← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 578

المقدمة في الأصول - ابن القصار - ط العلمية

ابن القصار

Полный текст (42 стр.). Показаны 36–42 · переход к 41.

стр. 36

متعدية، وأيضًا فإنها تفيد أن الأصل الذي اقْتُضِيَتِ العلة منه أصل لا يجوز القياس عليه، فقد حصلت الفائدة فيها من هذا الوجه. بَابٌ فِي تَخْصِيصِ العِلَّةِ عند مالك وغيره من أهل العلم لا يجوز تخصيص العلة إلا العقلية، ولا خلاف في ذلك، واختلف الناس في تخصيص العلة الشرعية المنصوص عليها، والمستدل عليها إذا كانتا شرعيتين، فعندنا وعند غيرنا من الفقهاء، لا يجوز تخصيصها. وقال أهل العراق: يجوز تخصيصها، ويجوز كونها كالعموم المشتمل على المُسَمَّيَّات يصح أن يختص ببعض المسميات، فكذلك هي؛ لأنها علامة وأمارة، وذهب غيرهم إلى جواز تخصيص العلة المنصوص عليها، مثل قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [المائدة: الآية ٣٢] وكقوله تعالى: ﴿كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ﴾ [الحشر: الآية ٧] وكقوله ﷺ في الهِرَّةِ: "إِنَّهَا مِنَ الطَّوْافِينَ عَلَيْكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ" (١). وامتنع من تخصيص العلة المستنبطة كعلة الرِّبا في الْبُرِّ، وعندنا أنه لا يجوز تخصيصهما جميعًا، والأصل في ذلك هو أن العلة أمارة وصحتها الجريان بما قد بيناه من الدلائل، والتخصيص يمنع جريانها، ويبطل أن يكون الجريان دليلًا على صحتها، فإذا كان الجريان دليلًا على صحتها وتخصيصها إِذًا باطل؛ لأنه يرفع أصلًا ثابتًا، وما أدّى إلى رفع الأصل الثابت المستقر، فهو مَدْفوع. وأيضًا فإن اللَّه -تعالى- آخذ المشركين بالنُّفور عليهم فقال سبحانه: ﴿وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ [التوبة: الآية ٨١]. فلولا أن المساواة في المعنى توجب المساواة في الحكم لم يلزمهم هنا بل كانوا يتخلصون منه بأن يقولوا: قام دليله فخصصناه وأيضًا فإنه لو لم يؤثر التخصيص في صحّتها لم تؤثر المعارضة؛ لأن التخصيص هو غاية المناقضة التي لا تَرْتَضِيها العَامَّة في اختلافها، فلا خلاف عن أن يكون من أفعال الحكماء، ألا ترى أن تاجرًا صوفيًّا لو قيل له: سامح في هذا الثوب، فقال: لا أسامح فيه. لأنه كِتَّان ثم سامح في ثوب كتان مثله، لقيل له: قد ناقضت، ولو كان هذا مما لا يخفى عن العوام ردَّه على

стр. 37

قائله، وأنه مناقض بذلك. فبطل جواز التخصيص في العلّة، وأيضًا فإن العلّة لو جاز وجودها مع ارتفاع الحكم، ولا يمنع ذلك من صحتها لاحتيج في تعليق الحكم بها في كل فرع إلى استئناف دلالة. لأن ما دل على أنها علة في الأصل لم يوجب تعليق الحكم بها أينما وجدت على هذا القول، وإذا لم يوجب ذلك قبح الرجوع في تعليق الحكم بها في كل فرع بعينه إلى دليل مستأنف، وفي ذلك إخراج لها عن أن تكون علة، ويبين ذلك أن العلم المعجز الدال على صِدْق النبي ﷺ لو لم يقتض صدق النبي ﷺ في كل ما يقوله ويؤديه، لاحتاج في كل ما أخبر به إلى معجز، فكذلك القول في العِلَلِ. فإن قيل: فإِن العلة في تعليق الحكم بها كالاسم العامِّ في ذلك، وكما أن وجود الاسم مع ارتفاع الحكم مما لا يبطل كون العموم دلالة لا توجب الحاجة في تعليق الحكم بكل اسم إلى دليل المستأنف، فكذلك العلة. قيل: إِن العموم إِنما يدل على إرادة المخاطب، وإرادته تدل على الحكم لا نَفْس العموم، فإِنَّ قول العموم إِنما يدل على أنه لم يرد جميعه. قلنا: إن ما عداه مراد، ولم تحصل الدلالة مخصوصة، إذ الدلالة هي الإرادة والدلالة على الإرادة هي مفهوم العموم مع القرينة. لأن البيان لا يتأخَّر، وليس كذلك العلّة، لأنها إن كانت هي في نفسها علة فيجب ألا يسوغ تخصيصًا لا يختص في الوجود بعين دون عين، وإن كانت تدلّ على الإرادة للجاعل لها علة فيجب أن تُقَدَّر بها ما يخرجها عن أن تكون لإطلاقها علة، وعلى أن العلة التي توجد في كل فرع في حكم النص على كل فرع، فكما أن التخصيص في ذلك لا يسوغ، فكذلك القول في العلة. لأنها ليست بمنزلة العموم الذي يدخله المجاز؛ لأن التعليل لا يدخله المجاز، وهو كالنص فيما ذكرناه، واللَّه أعلم. بَابُ الكَلامِ فِي القَوْلِ بِالعِلَّتَيْنِ (١) اختلف الناس في القول بالعلَّتَيْن في أصل واحد. أحدهما: يقتضي حمل الفرع عليه. والآخر: يمنع من حمل الفرع عليه.

стр. 38

فمنهم مَن قال: لا ينتفيان؛ لأن العلّة المقصورة على الأصل لا تمنع رد الفرع إِذا كانت هناك علّة أخرى تقتضي الرد، كما أن العموم الشامل لما به شيء لا يمنع من شمول غير ذلك لألف شيء، ولا ينافيه. ومنهم مَن قال: إنهما يتنافيان، قاله القاضي الجليل، وإلى هذا ذهب في المعنى. لأن ما تبينّا فله الحكم في الأصل. إما أن تكون العلة المقصورة عليه أو المتعدية، فإن كانت المتعدية هي الصحيحة صحّ القياس على الأصل، وإن تكن المقصورة هي الصحيحة امتنع القياس عليه؛ لأنها مقيدة نحو تعليل الذَّهب بالورق الذي لا يتعدى، ويكون ثمنًا لا يتعدى، وما شبه ذلك، وهذه المسألة من فروع ما تقدم من أن العلة إذا لم تتعدَّ هل تصح أم لا تَصحُّ؟ فيجب بناؤها، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ في الْعِلَّتَيْنِ أَحَدُهُمَا أَكْثَرُ فُرُوعًا مِنَ الأُخْرَى قال القاضي الجليل: وأما تعليل الأصل بعلَّة توجد في عشرة فروع، وتعليله بعلة توجد فيه، وفي واحد من تلك الفروع، فأنا أقول فيه أيضًا: إنهما يتنافيان في المعنى، وإن كان بعض من يمتنع من القول بالقياس لا يمتنع ها هنا ويقول: إنهما لا يتنافيان، ووجه التنافي فيهما هو أن الأصْلِ إِذا عُلّل بعلّة تتعدَّى إِلى عشرة فروع، فليس يُعْلَم أن هذه هي العلة إِلا بعد أن يُسْتَبْرَأ الأصل، وَيُسْتَبْرَأ جميع ما يصلح أن يكون علة له، فإن قَصَدَ جميعها، وصحت هي، وسلمت، فسارت في التقدير علة. وكأن اللَّه قال: حرمت ذلك لهذه العلة دون ما سواها، فتبطل كل علة سوى العلة التي يثبت أن الحكم لأجلها وجب. فإن قيل: يجوز أن يُسْتَبْرَأ الأصل، فيعلم أنه معلوم لعلتين: إحداهما: تتعدى إِلى شيء، والأخرى: تتعدى إلى غير ذلك الشيء، وإلى ما زاد عليه. قيل: هما كالعلة التي لا تتعدى مع المتعدية؛ لأن العلة التي لا تتعدى إلى عشرة فروع يتبين بها أن الأصل يقاس عليه عشرة فروع، والعلة الأخرى كشفت لنا أنَّ هذا الأصل يقاس عليه ثمانية فروع لا تتعدى؛ لأن الأصل مما لا يجوز عليه القياس، وليس المنافي أكثر من العلتين يَصْطحِبان إِلى فروع، ثم تقف إحداهما عن تجاوزه

стр. 39

إلى غيره، والأخرى تتجاوزه كالتي لا تتعدى مع المتعدية، وتسهيل العلة المتعدية إِلى فروع كثيرة وأكثر مما تعدت إِليه الأخرى، بمنزلة الآيتين والخبرين. وإن قلنا بالواحد منهما سقط حكم الآخر، وإن كانت إحدى العلتين تتعدى إلى فرع آخر غير الفروع التي تَعَدَّت إليها العلة الأخرى، فهذان لم يتنافيا، وفيه نظر، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِي جَوَازِ كَوْنِ الاسْمِ عِلَّةً واختلف الناس في كون الاسم عِلة: فذهبت طائفة إِلى جوازه، ومنعت منه طائفة. قال القاضي: وعندي أنَّه يجوز وعليه يدل مذهب مَالِكٍ، والأصل: فيه أن اللَّه أمر بالاعتبار، وهو رد الشيء إِلى نظيره، ولم يفرق بين أن يرد باسم أو وصف، وأيضًا فإن الاسم سِمَة للمسمى يتميز بينه وبين غيره، وكذلك الصفة يتميز بها بينه وبين غيره، فإِذا أجاز أن تكون الصفة علة جاز في الاسم أن يكون علة، وأيضًا فإن الاسم يتوصل به إلى الحكم والصفة، فيجب أن يجوز كونه علّة كالصفة، وأيضًا فإِذا كان النص يوجب الأحكام تارة بالاسم، وتارة بالصفة، فكل واحد كصاحبه في جواز جعله عِلّة، وبمثل هذه العلل يعتل في جواز جعل الحكم علة لحكم آخر. وإن شئت قلت: إِن الأحكام تُتْرَكُ بالشرع كالمعاني، فهذا جعل المعنى علّة، فكذلك الحكم، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِي أَخْذِ الأَسْمَاءِ قِيَاسًا عند مالك ﵀ يجوز أن تؤخذ الأسماء من جهة القياس. وَأَبَى ذلك قوم أن تُؤخَذَ الأسماءِ قيَاسًا، والأصل فيه أن اللَّه قال: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: الآية ٢]. وهو على العموم في الأسامي والأحكام، وأيضًا فإنَّه يجوز أخذ الأحكام قياسًا، فكذلك الأسماء كأنها في الحالين سواء. لأنه أتى بالجائز في العقول الشائع، وأيضًا فإن المعاني أعْلامٌ للأحكام وأدلة عليها، والأسماء كذلك، ثم من الجائز التنبيه على المعنى تارة بالشرع، وتارة بلا شرع، فكذلك الأسماء. لأن الجميع من الحجج والأعلام التي يجوز بها الهجوم على الحلال، وأيضًا فإن القول على الشيء بأن كذا

стр. 40

اسم له على ما شاكله القول عليه، بأن كذا حكم له، فلما جاز أن تصور إحداهما من جهة على الشرع كسبت أشياء اسمًا لم تُعْرف بها قبل الشرع مثل الإيمان والإِسلام والمِلَّة والحجَّ والصَّوْم والصَّلاة والزكاة والسُّنَّة والتطوع، فوجودها يعني الدلالة. وأيضًا فإِن من فضائل العقول أن كل متماثلين، فَحُكْمُهُمَا واحد من حيث التماثل، فهذا وجدنا الخَمْرَ كسبت هذا الاسم لحدوث الشدة المخصوصة، ويرتفع بارتفاع الشدة المضربة، وسلم ذلك على كل التفسير، وبالامتحان رأيناها في النَّبِيذ موجودة وجب أن نعطيه اسم الخمر فإِن قيل: فقد قال اللَّه : ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا﴾ [البَقَرَة: الآية ٣١]، فأخبره بأنه علمه الكل والقياس ممتنع، قيل له بذلك: نقول: إن اللَّه عَلَّمَ آدم الأسماء كلها إلَّا أنَّه نص على بعضها، ونبَّه على بعض، وسبيل ذلك سبيل قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: الآية ٣٨]. وقال تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: الآية ٨٩]. ثم قال: وجه التبيان منها على ضروب، منها نص، ومنها تنبيه، كذلك هذا على أنَّه دليل لنا، وذلك أنَّه لما ثبت أن اللَّه تعالى علم آدم الأسماء كلها ثبت أن مأخذ الأسماء من جهة الشرع، وقد قيل: إنه عاهد اسم الأجناس دون التفصيل، واللَّه أعلم. بَابُ الْقَوْلِ فِي الحُدُودِ هَلْ تُؤخَذُ من جِهَةِ الْقِيَاس (١) الذي يدل عليه مذهب مالك ﵀ يجوز أن تُؤْخَذ الحُدُود والكَفَّارات والمقدَّرات من جهة القياس، واختلف القائلون بالقياس، هل يجوز أن تؤخذ الحدود والكَفَّارات والمقدَّرات من طريق القياس. فعندنا أنَّه جائز ومنع منه بعض أصحاب أَبِي حَنِيفَة، وبعض أصحاب الشَّافِعيّ، وجوَّزه بعضهم، وقال القاضي: هو عندي جائز، والأصل فيه قوله : ﴿فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [الحشر: الآية ٢]. فأمر بالاعتبار عمومًا، ولم يفرق بين الأحكام في المقَّدرات والحدود والكفارات وغيرها، فهو على عمومه في جميعها، حتى يقوم دليل يمنع منه، ولم يقم دليل يمنع منه فهو جائز.

стр. 41

وقال أَيضًا: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: الآية ٣٨]. وقال: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ [النحل: الآية ٨٩]. فخرج النص المستغنى عن البيان، وبقي الباقي، وعدمنا كونه تِبْيَانًا لجميع الأشياء كلها لفظًا ونصًّا على كل شيء منها، فثبت أنه تبيان لها بالنص والتنبيه، والقياس على المعنى من جملة التنبيه. وأيضًا فإِنَّه لَمَّا جاز إثباته بالخبر الذي يصدر عن الرسول ﷺ من جهة الأحاد من أحكام الشريعة، جاز إثباته بالقياس، ودليل ذلك غير الحدود والمقدَّرات، وكذلك الحدود والمقدَّرات. وأيضًا فإِن الحوادث على ضربين مقدّر وغير مقدّر، ثم جاز أخذ ما ليس بِمُقَدَّر قياسًا، وكذلك المقدر؛ لأنه أخذ ركني الحوادث، ولأن في استعماله من طريق اللفظ والمعنى تكثر الفوائد، وهو أولى، وأيضًا فإن الصحابة ﵃ اختلفوا في جَلْدِ شارب الخمر في أيام عمر ﵁ حين استشارهم حتى قال عَليٌّ ﵁ وغيره من الصحابة: إِذا سَكِرَ هَذِيَ وإذا هذِيَ افتَرَى، فَنَرَى أن تَحِدّه حدَّ المفتري لما بيَّن. فَقَبِلَ عُمَرُ ﵁ ذلك منه، واتفقوا عليه فلمَّا أخذوا ذلك من جِهَة القياس والاسْتِنْبَاطِ دَلّ على أن القياس مدخلًا في ذلك بإجماع الصحابة. فثبت ذلك، وصح إجماع الصحابة على ترك النكير على عُمَرَ وَعَلِيّ ﵄ ولأنهم سوّغوا ما قالا وعملوا به جميعًا. فإن قيل: فقد قال النبي ﷺ : "ادْرَؤُوا الحُدُودَ بِالشُّبُهَات" (١). والقياس محتمل، فهو شبهة. قيل له: ليس يعتبر فيه الاحتمال، ألا ترى أنه يجوز من جهة العموم خبر الواحد، وشهادة الشهود، وفي جميع ذلك من الاحتمال ما في القياس، فلم يكن شبهة، فسقط ما ذكروا. فإن قيل: العقوبات مختلفة متفاوتة مع استوائها في المعنى، وأخذ ذلك قياسًا لا يجوز.

стр. 42

قيل: لو وجب ذلك فيها لوجب في الخارجات من الإنسان لاشتراك جميعها في الخروج من البدن، واختلافها في الأحكام على أن أصحاب أبي حَنِيفَة قد ناقضوا في هذا الأصل، وعملوا في إيجاب الحدود بالمحتمل، فقالوا فيمن شهد عليه أربعة بالزنا في أربع زوايا: إنه يجب الحد، وأقاموا الدلالة في الصيد مقام القتل في إِيجاب الجَزَاء الذي هو مقدر، ووافقونا على قياس قتل المرأة على الرجل، في إيجاب الكفارة عليها إِذا جُومعت في شهر رَمَضَانَ طائعة، وقاسوا الأكل في شهر رَمَضَانَ بغير عذر على المُجامع، وهذا كله نقض لأصلهم، وباللَّه التوفيق.