Полный текст (737 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
وكنت أبكي على حظِّي بكم زمناً ... فصرت أعجب من حظِّي وأبتسمُ
وصرت أندبكم لا أنَّني أسِفٌ ... لكن لأعلم قومي أنَّكم رِممُ
طلبتُ صحبتكم حتى وجدتكم ... إذا احتفلْت بكم سيَّان والعدمُ
ورحت والصَّبر لم تثلم جوانبه ... وعدت والقلب مني باردٌ شَبِمُ
إني وما ضمَّ قلبي من سلوِّكمُ ... أليةً ليس عندي غيرها قسمُ
قد اغتنمتم بعادي عن مجالسكم ... وليس قربكم في النَّاس يغتنمُ
وكنت أزعم أن البيت بيتكم ... وأنَّ عرضكم دون الورى حرمُ
وأنَّني عبدكم حتى رأيت لكم ... عبداً يسيء بمولاه وينهزمُ
ما كان لي أن أُرى في الرِّق مشتركا ... مع عبد سوءٍ به الأحرار تُهتَضَمُ
عميتم عن محبيكم فسيء بكم ... وتلك عاقبة القوم الذي عموا
سحرت ذا الدُّرَّ حتى صغته كلماً ... لا تحسبوا أنه ما بينكم كلِمُ
لو لم تكن رقَّة الألفاظ تخدعكم ... لقلتم إنها المصقولة الخذِمُ
فلا رعى الله من لم يرع صحبتنا ... ولا رعى مرتعاً سامت به النَّعمُ
وله:
ربَّ يومٍ جاء يوحي بأمرٍ ... فيه شيطانه إلى شيطاني
من سرارٍ بين اللَّحاظ وروحي ... أتقنت علم سحره العينانِ
وأفاضا من الهوى في حديثٍ ... ليس من جنس ما يعي الملكانِ
ثم زنداي وشَّحاه وشاحاً ... ما لزنَّاره بذاك يدانِ
فاغتدينا من العناق اتِّحاداً ... مثل جسمٍ قد حلَّه روحانِ
وله:
لمَّا رأيت العيش من ثمر الصِّبا ... وعلمت أنَّ العفو حظُّ الجاني
أدركت ما سوَّلتُهُ شبيبتي ... وفعلتُ ما لا ظنَّه شيطاني
وله:
ولقد صحبتُ العزَّ مذ أنا يافعٌ ... فهو الشَّباب على الشبابِ أتاني
ولو اعترى بعد الشباب لسرَّني ... فالعزُّ مكتهلاً شبابٌ ثاني
وله:
قد أظماني الغرام مما فيَّا ... هيَّا بفضول دمعِ كاسي هيَّا
لا تلحظنِّي عروس بختي أنَفاً ... حتى ولو انتقشتُ كلي كيَّا
الأمير منجك بن محمد المنجكي هذا الأمير، سقى عهده مفاض الديم، وحيى الرضوان منه تلك الشيم. إن لم يكن ثاني أبي فراس في الشعر وحده، فهو مع ذلك ثاني ابن طيٍّ الذي تجاوز في الكرم حده. فهما إن ابتدآ الأمرين في الوجود، فهو الذي انتهى به الفضل والجود. وأحسن ما في الطاووس الذنب، وفي الخمر معنًى ليس في العنب.
هذا، وكل ناطقٍ بلسان، وعارفٍ بحسنٍ واستحسان. مجمعٌ على فضله الذي اقتضى لذكره التخليد، فالعالم عرفه بعلمه، والجاهل قال بالتقليد. وهو منذ لاح هلاله في أوجه، وأبوه بين حزب الإقبال وفوجه. يفدى بالشموس والأقمار، ويمد بالأنفس والأعمار. وإن لم يكن في قبة السما، فهو في بحبوحة القُنَّة الشَّما. يباهي بسؤددٍ اتصلت أصوله اتصال الشآبيب، وتناسبت فروعه تناسب الرماح كعوباً على كعوب، وأنابيب على أنابيب. وعزٍّ له ذروةٌ تفضي إلى روضٍ بالسَّماح يجود، فكم لجباه العفاة لديه من مجال سجودٍ من مجالس جود. حتى قعد مقعد والده، واحتوى من رياشه على طريفه وتالده.
هنالك سلك من البذل ما سلك، وسخا والسخيُّ جوده بما ملك. فأعرضت عنه الأيام إعراض النسيم عن الروضة الغنَّاء، وتخلت عنه تخلي العقد عن عنق الحسناء.
وإذا الجواد يبيت من ... جور الزمَّان على وسادِ
كالعين تفرح غيرها ... وتظلُّ لابسة الحدادِ
стр. 37
وقد أدركته وسبجه بدِّل بعاجه، وسمهريُّ قدِّه رمي باعوجاجه. وكان بينه وبين أبي محبة ومودة، ومجالس اجتماعاتٍ لمذاكرة الأدب معدة. فكنت أجني من مطارحتها بدائع مائسات الأعطاف، وأقطف روائع مستعذبات الجنى والقطاف. ولقد رأيت من فضله ما لم أر قبل ولا بعد، وطالما حصلت منه على أمانيَّ في هذا الشأن من غير وعد. فمن لفظٍ إذا سمعته قلت كأنَّ العرب استخلفته على لسانها، ومعنًى إذا تخيلته قلت: هذا للبراعة إنسان عينها وعين إنسانها. إلى محاضرةٍ إذا تحرَّى في أسلوبها الرَّشيق، تهمُّ ببسط الحجر لالتقاط درها النسيق. وأما حديث لين العريكة، ودماثة السليقة، فلم ير من يشبهه في الخلق والخليقة. بأدبٍ ضافي الذليل مطرز الكم، وشعرٍ يكاد يحيي الجماد وينطق البكم.
وها أنا أورد من أشعاره ما تزهو به القراطيس على صفحات الخدود المحشاة بالسوالف، ويغني عن لذة السلاف السلسل تذهَّبت به الليالي السوالف.
فمن ذلك قوله من قصيدة، مطلعها:
يعدُّ عليَّ أنفاسي ذَنوبا ... إذا ما قلت أفديه حبيبا
وأبعد ما يكون الودُّ منه ... إذا ما بات من أملي قريبا
حبيبٌ كلَّما يلقاه صبٌّ ... يصير عليه من يهوى رقيبا
سقاه الحسن ماء الدلِّ حتى ... من الكافور أنبته قضيبا
يعاف منازل العشاق كبراً ... ولو فرشت مسالكها قلوبا
فلو حمل النَّسيم إليه مني ... سلاماً راح يمنعه الهبوبا
أغار على الجفا منه لغيري ... فليت جفاه لي أضحى نصيبا
وأعشق أعين الرُّقباء فيه ... ولو مُلئت عيونهم عيوبا
لقد أخذ الهوى بزمام قلبي ... وصيَّر دمع أجفاني صبيبا
وما أمَّلتُ في أهلي نصيراً ... فكيف الآن أطلبه غريبا
وأقصد أن يعيد رُوا شبابي ... زمانٌ غادر الولدان شيبا
وما خفيت عليَّ النَّاس حتى ... أروم اليوم من رخمٍ حليبا
إذا ظنَّ الشَّباب خشيت منه ... لفقد مساعدي يلفى مجيبا
وهب أنِّي حكيتُ الشاة ضعفاً ... فما لي أحسب السنَّور ذيبا
منها في المديح:
لئن سعدتْ ولو في النَّوم عيني ... برؤياه لتلك العين طوبى
وإن ضنَّ السَّحاب فلا أبالي ... وفيض نداه قد أضحى سكوبا
إذا تليت مآثره بأرضٍ ... غدا الفلك المُدار بها طروبا
وقوله:
نوروز لا كنت قلبي فيك مكروبُ ... الشَّمس طالعةٌ والبدر محجوبُ
أرى الحسان وما لي بينهم حسنٌ ... ما كلُّ من نظرتْهُ العين محبوبُ
صفر الفؤاد من الأفراح ممتلئٌ ... بالحزن قلبي وفيض الدَّمع مسكوبُ
أبغي القيام وسوء الحظِّ يقعدني ... من عاند القدر المحتوم مغلوبُ
وقوله:
حبيبٌ حماه الملك تحت قبابه ... يكاد يذيب الروح فرط احتجابه
تدير على سمعي الأماني حديثهُ ... فتسكر أفكاري بذكر رُضابهِ
يعيد تراب الأرض مسكاً وعنبراً ... إذا قبَّلتْ للشُّكر فضل ثيابه
يكلِّمني باللَّحظ عن أخذ مهجتي ... فيسبق تسليمي بردِّ جوابهِ
وقوله:
ما شرَّف الروض في نزاهته ... إلا وستر الغمام ينسحبُ
كأنَّه البدر عند رؤيته ... لا شكَّ شمس النَّهار تحتجبُ
وقوله:
تحجَّب عني الطَّيف حتى كأنَّه ... تخيَّل إنساني عليه رقيبا
وقد كان يغشى قبل ما احتبك الهوى ... فظنَّ خيالي للنحول قريبا
وقوله:
عِدْ وماطل فقد رضيت به ... منك وإن كان بالجفا آيبْ
صدق وعود الحسان أجمعها ... فدًى للذَّات وعدك الكاذبْ
وقوله:
ألا لا تبكِ حادثة افتراقٍ ... ولا تفرح بلذَّات الإيابِ
فما الدُّنيا وما ضمَّته إلا ... كخطِّ منَجِّمٍ فوق التُّرابِ
وقوله:
الموت أطيب ما يجتنى ... إن شطَّت الدارُ وطال الحجابْ
стр. 38
لا يدخل النَّار أسير الهوى ... إذ لا يرى الجنَّة أهلُ العذاب
معنى هذا البيت مضطرب، وقد سئلت عنه فأجبت: بأنه معرب من بيت بالتركية لفضولي، ومعناه: أن نار العشق التي يعذَّب بها العاشق في الدنيا هي نار الآخرة عندها جنَّةٌ، فإذا دخلها العاشق، والمفروض من أهل العذاب، يعني في العشق، لا يدخل النار الأُخرويَّة؛ لأنها بالنسبة إليه جنة.
وقوله:
مهلاً فحبُّك بي أراه عابثاً ... وأظنُّه للرُّوح منِّي وارثا
من ذا الذي ألوى بعهدك في الهوى ... حتى انثنيت عن المودَّة ناكثا
جرَّبت فيك الحادثات فلم أجد ... مثل الرَّقيب إذا خلونا حادثا
يا مشبِهَ الآرامِ ألا أنَّها ... خُلقت لنا عيناه سحراً نافثا
قد راح بالقمرين طرفي هازئاً ... لمَّا رأى في بُردتيكَ الثَّالثا
أقول: ما تصورت أن الثاء تهون هذا الهوان، ولا تذعن هذا الإذعان، ولا تنقاد للكلِم إلا أن يكون كلمة المعان. فهذا السحر البياني إن لم يكن السحر المبين، وهذا المعجز الباهر، وأنا أول المؤمنين.
وله من قصيدة، مستهلها:
كبدٌ من سنان لحظك جرحَى ... وعيونٌ تُردِّدُ الدَّمع سَحَّا
وحنينٌ إلى الدِّيار ووجدٌ ... يستفزُّ النُّهى وشوقٌ ألَحَّا
يا ابن وُدِّي تفديك من كلِّ سوءٍ ... مهجٌ فيك ليس تقبل نصحا
قم بنا نشرب المدامة بكراً ... حيث رقَّ الهوى ونسكنُ صَرْحا
في رياضٍ كأنَّما هي خَدَّا ... كَ بهاءً وطيب صدغك نَفْحا
مطلعاً من ضياء وجهك والفر ... ع ظلاماً يغشى العيون وصبحا
سكرَ الكأسُ إذ سكِرْتُ بعيني ... كَ فكان المُدامُ منِّي أصْحى
هذا بيتٌ تقلقل مبناه، فلهذا لم يفهم معناه، وسكر الكأس بظهور لازم السُّكر وهو الميل عليه، وإن صح أن المدام بمعنى المديم، فهو المعنى الذي يرجع إليه.
وله:
زمن الربيع مطِيَّة الأفراح ... ومُعدِّل الأرواح في الأشباحِ
زمنٌ به لولا اشتباك فواقعٍ ... طارت حُمَيَّانا من الأقداحِ
أخذه من قول ابن المعتز:
كادت تطيرُ وقد طِرْنا بها فرحاً ... لولا الشّباكُ التي صيغَت من الحَبَبِ
ولأبي الحسن علي بن الحسن الأندلسي:
والماءُ يحذر منها أن تطيرَ فقد ... صاغ الحَبابُ عليها صيغة الشَّبَكِ
وله:
حمائم الدَّوح ما هذي التَّغاريد ... عن باعثٍ هي أم لي منكِ تقليدُ
نوْحِي ونوْحك جنْح الليل متَّفقٌ ... والمشْغِلان لنا وردٌ وتوريدُ
إن كان يغنيك أصوات الصَّفير فلي ... قلبٌ يعلَّلُه في الحبِّ تفنيدُ
تعجَّبت نار قلبي من تجلُّده ... ومن جفوني شكا دمعٌ وتسهيدُ
والحزن باقٍ على ما كنت أعهده ... وإن تكرَّر عيدٌ بعده عيدُ
جريح بيضِ الظُّبا تُرجى سلامته ... إلا الذي جرَحتْهُ الأعينُ السودُ
لي بالظَّعائن نهَّابُ العقول رَشاً ... قوامه بانةٌ والقلب جلمودُ
لو مرَّت الريح تَروي عن ئؤابتِه ... لم يبق من عهد عادٍ ثَمَّ ملحودُ
لكنَّما منعتْها من مواطنه ... مهابةٌ تتحاماها الصناديدُ
من البشانِقةِ الغُرِّ الذين لهم ... لواءٌ حسنٌ على الأقمار معقودُ
نحن المسيئون إن جاروا وإن عدلوا ... وما يرون حميداً فهو محمودُ
والذُّلُّ أشرف عزٍّ في محبَّتهم ... وشَرْيُ هجرهم أرىٌ وقِنديدٌ
لا تصحبَنْ غير حرٍّ إن ظفرت به ... وما سواه إذا جرَّبت تنكيدُ
ومن بدائعه قوله:
ومذ كشف الفَصَّاد عن زنده رأى ... محاسن ألْهَتْهُ فضَلَّ عن الرُّشدِ
فقطَّب من أهوى وأبصر مغضَباً ... وأوقع ظلَّ الجفن منه على الزَّندِ
стр. 39
وأطلعَ نور الأُرجوان وحبَّذا ... من الياسمين الأُرجوان على الوردِ
وهذا معنى ترجمه من الفارسية، وقد ظفرتُ في العربية بما يقاربه، وقائله أبو الحسن الجرجاني:
يا ليت عيني تحمَّلت ألمَك ... وليت نفسي تقسَّمت سَقَمكْ
وليت كفَّ الطبيب إذ فصَدتْ ... عرقك أجرتْ من ناظريَّ دمكْ
أعَرْته صبغ وجنتيك كما ... تُعيره إن لثمتَ من لثمك
طرفك أمضى من حدِّ مبضعه ... فالحظْ به العِرق واربَحَنْ ألَمَكْ
وللأمير:
شمس الضُّحى وأهِلَّة الأعيادِ ... لضياء وجهك أحسد الحسَّادِ
وإذا شدا بك مطربٌ في مجلسٍ ... رقصتْ لك الأرواح في الأجسادِ
جرَّدت من سحر الجفون صوارماً ... فأبت سوى الأكبادِ من أغمادِ
مسحَ المنى من زور طيفك راحةٌ ... من بعد ما غسل البكاء رقادي
ما كنت أفتقد الشَّباب لو أنَّني ... عُوِّضت عنك بنشأةِ الميعادِ
وله:
لا تهمل الكأس حين يملأها ... من هو في الحسن واحدٌ فردُ
طينته عنبرٌ وخامرها ال ... مسكُ والياسمين والوردُ
وله:
تَخِذَ الجور والجناية عادهْ ... وانتهاب النُّفوس قبل الولادهْ
لا تضعْ سهم مقلتيه فؤادي ... ضمن تلك السِّهام ألف شهادهْ
وله:
قد زارني وكأنَّه ريحانةٌ ... يهتزُّ من تحت القِباءِ الأخضرِ
فظننْت منه ضمن كلِّ سلامةٍ ... من طيبه شمَّامةٌ من عنبرِ
ولِكنْزِ مبسمه دنوْتُ فخلته ... ياقوتةً مُلئت بأنفس جوهرِ
فهصرته هصر النَّسيم أراكةً ... متلطِّفاً حتى كأن لم يشعرِ
متعانقين على فراش صِيانةٍ ... مُتحذِّرين من الصَّباح المسفرِ
وله:
لم تمل بي عن العفافِ العُقارُ ... أعشق الغِيد والوقار الوقارُ
أنظم الشعر ما حييت وإنَّي ... لابنُ بيتٍ تُهدى له الأشعارُ
يتحلَّى بيَ الزَّمان تحلِّي ال ... غصن لمَّا يزينه النُّوارُ
صقلتني يد التَّجارب حتى ... صحَّ عزمي وطاب من الغِرارُ
ومكاني من الفخارِ مكانٌ ... حَسَدتْه الشُّموس والأقمارُ
وقوله:
إن للَّيل بقايا عنبرٍ ... في قميص الصُّبح منها أثرُ
بادرت أيدي الصَّبا تلبسُه ... فبدا عند الرِّياض الخبرُ
انظره مع قول البهاء زهير:
رعى الله ليلة وصلٍ مضتْ ... وما خالط الصَّفو فيها الكدرْ
خلوْنا وما بيننا ثالثٌ ... فأصبح عند النَّسيم الخبرْ
وله:
ألا هاتِ اسقني كاساً فكاسَا ... وحيِّ بها ثلاثاً بل سداسا
فإني في احْتساها لا أعاصي ... رشاً تَخِذَ الحشا منَّي كناسا
حبيبٌ كلما ألقاه يُغضي ... فلو أهديته آساً لآسى
يريك إذا بدا قمراً منيراً ... وعطفاً إن ثنى عِطفاً وماسا
ويبسم ثغره عن أُقحوانٍ ... ويجلو خدُّه ورداً وآسا
خلعت عذار نُسكي في هواه ... وما راقبت في حبَّيه ناسا
فأحلى الحبِّ ما كان افتضاحاً ... وأشهى الوصل ما كان اختلاسا
وله:
يا بني العشق ليس نُحسب أحيا ... أو بموتى نعدُّ تحت الأراضي
تارةً نألف الحياة وطوراً ... نتغنَّى بذكر طيب الرِّياضِ
نحن ما بين صحَّةٍ وسقامٍ ... كجفون الدُّمى الصِّحاح المراضِ
وله:
ومهفهفٍ لولا عقارب صدغه ... لتناهبت وجناته الألحاظُ
طارحته ذكر الهوى وعواذلي ... لا راقدون ولا هم أيقاظُ
نبدي الحديث ولا حديث كأنما ... عبراتنا ما بيننا ألفاظُ
وله:
وزارني طيفه وهناً فأرقَّني ... كبارقٍ بخلال الوَدقِ قد لمعا
стр. 40
فما وحقِّك عن ودٍّ زيارته ... لكن ليزجرَ طرفي والرُّقاد معا
وله:
رَيحانتي روض المحاسن ما الذي ... بلِّغتماه من العذول اللاغي
حتى توارت وردتا خدَّيكما ... عن ناظري ببنفسج الأصداغِ
وله، وهو معنًى أبدع فيه كل الإبداع، وأتى به كالبدر خرج من تحت الشعاع:
نبَّهته ودواعي الأنس داعيةٌ ... إلى الطِّلا وبشير الصُّبح قد هتفا
فقام من نومه وسْنان تحسبه ... بدراً تقطَّع عنه الغيم فانكشفا
وقال هات وخذها وانتهز فُرصاً ... فما ترى لزمانٍ ينقضي خلفا
وله:
يا غزالاً يُقلُّ مسكاً فتيقا ... في فمٍ يُخجل المدام الرَّحيقا
قد سقاك الجمال ماء نعيمٍ ... مُنبت منك في الخدود شقيقا
لا تذرني تفديك روحي وحيداً ... أشتكي غربةً تسيء الصَّديقا
أنا أسعى وفي سلاسل صدغي ... ك فؤادي فارحم أسيراً طليقا
جرحتْ مقلتاك قلبي لهذا ... درُّ دمعي قد استحال عقيقا
لو ذكرْنا لماك عند حضور الرَّا ... حِ باتت فلم تجد مستفيقا
بك أرواحنا تسرُّ وترتا ... حْ فتختارك الرَّفيق الرَّفيقا
الصَّبوحَ الصًّبوحَ قبل مشيبِ ال ... حظِّ منَّا أو الغبوق الغبوقا
نجتني زهرة الشَّباب ونلهوا ... حيث نلقى الأشواق روضاً أنيقا
بين وعد آمالنا ووعيدٍ ... منك نستنظر الكذوب الصَّدوقا
وله:
أفديه من قمرٍ أطواره شغلت ... قلبي وعقلي بتغريبٍ وتشريقِ
من السَّليم وقد أحنى حواجبه ... وطرفه بين تسديدٍ وتفويقِ
وله:
تلوح لنا بالرُّوم من كلِّ جانبٍ ... وجوهٌ تُعيد الصُّبح والليلُ حالكُ
أنظمأ في دارٍ تفيض بحورها ... وتَشْرَقُ فيها بالجمال المسالكُ
وله:
لا تغتَرِر بشبابك الغضِّ الذي ... أيَّامه قمرٌ يلوح ويأفلُ
ودع اتِّباع النَّفس عنك فإنما ... حُبُّ الجمالِ الصَّبرُ عنه أجملُ
نَعَم العيون الفاتكاتُ قواتلٌ ... لكنَّ سهام الله منها أقتلُ
وله:
مولَّهٌ بك لا تجدي وسائله ... ولا من الدَّمع جاريه وسائلهُ
عزيز صبرٍ أذلَّ الحبُّ مهجته ... وعنَّفته على الشكوى قبائلهُ
عامٌ نأى عنك فيه مكرهاً فعلى ... أسحاره أبداً تبكي أصائلهُ
والكاس مذ بنتَ عنها تشتكي ظمأً ... والرَّوض من حزنٍ جفَّت خمائلهُ
كلَّفت حملَ نواك اليوم قلب فتًى ... أرقُّ من نسمة الوادي أصائلهُ
وله:
قد زار من كنت قبل زورته ... أراه لكن بمقلة الأملِ
بتنا ضجيعين والعناق له ... ثوبٌ علينا قد زرَّ بالقبلِ
ومن رباعياته قوله:
ما مرَّ تذكُّر الكرى في بالي ... إلا دفعته راحة البلبالِ
أشفقت من الجفون لمساً يؤذي ... أقدام خيالك العزيز الغالي
مثله للبابي وفيه زيادة:
أردُّ الكرى إذ زار خفيةَ نظرةٍ ... إليه فتدمي رقةً خدَّه القاني
وأسهر خوفاً أن يمرَّ خياله ... بعيني فتؤذى أخمصاه بأجفاني
وأصله قول الوقشي:
إذا ظنَّ وكراً مقلتي طائر الكرى ... رأى هدبها فارتاع خوف الحبائلِ
ويقاربه قول الصلاح الصفدي:
أيا وحشتا في ليلِ شوقي لنوركم ... ويا فرحتا لو كان في النَّوم يطرقُ
وهيهات لو زار الخيال منعته ... مخافة أن تجري دموعي فيغرقُ
وللأمير منجك:
انظر إلى فحمٍ كأنَّ لهيبه ... لمعُ الأسنَّة في مثار القسطلِ
وكأنَّه والنَّار في أحشائهِ ... صدر الحسود ونعمة المتفضِّلِ
هذا التشبيه تناوله من قول عبد الجليل المرسي في وصف فرنٍ:
ربَّ فرنٍ رأيته يتلظَّى ... وربيعٌ مخالطي وعقيدي
стр. 41
قال صفهُ فقلت صدر حسودٍ ... خالطته مكارم المحسودِ
ولابن مجير الأندلسي، وقد حضر مع عدوٍّ له، جاحد لما فعله معه من الخير، وأمامهما زجاجةٌ سوداء فيها خمر، فقال له الحسود المذكور: إن كنت شاعراً فقل في هذه. فقال ارتجالاً:
سأشكو إلى النُّدمان أمر زجاجةٍ ... تردَّت بثوبٍ حالك اللون أسحمِ
تصبُّ بها شمس المدامة بيننا ... فتغرب في جنحٍ من اللَّيل مظلمِ
وتجحد أنوار الحميَّا بلونها ... كقلب حسودٍ جاحدٍ يدَ منعمِ
وقد أحسن القاضي التنوخي، في تشبيه النار، حيث قال:
فاهتف بنارٍ إلى فحمٍ كأنَّهما ... في العين ظلمٌ وإنصافٌ قد اتَّفقا
وللأمير، وهو من بدائعه:
لو لم يكن راعها فكرٌ تصوَّرها ... من والهٍ وثنتها مقلة الأملِ
ما قابلت نصف بدرٍ بابن ليلته ... وألقت الزُّهرَ فوق الشَّمس من خجلِ
قلت: هذان البيتان درَّان أو وردتان.
ومن خمرياته التي تصير الزاهد ضجيع دسكرةٍ وحان، وتنوب عن لذَّة السَّماع ومطربات الألحان:
أدر المدامة يا نديمي ... حمراء كالخدِّ اللَّطيمِ
تسري بأرواح النَّهى ... كالبرءِ في الجسم السَّقيمِ
وأقم إذا جنَّ الدُّجى ... متردياً ظلَّ الكرومِ
فالجوُّ راق كأنَّما ... صقلته أنفاس النسيمِ
وتبدَّدت زهر النجو ... مِ تبدُّدَ العقد النَّظيمِ
قم هاتها واستجلِها ... من كفِّ ذي شجوٍ رخيمِ
بدرٍ يريك محاسناً ... يسبي بها عقل الحليمِ
إن ماسَ يزري بالقنا ... وإذا رنا فبكلِّ ريمِ
في روضةٍ نسجت بها ... أيدي الصَّبا حبر الجميمِ
الجميم: مجتمع من البهمى، أي النبت.
ضحكت بها الأزهار لم ... اأن بكى جفنُ الغيومِ
كم ليلةٍ قضَّيتها ... في ظلِّها الصَّافي الأديمِ
متذكِّراً عهد الدُّمى ... متناسياً ذكر الرسومِ
نشوان من خمر الصِّبا ... جذلان بالأنس المقيمِ
حيث الشَّبيبة غضَّةٌ ... والوقت مقتبل النَّعيمِ
قلت: وقد اشتهر له في المدامة والنديم، وما يسلي عن لطف الحديث وصفو القديم. مع أنه ما عاقر عقاراً، ولا وهب لمجلس راعٍ وقاراً.
هذا ما سمعته من فيه، ولم ينقل عنه، فيما أعلم، شيءٌ ينافيه.
ومما يستجاد له قوله:
منعتْك رؤية كاشحٍ ... من أن تَمُرَّ مسلِّما
إن تخشَ من نظرٍ إليَّ ... شِمِ الهلال تكرُّما
فلعلَّ لحظي يلتقي ... وهناً ولحظك في السَّما
أصله قول بعضهم:
إلى الطَّائر النَّسر انظري كلَّ ليلةٍ ... فإنِّي إليه بالعشيَّة ناظرُ
عسى يلتقي طرفي وطرفك عنده ... فنشكو جميعاً ما تجنُّ الضَّمائرُ
ولابن المعتز منه:
ألست أرى النَّجم الذي هو طالعٌ ... عليكِ فهذا للمحبِّين نافعُ
عسى يلتقي في الأفق لحظي ولحظها ... فيجتمعا إذ ليس في الأرضِ جامعُ
ولبعض شعراء الخريدة:
وأنظر البدر مرتاحاً لرؤيتهِ ... لعلَّ طرف الذي أهواه ينظرهُ
ومن صنائعه قوله:
عدَّتُ المجد يراعٌ وحسام ... وثمار الشُّكر تجنيها الكرامُ
أعذب الأشياء في ممنوعها ... وبإعراض الدُّمى يحلو الغرامٌ
من يبت سهران في كسب العلا ... حرِّم الغمض عليه والمنامُ
قلت: هذه النبذة لم أر لها مثالاً، كلما قيد كلمتها الخطُّ سيَّرها اللفظ أمثالا: وله:
أغار إذا وصفْتُك من لساني ... ومن قلمي عليكَ ومن بناني
لئن منعتْك قومي عن حديثي ... فكم باتت تساجلك الأماني
وإن حجبوك عن نظري فإنِّي ... أراك بعين فكري من مكاني
وإن تكُ نارُ صدِّك لي تلظَّى ... فمنك أشمُّ رائحة الجنانِ
стр. 42
وإن شَرَّقْت أو غرَّبْت عنِّي ... فما لك منزلٌ إلا جناني
سقَى الأثلاثِ من يَبرينَ دمعي ... وحيَّا العهد هاتيك المغاني
معاهد كم جنيتُ العيش غضًّا ... بها زمناً ولم أعهد بِجاني
أروح بها أجرُّ الذَّيل تيهاً ... وأُسقى الرَّاح من راح التَّهاني
ليالٍ كلُّها سَحَرٌ ودهرٌ ... فؤادي منه يرتع في أمانِ
فغالطني الزَّمان وقال كهلٌ ... وأيَّام الصِّبا في العنفوانِ
أقَبل الأربعين أُصيب شيباً ... فما عذر المشيب وقد دهاني
طوت أيدي الحوادث بسط لَهوي ... وألوت من مواطنه عِناني
وله:
نفسٌ تعلَّلُ بالأماني ... لا بالقِيان ولا بالقَناني
ومدامعٌ مسفوحةٌ ... بين المعاهد والمغاني
وأبيت مضموم اليدي ... نِ على التَّرائب والجَنَانِ
أشكو الصَّبابةَ للصَّبا ... بةِ بالمدامع لا اللِّسانِ
وأقول إذ هتفت بنا ... وَرقاً شجاها ما شجاني
يا وُرْقُ ما هذا النُّوا ... ح فبعض ما عندي كفاني
غادرْتُ بين الغوطتي ... نِ بمنزلي السَّامي المكانِ
أُمًّا لها كبدٌ عليَّ ... مذابةٌ مما دهاني
تستخبرُ الرُّكبان عن ... حالي وتندبُ كلَّ آنِ
فعسى الذي أبلى يُعي ... نُ ويلتقي ناءٍ بدانِ
وله:
قم هاتها فانتهابُ العيش مُغتنمٌ ... من كفِّ مُعتدلٍ في خير إبَّانِ
حيث الرياضُ اكتستْ من سندسٍ حُللاً ... وتوِّجتْ بيواقيتٍ وعِقيانِ
والمسك في الفلك العُلويِّ إذ رَتَعتْ ... غزالةُ الأفقِ والكافور سيَّانِ
وله:
وحبيبٍ مكلَّلٍ بعيونِ ... جعلتْ طوقة اللَّيالي يميني
يتشكَّى من البضاضةِ حتَّى ... لو جعلنا الفراشَ من ياسمينِ
قوله: مكلل بعيون: استعمال لطيف، أول من استعمله بشَّار بن برد، في قوله:
ومُكلَّلاتٍ بالعيونِ ... طَرقْننا ورجَعْنَ مُلسا
وقيل في معناه: إنَّهن لحسنهن تعلو الأبصار إلى وجوههن ورؤوسهن، كأن لهنَّ إكليلاً من العيون.
ومن أبياته الفذَّة قوله:
صادفْتُه فتناولتْ لَحَظاتهُ ... عقلي وأعرض نافراً متجنِّبا
وقوله:
وابتسَمَ الورد فكادت له ... تُمزِّق الرَّاحُ قميص الزُّجاجِ
وقوله:
بعض الذَّوات هي النَّعيم لمبصرٍ ... والبعض منها في الجفون قُروحُ
وقوله:
إن كتبي إليه صحف الأماني ... وبها الرُّسْلُ بيننا الأرواحُ
وقوله:
متوَّجُ الرَّاح بالإبريقِ ذو قُرطٍ ... مثل الهلال له الجوزاءُ زنَّارُ
وقوله:
طيرٌ أعار الغصن جُنكاً رُكِّبتْ ... أوتاره من فِضَّةِ الأمطارِ
وقوله:
إذا أمسك المرآةَ ينظرُ وجهه ... فظاهرها بدرٌ وباطنها شمسُ
وقوله:
ومُدامي ذكر الحبيبِ ونقْلي ... قُبَلُ الظَّنِّ من شفاه المحالِ
وقوله:
ثقيلُ روحٍ يزورُ في زمنٍ ... لو زار فيه الحبيبُ ما قُبلا
وقوله:
الجسم يبرأ بالعلاجِ سَقامُه ... وشِفا النُّفوس صداقةُ الخِلاَّنِ
وقوله:
بعض الحسانِ تراه عند مالكه ... كأنَّه العيد في أيَّامِ كانونِ
وقوله:
أحببتُ من أجله من كان يشبهُه ... حتى حكيت بجسمي سُقْمَ جَفنيهِ
عبد اللطيف المنقاري ماجدٌ استوفى شرف الأرومة، واستعلق مزيَّة النسبة المرومة. فما بات إلا بتكميل النفس وجده وكلفه؛ لأنه أتى الفضل وهو لعمري لا يتكلفه.
فهو معروفٌ بأصله وفصله، ومشهورٌ له بنبله وفضله. له المقام الأحظى، والمعارف التي ملأت سمعاً ولحظا. وهو من منذ حلت عنه تمائمه، ونيطت عليه عمائمه. مخطوب الحظوة عند الأنام، حالٌّ من الالتفات في الذروة والسَّنام. تارةً يفيد منًى وتارةً يستفيد ثناً:
стр. 43
تُروى محاسنُ لفظه وكأنَّها ... دُرَرٌ وآراءٌ كمثلِ دَراري
ومآثرٌ قد خلِّدت فكأنَّها ... غُررٌ وعزمٌ مثل حدِّ غَرارِ
إلى أن فجع به المجد الأثيل، وفقد من الدنيا فقيد المثيل. وله أدبٌ نقده نضّ، ومقطعه غضّ. أخذت كلمه بمجامع القلوب، وملك قلمه الغاية من حسن الأسلوب. وقد أثبت له ما تستهديه بُرداً مُوشَّى، وتستجليه خداً بالقلم الرِّيحانيِّ محشَّى.
فمنه قوله، من قصيدةٍ، أولها:
بين حَنايا ضلوعي اللَّهبُ ... ومن جفوني اسْتهلَّتِ السُّحُبُ
وفي فؤادي غليلُ منتزِحٍ ... يعاف إلا الدِّيار تقْتربُ
يا بأبي اليوم شادنٌ غَنِجٌ ... يعبث بالقلب وهو ملتهبُ
يسنَحُ لكن بصفحتي رشأٍ ... والقدُّ إن ماد دونه القُضُبُ
صُفر وشاحٍ يزينه هيفٌ ... ليس كخودٍ يزينها القلب
إن لاح في الحيِّ بدر طلْعته ... فالشمس في الأُفق منه تحتجبُ
أشْنبُ لم تحكِ برق مبسمهِ ... يا برق إلا وفاتَكَ الشَّنَبُ
يطفو على الثَّغر مي مُقبَّله ... حبابُ ظلْمٍ وحبَّذا الحبَبُ
كأنَّه لؤلؤٌ تُبدِّده ... أيدي عذارى أفضى بها اللَّعبُ
ما مرَّ في الحلى وهو مُؤتلِقٌ ... إلا ازدهى الحلى ثغره الشَّنبُ
يعطو بجيدٍ كقرطه قلقٍ ... والقلب ما جال منه مضطربُ
وسانحاتٍ نفثن في عقد ال ... ألبابِ سحراً ودونه العطبُ
به اختلسْنَ الفؤاد من كثبٍ ... واقتاد جسمي السًّقامُ والوصبُ
تجرح منهنَّ مهجتي مقلٌ ... يفعلن ما ليس تفعل القُضُبُ
ظعنَّ والقلب في ركائبهم ... يخفق والجسم للضَّنَى نهبُ
من فوق خِلبي وضعتُ صاحَ يدي ... فلم أجده وصدَّه لهبُ
لمَّا تيقَّنتُ أن دوحتهم ... ليس لها ما حَييت منقلَبُ
أبليتُ صبراً لم يبلِه أحدٌ ... واقتسمتني مآربُ شعبُ
منهن لي ذات دُملَجٍ سلبت ... عقلي وعادت تقول ما السَّببُ
هذا على أسلوب قول مهيار:
قتلتني وانثنت تسأل بي ... أيُّها الناس لمن هذا القتيلُ
يصبو جنوناً ويدَّعي سفهاً ... أنِّي له دون ذا الورى طلبُ
وليس عندي علمٌ بصبوته ... ولا تعهدتُ أنَّه وصِبُ
لو كان فيما يقوله شغفاً ... صدقٌ عراه لعشقِنا النَّصبُ
فقلت لو شئت يا منايا لما ... سألت عني وأنت لي أربُ
إنَّ نحولِي وعبرتي معاً ... بعد أنيني لشاهدٌ عجبُ
أشكوك لو كان منصفٌ حكمٌ ... يقضي غراماً وليس يحتسب
لكنني الآن قد رجعت ولا ... يرجع مثلي متيَّمٌ سلبُ
يا قلب عجْ من حِمى مكائدِهم ... واترك مقاماً به لك التَّعبُ
كم ذا تقاسي مصاب جفوتهم ... وأنت والدَّهر كله حرِبُ
وكم تعاني بحبِّها ولهاً ... عهدكم لن تقلَّه كتبُ
فخلِّ دعداً وذِكر معهدِها ... وعد عنها وأنت مجتنِبُ
وغضَّ طرفاً عن كلِّ غانيةٍ ... واترك غزال الصَّريمِ ينتحبُ
إن عنده جاز أن يصارِمني ... فالعيد عندِي بمذهبي يجِبُ
ولا تسمَّع للحنِ شاديةٍ ... ولو إلى اللَّحنِ هزَّك الطَّربُ
وجِدَّ واترك منًى خدِعت بها ... فالهزل داءٌ دواؤه الهربُ
وله من قصيدة أرسلها إلى ديار بكرٍ، يتشوق بها إلى دمشق، ويذكر منتزهاتها. ومطلعها:
سقى دار سعدى من دمشق غمامُ ... وحيَّى بقاعَ الغوطتين سلامُ
وجاد هضاب الصَّالحيَّةِ صيِبُ ... له في رياض النَّيربين ركامُ
منها:
ذكرت الحمى والدَّار ذكرى طريدةٍ ... تذاد كظمآنٍ سلاه أوامُ
стр. 44
فنحتُ على تلك الرُّبوعِ تشوقاً ... كما ناح من فقدِ الحميمِ حمامُ
أيا صاحبي نجواي يوم ترحَّلوا ... وحزن الفلا ما بيننا وأكامُ
نشدْتكما بالودِّ هل جاد بعدنا ... دِمشق بأجفاني القِراح غمامُ
وهل عذبات البانِ فيها موائسٌ ... وزهر الرُّبى هل أبرزته كِمامُ
وهل أعشب الرَّوض الدِّمشقيُّ غِبَّنا ... وهل هبَّ في الوادي السعيدِ بشامُ
وهل ربوة الأنس التي شاع ذكرها ... تجول بها الأنهارُ وهي جِمامُ
وهل شرف الأعلى مطلٌّ وقعره ... على المرجةِ الخضراءِ فيه كرامُ
وهل ظلُّ ذاك الدَّوحِ ضافٍ وغصنه ... وريقٌ وبدر الحيِّ فيه يقامُ
وهل ظبياتٌ في ضميرٍ سوانِحٌ ... وعين المها هل قادهنَّ زمامُ
ضمير: مصغر: قرية دمشق.
وهل أمويُّ العلمِ والدين جامعٌ ... شعائِره والذِّكر فيه يقامُ
وهل قاسيونٌ قلبه متفطِّرٌ ... وفيه الرجال الأربعون صِيامُ
ألا ليت شعري هل أعود لِجلِّقٍ ... وهل لي بوادي النيربين مقامُ
وهل أرِدنْ ماء الجزيرة راتِعاً ... بمقصفها والحظُّ فيهِ مرامُ
سلامٌ على تلك المغانِي وأهلِها ... وإن ريش لي من نأيهنَّ سِهامُ
لقد جمعت فيها محاسِن أصبحت ... لدرجي فخارِ الشامِ وهي خِتامُ
بلادٌ بها الحصباء درٌّ وتربها ... عبيرٌ وأنفاس الشَّمال مدامُ
وغرَّتِها أضحت بجبهة روضِها ... تضيء فخلخال الغدير لِزامُ
تنائيت عنها فالفؤاد مشتَّتٌ ... ووعر الفيافي بيننا ورَغامُ
لقد كدت أقضي من بعادي تشوُّقاً ... أليها وجسمي قد عراه سَقامُ
وله:
لهفي على زمنٍ قضَّيته جذِلاً ... مسربلاً ببرودِ العزِّ والنِعمِ
مضى كأن لم يكن ذاك الزَّمان أتى ... حتى كأني به في غفلةِ الحلمِ
ما أسأرتْ لي لياليه التي سلفت ... بلذَّةِ العيشِ إلا زفرة النَّدمِ
محمد بن يوسف الكريمي أقول فيه لا متأثِّماً، ولست من خجلٍ متلثِّماً: إنه أبرع من سبك لفظاً مع معنى، وأرقُّ من أراد أن يشعر فغنى. وهو من رقة العشرة، يكاد يدخل في القشرة. ومن خفة الروح، مع الذرِّ في الهواء يروح. ومضى عليه زمنٌ لا يعرف الصحو، ولا يفرق بين الإثبات والمحو.
وهو في قيد الرق، يجمع بين العود والزِق. هذا، وعهده يرف ماءه، ويشفُّ عن النضرة ماؤه. وتتألق غرَّته، وتشرق أسرَّته. والعيش كما يدريه، على ما يطيب يجريه. حتى فلَّ الدهر شبا شبيبته، ومحا من لوح الوجود محاسن جبهته. هناك ألجمه الشَّيب بلجامه، فنكَّب لا يلوي على كاسه وِجامِه. وقد وقفت بخطه على أشعارٍ له ألذَّ من ماء القراح، وأطيب من النسيم حفَّت به لذَّات الروح والراح.
فذكرت منها ما ينوب عن الريقين: الروض، والصَّبا، ويغني عن الرائقين: الرِّيق، والصَّهبا. فمن ذلك قوله من قصيدة، مستهلها:
في فؤادي من الخدودِ لهيبُ ... جنَّةٌ طاب لي بها التَّعذيبُ
صحوتي من هوى الحِسانِ خمارٌ ... وشبابٌ بلا تصابٍ مشيبُ
داوني باللِّحاظِ فالحبُّ فينا ... دار بلوى بها السَّقام طبيبُ
لفؤادي من لحظةِ السُّخطِ سهمٌ ... هي من قسمةِ الهوى لي نصيبُ
كلُّ قلبٍ له الصَّبابة داءٌ ... ألف الدَّاء فالحكيم رقيبُ
مِحنة الحبِّ عندنا دار بلوى ... فلها من قلوبِنا أيُّوبُ
هكذا حاكم الهوى فلديهِ ... من ذنوبٍ لنا تعدُّ القلوبُ
لو بدا للوجودِ يوسفُ حسنٍ ... ضمَّه من قلوبنا يعقوبُ
لا تلمني سداً فمدمن خمرِ ال ... حبِّ في ملَّةِ الهوى لا يتوبُ
في لِحاظِ الظباءِ آية سحرٍ ... قد تلاها على العقول الحبيبُ
стр. 45
رشأٌ أخجل البدور إذا ما ... شوَّشت خاطر الفؤادِ الجنوبُ
ما رأينا من قبلِ وجهك أن قد ... حمل البدر في الزَّمانِ قضيبُ
قاتلي في الهوى اللِّحاظُ وهذا ... شاهد الخدِّ من دمي مخضوبُ
قد رماني بأسهمِ الجورِ عمداً ... وسوى القلبِ سهمه لا يصيبُ
ليت أنَّا لم يخلق الحبُّ فينا ... ليت أو لم يكن فؤادٌ طروبُ
يا أخا الوجدِ هل رأيت قتيلاً ... وهو ظلماً بنفسهِ مطلوبُ
هذا من قول المتنبي:
وأنا الذي اجتلبَ المنيَّةَ طرفهُ ... فمن المطالبُ والقتيل القاتلُ
وهو أخذه من قول دعبل:
يا ليت شعري كيف يومكما ... يا صاحبيَّ إذا دمِي سفكا
لا تأخذا بظلامتي أحداً ... قلبي وطرفي في دمي اشتركا
وقد أخذه أبو الحسن الكسروي فحسَّنه، حيث قال من أبيات:
أنا القتيلُ وطرفي قاتلي ودمي ... ما بين قلبي ومن علِّقته هدرُ
يا لقلبٍ أطعته وعصاني ... فهو إلا إلى الهوى لا يجيبُ
خبِّري يا صبا رياض التَّصابي ... فبذِكرِ الهوى فؤادي يطيبُ
عرف القلب فيك رائحة الحبِّ ... ويدري بسمِّهِ المسلوبُ
ساعدتني على النَّحيبِ حمامٌ ... حيث ما لي سوى صداها مجيبُ
أنا والوِرقُ في الطلولِ غريبا ... نِ ويستصحِبُ الغريبَ الغريبُ
غير أنِّي بِها رهين فؤادي ... وهي تأتي وحيث شاءت تؤوبُ
علِّم القلب منطِقَ الطَّير شجواً ... فله في فنونِهِ تهذيبُ
وله من أخرى، مطلعها:
فيك أمسَى وفيك بالوجدِ أضحى ... مستهامٌ لا يعرف الدَّهر نُصحا
يا غزالاً بوجدِهِ سِقم الصَّب ... رِ من القلب والهوى فيهِ صحَّا
أنت بالهجرِ قد أطلت الليالي ... ومنعت الخيال عنِّي شحَّا
وإذا زرتَ والزَّمان بخيلٌ ... لم أجِد للدُّجى وحقِّك جنحا
أرتجي بالعذارِ ليل وصالٍ ... فأرى تحته لوجهِك صبحا
يا قتيلاً بمذهبِ الحبِّ ظلماً ... دمه طلَّ وهو يطلب صلحا
شاهِدا قِتلتي فؤادي وطرفي ... وترى في كِلا الشهيدينِ جرحا
قاتلي شادِنٌ أعدَّ لقتلي ... بلحاظٍ عضباً بالقدِّ رمحا
يا لقلبٍ ما فيه يبرأ جرحٌ ... للتَّصابي إلا أرى فيهِ جرحا
ومريضِ اللِّحاظِ ساهمَ قلبي ... سقم طرفيهِ واستزدْت فشحَّا
علَّمتني جفونُه الوجدَ لما ... أن تلت للحَشا من السِّحرِ شرحا
عارضتني والوجدَ منها عيونٌ ... ما نبا العضبُ لو أعارته صفحا
وله يصف يوماً أطربه فيه الفرح، ونال فيه من اللذة ما اقترح. مع فتية مسامرتهم ألذ من الكأس إذا احتبك المجلس، وأوقعوا من المبلغ النقدِ إذا تملكه المفلس:
يا ربَّ يومٍ قطعته فرحَا ... في روضِ أنسٍ هزاره صدحَا
صفا بهِ العيش لي وجادَ بهِ ... دهرٌ وآمالُ مهجتي منَحا
مع فتيةٍ دام لي الفخارُ بهم ... ومعشرٍ صبحُ فضلهم وضحَا
من كلِّ ندبٍ شهاب فِكرتِه ... لو قابل البدرَ نوره افتضحَا
يومٌ كعهدِ الصِّبا لرقتِهِ ... نالَ بهِ القلب وفقَ ما اقترحَا
طالبت دهري بيومنا زمناً ... فالآن دهري بهِ لقد سمحَا
أذكرني طيبُ يومِنا زمناً ... كنت بريمِ الصريمِ مفتضحَا
أيَّام لا أسمع الملامَ ولا ... أصغي للاحٍ إذا صبوت لحَى
رشأٌ غدا يفضح الظِّباء بَهَاً ... بدرُ سناً طلعت الشُّموسِ محَا
عجِبت من فعلِ سهمِ مقلته ... أردَى عميدَ الهوى وما جرحَا
محجَّب الحسنِ شمسُ وجنتِهِ ... زان بَهَاها الحَيَا لمن لمحَا
стр. 46
حديثُ وجدي هو القديم بهِ ... والحالُ حالي بهِ ومَا برِحَا
يا قلب للغيرِ لا تمل أبداً ... فما يداويكَ غير من جرحَا
وله من قصيدة، أولها:
من لقلبٍ ما بينَ سمرٍ وبيضِ ... من قوامٍ لدنٍ وطرفٍ مريضِ
ما لمن صادمَ الهوى من نصيرٍ ... فإليه إذا سطَا تفويضي
زارني في الدُّجى فكان كبدرِ التِّ ... مِّ قد لاحَ في الليالي البيضِ
شادنٌ لو يقابل الشَّمسَ والبد ... رَ لكانا في رتبةِ المستفيضِ
سلبَ العقلَ والفؤادَ وخلاَّ ... ني لهجرانهِ الطويلِ العريضِ
فنهاري نهارُ منتظرٍ في ... هِ وليلي لا ذقتَ ليل المريضِ
ومن أخرى، أولها:
جادَ من بعدِ بعدهِ بالتَّلاقي ... ودنا شائقٌ إلى مشتاقِ
رشأٌ طالَ ما أذابَ فؤادي ... بسعيرِ النَّوى وحرِّ الفراقِ
لم نزل نحسب الغرامَ مِزاحاً ... فرأينا مصارِعَ العشَّاقِ
كنت أشكو الجفا وأخشى صدوداً ... فرأيت البِعادَ مرَّ المذاقِ
كلُّ مرٍّ لدى المذاقِ مطاقٌ ... وأرى الصَّبرَ عنك غير مطاقِ
من لقلبٍ لم يُلفَى إلا جريحاً ... بسهامِ الجفونِ والأحداقِ
يا لهذا الفؤادِ لم ينجُ يوماً ... من وثاقٍ إلا غدا في وثاقِ
هكذا من له الصَّبابةُ داءٌ ... ليس يرجو النجاةَ مما يلاقي
وله:
على مَ تفتِكُ في العشَّاقِ بالمقلِ ... أما تخاف على الهنديِّ من فللِ
لقد أبحتَ دمي يا من كلِفتُ بهِ ... فأصبَحتْ كلماتي فيه كالمثلِ
يا من إذا ما لسهمِ اللَّحظِ أغرَضَ ... أيقنتُ وِجدانَ قومٍ من بني ثُعَلِ
بنو ثعل: قبيلة فيهم رماة، يضرب المثل بجودة رميهم.
قال امرؤُ القيس:
ربَّ رامٍ من بني ثعَلٍ ... مخرجٍ كفَّيهِ من سترِهْ
فهو لا يخطي رميَّته ... ما لم لا عدَّ من نفرِهْ
يقال في الدعاء على الإنسان: لا عدَّ من نفره، ويراد به التعجب.
شمائلٌ لكَ عاطتني الشَّمولَ فمَا ... برِحت بين سكرانٍ إلى ثملِ
آهاً على زمنٍ كان الرَّقيبُ بهِ ... صِفرَ الأكفِّ من التَّعنيفِ والعذَلِ
هلاَّ تُعيدُ زماناً كنت طَوعَ يدي ... فيه وصدريَ ملآنٌ من الأملِ
وله:
لحَى الله فِعلَ الغانياتِ إذا دهتْ ... فؤاداً لأبناء الصَّبابةِ أو عقْلا
ولا سلِّطتْ يوماً على قلبِ عاشقٍ ... عيونٌ ترى في ظلم عاشِقها عدلا
يُرينك عينَ الودِّ والوجدِ نظرةً ... ويُخرجنَ جِدَّ الوجدِ للقلبِ والهزَلا
فحتى إذا شبهت بنارِ جوانحٍ ... وأيقن بالمطروحِ من أرسلَ النَّبْلا
غدرنَ فلا يرعين للصَّبِّ ذمَّةً ... وأغضينَ عنه في الهوى الأعينَ النُّجْلا
نوافر منها لم تفزْ شِقوةً سوى ... بوعدٍ رأينا في جوانبه المَطْلا
وله من قصيدة، مستهلها:
تُرجَّى الأماني ل أماني المتيَّمِ ... وترقا دموعٌ غيرُ أدمعِ مغرمِ
بذا بيننا يقضي الغرامُ كما بنا ... لحكمِ الهوى في الحبِّ من متظلِّمِ
متى لم يصبْ لذَّاتِها طالبٌ أتى ... بقلبٍ سليمٍ أم بطرفٍ مُهوِّمِ
بحيثُ أبثُّ الوجدَ ليلةَ لم يكنْ ... لديَّ سوى زهر النُّجوم بمحرَمِ
أُعدَّد فيها كوكباً بعد كوكبٍ ... وأرقبُ فيها أنجماً إثر أنجمِ
فلم يك غير الطَّرفِ لي من مسامرٍ ... ولم أرَ غير الدَّمعِ لي من مترجِمِ
عدِمنا الهوى يُردي العميدَ ولم يصلْ ... بعضبٍ سوى لحظِ الحسانِ وأسهمِ
حَوينا قلوباً من دعاها لراحةٍ ... عصَته ولبَّت من دعاها لمؤلمِ
стр. 47
أضلَّت فلم تسكن بصدر مُتيَّمٍ ... إذا لم يلوَّع من وُشاةٍ ولُوَّمِ
وريمٍ أبى إلا نِفاراً فمذ رأى ... على الصَّيْدِ صيَّاداً غدا غير مقدِمِ
يلاحظني والسِّحر ملءُ جفونِه ... يقود إليه القلبَ قودَ مسلِّمِ
يرنِّحهُ سكرُ الدَّلالِ فينثني ... كما عطفتْ غصناً صباً في تنسُّمِ
فإن زار وهناً والأماني تَعِلَّةٌ ... ترى البدر وافى فوق غصنٍ منعَّمِ
بخدٍ سقاهُ وابل الخزِّ والحيا ... سلافةَ خمرٍ أو عصارةَ عَنْدَمِ
ومن غزلياته وغرره قوله، من نبوية مطلعها:
نأى والأماني الكاذباتُ به تدنو ... بديعُ جمالٍ من محاسنه الحسنُ
هو البدرُ لا تنكر عليه بعادَهُ ... تراه قريباً والبِعادُ له شأنُ
أطال عليَّ الهجرَ حتى لطولِه ... تعلَّم منه هجرَ صاحبه الجفنُ
وعرَّفني الأحزانَ حتى ألفتُها ... فمن أجله عندي السُّرورُ هو الحزنُ
رشاً طلعت شمسُ البَها من جبينِه ... وماسَ بها من قدِّه غصنٌ لدنُ
فديتك ما هذا التنائي فلستُ من ... يُطيق بأن تشتاقك العينُ والأذنُ
بَعُدتَ ولكن لا عن القلبِ والرَّجا ... إذا لم يَشُبْهُ الياسُ كان له المنُّ
أظنُّك تدنو والليالي ضنينةٌ ... بقربِك لكن ربَّما صدق الظَّنُّ
فيا مسرفاً في هجره أنت يوسفٌ ... إذا غاب فالدُّنيا ليعقوبِه سِجنُ
سقى الله عهدً للشَّبيبةِ ماضياً ... ولا برحَتْ تنْهَلُّ في رَبعِها المُزْنُ
وحيِّي ربوعَ اللَّهوِ والوجدِ والصِّبا ... سحابُ رضاً أنواؤها اللُّطفُ واليمنُ
معاهدُ وجدٍ باكرتْ روضَها الصَّبا ... فصافحَ إذ مرتْ به الغصنَ الغصنُ
قطفتُ بها اللَّذَّاتِ مع كلِّ شادنٍ ... سقامِي بعينيه إذا ما ايرْنوُ
له في البَها تُعْزى المحاسنُ كلُّها ... كما لرسولِ اللهِ كلٌّ بها يعنُو
ومن مقاطيعه ونتفه، قوله:
وكنت أقولُ إنكَ في فؤادي ... لو أنَّ القلبَ بعدك كان عندي
سِوى عن ناظرِي ما غبتَ يوماً ... فذكرُكَ غالبَ الأوقاتِ وِردي
وقوله:
هل ترجعُ أيامي بنادِي الوادي ... تالله فقد عدَدْتُها أعيادي
أيامَ يضمُّ شملنا مُنتزهٌ ... بالغوطةِ لا فقدتُ ذاكَ النَّادِي
وقوله:
ما جاءَ الليلُ أو أضاءَ الفجرُ ... إلا وذكرتُ عيشنا يا بدرُ
لهفي لزمانٍ عِيشةٌ راضيةٌ ... قد منَّ بها على يديكَ الدَّهرُ
وقوله:
ومُعذرٍ صفحاتُ وجنتهِ ... كالشمسِ في حلَكٍ من الدَّمسِ
حيَّى فخلتُ الشمسَ قد طلعت ... ليلاً لِما شاهدتُ من أُنْسي
فعجبتُ من شمسٍ بدتْ لِدُجًى ... وبقيتُ فيه مُراجعاً نفسي
فغدا يقولُ أذاك من عجبٍ ... أعجب لهذا الأمرِ بالعكسِ
فانظر لمعجزةِ العِذارِ بدا ... في وجنتي كاللَّيلِ في الشمسِ
ومما ينسب إليه قوله:
ومَهاةٍ قد راعتِ العودَ حتى ... عاد بعد الجِماحِ وهو ذليلُ
خاف من عَرْ أُذنِه إذ عصاها ... فلهذا كما تقولُ يقولُ
نحوه للحسن بن يونس:
غيداءُ تأمرُ عودَها فيطيعُها ... أبدَّ ويتبعها اتِّباعَ ودودِ
فكأنما الصَّوتانِ حين تمازَجا ... ماءُ الغمام وابنةُ العنقودِ
ولكشاجم:
جاءتْ بعودٍ تناغيهِ فيتبعُها ... فانظر بدائعَ ما تأْتي به الشَّجرُ
فما يزالُ عليه أو بهِ طربٌ ... يَهيجُه الأعجمانِ الطَّيرُ والوترُ
وليوسف بن عمران الحلبي:
يستوقفُ الأطيارَ حسنُ غِنائها ... إن ردَّدتْ ألحانَها ترديدا
وتظنُّ صوتَ العودِ صوتَ غنائها ... وغِناءَها أبداً تظنُّ العودا
стр. 48
وقوله مضمِّناً:
يا من يدُ الرحمنِ قد خطَّت على ... صفحات خدَّيهِ السَّنيَّةِ لامَا
قد تمَّ حسنُكَ بالعِذارِ فمن رأى ... بدراً يكون له الكسوفُ تماما
البيت لأبي فرج بم هندو، وقبله:
خلعَ العِذارُ على عِذارِك خِلعةً ... خلعت قلوبَ العاشقينَ غراما
قد تمَّ، وهو معنًى، كم حام على تضمُّنه مُعَنَّى.
وللباخرزي فيما يقاربه:
وجهٌ حكى الوصلَ طيباً زانهُ صُدُغٌ ... كأنَّه الهجرُ فوقَ الوصلِ علَّقهُ
وقد رأيتُ أعاجيبَ الزَّمانِ وما ... رأيتُ وصلاً يكون الهجرُ رونقهُ
أخوه أكمل قرين أخيه ونده، فأحدهما السيف والآخر فرنده.
وكانا إذا اجتمعا تقابل البدر والثريا، وتطارح الشمول الرائق والرَّويَّةِ الرَّيَّا فتسابق بهما الكميت في ميدان الدِّنان، فمن رآهما قال ما شاء في طليقي عنان.
وإذا أخذا في معاطاةِ الأسمارْ، فما مشابهةُ الأماني في بلهنية الأعمار. ومحمد، إن كان أكبرُ سنًّا، فأكمل أرهف منه مسنًّا. إلا أنه اعتراه طرفٌ من الجنون، فصيَّره ثالث خالد والجنون. وله من جنونه أفانين، عدَّ بها من عقلاء المجانين.
وقد وقفتُ من شعره على كلمٍ يوسى به الكلم، ويعد من الظلم قياسها إلى الظلم.
فمن ذلك قوله في وصف حديقة زهر، يخترقها من اللجين الذائب نهر. إذا خمشته يد الصَّبا، تتوهمه زرداً مذهبا.
وفيه دولابٌ يشجي الصَّبَّ بنحيبه، كأنه محبٌّ وقد رمي بفقد حبيبه:
وحديقةٍ ينسابُ بين غصونها ... نهرٌ يُرى كالفضَّةِ البيضاءِ
قد ألبَستْه يدُ الجنائبِ والصَّبا ... زرداً كنبتِ الرَّوضةِ الغنَّاءِ
دولابُه بحنينهِ كمذكِّرٍ ... عهدَ الصِّبا ومعاهد السَّرَّاءِ
أبداً يدورُ على الأحبةِ باكياً ... بمدامعٍ تربو على الأنواءِ
ناحَ الحمامُ قِدماً فهو في ... ترجيعهِ موفٍ قديمَ إِخاءِ
ومن بدائع قوله:
بهَوًى سرتْ من سالفيْ ... ك إلى فؤادي في لهيبِ
فأتت بأطيبَ ما يسرُّ ... ذوِي الهوَى في طيِّ طِيبِ
إلا رحِمْتَ شبابَ ذي ... قلبٍ عليلٍ بالوجيبِ
فحنَوْتَ من كرمٍ علي ... هِ كميلةِ الغصنِ الرَّطيبِ
وقوله:
ولائمٍ قد لامَني في الطِّلا ... وترْكها والنَّهيِ عن شربها
فقلتُ تلحانِيَ جهلاً أمَا ... كفى طلوعُ الشمسِ مِن غربهَا
الغرب: دَنُّ الخمر، وبه تمت التورية.
وأصله قول أبي القاسم بن طلحة، في مغربي:
أيتها النفسُ إليهِ اذهبي ... فحبُّهُ المشهورُ من مذْهبي
مُفضَّضُ الثَّغرِ له شامةٌ ... من عنبرٍ في خدِّهِ المُذْهبِ
آيَسَنِي التَّوبةَ من عشقِهِ ... طلوعُه شمساً من المغربِ
وللشهاب الخفاجي:
كمْ قهقَهَ الإبريقُ إذ قيلَ تابْ ... وابتسمَ الكأسُ بثغرِ الحبابْ
والرَّاحُ شمسٌ قد تبدَّتْ لهُ ... من مغربِ الدَّنِّ فكيف المتابْ
للهِ أيَّامٌ مضتْ سرعَةً ... كهجعةٍ من ذي جوًى واكتئابْ
ليلاتُها قمرٌ وأيَّامها ... كأنَّها أعيادُ عصرِ الشَّبابْ
واغتبق يوماً بمحلٍّ كان يتخذه مفترش ندوته، ومتوسد صبوته. ومضطجع اطمئنانه، ومدار كأسه ودنانه. وهو في ينع الشباب، ورواء الأحباب. عندما اقترن بالليل نهاره، وامتزج بالبنفسج بهاره. وقد أحضر من آلات أُنسهِ، وأظهر من نوع ذلك وجنسه. ما يروق النَّاظر، ويصقل الخاطر.
فكتب يستدعي له صديقاً، كان يتخذه في ذلك العهد رفيقاً:
بادِر أُخَيَّ إلى الغبوقِ براحةٍ ... تنفي همومَ الصَّبِّ حين يصبُّها
حمراءَ رصَّعها الحبابُ كأنَّها ... شفقُ السَّماءِ تجولُ فيه شُهْبُها
стр. 49
بادر أخي، أطال الله بقاك، وقهر من يعاديك ويشناك. إلى تعاطي راحةٍ حاكى مزاجك مزاجها لطفاً، وزاد عليها بهاءً وأدباً وظرفاً. إذا أخذها الساقي وصب، ذهب عمَّن كان بين الشرب والصب. لا سيما إذا كانت حمراء كاللجين، مرصعةً بجواهر الحبب أو ممزوجةً بين بيْن. فالمأمول من الأخ المبادرة، ليفوز منه أخوه بأحسن مسامرة ومحاورة.
وفي ذيل الاستدعاء:
يا من رِضاهُ جنَّةٌ كمُلتْ ... والسُّخطُ داءٌ منكرٌ ضَنْكُ
زُرْ روضَنا كالغيثِ أكسبَه ... عِطراً فزيْنٌ بالتُّقى النسكُ
ماسَ الشَّقيق لنا على قُضُبٍ ... خضرٍ كسِمطٍ زانَه السِّلكُ
وكأنَّه والقضْبُ تحمله ... أقداحُ ياقوتٍ به مسكُ
ومن غزلياته قوله:
بهَوًى جَدَّ بقلبي ... طامعاً في لَفتاتِكْ
وفؤادٍ ضلَّ في ... حصرِ قليلٍ من صفاتِكْ
وفؤادٍ لم يُمتَّعْ ... حظوةً من خطواتِكْ
غافلاً عن ذنبِه إذ ... هو من بعضِ هِباتكْ
يا غزالاً خاطرَ القلْ ... بَ برؤْيا خطراتِكْ
آهِ ما أعجزنِي عن ... حملِ ماضي عزماتِكْ
بالحِمى ترتعُ والأُسْ ... دُ ثَوَتْ في عَرَصاتِكْ
كيفَ يرجوكَ فؤادٌ ... والحِمى بعضُ حُماتِكْ
بأبي حبَّاتُ مسكٍ ... نُقِّلتْ من وجناتِكْ
بل سويداءْ قلوبٍ ... أُحرقتْ في جمراتِك
أتُرى يا دهرُ هل في ... لحظةٍ من لَحَظاتِكْ
يغفلُ الواشونَ كي أح ... سبُها من حسَناتِكْ
ومن رباعياته قوله:
حَيَّى وسقى الحَيا الرُّبى والسَّفْحا ... من غاديةٍ تشبه دمعي سَفحا
والله وما ذكرتُ عيشي بِهِما ... إلا وضرَبتُ عن سواهُمْ صَفحا
وقوله:
لا أنْظُر للسَّماءِ فافْهَمْ عُذري ... قد ضاق برؤيا قمرٍ بها صدري
في صورةِ من أهوى وفي حاجِبِه ... ما يُغني عن هلالها والبدرِ
أهل العربية فرَّقوا بين الرُّؤيا والرُّؤية، فكن مستيقظاً في نظائره؛ فإنها كثيرة في أشعار المتأخرين.
ومن بدائعه قوله في مُعَذَّرٍ عنِم الحسنُ روضَ خده النَّضر، وتلاقى في جانبيه موسى مع الخضر:
يا حسنَ حمرةِ خدٍّ زادَ بهجتَهُ ... لونُ العِذار الذي حارتْ به الفِكَرُ
كأنَّ موسى كليمَ اللهِ أنسَه ... حيناً وجرَّ عليه ذيلهُ الخَضِرُ
نقله من قول ابن سعيد، صاحب المرقص والمطرب، في نارَنْجة نصفها أخضر والآخر أحمر:
وبنتُ أيكٍ دنا من لثمِها قُزَحٌ ... فصار في خدِّها من لثمِهِ أثَرُ
يبدو بعينيك منها منظرٌ عجَبٌ ... زبرجدٌ ونُضارٌ صاغَه المطرُ
كأنَّ موسى نبيَّ الله أقْبسَها ... ناراً وجرَّ عليها ذيله الخَضِرُ
وقد ألمع ابن سعيد بمأخذه من حيث لم يشعر؛ حيث قال في مكان آخر، من مرقصه: لما رحلت إلى دمشق وأبصرتها، فتنني منظرها، وأكثرت القول فيها، إلى أن وقع لي من قصيدةٍ:
في جِلِّقٍ نزلوا حيث النَّعيمُ غدا ... مُطوَّلاً وهو في الآفاقِ مُختصَرُ
القُضْبُ راقصةٌ والطَّيرُ صادحةٌ ... والنَّشرُ مرتفعٌ والماءُ منحدرُ
وقد تجلَّتْ من اللَّذَّاتِ أوجهُها ... لكنَّها بظلالِ الدَّوحِ تستترُ
وكلُّ وادٍ به موسى يفجِّره ... وكلُّ نهرٍ على حافاتِه الخَضِرُ
ولابن فضل الله:
للشامِ فضلٌ باهرٌ ... بعيشِها الرَّغدِ النَّضِرْ
في كلِّ روضٍ يلتقي ... ماءُ الحياة والخَضِرْ
ومن رباعياته قوله:
إمَّا يَمنٌ أهلُ الهوى أو قيسُ ... ليسوا مثْلي وإن تباهوا ليسوا
لو أنصَفني حاكمهُم في بُرَحِي ... ما قيسَ بمن عنه تلاهَوا قيسُ
وكتب إليه أخوه ملغِزاً:
يا أكملاً يستكملُ الظَّرفا ... يا فاضلاً والفضلُ لا يَخفى
стр. 50
ويا شقيقي من فَخاري به ... ومن غدا لي في الورى طَرفا
أكملُ منه إن أصِفه فلي ... أرجَع من أوصافه الوَصفا
قل لي عن وصفٍ حُروفٌ له ... أربعةٌ ما نقصتْ حرفَا
إذا وصفتَ الشَّحصَ يوماً به ... فعينه في دبرِه تُلفَى
ولم يزلْ يصحبُ كُلاَّبةً ... بها يجيد القبضَ لا الصَّرفَا
ثانيهِ نصفْ العُشرِ من ثالثٍ ... وكلُّه لم يبلغِ الألفا
ينقص عنها بل عن بعضِها ... ولم تكمِّل ناقصاً حلفا
موصوفُه نصفانِ فانظرْ له ... نصفاً ولا تنظرْ له نِصفا
ثانيهِ مع ثالثهِ فعلُه ... متى يُشاجِر عِرسَه عُنْفا
يُظهِر في أفعاله خفَّةً ... وهو لِثقلٍ لم يغبْ طرْفَا
كالبومِ شُؤمٌ وهو إلفٌ لنا ... فهل رأيتُم بومةً إلفا
أجِبْ وعن ذا الوصفِ أوضحْ لنا ... لا ذقتَ للدَّهرِ إذاً صَرْفا
فأجابه ملغزاً أيضاً:
جاءتْ فزادتْ روضنا عرْفا ... بل قلَّدتْ آذانَنا شُنْفا
وأطفأتْ من كبدِي لوعةً ... ولم تكنْ من غيرها تُطفا
وهيَّجتْ شوقي إلى ماجدٍ ... لم أكُ أبغي غيره إلفا
أعِني شقيقي من أرى بُعدَه ... للدَّهرِ ذنباً لم يكدْ يُعفى
ذو كرمٍ لو شامه حاتمٌ ... عضَّ على أنملهِ لَهفا
رَبُّ المعانِي والقوافِي التي ... كالُّرِّ إذ ترصِفه رصفَا
كانت كعذبِ الماءِ عند الصَّفَا ... أو كلَمًى أرشِفه رشفا
أو كوصالٍ من حبيبٍ وقد ... أكثَر في ميعادِه الخُلفا
مُضيِّعٍ أرعاهُ بين الورى ... وشيمةُ الأحبابِ لا تخفَى
أبيتُ أُملي من غرامِي له ... كتُبْاً ومن إِعراضِه صُحْفا
يُدير من ألحاظِه أكؤساً ... حمَّلها أجفانَه الوَطفا
تسقِيه راحاً مُزِجتْ من دِما ... عيني وتسقيني الهوَى صِرفا
سائلةً عن ساعدٍ لم يزلْ ... كعطفةِ الأصداغِ مُلتفَّا
أو كسِوارٍ ضاق عن عبلةٍ ... أو كهلالٍ كاد أن يخْفَى
لكن إذا مدَّت إلى مرقدٍ ... كقامةِ الحبِّ إذ تُلفَى
لا زلتَ تعطيها وأمثالَها ... من راحةٍ كالدِّيمةِ الوَطفا
وبعدُ ما وصفٌ له أحرفٌ ... أربعةٌ لم تستزد حَرفا
أوَّلُه سبعُ لعشرٍ حوى ... ثانيهِ لا زلتَ له حِلفا
إن تُسقِط المفردَ يعدْ ... جمعاً وهذا عنكَ لا يخفَى
وفعْل أمرٍ تمَّ فعلاً لمن ... نارُ غرامِي فيه لا تُطفا
إن تقلبِ الثالثَ مع رابعٍ ... يكنْ لموصوفٍ به وصفَا
ثانيهِ مع ثالِثه وصفُه ... إذ اعتراه النَّومُ أو أغفى
أَبِنهُ لي لا زلت في عِزَّةٍ ... لم تغضِ عما رمتَه طرفا
والدَّهرُ عبدٌ لك أو قائدٌ ... يُجيبُ من عادَيته طِرفا
ومن شعره قوله:
أُسلِّي فؤادي بادِّكاركَ طامعاً ... بصبري وأين الصَّبرُ من قلبِ عاشقِ
وألوِي ضُلوعي كي أُسَكِّن روعةً ... ومالي بقلبٍ ساكنِ الجسم خافقِ
أُؤمِّل عذباً من رُضابَك بارداً ... لإخمادِ جمرٍ بين جنبيَّ حارِقِ
فأذكرُ من عذبِ اللَّمى مع لمعِهِ ... أحاديثَ جِيران العُذَيْبِ وبارِقِ
ففي الصبْح صبرٌ إن أكن غير ناظِرٍ ... إليه دليلاً إن يكن غيرَ طارقِ
فويلِي من جسمٍ طريحٍ من الهوى ... وإِنسانِ عينٍ بالمدامعِ شارِقِ
محمد بن علي، المعروف بالحريري الحرفوشي هو في المعارف نسيج وحده، والآداب طلاع ثنايا نجده.
стр. 51
عاش حيناً في حانوت ينسج حللاً ويوشيها، ويطرز متون القراطيس بحبر أقلامه ويحشيها.
ولديه تنشد ضوالُّ اللغة والإعراب، وتقف الآراء حيرى في محاسنه بين الإعجاب والإغراب.
فشدت نحوه المطايا، وأشرقت فضائله كبيض العطايا.
وشفت ظروفه حروف مباينه، فنمَّت عن سلافة لطافة معاينه.
كما نمَّ الزُّجاج على الصَّهبا، والنسيم عن شذا الربى. ومع أنه شيخ الوقار، له كلماتٌ يعصر منها العقار. فمن جاراه في طرف الرقَّة، بعدت عليه الشُّقَّة.
وكانت لديه مقاصد، يلوح منها للمنى مراصد. أيام عيشه بالمرة مؤتلف، والحظُّ غادٍ إليه ومختلف. حتى أغري الدهر بشمله ففرقَّه، وأضري ببرد ائتلافه فمزَّقه.
بسبب غرضٍ نقم عليه، وكاد يسوق الحتف إليه. فخرج مع البازي إلى بلاد العجم، وثمَّت طلع كوكب إقباله ونجم.
ودعاه الشاه عباس للرئاسة فأجاب، واراه من كمال التقرب الأفق المنجاب.
فأقام والأهواء إليه منساقة، إلى أن دعاه داعي الحتف إلى اللَّحد فأجابه وساقه.
وقد أوردت له من شعره الذي يباهي الدِّيباج الخسرواني، ما يستعير اللُّطف منه الراح الأرجواني. فمن ذلك قوله معمياً باسم مراد:
إذا خيِّرتُ بين الثَّغ ... رِ والصَّهباء من حبِّي
أقدِّم ثغر من أهوى ... على ما دار بالقلبِ
وقوله:
صبَّر الرحمن صبًّا ... ذاق هجران حبيبهْ
وحماهُ برد وصلٍ ... منه مطفٍ للهيبهْ
فلعمري ليس يدري ال ... هجرَ إلا من رمي بهْ
وقوله:
أنا والله لا أبالي وإن ذمَّ ... وإن أكثر الجهول السِّبابا
أنا كالشمس في الأنام مقامي ... معتلٍ لا ترى عليه حجابا
أدبي مفخري وفخري علومي ... لا أراه النِّجار والأسبابا
وقوله:
ترومُ وُلاة الجوْر نصراً على العدى ... وهيهات يلقى النَّصر غير مصيبِ
وكيف يروم النَّصر من كان خلفه ... سهام دعاءٍ عن قسيِّ قلوبِ
هذا معنًى تداولته الشعراء، والحسن منه قول ابن نباتة المصري:
ألا رُبِّ ذي ظلمٍ كمنْتُ لحربه ... فأوقعه المقدور أيَّ وقوعِ
وما كان لي إلا سهام تركُّعٍ ... وداعيةٌ لا تُتَّقى بدروعِ
وهيهات أن ينجو الظَّلوم وخلفه ... سهام دعاءٍ من قسيِّ ركوعِ
مُريَّشةٌ بالهدب من جفن ساهرٍ ... مُنَصَّلةٌ أطرافها بدموعِ
ومن المنشآت المبتدعة: المحارب إذا شيِّع بالدعاء له فقد أنجد بمدد بل أمداد، وحفظ ظهره بجندٍ بل أجناد. وإذا شيِّع بالدعاء عليه، فقد خرج خلفه كمينٌ لا يقوى له فيلقاه، ولا يراه فيتوقَّاه. ولن يغلب عسكرٌ واحدٌ عسكرين من الدعاء والأعداء، ولن يسلم من أعوز ظهره مجنُّ الضُّعفاء، ولن ينصر في الأرض من حورب من السماء.
ومن نتفه قوله في إفرنجي:
بروحيَ ظبيٌ فاترُ الطَّرف أحورٌ ... رنا فرمى قلبي بسهم من الغنجِ
أبت مهجتي الإشراكَ فيه وقد غدا ... يرى شرعة التَّثليثِ واضحة النَّهجِ
فيا قوم هل فيكم معينٌ على الأسى ... وهل من طريقٍ من قطيعته تنجي
فقد سامني في الحبِّ مالا أطيقه ... وأوقعني من زاخرِ الصَّدِّ في لجِّي
وبرَّح بي حتى لقد رقَّ عذَّلي ... وما حال من أضحى بقبضةِ إفرنجي
وكتب إلى صديقٍ له تمرض بالحمَّى:
أنا مذ قيل لي بأنَّك تشكو ... ضُرَّ حمَّاكَ زاد بي التَّبريحُ
أنت روحِي وكيف يُلفى سليماً ... جسدٌ لم تصحَّ فيه الرُّوحُ
وله:
إن أصبح الوغدُ يعلو فوق منزِلتي ... من غير ما سببٍ يقضي بترجيحِ
فالنَّقع يعلو على بيضِ الكماة كما ... علا الدُّخانُ علي النِّيران مع ريحِ
أخذه من قول الآخر:
إن يقعدُ فوقي لغيرِ نزاهةٍ ... وعلوِّ مرتبةٍ وعزِّ مكانِ
فالنَّارُ يعلوها الدُّخانُ وربَّما ... يعلو الغبارُ عمائمَ الفرسانُ
وله:
стр. 52
أشكو إلى الله لا أشكو إلى أحدٍ ... ما نابنِي من صديقٍ يدَّعي الرَشَدا
صافيته من ضميري وُدَّ ذي مِقتٍ ... فاعتضتُ عنه بمذقٍ باللِّساِن غدا
فعدتُ من بعدِه والدَّهرُ ذو عجبٍ ... لا أصطفي في الورى لي صاحباً أبدا
وله في الشيخ محمد الجواد الكاظمي:
جرَى في حلبةِ العلياءِ شوطاً ... بسعيٍ ما عدا سننَ السوادِ
ففاتَ السابقينَ إلى المعالي ... وما هذا بِبدعٍ من جوادي
وله في إثبات التَّشوق، وحزن التفرق؛ وفيه التفريع، من أنواع البديع:
وما ظبيةٌ قد بانَ عنها وليدها ... فضاقتْ بها الغبراءْ ذرعاً وبيدُها
وهامتْ بما لاقته من حرِّ وجدِها ... وراحتْ فلا تدري إلى أينَ عودُها
تجوب الفيافي في الهجيرِ فلا ترى ... أنيساً بها يبدو سِوى من يعيدُها
بأحزنَ منِّي حين سارَت مطيُّ من ... أحبُّ وروحي في يديهِ وجودُها
وله:
يقولون في الغليونِ أفرطْتَ رغبةً ... وليسَ بشيءٍ تقتنيهِ وتختارُ
فقلتُ لهم ما ذاكَ إلا لأنه ... مضاهيَّ لا تنفكُّ في قلبه النارُ
ومن غزلياته قوله:
روحي الفداءُ لشادنٍ ... ذي نفرةٍ من زيِّ آنسْ
سلبَ الجفونَ رقادها ... وأثارَ في القلبِ الوساوسْ
وأعارَ من سقمِ اللِّحاظِ ... لجسمي المضنى الوساوسْ
ويلايَ من جورِ القوا ... مِ إذا بدا كالغصنِ مائسْ
وإذا رنا فالبيضُ تش ... بهُ فعلَ هاتيكَ النَّواعسْ
يا لائماً يرجو سلوَّ ... فتًى له جلبتْ هواجسْ
خفِّض عليكَ فإنني ... مُغرًى لثوبِ السقمِ لابسْ
أنَّى سلوُّ متيَّمٍ ... من روحِه في الحبِّ آيسْ
يجد الملامَ ألذَّ من ... صدِّ الذي بالوصلِ شامسْ
لهفي على زمنٍ لنا ... يُهدي المناسبَ والمُجانسْ
أيَّام كنت وغصن ودِّ ... ي أخضرٌ والصَّدُّ يابسْ
ومناهل اللَّذَّاتِ صا ... فٍ وردها مع كلِّ كانسْ
والدَّهر طلقٌ والشَّبي ... بة غضَّةٌ والرَّبع آنسْ
والرَّاح دارَ فلا تسلْ ... ما حلَّ في تلك المجالسْ
وله بعد ما بعد عن أوطانه، متذكراً عهد منشئهِ وقطانه:
فؤادُ المعنَّى بالتَّباعد مودعُ ... بحيِّ الذي يهوى فلوموه أو دعوا
ففي قلبهِ من لاعِجِ الوجدِ شاغلٌ ... وليس له في العيشِ بالبعدِ مطمعُ
يودُّ بأن يقضي ولم يقضِ ساعةً ... له بالنَّوى لو كان ذلك ينفعُ
وما باختيارٍ منه أصبحَ نازِحاً ... وماذا الذي فيما قضى البينُ يصنعُ
سأشكو من البينِ المفرق بيننا ... إلى الله علَّ الله للشملِ يجمعُ
فجسمي نحيلٌ مذ نأى من أودُّهُ ... وعيني لطولِ البعدِ لم تكُ تهجعُ
فلو عادَني العوَّادُ لم يهدهم إلى ... مكاني سوى ما من أنيني يسمعُ
ولو عادَ من أهوى لعادتْ به القُوى ... لجسمٍ بأثوابِ الضنى يتلفَّعُ
فيا ليتَ شعري هل أراهُ ولو كرًى ... وهل ذلك الماضي من العيشِ يرجِعُ
وهل علم الأحبابُ أنِّي مفارقٌ ... حشاشةَ نفسٍ ودَّعت يومَ ودَّعوا
وهل هم على العهدِ القديمِ الذي أنا ... عليه مقيمٌ أم لذلك ضيعوا
وله:
لا بِدعَ أن أضحى الجهولُ يدَّعي ... مكانتي ويدَّعي الترفُّعا
فالشمسُ أعلى مفخراً وقد غدا ... من فوقِها كيوانُ أعلى مطلعَا
ومن قول ابن رشيق:
بحيثُ يهونُ المرءُ يكرمُ ضدُّهُ ... وحيث هبوطُ الشمس يشرقُ كيوانُ
وله:
رعى الله أوقاتاً بها كنتُ أجهلُ ال ... فراقَ وأياماً بها أُنكِر الجفَا
стр. 53
تقضَّتْ كلمحِ العينِ أو زور طارقٍ ... أتى مسرِعاً أو بارِقٍ في الدُّجى خفا
وأبدِلتُ منها فرقةً وتشتتاً ... وبعداً وهجراً دائماً وتأسُّفا
فيا ربِّي أنعِم باللقاءِ لمدنفٍ ... وإلا فكنْ بالحتفِ يا ربِّ مسعِفا
وله:
حباني الوجدَ والحُرقا ... وأودعَ مقلتي الأرقَا
وروَّع بالجفا قلباً ... بغيرِ هواهُ ما علقَا
رنا بصوارمٍ خذمٍ ... تسمَّت بيننا حدقا
حمى أوردَ وجنتِه ... بأسودِ خاله ووقى
ولاحَ بواضحٍ أضحى ... لهُ شمس الضُّحى شفقَا
له خصرٌ بألحاظِ ال ... ورى ما زال منتطِقا
تعارض المتنبي في هذا المعنى مع السري الرفَّاء. فبيت المتنبي قوله:
وخصرٍ تثبتُ الأحداقُ فيهِ ... كأنَّ عليه من حَدَقٍ نِطاقَا
وبيت السري قوله:
أحاطتْ عيونُ العاشقينَ بخصرِه ... فهنَّ له دون النِّطاقِ نِطاقَا
وكثيرٌ يظنون أن المتنبي هو المخترع لهذا المعنى، ولا يدرون أنه لعلي بن يحيى، من أبيات تغنَّى بها:
وجهٌ كأنَّ البدرَ ليلةَ تِمِّهِ ... منه استعارَ النورَ والإشراقا
وأرى عليه حديقةً أضحى لها ... حدقي وأحداقُ الأنامِ نِطاقَا
ونقل الشهاب الخفاجي إلى العذار، مضمِّناً مصراع أبي الطيب، وأجاد:
عِذارٌ خَطَّ في الوجناتِ خطًّا ... حوى كلَّ الأنامِ به وفاقَا
ترى الأبصارَ شاخصةً إليه ... وماءَ الحسنِ في خدَّيهِ راقَا
تصوَّرتْ العيونُ به فأمسى ... كأنَّ عليه من حدقٍ نِطاقا
تتمة القصيدة:
فياللهِ من بدرٍ ... غدا قلبي لهُ أُفقا
ألا يا حبَّذا زمنٌ ... حظيتُ به ونِلتُ لِقا
زمانٌ لم أجِد فيه ... لشملِ الوصلِ مفتَرَقا
أهيمُ بسالفٍ حَلَكٍ ... وأهوى واضِحا يققَا
تولَّى مسرعا عنقاً ... ومرَّ كطارِقٍ طرقَا
وطبعُ الدَّهرِ لا يبقى ... على حالٍ وإن رفقَا
فكن خلواً به فرداً ... وسرْ في الأرضِ منطلِقا
وكن جلداً إذا ما الدَّه ... رُ أبدى مشرباً رنْقا
وله من قصيدة، أولها:
يا ليتَها إذ لم تجُد بوِصالِ ... سمحتْ بوعدٍ أو بطيفِ خيالِ
جنحتْ لما رقشَ الوُشاةُ ونمَّقوا ... من أنَّني سالٍ ولستُ بسالِ
ومدامِعي لولا زفيري ولم يكدْ ... ينجو الورى من سحِّها المتوالي
ونحولُ جسمٍ واحتمالُ مكارهٍ ... وسهادُ جفني وادِّكارُ ليالي
فإلى مَ أظمأُ في الورى ومواردِي ... فيه سربٌ أو لموعُ الآلِ
ولِم اختياري عن فؤادِي كلَّ من ... ألقى وقلبي عند ذاتِ الخالِ
أخذه، ولم يحسن الأخذ من قول الباخرزي:
قالت وقد فتَّشتُ عنها كلَّ من ... لاقيتهُ من حاضرٍ أو بادي
أنا في فؤادِك فارمِ طرفَكَ نحوهُ ... ترَني فقلتُ لها وأين فؤادِي
هيفاءُ رنَّحها الدَّلالُ فأخجلتْ ... هِيفَ الغصونِ بقدِّها الميَّالِ
في خدِّها الوردُ الجنِيُّ وثغرُها ... يحوِي لذيذَ الشُّهدِ والجِريالِ
حجبتْ محيَّاها الجميلَ ببُرْقُعٍ ... كرقيقِ غَيمٍ فوقَ بدرِ كمالِ
ونضتْ من الأجفانِ بيضَ صوارمٍ ... فغزَتْ بهنَّ ولم تنادِ نزالِ
وتنزَّه يوماً في روضٍ افترَّت بواسمه، وتعطَّرتْ نواسمه. وتفتَّحت أزهاره، ونطق بلبله وهزاره.
فقال يصفه:
ومكانِ أُنسٍ قد حوى من لُطفِه ... مِن كلِّ وصفٍ رائقٍ مُستحسنِ
فالرِّيحُ تعبثُ في الغصونِ تمايساً ... والطَّير تشدو باختلاف الألسنِ
فكأنَّه الفردوسُ أحرَز صفوَه ... أملُ النُّفوسِ ومُستلذُّ الأعينِ
وله في الغزل:
стр. 54
مَن لي بهيفاءَ أذكتْ من تباعدها ... في القلبِ ناراً ولم تسمحْ لمُضناهَا
واهاً لها من فتاةٍ إن رنتْ فعلتْ ... ما ليس يفعله الهِنديُّ عيناها
ومن جيِّده قوله في الخال:
قال لي من غدا إمامَ أولِي الفضْ ... لِ ورَبَّ المباحثِ الفلسفيهْ
إنَّ عندي بُرهانَ حقٍّ على نفْ ... يِ الهيولى والصُّرةِ الجِسميهْ
قلت ما هو فقالَ شامةُ حبِّي ... قد غدتْ وهي نقطةٌ جوهريهْ
قلت: هذا جارٍ على رأي المتكلمين في الرد على الحكماء، من أن إثبات النقطة يستلزم نفي الهيولى والصورة، وقد حاول محاولةً عجيبة.
ومثل هذا الاستعمال - أعني استعمال ألفاظ أهل الكلام والهندسة والنحو - مما قال فيه ابن سنان الخفاجي: ينبغي أن لا يستعمل في الكلام المنظوم والمنثور.
قال: لأن الإنسان إذا خاض في علمٍ، وتكلم في صناعةٍ، وجب عليه أن يستعمل ألفاظ أهل ذلك العلم وأصحاب تلك الصناعة. ثم مثَّل ذلك بقول أبي تمَّام:
مَودَّةٌ ذهبٌ أثمارُها شَبَهٌ ... وهِمَّةٌ جوهرٌ معروفها عرَضُ
قال ابن الأثير، في المثل السائر: وهذا الذي أنكره هو عين المعروف في هذه الصناعة:
إنَّ الذي تكرهون منه ... هو الذي يشتهيه قلبي
فقوله: إن الإنسان إلى آخره، مسلَّمٌ إليه، ولكنه شذَّ عنه أن صناعة المنظوم والمنثور مستمدةً من كل علمٍ وطلِّ صناعةٍ؛ لأنها موضوعة على الخوض في كل معنى، وهذا لا ضابط له يضبطه، ولا حاصر يحصره.
وقال ابن المعتز، في كتاب البديع: مما يعاب على الشعراء استعمال ألفاظ الحكماء، كالكيمياء، والسَّيمياء، والهَيولَى.
ولعله كان معيباً في الصدر الأول، لأنه لو يُؤلف استعماله، وعلى أمثالنا لا يعاب؛ لشيوعه، بعد نقل كتب اليونان إلينا؛ فإن اللفظ قد يعدُّ فصيحاً عند قومٍ دون آخرين.
ألا ترى أن أبا هلال قال في كتابه الصناعتين: الوحشيُّ يعاب على القروِي دون البدوي، الذي هو لغته؛ لأنه معروفٌ عندهم. وهذا مما أطلقه أرباب المعاني فاحفظه.
يوسف البديعي
أديب للبديع من القول منسوب، وواحدٌ بألفٍ من البديع محسوب. أطلع الكتاب باسقاً، ووافى به درًّا متناسقاً. وكان خرج من دمشق وعوده طري، وشرابه سائغ مري. لم تتقشَّع غمامته، ولم تذبل كمامته. وعلى قدر جماله، رزق حظًّا من كماله.
فدخل الشهباء وناسها أولئك الناس، يومئذٍ توددٌ وإيناس. فتبسمت له خلائقهم عن شفاه الصباح، وكأنما هي الرياض باح بسرها نفس الصباح.
وحسن في أعينهم حسن الحور، ووقع من قلوبهم وقع الوطر. وما برح أمره يروق ويحسن، حتى خطبته القلوب وهتفت به الألسن.
فصدح بشعره مترنِّماً في ناديهم، ونال بهم مغانم من أياديهم. وجلب لهم درَّ الكلام، فحلب منهم دَرَّ الكرام.
ولما وافاهم ابن الحسام متوشِّحاً بالقضاء، وخليفةً للسيف في المَضاء. وله البسالة التي تقتنص شوارد المعالي وتفترس، في الأريحية التي يحتمي بها الأمل من الخطوب ويحترس.
ووزنه بميزان الاختبار، فألفاه حريٍّا بالاعتبار. فنوَّه به، واعتنى بأدبه.
وولِيَ الشام فصحبه ملتحفاً بالخطوة، وواقفاً من تقربه بتلك الربوة. ودخل بعدها الروم لخدمته، وتقلب دهراً في خصائص نعمته.
وباسمه ألَّف من كتبه ما ألَّف، وجارى في حومة السبق من تقدَّمه فما تخلَّف. وهو في الأدب ممن ملك البيان عناناً. وهصر من فنونه المتنوعة أفناناً. إن نثر فالدُّرُّ المنثور انفصم نظامه، أو نظم فما اللؤلؤ المشهور نسَّقه نظَّامُه. وله في الفوائد الفرائد، ما تنتقيه لأوساط القلائد الخرائد.
وقد رأيت جملة من بدائعه فتنزَّهت في حدائق ذات بهجةٍ، ورويت ظمآن سمعي من فوائده، وموارده العذبة اللَّهجة.
وها أنا أورد له ما يغازل الجفون الوسن، وتأبى محاسنه إلا أن تذكِّر بيوسف الحسن. فمن ذلك قوله:
رويداً هو الوجدُ الذي جلَّ فادحُه ... وقد بعدتْ ممَّن أُحبُّ مطاوحُهْ
هوًى تاهتِ الأفكارُ في كنهِ ذاتِه ... ومتنُ غرامٍ عنه يعجزُ شارحُهْ
أقيكَ الرَّدى هل أنت بالقربِ منجِدٌ ... أخا دَنَفٍ لاحت عليه لوائحُهْ
стр. 55
مُعنًّى رثتْ أعداؤُه لنحولِهِ ... ورقَّ له ممَّا يقاسيه كاشحُهْ
وليس له خِدنٌ يعينُ على الأسى ... يطارِحُه شجوَ الهوى ويطارحُهْ
يحاوِل كتمانَ الهوى وجفونُه ال ... قريحةُ تُبدِي ما أكنَّتْ جوانحُهْ
خُطوبٌ أصابتْه لو أنَّ ببعضها ... جَنيناً دَرَى في المهدِ شابتْ مسائحُهْ
رمتْهُ يدُ الأيَّامِ عمداً بنأيِهم ... وضاقتْ عليه بالتَّجَنِّي فسائحُهْ
خليليَّ حُثَّا أينُقَ الرَّكبِ بي ولا ... تقولا من الإدلاجِ كلَّتْ طلائحُهْ
وعُوجا على الرَّكبِ الذي قد جهِلتُما ... معالِمهُ تَهديكُماهُ روائحُهْ
مَحلٌّ إِليه كلُّ قلوبٍ مشوَّقٌ ... وتستوقِفُ الأحداقَ حسناً أباطحُهْ
يظن به من جازَه حلَّ معبداً ... إذا صدحتْ فوق الغصونِ صوادحُهْ
سقاهُ وحيَّاهُ الغمامُ بوابلٍ ... تباكِره أوداقهُ وتراوحُهْ
به تَرَيَا من لو بدا البدر في الدُّجى ... وأسفرَ في ديجوره فهو فاضحُهْ
جميلاً يعيرُ الشمسَ من نورِ وجهِهِ ... وتُسبى به من كلِّ حيٍّ ملائحُهْ
جبيناً تهابُ الأُسْدُ سورةَ وجههِ ... ويخشاهُ من في الدِّرعِ تُخشى صفائحُهْ
يصدُّ معنَّاهُ نهاراً وربَّما ... يوافيهِ ليلاً طيفُه فيصالحُهْ
له مقلَتا ريمٍ وما شامَ غيرهُ ... جَوارحها إلا وذابتْ جوارحُهْ
إذا أوعدَ الهجرانَ وفَّى وعيدَهُ ... وإن وعد المشتاقَ فهو يمازحُهْ
وإن لامَني فيه عَذولي جهالةٍ ... وقد طلَّ من دمعي على الخدِّ سافحُهْ
فلي عنه شغلٌ بامتِداحي مهذَّباً ... تُزيِّنُ أبكارَ المعاني مدائحُهْ
وقوله من قصيدة، مطلعها:
هل للمتيَّمِ من نصيرِ ... ومضامِ وجدٍ من مجيرِ
أو مسعفٍ لطليقِ دم ... عٍ وهو ذو لبٍّ أسيرِ
دَنِفٌ يبيتُ وبين أح ... شاهُ له نارُ السَّعيرِ
لم يلقَ إلا الشَّوقَ وال ... وجدَ المُبرِّحِ من سميرِ
ويرومُ إخفاءَ الهوى ... والحبِّ من بعدِ الظَّهورِ
أنَّى وأدمعه جرتْ ... في وجنتَيْه كالنُّهورِ
يرعى نجومَ الليلِ شو ... قاً منه للظَّبيِ الغريرِ
رَشَأٌ كخطوطٍ في كثي ... بٍ تحتَ بدرٍ مستنيرِ
يرنو فتفعل بالعقو ... لِ لِحاظُه فعلَ الخمورِ
فتنتْ ملاحةُ وجههِ ال ... وضَّاحِ ربَّات الخدورِ
يستوقفُ الأحداقَ إذ ... يبدو بمنظرِه النَّضيرِ
مهما نسيتُ فلست أنْ ... سى ما مضى لي بالغويرِ
إذ زارَ بعد إطالةِ ال ... هِجرانِ في ليلٍ قصيرِ
ووفى بلا وعدٍ وكم ... وعدٌ يشابُ له بزورِ
أحْيَى بزورته وقد ... تلِفتْ به روحُ المزورِ
وأدار أكؤسه على الَّ ... سكرانِ من لحظِ المديرِ
راحٌ يذكِّرنا بها ... عهد الخوَرْنَقِ والسَّديرِ
شمسٌ لها إشارقُها ... وقتَ الهجيرِ بلا هجيرِ
ضمنتْ وأوفتْ أنَّها ... تنفي الهُمومَ من الصُّدورِ
وتعيدُ أوقاتَ السُّرو ... رِ بغير أوقاتِ السُّرورِ
فوحقِّ ساحرِ مقلتي ... هِ في العشايا والبُكورِ
إلا بمدحِ المصطفى ال ... منعوتِ بالحسبِ الخطيرِ
مولًى خزائنُ علمِه ... في صدرِه لا في الصُّدورِ
فاقَ الأوائل بالعلا ... والفضلِ في الزمن الأخيرِ
إن نمَّقتْ كفَّاه طر ... ساً خيلَ كالرَّوضِ المطيرِ
стр. 56
تعساً لمن جاراه فه ... وَبغيرِ شكٍّ في غرورِ
لم يدرِ أنَّ صفاتِه ... في النَّاسِ عزَّتْ عن نظيرِ
لو كان ذا عقلٍ لَمَا ... قاسَ الجداولَ بالبحورِ
وكان بينه وبين السيد موسى الرَّام حمداني مراجعات، فكتب بعض الظرفاء عن لسانه إلى السيد قصيدةً شهيرة، كالشمس وقت الظهيرة، واقتضى الأمر عدم إخباره بذلك، فراجعه عنها بقوله:
يا دَير سمعان ذكَّرتني ... رسومكَ الدُّرَّسُ الدَّريسا
أودتْ بسكَّانكَ اللَّيالي ... ولم تدعْ منهم أنيسا
فلا أغَبَّتْك غادياتٌ ... ولا عدتْ ربعكَ الدَّريسا
والناسُ مثل الرُّسومِ إلا ... إذا جنوا فاخراً نفِيسا
فكتب إليه البديعي هذه القصيدة:
ليس إلا بالقرب ما بك يوسى ... من جوًى دونه يُذيبُ النُّفوسا
قد سقتْك الأيامُ خمرةَ وجدٍ ... وأدارت من البِعادِ كؤوسا
بعَّدت عنك من تحبُّ وهذا الدَّ ... هرُ يولي الفتى نعيماً وبوسا
أين أوقاتُك التي كنت فيها ... لم تبِتْ من رِضا حبيبٍ يَؤوسا
حيث يسقيكَ خَنْدريساً حبيبٌ ... ريقُه العذب يزدري الخَندرِيسا
ذو قوامٍ ما ماس في الرَّوضِ إلا ... علَّم الغصنَ قَدُّه أن يميسا
طالما زار في الدُّجى وثُريَّ ... اه تحاكي في المغرب الإنكيسا
غلساً خوفَ لائمٍ والذي يكْ ... تمُ وصلاً يحاول التغليسا
فسقى عهدَه بجِلِّقَ عهد الدَّ ... معِ من مقلتي وربعاً أنيسا
بلدةٌ ما ذكرتها قطُّ إلا ... حرَّك الشوقُ من غرامي رسيسا
واستهلَّت مدامعي كالغوادِي ... وغدا القلب من جَواه وطيسا
منذ فارقتُ أهلها لم يطبْ لي ... صفوُ عيشٍ يحبو نديماً سَؤوسا
منها:
من أناسٍ ذكوا أصولاً وكانوا ... من أناسٍ نموا وطابوا غُروسا
نصروا دين ربِّهم بمواضٍ ... كم أذلَّتْ جحافِلاً وخميسا
تقف النَّاسُ هيبةً ووَقاراً ... بحِماهم إذا رأوهمْ جلوسا
أذْهب الله عنهم الرِّجسَ والفح ... شاءَ دون الأنامِ والتَّدليسا
وبعد أن رأى هذه القصيدة المنحولة، أخذه ما أقامه وأقعده، وملكه ما أزعجه وأكمده.
ولم يبقى أحدٌ إلا زاره واشتكى، وزأر وبكى. فكتب إليه معتذراً:
ما لموسى الشَّريف أصبحَ يبدي ... بعد ذاك الإقبالِ هجري وصدِّي
ما كفى أنه أراد لي الكيْ ... دَ مراراً ولم ينل غير وجدِ
زار دار النَّقيب ذي الفضلِ من أو ... صافَه الغرُّ ليس تُحصى بعدِّ
ذي المعالي والمكرمات حجازي ... من غدا في الأنامِ من غيرِ نِدِّ
سيدٌّ جوده لو اقتسمته النَّا ... سُ طرًّا لم تلق طالبَ رِفدِ
الجليل الشَّهيرُ بابن قضيب ال ... بان لا زال للورى بدر َسعدِ
واشتكى عنده وذمَّ ولكن ... ذَمُّ مثلي من مثله ليس يجدي
شاتماً ملء فيهِ في معرض الهز ... لِ ووالله لم يرم غير جدِّ
مُسبلاً دمعهُ كأنَّ حبيباً ... بعد قربٍ رماهُ منه ببعدِ
مبدياً من حرارة القهرِ ما لو ... حلَّت الكونَ لم يكن كُنهَ بردِ
وبدا مغرماً كأن بشَتمي ... آدميٌّ غدا بصورةِ قردِ
والذي أوجبَ التَّخاصم أني ... كنت قدْماً منحته صفوَ وُدِّي
ثمَّ كلَّت قريحتي عن مديحٍ ... فاستعارت له حديقة حمدِ
ورآها من بعد حولٍ وشهري ... ن بدرجٍ قد كان من قبلُ عندي
فبدا منه ما بدا وسقاني ... وتحسَّى من أكؤسِ الذمِّ وِردي
وعلى كلِّ حالةٍ سيِّدُ الأح ... كامِ أرجو وما سواه تَعدِّ
стр. 57
ولما دار هذا القول، وهدر القوم هدر الشول.
كتب السيد أحمد بن النقيب يداعب البديعي بهذه الأبيات، المخصوصة هنا بالإثبات. وهي قوله:
مولايَ يوسفُ إن يقولوا سارِقٌ ... للشِّعر فاحذر أن تضيق وتضجَرا
هذا نبيُّ الله يوسفُ قيل قد ... سرق الصُّواعَ وكان قولاً مُفترَى
لك من فرائدِكَ الشَّواردِ شاهدٌ ... عدلٌ يردُّ الخصمَ عنك محيَّرا
فإذا تناشدها العداةُ وأبصَروا ... من حسنِها ما لم يكنْ متستِّرا
ذَهلوا عن الأيدِي ولكن قطَّعوا ... أكبادَهُنَّ تلَهُّفاً وتحسُّرا
وللبديعي يودع ابن الحسام، حين فارق الشام، بعد انفصاله عن قضائها، وتوجه إلى مركز عِزَّه، ويعتذر إليه عن تخلُّفه عنه:
أُحاشيهِ عن ذِكرى حديث وداعِه ... وأُكبِرُه عن بثِّه وسماعهِ
وما كان صبري عند وَشْك النَّوى على ال ... جوى غير صبرِ الموتِ عند نزاعِهِ
ونحنُ بأُفقِ الشَّامِ في خدمةِ الذي ... يضيقُ الفضا عن صدرهِ واتِّساعهِ
أجَلُّ حماة الدِّنِ وابنُ حسامهِ ... وحامي حِمى أركانِهِ وقطاعِهِ
عشِيَّة توديع المآثرِ والعُلى ... وكلُّ فخارٍ للورَى في رِباعِهِ
وما سرتُ عن وادي دِمشقَ ولم يسرْ ... وسُؤدُدُه في مُدْنِهِ وضياعِهِ
سوى أنَّني لا أرتضِي أن أرى بهِ ... سواهُ على أعيانهِ ورِعاعهِ
فأيُّ فؤادٍ بعد يومَ رحيلهِ ... غدا سالماً من وجدِه وانصداعِهِ
قيا أيُّها السَّارِي عن الشَّامِ بعدَما ... ثوى عدلُهُ في قاعهِ وبقاعهِ
ويا قادماً بل راحلاً عن بلادِنا ... وفي كلِّ أرضٍ نيِّرٌ من شعاعِهِ
فلا تنسَ عبداً نازِحاً شاع ذِكرُه ... إلى بابِكَ السَّامي علا بانْقطاعِهِ
ومن كانَ للأُسْدِ الضَّواري انتماؤُه ... له غُنْيةُ في دهرِه عن ضياعِهِ
وأنت الذي نوَّهتُ من قبلُ باسمِه ... وأبقيْتُ ذِكراً خالداً باصطِناعِهِ
وله من قصيدة، يمدح بها النَّجم الحلفاوي، مطلعها:
أتى زائراً وهْناً ولم يخشَ عاذِلاً ... ونورُ ذُكاءِ الأُفقِ سار مراحِلا
وجادَ بما لو رُمْته من خالهِ ... لكانَ لما أوْلى من الوصلِ باخِلا
حبيبٌ لو أنَّ البدرَ أصبحَ حائزاً ... ضِياءَ مُحيَّاهُ لما زال كامِلا
رشيقٌ كخطوط الخيزرانِ ما انثنَى ... وما مالَ إلا وانثنَى القلبُ مائِلا
يحرِّك بالأعطافِ أجنحةَ الهوى ... إذا حَرَّكَتْ من فوقهِنَّ الغلائِلا
فبِتُّ أعاطيهِ سلافَ مُدامةٍ ... ترُدُّ الدَّياجي من سناهُ أصائِلا
إذا بزَغتْ من راحتيهِ بدا من السَّ ... رورِ لنا ما كان مِن قبلُ آفِلا
إلى أن نضَا ثوبَ الشَّبابِ الدُّجى وقد ... غدتْ زُهرُه إلا قليلاً أوافِلا
وذو الرَّعثاتِ الحمرِ هبَّ كأنَّما ... عليه ضِياءٌ شامَ مَناضِلا
الرَّعثات: جمع رعثة، ورعثة الدِّيك عثْنونُه.
قال الشاعر:
من صوتِ ذي رَعَثاتٍ ساكِن الدارِ
فكبَّر مولاهُ وهلَّلَ إذ رأى ... هزيعَ الدُّجى الزِّنجيِّ أدْبر راحِلا
وقام بجيشٍ من ذويه كأنَّه ... وإياهم كِسرى يحثُّ القبائِلا
على قضُبِ العقيانِ يمشي مجلبباً ... جلابيبَ مثل الروضِ ما زالَ حافِلا
فسرْنا إلى نادٍ رحيبٍ سماؤهُ ... تريكَ بدوراً مشرقاتٍ كوامِلا
إلى منزلٍ للأُنسِ فيهِ منازلٌ ... بهنَّ غدا حسناً يفوقُ المنازِلا
حكى دنِفاً أحشاؤُه قد تضرَّمتْ ... بنارِ الأسى لو كان يشكو البلابِلا
стр. 58
به يبذُل الحسنَ المصونَ لمن بهِ ... وفي غيرهِ لو كان ما كانَ باذِلا
ترى جدرَه كالعاشقينَ من الجوى ... غداةَ النَّوى تُبدي دموعاً هواطِلا
لقد شادَه نجمُ الهِدايةِ واحدُ ال ... أفاضِلُ في الشَّهباءِ طولاً ونائِلا
منها في المديح:
وكم نمَّقتْ أفكارُه غلسَ الدُّجى ... رياضاً سقاها الفضلُ طلاًّ ووابِلا
حدائقُ لم يكسُ الهجيرُ نظيرها ... ذبولاً وقد تلقى الرِياضَ ذوابِلا
عرائِسُ تلقاها بضافِي ثيابِها ... فإن لاحَ ما فيهنَّ قلتَ ثواكِلا
تُجيبكَ عمَّا رمْتَ وهي صوامتٌ ... ومن ذا رأى خرسا تُجيب المُسائِلا
بدائِع فكرٍ للأواخِر وطَّدتْ ... محاسِن ذِكرٍ تستقلُّ الأوائِلا
ألمَّ في هذه القطعة بقول السري الرفاء، في وصف الكتب:
عندِي إذا ما الرَّوضُ أصبحَ ذابِلا ... تحفٌ أغضُّ من الرياضِ شمائِلا
خُرسٌ يحدِّثُ آخرٌ عن أولٍ ... بعجائِبٍ سلفتْ وكنَّ أوائِلا
سُقيتْ بأطرافِ اليراعِ ظهورها ... وبطونُها طلاَّ أجمَّ ووابِلا
وتُريكَ ما قد فاتَ من دهرٍ مضى ... حتى تراهُ بعينِ فكرِكَ ماثِلا
وله في الشيب:
يقولُ ليَ الشَّيبُ وقد راعني ... منه سنًا قد أبادَني الوسَنا
إلى مَ لا ترعوي ألستَ ترى ... قد لبستْ كلُّ شعرةٍ كفنا
وله فيه أيضاً:
وسائِلةٍ حالي وقد ودَّع الصِّبا ... ولاحتْ نجومُ الشَّيبِ في الرأسِ تُزهرُ
وما حالُ من يغدو ومن فوق رأسِهِ ... مدى عمرِه لا زالتْ البيضُ تشهرُ
محمد بن نور الدين الشهير بابن الدرا هو لمشامِّ الأرواح شمامة، وكأنَّه زهرةٌ تفتحت عن كمامة. بزع في أفق دمشق وبها برع. وما أتحققه إلا في بحبوحة الترف ترعرع.
فمرة يتشبه بالبدر إذا أقمر، وتارةً يتمثَّل بالغصن إذا أثمر.
وهو في لطف الشمائل، بمثابة نور الخمائل. ترقرق عليه ماء القبول، فنظم ما هو أرقُّ من نسيم القبول.
وشعره يكاد من كثرة مائه يتقطر، ويكاد القلب من غرامياته يتفطر. ولأجل أنَّه من أشعار الصِّبا، وهي كما قيل التمر باللِّبا. رق رقة دين الفاسق، وشقَّ عليه قلبه العاشق.
وأنا من منذ ولعت بالشعر، وساومت منه من سوق الرقيق كلَّ غالي السِّعر.
شغِفٌ به وبشعرِه ... شغفَ المحبِّ بمن يحبْ
أتفكه بيانع ثمره، وأعدُّه من ليلي ومن سمرِه. وقد أتيتُ منه بما أسأل في وجنة الدهر غرةً ماء الحسن فيها مترقرق، وحسبك من شعرٍ إذا ما غنَّى به النبت الهشيمُ يورق.
فمنه قوله في قصيدةٍ، مطلعها:
ساقٍ أغنُّ وروضةٌ غنَّاءُ ... ومُدامَ كرخِيَّةٌ صهباءُ
يسعى بها طوراً ويجلس تارةً ... فيديرُها من لحظِه الإيماءُ
رشأٌ تجاذبتِ المحاسنُ خلقهُ ... حتى لودَّتْ أنَّها أعضاءُ
خطَّار قامتِه الرطيبةِ ما انثنَى ... إلا استلذَّتْ فتكةَ الأحشاءْ
وشموسُ طلعتِ حسنِه مذ أسفرتُ ... حمدتْ أُفولَ عقولِها العقلاءُ
في جنحِ طرَّتهِ وصبحُ جبينِه ... نعمَ الصَّاحُ وحبَّذَ الإمساءُ
أفديهِ إن أخذَ الطِّلا منهُ وقد ... دعتِ الكرَى أجفانُه الوطفاءُ
يحبوكَ من تحفِ الحديثِ لطائِفاً ... هي عنديَ الأكوابُ والنُّدماءُ
منها:
حتى إذا أذكى الحياءُ بخدِّهِ ... لهباً بهِ تتلهَّبُ الأحشاءُ
واحمرَّ قلبُ عقاربِ الصُّدغينِ وان ... هلَّتْ بلؤلؤِ عقدِها الجوزاءُ
فوقفتُ أحيرَ من مناطِق خصرِه ... متوسِّلاً ودعائِي استصحاءُ
فانزاحتِ الجوزاءُ نحوَ غروبِها ... وبدا لشمسِ جبينِه لألاءُ
ورنا إليَّ ملاطِفاً بعتابِه ... ويزينُه أدبٌ له وحياءُ
منها:
стр. 59
فوحقِّ إفحامِي بما أملاهُ لي ... ولأنَّني تعنو ليَ الفصحاءُ
لم أعدو ما أسدَتهُ لي حسناتُه ... أنَّى وكلِّي في هواه وفاءُ
لا بل عليَّ من العفافِ وصونِه ... وعلوِّ منصبِ حسنِه رقباءُ
ما ثمَّ غير تلاثمٍ وتعانقٍ ... ويديَّ مفرشُ جيدِه وغطاءُ
وفمي على فه وأشكوهُ الظَّما ... ظمأٌ جناه لقلبيَ الإرواءُ
حتى إذا أفضتْ أفاويهُ الصَّبا ... وأتتْ تكلِّلُ ذيلها الأنداءُ
وبدا الكرى يسطو على إحساسِه ... ورقى إلى أجفانِه الإغفاءُ
عطسَ الصَّباحُ فهبَّ يمسح نعسةً ... لم يشفِها من مقلتيهِ لقاءُ
قلت: قال المرزوقي في شرح الفصيح: عطِس: فاجأ من غير إرادة، ومصدره العطس، والعُطاس الاسم، جعل كالأدواء. يقال: أرغم الله معطِسه. وعطِس الصبح والفجر، على التشبيه.
قلت: كما في قول ابن الوردي:
قلتُ لهُ والدُّجَى مولٍّ ... ونحنُ في الأنسِ والتَّلاقِي
قد عطِس الصُّبحُ يا حبيبي ... فلا تشمِّتْهُ بالفراقِ
ومثله عطاس الدهر، كما في قول الغزي:
كم من بكورٍ إلى فخرٍ ومنقبةٍ ... جعلتَهُ لعطاسِ الدَّهرِ تشميتا
وله من أبيات، أولها:
عطفتُ على ودِّ الهوَى وولاتِه ... وأخلصتُ أسراري لحفظِ إخائِهِ
وما ذاك إلا أن حبانِي بشادنٍ ... يقطِّعُ أكبادَ الجفا بوفائهِ
رخيمُ معانِي الدلِّ أدمثُ من رُوا ... نعيمِ خدودِ الغانياتِ ومائهِ
سقيمُ حواشِي الطرفِ والخصرِ عزَّ أن ... يلوحَ لرأيِ العينِ بندُ قبائهِ
غلامٌ كأنَّ الله ألبسَ خدَّهُ ... لِثامَ ورودٍ مذهباً بحيائهِ
وأودعَ جفنيهِ من السِّحرِ صارماً ... تلوحُ المنايا منهُ عندَ انتضائهِ
فكم من فؤادٍ في وطيسِ غرامهِ ... جريحٍ بهِ مخضوبةٍ بدمائهِ
وللحسنِ بل لله بانة قدِّهِ ... إذا عبثتْ فيها طلا خيلائِهِ
يصوِّبها نحوي فيوهمنِي المنَى ... أداءَ سلامٍ خصَّني بأدائِهِ
وما هو إلا أن تحقَّقَ أنَّ لي ... بقية روحٍ سلَّها باثْنائهِ
إلى اله أشكو أرقمَاً فوقَ جيدهِ ... يجوسُ خلالَ الفكرِ حال اختفائهِ
ومهما بدَا من وكرِه وهو يلتَوي ... لوى كلَّ عضوٍ مستهاماً بدائهِ
وله من قصيدة في الغزل، مستهلها:
إليكَ شقيقي في الصَّبابةِ أندبُ ... أواناً به كنَّا نلذُّ ونطربُ
أوانَ امتطينا فوقَ زهوٍ مضمَّراً ... له قصباتُ السَّبقِ أيانَ يلعبُ
حملْنا على جيشِ الهمومِ فلم ندعْ ... به منه إلا ما يوارِيه مهربُ
ولا رمحَ إلا من قوامٍ مهفهفٍ ... ولا سهمَ إلا ما أراشتْهُ أهدبُ
ولا مرهفٌ من غير ساجٍ مدعَّجٍ ... ولا درعَ إلا ثوبُ حسنٍ مذهَّبُ
نصِرنا به مذ منَّ بالوصلِ شادنٌ ... صدوقُ الأمانِي في ترجِّيهِ يكذبُ
رقيقُ حواشي الحسنِ لولا مهابةٌ ... له كادَ بالألحاظِ حاشاهُ ينهبُ
لطلعتِه في كلِّ قلبٍ مشارِقٌ ... وللعقلِ منها حين تشرقُ مغرِبُ
خبيرٌ بأحكامِ الهوَى فجميع ما ... ينمِّقهُ الواشي لديهِ مكذَّبُ
وإذ كانَ مجبولَ الخلالِ على الوفَا ... خليلكَ فاللاَّحِي عليهِ معذَّبُ
وله مضمِّناً بيت المهيار:
فتنتُ بهِ والصُّبحُ من فرقِ شعرِه ... بدَا ولشمسِ الرَّاحِ فيها غروبُ
فكدتُ لِما شاهدتُ لولا طُلوعُها ... بمشرقِ أفقِ الخدِّ منه أذوبُ
ولولا طلوعُ الشمسِ بعد غروبِها ... هوتْ معها الأرواحُ حين تغيبُ
وله مضمِّناً:
لقد علقتُ ببدرٍ زانهُ حورُ ... في مقلتيهِ بهِ يسطو على المهجِ
стр. 60
وأهلهُ لم تزلْ تغريهِ في تلفي ... وكلَّما زادَ تيهاً زاد بِي وهجِي
فليصنعوا كلَّما شاءوا لأنفسِهِم ... همْ أهلُ بدرٍ فلا يخشونَ من حرجِ
تذكرت هنا قول أيمن بن محمد السعدي، من موشَّح أودع فيه هذا البيت:
لولا هواكَ المرادُ ... ما كنتُ ممنْ يُصادُ
ولا شجانِي البعادُ ... يا بدرُ أهلُكَ جادوا
غلِطتُ جاروا وزادَا ... لكنَّهم بكَ سادُوا
فليفعلوا ما أرادوا ... فإنَّهم أهلُ بدرُ
ومن مبدعاته قوله:
ليس إلى الكيمياءِ منتسِباً ... من باتَ من حرِّ نارِها موهَجْ
حتى استحالتْ أجزاؤها ذهبَاً ... بل من يعيد العقيقَ فيروزجْ
قلت: لله درُّه، ما أبدع درَّهُ! وقد أخذ هذا المعنى شيخنا عبد الغني النابلسي، فقال:
قولوا لأهلِ الكيميا إن تدَّعوا ... جعلَ اللُّجينِ كما زعمتُمْ عسجدَا
بالله هل في وُسعكمْ أن تصبِغوا ... حجر العقيقِ فتجعلوهُ زبرجدَا
وللإشبيلي ما يقارب هذا في نار:
لابنه الزَّندِ في الكوانين جمرٌ ... كالدَّراري في اللَّيلة الظَّلماءِ
خبِّروني عنها ولا تكذبوني ... أسِواها يكونُ للكيمياءِ
سبكتْ فحمُها صفائحَ درٍّ ... رصَّعتها بالفضَّة البيضاء
وله خمسة أبيات، كالخمسة السيارات، يخرج من أوائلها اسم عثمان، وهي:
على كلِّ عضوٍ فيَّ دارت لحاظهُ ... كؤوس غرامٍ قد مُلئن من السِّحرِ
ثملْتُ بها وجداً ولم أصح صبوةً ... فها أنا بين الصَّحو حيرانُ والسُّكرِ
معاذ الهوى أن يُرتجى من يدِ الهوى ... خلاصي وأن يُقضى بغيرِ الهوى عمري
أإن كان لي عن مذهب الحبِّ مذهبٌ ... فلا برحت روحي تعذَّبُ بالهجرِ
نعمتُ بهذا العيش والموت دونهُ ... إذا كان يرضيه ولو كنتُ في أسرِ
وله من رائية ملئت بنوافث السحر، وغازلت عيون المها بين الرصافة والجسر:
أما وظبا الألحاظِ أرْهفها السِّحرُ ... وجال فرنداً في جوانبها الخمرُ
فصالت بفتكٍ جاوز الحدَّ حدُّها ... على أنَّها مرضى وأجفانها فترُ
وزانةِ قدٍّ ثقَّفتْها يد الصِّبا ... ولم يُثنها إلا من الصَّلف السُّكرُ
فجارت على الأحشاء فتكاً وإنها ... لعادلةٌ بل لا يُلمُّ بها وزرُ
وعهدٍ بأيدي الوصل كان لنا به ... مبايعةٌ حيَّ مرابعه القطرُ
وحقِّ مواثيق الهوى بين أهله ... وعذب إشاراتٍ لهم دونها السِّحرُ
لقد وضحتْ للحسن في التُّرك آيةٌ ... على من عداهم مثل ما ابتسم الفجرُ
فكم فيهم من كل أحورَ إن رنا ... أصاب فؤاد النُّسك يتبعه الصَّبرُ
له حركاتُ الظَّبي يمرح عابثاً ... ويمشي الهوينى ثمَّ يدركهُ النَّفرُ
وذي طرَّةٍ من فوق صلتٍ كأنها ... حواشي الدُّجى قد عنَّ من تحتها البدرُ
تبدِّدها منه الرُّعونة غافلاً ... ولكن على تبديدها جُمع الشَّرُّ
وخصرٍ ولكن لا مسمَّى لكنْهه ... مناطقه حيرى وما تحتها مرُّ
يُناجي معانيه الدَّفين من الهوى ... فينهضُ من بعد الممات له نشرُ
تعلَّقتهُ من بعد ما اندمل الحشا ... ولم يبق نَهيٌ للغرام ولا أمرُ
فيا ويح هذا القلب كم طعن الهوى ... ويعلم أن الحلوَ منه هو المرُّ
فياربِّ إما لجَّ في غُلوائه ... فصبِّره للبلوى فقد برَّح الضرُّ
وجمعته مع مليحٍ ليلة، يشتهي الفلك في شبهها نيله.
والمجلس بتزاحم الرقباء شرق، وكلٌّ منهم من فرط غرامه صبٌّ أرق.
فلاحت من المليح إيماءة مفتقد، أعقبتها وجلةٌ من ناظرٍ منتقد.
فلم يتمالك الشيخ أن صوب النظر، حتى كاد يفضي به إلى الأمر المنتظر.
стр. 61
فلما استشعر الغلام عطف عطفة مشفق، وأراه في ضمن إغضائه موعد مرفق.
مشيراً للكتمان تارةً بانطباق جفنٍ ملئ سحراً، وآونةً بإظهار ثنايا أبانت فوق ياقوت الشفاه درًّا. فقال:
قلتُ له والهوى بيننا ... يطوف بالكأس الهنيِّ المري
اكفف حسامَ اللَّحظِ عن مهجةٍ ... ذابت لريَّا ريقكَ السُّكري
فأغمد الهنديَّ من جفنه ... ورصَّع الياقوت بالجوهرِ
وله، ويخرج منه اسم بكري بطريق التعمية:
لوى واوَ صدْغٍ خاله الخال عقرباً ... أصاب بها كبدي الصَّديع ولا يدري
ولا بدَّ من رشفٍ يبلُّ غصونها ... فما شفَّ قلبي غيرُ منع لمى الثَّغرِ
طريقة حله، أن الواو بالحساب الهندي بستة، وترسم هكذا ٦وأراد بليها قلبها، فتصير هكذا ٢، وهذا رسم الاثنين؛ وله الباء.
وأراد بقوله كبدي ولا بد، الكاف والياء؛ ورشفٍ يبل غصونها الراء، وبالتنصيص عليه بقوله: فما شفَّ.
وكون العمل في البيت الأول دون الثاني، أو الآخر، أو فيهما، مما يعاب عند أهل هذا الفن.
لك الله دعني من حديثك إنَّه ... متى غبت تشقى من سواه المسامعُ
وصنْ رونقَ الوجه البديع جماله ... فإن لحْت حاضت في الجفون المدامع
المعنى: أنك إذا لحت سالت العيون دماً، لشدة شغفها بك، ففيه استعارة تبعية أو مكنية.
شبه المدامع بالنساء، والمرأة إذا اشتدت شهوتها وأفرطت سال حيضها.
وأصله قول المتنبي:
خفِ الله واستُر ذا الجمال ببرقعٍفإن لحتَ حاضت في الخدود العواتق. والعواتق: هي الشَّوابُّ من النساء.
وله:
لحاظٌ كأن الله أودع جفنها ... حياةً لأرباب الهوى وهلاكا
إذا فوَّقت سهماً يخطُّ دم الحشا ... على نصله أهلاً جعلت فداكا
وله:
رأت نمل عارضه مقلتي ... تحوم على الثغر من غير نهلِ
فسالتْ دماً ثم قالت لنا ... ذَبحْت كراي على بيت نملِ
وله:
وقد زعموا أن القلوب بحبَّةٍ ... تصاد وقالوا إنها حبَّة الخالِ
ولكنَّه قد صاد قلبي بحبِّه ... بلا حبَّةٍ ربُّ الولا صاحب الخالِ
وله:
ويح قلبي من ظالمٍ لم يبال ... بذَهاب النفوس تحت النِّعالِ
ما بدا للعيون إلا رأته ... مرهفاتٍ وأسهماً وعوالي
لا ترم وصله فقد قطعت بي ... ضُ سرار الجبين رأس الوصالِ
تناوله من قول الأمير المنجكي:
ألا دعني وشأني يا ابن ودي ... ومحوي كلَّ شخصٍ من خيالي
أيقصد من أسرَّته سيوفٌ ... طبعن لضرب أعناق السُّؤالِ
ولي من أبيات:
أمواج إحسانٍ أسرَّة وجهه ... لصديقه وسيوف بأسٍ للعدى
وله:
وكنت أصون الدَّمع عن أن أذيله ... إلى أن دنا يوم التَّرحُّل لا كانا
فقلَّدتها يوم الوداع بلؤلؤٍ ... أحالته أنفاس التَّحرُّق مرجانا
وله:
ألزمت نفسي الصَّوم عن شادنٍ ... كالبدر يستوعبه النَّاظرون
آليت لا أفطر إلا على ... وجه هلالٍ ما رأته العيون
وله:
وحقُّ هوى مصافحةِ المنايا ... أخفُّ عليَّ منه باليدينِ
إذا فكَّرتُ فيه لمست رأسي ... كأني موقنٌ بهجوم حيني
أصل هذا قول أبي نواس في الأمين بن الرشيد:
إنِّي لصبٌّ ولا أقول بمن ... أخاف من لا يخاف من أحدِ
إذا تفكَّرت في هواي له ... ألمس رأسي هل طار عن جسدي
وهذا النوع من البديع سماه المبرد في الكامل والتبريزي في شرح ديوان أبي تمام الإيماء.
وهو إما إيماءٌ إلى تشبيه، كقوله:
جاءوا بمذقٍ هل رأيت الذِّئب قط
أو إلى غيره.
قال الشهاب في كتابه الطراز: وكنت قبل هذا سميته طيف الخيال، وهو أن ترسم في لوح فكرك معنًى صوَّرته يد الخيال، فتصبه في قالب التحقيق، وترمز إليه بجعل روادفه وآثاره محسوسة ادِّعاءً، كما أن ما يلقى إلى المتخيلة في المنام يرى ذلك، ولا يلزم من ابتنائه على الكناية والتشبيه أن يعد منهما، لأمرٍ ما يدريه من له خبرةٌ بالبديع.
стр. 62
وفي كتاب الإشارة لابن عبد السلام، من المجاز تنزيل المتوهم منزلة المحقق، كقوله: تغرب في عينٍ حَمِئَةٍ، أي في حسبان رائيها.
ومثله من الشعر قول أبي نواس. وأنشد البيتين.
وللمتنبي في منهزم:
ولكنَّه ولَّى وللطَّعنِ سورةً ... إذا ذكرتها نفسه لمس الجنبا
المنازي:
تروع حصاهُ حاليةَ العَذارى ... فتلمس جانبَ العِقدِ النَّظيمِ
المنجكي في وصف خط:
لو شامَ ذو الخالِ نقط أحرفهِ ... لراح باليدِ لامسَ الخدِّ
ولشهاب:
للهِ نهرٌ صفا فأبصرَ من ... يقوم في جنبِ شطِّه سمكه
يمدُّ كفًّا له ليأخذها ... يظنُّ نسجَ الصَّبا لها شبكه
وهو مأخوذ من قول عمر المحَّار:
انظر إلى النَّهرِ في تطرُّدِه ... وصفوهِ قد وشَى على السمكِ
توهَّم الرِّيح صفوهُ فغدا ... للنَّسجِ فوق الغديرِ كالشبكِ
قلت: ثم رأيت الشهاب ذكر بيت أبي نواس في آخر الريحانة، وقال: لقد تلطَّف وأغرب في قوله أمسُّ رأسي؛ لجعله ما يترقبه واقعاً به، حتى فتش عن رأسه، وجسها بيده، ليعلم هل قطعت أم لا.
وهذا كقول المنازي. وأنشد البيت. وفيه التعبير عن المقال بالفعال، كقوله:
ويشتمُ بالأفعالِ قبل التكلمِ
ومثله قول ابن رشيق:
قبَّلني محتشِماً شادنٌ ... أحوجُ ما كنت لتقبيلِهِ
أومأَ إذ حيَّا بنا رنْجةً ... عرفتُ منها كنهَ تأويلِهِ
لما تطيَّرتُ بمعكوسها ... ضمَّت بناناً نحو تقبيلِهِ
قال: وهذا لم أر من ذكره، وهو مما استخرجته، وسميته نطق الأفعال. انتهى.
ولابن الدَّرَّا مذيِّلاً بيتي الحتاتي، اللذين أعار بهما ساحة الشرفين صفحه، وساق بهما إلى الورد العالي نفحه.
ومما قاله:
بصبا المرجةِ المبلَّلِ ذيلُه ... علِّلِ القلبَ علَّ يبردُ ويلهْ
وادَّكرْ يومنا بيومي حبيبٍ ... سلفا والسُّلاف تركض خيلهْ
ونديمٍ رقَّت حواشيه لطفاً ... وبحكم الهوى تحجَّب نيلهْ
سمهريِّ القوامِ ما ماسَ تيهاً ... أو دلالاً إلا وأتلفَ ميلهْ
ذي محيًّا كالبدرِ في جنحِ ليلٍ ... باختلاسِ العقولِ قد جنَّ ليلهْ
جئت من تحتِ ذيلهِ مستجيراً ... والتَّجنِّي عليَّ يسحب ذيلهْ
قلت يا من في حلبةِ الحسنِ قد حا ... زَ السَّبق حيث الجمال تركض خيلهْ
الأمان الأمان من حربِ إعرا ... ضِكَ عن مغرمٍ تراكم ويلهْ
ومن مجنونه المستغرب، قوله:
لنا صاحبٌ مغرًى بعونِ ذوي الهوى ... يشاركهم في وجدِهم والتَّولُّهِ
إذا عزَّ أن يلقى محبًّا رقى على الشَّ ... واهقِ يستقري دخان التَّأوُّهِ
وله في المنزلة المعروفة بالوجه، في طريق الحاج المصري:
شكا أهلُ وجهٍ قلَّة الماء بأرضهم ... وأنَّ الحيا شحَّت عليهم سماؤُهُ
فقلت لهم قولاً لهم فيه سلوةٌ ... إذا قلَّ ماء الوجهِ قلَّ حياؤُهُ
المصراع الأخير مضمنُ من قول القيراطي في هذا المحل:
أقول وقد جِئنا إلى الوجهِ جمعنا ... عطاشاً وكلٌّ خاب فيهِ رجاؤُهُ
إذا قلَّ ماءُ الوجهِ قلَّ حياؤهُ ... ولا خير في وجهٍ إذا قلَّ ماؤُهُ
قلت: ووجه الهجو للوجه، بسبب قلة مائه هو الوجه.
وللقطب المكي في مدحه:
أقولُ ووادي الوجهِ سال من الحيا ... وقد طابَ فيهِ للحجيجِ مقامُ
على ذلك الوجهِ المليحِ تحيَّةٌ ... مباركةٌ من ربِّنا وسلامُ
وللقيراطي فيه:
أتيتُ إلى الحجازِ فقلتُ لمَّا ... تبدَّى وجههُ لي وارتويتُ
وكم في الأرضِ من وجهٍ مليحٍ ... ولكن مثلُ وجهكَ ما رأيتُ
وهذا قد ظهرت فيه الوجهة، واندفعت عنه الشبهة. وبهذا تعلم مذهب العرب، وأهل الأدب، في مدح الشيء وذمه، كما فعل الحريري في الدِّينار.
стр. 63
وقد ألف الثعالبي، وابن رشيق في ذلك. قال ابن رشيق: أكثر ما تجري هذه المحامد والمذام على جهة المسامحة، لا من باب المشاححة؛ وإلا فالشيء لا يوافق ضده، فيكون الحسن قبيحاً والقبيح حسناً في حالٍ واحدة لمعنى واحد، لكن لكل شيءٍ كما ذكر الجاحظ مساوٍ ومحاسن، كما فعل عمرو بن الأهتم بين يدي رسول الله ﷺ ، وقد استشهده الزبرقان ابن بدر على ما ادعاه من الشرف في قومه.
قال عمرو: أجل يا رسول الله، إنه مانع حوزته، مطاعٌ في أدنيه، شديد العارضة.
فقال الزبرقان: أما والله لقد علم أكثر مما قال، ولكن حسدني وشرفي.
قال عمرو: أما وقد قال ما قال، فوالله ما علمته إلا ضيق العطن، زمر المروءة، لئيم الخال، حديث الغنى.
فرأى الكراهة في عين النبي ﷺ لما اختلف قوله، فقال: يا رسول الله، رضيت فقلت أحسن ما علمت، وغضبت فقلت أقبح ما علمت، وما كذبت في الأولى ولا قد صدقت في الثانية.
فقال النبي ﷺ : " إن من البيان لسحراً، وإنَّ من الشعر لحكمةً ".
ولقد أحسن ابن الرومي، حيث قال:
في زخرفِ القولِ تزيينٌ لباطلهِ ... والحقُّ قد يعتريهِ بعضُ تغييرِ
تقولُ هذا مجاجُ النَّحلِ تمدحهُ ... وأن تعبْ قلتَ ذا قيءُ الزَّنابيرِ
مدحاً وذمًّا وما جاوزتَ حدَّهما ... سحرُ البيانِ يُري الظلماءَ في النُّورِ
عبد الباقي بن أحمد، المعروف بابن السَّمَّان زهرة النَّاظر المتنشِّق، وزهرة المجتلِي المتعشِّق.
مسَحتْ خلالُ قذى العيون؛ فما رأته إلا وهي نقيَّة الجفون. تتستَّر الملاحةُ في غلائله، وتتقطَّر الرَّجاجةُ من شمائله.
يَعشقُه من كمالِه غَدُهُ ... ويكثِر الوجدَ نحوه الأمسُ
وله طبع كالروض صقلت يد الصَّبا ديباجة وجهه الوسيم، تتلَّقى النُّفوس من قبوله تلقِّي المخمور برد النَّسيم.
غرائب حديثه نُزه العقول ونجع الأسماع، يتجاوز بها غاياتٍ لم تختلج في خواطر الأطماع. وشعره يفعل بالألباب فعل بنات الدِّنان، وما السحر سحر مِراض الأجفان، ولكنَّما هو سحر البيان. وذكر مبدأ أمره، ومطلع قصيدة عمره. أنه تعاطى الاشتغال وخط غداره ما بَقَل، ثم خرج إلى مصر وروضه على أول ما ينزه المقل. ثم تتابعت عليه الرحل يميناً وشمالاً، وهو يترقى في المعارف استيلاءً واشتمالاً. ولم يبق بلدةً إلا جنى ثمرها، واستفاد وقائعها وسمرها. ولا رئيس إلا فاز بنعمه، وحصل على غرائب قسمه.
حتى وصل إلى مجلس السلطان في خاتمة المطاف، فأقام برهةً في مبراتٍ وألطاف. وقد خطبته الحظوة، وما قصرت له الخطوة. ولحظته السعادة بأبصارها، وتواردت لحفايته بأنصارها.
ثم كثر فيه المخلط واللاغي، واشرأبت النفوس إلى ما في طبائعها من التباغي.
فأبعد بعد ذلك التقريب، وأوشك أن يجفوه البعيد والقريب. وجربه الدهر بالأقدار، تجربة الياقوت بالنار.
ثم أعطي مدرسةً بدار الخلافة، فطاوعه البخت بعدما أراد خلافه. واستقر الأمل لديه، استقرار الطِّرس في يديه. ولما كنت بأدرنة وردها فلقيته برهةً، لا أعدها من عمري إلا نزهة.
وكنت من الاغتراب، في نهاية الوحشة والاضطراب. فأنست به بعد التوحش، وأنسيت مورداً أرواني من التعطش. ولما كان مقامه بها كنغبة طائرٍ على وجل، لاهتمامه بالعود إلى مقره على عجل.
لم أستتمَّ عناقهُ للقائهِ ... حتى ابتدأت عناقهُ لوداعهِ
فكتبت إليه عند الوداع، رقعةً محكمة الإبداع. وهي:
إمامك التَّوفيق والرُّشدُ ... وخدنك التَّأييدُ والسعدُ
وكلَّما حلَّيت في منزلٍ ... قابلك الإقبالُ والجدُّ
مولاي من ذكره أنيسي، في وحشتي وغربتي، وخيال لطفه جليسي، في وحدتي وكربتي.
أنت الكرى مؤنساً طرفي وبعضهمُ ... مثل القذى مانعاً طرفي من الوسنِ
لا زالت مقاليد السعادة طوع يديك، ومرقاة السيادة مشغوفة بلثم قدميك. والعمر المديد، والطالع السعيد.
هذا حشو ثيابك، وذا خادم ركابك.
فارحلْ لك البشرى فأيمنِ طالعٍ ... وعلى السلامة والسَّيادة فانزلِ
стр. 64
يشهد الله أنني من منذ شدَّت الركاب، وأزفَ البين بفراق الأحباب. صرت مقسَّماً بين نفسٍ مقيمةٍ بكربها، وروحٍ رهينةٍ في ركابها. على أن النَّفس وإن أقعدها الدهر قسراً، لم تقعد عنك ساعةً فكراً. ولا غبت إلا على عيون الإقبال في إغماضها، وعلى نفوس الآمال في انقباضها. حيث رماني الزمان، بسهام الحرمان.
وإنَّ من أعظمِ البلوَى أخا لسَنٍ ... يبيتُ ضيفاً لعجمٍ في الورَى خُرَسِ
والى الله أرفع قصتي، وأبتهل إليه في دفع غصَّتي.
عسَى اللهُ إنَّ الله ليس بغافلٍ ... ولا بدَّ من يسرٍ إذا ما انتهى العسرُ
فاسأله سبحانه أن ييسر نيل المنى، ويزيل عنَّا هذا العنا.
ويطفئ نار الجوى، على رغم أنف النوى. لنكفر سيئة أليم الفراق، بحسن نعيم التلاق.
إن عادَ شملي بمن أهواهُ مجتمعاً ... لا أعتِبُ الدَّهرَ يوماً بالذي صنعَا
ثم قدمت إلى القسطنطينية فأْتَلفت به ائتلاف روح، بجسد بالٍ مطروح. وامتزجت معه امتزاج، راحٍ بماءٍ قراح. ومضت لي معه أوقاتٌ عددتها من حسنات الزمان، وجعلتها تاريخ الأماني والأمان.
والأوقات لا تتفاضل بالذات، ولكن أوقات اللَّذَّات لذَّات. أتمتع من لفظه بائتلاف العقود، ومن مغناه بسلاف العنقود. حتى تولاه مولاه بعفوه ورضوانه، وقضى بتفريق شمل أخدانِه وإخوانِه. فأضحى كالظَّن المرجمِ، وخبره كاللفظ المرخَّمِ.
وقد فقدت به الوطر في نضرته، والعيش الذي يشفُّ عن نبي الرَّبيع في خضرته. وكان أعارني من فوائده صدراً وافياً، وأهدى إليَّ من فرائده قدراً كافياً. فعدمت من فضل ربيعها وورداً، وبقيت يعدها كالسَّيف فرداً.
فمما أخذته عنه من أشعاره التي أخذت بأطراف الحسن، وإذا تليتْ على محزونٍ سرتْ عن فؤاده الحزن، قوله من قصيدة، مستهلها:
يشوِّقنَا للدَّارِ ذِكرُ الحبائبِ ... وينطقنا بالحمدِ فيضُ المواهبِ
وإنَّا لقومٌ لا نرى الحبَّ سبَّتاً ... إذا ما رأتهُ سبَّتاً آل غالبِ
ولا نرهبُ الأقدارَ إلا إذا رمتْ ... سهامَ المنايا من قسيِّ الحواجبِ
ولا نعذلُ الأحبابَ في الصَّدِّ والجفا ... ولا نرتجي سلمَ العدوِّ المحاربِ
إذا كانَ قلبُ المرءِ ليسَ يطيعُه ... فأجدرُ بالعصيانِ قلبُ الأجانِبِ
وليلٍ كقلبِ السَّامريِّ وظلِّهِ ... كوكبُه لا تهتدي للمغاربِ
قطعتُ وأصحابي سُكارى من الكَرى ... وقد ضمَّنا والزُّهرَ ثوبُ الغياهبِ
على ضامرٍ كالسَّهمِ سيراً ورقةً ... فأبعدُ مطلوبٍ وأقربُ طالبِ
أحاول سبقَ الشُّهبِ في كلِّ حالةٍ ... يداوِي بنعماهِ جروحَ النَّوائبِ
دفعنا بجدواهُ الخطوبَ وجودِه ... وقد يدفعُ الدِّرياقُ سمَّ العقاربِ
همامٌ أتى في مجدِهِ وصفاتِه ... وأفكارِه دونَ الورى بالعجائبِ
ومولًى يكادُ البحرُ يشبه جودَه ... ولكنَّه كالشُّهدِ عذبُ المشاربِ
به تفخرُ الأيَّامُ والمجدُ والعُلا ... إذا افتخرتْ أمثالُه بالمراتبِ
وتخشى نهاياتُ العواقبِ رأيهُ ... إذا خافَ أهلُ الرأيِ سوءَ العواقبِ
وعلاَّمةٌ لو كانَ من قبلِ مالكٍ ... لما اختلفتْ أقوالُ أهلِ المذاهبِ
بفكرٍ دقيقِ الفكرِ في كلِّ مشكلٍ ... من الأمرِ كالسَّيفِ الرقيقِ المضاربِ
بعثتُ إليه بالقوافي كأنَّها ... مقانبُ شكرٍ تهتدي بمقانبِ
ولولا صروفُ الدَّهرِ أهديتُ ضِعفها ... مرصَّعةً بالنَّيِّراتِ الثَّواقبِ
ولكنَّها جهدُ المقلِّ وحملةُ ال ... جبانِ على ضعفٍ ونارُ الحباحبِ
فسامِح وعامِل بالتي أنتَ أهلهُ ... فعفوك عندي من أجلِّ المطالبِ
وقوله من أخرى يمتدح بها أخا الوزير الفاضل، وهو بتكريت:
بالنَّفسِ يسمحُ من أرادَ نفيسا ... والحبُّ أولُ ما يكونُ رسيسَا
стр. 65
وأطارَ عنِّي النَّومَ طيفٌ طارقٌ ... قطع القِفارَ وجاوزَ القاموسا
أفلحْتَ كيفَ وصلتَ لِلْوَنَدِيكِ من ... أقصَى البلادِ وجئتَها جاسوسا
أم كيف خلَّفتَ الشَّآمَ وأهلَهُ ... وتركتَ وادِي النيْيرَبِ المأنوسا
أرضٌ إذا سرَّحتْ طرفكَ خِلتها ... روضاً يقِلُّ على الغصونِ شموسا
أن كانَ غيَّرها الزمانُ فإنَّني ... أمسيتُ منِّي قبلها مأيوسا
والحبُّ أمرٌ حارَ فيهِ أٌلُو النُّهى ... وأضَل بقراطاً وجالينوسا
كالدَّهرِ يلعبُ ما يشاءُ بأهلِه ... يضعُ الرئيسَ ويرفعُ المرؤوسا
لا سامحَ الله النَّوى من كافرٍ ... عبدٍ ولا رحِمَ الرَّحيمُ العيسا
ومهامةٍ قفرٍ يضِلُّ بها القطا ... ويرى الدَّليلُ بسهلِها التَّغليسا
للجِنِّ في أقدارِها زجلٌ فلا ... تلقى بها إنساً وليس أنيسا
العرب إذا وصفت المكان بالبعد جعلته مساكن الجن، كقول الأخطل:
ملاعبُ جِنَّانٍ كأنَّ تُرابها ... إذا اطَّرَدَتْ فيها الرِّياحُ مُغَربَلُ
وقول ذي الرُّمَّة:
للجِنِّ باللَّيلِ في حافاتِها زجلٌ ... كما تجاوَبَ يومَ الرِّيحِ عَيْشومُ
وهو نبت، أو شجر.
سايرتُ فيهِ النَّيِّراتِ بسابقٍ ... يحكِي المهاةَ ويشبهُ الطَّاووسا
كالبرقِ مَرًّا والغَمامِ تأوُّباً ... والمِسكِ نفحاً والنَّقا ملموسا
يُلقي الصَّواعقَ من حوافِرِه إذا ... وَطِئَ الجنادلَ حين لاتَ وطيسا
نشوانُ كالبرجِ المشَيَّدِ فوقه ... بطلٌ يجرُّ من المهابِ خميسا
متقلِّدٍ زُرقَ النِّصالِ كأنَّما ... خُلِقتْ لتردِي الضَّارياتِ نُفوسا
نهبتْ من الأعمارِ ما بقيتْ به ... وتجرَّعتْ ماءَ الحِمامِ بَئيسا
ترمي بها حَنْيَ الضُّلوعِ قواضِبٌ ... كحواجبِ الغيدِ الخرائدِ شوسا
لو خالها الكُسَعِيُّ سحرة ليلةٍ ... ذمَّ الحريصَ وأحمدَ التَّعريسا
أو صادمتْ صمَّ الجبالِ تصدَّعتْ ... وبنتْ لكلِّ حديدةٍ ناووسا
وتسابقُ الأقدارَ منها أسهمٌ ... تَفرِي الرُّجومَ ويرهب القابوسا
من حاذقٍ أو طارقٍ أم حاذمٍ ... أو زاهقٍ لا يقبلُ التَّلبيسا
فكأنَّها أقلامُ أفضلِ من مشى ... فوق الثَّرى وحوى الفخارَ رئيسا
فَرعُ المعالي خيرُ من بلغَ السُّهى ... مجداً وسامى في العلا إدريسا
والفارسُ الكرَّارُ مغوارُ الوغى ... ومعيدُ سعدِ المشركين نُحوسا
بالفضلِ أكدَّ ما الأوائلُ أسَّسوا ... وأفادنا التَّأكيدَ والتَّأسيسا
ندعو بسطوتِه الزَّمانَ فيرعوي ... فرقاً ونطرد باسمِه إبليسا
ونخطُّ أحرفهُ الكريمةَ رقيَةً ... لشفاءِ ما أعيَى أرسطاليسا
يردِي الحسامَ بجسمِ من أردى بهَ ... ويردُّ مبتسم الكُماةِ عبوسا
قد أنطقَ الإسلامَ صامتُ سيفِه ... بعد السُّكوتِ وأخرسَ الناقوسا
يا من ثملتُ على السَّماعِ بحبِّه ... وقرأتُ فيهِ من الغرامِ دُروسا
أنا من علمتَ وِدادهُ وجهِلتَهُ ... وسيصحبنَّ لدى عُلاكَ جليسا
أغرقته بالجودِ قبل ورودِه ... ثقةً ومثلكَ لا يكون خسيسا
لا زلتَ صدراً للصُّدورِ مقدَّماً ... أبداً بحفظِ إلههِ محروسا
في عزِّ داودٍ ودولة يوسفٍ ... وعلا سليمانٍ ورفقةِ عيسى
وقال يمدح الوزير الفاضل، وهو بتكريت، وكان دخوله إليها لأجل مدحه:
أخفُّ النَّوى ما سهَّلتهُ الرَّسائِلُ ... وأحلى الهوى ما كدَّرتهُ العواذلُ
ولا ملحَ في عيشٍ إذا لم يكن له ... حبيبٌ يجافي تارةً ويوصِلُ
стр. 66
ولا خيرَ فيمن حوَّلَ البعدُ قلبه ... ولا في ودادٍ غيَّرتهُ العوامِلُ
وقفنا على الأطلالِ واللَّيلُ شائبٌ ... وأعناقنا فوق المطايا موائِلُ
ولما رآها الدَّمعُ والَّدمعُ حائرٌ ... أناخَ وحيَّا تربها وهو راجِلُ
هذا من قول أبي الطيب:
ولما رأينا رسمَ من لم يدعْ لنا ... فؤاداً لعرفانِ الرُّسومِ ولا لبَّا
نزلنا عن الأكوارِ نمشي كرامةً ... لمن بانَ عنهُ أن نامَّ به رَكبا
قال ابن بسَّام في الذَّخيرة: أول من بكى الربعة ووقف واستوقف الملك الضَّليل، حيث يقول:
قِفا نبكِ من ذكرى حبيبٍ ومنزلِ
ثم جاء أبو الطيب فنزل، وترجَّل، ومشى في آثار الدِّيار، حيث يقول:
نزلْنا عن الأكوارِ نمشي كرامةً
البيت، وما قبله.
ثم جاء أبو العلاء المعري فلم يقنع بهذه الكرامة حتى خشع وسجد، حيث قال:
تحيةُ كِسرى في الملوكِ وتُبَّعٍ ... لربعِك لا أرضى تحيةَ أربُعِ
وليس بنا حبُّ الدِّيارِ وإنَّما ... لنا بها والسُّكانِ شغلٌ وشاغلُ
هذا من قول الآخر:
أحبُّ الحِمى من أجلِ من سكنَ الحِمى ... ومن أجل أهليها تحبُّ المنازِلُ
وقوله:
وما حبُّ الدِّيارِ شغفنَ قلبي ... ولكن حبُّ من سكنَ الدِّيارا
خلِقنا وحفظُ الودِّ منا سجيَّةٌ ... وحسنُ الوفا طبعٌ ونعمَ الشَّمائلُ
ونفغرُ عوراءَ الحسودِ وإن جنَى ... ونعلم أنَّ الخصمَ ما شاءَ قائِلُ
يعيِّرني قومٌ بقومي ومحْتِدِي ... كما عِيبَ بالعضبِ الصَّقيلِ الحمائلُ
أجلْ حسدونِي حيثُ فضِّلتُ دونهمْ ... وكم حُسِدتْ في النَّاسِ قبلي الأفاضلُ
وما الفخْر بالأجسامِ والمالِ والعُلى ... ولكن بأنواعِ الكمالِ التَّفاضُلُ
ومن يكُ أعمى القلبِ يلزم بقولِه ... كما يحذرُ الأعمى العصا إذ يقاتِلُ
وما يصنع الإنسانُ يوماً بنورهِ ... إذا عادلتْ فيه النُّجوم الجنادِلُ
وفيمَ نضيعُ العمرَ في غيرِ طائلٍ ... إذا ما استوى في النَّاسِ قسٌّ وباقلُ
وأصعبُ ما حاولتَ تثقيفُ أعوجٍ ... وأثقلُ شيءٍ جاهلٌ متعاقلُ
إذا جاءَ نقَّادُ الرِّجالِ من الوغى ... تميَّز عن أهلِ الكمالِ الأراذلُ
عنيتُ الوزير ابن الوزيرِ الذي به ... تذلُّ وتعنو للشَّعوبِ القبائلُ
جوادٌ إذا استوهبْتهُ السَّيفَ في الوغى ... وأنت له خصمٌ فإنَّك نائل
هذا من قول أبي الطيب المتنبي:
كريمٌ متى استوهِبْتَ ما أنت راكبٌ ... وقد لقحَتْ حربٌ فإنَّك نازلُ
وأصله خبرٌ عن حاتم الطائي، أنه بارز عامر بن الطفيل، وقد رمح عامراً، فخافه، فقال له: لأُبخِّلَّنكَ.
قال: بماذا؟ قال: ادفع إليَّ رمحك أقاتلك به.
فرمى إليه برمحه، ورجع مولِّياً. وقال بشار ما ينظر إلى هذا المعنى:
لو كانَ لي سيفٌ غداةَ الوغى ... طبتُ بهِ نفساً لأعدائِي
وأحسن ما قيل فيه قول البحتري:
ماضٍ على عزمِه في الجودِ لو وهب الشَّ ... بابَ يوم لقاءِ البيضِ ما ندِما
أبو إسحاق الغزِّي:
متيَّمٌ بالذي لو قالَ سائِلهُ ... هبْ لي جميعَ كرَى عينيكَ لم ينمِ
إليه مصيرُ الأمجدينِ وإنَّما ... تصبُّ إلى البحرِ المحيطِ الجداولُ
وهذا أيضاً من قول أبي الطيب:
أرى كلَّ ذي مُلكٍ إليك مصيرُهُ ... كأنَّك بحرٌ والملوكُ جداولُ
وهو أخذه من قول ابن المعتز:
ملكٌ تواضعتِ الملوكُ لعزِّهِ ... قَسراً وفاضَ على الجداولِ بحرُهُ
ويهتزُّ قلبُ الأرضِ خوفاً إذا مشى ... فتحسبُ أنَّ الرُّعب فيه زلازِلُ
له نعمٌ تُفتِي المديح وهمَّةٌ ... لها كلُّ قدرٍ شامخٍ متضائِلُ
يُيَممهُ الجبَّارُ والكبرُ بُرده ... فتلقاه في أعتابه وهو راجلُ
стр. 67
أتى مُشركي قصرٍ وكانوا جراءةً ... يظنُّون أن الحصنَ للقوم حائلُ
وسارَ بجيشٍ آصفيٍّ عرمرمٍ ... هو البدرُ فيهم والنجومُ الجحافلُ
فما وجدوا إلا الأمانَ وسيلةً ... إلى عفوِ من تخشى علاه الوسائلُ
ولا ملجأ من سيفه غيرُ سيفه ... وكلُّ نصيرٍ غيره فهوَ خاذلُ
فجاد عليهمْ بالنُّفوسِ تفضُّلاً ... وعفواً ولم يخط العَطا منه سائلُ
وعاد بتأييدٍ وعزٍّ ودولةٍ ... لها فوق فرقِ الفرقدين منازلُ
يموج به البحرُ الخضمُّ تفاخراً ... وتحسدُ أعلامَ الجواري الرَّواحلُ
أفصَّ ختامِ المُلكِ والخاتمُ الذي ... أتانا بما لم تستطعهُ الأوائلُ
فلو كان بدراً لم يلحْ قطُّ كوكبٌ ... ولو كان بحراً لم يحدِّدهُ ساحلُ
إليكَ عقوداً يكسفُ الشَّمسَ نورها ... وتخجلُ بدرَ الأفقِ والبدر كاملُ
أتتك تجرُّ الذيلَ تيهاً ورفعةً ... بأنك ممدوحٌ وأني قائلُ
وهاتيك أبياتٌ لها فتفطَّرت ... وأنت لها بالبرِّ والجودِ واصلُ
وهذا معنًى حسن، وقد اختلسه من قول السيد محمد العرضي، وهو الفاتح لهذا الباب:
هابَ القريضُ مديحهُ ... فانشقَّ أنصافاً سطورهْ
وتبعه البابي، في وصف قصيدة فقال:
أوهمتها مدح السِّوى ... فتميزتْ بالغيظِ وهْما
تتمة القصيدة:
ومثلكَ من لا يظهرُ المدحُ قدرهُ ... ولكنَّ من لم يشكرِ الفضلَ جاهلُ
ألم ترَ أنَّ الروضَ يثني على الحيا ... بنشرٍ إذا ما باكرتهُ الحواملُ
فكيفَ بمن أحييته، ولسانهُ ... صقيلُ الشَّبا والجود بالحمدِ كافلُ
سأوليك مدحاً ينقضي الدهرُ دونه ... تسيرُ به رُكباننا والقوافلُ
وأصدحُ بالحمد الذي أنت أهله ... كما صدحتْ فوق الغصون البلابلُ
ألا كلُّ مجدٍ غيرُ مجدك عاطلٌ ... وكلُّ مديح لم يكن فيك عاطلُ
وله لامية عارض بها امرأ القيس، الذي انتسب إليه حسن السبك، وبشعره ترنمت ورق البلاغة، وذاك أشهر من قفا نبك.
ومطلعها:
توكل على الرحمن حقَّ التوكُّلِ
وهي طويلةٌ جداً، وقد ذكرتها في تاريخي، ولا إفادة في الإعادة.
واتفق بيني وبينه مراجعات، أقطعها جانبه الظرف، وتردت كالنسيم بين الروضتين طيبة الشميم والعرف.
اكتفيت بذكرها في التاريخ، كما وقع غليه الاختيار؛ لأنها من قسم الخبر، والتاريخ موضوعه الأخبار.
وذكرت عنده يوماً بعض الموالي ممن أكاذيبه في قلب الأماني قروح، ووعده كخلَّب برقٍ يلوح.
وكنت ممن اغتر بزخارفه، وطمع في عارفةٍ من عوارفه.
فنشد ضالةً له في ذمة مطلِه، وأنشد ما قاله في مخيلة وعد مثله:
ولا تركننَّ إلى غادةٍ ... ولو خادعتكَ بزورِ المحالِ
ففتكُ الظُّبا دون فتكِ الظِّبا ... وعهدُ الغواني كعهد الموالي
ولعمري لقد أنصف، في الذي وصف.
وحكم حكماً يشهد به العيان، وليس بعد العيان، حاجةٌ إلى البيان.
ولما ولي المدرسة المعروفة بزال باشا، وهي آخر ما وليه من المدارس. وهشت له الأماني، وتاهت به التهاني.
وظن أنه سالمته الخطوب، وجلت عن وجه رجائه القطوب. ولم يدر أن القدر عليه بالمرصد، ويد المنون تخترمه دون المقصد.
نظم قصيدةً مطلعها:
ألم ترَ أنَّ الهمَّ زال بزَالا ... وأحسنَ آمالاً لنا ومآلا
فلما رأيته لم أشك في استحكام الفال؛ وألقي في روعي الطيرة من لفظة زال. وفارقته عشيَّة يوم أردِّد الفكر، وأجدِّد في ليلتي ذلك الذكر.
حتى جفا جنبيَّ الضجعة، وجانب جفنيَّ الرقدة والهجعة. فما انشق الفجر عن حبيب الظلام، حتى أتاني مخبرٌ بأنه يعالج الحمام.
فبادرت إليه فوجدته أخذه الشرق، وهو يلفظ آخر الرمق. ونفسه الباقي، قد بلغ التراقي. ثم قضى نحبه، ولقي ربه.
فالله يستثمره عائدة الأخرى آجلاً، كما استنجزه فائدة الأولى عاجلاً.
وقد قلت أرثيه من قصيدةٍ، مطلعها:
стр. 68
كلُّ حيٍّ على البسيطةِ فانِ ... غيرَ وجهِ المهيمن الرحمن
إلى أن قلت فيها:
أين روحُ الزمان من كنتُ حي ... ناً وإيَّاه نخلتيْ حلوانِ
نخلتا حلوان يضرب بهما المثل في طول الصحبة.
وكان المهدي خرج إلى أكناف حلوان متصيداً، فانتهى إلى نخلتي حلوان، فنزل تحتهما وقعد للشرب، فغناه المغنِّي:
أيا نخلتيْ حُلوان بالشِّعبِ إنَّما ... أشَذَّ كما عن نخْل جوخَى شقاكُما
إذا نحنُ جاوزنا الثنيَّة لم نزَل ... على وجلٍ من سيرِنا أو نراكما
فهمَّ بقطعهما، فكتب إليه أبوه المنصور: مه يا بني، واحذر أن تكون ذلك النحس الذي ذكره الشاعر في خطابهما، حيث قال:
واعلما إن علِمتُما أنَّ نحساً ... سوفَ يلقاكُما فتفترِقانِ
تتمة المرثية:
كان فينا كالوردِ في وجناتِ ال ... غيدِ والسِّحرِ في عيونِ الحسانِ
عاجلَ الدَّهرُ نيِّر الفضلِ الكس ... فِ وبدرَ الكمالِ بالنُّقصانِ
رجع الجوهر النَّفيسُ إلى الأص ... لِ وأضحى مقرُّه في الجنانِ
ليتَ شعرِي وليس يُجدي أعن عم ... دٍ رمتْهُ الخطوبُ أم نسيانِ
كيف دكَّيتَ أيها الخطبُ رضوى ... ونقلْتَ الهِضاب من ثهلانِ
منها:
يا صديقي تركْتني لهمومٍ ... ينقضي قبلها زمانُ الزَّمانِ
لست أرضى عليك حكم لبيدٍ ... مذهبي في الوفاءِ حكمُ ابن هاني
عيلَ صبرِي وإنَّما أتأسَّى ... بعمومِ المصابِ في الأعيانِ
أسعدُ الصَّاحبينِ من ماتَ من قب ... لُ وأبقى الصَّديقَ للأحزانِ
إنَّما هذه مراحِلُ تطوى ... والبرايا تُساقُ كالرُّكبانِ
ومردي بحكم لبيد قوله:
إلى الحملِ ثم اسمُ السَّلامِ عليكما ... ومن يبكِ حولاً كاملاً فقد اعتذرْ
وبحكم ابن هانئ:
سأبكي عليهِ مدةَ العمرِ إنَّني ... رأيتُ لبيداً في الوفاءِ مقصِّرا
عبد الحي بن أبي بكر، المعروف بطرَّز الرِّيحان أديب طرزه تطريز الرقاع بوشي تحبيراته، وفنه تحلية جيد الكلام بجواهر تعبيراته. تنتهي إليه محاسن الألفاظ، وترنو معانيه عن غمزات الألحاظ.
وله من الشعر، ما يسخر بالسحر. فلو كان لسواه في حيز الإمكان، استحقَّ أن يصلب عليه الملكان. إلى ظرف ريحانه يرف، وطبع هواه يشف. ومحاضرة مع الراح تتفق، ولا تفترق. وتأتلف، ولا تختلف.
إلا أنه كان عليه للهوى وثبات، لا يرجى له فيها قرارٌ وثبات.
فإذا عارضته رأيت غمرات بواعث طافحة، وجمرات لواعج لافحة. وهموماً على جوانح جوانح، وآلاماً منها في جوارح جوارح.
وكنت عاشرته لأستمطر ديمته، وأختبر في هذا المعرض شيمته. وكان عفَّ عن الصبوة ونسك، وكفَّ عن الشَّهوات وأمسك. ولم يبق فيه إلا بقية، تخلَّت على بيضاء نقية.
فرأيته مغلوب سورة طباعه، وقد استولت النَّفرة على طرف انطباعه. إلمامه فلتة غبي، وإغبانه فترة نبي.
فكنت معه على أحسن فطرة، لم تلحقني في هواه فترة. واختلست منه أوقاتاً كلمة شارق، وخطفة سارق. ونقر العصافير، خوف النواطير. وأنا من منذ فقدته لم أرَ عنه بدلاً، وأعطافي مملوءةٌ به ترنُّماً وجذلاً.
وكان في آخره حج ورجع رفيق زهدٍ وإنابة، فلم يلبث حتى دعاه الدَّاعي الذي لا بدَّ له من إجابة. فيا له من حجٍ وعمرة، ختم بطابع النقاء عمره. والحمد لله الذي أحسن له الاختيار، فقبضه إليه قبض الأخيار.
وقد أوردت من أشعاره التي هي فروع أماليه، ما يحرِّك الجمادات إذا ما تحرك تاليه.
فمن ذلك قوله في الغزل:
خلِّياني ولوعتي ونحيبي ... ليسَ إلا صابٍ بدمعٍ صبيبِ
وابكِياني فإنَّ من جرحَ اللَّح ... ظُ قتيلٌ وما له من طبيبِ
أيُّ صبٍّ سمعتما علِقته ... أعينُ الغيدِ فهو غيرُ سليبِ
بأبي معرِضٌ ألوف نفارٍ ... ذو اختلاقٍ نفنُّناً للذُّنوبِ
فِعله كلُّه حبائِل فتكٍ ... قد أعدَّت لصيدِ كلِّ القلوبِ
стр. 69
تتحرَّى مقاتلَ الصَّبِ عينا ... هُ برشقِ النِّبالِ في التَّصويبِ
ذو وقارٍ أهابه أن أحيِّ ... يهِ إذا ما بدا بلفظِ حبيبي
فهو لم أدرِ جاهلٌ خبرَ حالي ... أم يُريني تجاهلاً كمرِيبِ
أبداً دأبه ودأبيَ هذا ... كلانا في الحالِ غيرُ مصيبِ
ليته لو أقرَّ قلبي على الحبِّ ... بلا ريبةٍ ووجهٍ قطوبِ
وإذا شاء بعد ذاكَ تَجنَّى ... لذَّةُ الحبِّ غصَّة التَّعذيبِ
ما يبالي من استهلَّ عليه ... من سماءِ الغرامِ غيثَ اللَّغوبِ
جابَ كلَّ البلادِ يحسبُ أنَّ ال ... حظَّ شيءٌ يُعطى لكلِّ غريبِ
وأنشدني قوله في الغزل:
سقتْكَ الغرُّ يا عهدَ الشَّبيبه ... ترنِّح منك أغصاناً عسيبهْ
وإلا فالنَّواقعُ من جفونِي ... وإن يكُ لا رواءَ ولا عذوبهْ
فكم لي في ظلالِك من مقيلٍ ... حسوتُ به الهوى كأساً وكوبهْ
بكلِّ نديِّ جسمٍ كنتُ أظمي النَّ ... واظِر عنه خشيةَ أن تُذيبهْ
كأنَّ بكلِّ عضوٍ منه بدراً ... منيراً أو مدبِّجَةً خصيبهْ
وكلِّ مرنَّحِ الأعطافِ يخطو ... فيكْتسبُ الصَّبا منه هبوبهْ
إذا ما رامَ يبعثُ بي دلالاً ... يقطِّبُ والرِّضا يمحو قطوبهْ
فمن لكَ بالسَّلامةِ إن تثنَّى ... وهزَّ قناة عطفيهِ الرَّطيبهْ
وأبلجَ مستديرِ الشَّكلِ أبدتْ ... به الأصداغُ أشكالاً عجيبهْ
يُريكَ بسيمياءِ الحسنِ روضاً ... حذاراً منه أن تصلى لهيبهْ
وفاحمَ طرَّةٍ شكراً لأي ... دي الرُّعونةِ كم بها أمستْ لعوبهْ
تبدِّدُها كذوبِ المسكِ طوراً ... على غصنٍ تجسَّد من رطوبهْ
وطوراً يظهرُ الشربوشُ منها ... كأطرافِ البنانِ غدتْ خضيبهْ
وآونةٍ يُري منها زباناً ... يلوح وكم به كبدٌ سليبهْ
فأنَّى يطرقُ السُّلوان قلباً ... حمتْه جيوشُ خضراءِ الكتيبهْ
ولا كنواعسٍ أرشقنَ قلبي ... صوائبَ غادرتْه أخا مصيبهْ
شهرْنا ظُباً وقلنا ألا صبورٌ ... فكانتْ مهجتي أولى مجيبهْ
لحاها الله أيُّ عناً تلقَّتْ ... تقمَّص منه جثماني شُحوبهْ
ولم أكُ ألحَها إلا اضطِّراراً ... فلم تكُ بالذي فعلتْ معيبهْ
هي الأحداق ما مستْكَ إلا ... وفزْتَ من الشَّهادةِ بالمثوبهْ
جرى قلمُ القضاءِ لنا بهذا ... ولا يعدو امرؤٌ أبداً نصيبهْ
ومن أهاجيه، التي هي من قسم أفاعيه، قوله في هجاء غلام يباهي بتيهه، ويتلاعب في العالم بتمويهه. فإذا فطن بهوى مغرم، صيَّره هدفاً لكل مغرم.
وكان يرافقه، ولا يوافقه. ويقاربه، لكن يواربه. وهو مغضٍ على قذً، مقيمٌ على أذً. حتى بالغ في هجره، فبلغ نهاية هجره. واتفق للشيخ مجلسٌ رآه فيه يلعب بالنرد، فتعرف إليه، فعامله بالإعراض والرد، فقال:
أنكرتني ذاتُ السِّوارِ الصَّموتِ ... عجباً ما لعرفتي من ثبوتِ
لا بلِ الغانياتُ يعددنَ من أم ... سكَ من وصلهنَّ حيًّا كميتِ
ومريدٌ من الغواني وفاءً ... متدلِّن بشعرةِ العنكبوتِ
لا رعى اللهُ مهجةً علقتْ ... هنَّ ولا أسعِفتْ بفضلِ القوتِ
خفرتْ هندُ ذمَّتي واستعاضتْ ... من صدوحِ الرِّياضِ بالعفريتِ
لست أنسى يومي بمجتمعِ اللَّ ... هوِ وفكري فيها يُجيد نعوتي
إذ بدتْ في غلالةِ التِّيهِ والعج ... بِ وبُردِ الجلال والجبروتِ
تتهادى في السِّربِ حتى إذا ما ... وصلتْ حوزتي أرتنيَ موتي
стр. 70
بتغاضٍ مع التفاتٍ إلى الدُّو ... نِ ومقتٍ ولست بالممقوتِ
ويحها لم تحيِّني بين جمعي ... لو تحيِّي قلنا لها حيِّيتِ
وتلاهت بالنَّردِ في ذلك المج ... لسِ خوفَ اتِّهامها بالسُّكوتِ
ثمَّ ولَّتْ وخلَّفتني أعض ال ... كفَّ مستدركَ القضا بعد فوتِ
هندُ قلِّي من التَّجني فلسنا ... من يراضيه فضلةٌ من فتيتِ
لستِ لاثنين أو ثلاثٍ فنأسى ... أن تخصِّي بعضاً وبعضاً تفوتي
أنتِ وقفٌ على العبادِ ومن يط ... معُ في الوقفِ واجبُ التَّبكيتِ
أتظنِّين أنَّ لي بكِ شغلاً ... ليَ قلبي إن شئتِ ذا أو أبيتِ
إنَّني عفْتُ بيتَ حسنك مأهو ... لاً فأنى وما به غيرُ بيتِ
ليس عندي بعد احتقارِكِ قدري ... لكِ كفؤٌ غير الطَّلاقِ الثَّبوتِ
لا أسوفاً على جمالِك إن بدِّ ... لَ قبْحاً ومرَّ طعم الشتيتِ
غير أنِّي أسفْتُ أن ضاعَ شعري ... فيكِ لكنْ ما باختياري حبيتِ
إذ بلائي بمبتلاكِ دعا الفك ... رَ لأن شادَ فيكِ بعض بيوتِ
آهِ من صحبة العبادِ وآهاً ... لزمانٍ يمرُّ في تشتيتِ
صدقَ القائلُ السَّلامة في الصَّم ... تِ كذا الحسنُ في لزوم البيتِ
طالَ ما قد جررتُ ذيل التَّصابي ... وتناسيتُ غصَّة التفويتِ
لا يظنَّنَ عاقلٌ بيَ ميلاً ... لمليحٍ مؤانسٍ أو مقوتِ
رفضتْ نفسيَ الهوى خيفةَ الذُّ ... لِ وأن تبتلى برقِّ فليتِ
وهجرتُ المُدامَ ممَّا يؤدِّي ... لافتضاح القؤولِ والسِّكِّيتِ
واختلاطٍ بغير مرضيِّ عقلٍ ... وانطراحٍ مع قربِ ذي تنكيتِ
فإذا ما ادَّكرتُ أيامَ لهوي ... قلت أيامَ صبوتي لا سقيتِ
لذَّة الحرِّ في اكتسابِ المعالي ... لاافتراشِ الدُّمى وحسوِ الكميتِ
وله في الغزل:
قاتِلي أنت لا محالَ فأحسِن ... قِتلة الصَّبِّ سيِّدي بحياتِكْ
أنت في الحلِّ من دمي فأثِبني ... عنه تعجيل جنَّتي وجناتِكْ
هبكَ أظمأتَ ناظِري فاروِ سمعي ... بكؤوسِ العتابِ من لفظاتِكْ
إنَّ حُبِّيكَ قيَّد الفكر حتى ... عزَّ لو رمتُ وصفَ غيرِ صِفاتِكْ
أيُّ ذنبٍ جنيتُه يوجِب الهج ... رَ ويُجدي الحِرمان من حسناتِكْ
بحياةِ العيونِ جدْ لصريعٍ ... ما رمى قلبَه سِوى لحظاتِكْ
لا بغيرِ الحديثِ يا حاليَ اللَّف ... ظِ ومُرِّ المذاقِ في نَفَراتِكُ
أن لحظَيْكَ عذَّباني ولكن ... ثغرُكَ الجوهريُّ أعذبُ فاتِكْ
ما لجفنيكَ في الخلايقِ تُعزى ... أوَفي الحسنِ وحَّدوا غيرَ ذاتِكْ
حُسنُكَ الفرد مثل ما فيكَ عشقِي ... فارْعَ لي نسبتِي لبعضِ سِماتِكْ
من تجنِّيكَ ما برحتُ طريحاً ... ومُصابي من جفنِكَ المتهاتِكْ
خلِّني يا عذولُ إن بسمعي ... صمماً لا أعِي إلى فشْراتِكْ
أنا من جادَ بالسُّلوّ لمن لا ... مَ وبالنَّومِ للعيونِ الفواتِكْ
أنا من قالَ للعذولِ مليَّاً ... انجُ عنَّا فما لنا في بناتِكْ
يا عيوناً خامرنَ قلبيَ رِفقاً ... لست أصحو ما عشتُ من سكراتِكْ
ليَ قلبٌ يروي حديثَ سَقامِي ... وصحيحَ الغرامِ عن كسراتِكْ
فإلى كم تلك الأماني الكذو ... بات تعنِّي الأطماعَ في ترَّهاتِكْ
كن كما شئتَ إنَّ قلبيَ جلدٌ ... لركوبِ الأخطارِ في مرضاتِكْ
حلَّه الحبُّ وهو خلوٌ وتكلي ... فكَ ما لا تطيق نزعُ جِهاتِكْ
стр. 71
ومن غرره البديعة قصيدته الحائية، التي مدح بها آل البيت، وتخلَّص فيها لمدح بعض الأمراء. ومستهلها:
مهبَّ الصَّبا حيَّتكَ غرٌّ طوافِحُ ... سوافِر بالفيضِ العميمِ سوافِحُ
تتوِّجُ منك الهضْبَ تاجاً كأنَّما ... حبتْهُ بأنواعِ النُّقوشِ القرائحُ
فإنَّ الصَّبا فوجٌ لها عند من صبا ... أيادٍ كما شاء الغرامُ وضائحُ
تفتِّحُ أقفالَ القلوبِ كأنَّما ... سراها لأسرارِ القلوبِ مفاتحُ
وتعبثُ بالأشواقِ تبعثُ ميتها ... فما هي للأرواحِ إلا مراوحُ
تقدُّ قميصَ السُّحبِ عن منكبِ الفضا ... سحيراً فتقضي وهيَ نعمَ المصابحُ
مؤدِّيةً أسرارَ عرفٍ تعرَّفت ... لأهليه في ذاك الأداءِ مصالحُ
قريبةُ عهدٍ من مواطن جيرةٍ ... مواطئهم في الرَّقمتينِ الجوارحُ
لذلك أرجو أن تهبَّ ندِيَّةً ... معطَّرةَ الأردانِ مما تصافِحُ
على أن واديها المقدَّسَ في غنًى ... عن الطِّيبِ مما طيَّبتهُ الضرائِحُ
مشاهِدُ فيها من دمِ الشهداءِ ما ... يطلُّ منهُ نافجَ المسكِ نافِحُ
معاهدُ لم يحْفظ بها عهدَ أهلِها ... عصابةُ سوءٍ قد كستْها المفاضِحُ
تعدوْا حدود اللهِ في آلِ أحمدٍ ... فآلوا بخزيٍ ليس عنه مسامِحُ
ولم يكُ إلا لعنةَ اللهِ كسبُهم ... بصفةِ خسرٍ خابَ فيها المرابِحُ
ليحرِز سبَّاقُ السَّعادةِ شأْوها ... ويُمحض للأشقى الشَّقا والفضائِحُ
قضاءٌ له حكمُ الإرادةِ واضِعٌ ... به جفَّتِ الأقلامُ والأمرُ واضِحُ
ألا عدِّ عمَّا يصدعُ القلبَ ذكرُه ... ويُذكِي تباريحَ الأسَى منه بارِحُ
وإنِّي وإن موَّهتُ عنه فإنَّني ... حليفُ جَوًى مما تجنُّ الجوانِحُ
ولكن لنا فيمن مضى أسوةُ الهوى ... إذا ما ورَى زندٌ من الوجدِ قادِحُ
سقى صيِّبُ الرِّضوانِ أرضاً بنورِها ... تنير على صاحِي السَّماءِ الصَّحاصِحُ
مراقِدُ مثوى العلمِ والحلمِ والحيا ... وكلِّ حميدٍ ما اهتدتْهُ المدائِحُ
رياضُ الرِّضى مغنى الغنى منتدى النَّدى ... جنانُ الجناحيثُ المنى والمنائِحُ
يميناً بهم لولا ممرُّ الصَّبا على ... مضاجِعهم ما طابَ منها المصافِحُ
هم السَّادة الطُّهرُ الذينَ بحبِّهمْ ... أدينُ إلهي يومَ يربحُ رابِحُ
وهم عمدتِي في كلِّ كربٍ وعدَّتي ... إذا ما غزى صبرِي الزَّمانُ المكافِحُ
ولي من سَنا آثارِهم كلَّما دجى ... عليَّ ظلامُ الموبِقاتِ مصابِحُ
وحاشا جنابَ الأكرمِين يضيعُ من ... لأعتابِهم قد طوَّحتهُ الطَّوائِحُ
وإنِّي لمن والاهمُ لمحاسِنٌ ... وإنِّي لمن عاداهمُ لمقابِحُ
ولستُ بمن وافاهمُ المدحَ حقَّه ... وعذري وقد قصَّرتُ فيهِ لواضِحُ
وإني لفكرٌ أعْقمتْهُ همومهُ ... وأصمتْهُ أصداءُ الزَّمانِ الفوادِحُ
يقومُ مقاماً تخرسُ الفصَحاءُ عنْ ... عُلاهُ فكيفَ الأخرسُ المتفاضِحُ
ولكنَّني أرجو المفازَ ولو بأن ... يُشاعَ مجازاً أنَّني الآلَ مادِحُ
وحسبِي حُبٌّ للنبيِّ وآلهِ ... ومن قد أحبُّوهُ ولستُ أُكاشِحُ
وممَّا اقتضاني حبَّهم حُبُّ ذي علاً ... يطارِحُني ذِكراهمُ وأطارِحُ
محبُّ حبيبي موطنٌ لمحبَّتي ... وإنِّي لهُ خلٌّ صدوقٌ مناصِحُ
стр. 72
هو الأروعُ اللَّيثُ الذي حشو ثوبِه ... وقارٌ تغُضُّ الطَّرف عنه الملائِحُ
همامٌ يعيدُ الهمَّ رؤيةُ وجهِهِ ... وليلٌ لوحدانيةِ اللهِ راجِحُ
أغرُّ يُريك النُّجحَ مهما لحظتَهُ ... أساريرُ منها كوكبُ السَّعدِ لائِحُ
إذا سمعتْ أذنٌ بأوصافِ مجدِهِ ... تقولُ غلوٌّ بالِغٌ وتسامِحُ
وحتَّى إذا ما عانيتْ منه سبَّحتْ ... وقالت نعم في قدرةِ اللهِ صالِحُ
رأيتُ علاهُ فامتلأتُ مهابةً ... ومن يلقَ ليثاً فهو لا غَرْو جامِحُ
وقد ظلتُ لمْ أسطِع جواباً وأنَّ لي ... لعضبُ لسانٍ تتَّقيهِ الجوارِحُ
كأنَّ مِدادي حينَ أرقمُ مدحَهُ ... غوالِي الغوانِي والرَّويَّ الرَّوائِحُ
عجِبتُ لأقلامِي سعتْ في مديحِه ... على رأسِها جرياً بما هو سانِحُ
وقد طالَ ما استنْهضْتُها لِمُلمَّةٍ ... فأعيتْ طِلابي وهي ثكلَى بوارِحُ
ولا غروَ أن تسعَى لمخدومِها الذي ... جميعُ مساعِيها لديهِ نواجِحُ
فديتُكَ يا ابن الأكرمينَ ومن بهِ ... خُزاعةُ لم يرجَع عليها مراجِحُ
حنَانيْكَ إذ كانَ الجيوشُ تهابُ من ... لقائِكَ فاغذُر عاجِزاً يتكادَحُ
وأيُّ لسانٍ لا يَكَلُّ حديدُهُ ... لدَى ذَرِبٍ ينبو لديهِ الصَّفائحُ
على أنَّني للشِّعر كنت محارباً ... ولم ألقَ فيما بيننا من يُصالِحُ
وقد كنتُ أبوابَ القريضِ غلقْتُها ... إلى أن أتتْها من يديكَ الفواتِحُ
ومن لم يكن في مثلِ مجدِك شاعِراً ... عصَتْهُ القوافِي واعتصتْهُ الفرائِحُ
ولستُ بمن يختارُ لُبثاً بغيرِ ما ... مُقامِكَ لولا أفرُخٌ تتصادَحُ
تُسائِلُ عنِّي من يروحُ وتغتدي ... سُؤالَ شجِيٍّ دمعُهُ يتسافَحُ
وأنت خبيرٌ أنَّ تلك علاقةٌ ... تسُدُّ على الوحشِ الفضا وهو سارِحُ
ولو كان لي من فارِه الفحلِ مركبٌ ... أُغادي به مغناكمُ وأُراوِحُ
لما قعدتْ بي عن حماكِم عزيمةٌ ... ولا اطَّرحتْني من سِواكَ مطارِحُ
ولي نفسُ حرٍّ تأنفُ الذُّلَّ لو أتَى ... لها بقرابِ الأرضِ مما يشاحِحُ
تألَّفتَها باللُّطفِ حتَّى تألَّفتْ ... وحنَّت إليكم والدِّيارُ نوازِحُ
وحتَّى إذا وافتْك وافتْ مهذَّباً ... يُعيدُ رواءَ الدَّهرِ والدَّهرُ كالِحُ
حليماً لدى البأساءِ قُطبَ رحى الوغى ... رزينَ الحجا لا يزدَهيهِ ممازِحُ
بصيرٌ بتدبيرِ الخُطوبِ كأنَّما ... ذكاهُ بأعقابِ الأمورِ يصارِحُ
له منطقٌ يستنزِنُ العُصمَ في الرِّضا ... وفي الباسِ رُسلٌ للمنايا فواضِحُ
فطبْ عمر الثَّاني بسرتِكَ التي ... بها كلُّ محزونٍ من الجورِ فارِحُ
إليكَ أتتْ رعبوبَةُ الحسنِ غادةٌ ... لها من بديعِ المكرُماتِ وشائحُ
وبلقيسُ حسنٍ في منصَّةِ عرشِها ... بلابلُ أفنانِ الفنونِ صوادِحُ
شهودٌ بأنِّي في البلاغةِ واحدٌ ... كانتْ علاً كلٌّ بمعناه طافِحُ
عسى هزَّةٌ أريحيَّتكَ التي ... تناشدَها الرُّكبانُ غادٍ وارئِحُ
تعلِّم من جاراكَ في حلبةِ العلى ... تلقِّيَ وفدِ الفضلِ أنَّى يُصافِحُ
ودُمْ وابقَ واسلمْ غصنَ مجدٍ يهزُّه ... أغاريدُ مُدَّاحِ العُلى والمدائِحُ
ومن غزلياته الرقيقة، التي هي الخمر على الحقيقة، قوله من قصيدة، مطلعها:
стр. 73
لحظاتٌ لا تحامِي القَوَدا ... قد تناهبنَّ الحَشا والكبِدا
منها:
يا لِحاظاً نستلذُّ فتْكها ... لا عدِمنا عضبك المجرَّدا
دونكِ الصَّبرَ احطمي جنودَهُ ... واجعلي شملَ السُّلوِّ بددَا
وامنعي ورداً ووِرْداً للحَيا ... والحياةِ ما انجنى أو وردا
يا مهزَّ الغصنِ من عِطفيهِ ملْ ... واعتدلْ لم تلقَ من قال اعتدى
يا مناطَ القُرطِ من نغنُغِهِ ... قد تركتَ الظَّبيَ يجري في الكُدى
كيف للظَّبيِ بفرعٍ فاحمٍ ... زانَ بالتَّصفيفِ جيداً أجيَدا
مذ غدا المِحرابُ من حاجِبه ... قبلةً خرَّتْ جُفوني سجَّدا
هكذا الحُبُّ وعِزُّ شأْنِهِ ... صنعَةَ اللهِ تعالى مُوجِدا
مالِكي بالحسنِ والحُسنَى احتكِمْ ... حقَّ أن تُضحِي لمِثلي سَيِّدا
إنَّ من كنتَ له مولًى فقدْ ... عاشَ يا مولايَ عيشَ السُّعَدَا
صبَّحَ اللهُ بكلِّ الخيرِ منْ ... كان مرآكَ لعينيهِ ابتدَا
أنت رُوحي فإذا ما غبتَ عنْ ... ناظِري فارقَ روحِي الجَسدَا
وله يودع بعض إخوانه:
حيَّاكَ عهدَ الحبيبِ عهدُ ... أوطفُ جفنِ السَّحابِ وِرْدُ
بعدَك ما جفَّ من جفوني ... دمعٌ ولم يجْفُهنَّ سُهْدُ
كأنَّما كان للَّيالي ... دُيونُ بينٍ وحانَ وعدُ
يا ليتَ مذ فرَضتْ بِعاداً ... سَنَّتْ وَداعاً غداة تبدُو
أستودِعُ الله من جَفاني ... ضَرورةً وهوَ لي يَوَدُّ
سارَ بقلبي حماهُ ربِّي ... ولم يقُل كيف بعدُ تغدُو
حداهُ أنَّى انتحَى فلاحٌ ... وقادَهُ للنَّجاحِ رُشدُ
وما عليهِ بِذاكَ عتبٌ ... إرادةُ الله لا تُرَدُّ
وله في الغزل:
ما الذي أوجبَ صدَّكْ ... ولِما أخلفتَ وعدكْ
ألِشُغْلٍ دُنيويٍّ ... أم عذابِي كانَ قصدكْ
أم دلالٍ أم تجنٍّ ... أم قرينُ السُّوءِ صَدَّكْ
وعلى أيَّةٍ حالٍ ... أسعدَ الغُفرانُ جدَّكْ
بالذي ولاَّكَ رِقِّي ... سيِّدي لا تنسَ عبدَكْ
أنا في قُربٍ وبُعدٍ ... حافظٌ تالله عهدكْ
وفؤادِي حيثُما منْ ... تَ وأيمُ الله عِندَك
لطفُكَ المعهودُ خَلاَّ ... نِي أسيراً لكَ وحدَكْ
هل من الإنصافِ إقصا ... ءُ الذي ينظِمُ قصدَكْ
حاشَ ألطافَكَ من أنْ ... تمنعَ الظَّمآنَ وِردَكْ
أنا من شادَ كما شا ... ءَ التُّقى والصَّونُ وُدَّكْ
كم خلَوْنا والمروءا ... تُ وَشَتْ بُردِي وبُردكْ
وعفافُ الذَّيلِ قد طوَّ ... قَ جِيدَ الصَّبِّ زِندَكْ
هكذا نحنُ فظُنَّ ال ... خيرَ يا سائلُ جُهدَكْ
أنا من يتْبَع غيَّ ال ... حبِّ فاتبعْ أنت رُشدَكْ
وله:
إليك يا ابن أبي عنِّي نصيحةَ من ... يدُ التَّجاربِ قامتْ عنه بالأودِ
إيَّاك صحبةَ غير الجنْسِ ما بشَرٌ ... يقوَى لأنْ يجْمَع الضِّدَّينِ في جسدِ
وله:
حيِّي وجهاً إذا سفرْ ... أخجلَ الشمسَ والقمرْ
ومُحيًّا له الحيا ... وخدوداً لها الخفَرْ
وقدوداً إذا انثنتْ ... ظَلتُ أثني على القدرْ
ومهاً في جفونِها ... عالِمُ السِّحرِ قد مهرْ
يستفزُّ الحِجابِلا ... حاجَةٍ لِسوى النَّظرْ
وظِباءً ظِباؤها ... ليس تُبقي ولا تَذَرْ
غازلتْني بغزوِها ... ثمَّ ولَّتْ على الأثرْ
ودَّعتني وأودَعتْ ... جفنِيَ النَّوحَ والسَّهرْ
وتباكتْ وقدْ بكي ... تُ وعند الهوى الخبرْ
стр. 74
ساجياتِ الجُفونِ لا ... تتَّخِذنَ البُكا سُتُرْ
لستُ فيكُنَّ لابِساً ... من غرامي على غِررْ
ليس مَن دمعُهُ حَياً ... مثلَ من دمعُه حَذَرْ
أينَ دمعُ الدَّلالِ من ... عَبرةِ الهمِّ والعِبرْ
غيَّرَ الكُحلُ لونَ ذا ... واستحالتْ بذا الغِيَرْ
ليسَ من قلبُهُ قسَا ... كالَّذي قلبُه انفطرْ
ليس من باتَ هاجِعاً ... مثل من نَومَه هَجَرْ
ومن الفرشِ والوَسا ... ئدِ يُسْتثبتُ الخَبَرْ
وله:
أطالتْ وقالتْ من تصبَّرَ يظفرُ ... فديتُكِ لكن مدَّةُ العمرِ تقصرُ
ففي كلِّ قُطرٍ غُربةٌ وتستُّتٌ ... وفي كلِّ عصرٍ حُرقةٌ وتحسُّرُ
يخيَّل لي في كلِّ قفراءَ أنَّما ... بها الآلُ أشراكُ الهوانِ فأُقصِرُ
أهجِّرُ منها حيثُ تستعِرُ الحصا ... وتصخبُ حِرباءُ الهجيرِ وتزفِرُ
وحتَّى إذا شمسُ الأصيلِ تقنَّعتْ ... حِداداً على فقدِ النَّهار أُشمِّرُ
فاختَبِطُ الظَّلماءَ أحسبُ أنَّها ... مسافةُ خطٍّ بالخُطى تتقصَّرُ
ولو أنَّ لي فيك التِفافَ مودَّةٍ ... لما كنتُ أطوِي في البلادِ وأنشُرُ
وله:
الأهمَّ الأهمَّ إن كانَ لا بدَّ ... فإنَّ الزَّمانَ فينا قصيرُ
لا تُضِعْ فرصةَ الحياةِ فما لل ... عمرِ حيثُ انتهى مداهُ مُعِيرُ
وله:
ألا قلْ لمن أبدى اعتذاراً وقد أبى ... زِيارتنَا والرَّيبُ في ذلك العُذرِ
عليك أمانُ الله ما دمتَ عندَنا ... من القتلِ والتَّشليحِ ثمَّ فلا أدري
وله:
إذا كان فقرُ المرءِ يُزري كمالَهُ ... فتنفِرُ منه الأصدقاءُ بلا عذرِ
فيا ضيعةَ الحُسنى ويا خيبةَ الرَّجا ... ويا موتَ زرْ إنَّ الحياةَ على خُسرِ
وله:
أسفٌ يردَّدُ بالنفسِ ... ومدامِعٌ لا تُحتبسْ
وصبابةٌ من وقدِها ... نارُ الجوانِحِ تُقتبسْ
شوقاً إلى من بعدُهمْ ... لم يبقِ لي إلا نفسْ
وشتاتُ شملِي عنهمُ ... قد سلَّ روحي واختلسْ
صبراً لدهرٍ ما ابتسمْ ... تُ تجلُّداً إلا عبسْ
وله، ويخرج منه اسم إبراهيم بطريق التعمية:
إنَّ رقيباً صدَّ من نعشقهُ ... عنَّا وآذانا بلا تحاشِي
راحَ بِلا عاقبةٍ محمودةٍ ... إذ حال بين الماءِ والعِطاشِ
وله:
تولَّى زمانِي بالتَّلاعبِ وانقضى ... وحبل شبابي بالمشيبِ تنقَّضا
أُراقِبُ لمحاً من سهيلِ مطالبي ... وأرصدُ برقاً من أمانيَّ أومَضَا
يخيَّلُ لي أنَّ الدُّجى وجهُ باخِلٍ ... وكفَّ الثُّريَّا للسُّؤالِ تعرَّضا
فآنفُ من نيلِ الغِنى بمذلَّةٍ ... وألوي عِنانَ القصدِ عنه مفوِّضا
وأعيَ طِلابي من زمانيَ صاحِباً ... يكون لحالي بالوفاءِ منهِّضا
فأيْقنتُ أنَّ الخلَّ أفقدُ ثالثٍ ... مع الغولِ والعنقاءِ في قولِ من مضى
وقد صحَّ عندي أنَّما الخلُّ خلَّةٌ ... أرومُ لها سدَّ الكفافِ مع الرِضا
إذا قطع الإنسانُ أطماعَ نفسِه ... من النَّاس كان اليأسُ أهنا معوِّضا
هناك يكونُ المرءُ بالله مقبِلاً ... على شأنِه ما إن يكلُّ له مضا
فذاك الَّذي بالعقلِ صحَّ اتِّصافُه ... ومن لا فلا والله بالِغ ما قضى
وله:
قبل التغزِّلِ مني فيه كان له ... بعض التفاتٍ إلى حالي وقد مُنِعا
أمنتُ فيه من الأغيارِ فانتدبتْ ... للمنعِ بنتُ لساني ليت لو قطعَا
يا ربِّ حتَّى أنا ساعٍ على تلفي ... ما ذاك إلا لسوءِ الحظِّ قد وُضعا
وله:
أيُّها الغاصبُ قلبي ... خلِّه منك وديعهْ
стр. 75
لا تكنْ ضامنَ في الغص ... بِ بإتلافِ القطيعهْ
وله، وقد أجاد:
يا بعيدَ الغورِ من خص ... رٍ عفا لولا المعاطِفْ
وبعيدَ القرطِ من مَع ... قِدْ أطرافِ المطارِفْ
أعمودُ الصُّبح ما أطْ ... لَعْتَ من طوقِ المناشفْ
أم بدا معصمُ كفِّ ال ... برقِ للأبصارِ خاطفْ
أم طلا ظبيٍ مراعٍ ... مسرعِ اللَّفتاتِ واجفْ
يا قضيباً من لجينِ اللُّ ... طفِ نامٍ في حقائفْ
بات يُسْقى صَيِّبَ الدُّ ... لِّ فأضحى وهو وارفْ
إن عَرى من حُلَلِ ال ... خَزِّ اكتسى حُللَ اللطائفْ
دارَ هِميانكَ هَيْما ... ناً لأخبارِ المراشفْ
ولقد طالَ المدى فان ... عَمْ بإرسالِ السَّوالفْ
قلت: هذا شعر أبهى من إرسال السوالف، وأشهر من ذكر الليالي السوالف.
وله إلى معذرٍ طرزت حاشيتا خديه بالقلم الريحاني، وغرزت صحيفتا وجنتيه بالطراز السبحاني:
هذا طرازُ الملكِ يحلو ... وله لواءَ الحسنِ يعلو
فنواطقُ الأرواحِ آ ... ياتِ الصَّبابةِ فيه تتلو
نسخَ العُذارُ بخطِّهِ ... عذرَ السلوِّ فكيف نسلو
عجباً لجمرٍ منه يصْلى ال ... قلبَ دبَّ عليه نملُ
ولِعقربٍ من عنبرٍ ... حامتْ على وردٍ يُطِلُّ
ولِحُمرةٍ فيها تولَّ ... دَ من حظوظِ الصَّبِّ شكلُ
وحِقاقِ ياقوتٍ علي ... هِ من الزُّمرُّدِ صيغَ قُفلُ
إنَّ الجمالَ الصَّرفَ مع ... نًى عن تعلُّقه يجلُّ
أستغفرُ الله العظي ... مَ توهُّمُ الأفكارِ شغلُ
هذي طلاسِمُ قدرةٍ ... لِلُجينِ كنزٍ فيه لَعْلُ
بل ظلُّ أهدابٍ شخصْ ... نَ وفي مرائي الحسنِ صقلُ
فغدا صفاءُ أديمِها ... لخيالِ ذاك الظِّلِّ يجلو
وله في الغزل:
ملْ فإنِّي لميلكَ المُستميلِ ... متلَقٍ على مَراحِ القبولِ
وعجيبٌ ميلُ الغصونِ إلى نح ... وِ مهبِّ الهوى بغيرِ مميلِ
لكنِ الميلُ بانجذابِ هوى النَّفْ ... سِ أبيُّ الزَّوالِ والتَّحويل
حبَّذا ميلةٌ خلستْ بها القلْ ... بَ اختلاسَ الشَّمولِ حُرَّ العقولِ
معطفٌ عاطِفٌ وجيدٌ مجادٌ ... والتفتٌ يسبِي بطرفٍ كحيلِ
وطُلاً واضحٌ ولفظٌ خلوبٌ ... ينفثُ السِّحرَ في خلالِ المقُولِ
وبروحي إذا تغاضبتْ والمبْ ... سمُ يفْترُّ عطفٍ ومنعةٌ في نكُولِ
هكذا هكذا تبارَك من أوْ ... دَعَ في ذا الجمالِ كلَّ جميلِ
وله:
بِروحي الذي أشقى العيونَ ارتِقابهُ ... وأخرجَ عن حدِّ التَّعادلِ أحوالي
تمثِّلُه الأشواقُ لي فإذا أرى ... مليحاً على بعدٍ تظنَّاه بَلْبالي
فاقصِدْهُ قصدَ العِطاش توهَّمتْ ... شراباً فمذ دانته إذ هو بالآلِ
فصرت بحالٍ لو أراهُ حقيقةً ... نكِرتُ على عيني وكذَّبتُ آمالي
وله بتهنئة بختان:
الغصنُ يُحذَمُ باقتِضابِ فواضلٍ ... منه لينمو في الرِّياضِ ويَحمِلا
وكذاك أقلامُ الكمالِ لِبريِها ... تعنو لها سمرُ الرِّماحِ تمثُّلا
والشَّمعُ لا يزهو ويُزهِرُ نورُها ... حتَّى تَقُصَّ من الذُّبالةِ مُرسَلا
تناول هذا من قول محمد بن قاسم الحلبي، من تهنئته بختانٍ، يقول فيها:
هو الشَّمعُ إن قُطَّ لا غروَ أن ... أنارتْ به حالكاتُ اللَّيالي
وظُفرٌ بتقليمهِ لا يزالُ ... أكفُّ المكارمِ منه حوالِ
وتشميرُ ذيلٍ لدى الاستِباقِ ... لنيلِ الأماني وكسْبِ المعالي
وما لليراعِ إذا لم يقطَّ ... فضلٌ يُعَدُّ على كلِّ حالِ
следующие страницы →