Полный текст (2 437 стр.). Показаны 1961–2000 · переход к 1966.
стр. 1961
أَنَّ الْغَاصِبَ نَفْسَهُ، لَوْ اغْتَلَّ هَذَا الْعَبْدَ أَوْ أَخَذَ كِرَاءَ الدَّارِ، كَانَ لَازِمًا لَهُ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَ الْغَلَّةِ وَالْكِرَاءِ إلَى مُسْتَحِقِّ الدَّارِ. فَلَمَّا وَهَبَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ فَأَخَذَهَا هَذَا الْمَوْهُوبُ لَهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، فَكَأَنَّهُ هُوَ الْغَاصِبُ نَفْسُهُ فِي غَلَّتِهَا وَكِرَائِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ مَالٌ.
أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ الْغَاصِبَ مَاتَ فَتَرَكَهَا مِيرَاثًا، فَاسْتَغَلَّهَا وَلَدُهُ، كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ وَغَلَّتُهَا لِلْمُسْتَحِقِّ؟ فَكَذَلِكَ الْمَوْهُوبَةُ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ، لَا يَكُونُ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الْوَارِثِ فِيهَا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ الْوَاهِبِ مَالٌ. أَوَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ قَمْحًا أَوْ ثِيَابًا أَوْ مَاشِيَةً، فَأَكَلَ الْقَمْحَ وَلَبِسَ الثِّيَابَ فَأَبْلَاهَا وَذَبَحَ الْمَاشِيَةَ فَأَكَلَهَا، ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ أَنْ يَغْرَمَ الْمُشْتَرِي ثَمَنَ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَلَا يُوضَعُ عَنْهُ لِاشْتِرَائِهِ فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يُوضَعُ عَنْهُ مَا كَانَ مِنْ الْحَيَوَانِ مِمَّا هَلَكَ فِي يَدَيْهِ أَوْ دَارًا احْتَرَقَتْ أَوْ انْهَدَمَتْ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ضَامِنًا لِثَمَنِهَا وَمُصِيبَتِهَا مِنْهُ، وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْحِنْطَةُ وَالثِّيَابُ لَمْ يَأْكُلْهَا وَلَمْ يُبْلِهَا حَتَّى أَتَتْ عَلَيْهَا جَائِحَةٌ مِنْ السَّمَاءِ فَذَهَبَتْ بِهَا، وَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْبَيِّنَةُ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ. فَكَمَا كَانَ مَنْ اشْتَرَى فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ طَعَامًا أَوْ ثِيَابًا أَوْ مَاشِيَةً فَأَكَلَهَا أَوْ لَبِسَهَا لَمْ يَضَعْ الشِّرَاءُ عَنْهُ الضَّمَانَ، فَكَذَلِكَ الْمَوْهُوبُ لَهُ حِينَ وُهِبَ لَهُ مَا لَيْسَ هُوَ لِمَنْ وَهَبَهُ لَهُ، إنَّمَا اغْتَصَبَهُ وَاسْتَغَلَّهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ضَمَانٌ لِثَمَنٍ أَخْرَجَهُ فِيهِ، كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ مَا اسْتَغَلَّ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ الْوَاهِبِ مَالٌ؛ لِأَنَّهُ أَخَذَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ بِغَيْرِ ثَمَنٍ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ، أَنَّ الْغَلَّةَ لِلَّذِي اسْتَحَقَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، إنْ كَانَ وَهَبَهَا هَذَا الْغَاصِبُ.
وَلَوْ أَنَّ عَبْدًا نَزَلَ بَلَدًا مَنْ الْبُلْدَانِ، فَادَّعَى أَنَّهُ حُرٌّ، فَاسْتَعَانَهُ رَجُلٌ فَبَنَى لَهُ دَارًا أَوْ بَيْتًا، أَوْ وُهِبَ لَهُ مَالٌ فَأَتَى سَيِّدُهُ فَاسْتَحَقَّهُ، أَنَّهُ يَأْخُذُ قِيمَةَ عَمَلِ غُلَامِهِ فِي تِلْكَ الدَّارِ وَالْبَيْتِ إذَا كَانَ الشَّيْءُ لَهُ بَالٌ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ الَّذِي لَا بَالَ لَهُ، مِثْلُ سَقْيِ الدَّابَّةِ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَيَأْخُذُ جَمِيعَ مَالِهِ الَّذِي وُهِبَ لَهُ، إنْ كَانَ أَكَلَهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ أَوْ بَاعَهُ فَأَخَذَ ثَمَنَهُ فَعَلَيْهِ غُرْمُهُ، إلَّا أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ تَلِفَتْ مِنْ يَدِ الْمَوْهُوبِ لَهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ قَدْ عَلِمَ ذَلِكَ فَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: وَلِمَ لَا يَكُونُ الضَّمَانُ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إذَا تَلِفَتْ عِنْدَهُ، وَقَدْ جَعَلْتَ أَنْتَ الْغَلَّةَ لِلْمُسْتَحِقِّ؛ لِأَنَّكَ قُلْتَ: الْمَوْهُوبُ لَهُ فِي الْغَلَّةِ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ مَالٌ؛ لِأَنَّ الْغَاصِبَ لَوْ اغْتَلَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أَخَذَ الْغَلَّةَ الْمُسْتَحِقُّ مِنْهُ لِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، فَجَعَلْتَ الْمَوْهُوبَةَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ فِي الْغَلَّةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْوَاهِبِ مَالٌ، فَلِمَ لَا يَكُونُ الْمَوْهُوبَةُ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، بِمَنْزِلَةِ الْغَاصِبِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ مَالٌ فِي التَّلَفِ؛ لِأَنَّكَ تَقُولُ فِي الْغَاصِبِ لَوْ تَلِفَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عِنْدَهُ بِمَوْتٍ أَوْ تَلِفَتْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ كَانَ عَلَيْهِ الضَّمَانُ؟ فَلِمَ لَا يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى الْمَوْهُوبِ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ مَالٌ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْمَوْهُوبَةَ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ لَمْ يَتَعَدَّ وَالْغَاصِبُ قَدْ تَعَدَّى حِينَ غَصَبَهَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَوْهُوبَةُ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ قَدْ عَلِمَ بِالْغَصْبِ، فَقَبِلَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ بِالْغَصْبِ فَتَلِفَتْ عِنْدَهُ، أَنَّهُ يَضْمَنُ؛ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْغَاصِبِ أَيْضًا.
стр. 1962
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا اشْتَرَيْت مَنْ الدُّورِ وَالْأَرْضِينَ وَالْحَيَوَانِ وَالثِّيَابِ وَجَمِيعِ مَا يُكْرَى، وَلَهُ الْغَلَّةُ أَوْ نَخْلٌ فَأَثْمَرَتْ عِنْدِي، فَاسْتَحَقَّ جَمِيعَ ذَلِكَ مِنِّي رَجُلٌ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ، أَنَّ الْبَائِعَ غَصَبَهُ، مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْغَلَّةُ لِلْمُشْتَرِي بِالضَّمَانِ.
قُلْتُ: وَجَعَلَ مَالِكٌ ثَمَرَ النَّخْلَةِ بِمَنْزِلَةِ غَلَّةِ الدُّورِ وَالْعَبِيدِ، جَعَلَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ وَهَبَ الْغَاصِبُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ هِبَةً فَاغْتَلَّهَا هَذَا الْمَوْهُوبَةُ لَهُ، أَتَكُونُ غَلَّتُهَا لِلْمُسْتَحِقِّ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَا تَطِيبُ الْغَلَّةُ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ فِي ذَلِكَ ثَمَنًا.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْهِبَةِ السَّاعَةَ، وَلَا أَشُكُّ أَنَّ الْغَلَّةَ لِلْمُسْتَحِقِّ إذَا كَانَتْ فِي يَدَيْ هَذَا بِهِبَةٍ مِنْ الْغَاصِبِ بِحَالِ مَا وَصَفْتُ لَك، وَيُعْطَى هَذَا الْمَوْهُوبَةُ لَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ قِيمَةَ عَمَلِهِ فِيهَا وَعِلَاجِهِ.
قُلْتُ: مَا فَرْقُ مَا بَيْنَ الْهِبَةِ وَبَيْنَ الْبَيْعِ؟
قَالَ: لِأَنَّ فِي الْبَيْعِ تَصِيرُ لَهُ الْغَلَّةُ إلَى الضَّمَانِ، وَالْهِبَةُ لَيْسَ فِيهَا ضَمَانٌ.
قُلْتُ: وَمَا مَعْنَى الضَّمَانِ؟
قَالَ: مَعْنَى الضَّمَانِ، أَنَّ الَّذِي اشْتَرَى هَذِهِ الْأَشْيَاءَ، وَإِنْ اشْتَرَاهَا مِنْ غَاصِبٍ إذَا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ غَاصِبٌ، أَنَّ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ إذَا تَلِفَتْ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ، كَانَتْ مُصِيبَتُهَا مِنْ الْمُشْتَرِي وَتَلِفَ الثَّمَنُ الَّذِي أَعْطَى فِيهَا، وَالْمَوْهُوبُ لَهُ لَيْسَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ إنْ تَلِفَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ يَدَيْهِ لَمْ يَتْلَفْ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الثَّمَنِ، فَإِنَّمَا جُعِلَتْ الْغَلَّةُ لِلْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ الَّذِي أَدَّى فِي ذَلِكَ. وَكَانَتْ الْغَلَّةُ لَهُ بِالضَّمَانِ بِمَا أَدَّى مِنْهَا. وَالْمَوْهُوبُ لَهُ لَا تَطِيبُ لَهُ الْغَلَّةُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُؤَدِّ فِي ذَلِكَ شَيْئًا إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْغَاصِبِ مَالٌ.
[ابْتَاعَ سِلْعَةً بِثَمَنِ إلَى أَجَلّ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَل أَخَذَ مَكَان الدَّنَانِير دَرَاهِم ثُمَّ اسْتَحَقَّ رَجُل تِلْكَ السِّلْعَةَ]
الرَّجُلُ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ فَإِذَا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذَ مَكَانَ الدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ ثُمَّ يَسْتَحِقُّ رَجُلٌ تِلْكَ السِّلْعَةَ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بِعْتُ سِلْعَةً بِدَنَانِيرَ إلَى أَجَلٍ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ أَخَذْت مِنْهُ بِالدَّنَانِيرِ دَرَاهِمَ، فَاسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ الَّتِي بِعْتُهَا، بِمَ يُرْجَعُ عَلَى صَاحِبِهَا؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبِيعُ السِّلْعَةَ بِمِائَةِ دِينَارٍ فَيَأْخُذُ بِثَمَنِهَا دَرَاهِمَ، ثُمَّ يَجِدُ بِهَا عَيْبًا فَيَرُدُّهَا، ثُمَّ يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهَا.
قَالَ: بِالدَّرَاهِمِ.
قَالَ: فَقُلْنَا لَهُ: فَإِنْ أَخَذَ بِهَا عَرْضًا، مَاذَا عَلَيْهِ إذَا رَدَّهَا لَهُ؟
قَالَ: لَهُ عَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ.
قَالَ: وَرَأَيْتُهُ يَجْعَلُهُ إذَا أَخَذَ الْعَيْنَ مِنْ الْعَيْنِ الدَّنَانِيرَ مِنْ الدَّرَاهِمِ، أَوْ الدَّرَاهِمَ مِنْ الدَّنَانِيرِ، لَا يُشْبِهُ عِنْدَهُ مَا إذَا أَخَذَ مِنْ الْعَيْنِ الَّذِي وَجَبَ لَهُ عَرْضًا، فَمَسْأَلَتُكَ الَّتِي سَأَلْتُ عَنْهَا مِثْلُهَا سَوَاءٌ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا أَخَذَ بِمِائَةِ دِينَارٍ، كَانَتْ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِ سِلْعَةٍ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا اُسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ مِنْ يَدَيْ الْمُشْتَرِي رَجَعَ عَلَى الْبَائِعِ بِاَلَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ، وَذَلِكَ أَلْفُ دِرْهَمٍ؛ لِأَنَّ مَالِكًا جَعَلَ الْعَيْنَ بَعْضُهُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِذَا كَانَ إنَّمَا بَاعَهُ سِلْعَةً بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَأَخَذَ مِنْهُ بِالْمِائَةِ الدِّينَارِ سِلْعَةً مِنْ السِّلَعِ دَابَّةً أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ، ثُمَّ
стр. 1963
اُسْتُحِقَّتْ الدَّابَّةُ أَوْ السِّلْعَةُ الَّتِي أَخَذَ فِي ثَمَنِ الدَّنَانِيرِ مِنْ يَدَيْهِ، رَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ هَذِهِ السِّلْعَةَ الَّتِي اُسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ، كَانَتْ لَهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَلَمْ تَكُنْ هَذِهِ السِّلْعَةُ ثَمَنًا لِلسِّلْعَةِ الْأُخْرَى، وَإِنَّمَا هِيَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ قَبَضَ الذَّهَبَ، ثُمَّ ابْتَاعَ بِهَا مِنْ صَاحِبِهَا سِلْعَةً أُخْرَى فَاسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ مِنْ يَدَيْهِ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِالذَّهَبِ.
[الرَّجُلُ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ ثُمَّ يَسْتَحِقُّهَا رَجُلٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ، فَوَطِئَهَا فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ أَنَّهَا أُمَّةٌ أَوْ اُسْتُحِقَّتْ أَنَّهَا حُرَّةٌ، وَقَدْ وَطِئَهَا السَّيِّدُ الْمُشْتَرِي، أَيَكُونُ عَلَيْهِ لِلْوَطْءِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً فَوَطِئَهَا فَافْتَضَّهَا، أَوْ كَانَتْ ثَيِّبًا فَوَطِئَهَا فَاسْتُحِقَّتْ أَنَّهَا حُرَّةٌ، أَوْ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ أَنَّهَا أَمَتُهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَى الْوَاطِئِ، بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا.
[اشْتَرَى جَارِيَةَ فَوَلَدَتْ مِنْهُ وَلَدًا فَقَتَلَهُ رَجُلٌ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا سَيِّدُهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ، فَتَلِدُ مِنْهُ وَلَدًا عِنْدَ السَّيِّدِ، فَيَقْتُلُهُ رَجُلٌ خَطَأً أَوْ عَمْدًا، ثُمَّ يَأْتِي رَجُلٌ فَيَسْتَحِقُّ الْأَمَةَ، وَقَدْ قُضِيَ عَلَى الْقَاتِلِ بِالدِّيَةِ أَوْ بِالْقِصَاصِ أَوْ لَمْ يُقْضَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ؟
قَالَ: أَمَّا الدِّيَةُ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ فِي دِيَتِهِ: هِيَ لِأَبِيهِ كَامِلَةً؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ وَيَكُونُ عَلَى أَبِيهِ قِيمَتُهُ لِسَيِّدِ الْأَمَةِ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ الدِّيَةِ، فَلَا يَكُونُ عَلَى الْأَبِ أَكْثَرُ مِمَّا أَخَذَ. وَأَمَّا فِي الْعَمْدِ، فَهُوَ حُرٌّ وَفِيهِ الْقِصَاصُ، وَلَا يَضَعُ الْقِصَاصَ عَنْ الْقَاتِلِ اسْتِحْقَاقُ هَذِهِ الْأَمَةِ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ.
قُلْتُ: وَكَذَا إنْ جُرِحَ؟
قَالَ: نَعَمْ، كَذَلِكَ إنْ جُرِحَ أَوْ لَمْ يُجْرَحْ؛ لِأَنَّهُ حُرٌّ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَبَ إذَا اقْتَصَّ مِنْ قَاتِلِ ابْنِهِ هَذَا، ثُمَّ أَتَى سَيِّدُ الْأَمَةِ، هَلْ يَغْرَمُ لَهُ الْأَبُ شَيْئًا أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْوَلَدَ إذَا كَانَ قَائِمًا عِنْدَ وَالِدِهِ، أَيَكُونُ لِمُسْتَحِقِّ الْأَمَةِ عَلَى وَالِدِهِ قِيمَتُهُ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ دِيَتِهِ؟
قَالَ: كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ: إنَّمَا يَغْرَمُ قِيمَتَهُ أَنْ لَوْ كَانَ عَبْدًا يُبَاعُ عَلَى حَالَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا يَوْمَئِذٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا قَطَعَ يَدَهُ خَطَأً، وَقِيمَةُ الْوَلَدِ أَكْثَرُ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ، فَأَخَذَ الْأَبُ نِصْفَ دِيَةِ وَلَدِهِ ثُمَّ اسْتَحَقَّ رَجُلٌ أَمَةً؟
قَالَ: يَغْرَمُ وَالِدُهُ قِيمَةَ الْوَلَدِ أَقْطَعَ الْيَدِ يَوْمَ يُحْكَمُ لَهُ فِيهِ، وَيُقَالُ لَهُ: مَا قِيمَتُهُ صَحِيحًا وَقِيمَتُهُ أَقْطَعَ الْيَدِ يَوْمَ جُنِيَ عَلَيْهِ؟ فَيُنْظَرُ كَمْ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَ قِيمَتِهِ أَقْطَعَ الْيَدِ وَبَيْنَ قِيمَتِهِ
стр. 1964
صَحِيحًا الْخَمْسُمِائَةِ الَّتِي أَخَذَهَا الْأَبُ، غَرِمَهَا الْأَبُ. وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْهَا، غَرِمَ الْأَبُ مَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَقِيمَتِهِ أَقْطَعَ الْيَدِ، وَكَانَ الْفَضْلُ لِلْأَبِ.
وَإِنْ كَانَ فِيمَا بَيْنَ قِيمَتِهِ صَحِيحًا وَبَيْنَ قِيمَتِهِ أَقْطَعَ الْيَدِ أَكْثَرُ مِمَّا أَخَذَهُ الْأَبُ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَبِ أَكْثَرُ مِمَّا أَخَذَ، وَهُوَ مِثْلُ الْقَتْلِ إذَا قُتِلَ فَأَخَذَ أَبُوهُ الدِّيَةَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ الْوَلَدَ مَاتَ صَحِيحًا، أَيَكُونُ عَلَى الْوَالِدِ مَنْ قِيمَتِهِ شَيْءٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَى وَالِدِهِمْ فِيهِمْ إذَا مَاتُوا.
قُلْتُ: فَلَوْ ضَرَبَ رَجُلٌ بَطْنَ هَذِهِ الْأَمَةِ وَفِي بَطْنِهَا جَنِينٌ مِنْ سَيِّدِهَا فَطَرَحَتْهُ، فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ وَقَدْ كَانَ أَخَذَ سَيِّدُهَا الْغُرَّةَ، أَوْ لَمْ يَأْخُذْهَا بَعْدُ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَى أَنَّ الضَّارِبَ يَغْرَمُ غُرَّةً فَتَكُونُ لِأَبِيهِ، ثُمَّ يَنْظُرُ إلَى قِيمَةِ أُمِّهِ، كَمْ قِيمَتُهَا يَوْمَ ضُرِبَ بَطْنُهَا، فَيَنْظُرُ إلَى مَا أَخَذَ الْأَبُ، فَإِنْ كَانَ مَا أَخَذَ الْأَبُ أَكْثَرَ مِنْ عُشْرِ قِيمَتِهَا يَوْمَ جُنِيَ عَلَيْهَا، غَرِمَ الْأَبُ عُشْرَ قِيمَتِهَا. وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ عُشْرِ قِيمَتِهَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَبِ إلَّا مَا أَخَذَ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي ذَلِكَ فِيهِ، إذَا أَخَذَ دِيَةَ ابْنِهِ مِنْ الْقَاتِلِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَالِكًا، هَلْ كَانَ يُغَرِّمُ سَيِّدَهَا لِهَذَا الَّذِي اسْتَحَقَّهَا مَا نَقَصَتْهَا الْوِلَادَةُ أَمْ لَا؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يَأْخُذَ جَارِيَتَهُ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِيمَا نَقَصَ الْحَمْلُ مِنْهَا؛ لِأَنَّهَا لَوْ مَاتَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ قِيمَتُهَا؛ لِأَنَّهُ اشْتَرَاهَا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ.
[فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ فَتَلِدُ مِنْهُ فَيَسْتَحِقُّهَا رَجُلٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ تَكُونُ عِنْدَهُ الْجَارِيَةُ قَدْ اشْتَرَاهَا فَتَلِدُ مِنْهُ، فَيَأْتِي رَجُلٌ فَيُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا أَمَتُهُ؟
قَالَ: يَأْخُذُ الْمُسْتَحِقُّ الْجَارِيَةَ وَقِيمَةَ وَلَدِهَا مِنْ وَالِدِهِمْ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، وَهُوَ أَحَبُّ قَوْلَيْهِ إلَيَّ وَاَلَّذِي آخُذُ بِهِ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ النَّاسِ. وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ مَرَّةً يَقُولُهُ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ، وَقَالَ: يَأْخُذُ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ؛ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ ضَرَرًا عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهَا إذَا وَلَدَتْ مِنْهُ فَأُخِذَتْ، كَانَ ذَلِكَ عَارٌ عَلَى سَيِّدِهَا الَّذِي وَلَدَتْ مِنْهُ وَعَلَى وَلَدِهَا. وَفِي قَوْلِهِ الْآخَرِ: أَنَّهُ إنْ أَخَذَهَا، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مَعَهَا قِيمَةَ الْوَلَدِ أَيْضًا، فَهَذَا الضَّرَرُ وَيُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَهَلْ يَرْجِعُ مُشْتَرِي الْجَارِيَةِ عَلَى الْبَائِعِ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ الَّذِي غَرِمَ فِي قَوْلِهِ هَذَا؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ عَبْدًا سَارِقًا، دَلَّسَ لَهُ فَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ فَسَرَقَ الْعَبْدُ مَالَ الْمُشْتَرِي: إنَّهُ لَا يَرْجِعُ بِمَا سَرَقَ لَهُ عَلَى الْبَائِعِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ هَذَا الْمُسْتَحِقُّ الْبَيِّنَةَ، أَنَّ الَّذِي وَلَدَتْ مِنْهُ الْجَارِيَةُ غَصَبَهَا لَهُ؟
قَالَ: يَأْخُذُهَا وَيَأْخُذُ وَلَدَهَا وَيُحَدُّ غَاصِبُهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ فَتَلِدُ مِنْهُ، ثُمَّ يَسْتَحِقُّهَا رَجُلٌ فَيُقَوِّمُ الْأَبُ قِيمَةَ الْوَلَدِ عَلَى مَا أَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، أَيَرْجِعُ بِمَا أَدَّى مِنْ قِيمَةِ الْوَلَدِ عَلَى الَّذِي بَاعَهُ الْجَارِيَةَ بِتِلْكَ الْقِيمَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ رُجُوعًا وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ، وَلَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ.
стр. 1965
وَلَوْ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْبَائِعِ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ لَسَمِعْنَاهُ مِنْ مَالِكٍ
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا زَوَّجَ أَمَتَهُ رَجُلًا غَيْرَهُ مِنْهَا وَزَعَمَ أَنَّهَا حُرَّةٌ، فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ وَقَدْ وَلَدَتْ مَنْ الزَّوْجِ؟
قَالَ: يَأْخُذُ السَّيِّدُ وَيَأْخُذُ قِيمَةَ الْوَلَدِ مِنْ أَبِي الْوَلَدِ، وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى الَّذِي غَرَّهُ بِالصَّدَاقِ الَّذِي دَفَعَهُ إلَيْهَا.
قُلْتُ: وَلَا يَرْجِعْ الزَّوْجُ عَلَى الَّذِي غَرَّهُ مِنْهَا بِقِيمَةِ الْوَلَدِ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَلِمَ جَعَلْتَهُ يَرْجِعُ بِالصَّدَاقِ وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ غَرَّهُ مِنْهَا، فَلِذَلِكَ يَرْجِعُ بِالصَّدَاقِ. وَلَوْ كَانَتْ هِيَ الَّتِي غَرَّتْهُ لَمْ يَرْجِعْ الزَّوْجُ عَلَيْهَا بِقَلِيلٍ وَلَا بِكَثِيرٍ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَا أَعْطَاهَا أَكْثَرَ مِنْ صَدَاقِ مِثْلِهَا فَيَرْجِعُ عَلَيْهَا بِالْفَضْلِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَجَعَ بِالصَّدَاقِ عَلَى الَّذِي غَرَّهُ، أَيَتْرُكُ لَهُ قَدْرَ مَا اسْتَحَلَّ بِهِ فَرْجَهَا؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنَّمَا قَالَ لَنَا مَالِكٌ: يَرْجِعُ بِالصَّدَاقِ عَلَى الَّذِي غَرَّهُ، وَلَمْ يَقُلْ لَنَا مَالِكٌ: يَتْرُكُ لَهُ شَيْئًا. وَأَصْلُ قَوْلِ مَالِكٍ: إنَّمَا يَرْجِعُ بِالصَّدَاقِ عَلَى الَّذِي غَرَّهُ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ بَاعَهُ بُضْعَهَا، فَاسْتَحَقَّ مِنْ يَدِهِ الْبُضْعَ، فَيَرْجِعُ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَهُ فِي الْبُضْعِ وَهُوَ الصَّدَاقُ، وَلَا يَرْجِعُ بِقِيمَةِ الْوَلَدِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبِعْهُ الْوَلَدَ، فَهَذَا أَصْلُ قَوْلِهِمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْتُ عَبْدًا فَأَعْتَقْتُهُ، أَوْ أَمَةً فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَاِتَّخَذْتُهَا أُمَّ وَلَدٍ، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ رِقَابَهُمَا، أَيُرَدُّ الْبَيْعُ وَيُفْسَخُ عِتْقُ الْعَبْدِ وَتَصِيرُ الْأَمَةُ أُمَّ وَلَدٍ لِهَذَا الرَّجُلِ، أَوْ أَمَةً لِهَذَا الْمُسْتَحِقِّ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا فِي الْعَبْدِ فَيُفْسَخُ عِتْقُهُ وَيُرَدُّ رَقِيقًا، وَأَمَّا الْجَارِيَةُ فَإِنَّهَا تُرَدُّ مَا لَمْ تَحْمِلْ، فَإِذَا حَمَلَتْ كَانَ عَلَى سَيِّدِهَا الَّذِي حَمَلَتْ مِنْهُ قِيمَتُهَا لِلَّذِي اسْتَحَقَّهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَدْ قَالَ لِي قَبْلَ ذَلِكَ: يَأْخُذُهَا وَيَأْخُذُ قِيمَةَ وَلَدِهَا مِنْ الْأَبِ قِيمَتَهُمْ يَوْمَ يُحْكَمُ فِيهِمْ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا أَحَبُّ قَوْلَيْهِ إلَيَّ.
[اشْتَرَى جَارِيَة فَوَلَدَتْ مِنْهُ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ وَالسَّيِّدُ عَدِيمٌ وَالْوَالِدُ قَائِمٌ مُوسِرٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى جَارِيَةً فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَوَلَدَتْ وَلَدًا مِنْ السَّيِّدِ، فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ وَالسَّيِّدُ الْمُشْتَرِي عَدِيمٌ؟
قَالَ: يَأْخُذُ جَارِيَتَهُ وَتَكُونُ قِيمَةُ وَلَدِهَا دَيْنًا عَلَى الْأَبِ عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْأَبُ مُوسِرًا فَأَدَّى قِيمَةَ الِابْنِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الِابْنِ بِقِيمَتِهِ الَّتِي أَدَّى عَنْهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ يُتْبِعُهُ بِهَا؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَا مُوسِرَيْنِ، أَتُؤْخَذُ قِيمَةُ الِابْنِ مِنْ مَالِ الْأَبِ أَمْ مِنْ مَالِ الِابْنِ؟
قَالَ: بَلْ مِنْ مَالِ الْأَبِ.
قُلْتُ: فَيَرْجِعُ بِهَا الْأَبُ فِي مَالِ الْوَلَدِ إذَا كَانَ الْوَلَدُ مُوسِرًا أَوْ بِنِصْفِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهُ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ الْأَبُ عَدِيمًا وَالْوَلَدُ مُوسِرًا، أَتُؤْخَذُ الْقِيمَةُ مِنْ مَالِ الِابْنِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَكُونُ عَلَى الِابْنِ شَيْءٌ، وَذَلِكَ عَلَى
стр. 1966
الْأَبِ فِي الْيُسْرِ وَالْعَدَمِ.
قَالَ سَحْنُونٌ: وَهَذَا أَحْسَنُ.
قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَفَيَرْجِعُ بِهِ الِابْنُ عَلَى الْأَبِ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: أَفَتُؤْخَذُ قِيمَةُ الْأُمِّ مِنْ مَالِ الْوَلَدِ إذَا كَانَ الْأَبُ عَدِيمًا وَالْوَلَدُ مُوسِرًا؟
قَالَ: لَا تُؤْخَذُ قِيمَةُ الْأُمِّ مِنْ الْوَلَدِ عَلَى حَالِ ابْنِ وَهْبٍ: عَنْ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ ابْتَاعَ وَلِيدَةً مَسْرُوقَةً أَوْ آبِقَةً فَتَلِدُ مِنْهُ، ثُمَّ يَأْتِي سَيِّدُ الْجَارِيَةِ فَيُقْبِضُهَا وَيُرِيدُ أَخْذَ وَلَدِهَا. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: نَرَاهَا لِسَيِّدِهَا الَّذِي أَبِقَتْ مِنْهُ أَوْ سُرِقَتْ، وَنَرَى وَلَدَهَا لِأَبِيهِمْ الَّذِي ابْتَاعَ أُمَّهُمْ بِقِيمَةِ عَدْلٍ، يُؤَدِّي قِيمَتَهُمْ إلَى سَيِّدِ الْجَارِيَةِ سَحْنُونٌ: عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا رَأَيْتُ النَّاسَ يَرَوْنَ إلَّا أَنَّ الرَّجُلَ إذَا أَدْرَكَ وَلِيدَتَهُ وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا مَسْرُوقَةٌ، يَأْخُذُ وَلِيدَتَهُ وَيَكُونُ الْوَلَدُ لِوَالِدِهِمْ بِالْقِيمَةِ يُؤَدِّي الثَّمَنَ إلَى سَيِّدِ الْوَلِيدَةِ، وَلَا نَرَى عَلَيْهِ غَيْرَ ذَلِكَ. وَلَوْ أَخَذَ السَّارِقُ كَانَ أَهْلًا لِلْعُقُوبَةِ الْمُوجِعَةِ وَالْغَرَامَةِ، وَالنَّاسُ لَا يَرَوْنَ فِي الْحَيَوَانِ مِنْ الْمَاشِيَةِ إذَا أُخِذَتْ فِي الصَّحْرَاءِ قَطْعًا، وَلَا فِي الرَّقِيقِ قَطْعًا
[الرَّجُلُ يَبْنِي دَارِهِ مَسْجِدًا ثُمَّ يَأْتِي رَجُلٌ فَيَسْتَحِقُّهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَنَى دَارِهِ مَسْجِدًا، ثُمَّ يَأْتِي رَجُلٌ فَيَسْتَحِقُّهَا، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَهْدِمَ الْمَسْجِدَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَعْتِقُ عَبْدًا لَهُ فَيَأْتِي رَجُلٌ فَيَسْتَحِقُّ الْعَبْدَ: إنَّ الْعِتْقَ يُرَدُّ، وَإِنَّهُ يَرْجِعُ رَقِيقًا، فَكَذَلِكَ الْمَسْجِدُ، لَهُ أَنْ يَهْدِمَهُ مِثْلُ الْعِتْقِ لَهُ أَنْ يَرُدَّهُ.
[اشْتَرَى سِلَعًا كَثِيرَةً أَوْ صَالِح عَلَى سِلَعٍ كَثِيرَةٍ وَجَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ بَعْضَهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى مِنْ رَجُلٍ سِلَعًا كَثِيرَةً، أَوْ صَالَحْتُهُ مِنْ دَعْوَى ادَّعَيْتهَا عَلَى سِلَعٍ كَثِيرَةٍ، فَقَبَضْتُ السِّلَعَ أَوْ لَمْ أَقْبِضْهَا حَتَّى اسْتَحَقَّ رَجُلٌ بَعْضَهَا؟
قَالَ: يُنْظَرُ، فَإِنْ كَانَ مَا اسْتَحَقَّ مِنْهَا ذَلِكَ الرَّجُلُ وَجْهَ ذَلِكَ الْبَيْعِ، كَانَ لَهُ أَنْ يَرُدَّ جَمِيعَ ذَلِكَ. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجْهُ ذَلِكَ لَزِمَهُ مَا يَفِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ قَبَضَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الِاسْتِحْقَاقِ وَالْعُيُوبِ جَمِيعًا.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ الْعُيُوبَ وَالِاسْتِحْقَاقَ وُجِدَتْ فِي عُيُونِ ذَلِكَ، فَرَضِيَ الْبَائِعُ وَالْمُبْتَاعُ أَنْ يُسَلِّمَا مَا لَيْسَ فِيهِ عُيُوبٌ بِمَا يُصِيبُهُ مِنْ جُمْلَةِ الثَّمَنِ كُلِّهِ، لَمْ يَحِلَّ ذَلِكَ لِوَاحِدٍ مِنْهَا، وَكَانَ مَكْرُوهًا؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ قَدْ وَجَبَ رَدُّهَا كُلَّهَا، فَكَأَنَّهُ بَاعَهُمْ بِثَمَنٍ لَا يَدْرِي مَا يَبْلُغُ أَثْمَانُهُمْ مِنْ الْجُمْلَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت حِنْطَةً أَوْ شَعِيرًا أَوْ عُرُوضًا كَثِيرَةً، صَفْقَةً
стр. 1967
وَاحِدَةً، فَاسْتُحِقَّ بَعْضُ ذَلِكَ الشَّيْءِ - قَبْلَ أَنْ أَقْبِضَهُ أَوْ بَعْدَمَا قَبَضْتُهُ - فَأَرَدْتُ أَنْ أَرُدَّ مَا بَقِيَ، أَيَجُوزُ لِي ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ إنَّمَا اُسْتُحِقَّ مِنْهُ الشَّيْءُ التَّافِهُ الْيَسِيرُ، أَخَذَ مَا يَفِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ. وَإِنْ كَانَ إنَّمَا اُسْتُحِقَّ، مِنْهُ جُلُّ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَلَا يَأْخُذَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْتُ سِلَعًا كَثِيرَةً، صَفْقَةً وَاحِدَةً، مَتَى يَقَعُ لِكُلِّ سِلْعَةٍ مِنْهَا حِصَّتُهَا مِنْ الثَّمَنِ، أَحِينَ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ أَمْ حِينَ يُقْبَضُ؟
قَالَ: حِينَ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ، وَقَعَ لِكُلِّ سِلْعَةٍ مِنْهَا حِصَّتُهَا مِنْ الثَّمَنِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ عَلَى عَبْدٍ فَيَسْتَحِقُّهُ رَجُلٌ]
ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى عَبْدٍ فَاسْتَحَقَّهُ رَجُلٌ أَنَّهُ حُرٌّ؟
قَالَ: لَا أَرَى لَهَا إلَّا قِيمَتَهُ وَهَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَزَوَّجْتُ امْرَأَةً عَلَى جَارِيَةٍ بِعَيْنِهَا، فَاسْتُحِقَّتْ الْجَارِيَةُ أَنَّهَا حُرَّةٌ أَوْ أَصَابَتْ الْمَرْأَةُ بِهَا عَيْبًا؟
قَالَ: تَرُدُّهَا وَتَأْخُذُ الْمَرْأَةُ قِيمَةَ الْجَارِيَةِ مِنْ زَوْجِهَا.
قُلْتُ: وَلِمَ لَا تَأْخُذُ مَهْرَ مِثْلِهَا إذَا اُسْتُحِقَّتْ الْجَارِيَةُ أَنَّهَا حُرَّةٌ أَوْ أَصَابَتْ بِهَا عَيْبًا فَرَدَّتْهَا؟
قَالَ: لَيْسَ هَذَا الْوَجْهُ يُشْبِهُ الْبُيُوعَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً تَزَوَّجَتْ بِشِقْصٍ مِنْ دَارٍ، فَأَتَى الشَّفِيعُ لِيَأْخُذَهَا بِشُفْعَتِهِ.
قُلْتُ لِمَالِكٍ: فَأَيُّ شَيْءٍ يَكُونُ لِلْمَرْأَةِ إذَا أَخَذَ الشَّفِيعُ الدَّارَ بِالشُّفْعَةِ، أَصَدَاقُ مِثْلِهَا أَمْ قِيمَةُ الشِّقْصِ؟
قَالَ: بَلْ قِيمَةُ الشِّقْصِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ خَالَعَهَا زَوْجُهَا عَلَى عَبْدٍ دَفَعَتْهُ إلَيْهِ، فَأَصَابَ بِهِ عَيْبًا رَدَّهُ وَأَخَذَ قِيمَةَ الْعَبْدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الصُّبْرَ مِنْ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ بِالثَّمَنِ الْوَاحِدِ فَيَسْتَحِقُّ أَحَدُهُمَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى صُبْرَةً مِنْ حِنْطَةٍ وَصُبْرَةً مَنْ شَعِيرٍ - صَفْقَةً وَاحِدَةً - بِمِائَةِ دِينَارٍ، عَلَى أَنَّ كُلَّ صُبْرَةٍ مِنْهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا، فَنَقَدَهُ الثَّمَنَ وَاكْتَالَ الشَّعِيرَ وَالْحِنْطَةَ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الشَّعِيرُ أَوْ الْحِنْطَةُ، بِمَ يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ؟ أَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِخَمْسِينَ ثَمَنِ صُبْرَةِ الشَّعِيرِ، كَأَنَّ الَّذِي اسْتَحَقَّ الشَّعِيرَ أَوْ الْحِنْطَةَ؟
قَالَ: لَا، وَلَكِنْ يُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى قِيمَةِ الْحِنْطَةِ وَقِيمَةِ الشَّعِيرِ، فَيُوضَعُ عَنْ الْمُشْتَرِي مِنْ الثَّمَنِ مِقْدَارَ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّهَا صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ. وَكَذَلِكَ لَوْ اشْتَرَى رَقِيقًا وَثِيَابًا - صَفْقَةً وَاحِدَةً - عَلَى أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الرَّقِيقِ وَكُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الثِّيَابِ بِدِينَارٍ دِينَارٌ، فَاسْتُحِقَّ بَعْضُ ذَلِكَ، أَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إلَى مَا سَمَّيَا مِنْ أَنَّ لِكُلِّ عَبْدٍ دِينَارًا، أَوْ لِكُلِّ ثَوْبٍ دِينَارًا، وَلَكِنْ يُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى جَمِيعِ الصَّفْقَةِ، فَمَا أَصَابَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ الصَّفْقَةِ مِنْ الثَّمَنِ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
стр. 1968
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى صُبْرَةَ حِنْطَةٍ وَصُبْرَةَ شَعِيرٍ - صَفْقَةً وَاحِدَةً - كُلُّ قَفِيزٍ بِدِرْهَمٍ. فَنَقَدَ الثَّمَنَ وَاكْتَالَ الْقَمْحَ وَالشَّعِيرَ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْحِنْطَةُ أَوْ الشَّعِيرُ، بِمَ يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِهِ؟ أَيَرْجِعُ بِدِرْهَمٍ لِكُلِّ قَفِيزٍ كَانَ الَّذِي اسْتَحَقَّ شَعِيرًا أَوْ حِنْطَةً؟
قَالَ: أَصْلُ هَذَا الْبَيْعِ حَرَامٌ، لَا يَحِلُّ وَلَا يَجُوزُ.
قَالَ: وَمَنْ اشْتَرَى رَقِيقًا وَثِيَابًا - صَفْقَةً وَاحِدَةً - كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَبِيدِ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الثِّيَابِ بِدِينَارٍ دِينَارٌ، فَاسْتُحِقَّ بَعْضُ ذَلِكَ، أَنَّهُ لَا يَنْظُرُ إلَى مَا سَمَّيَا مِنْ أَنَّ لِكُلِّ عَبْدٍ دِينَارًا أَوْ لِكُلِّ ثَوْبٍ دِينَارًا، وَلَكِنْ يُقَسَّمُ الثَّمَنُ عَلَى جَمِيعِ الصَّفْقَةِ، فَمَا أَصَابَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ مِنْ الثَّمَنِ وُضِعَ عَنْ الْمُشْتَرِي، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدَيْنِ - صَفْقَةً وَاحِدَةً - فَلَمْ أَقْبِضْهُمَا أَوْ قَبَضْتُهُمَا فَاسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ حُرٌّ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: قَالَ: يَنْظُرُ إلَى الْحُرِّ الْمُسْتَحِقِّ، فَإِنْ كَانَ هُوَ وَجْهُ الْعَبْدَيْنِ وَمَنْ أَجَلِهِ اُشْتُرِيَا رَدَّ الْبَاقِي، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْ أَجَلِهِ اُشْتُرِيَا وَلَا هُوَ وَجْهُهُمَا، لَزِمَهُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ.
قُلْتُ: وَيَقُومُ هَذَا الْحُرُّ الْمُسْتَحَقُّ قِيمَتُهُ أَنْ لَوْ كَانَ عَبْدًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ مُكَاتَبًا أَوْ مُدَبَّرًا أَوْ أُمَّ وَلَدٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[فِي الرَّجُلَيْنِ يَصْطَلِحَانِ عَلَى الْإِقْرَارِ أَوْ الْإِنْكَارِ ثُمَّ يُسْتَحَقُّ مَا فِي يَدَيْ أَحَدِهِمَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اصْطَلَحَا عَلَى الْإِقْرَارِ، فَاسْتُحِقَّ مَا فِي يَدَيْ الْمُدَّعِي، أَيَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِاَلَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنَّمَا الصُّلْحُ عِنْدَ مَالِكٍ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ، فَهَذَا وَالْبَيْعُ سَوَاءٌ إذَا كَانَ قَائِمًا لَمْ يَفُتْ، وَكَانَ عَرْضًا أَوْ حَيَوَانًا. فَإِنْ فَاتَ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ حَوَالَةِ أَسْوَاقٍ، رَجَعَ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا أَقَرَّ لَهُ بِهِ. فَإِنْ كَانَ عَيْنًا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى صَاحِبِهِ بِاَلَّذِي أَقَرَّ لَهُ بِهِ، وَإِنْ كَانَ عَرْضًا وَكَانَ قَائِمًا لَمْ يَفُتْ، فَإِنْ فَاتَ رَجَعَ عَلَيْهِ بِقِيمَتِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اصْطَلَحَا عَلَى الْإِنْكَارِ فَاسْتُحِقَّ مَا فِي يَدِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ، أَيَرْجِعُ عَلَى الْمُدَّعِي شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ، يَرْجِعُ بِقِيمَةِ مَا دَفَعَ إلَيْهِ إنْ كَانَ عَرْضًا أَوْ حَيَوَانًا، قَدْ فَاتَ بِنَمَاءٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ حَوَالَةِ أَسْوَاقٍ، وَإِنْ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ لَمْ يَفُتْ رَجَعَ عَلَيْهِ فَأَخَذَهُ مِنْهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ لِي عَلَى رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَصَالَحْتُهُ عَلَى أَنْ حَطَطْتُ عَنْهُ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ، عَلَى أَنْ يُعْطِيَنِي بِالْخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ الْبَاقِيَةِ عَبْدَهُ مَيْمُونًا، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَكَيْفَ إنْ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ، بِمَ أَرْجِعُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، أَبِالْخَمْسِمِائَةِ أَمْ الْأَلْفِ كُلِّهَا؟
قَالَ: شِرَاءُ الْعَبْدِ جَائِزٌ، وَفِي الِاسْتِحْقَاقِ يَرْجِعُ بِالْأَلْفِ كُلِّهَا، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: إنْ ابْتَاعَ الرَّجُلُ سِلْعَةً بِشَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، عَلَى أَنْ يُعْطِيَ بِتِلْكَ السِّلْعَةِ سِلْعَةً أُخْرَى، كَانَتْ تِلْكَ السِّلْعَةُ الْأُخْرَى نَقْدًا أَوْ إلَى أَجَلٍ، فَإِنَّمَا وَقَعَ الْبَيْعُ
стр. 1969
عَلَى تِلْكَ السِّلْعَةِ الْآخِرَةِ، كَانَ ذَلِكَ ذَهَبًا أَوْ وَرِقًا أَوْ طَعَامًا أَوْ عَرْضًا، وَكَانَ الْكَلَامُ الَّذِي كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ حَشْوًا.
قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَى الْفِعْلِ وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْكَلَامِ، فَإِذَا صَحَّ الْفِعْلُ لَمْ يَضُرَّهُمْ قُبْحُ كَلَامِهِمْ.
[فِي الرَّجُلِ يَجِبُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ دَمٌ عَمْدٌ فَيُصَالِحُ عَلَى عَبْدٍ فَيُسْتَحَقُّ الْعَبْدُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَجِبُ لَهُ عَلَى الرَّجُلِ دَمُ عَمْدٍ، فَيُصَالِحُهُ مِنْ ذَلِكَ الْعَمْدِ عَلَى عَبْدٍ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْقَتْلِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ عَلَى عَبْدٍ فَيُسْتَحَقُّ الْعَبْدُ. إنَّهُ فِي النِّكَاحِ تَرْجِعُ الْمَرْأَةُ عَلَى الزَّوْجِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ، وَلَا سَبِيلَ لِلْمَرْأَةِ عَلَى نَفْسِهَا وَهِيَ زَوْجَتُهُ عَلَى حَالِهَا. فَكَذَلِكَ الْقَتْلُ الْعَمْدُ، هُوَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي النِّكَاحِ.
قُلْتُ: فَالْخُلْعُ بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ عِنْدَك؟
قَالَ: نَعَمْ.
[ابْتَاعَ الْعَبْدَ فَوَجَدَ بِهِ عَيْبًا فَصَالِح مِنْ الْعَيْبِ عَلَى عَبْدٍ آخَرَ]
فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الْعَبْدَ فَيَجِدُ بِهِ عَيْبًا فَيُصَالِحُ مِنْ الْعَيْبِ عَلَى عَبْدٍ آخَرَ فَيُسْتَحَقُّ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا فَأَصَبْت بِهِ عَيْبًا، ثُمَّ صَالَحَنِي مَنْ الْعَيْبِ عَلَى عَبْدٍ دَفَعَهُ إلَيَّ، أَيَجُوزُ أَمْ لَا يَجُوزُ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا جَوَّزَ ذَلِكَ بِالدَّنَانِيرِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اُسْتُحِقَّ أَحَدُ الْعَبْدَيْنِ؟
قَالَ: يَفُضُّ الثَّمَنَ عَلَيْهِمَا، ثُمَّ يَكُونُ سَبِيلُهُمَا سَبِيلَ مَا وَصَفْتُ لَكَ فِيمَنْ اشْتَرَى عَبْدَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً فَأَصَابَ بِأَحَدِهِمَا عَيْبًا، أَوْ اُسْتُحِقَّ أَحَدُهُمَا، فَهَذَا جَائِزٌ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: الصُّلْحُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ
[فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْعَبْدَ بِالْعَرَضِ فَيَمُوتُ ثُمَّ يُسْتَحَقُّ الْعَرَضُ]
ُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا اشْتَرَى الرَّجُلُ عَبْدًا بِثَوْبٍ فَأَعْتَقَ الْعَبْدَ وَاسْتُحِقَّ الْعَرَضُ، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى بَائِعِ الثَّوْبِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ. قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً بِعَبْدٍ، فَوَلَدَتْ الْجَارِيَةُ عِنْدِي أَوْلَادًا ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ، أَيَكُونُ عَلَيَّ أَنْ أَرُدَّ الْجَارِيَةَ وَأَوْلَادَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَغَيَّرَتْ وَفَاتَتْ عِنْدَك، فَلَيْسَ عَلَيْك إلَّا قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبْضِهَا، وَالنَّمَاءُ وَالنُّقْصَانُ لَك وَعَلَيْك.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً بِعَبْدٍ، فَزَوَّجْت الْجَارِيَةَ مِنْ يَوْمِي أَوْ مَنْ الْغَدِ، فَاسْتُحِقَّ الْعَبْدُ أَوْ أَصَابَ صَاحِبُهُ بِهِ عَيْبًا، أَيَكُونُ هَذَا فِي الْجَارِيَةِ فَوْتًا
стр. 1970
أَمْ لَا؟ وَكَيْفَ إنْ كَانَ أَخَذَ لِلْجَارِيَةِ مَهْرًا أَوْ لَمْ يَأْخُذْهُ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّ تَزْوِيجَ الْجَارِيَةِ عَيْبًا وَأَرَاهُ فَوْتًا، وَأَرَى عَلَيْهِ الْقِيمَةَ أَخَذَ مَهْرًا أَوْ لَمْ يَأْخُذْ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْأَمَةَ فَيُزَوِّجُهَا ثُمَّ يَجِدُ بِهَا عَيْبًا.
قَالَ: يَرُدُّهَا، وَمَا نَقَصَ النِّكَاحُ مِنْهَا، وَالنِّكَاحُ لَا شَكَّ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ نُقْصَانٌ. قُلْت: فَإِنْ كَانَتْ مِنْ وَخْشِ الرَّقِيقِ؟
قَالَ: نَعَمْ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ وَخْشِ الرَّقِيقِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً بِعَبْدٍ فَاسْتُحِقَّ الْعَبْدُ أَنَّهُ حُرٌّ، أَيَنْتَقِضُ الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنَنَا - وَقَدْ حَالَتْ أَسْوَاقُ الْجَارِيَةِ - أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَنْتَقِضُ الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنَكُمَا، وَيَكُونُ عَلَيْك قِيمَةُ الْجَارِيَةِ يَوْمَ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ. قُلْت: فَإِنْ اسْتَحَقَّ أَنَّهُ حُرٌّ أَوْ عَبْدٌ فَهُوَ سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَهَذَا الَّذِي سَأَلْتُكَ عَنْهُ، أَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَاتَبْت عَبْدِي عَلَى حَيَوَانٍ مَوْصُوفٍ، أَوْ ثِيَابٍ مَوْصُوفَةٍ أَوْ طَعَامٍ مَوْصُوفٍ، فَأَدَّاهُ إلَيَّ فَاسْتَحَقَّ مَنْ يَدَيَّ الَّذِي أَدَّى إلَيَّ مِنْ ذَلِكَ، أَيَرُدُّ الْمُكَاتَبُ فِي الْكِتَابَةِ أَمْ قَدْ عَتَقَ وَيَكُونُ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ؟
قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُرَدَّ وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ دَيْنًا عَلَيْهِ يُتْبَعُ بِهِ؛ لِأَنَّ حُرْمَتَهُ قَدْ ثَبَتَتْ وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اسْتَحَقَّ مِنْهُ؛ لِأَنَّ مَا كَانَ كَاتَبَهُ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ مَا صَالَحَهُ عَلَيْهِ. قُلْت: فَإِنْ أَعْتَقَهُ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْت بِعَيْنِهِ، وَهُوَ عَبْدٌ غَيْرُ مُكَاتَبٍ، فَاسْتَحَقَّ ذَلِكَ مِنْ يَدِي؟
قَالَ: يَمْضِي عِتْقُهُ وَلَا يُرَدُّ. وَهَذَا بَيِّنٌ لَا شَكَّ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ كَأَنَّهُ مَالُهُ انْتَزَعَهُ مِنْهُ وَأَعْتَقَهُ.
[فِي الرَّجُلِ يَهَبُ لِلرَّجُلِ الْهِبَةَ فَيُعَوِّضُهُ مِنْ هِبَتِهِ فَتُسْتَحَقُّ الْهِبَةُ أَوْ الْعِوَضُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ وَهَبْت لِرَجُلٍ هِبَةً فَعَوَّضَنِي فَاسْتُحِقَّتْ الْهِبَةُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي عِوَضِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْبَيْعِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اُسْتُحِقَّ الْعِوَضُ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرْجِعَ فِي هِبَتِي؟
قَالَ: نَعَمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، إلَّا أَنْ يُعَوِّضَك عِوَضًا آخَرَ يَكُونُ قِيمَةَ الْهِبَةِ أَوْ أَكْثَرَ، فَلَيْسَ لَك أَنْ تَرْجِعَ فِي الْهِبَةِ إنْ أَعْطَاك عِوَضًا مَكَانَ الْعِوَضَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ هِبَةً فَعَوَّضَنِي مِنْهَا عِوَضًا ضِعْفَ قِيمَةِ الْهِبَةِ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ هَذَا الْعِوَضُ، فَأَرَدْت أَنْ أَرْجِعَ فِي هِبَتِي، فَقَالَ الْمَوْهُوبُ لَهُ: أَنَا أُعْطِيك قِيمَةَ الْهِبَةِ عِوَضًا مِنْ هِبَتِك. وَقُلْت: لَا أَرْضَى إلَّا أَنْ تُعْطِيَنِي قِيمَةَ الْعِوَضِ، وَقِيمَةُ الْعِوَضِ الَّذِي اُسْتُحِقَّ ضِعْفُ قِيمَةِ الْهِبَةِ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى لَهُ إلَّا قِيمَةَ الْهِبَةِ؛ لِأَنَّ الَّذِي زَادَهُ أَوَّلًا فِي عِوَضِهِ عَلَى قِيمَةِ هِبَتِهِ، إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا مِنْهُ تَطَاوَلَ بِهِ عَلَيْهِ، فَلَمَّا اُسْتُحِقَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَلَيْهِ إلَّا قِيمَةُ الْهِبَةِ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي بِعْتُ سِلْعَةً لِي مِنْ رَجُلٍ بِسِلْعَةٍ أُخْرَى، فَاسْتُحِقَّتْ إحْدَى السِّلْعَتَيْنِ أَوْ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا حُرَّةٌ وَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ، وَقَدْ تَغَيَّرَتْ السِّلْعَةُ الْأُخْرَى بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ أَوْ بِزِيَادَةِ بَدَنٍ أَوْ نُقْصَانِ بَدَنٍ؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: إذَا اسْتَحَقَّتْ إحْدَى السِّلْعَتَيْنِ أَنَّهَا حُرَّةٌ، أَوْ اسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ وَقَدْ تَغَيَّرَتْ السِّلْعَةُ
стр. 1971
الْأُخْرَى بِزِيَادَةِ بَدَنٍ أَوْ نُقْصَانِ بَدَنٍ أَوْ بِحَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ، فَلَيْسَ لَهُ عَلَى الَّذِي تَغَيَّرَتْ السِّلْعَةُ فِي يَدَيْهِ إلَّا قِيمَةُ هَذِهِ السِّلْعَةِ الَّتِي تَغَيَّرَتْ يَوْمَ قَبَضَهَا؛ لِأَنَّهَا قَدْ فَاتَتْ. وَلَوْ لَمْ تَفُتْ أَخَذَهَا، فَلَمَّا فَاتَتْ صَارَ لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ قَبَضَهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْتَمِعُ لِأَحَدٍ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - الْخِيَارُ فِي الضَّمَانِ وَفِي أَخْذِ سِلْعَتِهِ مِثْلُ هَذَا. قُلْت: وَكَذَلِكَ إنْ وَهَبْت لِرَجُلٍ هِبَةً عَلَى عِوَضٍ فَعَوَّضَنِي مَنْ الْهِبَةِ الَّتِي وَهَبْت لَهُ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الْهِبَةُ وَقَدْ زَادَ الْعِوَضُ فِي يَدَيَّ أَوْ نَقَصَ أَوْ حَالَتْ أَسْوَاقُهُ، فَإِنَّمَا لِلْمَوْهُوبِ لَهُ قِيمَةُ عِوَضِهِ يَوْمَ قَبَضَ عِوَضَهُ، وَلَا يَجْتَمِعُ لَهُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَنْ يَكُونَ لَهُ الْخِيَارُ فِي أَخْذِ سِلْعَتِهِ وَفِي أَنْ يُضَمِّنَنِي قِيمَتَهَا؟
قَالَ: نَعَمْ هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
[فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْغُلَامَ بِجَارِيَةٍ فَيُعْتِقَ الْغُلَامَ ثُمَّ يَسْتَحِقُّ نِصْفَ الْجَارِيَةِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً بِغُلَامٍ، فَتَقَابَضَا ثُمَّ أَعْتَقْت الْغُلَامَ فَاسْتُحِقَّ نِصْفُ الْجَارِيَةِ ذَلِكَ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ أَسْوَاقُ الْجَارِيَةِ؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: الَّذِي اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْجَارِيَةِ فِي يَدَيْهِ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَدَّ النِّصْفَ الَّذِي بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ الْجَارِيَةِ، وَأَخَذَ جَمِيعَ قِيمَةِ الْغُلَامِ مِنْ الَّذِي أَعْتَقَ هَذَا الْغُلَامَ يَوْمَ قَبَضَهُ، وَإِنْ شَاءَ حَبَسَ نِصْفَ الْجَارِيَةِ وَرَجَعَ عَلَى صَاحِبِهِ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْغُلَامِ. قُلْت: وَسَوَاءٌ كَانَ الْغُلَامُ هُوَ الَّذِي اُسْتُحِقَّ نِصْفُهُ، أَوْ الْجَارِيَةُ هِيَ الَّتِي أُعْتِقَتْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ عَلَى مَا فَسَّرْت لَك.
[فِي الرَّجُلِ يَهْلَكُ وَيُوصِي بِوَصَايَا فَتَنْفُذُ وَصَايَاهُ وَيُقْسَمُ مَالُهُ ثُمَّ يَسْتَحِقُّ رَجُلٌ رَقَبَتَهُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَأَوْصَى أَنْ يُحَجَّ عَنْهُ فَأَنْفَذَ الْوَصِيُّ ذَلِكَ، ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ رَقَبَةَ الْمَيِّتِ، هَلْ يَضْمَنُ الْوَصِيُّ أَوْ الْحَاجُّ عَنْ الْمَيِّتِ؟ أَوْ كَيْفَ بِمَا قَدْ بِيعَ مَنْ مَالِ الْمَيِّتِ فَأَصَابَهُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ؟
قَالَ: أَرَى إنْ كَانَ الْمَيِّتُ حُرًّا عِنْدَ النَّاسِ يَوْمَ بَيْعِ مَالِهِ، فَلَا يَضْمَنُ لَهُ الْوَصِيُّ شَيْئًا وَلَا الَّذِي حَجَّ عَنْ الْمَيِّتِ، وَيَأْخُذُ مَا أَدْرَكَ مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ. وَمَا أَصَابَ مِمَّا بَاعُوا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ قَائِمًا بِعَيْنِهِ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ إلَّا بِالثَّمَنِ، وَيَرْجِعُ هُوَ عَلَى مَنْ بَاعَ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ، فَيَقْبِضُ مِنْهُ ثَمَنَ مَا بَاعَ مِنْ مَالِ عَبْدِهِ.
قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ شُهِدَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَاتَ فَبَاعُوا رَقِيقَهُ وَمَتَاعَهُ وَتَزَوَّجَتْ امْرَأَتُهُ ثُمَّ أَتَى الرَّجُلُ بَعْدَ ذَلِكَ، فَقَالَ: إنْ كَانُوا شَهِدُوا عَلَيْهِ بِزُورٍ، رُدَّتْ إلَيْهِ امْرَأَتُهُ وَيَأْخُذُ رَقِيقَهُ حَيْثُ وَجَدَهُمْ، أَوْ الثَّمَنَ الَّذِي بِيعُوا بِهِ إنْ أَحَبَّ ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانُوا شُبِّهَ عَلَيْهِمْ، وَكَانُوا عُدُولًا رُدَّتْ عَلَيْهِ امْرَأَتُهُ، وَمَا وَجَدُوا مِنْ مَتَاعِهِ أَوْ مِنْ رَقِيقِهِ - لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهِ وَقَدْ بِيعَ - أَخَذَهُ بَعْدَ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى مَنْ ابْتَاعَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ حَتَّى يَدْفَعَ الثَّمَنَ
стр. 1972
إلَى مَنْ ابْتَاعَهُ. وَمَا تَحَوَّلَ عَنْ حَالِهِ فَفَاتَ، أَوْ جَارِيَةً وُطِئَتْ فَحَمَلَتْ مِنْ سَيِّدِهَا أَوْ أُعْتِقَتْ، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا الثَّمَنُ.
وَإِنَّمَا لَهُ الثَّمَنُ عَلَى بَائِعِ الْجَارِيَةِ، وَأَرَى بَيْعَهُ مَالَ الْعَبْدِ مِثْلَ ذَلِكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى الْعِتْقَ وَالتَّدْبِيرَ وَالْكِتَابَةَ فَوْتًا فِيمَا قَالَ مَالِكٌ.
قَالَ: وَالصَّغِيرُ إذَا كَبُرَ فُوِّتَ أَيْضًا فِيمَا قَالَ لِي مَالِكٌ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالِهَا فَهَذِهِ قَدْ تَغَيَّرَتْ عَنْ حَالِهَا، وَاَلَّذِي أَرَادَ مَالِكٌ تَغَيُّرُ بَدَنِهَا. قُلْت: فَكَيْفَ يَتَبَيَّنُ شُهُودُ الزُّورِ هَهُنَا مِنْ غَيْرِ شُهُودِ الزُّورِ، وَكَيْفَ نَعْرِفُهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنْ أَتَوْا بِأَمْرٍ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا شَهِدُوا بِحَقٍّ، مِثْلَ مَا لَوْ حَضَرُوا مَعْرَكَةً فَصُرِعَ فَنَظَرُوا إلَيْهِ فِي الْقَتْلَى، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ طُعِنَ فَظَنُّوا أَنَّهُ قَدْ مَاتَ فَخَرَجُوا عَلَى ذَلِكَ، ثُمَّ جَاءَ بَعْدَهُمْ، أَوْ أَشْهَدَهُمْ قَوْمٌ عَلَى مَوْتِهِ فَشَهِدُوا بِذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي، فَهَؤُلَاءِ يُعْلَمُ أَنَّهُمْ لَمْ يَتَعَمَّدُوا الزُّورَ بِهَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ. وَأَمَّا الزُّورُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ: فَهُوَ إذَا لَمْ يَأْتُوا بِأَمْرٍ يُشْبِهُ وَعُرِفَ كَذِبُهُمْ.
قَالَ مَالِكٌ: إذَا شَهِدُوا بِالزُّورِ رُدَّ إلَيْهِ جَمِيعُ مَالِهِ حَيْثُمَا وَجَدَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَأَرَى إذَا شَهِدُوا بِالزُّورِ أَنْ يُرَدَّ إلَيْهِ مَا قَدْ عَتَقَ وَمَا قَدْ دُبِّرَ وَمَا كُوتِبَ وَمَا كَبُرَ، وَأُمُّ الْوَلَدِ وَقِيمَةُ أَوْلَادِهَا أَيْضًا.
قَالَ مَالِكٌ: وَيَأْخُذُ أُمَّ الْوَلَد وَيَأْخُذُ الْمُشْتَرِي وَلَدَهُ بِالْقِيمَةِ، وَكَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الَّذِي تُبَاعُ عَلَيْهِ بِشُهُودِ زُورٍ: إنَّهُ يَأْخُذُهَا وَقِيمَةَ أَوْلَادِهَا إذَا كَانُوا شَهِدُوا عَلَى سَيِّدهَا بِزُورٍ أَنَّهُ مَاتَ فَبَاعُوهَا بِالسُّوقِ. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْجَارِيَةِ الْمَسْرُوقَةِ: إنَّ صَاحِبَهَا يَأْخُذُهَا وَيَأْخُذُ قِيمَةَ وَلَدِهَا، وَهُوَ أَحَبُّ قَوْلَيْهِ إلَيَّ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا يَأْخُذُ قِيمَةَ وَلَدِهَا يَوْمَ يُحْكَمُ فِيهِ، وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمْ فَلَا قِيمَةَ لَهُ
[الرَّجُلِ يُسَلِّفُ الدَّرَاهِمَ أَوْ السِّلْعَةَ فِي طَعَامٍ فَاسْتُحِقَّتْ الدَّرَاهِمُ أَوْ السِّلْعَةُ]
فِي الرَّجُلِ يُسَلِّفُ الدَّرَاهِمَ أَوْ السِّلْعَةَ فِي طَعَامٍ فَاسْتُحِقَّتْ الدَّرَاهِمُ أَوْ السِّلْعَةُ أَوْ يَسْتَحِقُّ الطَّعَامَ إذَا قَبَضَهُ قُلْت: أَرَأَيْتَ إنْ أُسْلِفَتْ دَرَاهِمُ فِي طَعَامٍ، فَاسْتُحِقَّتْ الدَّرَاهِمُ بَعْدَمَا قَبَضَهَا الْمُسَلَّفُ إلَيْهِ أَيَبْطُلُ السَّلَفُ أَمْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِدَرَاهِمَ مِثْلِهَا وَيَكُونُ سَلَفًا عَلَى حَالِهِ؟
قَالَ: يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِدَرَاهِمَ مِثْلِهَا عِنْدَ مَالِكٍ، وَيَكُونُ السَّلَفُ عَلَى حَالِهِ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَسْلَفَهُ سِلْعَةً بِعَيْنِهَا، دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا أَوْ عَبْدًا أَوْ جَارِيَةً أَوْ مَا سِوَى هَؤُلَاءِ مِنْ السِّلَعِ فِي حِنْطَةٍ مَوْصُوفَةٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَاسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ الَّتِي سُلِّفَهَا فِي الطَّعَامِ، أَوْ وَجَدَ بِهَا عَيْبًا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الطَّعَامَ، أَوْ بَعْدَمَا حَلَّ الْأَجَلُ وَقَبَضَ الطَّعَامُ؟
قَالَ: يَنْتَقِصُ السَّلَفُ، وَيَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمِثْلِ طَعَامِهِ إنْ كَانَ قَدْ اسْتَهْلَكَ الطَّعَامَ، وَإِنْ كَانَ الطَّعَامُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ مِنْهُ. قُلْت: مَا فَرْقُ بَيْنَ السِّلْعَةِ إذَا كَانَتْ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ وَبَيْنَ الدَّرَاهِمِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَقَدْ قُلْت فِي الدَّرَاهِمِ إذَا كَانَتْ رَأْسَ مَالِ السَّلَمِ فَاسْتُحِقَّتْ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ مَا سُلِّفَ فِيهِ، أَوْ بَعْدَمَا قَبَضَ مَا سُلِّفَ فِيهِ: إنَّهُ يَرْجِعُ بِدَرَاهِمَ مِثْلِهَا وَلَا يَنْتَقِضُ السَّلَمُ، وَقُلْت فِي السِّلْعَةِ:
стр. 1973
إذَا اُسْتُحِقَّتْ بَطَلَ السَّلَمُ وَرَجَعَ بِطَعَامِهِ أَوْ بِمِثْلِ طَعَامِهِ؟
قَالَ: لِأَنَّ الدَّرَاهِمَ إنَّمَا هِيَ عَيْنٌ وَأَثْمَانٌ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى سِلْعَةً بِعَيْنِهَا بِدَرَاهِمَ بِعَيْنِهَا، فَاسْتُحِقَّتْ. الدَّرَاهِمُ مِنْ يَدِهِ، أَنَّهُ يَرْجِعُ بِدَرَاهِمَ مِثْلِهَا وَلَا يَنْتَقِصُ الْبَيْعُ. وَلَوْ اشْتَرَى سِلْعَةً بِسِلْعَةٍ، فَاسْتُحِقَّتْ إحْدَى السِّلْعَتَيْنِ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ، رَجَعَ صَاحِبُ السِّلْعَةِ الْبَاقِيَةِ الَّتِي لَمْ تُسْتَحَقَّ فِي سِلْعَتِهِ، فَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُسْتَحَقَّ ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ بَعْدَ ذَلِكَ، وَكَانَتْ السِّلْعَةُ الْبَاقِيَةُ الَّتِي لَمْ تُسْتَحَقَّ قَدْ دَخَلَهَا تَغْيِيرٌ فِي بَدَنِهَا بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ تَغَيُّرِ سُوقٍ، بِغَلَاءِ تِلْكَ السِّلْعَةِ أَوْ رَخُصَتْ عَمَّا كَانَتْ عَلَيْهِ يَوْمَ تَبَايَعَا، مَضَى الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَرَجَعَ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ سِلْعَتِهِ الَّتِي تَغَيَّرَتْ؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ قَدْ تَمَّ. وَلَيْسَ يُشْبِهُ السِّلَعَ فِي هَذَا الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ، فَكَذَلِكَ هَذَا فِي السَّلَمِ. وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَك ذَلِكَ أَيْضًا فَرْقُ مَا بَيْنَ السِّلَعِ وَالدَّرَاهِمِ فِي الْأَثْمَانِ، أَنَّ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِسِلْعَةٍ، إنَّمَا يَقَعُ ذَلِكَ عَلَى سِلْعَةٍ بِعَيْنِهَا. وَمِثْلُ مَنْ بَاعَ سِلْعَةً بِدَرَاهِمَ، فَإِنَّمَا يَقَعُ الْبَيْعُ عَلَى السِّلْعَةِ بِعَيْنِهَا وَعَلَى دَرَاهِمَ لَيْسَتْ بِأَعْيَانِهَا، فَلِذَلِكَ لَمَّا اُسْتُحِقَّتْ الدَّرَاهِمُ رَجَعَ بِدَرَاهِمَ مِثْلِهَا وَلَمْ يَنْتَقِضْ السَّلَمُ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَسْلَفْت سِلْعَةً فِي طَعَامٍ إلَى أَجَلٍ، فَلَمَّا حَلَّ الْأَجَلُ قَبَضْت الطَّعَامَ، فَاسْتُحِقَّ الطَّعَامُ مِنْ يَدَيَّ، أَيَنْتَقِضُ السَّلَفُ وَأَرْجِعُ فِي سِلْعَتِي، أَمْ يَكُونُ لِي طَعَامٌ مِثْلُ طَعَامِي وَلَا يَنْتَقِضُ السَّلَفُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَكُونُ لَك طَعَامٌ مِثْلُ طَعَامِك، تَرْجِعُ بِهِ عَلَى الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ، وَلَا يَنْتَقِضُ السَّلَفُ، وَالسَّلَفُ إنَّمَا كَانَ دَيْنًا اقْتَضَيْته، فَلَمَّا اُسْتُحِقَّ رَجَعْت بِدَيْنِك عَلَيْهِ وَلَمْ يَنْتَقِضْ مَا كَانَ بَيْنَكُمَا مِنْ السَّلَفِ، فَهَذَا وَالدَّرَاهِمُ إذَا كَانَتْ ثَمَنًا فَاسْتُحِقَّتْ سَوَاءٌ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَسْلَفْت شَيْئًا مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ مِمَّا يُؤْكَلُ وَيُشْرَبُ، أَوْ لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُشْرَبُ، أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ فُلُوسًا، فِي سِلْعَةٍ مِنْ السِّلَعِ مَوْصُوفَةٍ إلَى أَجَلٍ مَعْلُومٍ، فَاسْتُحِقَّ رَأْسَ الْمَالِ، أَيَبْطُلُ السَّلَمُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ .
قَالَ: أَرَى أَنَّ السَّلَمَ جَائِزٌ إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ فُلُوسًا.
قَالَ: وَأَمَّا إذَا كَانَ رَأْسُ الْمَالِ طَعَامًا يُكَالُ، أَوْ يُوزَنُ أَوْ لَا يُوزَنُ وَلَا يُكَالُ، فَإِنَّ السَّلَمَ يَنْتَقِضُ وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِمِثْلِ كَيْلِهِ وَلَا وَزْنِهِ. وَمِمَّا يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ، أَنَّهُ لَوْ اشْتَرَى طَعَامًا كَيْلًا أَوْ وَزْنًا، فَتَلِفَ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهُ، لَمْ يَكُنْ عَلَى الْبَائِعِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ، فَكَذَلِكَ هَذَا فِي السَّلَمِ إذَا كَانَ رَأْسُ مَالِ السَّلَمِ طَعَامًا، إنْ اُسْتُحِقَّ لَمْ يَكُنْ لِلْمُشْتَرِي أَنْ يُلْزِمَ الْبَائِعَ أَنْ يَأْتِيَهُ بِمِثْلِهِ.
[ابْتَاعَ سِلْعَةً عَلَى أَنْ يَهَب لَهُ الْبَائِع هِبَة فَاسْتَحَقَّ السِّلْعَةَ وَقَدْ فَاتَتْ الْهِبَة]
فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ السِّلْعَةَ عَلَى أَنْ يَهَبَ لَهُ الْبَائِعُ هِبَةً فَاسْتَحَقَّ السِّلْعَةَ وَقَدْ فَاتَتْ الْهِبَةُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً، عَلَى أَنْ يَهَبَ لِي الْبَائِعُ هِبَةً أَوْ يَتَصَدَّقَ عَلِيّ بِصَدَقَةٍ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إذَا كَانَ الَّذِي يَهَبُ لَك أَوْ يَتَصَدَّقُ بِهِ عَلَيْك شَيْئًا
стр. 1974
مَعْرُوفًا. قُلْت: فَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ السِّلْعَةُ وَقَدْ فَاتَتْ الْهِبَةُ؟
قَالَ: يُقْسَمُ الثَّمَنُ - عِنْدَ مَالِكٍ - عَلَى الْهِبَةِ وَالسِّلْعَةِ الَّتِي اشْتَرَيْت، فَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِحِصَّةِ السِّلَعِ مِنْ الثَّمَنِ - عِنْدَ مَالِكٍ - وَالْهِبَةُ هَهُنَا وَالصَّدَقَةُ، إذَا قَالَ: أَشْتَرِي مِنْك هَذِهِ السِّلْعَةَ عَلَى أَنْ تَتَصَدَّقَ عَلَيَّ بِكَذَا وَكَذَا، وَتَهَبَ لِي كَذَا وَكَذَا، فَإِنَّمَا وَقَعَ الْبَيْعُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - عَلَى السِّلْعَةِ الَّتِي اشْتَرَى وَعَلَى مَا اشْتَرَطَ مِنْ الْهِبَةِ وَالصَّدَقَةِ عِنْدَ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ: أَبِيعُك عَبْدِي هَذَا بِخَمْسَةِ أَثْوَابٍ مَوْصُوفَةٍ إلَى أَجَلٍ، أَيُّهُمَا رَأْسُ الْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: الْعَبْدُ رَأْسُ الْمَالِ. قُلْت: فَإِنْ قَالَ لِي رَجُلٌ: أَشْتَرِي عَبْدَك مِنْك بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ مَوْصُوفَةٍ إلَى أَجَلٍ، أَيُّهُمَا رَأْسُ الْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: الْعَبْدُ رَأْسُ الْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى فِعْلِهِمَا وَلَا يُنْظَرُ إلَى لَفْظِهِمَا، وَهُوَ حِينَ قَالَ أَشْتَرِي مِنْك عَبْدَك هَذَا بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ مَوْصُوفَةٍ إلَى أَجَلٍ، إنَّمَا هَذَا سَلَمٌ وَإِنَّمَا أَخْطَأَ فِي اللَّفْظِ، وَرَأْسُ الْمَالِ هَهُنَا إنَّمَا هُوَ الْعَبْدُ. قُلْت: فَإِنْ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ هَهُنَا، وَقَدْ كَانَ قَالَ لَهُ أَشْتَرِي مِنْك عَبْدَك هَذَا بِعَشَرَةِ أَثْوَابٍ مَوْصُوفَةٍ إلَى أَجَلٍ، أَتَبْطُلُ الْأَثْوَابُ أَمْ لَا؟
قَالَ: تَبْطُلُ الْأَثْوَابُ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ هُوَ رَأْسُ الْمَالِ، فَلَمَّا اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ بَطَلَتْ الْأَثْوَابُ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَسْلَمْت ثَوْبًا فِي عَشَرَةِ أَرَادِبَ حِنْطَةٍ إلَى شَهْرٍ، وَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ إلَى شَهْرٍ آخَرَ، فَأَسْلَمْت الثَّوْبَ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ كُلِّهَا، وَجَعَلْت آجَالَهَا مُخْتَلِفَةً كَمَا ذَكَرْت لَك؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِذَلِكَ، مُخْتَلِفَةً جَعَلْت آجَالَهَا أَوْ مُجْتَمِعَةً. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اُسْتُحِقَّ نِصْفُ هَذَا الثَّوْبِ الَّذِي أَسْلَمْت فِي جَمِيعِ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْمُسَلَّمُ إلَيْهِ هَذَا الثَّوْبُ مُخَيَّرٌ فِي: أَنْ يَرُدَّ النِّصْفَ الْبَاقِيَ الَّذِي بَقِيَ فِي يَدَيْهِ وَيَبْطُلُ جَمِيعُ السَّلَمِ، وَفِي أَنْ يَقْبَلَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ الَّذِي لَمْ يُسْتَحَقَّ بِنِصْفِ الَّذِي أَسْلَمَ الثَّوْبَ فِيهِ. قُلْت: وَعَلَى مَاذَا قُلْته؟
قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي: لَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ عَبْدًا أَوْ ثَوْبًا بِثَمَنٍ فَاسْتُحِقَّ نِصْفُ ذَلِكَ، فَإِنَّ الْمُبْتَاعَ بِالْخِيَارِ، إنْ شَاءَ أَنْ يَرُدَّهُ كُلَّهُ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَكُونَ لَهُ نِصْفٌ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، وَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ، فَيَأْخُذُ ذَلِكَ مِنْهُ. وَلَيْسَ لِلْبَائِعِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ، فَهَذَا عِنْدِي مِثْلُهُ. قُلْت: وَسَوَاءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ هَذَا، اُسْتُحِقَّ نِصْفُ الثَّوْبِ عِنْدَ الَّذِي أَسْلَمَ فِي تِلْكَ الْأَشْيَاءِ، قَبْلَ أَنْ يَدْفَعَ الثَّوْبَ أَوْ بَعْدَمَا دَفَعَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ سَوَاءٌ.
قُلْت: فَإِنْ أَسْلَمَ ثَوْبَيْنِ فِي فَرَسٍ مَوْصُوفٍ، فَاسْتُحِقَّ أَحَدُ الثَّوْبَيْنِ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ. قَالَ: وَأَرَى إنْ كَانَ الثَّوْبَانِ مُتَكَافِئِينَ، أَوْ كَانَ الْمُسْتَحَقُّ هُوَ وَجْهُ مَا اشْتَرَى وَفِيهِ الْفَضْلُ، انْتَقَضَ السَّلَمُ، وَإِنْ كَانَ تَافِهًا لَيْسَ مِنْ أَجْلِهِ اشْتَرَى، وَلَا فِيهِ رَجَاءُ الْفَضْلِ، كَانَ عَلَيْهِ قِيمَةُ مَا اُسْتُحِقَّ وَثَبَتَ السَّلَمُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالسَّلَمُ فِي هَذَا وَمَا اشْتَرَى يَدًا بِيَدٍ بَعْضَهُ بِبَعْضٍ فَهُوَ سَوَاءٌ مَا يُفْسَخُ فِي بَيْعٍ يَدًا بِيَدٍ يُفْسَخُ فِي السَّلَمِ أَمْرُهُمَا وَاحِدٌ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ اشْتَرَى يَدًا بِيَدٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا اُسْتُحِقَّ، أَوْ يُوجَدُ بِهِ عَيْبٌ، فَمَسْأَلَتُك فِي السَّلَمِ عِنْدِي مِثْلُ
стр. 1975
هَذَا.
قُلْت: أَرَأَيْت مَا أَسْلَمْت فِيهِ مِنْ الْحَيَوَانِ إلَى أَجَلٍ، فَقَبَضْته ثُمَّ زَادَ فِي يَدَيَّ ثُمَّ اسْتَحَقَّهُ مُسْتَحِقٌّ، بِمَ أَرْجِعُ عَلَى الَّذِي أَسْلَمْت إلَيْهِ، أَبِقِيمَتِهِ يَوْمَ اُسْتُحِقَّ فِي يَدَيَّ أَوْ بِصِفَتِهِ الَّتِي أَسْلَمْت فِيهَا؟
قَالَ: بِصِفَتِهِ الَّتِي أَسْلَمْت فِيهَا، وَلَا تَرْجِعُ بِالزِّيَادَةِ الَّتِي زَادَ عِنْدَك. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا قَوْلُهُ.
[فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الْحُلِيَّ بِذَهَبٍ أَوْ وَرِقٍ ثُمَّ يُسْتَحَقُّ]
ُّ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ إبْرِيقَ فِضَّةٍ بِدَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ فَاسْتُحِقَّتْ الدَّرَاهِمُ أَوْ الدَّنَانِيرُ، أَيُنْقَضُ الْبَيْعُ بَيْنَنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَتَجْعَلُهُ صَرْفًا؟
قَالَ: نَعَمْ، أَرَاهُ صَرْفًا وَيَنْتَقِضُ الْبَيْعُ بَيْنَكُمَا.
قَالَ: وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ الَّتِي تُجْعَلُ مَنْ الْفِضَّةِ مِثْلَ الْأَبَارِيقِ؟
قَالَ: وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ هَذَا مِنْ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ وَمَجَامِيرَ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ - سَمِعْت ذَلِكَ مِنْهُ - وَالْأَقْدَاحِ وَاللُّجُمِ وَالسَّكَاكِينِ الْمُفَضَّضَةِ، وَإِنْ كَانَتْ تُبَاعُ فَلَا أَرَى أَنْ تُشْتَرَى.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ صَرَفْت دَرَاهِمَ بِدَنَانِيرَ فَاسْتُحِقَّتْ الدَّرَاهِمُ بِعَيْنِهَا، أَيَنْتَقِضُ الصَّرْفُ أَمْ لَا؟
قَالَ: أَرَى الصَّرْفَ يَنْتَقِضُ. قُلْت: فَإِنْ اُسْتُحِقَّتْ سَاعَةَ صَارَفْته؟ فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهَا: خُذْ مَكَانَهَا مِثْلَهَا، أَيَصْلُحُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ مَكَانَهُ سَاعَةَ صَارَفَهُ، فَلَا أَرَى بِذَلِكَ بَأْسًا. وَإِنْ تَطَاوَلَ ذَلِكَ وَافْتَرَقَا، انْتَقَضَ الصَّرْفُ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت خَلْخَالَيْنِ مِنْ رَجُلٍ بِدَنَانِيرَ أَوْ بِدَرَاهِمَ، فَاسْتَحَقَّهَا رَجُلٌ فِي يَدَيَّ بَعْدَمَا افْتَرَقْنَا - أَنَا وَبَائِعِي - فَقَالَ الَّذِي اسْتَحَقَّ الْخَلْخَالَيْنِ: أَنَا أُجِيزُ الْبَيْعَ وَأُتْبِعُ الَّذِي أَخَذَ الثَّمَنَ؟
قَالَ: لَا يَصْلُحُ هَذَا؛ لِأَنَّ هَذَا صَرْفٌ، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يُعْطَى الْخَلْخَالَيْنِ وَلَا يَنْتَقِدُ الثَّمَنَ. قُلْت: فَإِنْ كَانَا لَمْ يَفْتَرِقَا - مُشْتَرِي الْخَلْخَالَيْنِ وَبَائِعُهُمَا - حَتَّى اسْتَحَقَّهُمَا رَجُلٌ، فَقَالَ الْمُسْتَحِقُّ: أَنَا أُجِيزُ بَيْعَ الْخَلْخَالَيْنِ وَآخُذُ الدَّنَانِيرَ؟
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ إذَا أَجَازَ الْمُسْتَحِقُّ الْبَيْعَ وَالْخَلْخَالَانِ حَاضِرَانِ - وَأَخَذَ الدَّنَانِيرَ مَكَانَهُ.
قَالَ: ذَلِكَ جَائِزٌ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْخَلْخَالَانِ قَدْ بَعَثَ بِهِمَا مُشْتَرِيهِمَا إلَى الْبَيْتِ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَلَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى افْتِرَاقِ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي بَعْدَمَا اشْتَرَى الْخَلْخَالَيْنِ إذَا اسْتَحَقَّهُمَا رَجُلٌ، وَالْخَلْخَالَانِ حَاضِرَانِ حِينَ اسْتَحَقَّهُمَا وَأَجَازَ الْبَيْعَ، فَقَالَ لَهُ مُشْتَرِي الْخَلْخَالَيْنِ أَوْ بَائِعُهُمَا: أَنَا أَدْفَعُ إلَيْك الثَّمَنَ حِينَ أَجَزْت الْبَيْعَ وَكَانَ ذَلِكَ مَعًا؟
قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ جَائِزٌ، وَلَا يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ إلَّا إلَى حُضُورِ الْخَلْخَالَيْنِ وَالنَّقْدِ مَعَ إجَازَةِ هَذَا الْمُسْتَحِقِّ الْبَيْعَ، فَإِذَا كَانَ هَكَذَا جَازَ وَإِلَّا فَلَا. قُلْت: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا
стр. 1976
[كِتَابُ الشُّفْعَةِ الْأَوَّلُ] [ بَابُ تَشَافُعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ]
ُ بَابُ تَشَافُعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ قُلْت لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ شُفْعَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الْمُسْلِمِ وَالنَّصْرَانِيِّ تَكُونُ بَيْنَهُمَا الدَّارُ فَيَبِيعُ الْمُسْلِمُ نَصِيبَهُ، هَلْ لِلنَّصْرَانِيِّ فِيهِ شُفْعَةٌ؟
قَالَ: نَعَمْ أَرَى ذَلِكَ لَهُ، مِثْلُ لَوْ كَانَ شَرِيكُهُ مُسْلِمًا. قُلْت: فَلَوْ كَانَ ذِمِّيَّانِ شَرِيكَيْنِ فِي دَارٍ فَبَاعَ أَحَدُهُمَا، أَتَكُونُ لِصَاحِبِهِ الشُّفْعَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: إنْ تَحَاكَمَا إلَى الْمُسْلِمِينَ حُكِمَ بَيْنَهُمَا بِالشُّفْعَةِ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: إذَا تَرَاضَيَا فَأَرَى أَنْ يُحْكَمَ بَيْنَهُمَا بِالشُّفْعَةِ.
[بَابُ تَشَافُعِ أَهْلِ السِّهَامِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَتَرَكَ ثَلَاثَةَ بَنِينَ، اثْنَانِ مِنْهُمْ لِأُمٍّ وَأَب وَالْآخَرُ لِأَبٍ وَحْدَهُ، وَتَرَكَ دَارًا بَيْنَهُمْ فَلَمْ يَقْتَسِمُوا، فَبَاعَ أَحَدُ الْأَخَوَيْنِ اللَّذَيْنِ لِأُمٍّ وَأَب حِصَّتَهُ، أَتَكُونُ الشُّفْعَةُ لِأَخِيهِ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ دُونَ الْأَخِ لِلْأَبِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الشُّفْعَةُ لِأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَأَخِيهِ لِأَبِيهِ جَمِيعًا، لَيْسَتْ الشُّفْعَةُ لِأَحَدِهِمَا دُونَ الْآخَرِ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ هَذَا الْأَخُ لَمْ يَبِعْ، وَلَكِنْ وُلِدَ لِأَحَدِهِمْ أَوْلَادٌ، ثُمَّ مَاتَ الَّذِي وُلِدَ لَهُ، فَبَاعَ وَاحِدٌ مِنْ أَوْلَادِ هَذَا الْمَيِّتِ حِصَّتَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الشُّفْعَةُ لِأَخَوَيْهِ أَوْلَادِ هَذَا الْمَيِّتِ دُونَ أَعْمَامِهِمْ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ صَارُوا أَهْلَ وِرَاثَةٍ دُونَ أَعْمَامِهِمْ. قُلْت: فَكُلُّ قَوْمٍ وَرِثُوا رَجُلًا وَبَعْضُ الْوَرَثَةِ أَقْعَدُ بِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضِ، وَإِنَّمَا تَعَدُّدُهُمْ مِنْ قِبَلِ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَقْرَبُ بِأُمِّهِ، وَهُمْ أَهْلُ سَهْمٍ وَاحِدٍ أَوْلَادُ عِلَّاتٍ أَوْ إخْوَةٌ مُخْتَلِفُونَ، فَبَاعَ رَجُلٌ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ، فَالشُّفْعَةُ لِجَمِيعِهِمْ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - وَلَا تَكُونُ الشُّفْعَةُ لِلَّذِي هُوَ أَقْعَدُ بِهَذَا الْبَائِعِ؟
قَالَ: نَعَمْ كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ
стр. 1977
سَهْمٍ وَاحِدٍ جَمِيعُهُمْ، فَالشُّفْعَةُ بَيْنَهُمْ جَمِيعِهِمْ، فَلَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى مَنْ هُوَ أَقْعَدُ بِالْبَائِعِ مِنْ صَاحِبِهِ. قُلْت: فَإِنْ وُلِدَ لِأَحَدِهِمْ وَلَدٌ فَمَاتَ، وَبَاعَ أَحَدُ وَلَدِهِ، أَيَنْتَقِلُ هَذَا الْأَمْرُ، وَيَصِيرُونَ شُفَعَاءَ - بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ - دُونَ أَهْلِ السَّهْمِ الْأَوَّلِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ انْتَقَلُوا مِنْ حَالِ السَّهْمِ الْأَوَّلِ إلَى وِرَاثَةٍ بَعْدَ ذَلِكَ، فَبَعَضُهُمْ أَوْلَى بِشُفْعَةِ بَعْضٍ، فَإِنْ سَلَّمَ هَؤُلَاءِ شُفْعَتَهُمْ فَالشُّفْعَةُ لِأَعْمَامِهِمْ عِنْدَ مَالِكٍ. وَإِنْ بَاعَ بَعْضُ الْأَعْمَامِ فَالشُّفْعَةُ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ إخْوَتِهِ وَوَلَدِ إخْوَتِهِ جَمِيعًا، مِنْ قِبَلِ أَنَّ وَالِدَهُمْ كَانَ فِي ذَلِكَ السَّهْمِ الَّذِي وَرِثَهُ الْأَعْمَامُ؛ لِأَنَّ وَالِدَهُمْ كَانَ فِي ذَلِكَ السَّهْمِ وَلَيْسَ الْأَعْمَامُ مَعَهُمْ فِي شُفْعَتِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ صَارُوا أَهْلَ وِرَاثَةٍ دُونَ الْأَعْمَامِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَتَرَكَ ابْنَتَيْنِ وَأُخْتَيْنِ وَتَرَكَ دَارًا، فَلَمْ يَقْتَسِمْنَ الدَّارَ حَتَّى بَاعَتْ إحْدَى الِابْنَتَيْنِ حِصَّتَهَا مَنْ الدَّارِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الشُّفْعَةُ لِأُخْتِهَا دُونَ عَمَّتَيْهِمَا؛ لِأَنَّهَا وَأُخْتَهَا أَهْلُ سَهْمٍ دُونَ عَمَّتَيْهِمَا، وَإِنَّمَا عَمَّتَاهُمَا هُنَا عِنْدَ مَالِكٍ عَصَبَةٌ. قُلْت: فَإِنْ لَمْ تَبِعْ الِابْنَةُ وَلَكِنْ بَاعَتْ إحْدَى الْأُخْتَيْنِ حِصَّتَهَا؟
قَالَ: فَالشُّفْعَةُ لِأُخْتِهَا وَلِلِابْنَتَيْنِ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. قُلْت: وَلِمَ جَعَلَ مَالِكٌ الشُّفْعَةَ لِلْبَنَاتِ دُونَ الْأَخَوَاتِ، وَجَعَلَ شُفْعَةَ الْأَخَوَاتِ لِلْبَنَاتِ وَلِلْأَخَوَاتِ جَمِيعًا؟
قَالَ: لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا كَانَ أَهْلُ سَهْمٍ وَرِثُوا رَجُلًا، وَوَرِثَتْ مَعَهُمْ عَصَبَتُهُمْ، فَبَاعَ بَعْضُ أَهْلِ السَّهْمِ حِصَّتَهُ، فَأَهْلُ السَّهْمِ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ مِنْ عَصَبَتِهِ. وَإِنْ بَاعَ أَحَدٌ مِنْ الْعَصَبَةِ حِصَّتَهُ فَأَهْلُ السَّهْمِ وَالْعَصَبَةُ فِي الشُّفْعَةِ جَمِيعًا؛ لِأَنَّ أَهْلَ السَّهْمِ هُوَ لَهُمْ شَيْءٌ مُسَمًّى فِي كِتَابِ اللَّهِ، وَالْعَصَبَةُ لَيْسَ لَهُمْ ذَلِكَ مُسَمًّى وَلَيْسَ لَهُمْ سَهْمٌ مُسَمًّى.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا هَلَكَ وَتَرَكَ نِصْفَ دَارٍ لَهُ - شِرْكَةً بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ فِي الدَّارِ مُشَاعَةً غَيْرَ مَقْسُومَةٍ، فَوِرْثَهُ عَصَبَتُهُ، فَبَاعَ رَجُلٌ مِنْ الْعَصَبَةِ حِصَّتَهُ مِنْ الدَّارِ، أَتَكُونُ الشُّفْعَةُ لِلْعَصَبَةِ دُونَ شُرَكَائِهِمْ فِي الدَّارِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ مَالِكٌ: الشُّفْعَةُ لِلْعَصَبَةِ دُونَ شُرَكَائِهِمْ فِي الدَّارِ، فَإِنْ سَلَّمَ الْعَصَبَةُ الشُّفْعَةَ فَالشُّفْعَةُ لِشُرَكَائِهِمْ. قُلْت: لِمَ وَالْعَصَبَةُ هَهُنَا لَيْسُوا أَهْلَ سَهْمٍ مُسَمًّى؟
قَالَ:؛ لِأَنَّهُمْ أَهْلُ وِرَاثَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ سَهْمٌ مُسَمًّى.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ هَلَكَ رَجُلٌ وَتَرَكَ ابْنَتَيْنِ وَعَصَبَةً، وَتَرَكَ نِصْفَ دَارٍ شِرْكَتُهُ فِيهَا مُشَاعَةٌ غَيْرُ مَقْسُومَةٍ، فَبَاعَتْ إحْدَى الِابْنَتَيْنِ حِصَّتَهَا فَسَلَّمَتْ أُخْتُهَا الشُّفْعَةَ، أَتَكُونُ الشُّفْعَةُ لِلْعَصَبَةِ دُونَ الشُّرَكَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ الْعَصَبَةَ وَالْبَنَاتِ أَهْلُ وِرَاثَةٍ دُونَ الشُّرَكَاءِ. قُلْت: فَالْجَدَّتَانِ إذَا وَرِثَتَا السُّدُسَ، أَتَجْعَلُهُمَا أَهْلَ سَهْمٍ؟ وَتَحْمِلُهُمَا مَحْمَلَ أَهْلِ السَّهْمِ؟ أَمْ تَجْعَلهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْعَصَبَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُمَا بِمَنْزِلَةِ أَهْلِ السَّهْمِ، الشُّفْعَةُ لَهُمَا دُونَ مَنْ وَرِثَ الْمَيِّتَ مَعَهُمَا؛ لِأَنَّ الْجَدَّتَيْنِ أَهْلُ سَهْمٍ.
стр. 1978
قُلْت: وَلَا يَرِثُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَكْثَرُ مِنْ جَدَّتَيْنِ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَا يَرِثُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ مِنْ الْجَدَّاتِ أَكْثَرُ مِنْ جَدَّتَيْنِ. قُلْت: فَإِنْ كُنَّ أَخَوَاتٍ لِأُمٍّ، مَعَهُنَّ وَرَثَةٌ سِوَاهُنَّ، فَبَاعَتْ إحْدَى الْأَخَوَاتِ لِلْأُمِّ حِصَّتَهَا مِنْ الدَّارِ؟
قَالَ: فَالْأَخَوَاتُ لِلْأُمِّ أَحَقُّ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلُ سَهْمٍ دُونَ سِوَاهُنَّ مِنْ الْوَرَثَةِ. قُلْت: فَالْأَخَوَاتُ لِلْأَبِ إذَا أَخَذَتْ الْأُخْتُ لِلْأُمِّ أَوْ الْأَبِ النِّصْفَ، وَأَخَذَ الْأَخَوَاتُ لِلْأَبِ السُّدُسَ تَكْمِلَةَ الثُّلُثَيْنِ، فَبَاعَتْ إحْدَى الْأَخَوَاتِ حِصَّتَهَا، فَطَلَبَتْ الْأُخْتُ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ أَنْ تَدْخُلَ مَعَهُنَّ فِي الشُّفْعَةِ، وَقَالَ الْأَخَوَاتُ لِلْأَبِ: الشُّفْعَةُ لَنَا دُونَك؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا، وَأَرَى الشُّفْعَةَ لِلْأُخْتِ لِلْأَبِ وَالْأُمِّ مَعَ الْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ أَهْلُ سَهْمٍ وَاحِدٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ السُّدُسَ الَّذِي صَارَ لِلْأَخَوَاتِ لِلْأَبِ، إنَّمَا هُوَ تَكْمِلَةُ الثُّلُثَيْنِ، فَإِنَّمَا هَذَا سَهْمٌ وَاحِدٌ.
[بَابُ اقْتِسَامِ الشُّفْعَةِ]
ِ قُلْت: مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الشُّفْعَةِ، أَتُقْسَمُ عَلَى عَدَدِ الرِّجَالِ أَمْ عَلَى قَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا الشُّفْعَةُ عَلَى قَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ وَلَيْسَ عَلَى عَدَدِ الرِّجَالِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَخْبَرَنِي ابْنُ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: الشُّفْعَةُ عَلَى قَدْرِ الْأَنْصِبَاءِ.
[بَابُ التَّشَافُعِ وَالشَّرِكَةِ فِي السَّاحَةِ وَالطَّرِيقِ]
ِ قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ قَوْمًا اقْتَسَمُوا دَارًا بَيْنَهُمْ، فَعَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بُيُوتَهُ وَمَقَاصِيرَهُ، إلَّا أَنْ السَّاحَةَ بَيْنَهُمْ لَمْ يَقْتَسِمُوهَا، أَتَكُونُ الشُّفْعَةُ بَيْنَهُمْ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ لَا شُفْعَةَ بَيْنَهُمْ إذَا اقْتَسَمُوا. قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَقْتَسِمُوا السَّاحَةَ، قَدْ اقْتَسَمُوا الْبُيُوتَ، فَلَا شُفْعَةَ بَيْنَهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: وَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْت إذَا كَانَتْ السَّاحَةُ وَاسِعَةً، فَأَرَادُوا قِسْمَتَهَا فَيَأْخُذُ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ قَدْرَ حِصَّتِهِ يَحُوزُهُ إلَى مَنْزِلِهِ فَيَرْتَفِقُ بِهِ؟
قَالَ: إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ ضَرَرًا رَأَيْت أَنْ يُقْسَمَ. قُلْت: أَرَأَيْت السِّكَّةَ غَيْرَ النَّافِدَةِ تَكُونُ فِيهَا دُورٌ لِقَوْمٍ، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ دَارِهِ، أَيَكُونُ لِأَصْحَابِ السِّكَّةِ الشُّفْعَةُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا شُفْعَةَ لَهُمْ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْت: وَلَا تَكُونُ الشُّفْعَةُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - بِالشَّرِكَةِ فِي الطَّرِيقِ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَا شُفْعَةَ بَيْنَهُمْ إذَا كَانُوا شُرَكَاءَ فِي الطَّرِيقِ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا شُفْعَةَ بَيْنَهُمْ إذَا اقْتَسَمُوا الدَّارَ وَإِنْ كَانَتْ السَّاحَةُ بَيْنَهُمْ لَمْ يَقْتَسِمُوهَا
стр. 1979
[بَابُ مَا لَا تَقَعُ فِيهِ الشُّفْعَةُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت مَا سِوَى الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ، أَفِيه الشُّفْعَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شُفْعَةَ إلَّا فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالنَّخْلِ وَالشَّجَرِ. فَلَتَ: وَالشَّجَرُ؟
قَالَ: الشَّجَرُ بِمَنْزِلَةِ النَّخْلِ.
قَالَ: وَقَدْ جَعَلَ مَالِكٌ فِي الثَّمَرِ الشُّفْعَةَ. قُلْت: وَلَا شُفْعَةَ فِي دَيْنٍ وَلَا حَيَوَانٍ وَلَا سُفُنٍ وَلَا بَزٍّ وَلَا طَعَامٍ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْعُرُوضِ وَلَا سَارِيَةٍ وَلَا حَجَرٍ وَلَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ، سِوَى مَا ذَكَرْت لِي كَانَ مِمَّا يُقْسَمُ أَوْ لَا يُقْسَمُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَا شُفْعَةَ فِي ذَلِكَ، وَلَا شُفْعَةَ إلَّا فِيمَا ذَكَرْت لَك.
[الشُّفْعَةُ فِي النَّقْضِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَذِنَ لِرَجُلَيْنِ فِي أَنْ يَبْنِيَا فِي عَرْصَةٍ لَهُ، فَبَنَيَا بِأَمْرِهِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ مِنْ النَّقْضِ، أَتَكُونُ فِي ذَلِكَ الشُّفْعَةُ أَمْ لَا فِي، قَوْلِ مَالِكٍ وَلِمَنْ تَكُونُ الشُّفْعَةُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ أَذِنَ لِرَجُلٍ أَنْ يَبْنِيَ فِي عَرْصَتِهِ، فَأَرَادَ الْخُرُوجَ مِنْهَا وَيَأْخُذُ نَقْضَهُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: صَاحِبُ الْعَرْصَةِ عَلَيْهِ بِالْخِيَارِ، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ النَّقْضِ وَيَأْخُذَهَا فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَبَى أَسْلَمَهَا إلَى صَاحِبِهَا يَنْقُضُهَا.
قَالَ: وَسُئِلَ مَالِكٌ عَنْ قَوْمٍ حُبِسَتْ عَلَيْهِمْ دَارٌ فَبَنَوْا فِيهَا، ثُمَّ إنَّ أَحَدَهُمْ مَاتَ، فَأَرَادَ بَعْضُ وَرَثَةِ الْمَيِّتِ أَنْ يَبِيعَ نَصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ الْبُنْيَانِ، فَقَالَ إخْوَتُهُ: نَحْنُ نَأْخُذُهُ بِالشُّفْعَةِ. أَفَتَرَى فِي مِثْلِ هَذَا شُفْعَةً لَهُمْ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: مَا الشُّفْعَةُ إلَّا فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ، وَإِنَّ هَذَا الشَّيْءَ مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا، وَمَا أَرَى إذَا نَزَلَ مِثْلُ هَذَا إلَّا وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ الشُّفْعَةُ. وَنَزَلْت بِالْمَدِينَةِ فَرَأَيْت مَالِكًا اسْتَحْسَنَ أَنْ يُجْعَلَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ الشُّفْعَةُ. فَمَسْأَلَتُك، إنْ أَحَبَّ صَاحِبُ الدَّارِ أَنْ يَأْخُذَ نَقْضَهُ بِالْقِيمَةِ أَخَذَ ذَلِكَ، وَلَمْ يُنْظَرْ فِي ذَلِكَ إلَى مَا بَاعَ بِهِ صَاحِبُ النَّقْضِ إنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ النَّقْضَ وَيَدْفَعَ إلَى رَبِّ النَّقْضِ قِيمَةَ نَقْضِهِ، كَانَ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ قِيمَةُ النَّقْضِ أَكْثَرَ مِمَّا بَاعَ بِهِ، فَيَكُونَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ النَّقْضَ بِهَذَا الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ قِيمَتِهِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ قَدْ رَضِيَ بِهَذَا، فَإِنْ أَبَى رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ، فَالشَّرِيكُ أَوْلَى مِنْ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الشُّرَكَاءِ الَّذِينَ بَنَوْا فِي حَبْسِهِمْ فَبَاعَ بَعْضُهُمْ: أَنَّهُ رَأَى لَهُمْ الشُّفْعَةَ لِأَنَّ ذَلِكَ يُدْخِلُ عَلَى الْبَاقِي مِنْهُمْ إذَا تَرَكَهُ صَاحِبُ الْأَرْضِ مَضَرَّةً إذَا صَارَ هَذَا يَهْدِمُ نِصْفَ كُلِّ بَيْتٍ فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ فَسَادٌ.
قَالَ: وَإِنَّمَا أَصْلُ الشُّفْعَةِ إنَّمَا جُعِلَتْ لِلْمَضَرَّةِ.
[شُفْعَةُ الْعَبِيدِ]
ِ قُلْت: هَلْ لِلْعَبِيدِ شُفْعَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَهُمْ الشُّفْعَةُ عِنْدَ مَالِكٍ.
стр. 1980
[شُفْعَةُ الصَّغِيرِ]
ِ قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ صَبِيًّا وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ، مَنْ يَأْخُذُ لَهُ بِالشُّفْعَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: الْوَالِدُ. قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَالِدٌ؟
قَالَ: فَالْوَصِيُّ. قِيلَ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَصِيٌّ؟
قَالَ: فَالسُّلْطَانُ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ فِي مَوْضِعٍ لَا سُلْطَانَ فِيهِ، وَلَا أَبَ لَهُ وَلَا وَصِيَّ؟
قَالَ: فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ إذَا بَلَغَ.
قَالَ: وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ لِهَذَا الصَّغِيرِ وَالِدٌ، فَلَمْ يَأْخُذْ لَهُ بِالشُّفْعَةِ، وَلَمْ يَتْرُكْ حَتَّى بَلَغَ الصَّبِيُّ، وَقَدْ مَضَى لِذَلِكَ عَشْرُ سِنِينَ، أَيَكُونُ الصَّبِيُّ عَلَى شُفْعَتِهِ إذَا بَلَغَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى لِلصَّغِيرِ فِيهِ شُفْعَةً؛ لِأَنَّ وَالِدَهُ بِمَنْزِلَتِهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الصَّبِيَّ نَفْسَهُ لَوْ كَانَ بَلَغَ فَتَرَكَ أَنْ يَأْخُذَ شُفْعَتَهُ عَشْرِ سِنِينَ، لَكَانَ ذَلِكَ قَطْعًا لِشُفْعَتِهِ وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك؛ لِأَنَّ وَالِدَهُ بِمَنْزِلَتِهِ.
[أَجَلِ شُفْعَةِ الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ]
فِي أَجَلِ شُفْعَةِ الْغَائِبِ وَالْحَاضِرِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ شَفِيعًا عَلِمَ بِالِاشْتِرَاءِ فَلَمْ يَطْلُبْ شُفْعَتَهُ سَنَةً، أَيَكُونُ عَلَى شُفْعَتِهِ؟
قَالَ: وَقَفْت مَالِكًا عَلَى السَّنَةِ فَلَمْ يَرَهُ كَثِيرًا، وَلَمْ يَرَ السَّنَةَ مِمَّا تُقْطَعُ بِهِ الشُّفْعَةُ. وَقَالَ: التِّسْعَةُ الْأَشْهُرِ وَالسَّنَةُ قَرِيبٌ، وَلَا أَرَى فِيهَا قَطْعًا لِلشُّفْعَةِ.
قَالَ: فَقُلْت لِمَالِكٍ: فَلَوْ كَانَ هَذَا الشَّفِيعُ قَدْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ فِي هَذَا الِاشْتِرَاءِ، ثُمَّ قَامَ يَطْلُبُ شُفْعَتَهُ بَعْدَ ذَلِكَ؟
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ كَانَ قَدْ كَتَبَ شَهَادَتَهُ، فَلَا أَرَى فِي ذَلِكَ مَا تُقْطَعُ بِهِ شُفْعَتُهُ.
قَالَ: وَلَمْ أَسْأَلْهُ عَنْ مَا وَرَاءِ ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَأَرَى إنْ أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ، أَنْ يُسْتَحْلَفَ مَا كَانَ وُقُوفُهُ تَرْكًا لِلشُّفْعَةِ إذَا تَبَاعَدَ هَكَذَا.
[بَابُ أَخْذِ الشُّفْعَةِ الْجَدُّ لِابْنِ ابْنِهِ وَشُفْعَةِ الْمُكَاتَبِ وَأُمِّ الْوَلَدِ]
ِ قُلْت: أَيَأْخُذُ الْجَدُّ لِلصَّبِيِّ بِالشُّفْعَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ وَالِدٌ وَلَا وَصِيٌّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى، أَنْ يُرْفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ فَيَنْظُرَ فِي ذَلِكَ. قُلْت وَالْمُكَاتَبُ وَأُمُّ الْوَلَدِ، أَلَهُمَا الشُّفْعَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَبِيدَ لَهُمْ الشُّفْعَةُ عِنْدَ مَالِكٍ.
[بَابُ اخْتِلَافِ الْمُشْتَرِي وَالشَّفِيعِ فِي الثَّمَنِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اخْتَلَفَ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ الَّذِي اُشْتُرِيَتْ بِهِ الدَّارُ، الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِمَا
стр. 1981
لَا يُشْبِهُ فَلَا يُصَدَّقُ عِنْدِي، إلَّا أَنْ يَكُونَ مِثْلَ هَؤُلَاءِ الْمُلُوكِ، يَرْغَبُ أَحَدُهُمْ فِي الدَّارِ لِضِيقِ دَارِهِ فَيُثَمِّنُهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ. قُلْت: وَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ؟
قَالَ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهَا فِيمَا يَتَغَابَنُ النَّاسُ فِيهِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَقَامَا جَمِيعًا الْبَيِّنَةَ؟
قَالَ: إذَا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْعَدَالَةِ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي فِي الثَّمَنِ، وَهُمَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَا بَيِّنَةَ لَهُمَا؛ لِأَنَّ الدَّارَ فِي يَدِهِ وَهَذَا رَأْيِي.
[بَابُ عُهْدَةِ الشَّفِيعِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنَّ اشْتَرَيْت شِقْصًا فِي دَارٍ، فَلَمْ أَقْبِضْ الشِّقْصَ وَلَمْ أَدْفَعْ الثَّمَنَ حَتَّى قَامَ الشَّفِيعُ عَلَى شُفْعَتِهِ، فَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِمَّنْ يَأْخُذُ الدَّارَ؟ وَإِلَى مَنْ يَدْفَعُ الثَّمَنَ؟ وَعَلَى مَنْ تَكُونُ عُهْدَتُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَخَذَ شِقْصًا فِي دَارٍ بِشُفْعَةٍ، فَإِنَّمَا عُهْدَتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي وَلَيْسَ عَلَى الْبَائِعِ.
قَالَ: وَلَمْ يَخْتَلِفْ عِنْدَ مَالِكٍ، قَبَضَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ.
قَالَ: وَلَقَدْ سَمِعْت عَنْهُ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْهُ: أَنَّ مِنْ حُجَّتِهِ فِي أَنَّ عُهْدَتَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، أَنَّ الشَّفِيعَ يَقُولُ: قَدْ عَرَفْت أَنَّهُ يَبِيعُ وَلَكِنَّهُ رَجُلٌ سَيِّئُ الْمُخَالَطَةِ، وَلَمْ أَدْرِ مَا يَلْحَقُ الدَّارَ وَقَالَ هُوَ: مِدْيَانٌ أَوْ مَا أَشْبَهَهُ، فَأَحْبَبْت أَنْ تَكُونَ تَبَاعَتِي عَلَى ثِقَةٍ. فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّ هَذَا لَهُ حُجَّةٌ، وَأَنَّهُ جَعَلَ تِبَاعَةَ هَذَا الشَّفِيعِ عَلَى الْمُشْتَرِي. قُلْت: فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمُشْتَرِي لَمْ يَنْقُدْ الثَّمَنَ وَلَمْ يَقْبِضْ الدَّارَ وَغَابَ الْمُشْتَرِي، كَيْفَ يَصْنَعُ هَذَا الشَّفِيعُ؟
قَالَ: يَنْظُرُ فِيهِ السُّلْطَانُ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَى مِنْهُ وَلَمْ يَنْقُدْهُ، أَيَكُونُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ قَبْضِ الدَّارِ حَتَّى يَنْتَقِدَ الثَّمَنَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: فَإِنْ قَالَ الشَّفِيعُ: هَذَا الثَّمَنُ وَادْفَعُوا إلَيَّ الدَّارَ، وَقَالَ رَبُّ الدَّارِ: لَا أَدْفَعُ الدَّارَ حَتَّى أُنْتَقَدَ الثَّمَنُ كَيْفَ يُصْنَعُ بِهَذَا الثَّمَنِ وَالْمُشْتَرِي لَمْ يَدْفَعْ إلَى الْبَائِعِ؟
قَالَ: لَا تُؤْخَذُ الدَّارُ عِنْدَ مَالِكٍ مِنْ بَائِعِهَا حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ.
قَالَ: فَإِنْ أَحَبَّ الشَّفِيعُ أَنْ يَدْفَعَ الثَّمَنَ إلَى الْبَائِعِ، دَفَعَ وَقَبَضَ الدَّارَ وَتَكُونُ عُهْدَتُهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَلِأَنَّ دَفْعَهُ الثَّمَنَ هَهُنَا إنَّمَا هُوَ قَضَاءٌ عَنْ الْمُشْتَرِي عِنْدِي.
قُلْت: فَإِنْ كَانَ عَلَى مُشْتَرِي الدَّارِ دَيْنٌ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَقْبِضْ الدَّارَ وَلَمْ يَدْفَعْ الثَّمَنَ، فَقَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ، وَقَالَ الْغُرَمَاءُ: نَحْنُ نُرِيدُ دَيْنَنَا، وَقَالَ رَبُّ الدَّارِ: لَا أَدْفَعُ الدَّارَ حَتَّى اُسْتُوْفِيَ ثَمَنَهَا؟
قَالَ: يُقَالُ لِلشَّفِيعِ: ادْفَعْ الثَّمَنَ إلَى رَبِّ الدَّارِ قَضَاءً عَنْ الْمُشْتَرِي وَاقْبِضْ الدَّارَ. وَلَا يَكُونُ هَهُنَا لِلْغُرَمَاءِ شَيْءٌ؛ لِأَنَّ بَائِعَ الدَّارِ، لَهُ أَنْ يَمْنَعَ الدَّارَ حَتَّى يَقْبِضَ الثَّمَنَ، وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ يَقُولُ: لَا أَدْفَعُ الثَّمَنَ إلَى الْمُشْتَرِي لِأَنِّي أَخَافُ أَنْ يَسْتَهْلِكَهُ، وَإِنَّمَا أَدْفَعُ الثَّمَنَ لِأَقْبِضَ الدَّارَ بِشُفْعَتِي، فَلَا يَكُونُ هَهُنَا لِلْغُرَمَاءِ شَيْءٌ. وَلِأَنَّ الشَّفِيعَ، لَوْ أَسْلَمَهَا بِيعَتْ الدَّارُ، فَأَعْطَى صَاحِبَ الدَّارِ الثَّمَنَ الَّذِي بِيعَتْ بِهِ الدَّارُ، وَكَانَ أَحَقَّ بِذَلِكَ الثَّمَنِ مِنْ الْغُرَمَاءِ، إلَّا أَنْ يَقُومَ بِهِ الْغُرَمَاءُ فَيُفَلِّسُونَهُ، فَيَكُونُ رَبُّ الدَّارِ أَوْلَى بِدَارِهِ، إلَّا أَنْ يَضْمَنَ
стр. 1982
لَهُ الْغُرَمَاءُ الثَّمَنَ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ، فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى مَا ذَكَرْت وَيُبَيِّنُ لَك.
[فِي طَلَبِ الشَّفِيعِ الشُّفْعَةَ وَالْمُشْتَرِي غَائِبٌ]
ٌ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ غَابَ وَحَضَرَ الشَّفِيعُ، أَيُقْضَى لَهُ بِالشُّفْعَةِ وَالْمُشْتَرِي غَائِبٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَغِيبِ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ جَائِزٌ عِنْدَ مَالِكٍ، وَيَكُون الْغَائِبُ عَلَى حُجَّتِهِ إذَا قَدِمَ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مَنْ دَارٍ بِثَمَنٍ إلَى أَجَلٍ مَنْ الْآجَالِ، فَقَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا آخُذُ الدَّارَ وَأَنْقُدُ الثَّمَنَ، لِمَنْ يَكُونُ هَذَا الثَّمَنُ؟ أَلِلْمُشْتَرِي إلَى الْأَجَلِ أَمْ لِلْبَائِعِ؟ وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ: إنَّمَا الثَّمَنُ عَلِيّ إلَى الْأَجَلِ فَلَا أُعَجِّلُهُ. لِمَنْ يَكُونُ هَذَا الثَّمَنُ قَبْلَ الْأَجَلِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَبْتَاعُ الشِّقْصَ مِنْ الدَّارِ إلَى أَجَلٍ: إنَّ الشَّفِيعَ إنْ كَانَ مَلِيًّا، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا إلَى ذَلِكَ الْأَجَلِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَلِيًّا فَأَتَى بِحَمِيلٍ مَلِيٍّ ثِقَةٍ، فَذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. فَأَرَى فِيمَا سَأَلْت عَنْهُ، أَنَّهُ إنَّمَا يَدْفَعُ الثَّمَنَ إلَى الْمُشْتَرِي لَيْسَ إلَى الْبَائِعِ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ وَجَبَ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي. وَإِنَّمَا يَجِبُ لِلْمُشْتَرِي الثَّمَنُ عَلَى الشَّفِيعِ. أَلَا تَرَى أَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ لِلْمُشْتَرِي، وَالْمُشْتَرِي قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ الثَّمَنُ لِلْبَائِعِ، وَقَدْ قَبَضَ الْمُشْتَرِي الدَّارَ، وَهُوَ إنْ لَمْ يَكُنْ قَبَضَ فَلَيْسَ لَهُ لِلْبَائِعِ أَنْ يَمْنَعَهُ قَبْضَ الدَّارِ.
قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ بَائِعَ شِقْصِ الدَّارِ - الَّذِي بَاعَ إلَى أَجَلٍ - قَالَ لِلْمُشْتَرِي: أَنَا أَرْضَى أَنْ يَكُونَ مَالِي عَلَى الشَّفِيعِ إلَى الْأَجَلِ؟
قَالَ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ الثَّمَنَ قَدْ وَجَبَ لِلْبَائِعِ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَفْسَخَهُ بِدَيْنٍ عَلَى رَجُلٍ آخَرَ، فَيَصِيرُ هَذَا دَيْنًا بِدَيْنٍ وَذِمَّةً بِذِمَّةٍ.
[بَابُ اشْتَرَاكِ الشُّفَعَاءِ فِي الشُّفْعَةِ]
ِ قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ لَهَا شَفِيعَانِ، فَقَالَ أَحَدُ الشَّفِيعِينَ: أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ، وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا - أُسَلِّمُ الشُّفْعَةَ. فَقَالَ الْمُشْتَرِي لِلشَّفِيعِ الَّذِي قَالَ أَنَا آخُذُ: خُذْ الْجَمِيعَ أَوْ اُتْرُكْ. وَقَالَ الشَّفِيعُ: لَا آخُذُ إلَّا حِصَّتِي؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُ الشَّفِيعُ الْجَمِيعَ أَوْ يَتْرُكُ، وَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا الْجَمِيعَ إذَا تَرَكَ ذَلِكَ صَاحِبُهُ، فَقَدْ صَارَتْ الشُّفْعَةُ لَهُ كُلُّهَا، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَهَا دُونَ بَعْضٍ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى حُظُوظَ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ - صَفْقَةً وَاحِدَةً - وَشَفِيعُهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَقَالَ شَفِيعُهَا: أَنَا آخُذُ حَظَّ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَأُسَلِّمُ حُظُوظَ الِاثْنَيْنِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: خُذْ الْجَمِيعَ أَوْ أَتْرُكْ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقَالُ لِلشَّفِيعِ: خُذْ الْجَمِيعَ أَوْ أَتْرُكْ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ؛ لِأَنَّهَا صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ إنَّمَا اشْتَرَى مِنْهُمْ صَفَقَاتٍ
стр. 1983
مُخْتَلِفَاتٍ، اشْتَرَى مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَظَّهُ عَلَى حِدَةٍ، فِي صَفْقَةٍ عَلَى حِدَةٍ، فَقَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا آخُذُ حَظَّ وَاحِدٍ وَأَدَعُ حَظَّ الِاثْنَيْنِ؟ فَقَالَ: ذَلِكَ لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أَخَذَ الشَّفِيعُ حَظَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ نُظِرَ إلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَخَذَ حَظَّ أَوَّلِ صَفْقَةٍ اشْتَرَاهَا الْمُشْتَرِي، فَلَا شُفْعَةَ لِلْمُشْتَرِي فِيهَا مَعَهُ؛ لِأَنَّ صَفْقَتَيْهِ الْبَاقِيَتَيْنِ إنَّمَا وَقَعَتَا بَعْدَ هَذِهِ الصَّفْقَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَخَذَ الشَّفِيعُ الصَّفْقَةَ الثَّانِيَةَ، كَانَ لِلْمُشْتَرِي مَعَهُ الشُّفْعَةُ أَيْضًا، بِقَدْرِ صَفْقَتِهِ الْأُولَى، وَلَا تَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ بِصَفْقَتِهِ الْآخِرَةِ؛ لِأَنَّهَا إنَّمَا كَانَتْ بَعْدَ الصَّفْقَةِ الثَّانِيَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَخَذَ الْآخِرَةَ، كَانَ الْمُشْتَرِي شَفِيعًا مَعَ الشَّفِيعِ بِالصَّفْقَتَيْنِ الْأُولَيَتَيْنِ كِلْتَيْهِمَا، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْت: وَكَانَ مَالِكٌ يَقُولُ: لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ، وَأَنَا شَفِيعُ هَذَا الشِّقْصِ قَبْلَ اشْتِرَائِي إيَّاهُ، وَلِهَذَا الشِّقْصِ مَعِي شَفِيعٌ آخَرُ، أَلِي الشُّفْعَةُ فِيمَا اشْتَرَيْت مَعَ الشَّفِيعِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، لَهُمَا الشُّفْعَةُ بَيْنَهُمَا عَلَى قَدْرِ حُظُوظِهِمَا، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ الشُّفْعَةِ اشْتِرَاؤُهُ الشِّقْصَ، وَلَهُ الشُّفْعَةُ فِيمَا اشْتَرَى عِنْدَ مَالِكٍ.
[بَابُ اشْتِرَاءِ الشِّقْصِ وَعُرُوضٍ مَعَهُ صَفْقَةً وَاحِدَةً]
ً قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ وَعُرُوضًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَقَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا آخُذُ الشِّقْصَ بِشُفْعَتِي مِنْ الدَّارِ وَلَا آخُذُ الْعُرُوضَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: خُذْ الْجَمِيعَ أَوْ دَعْ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ الدَّارَ وَيَدَعَ الْعُرُوضَ، لَا يَأْخُذُهَا وَيَقْسِمُ الثَّمَنَ عَلَى قِيمَةِ الشِّقْصِ مِنْ الدَّارِ وَعَلَى قِيمَةِ الْعُرُوضِ، فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِمَا أَصَابَهُ مِنْ الثَّمَنِ. قُلْت: وَمَتَى يَقُومُ هَذَا الشِّقْصُ، أَيَوْمَ يَقُومُ الشَّفِيعُ لِلْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، أَمْ يَوْمَ اشْتَرَى الْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَقُومُ هَذَا الشِّقْصُ يَوْم وَقَعَ الِاشْتِرَاءُ وَلَا يَقُومُ الْيَوْمَ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ سَكَنَ هَذَا الشِّقْصَ حَتَّى أَبْلَى الْمَسَاكِنَ وَانْهَدَمَتْ بِسُكْنَاهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَوْ هَدَمَهَا هَذَا الْمُشْتَرِي، ثُمَّ أَرَادَ الشَّفِيعُ أَخْذَهَا بِالشُّفْعَةِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا إلَّا بِجَمِيعِ مَا اشْتَرَاهَا بِهِ الْمُشْتَرِي، فَكَذَلِكَ هَذَا الَّذِي اشْتَرَى الشِّقْصَ وَالْعُرُوضَ فِي صَفْقَةٍ، إذَا أَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنَّمَا يَقُومُ هَذَا الشِّقْصُ قِيمَتَهُ يَوْمَ وَقَعَ الِاشْتِرَاءُ، فَيَأْخُذُهُ بِحِصَّتِهِ مِنْ الثَّمَنِ.
[بَابُ اشْتِرَاءِ الرَّجُلَيْنِ الشِّقْصَ وَالشَّفِيعُ وَاحِدٌ]
ٌ قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْت إنْ كَانَ بَائِعُ الشِّقْصِ رَجُلًا وَاحِدًا وَالْمُشْتَرِي رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا آخُذُ حِصَّةَ أَحَدِهِمَا، وَقَالَ الْمُشْتَرِيَانِ: بَلْ خُذْ الْجَمِيعَ أَوْ دَعْ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّ الشَّفِيعَ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا الْجَمِيعَ أَوْ يَدَعَ،
стр. 1984
وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ حِصَّةَ أَحَدِهِمَا وَيَدَعَ الْأُخْرَى؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَقَعَتْ وَاحِدَةً. وَكُلُّ صَفْقَةٍ وَقَعَتْ وَاحِدَةً، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بَعْضَهَا وَيَتْرُكَ بَعْضَهَا؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَاحِدَةٌ وَإِنْ اشْتَرَاهُمَا رَجُلَانِ.
[بَابُ رُجُوعِ الشَّفِيعِ فِي الشُّفْعَةِ بَعْدَ تَسْلِيمِهِ إيَّاهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أُخْبِرَ الشَّفِيعُ بِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ اشْتَرَى بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا، فَسَلَّمَ الشُّفْعَةَ، فَنَظَرَ فَإِذَا هُوَ قَدْ اشْتَرَى بِأَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَطَلَبَ شُفْعَتَهُ، فَقَالَ: لَهُ الشُّفْعَةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَيَحْلِفُ بِاَللَّهِ مَا سَلَّمَ الشُّفْعَةَ إلَّا لِمَكَانِ الثَّمَنِ الْكَثِيرِ، فَأَمَّا إذَا كَانَ بِهَذَا الثَّمَنِ فَأَنَا آخُذُهُ؛ لِأَنَّهُ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ بَاعَ شِقْصًا لَهُ فِي دَارٍ، فَقَالَ شَرِيكُهُ: أُشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ أَخَذْت، ثُمَّ بَدَا لَهُ أَنْ لَا يَأْخُذَ، فَقَالَ: إنْ كَانَ عَلِمَ بِكَمْ بِيعَتْ بِهِ الدَّارُ، فَذَلِكَ يَلْزَمُهُ حَتَّى يُبَاعَ فِيهَا مَالُهُ. وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ فَقَالَ إنَّمَا قُلْت أَنَا آخُذُ، فَأَمَّا إنْ كَانَ بِهَذَا الثَّمَنِ فَلَا آخُذُ.
قَالَ مَالِكٌ: فَذَلِكَ لَهُ. فَلِذَلِكَ رَأَيْت الْأَوَّلَ مِثْلَ مَا وَصَفْت لَك.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَسْلَمَ الشُّفْعَةَ قَبْلَ الِاشْتِرَاءِ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إنِّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ الْحِصَّةَ الَّتِي أَنْتَ شَفِيعُهَا، فَقَالَ: اشْتَرِ فَقَدْ سَلَّمْت لَك شُفْعَتِي. فَلَمَّا اشْتَرَى الْمُشْتَرِي قَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا آخُذُ بِشُفْعَتِي؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لَهُ يَأْخُذُ بِشُفْعَتِهِ.
[بَابُ اخْتِلَافِ الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي وَالْبَائِعِ فِي الثَّمَنِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ، وَقَالَ الشَّفِيعُ: بَلْ اشْتَرَيْتهَا بِخَمْسِينَ دِينَارًا، وَقَالَ الْبَائِعُ: بَلْ بِعْتهَا بِمِائَتِي دِينَارٍ؟
قَالَ: إنْ كَانَتْ الدَّارُ فِي يَدَيْ الْبَائِعِ أَوْ يَدِ الْمُشْتَرِي، وَلَمْ تَفُتْ بِطُولِ الزَّمَانِ، أَوْ بِهَدْمِ الدَّارِ أَوْ تَغْيِيرِ الْمَسَاكِنِ أَوْ بِبَيْعٍ أَوْ بِهِبَةٍ أَوْ بِصَدَقَةٍ، أَوْ بِمَا تَخْرُجُ بِهِ مِنْ مِلْكِ الْمُشْتَرِي، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ. وَإِنْ تَغَيَّرَتْ الدَّارُ بِمَا ذَكَرْت لَك، وَهِيَ فِي يَدَيْ الْمُشْتَرِي وَقَدْ قَبَضَهَا، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي. وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْبُيُوعِ، ثُمَّ يَأْخُذُ الشَّفِيعُ عَلَى مِثْلِ ذَلِكَ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ فَأَخَذَهَا بِالشُّفْعَةِ، فَوَضَعَ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي تِسْعَمِائَةِ دِرْهَمٍ بَعْدَمَا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: يُنْظَرُ فِي قِيمَةِ الدَّارِ، فَإِنْ كَانَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ثَمَنُهَا عِنْدَ النَّاسِ مِائَةَ دِرْهَمٍ إذَا تَغَابَنُوا بَيْنَهُمْ، أَوْ اشْتَرَوْا بِغَيْرِ تَغَابُنٍ، قِيلَ لِلْمُشْتَرِي: أَنْتَ لَمْ تَشْتَرِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَلَكِنْ هَذِهِ ذَرِيعَةٌ فِيمَا بَيْنَكُمَا. وَإِنَّمَا أَرَدْتُمَا قَطْعَ الشُّفْعَةِ عَنْ هَذَا الشَّفِيعِ، فَلَا يَكُونُ لَكُمَا لَك. وَإِنْ كَانَتْ قِيمَةُ هَذِهِ الدَّارِ عِنْدَ النَّاسِ، لَا تُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ بِهَذِهِ الْمِائَةِ، فَاَلَّذِي تَرَكَ الْبَائِعُ لِلْمُشْتَرِي هِبَةٌ، وَلَا يَرْجِعُ الشَّفِيعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِشَيْءٍ مِنْ
стр. 1985
ذَلِكَ. قُلْت: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ الْبَائِعُ تَرَكَ ذَلِكَ لِلْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ هُوَ سَوَاءٌ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنَّهُ رَأْيِي.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: اشْتَرَيْتهَا بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الْبَائِعُ: بِعْتهَا بِأَلْفَيْنِ، فَأَنْكَرَ ذَلِكَ الْمُشْتَرِي، وَتَحَالَفَا وَفُسِخَ الْبَيْعُ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ فَقَالَ: أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ بِأَلْفَيْنِ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ وَهَبَ لِرَجُلٍ شِقْصًا فِي دَارٍ لَهُ لِلثَّوَابِ، وَلَمْ يُثِبْهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ، وَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِالثَّوَابِ، فَقَالَ مَالِكٌ: لَا شُفْعَةَ لَهُ حَتَّى يُثِيبَ الْمَوْهُوبُ لَهُ رَبَّ الدَّارِ، فَمَسْأَلَتُك تُشْبِهُ هَذَا فَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِيهِ. قُلْت: وَلِمَ أَجَازَ مَالِكٌ الْهِبَةَ بِغَيْرِ ثَوَابٍ مُسَمًّى؟
قَالَ: أَجَازَهُ النَّاسُ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى وَجْهِ التَّفْوِيضِ فِي النِّكَاحِ. وَفِي الْقِيَاسِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جَائِزًا، وَلَكِنْ أَجَازَهُ النَّاسُ. فَمَسْأَلَتُك أَيْضًا فِي الشِّرَاءِ، لَا أَرَى فِيهَا الشُّفْعَةَ، مِثْلَ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْهِبَةِ حَتَّى يَأْخُذَ الْمُشْتَرِي وَيَجِبَ لَهُ الِاشْتِرَاءُ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْبَيِّعَيْنِ إذَا اخْتَلَفَا: «فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْبَائِعِ أَوْ يَتَرَادَّانِ» . فَقَدْ رَدَّهُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَصَارَ غَيْرَ بَيْعٍ، وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ إلَّا بَعْدَ الْبَيْعِ وَإِنَّمَا يَكْتُبُ آخِذُ الشُّفْعَةِ الْعُهْدَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي، وَهَهُنَا لَمْ تَقَعْ الْعُهْدَةُ عَلَى الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ مُنْكِرٌ. وَالْبَائِعُ إنَّمَا رَضِيَ أَنْ تَكُونَ الْعُهْدَةُ عَلَيْهِ لِلْمُشْتَرِي، وَلَمْ يَرْضَ أَنْ تَكُونَ عَلَيْهِ لِلشَّفِيعِ عُهْدَةٌ وَلَمْ يُرِدْ مُبَايَعَتَهُ.
[بَابٌ اشْتَرَى شِقْصًا فَقَاسَمَ شُرَكَاءَهُ ثُمَّ قَدِمَ الشَّفِيعُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ، لَهَا شَفِيعٌ غَائِبٌ فَقَاسَمَ شُرَكَاءَهُ ثُمَّ قَدِمَ الشَّفِيعُ فَقَالَ: أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ وَأَرُدُّ الْقِسْمَةَ؟
قَالَ: ذَلِكَ لَهُ؛ لِأَنَّ الْمُشْتَرِيَ لَوْ بَاعَ لَكَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَرُدَّ بَيْعَهُ، فَكَذَلِكَ مُقَاسَمَتُهُ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَوْلُ مَالِكٍ: إنَّهُ يَرُدُّ الْبَيْعَ الثَّانِي، فَإِذَا كَانَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَرُدَّ الْبَيْعَ الثَّانِي، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ الْقِسْمَةَ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ وَهْبَ مَا اشْتَرَى مَنْ الدَّارِ فَقَدِمَ الشَّفِيعُ فَقَالَ: أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ. لِمَنْ يَكُونُ هَذَا الثَّمَنُ، لِلْمَوْهُوبِ لَهُ أَمْ لِلْمُشْتَرِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَلَا يُشْبِهُ هَذَا مَا اُسْتُحِقَّ، وَلَا مَا كَانَ حُرًّا مِنْ الْعَبِيدِ؛ لِأَنَّ هَذَا حِينَ وَهَبَهُ، قَدْ عَلِمَ أَنَّهُ يُؤْخَذُ مِنْهُ بِالشُّفْعَةِ، فَكَأَنَّهُ إنَّمَا وَهْبَ لَهُ الثَّمَنَ. وَاَلَّذِي اسْتَحَقَّ إنَّمَا وَهَبَهُ بِعَيْنِهِ، وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَهَبَ لَهُ الثَّمَنَ، وَالْحُرِّيَّةُ كَذَلِكَ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ فَبَاعَهَا مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ بَاعَهَا الْمُشْتَرِي الثَّانِي أَيْضًا مِنْ غَيْرِهِ، ثُمَّ قَدِمَ الشَّفِيعُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِأَيِّ الْأَثْمَانِ شَاءَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، لَهُ عِنْدَ مَالِكٍ أَنْ يَأْخُذَهَا بِأَيِّ ثَمَنٍ شَاءَ، إنْ شَاءَ بِمَا اشْتَرَاهَا الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ وَيُفْسَخُ مَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ بُيُوعِهِمَا، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِالْبَيْعِ الثَّانِي وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ الثَّالِثُ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَهَا بِالْبَيْعِ الثَّالِثِ وَتَثْبُتُ الْبُيُوعَ كُلُّهَا بَيْنَهُمْ.
قُلْت: وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ تَصَدَّقَ
стр. 1986
بِمَا اشْتَرَى، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ فَقَالَ: أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ، أَتُفْسَخُ الصَّدَقَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَيَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ، وَالثَّمَنُ لِلْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ بِالشِّقْصِ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ تَزَوَّجَ بِمَا اشْتَرَى، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ فَأَخَذَهُ بِالشُّفْعَةِ، بِمَ تَرْجِعُ الْمَرْأَةُ عَلَى زَوْجِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: تَرْجِعُ عَلَيْهِ بِقِيمَةِ مَا أَخَذَ مِنْهَا يَوْمَ نَكَحَهَا بِهِ.
[بَابُ اشْتَرَى شِقْصًا بِثَمَنٍ ثُمَّ زَادَ الْبَائِعُ عَلَى ذَلِكَ الثَّمَنِ ثُمَّ قَدِمَ الشَّفِيعُ]
ُ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ، ثُمَّ أَتَانِي الْبَائِعُ فَقَالَ: اسْتَرْخَصْت فَزِدْنِي فِي الثَّمَنِ فَزِدْته، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ لِيَأْخُذَ بِشُفْعَتِهِ؟ فَقَالَ: يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ الْأَوَّلِ وَلَا يَلْتَفِت إلَى الزِّيَادَةِ؛ لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ قَدْ وَجَبَ عَلَيْهِ. قُلْت: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ اشْتَرَى مِنْهُ شِقْصًا مِنْ دَارٍ، ثُمَّ أَقَالَهُ، كَانَتْ الشُّفْعَةُ لِلشَّفِيعِ، وَكَانَتْ الْإِقَالَةُ بَاطِلًا إلَّا أَنْ يُسَلِّمَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ، فَتَكُونُ الْإِقَالَةُ جَائِزَةً. قُلْت: وَلَا تَكُونُ الْإِقَالَةُ بَيْعًا مِنْ الْبُيُوعِ، فَيَكُونُ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَهَا بِعُهْدَةِ الْإِقَالَةِ؟ قَالَ: لَيْسَتْ الْإِقَالَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ بَيْعًا مِنْ الْبُيُوعِ. قُلْت: فَالْإِقَالَةُ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، الْإِقَالَةُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بَيْعٌ حَادِثٌ. إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْإِقَالَةِ فِي الشُّفْعَةِ مَا أَخْبَرْتُك. قُلْت: أَرَأَيْت مَا حَطَّ الْبَائِعُ عَنْ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَخْذِ الشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ أَوْ بَعْدَ مَا أَخَذَ؟
قَالَ: إذَا وَضَعَ عَنْهُ مَا يَرَى أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ مِمَّا يُوضَعُ فِي الْبُيُوعِ، فَذَلِكَ يُوضَعُ عَنْ الشَّفِيعِ. وَإِنْ كَانَ شَيْئًا لَا يُوضَعُ مِثْلُهُ، فَإِنَّمَا ذَلِكَ هِبَةٌ، وَلَا يُوضَعُ عَنْ الشَّفِيعِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. .
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَتْ امْرَأَةٌ شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ، فَخَالَعَتْ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا بِذَلِكَ الشِّقْصِ، فَأَتَى الشَّفِيعُ فَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْ الزَّوْجِ بِالشُّفْعَةِ، عَلَى مَنْ تَكُونُ عُهْدَتُهُ؟
قَالَ: تَكُونُ الْعُهْدَةُ لِلشَّفِيعِ، إنْ شَاءَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَإِنْ شَاءَ عَلَى الزَّوْجِ. قُلْت: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهُ مِنْ الْمَرْأَةِ؟
قَالَ: يَأْخُذُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَتْ بِهِ أَوَّلًا. قُلْت: فَإِنْ أَخَذَ مِنْ الزَّوْجِ؟
قَالَ: يَأْخُذُهَا مِنْ الزَّوْجِ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ يَوْمَ خَالَعَتْهُ الْمَرْأَةُ عَلَى الدَّارِ، وَتَكُونُ عُهْدَتُهُ عَلَى الزَّوْجِ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الشِّقْصَ مِنْ الدَّارِ، فَيَتَزَوَّجُ بِهِ امْرَأَةً، فَيَقْدُمُ الشَّفِيعُ: إنَّ الشَّفِيعَ مُخَيَّرٌ، إنْ شَاءَ فَسْخَ عَطِيَّةَ الزَّوْجِ الْمَرْأَةَ الدَّارَ الَّتِي فِي صَدَاقِهَا، وَأَخَذَ الدَّارَ بِمَا اشْتَرَاهَا الزَّوْجُ، وَكَانَتْ عُهْدَتُهُ عَلَى الزَّوْجِ. وَإِنْ شَاءَ أَجَازَ عَطِيَّةَ الزَّوْجِ امْرَأَتَهُ الشِّقْصَ فِي صَدَاقِهَا، وَأَخَذَ الشُّفْعَةَ بِقِيمَةِ الشِّقْصِ، يَوْمَ أُعْطِيت الْمَرْأَةُ ذَلِكَ فِي صَدَاقِهَا، وَتَكُونُ عُهْدَتُهُ عَلَى الْمَرْأَةِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك فِي الْخُلْعِ. .
стр. 1987
[بَابُ تَلَوُّمِ السُّلْطَانِ عَلَى الشَّفِيعِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَرَادَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ وَلَمْ يُحْضِرْ نَقْدَهُ، أَيَتَلَوَّمُ لَهُ الْقَاضِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: رَأَيْت الْقُضَاةَ عِنْدَنَا، يُؤَخِّرُونَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ فِي النَّقْدِ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ.
قَالَ: وَرَأَيْت مَالِكًا اسْتَحْسَنَهُ وَأَخَذَ بِهِ وَرَآهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ، فَقَامَ الشَّفِيعُ وَأَخَذَ بِالشُّفْعَةِ فَلَمْ يَقْبِضْ مِنِّي الشِّقْصَ حَتَّى انْهَدَمَ، فَقَالَ: أَنَا أَتْرُكُ وَلَا آخُذُهُ؛ لِأَنَّ الدَّارَ قَدْ انْهَدَمَتْ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَكُونُ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَتْرُكَ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَخَذَ وَقَدْ وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ، فَمَا أَصَابَ الدَّارَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ مِنْ الشَّفِيعِ. قُلْت: وَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْبَيْعِ إذَا انْهَدَمَتْ الدَّارُ بَعْدَ الصَّفْقَةِ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُشْتَرِي، فَمَا أَصَابَ الدَّارَ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ مِنْ الْمُشْتَرِي، لَيْسَ مِنْ الْبَائِعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ لِرَجُلٍ غَائِبٍ، أَيَكُونُ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ؛ لِأَنَّ مَالِكًا يَرَى أَنْ يَقْضِيَ عَلَى الْغَائِبِ. قُلْت: وَهَلْ يَجُوزُ لِي أَنْ أُوَكِّلَ مَنْ يَأْخُذُ لِي شُفْعَتِي وَأَنَا غَائِبٌ أَوْ حَاضِرٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قِيلَ لِي: إنَّ فُلَانًا اشْتَرَى نِصْفَ نَصِيبِ شَرِيكِك فَسَلَّمْت شُفْعَتِي، ثُمَّ قِيلَ لِي: إنَّهُ قَدْ اشْتَرَى جَمِيعَ نَصِيبِهِ، فَقُلْت: قَدْ أَخَذْت بِالشُّفْعَةِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لِي أَمْ لَا؟
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى ذَلِكَ لَهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ، فَأَصَابَهَا هَدْمٌ مِنْ السَّمَاءِ أَوْ حَرْقٌ أَوْ غَرَقٌ، فَأَرَادَ الشَّفِيعُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُهَا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ أَوْ يَدَعُ. قُلْت: فَإِنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ فَهَدَمْتُهَا، فَأَتَى الشَّفِيعُ لِيَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُهَا بِالشُّفْعَةِ مَهْدُومَةً بِجَمِيعِ الثَّمَنِ وَيَأْخُذُ هَذَا النَّقْضَ مَهْدُومًا، وَلَا يَكُونُ لَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ هَدَمَهَا الْمُشْتَرِي ثُمَّ بَنَاهَا، قِيلَ لِلشَّفِيعِ: خُذْهَا بِجَمِيعِ مَا اشْتَرَى وَقِيمَةِ مَا عَمَّرَ فِيهَا، فَإِنْ أَبَى لَمْ تَكُنْ لَهُ شُفْعَةٌ.
[بَابُ اشْتِرَاءِ دَارٍ فَبَاعَ نَقْضَهَا ثُمَّ اسْتَحَقَّ رَجُلٌ نِصْفَهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى دَارًا مِنْ رَجُلٍ فَهَدَمَهَا فَبَاعَ نَقْضَهَا، ثُمَّ قَدِمَ رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الدَّارِ كَيْفَ يَصْنَعُ؟
قَالَ: إنْ لَمْ يَجُزْ الْبَيْعُ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ مَا اسْتَحَقَّ مِنْ الدَّارِ وَنِصْفَ الثَّمَنِ الَّذِي بَاعَ بِهِ النَّقْضَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّهُ. ثُمَّ إنْ أَرَادَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنَّهُ يَقْسِمُ الثَّمَنَ عَلَى مَا بَاعَ مِنْهَا وَمَا بَقِيَ يَوْمَ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ، وَلَا يَنْظُرُ إلَى ثَمَنِ مَا بَاعَ مِنْهُ. فَإِنْ كَانَ قِيمَةُ النَّقْضِ الَّذِي بَاعَ يَوْمَ وَقَعَتْ الصَّفْقَةُ هُوَ الثُّلُثَيْنِ، وَاَلَّذِي بَقِيَ مِنْ الدَّارِ ثُلُثُ
стр. 1988
الثَّمَنِ. فَيَدْفَعُ نِصْفَ الثُّلُثِ وَيَأْخُذُ الْعَرْصَةَ بِالشُّفْعَةِ، وَيَكُونُ لَهُ نِصْفُ ثَمَنِ النَّقْضِ الَّذِي بِيعَ مِنْ حِصَّتِهِ؛ لِأَنَّهُ هُوَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ كَانَ لَهُ نِصْفُ الْأَرْضِ وَنِصْفُ الْبُنْيَانِ، وَأَمَّا النِّصْفُ الْآخَرُ مِنْ النَّقْضِ فَهُوَ لِلْمُشْتَرِي، وَلَا يَرْجِعُ عَلَيْهِ فِيهِ بِشَيْءٍ؛ لِأَنَّهُ بَيْعٌ قَدْ جَازَ لَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلْآخِذِ. بِالشُّفْعَةِ فِيهِ شَيْءٌ وَفَاتَ الْبَيْعُ، فَإِنَّمَا يَرْجِعُ عَلَى مَا بَقِيَ بِالشُّفْعَةِ عَلَى مَا فَسَّرْت لَك، وَهَذَا الَّذِي بَلَغَنِي عَمَّنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ.
قَالَ: وَإِنَّمَا كَانَ لَهُ نِصْفُ ثَمَنِ النَّقْضِ؛ لِأَنَّ الْمُبْتَاعَ بَاعَ شَيْئًا نِصْفُهُ لِلْآخِذِ بِالشُّفْعَةِ. وَإِنَّمَا أُجِيزُ بَيْعَ نِصْفِ النَّقْضِ الَّذِي اشْتَرَاهُ الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّهُ بَاعَ شَيْئًا هُوَ لَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْآخِذِ بِالشُّفْعَةِ فِيهِ حَقٌّ، إلَّا أَنْ يُدْرِكَهُ لَمْ يَفُتْ، فَلَمَّا فَاتَ رَجَعَ إلَى الْعَرْصَةِ فَأَخَذَهَا بِحِصَّتِهَا مِمَّا يَبْقَى، وَقَدْ فَسَّرْت لَك مَا بَلَغَنِي. قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمُشْتَرِي بَاعَ مِنْ النَّقْضِ شَيْئًا قِيلَ لِلْمُسْتَحِقِّ: إنْ شِئْت خُذْ نِصْفَ الدَّارِ مَهْدُومَةً وَنِصْفَ هَذَا النَّقْضِ، وَلَيْسَ لَك عَلَى هَذَا الْمُشْتَرِي الَّذِي هَدَمَ مِنْ قِيمَةِ الْبُنْيَانِ الَّذِي هُدِمَ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا هُدِمَ عَلَى وَجْهِ الشُّبْهَةِ وَوَجْهِ الِاشْتِرَاءِ، وَهُوَ لَمْ يَبِعْ مِنْ النَّقْضِ شَيْئًا، فَيَكُونُ لَك أَنْ تُتْبِعَهُ بِمَا بَاعَ مِنْ النَّقْضِ. فَإِنْ أَبَى أَنْ يَأْخُذَ مَا اسْتَحَقَّ مِنْهَا مَهْدُومًا قِيلَ لَهُ: لَا شَيْءَ لَك وَاتْبَعْ الَّذِي بَاعَ، فَخُذْ مِنْهُ الثَّمَنَ الَّذِي بَاعَ بِهِ حِصَّتَك إنْ أَحْبَبْت. قُلْت: فَإِنْ أَخَذَ حِصَّتَهُ الَّتِي اسْتَحَقَّ وَقَالَ: أَنَا آخُذُ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: ذَلِكَ لَهُ. قُلْت: فَهَلْ يُتْبَعُ الْمُشْتَرِي إذَا أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ بِشَيْءٍ مِمَّا هَدَمَ مِنْ الْحَظِّ الَّذِي يَأْخُذُهُ هَذَا الْمُسْتَحِقُّ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: لَا، لَا يَضْمَنُ لَهُ شَيْئًا مِمَّا هَدَمَ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ بَاعَ شَيْئًا مِنْ النَّقْضِ؟
قَالَ: يَضْمَنُ لَهُ نِصْفَ مَا بَاعَ مِنْ ذَلِكَ إذَا أَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ بِالشُّفْعَةِ. قُلْت: فَالْمُشْتَرِي إذَا بَاعَ مِمَّا نَقَضَ شَيْئًا، أَخَذَ الْمُسْتَحِقُّ ذَلِكَ مِنْهُ، نِصْفُهُ بِاسْتِحْقَاقِهِ نِصْفَ الدَّارِ وَنِصْفُهُ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ مَا بَاعَ مِنْ النَّقْضِ حَاضِرًا لَمْ يَفُتْ، فَإِنْ فَاتَ النَّقْضُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ مِمَّا يُصِيبُهُ مِنْ الثَّمَنِ، وَإِنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الشُّفْعَةَ بِمَا يَقَعُ عَلَيْهَا مِنْ الثَّمَنِ. قُلْت: وَمَا لَمْ يَبِعْ مِنْ ذَلِكَ لَمْ يَضْمَنْ لَهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: لَا يَضْمَنُ لَهُ مَا هَدَمَ مِنْ حَظِّ النِّصْفِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ الْمُسْتَحِقُّ، وَلَا يَضْمَنُ لَهُ حَظَّ النِّصْفِ الَّذِي يَأْخُذهُ الْمُسْتَحِقُّ بِالشُّفْعَةِ.
قَالَ: نَعَمْ لَا يَضْمَنُ لَهُ شَيْئًا مِنْ هَذَا، إلَّا أَنْ يَبِيعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَيَضْمَنُ لَهُ بِحَالِ مَا وَصَفْت لَك. قُلْت: وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[مَا جَاءَ فِيمَنْ اشْتَرَى أَنْصِبَاءَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى نَصِيبًا مِنْ دَارَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً وَشَفِيعُهُمَا وَاحِدٌ، فَقَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا آخُذُ إحْدَى الدَّارَيْنِ وَأُسَلِّمُ الْأُخْرَى، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: خُذْ الْجَمِيعَ أَوْ دَعْ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقَالُ لِلشَّفِيعِ: خُذْ الْجَمِيعَ أَوْ دَعْ قُلْت: فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي اشْتَرَى هَذَيْنِ النَّصِيبَيْنِ مِنْ رَجُلَيْنِ مُخْتَلِفِينَ صَفْقَةً وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ
стр. 1989
يَأْخُذَ حَظَّ أَحَدِ الرَّجُلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ؛ لِأَنَّ الصَّفْقَةَ وَقَعَتْ وَاحِدَةً وَالْمُشْتَرِي وَاحِدٌ. فَإِمَّا أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ أَوْ يَدَعَ. قُلْت: وَكَذَلِكَ إنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ رِجَالٍ، لِأَحَدِهِمْ نَخْلٌ وَأَرْضٌ وَلِلْآخَرِ قَرْيَةٌ وَلِلْآخَرِ دُورٌ، فَبَاعُوا جَمِيعَ ذَلِكَ صَفْقَةً وَاحِدَةً مِنْ رَجُلٍ وَاحِدٍ - شَفِيعُ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَهَذِهِ النَّخْلِ وَهَذِهِ الدُّورِ رَجُلٌ وَاحِدٌ - فَقَالَ الشَّفِيعُ: أَنَا آخُذُ هَذِهِ النَّخْلَ بِحِصَّتِهَا مِنْ الثَّمَنِ وَلَا أُرِيدُ الْقَرْيَةَ وَلَا الدُّورَ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: خُذْ الْجَمِيعَ أَوْ دَعْ؟ فَقَالَ: سَأَلَتْ مَالِكًا عَنْ الشَّرِيكَيْنِ فِي الدُّورِ وَالْأَرَضِينَ وَالنَّخْلِ وَذَلِكَ مُفْتَرَقٌ، يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ، فَيَأْتِي الشَّفِيعُ فَيَقُولُ: أَنَا آخُذُ بَعْضَ ذَلِكَ دُونَ بَعْضٍ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ أَوْ يَدَعَ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ، عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ مَا يُحِبُّ وَيَدَعَ مَا يَكْرَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ الشُّفْعَةَ تَكُونُ فِيهِ كُلِّهِ، وَهُوَ كُلُّهُ مِمَّا تَجْرِي فِيهِ الشُّفْعَةُ، وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك فِي الثَّلَاثَةِ نَفَرٍ، لَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ أَوْ يَدَعَ؛ لِأَنَّهَا صَفْقَةٌ وَاحِدَةٌ وَمُشْتَرِيهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ وَشَفِيعُهَا رَجُلٌ وَاحِدٌ.
قَالَ: وَسَأَلَتْ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَبْتَاعُ مِنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ أَوْ مَنْ أَرْبَعَةٍ حُظُوظُهُمْ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَيَأْتِي شَفِيعٌ لَهُمْ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ فَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ حَظَّ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ؟ فَقَالَ لِي مَالِكٌ: إذَا كَانَتْ الصَّفْقَةُ وَاحِدَةً، فَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يُسَلِّمَهُ، فَمَسْأَلَتُك مِثْلُ هَذِهِ بِعَيْنِهَا. قُلْت: فَإِنْ كَانُوا ثَلَاثَةَ رِجَالٍ اشْتَرَوْا مِنْ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ دَارًا وَأَرْضًا وَنَخْلًا، وَشَفِيعُ هَذِهِ الدَّارِ وَالنَّخْلِ وَالْأَرْضِ رَجُلٌ وَاحِدٌ، فَأَتَى الشَّفِيعُ فَقَالَ: أَنَا آخُذُ حَظَّ أَحَدِهِمْ وَأُسَلِّمُ حَظَّ الِاثْنَيْنِ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ، فِيهِ شَيْئًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يُسَلِّمَهُ كُلَّهُ، وَهُوَ اشْتِرَاءُ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ أَوْ ثَلَاثَةِ نَفَرٍ مِنْ وَاحِدٍ أَوْ وَاحِدٍ مِنْ ثَلَاثَةٍ؛ لِأَنَّ وَاحِدًا لَوْ اشْتَرَى مِنْ ثَلَاثَةٍ، لَمْ يَكُنْ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ ذَلِكَ كُلَّهُ أَوْ يُسَلِّمَهُ كُلَّهُ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارَيْنِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، وَشَفِيعُ كُلُّ دَارٍ عَلَى حِدَةٍ، فَسَلَّمَ لِي أَحَدُهُمَا الشُّفْعَةَ وَأَرَادَ الْآخَرُ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، فَقُلْت لَهُ: خُذْ الصَّفْقَةَ كُلَّهَا أَوْ دَعْ، فَقَالَ: لَا آخُذُ الَّذِي أَنَا فِيهِ شَفِيعٌ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: لِلشَّفِيعِ أَنْ يَتْرُكَ تِلْكَ الَّتِي لَا شِرْكَ لَهُ فِيهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِشَفِيعٍ لَهَا وَيَأْخُذَ الَّتِي لَهُ فِيهَا شِرْكٌ؛ لِأَنَّهُ شَفِيعُهَا.
[مَا جَاءَ فِيمَنْ اشْتَرَى شِقْصًا فَوَهَبَهُ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ بِشُفْعَةٍ أَوْ غَيْرِهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى دَارًا فَوَهَبَهَا لِرَجُلٍ فَهَدَمَهَا، أَوْ وَهَبَ نَقْضَهَا لِرَجُلٍ فَهَدَمَهُ، ثُمَّ أَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الدَّارِ فَقَالَ: هَذَا وَالْبَيْعُ سَوَاءٌ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ الْمُشْتَرِيَ بَاعَ مِنْ غَيْرِهِ فَهَدَمَهَا الْمُشْتَرِي الْآخَرُ، أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلشَّفِيعِ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَةِ الْبِنَاءِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ الْهَادِمُ بَاعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ، فَبَيْعُهُ عَلَى مَا فَسَّرْت لَك فِيمَنْ بَاعَ نَقْضًا؟ وَكَذَلِكَ الْهِبَةُ فِي هَذَا؛ لِأَنَّ الْمَوْهُوبَ لَهُ لَمْ يَكُنْ غَاصِبًا، إنَّمَا هَدَمَ عَلَى وَجْهِ الْهِبَةِ وَالِاشْتِرَاءِ، فَلَا
стр. 1990
شَيْءَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بَاعَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَيَكُونُ بِحَالِ مَا وَصَفْت لَك؟ قُلْت: وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: ذَلِكَ فِي الْمُشْتَرِي، فَالْمَوْهُوبُ لَهُ مِثْلُهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى دَارًا مِنْ رَجُلٍ، فَوَهَبَهَا الرَّجُلُ فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَهَا وَأَخَذَ النِّصْفَ الْبَاقِيَ بِالشُّفْعَةِ، لِمَنْ يَكُونُ ثَمَنُ هَذَا النِّصْفِ الَّذِي يَأْخُذُهُ الْمُسْتَحِقُّ بِالشُّفْعَةِ، أَلِلْوَاهِبِ أَوْ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ؟
قَالَ: لِلْوَاهِبِ. قُلْت: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّهُ إنَّمَا وَهَبَ لَهُ الدَّارَ وَلَمْ يَهَبْ لَهُ الثَّمَنَ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هُوَ قَوْلُهُ، وَأَمَّا الَّذِي سَمِعْت أَنَا مِنْهُ إنَّمَا هُوَ فِي رَجُلٍ وَهَبَ لِرَجُلٍ جَارِيَةً، ثُمَّ هَلَكَ الْمَوْهُوبُ لَهُ الْجَارِيَةُ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّتْ الْجَارِيَةُ بِحُرِّيَّةٍ، فَقِيلَ لِمَالِكٍ: لِمَنْ هَذَا الثَّمَنُ الَّذِي أُخِذَ مِنْ بَائِعِهَا، أَلِوَرَثَةِ الْمَوْهُوبِ لَهُ أَمْ لِلْمُشْتَرِي الْوَاهِبِ؟ فَقَالَ مَالِكٌ: بَلْ لِلْوَاهِبِ، وَلَيْسَ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ وَلَا لِوَرَثَتِهِ شَيْءٌ.
قَالَ: وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي الِاسْتِحْقَاقِ أَيْضًا: إنَّ الثَّمَنَ لِلْوَاهِبِ إذَا وَهَبَ عَبْدًا فَاسْتَحَقَّ الْعَبْد أَنَّهُ مَسْرُوقٌ
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَى رَجُلٌ شِقْصًا مِنْ دَارٍ فَوَهَبَهَا الرَّجُلُ، فَأَتَى الشَّفِيعُ فَأَخَذَ بِالشُّفْعَةِ، لِمَنْ يَكُونُ الثَّمَنُ؟
قَالَ: إذَا وَهَبَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ لِلَّذِي وَهَبَ مِنْ الدَّارِ شَفِيعًا يَأْخُذُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ أَوْ يَتْرُكُ، فَأَرَى لِلْمَوْهُوبِ لَهُ. قُلْت: وَمَا فَرْقُ بَيْنَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَالْمَسْأَلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا فِي الَّذِي اشْتَرَى جَمِيعَ الدَّارِ فَوَهَبَهَا فَاسْتُحِقَّ نِصْفُهَا، فَقُلْتَ الثَّمَنُ لِلْوَاهِبِ، وَقُلْتَ هَهُنَا الثَّمَنُ لَهُ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْوَاهِبَ إنَّمَا وَهَبَ الدَّارَ كُلَّهَا وَلَمْ يَهَبْ الثَّمَنَ، وَإِنَّ الَّذِي وَهَبَ الشِّقْصَ مِنْ الدَّارِ قَدْ عَرَفَ أَنَّ لَهَا شَفِيعًا، إنَّمَا وَهَبَهَا لَهُ وَقَدْ عَرَفَ أَنَّ الشَّفِيعَ إنْ شَاءَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ، فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الثَّمَنِ شَيْءٌ.
[بَابُ الرُّجُوعِ فِي الشُّفْعَةِ بَعْدَ تَسْلِيمِهَا وَأَخْذِ الشُّفْعَةِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَى رَجُلَانِ حِصَّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ، فَأُخْبِرَ الشَّرِيكُ أَنَّ حِصَّةَ صَاحِبِك قَدْ اشْتَرَاهَا فُلَانٌ لِأَحَدِهِمَا، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ أَنَّ الْآخَرَ قَدْ اشْتَرَى مَعَ الَّذِي ذَكَرَ لَهُ فَقَالَ: قَدْ سَلَّمْتُ لَهُ الشُّفْعَةَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إنَّهُ لَمْ يَشْتَرِ هُوَ وَحْدَهُ وَإِنَّمَا اشْتَرَى هُوَ وَفُلَانٌ، فَقَالَ: أَنَا آخُذُ بِشُفْعَتِي، وَقَالَ الَّذِي سَلَّمَ لَهُ الشُّفْعَةَ: قَدْ سَلَّمْت لِي فَلَا أُعْطِيَك حِصَّتِي؟ فَقَالَ: أَرَى أَنْ يَأْخُذَهُمَا جَمِيعًا، حِصَّةَ الَّذِي سَلَّمَ لَهُ الشُّفْعَةَ وَحِصَّةَ الْآخَرِ الَّذِي لَمْ يُسَلِّمْ لَهُ الشُّفْعَةَ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَيْنِ إذَا اشْتَرَيَا مِنْ رَجُلٍ حِصَّتَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلشَّفِيعِ إلَّا أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ كُلِّهَا أَوْ يَتْرُكَ الْبَيْعَ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْبَيْعَ الْفَاسِدَ، أَفِيه الشُّفْعَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ إنْ كَانَ لَمْ يَفُتْ الْبَيْعُ الْفَاسِدُ رُدَّ بِعَيْنِهِ وَلَا شُفْعَةَ فِيهِ، حَتَّى وَإِنْ فَاتَ حَتَّى تَصِيرَ الدَّارُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْقِيمَةِ رَأَيْت الشُّفْعَةَ لِلشَّفِيعِ.
стр. 1991
[بَابُ حَوَالَةِ الْأَسْوَاقِ فِي الدُّورِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت حَوَالَةَ الْأَسْوَاقِ، أَهِيَ فِي الدُّورِ فَوْتٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَيْسَتْ بِفَوْتٍ. قُلْت: فَتَغْيِيرُ الْبِنَاءِ مِنْ غَيْرِ هَدْمٍ؟
قَالَ: لَا أَعْرِفُ هَذَا، وَإِنَّمَا الْفَوْتُ فِي الْبِنَاءِ إذَا كَانَ الْهَدْمُ، فَهَذَا فَوْتٌ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْت: وَيَكُونُ الْمُشْتَرِي قَدْ بَنَى فِيهَا بُنْيَانًا - الْبُيُوتَ وَالْقُصُورَ - فَهَذَا فَوْتٌ أَيْضًا؟
قَالَ: وَالْغَرْسُ أَيْضًا فَوْتٌ أَوْ يَشْتَرِيهَا وَفِيهَا غَرْسٌ فَيَمُوتُ الْغَرْسُ فَهَذَا أَيْضًا فَوْتٌ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْبَيْعَ الْفَاسِدَ إذَا وَلَّاهُ رَجُلٌ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟
قَالَ: إنْ وَلَّاهُ فَقَالَ: أُوَلِّيك كَمَا اشْتَرَيْت، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ وَيَنْتَقِضُ الْبَيْعُ أَيْضًا؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي الْأَوَّلُ قَدْ وَقَعَتْ فِي صَفْقَتِهِ بَيْعٌ وَسَلَفٌ، فَقَالَ لِلَّذِي وَلَّاهُ: أُوَلِّيك هَذِهِ السِّلْعَةَ كَمَا اشْتَرَيْتهَا، فَهَذَا لَا يَصْلُحُ؛ لِأَنَّ هَذَا الثَّانِيَ أَيْضًا قَدْ وَقَعَ فِي مِثْلِ مَا وَقَعَ فِيهِ الْأَوَّلُ فِي بَيْعٍ وَسَلَفٍ فَلَا يَجُوزُ. قُلْت: فَإِنْ قَالَ: قَدْ قَامَتْ عَلَيَّ هَذِهِ السِّلْعَةُ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَأَنَا أَبِيعُكهَا بِذَلِكَ؟
قَالَ: هَذَا قَدْ كَذَبَ، لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ؛ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ أَخَذَهَا بِمِائَةِ دِينَارٍ عَلَى أَنْ يُتِمَّ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ وَقِيمَةُ السِّلْعَةِ خَمْسُونَ دِينَارًا فَلَمْ تَقُمْ السِّلْعَةُ عَلَيْهِ بِمِائَةِ دِينَارٍ، فَهَذَا قَدْ كَذَبَ، فَيَكُونُ الْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ بِالْمِائَةِ أَخَذَ وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَرُدَّ رَدَّ، فَإِنْ فَاتَتْ فِي يَدِ الْمُشْتَرِي قَبْلَ أَنْ يَخْتَارَ قُوِّمَتْ السِّلْعَةُ، فَإِنْ بَلَغَتْ الْقِيمَةُ أَكْثَرَ مِنْ الْمِائَةِ لَمْ يَزِدْ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَضِيَ بِهَا أَوَّلًا، وَإِنْ كَانَتْ أَقَلَّ مِنْ الْمِائَةِ فَلَهُ ذَلِكَ.
قُلْت: فَإِنْ اشْتَرَاهَا بَيْعًا فَاسِدًا وَبَاعَهَا بَيْعًا صَحِيحًا؟
قَالَ: هَذَا فَوْتٌ أَيْضًا فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْبَيْعِ الصَّحِيحِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْبَيْعِ الْفَاسِد.
[الشُّفْعَةَ هَلْ تُورَثُ]
ُ وَرَثَةُ الشُّفْعَةِ قُلْت: أَرَأَيْت الشُّفْعَةَ، هَلْ تُورَثُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[بَابُ تَنَازُعِ الشَّفِيعِ وَالْغُرَمَاءِ فِي الدَّارِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الرَّجُلَ يَشْتَرِي شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ فَيَمُوتُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ، أَوْ يَقُومُ عَلَيْهِ الْغُرَمَاءُ وَلَمْ يَمُتْ، فَيَأْتِي الشَّفِيعُ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ فَيُرِيدُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ فِي قِيمَةِ الدَّارِ فَضْلًا عَمَّا اشْتَرَاهَا بِهِ، وَقَالَ الْغُرَمَاءُ: نَحْنُ نَأْخُذُ الدَّارَ؛ لِأَنَّ فِيهَا فَضْلًا عَمَّا اشْتَرَاهَا بِهِ؟
قَالَ: الشَّفِيعُ أَوْلَى مِنْ الْغُرَمَاءِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَلَهُ شَرِيكٌ فِي دَارٍ، فَبَاعَ شَرِيكُهُ حِصَّتَهُ مِنْهَا فَقَامَ غُرَمَاؤُهُ فَقَالُوا: خُذْ بِشُفْعَتِك فَإِنَّ فِيهَا فَضْلًا، فَقَالَ: لَا آخُذُ، فَقَالَ لَهُ الْغُرَمَاءُ: أَنْتَ مُضَارٌّ، فَنَحْنٌ نَأْخُذُ إذَا كَانَتْ لَك الشُّفْعَةُ فَإِنَّ فِيهَا فَضْلًا تَسْتَوْفِيه، فَقَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لِلشَّفِيعِ إنْ شَاءَ أَنْ يَأْخُذَ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَ تَرَكَ، وَلَيْسَ لِلْغُرَمَاءِ هَهُنَا حُجَّةٌ.
стр. 1992
[مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الشُّفْعَةِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَسْلَمَ الشَّفِيعُ الشُّفْعَةَ بِمَالٍ أَخَذَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَسْلَمَ الشُّفْعَةَ بَعْدَ وُجُوبِ الصَّفْقَةِ بِمَالٍ أَخَذَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ، وَإِنْ أَسْلَمَ شُفْعَتَهُ قَبْلَ وُجُوبِ الْبَيْعِ لِلْمُشْتَرِي بِمَالٍ أَخَذَهُ فَذَلِكَ بَاطِلٌ لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَجِبْ لَهُ الشُّفْعَةُ بَعْدُ، وَهُوَ مَرْدُودٌ، وَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ هَهُنَا، إنْ أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ شُفْعَتَهُ أَخَذَ وَإِنْ شَاءَ أَنْ يَتْرُكَ تَرَكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ إنْ سَلَّمَهَا بِمَالٍ قَبْلَ الْوُجُوبِ فَهُوَ كَذَلِكَ وَيَرُدُّ مَا أَخَذَ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ، فَأَتَى رَجُلٌ إلَى الشَّفِيعِ فَقَالَ: خُذْهَا بِشُفْعَتِك وَلَك مِنْهَا مِائَةُ دِينَارٍ رِبْحًا أُرْبِحُك فِيهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا يَجُوزُ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ شَفِيعًا وَجَبَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ، فَبَاعَ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ بِشُفْعَتِهِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يَجُوزُ ذَلِكَ. قُلْت: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
[شُفْعَةُ الْغَائِبِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الْغَائِبَ إذَا عَلِمَ بِالِاشْتِرَاءِ - وَهُوَ شَفِيعٌ - فَلَمْ يَقْدَمْ يَطْلُبُ بِالشُّفْعَةِ، حَتَّى مَتَى تَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا نَقْطَعُ عَنْ الْغَائِبِ الشُّفْعَةَ لِغَيْبَتِهِ. قُلْت: عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ؟
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي إلَّا فِيمَا عَلِمَ، أَمَا فِيمَا لَمْ يَعْلَمْ فَلَيْسَ فِيهِ كَلَامٌ وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ رَجُلٍ مَنْ دَارٍ بِإِفْرِيقِيَّةَ وَأَنَا بِمِصْرَ وَشَفِيعُهَا مَعِي بِمِصْرَ، فَأَقَامَ مَعِي زَمَانًا مِنْ دَهْرِهِ لَا يَطْلُبُ شُفْعَتَهُ، ثُمَّ خَرَجْنَا إلَى إفْرِيقِيَّةَ فَطَلَب شُفْعَتَهُ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُ قَوْلَ مَالِكٍ فِيهَا، وَأَرَى الدَّارَ الْغَائِبَةَ وَالْحَاضِرَةَ عِنْدِي سَوَاءٌ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ - قَامَ بِمِصْرَ أَوْ بِإِفْرِيقِيَّةَ - فَإِنَّ ذَلِكَ لَهُ مَا لَمْ يَطُلْ ذَلِكَ حَتَّى يَرَى أَنَّهُ تَارِكٌ لِلشُّفْعَةِ. وَفِي مَسْأَلَتِك الَّتِي ذَكَرْت أَنَّهُ مُقِيمٌ مَعَك زَمَانًا مِنْ دَهْرِهِ وَلَا يَطْلُبُ ذَلِكَ، فَلَا أَرَى لَهُ الشُّفْعَةَ إذَا كَانَ تَارِكًا لِذَلِكَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِهِ، حَتَّى يَطُولَ وَيَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ السَّنَةِ بِمَا يَرَى أَنَّهُ تَارِكٌ لَهَا، وَالدَّارُ الْحَاضِرَةُ وَالْغَائِبَةُ عِنْدِي فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَكَّلْت رَجُلًا يَشْتَرِي لِي شِقْصًا مِنْ دَارٍ وَهُوَ شَفِيعُهَا، أَوْ وَكَّلْتُهُ أَنْ يَبِيعَ لِي شِقْصًا مِنْ دَارٍ وَهُوَ شَفِيعُهَا فَفَعَلَ، فَبَاعَ أَوْ اشْتَرَى، أَتَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ فِي الْوَجْهَيْنِ؟
قَالَ: نَعَمْ. وَلَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِ سَمَاعِي هَذَا مِنْ مَالِكٍ فِيهِ.
[بَابُ الدَّعْوَى فِي الدُّورِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ دَارٌ فِي يَدَيْ رَجُلٍ، فَأَقَامَ رَجُلٌ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ هَذَا
стр. 1993
الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ، وَأَقَامَ الَّذِي الدَّارُ فِي يَدَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ هَذَا الْمُدَّعِي؟
قَالَ: إذَا تَكَافَأَتْ الْبَيِّنَتَانِ فِي الْعَدَالَةِ فَهِيَ لِلَّتِي فِي يَدَيْهِ، فَإِنْ لَمْ تَتَكَافَأْ الْعَدَالَةُ قُضِيَ بِالدَّارِ لِأَعْدَلِ الْبَيِّنَتَيْنِ.
[اخْتِلَافُ الْبَيِّعَيْنِ فِي الثَّمَنِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت دَارًا فَبَنَيْت فِيهَا بُيُوتًا أَوْ قُصُورًا، أَوْ وَهَبْتُهَا أَوْ بِعْتهَا ثُمَّ اخْتَلَفْنَا - أَنَا وَالْبَائِعُ - فِي الثَّمَنِ، الْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ؟
قَالَ: هَذَا فَوْتٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ لَهَا شَفِيعَانِ، فَسَلَّمَ لِي أَحَدُهُمَا الشُّفْعَةَ وَقَالَ الْآخَرُ: أَنَا آخُذُ جَمِيعَ الشُّفْعَةِ، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أُعْطِيك إلَّا قَدْرَ حِصَّتِك؟
قَالَ: لِلشَّفِيعِ أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، وَإِنْ قَالَ الْمُشْتَرِي: خُذْ الْجَمِيعَ، وَقَالَ الشَّفِيعُ: لَا آخُذُ إلَّا حِصَّتِي، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُ، إمَّا أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ وَإِمَّا أَنْ يَدَعَ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
[مَا جَاءَ فِي الشَّرِكَةِ فِي الشُّفْعَةِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ مُشْتَرَكَةٍ لَهَا شُفَعَاءُ وَكُلُّهُمْ غُيَّبٌ إلَّا وَاحِدًا حَاضِرًا، فَقَالَ الْحَاضِرُ: أَنَا آخُذُ الْجَمِيعَ بِشُفْعَتِي، وَقَالَ الْمُشْتَرِي: لَا أَدْفَعُ إلَيْك حُظُوظَ الْغُيَّبِ. أَوْ قَالَ الْمُشْتَرِي: خُذْ الْجَمِيعَ، وَقَالَ الشَّفِيعُ: لَا آخُذُ إلَّا قَدْرَ حِصَّتِي مَنْ الشُّفْعَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُ هَذَا الْحَاضِرُ جَمِيعَ ذَلِكَ أَوْ يَتْرُكُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. قُلْت: فَإِنْ قَدِمَ الْغُيَّبُ وَقَدْ أَخَذَ هَذَا الْحَاضِرُ الْجَمِيعَ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ: يَدْخُلُونَ بِالشُّفْعَةِ مَعَهُ إنَّ أَحَبُّوا كُلُّهُمْ، فَيَأْخُذُونَ بِقَدْرِ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ الشُّفْعَةِ، وَإِنْ أَخَذَ بَعْضُهُمْ وَأَبَى بَعْضٌ لَمْ يَكُنْ لِلْآخِذِ أَنْ يَأْخُذَ بِقَدْرِ حِصَّتِهِ وَيَدَعَ مَا بَقِيَ، وَلَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَرِيكًا يُقَاسِمُهُ جَمِيعَ مَا اشْتَرَى فَيَأْخُذُ أَوْ يَدَعُ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ هَذَا الْحَاضِرَ أَبَى أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ وَقَالَ: لَا آخُذُ إلَّا قَدْرَ حِصَّتِي، فَتَرَكَ أَنْ يَأْخُذَ الْجَمِيعَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ. فَإِنْ قَدِمَ الْغُيَّبُ كَانَ لَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا جَمِيعَ ذَلِكَ بِالشُّفْعَةِ، فَإِنْ أَخَذُوا ذَلِكَ بِالشُّفْعَةِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْحَاضِرِ فِيمَا أَخَذَ الْغُيَّبُ شُفْعَةٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَرَكَ ذَلِكَ أَوَّلًا، فَلَا يَكُونُ لَهُ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ، وَلِهَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَدِمُوا أَنْ يَأْخُذُوا جَمِيعَ ذَلِكَ أَوْ يَتْرُكُوا.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ لِهَذَا الْحَاضِرِ أَنْ يَقُولَ أَنَا آخُذُ بِقَدْرِ حِصَّتِي مِنْ الشُّفْعَةِ، وَأَتْرُكُ حِصَصَ أَصْحَابِي حَتَّى يَقْدُمُوا، فَإِنْ أَخَذُوا بِشُفْعَتِهِمْ وَإِلَّا أَخَذْتُ ذَلِكَ.
قَالَ مَالِكٌ: فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَكِنْ إمَّا أَنْ يَأْخُذَ وَإِمَّا أَنْ يَتْرُكَ، فَإِذَا قَدِمَ هَؤُلَاءِ الْغُيَّبُ فَتَرَكَ جَمِيعُهُمْ الشُّفْعَةَ إلَّا وَاحِدًا، قِيلَ لَهُ: خُذْ الْجَمِيعَ أَوْ دَعْ.
стр. 1994
[الْكَفَالَةُ فِي بَيْعِ الدُّورِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ بِعْت دَارًا وَأَخَذَ مِنِّي الْمُشْتَرِي كَفِيلًا بِمَا أَدْرَكَهُ مَنْ دَرَكٍ، فَبَنَى فِي الدَّارِ ثُمَّ اسْتَحَقَّهَا مُسْتَحِقٌّ، أَيَكُونُ لِلْمُشْتَرِي عَلَى الْكَفِيلِ مِنْ قِيمَةِ مَا بَنَى شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى عَلَى الْكَفِيلِ إلَّا مَا ضَمِنَ لَهُ أَوَّلًا، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ قِيمَةِ مَا بَنَى الْمُشْتَرِي فِي الدَّارِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَلَكِنْ يُقَالُ لِهَذَا الْمُسْتَحِقِّ: ادْفَعْ إلَى هَذَا الْمُشْتَرِي قِيمَةَ مَا بَنَى أَوْ خُذْ قِيمَةَ دَارِك. فَإِنْ دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ مَا بَنَى وَأَخَذَ دَارِهِ رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِالثَّمَنِ أَوْ عَلَى الْحَمِيلِ بِالثَّمَنِ، وَالْمُشْتَرِي فِي ذَلِكَ مُخَيَّرٌ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ.
[الرُّجُوعُ عَنْ أَخَذَ الشُّفْعَة بَعْدَ الْأَخْذِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت رَجُلًا قَالَ: اشْهَدُوا أَنِّي قَدْ أَخَذْت بِشُفْعَتِي، ثُمَّ قَالَ قَدْ بَدَا لِي؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ قَوْلُهُ ذَلِكَ بَعْدَ الِاشْتِرَاءِ وَقَدْ عَلِمَ بِالثَّمَنِ فَقَدْ لَزِمَهُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ بِالثَّمَنِ فَلَهُ أَنْ يَتْرُكَ إنْ أَحَبَّ.
[اشْتَرَى شِقْصًا بِعَبْدٍ فَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ]
فِيمَنْ اشْتَرَى شِقْصًا بِعَبْدٍ فَمَاتَ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الشِّقْصَ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا فِي دَارٍ بِعَبْدٍ، فَمَاتَ الْعَبْدُ فِي يَدِي قَبْلَ أَنْ أَدْفَعَهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْمُصِيبَةُ مِنْ رَبِّ الدَّارِ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ قَدْ وَجَبَ لَهُ. قُلْت: أَفَيَأْخُذُ الدَّارَ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ؟
قَالَ: نَعَمْ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْت: وَتَكُون عُهْدَةُ الشَّفِيعِ عَلَى رَبِّ الدَّارِ الَّذِي بَاعَهَا؟
قَالَ: لَا، وَلَكِنَّ الْعُهْدَةَ عَلَى الْمُشْتَرِي. قُلْت: فَمَتَى تَجِبُ الشُّفْعَةُ لِلشَّفِيعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّ الشُّفْعَةَ تَجِبُ لِلشَّفِيعِ سَاعَةَ تَقَعُ الصَّفْقَةُ نَقْدًا وَلَمْ يَنْقُدْ، قَبَضَ الدَّارَ أَوْ لَمْ يَقْبِضْ إذَا أَحَبَّ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ.
[أَخْذُ الشُّفْعَةِ بِالْبَيْعِ الْفَاسِدِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ بَيْعًا فَاسِدًا فَأَخَذَ الشَّفِيعُ ذَلِكَ بِالشُّفْعَةِ، ثُمَّ عَلِمَ بِفَسَادِ ذَلِكَ الْبَيْعِ؟
قَالَ: تُرَدُّ الدَّارُ إلَى الْبَائِعِ وَلَا يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ وَلَا الْمُشْتَرِي؛ لِأَنَّ الْبَيْعَ فَاسِدٌ.
стр. 1995
[فِيمَنْ بَاعَ شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِعَبْدٍ فَأَخَذَ الشِّقْصَ بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ أَصَابَ بِالْعَبْدِ عَيْبًا]
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِعَبْدٍ وَأَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ، ثُمَّ أَصَابَ بَائِعُ الدَّارِ بِالْعَبْدِ عَيْبًا؟
قَالَ: يَرُدُّهُ وَيَأْخُذُ قِيمَةَ الدَّارِ مِنْ مُشْتَرِي الدَّارِ وَقَدْ مَضَتْ الدَّارُ لِلشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ. قُلْت: وَلِمَ أَمْضَيْتَ الدَّارَ هَهُنَا لِلشَّفِيعِ بِالشُّفْعَةِ؟
قَالَ هَذَا الْمُشْتَرِي إذَا دَفَعَهَا إلَى الشَّفِيعِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ بَاعَهَا مِنْ غَيْرِهِ. قُلْت: فَلِمَ لَا تَجْعَلُهُ فِي الْبَيْعِ الْفَاسِدِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؟
قَالَ: لِأَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ كَانَ مَرْدُودًا مِنْ الْآخِرِ وَالْأَوَّلِ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ بَيْعًا فَاسِدًا، ثُمَّ بَاعَهُ مِنْ آخَرَ بَيْعًا فَاسِدًا، رُدَّا جَمِيعًا إلَّا أَنْ يَتَطَاوَلَ أَوْ يَتَغَيَّرَ بِالْأَبْدَانِ أَوْ بِالْأَسْوَاقِ، فَتَكُونُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ الْقِيمَةُ وَلَا يَرُدُّهُ، فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا. قُلْت: وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: مِنْهُ قَوْلُهُ وَمِنْهُ رَأْيِي.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِعَبْدٍ فَأَخَذَ الشَّفِيعُ ذَلِكَ الشِّقْصَ بِشُفْعَتِهِ، ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ مِنْ يَدَيْ بَائِعِ الدَّارِ؟
قَالَ: قَدْ مَضَتْ الدَّارُ لِلشَّفِيعِ، وَيَرْجِعُ بَائِعُ الدَّارِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِقِيمَةِ الشِّقْصِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفًا وَقِيمَةُ الشِّقْصِ أَلْفَيْنِ، فَرَجَعَ بَائِعُ الشِّقْصِ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَلْفَيْنِ، وَإِنَّمَا أَخَذَ الْمُشْتَرِي مِنْ الشَّفِيعِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَأَرَادَ الْمُشْتَرِي أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الشَّفِيعِ بِأَلْفٍ آخَرَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَتْ الدَّارُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَلْفَيْنِ وَهُوَ قِيمَتُهَا وَإِنَّمَا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ مِنْهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ؟
قَالَ: لَا يَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الشَّفِيعِ بِقَلِيلٍ وَلَا كَثِيرٍ؛ لِأَنَّ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، إنَّمَا هُوَ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ. وَكَذَلِكَ أَنْ لَوْ كَانَتْ قِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفَيْ دِرْهَمٍ وَقِيمَةُ الشِّقْصِ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِقِيمَةِ الْعَبْدِ وَهِيَ أَلْفَا دِرْهَمٍ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ، فَرَجَعَ الْبَائِعُ عَلَى الْمُشْتَرِي بِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَلَيْسَ لِلشَّفِيعِ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى الْمُشْتَرِي بِالْأَلْفِ الَّتِي فَضَلَتْ عِنْدَهُ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا أَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ رَأْيِي.
[اخْتِلَافُ الشَّفِيعِ وَالْمُشْتَرِي فِي صِفَةِ عَرَضِ ثَمَنِ شِقْصٍ]
ٍ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْتُ شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِعَرْضٍ مِنْ الْعُرُوضِ، فَمَضَى لِذَلِكَ زَمَانٌ وَالْعَرَضُ قَائِمٌ بِعَيْنِهِ عِنْدَ بَائِعِ الدَّارِ أَوْ مُسْتَهْلِكٍ، فَاخْتَلَفَ الشَّفِيعُ وَالْمُشْتَرِي فِي قِيمَةِ الْعَرَضِ، أَيُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ الْعَرَضِ إنْ كَانَ قَائِمًا بِعَيْنِهِ الْيَوْمَ أَمْ لَا؟
قَالَ: إنَّمَا يُنْظَرُ عِنْدَ مَالِكٍ إلَى قِيمَتِهِ يَوْمَ وَقَعَ الشِّرَاءُ وَلَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهِ الْيَوْمَ. قُلْت: فَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلِكًا؟
قَالَ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُشْتَرِي مَعَ يَمِينِهِ. قُلْت: فَإِنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنْ رَأْيِي أَنَّهُ مِثْلُ الْبُيُوعِ، أَنَّهُ إنْ أَتَى بِمَا لَا يُشْبِهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ وَكَانَ الْقَوْلُ قَوْلَ الشَّفِيعِ إذَا أَتَى بِمَا يُشْبِهُ، فَإِنْ أَتَى أَيْضًا بِمَا لَا يُشْبِهُ، قِيلَ لِلَّذِي اسْتَهْلَكَهُ وَهُوَ
стр. 1996
الْمُشْتَرِي: صِفْ الْعَرَضَ وَيَحْلِفُ عَلَى الصِّفَةِ، ثُمَّ يَقُومُ عَلَى صِفَتِهِ بَعْدَ يَمِينِهِ ثُمَّ يُقَالُ لِلشَّفِيعِ: خُذْ أَوْ اُتْرُكْ. قُلْت: فَإِنْ نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ الْمُشْتَرِي عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي وَصَفَ؟
قَالَ: يُقَالُ لِلشَّفِيعِ: صِفْ وَاحْلِفْ، فَإِذَا وَصَفَ وَحَلَفَ أَخَذَهَا بِقِيمَةِ تِلْكَ الصِّفَةِ وَهَذَا مِثْلُ الْبُيُوعِ.
[اشْتَرَى شِقْصًا بِحِنْطَةٍ فَاسْتُحِقَّتْ الْحِنْطَةُ]
فِيمَنْ اشْتَرَى شِقْصًا بِحِنْطَةٍ فَاسْتُحِقَّتْ الْحِنْطَةُ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى شِقْصًا مِنْ دَارٍ بِحِنْطَةٍ بِعَيْنِهَا فَاسْتُحِقَّتْ الْحِنْطَةُ، أَيَرْجِعُ بَائِعُ الشِّقْصِ فَيَأْخُذُ الشِّقْصَ، أَمْ يَأْخُذُ حِنْطَةً مِثْلَ الْحِنْطَةِ الَّتِي اُسْتُحِقَّتْ مِنْ يَدِهِ، وَهَلْ فِيهِ شُفْعَةٌ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى حِنْطَةً بِعَيْنِهَا فَاسْتُحِقَّتْ الْحِنْطَةُ، لَمْ يَكُنْ عَلَى صَاحِبِ الْحِنْطَةِ أَنْ يَأْتِيَ بِحِنْطَةٍ مِثْلِهَا عِنْدَ مَالِكٍ. فَأَرَى فِي مَسْأَلَتِك إنْ أَخَذَهَا الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ قَبْلَ أَنْ يُسْتَحَقَّ الطَّعَامُ لَمْ يُرَدَّ الْبَيْعُ وَيَغْرَمُ لَهُ مِثْلَ طَعَامِهِ، وَإِنْ كَانَ إنَّمَا اُسْتُحِقَّ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ الشَّفِيعُ بِالشُّفْعَةِ فَلَا شُفْعَةَ لِلشَّفِيعِ.
قَالَ: وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ يَشْتَرِي الدَّارَ بِعَبْدٍ بِعَيْنِهِ فَيُسْتَحَقُّ الْعَبْدُ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ الشَّفِيعُ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ،؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتِمَّ الْبَيْعُ وَتُرَدُّ الدَّارُ إلَى صَاحِبِهَا وَيُفْسَخُ الْبَيْعُ، وَلَوْ أُخِذَتْ بِالشُّفْعَةِ ثُمَّ اُسْتُحِقَّ الْعَبْدُ رَجَعَ بِقِيمَةِ الدَّارِ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْ الشَّفِيعِ مَا أَخَذَ. قَالَ: وَاشْتِرَاءُ الطَّعَامِ بِالدَّرَاهِمِ وَبِالدَّنَانِيرِ سَوَاءٌ إذَا اسْتَحَقَّ أَنَّهُ يَرْجِعُ بِالدَّنَانِيرِ، وَلَا بَيْعَ بَيْنَهُمَا وَالدَّارُ عِنْدِي بِمَنْزِلَتِهِ.
[أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ]
فِيمَنْ أَقَرَّ أَنَّهُ بَاعَ وَأَنْكَرَ الْمُشْتَرِي فَأَرَادَ الشَّفِيعُ أَنْ يَأْخُذَ بِإِقْرَارِ الْبَائِعِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَقَرَّ الْبَائِعَ بِالْبَيْعِ وَجَحَدَ الْمُشْتَرِي الْبَيْعَ وَقَالَ: لَمْ أَشْتَرِ مِنْك شَيْئًا، ثُمَّ تَحَالَفَا وَتَفَاسَخَا الْبَيْعَ، فَقَامَ الشَّفِيعُ فَقَالَ: أَنَا آخُذُ الشُّفْعَةَ بِمَا أَقْرَرْت لِي أَيُّهَا الْبَائِعُ؟
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى فِيهِ شُفْعَةً؛ لِأَنَّ عُهْدَتَهُ عَلَى الْمُشْتَرِي، فَإِذَا لَمْ يَثْبُتْ لِلْمُشْتَرِي مَا اشْتَرَى فَلَا شُفْعَةَ لَهُ.
[مَا جَاءَ فِيمَنْ بَاعَ عَبْدًا بِشِقْصٍ وَدَرَاهِمَ ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ لِيَأْخُذَ الشِّقْصَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَاعَ عَبْدَهُ بِشِقْصٍ مِنْ دَارٍ وَبِأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَأَتَى الشَّفِيعُ لِيَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ وَقِيمَةُ الْعَبْدِ أَلْفُ دِرْهَمٍ وَقِيمَةُ الشِّقْصِ أَلْفُ دِرْهَمٍ، فَبِكَمْ يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: يَأْخُذُهَا الشَّفِيعُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ عِنْدَ مَالِكٍ؛ لِأَنَّ ثَمَنَ الْعَبْدِ هُوَ الْأَلْفُ دِرْهَمٍ، يُقَسَّمُ عَلَى ثَمَنِ الشِّقْصِ وَهُوَ الْأَلْفُ دِرْهَمٍ عَلَى الْأَلْفِ دِرْهَمٍ، فَيَصِيرُ نِصْفٌ هَهُنَا وَنِصْفٌ هَهُنَا. فَيَأْخُذُ الشَّفِيعُ الشِّقْصَ بِنِصْفِ قِيمَةِ الْعَبْدِ وَذَلِكَ خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ.
стр. 1997
[بَابُ مَا لَا شُفْعَةَ فِيهِ مِنْ السِّلَعِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت سَفِينَةً بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ، أَوْ خَادِمًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ، بِعْت حِصَّتِي مِنْ ذَلِكَ، أَيَكُونُ شَرِيكِي أَوْلَى بِذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَكُونُ شَرِيكُكَ أَوْلَى بِذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ، إنَّمَا يُقَالُ لِشَرِيكِكَ بِعْ مَعَهُ أَوْ خُذْ بِمَا يُعْطِي. فَأَمَّا إذَا بَاعَ وَرَضِيَ أَنْ يَبِيعَ وَحْدَهُ فَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ فِيهِ شُفْعَةٌ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ
[الشُّفْعَةُ فِي الْعَيْنِ وَالْبِئْرِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ أَرْضًا بَيْنِي وَبَيْنَ رَجُلٍ، وَنَخْلًا وَعَيْنًا لِهَذِهِ الْأَرْضِ، وَهَذِهِ النَّخْلِ، فَقَاسَمْتُ شَرِيكِي فِي النَّخْلِ وَالْأَرْضِ ثُمَّ بِعْت حِصَّتِي مَنْ الْعَيْنِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شُفْعَةَ لِشَرِيكِكَ فِيمَا بِعْت مِنْ الْعَيْنِ. قُلْت: فَإِنْ هُوَ لَمْ يُقَاسِمْهُ النَّخْلَ وَالْأَرْضَ، وَلَكِنَّهُ بَاعَ نَصِيبَهُ مِنْ الْعَيْنِ وَلَمْ يَبِعْ نَصِيبَهُ مِنْ الْأَرْضِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فَلِشَرِيكِهِ الشُّفْعَةُ فِي الْعَيْنِ مَا دَامَتْ الشَّرِكَةُ فِي الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ.
قَالَ: فَقُلْت لِمَالِكٍ: أَرَأَيْت الْحَدِيثَ الَّذِي جَاءَ «لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ» مَا هُوَ؟
قَالَ: هُوَ إذَا قَسَّمَ أَصْحَابُهُ الْأَرْضَ وَالنَّخْلَ ثُمَّ بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ الْعَيْنِ وَالْبِئْرِ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فَهَذَا الَّذِي جَاءَ فِيهِ الْحَدِيثُ «لَا شُفْعَةَ فِي بِئْرٍ» .
قَالَ: وَإِنْ هُوَ لَمْ يُقَسِّمْ كَانَتْ فِيهِ الشُّفْعَةُ، بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَالْبِئْرِ، أَوْ بَاعَ الْعَيْنَ أَوْ الْبِئْرَ وَحْدَهَا فَفِيهَا الشُّفْعَةُ. قُلْت: أَرَأَيْت الْعَيْنَ هَلْ يُقَسَّمُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ شُرْبُهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ يُقَسَّمُ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِقْصًا مِنْ أَرْضٍ فَزَرَعْتهَا أَوْ غَرَسْتهَا فَأَتَى الشَّفِيعُ لِيَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ، وَالزَّرْعُ لِلزَّارِعِ. قُلْت: فَهَلْ يَكُونُ لِلشَّفِيعِ مَنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَكُونَ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ. قُلْت: فَإِذَا كَانَ قَدْ غَرَسَهَا نَخْلًا أَوْ شَجَرًا؟
قَالَ: إذَا غَرَسَهَا نَخْلًا أَوْ شَجَرًا، فَإِنَّهُ يُقَالُ لِلشَّفِيعِ إنْ شِئْت فَخُذْهَا وَاغْرَمْ قِيمَةَ مَا فِيهَا مِنْ الْغَرْسِ قَائِمًا، فَإِنْ أَبَى لَمْ تَكُنْ لَهُ شُفْعَةٌ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ أَرْضٌ وَنَخْلٌ، فَاقْتَسَمَا النَّخْلَ وَتَرَكَا الْأَرْضَ لَمْ يَقْتَسِمَاهَا، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا مَا صَارَ لَهُ مَنْ النَّخْلِ، أَتَكُونُ لِشَرِيكِهِ فِيهَا الشُّفْعَةُ أَمْ لَا؟
قَالَ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي النَّخْلَةِ تَكُونُ لِلرَّجُلِ فِي حَائِطِ الرَّجُلِ، فَيَبِيعُهُمَا، أَنَّهُ لَا شُفْعَةَ لِرَبِّ الْحَائِطِ وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك؛ لِأَنَّ كُلَّ مَا قُسِمَ عِنْدَ مَالِكٍ فَلَا شُفْعَةَ فِيهِ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت أَرْضًا مِنْ رَجُلٍ بِزَرْعِهَا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُ الزَّرْعِ بِمِائَةِ دِينَارٍ. فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الْأَرْضِ فَطَلَبَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ، كَيْفَ يَصْنَعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إذَا اسْتَحَقَّ نِصْفَ الْأَرْضِ. بَطَلَ الْبَيْعُ فِي النِّصْفِ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ هَذَا الْمُسْتَحِقُّ فِيمَا بَيْنَ الْبَائِعِ وَالْمُشْتَرِي فِي الْأَرْضِ وَفِي الزَّرْعِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الزَّرْعِ الَّذِي صَارَ
стр. 1998
فِي نِصْفِ الْأَرْضِ الَّتِي اُسْتُحِقَّتْ، صَارَ بَيْعَ الزَّرْعِ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ، فَيَرْجِعُ ذَلِكَ النِّصْفُ مِنْ الزَّرْعِ إلَى بَائِعِ الْأَرْضِ وَيُرَدُّ عَلَى مُشْتَرِي الْأَرْضِ نِصْفُ الثَّمَنِ؛ لِأَنَّ نِصْفَ الْأَرْضِ وَنِصْفَ الزَّرْعِ قَدْ بَطَلَ الْبَيْعُ فِيهِمَا وَبَقِيَ نِصْفُ الزَّرْعِ وَنِصْفُ الْأَرْضِ، وَالْبَيْعُ فِيهِمَا صَحِيحٌ. ثُمَّ يَبْدَأُ بِالشَّفِيعِ فَيُخَيَّرُ فِي الشُّفْعَةِ، فَإِنْ اخْتَارَ الْأَخْذَ بِالشُّفْعَةِ كَانَتْ لَهُ الشُّفْعَةُ فِي نِصْفِ الْأَرْضِ، وَلَيْسَ لَهُ فِي نِصْفِ الزَّرْعِ شُفْعَةٌ.
قَالَ: وَإِنْ تَرَكَ الْمُسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ فَالْمُشْتَرِي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ تَمَاسَكَ بِمَا بَقِيَ فِي يَدَيْهِ مِنْ نِصْفِ الْأَرْضِ وَنِصْفِ الزَّرْعِ، وَرَجَعَ بِنِصْفِ الثَّمَنِ الَّذِي اُسْتُحِقَّ. وَإِنْ شَاءَ رَدَّ ذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَحَقَّ مِنْهَا مَا لَهُ الْبَالُ وَالْقَدْرُ وَعَلَيْهِ قِيمَةُ الْمَضَرَّةِ، فَلَهُ أَنْ يَرُدَّ ذَلِكَ إنْ شَاءَ وَيَرْجِعَ بِجَمِيعِ الثَّمَنِ. قُلْت: وَلِمَ بَدَأْت الشَّفِيعَ بِالْخِيَارِ فِي الْأَخْذِ بِالشُّفْعَةِ، وَالْمُشْتَرِي يَقُولُ: أَنَا لَا أُرِيدُ التَّمَاسُكَ وَأَنَا أُرِيدُ الرَّدَّ؛ لِأَنَّ مَا اُسْتُحِقَّ مِنْهَا عَيْبٌ فِيهَا شَدِيدٌ، فَأَنَا أُرِيدُ الرَّدَّ وَلَا أُحِبُّ أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ عَلَيَّ عُهْدَةٌ إذَا كَانَ لِي أَنْ أَرُدَّ؟
قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَلَهُ الشُّفْعَةُ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي رَجُلٍ بَاعَ مِنْ رَجُلٍ حَائِطًا، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ بَعْضَ الْحَائِطِ وَأَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ وَفِيهِ ثَمَرٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، كَيْفَ يَصْنَعُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَدْفَعُ الشَّفِيعُ إلَى الْمُشْتَرِي قِيمَةَ مَا أَنْفَقَ فِي النَّخْلِ فِي سَقْيِهَا وَعِلَاجِهَا وَتَكُونُ لَهُ الثَّمَرَةُ كُلُّهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ أَنَّ بَعْضَ الْمَدَنِيِّينَ قَالُوا: إنَّ الثَّمَرَةَ لِلْمُشْتَرِي حِينَ لَمْ يُدْرِكْهُ الشَّفِيعُ حَتَّى أُبِّرَتْ النَّخْلُ، فَقَالَ مَالِكٌ مَا أَخْبَرْتُك.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا ابْتَاعَ أَرْضًا فَزَرَعَهَا فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّهَا، لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الزَّرْعِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَإِنَّمَا لَهُ كِرَاءُ مِثْلِهَا إذَا كَانَ زَرْعُ الْأَرْضِ لَمْ يَفُتْ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا زَرْعٌ لَزَرَعَهَا الْمُسْتَحِقُّ، وَلَوْ كَانَ فِيهَا زَرْعٌ وَقَدْ فَاتَتْ زِرَاعَةُ الْأَرْضِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ كِرَاءِ الْأَرْضِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ زَرَعَهَا وَهِيَ فِي يَدِهِ قَبْلَ ذَلِكَ لِمَا مَضَى مِنْ السِّنِينَ. قُلْت: فَإِنْ اسْتَحَقَّ بَعْضَهَا وَأَخَذَ الْبَقِيَّةَ بِالشُّفْعَةِ، أَيَكُونُ لَهُ فِيمَا أَخَذَ بِالشُّفْعَةِ كِرَاءٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: أَمَّا حَقُّهُ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ فَلَهُ فِيهِ كِرَاءُ مِثْلِهَا عَلَى مَا وَصَفْت لَك. وَأَمَّا الَّذِي يَأْخُذُ بِالشُّفْعَةِ فَلَا كِرَاءَ لَهُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَجِبْ لَهُ الْأَرْضُ إلَّا بَعْدَ مَا أَخَذَهَا وَقَدْ زَرَعَهَا صَاحِبُهَا قَبْلَ ذَلِكَ. وَاَلَّذِي اسْتَحَقَّ قَدْ كَانَ وَجَبَ لَهُ قَبْلَ الزَّرْعِ، فَلَهُ فِيهِ الْكِرَاءُ عَلَى مَا وَصَفْت لَك مَا لَمْ تَفُتْ الزِّرَاعَةُ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي اشْتَرَيْت أَرْضًا مِنْ رَجُلٍ بِمِائَةِ دِينَارٍ وَلِلْبَائِعِ فِي الْأَرْضِ زَرْعٌ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ، ثُمَّ اشْتَرَيْت الزَّرْعَ أَيْضًا فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى بِمِائَةِ دِينَارٍ فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا؟
قَالَ: إذَا اسْتَحَقَّ الرَّجُلُ الْأَرْضَ كُلَّهَا بَطَلَ شِرَاءُ الْمُشْتَرِي فِي الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا جَازَ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ الزَّرْعَ قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهُ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ لَهُ، فَيَشْتَرِي الزَّرْعَ بَعْدَهَا أَوْ يَشْتَرِي الْأَرْضَ وَالزَّرْعَ جَمِيعًا مَعًا فَيَجُوزُ ذَلِكَ. فَأَمَّا إذَا اشْتَرَى الزَّرْعَ مَعَ الْأَرْضِ أَوْ بَعْدَ الْأَرْضِ فِي صَفْقَةٍ عَلَى حِدَةٍ فَاسْتُحِقَّتْ الْأَرْضُ، بَطَلَ الْبَيْعُ فِي الزَّرْعِ وَرَجَعَ الزَّرْعُ
стр. 1999
إلَى الْبَائِعِ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت الْأَرْضَ فِي صَفْقَةٍ وَالزَّرْعَ فِي صَفْقَةٍ أُخْرَى، أَوْ اشْتَرَيْت الْأَرْضَ وَالزَّرْعَ جَمِيعًا فِي صَفْقَةٍ وَاحِدَةٍ، فَبِعْت الْأَرْضَ وَبَقِيَ الزَّرْعُ فِي يَدَيَّ، أَيَبْطُلُ الشِّرَاءُ فِي الزَّرْعِ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْدُ صَلَاحُهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَبْطُلُ الِاشْتِرَاءُ فِيهِ؛ لِأَنَّكَ قَدْ صِرْت فِيهِ بِمَنْزِلَةِ رَبِّ الْأَرْضِ إذَا زَرَعَ أَرْضَهُ ثُمَّ بَاعَ أَرْضَهُ وَتَرَكَ زَرْعَهُ فَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ؛ لِأَنَّ الْأَرْضَ هَهُنَا لَمْ يَسْتَحِقَّهَا مُسْتَحِقٌّ فَيَبْطُلُ شِرَاؤُكَ فِي الْأَرْضِ، وَإِنَّمَا أَنْتَ رَجُلٌ بِعْت الْأَرْضَ، وَشِرَاؤُك إيَّاهَا صَحِيحٌ، فَمِنْ هَهُنَا جَازَ لَك شِرَاءُ الزَّرْعِ وَطَابَ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[مَا جَاءَ فِي الشُّفْعَةِ فِي الثَّمَرَةِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى نَخْلًا وَفِي النَّخْلِ طَلْعٌ لَمْ يُؤَبَّرْ، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَهُ وَطَلَبَ النِّصْفَ الْبَاقِي بِالشُّفْعَةِ؟ فَقَالَ: إنْ أَتَى الشَّفِيعُ يَوْمَ بَاعَ الْبَائِعُ، أَخَذَ النِّصْفَ الَّذِي اسْتَحَقَّ وَرَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَأَخَذَ النِّصْفَ الْبَاقِي بِشُفْعَتِهِ إنْ أَحَبَّ بِمَا فِيهَا. قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَأْتِ حَتَّى عَمِلَ الْمُشْتَرِي فِي النَّخْلِ وَسَقَى وَأُبِّرَتْ النَّخْلُ وَصَارَتْ بَلَحًا؟
قَالَ: يُقَالُ لِلشَّفِيعِ: خُذْ النِّصْفَ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَخُذْ النِّصْفَ الْبَاقِي إنْ شِئْت بِالشُّفْعَةِ وَاغْرَمْ لِلْمُشْتَرِي عَمَلَهُ فِيمَا سَقَى وَعَالَجَ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ فِيمَا اسْتَحْقَقْتَهُ وَفِيمَا أَخَذْت بِالشُّفْعَةِ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ، كَانَ لَهُ نِصْفُ الْحَائِطِ وَنِصْفُ الثَّمَرَةِ وَيَكُونُ عَلَيْهِ نِصْفُ قِيمَةِ مَا عَمِلَ الْمُشْتَرِي وَسَقَى إنْ كَانَ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ، فَإِنْ أَبَى أَنْ يَغْرَمَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ نِصْفَ مَا اسْتَحَقَّ وَيَرْجِعُ عَلَى الْبَائِعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ. قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَأْتِ هَذَا الْمُسْتَحِقُّ وَلَمْ يَسْتَحِقَّ إلَّا بَعْدَمَا أَزْهَى هَذَا الطَّلْعُ؟
قَالَ: يَأْخُذُ نِصْفَ النَّخْلِ وَنِصْفَ الثَّمَرَةِ بِالِاسْتِحْقَاقِ وَيَغْرَمُ نِصْفَ الْعَمَلِ كَمَا وَصَفْت لَك، وَيَأْخُذُ النِّصْفَ الْبَاقِي إنْ أَحَبَّ بِالشُّفْعَةِ بِنِصْفِ ثَمَنِ الْجَمِيعِ، وَتَكُونُ لَهُ ثَمَرَةُ هَذَا النِّصْفِ الَّذِي يَأْخُذُهُ بِالشُّفْعَةِ إذَا أَزْهَتْ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ أَنْ تَيْبَسَ، فَإِذَا يَبِسَتْ فَلَا حَقَّ لِلشَّفِيعِ فِيهِمَا. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلَيْنِ تَكُونُ بَيْنَهُمَا الثَّمَرَةُ: إنَّ أَحَدَهُمَا إنْ بَاعَ حَظَّهُ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ أَزْهَتْ، أَنَّ لِلشَّرِيكِ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ مَا لَمْ تَيْبَسْ وَتَسْتَجِدَّ، فَإِذَا يَبِسَتْ وَاسْتَجَدَّتْ فَبَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَا شُفْعَةَ لَهُ فِيهَا، فَمَسْأَلَتُكَ عِنْدِي مِثْلُهَا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَاَلَّذِي يَشْتَرِي النَّخْلَ ثُمَّ يَسْقِيهَا حَتَّى تُثْمِرَ ثُمَّ يُفْلِسُ وَفِي النَّخْلِ ثَمَرَةٌ، أَنَّ الْبَائِعَ أَحَقُّ بِالنَّخْلِ وَبِالثَّمَرَةِ مَا لَمْ تُجَدُّ الثَّمَرَةُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْغُرَمَاءُ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْهِ الثَّمَنَ وَيَكُونَ لَهُمْ النَّخْلُ وَالثَّمَرَةُ، وَهَذَا عِنْدِي مُخَالِفٌ لِلشُّفْعَةِ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى نَخْلًا وَفِي النَّخْلِ ثَمَرٌ قَدْ أَزْهَى وَحَلَّ بَيْعُهُ، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ تِلْكَ النَّخْلِ؟ فَقَالَ: يَأْخُذُ نِصْفَ تِلْكَ النَّخْلِ وَمَا فِيهَا مِنْ الثَّمَرَةِ، وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائِعِ بِنِصْفِ الثَّمَنِ وَيَغْرَمُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْمُشْتَرِي نِصْفَ قِيمَةِ
стр. 2000
مَا عَمِلَ إنْ كَانَ عَالَجَ شَيْئًا فِي ذَلِكَ وَسَقَى. قُلْت: فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ النَّخْلَ وَالثَّمَرَةَ جَمِيعًا؟
قَالَ: نَعَمْ؛ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي قَوْمٍ شُرَكَاءَ فِي ثَمَرَةٍ كَانَ لَهُمْ الْأَصْلُ أَوْ كَانَتْ النَّخْلُ فِي أَيْدِيهِمْ مُسَاقَاةً، أَوْ كَانَتْ نَخْلًا حَبْسًا عَلَى قَوْمٍ فَأَثْمَرَتْ هَذِهِ النَّخْلُ وَحَلَّ بَيْعُهَا، فَبَاعَ أَحَدٌ مِمَّنْ سَمَّيْت لَك مِنْ أَهْلِ الْحَبْسِ أَوْ أَحَدٌ مِنْ الْمُسَاقِينَ أَوْ مِمَّنْ كَانَتْ النَّخْلُ بَيْنَهُمْ، فَبَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ الثَّمَرَةِ وَلَمْ يَبِعْ الرِّقَابَ، فَإِنَّ شُرَكَاءَهُ فِي الثَّمَرَةِ - كَانَ لَهُمْ الْأَصْلُ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ الْأَصْلُ - يَأْخُذُونَ الَّذِي بَاعَ شَرِيكُهُمْ فِي الثَّمَرَةِ بِالشُّفْعَةِ بِمَا بَاعَ بِهِ، فَلِذَلِكَ رَأَيْت لِلْمُسْتَحِقِّ أَنْ يَأْخُذَ النَّخْلَ وَالثَّمَرَةَ جَمِيعًا بِالشُّفْعَةِ. وَإِنْ كَانَتْ الشُّفْعَةُ إنَّمَا هِيَ بَعْدَمَا أَزْهَتْ الثَّمَرَةُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالشُّفْعَةِ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لَوْ بَاعَ الثَّمَرَةَ وَحْدَهَا بِغَيْرِ أَصْلٍ كَانَ هَذَا الَّذِي اسْتَحَقَّ نِصْفَ النَّخْلِ شَفِيعًا فِي الثَّمَرَةِ عِنْدَ مَالِكٍ، وَلِذَلِكَ كَانَ لَهُ هُنَاكَ أَنْ يَأْخُذَ النَّخْلَ وَالثَّمَرَةَ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْحَائِطِ إذَا اشْتَرَاهُ رَجُلٌ وَلَا ثَمَرَةَ فِيهِ، فَفَلِسَ مُشْتَرِي الْحَائِطِ وَفِيهِ ثَمَرٌ قَدْ طَابَ وَحَلَّ بَيْعُهُ: إنَّ الثَّمَرَةَ لِصَاحِبِ الْحَائِطِ مَا دَامَتْ فِي رُءُوسِ النَّخْلِ وَإِنْ أَزْهَتْ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ الْغُرَمَاءُ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى هَذِهِ النَّخْلَ وَفِيهَا ثَمَرَةٌ قَدْ أُبِّرَتْ وَلَمْ تَزْهُ، فَاسْتَثْنَاهَا الْبَائِعُ ثُمَّ أَزْهَتْ عِنْدَ الْمُشْتَرِي وَقَامَ الْغُرَمَاءُ؟
قَالَ: فَلَا شَيْءَ لِلْغُرَمَاءِ فِي الثَّمَرَةِ وَلَا فِي النَّخْلِ، وَيُقَالُ لِلْبَائِعِ خُذْ حَائِطَكَ بِثَمَرَتِهِ إلَّا أَنْ يَشَاءَ الْغُرَمَاءُ أَنْ يَدْفَعُوا إلَيْك الثَّمَنَ الَّذِي بِعْت بِهِ، فَيَكُونُوا أَوْلَى بِالنَّخْلِ وَبِثَمَرَتِهِ فَذَلِكَ لَهُمْ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَى أَرْضًا وَفِيهَا زَرْعٌ قَدْ بَدَا صَلَاحُهُ، اشْتَرَى الْأَرْضَ وَالزَّرْعَ جَمِيعًا، فَأَتَى رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّ نِصْفَ الْأَرْضِ فَأَخَذَهَا، أَتَكُونُ لَهُ الشُّفْعَةُ فِي النِّصْفِ الْآخَرِ فِي الزَّرْعِ وَالْأَرْضِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الشَّرِيكَيْنِ فِي الزَّرْعِ يَبِيعُ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ بَعْدَمَا يَيْبَسُ وَيَحِلُّ بَيْعُهُ: إنَّهُ لَا شُفْعَةَ لَهُ فِي الزَّرْعِ إذَا حَلَّ بَيْعُهُ. قُلْت: فَلِمَ قَالَ مَالِكٌ فِي الثَّمَرَةِ إذَا طَابَتْ فَاشْتَرَاهَا رَجُلٌ مِنْ النَّخْلِ، إنَّ فِيهَا الشُّفْعَةَ؟
قَالَ: لَا أَدْرِي، إلَّا أَنَّ مَالِكًا كَانَ يُفَرِّقُ بَيْنَهُمَا وَيَقُولُ: إنَّهُ لِشَيْءٍ مَا عَلِمْت أَنَّهُ قَالَهُ فِي الثَّمَرَةِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَبْلِي أَنَّ فِيهَا الشُّفْعَةَ، وَلَكِنَّهُ شَيْءٌ اسْتَحْسَنْته وَرَأَيْته، فَأَرَى أَنْ يُعْمَلَ بِهِ وَقَالَ: الزَّرْعُ عِنْدِي لَا يُشْبِهُ الثَّمَرَةَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبَلَغَنِي عَنْهُ وَهُوَ رَأْيِي أَنَّهُ قَالَ: مَا بِيعَ مِنْ الثِّمَارِ مِمَّا فِيهِ الشُّفْعَةُ مِثْلِ التَّمْرِ وَالْعِنَبِ وَالثِّمَارِ كُلِّهَا سِوَى الزَّرْعِ مِمَّا يَيْبَسُ فِي شَجَرِهِ، فَبَاعَ نَصِيبَهُ إذَا يَبِسَتْ وَاسْتَجَدَّتْ، فَلَا شُفْعَةَ فِي ذَلِكَ مِثْلَ الزَّرْعِ. وَذَلِكَ أَنْ مَا بِيعَ مِنْ الثِّمَارِ بَعْدَمَا يَبِسَ وَاسْتَجَدَّ فَلَا جَائِحَةَ فِيهِ، وَكَذَلِكَ الزَّرْعُ لَا جَائِحَةَ فِيهِ وَأَمْرُهُمَا وَاحِدٌ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت نَخْلًا فَأَكَلْت ثَمَرَتَهَا سِنِينَ، ثُمَّ جَاءَ الشَّفِيعُ يَطْلُبُ شُفْعَتَهُ؟ فَقَالَ: إنْ كَانَ اشْتَرَاهَا وَلَيْسَ فِيهَا ثَمَرَةٌ يَوْمَ اشْتَرَاهَا، ثُمَّ أَثْمَرَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَكَلَهَا سِنِينَ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا شَيْءَ لِلشَّفِيعِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الشَّفِيعَ إنَّمَا صَارَ لَهُ النَّخْلُ السَّاعَةَ حِينَ أَخَذَهَا، فَمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ
следующие страницы →