Полный текст (4 665 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.
стр. 806
يُجْمَعُ وَمَنْ كَسَرَ فَهُوَ وَصْفٌ يُثَنَّى وَيُجْمَعُ قَالَ وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ قَمِينٌ بِزِيَادَةِ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَمَعْنَاهُ حَقِيقٌ وَجَدِيرٌ وَيُسْتَحَبُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الدُّعَاءِ وَالتَّسْبِيحِ الْمُتَقَدِّمِ لِيَكُونَ الْمُصَلِّي عَامِلًا بِجَمِيعِ مَا وَرَدَ وَالْأَمْرُ بِتَعْظِيمِ الرَّبِّ فِي الرُّكُوعِ وَالِاجْتِهَادُ فِي الدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَدْ نُقِدَ ذِكْرُ مَنْ قَالَ بِوُجُوبِ تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ والسجود
قال المنذري وأخرجه مسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
[٨٧٧] (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُكْثِرُ) مِنَ الْإِكْثَارِ (أَنْ يَقُولَ) قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ قَدْ بَيَّنَ الْأَعْمَشُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي الضُّحَى فِي التَّفْسِيرِ ابْتِدَاءَ هَذَا الْفِعْلِ وَأَنَّهُ وَاظَبَ عَلَيْهِ ﷺ وَلَفْظُهُ مَا صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةً بَعْدَ أَنْ نَزَلَتْ عليه إذا جاء نصر الله والفتح إِلَّا يَقُولُ فِيهَا الْحَدِيثَ (سُبْحَانَكَ) هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِيَّةِ (وَبِحَمْدِكَ) مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ دَلَّ عَلَيْهِ التَّسْبِيحُ أَيْ وَبِحَمْدِكَ سَبَّحْتُكَ وَمَعْنَاهُ بِتَوْفِيقِكَ لِي وَهِدَايَتِكَ وَفَضْلِكَ عَلَيَّ سَبَّحْتُكَ لَا بِحَوْلِي وَقُوَّتِي
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَيَظْهَرُ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ إِبْقَاءُ مَعْنَى الْحَمْدِ عَلَى أَصْلِهِ وَتَكُونُ الْبَاءُ بَاءَ السَّبَبِيَّةِ وَيَكُونُ مَعْنَاهُ بِسَبَبِ أَنَّكَ مَوْصُوفٌ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَالْجَلَالِ سَبَّحَكَ الْمُسَبِّحُونَ وَعَظَّمَكَ الْمُعَظِّمُونَ وَقَدْ رُوِيَ بِحَذْفِ الْوَاوِ مِنْ قَوْلِهِ وَبِحَمْدِكَ وَبِإِثْبَاتِهَا (يَتَأَوَّلُ الْقُرْآنَ) قَالَ الْحَافِظُ أَيْ يَفْعَلُ مَا أُمِرَ بِهِ وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْآنِ بَعْضُهُ وَهُوَ السُّورَةُ الْمَذْكُورَةُ انْتَهَى
قَالَ الْقَاضِي جُمْلَةٌ وَقَعَتْ حَالًا عَنْ ضَمِيرِ يَقُولُ أَيْ يَقُولُ مُتَأَوِّلًا لِلْقُرْآنِ أَيْ مُبَيِّنًا مَا هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ فَسَبِّحْ بحمد ربك واستغفره آتِيًا بِمُقْتَضَاهُ
ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ البخاري ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
[٨٧٨] (اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي كُلَّهُ) لِلتَّأَكُّدِ وَمَا بَعْدَهُ تَفْصِيلٌ لِأَنْوَاعِهِ أَوْ بَيَانُهُ وَيُمْكِنُ نَصْبُهُ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي (دِقَّهُ) بِكَسْرِ الدَّالِ أَيْ دَقِيقَهُ وَصَغِيرَهُ (وَجِلَّهُ) بِكَسْرِ الْجِيمِ وَقَدْ تُضَمُّ أَيْ جَلِيلَهُ وَكَبِيرَهُ قِيلَ
стр. 807
إِنَّمَا قَدَّمَ الدِّقَّ عَلَى الْجِلِّ لِأَنَّ السَّائِلَ يَتَصَاعَدُ فِي مَسْأَلَتِهِ أَيْ يَتَرَقَّى وَلِأَنَّ الْكَبَائِرَ تَنْشَأُ غَالِبًا مِنَ الْإِصْرَارِ عَلَى الصَّغَائِرِ وَعَدَمِ الْمُبَالَاةِ بِهَا فَكَأَنَّهَا وَسَائِلُ إِلَى الْكَبَائِرِ وَمِنْ حَقِّ الْوَسِيلَةِ أَنْ تُقَدَّمَ إِثْبَاتًا وَرَفْعًا (وَأَوَّلَهُ واخره) المقصود الإحاطة (زاد بن السَّرْحِ) أَيْ فِي رِوَايَتِهِ (عَلَانِيَتَهُ وَسِرَّهُ) أَيْ عِنْدَ غَيْرِهِ تَعَالَى وَإِلَّا فَهُمَا سَوَاءٌ عِنْدَهُ تَعَالَى يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
[٨٧٩] (عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ) بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ (فَقَدْتُ) ضِدَّ صَادَفْتُ أَيْ طَلَبْتُ فَمَا وَجَدْتُّ (فَلَمَسْتُ الْمَسْجِدَ) أَيْ مَسِسْتُ بِيَدَيَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ (وَقَدَمَاهُ مَنْصُوبَتَانِ) أَيْ قَائِمَتَانِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمِهِ وَهُوَ الْمَسْجَدُ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَقَالَ فِي الْمِرْقَاةِ الْمَسْجَدُ بِفَتْحِ الْجِيمِ أَيْ فِي السُّجُودِ فَهُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ أَوْ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ يُصَلِّي فِيهِ فِي حُجْرَتِهِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَهُوَ يَحْتَمِلُ مَسْجِدَ الْبَيْتِ بِمَعْنَى مَعْبَدِهِ وَالْمَسْجِدُ النَّبَوِيُّ
انْتَهَى (أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ) أَيْ مِنْ فِعْلٍ يُوجِبُ سَخَطَكَ عَلَيَّ أَوْ عَلَى أُمَّتِي (وَبِمُعَافَاتِكَ) أَيْ بِعَفْوِكَ وَأَتَى بِالْمُغَالَبَةِ لِلْمُبَالَغَةِ أَيْ بِعَفْوِكَ الْكَثِيرِ (مِنْ عُقُوبَتِكَ) وَهِيَ أَثَرٌ مِنْ آثَارِ السُّخْطِ وَإِنَّمَا اسْتَعَاذَ بِصِفَاتِ الرَّحْمَةِ لِسَبْقِهَا وَظُهُورِهَا مِنْ صِفَاتِ الْغَضَبِ (وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ) إِذْ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ مَعَكَ شَيْئًا فَلَا يُعِيذُهُ مِنْكَ إِلَّا أَنْتَ (لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ) قَالَ الطِّيبِيُّ الْأَصْلُ فِي الْإِحْصَاءِ الْعَدُّ بِالْحَصَى أَيْ لَا أُطِيقُ أَنْ أُثْنِي عَلَيْكَ كَمَا تَسْتَحِقُّهُ (أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ) مَا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ وَالْكَافُ بِمَعْنَى مِثْلِ
قَالَ الطِّيبِيُّ (عَلَى نَفْسِكَ) أَيْ عَلَى ذَاتِكَ
سُئِلَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ كَيْفَ شُبِّهَ ذَاتُهُ بِثَنَائِهِ وَهُمَا فِي غَايَةِ التَّبَايُنِ فَأَجَابَ بِأَنَّ فِي الْكَلَامِ حَذْفًا تَقْدِيرُهُ ثَنَاؤُكَ الْمُسْتَحَقُّ كَثَنَائِكَ عَلَى نَفْسِكَ فَحُذِفَ الْمُضَافُ مِنَ الْمُبْتَدَأِ فَصَارَ الضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ مَرْفُوعًا
قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا الْكَلَامِ مَعْنَى لَطِيفٌ وَهُوَ أَنَّهُ قَدِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ أَنْ يُجِيرَهُ بِرِضَاهُ مِنْ سَخَطِهِ وَبِمُعَافَاتِهِ مِنْ عُقُوبَتِهِ وَالرِّضَى وَالسُّخْطُ ضِدَّانِ مُتَقَابِلَانِ وَكَذَلِكَ الْمُعَافَاةُ وَالْمُؤَاخَذَةُ بِالْعُقُوبَةِ فَلَمَّا صار إلى ذكر مالا ضِدَّ لَهُ وَهُوَ اللَّهُ اسْتَعَاذَ بِهِ مِنْهُ لَا غَيْرَ وَمَعْنَى ذَلِكَ الِاسْتِغْفَارُ مِنَ التَّقْصِيرِ مِنْ بُلُوغِ الْوَاجِبِ مِنْ حَقِّ عِبَادَتِهِ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ
وَقَوْلُهُ لَا أُحْصِي ثَنَاءً
стр. 808
عَلَيْكَ أَيْ لَا أُطِيقُهُ وَلَا أَبْلُغُهُ انْتَهَى
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فِي جَوَازِ إِضَافَةِ الشَّرِّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى كَمَا يُضَافُ إِلَيْهِ الْخَيْرُ لِقَوْلِهِ أَعُوذُ بك من سخطك وعن عُقُوبَتِكَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وبن مَاجَهْ
(بَاب الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ)
[٨٨٠] (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ) وَمِنْهُ شِدَّةُ الضغطة ووحشة الوحدة
قال بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ وَفِيهِ أَبْلَغُ الرَّدِّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي إِنْكَارِهِمْ لَهُ وَمُبَالَغَتِهِمْ فِي الْحَطِّ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ فِي إِثْبَاتِهِمْ لَهُ حَتَّى وَقَعَ لِسُنِّيٍّ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى مُعْتَزِلِيٍّ فَقَالَ فِي دُعَائِهِ اللَّهُمَّ أَذِقْهُ عَذَابَ الْقَبْرِ فَإِنَّهُ كَانَ لا يؤمن به ويبالغ في نفيه ويخطىء مُثْبِتَهُ انْتَهَى
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْفِتْنَةُ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ قَالَ عِيَاضٌ وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْعُرْفِ لِكَشْفِ مَا يُكْرَهُ انْتَهَى
وَتُطْلَقُ عَلَى الْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ وَالنَّمِيمَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ
وَالْمَسِيحُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمُهْمَلَةِ الْمَكْسُورَةِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ يُطْلَقُ عَلَى الدَّجَّالِ وعلى عيسى بن مريم ﵇ لَكِنْ إِذَا أُرِيدَ الدَّجَّالُ قُيِّدَ بِهِ
وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي السُّنَنِ الْمِسِّيحُ عَلَى وَزْنِ سِكِّينٍ مُثَقَّلٌ الدَّجَّالُ وَمُخَفَّفٌ عِيسَى وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَأَمَّا مَا نَقَلَ الْفِرَبْرِيُّ فِي رِوَايَةِ الْمُسْتَمْلِي وَحْدَهُ عَنْهُ عَنْ خَلَفِ بْنِ عَامِرٍ وَهُوَ الْهَمْدَانِيُّ أَحَدُ الْحُفَّاظِ أَنَّ الْمِسِّيحَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ وَاحِدٌ يُقَالُ لِلدَّجَّالِ وَيُقَالُ لِعِيسَى وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا بِمَعْنَى لَا اخْتِصَاصَ لِأَحَدِهِمَا بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فَهُوَ رَأْيٌ ثَالِثٌ
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ مَنْ قَالَهُ بِالتَّخْفِيفِ فَلِمَسْحِهِ الْأَرْضَ وَمَنْ قَالَهُ بِالتَّشْدِيدِ فَلِكَوْنِهِ مَمْسُوحَ الْعَيْنِ
وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَالَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فِي الدَّجَّالِ وَنُسِبَ قَائِلُهُ إِلَى التَّصْحِيفِ
وَاخْتُلِفَ فِي تَلْقِيبِ الدَّجَّالِ بِذَلِكَ فَقِيلَ لِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ وَقِيلَ لِأَنَّ أَحَدَ شِقَّيْ وَجْهِهِ خُلِقَ مَمْسُوحًا لَا عَيْنَ فِيهِ وَلَا حَاجِبَ وَقِيلَ لِأَنَّهُ يَمْسَحُ الْأَرْضَ إِذَا خَرَجَ
وَأَمَّا عِيسَى فَقِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ وَقِيلَ لِأَنَّ زَكَرِيَّا مَسَحَهُ وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ لَا يَمْسَحُ ذا عاهة إلا بريء وَقِيلَ لِأَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ الْأَرْضَ بِسِيَاحَتِهِ وَقِيلَ لِأَنَّ رِجْلَهُ كَانَتْ لَا إِخْمَصَ لَهَا قَالَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ الفيروز آبادي في القاموس المسيح عيسى عليه
стр. 809
السلام لِبَرَكَتِهِ وَذَكَرْتُ فِي اشْتِقَاقِهِ خَمْسِينَ قَوْلًا فِي شَرْحِي لِمَشَارِقِ الْأَنْوَارِ وَغَيْرِهِ وَالدَّجَّالُ لِشُؤْمِهِ انْتَهَى
(وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) مَنْسَلِ الحياة والموت
قال بن دقيق العيد فتنة المحيا ما يعرض للإنسان مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنَ الِافْتِتَانِ بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ وَالْجَهَالَاتِ وَأَعْظَمُهَا وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ أَمْرُ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْفِتْنَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ أُضِيفَتْ إِلَيْهِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا عَلَى هَذَا مَا قَبْلَ ذَلِكَ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا فِتْنَةُ الْقَبْرِ
وَقَدْ صَحَّ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ إِنَّكُمْ تُفْتَنُونَ فِي قُبُورِكُمْ مِثْلَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدجال ولا يكون مع هذا الوجه متكررا مَعَ قَوْلِهِ عَذَابُ الْقَبْرِ لِأَنَّ الْعَذَابَ مُرَتَّبٌ عَنِ الْفِتْنَةِ وَالسَّبَبُ غَيْرُ الْمُسَبَّبِ
وَقِيلَ أَرَادَ بِفِتْنَةِ الْمَحْيَا الِابْتِلَاءَ مَعَ زَوَالِ الصَّبْرِ وَبِفِتْنَةِ الْمَمَاتِ السُّؤَالَ فِي الْقَبْرِ مَعَ الْحِيرَةِ وَهَذَا مِنَ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ لِأَنَّ عَذَابَ الْقَبْرِ دَاخِلٌ تَحْتَ فِتْنَةِ الْمَمَاتِ وَفِتْنَةُ الدَّجَّالِ دَاخِلَةٌ تَحْتَ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَأَخْرَجَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ إِنَّ الْمَيِّتَ إِذَا سُئِلَ مَنْ رَبُّكَ تَرَاءَى لَهُ الشَّيْطَانُ فَيُشِيرُ إِلَى نَفْسِهِ أَنِّي أَنَا رَبُّكَ فَلِهَذَا وَرَدَ سُؤَالُ التَّثَبُّتِ لَهُ حِينَ يُسْأَلُ
ثُمَّ أَخْرَجَ بِسَنَدٍ جَيِّدٍ إِلَى عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ كَانُوا يَسْتَحِبُّونَ إِذَا وُضِعَ الْمَيِّتُ فِي الْقَبْرِ أَنْ يَقُولُوا اللَّهُمَّ أَعِذْهُ مِنَ الشَّيْطَانِ كَذَا فِي الْفَتْحِ (مِنَ الْمَأْثَمِ) إِمَّا مَصْدَرُ أَثِمَ الرَّجُلُ أَوْ مَا فِيهِ الْإِثْمُ أَوْ مَا يُوجِبُ الْإِثْمَ (وَالْمَغْرَمِ) أَيِ الدَّيْنِ يُقَالُ غَرِمَ بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيِ ادَّانَ قِيلَ وَالْمُرَادُ بِهِ مَا يُسْتَدَانُ فِيمَا لَا يَجُوزُ أَوْ فِيمَا يَجُوزُ ثُمَّ يَعْجِزُ عَنْ أَدَائِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ وَقَدِ اسْتَعَاذَ ﷺ مِنْ غَلَبَةِ الدَّيْنِ
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْمَغْرَمُ الْغُرْمُ وَقَدْ نَبَّهَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الضَّرَرِ اللَّاحِقِ مِنَ الْمَغْرَمِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (فَقَالَ قَائِلٌ) أَيْ عَائِشَةُ كَمَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ (مَا أَكْثَرَ) بِالنَّصْبِ وَمَا تَعَجُّبِيَّةٌ (مَا تَسْتَعِيذَ) مَا مَصْدَرِيَّةٌ أَيِ اسْتِعَاذَتُكَ (إِنَّ الرَّجُلَ) الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ (إِذَا غَرِمَ) بِكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ لَزِمَهُ دَيْنٌ وَالْمُرَادُ اسْتَدَانَ وَاتَّخَذَ ذَلِكَ دَأْبَهُ وَعَادَتَهُ كَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ السِّيَاقُ (حَدَّثَ) أَيْ أَخْبَرَ عَنْ مَاضِي الْأَحْوَالِ لِتَمْهِيدِ عُذْرٍ فِي التَّقْصِيرِ (فَكَذَبَ) لِأَنَّهُ إِذَا تَقَاضَاهُ رَبُّ الدَّيْنِ وَلَمْ يَحْضُرْهُ مَا يُؤَدِّي بِهِ دَيْنَهُ يَكْذِبُ لِيَتَخَلَّصَ مِنْ يَدهِ ويقول لي ما لغائب إذا حضر أؤدي دينك
وقال بن حَجَرٍ أَيْ حَدَّثَ النَّاسَ عَنْ حَالِهِ وَمُعَامَلَتِهِ فَكَذَبَ عَلَيْهِمْ حَتَّى يَحْمِلَهُمْ عَلَى إِدَانَتِهِ وَإِنْ كَانَ مُعْدِمًا أَوِ الصَّبْرِ عَلَيْهِ لِيَرْبَحَ فِيهِ شَيْئًا يَبْقَى لَهُ قَبْلَ وَفَائِهِ (وَوَعَدَ) أَيْ فِي الْمُسْتَقْبَلِ بِأَنْ يَقُولَ أُعْطِيكَ غَدًا أَوْ فِي الْمُدَّةِ الْفُلَانِيَّةِ (فَأَخْلَفَ) أَيْ فِي وَعْدِهِ وقال بن حَجَرٍ وَوَعَدَ بِالْوَفَاءِ
стр. 810
أَوْ غَيْرِهِ مُطْلَقًا أَوْ فِي وَقْتٍ مَعْلُومٍ فَأَخْلَفَ طَمَعًا فِي بَقَاءِ الْمَالِ فِي يَدِهِ أَوْ لِسُوءِ تَدْبِيرِهِ أَوْ تَصَرُّفِهِ
وَبِمَا تَقَرَّرَ عُلِمَ أَنَّ غَرِمَ شَرْطٌ وَحَدَّثَ جَزَاءٌ وَكَذَبَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الْجَزَاءِ وَوَعَدَ عَطْفٌ عَلَى حَدَّثَ لَا عَلَى غَرِمَ خِلَافًا لِمَنْ زَعَمَهُ لِفَسَادِ الْمَعْنَى حِينَئِذٍ كَمَا هُوَ ظَاهِرٌ وَأَخْلَفَ مُتَرَتِّبًا عَلَيْهِ قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٨٨١] (فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ النَّارِ وَيْلٌ لِأَهْلِ النَّارِ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِلَفْظِ سَمِعْتُ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي صَلَاةٍ لَيْسَتْ بِفَرِيضَةٍ فَمَرَّ بِذِكْرِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ فَقَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ إِلَخْ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّعَوُّذِ مِنَ النَّارِ عِنْدَ الْمُرُورِ بِذِكْرِهَا وَقَدْ قَيَّدَهُ الرَّاوِي بِصَلَاةٍ غَيْرِ فَرِيضَةٍ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ مُقَيَّدٌ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ
قَالَ المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَأَبُو لَيْلَى لَهُ صُحْبَةٌ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ يَسَارٌ وَقِيلَ دَاوُدُ وَقِيلَ أَوْسٌ وَقِيلَ أَخُوهُ وَفِي إِسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ
[٨٨٢] (لَقَدْ تَحَجَّرْتَ وَاسِعًا) أَيْ ضَيَّقْتَ مَا وَسَّعَهُ اللَّهُ وَخَصَصْتَ بِهِ نَفْسَكَ دُونَ إِخْوَانِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ هَلَّا سَأَلْتَ اللَّهَ لَكَ وَلِكُلِّ الْمُؤْمِنِينَ وَأَشْرَكْتَهُمْ فِي رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ
وَفِي هَذَا إِشَارَةٌ إِلَى تَرْكِ هَذَا الدُّعَاءِ وَالنَّهْيِ عَنْهُ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِالرَّحْمَةِ وَالْهِدَايَةِ وَنَحْوِهِمَا
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ دَعَا بِمَا لَا يَجُوزُ جَاهِلًا لِعَدَمِ أَمْرِ هَذَا الدَّاعِي بِالْإِعَادَةِ (يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ قَالَ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَسِعَتْ فِي الدُّنْيَا الْبَرَّ وَالْفَاجِرَ وَهِيَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِلْمُتَّقِينَ خَاصَّةً جَعَلَنَا اللَّهُ مِمَّنْ وَسِعَتْهُ رَحْمَتُهُ فِي الدَّارَيْنِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
стр. 811
[٨٨٣] (كَانَ إِذَا قَرَأَ) إِلَخْ
قَالَ الْمُظْهِرُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ يَجُوزُ مِثْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ فِي الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَا يَجُوزُ إِلَّا فِي غَيْرِهَا قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَكَذَا عِنْدَ مَالِكٍ يَجُوزُ فِي النَّوَافِلِ انْتَهَى
وَكَذَا الْحُكْمُ فِي حَدِيثِ مُسْلِمٍ عَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ صَلَّى وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ فَكَانَ إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ
كَذَا قال ملا علي القارىء فِي الْمِرْقَاةِ
قُلْتُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُوَافِقُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الشَّافِعِيُّ
لِأَنَّ قَوْلَهُ كَانَ إِذَا قَرَأَ عَامٌّ يَشْمَلُ الصَّلَاةَ وَغَيْرَهَا وَحَدِيثُ حُذَيْفَةَ مُقَيَّدٌ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ كَمَا مَرَّ فَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يُجَوِّزِ التَّسْبِيحَ وَالسُّؤَالَ وَالتَّعَوُّذَ عِنْدَ الْمُرُورِ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ أَوْ سُؤَالٌ أَوْ تَعَوُّذٌ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا
[٨٨٤] (عَنْ مُوسَى بْنِ أَبِي عَائِشَةَ) هُوَ الْهَمْدَانِيُّ الْكُوفِيُّ مَوْلَى آل جعدة بْنِ هُبَيْرَةَ الْمَخْزُومِيُّ
قَالَ فِي التَّقْرِيبِ ثِقَةٌ عَابِدٌ مِنَ الْخَامِسَةِ وَكَانَ يُرْسِلُ وَمَنْ دُونَهُ هُمْ رِجَالُ الصَّحِيحِ (كَانَ رَجُلٌ) جَهَالَةُ الصَّحَابِيِّ مُغْتَفَرَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الْحَقُّ (يُصَلِّي فَوْقَ بَيْتِهِ) فِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ عَلَى ظَهْرِ الْبَيْتِ وَالْمَسْجِدِ وَنَحْوِهِمَا فَرْضًا أَوْ نَفْلًا عِنْدَ مَنْ جعل فعل الصحابي حجة أخذا بهذا
وَالْأَصْلُ الْجَوَازُ فِي كُلِّ مَكَانٍ مِنَ الْأَمْكِنَةِ مَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِهِ (سُبْحَانَكَ) أَيْ تَنْزِيهًا لَكَ أَنْ يَقْدِرَ أَحَدٌ عَلَى إِحْيَاءِ الْمَوْتَى غَيْرَكَ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ
وَقَالَ الْكِسَائِيُّ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مُنَادَى مُضَافٌ (فَبَلَى) بِاللَّامِ وَفِي نُسْخَةٍ مِنْ سُنَنِ أَبِي داود فبكي بالكاف قال بن رَسْلَانَ وَأَكْثَرُ النُّسَخِ الْمُعْتَمَدَةِ بِاللَّامِ بَدَلَ الْكَافِ وَبَلَى حَرْفٌ لِإِيجَابِ النَّفْي وَالْمَعْنَى أَنْتَ
стр. 812
قَادِرٌ عَلَى أَنْ تُحْيِيَ الْمَوْتَى
كَذَا فِي النَّيْلِ (يُعْجِبُنِي) مِنَ الْإِعْجَابِ أَيْ يُفْرِحُنِي وَيَسُرُّنِي (أَنْ يَدْعُوَ بِمَا فِي الْقُرْآنِ) فِي مَعْنَى كَلَامِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَدْعُوَ فِي الصَّلَاةِ الْفَرِيضَةِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ قَبْلَ التَّسْلِيمِ بِالْأَدْعِيَةِ الَّتِي هِيَ مَذْكُورَةٌ فِي الْقُرْآنِ نَحْوَ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ وَمِثْلَ رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أن آمنوا بربكم فآمنا وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الْكَرِيمَةِ وَثَانِيهُمَا أَنْ يَدْعُوَ فِي الْفَرِيضَةِ بِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ آيَاتِ الرَّحْمَةِ وَغَيْرِهَا أَيْ إِذَا يَمُرُّ الْمُصَلِّي بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا يَمُرُّ بِسُؤَالٍ سأل وإذا يمر بآية يُتَعَوَّذُ فِيهَا تَعَوَّذَ
وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ
فَالْإِمَامُ أَحْمَدُ لَا يَخُصُّ هَذَا في النوافل بل يستحبه فِي الْفَرَائِضِ أَيْضًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ
قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ بَابُ الْوُقُوفِ عِنْدَ آيَةِ الرحمة وآية العذاب
قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ أُحِبُّ لِلْإِمَامِ إِذَا قَرَأَ آيَةَ الرَّحْمَةِ أَنْ يَقِفَ فَيَسْأَلَ اللَّهَ وَيَسْأَلَ النَّاسُ وَإِذَا قَرَأَ آيَةَ الْعَذَابِ أَنْ يَقِفَ فَيَسْتَعِيذَ وَيَسْتَعِيذَ النَّاسُ بَلَغَنَا عَنِ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ ثُمَّ سَاقَ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ حَدِيثَ حُذَيْفَةَ الَّذِي أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ثُمَّ قَالَ وَرُوِّينَا عَنْ عَائِشَةَ وَعَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ مَعْنَاهُ فِي آيَةِ الرَّحْمَةِ وَفِي آيَةِ الْعَذَابِ ثُمَّ روى من طريق عبدخير أَنَّ عَلِيًّا قَرَأَ فِي الصُّبْحِ بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى فَقَالَ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى
قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُمْ يَكْرَهُونَ هَذَا وَنَحْنُ نَسْتَحِبُّ هَذَا
وَيُرْوَى عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُشْبِهُهُ فَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَا رُوِّينَا فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَوْ أَرَادَ مَا رُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بن جبير عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا قَرَأَ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى قَالَ سُبْحَانَ رَبِّيَ الْأَعْلَى إِلَّا أَنَّهُ مُخْتَلَفٌ فِي رَفْعِهِ وَفِي إِسْنَادِهِ
وَرُوِّينَا فِي حَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ عَنِ الْأَعْرَابِيِّ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ مَنْ قَرَأَ مِنْكُمْ وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ فَانْتَهَى إِلَى آخِرِهَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ فَلْيَقُلْ وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَمَنْ قرأ لا أقسم بيوم القيامة فَانْتَهَى إِلَى أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أن يحيى الموتى فليقل بلى ومن قرأ والمرسلات فبلغ فبأي حديث بعده يؤمنون فَلْيَقُلْ آمَنَّا بِهِ انْتَهَى كَلَامُ الْبَيْهَقِيِّ
стр. 813
٥ - (بَاب مِقْدَارِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ)
[٨٨٥] (رَمَقْتُ) أَيْ نَظَرْتُ (فَكَانَ يَتَمَكَّنُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ) أَيْ يَلْبَثُ فِيهِمَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ السَّعْدِيُّ مَجْهُولٌ
[٨٨٦] (سُبْحَانَ رَبِّيَ الْعَظِيمِ) بِفَتْحِ يَاءِ رَبِّيَ وَيُسَكَّنُ (وَذَلِكَ أَدْنَاهُ) وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَكُونُ مُتَسَنِّنًا بِدُونِ الثَّلَاثِ
وَقَدْ قَالَ الّمَاوَرْدِيُّ إِنَّ الْكَمَالَ إِحْدَى عَشْرَةَ أَوْ تِسْعٌ وَأَوْسَطُهُ خَمْسٌ وَلَوْ سَبَّحَ مَرَّةً حَصَلَ التَّسْبِيحُ
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ بن الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ خَمْسُ تَسْبِيحَاتٍ لِلْإِمَامِ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَلَا دَلِيلَ عَلَى تَقَيُّدِ الْكَمَالِ بِعَدَدٍ مَعْلُومِ بَلْ يَنْبَغِي الِاسْتِكْثَارُ مِنَ التَّسْبِيحِ عَلَى مِقْدَارِ تَطْوِيلِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِعَدَدٍ
وَأَمَّا إِيجَابُ سُجُودِ السَّهْوِ فِيمَا زَادَ عَلَى التِّسْعِ وَاسْتِحْبَابُ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ التَّسْبِيحِ وِتْرًا لَا شَفْعًا فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَمِمَّا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ كَذَا فِي النَّيْلِ (هَذَا مُرْسَلٌ) أَرَادَ الْمُؤَلِّفُ بِالْمُرْسَلِ الْمُنْقَطِعَ لِأَنَّ الْمُرْسَلَ صُورَتُهُ أَنْ يَقُولَ التَّابِعِيُّ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا أَوْ فَعَلَ كَذَا أَوْ فُعِلَ بِحَضْرَتِهِ كَذَا أَوْ نَحْوَ ذلك
وها هنا ليس كذلك نعم صورة الانقطاع ها هنا مَوْجُودَةٌ وَهِيَ أَنْ يَسْقُطَ رَاوٍ وَاحِدٍ أَوْ أَكْثَرُ مِنَ الْإِسْنَادِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَ (عون) بن عَبْدِ اللَّهِ الْمَذْكُورُ (لَمْ يُدْرِكْ عَبْدَ اللَّهِ) أي لم
ــ
[حاشية ابن القيم، تهذيب السنن]
قَالَ الْحَافِظ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ قَالَ بن الْقَطَّانِ السَّعْدِيُّ وَأَبُوهُ وَعَمّه مَا مِنْهُمْ مَنْ يعرف وقد ذكره بن السَّكَنِ فِي كِتَاب الصَّحَابَة فِي الْبَاب الَّذِي ذَكَرَ فِيهِ رِجَالًا لَا يُعْرَفُونَ
стр. 814
يَلْقَهُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ وَقَالَ مُرْسَلٌ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ إِسْنَادُهُ لَيْسَ بِمُتَّصِلٍ
عَوْنُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ لم يلق بن مَسْعُودٍ
قُلْتُ وَعَوْنٌ هَذَا هُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ الْهُذَلِيُّ الْكُوفِيُّ انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِ حَدِيثِهِ
انْتَهَى
[٨٨٧] (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ) هَذَا بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ آخِرِهَا وَمَعْنَى قَوْلِهِ أحكم الحاكمين أَيْ أَقْضَى الْقَاضِينَ يَحْكُمُ بَيْنَكَ وَبَيْنَ أَهْلِ التَّكْذِيبِ بِكَ يَا مُحَمَّدُ (فَلْيَقُلْ بَلَى) أَيْ نَعَمْ (وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ) أَيْ كَوْنِكَ أَحْكَمَ الْحَاكِمِينَ (مِنَ الشَّاهِدِينَ) أَيْ أَنْتَظِمُ فِي سِلْكِ مَنْ لَهُ مُشَافَهَةٌ فِي الشَّهَادَتَيْنِ مِنْ أَنْبِيَاءِ الله وأوليائه
قال بن حَجَرٍ وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ أَنَا شَاهِدٌ وَمِنْ ثم قالوا في وكانت من القانتين وفي إنه في الآخرة لمن الصالحين أَبْلَغُ مِنْ وَكَانَتْ قَانِتَةً وَمِنْ إِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ صَالِحٌ لِأَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي عِدَادِ الْكَامِلِ وَسَاهَمَ مَعَهُمُ الْفَضَائِلَ لَيْسَ كَمَنِ انْفَرَدَ عَنْهُمْ
انْتَهَى
وَقِيلَ لِأَنَّهُ كِنَايَةٌ وَهِيَ أَبْلَغُ من الصريح (أليس ذلك) أَيِ الَّذِي جَعَلَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ نُطْفَةٍ تُمْنَى فِي الرَّحِمِ (فَلْيَقُلْ بَلَى) قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ وَفِي رِوَايَةٍ بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شيء قدير
وأما قول بن حَجَرٍ الْمَكِّيِّ فَلْيَقُلْ بَلَى وَأَنَا عَلَى ذَلِكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ وَكَأَنَّهُ حُذِفَ لِفَهْمِهِ مِنَ الْأَوَّلِ فبعيد انتهى (فبأي حديث بعده) أَيْ بَعْدَ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ آيَةٌ مُبْصِرَةٌ وَمُعْجِزَةٌ بَاهِرَةٌ فَحِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ فَبِأَيِّ كِتَابٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (فَلْيَقُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ) أَيْ بِهِ وَبِكَلَامِهِ وَلِعُمُومِ هَذَا لَمْ يَقُلْ آمَنَّا بِالْقُرْآنِ
وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ قُلْ أُخَالِفُ أَعْدَاءَ اللَّهِ الْمُعَانِدِينَ قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ يَقْرَأُ هَذِهِ الْآيَاتِ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقُولَ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ سَوَاءٌ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ خَارِجَهَا
وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ فِيهِ مجهولا
قال الترمذي بعد ما رَوَاهُ مُخْتَصَرًا إِنَّمَا يَرْوِي بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَا يُسَمِّي انْتَهَى
وَقَالَ فِي فَتْحِ الْوَدُودِ هَذَا الْأَعْرَابِيُّ لَا يُعْرَفُ فَفِي الْإِسْنَادِ جَهَالَةٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَالْمَتْنُ لَا يُنَاسِبُ الْبَابَ
قُلْتُ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ دَاخِلٌ فِي الْبَابِ الْأَوَّلِ لَكِنْ تَأْخِيرُهُ مِنْ تَصَرُّفِ النُّسَّاخِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ (قَالَ
стр. 815
إِسْمَاعِيلُ) بْنُ أُمَيَّةَ (ذَهَبْتُ أُعِيدُ) أَيْ شَرَعْتُ فِي إِعَادَةِ الْحَدِيثِ (عَلَى الرَّجُلِ الْأَعْرَابِيِّ) الْمَذْكُورِ (لَعَلَّهُ) أَيْ لَعَلَّ الْأَعْرَابِيَّ أَخْطَأَ فِي الْحَدِيثِ ولم يحفظه (فقال) الأعرابي (يا بن أَخِي أَتَظُنُّ أَنِّي لَمْ أَحْفَظْهُ) أَيِ الْحَدِيثَ وَالِاسْتِفْهَامُ إِنْكَارِيٌّ أَيْ لَا تَظُنَّنَّ بِي هَذَا الظَّنَّ فَإِنِّي قَوِيُّ الْحِفْظِ غَايَةَ الْقُوَّةِ وَإِنِ ارْتَبْتَ فِيَّ فِيمَا قُلْتُ لَكَ فَاسْتَمِعْ مَا أَقُولُ (لَقَدْ حَجَجْتُ سِتِّينَ حَجَّةً إِلَخْ) أَيْ وَاللَّهِ لَقَدْ حَجَجْتُ سِتِّينَ حَجَّةً فَمَنْ كَانَ هَذَا شَأْنُهُ فِي الْحِفْظِ فَكَيْفَ لَا يَحْفَظُ حَدِيثُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ هَكَذَا قَالَهُ الرَّجُلُ الْأَعْرَابِيُّ الْمَجْهُولُ لَكِنْ هَذِهِ مُبَالَغَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
[٨٨٨] (عَنْ وَهْبِ بْنِ مَانُوسَ) قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّقْرِيبِ بِالنُّونِ وَقِيلَ بِالْمُوَحَّدَةِ الْبَصْرِيُّ نَزِيلُ الْيَمَنِ مَسْتُورٌ مِنَ السادسة
وقال في الخلاصة وثقه بن حِبَّانَ (مِنْ هَذَا الْفَتَى يَعْنِي عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ) بْنِ مَرْوَانَ الْخَلِيفَةَ الصَّالِحَ خَامِسَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ
قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ الْخُلَفَاءُ خَمْسَةٌ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَذَا فِي تَارِيخِ الْخُلَفَاءِ (قَالَ) أَيْ أَنَسٌ (فَحَزَرْنَا) بِتَقْدِيمِ الزَّاي الْمَفْتُوحَةِ أَيْ قَدَّرْنَا (فِي رُكُوعِهِ) قَالَ فِي الْمِرْقَاةِ أَيْ رُكُوعِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَوْ رُكُوعِ عُمَرَ
انْتَهَى
قُلْتُ الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي رُكُوعِهِ يَرْجِعُ إِلَى عُمَرَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (عَشْرُ تَسْبِيحَاتٍ) قِيلَ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ إِنَّ كَمَالَ التَّسْبِيحِ عَشْرُ تَسْبِيحَاتٍ
وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْمُنْفَرِدَ يَزِيدُ فِي التَّسْبِيحِ مَا أَرَادَ وَكُلَّمَا زَادَ كَانَ أَوْلَى وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي تَطْوِيلِهِ ﷺ نَاطِقَةٌ بِهَذَا وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ إِذَا كَانَ الْمُؤْتَمُّونَ لَا يتأدون بِالتَّطْوِيلِ
كَذَا فِي النَّيْلِ (قُلْتُ لَهُ) الظَّاهِرُ أَنَّ الضَّمِيرَ الْمَجْرُورَ يَرْجِعُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ بْنِ كَيْسَانَ (مَانُوسَ) بِالنُّونِ (أَوْ مَابُوسَ) بِالْمُوَحَّدَةِ (فَقَالَ) أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ كَمَا هُوَ الظَّاهِرُ (أَمَّا عَبْدُ الرَّزَّاقِ
стр. 816
فَيَقُولُ مَابُوسُ) أَيْ بِالْمُوَحَّدَةِ (وَأَمَّا حِفْظِي فَمَانُوسُ) أَيِ النُّونُ بِالنُّونِ (قَالَ أَحْمَدُ إِلَخْ) فِي روايته بالعنعنة في الموضعين وأما بن رافع فصرح بالسماع فيهما
(باب الرَّجُلِ يُدْرِكُ الْإِمَامَ سَاجِدًا كَيْفَ يَصْنَعُ)
[٨٩٣] (وَنَحْنُ سجود) جمع سَاجِدٍ وَالْجُمْلَةُ حَالِيَّةٌ (فَاسْجُدُوا) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ السُّجُودِ مَعَ الْإِمَامِ لِمَنْ أَدْرَكَهُ سَاجِدًا (وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا) بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ لَا تَحْسِبُوهُ شَيْئًا وَالْمَعْنَى وَافِقُوهُ فِي السُّجُودِ وَلَا تَجْعَلُوا ذَلِكَ رَكْعَةً (وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ) قِيلَ المراد به ها هنا الرُّكُوعُ فَيَكُونُ مُدْرِكُ الْإِمَامِ رَاكِعًا مُدْرِكًا لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الرَّكْعَةَ حَقِيقَةٌ لِجَمِيعِهَا وَإِطْلَاقُهَا عَلَى الرُّكُوعِ وَمَا بَعْدَهُ مَجَازٌ لَا يُصَارُ إِلَيْهِ إِلَّا لِقَرِينَةٍ كَمَا وَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بِلَفْظِ فَوَجَدْتُ قِيَامَهُ فَرَكْعَتَهُ فَاعْتِدَالَهُ فَسَجَدْتَهُ فَإِنَّ وُقُوعَ الرَّكْعَةِ فِي مُقَابَلَةِ الْقِيَامِ وَالِاعْتِدَالِ وَالسُّجُودِ قَرِينَةٌ تَدُلُّ عَلَى أن المراد بها الركوع وها هنا لَيْسَتْ قَرِينَةٌ تَصْرِفُ عَنْ حَقِيقَةِ الرَّكْعَةِ فَلَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُدْرِكَ الْإِمَامِ رَاكِعًا مُدْرِكٌ لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا دَخَلَ مَعَهُ وَاعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنَ الْقِرَاءَةِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا لَمْ تُحْسَبْ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَكَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ عَنْ كُلِّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ خلف الإمام واختاره بن خُزَيْمَةَ وَالضُّبَعِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّةِ وَقَوَّاهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ وَرَجَّحَهُ الْمَقْبِلِيُّ قَالَ وَقَدْ بَحَثْتُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ وَأَحَطْتُهَا فِي جَمِيعِ بَحْثِي فِقْهًا وَحَدِيثًا فَلَمْ أَحْصُلْ مِنْهَا عَلَى غَيْرِ مَا ذَكَرْتُ يَعْنِي مِنْ عَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ فَقَطْ
стр. 817
وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ الْبَابِ لَكِنِ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ مَوْقُوفٌ عَلَى إِرَادَةِ الرُّكُوعِ مِنَ الرَّكْعَةِ وَقَدْ عرفت ما فيه وبحديث أبي بكرة حَيْثُ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ مَخَافَةَ أَنْ تَفُوتَهُ الركعة فقال زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِعَادَةِ الرَّكْعَةِ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ لِأَنَّهُ كَمَا لَمْ يَأْمُرْهُ بِالْإِعَادَةِ لَمْ يُنْقَلْ إِلَيْنَا أَنَّهُ اعْتَدَّ بِهَا وَالدُّعَاءُ لَهُ بِالْحِرْصِ لَا يَسْتَلْزِمُ الِاعْتِدَادَ بِهَا لِأَنَّ الْكَوْنَ مَعَ الْإِمَامِ مَأْمُورٌ بِهِ سَوَاءٌ كَانَ الشَّيْءُ الَّذِي يُدْرِكُهُ الْمُؤْتَمُّ مُعْتَدًّا بِهِ أَمْ لَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سجود فاسجدوا ولا تعددوها شيئا على أن النبي قد نهى أبا بكرة عَنِ الْعَوْدِ إِلَى ذَلِكَ وَالِاحْتِجَاجُ بِشَيْءٍ قَدْ نهي عنه لا يصح
وقد أجاب بن حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى عَنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ إِنَّهُ لَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ لِأَنَّهُ ليس فيه اجتراء بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ
انْتَهَى
وَبِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ أدرك المركوع مِنَ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ فِي صَلَاتِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلْيُضِفْ إِلَيْهَا رَكْعَةً أُخْرَى رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ لَكِنْ فِي إِسْنَادِهِ يَاسِينُ بْنُ مُعَاذٍ وَهُوَ مَتْرُوكٌ فَلَا يَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ
وَاسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا لَمْ تُحْسَبْ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ بِحَدِيثِ مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ بِأَنَّهُ أمر رسول الله بِإِتْمَامِ مَا فَاتَهُ وَمَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَإِنَّهُ الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ فِيهِ وَهُمَا فَرْضَانِ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ إِتْمَامِهِمَا وَبِمَا رُوِيَ عَنْ أبي هريرة أنه قَالَ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ فِي الرُّكُوعِ فَلْيَرْكَعْ مَعَهُ وَلْيُعِدِ الرَّكْعَةَ وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ إِنْ أَدْرَكْتَ الْقَوْمَ رُكُوعًا لَمْ تَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ
قَالَ الْحَافِظُ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا وَأَمَّا الْمَرْفُوعُ فَلَا أَصْلَ لَهُ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ قَدْ عَرَفْتَ مِمَّا سَلَفَ وُجُوبَ الْفَاتِحَةِ عَلَى كُلِّ إِمَامٍ وَمَأْمُومٍ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَعَرَّفْنَاكَ أَنَّ تِلْكَ الْأَدِلَّةَ صَالِحَةٌ لِلِاحْتِجَاجِ بِهَا عَلَى أَنَّ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهَا تَصِحُّ صَلَاةٌ مِنَ الصَّلَوَاتِ أَوْ رَكْعَةٌ مِنَ الرَّكَعَاتِ بِدُونِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إِلَى إِقَامَةِ بُرْهَانٍ يُخَصِّصُ تِلْكَ الأدلة ومن ها هنا يَتَبَيَّنُ لَكَ ضَعْفُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا دَخَلَ مَعَهُ وَاعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكْ شَيْئًا مِنَ الْقِرَاءَةِ ثُمَّ بَيَّنَ دَلَائِلِ الْفَرِيقَيْنِ وَرَجَّحَ خِلَافَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقَالَ قَدْ أَلَّفَ السَّيِّدُ الْعَلَّامَةُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْأَمِيرُ رِسَالَةً فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَرَجَّحَ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ وَقَدْ كَتَبْتُ أَبْحَاثًا فِي الْجَوَابِ عَلَيْهَا
انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ فِي النَّيْلِ مُلَخَّصًا مُحَرَّرًا
قُلْتُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ سَكَتَ عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ ثُمَّ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَفِيهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْمَدِينِيُّ
قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ فِي جُزْءِ
стр. 818
الْقِرَاءَةِ وَيَحْيَى هَذَا مُنْكَرُ الْحَدِيثِ رَوَى عَنْهُ أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ الْبَصْرِيُّ مَنَاكِيرَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ سَمَاعُهُ من زيد ولا من بن الْمَقْبُرِيِّ وَلَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ
انْتَهَى
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ أَخْبَرَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَيُّوبَ حَدَّثَنَا أَبُو يَحْيَى بْنُ أَبِي مَيْسَرَةَ حَدَّثَنَا بن أَبِي مَرْيَمَ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَبِي عَتَّابٍ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ تَفَرَّدَ بِهِ يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ هَذَا وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ انْتَهَى
وَفِي الْمِيزَانِ وَالتَّهْذِيبِ يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْمَدَنِيُّ رَوَى عَنِ الْمَقْبُرِيِّ وَعَطَاءٍ وَعَنْهُ شُعْبَةُ وَأَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ وَأَبُو الْوَلِيدٍ
قَالَ أَبُو حاتم يكتب حديثه وليس بالقوي وذكره بن حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَوَثَّقَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ
انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ أَيْ طَرِيقِ نَافِعِ بْنِ يَزِيدَ كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ سَنَدًا وَمَتْنًا وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهَذَا لَفْظُهُ حَدَّثَنَا أَبُو طَالِبٍ الْحَافِظُ حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ بْنِ رِشْدِينَ حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ سِوَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ قالا حدثنا بن وهب ح
وحدثنا أبو طالب أخبرنا بن رشدين حدثنا حرملة حدثنا بن وَهْبٍ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ حُمَيْدٍ عَنْ قُرَّةَ بن عبد الرحمن عن بن شِهَابٍ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أن رسول الله قَالَ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ
قَالَ في التعليق المغني عَلَى سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ الْحَدِيثُ فِيهِ يَحْيَى بْنُ حُمَيْدٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ لَا يُتَابَعُ فِي حَدِيثِهِ وَضَعَّفَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ
وَأَمَّا قُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ فِي الشَّوَاهِدِ وَقَالَ الْجَوْزَجَانِيُّ سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ جِدًّا وَقَالَ يَحْيَى ضَعِيفُ الْحَدِيثِ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَيْسَ بِقَوِيٍّ
انْتَهَى
وَرَجَّحَ الْإِمَامُ أَبوْ عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مَذْهَبَ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ فَقَطْ وَحَقَّقَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي كِتَابِهِ جُزْءِ الْقِرَاءَةِ مَا مُلَخَّصُهُ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَتَوَاتَرَ الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِقِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ ثُمَّ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزَّاهِرِيَّةَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ الْحَضْرَمِيِّ قَالَ سَمِعْتُ أَبَا الدَّرْدَاءِ يقول سئل رسول الله أَفِي كُلِّ صَلَاةٍ قِرَاءَةٌ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْأَنْصَارِ وَجَبَتْ هَذِهِ
وَأَمَّا حَدِيثُ مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ فَهَذَا خَبَرٌ لَمْ يَثْبُتْ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ لِإِرْسَالِهِ وانقطاعه رواه بن شَدَّادٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ
وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ
стр. 819
صَالِحٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنِ النبي وَلَا يَدْرِي أَسَمِعَ جَابِرٌ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ
وَذُكِرَ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَعَبْدِ اللَّهِ بن عمرو صلى النبي صَلَاةَ الْفَجْرِ فَقَرَأَ رَجُلٌ خَلْفَهُ فَقَالَ لَا يَقْرَأَنَّ أَحَدُكُمْ وَالْإِمَامُ يَقْرَأُ إِلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَلَوْ ثَبَتَ الْخَبَرَانِ كِلَاهُمَا لَكَانَ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنَ الْأَوَّلِ لِقَوْلِهِ لَا يَقْرَأَنَّ إِلَّا بِأُمِّ الْكِتَابِ
وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةُ قَالَ رَسُولُ الله مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ
قَالَ الْبُخَارِيُّ فَإِنِ احْتَجَّ مُحْتَجٌّ فَقَالَ إِذَا أَدْرَكَ الرُّكُوعَ جَازَتْ فَكَمَا أَجَازَتْهُ فِي الرَّكْعَةِ كَذَلِكَ يُجْزِيهِ فِي الرَّكَعَاتِ قيل إنما أجاز زيد بن ثابت وبن عَمْرٍو الَّذِينَ لَمْ يَرَوُا الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ
فَأَمَّا مَنْ رَأَى الْقِرَاءَةَ فَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَا يُجْزِيهِ حَتَّى يُدْرِكَ الْإِمَامَ
وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ وَعَائِشَةُ لَا يَرْكَعُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ إِجْمَاعًا لَكَانَ هَذَا الْمُدْرِكُ لِلرُّكُوعِ مُسْتَثْنًى مِنَ الْجُمْلَةِ مَعَ أَنَّهُ لَا إِجْمَاعَ فِيهِ
قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّ كُلَّ مَأْمُومٍ يَقْضِي فَرْضَ نَفْسِهِ وَالْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ عِنْدَهُمْ فَرْضٌ فَلَا يَسْقُطُ الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ عَنِ الْمَأْمُومِ وَكَذَلِكَ الْقِرَاءَةُ فَرْضٌ فَلَا يَزُولُ فَرْضٌ عَنْ أَحَدٍ إِلَّا بِكِتَابٍ أَوْ سُنَّةٍ
وَقَالَ أَبُو قَتَادَةَ وَأَنَسٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النبي إِذَا أَتَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا فَمَنْ فَاتَهُ فَرْضُ الْقِرَاءَةِ وَالْقِيَامِ فعليه إتمامه كما أمر النبي
حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ عَنْ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ أبيه أن النبي قَالَ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ حميد عن أنس عن النبي فَلْيُصَلِّ مَا أَدْرَكَ وَلْيَقْضِ مَا سَبَقَهُ وَفِي لَفْظٍ لَهُ مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ حَدَّثَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ إِذَا أُقِيمَتِ الصَّلَاةُ فَلَا تَأْتُوهَا تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمُ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا ثُمَّ أَوْرَدَ حَدِيثَ أَبِي هريرة هذا نحو سبعة عشر طرقا بِلَفْظِ مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا وَبِلَفْظِ مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا وَبِلَفْظِ صَلُّوا مَا أَدْرَكْتُمْ وَاقْضُوا مَا سُبِقْتُمْ
وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ إِنَّمَا أَجَازَ إدراك الركوع من أصحاب النبي الَّذِينَ لَمْ يَرَوُا الْقِرَاءَةَ خَلْفَ الْإِمَامِ مِنْهُمُ بن مسعود وزيد بن ثابت وبن عُمَرَ
فَأَمَّا مَنْ رَأَى الْقِرَاءَةَ فَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ اقْرَأْ بِهَا فِي نَفْسِكَ يَا فَارِسِيُّ وَقَالَ لَا تَعْتَدَّ بِهَا حَتَّى تُدْرِكَ الإمام قائما
стр. 820
حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ وَمَعْقِلُ بْنُ مَالِكٍ قَالُوا حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَا يُجْزِئُكَ إِلَّا أَنْ تُدْرِكَ الْإِمَامَ قَائِمًا وَفِي لَفْظٍ لَهُ قَالَ إِذَا أَدْرَكْتَ الْقَوْمَ رُكُوعًا لَمْ تَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَفِي لفظ لَهُ لَا يُجْزِئُكَ إِلَّا أَنْ تُدْرِكَ الْإِمَامَ قَائِمًا قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ هُرْمُزَ قَالَ قَالَ أَبُو سَعِيدٍ لَا يَرْكَعُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَقْرَأَ بِأُمِّ الْقُرْآنِ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَكَانَتْ عَائِشَةُ تَقُولُ ذَلِكَ
وَأَمَّا حَدِيثُ هَمَّامٍ عَنْ زِيَادٍ الْأَعْلَمِ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنَّهُ انْتَهَى إِلَى النبي وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصف فذكر ذلك للنبي فَقَالَ زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ فلما قضى رسول الله الصَّلَاةَ قَالَ لِأَبِي بَكْرَةَ أَنْتَ صَاحِبُ هَذَا النَّفَسِ قَالَ نَعَمْ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاكَ خَشِيتُ أَنْ تَفُوتَنِي رَكْعَةٌ مَعَكَ فَأَسْرَعْتُ الْمَشْيَ فَقَالَ رسول الله زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يعود لما نهى النبي وَلَيْسَ فِي جَوَابِهِ أَنَّهُ اعْتَدَّ بِالرُّكُوعِ عَنِ الْقِيَامِ وَالْقِيَامُ فَرْضٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ
قَالَ الله تعالى وقوموا لله قانتين وقال إذا قمتم إلى الصلاة وقال النبي صَلِّ قَائِمًا فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِعْ فَقَاعِدًا
قَالَ الْبُخَارِيُّ وَرَوَى نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ الْمَدَنِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أبي عتاب وبن الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ إِذَا جِئْتُمْ إلى الصلاة ونحن سجود فاسجدوا ولا تعدوها شَيْئًا وَيَحْيَى هَذَا مُنْكَرُ الْحَدِيثِ رَوَى عَنْهُ أَبُو سَعِيدٍ مَوْلَى بَنِي هَاشِمٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَجَاءٍ الْبَصْرِيُّ مَنَاكِيرَ وَلَمْ يَتَبَيَّنْ سَمَاعُهُ من زيد ولا من بن المقبري ولا يقوم به الحجة
وزاد بن وَهْبٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ قُرَّةَ عن بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ فَقَدْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ وَأَمَّا يَحْيَى بْنُ حُمَيْدٍ فَمَجْهُولٌ
لَا يُعْتَمَدُ عَلَى حَدِيثِهِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ بِصِحَّةِ خَبَرِهِ وَلَيْسَ هَذَا مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ وَإِنَّمَا الْحَدِيثُ هُوَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ الْإِمَامُ
حَدَّثَنَا يحيى بن قزعة حدثنا مالك عن بن شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أبي هريرة أن رسول الله قَالَ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ ثُمَّ أَوْرَدَ رِوَايَةَ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكٌ مِثْلَهُ
وَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا فِي حَدِيثِهِ ثَمَانِيَةُ أَنْفُسٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَيَحْيَى بن سعيد وبن الهاد ويونس ومعمر وبن عيينة وشعيب وبن جُرَيْجٍ
وَكَذَلِكَ قَالَ عِرَاكُ بْنُ مَالِكٍ عَنْ أبي هريرة عن النبي
وَقَدِ اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ فِي رِوَايَتِهِمْ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَلَى لَفْظِ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا وَتَابَعَ عِرَاكٌ أَبَا سَلَمَةَ وَهُوَ خَبَرٌ مُسْتَفِيضٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحِجَازِ وَغَيْرِهَا وَمَا قَالَ وَاحِدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ مِثْلَ مَا قَالَ يَحْيَى بْنُ حُمَيْدٍ بَلْ قَوْلُهُ قَبْلَ
стр. 821
أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ لَا مَعْنَى لَهُ وَلَا وَجْهَ لِزِيَادَتِهِ
ثُمَّ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ أَحَادِيثَ هَؤُلَاءِ الرُّوَاةِ الثَّمَانِيَةِ وَكَذَا حَدِيثُ عِرَاكِ بْنِ مالك
ثم قال البخاري قال النبي مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَقُلْ مَنْ أَدْرَكَ الرُّكُوعَ أَوِ السُّجُودَ أَوِ التَّشَهُّدَ
وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُ بن عَبَّاسٍ فَرَضَ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صَلَاةَ الخوف ركعة وقال بن عباس صلى النبي فِي الْخَوْفِ بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَبِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً فَالَّذِي يُدْرِكُ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ مِنْ صَلَاةٍ لَا يَقْرَأُ فيها بفاتحة الكتاب فهي خِدَاجٌ وَلَمْ يَخُصَّ صَلَاةً دُونَ صَلَاةٍ
وَالَّذِي يعتمد على قول رسول الله وَهُوَ أَنْ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَمَا فَسَّرَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ لَا يَرْكَعَنَّ أَحَدُكُمْ حَتَّى يَقْرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ
انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا مُحَرَّرًا مُلْتَقَطًا مِنْ مَوَاضِعَ شَتَّى مِنْ كِتَابِهِ
وَفِي كَنْزِ الْعُمَّالِ أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْقِرَاءَةِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قال قال رسول الله لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ خَلْفَ الْإِمَامِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَالزِّيَادَةُ الَّتِي فِيهِ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ مِنْ أَوْجُهٍ كَثِيرَةٍ
انْتَهَى كَلَامُهُ
فَهَذَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ أَحَدُ الْمُجْتَهِدِينَ وَوَاحِدٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ قَدْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مُدْرِكًا لِلرُّكُوعِ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ حَتَّى يَقْرَأَ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ فَمَنْ دَخَلَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ فَلَهُ أَنْ يَقْضِيَ تِلْكَ الرَّكْعَةَ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ بَلْ حَكَى الْبُخَارِيُّ هَذَا الْمَذْهَبَ عَنْ كُلِّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ تَحْتَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا واستدل بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا لَمْ تُحْسَبْ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ لِلْأَمْرِ بِإِتْمَامِ مَا فَاتَهُ الْوُقُوفُ وَالْقِرَاءَةُ فِيهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ بَلْ حَكَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ عَنْ كُلِّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وجوب القراءة خلف الإمام واختاره بن خُزَيْمَةَ وَالضُّبَعِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ مُحَدِّثِي الشَّافِعِيَّةِ وَقَوَّاهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ انْتَهَى
قَالَ الْعِرَاقِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ أَنْ حَكَى عَنْ شَيْخِهِ السُّبْكِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَعْتَدُّ بِالرَّكْعَةِ مَنْ لَا يُدْرِكُ الْفَاتِحَةَ مَا لَفْظُهُ وَهُوَ الَّذِي يَخْتَارُهُ وَقَالَ بن حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى لَا بُدَّ فِي الِاعْتِدَادِ بِالرَّكْعَةِ مِنْ إِدْرَاكِ الْقِيَامِ وَالْقِرَاءَةِ بِحَدِيثِ مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا وَلَا فَرْقَ بَيْنَ فَوْتِ الرَّكْعَةِ وَالرُّكْنِ وَالذِّكْرِ الْمَفْرُوضِ لِأَنَّ الْكُلَّ فَرْضٌ لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إِلَّا بِهِ
قَالَ فَهُوَ مَأْمُورٌ بِقَضَاءِ مَا سَبَقَهُ الْإِمَامُ وَإِتْمَامِهِ فَلَا يَجُوزُ تَخْصِيصُ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ بِغَيْرِ نَصٍّ آخَرَ وَلَا سَبِيلَ
стр. 822
إلى وجوده
قال وقدم أَقْدَمَ بَعْضُهُمْ عَلَى دَعْوَى الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يُعْتَدُّ بِالرَّكْعَةِ حَتَّى يَقْرَأَ أُمَّ الْقُرْآنِ
ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ يُكَبِّرُ قَائِمًا ثُمَّ يَرْكَعُ فَقَدْ صَارَ مُدْرِكًا لِلْوَقْعَةِ قُلْنَا وَهَذِهِ مَعْصِيَةٌ أُخْرَى وَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى قَطُّ وَلَا رَسُولُهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي يَجِدُ الْإِمَامَ عَلَيْهَا وَأَيْضًا لَا يُجْزِئُ قَضَاءُ شَيْءٍ يَسْبِقُ بِهِ مِنَ الصَّلَاةِ إِلَّا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ
وَقَالَ أَيْضًا فِي الْجَوَابِ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِحَدِيثِ مَنْ أَدْرَكَ مِنَ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ مَعَ ذَلِكَ لَا يَسْقُطُ عَنْهُ قَضَاءُ مَا لَمْ يُدْرِكْ مِنَ الصَّلَاةِ انْتَهَى
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِذَا أَدْرَكْتَ الْقَوْمَ رُكُوعًا لَمْ تَعْتَدَّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مَوْقُوفٌ وَأَمَّا الْمَرْفُوعُ فَلَا أَصْلَ لَهُ وَعَزَاهُ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا للامام أن أبا عاصم العبادي عن بن خُزَيْمَةَ أَنَّهُ احْتَجَّ بِذَلِكَ
انْتَهَى
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ فَالْعَجَبُ مِمَّنْ يَدَّعِي الْإِجْمَاعَ وَالْمُخَالِفُ مِثْلُ هَؤُلَاءِ انْتَهَى
وَهَذَا أَيْ بِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ هُوَ قَوْلُ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ السَّيِّدِ مُحَمَّدِ نَذِيرِ حُسَيْنٍ الدِّهْلَوِيِّ مَتَّعَنَا اللَّهُ تَعَالَى بِطُولِ بَقَائِهِ
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْأَئِمَّةِ مِنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إِلَى أَنَّ مُدْرِكَ الرُّكُوعِ مُدْرِكٌ لِلرَّكْعَةِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ قِرَاءَةِ فَاتِحَةِ الْكِتَابِ
قَالَ حَافِظُ الْمَغْرِبِ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ شَرْحِ الْمُوَطَّأِ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا فَكَبَّرَ وَرَكَعَ وَأَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَمَنْ لَمْ يُدْرِكْ ذَلِكَ فَقَدْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ وَمَنْ فَاتَتْهُ الرَّكْعَةُ فَقَدْ فَاتَتْهُ السَّجْدَةُ أَيْ لَا يُعْتَدُّ بِهَا
هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمْ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ علي وبن مسعود وزيد وبن عُمَرَ وَقَدْ ذَكَرْنَا الْأَسَانِيدَ عَنْهُمْ فِي التَّمْهِيدِ
انْتَهَى كَلَامُهُ
وَلِلْجُمْهُورِ دَلَائِلُ مِنْهَا حَدِيثُ أَبِي بَكْرَةَ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهُ وَمِنْهَا حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي نَحْنُ فِي شَرْحِهِ وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مالك في الموطإ أنه بلغه أن بن عُمَرَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَا يَقُولَانِ مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَيْضًا بَلَاغًا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَقُولُ مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ السَّجْدَةَ وَمَنْ فَاتَهُ قِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ فَقَدْ فَاتَهُ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ مُحَمَّدٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ إِذَا فَاتَتْكَ الرَّكْعَةُ فَاتَتْكَ السجدة ومنها ما ذكره بن عبد البر عن علي وبن مسعود وزيد بن ثابت وبن عُمَرَ بِأَسَانِيدِهِ إِلَيْهِمْ فِي التَّمْهِيدِ شَرْحِ الْمُوَطَّأِ ومنها ماقاله الحافظ في التلخيص راجعت صحيح بن خزيمة فوجدته
стр. 823
أَخْرَجَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصَّلَاةِ فَقَدْ أَدْرَكَهَا قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ وَتَرْجَمَ لَهُ ذِكْرَ الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمَأْمُومُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ إِذَا رَكَعَ إِمَامُهُ قَبْلُ وَهَذَا مُغَايِرٌ لِمَا نَقَلُوهُ عَنْهُ
وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ تَرْجَمَ بَعْدَ ذَلِكَ بَابَ إِدْرَاكِ الْإِمَامِ سَاجِدًا وَالْأَمْرِ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي السُّجُودِ وَأَنْ لَا يُعْتَدَّ بِهِ إِذِ الْمُدْرِكُ لِلسَّجْدَةِ إِنَّمَا يَكُونُ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ قَبْلَهَا
وَأَخْرَجَ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا مَرْفُوعًا إِذَا جِئْتُمْ وَنَحْنُ سُجُودٌ فَاسْجُدُوا وَلَا تَعُدُّوهَا شَيْئًا وَمَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ نَحْوَهُ عَنْ مُعَاذٍ وَهُوَ مُرْسَلُ انْتَهَى
وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ فِي بَابِ مَنْ صَلَّى خَلْفَ الصَّفِّ وَحْدَهُ وَقَدْ رُوِيَ عن جماعة من أصحاب رسول الله أَنَّهُمْ رَكَعُوا دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَوْا إِلَى الصَّفِّ وَاعْتَدُّوا بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ الَّتِي رَكَعُوهَا دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ سَاقَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ دَخَلْتُ المسجد أنا وبن مَسْعُودٍ فَأَدْرَكْنَا الْإِمَامَ وَهُوَ رَاكِعٌ فَرَكَعْنَا ثُمَّ مَشَيْنَا حَتَّى اسْتَوَيْنَا بِالصَّفِّ فَلَمَّا قَضَى الْإِمَامُ الصَّلَاةَ قُمْتُ لِأَقْضِيَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ قَدْ أَدْرَكْتَ الصَّلَاةَ
وَأَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ سَيَّارٍ أَبِي الحكم عن طارق قال كنا مع بن مَسْعُودٍ فَقَامَ وَقُمْنَا فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَرَأَى النَّاسَ رُكُوعًا فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَكَبَّرَ فَرَكَعَ وَمَشَى وَفَعَلْنَا مِثْلَ مَا فَعَلَ
وَأَخْرَجَ عَنْ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ قَالَ رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ رُكُوعٌ فَمَشَى حَتَّى إِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَصِلَ إِلَى الصَّفِّ وَهُوَ رَاكِعٌ كَبَّرَ فَرَكَعَ ثُمَّ دَبَّ وَهُوَ رَاكِعٌ حَتَّى وَصَلَ الصَّفَّ
وَأَخْرَجَ عَنْ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ كَانَ يَرْكَعُ عَلَى عَتَبَةِ الْمَسْجِدِ وَوَجْهُهُ إِلَى الْقِبْلَةِ ثُمَّ يَمْشِي معترضا على شقة الأيمن ثم يعتد بهاإن وَصَلَ إِلَى الصَّفِّ أَوْ لَمْ يَصِلْ
انْتَهَى
وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ بَابُ إِذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا قَالَ الشَّافِعِيُّ بِإِسْنَادِهِ إِنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ فَرَكَعَ ثُمَّ دَبَّ رَاكِعًا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهَكَذَا نَقُولُ وَقَدْ فَعَلَ هَذَا زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ثُمَّ سَاقَ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبَى أُمَامَةَ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ رُوِّينَا فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَفِي مَعْنَاهُ حَدِيثُ أَبِي بكرة أنه دخل المسجد والنبي رَاكِعٌ فَرَكَعَ دُونَ الصَّفِّ ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّفِّ وَفِي ذَلِكَ دَلَالَةٌ عَلَى إِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ بإدراك الركوع وقد روي صريحا عن بن مسعود وزيد بن ثابت وبن عمر وفي خبر مرسل عن النبي وَفِي خَبَرٍ مَوْصُولٍ عَنْهُ غَيْرِ قَوِيٍّ
أَمَّا الْمُرْسَلُ فَرَوَاهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ رُفَيْعٍ عَنْ رجل عن النبي وَأَمَّا الْمَوْصُولُ فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا إِذَا جِئْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ الْحَدِيثَ وَتَفَرَّدَ بِهِ يَحْيَى وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ
انْتَهَى كَلَامُهُ مُلَخَّصًا
стр. 824
وَفِي كَنْزِ الْعُمَّالِ فِي سُنَنِ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ أخرج بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنَ الْأَنْصَارِ عن النبي أَنَّهُ سَمِعَ خَفْقَ نَعْلِي وَهُوَ سَاجِدٌ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ مَنْ هَذَا الَّذِي سَمِعْتُ خَفْقَ نَعْلِهِ فَقَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَمَا صَنَعْتَ قَالَ وَجَدْتُكَ سَاجِدًا فَسَجَدْتُ فَقَالَ هَكَذَا فَاصْنَعُوا وَلَا تَعْتَدُّوا بِهَا مَنْ وَجَدَنِي رَاكِعًا أَوْ قَائِمًا أَوْ سَاجِدًا فَلْيَكُنْ مَعِي عَلَى حَالَتِي الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّ زَيْدَ بن ثابت وبن عُمَرَ كَانَا يُفْتِيَانِ الرَّجُلَ إِذَا انْتَهَى إِلَى الْقَوْمِ وَهُمْ رُكُوعٌ أَنْ يُكَبِّرَ تَكْبِيرَةً وَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ قَالَا وَإِنْ وَجَدَهُمْ سُجُودًا سَجَدَ مَعَهُمْ وَلَمْ يَعْتَدَّ بِذَلِكَ وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنِ بن مَسْعُودٍ قَالَ مَنْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَمَنْ فَاتَهُ الرُّكُوعُ فَلَا يَعْتَدَّ بِالسُّجُودِ انْتَهَى
وَقَالَ الْعَيْنِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ تَحْتَ حَدِيثِ وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا اسْتَدَلَّ قَوْمٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا لَمْ تُحْسَبْ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ لِلْأَمْرِ بِإِتْمَامِ مَا فَاتَهُ وَقَدْ فَاتَهُ الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ فِيهِ وَهُوَ أَيْضًا مَذْهَبُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا وَاخْتَارَهُ بن خُزَيْمَةَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَكُونُ مُدْرِكًا لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ لِحَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ حَيْثُ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ وَلَمْ يَأْمُرْ بِإِعَادَةِ تِلْكَ الرَّكْعَةِ
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ الله لَا تُبَادِرُونِي بِرُكُوعٍ وَلَا سُجُودٍ فَإِنَّهُ مَهْمَا أَسْبِقُكُمْ بِهِ إِذَا رَكَعْتُ تُدْرِكُونِي بِهِ إِذَا رَفَعْتُ وَإِنِّي قَدْ بَدَنْتُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُقْتَدِيَ إِذَا لَحِقَ الْإِمَامَ وَهُوَ فِي الرُّكُوعِ فَلَوْ شَرَعَ مَعَهُ مَا لَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ يَصِيرُ مُدْرِكًا لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ فَإِذَا شَرَعَ وَقَدْ رَفَعَ رَأْسَهُ لَا يَكُونُ مُدْرِكًا لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَلَوْ رَكَعَ الْمُقْتَدِي قَبْلَ الْإِمَامِ فَلَحِقَهُ الْإِمَامُ قَبْلِ قِيَامِهِ يَجُوزُ عِنْدَنَا خِلَافًا لِزُفَرَ ﵀
انْتَهَى كَلَامُ الْعَيْنِيِّ
وَأَنْتَ رَأَيْتَ كَلَامَ الْعَلَّامَةِ الشَّوْكَانِيِّ فِي نَيْلِ الْأَوْطَارِ أَنَّهُ رَجَّحَ مَذْهَبَ مَنْ يَقُولُ بِعَدَمِ اعْتِدَادِ الرَّكْعَةِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ مِنْ غَيْرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ وَأَجَابَ عَنْ أَدِلَّةِ الْجُمْهُورِ الْقَائِلِينَ بِإِدْرَاكِ الرَّكْعَةِ بِمُجَرَّدِ الدُّخُولِ فِي الرُّكُوعِ مَعَ الْإِمَامِ وَحَقَّقَ الْعَلَّامَةُ الشَّوْكَانِيُّ فِي الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ فِي فَتَاوَى الشَّوْكَانِيِّ خِلَافَ ذَلِكَ وَرَجَّحَ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ وَهَذِهِ عِبَارَتُهُ مِنْ غَيْرِ تَلْخِيصٍ وَلَا اخْتِصَارٍ مَا قَوْلُ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ ﵃ فِي قِرَاءَةِ أُمِّ الْقُرْآنِ هَلْ يَجِبُ عَلَى مَنْ لَحِقَ إِمَامَهُ فِي الرُّكُوعِ أَنْ يَأْتِيَ بِرَكْعَةٍ عَقِبَ سَلَامِ الْإِمَامِ لِأَنَّهُ قَدْ فَاتَهُ الْقِيَامُ وَالْقِرَاءَةُ عَلَى مَا اقْتَضَاهُ مَفْهُومُ حَدِيثِ الصَّحِيحَيْنِ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا وَفِي رِوَايَةٍ فَاقْضُوهَا وَكَمَا وَافَقَهُ زِيَادَةُ الطَّبَرَانِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ بَعْدَ قَوْلِ النبي لَهُ زَادَكَ اللَّهُ حِرْصًا وَلَا تَعُدْ زَادَ الطبراني
стр. 825
صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ وَاقْضِ مَا سَبَقَكَ انْتَهَى
وكما في مصنف بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ لَا أَجِدُهُ عَلَى حَالَةٍ إِلَّا كُنْتُ عَلَيْهَا وَقَضَيْتُ مَا سَبَقَنِي فَوَجَدَهُ قد سبقه يعني النبي بِبَعْضِ الصَّلَاةِ أَوْ قَالَ بِبَعْضِ رَكْعَةٍ فَوَافَقَهُ فِيمَا هُوَ فِيهِ وَأَتَى بِرَكْعَةٍ بَعْدَ السَّلَامِ فقال إِنَّ مُعَاذًا قَدْ سَنَّ لَكُمْ فَهَكَذَا فَاصْنَعُوا أَوْ يَكُونُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ قراءة الفاتحة بمقتضى ما أخرجه بن خزيمة في صحيحه أن رسول الله قَالَ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مَعَ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ صُلْبَهُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا وَتَرْجَمَ لَهُ بن خُزَيْمَةَ بَابَ ذِكْرِ الْوَقْتِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ الْمَأْمُومُ مُدْرِكًا لِلرَّكْعَةِ وَلِمَا أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مَنْ كَانَ لَهُ إِمَامٌ فَقِرَاءَةُ الْإِمَامِ لَهُ قِرَاءَةٌ وإن كان الحافظ بن حَجَرٍ فِي فَتْحِ الْبَارِي قَالَ طُرُقُهُ كُلُّهَا ضعاف عند جميع الحفاظ وقال بن تَيْمِيَةَ رُوِيَ مُسْنَدًا مِنْ طُرُقٍ كُلِّهَا ضِعَافٌ والصحيح أنه مرسل وقد قواه بن الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ بِكَثْرَةِ طُرُقِهِ وَذَكَرَ الْفَقِيهُ صَالِحُ الْمَقْبِلِيُّ فِي الْأَبْحَاثِ الْمُسَدَّدَةِ بَحْثًا زَادَ السَّائِلَ تَرَدُّدًا فَأفْضُلُوا بِمَا يَطْمَئِنُّ بِهِ الْخَاطِرُ جَزَاكُمُ اللَّهُ خَيْرًا عَنِ الْمُسْلِمِينَ أَفْضَلَ الْجَزَاءِ
الْجَوَابُ لِبَقِيَّةِ الْحُفَّاظِ الْقَاضِي الْعَلَّامَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ قَدْ تَقَرَّرَ بِالْأَدِلَّةِ الصَّحِيحَةِ أَنَّ الْفَاتِحَةَ وَاجِبَةٌ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ إِمَامٍ وَمَأْمُومٍ وَمُنْفَرِدٍ أَمَّا الْإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ فَظَاهِرٌ وَأَمَّا الْمَأْمُومُ فَلِمَا صَحَّ مِنْ طُرُقٍ مِنْ نَهْيهِ عَنِ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَأَنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا ولما ورد في حديث المسىء صلاته من قوله ثُمَّ كَذَلِكَ فِي كُلِّ رَكَعَاتِكَ فَافْعَلْ بَعْدَ أَنْ عَلَّمَهُ الْقِرَاءَةَ لِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ
وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْأَدِلَّةَ الْمُصَرِّحَةَ بِأَنْ لَا صَلَاةَ إِلَّا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا أَنَّهَا تَكْفِي الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ فِي جُمْلَةِ الصَّلَاةِ فَقَدْ دَلَّتِ الْأَدِلَّةُ عَلَى وُجُوبِهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ دَلَالَةً وَاضِحَةً ظَاهِرَةً بَيِّنَةً
إِذَا تَقَرَّرَ لَكَ هَذَا فَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ عَلَى حَالِهِ فَلْيَصْنَعْ كَمَا يَصْنَعُ الْإِمَامُ فَمَنْ وَصَلَ وَالْإِمَامُ فِي آخِرِ الْقِيَامِ فَلْيَدْخُلْ مَعَهُ فَإِذَا رَكَعَ بَعْدَ تَكْبِيرِ الْمُؤْتَمِّ فَقَدْ وَرَدَ الأمر بمتابعة لَهُ بِقَوْلِهِ وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا كَمَا فِي حديث إنما جعل الإمام ليأتم بِهِ وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ فَلَوْ تَوَقَّفَ الْمُؤْتَمُّ عَنِ الرُّكُوعِ بَعْدَ رُكُوعِ الْإِمَامِ وَأَخَذَ يَقْرَأُ فَاتِحَةَ الْكِتَابِ لَكَانَ مُخَالِفًا لِهَذَا الْأَمْرِ فَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يَدْخُلُ مَعَ الْإِمَامِ وَتَقَرَّرَ أَنَّهُ يُتَابِعُهُ وَيَرْكَعُ بِرُكُوعِهِ ثُمَّ ثَبَتَ بِحَدِيثِ مَنْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ صُلْبَهُ فَقَدْ أَدْرَكَهَا أَنَّ هَذَا الدَّاخِلَ مَعَ الْإِمَامِ الَّذِي لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ قَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ بِمُجَرَّدِ إِدْرَاكِهِ لَهُ رَاكِعًا
فَعَرَفْتَ بِهَذَا أَنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْحَالَةِ مُخَصَّصَةٌ مِنْ عُمُومِ إِيجَابِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ فِي كُلِّ رَكْعَةٍ وَأَنَّهُ لَا وَجْهَ لِمَا قِيلَ أَنَّهُ يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَيَلْحَقُ الْإِمَامَ رَاكِعًا وَأَنَّ الْمُرَادَ الْإِدْرَاكُ الْكَامِلُ وَهُوَ لَا يَكُونُ إِلَّا مَعَ إِدْرَاكِ الْفَاتِحَةِ
стр. 826
فَإِنَّ هَذَا يُؤَدِّي إِلَى إِهْمَالِ حَدِيثِ إِدْرَاكِ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ صُلْبَهُ فَإِنَّ ظَاهِرَهُ بَلْ صَرِيحَهُ أَنَّ الْمُؤْتَمَّ إِذَا وَصَلَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ وَكَبَّرَ وَرَكَعَ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ الْإِمَامُ صُلْبَهُ فَقَدْ صَارَ مُدْرِكًا لِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَإِنْ لَمْ يَقْرَأْ حَرْفًا مِنْ حُرُوفِ الْفَاتِحَةِ فَهَذَا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ مِمَّا يَقَعُ فِيهِ مَنْ عَرَضَتْ لَهُ الشُّكُوكُ لِأَنَّهُ إِذَا وَصَلَ وَالْإِمَامُ رَاكِعٌ أَوْ فِي آخِرِ الْقِيَامِ ثُمَّ أَخَذَ يَقْرَأُ وَيُرِيدُ أَنْ يَلْحَقَ الْإِمَامَ الَّذِي قَدْ صَارَ رَاكِعًا فَقَدْ حَاوَلَ مَا لَا يُمْكِنُ الْوَفَاءُ بِهِ فِي غَالِبِ الْحَالَاتِ فَمِنْ هَذِهِ الْحَيْثَيَّةِ مُهْمِلًا لِحَدِيثِ إِدْرَاكِ الْإِمَامِ قَبْلَ أَنْ يُقِيمَ صُلْبَهُ
الْأَمْرُ الثَّانِي أَنَّهُ صَارَ مُخَالِفًا لِأَحَادِيثِ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ وَإِيجَابِ الرُّكُوعِ بِرُكُوعِهِ وَالِاعْتِدَالِ بِاعْتِدَالِهِ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّهُ وَصَلَ حَالَ رُكُوعِ الْإِمَامِ أَوْ بَعْدَ رُكُوعِهِ ثُمَّ أَخَذَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ مِنْ أَوَّلهَا إِلَى آخِرِهَا وَمَنْ كَانَ هَكَذَا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِإِمَامِهِ لَمْ يَرْكَعْ بِرُكُوعِهِ وَقَدْ يَفُوتُهُ أَنْ يَعْتَدِلَ بِاعْتِدَالِهِ وَامْتِثَالُ الْأَمْرِ بِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ وَاجِبٌ وَمُخَالَفَتُهُ حَرَامٌ
الْأَمْرُ الثَّالِثُ أَنَّ قوله من أدرك الإمام على حاله فليصنع كما يَصْنَعُ الْإِمَامُ يَدُلُّ عَلَى لُزُومِ الْكَوْنِ مَعَ الْإِمَامِ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي أَدْرَكَهُ عَلَيْهَا وَأَنَّهُ يَصْنَعُ مِثْلَ صُنْعِهِ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ الْوَفَاءُ بِذَلِكَ إِلَّا إِذَا رَكَعَ بِرُكُوعِهِ وَاعْتَدَلَ بِاعْتِدَالِهِ فَإِذَا أَخَذَ يَقْرَأُ الْفَاتِحَةَ فَقَدْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ عَلَى حَالَةٍ وَلَمْ يَصْنَعْ كَمَا صَنَعَ إِمَامُهُ فَخَالَفَ الْأَمْرَ الَّذِي يَجِبُ امْتِثَالُهُ وَتَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ
وَإِذَا اتَّضَحَ لَكَ مَا فِي إِيجَابِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى الْمُؤْتَمِّ الْمُدْرِكِ لِإِمَامِهِ حَالَ الرُّكُوعِ أَوْ بَعْدَهُ مِنَ الْمَفَاسِدِ الَّتِي حَدَثَتْ بِسَبَبِ وُقُوعِهِ فِي مُخَالَفَةِ ثَلَاثِ سُنَنٍ صِحَاحٍ كَمَا ذَكَرْنَا تَقَرَّرَ لَكَ أَنَّ الْحَقَّ مَا قَدَّمْنَا لَكَ مِنْ أَنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ الَّتِي وَقَعَتْ لِلْمُؤْتَمِّ وَهِيَ إِدْرَاكُ إِمَامِهِ مُشَارِفًا لِلرُّكُوعِ أو ركعا أَوْ بَعْدَ الرُّكُوعِ مُخَصَّصَةٌ مِنْ أَدِلَّةِ إِيجَابِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ عَلَى كُلِّ مُصَلٍّ
وَمِمَّا يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا الْحَدِيثُ الْوَارِدُ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ سَاجِدًا فَلْيَسْجُدْ مَعَهُ وَلَا يَعُدُّ ذَلِكَ شَيْئًا فَإِنَّ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَهُ رَاكِعًا يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَنْبَغِي أَنْ يُجْعَلَ لَاحِقًا بِتِلْكَ الثَّلَاثَةِ الْأُمُورِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا فَيَكُونَ رَابِعًا لَهَا فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْمَطْلُوبِ وَفِي كَوْنِ مَنْ لَمْ يَدْخُلْ مَعَ الْإِمَامِ وَيَعْتَدُّ بِذَلِكَ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَدْ خَالَفَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ
وَفِي هَذَا الْمِقْدَارِ الَّذِي ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ فَاشْدُدْ بِذَلِكَ وَدَعْ عَنْكَ مَا قَدْ وَقَعَ فِي هَذَا الْمَبْحَثِ مِنَ الْخَبْطِ وَالْخَلْطِ وَالتَّرَدُّدِ وَالتَّشَكُّكِ وَالْوَسْوَسَةِ
وَاللَّهُ أَعْلَمُ
انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ بِلَفْظِهِ وَحُرُوفِهِ مِنَ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ
قَالَ شَيْخُنَا الْعَلَّامَةُ حُسَيْنُ بْنُ مُحْسِنٍ الْأَنْصَارِيُّ وَقَدْ كَتَبَ فِي هَذِهِ فِي فَتَاوَاهُ أَرْبَعَةَ سُؤَالَاتٍ وَقَدْ أَجَابَ عَنْهَا وَهَذَا آخِرُهَا وَهُوَ الَّذِي ارْتَضَاهُ كَمَا تَرَاهُ وَاسْمُ الْفَتَاوَى الْفَتْحُ الرَّبَّانِيُّ فِي فَتَاوَى الْإِمَامِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيِّ سَمَّاهُ بِذَلِكَ وَلَدُهُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُنَا أَحْمَدُ بْنُ
стр. 827
مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الشَّوْكَانِيِّ حَرَّرَهُ الْفَقِيرُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى حُسَيْنُ بْنُ مُحْسِنٍ الْخَزْرَجِيُّ السَّعْدِيُّ
انْتَهَى
وَقَدْ أَطَالَ الْكَلَامَ فِي غَايَةِ الْمَقْصُودِ وَهَذَا مُلْتَقَطٌ مِنْهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(فَقَدْ أَدْرَكَ الصلاة) قال بن أَرْسَلَانَ الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ هُنَا الرَّكْعَةُ أَيْ صَحَّتْ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ وَحَصَلَ لَهُ فَضِيلَتُهَا
انْتَهَى
قُلْتُ إِذَا أُرِيدَ بِالرَّكْعَةِ مَعْنَاهَا الْمَجَازِيُّ أَيِ الرُّكُوعُ فَإِرَادَةُ الرَّكْعَةِ بِالصَّلَاةِ ظَاهِرٌ وَأَمَّا إِذَا أُرِيدَ بِالرَّكْعَةِ مَعْنَاهَا الْحَقِيقِيُّ فَلَا
وَقِيلَ ثَوَابُ الجماعة
قال بن الْمَلِكِ وَقِيلَ الْمُرَادُ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ وَإِلَّا فَغَيْرُهَا يَحْصُلُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ فِيهِ بِإِدْرَاكِ جُزْءٍ مِنَ الصَّلَاةِ
قَالَ الطِّيبِيُّ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ إِلَّا بِإِدْرَاكِ رَكْعَةٍ تَامَّةٍ سَوَاءٌ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ
(بَاب أَعْضَاءِ السُّجُودِ)
[٨٨٩] (أُمِرَ) قَالَ الْحَافِظُ هُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ فِي جَمِيعِ الرِّوَايَاتِ عَلَى الْبِنَاءِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَهُوَ اللَّهُ ﷻ
قَالَ الْبَيْضَاوِيُّ عُرِفَ ذَلِكَ بِالْعُرْفِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ
قِيلَ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ صِيغَةُ أَفْعَلَ
انْتَهَى
وَتَعَقَّبَ عَلَيْهِ الشَّوْكَانِيُّ حَيْثُ قَالَ لَفْظُ أُمِرَ أَدَلُّ عَلَى الْمَطْلُوبِ مِنْ صِيغَةِ أَفْعَلَ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ انْتَهَى
وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ عَنِ بن عَبَّاسٍ بِلَفْظِ أُمِرْنَا (عَلَى سَبْعَةٍ) أَيْ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ وَيَجِيءُ بَيَانُهَا (وَلَا يَكُفَّ شَعْرًا وَلَا ثَوْبًا) هُوَ إِمَّا بِمَعْنَى الْمَنْعِ أَيْ لَا يَمْنَعُهُمَا مِنَ الِاسْتِرْسَالِ حَالَ السُّجُودِ لِيَقَعَا عَلَى الْأَرْضِ أَوْ بِمَعْنَى الْجَمْعِ أَيْ لَا يَجْمَعُ ثَوْبَهُ وَلَا شَعْرَهُ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ النَّهْيَ عَنْهُ فِي حَالِ الصَّلَاةِ وَإِلَيْهِ جَنَحَ الدَّاوُدِيُّ وَرَدَّهُ عِيَاضٌ بِأَنَّهُ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ فَإِنَّهُمْ كَرِهُوا ذَلِكَ لِلْمُصَلِّي سَوَاءٌ فَعَلَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهَا
قَالَ الْحَافِظُ وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُفْسِدُ الصلاة لكن حكى بن الْمُنْذِرِ عَنِ الْحَسَنِ وُجُوبَ الْإِعَادَةِ
قِيلَ وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا رَفَعَ ثَوْبَهُ وَشَعْرَهُ عَنْ مُبَاشَرَةِ الْأَرْضِ أَشْبَهَ الْمُتَكَبِّرَ
انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ وَثَوْبُهُ مُشَمَّرٌ أَوْ كُمُّهُ أَوْ نَحْوُهُ أَوْ رَأْسُهُ مَعْقُوصٌ أَوْ مَرْدُودٌ شَعْرُهُ تَحْتَ عِمَامَتِهِ أَوْ
стр. 828
نَحْوَ ذَلِكَ فَكُلُّ هَذَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ فَلَوْ صَلَّى كَذَلِكَ فَقَدْ أَسَاءَ وَصَحَّتْ صَلَاتُهُ
ثُمَّ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّ النَّهْيَ مُطْلَقًا لِمَنْ صَلَّى كَذَلِكَ سَوَاءٌ تَعَمَّدَهُ لِلصَّلَاةِ أَمْ كَانَ قَبْلَهَا كَذَلِكَ لَا لَهَا بَلْ لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ الصَّحِيحُ وَهُوَ الظَّاهِرُ الْمَنْقُولُ عَنِ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ
انْتَهَى مُلَخَّصًا
[٨٩٠] (أُمِرَ نَبِيُّكُمْ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ آرَابٍ) بِالْمَدِّ جَمْعُ إِرْبٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيَهِ وَهُوَ الْعُضْوُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ
انْتَهَى
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَأَخْطَأَ الْمُنْذِرِيُّ إِذَ عَزَا فِي مُخْتَصَرِهِ هَذَا الْحَدِيثَ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وليس فيهما لفظ اراب أَصْلًا
[٨٩١] (وَجْهُهُ) بِالرَّفْعِ بَيَانٌ لِسَبْعَةِ آرَابٍ وَالْمُرَادُ بالوجه ها هنا الْجَبْهَةُ وَالْأَنْفُ كَمَا فِي رِوَايَةٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ عن بن عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعٍ وَلَا أَكْفِتَ الشَّعْرَ وَلَا الثِّيَابَ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ وَالْيَدَيْنِ الْحَدِيثَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ الْحَدِيثَ
قَالَ الْحَافِظُ كَأَنَّهُ ضَمَّنَ أشار معنى أمر بتشديد الراء فلذلك عبداه بِعَلَى دُونَ إِلَى وَوَقَعَ فِي الْعُمْدَةِ بِلَفْظِ إِلَى وَهِيَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنْ رِوَايَةِ كَرِيمَةَ وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عيينة عن بن طاؤس فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ بن طَاوُسٍ وَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَمَرَّهَا عَلَى أَنْفِهِ وَقَالَ هَذَا وَاحِدٌ فَهَذِهِ رِوَايَةٌ مُفَسِّرَةٌ
انْتَهَى
وَاعْلَمْ أَنَّهُ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ إِلَى وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ جَمِيعًا وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَجِبُ السُّجُودُ عَلَى الْجَبْهَةِ دُونَ الْأَنْفِ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ إِنَّهُ يُجْزِئُ السُّجُودُ على الأنف وحدها
وقد نقل بن الْمُنْذِرِ إِجْمَاعَ الصَّحَابَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ السجود على الأنف وحده
واستدل الطائفة الأولى برواية مسلم المذكورة عن بن عَبَّاسٍ وَلِأَنَّهُ جَعَلَهُمَا كَعُضْوٍ وَاحِدٍ وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُضْوًا مُسْتَقِلًّا لَلَزِمَ أَنْ تَكُونَ الْأَعْضَاءُ ثَمَانِيَةً وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكْتَفِيَ بِالسُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ وَحْدَهَا وَالْجَبْهَةِ وَحْدَهَا لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَعْضُ الْعُضْوِ وَهُوَ يَكْفِي كَمَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَعْضَاءِ
стр. 829
وَأَنْتَ خَبِيرٌ بِأَنَّ الْمَشْيَ عَلَى الْحَقِيقَةِ هُوَ الْمُتَحَتِّمُ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْجَبْهَةَ وَالْأَنْفَ حَقِيقَةٌ فِي الْمَجْمُوعِ وَبِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الَّذِي يَأْتِي فِي بَابِ السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ وَالْجَبْهَةِ
وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أُمِرَ النَّبِيُّ ﷺ أَنْ يَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ وَلَا يَكُفَّ شَعَرًا وَلَا ثَوْبًا الْجَبْهَةِ وَالْيَدَيْنِ وَالرُّكْبَتَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَتَمَسَّكَ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ بِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورَةِ بِلَفْظِ أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَعْظُمٍ عَلَى الْجَبْهَةِ وَأَشَارَ بِيَدِهِ عَلَى أَنْفِهِ الْحَدِيثَ لِأَنَّهُ ذَكَرَ الْجَبْهَةَ وَأَشَارَ إِلَى الْأَنْفِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ الْمُرَادُ
وَالْأَقْرَبُ إِلَى الصَّوَابِ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَوَّلُونَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (وَقَدَمَاهُ) أَيْ أَطْرَافُ قَدَمَيْهِ
قَالَ المنذري وأخرجه مسلم والترمذي والنسائي وبن مَاجَهْ
انْتَهَى
وَاعْلَمْ أَنَّ حَدِيثَ الْعَبَّاسِ هَذَا عَزَاهُ جَمَاعَةٌ إِلَى مُسْلِمٍ مِنْهُمْ أَصْحَابُ الْأَطْرَافِ وَالْحُمَيْدِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سننه وبن الْجَوْزِيِّ فِي جَامِعِ الْمَسَانِيدِ وَفِي التَّحْقِيقِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّحِيحَيْنِ
ولم يذكر القاضي عياض لفظة اراب فِي مَشَارِقِ الْأَنْوَارِ الَّذِي وَضَعَهُ عَلَى أَلْفَاظِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَالْمُوَطَّأِ وَأَنْكَرَهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فقال قال المازري قوله ﵇ سجد معه سبعة اراب
قال الهروي اراب الْأَعْضَاءُ وَاحِدُهَا إِرْبٌ
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهَذَا اللَّفْظُ لَمْ يَقَعْ عِنْدَ شُيُوخِنَا فِي مُسْلِمٍ وَلَا هِيَ فِي النُّسَخِ الَّتِي رَأَيْنَا وَالَّتِي فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ سَبْعَةُ أَعْظُمٍ
انْتَهَى
قَالَ الزَّيْلَعِيُّ وَالَّذِي يَظْهَرُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَهُمْ سَبَقَ بِالْوَهْمِ فَتَبِعَهُ الْبَاقُونَ وَهُوَ مَحَلُّ اشْتِبَاهٍ
[٨٩٢] (إِنَّ الْيَدَيْنِ تَسْجُدَانِ) الْمُرَادُ بِالْيَدَيْنِ الْكَفَّانِ لِئَلَّا يَدْخُلَ تَحْتَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مِنَ افْتِرَاشِ السَّبْعِ والكلب
قال المنذري وأخرجه النسائي
стр. 830
٨ - (بَاب السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ وَالْجَبْهَةِ)
[٨٩٤] (وعَلَى أَرْنَبَتِهِ) بِفَتْحِ هَمْزَةٍ وَنُونٍ وَمُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ رَاءٍ طَرَفِ الْأَنْفِ (أَثَرُ طِينٍ) أَيْ وَمَاءٍ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ (مِنْ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالنَّاسِ) أَيْ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى وُجُوبِ السُّجُودِ عَلَيْهِمَا وَلَوْلَا ذَلِكَ لَصَانَهُمَا عَنْ لَوْثِ الطِّينِ
قَالَ الْحَافِظُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الِاخْتِلَافِ فِي أَنَّ وُجُوبَ السُّجُودِ هَلْ هُوَ عَلَى الْجَبْهَةِ وَحْدَهَا أَوْ عَلَى الْأَنْفِ وَحْدَهَا أَوْ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ جَمِيعًا وَلَا خِلَافَ أَنَّ السُّجُودَ عَلَى مَجْمُوعِ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ مُسْتَحَبٌّ
وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ عَلَى الْأَرْضِ وَاضِعًا جَبْهَتَهُ وَأَنْفَهُ فِي سُجُودِهِ
وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طريق عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يُصِيبُ أَنْفُهُ مِنَ الْأَرْضِ مَا يُصِيبُ الْجَبِينُ
قَالَ الدارقطني الصواب عن عكرمة عن بن عَبَّاسٍ قَالَ إِذَا سَجَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَضَعْ أَنْفَهُ عَلَى الْأَرْضِ فَإِنَّكُمْ قَدْ أُمِرْتُمْ بِذَلِكَ كَذَا فِي النَّيْلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ بِنَحْوِهِ أَتَمَّ مِنْهُ
(بَاب صِفَةِ السُّجُودِ)
[٨٩٦] (وَرَفَعَ عَجِيزَتَهُ) هِيَ الْعَجُزُ لِلْمَرْأَةِ فَاسْتَعَارَهَا لِلرَّجُلِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
стр. 831
[٨٩٧] (اعْتَدِلُوا فِي السُّجُودِ) أَيْ تَوَسَّطُوا بَيْنَ الِافْتِرَاشِ وَالْقَبْضِ وَبِوَضْعِ الْكَفَّيْنِ عَلَى الْأَرْضِ وَرَفْعِ الْمِرْفَقَيْنِ عَنْهَا وَعَنِ الْجَنْبَيْنِ وَالْبَطْنِ عَنِ الْفَخِذِ إِذْ هُوَ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَأَبْلَغُ فِي تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ وَأَبْعَدُ مِنَ الْكُسَالَةِ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ
قَالَ بن دَقِيقِ الْعِيدِ لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالِاعْتِدَالِ هُنَا وَضْعُ هَيْئَةِ السُّجُودِ عَلَى وَفْقِ الْأَمْرِ لِأَنَّ الِاعْتِدَالَ الْحِسِّيَّ الْمَطْلُوبَ فِي الرُّكُوعِ لَا يَتَأَتَّى هُنَا فَإِنَّهُ هُنَاكَ اسْتِوَاءُ الظَّهْرِ وَالْعُنُقِ وَالْمَطْلُوبُ هُنَا ارْتِفَاعُ الْأَسَافِلِ عَلَى الْأَعَالِي قَالَ وَقَدْ ذُكِرَ الْحُكْمُ هُنَا مَقْرُونًا بِعِلَّتِهِ فَإِنَّ التَّشَبُّهَ بِالْأَشْيَاءِ الْخَسِيسَةِ يُنَاسِبُ تَرْكَهُ فِي الصَّلَاةِ انْتَهَى
قَالَ الْحَافِظُ وَالْهَيْئَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا أَيْضًا مُشْعِرَةٌ بِالتَّهَاوُنِ وَقِلَّةِ الِاعْتِنَاءِ بِالصَّلَاةِ (افْتِرَاشَ الْكَلْبِ) بِالنَّصْبِ أَيْ كَافْتِرَاشِ الْكَلْبِ أَيْ لَا يَجْعَلُ ذِرَاعَيْهِ عَلَى الْأَرْضِ كَالْفِرَاشِ وَالْبِسَاطِ كَمَا يَجْعَلُهُمَا الْكَلْبُ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ لَا شَكَّ فِي كَرَاهَةِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ وَلَا فِي اسْتِحْبَابِ نَقِيضِهَا
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وبن مَاجَهْ بِنَحْوِهِ
[٨٩٨] (جَافَى) أَيْ أَبْعَدَ وَفَرَّقَ (بَيْنَ يَدَيْهِ) أَيْ وَمَا يُحَاذِيهِمَا (أَنَّ بَهْمَةً) بِفَتْحِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَلَدُ الضَّأْنِ أَكْبَرُ مِنَ السخلة
قاله بن الْمَلِكِ
وَفِي الْقَامُوسِ الْبَهْمَةُ أَوْلَادُ الضَّأْنِ وَالْمَعْزِ
قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ البهمة واحدة البهمة وَهِيَ أَوْلَادُ الْغَنَمِ مِنَ الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَجَمْعُ البهمة بِهَامٌ بِكَسْرِ الْبَاءِ
وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ الْبَهْمَةُ مِنْ أَوْلَادِ الضَّأْنِ خَاصَّةً وَيُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى قَالَ وَالسِّخَالُ أَوْلَادُ الْمَعْزِ (مَرَّتْ) جَوَابُ لَوْ
قال المنذري وأخرجه مسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
[٨٩٩] (عَنِ التَّمِيمِيِّ) اسْمُهُ أَرْبِدَةُ بِسُكُونِ الرَّاءِ بَعْدَهَا مُوَحَّدَةٌ مَكْسُورَةٌ وَيُقَالُ أَرْبِدُ الْمُفَسِّرُ صَدُوقٌ عن بن عَبَّاسٍ وَعَنْهُ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ وَالْمِنْهَالُ بْنُ عَمْرٍو (فَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ) فِيهِ
стр. 832
دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قَمِيصٌ لِانْكِشَافِ إِبْطَيْهِ وَتُعُقِّبَ بِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْقَمِيصُ وَاسِعَ الْأَكْمَامِ وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ كَانَ أَحَبَّ الثِّيَابِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ الْقَمِيصُ أَوْ أَرَادَ الرَّاوِي أَنَّ مَوْضِعَ بَيَاضِهِمَا لَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ لَرُئِيَ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ إِبْطَيْهِ ﷺ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِمَا شَعْرٌ وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ حَكَى الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي الِاسْتِسْقَاءِ مِنَ الْأَحْكَامِ لَهُ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ ﷺ أَنَّ الْإِبْطَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ مُتَغَيِّرُ اللَّوْنِ غَيْرُهُ كَذَا فِي فَتْحِ الْبَارِي (وَهُوَ مُجَخٍّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ خَاءٌ مُشَدَّدَةٌ مُنَوَّنَةٌ بِالْكَسْرِ وَهُوَ مَنْقُوصٌ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ جَخَّ يُجَخِّي فَهُوَ مُجَخٍّ فَهُوَ مُجَخٍّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ أَنَّهُ رَفَعَ مُؤَخَّرَهُ وَمَالَ قَلِيلًا هَكَذَا تَفْسِيرُهُ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ فَتَحَ عَضُدَيْهِ وَجَافَاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ وَرَفَعَ مُؤَخَّرَهُ وَمَالَ قَلِيلًا هَكَذَا تَفْسِيرُهُ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ فَتَحَ عَضُدَيْهِ وَجَافَاهُمَا عَنْ جَنْبَيْهِ وَرَفَعَ بَطْنَهُ عَلَى الْأَرْضِ (قَدْ فَرَّجَ يَدَيْهِ) مِنَ التَّفْرِيجِ أَيْ نَحَّى كُلَّ يَدٍ عَنِ الْجَنْبِ الَّذِي يَلِيهَا
[٩٠٠] (أَحْمَرُ بْنُ جَزْءٍ) بِفَتْحِ الْجِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ هَمْزٌ صَحَابِيٌّ تَفَرَّدَ الْحَسَنُ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ كَذَا فِي التَّقْرِيبِ (حَتَّى نَأْوِيَ لَهُ) آوَى يَأْوِي مِنْ بَابِ ضَرَبَ إِذَا رَقَّ وَتَرَحَّمَ أَيْ حَتَّى نَتَرَحَّمَ لَهُ لِمَا نَرَاهُ فِي شِدَّةٍ وَتَعَبٍ بِسَبَبِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْمُجَافَاةِ وَقِلَّةِ الِاعْتِمَادِ
قَالَ المنذري وأخرجه بن مَاجَهْ وَقِيلَ إِنَّهُ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ الْحَسَنِ وَلَمْ يَرْوِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا هذا وكنيته أبو جزىء
[٩٠١] (عن بن حُجَيْرَةَ) بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْخَوْلَانِيُّ قَاضِي مِصْرَ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ (وَلْيَضُمَّ فَخِذَيْهِ) فِيهِ أَنَّ الْمُصَلِّي يَضُمُّ فَخِذَيْهِ فِي السُّجُودِ لَكِنَّهُ مُعَارَضٌ بِحَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ إِذَا سَجَدَ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ غَيْرَ حَامِلٍ بَطْنَهُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَخِذَيْهِ رَوَاهُ الْمُؤَلِّفُ
وَقَوْلُهُ فَرَّجَ بَيْنَ فَخِذَيْهِ أَيْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ حَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ هَذَا وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ التَّفْرِيجِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ فِي السُّجُودِ وَرَفْعِ الْبَطْنِ عَنْهُمَا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ انْتَهَى
وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يُفَرِّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي السُّجُودِ وَيُبَاعِدَهُمَا عَنْ جَبِينِهِ وَلَا يَفْتَرِشَهُمَا عَلَى الْأَرْضِ
قَالَ الْقُرْطُبِيُّ الْحِكْمَةُ فِي اسْتِحْبَابِ هَذِهِ الْهَيْئَةِ فِي السُّجُودِ أَنَّهُ يَخِفُّ بِهَا اعْتِمَادُهُ عَنْ وَجْهِهِ وَلَا يتأثر
стр. 833
أَنْفُهُ وَلَا جَبْهَتُهُ وَلَا يَتَأَذَّى بِمُلَاقَاةِ الْأَرْضِ
وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ أَشْبَهُ بِالتَّوَاضُعِ وَأَبْلَغُ فِي تَمْكِينِ الْجَبْهَةِ وَالْأَنْفِ مِنَ الْأَرْضِ مَعَ مُغَايَرَتِهِ لِهَيْئَةِ الْكَسْلَانِ
وَقَالَ نَاصِرُ الدِّينِ بْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنْ يَظْهَرَ كُلَّ عُضْوٍ بِنَفْسِهِ وَيَتَمَيَّزَ حَتَّى يَكُونَ الْإِنْسَانُ الْوَاحِدُ فِي سُجُودِهِ كَأَنَّهُ عَدَدٌ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنْ يَسْتَقِلَّ كُلُّ عُضْوٍ بِنَفْسِهِ وَلَا يَعْتَمِدُ بَعْضُ الْأَعْضَاءِ عَلَى بَعْضٍ فِي سُجُودِهِ وَهَذَا ضِدُّ مَا وَرَدَ فِي الصُّفُوفِ مِنَ الْتِصَاقِ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُنَاكَ إِظْهَارُ الِاتِّحَادِ بَيْنَ الْمُصَلِّينَ حَتَّى كَأَنَّهُمْ جَسَدٌ وَاحِدٌ
كَذَا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَظَاهِرُ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ التَّفْرِيجِ الْمَذْكُورِ لَكِنْ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي فِي بَابِ الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ
(بَاب الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ لِلضَّرُورَةِ أَيْ فِي تَرْكِ التَّفْرِيجِ)
[٩٠٢] (إِذَا انْفَرَجُوا) أَيْ بَاعَدُوا الْيَدَيْنِ عَنِ الْجَنْبَيْنِ (فَقَالَ اسْتَعِينُوا بالركب) قال بن عَجْلَانَ وَذَلِكَ أَنْ يَضَعَ مِرْفَقَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ إِذَا طَالَ السُّجُودُ وَاعِيًا ذَكَرَهُ الْحَافِظُ وَقَالَ قَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَتِهِ إِذَا انْفَرَجُوا فَتَرْجَمَ لَهُ مَا جَاءَ فِي الِاعْتِمَادِ إِذَا قَامَ مِنَ السُّجُودِ فَجَعَلَ مَحَلَّ الِاسْتِعَانَةِ بِالرُّكَبِ لِمَنْ يَرْفَعُ مِنَ السُّجُودِ طَالِبًا لِلْقِيَامِ وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ مَا قَالَ لَكِنَّ الزِّيَادَةَ الَّتِي أَخْرَجَهَا أَبُو دَاوُدَ تُعَيِّنُ الْمُرَادَ
انْتَهَى
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَذَكَرَ أَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُرْسَلًا وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ
١ - (هَذَا الْوَجْهِ مُرْسَلًا وَكَأَنَّهُ أَصَحُّ)
[٩٠٣] (زِيَادُ بْنُ صُبَيْحٍ) مُصَغَّرٌ وَقِيلَ بِالْفَتْحِ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ (فَوَضَعْتُ يَدَيَّ عَلَى خَاصِرَتِيَّ
стр. 834
الْخَاصِرَةُ بِالْفَارِسِيَّةِ تهى كاه
قَالَ فِي الْقَامُوسِ الْخَاصِرَةُ الشَّاكِلَةُ وَمَا بَيْنَ الْحَرْقَفَةِ وَالْقُصَيْرَى وَفَسَّرَ الحرفقة بِعَظْمِ الْحَجَبَةِ أَيْ رَأْسِ الْوِرْكِ (قَالَ هَذَا الصَّلْبُ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ شِبْهُ الصُّلْبِ لِأَنَّ الْمَصْلُوبَ يَمُدُّ بَاعَهُ عَلَى الْجِذْعِ وَهَيْئَةُ الصَّلْبِ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى خَاصِرَتِهِ وَيُجَافِي بَيْنَ عَضُدَيْهِ فِي الْقِيَامِ كَذَا فِي الْمَجْمَعِ (يَنْهَى عَنْهُ) أَيْ عَنِ الصَّلْبِ فِي الصَّلَاةِ
وَاعْلَمْ أَنَّهُ وَرَدَ الْحَدِيثُ فِي النَّهْيِ عَنْ وَضْعِ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ فِي الصَّلَاةِ بِلَفْظِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَنْ يُصَلِّيَ الرَّجُلُ مُخْتَصِرًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ
وَبِلَفْظِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنِ التَّخَصُّرِ فِي الصَّلَاةِ وَبِلَفْظِ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن الِاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ الْمُؤَلِّفُ وَبِلَفْظِ نَهَى عَنِ الْخَصْرِ فِي الصَّلَاةِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ
وَمَعْنَى الِاخْتِصَارِ وَالتَّخَصُّرِ وَالْخَصْرِ وَاحِدٌ هُوَ وَضْعُ الْيَدِ عَلَى الْخَاصِرَةِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ
وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلًا آخَرَ فِي تَفْسِيرِهِ الِاخْتِصَارَ فَقَالَ وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مَعْنَى الِاخْتِصَارِ هُوَ أَنْ يُمْسِكَ بِيَدَيْهِ مخصرة أي عصا يتوكأ عليها
قال بن الْعَرَبِيِّ وَمَنْ قَالَ إِنَّهُ الصَّلَاةُ عَلَى الْمِخْصَرَةِ لَا مَعْنَى لَهُ
وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ حَكَاهُ الهروي في الغريبين وبن الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ أَنْ يَخْتَصِرَ السُّورَةَ فَيَقْرَأَ مِنْ آخِرِهَا آيَةً أَوْ آيَتَيْنِ
وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ حَكَاهُ الْهَرَوِيُّ وَهُوَ أَنْ يَحْذِفَ مِنَ الصَّلَاةِ فَلَا يَمُدُّ قِيَامَهَا وَرُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الِاخْتِصَارِ
وَقَدْ ذَهَبَ إلى ذلك أهل الظاهر وذهب بن عباس وبن عمر وعائشة وإبراهيم النخعي ومجاهد وأبو مجاز وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَآخَرُونَ إِلَى أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَالظَّاهِرُ مَا قَالَهُ أَهْلُ الظَّاهِرِ لِعَدَمِ قِيَامِ قَرِينَةٍ تَصْرِفُ النَّهْيَ عَنِ التَّحْرِيمِ الَّذِي هُوَ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ كَمَا هُوَ الْحَقُّ
وَاخْتُلِفَ فِي الْمَعْنَى الَّذِي نَهَى عَنْ الِاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ لِأَجْلِهِ عَلَى أَقْوَالٍ الْأَوَّلُ التَّشْبِيهُ بِالشَّيْطَانِ
الثَّانِي أَنَّهُ تَشَبُّهٌ بِالْيَهُودِ
الثَّالِثُ أَنَّهُ رَاحَةُ أَهْلِ النَّارِ
وَالرَّابِعُ أَنَّهُ فِعْلُ الْمُخْتَالِينَ وَالْمُتَكَبِّرِينَ
وَالْخَامِسُ أَنَّهُ شَكْلٌ مِنْ أَشْكَالِ الْمَصَائِبِ يَصُفُّونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى الْخَوَاصِرِ إِذَا قَامُوا فِي الْمَأْتَمِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ
وَاعْلَمْ أَنَّ الْمُؤَلِّفَ ذَكَرَ فِي تَرْجَمَةِ الْبَابِ الْإِقْعَاءَ أَيْضًا وَلَمْ يُورِدْ فِيهِ حَدِيثًا مَعَ أَنَّهُ تَرْجَمَ
стр. 835
للاقعاء قبل وأورد فيه حديث بن عَبَّاسٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَيَجِيءُ بَعْضُ الْبَيَانِ فِي بَابِ الِاخْتِصَارِ فِي الصَّلَاةِ
٢ - (بَاب الْبُكَاءِ فِي الصَّلَاةِ)
[٩٠٤] (وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ) بِفَتْحِ الْأَلِفِ بَعْدَهَا زَايٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٌ سَاكِنَةٌ ثُمَّ زَايٌ أَيْضًا أَيْ صَوْتٌ (كَأَزِيزِ الرَّحَى) يَعْنِي الطَّاحُونَ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَزِيزُ الرَّحَى صَوْتُهَا وَحَرْحَرَتُهَا (مِنَ الْبُكَاءِ) أَيْ مِنْ أَجْلِهِ
قَالَ بن حَجَرٍ الْمَكِّيُّ فِي شَرْحِ الشَّمَائِلِ هُوَ بِالْقَصْرِ خُرُوجُ الدَّمْعِ مَعَ الْحُزْنِ وَبِالْمَدِّ خُرُوجُهُ مَعَ رَفْعِ الصَّوْتِ
انْتَهَى
وَرَوَى النَّسَائِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ بِلَفْظِ وَفِي صَدْرِهِ أَزِيزٌ كَأَزِيزِ الْمِرْجَلِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ قِدْرٌ مِنْ نُحَاسٍ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى قِدْرٍ يُطْبَخُ فِيهَا وَلَعَلَّهُ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ
قَالَ الطِّيبِيُّ أَزِيزُ الْمِرْجَلِ صَوْتُ غَلَيَانِهِ وَمِنْهُ الْأَزُّ وَهُوَ الْإِزْعَاجُ
قُلْتُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى تَؤُزُّهُمْ أَزًّا وَقِيلَ الْمِرْجَلُ الْقِدْرُ مِنْ حَدِيدٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ خَزَفٍ لِأَنَّهُ إِذَا نُصِبَ كَأَنَّهُ أُقِيمَ عَلَى الرِّجْلِ قَالَهُ فِي الْمِرْقَاةِ
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْبُكَاءَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ سَوَاءٌ ظَهَرَ مِنْهُ حَرْفَانِ أَمْ لَا وَقَدْ قِيلَ إِنْ كَانَ الْبُكَاءُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ لَمْ يُبْطِلْ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَيَدُلُّ عليه أيضا ما رواه بن حِبَّانَ بِسَنَدِهِ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ مَا كَانَ فِينَا فَارِسٌ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرُ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ وَلَقَدْ رَأَيْتُنَا وَمَا فِينَا قَائِمٌ إِلَّا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ تَحْتَ شَجَرَةٍ يُصَلِّي وَيَبْكِي حَتَّى أَصْبَحَ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ ذِكْرَ الْإِبَاحَةِ لِلْمَرْءِ أَنْ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ
وَاسْتُدِلَّ عَلَى جَوَازِ الْبُكَاءِ فِي الصَّلَاةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إِذَا تُتْلَى عليهم ايات الرحمن خروا سجدا وبكيا قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
стр. 836
١٣ - (بَاب كَرَاهِيَةِ الْوَسْوَسَةِ وَحَدِيثِ النَّفْسِ فِي الصَّلَاةِ)
[٩٠٥] (فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ) أَيْ أَتَمَّهُ بِآدَابِهِ (لَا يَسْهُو فِيهِمَا) أَيْ لَا يَغْفُلُ فِيهِمَا قَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ يَكُونُ حَاضِرَ الْقَلْبِ أَوْ يَعْبُدُ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ
كَذَا فِي الْمِرْقَاةِ قُلْتُ رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ حُمْرَانَ مَوْلَى عُثْمَانَ أَنَّهُ رَأَى عُثْمَانَ دَعَا بِإِنَاءٍ فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ الْحَدِيثَ
وَفِيهِ ثُمَّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ فَلَوْ أُرِيدَ بِقَوْلِهِ لَا يَسْهُو فِيهِمَا أَيْ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ لَكَانَ أَوْلَى
وَالْأَحَادِيثُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ مُطَابَقَةُ الْحَدِيثِ أَتَمَّ ظُهُورٍ
قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ أَيْ لَا يُحَدِّثُ بِشَيْءٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَمَا لَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ وَلَوْ عَرَضَ لَهُ حَدِيثٌ فَأَعْرَضَ عَنْهُ لِمُجَرَّدِ عُرُوضِهِ عُفِيَ عَنْهُ ذَلِكَ وَحَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْفَضِيلَةُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ وَقَدْ عُفِيَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَنِ الْخَوَاطِرِ الَّتِي تَعْرِضُ وَلَا تَسْتَقِرُّ
وَهَذَا مَوْضِعُ التَّرْجَمَةِ (غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ) قُيِّدَ بِالصَّغَائِرِ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ شُمُولُ الْكَبَائِرِ
[٩٠٦] (فَيُحْسِنَ الْوُضُوءَ) مِنَ الْإِحْسَانِ (يُقْبِلُ) مِنَ الْإِقْبَالِ وَهُوَ خِلَافُ الْإِدْبَارِ أَيْ يَتَوَجَّهُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مُقْبِلٌ (بِقَلْبِهِ وَوَجْهِهِ) أَرَادَ بِوَجْهِهِ ذَاتَهُ أَيْ يُقْبِلُ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ بِظَاهِرِهِ وَبَاطِنِهِ
قَالَ النَّوَوِيُّ وَقَدْ جَمَعَ ﷺ بِهَاتَيْنِ اللَّفْظَتَيْنِ أَنْوَاعَ الْخُضُوعِ وَالْخُشُوعِ لِأَنَّ الْخُضُوعَ فِي الْأَعْضَاءِ وَالْخُشُوعَ بِالْقَلْبِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْحَدِيثُ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ مُطَوَّلًا
стр. 837
١٤ - (بَاب الْفَتْحِ عَلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ)
[٩٠٧] (عَنِ الْمُسَوَّرِ بْنِ يَزِيدَ الْمَالِكِيِّ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا هُوَ الْأَسَدِيُّ الْمَالِكِيُّ
قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ يُرْوَى عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثٌ وَاحِدٌ هَذَا آخِرُ كَلَامِهِ
وَالْمَالِكِيُّ هَذَا نِسْبَةٌ إِلَى بَطْنٍ مِنْ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ
وَفِي الرُّوَاةِ الْمَالِكِيُّ نِسْبَةً إِلَى قَبَائِلَ عِدَّةٍ وَالْمَالِكِيُّ إِلَى الْجَدِّ وَالْمَالِكِيُّ إِلَى الْمَذْهَبِ وَالْمَالِكِيُّ إِلَى الْقَرْيَةِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى الْفُرَاتِ يُقَالُ لَهَا المالكية وذكره بن أَبِي حَاتِمٍ وَأَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ وَغَيْرُهُمَا فِي بَابِ مَنِ اسْمُهُ مِسْوَرٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَسُكُونِ السِّينِ وَالَّذِي قَيَّدَهُ الْحُفَّاظُ فِيهِ مَا ذَكَرْنَا
قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ
(وَرُبَّمَا قَالَ) أَيِ الْمِسْوَرُ بْنُ يَزِيدَ (أَذْكَرْتَنِيهَا) أَيِ الْآيَةَ الَّتِي تَرَكْتُهَا (قَالَ سُلَيْمَانُ فِي حَدِيثِهِ) أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ هَلَّا أَذْكَرْتَنِيهَا (قَالَ) أَيِ الرَّجُلُ (كُنْتُ أُرَاهَا) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ أَيْ كُنْتُ أَظُنُّ أَنَّ الْآيَةَ الَّتِي تَرَكْتَهَا نُسِخَتْ فَلِذَلِكَ لَمْ نَقْرَأْهَا
وَفِي رِوَايَةِ بن حِبَّانَ فَقَالَ ظَنَنْتُ أَنَّهَا قَدْ نُسِخَتْ قَالَ فَإِنَّهَا لَمْ تُنْسَخْ (وَقَالَ سُلَيْمَانُ قَالَ أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ كَثِيرٍ) أَيْ بِلَفْظِ التَّحْدِيثِ وَنَسَبَهُ إِلَى أَبِيهِ وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ الْعَلَاءِ فَقَالَ عَنْ يَحْيَى الْكَاهِلِيِّ بِلَفْظِ عَنْ وَلَمْ يَنْسُبْهُ إلى أبيه
(فلبس عليه) قال بن رسلان بفتح اللام والباء المو حدة الْمُخَفَّفَةِ أَيِ الْتَبَسَ وَاخْتَلَطَ عَلَيْهِ قَالَ وَمِنْهُ قوله تعالى وللبسنا عليهم ما يلبسون قَالَ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِضَمِّ اللَّامِ
стр. 838
وَتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْمَكْسُورَةِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ لُبِسَ بِالتَّخْفِيفِ أَيْ مَعَ ضَمِّ اللَّامِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ (فَلَمَّا انْصَرَفَ) أَيْ فَرَغَ مِنَ الصَّلَاةِ (قَالَ لِأُبَيٍّ) أي بن كَعْبٍ (أَصَلَّيْتَ مَعَنَا) بِهَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ (قَالَ فَمَا مَنَعَكَ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْقُولٌ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ ما منعك أن تفتح علي إذا رأيتني قد لبس علي انتهى ولفظ بن حِبَّانَ فَالْتَبَسَ عَلَيْهِ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ لِأُبَيٍّ أَشَهِدْتَ مَعَنَا قَالَ نَعَمْ
قَالَ فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَفْتَحَ عَلَيَّ وَالْحَدِيثَانِ يَدُلَّانِ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْفَتْحِ عَلَى الْإِمَامِ وَتَقْيِيدِ الْفَتْحِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى إِمَامٍ لَمْ يُؤَدِّ الْوَاجِبَ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَبِآخِرِ رَكْعَةٍ مِمَّا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَكَذَا تَقْيِيدُهُ بِأَنْ يَكُونَ فِي الْقِرَاءَةِ الْجَهْرِيَّةِ وَالْأَدِلَّةُ قَدْ دَلَّتْ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْفَتْحِ مُطْلَقًا فَعِنْدَ نِسْيَانِ الْإِمَامِ الْآيَةَ فِي الْقِرَاءَةِ الْجَهْرِيَّةِ يَكُونُ الْفَتْحُ عَلَيْهِ بِتَذْكِيرِهِ تِلْكَ الْآيَةَ كَمَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَعِنْدَ نِسْيَانِهِ لِغَيْرِهَا مِنَ الْأَرْكَانِ يَكُونُ الْفَتْحُ بِالتَّسْبِيحِ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقِ لِلنِّسَاءِ
قَالَهُ فِي النَّيْلِ
٥ - (بَاب النَّهْيِ عَنْ التَّلْقِينِ)
[٩٠٨] الْمُرَادُ مِنَ التَّلْقِينِ هُوَ الْفَتْحُ عَلَى الْإِمَامِ
(عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ) هُوَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ السَّبِيعِيُّ أَحَدُ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ (عَنِ الْحَارِثِ) هُوَ أَبُو زُهَيْرٍ الْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْكُوفِيُّ الْأَعْوَرُ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِنَّهُ كَذَبَ (يَا عَلِيُّ لَا تَفْتَحُ عَلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ) احْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ بِكَرَاهَةِ الْفَتْحِ عَلَى الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ لَكِنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يَنْتِهَضُ لِمُعَارَضَةِ الْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِمَشْرُوعِيَّةِ الْفَتْحِ
قَالَ الْخَطَّابِيُّ إِسْنَادُ حَدِيثِ أُبَيٍّ جَيِّدٌ وَحَدِيثُ عَلَيٍّ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ الْحَارِثِ وَفِيهِ مَقَالٌ (لَيْسَ هَذَا) أَيْ حَدِيثُ عَلِيٍّ (مِنْهَا) أَيْ مِنْ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ فَحَدِيثُ عَلِيٍّ هَذَا مُنْقَطِعٌ قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ نَفْسِهِ أَنَّهُ قَالَ إِذَا اسْتَطْعَمَكُمُ الْإِمَامُ فَأَطْعِمُوهُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ يُرِيدُ أَنَّهُ إِذَا تَعَايَا فِي
стр. 839
الْقِرَاءَةِ فَلَقِّنُوهُ انْتَهَى
قُلْتُ وَقَدْ صَحَّحَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ أَثَرَ عَلِيٍّ هَذَا
وَاعْلَمْ أَنَّهُ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَرُوِيَ عَنْ عثمان بن عفان وبن عُمَرَ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَرَيَانِ بِهِ بَأْسًا وهو قول عطاء والحسن وبن سِيرِينَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وروي عن بن مَسْعُودٍ الْكَرَاهِيَةُ فِي ذَلِكَ وَكَرِهَهُ الشَّعْبِيُّ وَكَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ يَكْرَهُهُ
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِذَا اسْتَفْتَحَهُ الْإِمَامُ فَفَتَحَهُ عَلَيْهِ فَإِنَّ هَذَا كَلَامٌ فِي الصَّلَاةِ بِلَا شَكٍّ وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ كَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ
٦ - (بَاب الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ)
[٩٠٩] (مُقْبِلًا عَلَى الْعَبْدِ) أَيْ نَاظِرًا إِلَيْهِ الرَّحْمَةَ وَإِعْطَاءَ الْمَثُوبَةِ (وَهُوَ فِي صَلَاتِهِ) وَالْمَعْنَى لَمْ يَنْقَطِعْ أَثَرُ الرَّحْمَةِ عَنْهُ (مَا لَمْ يَلْتَفِتْ) أَيْ بِالْعُنُقِ (فَإِذَا الْتَفَتَ انْصَرَفَ عَنْهُ) أَيْ أَعْرَضَ عنه
قال بن الْمَلِكِ الْمُرَادُ مِنْهُ قِلَّةُ الثَّوَابِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ
وَأَبُو الْأَحْوَصِ هَذَا لَا يُعْرَفُ له اسم هو مولى بني ليس وَقِيلَ مَوْلَى بَنِي غِفَارٍ وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ الزُّهْرِيِّ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ لَيْسَ هُوَ بِشَيْءٍ وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْكَرَابِيسِيُّ لَيْسَ بِالْمَتِينِ عِنْدَهُمْ
انْتَهَى
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ لَكِنِ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهَا لِلتَّنْزِيهِ
وَقَالَ الْمُتَوَلِّي يَحْرُمُ إِلَّا لِلضَّرُورَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ
قَالَ الْحَافِظُ الْمُرَادُ بِالِالْتِفَاتِ مَا لَمْ يَسْتَدْبِرِ الْقِبْلَةَ بِصَدْرِهِ أَوْ عُنُقِهِ كُلِّهِ وَسَبَبُ كَرَاهَةِ الِالْتِفَاتِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِنَقْصِ الْخُشُوعِ أَوْ لِتَرْكِ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِبَعْضِ الْبَدَنِ
انْتَهَى
[٩١٠] (هُوَ اخْتِلَاسٌ) أَيِ اخْتِطَافٌ بِسُرْعَةٍ وَوَقَعَ فِي النِّهَايَةِ وَالِاخْتِلَاسُ افْتِعَالٌ مِنَ الْخِلْسَةِ وَهِيَ مَا يُؤْخَذُ سَلْبًا مُكَابَرَةٍ وَفِيهِ نَظَرٌ
وَقَالَ غَيْرُهُ الْمُخْتَلِسُ الَّذِي يَخْطَفُ مِنْ غَيْرِ غَلَبَةٍ وَيَهْرُبُ
стр. 840
وَلَوْ مَعَ مُعَايَنَةِ الْمَالِكِ لَهُ وَالنَّاهِبُ يَأْخُذُ بِقُوَّةٍ وَالسَّارِقُ يَأْخُذُ فِي خُفْيَةٍ فَلَمَّا كَانَ الشَّيْطَانُ قَدْ يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ عَنْ صَلَاتِهِ بِالِالْتِفَاتِ إِلَى شَيْءٍ مَا بِغَيْرِ حُجَّةٍ يُقِيمُهَا أَشْبَهَ المختلس
وقال بن بَزِيزَةَ أُضِيفَ إِلَى الشَّيْطَانِ لِأَنَّ فِيهِ انْقِطَاعًا مِنْ مُلَاحَظَةِ التَّوَجُّهِ إِلَى الْحَقِّ سُبْحَانَهُ
وَقَالَ الطيبي سمي اختلاسا تصوير القبح تِلْكَ الْفَعْلَةِ بِالْمُخْتَلِسِ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ يُقْبِلُ عَلَيْهِ الرَّبُّ وَالشَّيْطَانُ مُرْتَصِدٌ لَهُ يَنْتَظِرُ فَوَاتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَإِذَا الْتَفَتَ اغْتَنَمَ الشَّيْطَانُ الْفُرْصَةَ فَسَلَبَهُ تِلْكَ الْحَالَةَ
قِيلَ الْحِكْمَةُ فِي جعل السجود جابر لِلْمَشْكُوكِ فِيهِ دُونَ الِالْتِفَاتِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يُنْقِصُ الْخُشُوعَ لِأَنَّ السَّهْوَ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ الْمُكَلَّفُ فَشُرِعَ لَهُ الْجَبْرُ دُونَ الْعَمْدِ لِيَتَيَقَّظَ الْعَبْدُ لَهُ فَيَجْتَنِبَهُ
كَذَا فِي الْفَتْحِ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ
٧ - (بَابُ السُّجُودِ عَلَى الْأَنْفِ)
[٩١١] أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِمَنِ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِالْأَنْفِ لِأَنَّ فِي سِيَاقِهِ أَنَّهُ سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَرْنَبَتِهِ
(أَبُو عَلِيٍّ) هُوَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ اللُّؤْلُؤِيُّ الْبَصْرِيُّ رَاوِي هَذِهِ النسخة عن المؤلف أبي داود (لم يقرأه أَبُو دَاوُدَ فِي الْعَرْضَةِ الرَّابِعَةِ) أَيْ لَمَّا حَدَّثَ وَقَرَأَ أَبُو دَاوُدَ هَذَا الْكِتَابَ فِي الْمَرَّةِ الرَّابِعَةِ لَمْ يَقْرَأْ هَذَا الْحَدِيثَ
٨ - (بَاب النَّظَرِ فِي الصَّلَاةِ)
[٩١٢] (وَهَذَا حَدِيثُهُ) أَيْ حَدِيثُ عُثْمَانَ (وَهُوَ أَتَمُّ) أَيْ مِنْ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ (قَالَ عُثْمَانُ) أَيْ زَادَ
стр. 841
عُثْمَانُ فِي رِوَايَتِهِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ إِلَى قَوْلِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَلَمْ يَزِدْ هَذَا الْكَلَامَ مُسَدَّدٌ فِي رِوَايَتِهِ فَلِذَلِكَ صَارَ حَدِيثُ عُثْمَانَ أَتَمَّ مِنْ حَدِيثِ مُسَدَّدٍ ثُمَّ اتَّفَقَ أَيْ مُسَدَّدٌ وَعُثْمَانُ (فَقَالَ لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ) اللَّامُ جَوَابُ الْقَسَمِ وَفِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ لَا يُوَاجِهُ أَحَدًا بِمَكْرُوهٍ بَلْ إِنْ رَأَى أَوْ سَمِعَ مَا يَكْرَهُ عَمَّمَ كَمَا قَالَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيَنْتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ كَذَا (يُشْخِصُونَ) أَيْ يَرْفَعُونَ وَالْجُمْلَةُ صِفَةٌ لِرِجَالٍ (قَالَ مُسَدَّدٌ فِي الصَّلَاةِ) أَيْ زَادَ مُسَدَّدٌ فِي رِوَايَتِهِ لَفْظَةَ فِي الصَّلَاةِ (أَوْ لَا تَرْجِعُ إِلَيْهِمْ أَبْصَارُهُمْ) قَالَ الطِّيبِيُّ أَوْ ها هنا لِلتَّخْيِيرِ تَهْدِيدًا أَيْ لَيَكُونَنَّ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ كَقَوْلِهِ تعالى لنخرجك يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أو لتعودن في ملتنا انْتَهَى
وَفِيهِ النَّهْيُ الْأَكِيدُ وَالْوَعِيدُ الشَّدِيدُ فِي رَفْعِ الْأَبْصَارِ فِي الصَّلَاةِ
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَاخْتَلَفُوا فِي كَرَاهَةِ رَفْعِ الْبَصَرِ إِلَى السَّمَاءِ فِي الدُّعَاءِ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ فَكَرِهَهُ شُرَيْحٌ وَآخَرُونَ وَجَوَّزَهُ الْأَكْثَرُونَ وَقَالُوا لِأَنَّ السَّمَاءَ قِبْلَةُ الدُّعَاءِ كَمَا أَنَّ الْكَعْبَةَ قِبْلَةُ الصَّلَاةِ وَلَا يُنْكَرُ رَفْعُ الْأَبْصَارِ إِلَيْهَا كَمَا لَا يُكْرَهُ رَفْعُ الْيَدِ
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي السَّمَاءِ رزقكم وما توعدون انتهى
قال علي القارىء نَاظِرًا فِي كَلَامِ الْقَاضِي هَذَا مَا نَصُّهُ قُلْتُ فِيهِ إِنَّ رَفْعَ الْيَدِ فِي الدُّعَاءِ مَأْثُورٌ وَمَأْمُورٌ وَرَفْعُ الْبَصَرِ فِيهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ الْجَزَرِيُّ فِي آدَابِ الدُّعَاءِ فِي الْحُسْنِ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وأخرج بن مَاجَهْ طَرَفًا مِنْهُ
[٩١٣] (مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ فِي صَلَاتِهِمْ) زَادَ الْبُخَارِيُّ إِلَى السَّمَاءِ وَزَادَ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الدُّعَاءِ قَالَ الْحَافِظُ فَإِنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى هَذَا الْمُقَيَّدِ اقْتَضَى اخْتِصَاصَ الْكَرَاهَةِ بِالدُّعَاءِ الْوَاقِعِ في الصلاة
وقد أخرجه بن ماجه وبن حبان من حديث بن عُمَرَ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ وَلَفْظُهُ لَا تَرْفَعُوا أَبْصَارَكُمْ إِلَى السَّمَاءِ يَعْنِي فِي الصَّلَاةِ وَأَخْرَجَهُ بِغَيْرِ تَقْيِيدٍ أَيْضًا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ وَالطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وكعب بن مالك
وأخرج بن أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ كَانُوا يَلْتَفِتُونَ فِي
стр. 842
صَلَاتِهِمْ حَتَّى نَزَلَتْ (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هم في صلاتهم خاشعون) فَأَقْبَلُوا عَلَى صَلَاتِهِمْ وَنَظَرُوا أَمَامِهُمْ وَكَانُوا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بَصَرُ أَحَدِهِمْ مَوْضِعَ سُجُودِهِ وَصَلَهُ الْحَاكِمُ بِذِكْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ وَرَفَعَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَقَالَ فِي آخِرِهِ فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ انْتَهَى (فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ) إِمَّا بِتَكْرِيرِ هَذَا الْقَوْلِ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُفِيدُ الْمُبَالَغَةَ فِي الزَّجْرِ (لَيَنْتَهِيَنَّ) وَهُوَ جَوَابُ قَسَمٍ مَحْذُوفٍ وَفِيهِ رِوَايَتَانِ لِلْبُخَارِيِّ فَالْأَكْثَرُونَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّ الْهَاءِ وَحَذْفِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَالثَّانِيَةُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْفَوْقِيَّةِ وَالْهَاءِ وَالْيَاءِ التَّحْتِيَّةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ لِلتَّأْكِيدِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (أَوْ لَتُحْفَظُنَّ) بِضَمِّ الْفَوْقِيَّةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ أَيْ لَتُسْلَبُنَّ
قَالَ فِي النَّيْلِ لَا يَخْلُو الْحَالُ مِنْ أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ إِمَّا الِانْتِهَاءُ عَنْهُ وَإِمَّا الْعَمَى وَهُوَ وَعِيدٌ عَظِيمٌ وَتَهْدِيدٌ شَدِيدٌ وَإِطْلَاقُهُ يَقْتَضِي بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ الدُّعَاءِ أَوْ عِنْدَ غَيْرِهِ إِذَا كَانَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ كَمَا وَقَعَ بِهِ التَّقْيِيدُ
وَالْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ إِذَا رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ خَرَجَ عَنْ سَمْتِ الْقِبْلَةِ أَعْرَضَ عَنْهَا وَعَنْ هَيْئَةِ الصَّلَاةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ رَفْعَ الْبَصَرِ حَالَ الصَّلَاةِ حَرَامٌ لِأَنَّ الْعُقُوبَةَ بِالْعَمَى لَا تَكُونُ إِلَّا عَنْ مُحَرَّمٍ
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وبالغ بن حَزْمٍ فَقَالَ تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِهِ انْتَهَى
قَالَ المنذري وأخرجه البخاري والنسائي وبن مَاجَهْ
[٩١٤] (فِي خَمِيصَةٍ) بِفَتْحِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ لَهُ عَلَمَانِ قَالَهُ الْحَافِظُ
وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ خَمِيصَةٌ هِيَ ثَوْبُ خَزٍّ أَوْ صُوفٍ مُعَلَّمٍ وَقِيلَ لَا تُسَمَّى خَمِيصَةً إِلَّا أَنْ تَكُونَ سَوْدَاءَ مُعَلَّمَةً وَكَانَتْ مِنْ لِبَاسِ النَّاسِ قَدِيمًا وَجَمْعُهَا الْخَمَائِصُ (شَغَلَتْنِي) وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَلْهَتْنِي وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ (أَعْلَامُ هَذِهِ) يَعْنِي الْخَمِيصَةَ
وَقَالَ فِي اللِّسَانِ عَلَمُ الثَّوْبِ رَقْمَةٌ فِي أَطْرَافِهِ (إِلَى أَبِي جَهْمٍ) هُوَ عُبَيْدٌ وَيُقَالُ عَامِرُ بْنُ حُذَيْفَةَ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيُّ صَحَابِيٌّ مَشْهُورٌ وَإِنَّمَا خَصَّهُ ﷺ بِإِرْسَالِ الْخَمِيصَةِ لِأَنَّهُ كَانَ أَهْدَاهَا لِلنَّبِيِّ ﷺ كَمَا رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّأِ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَهْدَى أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ خَمِيصَةً لَهَا عَلَمٌ فَشَهِدَ فِيهَا الصَّلَاةَ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ رُدِّي هَذِهِ الْخَمِيصَةَ إِلَى أَبِي جَهْمٍ وَوَقَعَ عِنْدَ الزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارٍ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ فَأَخْرَجَ مِنْ وَجْهٍ مُرْسَلٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِخَمِيصَتَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ فَلَبِسَ إِحْدَاهُمَا وَبَعَثَ الْأُخْرَى إِلَى أَبِي جَهْمٍ
وَلِأَبِّي دَاوُدَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى وَأَخَذَ كرديا لأبي جهم
стр. 843
فقيل يا رسول الْخَمِيصَةُ كَانَتْ خَيْرًا مِنَ الْكُرْدِيِّ قَالَهُ الْحَافِظُ (وَأَتَوْنِي بِأَنْبِجَانِيتِهِ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ وَبَعْدَ النُّونِ يَاءُ النِّسْبَةِ كِسَاءٌ غَلِيظٌ لَا عَلَمَ لَهُ وَقَالَ ثَعْلَبٌ يَجُوزُ فَتْحُ هَمْزَتِهِ وَكَسْرُهَا وَكَذَا الْمُوَحَّدَةُ يُقَالُ كَبْشٌ أَنْبِجَانِيٌّ إِذَا كَانَ مُلْتَفًّا كَثِيرَ الصُّوفِ وَكِسَاءٌ أَنْبِجَانِيٌّ كَذَلِكَ
وَأَنْكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ على من زعم أنه منسوب إلى من مَنْبَجَ الْبَلَدِ الْمَعْرُوفِ بِالشَّامِ
قَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ إِذَا نَسَبْتَ إِلَى مَنْبِجَ فَتَحْتَ الْبَاءِ فَقُلْتَ كِسَاءٌ مَنْبَجَانِيٌّ أَخْرَجُوهُ مَخْرَجَ مَنْظَرَانِيٍّ
وَفِي الْجَمْهَرَةِ مَنْبِجُ مَوْضِعٌ أَعْجَمِيٌّ تَكَلَّمَتْ بِهِ الْعَرَبُ وَنَسَبُوا إِلَيْهِ الثِّيَابَ الْمَنْبَجَانِيَّةَ
وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ السِّجِسْتَانِيُّ لَا يُقَالُ كِسَاءٌ أَنْبِجَانِيُّ وَإِنَّمَا يُقَالُ مَنْبَجَانِيٌّ قال وهذا مما تخطىء فِيهِ الْعَامَّةُ وَتَعَقَّبَهُ أَبُو مُوسَى كَمَا تَقَدَّمَ فَقَالَ الصَّوَابُ أَنَّ هَذِهِ النِّسْبَةَ إِلَى مَوْضِعٍ يُقَالُ لَهُ أَنْبِجَانُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
قَالَهُ الْحَافِظُ
قال بن بَطَّالٍ إِنَّمَا طَلَبَ مِنْهُ ثَوْبًا غَيْرَهَا لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهُ اسْتِخْفَافًا بِهِ قَالَ وَفِيهِ أَنَّ الْوَاهِبَ إِذَا رُدَّتْ عَلَيْهِ عَطِيَّتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الرَّاجِعُ فيها فله أن يقبلها مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ
قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ومسلم والنسائي وبن مَاجَهْ
[٩١٥] (وَأَخَذَ كُرْدِيًّا) أَيْ رِدَاءً كُرْدِيًّا الْكُرْدُ بِالضَّمِّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الرِّدَاءُ مَنْسُوبًا إِلَى كُرْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ صَعْصَعَةَ وَكَانَ عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ يَلْبَسُ كُلَّ يَوْمٍ حُلَّةً فَإِذَا كَانَ آخِرُ النَّهَارِ مَزَّقَهَا لِئَلَّا تُلْبَسَ بَعْدَهُ هَكَذَا ضَبَطَ نَسَبَهُ أَبُو الْيَقْظَانِ أَحَدُ أَئِمَّةِ النُّسَابِ
وَقِيلَ الْفَاضِلُ مُحَمَّدٌ أَفَنْدِي الْكُرْدِيُّ أَنَّهُ كُرْدُ بْنُ كَنْعَانَ بْنِ كُوشِ بْنِ حَامِ بْنِ نُوحٍ وَهُمْ قَبَائِلُ كَثِيرَةٌ يَرْجِعُونَ إِلَى أَرْبَعَةِ قَبَائِلَ السُّورَانِ وَالْكُورَانِ والكلهرِ واللرِ
كَذَا فِي شَرْحِ الْقَامُوسِ
(بَاب الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ [٩١٦] يَعْنِي الِالْتِفَاتَ فِي الصَّلَاةِ أَوِ النَّظَرَ فِي الصَّلَاةِ)
وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ مَعْنًى وَإِنْ كَانَ بَعِيدًا لَفْظًا لِأَنَّ الْحَدِيثَ المذكور في الباب يوافقه صراحة
стр. 844
(عَنْ سَهْلِ بْنِ الْحَنْظَلِيَّةِ) وَهُوَ سَهْلُ بْنُ الرَّبِيعِ وَقِيلَ سَهْلُ بْنُ عَمْرٍو وَالْحَنْظَلِيَّةُ أُمُّهُ وَقِيلَ أُمُّ جَدِّهِ وَقِيلَ عُرِفَ بِذَلِكَ لِأَنَّ أُمَّ أَبِيهِ عَمْرٍو مِنْ بَنِي حَنْظَلَةَ بْنِ تَمِيمٍ قَالَهُ الْمُنْذِرِيُّ (ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ) أَيْ أُقِيمَتْ (وَهُوَ يَلْتَفِتُ إِلَى الشِّعْبِ) بِكَسْرِ الشِّينِ الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ
وَالْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَقَالَ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَحَسَّنَهُ الْحَازِمِيُّ
وَأَخْرَجَ الْحَازِمِيُّ فِي الاعتبار عن بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَلْتَفِتُ فِي صَلَاتِهِ يَمِينًا وَشِمَالًا وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ خَلْفَ ظَهْرِهِ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ تَفَرَّدَ بِهِ الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِنْدٍ مُتَّصِلًا وَأَرْسَلَهُ غَيْرُهُ عَنْ عِكْرِمَةَ
قَالَ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى هَذَا وَقَالَ لَا بَأْسَ بِالِالْتِفَاتِ فِي الصَّلَاةِ مَا لَمْ يلو عنه وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَطَاءٌ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ ثُمَّ سَاقَ الْحَازِمِيُّ حَدِيثَ الْبَابِ بِإِسْنَادِهِ وَجَزَمَ بِعَدَمِ الْمُنَاقَضَةِ بَيْنَ حَدِيثِ الباب وحديث بن عَبَّاسٍ قَالَ لِاحْتِمَالِ أَنَّ الشِّعْبَ كَانَ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ فَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَلْتَفِتُ إِلَيْهِ وَلَا يَلْوِي عُنُقَهُ وَاسْتُدِلَّ عَلَى نَسْخِ الِالْتِفَاتِ بِحَدِيثٍ رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ إِلَى سِيرِينَ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ نَظَرَ هَكَذَا وَهَكَذَا فَلَمَّا نَزَلَ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الذين هم في صلاتهم خاشعون نظر هكذا قال بن شِهَابٍ بِبَصَرِهِ نَحْوَ الْأَرْضِ
قَالَ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَلَهُ شَوَاهِدُ وَاسْتُدِلَّ أَيْضًا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَانَ إِذَا صَلَّى رَفَعَ بَصَرَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَنَزَلَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خاشعون ذَكَرَهُ فِي النَّيْلِ
٩ - (بَاب الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ)
[٩١٧] (وَهُوَ حَامِلٌ أُمَامَةَ) قَالَ الْحَافِظُ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ بِالتَّنْوِينِ وَنَصْبِ أُمَامَةَ وَرُوِيَ بِالْإِضَافَةِ كَمَا قُرِئَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أمره بِالْوَجْهَيْنِ وَأُمَامَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ
стр. 845
وَتَخْفِيفِ الْمِيمَيْنِ كَانَتْ صَغِيرَةً عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَتَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ بَعْدَ وَفَاةِ فَاطِمَةَ بِوَصِيَّةٍ مِنْهَا وَلَمْ تُعْقِبْ (فَإِذَا سَجَدَ وَضَعَهَا) قَالَ الْحَافِظُ كَذَا لِمَالِكٍ أَيْضًا وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طريق الزبيدي وأحمد من طريق بن جريج وبن حِبَّانَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعُمَيْسِ كُلُّهُمْ عَنْ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ شَيْخِ مَالِكٍ فَقَالُوا إِذَا رَكَعَ وَضَعَهَا وَلِأَبِي دَاوُدَ يَعْنِي الْمُؤَلِّفَ مِنْ طَرِيقِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ سُلَيْمٍ حَتَّى إِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ أَخَذَهَا فَوَضَعَهَا ثُمَّ رَكَعَ (وَإِذَا قَامَ حَمَلَهَا) أَيْ أُمَامَةَ وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِثْلَ هَذَا الْفِعْلِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ وَالْمُنْفَرِدِ وَالْمُؤْتَمِّ وَالْإِمَامِ لِمَا فِي الرِّوَايَةِ الْآتِيَةِ بِلَفْظِ بَيْنَمَا نَحْنُ نَنْتَظِرُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لِلصَّلَاةِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ الْحَدِيثَ وَلِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ وَهُوَ يَؤُمُّ النَّاسَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِذَا جَازَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْإِمَامَةِ فِي صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ جار فِي غَيْرِهَا بِالْأَوْلَى
قَالَ النَّوَوِيُّ الْحَدِيثُ حَمَلَهُ أَصْحَابُ مَالِكٍ ﵀ عَلَى النَّافِلَةِ وَمَنَعُوا جَوَازَ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ فَاسِدٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ يَؤُمُّ النَّاسَ صَرِيحٌ أَوْ كَالصَّرِيحِ فِي أَنَّهُ كَانَ فِي الْفَرِيضَةِ
وَادَّعَى بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَبَعْضُهُمْ أَنَّهُ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَبَعْضُهُمْ أَنَّهُ كَانَ لِضَرُورَةٍ
وَكُلُّ هَذِهِ الدَّعَاوَى بَاطِلَةٌ وَمَرْدُودَةٌ فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا وَلَا ضَرُورَةَ إِلَيْهَا بَلِ الْحَدِيثُ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي جَوَازِ ذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهِ مَا يُخَالِفُ قَوَاعِدَ الشَّرْعِ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ طَاهِرٌ وَمَا فِي جَوْفِهِ مِنَ النَّجَاسَةِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ لِكَوْنِهِ فِي مَعِدَتِهِ وَثِيَابُ الْأَطْفَالِ وَأَجْسَادُهُمْ عَلَى الطَّهَارَةِ وَدَلَائِلُ الشَّرْعِ مُتَظَاهِرَةٌ عَلَى هَذَا وَالْأَفْعَالُ فِي الصَّلَاةِ لَا تُبْطِلُهَا إِذَا قَلَّتْ أَوْ تَفَرَّقَتْ وَفَعَلَ النَّبِيُّ ﷺ هَذَا بَيَانًا لِلْجَوَازِ وَتَنْبِيهًا بِهِ عَلَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ الَّتِي ذَكَرْتُهَا
انْتَهَى قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ
[٩١٨] (بَيْنَا نَحْنُ فِي الْمَسْجِدِ جُلُوسًا) جَمْعُ جَالِسٍ وَهُوَ بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِيَّةِ (بِنْتُ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرَّبِيعِ) اسْمُ أَبِي الْعَاصِ لَقِيطٌ وَقِيلَ مِقْسَمٌ وَقِيلَ الْقَاسِمُ وَقِيلَ مُهَشِّمٌ وَقِيلَ هُشَيْمٌ وَقِيلَ يَاسِرٌ وَهُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَهَاجَرَ وَرَدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ وَمَاتَتْ مَعَهُ وَأَثْنَى عَلَيْهِ فِي مُصَاهَرَتِهِ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ (وهي صبية
следующие страницы →