← Сияса и кади

Сияса и кади · id 58

العمل بالأغلبية

عبد المنان التالبي

Полный текст (34 стр.). Показаны 1–34.

стр. 1

العمل بالأغلبية في النظام الانتخابي. مقدمة: فإن مما تميز به ديننا الإسلامي عن غيره من الأديان السماوية، أنه دين يتسم بالشمول والكمال لجميع جوانب الحياة المختلفة، ويراعي الظروف المكانية والزمانية عبر العصور والسنين فقد راعى الجانب الاجتماعي في الحياة؛ نظراً لأهميته؛ ولأن كثيراً من تقلبات الحياة الإنسانية تدور عليه، ولم يغفل الجوانب الاقتصادية فتناول المال، والملكية، والبيوع، والربا وغيرها، وحدد السبل الموصلة إلى الكسب الحلال، وحذر مما سواه. ولم يهمل الإسلام الجوانب الطبية، والحربية، والهندسية، والتربوية، والرياضية، إضافة إلى الجوانب الروحية التي تنمي وتؤثر وتشحن أكبر قدر من الطاقة الإيمانية للعبد المسلم، إضافة إلى الجوانب الاعتقادية والثابتة التي لا يمكن المساس بها، ومن هذه الجوانب التي أولاها الإسلام أهمية كبيرة الجانب السياسي، حيث تطرق إلى مفهوم الدولة، ومقوماتها، وسُلطاتها، وسياستها الداخلية والخارجية، ونظم علاقة الراعي بالرعية والعكس، وحدد المعالم الرئيسة للحكم الرشيد، ووضع القواعد العامة لشكل الدولة وهيكلها العام. وسيتحدث الباحث من خلال هذا المطلب عن مسألة يكثر الجدل حولها في أوساط النخب السياسية، والأكاديمية، وطلبة العلم وهي مسألة "الأغلبية، أو نظام التصويت في الانتخابات بمختلف أنواعها". (١) وسيتم تناول هذا الموضوع على النحو التالي:

стр. 2

أولا: التعريف بمفهوم الأغلبية لغة واصطلاحا . البند الأول: الأغلبية في اللغة: تدل على الكثرة، والأغلبية المطلقة - في الانتخابات أو الاقتراع - أصوات نصف الحاضرين بزيادة واحد " محدثة ". والأغلبية النسبية: زيادة أحد المرشحين في الأصوات بالنسبة إلى غيره " محدثة ". (١) البند الثاني: الأغلبية في الاصطلاح: عرفت بعدة تعريفات منها: أ. تعريف الموسوعة العربية العالمية: " قاعدة الأغلبية؛ مبدأ الحكومة الديمقراطية التي تحتاج لإجازة قرار بأغلبية المقترعين قبل أن يصبح القرار نافذ المفعول، وتتألف الأغلبية من أكثر من نصف عدد الأصوات بصوت واحد على الأقل". (٢) ب. العمل بالأغلبية أو الأكثرية يراد به: ترجيح الرأي الذي قال به أكثر المشاركين برأيهم في مسألة من المسائل المتداول بشأنها، والأخذ به. ج. الأغلبية المطلقة: هي العدد الغالب من ذوي الرأي في المسألة أي ما زاد عن نصفهم. (٣) ومن خلال التعاريف السابقة يتبين للباحث أن التعريف الاصطلاحي للأغلبية لا يختلف كثيراً عن التعريف اللغوي، والتعاريف الاصطلاحية متقاربة المعنى؛ حيث أنها جميعاً تفيد أغلبية المشاركين برأيهم في المسائل المتداولة. غير أن التعريف الأول والثاني اقتصرا على تعريف الأغلبية في النظام الانتخابي، والتعريف الثالث عرف الأغلبية في الاجتهاد الجماعي، وعند نقاش المسائل العلمية. ويعرف الباحث الأغلبية بأنها: " الأخذ بالرأي الذي قال به أكثر من نصف المشاركين فيما عرض عليهم"؛ ليشمل كل أنواع الأغلبية ومجالاتها المختلفة كما سيأتي:

стр. 3

ثانيا: التأصيل الشرعي لمفهوم الأغلبية: " لابد من التسليم بأن مسألتنا هذه ليست من المسائل المنصوصة، بمعنى أنه ليس هناك نص يأمر صراحة باتباع الأغلبية ولزوم حكمها، كما أنه ليس هناك نص ينهى أو يحذر من ذلك، وإنما هي مسألة اجتهادية استنباطية، والنصوص التي تتصل بالموضوع ويمكن اعتمادها في الاستنباط كثيرة، وخصوصاً في السيرة النبوية ولكنها جميعا تحتاج إلى تدبر واستنطاق لكي تفصح عن دلالتها في الموضوع؛ ولهذا اختلفت أنظار العلماء والباحثين فيها، واختلفت استنباطاتهم منها واستدلالاتهم بها". (١) وسيذكر الباحث أدلة المجيزين للعمل بالأغلبية ثم أدلة المانعين ومناقشتها، ويرجح ما يراه راجحاً بإذن الله تعالى. البند الأول: أدلة القائلين بجواز العمل بالأغلبية . الفقرة الأولى: من القرآن الكريم: ١ - قوله تعالى ﴿والذِينَ اِسْتَجَابُوا لِرَبهِمْ وَأَقَامُوا الْصلَاةَ وَأَمْروُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ (٢). وجه الشاهد: فهذه الآية إيحاء قوي بأن الممدوحين يُتداول أمرهم بينهم ويتقرر العمل فيه بينهم فهم فيه شركاء، وهذا لا يتحقق في صورة امتلاك فرد واحد منهم حق البت في الأمر، بل يظهر ويتحقق عندما يكون البت جماعياً، إما بالإجماع أو مع بقاء خلاف يسير قد يرتفع بالتراضي والتغاضي. وأقل ما يتحقق به ذلك: اتفاق أغلبية المشورين. (٣) قال أبو الأعلى المودودي قاعدة: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ تتطلب بذاتها خمسة أمور ... خامسها: التسليم بما يُجمع عليه أهل الشورى أو أكثريتهم .. فالله لم يقل تؤخذ آراؤهم ومشورتهم في أمورهم، وإنما قال ﴿وأَمْرُهُمْ شُورَىَ بَيْنَهُمْ﴾ يعني أن تسيير أمورهم بتشاورهم فيما بينهم. وتطبيق هذا الأمر الإلهي لا يتم بأخذ الرأي فقط، وإنما من الضروري لتنفيذه وتطبيقه أن تجري الأمور وفق ما يتقرر بالإجماع أو بالأكثرية ". (٤) ٢ - قوله تعالى في حق ملكة سبأ ﴿قَالَتْ يَا أَيهَا الملَأُ إِني أُلْقِيَ إِلي كِتَابٌ كَرِيمٌ إِنهُ مِنْ سُلَيْمَان وَإِنهُ بِسْمِ اللهِ الُرحْمَنِ الْرحِيمِ أَلا تَعْلُوا عَلَيَ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ قَالَتْ يَا أَيهَا الملَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُانْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتى تَشْهَدُونَ﴾. (٥)

стр. 4

وحتى يستقيم الاستشهاد بقول ملكة سبأ، ولا يبقى فيه مجال للإنكار والاعتراض لا بد من التنبيه على أمرين: (١) الأول: ما قرره الشاطبي وهو كل حكاية وقعت في القرآن، فلا يخلو أن يقع قبلها أو بعدها وهو الأكثر رد لها أو لا، فإن وقع رد فلا إشكال في بطلان ذلك المحكي وكذبه، وإن لم يقع معها رد، فذلك دليل على صحة المحكي وصدقه .. فإن القرآن سمي فرقانا، وهدى، وبرهاناً، وتبياناً لكل شيء، وهو حجة الله على الخلق، على الجملة والتفصيل، والإطلاق والعموم. ... وهذا المعنى يأبى أن يحكى فيه ما ليس بحق، ثم لا ينبه عليه .. ". (٢) وما قالته ملكة سبأ والتزمت به من أنها لا تبرم أمراً إلا بموافقة ملئها ليس عندنا في القرآن، ولا في السنة في نفس الموضوع ولا في غيره ما يرده ويبطله فلا مجال لإبطال ما قالته المرأة والتزمت به. (٣) الثاني: وهو أعلى درجة من سابقه، وهو أن ملكة سبأ سيقت في القرآن مساق التنويه والرضى من تدبيرها وتصرفها وعاقبة أمرها. (٤) قال القرطبي معلقاً على مشاورتها ومحاورتها لملأها: " فأخذت في حسن الأدب مع قومها ومشاورتهم في أمرها، وأعلمتهم أن ذلك مطرد عندها في كل أمر يعرض بقولها فيما ذكر الله عنها ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرًا حَتَى تَشْهَدُونَ﴾ فكيف في هذه النازلة الكبرى ... ". (٥) وجه الشاهد: فبناء على أن قولها ﴿مَا كُنْتُ قَاطِعَةً أَمْرً حَتى تَشْهَدُونَ﴾، محكي في كتاب الله من دون أي إبطال أو ذم. وبناء على سياق التأييد والرضى الذي جاء فيه هذا القول، فإن قولها والتزامها وجريان العمل عندها بأنها لا تقطع في أمر من أمور الدولة، إلا بعد أن يشهده ملؤها، ويوافقوا عليه، يعتبر شرعا مثالا يُحتذى. (٦)

стр. 5

٣ - أن الناظر في نصوص الكتاب العزيز، والسنة المطهرة، يجد أن الغلبة والكثرة في الأوصاف، أو في الأحوال، أو الأفعال ونحو ذلك، والتي لا تخالف الشرع، لها تأثير واعتبار في تقرير الأحكام واستنباطها، والترجيح فيما بينها ومن ذلك: قوله تعالى ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَاُل وَهُوَ كرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنَ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُوا شَيْئًا وَهُوَ شرٌ لَكُمْ وَاللهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. (١) وجه الشاهد: أن الله أوجب القتال والجهاد، رغم ما فيه من مشاق ومتاعب للنفس البشرية ولكن هذه المشاق والمتاعب غير معتبرة؛ لأن المنافع والمصالح المتحققة بالجهاد أعظم وأكثر وأغلب. وقوله تعالى ﴿يَسْأَلُوْنَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلْناسِ وَإِثْمهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾. (٢) وجه الشاهد: أن الخمر والميسر إنما ححرمتا؛ لغلبة الإثم والمضرة؛ فكان لهما أثر في التحريم للغلبة والمضرة والكثرة (٣)، ومن السنة قوله ﷺ : " إذا كان الماء قلتين فإنه لا ينجس" (٤). وفي رواية "لم يحمل الخبث". (٥) وفيها أيضا حديث أبي مسعود الأنصاري قال: قال رسول الله ﷺ : "يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله، فإن كانوا في القراءة سواء، فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأقدمهم سلما- وفي رواية سنا - ولا يؤمن الرجل الرجل في سلطانه ولا يقعد في بيته على تكرمته إلا بإذنه". (٦)

стр. 6

وجه الشاهد: إذا تأملنا النصوص السابقة، فإننا نجد أن الأكثرية والأغلبية في الوصف، ... أو العدد، أو الحال، كان لها أثر في تقرير الأحكام. الفقرة الثانية: الأدلة من السنة النبوية: استدل القائلون بالأغلبية بعدة نصوص من السنة النبوية منها: ١ - حديث ابن عباس ﵁ ما أن عمر بن الخطاب ﵁ خرج إلى الشام حتى إذا كان بسرغ لقِيه أمراء الأجناد أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بأرض الشام، قال ابن عباس: فقال عمر أدع لي المهاجرين الأولين فدعاهم فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام فاختلفوا، فقال: " بعضهم قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه"، وقال بعضهم معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ ، ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء فقال: "ارتفعوا عني"، ثم قال: " أُدعوا لي الأنصار"، فدعوتهم فاستشارهم فسلكوا سبيل المهاجرين واختلفوا كاختلافهم، فقال: " ارتفعوا عني: ثم قال: " أدع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح" فدعوتهم فلم يختلف منهم عليه رجلان فقالوا: "نرى أن ترجع بالناس ولا تقدمهم على هذا الوباء، فنادى عمر في الناس" إني مصبح على ظهر"، فاصبحوا عليه، فقال أبو عبيدة بن الجراح أفراراً من قدر الله؟ فقال عمر: " لو غيرك قالها يا أبا عبيدة، نعم نفر من قدر الله إلى قدر الله ". (١) وجه الشاهد: قال ابن حجر في شرحه هذا الحديث: " وفيه الترجيح بالأكثر عدداً، ... والأكثر تجربة، لرجوع عمر لقول مشيخة قريش مع ما انضم إليهم ممن وافق رأيهم من المهاجرين والأنصار، فإن مجموع ذلك أكثر من عدد من خالفه من كل من المهاجرين والأنصار، ووازن ما عند الذين خالفوا ذلك من مزيد في العلم والدين ما عند المشيخة من السن والتجارب، فلما تعادلوا من هذه الحيثية رجح بالكثرة .. " (٢). ٢ - حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "مر بجنازة فأثني عليها خير فقال نبي الله ﷺ : وجبت، وجبت، وجبت، ومر بجنازة فأثني عليها شر فقال نبي الله ﷺ : وجبت، وجبت، وجبت "، قال عمر: فدى لك أبي وأمي مُر بجنازة فأثني عليها خير فقلت: وجبت، وجبت، وجبت، ومر بجنازة فأثني عليها شر فقلت: وجبت، وجبت، وجبت فقال ﷺ : "من أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شراً وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض، أنتم شهداء الله في الأرض". (٣)

стр. 7

وجه الشاهد: أن في الحديث الاعتداد بالكثرة في الشهادة، فشهادة الناس معتبرة في الخير أو في الشر؛ ولذا أخذ بها النبي ﷺ وقررها مما يدل على تأكيد العمل بها. ٣ - حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما". (١) قال الغزالي في معرض حديثه عن الإمامة: "إنه مهما وقع الاتفاق على نصب واحد .. فمن طمح إلى طلبها لنفسه كان باغياً، فإنهم لو اختلفوا في مبدأ الأمر وجب الترجيح بالكثرة في ذلك عند تقابل العدد وتقاربهم". (٢) ٤ - الأحاديث الدالة على الجماعة ومنها: أ. حديث النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : " .. والجماعة رحمة والفرقة عذاب "، قال: فقال أبو أمامة الباهلي، عليكم بالسواد الأعظم ". (٣) ب. حديث ابن عباس ﵁ ما قال: قال رسول الله ﷺ : " يد الله مع الجماعة". (٤) ج. حديث ابن عمر أن رسول الله ﷺ قال: " إن الله لا يجمع أمتي، أو قال أمة محمد ﷺ على ضلالة، ويد الله مع الجماعة، ومن شذ شذ إلى النار". (٥) وجه الشاهد: أن الله وصى أمته بإتباع الجماعة عند الاختلاف، وأخبر أن يد الله مع الجماعة، وأن الأمة لا تجتمع على ضلالة؛ وفسر أبو أمامة الباهلي الجماعة: " بالسواد الأعظم "؛ أي الأكثرية.

стр. 8

٥ - حديث عبد الرحمن بن غنم الأشعري أن النبي ﷺ قال: لأبي بكر وعمر: " لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما ". (١) وجه الشاهد: أنه يرجح رأي الاثنين على رأي الواحد. الفقرة الثالثة: الأدلة من السيرة النبوية . وردت العديد من الشواهد على الأخذ برأي الأغلبية في السيرة النبوية المطهرة إذ أنها تمثل الجانب العملي من هدي النبي ﷺ ومنها: ١ - في غزوة بدر: يتجلى الأخذ برأي الأغلبية في معركة الفرقان في مشهدين: الأول: أخذ النبي ﷺ برأي أغلب الصحابة في قتال المشركين في معركة بدر، ذلك أن النبي ﷺ لم يخرج للقتال وإنما خرج لاعتراض عير قريش وقافلتها التجارية بقيادة أبي سفيان ابن حرب، ولما جاءت قريش بجيشها للقتال، عمد النبي ﷺ لمعرفة آراء من خرجوا معه. قال ابن إسحاق: " .. وأتاه الخبر عن قريش بمسيرهم ليمنعوا عيرهم، فاستشار الناس وأخبرهم عن قريش، فقال أبو بكر الصديق ﵁ وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب ﵁ فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو، فقال: يا رسول الله ﷺ : امض لما أراك الله، فنحن معك، والله لا نقول لك ما قالت بنو إسرائيل لموسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُكَ فَقَاتِلَا إِنا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ (٢)، لكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرتَ بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى نبلغه .. " (٣). ومع أن النبي ﷺ استمع إلى رأي ثلاثة هم رؤوس المهاجرين، إلا أنه رغب في معرفة رأي الأكثرية من الأنصار فقال: " أشيروا علي أيها الناس". (٤)

стр. 9

قال ابن إسحاق (١): " وإنما يريد الأنصار، وذلك أنهم عدد الناس " أي أكثريتهم". (٢) فكان لا بد أن يسمع منهم، فقال زعيمهم سعد بن معاذ: " والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال: أجل، قال: فقد آمنا بك، وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق، لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غداً، إنا لصُبر في الحرب، صُدْقٌ في اللقاء، لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسِر بنا على بركة الله". (٣) قال ابن إسحاق: فسر رسول الله ﷺ بقول سعد ونشطه ذلك ثم قال: " سيروا وأبشروا، فإن الله تعالى قد وعدني إحدى الطائفتين، والله لكأني الآن أنظر إلى مصارع القوم" (٤). الثاني: حديث عمر بن الخطاب ﵁ وفيه: " فلما أسروا الأسارى، قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: " ما ترون في هؤلاء الأسارى؟ فقال أبو بكر يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ " ما ترى يا ابن الخطاب؟ " قلت: ... " لا والله ما أرى الذي رأى أبوبكر، ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم، فتمكن علياً من عقيل فيضرب عنقه، وتمكني من فلان - نسيبا لعمر- فأضرب عنقه؛ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبوبكر ولم يهو ما قلت، فلما كان في الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبوبكر قاعدين يبكيان، قلت يا رسول الله أخبرني عن أي شيء تبكي أنت وصاحبك فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما، فقال رسول الله ﷺ : أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء، لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة وأنزل الله ﴿مَا كَانَ لِنَبِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتى يُثْخِنَ فِي الأرْض﴾ (٥). فأحل الله الغنيمة لهم ". (٦)

стр. 10

وجه الشاهد: هذه الرواية وإن كان ظاهرها أن النبي ﷺ إنما أخذ برأي الصديق ﵁ فإنها صريحة في آخرها، بأن القول بأخذ الفدية من الأسرى كان قول جمهور الصحابة، بدلالة: "أبكي للذي عرض علي أصحابك .. ". (١) وورد في التحرير والتنوير: " والخطاب في قوله " تريدون " للفريق الذي أشاروا بأخذ الفداء، وفيه إشارة إلى أن الرسول ﷺ غير معاتب؛ لأنه إنما أخذ برأي الجمهور". (٢) ٢ - في غزوة أحد: قال البخاري: " وشاور النبي ﷺ أصحابه يوم أحد في المقام والخروج، فرأوا له الخروج، فلما لبس لأمته وعزم قالوا: أقم فلم يمل إليهم بعد العزم، وقال لا ينبغي لنبي لبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله ". (٣) وقد وردت القصة بتمامها في مستخرج أبي عوانة وفيه: " فلما نزل أبو سفيان بالمشركين أحداً قال رسول الله ﷺ لأصحابه: إني رأيت الليلة أني في درع حصينة، وإني أولتها المدينة، فاجلسوا في صنعكم، وقاتلوا من ورائه، وكانوا قد شكوا أزقة المدينة بالبنيان، فقال رجال من أصحاب رسول الله ﷺ لم يكونوا شهدوا بدراً-: " يا رسول الله، أخرج بنا إليهم، فلم يزالوا برسول الله ﷺ حتى لبس لأمته، فلما لبس رسول الله ﷺ لأمته. فقال: أما إني أظن الصرعى مستكثر منكم ومنهم اليوم؛ إني رأيت في المنام بقراً منحرة، فأراني أقول: بقر، والله خير فتقدم الذين كانوا يدعونه إلى الخروج. فقالوا: يا رسول الله امكث، قال رسول الله ﷺ : إنه لا ينبغي لنبي أن يلبس لأمتَه، ثم ينتهي حتى يأتي البأس .. ". (٤)

стр. 11

قال ابن حجر العسقلاني: " وأبى كثير من الناس إلا الخروج " (١)، وقال ابن كثير: " وشاروهم في أحد في أن يقعد في المدينة أو يخرج إلى العدو فأشار جمهورهم بالخروج إليه فخرج إليهم". (٢) وجه الشاهد: فهذه الروايات الحديثية والتاريخية تبين بكل وضوح أن النبي ﷺ نزل على رأي الأغلبية في الخروج إلى أحد مما يدل على اعتبارها في الشرع. ٣ - غزوة الأحزاب (الخندق): روى ابن إسحاق عن جماعة من الرواة: " قالوا: إنه كان من حديث الخندق أن نفراً من اليهود .. حزبوا الأحزاب على رسول الله ﷺ ، وخرجوا حتى قدموا على قريش في مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ ، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله .. ". (٣) فدخل في حلفهم كل من: قريش، وغطفان، وبني قريظة، بالإضافة إلى بني النضير، وبني وائل. قال ابن إسحاق: وعظم عند ذلك البلاء، واشتد الخوف، وأتاهم عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، حتى ظن المؤمنون كل ظن، ونجم النفاق من بعض المنافقين ". (٤) وفي هذا الظرف العسير لجأ القائد الحكيم إلى خطوة ليخفف بها عن أصحابه، ويكسر بها طوق أعدائهم فأجرى اتصالات سرية مع قائدي غطفان: عيينة بن حسن، والحارث بن عوف وتوصل معهما إلى اتفاق يقضي بانسحاب غطفان من الحلف مقابل أن يعطيهم ثلث ثمار المدينة، وقبل أن يصبح العقد نهائياً وملزماً عرض رسول الله ﷺ الأمر على زعيمي الأنصار وممثليهم: سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة، فقالا له: يا رسول الله أمراً تحبه فنصنعه، أم شيئا أمرك الله به، لا بد لنا من العمل به أم شيء تصنعه لنا؟ قال: " بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت العرب قد رمتكم عن قوس واحد وكالبُوكم من كل جانب فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما ". فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله، قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها إلا قرىً أو بيعاً، أَفَحِين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له، وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا

стр. 12

نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم، قال رسول الله ﷺ : " فأنت وذاك "، فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا". (١) وجه الشاهد: أن النبي ﷺ عدل عن رأيه لرأي سعد بن معاذ، وسعد بن عبادة وترك ما كان قد رغب فيه من المصالحة على ثلث ثمار المدينة مقابل الانسحاب من حلف اليهود. ٤ - حصار الطائف: في حديث عبد الله بن عمر ﵁ قال: " لما حاصر رسول الله ﷺ الطائف فلم ينل منهم شيئا قال: " إنا قافلون إن شاء الله، فثقل عليهم وقالوا نذهب ولا نفتحه، فقال: " أغدوا على القتال فغدوا فأصابهم جراح، فقال: إنا قافلون غداً إن شاء الله، فأعجبهم فضحك النبي ﷺ ". (٢) وجه الشاهد: عمل النبي ﷺ برأي الأغلبية، وعدوله عن رأيه لرأيهم؛ مما يدل على مشروعيته. وهكذا نجد السيرة النبوية مليئة بالشواهد على مشاورة النبي ص لأصحابه وأخذه برأي أغلبيتهم؛ حتى قال أبو هريرة ﵁: " ما رأيت أحدا قط كان أكثر مشورة لأصحابه من رسول الله ﷺ ". (٣) الفقرة الرابعة: عمل الفقهاء . بالنظر في تراثنا الفقهي يجد الباحث أن العمل بالكثرة معتمد لدى الفقهاء في ترجيحاتهم عند اختلاف الأقوال الفقهية الاجتهادية، وينطبق هذا ابتداء من الصحابة. قال ابن القيم: " فإن كان الأربعة - يقصد الخلفاء الراشدين- في شق فلا شك أنه صواب، وإن كان أكثرهم في شق فالصواب فيه أغلب ". (٤) وروي عن علي ﵁ أنه قال: " استشارني عمر في أمهات الأولاد (يعني الإماء) فأجمعت أنا ... وهو على عتقهم، ثم رأيت بعد أن أُرقهم فقال له عبيدة (وهو عبيدة السلماني- تابعي-) رأي ذوي عدل أحب ألينا من رأي عدل وحده ". (٥)

стр. 13

وفي مسألة أخرى مماثلة هي مسألة المخيرة قال علي ﵁: " لأمر جامعت عليه أمير المؤمنين - عمر ﵁ وتركت له رأيك، أحب ألينا من أمر تفردت به، فضحك ". (١) وفي كشف الأسرار: " وإنما اختار أبو عبيدة أن يكون قول علي منضماً إلى قول عمر ﵁ ما؛ لأنه كان يرجح قول الأكثر على قول الأقل، وعلي لا يرى الترجيح بالكثرة بل بقوة الدليل". (٢) وفي المعتمد: "والعمل بالكثرة مقرر عند عامة الفقهاء؛ لأن الأغلب أن الصواب يكون مع الأكثر". (٣) الفقرة الخامسة: القواعد الفقهية والأصولية . تشهد عدداً من القواعد الفقهية للعمل بالأغلبية على النحو التالي: - العبرة بالظن الغالب. (٤) - ما قارب الشيء يعطى حكمه. (٥) - الأقل يتبع الأكثر. (٦) - معظم الشيء يقوم مقام كله. (٧) - الترجيح بالكثرة. (٨) - الترجيح بكثرة المفتين. (٩) - الترجيح بكثرة الأصول وهو مذهب الحنفية. (١٠) الفقرة السادسة: البداهة .

стр. 14

ميل النفس إلى تفضيل رأي الأغلبية، فطري يدرك بالبداهة من غير إعمال للفكر، ولا علم بالسبب، وهذه البداهة يدركها الناس جميعاً صغاراً وكباراً في جميع الشعوب، فحيثما كانت الكثرة في الرأي وفي الاختيار وفي المواقف فالصواب فيها أكثر. الفقرة السابعة: أقوال المعاصرين في العمل بمبدأ الأغلبية . وردت أقوال كثيرة للمعاصرين في العمل بمبدأ الأغلبية منها: يقول محمد رشيد رضا: " .. ومنه يعلم أن ما شرعه الله من العمل برأي الأكثرية فسببه أنه هو الأمثل في الأمور العامة، لا لأنهم معصومين منها ". ويقول أيضا: " فإن قيل وما حكمته تعالى في ترجيح الرسول لرأي الجمهور المرجوح ثم إنكاره تعالى ذلك عليهم، قل: إن لله في ذلك لحِكما ما ظهر لي منها، الحكمة الأولى: عمل الرسول ص برأي الجمهور الأعظم فيما لا نص فيه من الله تعالى، وهو ركن من أركان الإصلاح السياسي والمدني الذي عليه أكثر الأمم في دولها القوية في هذا العصر". (١) ويقول عبد القادر عودة: " وربما يصح عقلاً أن رأي الأكثرية خاطئاً، ورأي الأقلية صوابا، ولكن هذا نادر، والنادر لا حكم له، والمفروض شرعا رأي الأكثرين هو الصواب ما دام كله يبدي رأيه مجرداً لله وأساس ذلك قول رسول الله ﷺ : " لا تجتمع أمتي على ضلالة ويد الله مع الجماعة " (٢). البند الثاني: أدلة القائلين بمنع العمل بالأغلبية . وقف عدد من العلماء والدعاة المعاصرين من مبدأ الأغلبية موقف الإنكار والرفض واستدلوا بعدة أدلة منها: الفقرة الأولى: من القرآن الكريم . أ- أن الأكثرية وردت في القرآن الكريم مورد الذم، واقترنت بالضلال وعدم العلم في عدد من آيات القرآن منها: قوله تعالى ﴿وَلَكِن أَكْثَرَ الناسِ لَا يَشْكُرُونَ﴾. (٣) قوله تعالى ﴿وَلَكِن أَكْثَرَ الناسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٤). قوله تعالى ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِيِ الُأَرْضِ يُضِلوُكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾ (٥). وقوله تعالى ﴿وَلَكِن أَكْثَرَ الناسِ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ (٦). وقوله تعالى ﴿وَمَا أَكْثَرُ الناسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ (٧)

стр. 15

فكيف نثق بالأغلبية ونلتزم بها مع ما ورد من نصوص قرآنية في ذمها؟ يجاب عن هذا الاستدلال من خمسة أوجه على النحو التالي: ١ - أن هذا الاستدلال إنما يصح عندما يتعلق بأكثريتين: الأولى: أكثرية عموم البشر؛ لأن الله حكم عليها بالخسران واستثنى منها أهل الإيمان فقال ﴿وَالْعَصْرِ إِن الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلا الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِ وَتَوَاصَوْا بِالْصبْرِ﴾. (١) الثانية: أكثرية الناس مجردة عن صفات الأهلية والكفاءة. أما حين تكون الأهلية مقيدة بأوصاف الأهلية والكفاءة، كأكثرية أهل الحل والعقد، وأكثرية أهل العلم، وأكثرية أهل الإيمان، فهذه أكثرية محمودة شرعا .. وبهذا تعلم أن الأكثرية ليست مذمومة على الإطلاق، فأكثرية أهل العلم والصلاح ليست كأكثرية أهل الجهل والعصيان. (٢) ٢ - أن الذم المفهوم من قوله تعالى ﴿وَمَا أَكْثَرُ الْنَاسِ وَلَوْ حَرَصْت بِمُؤْمِنِينَ﴾ ليس راجعا إلى وصف " الكثرة " في حد ذاته، بل هو راجع إلى ارتباط الكثرة بـ " عدم الإيمان "، وحين ينتفي "عدم الإيمان"؛ ينتفي الذم المفهوم من الآية. ٣ - أن القرآن الكريم إنما ذم كثرة الكفر والضلال، لا كثرة الإيمان ففي تفسير الجلالين في قوله تعالى ﴿وَإنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الُأَرْضِ﴾ قال: أي الكفار ﴿يُضِلُوكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾؛ قال: دينه" (٣). فالكثرة مطلوبة ومرغوبة ومعتد بها، شريطة ألا تخرج عن دائرة الإيمان والصلاح، إلى دائرة الكفر والإفساد .. وعلى هذا فكثرة المؤمنين أفضل من قلتهم من حيث هم مؤمنون، وقد قال النبي ﷺ : " عليكم بالجماعة، وإياكم والفرقة، فإن الشيطان مع الواحد، وهو من الاثنين أبعد، من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة .. ". (٤)

стр. 16

وتأكيداً لهذا المعنى وتطبيقاً له قال النبي ﷺ : " الراكب شيطان، والراكبان شيطانان والثلاثة ركب " (١)، فالثلاثة أفضل من الاثنين، وأبعد عن تأثير الشيطان، واعتبار الراكبين شيطانين .. يرجع - والله أعلم - إلى أنهما إذا تعرضا للخلاف والنزاع، لم يكن بينهما حكم ولا مرجح؛ لأنهما يُحرمان من تحقيق ما جاء في الحديث الآخر: " إذا خرج ثلاثة في سفر، فليؤمروا أحدهم" (٢)، والتأمير لا يتأتى مع الاثنين؛ لعدم إمكان وجود أغلبية ترجح وتأمر ... ". (٣) ٤ - مما يدل على أن الكثرة غير مذمومة، تنافس الأنبياء في كثرة الأتباع يوم القيامة (٤) ففي حديث سمرة قال: " قال رسول الله ﷺ إن لكل نبي حوضا، وإنهم يتباهون أيهم أكثر واردة، وإني أرجو أن أكون أكثرهم واردة ". (٥) وتمنى النبي ﷺ أن يكون أكثر الأنبياء تابعاً يوم القيامة فقال: " ما من الأنبياء نبي إلا أعطي ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيت وحياً أوحاه الله إلي؛ فأرجوا أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة ". (٦) وفي حديث أنس ﵁ قال: " كان رسول الله ﷺ يأمر بالباءة، وينهى عنه التبتل نهياً شديداً ويقول: " تزوجوا الودود الولود؛ فإني مُكاثر بكم الأنبياء يوم القيامة ". (٧) ٥ - أن الآيات التي وصفت أكثر الناس بأنهم لا يعلمون كانت تتحدث بصفة خاصة عن مجال الغيبيات، وهو المجال الذي لا يدرك حقائقه ولا يعقلها إلا أقل الناس ... (٨).

стр. 17

ومنها ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِهِ قُلُ إِن اللهَ قَادِرٌ أَنْ يُنَزِلَ آيَةً وَلَكِن أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١). وقوله تعالى ﴿فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمهِ كَيْ تَقَرَ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنْ وَلِتَعْلَمَ أَن وَعْدَ اللهِ حَقٌ وَلَكِن أَكْثَرَ الْناسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ ". (٢) وقوله تعالى ﴿وَإِن لِلذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُوْنَ ذَلِكَ وَلَكِن أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾. (٣) ب- استدلوا كذلك بقوله تعالى ﴿فَبِمَا رَحَمَةٍ مَنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُوْا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكلْ عَلَى اللهِ إِن اللهَ يُحِبُ الْمُتَوَكِلِينَ﴾. (٤) حيث فهموا من الآية أن الأمير إذا استشار فإنه يختار بعد ذلك ما بدا له، ويعزم عليه، ويمضي متوكلا على الله لا على أغلبية، ولا أقلية. واستدلوا كذلك بتفسير الطبري للآية حيث قال في تفسير قوله تعالى ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكلْ عَلَى الله﴾؛ قال: " فإنه يعني: فإذا صح عزمك بتثبيتنا إياك، وتسديدنا لك فيما نابك وحز بك من أمر دينك ودنياك، فامض لما أمرناك به على ما أمرناك به، وافق ذلك آراء أصحابك وما أشاروا به عليك أو خالفها، كما حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة بن إسحاق: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكْلْ عَلَى اللهِ، إِن اللهَ يُحِبُ المتَوَكِلِينَ﴾، فإذا عزمت أي على أمر جاءك مني أو أمر دينك في جهاد عدوك، لا يصلحك ولا يصلحهم إلا ذلك، فامض على ما أمرت به على خلاف من خالفك، وموافقة من وافقك ". (٥) والجواب من وجهين: الأول: أن كلام الطبري يتعلق بما نزل فيه وحي وحكم الله فيه يحكم، فإن الواجب أن ينفد ما حكم الله به، ولا عبرة حينئذ بالأكثر أو الأقل أو الجميع، وهذا ما لا خلاف فيه بين المسلمين، ومن تأمل كلام الطبري يجده في هذا السياق: فامض لما أمرناك به، على ما أمرناك به ... فإذا عزمت، أي على أمر جاءك مني .. فامض على ما أمرت به ". (٦)

стр. 18

الثاني: أنه من الواضح جداً، أن الآية لم تتعرض لإتباع الأغلبية، ولا لعدم إتباعها، ولا لجواز ذلك، ولا لوجوبه، ولا لمنعه، فتحميلها الدلالة على جواز تفرد الأمير الأمر ومخالفة جميع مستشاريه أو جميعهم، إنما هو تكلف وتعسف. (١) الفقرة الثانية: من السيرة النبوية: أـ وفيها: أن النبي ﷺ لم يلتزم الأغلبية في أحداث متعددة منها صلح الحديبية، حيث أن الصحابة عارضوا هذا الصلح، ومع هذا فقد أمضاه النبي ﷺ . والجواب عليه من وجهين: الأول: أن صلح الحديبية قد ثبت يقينا أنه تم بوحي من الله ، ومن الأدلة على ذلك: بروك الناقة: كما في حديث السور بن مخرمة قال: خرج رسول الله ﷺ زمن الحديبية .. فذكر الحديث بطوله؛ وفيه: " وسار النبي ﷺ حتى إذا كان بالثنية التي يُهبط عليهم منها بركت به راحلته فقال الناس حل حل، فألحت فقالوا: خلأت القصواء، فقال النبي ﷺ : ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق ولكن حبسها حابس الفيل .. ". (٢) وفي إكمال المعلم، عند قوله: " حبسها حابس الفيل " قال: يريد أمر الله ومراده ". (٣) الثاني: عندما اشتد الأمر بعمر بن الخطاب ﵁ من الصلح مع قريش ومن شروطه، اندفع عمر يعبر عما في نفسه قال: فأتيت النبي ﷺ ، فقلت ألست نبي الله حقاً، قال: بلى، قلت: ألست على الحق وعدونا على الباطل، قال: بلى، قلت: فلم نعطي الدنية في ديننا إذا، قال: إني رسول الله، ولست أعصيه وهو ناصري .. ". (٤) في إرشاد الساري: " وفيه تنبيه لعمر ﵁ على إزالة ما حصل عنده من القلق، وأنه ﷺ لم يفعل ذلك إلا لأمر أطلعه الله عليه من حبس الناقة، وأنه لم يفعل ذلك إلا بوحي من الله ". (٥) فيتضح من خلال هذه النصوص أن النبي ﷺ تصرف بصفته رسولا، ينفذ أمر ربه، ولا يستطيع أن يعصيه، فلم يبق مجال لآراء الناس، ولهذا لم يستشاروا في الأمر أصلاً. (٦)

стр. 19

ب- ما وقع منه ص من استشارات فردية لبعض أصحابه، ففي بدر أخذ برأي الحباب بن المنذر وحده، وفي أسرى بدر أخذ برأي أبي بكر ﵁، وفي الخندق أخذ برأي سلمان الفارسي وحده، وفي الحديبية قبل بروك الناقة، أخذ برأي أبي بكر الصديق، وفي حادثة الإفك لم يستشر إلا أفرادا معدودين منهم علي وأسامة، قالوا: فهذه الحالات تثبت أن للأمير أن يستشير من شاء، ويأخذ من الآراء ما شاء، ويترك ما شاء، وأنه ليس مقيداً بالأغلبية. الجواب من وجهين: الأول: ليس في هذه الأمثلة ما يدل على إهدار استشارة الأغلبية: - أما ما أشار به الحباب بن المنذر فيما يخص مكان نزول بدر، فقد كان رأياً من رجل خبير بالمنطقة، عارف بآبارها، فاستحسنه النبي ﷺ ولم يقع فيه خلاف ولا معارض لصوابه؛ ولذا مضى الصحابة مقتنعين به. - ومثل ذلك يقال في رأي سلمان في حفر الخندق، ورأي الصديق في الحديبية. - وأما رأي الصديق في أخذ الفداء من المشركين، فلم يكن هو رأيه، بل رأي جمهور الصحابة كما بينا سابقا. - وأما استشارته علياً وأسامة في شان عائشة، وهل يطلقها أو يبقيها، بعد أن راج حديث الإفك مدة، وقبل أن ينزل القرآن بتبرئتها، فموضوع خاص ولهذا استشار ﷺ خواصه والمقربين منه، ولكل إنسان في مسائله الخاصة أن يستشير من شاء ويعمل بما شاء. (١) الثاني: أن للنبي ﷺ خصوصيته فهو المؤيد بالوحي، المعصوم من الخطأ مع كونه أفضل الخلق وأكملهم عقلاً، وأسدهم نظراً، وأحكمهم تدبيراً، وهذه المنزلة لن تكون لأحد بعده، كما لم تكن لأحد قبله. ومن هنا ندرك فداحة غلط أولئك الذين يذهبون في قياس الأمراء على الرسول ويعطوا لأمرائهم ما للنبي ﷺ من التعظيم والتفويض في الحقوق والصلاحيات. (٢) روى ابن عبد البر بسنده عن ابن شهاب: أن عمر بن الخطاب قال وهو على المنبر: " أيها الناس إن الرأي إنما كان من رسول الله ﷺ مصيباً؛ لأن الله كان يُريه، وإنما هو منا الظن والتكلف". (٣)

стр. 20

الفقرة الثالثة: عمل الخلفاء الراشدين . أ. استدلوا ببيعة عمر لأبي بكر يوم السقيفة، وأنه بالإمكان أن تتم البيعة بمبايعة شخص واحد من أهل الحل والعقد، ومن هنا فمسألة الأغلبية ليس لها لزوم في الشرع. (١) الجواب على هذا الاستدلال من وجهين: الأول: ما صدر عن أمير المؤمنين عمر ﵁ عندما سمع مثل هذا في موسم الحج فعاد إلى المدينة وخطب في الناس وقال: " بلغني أن قائلاً منكم يقول والله لو قد مات عمر، بايعت فلاناً، فلا يغترن امرؤ أن يقول: إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس منكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا .. ". (٢) الثاني: ما سطره الغزالي في المسألة إذ قال: لما بايع عمر أبا بكر ﵁ ما انعقدت الإمامة له، لا بمجرد بيعته، ولكن لتتابع الأيدي إلى البيعة بسبب مبادرته، ولو لم يبايعه غير عمر، وبقي كافة الخلق مخالفين، أو انقسموا انقساماً متكافئاً لا يتميز فيه غالب عن مغلوب، لما انعقدت الإمامة فإن شرط ابتداء الانعقاد: قيام الشوكة، وانصراف القلوب إلى المتابعة، ومطابقة البواطن والظواهر على المبايعة؛ فإن المقصود الذي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء في مصطدم تعارض الأهواء، ولا تتفق الإرادات المتناقضة، والشهوات المتباينة المتنافرة على متابعة رأي واحد؛ إلا إذا ظهرت شوكته؛ وعظمت نجدته؛ وترسخت في النفوس رهبته ومهابته، ومدار جميع ذلك على الشوكة، ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرية من معتبري كل زمان ". (٣) ومما سبق يتبين أن بيعة الصديق ﵁ لم تتم ببيعة عمر ﵁ وحده وإنما بمبايعة الناس له، ... ورضاهم به، ومشايعتهم له. ب. قتال الصديق لمانعي الزكاة رغم معارضة الصحابة له ومنهم عمر ﵁:

стр. 21

والجواب عليه من وجهين: الأول: أن الروايات الصحيحة الثابتة في ذلك تبين أن حواراً جري بين الصديق ﵁ وبين عمر ﵁ حول قتال مانعي الزكاة انتهى إلى الاتفاق على قتالهم بعد أن اتضح الحكم الشرعي في المسألة. ففي حديث أبي هريرة ﵁ قال: " لما توفي رسول الله ﷺ واستخلف أبو بكر بعده، كفر من كفر من العرب، فقال عمر بن الخطاب لأبي بكر: "كيف تقاتل الناس، وقد قال ﷺ أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله، ومن قال: لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله؟ قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الزكاة والصلاة، وإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالاً- أو عناقاً- كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه، فقال عمر بن الخطاب: فوالله ما هو إلا أن رأيت أن الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق". (١) وفي معالم السنن: " فلما استقر عند عمر صحة رأي أبي بكر ﵁ ما وبان له صوابه، تابعه على قتال القوم ... ". (٢) أما الروايات التاريخية الأخرى ففيها زيادات، وذكرت بغير إسناد، ولا ترقى إلى درجة الصحة والقبول، وبعضها يصادم الروايات الصحيحة المعتمدة في كتب الحديث، وبعضها مجمل بمعنى أنها عندما تذكر خلاف الصحابة مع الصديق، لا تذكر من هم الصحابة المخالفون له وكم عددهم وما نسبتهم. (٣) الثاني: أن الصديق ﵁ لم يتمسك برأي له، أصر على أن يعارض به الصحابة وأن يفرضه عليهم، وإنما كان يتمسك بالنص، ومعلوم أنه لا اجتهاد، ولا شورى، ولا أغلبية في مورد النص. (٤)

стр. 22

ج. إنفاذ الصديق لجيش أسامة رغم وجود من اعترض من الصحابة: الجواب من وجهين: الأول: أن ما فعله الصحابة من اعتراض على إنفاذ جيش أسامة كان باجتهاد منهم عندما رأوا ارتداد العرب، واضطراب الأمور على الصديق بعد موت النبي ﷺ ، فقد روى أبو هريرة ﵁ قال: " فاجتمع إليه أصحاب رسول الله ﷺ ، فقالوا: " يا أبا بكر: رد هؤلاء، تُوجِه هؤلاء إلى الروم، وقد ارتدت العرب حول المدينة؟ فقال: والذي لا إله غيره، لو جرت الكلاب بأرجل أزواج رسول الله ﷺ ، ما رددت جيشاً وجهه رسول الله، ولا حللت لواء عقده رسول الله، فوجه أسامة". (١) الثاني: ما فعله الصديق، وتمسك به، هو تنفيذه لوصية رسول الله ص التي وصى بها وأكد عليها مرارا وهو على فراشه حتى مات. روى ابن سعد بسنده، عن عروة بن الزبير قال: " كان رسول الله ﷺ قد بعث أسامة وأمره أن يواطئ الخيل نحو البلقاء، حيث قتل أبوه وجعفر، فجعل أسامة وأصحابه يتجهزون، وقد عسكر بالجرف، فاشتكى رسول الله ﷺ وهو على ذلك، ثم وجد في نفسه راحة فخرج عاصباً رأسه فقال: " يا أيها الناس، أنفذوا بعث أسامة، ثلاث مرات، ثم دخل النبي ﷺ فاستعز به، فتوفي رسول الله ﷺ " (٢) جاء في فتح الباري: " ثم اشتد برسول الله ﷺ وجعه فقال: أنفذوا بعث أسامة، فجهزه أبو بكر بعد أن استخلف". (٣) د. واستدلوا كذلك بموقف عمر ﵁ حين امتنع عن قسمة الأراضي المفتوحة عنوة على المقاتلين، رغم مطالبتهم بها ومخالفة الصحابة له في الرأي. والجواب على هذا الاستدلال من وجهين: الأول: أنه ورد في الآثار أن عمر ﵁ أراد في بداية الأمر أن يقسم الأراضي فشاور في ذلك فأشار عليه، علي، ومعاذ بعدم القسمة فمال إلى رأيهما، فقد روى أبو عبيد بسنده عن حارثة بن مضرب عن عمر: " أنه أراد أن يقسم السواد بين المسلمين .. فشاور في ذلك "، فقال له علي بن أبي طالب ﵁: " دعهم يكونوا مادة للمسلمين، فتركهم ". (٤)

стр. 23

وروى أبو عبيد أيضا بسنده عن عبد الله بن قيس أو عبد الله بن أبي قيس ـ شك أبو عبيد ـ قال: " قدم عمر الجابية فأراد قسم الأرضين بين المسلمين، فقال له معاذ: والله إذا ليكونن ما تكره، إنك إن قسمتها اليوم صار الريع العظيم في أيدي القوم يبيدون، فيصير ذلك إلى الرجل الواحد أو المرأة، ثم يأتي من بعدهم قوم يسدون من الإسلام مسداً وهم لا يجدون شيئاً، فانظر أمراً يسعهم أولهم وآخرهم "، وفي رواية: فصار عمر إلى قول معاذ ". (١) فيتضح من خلال هذه الآثار أن أمير المؤمنين عمر ﵁ لم يمتنع عن قسمة الأراضي ابتداء وإنما استشار الصحابة وصار إلى قول علي، ومعاذ. - أن هذا المذهب لم يكن مذهبه وإنما هو مذهب علي، ومعاذ. - أنه كان يوجد من الصحابة من تبنى هذا الرأي ولم يكن قول أمير المؤمنين عمر وحده. الثاني: أن أمير المؤمنين عمر ﵁ لما لم يصل مع المقاتلين وممثليهم إلى نتيجة متفق عليها، عرض الأمر للشورى. قال أبو يوسف: " فاستشار المهاجرين الأولين فاختلفوا، فأما عبد الرحمن بن عوف ﵁، فكان رأيه أن تقسم لهم حقوقهم، ورأي علي، وطلحة، وابن عمر ﵁ م، رأي عمر، فأرسل إلى عشرة من الأنصار: خمسة من الأوس، وخمسة من الخزرج من كبرائهم وأشرافهم، فلما اجتمعوا، حمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: " إني لم أزعجكم إلا لأن تشتركوا في أمانتي فيما حملت من أموركم، فإني واحد كأحدكم، وأنتم اليوم تقرون بالحق خالفني من خالفني، ... ووافقني من وافقني، ولست أريد أن تتبعوا هذا الذي هواي، معكم من الله كتاب ينطق بالحق فو الله لئن كنت نطقت بأمر أريده ما أريد به إلا الحق، قالوا: قل تسمع يا أمير المؤمنين، قال: قد سمعت كلام هؤلاء القوم الذين زعموا أني أظلمهم حقوقهم، وإني أعوذ بالله أن أركب ظلماً، لئن كنت ظلمتهم شيئاً هو لهم وأعطيته غيرهم لقد شقيت، ولكن رأيت أنه لم يبق شيء يفتح بعد أرض كسرى، وقد غنمنا الله أموالهم، وأرضهم، وعلوجهم، فقسمت ما غنموا من أموال بين أهله وأخرجت الخمس فوجهته على وجهه وأنا في توجيهه، وقد رأيت أن أحبس الأرضين بعلوجها وأضع عليهم فيها الخراج، وفي رقابهم الجزية يؤدونها فتكون فيئاً للمسلمين المقاتلة والذرية ولمن يأتي من بعدهم، أرأيتم هذه الثغور لا بد لها من رجال يلزمونها، أرأيتم هذه المدن العظام: كالشام، والجزيرة، والكوفة، والبصرة، ومصر- لابد لها أن تشحن بالجيوش، وإدرار العطاء عليهم، فمن أين يعطى هؤلاء إذا قسمت الأرضون والعلوج؟ فقالوا جميعاً: الرأي رأيك، فنعم ما قلت وما رأيت، إن لم تشحن هذه الثغور وهذه المدن بالرجال، وتجري عليهم ما يتقوون به رجع أهل الكفر إلى مدنهم". (٢) ويتبين من خلال هذا السياق أن أمير المؤمنين عمر ﵁ لم يستبد برأيه، بل شاور المهاجرين والأنصار، وكان رأيه هو رأي جمهورهم الأعظم فكيف يقال أنه رأي عمر؟ (٣)

стр. 24

ثالثا: مجالات العمل بالأغلبية . تعددت مجالات العمل بمبدأ الأغلبية، وفيما يلي عرض موجز لأهم المجالات التي يصح فيها العمل بالأغلبية: الفقرة الأولى: الانتخابات العامة . ويعني بها الباحث اختيار ولي الأمر، أو رئيس الدولة، وما دونه من المجالس النيابية، ... والشورية، والبلدية، حسب تعبيرات المعاصرين. وهذا المجال من أهم المجالات للأخذ بمبدأ الأغلبية أو الأكثرية. وبالنظر في تراثنا الفقهي نجد أنه لا يوجد طريقة واحدة لإجراء الشورى واختيار الأمير ... أو الرئيس، بل الأمر متروك للمسلمين وداخل في قوله تعالى ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ فما ارتضاه أكثريتهم، وتوافقوا عليه صار إماماً معتبراً شرعاً تلزم طاعته، ولا يجوز الخروج عنه إلا إذا أتى بما يوجب الكفر البواح، واتضح منه البرهان، وأقيمت عليه الحجة فلا ولاية له. وقد عبر عن هذا المعنى الغزالي حيث قال: " فإن شرط ابتداء الانعقاد، قيام الشوكة، وانصراف القلوب إلى المشايعة، ومطابقة البواطن والظواهر على المبايعة، فإن المقصود الذي طلبنا له الإمام جمع شتات الآراء في مصطدم تعارض الأهواء، ولا تتفق الإرادات المتناقضة، والشهوات المتباينة المتنافرة، على متابعة رأي واحد إلا إذا ظهرت شوكته، وعظمت نجدته، وترسخت في النفوس رهبته ومهابته، ومدار جميع ذلك على الشوكة، ولا تقوم الشوكة إلا بموافقة الأكثرين من معتبري كل زمان ". (١) والمتأمل في العهد الراشدي يجد أن اختيار الخليفة كان يتم بطريقتين، كما ورد في الأحكام السلطانية: " والإمامة تنعقد من وجهين: أحدهما باختيار أهل الحل والعقد، والثاني: بعهد الإمام من قبل ... ". (٢) وقال أيضا: " وأما انعقاد الإمامة بعهد من قبله فهو مما انعقد الإجماع على جوازه، ووقع الاتفاق على صحته؛ لأمرين عمل المسلمون بهما ولم يتناكروهما.

стр. 25

أحدهما: أن أبا بكر ﵁ عهد بها إلى عمر ﵁، فأثبت المسلمون إمامته بعده (ولم ينكروها). ... والثاني: أن عمر ﵁ عهد بها إلى أهل الشورى، فقبلت الجماعة دخولهم فيها، وهم أعيان العصر اعتقاداً؛ لصحة العهد بها وخرج باقي الصحابة منها، وقال علي للعباس رضوان الله عليهما حين عاتبه على الدخول في الشورى كان أمراً عظيماً من أمور الإسلام لم أر لنفسي الخروج منه، فصار العهد بها إجماعاً انعقاد الإمامة". (١) ومن الدلائل على الأخذ بالأغلبية في الانتخابات ما يلي: أ. بيعة الصديق في السقيفة والمسجد: ورد في اجتماع السقيفة أحاديث وروايات كثيرة موضوعة ومكذوبة على خير البرية ﷺ ، أغلبها من أبي مخنف، تنسج هذه الروايات من قصة السقيفة التي اجتمع فيها أطهر الخلق بعد رسول الله ﷺ ، حكاية مكر، وتآمر، وتشعل منها نيران فتنة، وتشكك من خلالها في عدالة الصحابة الكرام رضوان الله تعالى عليهم جميعاً، وقد أعرضت عن هذه الروايات، واعتمدت رواية البخاري في جامعه الصحيح عن أم المؤمنين عائشة ﵁ أن رسول الله ﷺ مات .. واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة في سقيفة بني ساعدة، فقالوا: "منا أمير ومنكم أمير، فذهب إليهم أبو بكر، وعمر بن الخطاب، وأبو عبيدة بن الجراح، فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر، وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت كلاماً قد أعجبني خشيت أن لا يبلغه أبو بكر، ثم تكلم أبو بكر فتكلم أبلغ الناس فقال في كلامه: نحن الأمراء وأنتم الوزراء، فقال خباب بن المنذر: لا والله لا نفعل، منا أمير ومنكم أمير، فقال أبو بكر: لا، ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء، وهم أوسط العرب داراً، وأعربهم أحساباً، فبايعوا عمر أو أبا عبيدة، فقال عمر: بل نبايعك أنت؛ فأنت سيدنا، وخيرنا، وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ، فأخذ عمر بيده فبايعه، وبايعه الناس، فقال قائل: قتلتم سعد بن عبادة، فقال عمر: قتله الله ". (٢) وما كان في السقيفة كانت بيعة خاصة لأبي بكر الصديق ﵁ من جماعة من المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم، فلما كان الغد من يوم توفي رسول الله ﷺ كانت بيعته العامة في المسجد.

стр. 26

قال الزهري: " فأخبرني أنس بن مالك ﵁، أنه سمع خطبة عمر بن الخطاب ﵁ الآخرة حين جلس على منبر رسول الله ﷺ وذلك الغد من يوم توفي رسول الله ﷺ ، قال: " فتشهد عمر وأبو بكر صامت لا يتكلم، ثم قال: أما بعد فإني قلت أمس مقالة وأنها لم تكن كما قلت، وإني والله ما وجدت المقالة التي قلت في كتاب أنزله الله ولا في عهد عهده إلي رسول الله ﷺ ، ولكني كنت أرجوا أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا- يريد بذلك أن يكون آخرهم - فإن يك محمد ﷺ قد مات فإن الله قد جعل بين أظهركم نوراً تهتدون به، فاعتصموا به تهتدوا لما هدى الله محمدا ﷺ ثم أن أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ ، وثاني اثنين وإنه أولى الناس بأموركم، فقوموا فبايعوه، وكانت طائفة منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة العامة على المنبر". (١) ويتضح من خلال هذين الحديثين أن الصديق ﵁ تم انتخابه مرتين، مرة من كبار الصحابة في السقيفة، والثانية في المسجد من عامة الناس؛ ليتحقق الرضا من عامة الصحابة ولتتم البيعة منهم جميعاً، وقد كان ذلك. قال الغزالي: " لما بايع عمر أبا بكر ﵁ ما انعقدت الإمامة له، لا بمجرد بيعته، ولكن؛ لتتابع الأيدي إلى البيعة بسبب مبادرته، ولو لم يبايعه غير عمر، وبقي كافة الخلق مخالفين، أو انقسموا انقساماً متكافئاً لا يتميز فيه غالب من مغلوب، لما انعقدت الإمامة .. ". (٢) ويؤكد هذا المعنى ابن تيمية فيقول وإنما صار- أي أبو بكر- إماماً بمبايعة جمهور الصحابة الذين هو أهل القدرة والشوكة، ولم يضر تخلف سعد بن عبادة ﵁؛ لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإن المقصود حصول القدرة والسلطان الذين بهما تحصل مصالح الإمامة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك". (٣)

стр. 27

ب. قصة الشورى وبيعة عثمان ﵁ -: لما طُعن أمير المؤمنين عمر ﵁ جعل الشورى في ستة نفر من الصحابة وقصة الشورى أوردها البخاري في صحيحه بطولها وفيها أن الصحابة ﵁ م قالوا: " أوص يا أمير المؤمنين استخلف قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر، أو الرهط الذين توفي رسول الله ﷺ وهو عنهم راض، فسمى علياً، وعثمان، والزبير، وطلحة، وسعداً، وعبد الرحمن بن عوف وقال: "يشهدكم عبد الله بن عمر، وليس له من الأمر شيء، فإن أصابت الإمرة سعداً فهو ذاك، وإلا فليستغن به أيكم ما أمر، فإني لم أعزله عن عجز ولا خيانة، فلما فرغ من دفنه اجتمعوا ﵁ م، فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم، فقال الزبير: جعلت أمري إلى علي، وقال طلحة: جعلت أمري إلى عثمان، وقال سعد: جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف، فقال عبد الرحمن: أيكم تبرأ من الأمر فنجعله إليه، والله عليه والإسلام ليُنظرن أفضلهم في نفسه فأسكت الشيخان، فقال عبد الرحمن أفتجعلونه إلي، والله علي أن لا آلو عن أفضلكما، قالا: نعم، فأخذ بيد أحدهما، فقال: لك قرابة من رسول الله ﷺ ، والقدم في الإسلام ما قد علمت، فالله عليك لئن أمرتك لتعدلن، ولئن أمرت عثمان لتسمعن ولتطيعن، ثم خلا بالآخر - وهو عثمان- فقال له مثل ذلك، فلما أخذ الميثاق قال: ارفع يدك يا عثمان، فبايعه، وبايع له علي، وولج أهل الدار فبايعوه". (١) وقد وردت تفصيلات أخرى في الصحيح، ففي رواية المسور بن مخرمة قال: " فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن، فلما ولوا عبد الرحمن أمرهم فمال الناس على عبد الرحمن، حتى ما أرى أحداً من الناس يتبع أولئك الرهط، ولا يطأ عقبه ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي، حتى إذا كانت الليلة التي أصبحنا منها فبايعنا عثمان، قال المسور: طرقني عبد الرحمن بعد هجع من الليل فضرب الباب حتى استيقظت فقال: أراك نائما، فو الله ما اكتحلت هذه الليالي بكبير نوم، انطلق فادع الزبير وسعداً، فدعوتهما له فشاورهما، ثم دعاني، فقال ادع لي علياً فدعوته فناجاه حتى أبهار الليل، ثم قام علي من عنده وهو على طمع وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئاً، ثم قال: ادع لي عثمان فدعوته فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح، فلما صلى الناس الصبح، واجتمع أولئك الرهط عن المنبر فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار، وأرسل إلى أمراء الأجناد، وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر. فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن ثم قال: أما بعد: يا علي إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان، فلا تجعلن على نفسك سبيلاً، فقال أبايعك على سنة الله ورسوله والخليفتين من بعده، فبايعه عبد الرحمن وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون ". (٢)

стр. 28

ومن خلال هذين الحديثين يتبين أن جميع المسلمين بايعوا عثمان ﵁، فكانت بيعته أوكد بيعة. قال ابن تيمية: " عثمان لم يصر إماماً باختيار بعضهم بل بمبايعة الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان بن عفان ولم يتخلف عن بيعته أحد، قال الإمام أحمد في رواية حمدان بن علي: " ما كان في القوم أوكد بيعة من عثمان؛ كانت بإجماعهم، فلما بايعه ذوو الشوكة والقدرة صار إماماً، وإلا فلو قدر أن عبد الرحمن بايعه، ولم يبايعه علي ولا غيره من الصحابة أهل الشوكة لم يصر إماماً ". (١) ويتضح العمل بمبدأ الأغلبية في قصة أهل الشورى وبيعة عثمان ﵁ من خلال الآثار والروايات التالية: ١ - قول عبد الرحمن بن عوف ﵁ لعلي ﵁: " إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان ". (٢) ٢ - ما رواه عبد الله بن جعفر، عن أبيه، عن المسور بن مخرمة، عن أمه عاتكة بنت عوف أن عمر ﵁ قال في شأن أهل الشورى الستة: " يا عبد الله - ابن عمر- إن اختلف الناس فكن مع الأكثر، وأن كانوا ثلاثة وثلاثة، فكن في الحزب الذي مع عبد الرحمن بن عوف". (٣) ٣ - ما ذكره ابن كثير حيث قال: " ثم نهض عبد الرحمن بن عوف ﵁ يستشير الناس فيهما، ويجمع رأي المسلمين برأي رؤوس الناس وأقيادهم جميعاً وأشتاتاً، مثنى وفرادى ومجتمعين، سراً وجهراً، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، وحتى سأل الولدان في المكاتب، وحتى سأل من يرد من الركبان والأعراب إلى المدينة في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنين يختلفان في تقديم عثمان بن عفان ﵁ ". (٤) ٤ - ما جاء في غرائب مالك من طريق سعيد بن عامر عن جويرية مطولاً - في شأن أهل الشورى- وفيه: ويتبع الأقل الأكثر، ومن تأمر من غير أن يؤمر فاقتلوه ". (٥)

стр. 29

٥ - ما جاء في تحرير الأحكام: " ولا يشترط في أهل البيعة عدد مخصوص، بل من تيسر حضوره عند عقدها، ولا تتوقف صحتها على مبايعة أهل الأمصار، بل متى بلغتهم لزمهم الموافقة إذا كان المعقود له أهلاً لها ". (١) وهذه الروايات والآثار تدل على مشروعية اعتبار الأغلبية في البيعة. الفقرة الثانية: الاجتهاد الجماعي . ويقصد الباحث به- كما تقدم- العمل العلمي المنهجي الذي تقوم به فئة من فقهاء الأمة وعلمائها المتخصصين في مختلف العلوم، والذي تسعى من خلاله؛ لطلب الحكم الشرعي الظني بطريقة التشاور والاستنباط، عبر هيئات الإفتاء العام، ومؤسسات الاجتهاد الجماعي المعاصرة، كالمجامع الفقهية، وهيئات الرقابة الشرعية في المصارف الإسلامية، ولجان تقنين أحكام الشريعة الإسلامية، وغيرها من الجهات ذات البعد الجماعي، ولا شك أن بحث نوازل العصر ... ومستجداته، ووقائعه المختلفة بجهد جماعي، ووفق عمل مؤسسي يدعى إليه أهل الاختصاص، وتعد أبحاثه بعناية تامة، ويلقى من التدقيق والتمحيص وتداول الرأي ما يوصل إلى الصواب ... أو يقاربه، أرقى وسائل العصر، وأبعد عن الخطأ، وأقرب إلى منهج الراشدين رضوان الله تعالى عليهم فقد تعددت الآثار منهم في بيان ذلك ومنها: أ. ... أثر المسيب بن رافع قال: " كانوا إذا نزلت بهم قضية ليس فيها من رسول الله ﷺ أثر اجتمعوا لها وأجمعوا، فالحق فيما رأوا ". (٢) ب. ما رواه ميمون بن مهران أنه قال: " كان أبو بكر إذا ورد عليه الخصوم نظر في كتاب الله فإن وجد فيه ما يقضي بينهم قضى به، وإن لم يكن في الكتاب، وعلم من رسول الله ﷺ في ذلك الأمر سنة قضى بها، فإن أعياه، خرج فسأل المسلمين، وقال: أتاني كذا وكذا، فهل علمتم أن رسول الله ﷺ قضى في ذلك بقضاء؟ فربما اجتمع عليه النفر كلهم يذكر فيه عن رسول الله ﷺ قضاء، فإن أعياه أن يجد فيه سنة عن رسول الله ﷺ جمع رؤوس الناس، فإذا أجمعوا على شيء قضى به". (٣)

стр. 30

ج. عمر يستشير الصحابة ج. ... ما روي عن أمير المؤمنين عمر ﵁ أنه كان مع علمه وفقهه يستشير الصحابة فإذا رفعت إليه قضية، قال: " ادعوا لي علياً، وادعوا لي زيداً، وكان يستشيرهم ثم يفصل بما اتفقوا عليه". (١) د. وكان هذا المنهج هو الذي سار عليه سلف الأمة من التابعين وتابعيهم، فقد أثر عن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز ﵁ أنه عندما ولي المدينة -وهو التابعي الثقة- كان يجمع عشرة من فقهائها، ويقول لهم: " إنما دعوتكم لأمر تؤجرون عليه، وتكونون فيه أعواناً على الحق، وما أريد أن أقطع أمرا إلا برأيكم، أو برأي من حضر منكم". (٢) قال مالك: " أدركت هذا البلد وما عندهم إلا الكتاب والسنة فإذا نزلت نازلة جمع الأمير لها من حضر من العلماء فما اتفقوا عليه أنفذه". (٣) ولكون نوازل العصر ومستجداته مسائل في غالبها مبنية على الاجتهاد تختلف فيها أنظار العلماء فإن الحاجة ماسة لهذه الهيئات والمؤسسات لحسم خلافها برأي الأغلبية من المشتركين فيها وهذا مجال يسوغ الأخذ برأي الأغلبية طالما أنهم من أهل العلم والتصويت على المسائل الشرعية في إطارهم. الفقرة الثالثة: المجال الإداري . فيسوغ الأخذ بمبدأ الأغلبية في كل ما يتعلق بالجانب الإداري في المؤسسات، والشركات، والجامعات، والمنظمات، والجمعيات، والاتحادات، والوزارات، والإدارات بمختلف درجاتها الحكومية والأهلية، إذ أن حسم الخلاف في هذه الجهات لا يتم إلا بموافقة الأغلبية فيها فيما يطرح للنقاش، وفي الأخذ بهذا المبدأ مندوحة؛ لأنها تتعلق بمصالح الناس وشئونهم المشتركة في حياتهم. جاء في قواعد الأحكام: " وأما مصالح الدنيا، وأسبابها، ومفاسدها فمعروفة بالضروريات والتجارب، والعادات، والظنون ". (٤) الفقرة الرابعة: المجال السياسي . فيجوز الأخذ بمبدأ الأغلبية في مجال السياسة باعتبار ما ذهب إليه أهل السنة من أن الإمامة (السلطة) من فروع الدين لا أصوله.

стр. 31

جاء في غاية المرام: " واعلم أن الكلام في الإمامة ليس من أصول الديانات، ولا من الأمور اللابديات، بحيث لا يسع المكلف الإعراض عنها والجهل بها، بل لعمري أن المعرض عنها لأرجى حالاً من الواغل فيها، فإنها قلما تنفك عن التعصب، والأهواء، وإثارة الفتن والشحناء، والرجم بالغيب في حق الأئمة والسلف بالازدراء، وهذا مع كون الخائض فيها سالكاً سبيل التحقيق، فكيف إذا كان خارجاً عن سواء الطريق ". (١) ويقول الإيجي (٢) عن الإمامة: " وهي عندنا من الفروع، وإنما ذكرناها في علم الكلام، تأسياً بمن قبلنا". (٣) ويقول الغزالي: " اعلم أن النظر في الإمامة أيضا ليس من المهمات، وليس أيضاً من فن المعقولات، بل من الفقهيات، ثم إنها مثار للتعصبات، والمعرض عن الخوض فيها، أسلم من الخائض فيها وإن أصاب، فكيف إذا اخطأ .. ". (٤) الفقرة الخامسة: المجال العسكري . فالتشاور في الأمور العسكرية وتنفيذ المهمات القتالية، وإعلان الحرب، وملاقاة العدو، ووضع الخطط الحربية، وتحديد الأولويات، يحتاج إلى تشاور وقد تختلف الآراء، وإعمال مبدأ الأغلبية لحسم الخلاف من أنجع الوسائل، فقد استشار النبي ﷺ في أحد- كما تقدم - ونزل عند رأي أغلبيتهم الذي يقضي بملاقاة المشركين خارج المدينة، وأخذ برأي الأغلبية في حصار الطائف بالبقاء حتى تفتح، فلما أصاب الصحابة الجراح قفلوا راجعين في الغد بعد سماعهم التوجيه النبوي الكريم: إنا قافلون غداً إن شاء الله، والشواهد من السيرة كثيرة كما مر في ثنايا هذا البحث.

стр. 32

رابعا: شروط وضوابط الاعتبار برأي الأغلبية . ومع ميل الباحث للعمل بمبدأ الأغلبية في المجالات المذكورة آنفاً، إلا أنه لا بد لهذا المبدأ من ضوابط لا يكتمل عقده إلا بها، وإلا فلا اعتبار له، من هذه الشروط والضوابط: ١ - لا اعتبار برأي الأغلبية إذا خالفت الشرع: فكل مسألة أو أمر أو نازلة للأمة ثبت فيها نص شرعي من كتاب الله تعالى، أو صح فيها حديث عن رسول الله ﷺ ، أو أجمع عليها العلماء إجماعاً معتبراً، فلا اعتبار فيها لرأي الأغلبية ... أو الأقلية، فمقتضى الإيمان هو الانقياد والتسليم والخضوع لأمر الله، ولأمر رسوله ﷺ امتثالاً لقوله تعالى ﴿فَلَا وربكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتى يُحَكمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَا قَضَيَتَ وَيُسَلمُوا تَسْلِيمًا﴾. (١) ولقوله جل شأنه: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَىَ اللهُ وَرَسُوُلهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾. (٢) وقوله سبحانه: ﴿وَمَا آتَاكُمْ الْرسُوُلُ فَخُذُوُهُ وُمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾. (٣) ٢ - يعتبر رأي الأغلبية في المسائل الاجتهادية: لرأي الأغلبية مندوحة فيما لا نص فيه وفي مواطن الاجتهاد، أما مع وجود النص فلا اجتهاد ولا أغلبية في معرض النص. قال شارح الطحاوية: " وقد دلت نصوص الكتاب والسنة، وإجماع سلف الأمة، أن ولي الأمر، وإمام الصلاة، والحاكم، وأمير الحرب، وعامل الصدقة: يطاع في مواضع الاجتهاد، وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد، بل عليهم طاعته في ذلك، وترك رأيهم لرأيه فإن مصلحة الجماعة، والائتلاف، ومفسدة الفرقة والاختلاف، أعظم من أمر المسائل الجزئية". (٤) ٣ - ترد الأمور الشرعية إلى أهل العلم والاختصاص: لقول الله تعالى ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. (٥) فكل أمر يتعلق بحكم شرعي فمرده إلى أهل العلم لقوله ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوُا بِهِ وَلَوْ رَدوُهُ إِلَى الْرسُولِ وَإِلَى أُوِلي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الذِينَ يَسْتَنْبِطُوَنَهِ مِنْهُمْ﴾. (٦)

стр. 33

فهناك أمور علمية وتخصصية، الأصل فيها أن ترد إلى أهلها ما يدل على ذلك حديث ابن عباس ﵁ ما، قال: "كنت أقرئ عبد الرحمن بن عوف، فلما كان آخر حجة حجها عمر، فقال عبد الرحمن بمنى لو شهدت أمير المؤمنين أتاه رجل قال إن فلانا يقول: لو مات أمير المؤمنين لبايعنا فلانا. فقال عمر: لأقومن العشية فأحذر هؤلاء الرهط الذين يريدون أن يغضبوهم، قلت: لا تفعل فإن الموسم يجمع رعاع الناس يغلبون على مجلسك فأخاف أن لا ينزلوها على وجهها فيطير بها كل مطير، فأمهل حتى تقدم المدينة دار الهجرة ودار السنة فتخلص بأصحاب رسول الله ﷺ من المهاجرين والأنصار فيحفظوا مقالتك وينزلوها على وجهها. فقال: " والله لأقومن به في أول مقام أقومه بالمدينة، قال ابن عباس: فقدمنا المدينة. فقال: "إن الله بعث محمداً ص بالحق وأنزل عليه الكتاب فكان فيما أنزل آية الرجم ... الخ". (١) قال ابن خويز منداد (٢): " واجب على الولاة مشاورة العلماء فيما لا يعلمون، وفيما أشكل عليهم من أمور الدين، ووجوه الجيش فيما يتعلق بالحرب، ووجوه الناس فيما يتعلق بالمصالح، ... ووجوه الكتاب والوزراء والعمال فيما يتعلق بمصالح البلاد وعمارتها". (٣)

стр. 34

خامسا: الترجيح برأي الأغلبية . رأي الأغلبية يفيد الترجيح وقد ذكرنا الدلائل على ذلك في حجج المجيزين لرأي الأغلبية عند حديثنا عن مجالاتها ومنها: ١ - أخذ النبي ﷺ برأي الأغلبية في قتال المشركين بمعركة الفرقان (بدر). ٢ - رجوع النبي ﷺ إلى رأي أغلبية الصحابة في الخروج عن المدينة لملاقاة المشركين في أحد. ٣ - نزول النبي ﷺ عند رأي أغلبية الصحابة في البقاء لحصار أهل الطائف. ٤ - رجوع أمير المؤمنين عمر ﵁ إلى قول مشيخة قريش مع ما انضم إليهم من المهاجرين والأنصار في عدم دخول الشام للوباء الذي نزل بها. ٥ - نزول عبد الرحمن بن عوف ﵁ عند رأي عامة الصحابة في اختيار عثمان ﵁ وتقديمه على علي ﵁، قال عبد الرحمن: "فلم أرهم يعدلون بعثمان .. " فكان ذلك مرجحاً لمبايعته وتقديمه مما يدل على اعتبار رأي الأغلبية وعلى كونه مرجحاً. ٦ - ومن الشواهد على الترجيح بالأغلبية قول أمير المؤمنين عمر ﵁ لأهل الشورى: "ويتبع الأقل الأكثر" فإن صحت هذه الرواية فهي حجة أخرى؛ لأنها سنة الخلفاء الراشدين المهديين رضوان الله تعالى عليهم