وَهُوَ نَصٌّ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إِلَيْهِ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ مُخْتَصَرًا وَمُطَوَّلًا
[٤٣٥٢] (عَنْ عَبْدِ اللَّهِ) هُوَ بن مَسْعُودٍ ﵁ (دَمُ رَجُلٍ) أَيْ إِرَاقَتُهُ وَالْمُرَادُ بِرَجُلٍ الْإِنْسَانُ فَإِنَّ الْحُكْمَ شَامِلٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسْوَانِ (مُسْلِمٌ) هُوَ صِفَةٌ مُقَيِّدَةٌ لِرَجُلٍ (يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ) قَالَ الطِّيبِيُّ الظَّاهِرُ أَنْ يَشْهَدُ حَالٌ جِيءَ بِهَا مُقَيِّدَةً لِلْمَوْصُوفِ مَعَ صِفَتِهِ إِشْعَارًا بِأَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ هُمَا الْعُمْدَةُ فِي حَقْنِ الدَّمِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلِهِ ﷺ فِي حَدِيثِ أُسَامَةَ كَيْفَ تَصْنَعُ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ (إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ) أَيْ خِصَالٍ ثَلَاثٍ (الثَّيِّبُ الزَّانِي) أَيْ زِنَا الثَّيِّبِ الزَّانِي وَالْمُرَادُ بِالثَّيِّبِ الْمُحْصَنُ وَهُوَ الْحُرُّ الْمُكَلَّفُ الَّذِي أَصَابَ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ ثُمَّ زَنَى فَإِنَّ لِلْإِمَامِ رَجْمَهُ
قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ إِثْبَاتُ قَتْلِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ وَالْمُرَادُ رَجْمُهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى يَمُوتَ وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ (وَالنَّفْسُ بِالنَّفْسِ) أَيْ قَتْلُ النَّفْسِ بِالنَّفْسِ
قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُرَادُ بِهِ الْقِصَاصُ بِشَرْطِهِ وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ ﵁ فِي قَوْلِهِمْ يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ وَيُقْتَلُ الْحُرُّ بِالْعَبْدِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ مِنْهُمْ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَأَحْمَدُ انْتَهَى (التارك
стр. 3922
لِدِينِهِ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ) أَيِ الَّذِي تَرَكَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ وَخَرَجَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ وَانْفَرَدَ عَنْ أَمْرِهِمْ بِالرِّدَّةِ
فَقَوْلُهُ الْمُفَارِقُ لِلْجَمَاعَةِ صِفَةٌ مُؤَكِّدَةٌ لِلتَّارِكِ لِدِينِهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مُرْتَدٍّ عَنِ الْإِسْلَامِ بِأَيِّ رِدَّةٍ كَانَتْ فَيَجِبُ قَتْلُهُ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَى الْإِسْلَامِ
قَالَ الْعُلَمَاءُ وَيَتَنَاوَلُ أَيْضًا كُلَّ خَارِجٍ عَنِ الْجَمَاعَةِ بِبِدْعَةٍ أَوْ بَغْيٍ أَوْ غَيْرِهِمَا وَكَذَا الْخَوَارِجُ
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا عَامٌّ يُخَصُّ مِنْهُ الصَّائِلُ وَنَحْوُهُ فَيُبَاحُ قَتْلُهُ فِي الدَّفْعِ
وَقَدْ يُجَابُ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ دَاخِلٌ فِي الْمُفَارِقِ لِلْجَمَاعَةِ أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ لَا يَحِلُّ تَعَمُّدُ قَتْلِهِ قَصْدًا إِلَّا فِي هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ
[٤٣٥٣] (لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ) أَيْ إِرَاقَةُ دَمِ شَخْصٍ (يَشْهَدُ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ لامرىء
وَقَالَ الطِّيبِيُّ صِفَةٌ مُمَيِّزَةٌ لَا كَاشِفَةٌ يَعْنِي إِظْهَارُهُ الشَّهَادَتَيْنِ كَافٍ فِي حَقْنِ دَمِهِ (إِلَّا فِي إِحْدَى ثَلَاثٍ) أَيْ خِصَالٍ (رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إِحْصَانٍ) أَيْ زِنَا رَجُلٍ زَانٍ مُحْصَنٍ (فَإِنَّهُ يُرْجَمُ) أَيْ يُقْتَلُ بِرَجْمِ الْحِجَارَةِ (وَرَجُلٌ) أَيْ وَخُرُوجُ رَجُلٍ (خَرَجَ) أَيْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَالَ كَوْنِهِ (مُحَارِبًا بِاللَّهِ) الْبَاءُ زَائِدَةٌ فِي الْمَفْعُولِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التهلكة وَالْمُرَادُ بِهِ قَاطِعُ الطَّرِيقِ أَوِ الْبَاغِي قَالَهُ القارىء وفي بعض النسخ محاربا بالله بِاللَّامِ (فَإِنَّهُ يُقْتَلُ) أَيْ إِنْ قَتَلَ نَفْسًا بلا أخذ مال
كذا قيده القارىء
فَعَلَى هَذَا أَوْ لِلتَّفْصِيلِ وَإِذَا جَعَلَ أَوْ لِلتَّخْيِيرِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذَا الْقَيْدِ كَمَا هو مذهب بن عَبَّاسٍ ﵁ وَغَيْرِهِ (أَوْ يُصَلَّبُ) أَيْ حَيًّا وَيُطْعَنُ حَيًّا حَتَّى يَمُوتَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ إِنَّهُ يُقْتَلُ وَيُصَلَّبُ نَكَالًا لِغَيْرِهِ إِنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ (أَوْ يُنْفَى مِنَ الْأَرْضِ) أَيْ يُخْرَجُ مِنَ الْبَلَدِ إِلَى الْبَلَدِ لَا يَزَالُ يُطَالَبُ وَهُوَ هَارِبٌ وَعَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقِيلَ يُنْفَى مِنْ بَلَدِهِ وَيُحْبَسُ حَتَّى تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ وَهَذَا مُخْتَارُ بن جرير
قال القارىء بَعْدَ ذِكْرِ هَذَا وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّهُ يُحْبَسُ إِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى الْإِخَافَةِ وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يحاربون الله ورسوله وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ أَوْ تُقْطَعَ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ قَبْلَ قَوْلِهِ أَوْ يُنْفَى مِنَ الْأَرْضِ لِيَكُونَ الْحَدِيثُ عَلَى طِبْقِ الْآيَةِ مُسْتَوْعِبًا وَلَعَلَّ حَذْفَهُ وَقَعَ مِنَ الرَّاوِي نِسْيَانًا أو اختصارا قال وأو فِي الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ عَلَى مَا قَرَّرْنَاهُ لِلتَّفْصِيلِ وَقِيلَ إِنَّهُ لِلتَّخْيِيرِ وَالْإِمَامُ مُخَيَّرٌ
стр. 3923
بَيْنَ هَذِهِ الْعُقُوبَاتِ الْأَرْبَعَةِ فِي كُلِّ قَاطِعٍ
وروى بن جرير هذا القول عن بن عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالضَّحَّاكِ (أَوْ يَقْتُلُ نَفْسًا) بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ وَأَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ عَطْفًا عَلَى رَجُلٍ خَرَجَ وَالتَّقْدِيرُ قَتْلُ رَجُلٍ نَفْسًا (فَيُقْتَلُ بِهَا) بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
[٤٣٥٤] (قَالَ أَبُو مُوسَى) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيُّ ﵁ (وَمَعِي رَجُلَانِ) وَفِي مُسْلِمٍ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي عَمِّي (فَكِلَاهُمَا سَأَلَا) وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ سَأَلَ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ (الْعَمَلَ) وَلِمُسْلِمٍ أَمِّرْنَا عَلَى بَعْضِ مَا وَلَّاكَ اللَّهُ (أَوْ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ قَيْسٍ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي بِأَيِّهِمَا خَاطَبَهُ (مَا أَطْلَعَانِي عَلَى مَا فِي أَنْفُسِهِمَا) أَيْ دَاعِيَةِ الِاسْتِعْمَالِ (وَمَا شَعَرْتُ) أَيْ مَا عَلِمْتُ (إِلَى سِوَاكِهِ) ﷺ (قَلَصَتْ) بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ الْمُخَفَّفَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ انْزَوَتْ أَوِ ارْتَفَعَتْ
قَالَهُ الْقَسْطَلَّانِيُّ وَهُوَ حَالٌ بِتَقْدِيرِ قَدْ (أَوْ لَا نَسْتَعْمِلُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (فَبَعَثَهُ) أَيْ أَبَا مُوسَى (عَلَى الْيَمَنِ) أَيْ عَامِلًا عَلَيْهَا (ثُمَّ أَتْبَعَهُ) بِهَمْزَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ سَاكِنَةٍ (مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ) بِالنَّصْبِ أَيْ بَعَثَهُ بَعْدَهُ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِ بَعْدَ أَنْ تَوَجَّهَ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى أَبِي مُوسَى
وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي الْمَغَازِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا كَانَ عَلَى عَمَلٍ مُسْتَقِلٍّ وَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا إِذَا سَارَ فِي أَرْضِهِ فَقَرُبَ مِنْ صَاحِبِهِ أَحْدَثَ بِهِ عَهْدًا
وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي الْمَغَازِي فَجَعَلَا يَتَزَاوَرَانِ فَزَارَ مُعَاذٌ أَبَا مُوسَى وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فَضَرَبَ فُسْطَاطًا (وَأَلْقَى) أَيْ أَبُو مُوسَى (لَهُ) لِمُعَاذٍ (وِسَادَةً) قَالَ الْحَافِظُ مَعْنَى أَلْقَى لَهُ وِسَادَةً فَرَشَهَا لَهُ لِيَجْلِسَ عَلَيْهَا
وَقَدْ ذَكَرَ الْبَاجِيُّ وَالْأَصِيلِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ عنهما أن المراد بقول بن عَبَّاسٍ فَاضْطَجَعْتُ فِي عَرْضِ الْوِسَادَةِ الْفِرَاشُ وَرَدَّهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ هَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِالْوِسَادَةِ مَا يُجْعَلُ تَحْتَ رَأْسِ النَّائِمِ وَهُوَ كَمَا قَالَ
قَالَ وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ أَنَّ مَنْ أَرَادُوا إِكْرَامَهُ وَضَعُوا الْوِسَادَةَ تَحْتَهُ مُبَالَغَةً فِي إِكْرَامِهِ
قَالَ وَلَمْ أَرَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ اللُّغَةِ أَنَّ الْفِرَاشَ يُسَمَّى
стр. 3924
وِسَادَةً انْتَهَى (مُوثَقٌ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ مَرْبُوطٌ بِقَيْدٍ (قَالَ) أَيْ مُعَاذٌ (مَا هَذَا) أَيْ مَا هَذَا الرَّجُلُ الْمُوثَقُ (ثُمَّ رَاجَعَ دِينَهُ) أَيْ رَجَعَ إِلَى دِينِهِ (دِينَ السُّوءِ) بَدَلٌ مِنْ دِينَهُ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ ثُمَّ تَهَوَّدَ (قَضَاءُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ) بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هَذَا حُكْمُهُمَا أَيْ مَنِ ارْتَدَّ وَجَبَ قَتْلُهُ (ثَلَاثَ مِرَارٍ) يَعْنِي أَنَّهُمَا كَرَّرَا الْقَوْلَ أَبُو مُوسَى يَقُولُ اجْلِسْ وَمُعَاذٌ يَقُولُ لَا أَجْلِسُ فَهُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي لَا تَتِمَّةَ كَلَامِ مُعَاذٍ (فَأَمَرَ) أَيْ أَبُو مُوسَى (بِهِ) أَيْ بِقَتْلِ الرَّجُلِ الْمُوثَقِ (ثُمَّ تَذَاكَرَا) أَيْ مُعَاذٌ وَأَبُو مُوسَى (مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ) بَدَلٌ مِنْ أَحَدُهُمَا (وَأَقُومُ) أَيْ أُصَلِّي مُتَهَجِّدًا (أَوْ أَقُومُ وَأَنَامُ) شَكٌّ مِنَ الرَّاوِي (وَأَرْجُو فِي نَوْمَتِي) أَيْ لِتَرْوِيحِ نَفْسِهِ بِالنَّوْمِ لِيَكُونَ أَنْشَطَ لَهُ عِنْدَ الْقِيَامِ (مَا) أَيِ الَّذِي (أَرْجُو) مِنَ الْأَجْرِ (فِي قَوْمَتِي) بِفَتْحِ الْقَافِ وَسُكُونِ الْوَاوِ أَيْ فِي قِيَامِي بِاللَّيْلِ
هَذَا قَوْلُ معاذ ﵁ وَلَمْ يُذْكَرْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلَ أَبِي مُوسَى
قَالَ الْحَافِظُ وَفِي رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ فَقَالَ أَبُو مُوسَى أَقْرَؤُهُ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى رَاحِلَتِي وَأَتَفَوَّقُهُ تَفَوُّقًا بِفَاءٍ وَقَافٍ بَيْنَهُمَا وَاوٌ ثَقِيلَةٌ أَيْ أُلَازِمُ قِرَاءَتَهُ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ
وَالْحَدِيثُ فِيهِ إِكْرَامُ الضَّيْفِ وَالْمُبَادَرَةُ إِلَى إِنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَإِقَامَةُ الْحَدِّ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ وَأَنَّ الْمُبَاحَاتِ يُؤْجَرُ عَلَيْهَا بِالنِّيَّةِ إِذَا صَارَتْ وَسَائِلَ لِلْمَقَاصِدِ الْوَاجِبَةِ أَوِ الْمَنْدُوبَةِ أَوْ تَكْمِيلًا لِشَيْءٍ مِنْهُمَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٤٣٥٥] (قَالَ أَحَدُهُمَا) أَيْ طَلْحَةُ أَوْ بُرَيْدٌ (وَكَانَ) أَيْ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُوثَقُ الْمُرْتَدُّ (قَدِ اسْتُتِيبَ) أَيْ عُرِضَ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ وَهُوَ قَوْلُ الجمهور
стр. 3925
قال بن بَطَّالٍ اخْتُلِفَ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ فَقِيلَ يُسْتَتَابُ فَإِنْ تَابَ وَإِلَّا قُتِلَ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقِيلَ يَجِبُ قَتْلُهُ فِي الْحَالِ جَاءَ ذَلِكَ عَنِ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ
قال الحافظ واستدل بن الْقَصَّارِ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ بِالْإِجْمَاعِ يَعْنِي السُّكُوتِيَّ لِأَنَّ عُمَرَ كَتَبَ فِي أَمْرِ الْمُرْتَدِّ هَلَّا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَأَطْعَمْتُمُوهُ فِي كُلِّ يَوْمٍ رَغِيفًا لَعَلَّهُ يَتُوبُ فَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ
قَالَ وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الصَّحَابَةِ كَأَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ قَوْلِهِ ﷺ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ أَيْ إِنْ لَمْ يَرْجِعْ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ واتوا الزكاة فخلوا سبيلهم وَاخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِالِاسْتِتَابَةِ هَلْ يُكْتَفَى بِالْمَرَّةِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَهَلِ الثَّلَاثُ فِي مَجْلِسٍ أَوْ فِي يَوْمٍ أَوْ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَعَنْ عَلِيٍّ يُسْتَتَابُ شَهْرًا وَعَنِ النَّخَعِيِّ يُسْتَتَابُ أَبَدًا
كَذَا نُقِلَ عَنْهُ مُطْلَقًا
وَالتَّحْقِيقُ أَنَّهُ فِيمَنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ الرِّدَّةُ انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَوْلُهُ قَالَ أَحَدُهُمَا يُرِيدُ طَلْحَةَ بْنَ يحيى ويريد عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بُرْدَةَ
وَطَلْحَةُ هَذَا هو بن يَحْيَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ الْكُوفِيُّ وَهُوَ مَدَنِيُّ الْأَصْلِ وَبُرَيْدٌ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْيَاءِ آخِرَ الْحُرُوفِ وَبَعْدَهَا دَالٌ مُهْمَلَةٌ
[٤٣٥٦] (أَخْبَرَنَا الشَّيْبَانِيُّ) هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ (فَدَعَاهُ) أَيْ دَعَا أَبُو مُوسَى ذَلِكَ الْمُرْتَدَّ إِلَى الْإِسْلَامِ (فَدَعَاهُ فَأَبَى) أَيْ دَعَاهُ مُعَاذٌ أَيْضًا إِلَى الْإِسْلَامِ فَامْتَنَعَ عَنْهُ (فَضُرِبَ) ضُبِطَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَالْمَعْرُوفِ (عُنُقُهُ) بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ (قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَخْ) حَاصِلُهُ أَنَّهُ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَبْدُ الْمَلِكِ عن أبي بردة وكذلك رواه بن فُضَيْلٍ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْهُ لَكِنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا فِي رِوَايَتِهِمَا الِاسْتِتَابَةَ (وَمَا اسْتَتَابَهُ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ رِوَايَةِ الْمَسْعُودِيِّ هَذِهِ وَهَذَا يُعَارِضُهُ الرِّوَايَةُ الْمُثْبَتَةُ لِأَنَّ مُعَاذًا اسْتَتَابَهُ وَهِيَ أَقْوَى مِنْ هَذِهِ وَالرِّوَايَاتُ السَّاكِتَةُ عَنْهَا لَا تُعَارِضُهَا وَعَلَى تَقْدِيرِ تَرْجِيحِ رِوَايَةِ الْمَسْعُودِيِّ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنْ قَالَ يُقْتَلُ الْمُرْتَدُّ بِلَا اسْتِتَابَةٍ لِأَنَّ مُعَاذًا يَكُونُ اكْتَفَى بِمَا تَقَدَّمَ مِنَ اسْتِتَابَةِ أَبِي مُوسَى انتهى
следующие страницы →