Полный текст (2 437 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.
стр. 1891
[اكْتَرِي دَارَا مِنْ رَجُلٍ بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا ثُمَّ أَحَالَهُ بِالْكِرَاءِ قَبْلَ أَنْ يَسْكُنَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت دَارًا سَنَةً بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ، عَلَى أَنْ أُحِيلَهُ بِهَا عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ هَهُنَا إنَّمَا هِيَ حَمَالَةٌ؛ لِأَنَّ كُلَّ حَوَالَةٍ لَا يَكُونُ فِيهَا لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحَالِ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَبْلَ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ بِحَوَالَةٍ، وَإِنَّمَا هِيَ حِينَئِذٍ حَمَالَةٌ. فَلَا بَأْسَ أَنْ يُكْرِيَهُ الدَّارَ عَلَى أَنْ يَتَحَمَّلَ لَهُ فُلَانٌ بِالْكِرَاءِ، فَهُوَ إنْ أَخَذَ الْكِرَاءَ مِنْ الَّذِي أَكْرَى مِنْهُ الدَّارَ، وَإِلَّا رَجَعَ بِهِ عَلَى الْحَمِيلِ إنْ أَفْلَسَ مُتَكَارِي الدَّارَ.
قُلْتُ: وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْحَمِيلِ إلَّا أَنْ يُفْلِسَ الْمُتَكَارِي أَوْ يَمُوتَ وَلَا يَتْرُكُ شَيْئًا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ
[اكْتَرِي دَارَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَأُحَالهُ بِهَا عَلَى رَجُلٍ لَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت دَارًا مِنْ رَجُلٍ سَنَةً بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ نَقْدًا، ثُمَّ أَحَلْتُهُ بِالْكِرَاءِ قَبْلَ أَنْ أَسْكُنَ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
[اكْتَرِي دَارَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَلَمْ يَشْتَرِطُ النَّقْدَ ثُمَّ أَحَالَهُ عَلَى رَجُلٍ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اكْتَرَيْتهَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ أَنَّهَا نَقْدٌ، وَأَحَلْته بِهَا عَلَى رَجُلٍ لِي عَلَيْهِ دَيْنٌ؟
قَالَ: لَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَفْسَخُ دَيْنًا عَلَيْهِ لَمْ يَحِلَّ فِي دَيْنٍ قَدْ حَلَّ، أَوْ لَمْ يَحِلَّ. وَلَوْ كَانَ كِرَاؤُهُمْ بِالنَّقْدِ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوهُ كَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا اشْتَرَطُوا فِيهِ النَّقْدَ، وَيَجُوزُ ذَلِكَ.
[فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي الدَّارَ وَالْأَجِيرَ عَلَى أَنْ يُحِيلَهُ بِالْكِرَاءِ عَلَى رَجُلٍ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَارَيْتُ دَارًا بِدَيْنٍ لِي عَلَى رَجُلٍ، أَيَصْلُحُ ذَلِكَ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَتَكَارَى الْأَجِيرَ، يَعْمَلُ لَهُ سَنَةً بِدَيْنٍ لَهُ عَلَى رَجُلٍ يُحِيلُهُ عَلَيْهِ، يَكُونُ ذَلِكَ الدَّيْنُ إجَارَتَهُ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَخْبَرَنَا عَنْهُ: أَنَّهُ يُجِيزُهُ. وَذَلِكَ إذَا كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ حَاضِرًا وَأَحَالَهُ عَلَيْهِ، كَانَ الدَّيْنُ الَّذِي عَلَى الرَّجُلِ حَالًّا أَوْ إلَى أَجَلٍ إذَا شَرَعَ فِي السُّكْنَى.
[بَاعَ عَبْدَهُ وَأُحَالَ غَرِيمًا لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَغْرَمَ الْمُشْتَرِي]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بِعْت عَبْدًا لِي بِمِائَةِ دِينَارٍ وَلِرَجُلٍ عَلَيَّ مِائَةُ دِينَارٍ، فَأَحَلْت الَّذِي لَهُ
стр. 1892
عَلَيَّ الدَّيْنُ عَلَى هَذَا الَّذِي اشْتَرَى الْعَبْدَ مِنِّي فَاسْتَحَقَّ الْعَبْدَ، أَيَكُونُ عَلَى الْمُشْتَرِي أَنْ يَغْرَمَ الْمِائَةَ لِلَّذِي أَحَلْتُهُ عَلَيْهِ بِهَا؟
قَالَ: نَعَمْ، يَغْرَمُهَا وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَيْكَ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ اُسْتُحِقَّ مِنْ يَدَيْهِ.
قُلْتُ: وَلِمَ جَعَلْتَهُ يَغْرَمُهَا، وَقَدْ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ مِنْ يَدَيْهِ؟
قَالَ: لِأَنَّهَا صَارَتْ دَيْنًا لِلطَّالِبِ حِينَ أَحَالَهُ عَلَيْهِ الْمَطْلُوبُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: كَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ.
[فِي الْمُكَاتَبِ يُحِيلُ سَيِّدَهُ بِكِتَابَتِهِ عَلَى مُكَاتَبٍ لَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُكَاتَبًا لِي أَحَالَنِي عَلَى مُكَاتَبٍ لَهُ بِالْكِتَابَةِ الَّتِي لِي عَلَى مُكَاتَبِي، أَتَجُوزُ هَذِهِ الْحَوَالَةُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا أَرَاهَا حَوَالَةً إلَّا أَنْ يَكُونَ السَّيِّدُ بَتَّ عِتْقَ مُكَاتَبِهِ وَرَضِيَ بِذَلِكَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يُعْتَقُ، وَإِنْ عَجَزَ مُكَاتَبُ مُكَاتَبِهِ؛ رَجَعَ مَمْلُوكًا لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ الْأَعْلَى وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ الْأَعْلَى؛ لِأَنَّ الْحَوَالَةَ كَالْبَيْعِ وَتَمَّتْ حُرِّيَّةُ الْمُكَاتَبِ الْأَعْلَى وَإِنْ كَانَ لَمْ يَبُتَّ عِتْقَهُ وَإِنَّمَا أَحَالَهُ مُكَاتَبُهُ عَلَى مُكَاتَبِهِ، فَالْحَوَالَةُ هَهُنَا بَاطِلٌ.
[فِي الْمُكَاتَبِ يُحِيلُ سَيِّدَهُ بِكِتَابَتِهِ عَلَى رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ]
ٍّ قُلْتُ: أَيَجُوزُ لِي أَنْ أَحْتَالَ بِكِتَابَةِ مُكَاتَبِي عَلَى رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ، أَوْ أُكَاتِبَهُ عَلَى أَنْ يَضْمَنَ لِي كِتَابَتَهُ عَنْهُ غَيْرُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: كُلُّ حَوَالَةٍ يَحْتَالُ بِهَا رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ، وَكَانَ لِلْمُحِيلِ عَلَى الْمُحْتَالِ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِنَّ الْحَوَالَةَ جَائِزَةٌ، وَهِيَ حَوَالَةٌ. وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَأَحَالَهُ، فَإِنَّمَا هِيَ حَمَالَةٌ وَلَيْسَتْ بِحَوَالَةٍ. وَإِنْ أَفْلَسَ هَذَا الَّذِي أُحِيلَ عَلَيْهِ، رَجَعَ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ بِدَيْنِهِ. فَالْمُكَاتَبُ إذَا أَحَالَ سَيِّدَهُ عَلَى رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ، فَإِنْ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ عَلَى ذَلِكَ الرَّجُلِ دَيْنٌ، فَالْحَوَالَةُ جَائِزَةٌ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَإِنَّمَا هِيَ حَمَالَةٌ، وَلَا تَجُوزُ الْحَمَالَةُ لِسَيِّدِ الْمُكَاتَبِ، بِكِتَابَةِ مُكَاتَبِهِ، وَهِيَ بَاطِلٌ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَمَّلْ لِلسَّيِّدِ بِأَصْلِ دَيْنٍ لَهُ؛ لِأَنَّ كِتَابَةَ الْمُكَاتَبِ لَيْسَتْ بِدَيْنٍ لِلسَّيِّدِ عَلَى الْمُكَاتَبِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَضْرِبُ بِالْكِتَابَةِ مَعَ غُرَمَاءِ الْمُكَاتَبِ؟
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ لِلْمُكَاتَبِ عَلَى هَذَا الَّذِي أَحَالَ سَيِّدَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَرَضِيَ سَيِّدُهُ بِالْحَوَالَةِ عَلَيْهِ، أَيَعْتِقُ الْمُكَاتَبُ مَكَانَهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا تَجُوزُ الْحَوَالَةُ إذَا كَانَتْ الْكِتَابَةُ لَمْ تَحِلَّ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَعْتِقُ مَكَانَهُ. وَتَجُوزُ الْحَوَالَةُ؛ لِأَنَّ مَا عَلَى الْمُكَاتَبِ لَيْسَ بِدَيْنٍ ثَابِتٍ وَإِنَّمَا هُوَ كَأَنَّهُ قَالَ لِمُكَاتَبِهِ وَعَلَيْهِ دَنَانِيرُ إلَى أَجَلٍ فَعَجَّلَ لَهُ عِتْقَهُ عَلَى دَرَاهِمَ إلَى أَجَلٍ أَوْ حَالَّةٍ فَكَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ مُكَاتَبِهِ شَيْءٌ وَإِنَّمَا صَارَ عَتِيقًا بِاَلَّذِي أَخَذَ مِنْهُ؛ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَبْدِهِ: إنْ جِئْتنِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَنْتَ حُرٌّ، ثُمَّ قَالَ لَهُ: إنْ جِئْتنِي بِمِائَةِ دِرْهَمٍ فَأَنْتَ حُرٌّ، أَوْ قَالَ لَهُ: إنْ جِئْتنِي بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ فَأَنْتَ حُرٌّ. فَإِنْ جَاءَ بِهَا كَانَ حُرًّا وَلَمْ يَقُلْ لَهُ فَسَخْتُ دَيْنًا كَانَ لَكَ فِي أَقَلَّ مِنْهُ أَوْ بِعْتُ دَرَاهِمَ
стр. 1893
بِدَنَانِيرَ، إنَّمَا هَذَا رَجُلٌ أَعْتَقَ عَبْدَهُ بِمَا أَخَذَ مِنْهُ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَتْ الْكِتَابَةُ قَدْ حَلَّتْ فَأَحَالَهُ بِذَلِكَ عَلَى رَجُلٍ لِلْمُكَاتَبِ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَحِلَّ بَعْدُ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ، وَأَرَى أَنْ يَعْتِقَ مَكَانَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا كَانَ نَجْمُ الْمُكَاتَبِ لَمْ يَحِلَّ، وَلِلْمُكَاتَبِ دَيْنٌ عَلَى أَجْنَبِيٍّ قَدْ حَلَّ، فَأَحَالَ سَيِّدَهُ بِذَلِكَ، لِمَ لَا يَجُوزُ وَالْمُكَاتَبُ لَوْ عَجَّلَ كِتَابَتَهُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ جَازَ ذَلِكَ قَالَ: إنَّمَا يَجُوزُ لَوْ اقْتَضَاهُ فَأَوْفَاهُ السَّيِّدُ، فَأَمَّا إذَا أَحَالَهُ وَلَمْ يَقْبِضْهُ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذَا ذِمَّةٌ بِذِمَّةٍ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَرِبًا بَيْنَ السَّيِّدِ وَمُكَاتَبِهِ؛ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ لَمْ يَحِلَّ، فَأَحَالَ غَرِيمَهُ عَلَى رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَدْ حَلَّ؛ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ؟ فَكَذَلِكَ الْمُكَاتَبُ وَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْكِتَابَةُ قَدْ حَلَّتْ، وَالدَّيْنُ الَّذِي لِلْمُكَاتَبِ لَمْ يَحِلَّ، فَأَحَالَ سَيِّدَهُ بِذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ. فَإِنْ كَانَ هَذَا الَّذِي أَحَالَ بِهِ السَّيِّدَ إنَّمَا هُوَ نَجْمٌ مِنْ نُجُومِ الْمُكَاتَبِ، كَانَ الْمُكَاتَبُ بَرِيئًا مِنْ هَذَا النَّجْمِ، إذَا كَانَ النَّجْمُ الَّذِي عَلَى الْمُكَاتَبِ قَدْ حَلَّ، فَإِنْ كَانَ النَّجْمُ الَّذِي أَحَالَهُ بِهِ الْمُكَاتَبُ، هُوَ آخِرُ نُجُومِهِ، وَكَانَ لِلْمُكَاتَبِ عَلَى الَّذِي أَحَالَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَالْمُكَاتَبُ حُرٌّ مَكَانَهُ.
قُلْتُ: وَلِمَ كَرِهْتَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَحْتَالَ بِكِتَابَةِ مُكَاتَبِهِ عَلَى رَجُلٍ لِلْمُكَاتَبِ عَلَيْهِ دَيْنٌ إذَا لَمْ تَحِلَّ الْكِتَابَةُ؟
قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا كَرِهَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَبِيعَ كِتَابَةَ مُكَاتَبِهِ مِنْ رَجُلٍ أَجْنَبِيٍّ بِعَرَضٍ، أَوْ بِغَيْرِ ذَلِكَ إلَى أَجَلٍ مِنْ الْآجَالِ، وَإِنَّمَا وُسِّعَ فِي هَذَا فِيمَا بَيْنَ السَّيِّدِ وَبَيْنَ مُكَاتَبِهِ. فَلَمَّا كَرِهَ مَالِكٌ هَذَا بَيْنَ سَيِّدِ الْمُكَاتَبِ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيِّ مِنْ قِبَلِ أَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ، كَرِهْنَا الْحَوَالَةَ أَيْضًا إذَا كَانَتْ الْكِتَابَةُ لَمْ تَحِلَّ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ بِدَيْنٍ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: إنَّمَا كُرِهَ مِنْ قِبَلِ الرِّبَا بَيْنَ السَّيِّدِ وَبَيْنَ مُكَاتَبِهِ؛ لِأَنَّ الْمُكَاتَبَ لَمْ يَأْخُذْ بِذَلِكَ فِي نَفْسِهِ عِتْقًا تُعَجِّلُهُ، إلَّا مَا أَرَادَ مِنْ الرِّبْحِ فِي بَيْعِ ذِمَّةٍ بِمَا عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ يَحِلَّ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَسَمِعْتُ بَعْضَ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ: الذِّمَّةُ بِالذِّمَّةِ مِنْ وَجْهِ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ، فَهَذَا إنَّمَا تَرَكَ ذِمَّةَ مُكَاتَبِهِ عَلَى أَنْ جَعَلَ دَيْنَهُ فِي ذِمَّةِ هَذَا الْأَجْنَبِيِّ.
قَالَ: وَقَدْ أَخْبَرْتُكَ أَنَّ مَالِكًا، كَرِهَ أَنْ يُكَاتِبَ الرَّجُلُ عَبْدَهُ بِطَعَامٍ، ثُمَّ يَبِيعَهُ مِنْ أَجْنَبِيٍّ مَنْ النَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الطَّعَامَ.
قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: أَيَبِيعُهُ مِنْ الْمُكَاتَبِ وَيُؤَخِّرُهُ بِالثَّمَنِ بِعَرَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عَرَضٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ مَالِكٌ: فَكُلُّ مَا كَانَ بَيْنَ الْمُكَاتَبِ وَسَيِّدِهِ مِنْ هَذَا، فَلَيْسَ هُوَ دَيْنًا بِدَيْنٍ. وَمَا كَانَ بَيْنَ السَّيِّدِ وَبَيْنَ أَجْنَبِيٍّ، مِنْ بَيْعِ كِتَابَةِ مُكَاتَبِهِ بِثَمَنٍ لَا يَتَعَجَّلُهُ فَهُوَ وَجْهُ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ إذَا كَانَ مِمَّا يَجُوزُ بَيْعُهُ بِهِ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ وَإِنْ تَعَجَّلَهُ مِنْ الْأَجْنَبِيِّ فَهُوَ جَائِزٌ. وَأَمَّا مِنْ الْمُكَاتَبِ إذَا تَعَجَّلَ عِتْقَهُ فَلَا بَأْسَ بِمَا بَاعَهُ بِهِ وَإِنْ كَانَتْ كِتَابَتُهُ دَرَاهِمَ لَمْ تَحِلَّ فَبَاعَهَا بِدَنَانِيرَ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ، أَوْ كَانَتْ كِتَابَتُهُ بِطَعَامٍ فَبَاعَهُ بِعَرَضٍ أَوْ بِدَنَانِيرَ أَوْ بِدَرَاهِمَ أَوْ بِطَعَامِ غَيْرِهِ نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ.
стр. 1894
[كِتَابُ الرَّهْنِ] [ فِي الرَّهْنِ يَجُوزُ غَيْرَ مَقْسُومٍ]
ِ فِي الرَّهْنِ يَجُوزُ غَيْرَ مَقْسُومٍ قَالَ سَحْنُونٌ: قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الرَّهْنِ، أَيَجُوزُ غَيْرَ مَقْسُومٍ أَمْ لَا يَجُوزُ إلَّا مَقْسُومًا مَقْبُوضًا؟
قَالَ: نَعَمْ، يَجُوزُ غَيْرَ مَقْسُومٍ إذَا قَبَضَهُ صَاحِبُهُ وَحَازَهُ مَعَ مَنْ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ، وَكَانَ يُكْرِيهِ وَيَلِيهِ مَعَ مَنْ لَهُ فِيهِ شِرْكٌ فَهُوَ جَائِزٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْسُومٍ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
[ارْتَهَنَ رَهْنًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى قَامَ عَلَى الرَّاهِنِ الْغُرَمَاءُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَهَنْت رَجُلًا رَهْنًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى قَامَتْ الْغُرَمَاءُ عَلَيَّ، أَيَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ أَمْ يَكُونُ أَوْلَى بِالرَّهْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت مِنْ رَجُلٍ سُدُسَ دَارٍ، أَوْ سُدُسَ حَمَّامٍ، أَوْ نِصْفَ سَيْفٍ، أَوْ نِصْفَ ثَوْبٍ، أَيَجُوزُ، وَكَيْفَ يَكُونُ قَبْضِي لِذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ. وَقَبْضُهُ أَنْ يَحُوزَهُ دُونَ صَاحِبِهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي رَجُلٍ ارْتَهَنَ نِصْفَ دَارٍ مَنْ رَجُلٍ. وَتَكَارَى الرَّاهِنُ النِّصْفَ الْآخَرَ مِنْ شَرِيكِهِ، قَالَ: أَرَى رَهْنَهُ فَاسِدًا حِين سَكَنَ فِيهِ الرَّاهِنُ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَقُمْ الْمُرْتَهِنُ بِقَبْضِ نِصْفِ الدَّارِ وَيُقَاسِمَهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ سَاكِنًا فِي نِصْفِ الدَّارِ، وَالدَّارُ غَيْرُ مَقْسُومَةٍ، فَصَارَ الْمُرْتَهِنُ غَيْرَ حَائِزٍ لِمَا ارْتَهَنَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ قَالَ الشَّرِيكُ الَّذِي لَمْ يَرْهَنْ: أَنَا أُكْرِيَ نَصِيبِي مِنْ الرَّاهِنِ، وَأَبَى إلَّا ذَلِكَ، لَمْ يَمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ، وَقُسِّمَتْ الدَّارُ فِيمَا بَيْنَهُمَا، فَحَازَ الْمُرْتَهِنُ نَصِيبَ الرَّاهِنِ وَأَكْرَى الشَّرِيكَ نَصِيبَهُ مِمَّنْ شَاءَ وَلَمْ يَفْسَخْ.
стр. 1895
[فِيمَنْ ارْتَهَنَ نِصْفَ دَابَّةٍ أَوْ نِصْفَ ثَوْبٍ فَقَبَضَ جَمِيعَهُ فَضَاعَ الثَّوْبُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت نِصْفَ دَابَّةٍ، كَيْفَ يَكُونُ قَبْضِي لَهَا؟
قَالَ: بِقَبْضِ جَمِيعِهَا قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ الدَّابَّةُ بَيْنَ الرَّاهِنِ وَرَجُلٍ آخَرَ؟
قَالَ: يَقْبِضُ حِصَّةَ الرَّاهِنِ.
قُلْتُ: فَإِنْ شَاءَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يَجْعَلَهُ عَلَى يَدَيْ شَرِيكِ الرَّهْنِ، فَذَلِكَ جَائِزٌ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت نِصْفَ ثَوْبٍ فَقَبَضْتُهُ كُلَّهُ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ الثَّوْبُ عِنْدِي، أَأَضْمَنُ نِصْفَهُ أَمْ كُلَّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ لَا يَلْزَمَهُ إلَّا نِصْفُهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَ يَسْأَلُ رَجُلًا نِصْفَ دِينَارٍ، فَأَعْطَاهُ دِينَارًا يَسْتَوْفِي مِنْهُ النِّصْفَ وَيَرُدُّ النِّصْفَ الْبَاقِيَ، فَزَعَمَ أَنَّهُ ضَاعَ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: النِّصْفُ مِنْ الْمُقْتَضِي وَالنِّصْفُ هُوَ فِيهِ مُؤْتَمَنٌ.
قُلْتُ: وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ إنْ اتَّهَمَهُ.
قَالَ: نَعَمْ، إنْ كَانَ مُتَّهَمًا أُحْلِفَ وَإِلَّا لَمْ يُحَلَّفْ.
[فِيمَنْ ارْتَهَنَ رَهْنًا فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهُ وَالرَّهْنُ مُشَاعٌ غَيْرُ مَقْسُومٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت دَابَّةً أَوْ دَارًا أَوْ ثِيَابًا، فَاسْتُحِقَّ نِصْفُ مَا فِي يَدَيَّ مَنْ الرَّهْنِ، وَالرَّهْنُ مُشَاعٌ غَيْرُ مَقْسُومٍ؟
قَالَ: يَكُونُ مَا بَقِيَ فِي يَدَيْكَ رَهْنًا بِجَمِيعِ حَقِّكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ ثَوْبًا فَاسْتُحِقَّ نِصْفُهُ، فَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَبِيعَ حِصَّتِي؟ قَالَ: يُقَالُ لِلْمُرْتَهِنِ وَلِلرَّاهِنِ: بِيعَا مَعَهُ. ثُمَّ يَكُونُ نِصْفُ الثَّمَنِ رَهْنًا فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ الَّذِي اسْتَحَقَّ: لَا أَبِيعُ وَأَنَا أَدَعُهُ بِحَالِهِ بَيْنَنَا فَضَاعَ الثَّوْبُ. كَمْ يَذْهَبُ مِنْ الدَّيْنِ؟
قَالَ: إنْ كَانَ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ حَتَّى ضَاعَ، ضَمِنَ نِصْفَ قِيمَتِهِ لِلرَّاهِنِ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ قَدْ وَضَعَاهُ عَلَى يَدَيْ الْمُسْتَحِقِّ، أَوْ عَلَى يَدَيْ غَيْرِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَالدَّيْنُ كَمَا هُوَ، بِحَالِهِ عَلَى الرَّاهِنِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[ارْتَهَنَ رَهْنًا فَجَعَلَهُ الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت ثَوْبًا مِنْ رَجُلٍ، فَجَعَلْنَاهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ أَنَا وَالرَّاهِنُ، فَضَاعَ الثَّوْبُ، مِمَّنْ ضَيَاعُهُ؟
قَالَ: مِنْ الرَّاهِنِ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَحَقَّ رَجُلٌ نِصْفَ الثَّوْبِ وَهُوَ رَهْنٌ، فَأَرَادَ الْبَيْعَ لِمَنْ يُقَالُ بِعْ مَعَهُ، أَلِلرَّاهِنِ أَمْ لِلْمُرْتَهِنِ؟
قَالَ: إنَّمَا يُقَالُ ذَلِكَ لِلرَّاهِنِ، وَيُقَالُ لِلْمُرْتَهِنِ لَا تُسَلِّمْ رَهْنَكَ وَهُوَ فِي يَدِكَ حَتَّى يُبَاعَ، فَتَقْتَضِيَ نِصْفَ
стр. 1896
الثَّمَنِ، فَيَكُونَ رَهْنًا بِجَمِيعِ حَقِّكَ، وَيُوضَعُ عَلَى يَدَيْ مَنْ كَانَ الثَّوْبُ عَلَى يَدَيْهِ، وَهَذَا رَأْيِي.
[فِي ضَيَاعِ الرَّهْنِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَالْعُرُوضِ إذَا ضَاعَ ضَيَاعًا ظَاهِرًا أَوْ غَيْرَ ظَاهِرٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحَيَوَانَ كُلَّهُ إذَا ارْتَهَنَهُ الرَّجُلُ، فَضَلَّ أَوْ أَبَقَ أَوْ مَاتَ أَوْ عَمِيَ أَوْ أَصَابَهُ عَيْبٌ مِمَّنْ ضَمَانُ ذَلِكَ؟ قَالَ: مِنْ الرَّاهِنِ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا يَغِيبُ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ، إذَا ضَاعَ ضَيَاعًا ظَاهِرًا، أَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ الرَّاهِنِ؟
قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُهُ أَمْرُ اللَّهِ تَقُومُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ لَمْ تَأْتِ مِنْ سَبَبِ الَّذِي هُوَ عَلَى يَدَيْهِ فَهُوَ مِنْ الرَّاهِنِ.
قُلْتُ: فَإِنْ شَهِدَتْ شُهُودٌ لِلْمُرْتَهِنِ، أَنَّ رَجُلًا وَثَبَ عَلَى الثِّيَابِ فَأَحْرَقَهَا فَغَابَ وَلَمْ يُوجَدْ، مِمَّنْ مُصِيبَةُ؟ ذَلِكَ قَالَ: مِنْ الرَّاهِنِ عِنْدَ مَالِكٍ.
قَالَ: وَكُلُّ شَيْءٍ يُصِيبُ الرَّهْنَ تَقُومُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ، أَنَّ هَلَاكَهُ كَانَ مِنْ غَيْرِ سَبَبِ الْمُرْتَهِنِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَحْرَقَهُ رَجُلٌ فَغَرِمَ قِيمَتَهُ، أَتَكُونُ الْقِيمَةُ رَهْنًا مَكَانَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَحَبُّ مَا فِيهِ إلَيَّ إنْ أَتَى الرَّاهِنُ بِرَهْنٍ ثِقَةٍ مَكَانَهُ؛ أَخَذَ الْقِيمَةَ وَإِلَّا جُعِلَتْ هَذِهِ الْقِيمَةُ رَهْنًا
[فِي بَيْعِ الرَّاهِنِ الرَّهْنَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ بِأَمْرِهِ]
ِ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا رَهَنَ الرَّجُلُ رَهْنًا فَبَاعَهُ الرَّاهِنُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ.
قَالَ: فَلَا يَجُوزُ بَيْعُهُ، فَإِنْ أَجَازَهُ الْمُرْتَهِنُ جَازَ الْبَيْعُ وَعَجَّلَ لِلْمُرْتَهِنِ حَقَّهُ، وَلَمْ يَكُنْ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَأْتِيَ ذَلِكَ إذَا بَاعَ الرَّاهِنُ بِغَيْرِ إذْنِ الْمُرْتَهِنِ فَأَجَازَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّمَا يَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يُجِيزَ الْبَيْعَ أَوْ يَرُدَّ إذَا بَاعَهُ الرَّاهِنُ بِأَقَلَّ مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهَنِ. فَأَمَّا إذَا بَاعَهُ بِمِثْلِ حَقِّ الْمُرْتَهَنِ أَوْ أَكْثَرَ فَلَا خِيَارَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَخَذَ حَقَّهُ، فَلَا حُجَّةَ لَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ بَاعَهُ بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: لَمْ آذَنْ لِلرَّاهِنِ فِي الْبَيْعِ لِيَأْخُذَ الرَّاهِنُ الثَّمَنَ.
قَالَ: يُحَلَّفُ فَإِنْ حَلَفَ، فَإِنْ أَتَى الرَّاهِنُ بِرَهْنٍ ثِقَةٍ يُشْبِهُ الرَّهْنَ الَّذِي بَاعَ أَخَذَهُ الْمُرْتَهِنُ وَوَقَفَا لَهُ رَهْنًا وَأَخَذَ الرَّاهِنُ الثَّمَنَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى رَهْنٍ مِثْلِ رَهْنِهِ الْأَوَّلِ، تَكُونُ قِيمَتُهُ قِيمَةَ الرَّهْنِ الْأَوَّلِ، وَقَفَ هَذَا الثَّمَنُ إلَى مَحَلِّ أَجَلِ دَيْنِهِ وَلَمْ يُعَجِّلُ لِلْمُرْتَهِنِ الدَّيْنَ.
قُلْتُ: وَمَا ذَكَرْتُ مِنْ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ إذَا أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي الْبَيْعِ، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ نَقْضًا لِلرَّهْنِ، إنَّمَا ذَلِكَ إذَا بَاعَ الرَّاهِنُ، وَالرَّهْنُ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ، لَمْ يَخْرُجْ مِنْ يَدِهِ.
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَمْكَنَ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ مَنْ الرَّهْنِ لِيَبِيعَهُ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ يَدَيْهِ إلَيْهِ، أَيَكُونُ الرَّهْنُ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ؟
قَالَ: نَعَمْ أَرَاهُ قَدْ نَقَضَ رَهْنَهُ حَيْثُ أَسْلَمَهُ إلَى الرَّاهِنِ وَأَذِنَ لَهُ فِيمَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ مِنْ الْبَيْعِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
стр. 1897
[فِيمَنْ ارْتَهَنَ طَعَامًا مُشَاعًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت نِصْفَ هَذَا الطَّعَامِ مِنْ الرَّاهِنِ وَالطَّعَامُ، بَيْنَ الرَّاهِنِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ؟
قَالَ: إذَا ارْتَهَنْتَهُ فَحُزْتَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَرَادَ شَرِيكُ الرَّاهِنِ فِي الطَّعَامِ الْبَيْعَ؟
قَالَ: يَقْتَسِمُونَهُ، فَيَكُونُ نِصْفُهُ رَهْنًا فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ، قُلْتُ: وَمَنْ يُقَاسِمُهُ؟
قَالَ: إنْ كَانَ الرَّاهِنُ حَاضِرًا، أُمِرَ أَنْ يَحْضُرَ فَيُقَاسِمَ شَرِيكَهُ، وَالرَّهْنُ كَمَا هُوَ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ يَدِهِ، فَتَكُونُ حِصَّتُهُ إذَا قَاسَمَ شَرِيكَهُ رَهْنًا وَيَدْفَعُ النِّصْفَ إلَى شَرِيكِهِ، فَإِنْ شَاءَ بَاعَ وَإِنْ شَاءَ حَبَسَهُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ: قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّ الرَّهْنِ حَاضِرًا؟
قَالَ: يَرْفَعُهُ إلَى السُّلْطَانِ فَيُقَاسِمُهُ السُّلْطَانُ أَوْ يَأْمُرُ بِذَلِكَ.
[ارْتَهَنَ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا أَوْ بَعْدَ مَا بَدَا صَلَاحُهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت ثَمَرَةَ نَخْلٍ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، أَوْ بَعْدَ مَا بَدَا صَلَاحُهَا، هَلْ يَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ إذَا حُزْتَهُ وَقَبَضْتَهُ وَكُنْتَ أَنْتَ تَسْقِيهِ، أَوْ جَعَلْتَهُ عَلَى يَدَيْ رَجُلٍ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ يَسْقِيهِ وَيَلِيهِ وَيَحُوزُهُ لَكَ.
قُلْتُ: فَأَجْرُ السَّقْيِ عَلَى مَنْ يَكُونُ؟
قَالَ: عَلَى الرَّاهِنِ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي أَجْرِ السَّقْيِ عَلَى الرَّاهِنِ؟
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الدَّابَّةِ وَالْعَبْدِ وَالْوَلِيدَةِ إذَا كَانُوا رَهْنًا إنَّ نَفَقَتَهُمْ وَعُلُوفَتَهُمْ وَكُسْوَتَهُمْ عَلَى أَرْبَابِهِمْ فَكَذَلِكَ النَّخْلُ قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ إذَا ارْتَهَنَهُ الرَّجُلُ.
قَالَ: الزَّرْعُ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، وَالثَّمَرَةُ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا مَحْمَلٌ وَاحِدٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي ارْتَهَنَ الثَّمَرَةَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا، أَيَأْخُذُ النَّخْلَ مَعَهَا؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِ الثَّمَرَةِ إلَّا بِقَبْضِ النَّخْلِ، وَالنَّخْلُ لَيْسَتْ رِقَابُهَا بِرَهْنٍ، وَلَكِنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى حَوْزِ الثَّمَرَةِ وَسَقْيِهَا إلَّا وَالنَّخْلُ مَعَهَا؛ لِأَنَّ الثَّمَرَةَ فِي النَّخْلِ. فَإِنْ أَفْلَسَ الرَّاهِنُ وَقَدْ حَازَهَا الْمُرْتَهِنُ بِمَا وَصَفْتُ لَكَ مِنْ سَقْيِهَا وَالْقِيَامِ عَلَيْهَا، فَالثَّمَرَةُ لَهُ دُونَ الْغُرَمَاءِ وَالنَّخْلُ لِلْغُرَمَاءِ قُلْتُ: فَالزَّرْعُ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ مِثْلُ مَا وَصَفْتُ لِي فِي النَّخْلِ. لَا يَكُونُ قَبْضُ الزَّرْعِ إلَّا مَعَ الْأَرْضِ الَّتِي الزَّرْعُ فِيهَا؟
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَلَيْسَ الْأَرْضُ بِرَهْنٍ مَعَ الزَّرْعِ، فَيَكُونَ الْأَمْرُ فِيهِ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ فِي النَّخْلِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُهُ.
стр. 1898
فِيمَنْ ارْتَهَنَ شَجَرًا هَلْ تَكُونُ ثَمَرَتُهَا رَهْنًا مَعَهَا؟ أَوْ دَارًا هَلْ تَكُونُ غَلَّتُهَا رَهْنًا مَعَهَا؟
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت نَخْلًا وَفِيهَا ثَمَرٌ يَوْمَ ارْتَهَنْتهَا، قَدْ أَزْهَى أَوْ لَمْ يَزْهُ، أُبِّرَ أَوْ لَمْ يُؤَبَّرْ، أَتَكُونُ الثَّمَرَةُ رَهْنًا مَعَ النَّخْلِ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَكُونُ الثَّمَرَةُ رَهْنًا مَعَ النَّخْلِ، إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ كُلُّ ثَمَرَةٍ تَخْرُجُ فِي الرَّهْنِ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَيْسَتْ بِرَهْنٍ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهَا الْمُرْتَهِنُ، فَإِنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَإِنَّ الثَّمَرَةَ تَكُونُ رَهْنًا مَعَ النَّخْلِ، كَانَتْ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ أَوْ لَمْ تَكُنْ، أَوْ خَرَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ فِي الثَّمَرَةِ: لَا تَكُونُ رَهْنًا مَعَ النَّخْلِ، وَهُوَ يَقُولُ فِي الْوِلَادَةِ: إنَّهَا رَهْنٌ مَعَ الْأُمِّ؟ فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا قَالَ: لِأَنَّهُ مَنْ بَاعَ جَارِيَةً حَامِلًا، فِي بَطْنِهَا وَلَدٌ، فَهُوَ لِمَنْ اشْتَرَى الْجَارِيَةَ، وَمَنْ بَاعَ نَخْلًا فِيهِ ثَمَرٌ قَدْ أُبِّرَ، فَثَمَرَتُهُ لِلْبَائِعِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ؟ الْمُبْتَاعُ فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا قُلْتُ: وَالثَّمَرَةُ وَكِرَاءُ الدُّورِ فِي الرَّهْنِ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إجَارَةُ الْعَبْدِ، كُلُّ ذَلِكَ لِلرَّاهِنِ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ فِي الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُرْتَهِنُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[فِيمَنْ تَكَفَّلَ لِرَجُلٍ بِرَجُلٍ وَرَهَنَهُ رَهْنًا وَذَلِكَ بِغَيْرِ أَمْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَكَفَّلْت لِرَجُلٍ بِكَفَالَةٍ وَأَعْطَيْته بِذَلِكَ رَهْنًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ رَهْنُ الْكَفِيلِ قَدْ ضَاعَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ؟
قَالَ: إذَا كَانَ قِيمَةُ الرَّهْنِ وَالدَّيْنِ سَوَاءً، وَكَانَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ فَقَدْ اسْتَوْفَى الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ؛ لِأَنَّ الضَّيَاعَ مِنْهُ إذَا كَانَتْ الصِّفَةُ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، وَيَكُونُ لِلْكَفِيلِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ بِقِيمَةِ رَهْنِهِ؛ لِأَنَّ قِيمَةَ الرَّهْنِ وَالدَّيْنِ سَوَاءٌ.
قُلْتُ: فَإِنْ كُنْتُ إنَّمَا تَكَفَّلْت بِهَذَا الْحَقِّ، بِغَيْرِ أَمْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَأَعْطَيْته الرَّهْنَ، بِغَيْرِ أَمَرَهُ فَضَاعَ الرَّهْنُ وَهُوَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ، وَكَانَ قِيمَةُ الرَّهْنِ وَالدَّيْنِ سَوَاءٌ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرْجِعَ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ الَّذِي عَلَيْهِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي، وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْمَسْأَلَةِ الَّتِي فَوْقَهَا فِي الْقَضَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَرْجِعُ هَهُنَا عَلَى الرَّاهِنِ، وَيَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ رَهْنَهُ قَدْ تَلِفَ عِنْدَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ كُنْتَ قَدْ رَهَنْتُهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ أَوْ بِأَمْرِهِ، وَالرَّهْنُ أَكْثَرُ قِيمَةً مَنْ الدَّيْنِ، فَضَاعَ الرَّهْنُ وَهُوَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ؟
قَالَ: إذَا ضَاعَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، وَكُنْتَ قَدْ رَهَنْتَهُ بِأَمْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، فَلَكَ أَنْ تَرْجِعَ بِقِيمَةِ رَهْنِكَ كُلِّهِ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَإِنْ شِئْتَ اتَّبَعْتَ الْمُرْتَهِنَ
стр. 1899
بِفَضْلِ قِيمَةِ رَهْنِكَ عَلَى الدَّيْنِ، وَرَجَعْتَ عَلَى الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ بِالدَّيْنِ وَيَكُونُ الْخِيَارُ فِي ذَلِكَ إلَيْكَ، تَتْبَعُ بِفَضْلِ قِيمَةِ رَهْنِكَ عَلَى الدَّيْنِ أَيَّهُمَا شِئْتَ مِنْهُمَا. وَأَمَّا مَبْلَغُ الدَّيْنِ مِنْ رَهْنِكَ فَإِنَّمَا تَرْجِعُ بِهِ عَلَى الَّذِي أَمَرَكَ بِذَلِكَ، وَتُبْطِلُ حَقَّ الْمُرْتَهِنِ. فَإِنْ أَنْتَ رَجَعْتَ بِفَضْلِ قِيمَةِ رَهْنِكَ عَلَى الَّذِي أَمَرَك، رَجَعَ آمِرُكَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَأَخَذَهُ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ كَانَ ضَامِنًا لِجَمِيعِ الرَّهْنِ حِينَ قَبَضَهُ، وَلَمْ يَكُنْ فِي دَيْنِهِ وَفَاءٌ بِجَمِيعِ قِيمَةِ الرَّهْنِ. فَلَمَّا هَلَكَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ، قُصَّ لَهُ مِنْ الرَّهْنِ مِقْدَارُ دَيْنِهِ وَغَرِمَ الْبَقِيَّةَ، وَإِنْ كَانَ رَهَنَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَقِيمَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ الدَّيْنِ فَضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَإِنَّ الَّذِي رَهَنَ بِغَيْرِ أَمْرِ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، يَرْجِعُ بِالدَّيْنِ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ، وَيَرْجِعُ بِفَضْلِ قِيمَةِ رَهْنِهِ عَلَى الْمُرْتَهِنِ الَّذِي لَهُ الدَّيْنُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِالْفَضْلِ مِنْ قِيمَةِ رَهْنِهِ عَلَى الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدَّمَ الْخَطَأَ، أَتَجُوزُ فِيهِ الْكَفَالَةُ؟
قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا وَسَأَلَهُ رَجُلٌ عَنْهُ وَقَدْ كَانَ تَكَفَّلَ لِرَجُلٍ بِدَمٍ خَطَأٍ، فَأَعْطَاهُ بَعْضَ الدِّيَةِ، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ مَالِكًا فَقَالَ: لَا تَلْزَمُهُ الْكَفَالَةُ وَيَتْبَعُونَ بِهِ الْعَاقِلَةَ.
[الرَّهْنُ فِي الدَّمِ الْخَطَأِ]
ِ قُلْتُ: فَهَلْ يَجُوزُ الرَّهْنُ فِي الدَّمِ الْخَطَأِ؟ قَالَ: لَا يَجُوزُ إنْ كَانَ رَهَنَهُ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الدِّيَةَ لَازِمَةٌ لَهُ وَحْدَهُ. وَإِنْ كَانَ إنَّمَا رَهَنَهُ عَنْ قَتِيلِهِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الدِّيَةَ تَجِبُ عَلَى الْقَتِيلِ، فَالرَّهْنُ جَائِزٌ.
[فِيمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً وَرَهَنَ بِهَا رَهْنًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت دَابَّةً فَرَهَنْتُهُ بِهَا رَهْنًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً فَمُصِيبَتُهَا مِنْ رَبِّهَا، فَأَرَى الرَّهْنَ فِيهَا لَا يَجُوزُ.
قُلْتُ: أَفَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَعِيرَ الرَّجُلُ الدَّابَّةَ عَلَى أَنَّهَا مَضْمُونَةٌ عَلَيْهِ، أَيَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: أَرَى أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَرْتَهِنُ مِنْ رَجُلٍ رَهْنًا مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ، فَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُصَدَّقٌ فِيهِ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيهِ، فَيَقُولُ بَعْدَ ذَلِكَ: قَدْ ضَاعَ مِنِّي. قَالَ مَالِكٌ: شَرْطُهُ بَاطِلٌ وَهُوَ ضَامِنٌ.
[فِيمَنْ اسْتَعَارَ مَتَاعًا فَرَهَنَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَتَاعَ أَسْتَعِيرُهُ وَأُعْطِيهِ بِهِ رَهْنًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، يَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّهُ ضَامِنٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت عَبْدَ رَجُلٍ وَأَعْطَيْته بِالْإِجَارَةِ رَهْنًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ عِنْدَ مَالِكٍ.
стр. 1900
[فِيمَنْ أَعَارَ دَابَّةً وَارْتَهَنَ بِهَا رَهْنًا فَضَاعَ الرَّهْنُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعَرْته دَابَّتِي وَأَخَذْت مِنْهُ بِهَا رَهْنًا مِمَّا أَغِيبُ عَلَيْهِ، وَضَاعَ الرَّهْنُ مِنِّي عِنْدِي قَالَ: أَرَاك ضَامِنًا لِلرَّهْنِ؛ لِأَنَّ أَصْلَ مَا أَخَذْتَهُ عَلَيْهِ عَلَى الضَّمَانِ وَلَمْ تَأْخُذْهُ مِنِّي عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ.
[ادَّعَى قِبَلَ رَجُلٍ أَلْفِ دِرْهَمٍ فَأَخَذَ مِنْهُ رَهْنًا فَضَاعَ الرَّهْنُ]
ُ قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ ادَّعَيْت قِبَلَ رَجُلٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَرَهَنَنِي بِهَا رَهْنًا مِمَّا أَغِيبُ عَلَيْهِ، فَضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدِي، فَتَصَادَقْنَا أَنَّ الَّذِي ادَّعَيْت قِبَلَهُ كَانَ بَاطِلًا وَكُنْتُ قَدْ اقْتَضَيْته وَلَمْ أَعْلَمْ بِذَلِكَ؟
قَالَ: أَنْتَ ضَامِنٌ لِقِيمَةِ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّكَ لَمْ تَأْخُذْهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ.
قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ كَانَ يَسْأَلُ رَجُلًا دَنَانِيرَ فَتَعَلَّقَ بِهِ، فَدَفَعَ إلَيْهِ دَرَاهِمَ حَتَّى يُصَارِفَهُ بِهَا فَأَتَاهُ فَقَالَ قَدْ ضَاعَتْ الدَّرَاهِمُ مِنِّي؟
قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُعْطِهَا إيَّاهُ عَلَى وَجْهِ الِائْتِمَانِ لَهُ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدْفَعُ إلَى الرَّجُلِ الصَّائِغِ الْخَاتَمَ يُعَالِجُ بِهِ فَصَّهُ، أَوْ شَيْئًا يُصْلِحُهُ لَهُ فِيهِ، أَوْ الْقِلَادَةَ يُصْلِحُ لَهُ فِيهَا الشَّيْءَ بِغَيْرِ حَقٍّ عَلَى وَجْهِ الْمَعْرُوفِ.
قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ عَلَيْهَا أَجْرًا.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ جَمِيعُ الصُّنَّاعِ كُلِّهِمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، الْخَيَّاطِينَ وَالصَّبَّاغِينَ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الصِّنَاعَاتِ، مَا دُفِعَ إلَيْهِمْ بِغَيْرِ أَجْرٍ فَقَالُوا قَدْ ضَاعَ فَإِنَّهُمْ يَضْمَنُونَ؟
قَالَ: نَعَمْ يَضْمَنُونَ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ دَفَعَ إلَى خَيَّاطٍ قَمِيصًا لَهُ لِيُرَقِّعَهُ لَهُ، فَضَاعَ الْقَمِيصُ عِنْدَ الْخِيَاطِ؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ ضَامِنٌ لَهُ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ رَهْنًا فَقُلْتُ: هَذَا لَكَ رَهْنٌ بِكُلِّ مَا أَقْرَضْت فُلَانًا مِنْ شَيْءٍ، أَيَجُوزُ هَذَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
[فِيمَنْ ارْتَهَنَ أَمَةً وَهِيَ حَامِلٌ فَوَلَدَتْ فِي الرَّهْنِ هَلْ يَكُونُ وَلَدُهَا رَهْنًا مَعَهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَمَةَ إذَا ارْتَهَنَهَا رَجُلٌ وَهِيَ حَامِلٌ فَوَلَدَتْ ثُمَّ وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَيْضًا أَتَكُونُ أَوْلَادُهَا مَعَهَا رَهْنًا قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ مَا وَلَدَتْ مِنْ وَلَدٍ بَعْدَ الرَّهْنِ فَوَلَدُهَا رَهْنٌ مَعَهَا.
стр. 1901
[ارْتَهَنَ غَنَمًا فَوَلَدَتْ فِي الرَّهْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَصْوَافَ الْغَنَمِ وَأَلْبَانَهَا وَسُمُونَهَا وَأَوْلَادَهَا، أَيَكُونُ ذَلِكَ رَهْنًا مَعَهَا قَالَ: أَمَّا أَوْلَادُهَا فَهِيَ رَهْنٌ مَعَ الْأُمَّهَاتِ عِنْدَ مَالِكٍ. وَأَمَّا الْأَصْوَافُ وَالْأَلْبَانُ وَالسُّمُونُ فَلَا تَكُونُ رَهْنًا مَعَهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ صُوفًا كَانَ عَلَيْهَا يَوْمَ ارْتَهَنَهَا، فَأَرَاهُ رَهْنًا مَعَهَا إذَا كَانَ يَوْمئِذٍ قَدْ تَمَّ؛ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا ارْتَهَنَ دَارًا أَنَّ غَلَّتَهَا لَا تَكُونُ رَهْنًا مَعَهَا، وَإِذَا ارْتَهَنَ غُلَامًا أَنَّ خَرَاجَهُ لَا يَكُونُ رَهْنًا مَعَهُ، وَلَوْ اشْتَرَاهُمَا كَانَتْ غَلَّتُهُمَا لَهُ، فَالرَّهْنُ لَا يُشْبِهُ الْبُيُوعَ.
[الرَّهْن يَجْعَل عَلَى يَدِي عَدْل فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ بَاعَهُ الْعَدْلُ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ]
فِي الرَّهْنِ يُجْعَلُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ أَوْ يَكُونُ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ، فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ بَاعَهُ الْعَدْلُ أَوْ الْمُرْتَهِنُ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت رَهْنًا وَجَعَلْنَاهُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، أَوْ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ إلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، فَإِنْ جَاءَ الرَّاهِنُ بِحَقِّهِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَإِلَّا فَاَلَّذِي عَلَى يَدَيْهِ الرَّهْنُ مُسَلَّطٌ عَلَى بَيْعِهِ، وَيَأْخُذُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ ذَلِكَ حَقَّهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُبَاعُ الرَّهْنُ وَإِنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ، كَانَ عَلَى يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ أَوْ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ إلَّا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبَلَغَنِي مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّ مَالِكًا قَالَ: وَإِنْ بِيعَ نَفَذَ الْبَيْعُ وَلَمْ يُرَدَّ، وَذَلِكَ رَأْيِي.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ أَنَّهُ يَبِيعُهُ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، فَإِنَّهُ إذَا حَلَّ الْحَقُّ رَفَعَهُ الْمُرْتَهِنُ إلَى السُّلْطَانِ، فَإِنْ أَوْفَاهُ حَقَّهُ وَإِلَّا بَاعَ لَهُ الرَّهْنَ فَأَوْفَاهُ حَقَّهُ.
[ارْتَهَنَ رَهْنًا فَأَرْسَلَ وَكِيلَهُ يَقْبِضُ لَهُ الرَّهْنَ فَقَبَضَهُ فَضَاعَ الرَّهْنُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت رَهْنًا فَبَعَثْتُ وَكِيلًا يَقْبِضُ الرَّهْنَ فَضَاعَ الرَّهْنُ - وَهُوَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ - أَيَكُونُ الضَّيَاعُ مَنْ الرَّاهِنِ لِأَنَّ الْوَكِيلَ قَبَضَهُ، أَوْ تَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ إذَا كَانَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، أَوْ تَجْعَلُ ضَيَاعَهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ لِأَنَّ وَكِيلَهُ قَبَضَهُ؟
قَالَ: قَبْضُ الْوَكِيلِ إذَا وَكَّلَهُ الْمُرْتَهِنُ فَإِنَّمَا هُوَ كَقَبْضِ الْمُرْتَهِنِ، فَضَيَاعُهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ. وَإِنَّمَا يَكُون الْعَدْلُ الَّذِي يَتَرَاضَيَانِ بِهِ جَمِيعًا - الْمُرْتَهِنُ وَالرَّاهِنُ - أَنْ يَجْعَلَا الرَّهْنَ عَلَى يَدَيْهِ، فَهَذَا الَّذِي يَكُونُ عَدْلًا وَيَكُونُ ضَيَاعُ الرَّهْنِ فِيهِ مِنْ الرَّاهِنِ، فَأَمَّا رَسُولُ الْمُرْتَهِنِ فَلَيْسَ يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْعَدْلِ فِي هَذَا.
стр. 1902
[فِيمَنْ رَهَنَ عَبْدًا عَلَى مَنْ نَفَقَتُهُ أَوْ كَفَنُهُ وَدَفْنُهُ إذَا مَاتَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَهَنْت عَبْدًا عِنْدَ رَجُلٍ، فَمَاتَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، عَلَى مَنْ كَفَنُهُ وَدَفْنُهُ قَالَ: عَلَى الرَّاهِنِ عِنْدَ مَالِكٍ.
قَالَ مَالِكٌ: وَنَفَقَتُهُ وَكَفَنُهُ وَدَفْنُهُ عَلَى الرَّاهِنِ.
[فِي الرَّهْنِ إذَا كَانَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَدَفَعَهُ الْعَدْلُ إلَى الرَّاهِنِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّهْنَ إذَا كَانَ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، فَدَفَعَهُ الْعَدْلُ إلَى الرَّاهِنِ أَوْ الْمُرْتَهِنِ فَضَاعَ، وَهُوَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، يَضْمَنُ إنْ دَفَعَهُ إلَى الرَّاهِنِ ضَمِنَ لِلْمُرْتَهِنِ وَإِنْ دَفَعَهُ إلَى الْمُرْتَهِنِ ضَمِنَ ذَلِكَ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَمْ يَرْضَ أَنْ يَكُونَ رَهْنُهُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، فَإِنْ كَانَ الرَّهْنُ كَفَافًا بِحَقِّ الْمُرْتَهِنِ سَقَطَ بِذَلِكَ حَقُّ الْمُرْتَهِنِ إذَا تَلَفَ الرَّهْنُ فِي يَدَيْهِ، وَإِنْ كَانَ فِي قِيمَتِهِ فَضْلٌ، غَرِمَ ذَلِكَ الْعَدْلَ لِلرَّاهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ لَمْ يَرْضَ أَنْ يَكُونَ رَهْنُهُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ.
[الرَّهْنِ يُجْعَلُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَيَمُوتُ الْعَدْلُ فَيُوصِي إلَى رَجُلٍ]
فِي الرَّهْنِ يُجْعَلُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ فَيَمُوتُ الْعَدْلُ فَيُوصِي إلَى رَجُلٍ، هَلْ يَكُونُ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ وَفِي الْمُرْتَهِنِ يَدْفَعُ الرَّهْنَ إلَى السُّلْطَانِ فَيَأْمُرُ السُّلْطَانُ رَجُلًا يَبِيعُهُ فَيَضَعُ الثَّمَنَ مِنْ الْمَالِ الْمَأْمُورِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا مَاتَ الْعَدْلُ - وَالرَّهْنُ عَلَى يَدَيْهِ - فَأَوْصَى إلَى رَجُلٍ - أَيَكُونُ الرَّهْنُ عَلَى يَدَيْ الْوَصِيِّ؟
قَالَ: لَا، وَلَكِنْ يَتَرَاضَيَانِ - الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ - بَيْنَهُمَا كَيْفَمَا أَحَبَّا.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي؛ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ لَهُ أَنْ يُوصِيَ فِيهِ لِأَنَّ أَرْبَابَهُ أَحْيَاءٌ قِيَامٌ فَهُمْ أَمْلَكُ لِشَيْئِهِمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ رَفَعَ رَهْنَهُ إلَى السُّلْطَانِ وَقَدْ حَلَّ الْأَجَلُ، فَأَمَرَ السُّلْطَانُ رَجُلًا يَبِيعُ الرَّهْنَ حَتَّى يَدْفَعَ إلَى الْمُرْتَهِنِ حَقَّهُ، فَبَاعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الَّذِي أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ، فَضَاعَ الثَّمَنُ مَنْ يَدِ الْمَأْمُورِ الَّذِي أَمَرَهُ السُّلْطَانُ، مِمَّنْ يَكُونُ ضَيَاعُهُ وَهَلْ يَكُونُ عَلَى الْمَأْمُورِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا ضَمَانَ عَلَى الْمَأْمُورِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالْقَوْلُ فِي الضَّيَاعِ قَوْلُهُ، فَإِنْ اُتُّهِمَ كَانَتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ.
[الْمُفْلِسِ يَأْمُرُ السُّلْطَانُ بِبَيْعِ مَالِهِ لِلْغُرَمَاءِ فَيَضِيعُ الثَّمَنُ مِمَّنْ ضَيَاعُهُ]
فِي الْمُفْلِسِ يَأْمُرُ السُّلْطَانُ بِبَيْعِ مَالِهِ لِلْغُرَمَاءِ فَيَضِيعُ الثَّمَنُ مِمَّنْ ضَيَاعُهُ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُفْلِسِ: إنَّهُ إذَا بَاعَ السُّلْطَانُ لِلْغُرَمَاءِ مَالَهُ فَضَاعَ الثَّمَنُ بَعْدَمَا
стр. 1903
بَاعَ السُّلْطَانُ مَالَهُ أَنَّ الضَّيَاعَ مِنْ الْغُرَمَاءِ وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ فِي الرَّهْنِ أَنَّ ضَيَاعَ الثَّمَنِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَاعَهُ السُّلْطَانُ لِلْمُرْتَهِنِ، فَلَمَّا وَقَعَ الْبَيْعُ كَانَ الثَّمَنُ لِلْمُرْتَهِنِ، فَضَمَانُهُ مِنْهُ إنْ ضَاعَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، قَالَ: أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ: مُصِيبَةُ الثَّمَنِ مِنْ الرَّاهِنِ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْمُرْتَهِنِ، وَكَذَلِكَ التَّفْلِيسُ.
[أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِبَيْعِ الرَّهْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الَّذِي أَمَرَهُ السُّلْطَانُ بِالْبَيْعِ وَأَنْ يَدْفَعَ إلَى الْمُرْتَهِنِ حَقَّهُ، بَاعَ الرَّهْنَ فَقَالَ: قَدْ دَفَعْت إلَى الْمُرْتَهِنِ حَقَّهُ وَكَذَّبَهُ الْمُرْتَهِنُ وَقَالَ: لَمْ آخُذْهُ؟
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا يَقُولُ فِي رَجُلٍ دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مَالًا لِيَدْفَعَهُ إلَى غَيْرِهِ فَقَالَ قَدْ دَفَعْته إلَيْهِ لَمْ يُصَدَّقْ إلَّا بِبَيِّنَةٍ، فَكَذَلِكَ هَذَا
[ارْتَهَنَ رَهْنًا فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ دَفْعَهُ إلَى السُّلْطَانِ فَبَاعَهُ وَقَضَاهُ حَقَّهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الرَّهْنَ رَجُلٌ]
فِيمَنْ ارْتَهَنَ رَهْنًا، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ دَفْعَهُ إلَى السُّلْطَانِ فَبَاعَهُ وَقَضَاهُ حَقَّهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّ الرَّهْنَ رَجُلٌ وَقَدْ فَاتَ مِنْ يَدِ الْمُشْتَرِي قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ إذَا ارْتَهَنَ رَهْنًا، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ دَفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ فَبَاعَهُ لَهُ فَأَوْفَاهُ حَقَّهُ، ثُمَّ أَتَاهُ رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ الرَّهْنَ وَقَدْ فَاتَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، وَغَابَ الْمُشْتَرِي وَلَا يَدْرِي أَيْنَ هُوَ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّ هَذَا الَّذِي اسْتَحَقَّ الرَّهْنَ، إنْ أَجَازَ الْبَيْعَ أَخَذَ الثَّمَنَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ وَرَجَعَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّاهِنِ بِحَقِّهِ؛ لِأَنَّهُ ثَمَنُ سِلْعَتِهِ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: فِي الْبُيُوعِ إذَا بَاعَ رَجُلٌ سِلْعَةً فَاسْتَحَقَّهَا، صَاحِبُهَا وَقَدْ دَارَتْ فِي أَيْدِي رِجَالٍ، أَنَّهُ يَأْخُذُ الثَّمَنَ مِنْ أَيِّهِمْ شَاءَ.
[الرَّهْن إذَا كَانَ عَلَى يَدِي عَدْل وَاخْتَلَفَ فِيهِ الرَّاهِن وَالْمُرْتَهِن]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَدْلَ إذَا بَاعَ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ الرَّهْنَ فَقَالَ: بِعْتُهُ بِمِائَةٍ وَقَضَيْتُك إيَّاهَا أَيُّهَا الْمُرْتَهِنُ. وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: بَلْ بِعْتُ بِخَمْسِينَ وَقَضَيْتنِي الْخَمْسِينَ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّ الْعَدْلَ ضَامِنُ الْخَمْسِينَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ بِمِائَةٍ، وَهَذِهِ الْخَمْسُونَ مِنْهَا قَدْ تَبَيَّنَ
стр. 1904
مَوْضِعُهَا. وَخَمْسُونَ مِنْهَا هُوَ ضَامِنٌ لَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ لَهَا مَوْضِعٌ؛ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَى رَجُلٍ مِائَةَ دِينَارٍ لِيَدْفَعَهَا إلَى رَجُلٍ مِنْ حَقٍّ لَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ: قَدْ دَفَعْتُهَا إلَيْهِ، وَقَالَ الَّذِي أَمَرَ بِأَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ لَمْ تَدْفَعْ إلَيَّ إلَّا خَمْسِينَ دِينَارًا، أَنَّهُ ضَامِنٌ لِلْخَمْسِينَ؟ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.
[الدَّعْوَى بَيْنَ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ فِي حُلُولِ أَجَلِ الدَّيْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: قَدْ حَلَّ أَجَلُ الْمَالِ، وَقَالَ الرَّاهِنُ لَمْ يَحِلَّ أَجَلُ الْمَالِ؟
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ لِأَنَّ الْمُرْتَهِنَ قَدْ أَقَرَّ أَنَّ الْحَقَّ إلَى أَجَلٍ، وَهَذَا إذَا أَتَى الرَّاهِنُ بِأَمْرٍ لَا يُسْتَنْكَرُ بِأَنْ ادَّعَى أَجَلًا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، لَا يَدَّعِي أَجَلًا بَعِيدًا يُسْتَنْكَرُ، فَإِنْ ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ مَا لَا يُشْبِهُ لَمْ يُصَدَّقْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ مَنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ سَأَلَ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَبِيعُ مَنْ الرَّجُلِ السِّلْعَةَ، فَتَفُوتُ عِنْدَهُ السِّلْعَةُ فَيَقْتَضِيهِ ثَمَنُهَا، فَيَقُولُ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ: ثَمَنُهَا إنَّمَا هُوَ إلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، وَيَقُولُ الَّذِي لَهُ الْحَقُّ: دَيْنِي حَالٌّ. قَالَ مَالِكٌ: إنْ ادَّعَى الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ أَجَلًا قَرِيبًا لَا يُسْتَنْكَرُ، رَأَيْتُهُ مُصَدَّقًا. وَإِنْ ادَّعَى أَجَلًا بَعِيدًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا أَرَى أَنْ لَا يُصَدَّقَ الْمُبْتَاعُ فِي الْأَجَلِ، وَيُؤْخَذُ بِمَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْمَالِ حَالًّا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَقَرَّ بِأَكْثَرَ مِمَّا ادَّعَى الْبَائِعُ، فَلَا يَكُونُ لِلْبَائِعِ إلَّا مَا ادَّعَى. فَهَذَا لَمْ يَزْعُمْ أَنَّهُ بَاعَ إلَى أَجَلٍ فَقَدْ جَعَلَ مَالِكٌ الْقَوْلَ قَوْلَ مُدَّعِي الْأَجَلِ إذَا أَتَى بِأَمْرٍ لَا يُسْتَنْكَرُ. فَفِي مَسْأَلَتِكَ أَحْرَى أَنْ يَكُونَ الْقَوْلُ قَوْلَ مَنْ ادَّعَى الْأَجَلَ قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ: " إنْ ادَّعَى أَجَلًا قَرِيبًا " يُرِيدُ بِذَلِكَ مَا يُرَى أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ قَدْ تُبَاعُ بِذَلِكَ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَجَلِ الَّذِي ادَّعَى، وَمَعْنَى قَوْلِهِ: " إنْ ادَّعَى أَجَلًا بَعِيدًا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ " إنَّمَا يُرِيدُ بِذَلِكَ إنْ ادَّعَى أَنَّهُ ابْتَاعَ إلَى أَجَلٍ، يُرَى أَنَّ تِلْكَ السِّلْعَةَ لَا تُبَاعُ إلَى ذَلِكَ مِنْ الْأَجَلِ فَهَذَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ادَّعَى مَا لَا يُمْكِنُ، بِمَنْزِلَةِ مَا يَدَّعِي الرَّجُلُ فِي السِّلْعَةِ فَيَقُولُ: اشْتَرَيْتُهَا بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَمِثْلُهَا لَا يُبْتَاعُ بِخَمْسَةِ دَرَاهِمَ، وَهِيَ ثَمَنُ عَشَرَةِ دَنَانِيرَ أَوْ خَمْسَةَ عَشَرَ، فَهَذَا لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ، فَهَكَذَا هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ الَّتِي وَصَفْتُ لَكَ.
[فِي الْإِمَامِ يَأْمُرُ الرَّجُلَ بِبَيْعِ رَهْنِ هَذَا الرَّاهِنِ فَيَبِيعَهُ بِعُرُوضٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَمَرَ الْإِمَامُ رَجُلًا بِبَيْعِ رَهْنِ هَذَا الرَّاهِنِ وَيُوَفِّيَهُ حَقَّهُ، فَبَاعَ الْمَأْمُورُ الرَّهْنَ بِحِنْطَةٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ بِعَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ
стр. 1905
ذَلِكَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الرَّجُلَ يُوَكِّلُ الرَّجُلَ يَبِيعُ السِّلْعَةَ فَيَبِيعُهَا بِعَرَضٍ مِنْ الْعُرُوضِ، أَوْ حَيَوَانٍ فَيَتْلَفُ مَا بَاعَ بِهِ، فَيُنْكِرُ صَاحِبُ السِّلْعَةِ فَإِنَّ الْبَائِعَ ضَامِنٌ؟ وَلَوْ بَاعَهَا بِدَنَانِيرَ فَتَلِفَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ضَمَانٌ فَهَذَا يُشْبِهُ مَسْأَلَتَكَ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَمَرْتُ رَجُلًا يَبِيعُ لِي سِلْعَةً بِنَقْدٍ فَبَاعَهَا بِنَسِيئَةٍ، أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَفَيَرُدُّ الْبَيْعَ أَمْ لَا؟
قَالَ: يَرُدُّ الْبَيْعَ إنْ أَدْرَكَ وَإِنْ لَمْ يُدْرِكَ بِيعَ الدَّيْنُ إنْ كَانَ مِمَّا يُبَاعُ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى، فَإِنْ كَانَ فِيهِ مَا سُمِّيَ، إنْ كَانَ سَمَّى لَهُ ثَمَنًا، أَوْ قِيمَتَهُ إنْ كَانَ فَوَّضَ إلَيْهِ أَوْ أَكْثَرَ، أَسْلَمَ ذَلِكَ إلَى صَاحِبِهَا، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ضَمِنَ مَا أُمِرَ بِهِ كَمَا سَمَّى، أَوْ غَرِمَ قِيمَتَهَا إنْ كَانَ فَوَّضَ إلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُبَاعُ حَتَّى يُسْتَوْفَى، تَرَكَ وَأَخَذَ مِنْ الْمَأْمُورِ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الثَّمَنِ، أَوْ قِيمَتَهَا إنْ كَانَ فَوَّضَ إلَيْهِ فَدَفَعَ إلَى صَاحِبِهَا ثُمَّ اسْتَوْفَى بِالطَّعَامِ، فَإِذَا حَلَّ اسْتَوْفَاهُ ثُمَّ بِيعَ، فَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ عَمَّا سَمَّى لَهُ، أَوْ عَنْ قِيمَتِهَا إنْ كَانَ فَوَّضَ إلَيْهِ؛ دَفَعَ إلَى صَاحِبِهَا. وَإِنْ كَانَ نُقْصَانًا، كَانَ عَلَى الْبَائِعِ بِمَا تَعَدَّى وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
[فِي الرَّهْنِ يَرْجِعُ إلَى الرَّاهِنِ بِوَدِيعَةٍ أَوْ بِإِجَارَةٍ]
ٍ قُلْتُ: أَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَرْتَهِنَ رَهْنًا فَيَقْبِضَهُ، ثُمَّ يَجْعَلُهُ عَلَى يَدَيْ الرَّاهِنِ قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ لِأَنَّهُ إذَا رَدَّهُ إلَيْهِ بِوَدِيعَةٍ أَوْ أُجْرَةٍ مِنْ الرَّاهِنِ، أَوْ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ حَتَّى يَكُونَ الرَّاهِنُ هُوَ الْحَائِزُ لَهُ، فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ.
[فِي الرَّجُلِ يَرْتَهِنُ رَهْنًا فَلَا يَقْبِضُهُ حَتَّى يَمُوتَ الرَّاهِنُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنَ الرَّجُلُ رَهْنًا فَلَمْ يَقْبِضْهُ حَتَّى مَاتَ الرَّاهِنُ، أَيَكُونُ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ فِي الرَّهْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْحَقُّ إلَى أَجَلٍ فَأَخَذَ بِهِ رَهْنًا فَمَاتَ الرَّاهِنُ قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِ الْمَالِ؟
قَالَ: يُبَاعُ الرَّهْنُ وَيَقْضِي الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ؛ لِأَنَّهُ إذَا مَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ فَقَدْ حَلَّ الْمَالُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ ارْتَهَنْت ثَوْبًا بِأَلْفٍ، - وَقِيمَتُهُ أَلْفٌ - فَلَقِيَنِي الْمُرْتَهِنُ فَوَهَبَ لِي دَيْنَهُ ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ لِيَدْفَعَ إلَيَّ الثَّوْبَ، فَضَاعَ الثَّوْبُ؟
قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ لِقِيمَةِ الثَّوْبِ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ امْرَأَتَهُ رَهْنًا قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا بِجَمِيعِ الصَّدَاقِ، أَيَجُوزُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا عُقِدَ النِّكَاحُ فَقَدْ وَجَبَ لَهَا الصَّدَاقُ كُلُّهُ إلَّا أَنْ يُطَلِّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا، فَهَذِهِ إنَّمَا أَخَذَتْ الرَّهْنَ بِمَالٍ جَمِيعُهُ لَهَا وَهُوَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الْبِنَاءِ، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهَا فَيَأْخُذَ مِنْهَا نِصْفَ الرَّهْنِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَأْخُذُ مِنْهَا مِنْ الرَّهْنِ شَيْئًا حَتَّى يُوَفِّيَهَا نِصْفَ الصَّدَاقِ، وَقَدْ
стр. 1906
صَارَ جَمِيعُ الرَّهْنِ رَهْنًا بِنِصْفِ الصَّدَاقِ فِي رَأْيِي؛ أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ رَجُلًا رَهْنًا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ فَقَضَاهُ خَمْسَمِائَةٍ مِنْهَا، أَوْ وَهَبَهَا لَهُ، ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فَيَأْخُذَ نِصْفَ الرَّهْنِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُوَفِّيَهُ جَمِيعَ حَقِّهِ؟ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ضَاعَ الرَّهْنُ، كَمْ يَضْمَنُ؟
قَالَ: قِيمَتَهُ كُلَّهُ إنْ كَانَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ.
[فِي الرَّجُلِ يَرْهَنُ رَهْنًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ رَهَنَ رَهْنًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ إلَّا أَنَّ الْغُرَمَاءَ لَمْ يَقُومُوا عَلَيْهِ، أَيَجُوزُ مَا رَهَنَ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُتَاجِرُ النَّاسَ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الدُّيُونُ، فَيَقُومُ رَجُلٌ عِنْدَ حُلُولِ الْأَجَلِ بِحَقِّهِ، فَيُلْزِمُهُ بِحَقِّهِ فَيَرْهَنُهُ فِي ذَلِكَ رَهْنًا، أَتَرَاهُ لَهُ دُونَ الْغُرَمَاءِ؟
قَالَ: نَعَمْ مَا لَمْ يُفَلِّسُوهُ.
قَالَ: ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَدْ كَانَ رُوِيَ مَرَّةً عَنْ مَالِكٍ خِلَافُ هَذَا، أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ مَعَهُ وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالْقَوْلُ الَّذِي سَمِعْتُ مِنْهُ وَقَالَ لِي، هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ. وَإِنَّمَا الرَّهْنُ بِمَنْزِلَةِ الْقَضَاءِ، أَنْ لَوْ قَضَى أَحَدُهُمْ قَبْلَ أَنْ يَقُومُوا عَلَيْهِ وَيُفْلِسَ فَقَضَاؤُهُ جَائِزٌ، وَلَا أُبَالِي كَانَ بِحِدْثَانِ ذَلِكَ قَامُوا عَلَيْهِ أَوْ غَيْرِهِ، إذَا كَانَ قَائِمَ الْوَجْهِ يُبَايِعُ وَيُتَاجِرُ النَّاسَ فَقَضَاؤُهُ وَبَيْعُهُ جَائِزٌ.
[لَهُ مِائَتَا دِينَار فَارْتَهَنَ مِنْهُ بِمَائِهِ وَقَضَاهُ مَائِهِ ثُمَّ اُدْعِي أَنْ الرَّهْن كَانَ بِالْمِائَةِ الَّتِي قضي]
فِيمَنْ كَانَ لَهُ قِبَلَ رَجُلٍ مِائَتَا دِينَارٍ فَارْتَهَنَ مِنْهُ بِمِائَةٍ مِنْهَا رَهْنًا ثُمَّ قَضَاهُ مِائَةَ دِينَارٍ ثُمَّ ادَّعَى أَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا كَانَ بِالْمِائَةِ الَّتِي قَضَى وَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّ الرَّهْنَ إنَّمَا هُوَ عَنْ الْمِائَةِ الَّتِي بَقِيَتْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ مِائَتَيْ دِينَارٍ، فَرَهَنَنِي بِمِائَةِ دِينَارٍ مِنْهَا رَهْنًا، وَبَقِيَتْ عَلَيْهِ مِائَةٌ أُخْرَى لَا رَهْنَ فِيهَا، فَقَضَانِي مِائَةَ دِينَارٍ ثُمَّ قَامَ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَقُومُوا، فَقَالَ: أَعْطِنِي الرَّهْنَ، فَإِنَّ الْمِائَةَ الَّتِي قَضَيْتُكَ إنَّمَا هِيَ الْمِائَةُ الَّتِي فِيهَا الرَّهْنُ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ بَلْ الْمِائَةُ الَّتِي قَضَيْتنِي إنَّمَا هِيَ الْمِائَةُ الَّتِي كَانَتْ لِي عَلَيْكَ بِغَيْرِ رَهْنٍ. الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُقَسَّمُ الْمِائَةُ الَّتِي قَضَاهُ بَيْنَ الْمِائَةِ الَّتِي فِيهَا الرَّهْنُ وَبَيْنَ الْمِائَةِ الَّتِي لَا رَهْنَ فِيهَا، فَيَكُونُ نِصْفُهَا قَضَاءً عَنْ هَذِهِ وَنِصْفُهَا قَضَاءً عَنْ هَذِهِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ؛ لِأَنَّ الرَّاهِنَ قَدْ ائْتَمَنَهُ عَلَى قَبْضِهَا حِينَ دَفَعَهَا وَلَمْ يَشْهَدْ، وَالرَّاهِنُ مُدَّعٍ، وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ.
стр. 1907
[فِيمَنْ أَسْلَمَ سَلَمًا وَأَخَذَ بِذَلِكَ رَهْنًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْلَمْت إلَى رَجُلٍ فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ، وَأَخَذْت مِنْهُ بِذَلِكَ رَهْنًا، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ تَقَايَلْنَا، أَوْ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ تَقَايَلْنَا، أَوْ بَعْدَ حُلُولِهِ وَالرَّهْنُ فِي يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ، أَتَجُوزُ الْإِقَالَةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْبِضَ رَأْسَ الْمَالِ لِمَكَانِ الرَّهْنِ الَّذِي فِي يَدَيْ الَّذِي أَسْلَمَ فِي الطَّعَامِ؟
قَالَ: لَا تَجُوزُ الْإِقَالَةُ إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ رَأْسَ الْمَالِ مَكَانَهُ قَبْلَ أَنْ يَتَفَرَّقَا، وَإِلَّا فَهَذَا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْلَمْت إلَى رَجُلٍ فِي طَعَامٍ، أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَهُ؟
قَالَ: لَا يَصْلُحُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ تَبِيعَهُ قَبْلَ أَنْ تَقْبِضَهُ، إلَّا أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِأَنْ تُوَلِّيَهُ أَوْ تُقِيلَ صَاحِبَ الطَّعَامِ أَوْ تُشْرِكَ فِيهِ وَتَقْبِضَ رَأْسَ الْمَالِ، قَبْلَ أَنْ تُفَارِقَ الَّذِي وَلَّيْتَهُ أَوْ أَقَلْتَهُ أَوْ أَشْرَكْتَهُ فِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: إذَا جَوَّزْتَ لِي التَّوْلِيَةَ وَالشَّرِكَةَ وَالْإِقَالَةَ فِي ذَلِكَ، فَلَا بَأْسَ أَنْ أُؤَخِّرَهُ بِرَأْسِ الْمَالِ؟
قَالَ: لَا؛ لِأَنَّكَ إذَا أَخَّرْتَهُ بِرَأْسِ الْمَالِ دَخَلَهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ اسْتِيفَائِهِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي التَّأْخِيرِ مَعْرُوفًا. فَإِذَا دَخَلَهُ الْمَعْرُوفُ فَلَيْسَ هَذَا بِتَوْلِيَةٍ وَلَا إقَالَةٍ وَلَا شَرِكَةٍ، وَإِنَّمَا التَّوْلِيَةُ وَالْإِقَالَةُ وَالشَّرِكَةُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ مِثْلَ رَأْسِ مَالِهِ بِغَيْرِ مَعْرُوفٍ يَصْطَنِعُهُ، وَيَدْخُلهُ أَيْضًا عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى؛ لِأَنَّهُ إذَا أَخَّرَهُ بِرَأْسِ الْمَالِ وَقَبَضَ الْمُشْتَرِي الطَّعَامَ فَهَذَا بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَوْفَى.
[فِي الرَّهْنِ فِي الصَّرْفِ وَاخْتِلَافِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ صَرَفْتُ عِنْدَ رَجُلٍ دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ، فَقَبَضْتُ الدَّرَاهِمَ وَأَعْطَيْته بِالدَّنَانِيرِ رَهْنًا فَضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَهُ بَعْدَمَا افْتَرَقْنَا وَهُوَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ وَجَهِلْنَا السُّنَّةَ فِي ذَلِكَ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ ضَمَانُ الرَّهْنِ؟
قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ اشْتَرَى بَيْعًا فَاسِدًا ضَمِنَ ذَلِكَ إنْ ضَاعَ عِنْدَهُ عِنْدَ مَالِكٍ؟ فَكَذَلِكَ الرَّهْنُ وَالرَّهْنُ أَيْضًا لَمْ يَقْبِضْهُ إلَّا عَلَى الضَّمَانِ فَعَلَيْهِ غُرْمُهُ.
قُلْتُ: وَأَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ غُرْمُ هَذَا الرَّهْنِ، الدَّنَانِيرُ الَّتِي وَجَبَتْ عَلَيْهِ فِي الدَّرَاهِمِ الَّتِي أَخَذَ، أَوْ قِيمَةِ الرَّهْنِ وَتُرَدُّ الدَّرَاهِمُ؟
قَالَ: إنْ كَانَ قِيمَةُ الرَّهْنِ وَالدَّرَاهِمِ سَوَاءً فَلَا شَيْءَ، عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ فِي الدَّرَاهِمِ فَضْلٌ أَوْ قِيمَةُ الرَّهْنِ تَرَادَّ الْفَضْلُ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ دَيْنًا، فَأَخَذْتُ بِهِ مِنْهُ رَهْنًا فَأَوْفَانِي حَقِّي، فَضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدِي بَعْدَ مَا أَوْفَانِي حَقِّي، مِمَّنْ الضَّيَاعُ؟
قَالَ: أَنْتَ ضَامِنٌ لِلرَّهْنِ عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى تَرُدَّهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّهْنَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، أَهُوَ بِمَا فِيهِ؟
قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْمُرْتَهِنَ ضَامِنٌ لِجَمِيعِ قِيمَةِ الرَّهْنِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَهُوَ قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَهُوَ أَيْضًا قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ شِهَابٍ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنَّمَا كَتَبْتُ هَذَا حُجَّةً عَلَى مَنْ قَالَ: إنَّ الرَّهْنَ بِمَا فِيهِ.
стр. 1908
[رَهْن رَهْنًا قِيمَته مِائَة فَقَالَ المرتهن ارْتَهَنَتْهُ مِنْك بِمِائَةِ وَقَالَ الرَّاهِن رهنتكه بِخَمْسِينَ]
فِيمَنْ رَهَنَ رَهْنًا قِيمَتُهُ مِائَةٌ فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ ارْتَهَنْتُهُ مِنْكَ بِمِائَةٍ وَقَالَ الرَّاهِنُ رَهَنْتُكَهُ بِخَمْسِينَ الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ قُلْتُ أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت رَهْنًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ، فَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: ارْتَهَنْته بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ رَهَنْتُكَهُ بِخَمْسِينَ؟
قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيمَةِ الرَّهْنِ.
قُلْتُ: فَإِنْ ادَّعَى أَكْثَرَ مِنْ قِيمَةِ الرَّهْنِ؟
قَالَ: لَا يُصَدَّقُ الْمُرْتَهِنُ، وَعَلَى الرَّاهِنِ الْيَمِينُ، فَإِذَا حَلَفَ بَرِئَ مِمَّا زَادَ عَلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ وَأَدَّى قِيمَةَ رَهْنِهِ وَأَخَذَ رَهْنَهُ إنْ أَحَبَّ، وَإِلَّا فَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى رَهْنِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ فَاخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ؟ .
قَالَ: يَتَوَاصَفَانِهِ وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِي الصِّفَةِ فِيمَا رُهِنَ بِهِ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ مَعَ يَمِينِهِ، ثُمَّ يُدْعَى لِتِلْكَ الصِّفَةِ الْمُقَوِّمُونَ، وَيَكُونُ الْقَوْلُ فِيمَا رُهِنَ بِهِ الرَّهْنُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ إلَى مَبْلَغِ قِيمَةِ هَذِهِ الصِّفَةِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
[ادَّعَى سِلْعَةً فِي يَدَيْ رَجُلٍ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ وَقَالَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ رَهَنْتَنِيهَا]
فِيمَنْ ادَّعَى سِلْعَةً فِي يَدَيْ رَجُلٍ أَنَّهَا عَارِيَّةٌ وَقَالَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ رَهَنْتَنِيهَا وَفِيمَنْ ارْتَهَنَ عَبْدًا فَجَنَى جِنَايَةً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ادَّعَيْت أَنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ الَّتِي فِي يَدَيَّ رَهْنٌ، وَقَالَ رَبُّهَا: بَلْ أَعَرْتُكهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ السِّلْعَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت عَبْدًا بِحَقٍّ لِي عَلَى رَجُلٍ، فَجَنَى الْعَبْدُ جِنَايَةً عَلَى رَجُلٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقَالُ لِرَبِّ الْعَبْدِ: افْدِ عَبْدَكَ فَإِنْ فَدَاهُ كَانَ عَلَى رَهْنِهِ كَمَا هُوَ، وَإِنْ أَبَى أَنْ يَفْدِيَهُ قِيلَ لِلْمُرْتَهِنِ، افْدِهِ؛ لِأَنَّ حَقَّكَ فِيهِ. فَإِنْ فَدَاهُ فَأَرَادَ سَيِّدُهُ أَخْذَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ حَتَّى يَدْفَعَ مَا افْتَدَاهُ بِهِ مِنْ الْجِنَايَةِ مَعَ دَيْنِهِ، فَإِنْ أَبَى سَيِّدُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ، بِيعَ فَبُدِئَ بِمَا فَدَاهُ بِهِ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الْجِنَايَةِ، فَإِنْ قَصُرَ ثَمَنُهُ عَنْ الَّذِي أَدَّى فِيهِ الْمُرْتَهِنُ مِنْ الْجِنَايَةِ، لَمْ يَكُنْ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى السَّيِّدِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ إلَّا الدَّيْنَ الَّذِي ارْتَهَنَهُ بِهِ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّهُ افْتَدَاهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ، وَإِنْ زَادَ ثَمَنُهُ عَلَى مَا افْتَدَاهُ بِهِ مِنْ الْجِنَايَةِ قَضَى بِالزِّيَادَةِ فِي الدَّيْنِ الَّذِي عَلَى الرَّاهِنِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يُبَاعُ حَتَّى يَحِلَّ أَجَلُ الدَّيْنِ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الْأَجَلِ شَيْئًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَا جَمِيعًا - الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ - نَحْنُ نُسَلِّمُهُ فَأَسْلَمَاهُ أَيَكُونُ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ بِحَالِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ كَمَا هُوَ؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَبَى الرَّاهِنُ أَنْ يَفْدِيَهُ وَقَالَ لِلْمُرْتَهِنِ افْتَدِهِ لِي. قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: إذَا أَمَرَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ، اتَّبَعَهُ الْمُرْتَهِنُ بِالدَّيْنِ وَالْجِنَايَةِ جَمِيعًا.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَسْلَمَاهُ جَمِيعًا وَلَهُ مَالٌ، كَانَ مَالُهُ مَعَ رَقَبَتِهِ فِي جِنَايَتِهِ. وَإِنْ افْتَكَّهُ الْمُرْتَهِنُ لَمْ يَكُنْ مَالُهُ مَعَ رَقَبَتِهِ فِيمَا افْتَكَّهُ بِهِ، وَلَا يُزَادُ عَلَى مَا كَانَ فِي يَدَيْهِ مِنْ رَهْنِ رَقَبَةِ الْعَبْدِ إذَا لَمْ يَكُنْ مَالُ الْعَبْدِ رَهْنًا مَعَهُ أَوْ لَا.
стр. 1909
[فِي ارْتِهَانِ فَضْلَةِ الرَّهْنِ وَازْدِيَادِ الرَّاهِنِ عَلَى الرَّهْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت مِنْ رَجُلٍ رَهْنًا بِدَيْنٍ لِي عَلَيْهِ، فَلَقِيتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: أَقْرِضْنِي مِائَةَ دِرْهَمٍ أُخْرَى عَلَى الرَّهْنِ الَّذِي لِي عِنْدَكَ فَفَعَلْتُ، أَتَكُونُ هَذِهِ الْمِائَةُ الَّتِي أَقْرَضْته فِي الرَّهْنِ أَيْضًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ ارْتَهَنَ عَبْدًا قِيمَتُهُ مِائَةُ دِينَارٍ بِخَمْسِينَ دِينَارًا، فَأَتَى رَبُّ الْعَبْدِ إلَى رَجُلٍ مِنْ النَّاسِ فَقَالَ: أَقْرِضْنِي خَمْسِينَ دِينَارًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَقَلَّ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَا أُقْرِضُك إلَّا عَلَى أَنْ تَرْهَنَنِي فَضْلَ الْعَبْدِ الرَّهْنِ الَّذِي فِي يَدَيْ فُلَانٍ.
قَالَ مَالِكٌ: إنْ رَضِيَ فُلَانٌ - الَّذِي فِي يَدَيْهِ الْعَبْدُ - بِذَلِكَ فَإِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ لَمْ يَجُزْ، وَيَكُونُ الْفَضْلُ الَّذِي فِي الْعَبْدِ عَنْ رَهْنِ الْأَوَّلِ رَهْنًا لِلْمُقْرِضِ الثَّانِي، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك إذَا جَازَ هَذَا هَهُنَا، فَهُوَ فِي مَسْأَلَتِكَ أَجْوَزُ.
قُلْتُ: وَيَكُونُ الْمُرْتَهِنُ الْأَوَّلُ حَائِزًا لِلْمُرْتَهِنِ الثَّانِي قَالَ: نَعَمْ إذَا رَضِيَ بِذَلِكَ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ بَعْدَ مَا ارْتَهَنَ الْمُرْتَهِنُ الثَّانِي فَضْلَةَ الرَّهْنِ، وَالرَّهْنُ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ الْمُرْتَهِنُ وَلَيْسَ هُوَ عَبْدًا، كَيْفَ يَكُونُ ضَيَاعُ الرَّهْنِ، وَمِمَّنْ يَكُونُ؟
قَالَ: يَضْمَنُ الْأَوَّلُ مِنْ الرَّهْنِ قِيمَةَ مَبْلَغِ حَقِّهِ، وَيَكُونُ فِيمَا بَقِيَ مُؤْتَمَنًا؛ لِأَنَّهُ كَانَ لِغَيْرِهِ رَهْنًا يَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ الْآخَرُ بِدَيْنِهِ عَلَى صَاحِبِهِ؛ لِأَنَّ فَضْلَ الرَّهْنِ هُوَ عَلَى يَدَيْ، عَدْلٍ وَالْعَدْلُ هُنَا هُوَ الْمُرْتَهِنُ الْأَوَّلُ.
[فِي نَفَقَةِ الرَّاهِنِ عَلَى الرَّهْنِ، هَلْ تَكُونُ رَهْنًا مَعَ الرَّهْنِ وَفِيمَنْ أَنْفَقَ عَلَى الرَّهْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا أَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ عَلَى الرَّهْنِ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ أَوْ بِغَيْرِ إذْنِهِ، أَتَكُونُ تِلْكَ النَّفَقَةُ فِي الرَّهْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: النَّفَقَةُ عَلَى الرَّاهِنِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ كَانَ أَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ، فَإِنَّمَا هُوَ سَلَفٌ، وَلَا أُرَاهُ فِي الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ لَهُ أَنْفِقْ عَلَى أَنَّ نَفَقَتَكَ فِي الرَّهْنِ، فَإِنْ قَالَ لَهُ ذَلِكَ رَأَيْتُهَا لَهُ فِي الرَّهْنِ، وَلَهُ أَنْ يَحْتَسِبَهُ بِنَفَقَتِهِ وَبِمَا رَهَنَهُ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ غُرَمَاءُ، فَلَا أُرَاهُ أَحَقَّ بِفَضْلِهَا عَنْ دَيْنِهِ لِأَجْلِ نَفَقَتِهِ، أَذِنَ لَهُ فِي ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ اشْتَرَطَ أَنَّ النَّفَقَةَ الَّتِي يُنْفِقُهَا الرَّهْنُ بِهَا أَيْضًا.
[فِيمَنْ أَنْفَقَ عَلَى ضَالَّةٍ وَفِي الْوَصِيِّ يَرْهَنُ لِلْيَتِيمِ رَهْنًا مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الضَّالَّةَ، أَلَيْسَ لَهُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، وَلَيْسَ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَهَا حَتَّى
стр. 1910
يُعْطِيَهُ نَفَقَتَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَيَكُونُ أَوْلَى بِهَا مِنْ الْغُرَمَاءِ حَتَّى يَقْبِضَ نَفَقَتَهُ وَقَدْ أَنْفَقَ بِغَيْرِ أَمْرِ رَبِّهَا؟ فَلِمَ قَالَ مَالِكٌ فِي الضَّالَّةِ: هُوَ أَوْلَى بِهَا، وَفِي نَفَقَةِ الرَّاهِنِ، لِمَ لَا يَكُونُ أَوْلَى بِهَا أَيْضًا؟
قَالَ: لِأَنَّ الضَّالَّةَ لَا يَقْدِرُ عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الضَّالَّةِ. وَنَفَقَةُ الرَّهْنِ لَيْسَ هِيَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَلَوْ شَاءَ طَلَبَ صَاحِبَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ حَاضِرًا رَفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ رَهْنًا مِنْ مَتَاعِ الْيَتِيمِ لِلْيَتِيمِ فِي كُسْوَةٍ اشْتَرَاهَا لِلْيَتِيمِ، أَوْ فِي طَعَامٍ اشْتَرَاهُ لِلْيَتِيمِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتَسَلَّفُ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ حَتَّى يَبِيعَ لَهُ بَعْضَ مَتَاعِهِ، فَيَقْضِيَهُ وَذَلِكَ جَائِزٌ عَلَى الْيَتِيمِ، فَكَذَلِكَ الرَّهْنُ عِنْدِي.
[فِي الْوَصِيِّ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَعْمَلَ بِمَالِ يَتِيمِهِ مُضَارَبَةً وَفِي الرَّهْنِ فِي الْمُضَارَبَةِ]
ِ قُلْتُ: فَهَلْ يَجُوزُ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَعْمَلَ بِمَالِ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً هُوَ نَفْسُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُ قَوْلَ مَالِكٍ فِيهِ، وَلَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَتَّجِرَ لِلْيَتِيمِ فِيهِ، أَوْ يُقَارِضَ لَهُ مِنْ غَيْرِهِ فَيَتَّجِرَ لَهُ.
قُلْتُ: أَفَيُعْطِي مَالَ الْيَتِيمِ مُضَارَبَةً؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَيَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُعْطِيَ مَالًا مُضَارَبَةً وَيَأْخُذَ بِهِ رَهْنًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ضَاعَ هَذَا الرَّهْنُ؟
قَالَ: أَرَاهُ ضَامِنًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى وَجْهِ الْأَمَانَةِ.
[فِيمَا رَهَنَ الْوَصِيُّ لِلْيَتِيمِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْتَهِنَ مَالَ الْيَتِيمِ بِدَيْنٍ يُقْرِضُهُ الْيَتِيمُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْوَصِيِّ: يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَلِّفَ الْيَتِيمَ مَالًا يُنْفِقُهُ عَلَيْهِ، أَوْ يَجْعَلُهُ فِي مَصْلَحَتِهِ إذَا كَانَ لِلْيَتِيمِ عُرُوضٌ ثُمَّ يَبِيعُ وَيَسْتَوْفِي. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْيَتِيمِ مَالٌ فَقَالَ أَنَا: أُسَلِّفُهُ وَأُنْفِقُ عَلَيْهِ، فَإِنْ أَفَادَ الْيَتِيمَ مَالًا اقْتَضَيْت مِنْهُ، فَمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ، إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْيَتِيمِ عُرُوضٌ وَأَمْوَالٌ فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْحِسْبَةِ وَلَا يَتْبَعُهُ بِشَيْءٍ مِنْهُ، فَإِنْ أَفَادَ الْيَتِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ مَالًا؛ لَمْ يَلْزَمْهُ مَا أَسْلَفَهُ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ حِينَ أَسْلَفَهُ، وَأَمَّا مَا سَأَلْتَ عَنْهُ مِنْ الرَّهْنِ أَنَّ الْوَصِيَّ يَرْتَهِنُ لِنَفْسِهِ عُرُوضَ الْيَتِيمِ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ تَسَلَّفَ مَالًا لِلْيَتِيمِ مِنْ غَيْرِهِ وَأَنْفَقَهُ عَلَيْهِ، فَلَا يَكُونُ أَحَقَّ بِالرَّهْنِ مِنْ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِنَفْسِهِ مِنْ نَفْسِهِ دُونَ الْغُرَمَاءِ، وَهُوَ وَالْغُرَمَاءُ فِيهِ هَهُنَا سَوَاءٌ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ لِلْوَصِيِّ أَنْ يَقْبِضَ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ.
стр. 1911
[نَذْرُ صِيَامٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَالَ: لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَصُومَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا، فَصَامَ يَوْمًا، أَيُجْزِئُهُ الْبَيَاتُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُبَيِّتَ كُلَّ لَيْلَةٍ الصَّوْمَ؟
قَالَ: نَعَمْ، يُجْزِئُهُ. وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ شَأْنُهُ صِيَامُ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ، فَمَرَّ بِهِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ حَتَّى يَطْلُعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ، أَيُجْزِئُهُ صِيَامُهُ؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ عَلَى بَيَاتٍ مِنْ صَوْمِهِ هَذَا قَبْلَ اللَّيْلَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَصِيَّيْنِ، أَيَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَرْهَنَ مَتَاعًا لِلْيَتِيمِ دُونَ صَاحِبِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، أَوْ يَبِيعَ أَحَدَهُمَا دُونَ صَاحِبِهِ مَتَاعًا لِلْيَتِيمِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ إنْكَاحُ أَحَدِ الْوَصِيَّيْنِ إلَّا بِاجْتِمَاعٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ نَظَرَ السُّلْطَانُ فِي ذَلِكَ، فَأَرَى الْبَيْعَ وَالرَّهْنَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ.
[الْوَرَثَةِ يَعْزِلُونَ مَا عَلَى أَبِيهِمْ مِنْ الدَّيْنِ وَيَقْتَسِمُونَ مَا بَقِيَ فَيَضِيعُ مَا عَزَلُوا]
فِي الْوَرَثَةِ يَعْزِلُونَ مَا عَلَى أَبِيهِمْ مِنْ الدَّيْنِ وَيَقْتَسِمُونَ مَا بَقِيَ فَيَضِيعُ مَا عَزَلُوا وَفِي الرَّاهِنِ يَسْتَعِيرُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ الرَّهْنَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ وَالِدَنَا هَلَكَ وَعَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ، فَعَزَلْنَا مِائَةَ دِينَارٍ مِنْ مِيرَاثِهِ وَاقْتَسَمْنَا مَا بَقِيَ فَضَاعَتْ الْمِائَةُ، مِمَّنْ ضَيَاعُهَا؟
قَالَ: ضَيَاعُهَا عَلَيْكُمْ وَالدَّيْنُ بِحَالِهِ.
قُلْتُ: سَمِعْتَهُ مِنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ وَهُوَ رَأْيِي قَالَ: وَإِنْ كَانَ السُّلْطَانُ قَبَضَهَا لِلْغَائِبِ وَقَسَّمَ مَا بَقِيَ مِنْ مِيرَاثِ الْمَيِّتِ فَضَاعَتْ، فَهِيَ مِنْ مَالِ الْغَرِيمِ وَهُوَ قَوْلُ. مَالِكٍ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ زَوَّجْتُ أَمَتِي مِنْ رَجُلٍ، فَأَخَذْتُ جَمِيعَ مَهْرِهَا قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا زَوْجُهَا، فَأَعْتَقْتُهَا ثُمَّ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ، بِهَا وَقَدْ كَانَ السَّيِّدُ اسْتَهْلَكَ الْمَهْرَ، وَلَا مَالَ لِلسَّيِّدِ غَيْرَ الْأَمَةِ؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَرُدَّ عِتْقَهَا؛ لِأَنَّ السَّيِّدَ - يَوْمَ أَعْتَقَهَا - لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَإِنَّمَا وَجَبَ الدَّيْنُ عَلَيْهِ حِينَ طَلَّقَ الزَّوْجُ امْرَأَتَهُ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مَهْرَ أَمَتِهِ وَيَدَعَهَا بِلَا جَهَازٍ، وَلَكِنْ يُجَهِّزُهَا بِهِ مِثْلَ الْحُرَّةِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَهْرَهَا فِي جَهَازِهَا
[فِي رِعَايَةِ الرَّهْنِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَهَنْت رَهْنًا فَاسْتَعَرْتُهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ، أَتَرَاهُ خَارِجًا مَنْ الرَّهْنِ؟
قَالَ: هُوَ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَفَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ، وَلِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَقُومَ عَلَى الرَّهْنِ فَيَأْخُذَهُ مِنْهُ وَيَرُدَّهُ فِي الرَّهْنِ؟
قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَعَارَهُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنْ أَعَارَهُ عَلَى ذَلِكَ فَاسْتَحْدَثَ دَيْنًا أَوْ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ، كَانَ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ.
стр. 1912
[فِيمَنْ رَهَنَ سِلْعَةً لِأَوْلَادِهِ فِي حَاجَةِ نَفْسِهِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَدَنْت دَيْنًا فَرَهَنْتُ بِهِ مَتَاعًا لِوَلَدَيَّ صِغَارًا، وَلَمْ أَسْتَدِنْ الدَّيْنَ عَلَى وَلَدِي، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا أَرَاهُ جَائِزًا.
قُلْتُ: لِمَ؟ أَلَيْسَ بَيْعُهُ جَائِزًا عَلَيْهِمْ؟
قَالَ: إنَّمَا يَجُوزُ بَيْعُهُ عَلَيْهِمْ عَلَى وَجْهِ النَّظَرِ لَهُمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْوَصِيُّ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ السَّاعَةَ عَنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ رَأْيِي لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَا أَخَذَ الْوَالِدُ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ عَلَى غَيْرِ حَاجَةٍ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ مِنْ مَالِ ابْنِهِ وَهُوَ صَغِيرٌ لِابْنٍ لَهُ صَغِيرٍ، أَيَجُوزُ هَذَا الشِّرَاءُ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَلَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ عَنْ مَالِكٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ، أَهُوَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[مَا يَجُوزُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَشْتَرِطَهُ مِنْ مَنْفَعَةِ الرَّهْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُرْتَهِنَ، هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِطَ شَيْئًا مِنْ مَنْفَعَةِ الرَّهْنِ؟
قَالَ: إنْ كَانَ مِنْ بَيْعٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ مِنْ قَرْضٍ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ سَلَفًا جَرَّ مَنْفَعَةً.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: إذَا بَاعَهُ وَارْتَهَنَ رَهْنًا وَاشْتَرَطَ مَنْفَعَةَ الرَّهْنِ إلَى أَجَلٍ، قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا فِي الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَكْرَهُهُ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا أَرَى بِهِ بَأْسًا فِي الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ إذَا ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا.
قُلْتُ: لِمَ كَرِهَهُ مَالِكٌ فِي الْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَا أَدْرِي كَيْفَ تَرْجِعُ إلَيْهِ الدَّابَّةُ وَالثَّوْبُ بِهِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ لَا بَأْسَ بِهِ فِي الْحَيَوَانِ وَفِي الثِّيَابِ وَغَيْرِ ذَلِكَ إذَا ضَرَبَ لِذَلِكَ أَجَلًا؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَسْتَأْجِرَهُ إلَى أَجَلٍ. وَلَا أَدْرِي كَيْفَ يَرْجِعُ، وَإِنَّمَا بَاعَ سِلْعَتَهُ بِثَمَنٍ قَدْ سَمَّاهُ، وَبِعَمَلِ هَذِهِ الدَّابَّةِ أَوْ لَيْسَ هَذَا الثَّوْبُ إلَى أَجَلٍ، فَاجْتَمَعَ بَيْعٌ وَكِرَاءٌ، فَلَا بَأْسَ بِهِ.
[ارْتَهَنَ رَهْنًا فَبَاعَهُ أَوْ رَهَنَهُ]
فِي الْمُرْتَهِنِ يَبِيعُ الرَّهْنَ وَفِي الْمُرْتَهِنِ يُؤَاجِرُ الرَّهْنَ أَوْ يُعِيرُهُ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ ارْتَهَنَ رَهْنًا فَبَاعَهُ أَوْ رَهَنَهُ: إنَّهُ يَرُدُّهُ حَيْثُ وَجَدَهُ فَيَأْخُذُهُ رَبُّهُ وَيَدْفَعُ مَا عَلَيْهِ فِيهِ وَيَتْبَعُ الَّذِي اشْتَرَاهُ الَّذِي غَرَّهُ فَيَلْزَمُهُ بِحَقِّهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الْمُرْتَهِنَ أَجَرَ الرَّهْنَ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ، إلَّا أَنَّ الْمُرْتَهِنَ هُوَ الَّذِي وَلِيَ الْإِجَارَةَ، أَيَكُونُ الرَّهْنُ خَارِجًا مَنْ الرَّهْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ أَعَارَهُ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ إلَّا أَنَّ الَّذِي وَلِيَ الْعَارِيَّةَ إنَّمَا هُوَ الْمُرْتَهِنُ؟
قَالَ: نَعَمْ، هُوَ فِي الرَّهْنِ عَلَى حَالِهِ؛ لِأَنَّ الَّذِي وَلِيَ ذَلِكَ هُوَ الْمُرْتَهِنُ.
قُلْتُ: فَإِنْ ضَاعَ عِنْدَ الْمُسْتَأْجِرِ هَذَا الرَّهْنُ وَهُوَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهِ؟
قَالَ:
стр. 1913
الضَّيَاعُ مِنْ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ إذَا ضَاعَ عِنْدَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ، إذَا كَانَ بِأَمْرِ الرَّاهِنِ بِمَنْزِلَةِ الرَّهْنِ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ، أَيَحِلُّ لَهُ أَنْ يُؤَاجِرَ نَفْسَهُ فِي عَمَلِ كَنِيسَةٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَحِلُّ لَهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يُؤَاجِرُ الرَّجُلُ نَفْسَهُ فِي شَيْءٍ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُكْرِي دَارِهِ وَلَا يَبِيعَهَا مِمَّنْ يَتَّخِذُهَا كَنِيسَةً، وَلَا يُكْرِي دَابَّتَهُ مِمَّنْ يَرْكَبُهَا إلَى الْكَنِيسَةِ.
[فِي الرَّجُلِ يَرْتَهِنُ الْأَمَةَ فَتَلِدُ فِي الرَّهْنِ فَيَقُومُ الْغُرَمَاءُ عَلَى وَلَدِهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت أَمَةً فَوَلَدَتْ أَوْلَادًا فَمَاتَتْ الْأُمُّ فَقَامَتْ الْغُرَمَاءُ عَلَى الْوَلَدِ؟
قَالَ: الْوَلَدُ رَهْنٌ بِجَمِيعِ الدَّيْنِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
[فِيمَنْ ارْتَهَنَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ فُلُوسًا أَوْ طَعَامًا وَفِيمَنْ ارْتَهَنَ مُصْحَفًا]
قُلْتُ: هَلْ يَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إنْ ارْتَهَنَ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ فُلُوسًا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ طُبِعَ عَلَيْهَا وَإِلَّا فَلَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ وَكُلَّ مَا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ، أَيَصْلُحُ أَنْ يُرْهَنَ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ أَنْ يُرْهَنَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَيُطْبَعُ عَلَيْهِ وَيُحَالُ بَيْنَ الْمُرْتَهِنِ وَبَيْنَ أَنْ يَصِلَ إلَى مَنْفَعَتِهِ كَمَا يُفْعَلُ بِالدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، وَكَذَلِكَ سَمِعْتُهُ مِنْ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَالْحُلِيُّ يُرْهَنُ؟
قَالَ: نَعَمْ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَفَلَا يَخَافُ أَنْ يُنْتَفَعَ بِلِبْسِهِ؟
قَالَ: لَا، لِأَنَّ هَذَا يَدْخُلُ فِيهِ إذًا الثِّيَابُ وَغَيْرُهُ فَلَا بَأْسَ بِهَذَا.
قُلْتُ: فَمَا فَرْقٌ فِيمَا بَيْنَ مَنْفَعَةِ الْحُلِيِّ فِي الرَّهْنِ وَمَنْفَعَةُ الطَّعَامِ وَالدَّرَاهِمِ؟
قَالَ: الطَّعَامُ وَالدَّرَاهِمُ يَأْكُلُهُ وَيُنْفِقُ الدَّرَاهِمَ ثُمَّ يَأْتِي بِمِثْلِهِ، وَالثِّيَابُ وَالْحُلِيُّ لَيْسَ يَأْتِي بِمِثْلِهِ، إنَّمَا هُوَ بِعَيْنِهِ لَيْسَ يَأْتِي بِمِثْلِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُصْحَفَ، أَيَجُوزُ أَنْ يُرْهَنَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ وَلَا يُقْرَأُ فِيهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ الرَّهْنِ شَرْطٌ أَنْ يُقْرَأَ فِيهِ، فَيُوَسِّعُ لَهُ رَبُّ الْمُصْحَفِ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا كَانَ الرَّهْنُ مِنْ قَرْضٍ أَوْ بَيْعٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَاهُ سَوَاءً مِنْ قَرْضٍ كَانَ أَوْ مِنْ بَيْعٍ.
[فِي ارْتِهَانِ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ وَفِيمَنْ ارْتَهَنَ حُلِيَّ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُسْلِمَ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْتَهِنَ مِنْ ذِمِّيٍّ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت خَلْخَالَيْنِ فِضَّةً أَوْ
стр. 1914
سِوَارَيْنِ فِضَّةً بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، وَقِيمَةُ السِّوَارَيْنِ أَوْ الْخَلْخَالَيْنِ مِائَةُ دِرْهَمٍ، فَاسْتَهْلَكَتْ الْخَلْخَالَيْنِ أَوْ السِّوَارَيْنِ؟
قَالَ: عَلَيْكَ قِيمَتَهُمَا مِنْ الذَّهَبِ، تَكُونُ رَهْنًا مَكَانَهُمَا، قُلْتُ: فَإِنْ كَسَرْتُهُمَا وَلَمْ أَسْتَهْلِكْهُمَا؟
قَالَ: عَلَيْكَ قِيمَتُهُمَا مَصُوغَيْنِ مِنْ الذَّهَبِ.
قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قُلْتُ إذَا كَسَرَهُمَا رَجُلٌ وَلَمْ يُتْلِفْهُمَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا نَقَصَ الصِّيَاغَةَ؟
قَالَ: هَذَا الْقَوْلُ أَحَبُّ إلَيَّ وَإِلَيْهِ أَرْجِعُ، وَأَرَى أَنْ يَضْمَنَ قِيمَتَهُمَا مِنْ الذَّهَبِ مَصُوغًا، اسْتَهْلَكَهُمَا أَوْ كَسَرَهُمَا فَهُوَ سَوَاءٌ وَيَكُونَانِ لَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ ضَمِنَ قِيمَتِهِمَا مِنْ الذَّهَبِ، أَتَكُونُ الْقِيمَةُ رَهْنًا أَمْ يَقْبِضُ هَذَا الذَّهَبَ مِنْ حَقِّهِ قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ وَحَقُّهُ دَرَاهِمُ؟
قَالَ: لَا يَقْبِضُهُ مِنْ حَقِّهِ، وَلَكِنْ تَكُونُ هَذِهِ الْقِيمَةُ رَهْنًا وَيُطْبَعُ عَلَيْهَا وَتُوضَعُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، فَإِذَا حَلَّ حَقُّهُ، فَإِنْ أَوْفَاهُ الرَّاهِنُ حَقَّهُ أَخَذَ هَذِهِ الذَّهَبَ وَإِلَّا صُرِفَتْ لَهُ فَاسْتَوْفَى مِنْهَا حَقَّهُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: إنَّهُ يُطْبَعُ عَلَى الْقِيمَةِ وَيُحَالُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ تَأْدِيبًا لَهُ، لِئَلَّا يَعْدُوَ النَّاسُ عَلَى مَا اُرْتُهِنُوا فَيَسْتَعْجِلُوا التَّقَاضِيَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِيمَنْ اسْتَهْلَكَ سِوَارَيْنِ: إنَّ عَلَيْهِ قِيمَتَهُمَا يَوْمَ اسْتَهْلَكَهُمَا إنْ كَانَا مِنْ الذَّهَبِ فَعَلَيْهِ قِيمَتُهُمَا مِنْ الْفِضَّةِ.
قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِي الْكَسْرِ شَيْئًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي ارْتَهَنْت سِوَارَيْ ذَهَبٍ بِدَرَاهِمَ فَأَتْلَفْتُهُمَا وَقِيمَتُهُمَا مِثْلُ الدَّيْنِ سَوَاءٌ، وَقَدْ اسْتَهْلَكَتْهُمَا قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ، أَتَكُونُ الْقِيمَةُ رَهْنًا أَمْ تَجْعَلُهُ قِصَاصًا؟
قَالَ: أَرَى الْقِيمَةَ رَهْنًا حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ، فَيَأْخُذَهُ مِنْهُ فِي حَقِّهِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ.
قُلْتُ: لِمَ قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي الرَّاهِنِ إذَا بَاعَ الرَّهْنَ بِغَيْرِ أَمْرِ الْمُرْتَهِنِ، فَأَجَازَ الْمُرْتَهِنُ الْبَيْعَ: عَجَّلَ لِلْمُرْتَهِنِ حَقَّهُ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا بَاعَ الرَّاهِنُ بِأَمْرِ الْمُرْتَهِنِ وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: لَمْ آذَنْ لَكَ فِي الْبَيْعِ لَأَنْ تُخْرِجَهُ مِنْ الرَّهْنِ، وَلَكِنْ أَذِنْتُ لَكَ فِي الْبَيْعِ لِإِحْيَاءِ الرَّهْنِ وَمَا يُشْبِهُ هَذَا، وَلَمْ يُمَكِّنْ الْمُرْتَهِنُ الرَّاهِنَ مِنْ الْبَيْعِ وَحْدَهُ، وَلَكِنَّ السِّلْعَةَ بَقِيَتْ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ، حَتَّى بَاعَهَا الرَّاهِنُ وَقُبِضَتْ مِنْ يَدَيْ الْمُرْتَهِنِ وَقَبَضَ الثَّمَنَ الْمُرْتَهِنُ، أُحْلِفَ فِي هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الْبَيْعِ إلَّا لِمَا ذُكِرَ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ وَيُجْعَلُ الثَّمَنُ رَهْنًا مَكَانَ الرَّهْنِ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ، إلَّا أَنْ يُعْطِيَهُ الرَّاهِنُ رَهْنًا مَكَانَ الثَّمَنِ، فِيهِ ثِقَةٌ مِنْ حَقِّهِ فَيَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى إذَا حَلَّ الْأَجَلُ قَضَاهُ الرَّاهِنُ حَقَّهُ، وَأَخَذَ مَا بَقِيَ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ مِنْ رَهْنِهِ فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَدْ قَالَ هَهُنَا: لَا أُعَجِّلُ لَهُ حَقَّهُ مِنْ الثَّمَنِ حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.
[ارْتَهَنَ رَهْنًا فَقَالَ لَهُ الرَّاهِنُ إنْ جِئْتُكَ بِالثَّمَنِ إلَى أَجَلِ كَذَا وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ لِمَا لَكَ عَلَيَّ]
َّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَهَنْتُهُ رَهْنًا وَقُلْتُ لَهُ: إنْ جِئْتُكَ إلَى أَجَلِ كَذَا وَكَذَا، وَإِلَّا فَالرَّهْنُ لَكَ بِمَا أَخَذْت مِنْكَ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هَذَا الرَّهْنُ فَاسِدٌ وَيَنْقُضُ هَذَا الرَّهْنُ وَلَا يُقَرُّ.
قَالَ
стр. 1915
مَالِكٌ: مِنْ قَرْضٍ كَانَ أَوْ مِنْ بَيْعٍ، فَإِنَّهُ لَا يُقَرُّ وَيُفْسَخُ. وَإِنْ لَمْ يُفْسَخْ حَتَّى يَأْتِيَ الْأَجَلُ الَّذِي جَعَلَهُ الرَّاهِنُ لِلْمُرْتَهِنِ بِمَا أَخَذَ مِنْ الْمُرْتَهِنِ إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ، وَلَكِنَّ الرَّهْنَ يُرَدُّ إلَى رَبِّهِ يَأْخُذُ الْمُرْتَهِنُ دَيْنَهُ.
قُلْتُ: أَفَيَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَحْبِسَ هَذَا الرَّهْنَ حَتَّى يُوَفِّيَهُ الرَّاهِنُ حَقَّهُ، وَيَكُونُ الْمُرْتَهِنِ إنْ أَفْلَسَ هَذَا الرَّاهِنُ أَوْلَى بِهَذَا الرَّهْنِ مَنْ الْغُرَمَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَإِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: إنَّهُ يُفْسَخُ أَنَّهُ إنْ كَانَ أَقْرَضَهُ إلَى سَنَةٍ عَلَى أَنْ ارْتَهَنَ بِهِ هَذَا الْمَتَاعَ، فَإِنْ حَلَّ الْأَجَلُ وَلَمْ يُوَفِّهِ فَالسِّلْعَةُ لِلْمُرْتَهِنِ بِمَا قَبَضَ مِنْهُ الرَّاهِنُ، فَإِنَّ هَذَا يُفْسَخُ قَبْلَ السَّنَةِ وَلَا يُنْتَظَرُ بِهِمَا السَّنَةَ. فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ مَالِكٍ إنَّهُ يُفْسَخُ. فَأَمَّا مَا لَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِ الرَّاهِنُ حَقَّهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ مِنْ يَدِهِ، وَالْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِهِ مِنْ الْغُرَمَاءِ. وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ إنَّمَا رَهَنَهُ مِنْ بَيْعٍ فَهُوَ وَالْقَرْضُ سَوَاءٌ.
قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ: فَإِنْ مَضَى - الْأَجَلُ وَالرَّهْنُ فِي يَدِ الْمُرْتَهِنِ أَوْ قَبَضَهُ - مَنْ أَحَدٍ جَعَلَهُ عَلَى يَدَيْهِ بِمَا شَرَطَ مِنْ الشَّرْطِ فِي رَهْنِهِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ أَدْرَكَ الرَّهْنَ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ رُدَّ، وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ وَحَالَتْ أَسْوَاقُهُ وَتَغَيَّرَ بِزِيَادَةِ بَدَنٍ أَوْ نُقْصَانِ بَدَنٍ لَمْ يَرُدَّهُ، وَلَزِمَتْهُ الْقِيمَةُ فِي ذَلِكَ يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ وَضَمِنَهُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: إنَّمَا تَلْزَمُهُ بِالْقِيمَةِ السِّلْعَةُ أَوْ الْحَيَوَانُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ أَخَذَهَا عَلَى أَنَّهُ إنْ لَمْ يَأْتِ بِالثَّمَنِ فَهِيَ لَهُ بِالثَّمَنِ، فَصَارَ إنْ لَمْ يَأْتِ رَبُّ السِّلْعَةِ بِمَا عَلَيْهِ فَقَدْ اشْتَرَاهَا الْمُرْتَهِنُ شِرَاءً فَاسِدًا، فَيُفْعَلُ بِالرَّهْنِ مَا يُفْعَلُ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَاصَّهُ بِالدَّيْنِ الَّذِي كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ عَلَى الرَّاهِنِ مِنْ قِيمَةِ السِّلْعَةِ وَيُتَرَادَّانِ الْفَضْلَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا فِي السِّلَعِ وَالْحَيَوَانِ، وَأَمَّا الدُّورُ وَالْأَرْضُونَ قَالَ مَالِكٌ: فَلَيْسَ فِيهِمَا فَوْتٌ وَإِنْ حَالَتْ أَسْوَاقُهُمَا وَطَالَ زَمَانُهُمَا، فَإِنَّهَا تُرَدَّ إلَى الرَّهْنِ وَيَأْخُذُ دَيْنَهُ.
قَالَ: وَهُوَ مِثْلُ الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: قُلْتُ: فَإِنْ انْهَدَمَتْ الدَّارُ أَوْ بُنِيَ فِيهَا؟
قَالَ: هَذَا فَوْتٌ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: الْهَدْمُ فَوْتٌ وَالْبُنْيَانُ فَوْتٌ وَالْغَرْسُ فَوْتٌ.
قُلْتُ: فَإِنْ هَدَمَهَا هُوَ أَوْ انْهَدَمَتْ مِنْ السَّمَاءِ فَذَلِكَ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: وَهَذَا فِي الْبَيْعِ الْحَرَامِ مِثْلُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَيَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ حَلَّ الْأَجَلُ، وَهُوَ يَوْمَ قَبَضَهَا وَهَذَا بَيْعٌ حَرَامٌ.
[أَسْلَفَ فُلُوسًا فَأَخَذَ بِهَا رَهْنًا فَفَسَدَتْ الْفُلُوسُ بَعْدَ السَّلَفِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَلَّفْتُ رَجُلًا فُلُوسًا وَأَخَذْت بِهَا رَهْنًا فَفَسَدَتْ الْفُلُوسُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَكَ إلَّا فُلُوسٌ مِثْلُ فُلُوسِكَ فَإِذَا جَاءَ بِهَا أَخَذَ رَهْنَهُ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: مَنْ أَسْلَفَ فُلُوسًا أَوْ اشْتَرَى بِفُلُوسٍ إلَى أَجَلٍ فَإِنَّمَا لَهُ نَقْدُ الْفُلُوسِ يَوْمَ اشْتَرَى، وَلَا يُلْتَفَتُ
стр. 1916
إلَى فَسَادِهَا وَلَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَتَيْت إلَى رَجُلٍ فَقُلْتُ: أَسْلِفْنِي دِرْهَمَ فُلُوسٍ فَفَعَلَ، وَالْفُلُوسُ يَوْمَئِذٍ مِائَةُ فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ ثُمَّ حَالَتْ الْفُلُوسُ وَرَخُصَتْ حَتَّى صَارَتْ مِائَتَا فَلْسٍ بِدِرْهَمٍ قَالَ: إنَّمَا يَرُدُّ مَا أَخَذَ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الزِّيَادَةِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: الشَّرْطُ بَاطِلٌ، وَإِنَّمَا عَلَيْهِ مِثْلُ مَا أَخَذَ.
[ارْتَهَنَ رَهْنًا عَنْ غَرِيمٍ فَضَاعَ الرَّهْنُ فَقَامَ الْغُرَمَاءُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ]
فِيمَنْ ارْتَهَنَ رَهْنًا عَنْ غَرِيمٍ فَضَاعَ الرَّهْنُ فَقَامَ الْغُرَمَاءُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ هَلْ يَكُونُ الرَّاهِنُ أَوْلَى بِمَا عَلَيْهِ مَنْ الْغُرَمَاءِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي ارْتَهَنْتُ مِنْ رَجُلٍ رَهْنًا مِمَّا أَغِيبُ عَلَيْهِ فِي طَعَامٍ أَسْلَفْتُهُ إيَّاهُ، أَوْ فِي دَرَاهِمَ أَسْلَفْتُهَا إيَّاهُ، أَوْ فِي ثِيَابٍ أَسْلَفْتهَا إيَّاهُ، أَوْ فِي حَيَوَانٍ أَوْ كَانَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ بِعْتُهُ مِنْهُ إلَى أَجَلٍ، فَضَاعَ الرَّهْنُ عِنْدِي وَلَا مَالَ لِي غَيْرَ الدَّيْنِ الَّذِي لِي عَلَيْهِ مِنْ سَلَمٍ أَوْ قَرْضٍ، فَقَامَتْ الْغُرَمَاءُ عَلِيَّ وَقَالَ الَّذِي لِي عَلَيْهِ الْحَقُّ: أَنَا أَوْلَى بِمَا لَهُ عَلَيَّ، مِنْ قِبَلِ أَنَّ رَهْنِي قَدْ ضَاعَ فِي يَدَيْهِ وَأَنَا حَائِزٌ لِمَا عَلِيَّ، وَأَنَا أَوْلَى بِقِيمَةِ رَهْنِي أَسْتَوْفِيهِ مِنْ هَذَا الدَّيْنِ الَّذِي لَهُ عَلَيَّ، فَإِنْ فَضَلَ عَنْ دَيْنِي شَيْءٌ كَانَ لَكُمْ؟
قَالَ: هُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ؛ لِأَنَّهُ دَيْنٌ كَانَ لَهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ هُوَ رَهْنًا عَنْ شَيْءٍ دَفَعَهُ إلَيْهِ. فَأَرَى أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَتِهِ وَالْغُرَمَاءُ فِيمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ يَتَحَاصُّونَ وَيَتْبَعُونَهُ بِمَا بَقِيَ. وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَسْتَلِفُ مَنْ الرَّجُلِ سَلَفًا - مِائَةَ دِينَارٍ - فَيَبْتَاعُ الَّذِي أَسْلَفَ مَنْ الَّذِي اسْتَسْلَفَ سِلْعَةً بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَلَمْ يُسَمِّ أَنَّهَا فِي ثَمَنِ سِلْعَتِهِ، فَيُفْلِسُ أَحَدُهُمَا.
قَالَ مَالِكٌ: هُوَ دَيْنٌ لَهُ يُحَاصُّ الْغُرَمَاءُ، أَيَّهُمَا أَفْلَسَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَقُولَ: لِي عَلَيْهِ مِثْلُهُ فَأَنَا أَحَقُّ بِهِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.
[فِي الْمُتَكَفِّلِ يَأْخُذُ رَهْنًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَتَكَفَّلُ عَنْ الرَّجُلِ بِحَقٍّ عَلَيْهِ وَيَأْخُذُ بِذَلِكَ رَهْنًا مِنْ الَّذِي تَكَفَّلَ عَنْهُ، أَيَجُوزُ هَذَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، هَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَكَفَّلَ بِحَقٍّ.
[الدَّعْوَى فِي الرَّهْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت رَهْنًا قِيمَتُهُ مِائَتَا دِينَارٍ، فَقُلْتُ: ارْتَهَنْته بِمِائَتَيْ دِينَارٍ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: بَلْ رَهَنْتُكَهُ بِمِائَةٍ وَلَك عَلَيَّ مِائَتَا دِينَارٍ إلَّا أَنَّ مِائَةً مِنْهَا لَمْ أُرْهِنْكَ بِهَا رَهْنًا؟
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيمَةِ الرَّهْنِ مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ: إذَا ارْتَهَنَ رَهْنًا بِحَقٍّ لَهُ وَأَنْكَرَ الرَّاهِنُ، وَقَالَ هُوَ رَهْنٌ مِنْ بِأَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهَا، فَكَذَلِكَ إذَا أَقَرَّ لَهُ الرَّاهِنُ بِمَا قَالَ
стр. 1917
الْمُرْتَهِنُ مِنْ الدَّيْنِ، وَأَقَرَّ بِأَنَّ السِّلْعَةَ رَهْنٌ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: لَمْ أَرْهَنْكَ إلَّا بِبَعْضِ دَيْنِكَ الَّذِي عَلَيَّ، وَلَمْ أَرْهَنْكَهَا بِجَمِيعِ دَيْنِكَ. فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ أَنَّهُ إنَّمَا ارْتَهَنَهَا بِجَمِيعِ دَيْنِهِ وَلَا يُصَدَّقُ الرَّاهِنُ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ الْمُرْتَهِنُ: ارْتَهَنْتُهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ أَقْرَضْتُكَهَا - وَقِيمَةُ السِّلْعَةِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ - وَأَقَرَّ لَهُ الرَّاهِنُ بِأَنَّ لَهُ عَلَيْهِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ مَا رَهَنْتُكَهَا إلَّا بِخَمْسِمِائَةٍ، وَهَذِهِ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَخُذْهَا وَأَعْطِنِي رَهْنِي وَأَجِّلْ الْأَلْفَ، الدَّيْنُ لَمْ يَحِلَّ بَعْدُ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ: لَا أُعْطِيكَهَا إلَّا أَنْ آخُذَ الْأَلْفَ كُلَّهَا.
قَالَ: الْقَوْلُ فِيهَا قَوْلُ الرَّاهِنِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَّهَمُ إذَا أَعْطَى قِيمَتَهَا وَعَلَيْهِ الْيَمِينُ. وَوَجْهُ الْحُجَّةِ فِيهِ أَنَّهُ لَوْ قَالَ لَهُ: لَمْ أَرْهَنْكَهَا إلَّا بِخَمْسِمِائَةٍ، كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ، وَكَانَ الْمُرْتَهِنُ مُدَّعِيًا فِي الْخَمْسِمِائَةِ الْأُخْرَى فَكَمَا لَا يَجُوزُ قَوْلُهُ إذَا ادَّعَى أَنَّهَا لَهُ قِبَلَهُ دَيْنًا فَكَذَلِكَ لَا يَجُوزُ قَوْلُهُ إذَا ادَّعَى أَنَّهَا رَهْنٌ إذَا كَانَ الرَّهْنُ إنَّمَا يُسَاوِي خَمْسَمِائَةٍ.
[الدَّعْوَى فِي الرَّهْنِ وَقَدْ حَالَتْ أَسْوَاقُهُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ]
ٍ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً قِيمَتُهَا أَلْفُ دِرْهَمٍ، ثُمَّ حَالَتْ أَسْوَاقُ السِّلْعَةِ فَصَارَتْ تُسَاوِي أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، فَتَصَادَقَا عَلَى قِيمَتِهَا - الرَّاهِنُ وَالْمُرْتَهِنُ - أَنَّ قِيمَتَهَا يَوْمَ قَبَضَهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَنَّ أَسْوَاقَهَا حَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَصَارَتْ تُسَاوِي أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، أَوْ نَمَتْ السِّلْعَةُ فِي يَدَيْهِمَا حَتَّى صَارَتْ تُسَاوِي أَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَادَّعَى الرَّاهِنُ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَ رَهْنَهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْمُرْتَهِنُ بَلْ ارْتَهَنْتهَا بِأَلْفَيْ دِرْهَمٍ، وَالْمُرْتَهِنُ مُقِرٌّ أَنَّهُ إنَّمَا كَانَتْ قِيمَتُهَا يَوْمَ ارْتَهَنَهَا أَلْفَ دِرْهَمٍ بِكَمْ تَجْعَلُهَا رَهْنًا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الرَّهْنِ يَوْمَ يُحْكَمُ فِيهَا، فَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُرْتَهِنِ إلَى مَبْلَغِ قِيمَةِ الرَّهْنِ يَوْمَ يُحْكَمُ فِيهَا، وَلَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ قُبِضَتْ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ يَقُولُ فِي قِيمَتِهَا: إنَّهُمَا تَصَادَقَا وَلَمْ يَتَصَادَقَا وَلَكِنْ إنْ تَصَادَقَا فِي ذَلِكَ أَوْ لَمْ يَتَصَادَقَا، فَإِنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ قِيمَتِهَا يَوْمَ يُحْكَمُ عَلَيْهِمَا؛ أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا لَمْ يَقُلْ - إذَا اخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ -: إنَّهُ يَنْظُرُ إلَى قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبَضَهَا، فَيَسْأَلُ أَهْلَ الْمَعْرِفَةِ عَنْ قِيمَتِهَا يَوْمئِذٍ، فَلَوْ كَانَ يُنْظَرُ إلَى قَوْلِهِمَا إذَا تَصَادَقَا عَلَى الْقِيمَةِ يَوْمَ قَبَضَهَا؛ لَقَالَ يَنْظُرُ فِي قِيمَتِهَا يَوْمَ قَبَضَهَا إذَا اخْتَلَفَا.
[الدَّعْوَى فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ رَهَنْت رَجُلًا ثَوْبَيْنِ بِمِائَةِ دِرْهَمٍ، فَضَاعَ أَحَدُهُمَا فَاخْتَلَفَا فِي قِيمَةِ الذَّاهِبِ، الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ إذَا هَلَكَ بَعْدَ الصِّفَةِ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَذْهَبُ مِنْ الرَّهْنِ مِقْدَارُ قِيمَةِ الثَّوْبِ الذَّاهِبِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ
стр. 1918
مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ فِي قِيمَةِ الرَّهْنِ إذَا هَلَكَ وَالرَّهْنُ بَعْدَ الصِّفَةِ مَعَ يَمِينِهِ، فَذَهَابُ بَعْضِهِ كَذَهَابِ كُلِّهِ.
[بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ عَبْدَهُ رَهْنًا فَافْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ]
فِيمَنْ بَاعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ يَأْخُذَ عَبْدَهُ رَهْنًا فَافْتَرَقَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي أَوْ بَاعَهُ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بِعْتُ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ آخُذَ عَبْدَهُ مَيْمُونًا رَهْنًا بِحَقِّي، فَافْتَرَقْنَا قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَ مَيْمُونًا، أَيَفْسُدُ الرَّهْنُ بِافْتِرَاقِنَا قَبْلَ الْقَبْضِ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَإِنْ قُمْتُ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ لِي أَنْ آخُذَ مِنْهُ الْغُلَامَ رَهْنًا أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَامَتْ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ قَبْلَ أَنْ آخُذَهُ مِنْهُ أَكُونُ فِيهِ أُسْوَةَ الْغُرَمَاءِ؟
قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: فَإِنْ بَاعَهُ قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَهُ مِنْهُ؟
قَالَ: بَيْعُهُ جَائِزٌ.
قُلْتُ: أَفَيَلْزَمُهُ أَنْ يُعْطِيَنِي رَهْنًا مَكَانَهُ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ أَنَّهُ يُعْطِيك رَهْنًا مَكَانَهُ، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إنْ أَمْكَنَهُ مِنْ الرَّهْنِ فَبَاعَهُ فَبَيْعُهُ جَائِزٌ، وَلَيْسَ لَهُ إلَى الرَّهْنِ سَبِيلٌ، فَهُوَ حِينَ تَرَكَهُ فِي يَدَيْهِ فَلَمْ يَقْبِضْهُ مِنْهُ حَتَّى بَاعَهُ فَقَدْ تَرَكَهُ.
قُلْتُ: وَكُلُّ هَذِهِ الْمَسَائِلِ الَّتِي سَأَلْتُكَ عَنْهَا فِي مَيْمُونٍ فِي هَذَا الرَّهْنِ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ لِمَ أَجَزْت بَيْعَ الرَّاهِنِ لِهَذَا الْعَبْدِ الَّذِي قَدْ شَرَطَ هَذَا الْمُرْتَهِنُ حِينَ بَاعَهُ السِّلْعَةَ، أَنَّهُ يَأْخُذُهُ رَهْنًا؟ وَلِمَاذَا أَجَزْت بَيْعَ الرَّهْنِ لِلْعَبْدِ لِمَ لَا يُفْسَخُ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ شَرَطَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ أَنَّهُ يَأْخُذُ مَيْمُونًا رَهْنًا بِحَقِّهِ؟
قَالَ: إنَّكَ تَرَكْتُهُ فِي يَدَيْهِ حَتَّى بَاعَهُ، فَكَأَنَّكَ تَرَكْتَ الرَّهْنَ الَّذِي كَانَ لَكَ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذَا إذَا كَانَ تَرَكَهُ فِي يَدِ الْمَوْلَى تَرْكًا، يَرَى أَنَّ تَرْكَهُ رِضًا مِنْهُ بِإِجَازَةِ الْبَيْعِ بِلَا رَهْنٍ.
[بَاعَ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ رَهْنًا فَلَمَّا تَمَّ الْبَيْعُ لَمْ يَجِدْ مَا يَأْخُذُ مِنْهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بِعْتُ رَجُلًا سِلْعَةً إلَى سَنَةٍ، عَلَى أَنْ يُعْطِيَنِي مِنْهُ رَهْنًا وَثِيقَةً مَنْ حَقِّي، فَمَضَيْتُ مَعَهُ فَلَمْ أَجِدْ عِنْدَهُ رَهْنًا؟
قَالَ: أَنْتَ أَعْلَمُ، إنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تُمْضِيَ الْبَيْعَ بِلَا رَهْنٍ، وَإِنْ شِئْتَ أَخَذْتَ سِلْعَتَكَ وَنَقَضْتَ الْبَيْعَ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ.
[فِي اخْتِلَافِ الرَّاهِنِ وَالْمُرْتَهِنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ رَجُلٌ لِرَجُلٍ: عَبْدَاكَ هَذَانِ اللَّذَانِ عِنْدِي هُمَا جَمِيعًا عِنْدِي رَهْنٌ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ لِي عَلَيْكَ فَقَالَ لَهُ الرَّجُلُ: أَمَّا أَلْفُ دِرْهَمٍ لَكَ عَلِيّ فَقَدْ صَدَّقْتُ أَنَّ لَكَ
стр. 1919
عِنْدِي أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَأَمَّا أَنْ أَكُونَ رَهَنْتُكَ الْعَبْدَيْنِ جَمِيعًا فَلَمْ أَفْعَلْ، إنَّمَا رَهَنْتُكَ أَحَدَهُمَا وَاسْتَوْدَعْتُك الْآخَرَ؟ فَقَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْعَبْدَيْنِ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنِّي سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ فِي يَدَيْهِ عَبْدٌ لِرَجُلٍ فَيَقُولُ: أَرْهَنْتَنِيهِ، وَيَقُولُ سَيِّدُهُ: لَا بَلْ أَعَرْتُكَهُ أَوْ اسْتَوْدَعْتُكَهُ.
قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْعَبْدِ.
[رَهَنَ رَجُلًا نَمَطًا وَجُبَّةً فَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّ النَّمَطَ كَانَ وَدِيعَةً وَقَدْ ضَاعَ مِنْهُ]
فِيمَنْ رَهَنَ رَجُلًا نَمَطًا وَجُبَّةً فَادَّعَى الْمُرْتَهِنُ أَنَّ النَّمَطَ كَانَ وَدِيعَةً وَقَدْ ضَاعَ مِنْهُ وَادَّعَى الرَّاهِنُ الْجُبَّةَ كَانَتْ وَدِيعَةً وَالنَّمَطُ رَهْنًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ ثَوْبَيْنِ، أَحَدُهُمَا نَمَطٌ وَالْآخَرُ جُبَّةً، فَقَالَ الْمَدْفُوعُ إلَيْهِ الثَّوْبَانِ: أَمَّا النَّمَطُ فَكَانَ وَدِيعَةً وَقَدْ ضَاعَ، وَأَمَّا الْجُبَّةُ فَرَهْنٌ وَهِيَ عِنْدِي. وَقَالَ رَبُّ الثَّوْبَيْنِ: بَلْ كَانَ النَّمَطُ رَهْنًا وَالْجُبَّةُ وَدِيعَةً، الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِثْلَ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى، الْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ فِي أَنَّ الثَّوْبَ الْبَاقِيَ لَيْسَ بِرَهْنٍ، وَلَا تَكُونُ دَعْوَى الْمُرْتَهِنِ شَيْئًا هَهُنَا إلَّا بِبَيِّنَةٍ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ مِنْ ضَيَاعِ الثَّوْبِ الذَّاهِبِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: إنَّمَا كَانَ وَدِيعَةً عِنْدِي، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُدَّعٍ عَلَى صَاحِبِهِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: فَلَيْسَ يُصَدَّقُ صَاحِبُ الثَّوْبَيْنِ فِيمَا ادَّعَى أَنَّ الثَّوْبَ الذَّاهِبَ، كَانَ رَهْنًا وَلَيْسَ عَلَى الَّذِي كَانَ فِي يَدَيْهِ مِنْ غُرْمِهِ شَيْءٌ، وَلَيْسَ يُصَدَّقُ الَّذِي فِي يَدَيْهِ الثَّوْبُ أَنَّ الْبَاقِيَ هُوَ الرَّاهِنُ وَلَيْسَ هُوَ بِرَهْنٍ، وَلَكِنْ يَأْخُذُ صَاحِبُ الثَّوْبِ ثَوْبَهُ، وَيَبْرَأُ هَذَا مِنْ ضَمَانِ الثَّوْبِ الَّذِي ذَهَبَ؛ لِأَنَّهُ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ وَدِيعَةً، وَيَتْبَعُهُ بِدَيْنِهِ الَّذِي لَهُ عَلَيْهِ.
[فِيمَنْ ارْتَهَنَ زَرْعًا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ أَوْ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا]
قُلْتُ: هَلْ يَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، أَنْ أَرْتَهِنَ مَالًا يَحِلُّ بَيْعُهُ؟
قَالَ: نَعَمْ، مِثْلُ الزَّرْعِ الَّذِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ وَالثَّمَرَةِ الَّتِي لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ إلَى أَجَلٍ، فَارْتَهَنْتُ ثَمَرَةً لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهَا، أَوْ زَرْعًا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، فَمَاتَ الرَّاهِنُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ - وَاَلَّذِي فِي يَدَيَّ مِنْ الرَّهْنِ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ - أَيَكُونُ دَيْنِي قَدْ حَلَّ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - حِين مَاتَ الرَّاهِنُ؟
قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: وَيُبَاعُ لِي هَذَا الرَّهْنُ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ؟
قَالَ: لَا، وَلَكِنْ إنْ كَانَ لِلرَّاهِنِ مَالٌ أَخَذْتَ حَقَّكَ وَرَدَدْتَ عَلَيْهِمْ شَيْأَهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ مَالٌ انْتَظَرَتْ فَإِذَا حَلَّ بَيْعُهُ بِعْتَهُ وَأَخَذْتَ حَقَّكَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الدُّيُونِ
стр. 1920
إذَا مَاتَ الَّذِي عَلَيْهِ الدَّيْنُ -: فَقَدْ حَلَّ الدَّيْنُ. وَقَالَ فِي الزَّرْعِ وَالثِّمَارِ: لَا تُبَاعُ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَفْلَسَ رَجُلٌ أَوْ مَاتَ - وَقَدْ ارْتَهَنَ مِنْهُ رَجُلٌ زَرْعًا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ - حَاصَّ الْغُرَمَاءَ بِجَمِيعِ دَيْنِهِ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ أَوْ الْمَيِّتِ وَاسْتُؤْنِيَ بِالزَّرْعِ. فَإِذَا حَلَّ بَيْعُهُ بِيعَ وَنُظِرَ إلَى قَدْرِ الدَّيْنِ وَثَمَنِ الزَّرْعِ، فَإِنْ كَانَ كَفَافًا رَدَّ مَا أَخَذَ فِي الْمُحَاصَّةِ، فَكَانَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ وَكَانَ لَهُ ثَمَنُ الزَّرْعِ إذَا كَانَ كَفَافًا. وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ رَدَّ ذَلِكَ الْفَضْلَ مَعَ الَّذِي أَخَذَهُ فِي الْمُحَاصَّةِ إلَى الْغُرَمَاءِ، وَإِنْ كَانَ ثَمَنُ الزَّرْعِ أَقَلَّ مِنْ دَيْنِهِ رَدَّ مَا أَخَذَ فِي الْمُحَاصَّةِ، ثُمَّ نَظَرَ إلَى مَا بَقِيَ مِنْ دَيْنِهِ بَعْدَ مَبْلَغِ ثَمَنِ الزَّرْعِ وَإِلَى دَيْنِ الْمَيِّتِ أَوْ الْمُفْلِسِ، فَضَرَبَ بِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ فِي جَمِيعِ مَالِ الْمَيِّتِ أَوْ الْمُفْلِسِ مِنْ أَوَّلِهِ فِيمَا صَارَ فِي يَدَيْهِ وَأَيْدِي الْغُرَمَاءِ، فَمَا كَانَ لَهُ فِي الْمُحَاصَّةِ أَخَذَهُ وَرَدَّ مَا بَقِيَ فَصَارَ بَيْنَ الْغُرَمَاءِ بِالْحِصَصِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَا بَلَغَنِي.
[ارْتَهَنَ عَبْدًا فَادَّعَى أَنَّهُ أَبَقَ أَوْ حَيَوَانًا فَادَّعَى أَنَّهَا ضَلَّتْ]
فِيمَنْ ارْتَهَنَ عَبْدًا فَادَّعَى أَنَّهُ أَبَقَ أَوْ حَيَوَانًا فَادَّعَى أَنَّهَا ضَلَّتْ وَفِي تَظَالُمِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الرَّهْنِ وَمَا يَجُوزُ لِلْمُكَاتَبِ مِنْ الرَّهْنِ وَالْعَبْدُ الْمَأْذُونُ لَهُ فِي التِّجَارَةِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت عَبْدًا فَادَّعَيْتُ أَنَّهُ أَبَقَ قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُكَ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت حَيَوَانًا فَادَّعَيْتُ أَنَّهَا قَدْ ضَلَّتْ مِنِّي، قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُكَ وَدَيْنُكَ كَمَا هُوَ عَلَى الرَّاهِنِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرُّهُونَ إذَا تَظَالَمَ أَهْلُ الذِّمَّةِ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَيُحْكَمُ بَيْنَهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ إذَا رَهَنَ أَوْ ارْتَهَنَ، أَيَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ إذَا أَصَابَ وَجْهَ الرَّهْنِ؛ لِأَنَّهُ جَائِزُ الشِّرَاءِ وَالْبَيْعِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: إذَا ارْتَهَنَ فِي مَالٍ أَسْلَفَهُ فَلَيْسَ بِجَائِزٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ، أَنْ يَصْنَعَ الْمَعْرُوفَ، فَإِنْ ارْتَهَنَ فِي مَالٍ أَسْلَفَهُ فَهُوَ جَائِزٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ وَجَدَ السَّيِّدُ مَعَ الْمُكَاتَبِ مَالًا قَبْلَ حُلُولِ أَجَلِ الْكِتَابَةِ وَفِيهِ وَفَاءٌ مِنْ الْكِتَابَةِ أَوْ أَقَلَّ مِنْ الْكِتَابَةِ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَهَنَنِي رَجُلٌ بِكِتَابَةِ مُكَاتَبِي رَهْنًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا تَجُوزُ الْحَمَالَةُ لِلسَّيِّدِ بِكِتَابَةِ مُكَاتَبِهِ عِنْدَ مَالِكٍ، فَكَذَلِكَ الرَّهْنُ عِنْدِي لَا يَجُوزُ مِثْلُ الْحَمَالَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ التَّاجِرَ، أَيَجُوزُ مَا رَهَنَ وَمَا ارْتَهَنَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قَالَ سَحْنُونٌ: إلَّا فِي الْفَلْسِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُسَلِّفَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ وَلَدَهُ أَوْ أُمَّ وَلَدِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ خَافَ الْعَجْزَ جَازَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ أُمَّ وَلَدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَ وَلَدَهُ وَإِنْ خَافَ الْعَجْزَ، فَأَرَاهُ إنْ خَافَ الْعَجْزَ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ أُمَّ وَلَدِهِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ وَلَدَهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْبَيْعِ.
стр. 1921
[فِيمَنْ رَهَنَ جَارِيَةً فَأَعْتَقَهَا أَوْ دَبَّرَهَا أَوْ كَاتَبَهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَهَنْت أَمَتِي فَأَعْتَقْتُهَا وَهِيَ فِي الرَّهْنِ، أَوْ كَاتَبْتهَا أَوْ دَبَّرْتهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَعْتَقَهَا وَلَهُ مَالٌ، أَخَذَ الْمَالَ مِنْهُ فَدَفَعَ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَعَتَقَتْ الْجَارِيَةُ. وَالتَّدْبِيرُ جَائِزٌ، وَتَكُونُ رَهْنًا بِحَالِهَا؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَرْهَنُ مُدَبَّرِهِ عِنْدَ مَالِكٍ إنْ أَحَبَّ. وَأَمَّا الْكِتَابَةُ فَهِيَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ، إنْ كَانَ لِلسَّيِّدِ مَالٌ أُخِذَ مِنْهُ وَمَضَتْ الْكِتَابَةُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: فَالتَّدْبِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْعِتْقِ سَوَاءٌ وَيُعَجَّلُ لَهُ حَقُّهُ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: ذَكَرَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ. وَكَذَلِكَ الْكِتَابَةُ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ فِي ثَمَنِ الْكِتَابَةِ إذَا بِيعَتْ وَفَاءً لِلدَّيْنِ، فَتَكُونُ الْكِتَابَةُ جَائِزَةً.
[فِيمَنْ وَطِئَ أَمَةً وَهِيَ فِي الرَّهْنِ بِإِذْنٍ أَوْ بِغَيْرِ إذْنٍ]
ٍ قُلْتُ: فَإِنْ وَطِئَهَا الرَّاهِنُ فَأَحْبَلَهَا قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ وَطِئَهَا بِإِذْنِ الْمُرْتَهِنِ، - أُذِنَ لَهُ فِي الْوَطْءِ - أَوْ كَانَتْ مُخْلَاةً تَذْهَبُ فِي حَوَائِجِ الْمُرْتَهِنِ وَتَجِيءُ، فَهِيَ أُمُّ وَلَدٍ لِلرَّاهِنِ وَلَا رَهْنَ لِلْمُرْتَهِنِ فِيهَا. وَإِنْ كَانَ وَطْؤُهُ إيَّاهَا عَلَى وَجْهِ الِاغْتِصَابِ لَهَا وَالتَّسَوُّرِ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنٍ؛ فَكَانَ لَهُ مَالٌ، أُخِذَ مِنْهُ الْمَالُ فَدُفِعَ إلَى الْمُرْتَهِنِ وَكَانَتْ الْجَارِيَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِلرَّاهِنِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ بِيعَتْ الْجَارِيَةُ بَعْدَ أَنْ تَضَعَ وَلَمْ يُبَعْ وَلَدُهَا، فَإِنْ نَقَصَ مِنْ ثَمَنِ الْجَارِيَةِ عَنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ اتَّبَعَ السَّيِّدَ بِذَلِكَ، وَلَمْ يُبَعْ الْوَلَدُ وَيَتْبَعُ الْوَلَدُ أَبَاهُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَإِنْ كَانَتْ تَذْهَبُ وَتَجِيءُ فِي حَوَائِجِ الْمُرْتَهِنِ إذَا لَمْ يَأْذَنْ لَهُ الْمُرْتَهِنُ فِي الْوَطْءِ، فَهُوَ كَالْمُتَسَوِّرِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ وَطِئَ بِغَيْرِ إذْنٍ وَلَا أَمْرٍ مِنْ الْمُرْتَهِنِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْتَقَ السَّيِّدُ الْجَارِيَةَ وَهُوَ مُوسِرٌ، وَدَيْنُ الْمُرْتَهِنِ لَمْ يَحِلَّ بَعْدُ، أَتَأْمُرُهُ أَنْ يُخْرِجَ رَهْنًا فَيَجْعَلَهُ مَكَانَهَا ثِقَةً مِنْ حَقِّ الْمُرْتَهِنِ، أَمْ تَأْمُرُ الرَّاهِنَ أَنْ يَقْضِيَ الْمُرْتَهِنَ حَقَّهُ قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُعَجِّلُ لَهُ حَقَّهُ وَتَعْتِقُ الْجَارِيَةُ.
[فِيمَنْ رَهَنَ عَبْدًا فَأَعْتَقَهُ وَهُوَ فِي الرَّهْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْتَقْت الْعَبْدَ الَّذِي رَهَنْت وَأَنَا مُعْسِرٌ، أَيَكُونُ الْعَبْدُ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ إلَى مَحَلِّ الْأَجَلِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَفَدْت مَالًا قَبْلَ مَحَلِّ الْأَجَلِ؟
قَالَ: يُؤْخَذُ مِنْكَ الدَّيْنُ وَيَخْرُجُ الْعَبْدُ حُرًّا مَكَانَهُ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَعْتَقَ عَبْدَهُ، وَلَا مَالَ لَهُ، وَعَلَى السَّيِّدِ دَيْنٌ، فَأَرَادَ الْغُرَمَاءُ بَيْعَ الْعَبْدِ فَقَالَ الْعَبْدُ: خُذُوا دَيْنَكُمْ مِنِّي وَلَا تَرُدُّونِي فِي الرِّقِّ، أَوْ قَالَ لَهُمْ أَجْنَبِيٌّ مَنْ النَّاسِ: خُذُوا دَيْنَكُمْ مِنِّي
стр. 1922
وَلَا تَرُدُّوا الْعَبْدَ فِي الرِّقِّ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الْعَبْدِ يَجْنِي الْجِنَايَةَ فَيَعْتِقُهُ سَيِّدُهُ بَعْدَ مَا جَنَى، فَيُرِيدُ أَهْلُ الْجِنَايَةِ أَنْ يَأْخُذُوا السَّيِّدَ بِالْجِنَايَةِ، وَيَأْخُذُوا مِنْهُ قِيمَةَ الْجِنَايَةِ، فَيَقُولُ السَّيِّدُ: مَا أَرَدْت ذَلِكَ، وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَيَّ، وَمَا أَرَدْت أَنْ أَتَحَمَّلَ الْجِنَايَةَ وَيَحْلِفُ عَلَى ذَلِكَ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُرَدُّ عِتْقُ الْعَبْدِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لِلْعَبْدِ مَالٌ فَيَدْفَعَهُ الْعَبْدُ فِي ذَلِكَ، أَوْ يَجِدَ أَحَدًا يُؤَدِّي ذَلِكَ عَنْهُ يُعَجِّلُ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَخْرُجُ حُرًّا وَلَا يَكُونُ لَهُمْ أَنْ يَرُدُّوهُ فِي الرِّقِّ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.
[فِي الرَّجُلِ يَسْتَعِيرُ السِّلْعَةَ لِيَرْهَنَهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَسْتَعِيرُ السِّلْعَةَ لِيَرْهَنَهَا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْتهَا لِأَرْهَنَهَا، فَرَهَنْتُهَا فَضَاعَتْ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ وَهِيَ مِمَّا يَغِيبُ عَلَيْهَا الْمُرْتَهِنُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ، فِي رَجُلٍ يَرْتَهِنُ مَتَاعًا لِغَيْرِهِ وَقَدْ أُعِيرَهُ لِيَرْهَنَهُ: إنَّ الرَّاهِنَ إنْ لَمْ يُؤَدِّ الدَّيْنَ بَاعَهُ الْمُرْتَهِنُ فِي حَقِّهِ إذَا حَلَّ الْأَجَلُ، وَاتَّبَعَ الْمُعِيرُ الْمُسْتَعِيرَ بِمَا أَدَّى عَنْهُ مِنْ ثَمَنِ سِلْعَتِهِ دَيْنًا عَلَيْهِ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي ضَمَانِهَا: إنَّهَا إذَا هَلَكَتْ، أَنَّ لِلْمُعِيرِ أَنْ يَتْبَعَ الْمُسْتَعِيرَ بِقِيمَتِهَا دَيْنًا عَلَيْهِ. قَالَ: وَأَمَّا كُلُّ مَا لَا يَغِيبُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ ضَمَانٌ عَلَى مَنْ اسْتَعَارَهُ لِيَرْهَنَهُ، فَرَهَنَهُ، وَلَا عَلَى مَنْ كَانَ فِي يَدَيْهِ، وَلَا يَتْبَعُ مَنْ أَعَارَهُ الَّذِي اسْتَعَارَهُ مِنْهُ بِشَيْءٍ مِنْ قِيمَتِهِ
[فِي رَجُلٍ رَهَنَ عَبْدًا ثُمَّ أَقَرَّ أَنَّهُ لِغَيْرِهِ وَفِي الْعَبْدِ يَكُونُ رَهْنًا فَيَجْنِي جِنَايَةً]
ً قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَهَنْت عَبْدًا فَأَقْرَرْتُ أَنَّهُ لِغَيْرِي، أَيَجُوزُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ إقْرَارُكَ فِي هَذَا.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ الْآنَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا جَنَى الْعَبْدُ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، أَيَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَلْزَمُ الْمُرْتَهِنَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ مُوسِرًا فَأَقَرَّهُ الَّذِي أَقَرَّ لَهُ رَهْنًا فَهُوَ بِحَالِهِ إلَى أَجَلِهِ، وَإِنْ أَبَى إلَّا أَخْذَهُ وَعَجَّلَ لِلْمُرْتَهِنِ حَقَّهُ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَإِنْ كَانَ الْمُقِرُّ مُعْسِرًا لَمْ يَجُزْ إقْرَارُهُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ، وَكَانَ الْمُقِرُّ لَهُ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ ضَمِنَ الرَّاهِنُ قِيمَتَهُ وَاتَّبَعَهُ بِهَا، وَإِنْ شَاءَ وَقَفَ. فَإِنْ أَفَادَ الرَّاهِنُ مَالًا، أَخَذَ عَبْدَهُ وَقَضَى الْمُرْتَهِنُ حَقَّهُ، وَإِنْ لَمْ يُفِدْ مَالًا حَتَّى يَحِلَّ الْأَجَلُ وَيُبَاعَ فِي الدَّيْنِ وَيَقْضِيَ الْمُرْتَهِنُ ثَمَنَهُ. فَإِنْ شَاءَ أَخَذَهُ مِنْ الرَّاهِنِ أَوْ قِيمَتَهُ يَوْمَ نَقَدَ وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ مِنْهُ ثَمَنَهُ الَّذِي قَضَى عَنْ نَفْسِهِ إنْ أَفَادَ يَوْمًا مَالًا.
стр. 1923
[فِيمَنْ رَهَنَ رَجُلًا سِلْعَةً سَنَةً فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ فَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الرَّهْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا رَهَنَ رَجُلًا رَهْنًا جَعَلَهُ هَذِهِ السَّنَةَ رَهْنًا، فَإِذَا مَضَتْ السَّنَةُ خَرَجَ مِنْ الرَّهْنِ، أَيَكُونُ هَذَا رَهْنًا أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يُعْرَفُ هَذَا مِنْ رُهُونِ النَّاسِ، وَلَا يَكُونُ هَذَا رَهْنًا.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا وَلَا أَرَاهُ رَهْنًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا قَالَ الرَّجُلُ لِعَبْدِهِ: أَدِّ الْغَلَّةَ إلَيَّ، أَيَكُونُ هَذَا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَكُونُ مَأْذُونًا لَهُ بِهَذَا.
[فِيمَنْ اسْتَعَارَ عَبْدًا لِيَرْهَنَهُ فَأَعْتَقَهُ السَّيِّدُ وَهُوَ فِي الرَّهْنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ اسْتَعَرْت عَبْدًا لِأَرْهَنَهُ، فَرَهَنْتُهُ فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ وَهُوَ مُوسِرٌ أَيَجُوزُ الْعِتْقُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا رَهَنَ عَبْدٌ نَفْسَهُ وَلَمْ يَسْتَعِرْهُ فَأَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ وَهُوَ مُوسِرٌ، كَانَ عِتْقُهُ جَائِزًا. فَأَرَى فِي مَسْأَلَتِكَ أَنَّ عِتْقَ الْمُعِيرِ جَائِزٌ إذَا كَانَ مُوسِرًا وَيُقَالُ لِلْمُعِيرِ: قَدْ أَفْسَدْتَ الرَّهْنَ عَلَى الْمُرْتَهِنِ فَأَدِّ الدَّيْنَ وَخُذْ عَبْدَكَ، إلَّا أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَقَلَّ مِنْ الدَّيْنِ، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ إلَّا قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهَا كَأَنَّهَا هُوَ، فَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ قَدْ حَلَّ رَجَعَ الْمُعِيرُ بِمَا أَدَّى عَلَى الْمُسْتَعِيرِ، وَإِنْ كَانَ الدَّيْنُ لَمْ يَحِلَّ؛ لَمْ يَرْجِعْ بِهِ الْمُعِيرُ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ حَتَّى يَحِلَّ الدَّيْنُ، فَإِذَا حَلَّ الدَّيْنُ رَجَعَ عَلَيْهِ بِالدَّيْنِ.
[فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ يَشْتَرِي أَبَا مَوْلَاهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ عَبْدًا مَأْذُونًا لَهُ فِي التِّجَارَةِ اشْتَرَى أَبَا مَوْلَاهُ أَوْ ابْنَهُ، أَيُعْتَقُ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا مَلَّكَ الْعَبْدُ الْعَبْدَ مَنْ لَوْ مَلَكَهُمْ سَيِّدُهُ عَتَقُوا عَلَى سَيِّدِهِ، فَإِنَّهُمْ يَعْتِقُونَ فِي مَالِ الْعَبْدِ.
قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ الْعَبْدَ اشْتَرَاهُ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ أَبَا مَوْلَاهُ أَوْ ابْنَهُ، أَوْ هُوَ لَا يَعْلَمُ ذَلِكَ، أَهُوَ سَوَاءٌ، يَعْتِقُونَ عَلَيْهِ إذَا مَلَكَهُمْ الْعَبْدُ أَمْ لَا؟ - وَالْبَائِعُ يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ - قَالَ: أَرَى إنْ بَاعَهُ الْبَائِعُ - وَالْبَائِعُ يَعْلَمُ أَوْ لَا يَعْلَمُ - فَذَلِكَ سَوَاءٌ، وَيَنْفُذُ الْبَيْعُ وَيَعْتِقُونَ عَلَى الْعَبْدِ، وَلَيْسَ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يُعْلِمَهُ ذَلِكَ وَلَا يُجْبِرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَ رَجُلٌ رَجُلًا أَبَا نَفْسِهِ أَوْ ابْنِهِ، لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يُعْلِمَهُ، وَسَوَاءٌ عَلِمَ السَّيِّدُ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فَإِنَّهُمْ يَعْتِقُونَ. فَإِنْ كَانَ الْعَبْدُ قَدْ عَلِمَ بِذَلِكَ فَاشْتَرَاهُ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ يَعْلَمُ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ أَنْ لَوْ أَعْطَاهُ سَيِّدُهُ مَالًا يَشْتَرِي لَهُ عَبْدًا فَاشْتَرَى أَبَا مَوْلَاهُ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ عَلَى سَيِّدِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُتْلِفَ مَالَ سَيِّدِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَفَعْت إلَى رَجُلٍ سِلْعَةً يَبِيعُهَا فَبَاعَهَا وَأَخَذَ
стр. 1924
بِقِيمَتِهَا رَهْنًا، أَيَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيَّ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عَلَيْكَ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبِيعَ سِلْعَتَك بِالدَّيْنِ لِأَنَّكَ لَمْ تَأْمُرْهُ بِالدَّيْنِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ فِي الدَّيْنِ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا بِدَيْنٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَمَرَهُ أَنْ يَبِيعَ بِالدَّيْنِ، فَبَاعَ وَأَخَذَ رَهْنًا أَيَجُوزُ ذَلِكَ الرَّهْنُ عَلَى الْآمِرِ أَمْ لَا؟
قَالَ: الْآمِرُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَبِلَ ذَلِكَ وَكَانَ ضَمَانُهُ مِنْهُ إنْ تَلِفَ، وَإِلَّا رَدَّ الرَّهْنَ إلَى رَبِّهِ وَلَا يَلْزَمُهُ، وَيَكُونُ الْبَيْعُ عَلَى حَالِهِ. وَإِنْ تَلِفَ قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ بِهِ الْآمِرُ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَالضَّمَانُ عَلَى الْمَأْمُورِ، وَلَا يُقَاصُّ الْمَأْمُورُ الْآمِرَ بِشَيْءٍ مِنْ حَقِّهِ الَّذِي عَلَى الْمُشْتَرِي.
[فِيمَنْ ارْتَهَنَ عَصِيرًا فَصَارَ خَمْرًا وَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعَالِجَهُ حَتَّى يَصِيرَ خَلًّا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ ارْتَهَنَ رَجُلٌ عَصِيرًا فَصَارَ خَمْرًا، كَيْفَ يَصْنَعُ؟
قَالَ: يَرْفَعُهَا إلَى السُّلْطَانِ فَيَأْمُرُ السُّلْطَانُ بِهَا فَتُهْرَاقُ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُوصِي إلَى الرَّجُلِ فَتَكُونُ فِي تَرِكَتِهِ خَمْرٌ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يُهْرِيقَهَا الْوَصِيُّ. وَلَا يُهْرِيقُهَا إلَّا بِأَمْرِ السُّلْطَانِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يُتَعَقَّبَ بِأَمْرِ مَنْ يَأْتِي بِطَلَبِهِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا مَلَكَ الْمُسْلِمُ خَمْرًا أُهْرِيقَتْ عَلَيْهِ وَلَمْ يُتْرَكْ أَنْ يُخَلِّلَهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ أَصْلَحَهَا فَصَارَتْ خَلًّا؟
قَالَ: قَدْ أَسَاءَ وَيَأْكُلُهُ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
[فِيمَنْ رَهَنَ جُلُودَ السِّبَاعِ وَالْمَيْتَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ جُلُودَ الْمَيْتَةِ إذَا دُبِغَتْ، أَوْ جُلُودَ السِّبَاعِ إذَا كَانَتْ ذَكِيَّةً، أَيَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَهَا الرَّجُلُ؟
قَالَ: أَمَّا جُلُودُ الْمَيْتَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْهَنَهَا الرَّجُلُ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُهَا عِنْدَ مَالِكٍ وَإِنْ دُبِغَتْ. وَأَمَّا جُلُودُ السِّبَاعِ إذَا كَانَتْ ذَكِيَّةً فَلَا بَأْسَ بِبَيْعِهَا عِنْدَ مَالِكٍ، فَأَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِرَهْنِهَا.
قُلْتُ: إذَا كَانَتْ جُلُودُ السِّبَاعِ ذَكِيَّةً؛ جَازَ الْبَيْعُ فِيهَا وَالرَّهْنُ دُبِغَتْ أَوْ لَمْ تُدْبَغْ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الصَّلَاةِ بِهَا، وَالْبَيْعُ وَالرَّهْنُ عِنْدِي مِثْلُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: لِمَ لَا تُجِيزُ جُلُودَ الْمَيْتَةِ فِي الرَّهْنِ وَإِنْ كُنْتَ لَا تُجِيزُ بَيْعَهَا، بِمَنْزِلَةِ مَا أَجَزْتَ فِي الزَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، وَالثَّمَرَةِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا فِي الرَّهْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَمَالِكٌ لَا يُجِيزُ هَذَا فِي الْبَيْعِ؟ وَمَا فَرْقٌ بَيْنَ جُلُودِ الْمَيْتَةِ وَهَذَا؟
قَالَ: لِأَنَّ الثَّمَرَةَ وَالزَّرْعَ قَدْ يَحِلُّ بَيْعُهُمَا يَوْمًا مَا إذَا أَزْهَتْ، وَجُلُودُ الْمَيْتَةِ لَا يَحِلُّ بَيْعُهَا عِنْدَ مَالِكٍ عَلَى حَالٍ مِنْ الْحَالَاتِ، فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا.
стр. 1925
[الْمُقَارَضِ يَشْتَرِي بِجَمِيعِ مَالِ الْقِرَاضِ عَبْدًا ثُمَّ يَشْتَرِي آخَرَ فَيَرْهَنُ الْأَوَّلَ]
فِي الْمُقَارَضِ يَشْتَرِي بِجَمِيعِ مَالِ الْقِرَاضِ عَبْدًا ثُمَّ يَشْتَرِي آخَرَ فَيَرْهَنُ الْأَوَّلَ وَفِي الرَّجُلِ يَرْهَنُ الْجَارِيَةَ فَيَطَؤُهَا الْمُرْتَهِنُ قُلْتُ: أَرَأَيْت الْمُقَارَضَ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ بِالدَّيْنِ عَلَى الْمُقَارَضَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَإِنْ اشْتَرَى بِجَمِيعِ مَالِ الْمُقَارَضَةِ عَبْدًا، ثُمَّ اشْتَرَى عَبْدًا آخَرَ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَرَهْنَ الْعَبْدَ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِمَالِ الْمُقَارَضَةِ مَكَانَ هَذَا الْعَبْدِ، أَيَجُوزُ أَمْ لَا؟ وَهَلْ تَرَى أَنَّهُ اشْتَرَى بِالدَّيْنِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ مَالِ الْمُضَارَبَةِ قَدْ نَقَدَهُ فِي الْعَبْدِ الْأَوَّلِ؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ لَهُ رَبُّ الْمَالِ: اشْتَرِ عَلَى الْمُقَارَضَةِ بِالدَّيْنِ، أَيَجُوزُ هَذَا؟
قَالَ مَالِكٌ: هَذِهِ مُقَارَضَةٌ لَا تَحِلُّ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَا يَنْبَغِي لَهُ هَذَا؛ لِأَنَّهُ لَوْ جَازَ هَذَا جَازَ أَنْ يُقَارِضَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ بِغَيْرِ مَالٍ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا قَالَ لَهُ مَا اشْتَرَيْتَ بِهِ مِنْ دَيْنٍ فَهُوَ عَلَى الْقِرَاضِ، فَهُوَ كَرَجُلٍ قَارَضَ عَلَى غَيْرِ مَالٍ، فَهَذَا لَا يَجُوزُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعَرْت رَجُلًا سِلْعَةً لِيَرْهَنَهَا، وَأَمَرْته أَنْ يَرْهَنَهَا بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، فَرَهَنَهَا بِطَعَامٍ وَلَمْ يَرْهَنْهَا بِدَرَاهِمَ، أَتَرَاهُ مُخَالِفًا؟ وَتَرَاهُ ضَامِنًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت أَمَةً فَوَطِئْتُهَا فَوَلَدَتْ مِنِّي، أَيُقَامُ عَلَيَّ الْحَدُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَيَكُونُ الْوَلَدُ رَهْنًا مَعَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَلَا يَثْبُتُ نَسَبُ الْوَلَدِ مِنْ الْمُرْتَهِنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَا يَثْبُتُ نَسَبُهُ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ السَّيِّدَ، هَلْ يَكُونُ لَهُ عَلَى الْمُرْتَهِن مَهْرُ مِثْلِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، مَعَ الْحَدِّ الَّذِي عَلَيْهِ إنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ الْجَارِيَةُ أَوْ أَكْرَهَهَا؟
قَالَ: إنَّمَا عَلَى الرَّجُلِ فِي قَوْلٍ إذَا أَكْرَهَ جَارِيَةَ رَجُلٍ فَوَطِئَهَا مَا نَقَصَهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي وَطِئَ الْجَارِيَةَ فَوَلَدَتْ وَهِيَ رَهْنٌ عِنْدَهُ، إنْ اشْتَرَاهَا أَوْ اشْتَرَى وَلَدَهَا أَيَعْتِقُ عَلَيْهِ وَلَدُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَعْتِقُ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ نَسَبُهُ مِنْهُ.
[فِيمَا وُهِبَ لِلْأَمَةِ وَهِيَ رَهْنٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا وُهِبَ لِلْأَمَةِ وَهِيَ رَهْنٌ، أَيَكُونُ رَهْنًا مَعَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ رَهْنًا مَعَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مَوْقُوفًا بِمَنْزِلَةِ مَالِهَا إلَّا أَنْ يَنْتَزِعَهُ السَّيِّدُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ ارْتَهَنَهَا وَلَهَا مَالٌ، أَيَكُونُ مَالُهَا رَهْنًا مَعَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَكُونُ مَالُهَا رَهْنًا مَعَهَا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُرْتَهِنُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَطَ مَالَهَا رَهْنًا مَعَهَا وَالْمَالُ مَجْهُولٌ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ لِأَنَّ مَالِكًا أَجَازَهُ فِي الْبَيْعِ.
стр. 1926
[فِيمَنْ ارْتَهَنَ زَرْعًا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ أَوْ نَخْلًا بِبِئْرِهِمَا فَانْهَارَتْ الْبِئْرُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ ارْتَهَنْت زَرْعًا لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ بِبِئْرِهِ، أَوْ نَخْلًا فِي أَرْضٍ بِبِئْرِهَا فَانْهَارَتْ الْبِئْرُ، وَقَالَ الرَّاهِنُ: لَا أُنْفِقُ عَلَى الْبِئْرِ. فَأَرَادَ الْمُرْتَهِنُ أَنْ يُنْفِقَ وَيُصْلِحَ رَهْنَهُ وَيَرْجِعَ عَلَيْهِ بِمَا أَنْفَقَ عَلَى الرَّاهِنِ؟
قَالَ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الرَّاهِنِ بِشَيْءٍ؟ وَلَكِنْ يَكُونُ مَا أَنْفَقَ فِي الزَّرْعِ وَفِي رِقَابِ النَّخْلِ، إنْ كَانَ إنَّمَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا خَوْفًا مِنْ أَنْ يَهْلِكَ وَيَسْتَوْفِيَ مَا أَنْفَقَ وَيَسْتَوْفِيَ دَيْنَهُ، وَيَبْدَأُ بِمَانِّ أَنْفَقَ قَبْلَ دَيْنِهِ، ثُمَّ يَأْخُذُ دَيْنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنْ بَقِيَ شَيْءٌ كَانَ لِرَبِّهِ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَسْتَكْرِي الْأَرْضَ يَزْرَعُ فِيهَا فَتَتَهَوَّرُ بِئْرُهَا أَوْ تَنْقَطِعُ عَيْنُهَا أَوْ يُسَاقِي الرَّجُلُ الرَّجُلَ فَتَتَهَوَّرُ الْبِئْرُ أَوْ تَنْقَطِعُ الْعَيْنُ.
قَالَ: إنْ أَحَبَّ الْمُسَاقِي أَوْ الْمُسْتَكْرِي أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الْعَيْنِ، أَوْ الْبِئْرِ حَتَّى تَتِمَّ الثَّمَرَةُ فَيَبِيعَهَا وَيَسْتَوْفِيَ مَا أَنْفَقَ مِنْ حِصَّةِ صَاحِبِ النَّخْلِ فِي الْمُسَاقَاةِ، وَيُقَاصُّ الْمُسْتَكْرِي مِنْ كِرَاءِ تِلْكَ السَّنَةِ الَّتِي تَكَارَاهَا بِمَا أَنْفَقَ، وَإِنْ تَكَارَاهَا سِنِينَ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُنْفِقَ الْإِكْرَاءَ سَنَةً وَاحِدَةً يُقَاصُّهُ بِكِرَاءِ سَنَةٍ، فَإِنْ فَضُلَ مِمَّا أَنْفَقَ لَمْ يَبْلُغْهُ كِرَاءُ السَّنَةِ، أَوْ حِصَّةُ صَاحِبِهِ فِي الْمُسَاقَاةِ؛ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْبَعَهُ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ. فَأَرَى فِي مَسْأَلَتِكَ إذَا خَافَ هَلَاكَ الزَّرْعِ أَوْ النَّخْلِ فَأَنْفَقَ، رَأَيْتُ ذَلِكَ لَهُ وَيَبْدَأُ بِمَا أَنْفَقَ. فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ كَانَ فِي الدَّيْنِ بِمَنْزِلَةِ الزَّرْعِ الَّذِي يَرْهَنُهُ الرَّجُلُ، فَيَخَافُ الْهَلَاكَ فَيَعْرِضُ الرَّاهِنُ عَلَى الْمُرْتَهِنِ أَنْ يُنْفِقَ فِيهِ فَيَأْبَى، فَيَأْخُذَ مَالًا مِنْ رَجُلٍ آخَرَ فَيُنْفِقُهُ فِيهِ، فَيَكُونُ الْآخَرُ أَحَقَّ بِهَذَا الزَّرْعِ حَتَّى يَسْتَوْفِيَ حَقَّهُ مِنْ الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ، فَإِنْ فَضَلَ فَضْلٌ كَانَ لِلْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يُخْرِجْ الزَّرْعُ إلَّا تَمَامَ دَيْنِ الْآخَرِ أَيْنَ يَكُونُ دَيْنُ الْمُرْتَهِنِ الْأَوَّلِ؟
قَالَ: يَرْجِعُ الْأَوَّلُ بِجَمِيعِ دَيْنِهِ عَلَى الرَّاهِنِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الثَّمَرَةَ، أَتَكُونُ رَهْنًا مَعَ النَّخْلِ إذَا كَانَتْ فِي النَّخْلِ يَوْمَ يَرْتَهِنُهَا، أَوْ أَثْمَرَتْ بَعْدَ مَا ارْتَهَنَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا تَكُونُ رَهْنًا وَإِنْ كَانَتْ فِي النَّخْلِ يَوْمَ ارْتَهَنَهَا، أَوْ أَثْمَرَتْ بَعْدَ مَا ارْتَهَنَهَا - بَلَحًا كَانَتْ أَوْ غَيْرَ بَلَحٍ - وَلَا مَا يَأْتِي بَعْدُ مِنْ الثَّمَرَةِ إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُرْتَهِنُ. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ أَرْضًا فِيهَا نَخْلٌ وَلَمْ يُسَمِّ النَّخْلَ فِي الرَّهْنِ، أَيَكُونُ النَّخْلُ مَعَ الْأَرْضِ فِي الرَّهْنِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي رَجُلٍ أَوْصَى لِرَجُلٍ بِأَصْلِ نَخْلٍ، فَقَالَ الْوَرَثَةُ: إنَّمَا أَوْصَى لَهُ بِالنَّخْلِ، وَالْأَرْضُ لَنَا؟
قَالَ مَالِكٌ: الْأَصْلُ مِنْ الْأَرْضِ وَالْأَرْضُ مِنْ الْأَصْلِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ فِي الرَّهْنِ إذَا رَهَنَهُ الْأَصْلَ، فَالْأَرْضُ مَعَ الْأَصْلِ، فَإِذَا رَهَنَهُ الْأَرْضَ فَالنَّخْلُ مَعَ الْأَرْضِ. قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ، لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى نَخْلَ رَجُلٍ أَنَّ الْأَرْضَ مَعَ النَّخْلِ.
стр. 1927
[فِيمَنْ ارْتَهَنَ أَرْضًا فَأَذِنَ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَزْرَعَهَا أَوْ يُؤَجِّرَهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت أَرْضًا فَأَتَانِي السُّلْطَانُ فَأَخَذَ مِنِّي خَرَاجَهَا، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرْجِعَ عَلَى رَبِّهَا بِذَلِكَ؟
قَالَ: لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ حَقًّا عَلَيْهِ وَإِلَّا فَلَا.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَرْضًا ارْتَهَنْتهَا فَأَذِنْتُ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَزْرَعَهَا فَزَرْعَهَا، أَتَكُونُ خَارِجَةً مِنْ الرَّهْنِ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ زَرَعَهَا رَبُّهَا وَلَمْ يُخْرِجْهَا مِنْ يَدَيَّ؟
قَالَ: إذَا زَرَعَهَا رَبُّهَا فَلَيْسَتْ فِي يَدَيْكَ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ يَرْتَهِنُهَا ثُمَّ يَسْكُنُهَا رَبُّهَا، أَوْ الْعَبْدُ يَرْهَنُهُ ثُمَّ يَخْدُمُ الْعَبْدُ رَبَّهُ، فَهَذَا كُلُّهُ خُرُوجٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكْرَاهَا الرَّاهِنُ بِأَمْرِ الْمُرْتَهِنِ؟
قَالَ: هَذَا خُرُوجٌ مِنْ الرَّهْنِ، وَهَذَا إسْلَامٌ مِنْ الْمُرْتَهِنِ إلَى الرَّاهِنِ.
[فِي الرَّجُلَيْنِ يَرْتَهِنَانِ الثَّوْبَ بِيَدِ مَنْ يَكُونُ مِنْهُمَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنَّا ثَوْبًا أَنَا وَصَاحِبٌ لِي، عَلَى يَدَيْ مَنْ يَكُونُ؟
قَالَ: إنْ رَضِيتُمَا وَرَضِيَ الرَّاهِنُ مَعَكُمَا أَنْ يَكُونَ عَلَى يَدَيْ أَحَدِكُمَا فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَاَلَّذِي لَيْسَ فِي يَدَيْهِ شَيْءٌ تَكُونُ حِصَّتُهُ مِنْ ذَلِكَ فِي الضَّيَاعِ عَلَى الرَّاهِنِ، وَحِصَّةُ الَّذِي الثَّوْبُ عَلَى يَدَيْهِ فِي الضَّيَاعِ مِنْهُ، وَهَذَا رَأْيِي قُلْتُ: فَإِنْ ارْتَهَنَا الثَّوْبَ وَلَمْ يَجْعَلْهُ الرَّاهِنُ عَلَى يَدَيْ أَحَدِهِمَا، كَيْفَ يَصْنَعَانِ بِهِ هَذَانِ وَعِنْدَ مَنْ يَكُونُ؟ قَالَ: يَجْعَلَانِهِ حَيْثُ شَاءَ وَهُمَا ضَامِنَانِ لَهُ.
[لِرَجُلَيْنِ عَلَيَّ رَجُل دِين مُفْتَرَق فَأَخَذَا بِذَلِكَ رَهْنًا وَاحِدًا]
فِي الرَّجُلَيْنِ يَكُونُ لَهُمَا دَيْنٌ مُفْتَرِقٌ دَيْنُ أَحَدِهِمَا مِنْ سَلَمٍ وَالْآخَرُ مِنْ قَرْضٍ أَوْ دَيْنُ أَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ وَالْأُخَرُ شَعِيرٌ فَأَخَذَ بِذَلِكَ رَهْنًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ لِرَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ دَيْنٌ مُفْتَرِقٌ، دَيْنُ أَحَدِهِمَا مَنْ سَلَمٍ، وَدَيْنُ الْآخَرِ مِنْ قَرْضٍ، أَوْ دَيْنُ أَحَدِهِمَا دَرَاهِمُ، وَدَيْنُ الْآخَرِ شَعِيرٌ، فَأَخَذَا بِذَلِكَ رَهْنًا وَاحِدًا، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَقْرَضَهُ قَرْضًا عَلَى أَنْ يَبِيعَ الرَّجُلُ الْآخَرُ بَيْعًا وَيَأْخُذَ بِذَلِكَ جَمِيعًا رَهْنًا، فَهَذَا لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ هَذَا قَرْضٌ جَرَّ مَنْفَعَةً. وَأَمَّا إنْ كَانَ الدَّيْنُ قَدْ وَجَبَ مِنْ بَيْعٍ وَمِنْ قَرْضٍ، وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ، فَلَا بَأْسَ بِمَا ذَكَرْتُ. وَإِنْ كَانَا أَقْرَضَاهُ جَمِيعًا مَعًا وَاشْتَرَطَا عَلَى أَنْ يَرْهَنَهُمَا، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَضَى أَحَدُهُمَا دَيْنَهُ أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّتَهُ مَنْ الرَّهْنِ أَمْ لَا؟ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلَيْنِ تَكُونُ بَيْنَهُمَا الدَّارُ فَيَرْهَنَاهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَيَأْتِي أَحَدُهُمَا بِحِصَّتِهِ مِنْ الدَّيْنِ وَيُرِيدُ أَنْ يَفْتَكَّ نَصِيبَهُ مِنْ الدَّارِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لَهُ، فَمَسْأَلَتُكَ مِثْلُ هَذَا، إلَّا أَنَّ فِي مَسْأَلَتِكَ إنْ كَانَ كِتَابُهُمَا فِي ذِكْرِ حَقٍّ وَاحِدٍ، وَكَانَ دَيْنُهُمَا وَاحِدًا، فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَقْتَضِيَ حِصَّتَهُ دُونَ
стр. 1928
صَاحِبِهِ.
قَالَ: وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُمَا مُفْتَرِقًا شَيْئَيْنِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا دَنَانِيرُ وَلِلْآخَرِ قَمْحٌ؛ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَقْتَضِيَ حَقَّهُ دُونَ صَاحِبِهِ، وَلَا يَدْخُلُ مَعَهُ صَاحِبُهُ، فِيمَا اقْتَضَاهُ وَكَذَلِكَ لَوْ كَتَبَا عَلَيْهِ ذِكْرَ حَقٍّ بِأَمْرَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ؛ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَقْتَضِيَ حَقَّهُ دُونَ صَاحِبِهِ، وَإِنَّمَا الَّذِي لَا يَكُونُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَقْتَضِيَ حَقَّهُ دُونَ صَاحِبِهِ أَنْ يَكْتُبَا كِتَابًا بَيْنَهُمَا جَمِيعًا بِشَيْءٍ وَاحِدٍ، يَكُونُ ذَلِكَ الشَّيْءُ بَيْنَهُمَا، أَوْ يَكُونُ الرَّهْنُ لَهُمَا مِنْ شَيْءٍ وَاحِدٍ، وَإِنْ لَمْ يَكْتُبَا بِذَلِكَ كِتَابًا فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَقْتَضِيَ دُونَ صَاحِبِهِ مِثْلَ أَنْ تَكُونَ دَنَانِيرَ كُلَّهَا أَوْ قَمْحًا كُلَّهَا أَوْ شَيْئًا وَاحِدًا أَوْ نَوْعًا وَاحِدًا كُلَّهُ؛ فَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَقْتَضِيَ دُونَ صَاحِبِهِ.
[فِي رَجُلٍ جَنَى جِنَايَةً فَرَهَنَ بِهَا رَهْنًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ جَنَى رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ جِنَايَةً لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، فَرَهَنَهُ بِتِلْكَ الْجِنَايَةِ رَهْنًا وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يُحِيطُ بِمَالِهِ، وَهَذَا قَبْلَ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ، فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ فَفَلَّسُوهُ، فَقَالَتْ الْغُرَمَاءُ: إنَّ هَذَا الرَّهْنَ الَّذِي ارْتَهَنَهُ مِنْ صَاحِبِ الْجِنَايَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ أَمْوَالِنَا، وَإِنَّمَا دَيْنُ صَاحِبِ الْجِنَايَةِ مِنْ غَيْرِ بَيْعٍ وَلَا شِرَاءٍ وَلَا قَرْضٍ؛ فَلَا يَكُونُ لَهُ الرَّهْنُ دُونَنَا، وَنَحْنُ أَوْلَى بِهِ، هَلْ تَحْفَظُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَجْنِي جِنَايَةً لَا تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ، ثُمَّ تَقُومُ الْغُرَمَاءُ عَلَيْهِ فَيُفَلِّسُونَهُ: إنَّ صَاحِبَ الْجِنَايَةِ يَضْرِبُ بِدَيْنِهِ مَعَ الْغُرَمَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَأَرَى الرَّهْنَ جَائِزًا لِلْمُرْتَهِنِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ عَبْدَيْنِ عِنْدَ رَجُلٍ. فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ، بِكَمْ يَفْتَكُّ الرَّاهِنُ الْبَاقِيَ؟
قَالَ: بِجَمِيعِ الدَّيْنِ؛ لِأَنَّ مُصِيبَةَ الْعَبْدِ مِنْ الرَّاهِنِ.
[أَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّهُ جَنَى جِنَايَةً أَوْ اسْتَهْلَكَ مَالًا وَهُوَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَهَنَ رَجُلٌ عَبْدًا لَهُ، فَأَقَرَّ الرَّاهِنُ أَنَّ عَبْدَهُ هَذَا الرَّهْنُ قَدْ جَنَى جِنَايَةً، أَوْ اسْتَهْلَكَ مَالًا وَهُوَ عِنْدَ الْمُرْتَهِنِ، وَالسَّيِّدُ مُوسِرٌ أَوْ مُعْسِرٌ؟
قَالَ: إنْ كَانَ مُعْسِرًا لَمْ يُصَدَّقْ عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَإِنْ كَانَ مُوسِرًا قِيلَ لِلسَّيِّدِ: ادْفَعْ أَوْ افْدِ فَإِنْ قَالَ: أَنَا أَفْدِيهِ فَدَاهُ وَكَانَ رَهْنًا عَلَى حَالِهِ، وَإِنْ قَالَ: لَا أَفْدِي وَأَنَا أَدْفَعُ الْعَبْدَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ حَتَّى يَحِلَّ لَهُ الْأَجَلُ. فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ أَدَّى الدَّيْنَ وَدَفَعَ الْعَبْدَ بِجِنَايَتِهِ الَّتِي أَقَرَّ بِهَا، وَإِنْ أَفْلَسَ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ الْأَجَلُ كَانَ الْمُرْتَهِنُ أَوْلَى بِهِ مِنْ الَّذِينَ أَقَرَّ لَهُمْ بِالْجِنَايَةِ. وَلَا يُشْبِهُ إقْرَارُهُ هَهُنَا الْبَيِّنَةَ إذَا قَامَتْ عَلَى الْجِنَايَةِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ، وَلَكِنْ قَدْ قَالَ مَالِكٌ - فِي جِنَايَةِ الْعَبْدِ إذَا كَانَ رَهْنًا فَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ عَلَى الْجِنَايَةِ -: مَا قَدْ أَخْبَرْتُكَ وَهَذَا رَأْيِي.
стр. 1929
[فِيمَنْ حَبَسَ عَلَى وَلَدِهِ دَارًا وَهُمْ صِغَارٌ أَوْ تَصَدَّقَ بِدَارٍ وَهُوَ فِيهَا سَاكِنٌ حَتَّى مَاتَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ حَبَسْت عَلَى وَلَدِي دَارًا لِي وَهُمْ صِغَارٌ، أَوْ تَصَدَّقْتُ عَلَيْهِمْ وَهُمْ صِغَارٌ فِي حِجْرِي بِدَارٍ لِي، وَأَشْهَدْت لَهُمْ إلَّا أَنِّي فِيهَا سَاكِنٌ حَتَّى مِتُّ أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِوَلَدِهِ الصِّغَارِ وَهُمْ فِي حِجْرِهِ دَارًا، أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهَا عَلَيْهِمْ أَوْ يَحْبِسُهَا عَلَيْهِمْ: إنَّ حَوْزَهُ لَهُمْ حَوْزٌ، وَصَدَقَتُهُمْ وَهِبَتُهُمْ وَالْحَبْسُ عَلَيْهِمْ ثَابِتٌ جَائِزٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ سَكَنَ فِيهَا كُلِّهَا حَتَّى مَاتَ. فَإِنْ كَانَ سَاكِنًا فِيهَا كُلِّهَا حَتَّى مَاتَ، فَهِيَ مَوْرُوثَةٌ عَلَى فَرَائِضِ اللَّهِ، وَإِنْ كَانَتْ دَارًا كَبِيرَةً فَسَكَنَ الْقَلِيلَ مِنْهَا وَجُلُّهَا الْأَبُ يُكْرِيهِ، فَحَوْزُهُ لَهُمْ فِيمَا سَكَنَ وَفِيمَا لَمْ يَسْكُنْ حَوْزٌ كُلُّهُ وَتَجُوزُ الْهِبَةُ وَالْحَبْسُ وَالصَّدَقَةُ فِي الدَّارِ كُلِّهَا إذَا كَانَ إنَّمَا سَكَنَ الشَّيْءَ الْخَفِيفَ مِنْهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَتْ دَارًا سَكَنَ جُلَّهَا وَاَلَّذِي يُكْرِي مِنْهَا الْقَلِيلُ؛ لَمْ يَجُزْ لِلْوَلَدِ مِنْهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، لَا مَا أَكْرَى وَلَا مَا سَكَنَ. قَالَ: وَالْأَحْبَاسُ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ كُلُّهَا سَوَاءٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ حَبَسَ ذَلِكَ فِي دُورٍ مُفْتَرِقَةٍ فَسَكَنَ فِي دَارٍ مِنْهَا لَيْسَتْ تِلْكَ الدَّارُ الَّتِي سَكَنَ جُلَّ حَبْسِهِ وَلَا أَكْثَرَهُ، وَهِيَ فِي هَذِهِ الدُّورِ الَّتِي حَبَسَ خَفِيفَةٌ؛ رَأَيْتُ الْحَبْسَ جَائِزًا لِلْوَلَدِ فِيمَا سَكَنَ مِنْ ذَلِكَ وَفِيمَا لَمْ يَسْكُنْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَتْ الدَّارُ الَّتِي سَكَنَ، هِيَ جُلُّ الدُّورِ وَأَكْبَرُهَا قَالَ مَالِكٌ: فَلَا يَجُوزُ مِنْ الدُّورِ هَهُنَا لِلْوَلَدِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، لَا مَا سَكَنَ وَلَا مَا لَمْ يَسْكُنْ.
قَالَ سَحْنُونٌ: الْكِبَارُ غَيْرُ الصِّغَارِ؛ لِأَنَّهُ يُسْكِنُ الْقَلِيلَ لِلصَّغَارِ، فَيَحُوزُ الْبَاقِيَ لَهُمْ، فَيَكُونُ حَازَ الْحَوْزَ، وَأَمَّا إذَا كَانُوا كِبَارًا يَلُونَ أَنْفُسَهُمْ، فَقَبَضُوا لِأَنْفُسِهِمْ وَبَقِيَ يَسْكُنُ مِنْ ذَلِكَ الْمُعْظَمَ فَإِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِرٍ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي حِيَازَةِ الدُّورِ: إذَا حَبَسَهَا الرَّجُلُ عَلَى وَلَدِهِ الصِّغَارِ أَوْ الْكِبَارِ، وَسَكَنَ مِنْهَا الْمَنْزِلَ وَهِيَ ذَاتُ مَنَازِلَ، فَحَازَ الْكِبَارُ سَائِرَ الدَّارِ أَوْ كَانُوا أَصَاغِرَ فَكَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْهِ إلَّا أَنَّهُ سَاكِنٌ فِي مَنْزِلٍ مِنْهَا كَمَا ذَكَرْتُ لَكَ. قَالَ مَالِكٌ: إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ حَبَسَا جَمِيعًا دَارَيْهِمَا، وَكَانَا يَسْكُنَانِ فِيهِمَا حَتَّى مَاتَا مَنْزِلًا مَنْزِلًا مِنْهَا، قَالَ مَالِكٌ: فَنَفَذَ حَبْسُهُمَا مَا سَكَنَا وَمَا لَمْ يَسْكُنَا قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا كَانَ الشَّيْءُ عَلَى مَا وَصَفْتُ لَكَ إذَا سَكَنَ مِنْ حَبْسِهِ أَقَلَّهُ؛ جَازَ ذَلِكَ كُلُّهُ، وَإِنْ كَانَ سَكَنَ أَكْثَرَهُ أَوْ كُلَّهُ؛ لَمْ يَجُزْ مِنْهُ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
[فِي الرَّجُلِ يَغْتَصِبُ الرَّجُلَ عَبْدًا فَيَجْنِي عِنْدَهُ أَوْ يَرْتَهِنُ عَبْدًا فَيُعِيرَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ غَصَبَنِي رَجُلٌ عَبْدًا فَجَنَى عِنْدَهُ جِنَايَةً، ثُمَّ رَدَّهُ عَلَيَّ وَفِي رَقَبَتِهِ الْجِنَايَةُ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّ سَيِّدَ الْعَبْدِ مُخَيَّرٌ، إنْ أَحَبَّ أَسْلَمَ الْعَبْدَ وَأَخَذَ قِيمَتَهُ مِنْ الْغَاصِبِ فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَفْتَكَّهُ بِدِيَةِ الْجِنَايَةِ فَذَلِكَ لَهُ، وَلَا يَتْبَعُ الْغَاصِبَ مِنْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ مِمَّا دَفْعَهُ فِيهِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَوْلُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَحْسَنُ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ.
стр. 1930
[فِي رَجُلٍ ارْتَهَنَ عَبْدًا فَأَعَارَهُ بِغَيْرِ أَمْرِ الرَّاهِنِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي ارْتَهَنْت مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا، فَأَعَرْته رَجُلًا بِغَيْرِ أَمْرِ الرَّاهِنِ، فَمَاتَ الْعَبْدُ عِنْدَ الْمُعَارِ، أَيَضْمَنُ الْمُرْتَهِنُ قِيمَتَهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: إنْ لَمْ يَعْطَبْ فِي عَمَلٍ اسْتَعْمَلَهُ الْمُسْتَعِيرُ فِيهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإِذَا مَاتَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا، لَا عَلَى الْمُرْتَهِنِ وَلَا عَلَى الْمُسْتَعِيرِ.
قُلْتُ: لِمَ أَوَلَيْسَ هَذَا الْمُرْتَهِنُ غَاصِبًا حِينَ أَعَارَ الْعَبْدَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيِّدِهِ؟
قَالَ: لَا قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ، أَنَّ الْمُرْتَهِنَ لَوْ اسْتَوْدَعَهُ رَجُلًا بِغَيْرِ أَمْرِ الرَّاهِنِ لَمْ يَضْمَنْ؟
قَالَ: لَا، وَهُوَ رَأْيِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي اسْتَوْدَعَهُ أَوْ اسْتَعَارَهُ أَوْ اسْتَعْمَلَهُ عَمَلًا أَوْ بَعَثَهُ مَبْعَثًا مِمَّا يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَيَضْمَنُ.
قَالَ سَحْنُونٌ: هُوَ ضَامِنٌ، كَانَ هَلَاكُهُ بِأَمْرٍ مِنْ اللَّهِ أَوْ غَيْرِهِ، فَإِنَّهُ إنَّمَا هَلَكَ بَعْدَ التَّعَدِّي وَبَعْدَ أَنْ ضَمِنَ قِيمَتَهُ؛ لِأَنَّهُ حِينَ تَعَدَّى فَقَدْ. ضَمِنَ
[رَهَنَ أَمَتَهُ وَلَهَا زَوْجٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي ارْتَهَنْت جَارِيَةً لَهَا زَوْجٌ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَمْنَعَ زَوْجَهَا مِنْ الْوَطْءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَهَا مِنْ الْوَطْءِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: أَرَأَيْتَ لَوْ بَاعَهَا، أَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَهَا مِنْ الْوَطْءِ؟ أَيْ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ، فَكَذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا رَهَنَ جَارِيَةَ عَبْدٍ لَهُ؛ لَمْ يَكُنْ لِسَيِّدِ هَذَا الْعَبْدِ أَنْ يَطَأَهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَكَذَلِكَ لَوْ رَهْنَهُمَا جَمِيعًا - عَبْدَهُ وَأَمَتَهُ - لَمْ يَكُنْ لِلْعَبْدِ أَنْ يَطَأَهَا.
قَالَ أَشْهَبُ: إنْ وَطِئَ الْعَبْدُ جَارِيَتَهُ بِأَمْرِ الْمُرْتَهِنِ فَقَدْ أَفْسَدَ رَهْنَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ افْتَكَّهُمَا السَّيِّدُ، أَتَكُونُ الْجَارِيَةُ لِلْعَبْدِ كَمَا هِيَ فِي قَوْلِ؟ مَالِكٍ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ رَهَنَهَا السَّيِّدُ وَحْدَهَا ثُمَّ افْتَكَّهَا، أَوْ رَهَنَهَا هِيَ وَسَيِّدَهَا الْعَبْدُ ثُمَّ افْتَكَّهُمَا، أَهُمَا سَوَاءٌ؟ أَتَكُونُ الْجَارِيَةُ لِلْعَبْدِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّهُ إذَا افْتَكَّهَا السَّيِّدُ رَجَعَتْ إلَى الْعَبْدِ بِحَالِ مَا كَانَتْ قَبْلَ الرَّهْنِ، وَكَذَلِكَ إذَا رَهْنَهُمَا جَمِيعًا فَافْتَكَّهُمَا هُوَ أَبْيَنُ مِنْهُ حِينَ رَهْنَهَا دُونَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ زَوَّجَ أَمَتَهُ وَقَدْ رَهَنَهَا قَبْلَ ذَلِكَ، أَيَجُوزُ هَذَا التَّزْوِيجُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ تَزْوِيجُهُ إيَّاهَا؛ لِأَنَّ التَّزْوِيجَ عَيْبٌ يَلْحَقُ الْجَارِيَةَ، فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُدْخِلَ فِي الرَّهْنِ مَا يُنْقِصُهُ إلَّا أَنْ يَرْضَى بِذَلِكَ الْمُرْتَهِنُ فَإِنْ رَضِيَ بِذَلِكَ جَازَ.
[فِي الرَّهْنِ بِالسَّلَفِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ارْتَهَنْت مِنْ رَجُلٍ جَارِيَةً، قِيمَتُهَا خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ أَسْلَفْته إيَّاهَا، ثُمَّ جَاءَنِي بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ: أَسْلِفْنِي خَمْسَمِائَةٍ أُخْرَى. فَقَالَ: لَا، إلَّا أَنْ تَرْهَنَنِي جَارِيَتَكَ
следующие страницы →