وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو القول الأولى في المراد بالآية. والله تعالى أعلم.
قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ هُوَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣) وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾ [التوبة:١١٣ - ١١٤]
قال أبو جعفر الطحاوي: عن علي ﵁، قال: سمعت رجلاً يستغفر لأبويه وهما مشركان، فقلت: أتستغفر لأبويك وهما مشركان؟ فقال: ألم يستغفر إبراهيم ﷺ لأبيه: قال: فذكرت ذلك للنبي ﷺ فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ هُوَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآيتين [التوبة:١١٣ - ١١٤]. (١)
стр. 667
قال أبو جعفر: ففيما روينا من هذا الحديث إنكار علي ﵁ على الرجل المذكور فيه استغفاره لأبويه وهما مشركان، وذكر علي ذلك للنبي ﷺ ، ونزول ما ذكر نزوله من القرآن في ذلك، أو تلاوته عليه ما تلاه عليه من القرآن في ذلك، ولم يبين لنا في هذا الحديث أن أبوي ذلك الرجل كانا حيَّين، أو أنهما كانا ميتين عند استغفاره لهما، غير أن إحدى الآيتين المذكورتين فيه معنى يوجب الوقوف عليه، وهو قوله الذي نهى به عن الاستغفار لهم من بعد ما بيَّن لهم أنهم أصحاب الجحيم. فكان في ذلك ما قد دل على أن الاستغفار لهم قبل أن يتبين لهم أنهم أصحاب الجحيم بخلاف ذلك، وفي ذلك ما يبيح الاستغفار لهم ما كان الإيمان مرجواً منهم، ومحرماً عنهم بعد أن يؤيس منهم منه، وذلك لا يكون إلا بعد موتهم.
وقد روي عن عبد الله بن عباس ﵄، ما قد دل على هذا المعنى. كما .. عن علي بن أبي طلحة (١)
стр. 668
عن ابن عباس قوله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ هُوَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ [التوبة:١١٣] فكانوا يستغفرون لهم حتى نزلت هذه الآية، فلما نزلت، أمسكوا عن الاستغفار لأمواتهم ولم ينههم أن يستغفروا للأحياء حتى يموتوا، ثم أنزل الله : ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ [التوبة:١١٤] يعني استغفر له ما كان حياً، فلما مات أمسك عن الاستغفار له. (١)
فكان في ذلك ما قد دل على ما قد ذكرنا مما تأولنا عليه حديث علي ﵁، وقد شد ذلك قول الله حكاية عن نبيه إبراهيم ﷺ : ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ﴾ [الشعراء:٨٦] واحتملنا حديث علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ﵄ وإن كان لم يلقه، لأنه عند أهل العلم بالأسانيد إنما أخذ الكتاب الذي فيه هذه الأحاديث عن مجاهد وعن عكرمة.
стр. 669
وقد روي أن سبب نزول ما تلونا في حديث علي ﵁ كان لغير المعنى الذي ذكرنا نزول ما قد كان من أجله، كما .. عن سعيد بن المسيب عن أبيه (١) قال: لما حضرت أبا طالب الوفاة جاءه رسول الله ﷺ ، فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة، فقال النبي ﷺ لأبي طالب: " أي عمِّ، قل: لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها عند الله. فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: أترغب عن ملة عبد المطلب؟! فلم يزل النبي ﷺ يعرضها عليه ويعيدانه بتلك المقالة حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم: على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله، فقال النبي ﷺ : " أما والله لأستغفرن لك ما لم أنه عنك " فأنزل الله : ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ هُوَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية [التوبة:١١٣] وأنزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص:٥٦] (٢)
فكان في هذا الحديث أن الله إنما أنزل النهي عن الاستغفار للمشركين لسبب ما كان من أبي طالب، وأن ذلك كان من بعد موته على ما مات عليه.
стр. 670
وقد روي أن سبب نزولها كان في خلاف ذلك كما .. عن عبد الله بن مسعود ﵁: (أن رسول الله ﷺ خرج يوماً وخرجنا معه حتى انتهينا إلى المقابر، فأمرنا، فجلسنا، ثم تخطى القبور حتى انتهى إلى قبر منها، فجلس، فناجاه طويلاً، ثم ارتفع نحيب رسول الله ﷺ باكياً، فبكينا لبكاء رسول الله ﷺ ، ثم إن النبي ﷺ أقبل إلينا، فتلقاه عمر بن الخطاب ﵁، فقال: ما الذي أبكاك يا رسول الله، فقد أبكانا وأفزعنا؟ فأخذ بيد عمر، ثم أقبل إلينا، فأتيناه، فقال: " أفزعكم بكائي "؟ قلنا: نعم يا رسول الله. فقال: " إن القبر الذي رأيتموني أناجي قبر آمنة بنت وهب، وإني استأذنت ربي في الاستغفار لها، فلم يأذن لي، ونزل عليَّ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ هُوَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة:١١٣] حتى تنقضي الآية: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ﴾ -[التوبة:١١٤] فأخذني ما يأخذ الولد للوالدين من الرِّقة، فذلك الذي أبكاني". (١)
فالله أعلم بالسبب الذي كان فيه نزول ما قد تلونا، غير أنه قد يجوز أن يكون نزول ماقد تلونا بعد أن كان جميع ما ذكرنا من سبب أبي طالب، ومن سبب علي ﵁ فيما كان سمعه من المستغفر لأبويه، ومن زيارة النبي ﷺ قبر أمه، ومن سؤال ربه عند ذلك الإذن له في الاستغفار لها، فكان نزول ماتلونا جواباً عن ذلك كله.
(شرح مشكل الآثار -٦/ ٢٨٠ - ٢٨٧)
стр. 671
بين الإمام الطحاوي الروايات الواردة في سبب نزول الآية، مرجحاً نزول الآية بعد هذه الأسباب جميعاً. كما استدل بالآية على أن الاستغفار للمشركين إنما يحرم بعد موتهم لا في حياتهم.
وهذا قول: جمهور المفسرين.
فهذه الآية جاءت بالنهي من الله جل وعلا عن الاستغفار للمشركين متى ثبت اليأس من إسلامهم. إما بموتهم على الكفر، وإما بنص من الله جل وعلا على أحد منهم بأنه سيموت كافراً كأبي لهب وغيره.
وعليه فإنه يجوز الاستغفار للمشركين الأحياء متى رجي إسلامهم. (١)
.. وأما الأقوال الواردة في سبب نزول الآية فهي كالتالي:-
القول الأول: أن سبب نزول الآية هو: أن الرسول ﵊ كان يستغفر لعمه المشرك أبي طالب بعد موته، فنزلت الآية للنهي عن ذلك.
ودليل هذا القول: ما أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن المسيب بن حزن ﵁ وقد تقدم ذكره. (٥٨٦)
القول الثاني: أن سبب نزول الآية هو: أن الرسول ﵊ أراد أن يستغفر لأمه المشركة آمنة بعد موتها، فنزلت الآية للنهي عن ذلك.
ودليل هذا القول: ما أخرجه الحاكم وابن حبان وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ وقد تقدم ذكره. (٥٨٧)
القول الثالث: أن سبب نزول الآية هو: أن قوماً من أهل الإيمان كانوا يستغفرون لموتاهم من المشركين. فنزلت الآية للنهي عن ذلك. (٢)
ودليل هذا القول: ما أخرجه الترمذي والنسائي وغيرهما عن علي بن أبي طالب ﵁ وقد تقدم ذكره. (٥٨٥)
الترجيح: والراجح هو القول الأول.
وقد قيل إن الآية نزلت بعد حدوث هذه الأسباب جميعاً، وحجة هذا القول:
١ - أن سورة التوبة من آخر القرآن نزولاً، حيث نزلت بالمدينة، ووفاة أبي طالب كانت بمكة في الإسلام قبل الهجرة اتفاقاً. (٣)
стр. 672
٢ - أن في حديث المسيب: (وأنزل في أبي طالب: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ [القصص:٥٦] وهذا يشعر بأن الآية الأولى نزلت في أبي طالب وغيره، وأن الآية الثانية نزلت في أبي طالب وحده.
٣ - أن الرسول ﵊ إنما أتى قبر أمه لما اعتمر، فاستأذن ربه أن يستغفر لها، ولا يصح أن يكون ﵊ قد تقدم بهذا الطلب بعد ثبوت النهي من الله جل وعلا عنه. فدل هذا على أن نزول الآية إنما كان بعد حدوث تلك الأسباب جميعاً. (١)
وقد رد هذا القول: بأن هذا القول إنما يصح لو كانت جيمع الروايات الواردة في سبب النزول على درجة واحدة من حيث الصحة، ولكن لما كانت الرواية الأولى هي أصح هذه الروايات لورودها في الصحيحين وجب القول بها دون غيرها. (٢)
وبهذا يتبين أن ما قاله الإمام الطحاوي هو خلاف القول الأولى في المراد بالآية.
والله تعالى أعلم.
стр. 673
الخاتمة
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد الخلق أجمعين، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين، وعلى من سلك طريقهم إلى يوم الدين، أما بعد:-
فإن من أهم النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث ما يلي:-
١ - أن هذا التفسير قد امتاز بالجمع بين الرواية والدراية في تفسير آيات الذكر الحكيم.
٢ - أنه غلب على هذا التفسر العناية بالجانب الفقهي المتمثل بتفسير آيات الأحكام، ولا غرابة في ذلك، فلقد كان الإمام الطحاوي من كبار المجتهدين في المذهب الحنفي، ومؤلفاته في ذلك خير شاهد على ذلك.
٣ - أن الإمام الطحاوي تميز بشخصية علمية مستقلة في تفسيره، وظهر ذلك في الاستنباط والترجيح والتوفيق بين النصوص والأقوال المتعارضة، والإجابة عما يرد من إشكالات حول المراد بالآية. وبهذا كان لهذا التفسير قيمته العلمية بين سائر التفاسير.
وفي ختام هذا البحث أحمد الله تعالى وأشكره على التوفيق لإتمامه، وأسأله النفع به، وأن يتقبله عملاً خالصاً لوجهه الكريم، وأن يتجاوز عما كان به من خطأ أو تقصير. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلام على الهادي الأمين، والآلي والصحب أجمعين.