Полный текст (2 437 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.
стр. 2206
فَيُعْطِيهِ نَفَقَتَهُ الَّتِي أَنْفَقَ عَلَيْهَا إذَا أَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً أَنَّهُ اسْتَوْدَعَهَا إيَّاهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى النَّفَقَةِ وَكَانَتْ لَهُ الْبَيِّنَةُ أَنَّهَا عِنْدَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، فَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا سَنَتَهُ تِلْكَ؟
قَالَ: لَهُ النَّفَقَةُ إذَا قَامَتْ لَهُ بَيِّنَةٌ أَنَّهَا عِنْدَهُ وَدِيعَةً.
[فِيمَنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا مَاشِيَةً فَأَنْزَى عَلَيْهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَوْدَعَ رَجُلًا نُوقًا أَوْ أُتُنًا أَوْ بَقَرَاتٍ أَوْ جَوَارِيَ، فَحَمَلَ عَلَى الْأُتُنِ أَوْ عَلَى النُّوقِ أَوْ عَلَى الْبَقَرَاتِ - أَنْزَى عَلَيْهِنَّ فَحَمَلْنَ - فَمُتْنَ مِنْ الْوِلَادَةِ، وَزَوَّجَ الْجَوَارِيَ فَحَمَلْنَ الْجَوَارِي فَمُتْنَ مَنْ الْوِلَادَةِ، أَيَضْمَنُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ شَيْئًا أَمْ لَا؟
قَالَ: أَرَاهُ ضَامِنًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ حَمَلَ الْفَحْلُ عَلَيْهَا فَعَطِبَتْ تَحْتَ الْفَحْلِ أَيَضْمَنُ؟
قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ: قَالَ لَا.
[فِيمَنْ اُسْتُوْدِعَ إبِلًا فَأَكْرَاهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَنِي رَجُلٌ إبِلًا فَأَكْرَيْتُهَا إلَى مَكَّةَ، أَيَكُونُ لِرَبِّهَا مِنْ الْكِرَاءِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: كُلُّ مَا كَانَ أَصْلُهُ أَمَانَةً فَأَكْرَاهُ فَرَبُّهُ مُخَيَّرٌ إنْ سَلِمَتْ الْإِبِلُ وَرَجَعَتْ بِحَالِهَا، فِي أَنْ يَأْخُذَ كِرَاءَهَا وَيَأْخُذُ الْإِبِلَ، وَفِي أَنْ يَتْرُكَهَا لَهُ وَيُضَمِّنَّهُ قِيمَتُهَا، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْكِرَاءِ إذَا كَانَ قَدْ حَبَسَهَا عَنْ أَسْوَاقِهَا وَمَنَافِعِهِ بِهَا، وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ رَجُلٌ أَعَارَهُ رَجُلٌ دَابَّةً أَوْ أَكْرَاهُ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ فَتَعَدَّى عَلَيْهَا، لِأَنَّ أَصْلَ هَذَا كُلِّهِ لَمْ يَضْمَنْهُ إلَّا بِتَعَدِّيهِ فِيهِ. فَهَذَا كُلُّهُ بَابٌ وَاحِدٌ، فَهَذَا فِي الْوَدِيعَةِ وَفِي الدَّيْنِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِ مَالِكٍ مِثْلَ الَّذِي يَسْتَعِيرُ الدَّابَّةَ فَيَتَعَدَّى، وَمِثْلُ الَّذِي يَتَكَارَى الدَّابَّةَ فَيَتَعَدَّى عَلَيْهَا، وَهَذَا فِي الْكِرَاءِ وَالْعَارِيَّةِ قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعْت رَجُلًا وَدِيعَةً فَقَدِمْتُ أَطْلُبُهَا مِنْهُ فَقَالَ: قَدْ أَنْفَقْتهَا عَلَى أَهْلِكَ وَوَلَدِك وَصَدَّقَهُ أَهْلُهُ وَوَلَدُهُ؟ قَالَ: أَرَاهُ ضَامِنًا لِلْوَدِيعَةِ وَلَا يَنْفَعُهُ إقْرَارُ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ بِالنَّفَقَةِ، إلَّا أَنْ يُقِيمَ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةً فَيُبَرَّأَ إذَا كَانَ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِمْ يُشْبِهُ مَا قَالَ، وَلَمْ يَكُنْ صَاحِبُ الْوَدِيعَةِ يَبْعَثُ إلَيْهِمْ بِالنَّفَقَةِ
[فِيمَنْ اُسْتُوْدِعَ جَارِيَةً أَوْ ابْتَاعَهَا فَزَوَّجَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَنِي رَجُلٌ جَارِيَةً فَزَوَّجْتُهَا بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهَا فَنَقَصَهَا التَّزْوِيجُ أَتَرَى أَنِّي ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَهَا قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ وَلَدَتْ وَلَدًا فَكَانَ فِي الْوَلَدِ وَفَاءٌ لِمَا نَقَصَهَا التَّزْوِيجُ أَيَضْمَنُ أَمْ لَا - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - مَا نَقَصَهَا التَّزْوِيجُ؟
قَالَ: لَا، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْجَارِيَةَ فَيَجِدُ بِهَا عَيْبًا وَقَدْ زَوَّجَهَا مِنْ عَبْدِهِ بَعْدَمَا اشْتَرَاهَا فَأَرَادَ رَدَّهَا قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَرُدُّهَا وَيَرُدُّ مَعَهَا مَا نَقَصَهَا التَّزْوِيجُ.
قَالَ مَالِكٌ وَرُبَّمَا رَدَّهَا وَهِيَ
стр. 2207
خَيْرٌ مِنْهَا يَوْمَ اشْتَرَاهَا وَقَدْ وَلَدَتْ أَوْلَادًا، فَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي نُقْصَانِ التَّزْوِيجِ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ مَالِكًا جَعَلَ الْوَلَدَ إذَا كَانَ فِيهِمْ وَفَاءٌ لِمَا نَقَصَهَا التَّزْوِيجُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي رَدِّهَا وَلَا يَغْرَمُ مَا نَقَصَهَا فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.
قُلْتُ: وَيَثْبُتُ هَذَا النِّكَاحُ إذَا رَدَّهَا بِالْعَيْبِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: أَرَأَيْتَ إنْ زَوَّجَهَا مِنْ رَجُلٍ حُرًّا كَانَ يَفْسَخُ ذَلِكَ، فَعَبْدُهُ بِمَنْزِلَةِ ذَلِكَ إلَّا أَنِّي أَرَى فِي مَسْأَلَتِكَ إنْ أَحَبَّ أَخَذَهَا وَوَلَدَهَا وَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يُضَمِّنَّهُ إيَّاهَا إذَا نَفِسَتْ وَيَأْخُذُ قِيمَتَهَا بِلَا وَلَدٍ فَذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: وَلِمَ يَثْبُتُ هَذَا النِّكَاحُ؟
قَالَ: لِأَنَّ الَّذِي اشْتَرَاهَا فَأَصَابَ بِهَا الْعَيْبَ كَانَ لَهَا مَالِكًا قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهَا أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّهُ أَعْتَقَهَا قَبْلَ أَنْ يَرُدَّهَا جَازَ عِتْقُهُ فِيهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ أَعْتَقَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ بِالْعَيْبِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا اشْتَرَاهَا فَظَهَرَ عَلَى عَيْبٍ فَتَسَوَّقَ بِهَا بَعْدَ الْعَيْبِ إنَّهَا لَازِمَةٌ لَهُ، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا بَعْدَ مَا تَسَوَّقَ بِهَا إذَا كَانَ قَدْ عَلِمَ بِالْعَيْبِ، فَكَذَلِكَ الْعِتْقُ إذَا عَلِمَ بِالْعَيْبِ فَأَعْتَقَهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِمَا نَقَصَهَا الْعَيْبُ بَعْدَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَعْتَقَهَا وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِالْعَيْبِ كَانَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ بِقِيمَةِ الْعَيْبِ عَلَى الْبَائِعِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اشْتَرَيْت جَارِيَةً وَبِهَا عَيْبٌ وَلَا أَعْلَمُ بِالْعَيْبِ، فَزَوَّجْتُهَا فَنَقَصَهَا التَّزْوِيجُ وَزَادَتْ فِي قِيمَتِهَا فَكَانَ مَا زَادَ فِي قِيمَتِهَا فِيهِ وَفَاءٌ لِمَا نَقَصَهَا عَيْبُ التَّزْوِيجِ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرُدَّهَا بِالْعَيْبِ، أَيَكُونُ عَلَيَّ لِمَا نَقَصَهَا التَّزْوِيجُ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْكَ فِي ذَلِكَ كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَتْ رَجُلًا وَدِيعَةً فَعَمِلَ فِيهَا وَرَبِحَ، أَيَكُونُ الرِّبْحُ لِلْعَامِلِ أَمْ لِرَبِّ الْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لِلْعَامِلِ كَذَلِكَ قَالَ لِي مَالِكٌ. قُلْتُ: وَلَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ الرِّبْحِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: نَعَمْ لَا يَتَصَدَّقُ بِشَيْءٍ مِنْ الرِّبْحِ قُلْتُ: وَيُبَرَّأُ مِنْ الضَّمَانِ هَذَا الْمُسْتَوْدَعُ إنْ كَانَ قَدْ رَدَّ الْمَالَ فِي مَوْضِعِ الْوَدِيعَةِ بَعْدَمَا رَبِحَ فِي الْمَالِ وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، يُبَرَّأُ مِنْ الضَّمَانِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَيَكُونُ الرِّبْحُ لَهُ.
[فِيمَنْ اُسْتُوْدِعَ طَعَامًا فَأَكَلَهُ وَرَدَّ مِثْلَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَنِي رَجُلٌ طَعَامًا فَأَكَلْتُهُ وَرَدَدْت فِي مَوْضِعِ الْوَدِيعَةِ طَعَامًا مِثْلَهُ، أَيَسْقُطُ عَنِّي الضَّمَانُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ : قَالَ: نَعَمْ يَسْقُطُ عَنْكَ الضَّمَانُ فِي رَأْيِي، مِثْلُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ، لِأَنِّي سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الَّذِي يُسْتَوْدَعُ الدَّنَانِيرَ وَالدَّرَاهِمَ فَيُتْلِفُ مِنْهَا بَعْضَهَا أَوْ كُلَّهَا بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهَا ثُمَّ يَرُدُّ فِي مَوْضِعِ الْوَدِيعَةِ مِثْلَهَا، أَنَّهُ يَسْقُطُ الضَّمَانُ عَنْهُ فَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ؟
قَالَ: نَعَمْ، كُلُّ شَيْءٍ إذَا أَتْلَفَهُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ، فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مِثْلُهُ. فَهَذَا إذَا رَدَّ مِثْلَهَا فِي الْوَدِيعَةِ سَقَطَ عَنْهُ الضَّمَانُ، وَإِذَا كَانَ شَيْءٌ إذَا أَتْلَفَهُ ضَمِنَ قِيمَتَهُ، فَإِنَّ هَذَا إذَا تَسَلَّفَهُ مِنْ
стр. 2208
الْوَدِيعَة بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهَا فَهُوَ لَقِيمَتِهِ ضَامِنٌ، وَلَا يُبَرِّئُهُ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ إلَّا أَنْ يَرُدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا، وَلَا يُبَرِّئُهُ مِنْهَا أَنْ يُخْرِجَ الْقِيمَةَ فَيَرُدَّهَا فِي الْوَدِيعَةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَهُ إذَا اسْتَوْدَعَهُ فَتَسَلَّفَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهَا، إنَّهُ إذَا رَدَّهَا فِي الْوَدِيعَةِ يُبَرَّأُ. أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذَهَا عَلَى غَيْرِ وَجْهِ السَّلَفِ فَأَتْلَفَهَا فَرَدَّهَا بَعْدَ ذَلِكَ، أَيُبَرَّأُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنَّمَا سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْهَا إذَا تَسَلَّفَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ صَاحِبِهَا رَدَّ مِثْلَهَا مَكَانَهَا أَنَّهُ يُبَرَّأُ، وَلَمْ نَسْأَلْهُ عَنْ هَذَا الْوَجْهِ الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ وَهُوَ عِنْدِي مِثْلُ السَّلَفِ سَوَاءٌ.
[فِيمَنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا مَالًا أَوْ أَقْرَضَهُ فَجَحَدَهُ ثُمَّ اسْتَوْدَعَهُ الْجَاحِدُ مِثْلَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَوْدَعْته أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ أَقَرَضْته إيَّاهَا قَرْضًا أَوْ بِعْته بِهَا سِلْعَةً فَجَحَدَنِي ذَلِكَ، ثُمَّ إنَّهُ اسْتَوْدَعَنِي بَعْدَ ذَلِكَ أَلْفَ دِرْهَمٍ أَوْ بَاعَنِي بِهَا بَيْعًا، فَأَرَدْتُ أَنْ أَجْحَدَ لِمَكَانَ حَقِّي الَّذِي كَانَ جَحَدَنِي وَأَسْتَوْفِيَهَا مِنْ حَقِّي الَّذِي لِي عَلَيْهِ؟
قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْهَا غَيْرَ مَرَّةٍ فَقَالَ: لَا يَجْحَدُهُ. قَالَ: فَقُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ؟ ظَنَنْتُ أَنَّهُ قَالَ لِلْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ «أَدِّ الْأَمَانَةَ إلَى مَنْ ائْتَمَنَكَ وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» .
[فِيمَنْ اسْتَوْدَعَ رَجُلًا وَدِيعَةً فَغَابَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَوْدَعَنِي وَدِيعَةً ثُمَّ غَابَ، فَلَمْ أَدْرِ أَحَيٌّ هُوَ أَمْ مَيِّتٌ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ مَوْضِعًا وَلَا أَعْرِفُ وَرَثَتَهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا طَالَ زَمَانُهُ فَأَيِسَ مِنْهُ تَصَدَّقَ بِهَا عَنْهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ وَدِيعَةً اسْتَهْلَكْتهَا كَانَ قَدْ أَوْدَعَنِيهَا رَجُلٌ، ثُمَّ جَاءَ يَطْلُبُهَا فَادَّعَيْتُ أَنَّهُ وَهَبَهَا إلَيَّ وَهُوَ يَجْحَدُ، أَيَكُونُ الْقَوْلُ قَوْلَهُ أَمْ قَوْلِي؟
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ رَبِّ الْوَدِيعَةِ: قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَذَا رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنْ رَجُلًا اسْتَوْدَعَنِي عَبْدًا فَبَعَثْتُهُ فِي حَاجَةٍ لِي فِي سَفَرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَذَهَبَ فَلَمْ يَرْجِعْ؟
قَالَ: إنْ بَعَثْتَهُ فِي سَفَرٍ أَوْ فِي أَمْرٍ يُعْنِتُهُ يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَأَنْتَ ضَامِنٌ فِي رَأْيِي، وَإِنْ كَانَ أَمْرًا قَرِيبًا لَا يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ، يَقُولُ لَهُ: اذْهَبْ إلَى بَابِ الدَّارِ اشْتَرِ لَنَا بَقْلًا أَوْ نَحْوَ هَذَا، فَإِنَّ هَذَا لَا يَضْمَنُ لِأَنَّ الْغُلَامَ لَوْ خَرَجَ فِي مِثْلِ هَذَا لَمْ يُمْنَعْ مِنْ هَذَا.
[فِي الْعَبْدِ يَسْتَوْدِعُ الْوَدِيعَةَ فَيَأْتِي سَيِّدُهُ يَطْلُبُهَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَوْدَعَنِي عَبْدٌ لِرَجُلٍ وَدِيعَةً، وَأَتَى سَيِّدُهُ فَأَرَادَ أَخْذَ الْوَدِيعَةِ وَالْعَبْدُ غَائِبٌ، أَيُقْضَى لَهُ بِأَخْذِ الْوَدِيعَةِ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، يُقْضَى لَهُ بِأَخْذِ الْوَدِيعَةِ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ:
стр. 2209
فِي مَتَاعٍ وُجِدَ فِي يَدَيْ عَبْدٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، فَأَتَى رَجُلٌ فَزَعَمَ أَنَّ الْمَتَاعَ مَتَاعُهُ، وَقَالَ السَّيِّدُ: الْمَتَاعُ مَتَاعِي. وَأَقَرَّ الْعَبْدُ أَنَّ الْمَتَاعَ مَتَاعُ الرَّجُلِ، دَفَعَهُ إلَيْهِ لِيَبِيعَهُ وَكَذَلِكَ ادَّعَى الرَّجُلُ قَالَ: إنَّمَا دَفَعْتُهُ إلَيْهِ لِيَبِيعَهُ لِي. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ حِينَ قَالَ هُوَ مَتَاعِي لِأَنَّ الْعَبْدَ عَبْدُهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ لَمْ يَقُلْ السَّيِّدُ فِي مَسْأَلَةِ مَالِكٍ هَذِهِ إنَّ هَذَا الْمَتَاعَ مَتَاعِي، وَلَكِنْ قَالَ: الْمَتَاعُ مَتَاعُ عَبْدِي. وَقَالَ الْعَبْدُ: لَيْسَ هُوَ لِي. قَالَ: هُوَ سَوَاءٌ، الْقَوْلُ قَوْلُ السَّيِّدِ. وَلَمْ يَكُنْ مَحْمَلُ قَوْلِ مَالِكٍ عِنْدِي فِي مَسْأَلَةِ مَالِكٍ، إلَّا أَنَّ السَّيِّدَ ادَّعَى أَنَّ الْمَتَاعَ مَتَاعُ عَبْدِهِ وَكُلُّ ذَلِكَ سَوَاءٌ، لِأَنَّ الْعَبْدَ عَبْدُهُ وَمَتَاعَ عَبْدِهِ هُوَ لَهُ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ فِي الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ يُقِرُّ بِالْمَتَاعِ - يَكُونُ فِي يَدَيْهِ - أَنَّهُ لِقَوْمٍ أَوْ يُقِرُّ لِقَوْمٍ بِدَيْنٍ وَيُنْكِرُ ذَلِكَ السَّيِّدُ: أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْعَبْدِ لِأَنَّهُ قَدْ خَلَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ يُدَايِنُهُمْ وَيُتَاجِرُهُمْ وَيَأْمَنُونَهُ، وَأَمَّا مَسْأَلَتُكَ فِي الْوَدِيعَةِ فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ عَبْدِهِ - مَأْذُونًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَأْذُونٍ - لِأَنَّ الْعَبْدَ غَائِبٌ وَلَمْ يُقِرَّ الْعَبْدُ بِالْمَتَاعِ أَنَّهُ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ، فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَأْخُذَ مَتَاعَ عَبْدِهِ فِي مَسْأَلَتِكَ
стр. 2210
[كِتَابُ الْعَارِيَّةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَعَارَ مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً لِيَرْكَبَهَا حَيْثُ شَاءَ، أَوْ يَحْمِلَ عَلَيْهَا مَا شَاءَ وَهُوَ بِالْفُسْطَاطِ فَرَكِبَهَا إلَى الشَّامِ أَوْ إلَى إفْرِيقِيَّةَ؟
قَالَ: يُنْظَرُ فِي عَارِيَّتِهِ، فَإِنْ كَانَ وَجْهُ عَارِيَّتِهِ إنَّمَا هُوَ إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي رَكِبَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَهُوَ ضَامِنٌ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ يَأْتِي إلَى الرَّجُلِ فَيَقُولُ لَهُ: اُسْرُجْ لِي دَابَّتَكَ لِأَرْكَبَهَا فِي حَاجَةٍ لِي، فَيَقُولُ: ارْكَبْهَا حَيْثُ شِئْتَ. فَهَذَا يُعْلِمُ النَّاسَ أَنَّهُ لَمْ يُسْرِجْهَا لَهُ إلَى الشَّامِ وَلَا إلَى إفْرِيقِيَّةَ.
قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، هَذَا رَأْيِي. قَالَ: وَوَجَدْتُ فِي مَسَائِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ، أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِيمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً إلَى بَلَدٍ فَاخْتَلَفَا فَقَالَ الْمُسْتَعِيرُ. أَعَرْتنِيهَا إلَى بَلَدِ كَذَا وَكَذَا. وَقَالَ الْمُعِيرُ: إلَى مَوْضِعِ كَذَا وَكَذَا. قَالَ: إنْ كَانَ يُشْبِهُ مَا قَالَ الْمُسْتَعِيرُ فَعَلَيْهِ الْيَمِينُ، فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى مَا فَسَّرْتُ لَكَ.
[فِيمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً فَحَمَلَ عَلَيْهَا غَيْرَ ذَلِكَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا اسْتَعَارَ دَابَّةً لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً فَحَمَلَ عَلَيْهَا حِجَارَةً فَعَطِبَتْ، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي دَابَّةً مِنْ رَجُلٍ. لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا أَوْ لِيَرْكَبَهَا فَأَكْرَاهَا مِنْ غَيْرِهِ فَعَطِبَتْ. قَالَ: إنْ كَانَ أَكْرَاهَا فِي مِثْلِ مَا اكْتَرَاهَا لَهُ، وَكَانَ الَّذِي اكْتَرَاهَا عَدْلًا أَمِينًا لَا بَأْسَ بِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مَا حَمَلَ عَلَى الدَّابَّةِ مِمَّا يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِثْلَ الَّذِي اسْتَعَارَهَا لَهُ فَعَطِبَتْ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ أَضَرَّ بِالدَّابَّةِ فَعَطِبَتْ فَهُوَ ضَامِنٌ. قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ اسْتَعَارَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا بَزًّا، فَحَمَلَ عَلَيْهَا كَتَّانًا أَوْ قُطْنًا، أَوْ اسْتَعَارَهَا لِيَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً فَحَمَلَ عَلَيْهَا عَدَسًا، أَنَّهُ.
стр. 2211
لَا يَضْمَنُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - وَإِنَّمَا يَضْمَنُ إذَا كَانَ أَمْرًا مُخَالِفًا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الدَّابَّةِ، فَهَذَا الَّذِي يَضْمَنُ إنْ عَطِبَتْ.
قُلْتُ: فَإِنْ اسْتَعَرْت دَابَّةً لِأَحْمِلَ عَلَيْهَا حِنْطَةً، فَرَكِبْتُهَا أَنَا وَلَمْ أَحْمِلْ عَلَيْهَا فَعَطِبَتْ، أَأَضْمَنُهَا أَمْ لَا؟ قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ رُكُوبُكَ أَضَرَّ بِالدَّابَّةِ مِنْ الْحِنْطَةِ وَأَثْقَلُ ضَمِنْتُهَا، وَإِلَّا فَلَا ضَمَانَ عَلَيْك.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً لِأَرْكَبهَا إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ، فَرَكِبْتُهَا وَحَمَلْت خَلْفِي، رَدِيفًا فَعَطِبَتْ الدَّابَّةُ مَا عَلَيَّ؟ قَالَ: رَبُّهَا مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَأْخُذَ مِنْك كِرَاءَ الرَّدِيفِ وَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَيْك غَيْرَ ذَلِكَ وَفِي أَنْ يُضَمِّنَك قِيمَتَهَا يَوْمَ حَمَلْتَ عَلَيْهَا رَدِيفًا.
قُلْتُ: أَجَمِيعُ قِيمَتِهَا أَوْ نِصْفُ قِيمَتِهَا؟
قَالَ: جَمِيعُ قِيمَتِهَا.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ تَكَارَى بَعِيرًا لِيَحْمِلَ عَلَيْهِ وَزْنًا مُسَمًّى، فَتَعَدَّى فَحَمَلَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا شَرَطَ فِي الْوَزْنِ، فَعَطِبَ الْبَعِيرُ فَهَلَكَ أَوْ أَدْبَرَهُ أَوْ أَعْنَتَهُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي زَادَ عَلَيْهِ الرِّطْلَيْنِ وَالثَّلَاثَةَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا لَا يَعْطَبُ فِي مِثْلِ تِلْكَ الزِّيَادَةِ، كَانَ لَهُ كِرَاءُ تِلْكَ الزِّيَادَةِ إنْ أَحَبَّ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الْمُتَكَارِي فِي الْبَعِيرِ إنْ عَطِبَ. قَالَ: فَإِنْ كَانَ فِي مِثْلِ مَا زَادَ عَلَيْهِ مَا يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ كَانَ صَاحِبُ الْبَعِيرِ مُخَيَّرًا، فَإِنْ أَحَبَّ كَانَ لَهُ قِيمَةُ بَعِيرِهِ يَوْمَ تَعَدَّى عَلَيْهِ، وَإِنْ أَحَبَّ كَانَ لَهُ كِرَاءُ مَا زَادَ عَلَى بَعِيرٍ مَعَ الْكِرَاءِ الْأَوَّلِ، وَلَا شَيْءَ لَهُ مِنْ الْقِيمَةِ، فَكَذَلِكَ هَذَا فِي الْعَارِيَّةِ.
[فِيمَنْ اسْتَعَارَ ثَوْبًا أَوْ عَرَضًا فَضَاعَ يَضْمَنُهُ أَمْ لَا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت ثَوْبًا مِنْ رَجُلٍ فَضَاعَ عِنْدِي، أَأَضْمَنُهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْعُرُوض كُلُّهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي مَنْ اسْتَعَارَ شَيْئًا مَنْ الْعُرُوضِ فَكَسَرَهُ أَوْ خَرَقَهُ أَوْ ادَّعَى أَنَّهُ سُرِقَ مِنْهُ أَوْ احْتَرَقَ.
قَالَ مَالِكٌ: فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ. قَالَ: وَإِنْ أَصَابَهُ أَمْرٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ بِقُدْرَتِهِ، وَتَقُومُ لَهُ عَلَى ذَلِكَ بَيِّنَةٌ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ ضَيَّعَ أَوْ فَرَّطَ، فَإِنَّهُ يَضْمَنُ إذَا جَاءَ التَّفْرِيطُ أَوْ الضَّيْعَةُ مِنْ قِبَلِهِ. كَذَلِكَ وَجَدْت هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي مَسَائِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: قَالَ مَالِكٌ فِيمَا تَلِفَ مِنْ عَارِيَّةِ الْحَيَوَانِ عِنْدَ مَنْ اسْتَعَارَهَا: إنَّ الْأَمْرَ. عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي اسْتَعَارَهَا فِيمَا أَصَابَهَا عِنْدَهُ إلَّا أَنْ يَتَعَدَّى أَمْرَ صَاحِبِهَا، أَوْ يُخَالِفَ إلَى غَيْرِ مَا أَعَارَهُ إيَّاهَا عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَالَ مَالِكٌ لِي: وَمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً إلَى مَكَان مُسَمًّى فَتَعَدَّى ذَلِكَ فَتَلِفَتْ الدَّابَّةُ. قَالَ: أَرَى صَاحِبَهَا مُخَيَّرًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ قِيمَتُهَا يَوْمَ تَعَدَّى بِهَا، وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ كِرَاؤُهَا فِي ذَلِكَ التَّعَدِّي.
قُلْتُ: فَإِنْ اسْتَعَارَ ثَوْبًا فَتَخَرَّقَ، أَيَضْمَنُ؟
قَالَ: هَذَا يَضْمَنُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْعُرُوضِ إذَا تَخَرَّقَتْ أَوْ أَصَابَهَا حَرْقٌ أَوْ سُرِقَتْ. قَالَ: قَدْ أَمْلَيْتُ عَلَيْك قَوْلَ مَالِكٍ إمْلَاءً: إنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فَسَادًا كَثِيرًا فَيَضْمَنُهُ كُلَّهُ، وَذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا ادَّعَى مِنْ ذَلِكَ
стр. 2212
[فِيمَنْ أَمَرَ رَجُلًا يَضْرِبُ عَبْدًا لَهُ فَضَرَبَهُ فَمَاتَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَمَرْت رَجُلًا أَنْ يَضْرِبَ عَبْدِي عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَضَرَبَهُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَمَاتَ الْعَبْدُ مِنْهَا، أَيَضْمَنُ الضَّارِبُ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ.
قَالَ مَالِكٌ وَاسْتُحِبَّ لَهُ أَنْ يُكَفِّرَ كَفَّارَةَ الْخَطَأِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَمَرْتُهُ أَنْ يَضْرِبَهُ عَشَرَةَ أَسْوَاطٍ فَضَرَبَهُ أَحَدَ عَشَرَ سَوْطًا أَوْ عِشْرِينَ سَوْطًا فَمَاتَ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: مَا سَمِعْت فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنَّهُ إنْ كَانَ زَادَهُ زِيَادَةً يُخَافُ أَنْ تَكُونَ أَعَانَتْ عَلَى قَتْلِهِ فَأَرَاهُ ضَامِنًا.
[فِيمَنْ أَذِنَ لِرَجُلٍ أَنْ يَغْرِسَ أَوْ يَبْنِيَ أَوْ يَزْرَعَ فِي أَرْضِهِ فَفَعَلَ ثُمَّ أَرَادَ إخْرَاجَهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَذِنْت لِرَجُلٍ أَنْ يَبْنِيَ فِي أَرْضِي أَوْ يَغْرِسَ، فَبَنَى وَغَرَسَ، فَلَمَّا بَنَى وَغَرَسَ أَرَدْت إخْرَاجَهُ مَكَانِي أَوْ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَيَّامٍ أَوْ بِزَمَانٍ، أَيَكُونُ ذَلِكَ لِي فِيمَا قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ بَعُدَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا مَا قَرُبَ مِنْ ذَلِكَ الَّذِي يَرَى أَنَّ مِثْلَهُ لَمْ يَكُنْ لِيَبْنِيَ عَلَى أَنْ يُخْرِجَ فِي قُرْبِ ذَلِكَ وَهُوَ يَرَاهُ حِينَ بَنَى فَلَا أَرَى لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ مَا أَنْفَقَ قَائِمًا حَيًّا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ مَا يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ يَسْكُنُ مِثْلَهُ فِي قَدْرِ مَا عَمِلَ. وَأَمَّا إذَا كَانَ قَدْ سَكَنَ الزَّمَانَ الطَّوِيلَ فِيمَا يَظُنُّ أَنَّ مِثْلَهُ قَدْ بَنَى، عَلَى أَنْ يَسْكُنَ مِثْلَ مَا سَكَنَ هَذَا، فَأَرَى لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ وَيُعْطِيَهُ قِيمَةَ نَقْضِهِ مَنْقُوضًا إنْ أَحَبَّ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِرَبِّ الْأَرْضِ حَاجَةٌ بِنَقْضِهِ قِيلَ لِلْآخَرِ: اقْلَعْ نَقْضَك وَلَا قِيمَةَ لَكَ عَلَى رَبِّ الْأَرْضِ. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَعَرْت رَجُلًا يَبْنِي فِي أَرْضِي أَوْ يَغْرِسُ فِيهَا، وَضَرَبْت لَهُ لِذَلِكَ أَجَلًا فَبَنَى وَغَرَسَ، فَلَمَّا. مَضَى الْأَجَلُ أَرَدْت إخْرَاجَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُخْرِجُهُ وَيَدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَةَ نَقْضِهِ مَنْقُوضًا إنْ أَحَبَّ رَبُّ الْأَرْضِ، وَإِنْ أَبَى قِيلَ لِلَّذِي بَنَى وَغَرَسَ: اقْلَعْ نَقْضَك وَغِرَاسَك وَلَا شَيْءَ لَكَ غَيْرَ ذَلِكَ.
قُلْتُ: وَمَا كَانَ لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ إذَا نَقَضَهُ، فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْقُضَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ كُنْتُ قَدْ وَقَّتّ لَهُ وَقْتًا فَبَنَى وَغَرَسَ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أُخْرِجَهُ قَبْلَ مُضِيِّ الْوَقْتِ فَأَدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَةَ بُنْيَانِهِ أَوْ غَرْسِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا قُلْتُ: فَإِنْ أَعَرْته عَلَى أَنْ يَبْنِيَ وَيَغْرِسَ، ثُمَّ بَدَا لِي أَنْ أَمْنَعَهُ وَآخُذُ أَرْضِي وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ شَيْئًا وَقَبْلَ أَنْ يَغْرِسَ؟ قَالَ: إنْ كُنْتَ ضَرَبْت لِذَلِكَ أَجَلًا فَلَيْسَ لَكَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّك قَدْ أَوْجَبْت ذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ أَضْرِبْ لَهُ أَجَلًا، وَأَعَرْتُهُ أَرْضِي عَلَى أَنْ يَبْنِيَ فِيهَا وَيَغْرِسَ، فَأَرَدْت إخْرَاجَهُ قَبْلَ أَنْ يَبْنِيَ وَيَغْرِسَ؟
قَالَ: ذَلِكَ لَكَ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الَّذِي أَذِنَ لَهُ أَنْ يَبْنِيَ وَيَغْرِسَ، فَبَنَى وَغَرَسَ، وَلَمْ يَكُنْ ضَرَبَ لَهُ أَجَلًا، فَأَرَادَ إخْرَاجَهُ بِحِدْثَانِ ذَلِكَ: إنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لَهُ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ مَا أَنْفَقَ، فَهُوَ إذَا لَمْ
стр. 2213
يَبْنِ وَلَمْ يَغْرِسْ كَانَ لَهُ أَنْ يُخْرِجَهُ، فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى ذَلِكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعَرْته أَرْضِي يَبْنِي فِيهَا وَيَغْرِسُ، وَلَمْ أُسَمِّ مَا يَبْنِي فِيهَا وَلَا مَا يَغْرِسُ، وَقَدْ سَمَّيْت الْأَجَلَ فَأَرَدْت إخْرَاجَهُ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَكَ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - وَلَيْسَ لَكَ أَنْ تَمْنَعَهُ مِمَّا يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ وَيَغْرِسَ إلَّا أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ يَضُرُّ بِأَرْضِك.
قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ أَرَادَ - الَّذِي بَنَى أَوْ غَرَسَ - أَنْ يَخْرُجَ قَبْلَ الْأَجَلِ، أَلَهُ أَنْ يَقْلَعَ نَقْضَهُ وَغِرَاسَهُ قَبْلَ الْأَجَلِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنَّ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ بِقِيمَتِهِ وَيَمْنَعَهُ نَقْضَهُ إذَا دَفَعَ إلَيْهِ قِيمَةَ مَا لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَيَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقُضَ مَا لَيْسَ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْت كُلَّ مَا لَيْسَ لِلَّذِي بَنَى وَغَرَسَ فِيهِ مَنْفَعَةٌ إذَا قَلَعَهُ، فَأَرَادَ رَبُّ الْأَرْضِ أَنْ يُعْطِيَهُ قِيمَةَ عِمَارَتِهِ وَيَمْنَعَهُ مِنْ الْقَلْعِ، أَيُعْطِيهِ قِيمَةَ هَذَا الَّذِي إنْ أَقْلَعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهِ مَنْفَعَةٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، لَا يُعْطِيه قِيمَةَ هَذَا الَّذِي لَا مَنْفَعَةَ لَهُ فِيهِ عَلَى حَالٍ مِنْ الْحَالَاتِ، لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى قَلْعِهِ صَاحِبُ الْعِمَارَةِ، فَكَيْفَ يَأْخُذُ لَهُ ثَمَنًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعَرْته أَرْضِي يَزْرَعُهَا، فَلَمَّا زَرَعَهَا أَرَدْت أَنْ أُخْرِجَهُ مِنْهَا، أَيَكُونُ ذَلِكَ لِي أَمْ لَا؟ قَالَ: لَيْسَ لَك ذَلِكَ حَتَّى يُتِمَّ زَرْعَهُ، لِأَنَّ الزَّرْعَ لَا يُبَاعُ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ فَتَكُونُ فِيهِ الْقِيمَةُ، فَلِذَلِكَ خَالَفَ الْبِنَاءَ وَالْغَرْسَ.
قُلْتُ: فَهَلْ يُجْعَلُ لِرَبِّ الْأَرْضِ الْكِرَاءُ مِنْ يَوْمِ قَالَ لِلْمُسْتَعِيرِ اقْلَعْ زَرْعَك فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَيْسَ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَقْلَعَ زَرْعَهُ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَقْلَعَ زَرْعَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ كِرَاءً إلَّا أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَعَارَهُ الْأَرْضَ لِلثَّوَابِ، فَهَذَا بِمَنْزِلَةِ الْكِرَاءِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت مِنْ رَجُلٍ دَابَّةً فَرَكِبْتهَا إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ، فَلَمَّا رَجَعْت قَالَ صَاحِبُهَا: إنَّمَا أَعَرْتُك إلَى دُونِ الْمَوْضِعِ الَّذِي رَكِبْتُهَا إلَيْهِ وَقَدْ تَعَدَّيْت فِي رُكُوبِك دَابَّتِي؟
قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُك بِقَوْلِ مَالِكٍ الَّذِي وَجَدْته فِي مَسَائِلِ عَبْدِ الرَّحِيمِ: إنْ كَانَ يُشْبِهُ الْقَوْلُ قَوْلَ الْمُسْتَعِيرِ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ مَعَ يَمِينِهِ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ اخْتَلَفَا فِيمَا حَمَلَ عَلَيْهَا؟
قَالَ: كَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَذَلِكَ رَأْيِي، أَلَا تَرَى أَنَّ الْمُسْتَعِيرَ لَوْ اسْتَعَارَ مُهْرًا فَحَمَلَ عَلَيْهِ عِدْلَ بَزٍّ، إنَّهُ لَا يُصَدَّقُ، أَنَّهُ إنَّمَا اسْتَعَارَهُ لِذَلِكَ وَلَوْ كَانَ بَعِيرًا صُدِّقَ، فَهَذَا هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت أَرْضًا مِنْ رَجُلٍ عَلَى أَنْ أَبْنِيَهَا وَأَسْكُنَهَا عَشْرَ سِنِينَ ثُمَّ أَخْرُجُ مِنْهَا وَيَكُونُ الْبُنْيَانُ لِرَبِّ الْأَرْضِ؟
قَالَ: إنْ كَانَ بَيَّنَ الْبُنْيَانِ مَا هُوَ وَضَرْبِ الْأَجَلِ فَذَلِكَ جَائِزٌ، لِأَنَّ هَذَا مِنْ وَجْهِ الْإِجَارَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْبُنْيَانُ مَا هُوَ فَهَذَا لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ.
قُلْتُ: فَإِنَّ بَيْنَ الْبُنْيَانِ مَا هُوَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: أَسْكُنُ مَا بَدَا لِي فَإِذَا خَرَجْت فَالْبِنَاءُ لَكَ؟
قَالَ: إنْ لَمْ يَضْرِبْ الْأَجَلَ فَهَذَا مَجْهُولٌ لَا يَجُوزُ، لِأَنَّ هَذَا فِي الْإِجَارَةِ لَا يَجُوزُ.
قُلْتُ:
стр. 2214
أَرَأَيْتَ إنْ بَنَى عَلَى هَذَا وَأَنْتَ لَا تُجِيزُهُ، مَا يَكُونُ لِرَبِّ الْبِنَاءِ وَمَا يَكُونُ عَلَى صَاحِبِ الْأَرْضِ فَلَا يَكُونُ النَّقْضُ لِرَبِّ النَّقْضِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ سَكَنَ عَلَيْهِ كِرَاءَ الْأَرْضِ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ لَا.
قُلْتُ: فَلَوْ قَالَ لَهُ: أَعِرْنِي أَرْضَكَ هَذِهِ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَنْ أَغْرِسَهَا شَجَرًا، ثُمَّ هِيَ بَعْدَ الْعَشْرِ السِّنِينَ لَكَ بِمَا غَرَسْتُ فِيهَا. قَالَ: هَذَا لَا يَسْتَقِيمُ، لَيْسَ لِلشَّجَرِ حَدٌّ يُعْرَفُ بِهِ، وَإِنَّمَا يَجُوزُ مِنْ الشَّجَرِ أَنْ يَغْرِسَ لَهُ شَجَرًا عَلَى وَجْهِ الْجَعْلِ، يَقُولُ صَاحِبُ الْأَرْضِ لِلْغَارِسِ: اغْرِسْهَا أُصُولَ نَخْلٍ أَوْ كَرْمٍ أَوْ تِينٍ أَوْ فِرْسِكٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَيَشْتَرِطُ رَبُّ الْأَرْضِ فِي ذَلِكَ إذَا بَلَغَتْ الشَّجَرُ كَذَا وَكَذَا، فَهِيَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ عَلَى مَا شَرَطْت نِصْفًا أَوْ ثُلُثًا، أَوْ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ أَوْ أَكْثَرَ فَهَذَا هُوَ الْجَائِزُ. وَأَمَّا أَنْ تَقُولَ أُعْطِيكَهَا سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً، فَإِذَا خَرَجْتَ مِنْ الْأَرْضِ فَمَا فِيهَا مِنْ الْغِرَاسِ فَهُوَ لِي، فَهَذَا لَا يُشْبِهُ الْبُنْيَانَ، لِأَنَّ الْغِرَاسَةَ غَرَرٌ لَا يُدْرَى مَا يَنْبُتُ مِنْهُ وَمَا يَذْهَبُ مِنْهُ وَهَذَا رَأْيِي. قَالَ: وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَكَ، أَنَّهُ لَوْ اسْتَأْجَرَهُ أَنْ يَبْنِيَ لَهُ بُنْيَانًا مَضْمُونًا يُوَفِّيهِ إيَّاهُ إلَى أَجَلٍ. جَازَ ذَلِكَ. وَإِنْ اشْتَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَغْرِسَ لَهُ كَذَا وَكَذَا شَجَرَةٍ مَضْمُونَةٍ عَلَيْهِ يُوَفِّيهِ إيَّاهَا إلَى أَجَلٍ مِنْ الْآجَالِ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ، لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يَضْمَنُهُ أَحَدٌ لِأَحَدٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُعِيرُ الرَّجُلَ الْمَسْكَنَ عَشْرَ سِنِينَ فَيَقْبِضُهُ فَيَمُوتُ الْمُعَارُ، أَيَكُونُ وَرَثَتُهُ مَكَانَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ مَاتَ الْمُعَارُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ عَارِيَّتَهُ، فَوَرَثَتُهُ مَكَانُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُعِيرُ الرَّجُلَ الْمَسْكَنَ، أَوْ يُخْدِمُهُ الْخَادِمَ عَشْرَ سِنِينَ فَيَمُوتُ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَرَثَتُهُ مَكَانُهُ.
قُلْتُ: وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ؟
قَالَ: وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ.
قُلْتُ: فَإِنْ مَاتَ الَّذِي أَعَارَهُ قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَ الْمُعَارُ عَارِيَّتَهُ؟
قَالَ: لَا شَيْءَ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ قَدْ قَبَضَ ثُمَّ مَاتَ رَبُّ الْأَرْضِ؟
قَالَ: فَلَا شَيْءَ لِوَرَثَةِ رَبِّ الْأَرْضِ حَتَّى يُتِمَّ هَذَا سُكْنَاهُ، لِأَنَّهُ قَدْ قَبَضَ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. وَكَذَلِكَ الْعَارِيَّةُ وَالْهِبَةُ وَالصَّدَقَةُ.
[فِي الْعُمْرَى وَالرُّقْبَى]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعُمْرَى أَيَعْرِفُهَا مَالِكٌ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَعْمَرَ رَجُلًا حَيَاتَهُ فَمَاتَ الْمَعْمُورُ رَجَعَتْ إلَى الَّذِي أَعْمَرَهَا.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: النَّاسُ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَعْمَرَ عَبْدًا أَوْ دَابَّةً أَوْ ثَوْبًا أَوْ شَيْئًا مِنْ الْعُرُوضِ؟
قَالَ: أَمَّا الدَّوَابُّ وَالْحَيَوَانُ. كُلُّهَا وَالرَّقِيقُ، فَتِلْكَ الَّتِي سَمِعْنَا فِيهَا الْعُمْرَى. قَالَ: وَأَمَّا الثِّيَابُ فَلَمْ أَسْمَعْ فِيهَا شَيْئًا، وَلَكِنَّهَا عِنْدِي عَلَى مَا أَعَارَهُ عَلَيْهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرُّقْبَى هَلْ يَعْرِفُهَا مَالِكٌ؟
قَالَ: سَأَلَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَنَا مِنْهُ عَنْ الرُّقْبَى فَقَالَ: لَا أَعْرِفُهَا. فَفَسَّرْتُ لَهُ فَقَالَ: لَا خَيْرَ فِيهَا.
قُلْتُ: وَكَيْفَ سَأَلُوهُ عَنْ الْوَقْتِ؟
قَالَ: قَالُوا لَهُ: الرَّجُلَانِ تَكُونُ بَيْنَهُمَا الدَّارُ
стр. 2215
فَيَحْبِسَانِهَا عَلَى أَيِّهِمَا مَاتَ فَنَصِيبُهُ لِلْحَيِّ حَبْسًا عَلَيْهِ قَالَ: فَقَالَ لَهُمْ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِيهِ. يَزِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ ابْنِ أَبِي يَحْيَى عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «لَا رُقْبَى وَمَنْ أَرْقَبَ شَيْئًا فَهُوَ لِوَرَثَةِ الْمُرْقِبِ» قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَأَلْنَاهُ عَنْ الْعَبْدِ يَحْبِسَانِهِ جَمِيعًا عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ بَعْدَ آخِرِهِمَا مَوْتًا، عَلَى أَنَّ أَوَّلَهُمَا مَوْتًا نَصِيبُهُ مَنْ الْعَبْدِ يَخْدُمُ الْحَيَّ حَبْسًا عَلَيْهِ إلَى مَوْتِ صَاحِبِهِ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا خَيْرَ فِي هَذَا.
قُلْتُ: هَلْ تَرَى الْعِتْقَ قَدْ لَزِمَهُمَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْعِتْقُ لَازِمٌ لَهُمَا. وَمَنْ مَاتَ مِنْهُمَا أَوَّلًا فَنَصِيبُهُ مِنْ الْعَبْدِ يَخْدُمُ وَرَثَتَهُ، فَإِذَا مَاتَ الْآخَرُ مِنْهُمَا خَرَجَ الْعَبْدُ حُرًّا، وَإِنَّمَا يَخْرُجُ نَصِيبُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ ثُلُثِهِ.
قُلْتُ: لِمَ جَعَلْتُمْ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ ثُلُثِهِ، أَلَيْسَ هَذَا عِتْقًا إلَى أَجَلِ حِينٍ قَالَ: إذَا مَاتَ فُلَانٌ فَنَصِيبِي مِنْ هَذَا الْعَبْدِ حُرٌّ، أَلَيْسَ هَذَا فَارِغًا مِنْ رَأْسِ الْمَالِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنَّهُ لَمْ يَقُلْ كَذَلِكَ. إنَّمَا قَالَ: كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذَا أَنَا مِتُّ فَنَصِيبِي يَخْدُمُ فُلَانًا حَيَاتَهُ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ، فَإِنَّمَا هُوَ كَرَجُلٍ أَوْصَى إذَا مَاتَ أَنْ يَخْدُمَ عَبْدُهُ فُلَانًا حَيَاتَهُ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ فَهَذَا مِنْ الثُّلُثِ، وَلَوْ كَانَ قَالَ: إنَّمَا هُوَ حُرٌّ إلَى مَوْتِ فُلَانٍ، لَعَتَقَ عَلَى الْحَيِّ مِنْهُمَا نَصِيبُهُ حِينَ مَاتَ صَاحِبُهُ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ. أَوْ لَا تَرَى أَنَّ أَحَدَهُمَا إذَا مَاتَ فَنَصِيبُ الْحَيِّ الَّذِي كَانَ حَبْسًا عَلَى صَاحِبِهِ، تَسْقُطُ الْوَصِيَّةُ فِيهِ وَيَصِيرُ نَصِيبُهُ مُدَبَّرًا يُعْتَقُ بَعْدَ مَوْتِهِ قَالَ: وَإِذَا مَاتَ الْأَوَّلُ أَيْضًا سَقَطَتْ وَصِيَّتُهُ بِالْخِدْمَةِ لِصَاحِبِهِ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ وَجْهِ الْخَطَرِ.
قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ نَعَمْ يُشْبِهُ قَوْلَهُ وَهَذَا رَأْيِي كُلُّهُ
[فِي عَارِيَّةِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَارَ رَجُلٌ دَنَانِيرَ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ فُلُوسًا؟
قَالَ لَا تَكُونُ فِي الْفُلُوسِ وَالدَّرَاهِمِ عَارِيَّةٌ وَلَا فِي الدَّنَانِيرِ، لِأَنَّا سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَحْبِسُ عَلَى الرَّجُلِ الْمِائَةَ الدِّينَارِ، السَّنَةَ أَوْ السَّنَتَيْنِ، فَيَأْخُذُهَا فَيَتَّجِرُ فِيهَا فَيَنْقُصُ مِنْهَا؟
قَالَ مَالِكٌ هُوَ ضَامِنٌ لِمَا نَقَصَ مِنْهَا، وَإِنَّمَا هِيَ قَرْضٌ فَإِنْ شَاءَ قَبَضَهَا عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَهَا قُلْتُ: وَتَكُونُ هَذِهِ الدَّنَانِيرُ حَبْسًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ يَبْطُلُ الْحَبْسُ فِيهَا؟
قَالَ: هِيَ حَبْسٌ إلَى الْأَجَلِ الَّذِي جَعَلَهَا إلَيْهِ حَبْسًا وَإِنَّمَا هِيَ حَبْسُ قَرْضٍ. قُلْتُ: فَإِنْ أَبَى الَّذِي حُبِسَتْ عَلَيْهِ قَرْضًا أَنْ يَقْبَلَهَا؟
قَالَ: تَرْجِعُ إلَى الْوَرَثَةِ وَيَبْطُلُ الْحَبْسُ فِيهَا. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ امْرَأَةٍ هَلَكَتْ وَأَوْصَتْ لِبِنْتِ بِنْتٍ لَهَا بِأَنْ تَحْبِسَ عَلَيْهَا الدَّنَانِيرَ، وَأَوْصَتْ بِأَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهَا مِنْهَا إذَا أَرَادَتْ الْحَجَّ، أَوْ فِي نِفَاسٍ إذَا وَلَدَتْ. فَأَرَادَتْ الْجَارِيَةُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ تَأْخُذَهَا فَتَصْرِفَهَا فِي بَعْضِ مَا يُنْتَفَعُ بِهِ وَتَنْقَلِبُ بِهَا وَتَقُولُ: اشْتَرِطُوا عَلَيَّ أَنِّي ضَامِنَةٌ لَهَا حَتَّى أُنْفِقَهَا فِي الَّذِي قَالَتْ جَدَّتِي.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ تَخْرُجَ الدَّنَانِيرُ
стр. 2216
عَنْ حَالِهَا، وَأَرَى أَنْ يُنْفَقَ عَلَيْهَا فِيمَا أَوْصَتْ بِهَا جَدَّتُهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَارَ رَجُلٌ طَعَامًا أَوْ إدَامًا، أَيَكُونُ هَذَا عَارِيَّةً أَوْ قِرَاضًا؟ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ لَا يَنْتَفِعُ بِهِ النَّاسُ إلَّا لِلْأَكْلِ أَوْ الشَّرَابِ فَلَا أَرَاهُ إلَّا قِرَاضًا. قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَسْتَعِيرُ مِنْ الرَّجُلِ عَشَرَةَ دَنَانِيرَ. قَالَ: هُوَ ضَامِنٌ لَهَا وَلَمْ يَرَهُ مِنْ وَجْهِ الْعَارِيَّةِ.
[فِيمَنْ اعْتَرَفَ دَابَّةً وَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَيَسْأَلُهُ الْقَاضِي مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ ؟]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اعْتَرَفْت دَابَّةً لِي وَأَقَمْت الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَابَّتِي، أَيَسْأَلُ الْقَاضِي الْبَيِّنَةَ أَنِّي لَمْ أَبِعْ وَلَمْ أَهَبْ؟ قَالَ: يَسْأَلُهُمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ، وَإِنَّمَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ. فَإِنْ شَهِدُوا أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ، قَضَى لَهُ بِالدَّابَّةِ بَعْدَ أَنْ يَحْلِفَ الَّذِي اعْتَرَفَ الدَّابَّةَ بِاَللَّهِ لَا إلَه إلَّا هُوَ، مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ وَلَا أَخْرَجَهَا عَنْ يَدِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا يُخْرِجُ بِهِ الدَّابَّةَ مِنْ مِلْكِ الرَّجُلِ ثُمَّ قَضَى لَهُ بِهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ تَشْهَدْ الشُّهُودُ عَلَى أَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ، وَلَكِنَّهُمْ شَهِدُوا عَلَى أَنَّهَا دَابَّتُهُ، أَتُحَلِّفُهُ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ وَلَا تَصَدَّقَ ثُمَّ يَقْضِي لَهُ بِالدَّابَّةِ؟
قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنَّمَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ: إنَّهُ يَسْأَلُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَشْهَدُونَ عَلَى الْبَتَاتِ إنَّمَا يَسْأَلُهُمْ عَنْ عِلْمِهِمْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ شَهِدُوا عَلَى الْبَتَاتِ لَرَأَيْتُ شَهَادَتَهُمْ شَهَادَةَ غَمُوسٍ، وَرَأَيْتُ أَنَّهُمْ شَهِدُوا بِبَاطِلٍ، وَأَنَّهُمْ قَدْ شَهِدُوا بِزُورٍ وَمَا يُدْرِيهِمْ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَيُسْتَحْلَفُ هُوَ عَلَى الْبَتَّةِ أَنَّهُ مَا بَاعَ وَلَا وَهَبَ ثُمَّ يَقْضِي لَهُ بِالدَّابَّةِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَأْجَرْت دَابَّةً مِنْ رَجُلٍ إلَى بَعْضِ الْمَوَاضِعِ فَعَطِبَتْ تَحْتِي ثُمَّ جَاءَ رَبُّهَا فَاسْتَحَقَّهَا، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَنِي وَيَجْعَلَنِي - إذَا عَطِبَتْ تَحْتِي - بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ اشْتَرَى فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ طَعَامًا فَأَكَلَهُ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَحَقَّهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَضْمَنَهُ، فَهَلْ يَكُونُ الَّذِي رَكِبَ الدَّابَّةَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ؟
قَالَ: لَا
[الْعَبْدِ الْمَأْذُونِ لَهُ أَوْ غَيْره يُعِيرُ مَالًا أَوْ يَدْعُو إلَى طَعَام بِغَيْرِ إذْنِ مَوْلَاهُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ الْمَأْذُونَ لَهُ فِي التِّجَارَةِ وَغَيْرَ الْمَأْذُونِ لَهُ فِي التِّجَارَةِ، أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُعِيرَ الدَّابَّةَ مَنْ مَالِهِ أَوْ غَيْرَ الدَّابَّةِ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَجُوزَ ذَلِكَ لَهُ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ يَدْعُو إلَى طَعَامِهِ أَيُجَابُ أَمْ لَا؟ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْعَبْدِ يُولَدُ لَهُ فَيُرِيدُ أَنْ يَعُقَّ عَنْ وَلَدِهِ وَيَدْعُوَ عَلَيْهِ النَّاسَ.
قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبنِي ذَلِكَ إلَّا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.
стр. 2217
[فِيمَنْ اسْتَعَارَ سِلَاحًا لِيُقَاتِلَ بِهِ فَتَلِفَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت مِنْ رَجُلٍ سِلَاحًا أَوْ اسْتَعَرْت مِنْهُ سَيْفًا لِأُقَاتِلَ بِهِ فَضَرَبْتُ بِهِ فَانْقَطَعَ، أَأَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَضْمَنُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - إذَا كَانَتْ لَكَ بَيِّنَةٌ، أَوْ يُعْرَفُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ فِي الْقِتَالِ، لِأَنَّهُ فَعَلَ مَا أُذِنَ لَهُ فِيهِ فَانْقَطَعَ السَّيْفُ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَلَا يُعْرَفُ أَنَّهُ كَانَ مَعَهُ فِي الْقِتَالِ فَهُوَ ضَامِنٌ.
[فِيمَنْ اسْتَعَارَ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ فَتَعَدَّى عَلَيْهَا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ بَعِيدًا أَوْ قَرِيبًا فَعَطِبَتْ]
ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اسْتَعَرْت دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ مِنْ الْمَوَاضِعِ فَلَمَّا بَلَغْتُ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ تَعَدَّيْتُ عَلَى الدَّابَّةِ إلَى مَوْضِعٍ قَرِيبٍ مِثْلُ الْمِيلِ أَوْ نَحْوِهِ، ثُمَّ رَدَدْتهَا إلَى الْمَوْضِعِ الَّذِي اسْتَعَرْتهَا إلَيْهِ، ثُمَّ رَجَعْتُ وَأَنَا أُرِيدُ رَدَّهَا عَلَى صَاحِبِهَا فَعَطِبَتْ فِي الطَّرِيقِ وَقَدْ رَجَعْت إلَى الطَّرِيقِ الَّذِي أَذِنَ لِي فِيهِ، أَأَضْمَنُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ سَمِعْتُ مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَكَارَى دَابَّةً إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ فَتَعَدَّى بِهَا، ثُمَّ رَجَعَ فَعَطِبَتْ بَعْدَمَا رَجَعَ إلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ وَإِلَى الطَّرِيقِ. قَالَ: إنْ كَانَ تَعَدِّيهِ ذَلِكَ مِثْلَ مَنَازِلِ النَّاسِ فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا، وَإِنْ كَانَ جَاوَزَ ذَلِكَ مِثْلَ الْمِيلِ وَالْمِيلَيْنِ فَأَرَاهُ ضَامِنًا.
[فِيمَنْ بَعَثَ رَجُلًا يَسْتَعِيرُ لَهُ دَابَّةً إلَى مَوْضِعٍ فَاسْتَعَارَهَا إلَى غَيْرِ ذَلِكَ]
َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ بَعَثْتُ رَسُولًا إلَى رَجُلٍ لِيُعَيِّرَنِي دَابَّتَهُ إلَى بَرْقَةَ، فَجَاءَهُ الرَّسُولُ فَقَالَ: يَقُولُ لَكَ فُلَانٌ: أَعِرْنِي دَابَّتَكَ إلَى فِلَسْطِينَ. وَأَعْطَاهُ الدَّابَّةَ فَجَاءَنِي بِهَا فَرَكِبْتُهَا فَعَطِبَتْ أَوْ مَاتَتْ تَحْتِي، فَقَالَ الرَّسُولُ: قَدْ كَذَبْتُ فِيمَا بَيْنَهُمَا؟
قَالَ: الرَّسُولُ ضَامِنٌ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى الَّذِي اسْتَعَارَهَا لِأَنَّهُ لَمْ يَعْلَمْ مَا تَعَدَّى بِهِ الرَّسُولُ.
قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ الرَّسُولُ: لَا وَاَللَّهِ مَا أَمَرْتَنِي أَنْ أَسْتَعِيرَ لَكَ إلَّا إلَى فِلَسْطِينَ. وَقَالَ الْمُسْتَعِيرُ: بَلْ أَمَرْتُكَ أَنْ تَقُولَ إلَى بَرْقَةَ؟
قَالَ: لَا يَكُونُ الرَّسُولُ هَهُنَا شَاهِدًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ أَمَرَ رَجُلَيْنِ أَنْ يُزَوِّجَاهُ امْرَأَةً فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِذَلِكَ. قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُمَا عَلَيْهِ لِأَنَّهُمَا خَصْمَانِ لَهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَذَلِكَ لَوْ اخْتَلَفَا فِي الصَّدَاقِ فَقَالَا: أَمَرْتَنَا بِكَذَا وَكَذَا. وَقَالَ الزَّوْجُ: بَلْ أَمَرْتُكُمَا بِكَذَا وَكَذَا، لِمَا دُونَ ذَلِكَ. لَمْ يَجُزْ قَوْلُهُمَا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُمَا خَصْمَانِ وَيَكُونُ الْمُسْتَعِيرُ هَهُنَا ضَامِنًا إلَّا أَنْ تَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى مَا زَعَمَ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ الرَّسُولَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا رَكِبَ دَابَّتِي إلَى فِلَسْطِينَ، فَقُلْتُ: أَكْرَيْتُهَا مِنْكَ وَقَالَ: بَلْ أَعَرْتنِيهَا؟
قَالَ: الْقَوْلُ قَوْلُ صَاحِبِ الدَّابَّةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ لَيْسَ مِثْلُهُ يُكْرِي الدَّوَابَّ، مِثْلُ الرَّجُلِ الشَّرِيفِ الْمَنْزِلَةِ الَّذِي لَهُ الْقَدْرُ وَالْغِنَى وَهَذَا رَأْيِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 2218
[كِتَابُ اللُّقَطَةِ وَالضَّوَالِّ]
ِّ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا الْتَقَطَ لُقَطَةً دَرَاهِمَ أَوْ دَنَانِيرَ أَوْ ثِيَابًا أَوْ عُرُوضًا أَوْ حُلِيًّا مَصُوغًا أَوْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ، كَيْفَ يَصْنَعُ بِهَا وَكَيْفَ يُعَرِّفُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُعَرِّفُهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا لَمْ آمُرْهُ بِأَكْلِهَا.
قُلْتُ: وَالْقَلِيلُ وَالْكَثِيرُ فِي هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ، الدَّرَاهِمُ فَصَاعِدًا؟
قَالَ: نَعَمْ إلَّا أَنْ يُحِبَّ بَعْدَ السَّنَةِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا، وَيُخَيَّرُ صَاحِبُهَا إذَا هُوَ جَاءَ فِي أَنْ يَكُونَ لَهُ أَجْرُهَا أَوْ يُغْرِمُهَا لَهُ. قَالَ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَفَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا قَبْلَ السَّنَةِ؟
قَالَ: ذَلِكَ رَأْيِي إلَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْءَ التَّافِهَ الْيَسِيرَ.
[الْعَبْدُ يَلْتَقِطُ اللُّقَطَةَ يَسْتَهْلِكُهَا قَبْلَ السَّنَةِ أَوْ بَعْدَ السَّنَةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبْدَ إذَا الْتَقَطَ اللُّقَطَةَ فَأَكَلَهَا أَوْ تَصَدَّقَ بِهَا قَبْلَ السَّنَةِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ فِي ذِمَّتِهِ أَمْ فِي رَقَبَتِهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا اسْتَهْلَكَهَا قَبْلَ السَّنَةِ فَهِيَ فِي رَقَبَتِهِ لَا فِي ذِمَّتِهِ.
قُلْتُ: فَإِنْ اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ السَّنَةِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ السَّنَةِ فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ.
قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ إذَا اسْتَهْلَكَهَا بَعْدَ السَّنَةِ فَهِيَ فِي ذِمَّتِهِ وَهُوَ لَا يَرَى أَنْ يَأْكُلَهَا؟ قَالَ: لِلَّذِي جَاءَ فِيهَا مِنْ الِاخْتِلَافِ، لِأَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِيهَا يُعَرِّفُهَا سَنَةً. فَإِنْ لَمْ يَجِئْ صَاحِبُهَا فَشَأْنُهُ بِهَا، فَلِذَلِكَ جَعَلَهَا فِي ذِمَّتِهِ بَعْدَ السَّنَةِ.
قُلْتُ: هَلْ سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي اللُّقَطَةِ، أَيْنَ تُعَرَّفُ؟ وَفِي أَيْ الْمَوَاضِعِ تُعَرَّفُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهَا شَيْئًا، وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ تُعَرَّفَ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي اُلْتُقِطَتْ فِيهَا، أَوْ حَيْثُ يَظُنُّ أَنَّ صَاحِبَهَا هُنَاكَ. وَحَدِيثُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ رَجُلٌ: إنِّي نَزَلْت مَنْزِلَ قَوْمٍ بِطَرِيقِ الشَّامِ، فَوَجَدْت صُرَّةً فِيهَا ثَمَانُونَ دِينَارًا فَذَكَرْتُهَا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَقَالَ عُمَرُ: عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَأَذْكُرْهَا
стр. 2219
لِمَنْ يَقْدَمُ مِنْ الشَّامِ سَنَةً، فَإِذَا مَضَتْ سَنَةٌ فَشَأْنُكَ بِهَا. فَقَدْ قَالَ لَهُ عُمَرُ: عَرِّفْهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ. فَأَرَى أَنْ يُعَرِّفَ اللُّقَطَةَ مَنْ الْتَقَطَهَا عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ وَفِي مَوْضِعِهَا أَوْ حَيْثُ يَظُنُّ أَنَّ صَاحِبَهَا هُنَاكَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا أُصِيبَ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لُقَطَةً عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ يُعْلَمُ أَنَّهُ مَنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، أَيُخَمَّسُ؟ أَمْ يَكُونُ فِيهِ الزَّكَاةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: يُخَمَّسُ، وَإِنَّمَا الزَّكَاةُ فِي الْمَعَادِنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. وَمَا أُصِيبَ فِي الْمَعَادِنِ بِغَيْرِ كَبِيرِ عَمَلٍ مِثْلُ النَّدْرَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا فَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الرِّكَازِ، فِيهِ الْخُمْسُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ دَفْنَ الْجَاهِلِيَّةِ مَا نِيلَ مِنْهُ بِعَمَلٍ وَمُؤْنَةٍ؟
قَالَ: فِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ الْخُمْسُ، وَالرِّكَازُ كُلُّهُ فِيهِ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - الْخُمْسُ مَا نِيلَ مِنْهُ بِعَمَلٍ وَمَا نِيلَ بِغَيْرِ عَمَلٍ. قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ تُرَابٍ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ يُغْسَلُ فَيُوجَدُ فِيهِ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَرُبَّمَا أَصَابُوا فِيهِ تَمَاثِيلَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ؟
قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا التَّمَاثِيلُ فَفِيهَا الْخُمْسُ، وَأَمَّا تُرَابُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ ذَلِكَ التُّرَابِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ تُرَابِ الْمَعَادِنِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ الْتَقَطْت لُقَطَةً فَأَتَى رَجُلٌ فَوَصَفَ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا وَعِدَّتَهَا، أَيَلْزَمُنِي أَنْ أَدْفَعَهَا إلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهَا شَيْئًا، وَلَا أَشُكُّ أَنَّ هَذَا وَجْهُ الشَّأْنِ فِيهَا وَتُدْفَعُ إلَيْهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ جَاءَ آخَرُ بَعْدَ ذَلِكَ فَوَصَفَ لِي مِثْلَ مَا وَصَفَ الْأَوَّلُ، أَوْ جَاءَ فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّ تِلْكَ اللُّقَطَةَ كَانَتْ لَهُ، أَيَضْمَنُ الَّذِي الْتَقَطَ تِلْكَ اللُّقَطَةَ وَقَدْ دَفَعَهَا إلَى مَنْ ذَهَبَ بِهَا؟
قَالَ: لَا، لِأَنَّهُ قَدْ دَفَعَهَا بِأَمْرٍ كَانَ ذَلِكَ وَجْهَ الدَّفْعِ فِيهَا، وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «اعْرِفْ عِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا ثُمَّ عَرِّفْهَا فَإِنْ جَاءَ طَالِبُهَا أَخَذَهَا» . أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنَّمَا قِيلَ لَهُ اعْرِفْ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ، أَيْ حَتَّى إذَا جَاءَ طَالِبُهَا ادْفَعْهَا إلَيْهِ، وَإِلَّا فَلِمَاذَا قِيلَ لَهُ اعْرِفْ الْعِفَاصَ وَالْوِكَاءَ قُلْتُ: وَتَرَى أَنْ يُجْبِرَهُ السُّلْطَانُ عَلَى أَنْ يَدْفَعَهَا إلَيْهِ إذَا اعْتَرَفَهَا هَذَا وَوَصَفَ صِفَاتِهَا وَعِفَاصَهَا وَوِكَاءَهَا؟
قَالَ: نَعَمْ، أَرَى أَنْ يُجْبِرَهُ. وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَزَادَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ، فَإِنْ أَبَى عَنْ الْيَمِينِ فَلَا شَيْءَ لَهُ
[التِّجَارَةُ فِي اللُّقَطَةِ وَالْعَارِيَّةِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا حُرًّا الْتَقَطَ لُقَطَةً، أَوْ مُكَاتَبًا أَوْ عَبْدًا تَاجِرًا، أَيَتَّجِرُ بِهَا فِي السَّنَةِ الَّتِي يُعَرِّفُهَا فِيهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي الْوَدِيعَةِ: لَا يَتَّجِرُ بِهَا. فَأَرَى اللُّقَطَةَ بِمَنْزِلَةِ الْوَدِيعَةِ فِي السَّنَةِ الَّتِي يُعَرِّفُهَا لَا يَتَّجِرُ بِهَا وَلَا بَعْدَ السَّنَةِ أَيْضًا، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا مَضَتْ السَّنَةُ لَمْ آمُرْهُ بِأَكْلِهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ تَعْرِيفَهُ إيَّاهَا فِي السَّنَةِ، أَبِأَمْرِ الْإِمَامِ أَمْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ؟ قَالَ: لَا أَعْرِفُ الْإِمَامَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، إنَّمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: " يُعَرِّفُهَا سَنَةً " فَأَمْرُ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ سَوَاءٌ فِي هَذَا.
стр. 2220
[فِي لُقَطَةِ الطَّعَامِ]
ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ الْتَقَطْت مَا لَا يَبْقَى فِي أَيْدِي النَّاسِ مَنْ الطَّعَامِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَتَصَدَّقُ بِهِ أَعْجَبُ إلَيَّ.
قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ شَيْئًا تَافِهًا؟
قَالَ: التَّافِهُ وَغَيْرُ التَّافِهِ يَتَصَدَّقُ بِهِ أَعْجَبُ إلَى مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ أَكَلَهُ وَأَتَى صَاحِبُهُ أَوْ تَصَدَّقَ بِهِ أَيَضْمَنُهُ؟
قَالَ: لَا يَضْمَنُهُ، مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الشَّاةِ يَجِدُهَا فِي فَيَافِي الْأَرْضِ إلَّا أَنْ يَجِدَهَا فِي غَيْرِ فَيَافِي الْأَرْضِ.
قُلْتُ: وَهَلْ كَانَ مَالِكٌ يُوَقِّتُ فِي الطَّعَامِ الَّذِي كَانَ يَخَافُ عَلَيْهِ الْفَسَادُ وَقْتًا فِي تَعْرِيفِهِ؟ قَالَ: لَمْ يَكُنْ مَالِكٌ يُوَقِّتُ فِيهِ وَقْتًا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ الْتَقَطَ شَاةً فِي فَيَافِي الْأَرْضِ أَوْ بَيْنَ الْمَنَازِلِ؟
قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ضَالَّةِ الْغَنَمِ يُصِيبُهَا الرَّجُلُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا مَا كَانَ قُرْبَ الْقُرَى فَلَا يَأْكُلُهَا وَلْيَضُمَّهَا إلَى أَقْرَبِ الْقُرَى إلَيْهَا يُعَرِّفُهَا فِيهَا. قَالَ: وَأَمَّا مَا كَانَ فِي فَلَوَاتِ الْأَرْضِ وَالْمَهَامِهِ، فَإِنَّ تِلْكَ يَأْكُلُهَا وَلَا يُعَرِّفُهَا. فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا فَلَيْسَ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ ثَمَنِهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ، قَالَ: أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ فِي الْحَدِيثِ: «هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذِّئْبِ» .
[فِي لُقَطَةِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالدَّوَابِّ]
ِّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْبَقَرَ، أَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْغَنَمِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَمَّا إذَا كَانَتْ. بِمَوْضِعٍ يُخَافُ عَلَيْهَا فَنَعَمْ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَوْضِعٍ لَا يَخَافُ عَلَيْهَا السِّبَاعَ وَلَا الذِّئَابَ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْإِبِلِ.
قُلْتُ: وَمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْإِبِلِ إذَا وَجَدَهَا الرَّجُلُ ضَالَّةً فِي فَلَوَاتِ الْأَرْضِ؟
قَالَ: إذَا أَخَذَهَا عَرَّفَهَا وَإِنْ أَرَادَ أَكْلَهَا فَلَيْسَ لَهُ وَلَا يَعْرِضُ لَهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَخَذَهَا فَعَرَّفَهَا وَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا فَلْيُخَلِّهَا بِالْمَوْضِعِ الَّذِي وَجَدَهَا فِيهِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، أَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْإِبِلِ؟ قَالَ: الْخَيْلُ وَالْبِغَالُ وَالْحَمِيرُ لَا تُؤْكَلُ.
قُلْتُ: فَإِنْ الْتَقَطَهَا؟
قَالَ: يُعَرِّفُهَا فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا رَدَّهَا.
قُلْتُ: فَإِنْ عَرَّفَهَا سَنَةً فَلَمْ يَجِئْ رَبُّهَا؟
قَالَ: أَرَى أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا. قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ.
قُلْتُ: فَإِنْ جَاءَ رَبُّهَا وَقَدْ أُنْفِقَ عَلَى هَذِهِ الدَّوَابِّ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ نَفَقَتُهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، عَلَى صَاحِبِهَا مَا أَنْفَقَ هَذَا عَلَيْهَا وَلَا يَأْخُذُهَا حَتَّى يُعْطِيَهُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا. وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْإِبِلِ إذَا اعْتَرَفَهَا رَبُّهَا وَقَدْ كَانَ أَسْلَمَهَا وَقَدْ أَنْفَقَ عَلَيْهَا: إنَّ لَهُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا إنْ أَرَادَ صَاحِبُهَا أَنْ يَأْخُذَهَا، وَإِنْ أَرَادَ أَنْ يُسَلِّمَهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ.
قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْغَنَمُ وَالْبَقَرُ إذَا الْتَقَطَهَا فِي فَلَوَاتِ الْأَرْضِ أَوْ فِي غَيْرِ فَلَوَاتٍ، فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَهَا رَبُّهَا، أَيَكُونُ لَهُ نَفَقَتُهُ الَّتِي أَنْفَقَ عَلَيْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَتَاعِ يَلْتَقِطُهُ الرَّجُلُ فَيَحْمِلُهُ إلَى مَوْضِعٍ مَنْ الْمَوَاضِعِ لِيُعَرِّفَهُ فَيَعْرِفُهُ رَبُّهُ. قَالَ مَالِكٌ: هُوَ لِصَاحِبِهِ وَيَدْفَعُ إلَيْهِ هَذَا الْكِرَاءَ الَّذِي حَمَلَهُ، فَكَذَلِكَ الْغَنَمُ وَالْبَقَرُ إذَا الْتَقَطَهَا رَجُلٌ فَأَنْفَقَ عَلَيْهَا، ثُمَّ أَتَى رَبُّهَا فَإِنَّهُ يَغْرَمُ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا الْمُلْتَقِطُ إلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبُّهَا
стр. 2221
أَنْ يُسَلِّمَهَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا أَنْفَقَ هَذَا الْمُلْتَقِطُ عَلَى هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي الْتَقَطَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ، أَيَكُونُ ذَلِكَ عَلَى رَبِّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إنْ أَرَادَ أَخْذَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، إنْ أَرَادَ رَبُّهَا أَخْذَهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا حَتَّى يَغْرَمَ لِهَذَا مَا أَنْفَقَ عَلَيْهَا، بِأَمْرِ السُّلْطَانِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ.
[فِي الْآبِقِ يُنْفِقُ عَلَيْهِ مَنْ يَجِدُهُ وَفِي بَيْعِ السُّلْطَانِ الضَّوَالَّ]
َّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْآبِقَ إذَا وَجَدَهُ الرَّجُلُ، مَا يَصْنَعُ بِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَرْفَعُهُ إلَى السُّلْطَانِ فَيَحْبِسُهُ السُّلْطَانُ سَنَةً، فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهُ وَإِلَّا بَاعَهُ وَحَبَسَ لَهُ ثَمَنَهُ.
قُلْتُ: مَنْ يُنْفِقُ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ السَّنَةِ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ يُنْفِقَ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ، وَيَكُونُ فِيمَا أَنْفَقَ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ، إلَّا أَنَّ السُّلْطَانَ إنْ لَمْ يَأْتِ رَبُّهُ بَاعَهُ، وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مَا بَقِيَ فِي بَيْتِ الْمَالِ.
قُلْتُ أَرَأَيْتَ الْإِبِلَ الضَّوَالَّ إذَا رُفِعَتْ إلَى الْوَالِي، هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَأْمُرُ الْوَالِيَ أَنْ يَبِيعَهَا وَيَرْفَعَ أَثْمَانَهَا إلَى أَرْبَابِهَا كَمَا يَصْنَعُ عُثْمَانُ فِي ضَوَالِّ الْإِبِلِ، بَاعَهَا وَحَبَسَ أَثْمَانَهَا عَلَى أَرْبَابِهَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُبَاعُ ضَوَالُّ الْإِبِلِ، وَلَكِنْ تُعَرَّفُ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ أَرْبَابُهَا رُدَّتْ إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي أُصِيبَتْ فِيهَا. قَالَ: وَكَذَلِكَ جَاءَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: أَرْسِلْهَا فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي وَجَدْتَهَا فِيهَا. وَإِنَّمَا كَانَ مَالِكٌ يَأْخُذُ بِحَدِيثِ عُمَرَ فِي هَذَا. قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ اسْتَشَارَنِي بَعْضُ الْوُلَاةِ فَأَشَرْتُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ.
قُلْتُ: لِمَ قَالَ مَالِكٌ فِي الْأُبَّاقِ إنَّهُمْ يُبَاعُونَ بَعْدَ السَّنَةِ إذَا حَبَسَهُمْ الْإِمَامُ، وَلَمْ يَجْعَلْهُمْ بِمَنْزِلَةِ ضَوَالِّ الْإِبِلِ، يَدْعُهُمْ يَعْمَلُونَ وَيَأْكُلُونَ حَتَّى يَأْتِيَ أَرْبَابُهُمْ؟
قَالَ: الْأُبَّاقُ فِي هَذَا لَيْسُوا بِمَنْزِلَةِ الْإِبِلِ، لِأَنَّهُمْ يَأْبَقُونَ ثَانِيَةً.
قُلْتُ أَرَأَيْتَ الْآبِقَ إذَا أَصَابَهُ الرَّجُلُ فِي الْمِصْرِ أَوْ خَارِجًا مِنْ الْمِصْرِ، أَفِيهِ جُعْلٌ عِنْدَ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الْآبِقِ إذَا وَجَدَهُ الرَّجُلُ فَأَخَذَهُ فَطَلَبَ جُعْلَهُ، أَتَرَى فِيهِ جُعْلًا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا مَنْ كَانَ ذَلِكَ شَأْنُهُ وَطَلَبُهُ وَهُوَ عَمَلُهُ فَأَرَى أَنْ يُجْعَلَ لَهُ جُعْلٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَعِنْدَنَا قَوْمٌ شَأْنُهُمْ هَذَا، وَفِي هَذَا مَنَافِعُ لِلنَّاسِ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ شَأْنُهُ وَإِنَّمَا وَجَدَهُ فَأَخَذَهُ فَإِنَّمَا لَهُ فِيهِ نَفَقَتُهُ وَلَا جُعْلَ لَهُ.
قُلْتُ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يُوَقِّتُ فِي الْجُعْلِ شَيْئًا؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ أَنَّهُ وَقَّتَ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُعْطِيَ عَلَى قَدْرِ بُعْدِ الْمَوْضِعِ الَّذِي أَخَذَهُ فِيهِ بِالِاجْتِهَادِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ رَجُلًا هَذَا شَأْنُهُ يَطْلُبُ الْإِبَاقَ وَالدَّوَابَّ الضَّوَالَّ وَالْأَمْتِعَاتِ وَيَرُدُّهَا عَلَى أَرْبَابِهَا، أَيَكُونُ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ لَهُ جُعْلُهُ لِأَنَّ فِي ذَلِكَ مَنَافِعُ لِلنَّاسِ. قَالَ: وَلَمْ يُوَقِّتْ لَنَا مَالِكٌ فِي الْآبِقِ شَيْئًا فِي الْمِصْرِ أَوْ خَارِجًا مِنْ الْمِصْرِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ لَنَا مَا أَخْبَرْتُكَ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ هَذِهِ السُّفُنِ الَّتِي تَنْكَسِرُ فِي الْبَحْرِ، فَيُلْقِي الْبَحْرُ
стр. 2222
مَتَاعَهُمْ فَيَأْخُذُهُ بَعْضُ النَّاسِ، ثُمَّ يَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ أَصْحَابُ الْمَتَاعِ؟
قَالَ مَالِكٌ يَأْخُذُونَ مَتَاعَهُمْ وَلَا شَيْءَ لَهَا وَلَا الَّذِينَ أَصَابُوهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا الْتَقَطَ لُقَطَةً فَعَرَّفَهَا سَنَةً ثُمَّ بَاعَهَا بَعْدَ السَّنَةِ فَأَتَى رَبُّهَا، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَفْسَخَ الْبَيْعَ وَإِنَّمَا بَاعَهَا الَّذِي الْتَقَطَهَا بِغَيْرِ أَمْرِ السُّلْطَانِ؟
قَالَ: مَعْنَى شَأْنُكُمْ بِهَا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ فِي أَنْ يَحْبِسَهَا وَفِي أَنْ يَتَصَدَّقَ، فَأَرَى أَنَّ الْبَيْعَ جَائِزٌ وَيَكُونُ لَهُ الثُّمْنُ مِمَّنْ قَبَضَهُ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ الْتَقَطَ لُقَطَةً فَضَاعَتْ مِنْهُ فَأَتَى رَبُّهَا، أَيَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. فَإِنْ قَالَ لَهُ رَبُّ الْمَتَاعِ إنَّمَا الْتَقَطْتُهَا لِتَذْهَبَ بِهَا. وَقَالَ الَّذِي الْتَقَطَهَا: إنَّمَا الْتَقَطْتُهَا لِأُعَرِّفَهَا؟
قَالَ: فَالْقَوْلُ قَوْلُ الَّذِي الْتَقَطَهَا.
قُلْتُ: أَسَمِعْتَهُ مِنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا الْتَقَطَ لُقَطَةً لِيُعَرِّفَهَا، ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَدَّهَا فِي مَوْضِعِهَا فَضَاعَتْ، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: سَأَلَ رَجُلٌ مَالِكًا عَنْ رَجُلٍ الْتَقَطَ كِسَاءً وَبَيْنَ يَدَيْهِ رُفْقَةٌ، فَصَاحَ بِهِمْ أَلْكُمْ الْكِسَاءُ فَقَالُوا: لَا. فَرَدَّهُ فِي مَوْضِعِهِ. قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا، وَقَدْ أَحْسَنَ حِينَ رَدَّهُ فِي مَوْضِعِهِ. فَأَرَى أَنَا أَنَّ مَنْ أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ مِمَّنْ لَيْسَ هُوَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حَتَّى يَسِيرَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي الْتَقَطَهُ فِيهِ، ثُمَّ أَتَى بِهِ فَوَضَعَهُ فِي مَوْضِعِهِ الَّذِي وَجَدَهُ فِيهِ أَوْ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الَّذِي وَجَدَهُ فِيهِ، بَعْدَ أَنْ ذَهَبَ بِهِ وَمَكَثَ فِي يَدَيْهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ. وَاَلَّذِي أَرَادَ مَالِكٌ إنَّمَا رَدَّهُ مَكَانَهُ مِنْ سَاعَتِهِ، وَإِنَّهُ صَاحَ بِالْقَوْمِ يَظُنُّهُ لَهُمْ مِثْلُ الرَّجُلِ يَمْشِي فِي أَثَرِ الرَّجُلِ فَيَجِدُ الشَّيْءَ فَيَأْخُذُهُ وَيَصِيحُ بِهِ أَلَكَ هَذَا، فَيَقُولُ لَهُ لَا، فَيَتْرُكُهُ فَهَذَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ. وَأَمَّا مَا أَخَذَهُ فَأَحْرَزَهُ ثُمَّ بَدَا لَهُ فَرَدَّهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ، وَكَذَلِكَ سَمِعْتُ، فِيمَا يُشْبِهُهُ.
[فِي السَّارِقِ يَسْرِقُ مِنْ دَارٍ فِيهَا سَاكِنٌ أَوْ لَا سَاكَنَ فِيهَا ثُمَّ يَدَعُ الْبَابَ مَفْتُوحًا]
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَتَيْت إلَى دَوَابِّ رَجُلٍ مَرْبُوطَةٍ فِي مَذَاوِدِهَا فَحَلَلْتُهَا. فَذَهَبْتُ الدَّوَابُّ، أَأَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فِي السَّارِقِ يَسْرِقُ مِنْ الْحَانُوتِ وَهُوَ مُغْلَقٌ، لَا يَسْكُنُ فِيهِ أَحَدٌ فَيَفْتَحُهُ ثُمَّ يَدَعُهُ مَفْتُوحًا وَلَيْسَ رَبُّهُ فِيهِ، فَيَذْهَبُ مَا فِي الْحَانُوتِ: إنَّ السَّارِقَ ضَامِنٌ لِمَا ذَهَبَ مِنْ الْحَانُوتِ لِأَنَّهُ فَتَحَهُ، فَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ مِثْلُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ الدَّوَابُّ فِي دَارٍ، فَفَتَحَ الْبَابَ رَجُلٌ فَذَهَبَتْ الدَّوَابُّ، أَيَضْمَنُهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: إنْ كَانَتْ دَارُ الدَّوَابِّ مَسْكُونَةً فِيهَا قَوْمَةُ الدَّوَابِّ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سَرَقَ مِنْهُ وَتَرَكَ بَقِيَّتَهُ مُبَاحًا لِلنَّاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّ الدَّوَابِّ فِي الدَّارِ ضَمِنَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ رَبُّ الدَّوَابِّ فِي الدَّارِ نَائِمًا، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يَضْمَنُ.
قُلْتُ: لِمَ وَهُوَ نَائِمٌ؟
قَالَ: أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ سَارِقًا دَخَلَ بَيْتَ قَوْمٍ وَهُمْ نِيَامٌ، فَفَتَحَ بَابَهُمْ وَقَدْ كَانُوا أَغْلَقُوهُ، فَسَرَقَ بَعْضَ مَتَاعِهِمْ ثُمَّ خَرَجَ وَتَرَكَ الْبَابَ مَفْتُوحًا فَسُرِقَ مَا فِيهِ
стр. 2223
بَعْدَهُ، أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: لِأَنَّ أَرْبَابَ الْبَيْتِ إذَا كَانُوا فِي الْبَيْتِ - نِيَامًا كَانُوا أَوْ غَيْرَ نِيَامٍ - فَإِنَّ السَّارِقَ لَا يَضْمَنُ مَا ذَهَبَ بَعْدَ ذَلِكَ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ مِنْ هَذَا إذَا تَرَكَ الْبَابَ مَفْتُوحًا وَلَيْسَ أَرْبَابُ الْبَيْتِ فِي الْبَيْتِ.
قُلْتُ: فَلَوْ كَانَ بَيْتٌ تَسْكُنُهُ امْرَأَةٌ، فَخَرَجَتْ إلَى جَارَةٍ لَهَا زَائِرَةً وَأَغْلَقَتْ عَلَى مَتَاعِهَا الْبَابَ، فَأَتَى السَّارِقُ وَفَتَحَ الْبَابَ وَسَرَقَ مَا فِيهِ وَتَرَكَهُ مَفْتُوحًا، فَسُرِقَ مَا بَقِيَ فِي الْبَيْتِ بَعْدَهُ، أَيَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: يَضْمَنُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَالْحَوَانِيتُ إنْ سَرَقَ مِنْهَا رَجُلٌ بِاللَّيْلِ وَتَرَكَ الْبَابَ مَفْتُوحًا فَسُرِقَ مَا فِي الْحَوَانِيتِ بَعْدَهُ، أَيَضْمَنُ السَّارِقُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ يَضْمَنُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
قُلْتُ: وَالْحَوَانِيتُ مَسْكُونَةٌ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَيْسَتْ مَسْكُونَةً.
[فَتَحَ قَفَصًا فِيهِ طَيْرٌ أَوْ قَيْدًا فِيهِ عَبْدٌ فَذَهَبَ الطَّيْرُ وَهَرَبَ الْعَبْدُ]
ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَتَيْت إلَى قَفَصٍ فِيهِ طَيْرٌ، فَفَتَحْت بَابَ الْقَفَصِ. فَذَهَبَ الطَّيْرُ، أَأَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ أَنْتَ ضَامِنٌ فِي رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى عَبْدٍ لِي قَدْ قَيَّدْتُهُ أَخَافُ إبَاقَهُ، فَحَلَّ قَيْدَهُ فَذَهَبَ الْعَبْدُ، أَيَضْمَنُهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: يَضْمَنُهُ فِي رَأْيِي.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا الْتَقَطَ لُقَطَةً فَعَرَّفَهَا سَنَةً فَلَمْ يَجِدْ صَاحِبَهَا، فَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَى الْمَسَاكِينِ فَأَتَى صَاحِبُهَا وَهِيَ فِي أَيْدِي الْمَسَاكِينِ، أَيَكُونُ لِصَاحِبِهَا أَنْ يَأْخُذَهَا وَهِيَ فِي أَيْدِي الْمَسَاكِينِ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَكَلَهَا الْمَسَاكِينُ فَأَتَى رَبُّهَا فَأَرَادَ أَنْ يُضَمِّنَهُمْ؟
قَالَ: لَا أَرَى ذَلِكَ لَهُ.
قُلْتُ: أَلَيْسَ قَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْهِبَةِ: إذَا اسْتَحَقَّهَا صَاحِبُهَا عِنْدَ الْمَوْهُوبَةِ لَهُ وَقَدْ أَكَلَهَا، إنَّ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ إيَّاهَا؟
قَالَ: لَيْسَتْ اللُّقَطَةُ بِمَنْزِلَةِ الْهِبَةِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ قَدْ قَالُوا فِي اللُّقَطَةِ يُعَرِّفُهَا سَنَةً ثُمَّ شَأْنُهُ بِهَا. قَالَ: وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
стр. 2224
[كِتَابُ الْآبِقِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَخَذْت عَبْدًا آبِقًا فَأَبَقَ مِنِّي، أَيَكُونُ عَلَيَّ شَيْءٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا شَيْءَ عَلَيْك.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَرْسَلَهُ بَعْدَمَا أَخَذَهُ ضَمِنَهُ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اعْتَرَفْت عَبْدًا آبِقًا عِنْدَ السُّلْطَانِ، فَأَتَيْت بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ، أَأَحْلِفُ مَعَ شَاهِدِي وَآخُذُ الْعَبْدَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَرَى أَنْ يُسْتَحْلَفَ طَالِبُ الْحَقِّ مَعَ شَاهِدَيْنِ؟ قَالَ: لَا، إذَا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ لَمْ يُسْتَحْلَفْ.
قُلْت: أَرَأَيْت إذَا ادَّعَى هَذَا الْآبِقَ رَجُلٌ فَقَالَ: هُوَ عَبْدِي وَقَالَ الْعَبْدُ: صَدَقَ أَنَا عَبْدُهُ. وَلَا بَيِّنَةَ لِلسَّيِّدِ. أَيُعْطَى السَّيِّدُ بِقَوْلِهِ وَبِإِقْرَارِ الْعَبْدِ لَهُ بِالْعُبُودِيَّةِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: هَكَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مِنْ قَبْلُ، إنَّ مَالِكًا قَالَ فِي اللُّصُوصِ إذَا أُخِذُوا وَمَعَهُمْ الْأَمْتِعَةُ، فَأَتَى قَوْمٌ فَيَدَّعُونَ ذَلِكَ الْمَتَاعَ، وَلَا يُعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهِمْ وَلَيْسَتْ لَهُمْ بَيِّنَةٌ.
قَالَ مَالِكٌ: يَتَلَوَّمُ لَهُمْ السُّلْطَانُ، فَإِنْ لَمْ يَأْتِ غَيْرُهُمْ دَفَعَهُ إلَيْهِمْ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْآبِقَ إذَا حَبَسَهُ الْإِمَامُ سَنَةً ثُمَّ بَاعَهُ، فَجَاءَ سَيِّدُهُ وَالْعَبْدُ قَائِمٌ عِنْدَ الْمُشْتَرِي، أَيَكُونُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَنْقُضَ الْبَيْعَ وَيَأْخُذَ الْعَبْدَ؟ قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ إنَّمَا لَهُ أَنْ يَأْخُذَ. ثَمَنَهُ. قُلْت: لِمَ؟
قَالَ: لِأَنَّ السُّلْطَانَ بَاعَهُ عَلَيْهِ وَبَيْعُ السُّلْطَانِ جَائِزٌ.
[فِي بَيْعِ السُّلْطَانِ الْأُبَّاقَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ السُّلْطَانَ بَاعَ هَذَا الْآبِقَ بَعْدَمَا حَبَسَهُ سَنَةً، ثُمَّ أَتَى سَيِّدُهُ فَاعْتَرَفَهُ فَقَالَ: قَدْ كُنْت أَعْتَقْته بَعْدَمَا أَبَقَ، أَوْ قَالَ قَدْ كُنْت دَبَّرْته بَعْدَمَا أَبَقَ؟ قَالَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ عَلَى نَقْضِ الْبَيْعِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ لَهُ، لِأَنَّ بَيْعَ السُّلْطَانِ بِمَنْزِلَةِ بَيْعِ السَّيِّدِ. أَلَا تَرَى أَنَّ السَّيِّدَ
стр. 2225
لَوْ بَاعَ الْعَبْدَ ثُمَّ أَقَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ كَانَ أَعْتَقَهُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ عَلَى نَقْضِ الْبَيْعِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ وَهَذَا رَأْيِي.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ: قَدْ كُنْت أَعْتَقْته قَبْلَ أَنْ يَأْبَقَ مِنِّي أَوْ دَبَّرْته قَبْلَ أَنْ يَأْبَقَ مِنِّي؟ قَالَ: أَمَّا التَّدْبِيرُ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيهِ، وَأَمَّا الْعِتْقُ فَلَا أَرَى أَيْضًا أَنْ يُقْبَلَ قَوْلُهُ، لِأَنَّهُ لَوْ بَاعَهُ هُوَ نَفْسُهُ ثُمَّ قَالَ: قَدْ كُنْت أَعْتَقْته لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت إذَا أَتَى سَيِّدُهَا وَهِيَ أَمَةٌ لَهُ وَقَدْ كَانَ بَاعَهَا السُّلْطَانُ بَعْدَمَا حَبَسَهَا سَنَةً، فَقَالَ سَيِّدُهَا: قَدْ كَانَتْ وَلَدَتْ مِنِّي وَوَلَدُهَا قَائِمٌ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تُرَدَّ إلَى سَيِّدِهَا إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى مِثْلِهَا، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ بَاعَ جَارِيَةً لَهُ وَوَلَدَهَا. ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: هَذَا الْوَلَدُ الَّذِي بِعْت مَعَهَا هُوَ مِنِّي، قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُتَّهَمُ عَلَى مِثْلِهَا رُدَّتْ عَلَيْهِ. وَقَالَ فِي الْعِتْقِ: إنْ أَقَرَّ أَنَّهُ كَانَ أَعْتَقَهَا لَمْ يُصَدَّقْ وَلَمْ تُرَدَّ عَلَيْهِ إلَّا بِبَيِّنَةٍ. قُلْت: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا وَلَدٌ فَقَالَ بَعْدَمَا بَاعَهَا: قَدْ كَانَتْ وَلَدَتْ مِنِّي؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تُرَدَّ إذَا لَمْ يُتَّهَمُ فِي مِثْلِهَا، كَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ.
[فِيمَنْ اغْتَصَبَ عَبْدًا فَمَاتَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اغْتَصَبَ عَبْدًا فَمَاتَ عِنْدَ الْغَاصِبِ مَوْتًا ظَاهِرًا، أَيَضْمَنُ الْغَاصِبُ قِيمَتَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ ضَامِنٌ لَقِيمَتِهِ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْعَبْدَ الْآبِقَ، أَيَجُوزُ تَدْبِيرُ سَيِّدِهِ فِيهِ وَعِتْقُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّهُ لَمْ يَزُلْ مِلْكُهُ عَنْهُ بِإِبَاقِ الْعَبْدِ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْعَبْدَ الْآبِقَ، أَيَبِيعُهُ سَيِّدُهُ وَهُوَ آبِقٌ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا.
قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ وَهَبَ عَبْدًا لَهُ آبِقًا، أَتَجُوزُ فِيهِ الْهِبَةُ أَمْ لَا؟ قَالَ: إذَا كَانَتْ الْهِبَةُ لِغَيْرِ الثَّوَابِ جَازَتْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. قَالَ: وَإِنْ كَانَتْ لِلثَّوَابِ لَمْ تَجُزْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، لِأَنَّ الْهِبَةَ لِلثَّوَابِ بَيْعٌ مِنْ الْبُيُوعِ وَبَيْعُ الْآبِقِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُ غَرَرٌ، فَكَذَلِكَ الْهِبَةُ لِلثَّوَابِ.
[فِي إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْآبِقِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الْآبِقَ إذَا زَنَى أَوْ سَرَقَ أَوْ قَذَفَ، أَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّ الْآبِقَ إذَا سَرَقَ قُطِعَ، فَالْحُدُودُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ السَّرِقَةِ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَتَى إلَى قَاضٍ بِكِتَابٍ مِنْ قَاضٍ: أَنَّهُ قَدْ شَهِدَ عِنْدِي قَوْمٌ أَنَّ فُلَانًا صَاحِبُ كِتَابِيِّ إلَيْك قَدْ هَرَبَ مِنْهُ عَبْدٌ، صِفَتُهُ كَذَا وَكَذَا، فَوَصَفَهُ وَجَلَاهُ، وَعِنْدَ الْقَاضِي عَبْدٌ آبِقٌ مَحْبُوسٌ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ الَّتِي كَتَبَ بِهَا الْقَاضِي إلَيْهِ، أَتَرَى أَنْ يُقْبَلَ كِتَابُ الْقَاضِي وَشَهَادَةُ الشُّهُودِ الَّذِينَ شَهِدُوا فِيهِ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي كَتَبَ بِهَا الْقَاضِي إلَيْهِ يَدْفَعُ الْعَبْدَ إلَيْهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُقْبَلَ الْكِتَابُ وَالْبَيِّنَةُ الَّتِي فِيهِ وَيَدْفَعُ الْعَبْدَ إلَيْهِ قُلْتُ: وَتَرَى لِلْقَاضِي الْأَوَّلِ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى الصِّفَةِ وَيَكْتُبُ بِهَا إلَى قَاضٍ آخَرَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت:
стр. 2226
أَتَحْفَظُ شَيْئًا مِنْ هَذَا عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ لَنَا فِي الْأَمْتِعَاتِ الَّتِي تُسْرَقُ بِمَكَّةَ: إنْ أَتَى رَجُلٌ فَاعْتَرَفَ الْمَتَاعَ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ وَوَصَفَ الْمَتَاعَ اسْتَأْنَى الْإِمَامُ بِهِ. فَإِنْ جَاءَ مَنْ يَطْلُبُهُ وَإِلَّا دَفَعَهُ إلَيْهِ، فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ الَّذِي أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَى صِفَتِهِ بَلْ هُوَ أَحْرَى أَنْ يُدْفَعَ إلَيْهِ.
قُلْت: فَإِنْ ادَّعَى الْعَبْدُ وَصْفَهُ وَلَمْ يُقِمْ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ؟ قَالَ: أَرَى أَنَّهُ مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْمَتَاعِ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ بِهِ الْإِمَامُ وَيَتَلَوَّمُ لَهُ. فَإِنْ جَاءَ أَحَدٌ يَطْلُبُهُ وَإِلَّا دَفَعَهُ إلَيْهِ وَضَمَّنَهُ إيَّاهُ. قُلْت: وَلَا يُلْتَفَتُ هَهُنَا إلَى الْعَبْدِ وَإِنْ كَانَ مُنْكِرًا أَنَّ هَذَا سَيِّدُهُ إلَّا أَنَّهُ مُقِرٌّ أَنَّهُ عَبْدٌ لِفُلَانٍ بِبَلَدٍ آخَرَ؟
قَالَ: يَكْتُبُ السُّلْطَانُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَيَنْظُرُ فِي قَوْلِ الْعَبْدِ فَإِنْ كَانَ كَمَا قَالَ الْعَبْدُ وَإِلَّا ضَمَّنَهُ هَذَا وَأَسْلَمَهُ إلَيْهِ، مِثْلُ قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْأَمْتِعَةِ.
[فِي اعْتِرَافِ الدَّوَابِّ وَالرَّقِيقِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا اعْتَرَفَ دَابَّةً لَهُ فِي يَدِ رَجُلٍ، فَأَقَامَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا دَابَّتُهُ وَحَكَمَ لَهُ بِهَا السُّلْطَانُ، فَادَّعَى الَّذِي فِي يَدَيْهِ الدَّابَّةُ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ بَعْضِ الْبُلْدَانِ وَأَرَادَ أَنْ لَا يَذْهَبَ حَقُّهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ يُؤْمَرُ هَذَا الَّذِي كَانَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدَيْهِ أَنْ يُخْرِجَ قِيمَةَ الدَّابَّةِ، فَتُوضَعُ الْقِيمَةُ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ، وَيُمَكِّنُهُ الْقَاضِي مِنْ الدَّابَّةِ وَيَطْبَعُ لَهُ فِي عُنُقِ الدَّابَّةِ، وَيَكْتُبُ لَهُ إلَى قَاضِي ذَلِكَ الْبَلَدِ كِتَابًا أَنِّي قَدْ حَكَمْت بِهَذِهِ الدَّابَّةِ. لِفُلَانٍ، فَاسْتَخْرِجْ لِفُلَانٍ مَالَهُ مِنْ بَائِعِهِ إلَّا أَنْ تَكُونَ لِلْبَائِعِ حُجَّةٌ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ تَلِفَتْ الدَّابَّةُ فِي ذَهَابِهِ أَوْ مَجِيئِهِ أَوْ أُعْوِرَتْ أَوْ انْكَسَرَتْ فَهِيَ مِنْ الذَّاهِبِ بِهَا، وَالْقِيمَةُ الَّتِي وُضِعَتْ عَلَى يَدَيْ عَدْلٍ لِلَّذِي اعْتَرَفَهَا. قُلْت: إنْ أَنْقَصَهَا فِي ذَهَابِهِ أَوْ مَجِيئِهِ؟
قَالَ: كَذَلِكَ أَيْضًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ، الْقِيمَةُ لِهَذَا الَّذِي اعْتَرَفَهَا إلَّا أَنْ يَرُدَّ الدَّابَّةَ بِحَالِهَا. قُلْت: وَكَذَلِكَ الرَّقِيقُ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، كَذَلِكَ الرَّقِيقُ إلَّا أَنْ تَكُونَ جَارِيَةً. فَإِنْ كَانَتْ جَارِيَةً فَكَانَ الَّذِي يَذْهَبُ بِهَا أَمِينًا لَا يَخَافُ عَلَى مِثْلِهِ أُعْطِيهَا وَذَهَبَ بِهَا، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَسْتَأْجِرَ أَمِينًا يَذْهَبُ بِهَا وَتَكُونُ مَعَهُ وَإِلَّا لَمْ تُدْفَعْ إلَيْهِ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اعْتَرَفَهَا رَجُلٌ وَهُوَ عَلَى ظَهْرِ سَفَرٍ يُرِيدُ إفْرِيقِيَّةَ، فَاعْتَرَفَ دَابَّتَهُ بِالْفُسْطَاطِ وَأَقَامَ عَلَيْهَا الْبَيِّنَةَ فَاسْتَحَقَّهَا، فَقَالَ الَّذِي هِيَ فِي يَدَيْهِ: اشْتَرَيْتهَا مَنْ رَجُلٍ بِالشَّامِ أَتُمَكِّنُهُ مِنْ الدَّابَّةِ يَذْهَبُ بِهَا إلَى الشَّامِ وَيُعَوِّقُ هَذَا عَنْ سَفَرِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ هَذَا حَقٌّ مِنْ الْحُقُوقِ، وَالْمُسَافِرُ فِي هَذَا وَغَيْرُ الْمُسَافِرِ سَوَاءٌ. وَيُقَالُ لِهَذَا الْمُسَافِرِ: إنْ أَرَدْت أَنْ تَخْرُجَ فَاسْتَخْلِفْ مَنْ يَقُومُ بِأَمْرِك. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَالَ هَذَا الْمُسَافِرُ: إنِّي قَدْ اسْتَحْقَقْت دَابَّتِي، وَقَوْلُ هَذَا الَّذِي وَجَدْت دَابَّتِي فِي يَدَيْهِ إنَّهُ اشْتَرَاهَا بِالشَّامِ بَاطِلٌ، لَمْ يَشْتَرِهَا بِالشَّامِ، وَلَكِنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُعَوِّقَنِي عَنْ سَفَرِي. أَيُقْبَلُ قَوْلُ الَّذِي اُعْتُرِفَتْ الدَّابَّةُ فِي يَدَيْهِ أَنَّهُ اشْتَرَاهَا أَمْ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ؟
قَالَ: سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْهَا. فَقَالَ: إذَا قَالَ صَاحِبُهَا اشْتَرَيْتهَا أُمْكِنَ مِمَّا
стр. 2227
وَصَفْت لَك وَلَمْ يَقُلْ لَنَا مَالِكٌ إنَّهُ يُقَالُ لَهُ أَقِمْ الْبَيِّنَةَ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ إلَّا بِبَيِّنَةٍ لَبَيَّنُوا ذَلِكَ.
قُلْت: أَرَأَيْت قَوْلَ مَالِكٍ يُحْبَسُ الْآبِقُ سَنَةً ثُمَّ يُبَاعُ، مِنْ أَيْنَ أَخَذَ السَّنَةَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَمْ أَزَلْ أَسْمَعُ أَنَّ الْآبِقَ يُحْبَسُ سَنَةً
قُلْت: أَرَأَيْت الْقَاضِي إذَا جَاءَهُ الْبَغْلُ مَطْبُوعًا فِي عُنُقِهِ، وَجَاءَ بِكِتَابِ الْقَاضِي، أَيَأْمُرُ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي جَاءَ بِالْبَغْلِ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذَا الْبَغْلَ هُوَ الَّذِي حُكِمَ بِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ الَّذِي طَبَعَ الْقَاضِي فِي عُنُقِهِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ هَذَا، وَلَكِنْ إذَا كَانَ الْبَغْلُ مُوَافِقًا لِمَا فِي كِتَابِ الْقَاضِي مِنْ صِفَتِهِ، وَخَاتَمُ الْقَاضِي فِي عُنُقِهِ، وَأَتَى بِشَاهِدَيْنِ عَلَى كِتَابِ الْقَاضِي جَازَ ذَلِكَ، وَلَا أَرَى أَنْ يَسْأَلَهُ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَذَا الْبَغْلَ هُوَ الَّذِي حَكَمَ بِهِ الْقَاضِي عَلَيْهِ.
[شَهَادَةِ الْغُرَبَاءِ وَتَعْدِيلِهِمْ]
فِي شَهَادَةِ الْغُرَبَاءِ وَتَعْدِيلِهِمْ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ قَوْمًا غُرَبَاءَ شَهِدُوا فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ عَلَى حَقٍّ مِنْ الْحُقُوقِ لِرَجُلٍ مِنْهُمْ غَرِيبٍ مَعَهُمْ، أَوْ شَهِدُوا شَهَادَةً لِغَيْرِ غَرِيبٍ وَالشُّهُودُ لَا يُعْرَفُونَ فِي تِلْكَ الْبَلْدَةِ، أَيَقْبَلُ الْقَاضِي شَهَادَتَهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ مَاذَا يَصْنَعُ؟
قَالَ: لَا يَقْبَلُ، شَهَادَتَهُمْ، لِأَنَّ الْبَيِّنَةَ لَا تُقْبَلُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إلَّا بِعَدَالَةٍ. وَلَقَدْ سَمِعْت مَالِكًا، وَسُئِلَ قَوْمٌ شَهِدُوا فِي حَقٍّ فَلَمْ يُعْدِلْهُمْ قَوْمٌ تُعْرَفُ عَدَالَتُهُمْ، فَعَدَّلَ الْمُعَدِّلِينَ آخَرُونَ، أَتَرَى أَنْ يَجُوزَ فِي ذَلِكَ تَعْدِيلٌ عَلَى تَعْدِيلٍ؟ فَقَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ الشُّهُودُ غُرَبَاءَ رَأَيْت ذَلِكَ جَائِزًا، وَإِنْ كَانُوا غُرَبَاءَ - وَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ - لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتُوا بِمَنْ يُزَكِّيهِمْ. فَبِهَذَا يُسْتَدَلُّ عَلَى أَنَّهُمْ وَإِنْ كَانُوا غُرَبَاءَ لَا يُحْكَمُ بِشَهَادَتِهِمْ إلَّا بَعْدَ الْعَدَالَةِ. قُلْت: أَرَأَيْت قَوْلَك إنْ لَمْ يَعْرِفْ الْقَاضِي الْمُعَدِّلِينَ الْأَوَّلِينَ. قَالَ: لَيْسَ الْقَاضِي يَعْرِفُ كُلَّ النَّاسِ وَإِنَّمَا يَعْرِفُ الْقَاضِي بِمَعْرِفَةِ النَّاسِ. وَإِنَّمَا قُلْت لَك فِي قَوْلِ مَالِكٍ، إنَّهُ لَا يَقْبَلُ الْقَاضِي عَدَالَةً عَلَى عَدَالَةٍ إذَا كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْبَلَدِ حَتَّى تَكُونَ الْعَدَالَةُ عَلَى الشُّهُودِ أَنْفُسِهِمْ عِنْدَ الْقَاضِي.
[فِيمَنْ وَجَدَ أَبِقَا أَيَأْخُذُهُ وَفِي الْآبِقِ يُؤَاجِرُ نَفْسَهُ وَالْقَضَاءُ فِيهِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ وَجَدَ آبِقًا أَوْ آبِقَةً، أَيَأْخُذُهُ أَمْ يَتْرُكُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الْآبِقِ يَجِدُهُ الرَّجُلُ، هَلْ تَرَى أَنْ يَأْخُذَهُ أَمْ يَتْرُكَهُ؟
قَالَ: إنْ كَانَ لِجَارٍ أَوْ لِأَخٍ أَوْ لِمَنْ يَعْرِفُ، رَأَيْت أَنْ يَأْخُذَهُ. وَإِنْ كَانَ لِمَنْ لَا يَعْرِفُهُ فَلَا يَقْرَبْهُ. وَمَعْنَى قَوْلِهِ رَأَيْت أَنْ يَأْخُذَهُ إذَا كَانَ لِأَخٍ أَوْ لِجَارٍ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَأْخُذْهُ أَيْضًا فَهُوَ فِي سَعَةٍ، وَلَكِنَّ مَالِكًا كَانَ يَسْتَحِبُّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْآبِقَ إذَا لَمْ أَعْرِفْ سَيِّدَهُ إلَّا أَنَّ سَيِّدَهُ جَاءَنِي فَاعْتَرَفَهُ عِنْدِي، أَتَرَى أَنْ أَرْفَعَهُ إلَيْهِ أَمْ أَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى لَك أَنْ تَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ إذَا لَمْ تَخَفْ ظُلْمَهُ.
قُلْت أَرَأَيْت عَبْدًا آبِقًا آجَرَ نَفْسَهُ مِنْ رَجُلٍ فِي بَعْضِ الْأَعْمَالِ، فَعَطِبَ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ، وَالرَّجُلُ الَّذِي
стр. 2228
اسْتَأْجَرَهُ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ آبِقٌ، فَأَتَى مَوْلَاهُ فَاسْتَحَقَّهُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَضْمَنَ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي اسْتَأْجَرَهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّهُ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي عَبْدٍ اسْتَأْجَرَهُ رَجُلٌ فِي السُّوقِ يُبَلِّغُ لَهُ كِتَابًا إلَى بَعْضِ الْقُرَى، وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ عَبْدٌ، فَعَطِبَ الْغُلَامُ فِي الطَّرِيقِ. فَقَالَ مَالِكٌ: أَرَاهُ ضَامِنًا. وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَك أَنَّهُ ضَامِنٌ، أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا اشْتَرَى سِلْعَةً فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ فَأَتْلَفَهَا هُوَ نَفْسُهُ ثُمَّ أَتَى رَبَّهَا، كَانَ لَهُ أَنْ يُضَمِّنَهُ لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي أَتْلَفَهَا. فَكَذَلِكَ الْعَبْدُ إذَا عَطِبَ فِي عَمَلِهِ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الَّذِي اشْتَرَى فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ اسْتَهْلَكَهُ أَنَّهُ يَضْمَنُ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي أَخَذْت عَبْدًا آبِقًا فَاسْتَعْمَلْته أَوْ آجَرْته، أَيَكُونُ لِسَيِّدِهِ عَلَيَّ قِيمَةِ مَا اسْتَعْمَلْته، أَوْ الْإِجَارَةُ الَّتِي آجَرْته بِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ ضَمَانَهُ مِنْ سَيِّدِهِ. قُلْت: وَلَا يُشْبِهُ هَذَا الرَّجُلُ يَغْصِبُ الدَّابَّةَ فَيَرْكَبُهَا وَقَدْ قُلْت فِيهَا إنَّ مَالِكًا قَالَ: لَيْسَ الْإِجَارَةُ عَلَى الْغَاصِبِ؟
قَالَ: لِأَنَّ ضَمَانَ هَذِهِ الدَّابَّةِ مِنْ الْغَاصِبِ يَوْمَ أَخَذَهَا، وَلَا تَلْزَمُ صَاحِبَهَا نَفَقَتُهَا. وَالْآبِقُ ضَمَانُهُ مِنْ سَيِّدِهِ يَوْمَ أَخَذَهُ هَذَا الَّذِي وَجَدَهُ وَنَفَقَتُهُ عَلَى سَيِّدِهِ، لِأَنَّ مَنْ وَجَدَ آبِقًا فَلَا يَضْمَنُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا أَخَذَهُ. قُلْت: وَلَا تَرَى هَذَا الَّذِي أَخَذَ الْآبِقَ حِينَ اسْتَعْمَلَهُ ضَامِنًا لَهُ بِمَا اسْتَعْمَلَهُ؟
قَالَ: نَعَمْ، إذَا اسْتَعْمَلَهُ عَمَلًا يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَهُوَ ضَامِنٌ لَهُ إنْ عَطِبَ فِيهِ، وَإِنْ سَلِمَ فَعَلَيْهِ قِيمَةُ ذَلِكَ الْعَمَلِ لِسَيِّدِهِ. قُلْت: وَلِمَ جَعَلْتَهُ ضَامِنًا ثُمَّ جَعَلْت عَلَيْهِ الْكِرَاءَ؟
قَالَ: لِأَنَّ أَصْلَ مَا أَخَذَ عَلَيْهِ لَمْ يَأْخُذْهُ عَلَى الضَّمَانِ، وَلِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي عَبْدِ رَجُلٍ أَتَاهُ رَجُلٌ فَاسْتَعْمَلَهُ عَمَلًا يَعْطَبُ فِي مِثْلِهِ فَعَطِبَ الْغُلَامُ: إنَّ الَّذِي اسْتَعْمَلَهُ ضَامِنٌ، فَإِنْ سَلِمَ الْغُلَامُ فَلِمَوْلَاهُ قِيمَةُ الْعَمَلِ إنْ كَانَ عَمَلًا لَهُ، بَالٌ، فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى مَسْأَلَتِك. وَإِنَّمَا صَارَ هَهُنَا عَلَيْهِ قِيمَةُ الْعَمَلِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَاصِبٍ لِلْعَبْدِ إذَا سَلِمَ الْعَبْدُ مِنْ أَنْ يَعْطَبَ، وَإِنَّمَا يَضْمَنُ إنْ عَطِبَ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك. وَاَلَّذِي غَصَبَ الدَّابَّةَ هُوَ ضَامِنٌ لَهَا اسْتَعْمَلَهَا أَوْ لَمْ يَسْتَعْمِلْهَا - أَلَا تَرَى أَنَّهُ يَضْمَنُهَا إنْ مَاتَتْ، وَهَذَا الَّذِي وَجَدَ الْآبِقَ لَا يَضْمَنُهُ إنْ مَاتَ، فَهَذَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ.
[فِي إبَاقِ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ الرَّهْنِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت الْمُكَاتَبَ إذَا أَبَقَ، أَيَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا لِكِتَابَتِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَكُونُ ذَلِكَ فَسْخًا لِكِتَابَتِهِ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - إلَّا أَنْ يَغِيبَ عَنْ نَجْمٍ مِنْ نُجُومِهِ فَيَرْفَعُهُ سَيِّدُهُ إلَى السُّلْطَانِ فَيَتَلَوَّمُ لَهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِئْ عَجَّزَهُ، فَإِذَا عَجَّزَهُ السُّلْطَانُ كَانَ ذَلِكَ فَسْخًا لِكِتَابَتِهِ.
[مَا جَاءَ فِي عِتْقِ الْآبِقِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت عَبْدًا آبِقًا أَعْتَقَهُ سَيِّدُهُ عَنْ ظِهَارِهِ، أَيُجْزِئُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: مَا سَمِعْت أَنَّ أَحَدًا يَقُولُ إنَّ الْآبِقَ يُجْزِئُ فِي الظِّهَارِ، أَلَا تَرَى أَنَّ سَيِّدَهُ لَا يَعْلَمُ أَحَيٌّ هُوَ أَمْ
стр. 2229
مَيِّتٌ أَوْ صَحِيحٌ أَوْ أَعْمَى أَوْ مَقْطُوعُ الْيَدِ أَوْ الرِّجْلِ، وَهَذَا لَا يُجْزِئُ فِي الظِّهَارِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَفَ مَوْضِعَهُ وَصِحَّتَهُ فَيَجُوزُ. وَمَا سَمِعْت فِيهِ مِنْ مَالِكٍ شَيْئًا أَقْوَمَ عَلَى حِفْظِهِ، وَلَوْ أَعْتَقَهُ عَنْ ظِهَارِهِ ثُمَّ وَجَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِحَالِ صِحَّةٍ عَلَى مَا يَجُوزُ فِي الظِّهَارِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ وَكَانَ كَفَّارَةً لَهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت الْعَبْدَ الْآبِقَ إذَا أَتَى رَجُلٌ إلَى سَيِّدِهِ فَقَالَ: هُوَ عِنْدِي فَبِعْهُ مِنَى. قَالَ: الْآبِقُ، إذَا عُرِفَ عِنْدَ مَنْ هُوَ فَبَاعَهُ مِنْهُ وَقَدْ أُخْبِرَ السَّيِّدُ بِحَالِهِ الَّتِي حَالَ إلَيْهَا مِنْ صِفَتِهِ، أَوْ قِيلَ لَهُ إنَّهُ عَلَى صِفَةِ مَا تَعْرِفُ، جَازَ الْبَيْعُ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَلَا يَجُوزُ النَّقْدُ إنْ كَانَ بَعِيدًا، وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ عَبْدٍ لِرَجُلٍ غَائِبٍ عَنْهُ فَبَاعَهُ، فَهَذَا وَذَلِكَ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ. قُلْت: وَيَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ السَّيِّدِ أَنْ يَعْرِفَ إلَى مَا صَارَتْ إلَيْهِ حَالُ عَبْدِهِ كَمَا يَحْتَاجُ إلَى مَعْرِفَةِ الْمُشْتَرِي كَيْفَ صِفَةُ الْعَبْدِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ الْعَبْدَ إذَا غَابَ فَكَبُرَ أَوْ زَادَ فِي الصِّفَةِ أَوْ نَقَصَ أَوْ كَانَ أَعْجَمِيًّا فَفَصَحَ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَعْرِفَ سَيِّدُهُ مَا حَالَتْ إلَيْهِ حَالُهُ حَتَّى يَعْرِفَ مَا يَبِيعُ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي رَهَنْت عَبْدًا إلَيَّ عِنْدَ رَجُلٍ فَأَبَقَ مِنْهُ، أَيَبْطُلُ مِنْ حَقِّهِ شَيْءٌ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يَبْطُلُ مِنْ حَقِّهِ شَيْءٌ، وَالْمُرْتَهَنُ مُصَدَّقٌ فِي إبَاقِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَيَحْلِفُ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَبَقَ هَذَا الْمَرْهُونُ فَأَخَذَهُ سَيِّدُهُ وَقَامَ الْغُرَمَاءُ عَلَى السَّيِّدِ، أَيَكُونُ هَذَا الْعَبْدُ فِي الرَّهْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ هُوَ فِي الرَّهْنِ إنْ كَانَ قَدْ حَازَهُ الْمُرْتَهِنُ قَبْلَ الْإِبَاقِ، وَلَيْسَ إبَاقُهُ مِمَّا يُخْرِجُهُ مِنْ الرَّهْنِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَبَضَهُ سَيِّدُهُ وَيَعْلَمُ بِهِ الْمُرْتَهِنُ، فَيَتْرُكُهُ الْمُرْتَهِنُ فِي يَدِ السَّيِّدِ الرَّاهِنِ حَتَّى يُفْلِسَ فَهُوَ أُسْوَةُ الْغُرَمَاءِ.
[فِي الْآبِقِ إلَى دَارِ الْحَرْبِ يَشْتَرِيه رَجُلٌ مُسْلِمٌ]
ٌ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ آبِقًا أَبَقَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَدَخَلَ إلَى بِلَادِ الْمُشْرِكِينَ، فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِلَادَهُمْ فَاشْتَرَاهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُهُ سَيِّدُهُ بِالثَّمَنِ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ. قُلْت: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ سَيِّدُهُ أَمَرَهُ بِالشِّرَاءِ أَوْ لَمْ يَأْمُرْهُ فَإِنَّهُ لَا يَأْخُذُهُ مِنْهُ إلَّا أَنْ يَدْفَعَ إلَيْهِ الثَّمَنَ الَّذِي اشْتَرَاهُ بِهِ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَعَبِيدُ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي هَذَا وَعَبِيدُ الْمُسْلِمِينَ سَوَاءٌ؟
قَالَ: نَعَمْ. - فِي قَوْلِ مَالِكٍ لِأَنَّ مَالِكًا جَعَلَ الذِّمِّيَّ إذَا أُسِرَ بِمَنْزِلَةِ الْحُرِّ، إذَا ظَفَرَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ رَدُّوهُ إلَى جِزْيَتِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: - وَقَعَ فِي الْمَقَاسِمِ أَوْ لَمْ يَقَعْ - فَإِنَّهُ يُرَدُّ إلَى جِزْيَتِهِ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْقُضْ عَهْدَهُ وَلَمْ يُحَارِبْ، فَلَمَّا جَعَلَهُ مَالِكٌ بِمَنْزِلَةِ الْمُسْلِمِ فِي هَذَا كَانَ مَالُهُ بِمَنْزِلَةِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ الَّذِي اشْتَرَى الْعَبْدَ فِي دَارِ الْحَرْبِ قَدْ أَعْتَقَهُ، أَيَجُوزُ عِتْقُهُ إيَّاهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: نَعَمْ، عِتْقُهُ جَائِزٌ. وَلَا أَرَى أَنْ يَرُدَّ عِتْقَهُ، فَإِنْ أَرَادَ سَيِّدُهُ أَنْ يَأْخُذَهُ بِالثَّمَنِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ، وَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ اشْتَرَى عَبْدًا فِي سُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَلَا يَعْلَمُ أَنَّ لَهُ سَيِّدًا غَيْرَ الَّذِي بَاعَهُ، فَأَعْتَقَهُ فَأَتَى سَيِّدُهُ
стр. 2230
فَاسْتَحَقَّهُ أَنَّهُ يَأْخُذُهُ، لِأَنَّ هَذَا يَأْخُذُهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَاَلَّذِي اشْتَرَى مِنْ الْعَدُوِّ لَا يَأْخُذُهُ إلَّا بِثَمَنٍ وَكَانَ مُخَيَّرًا فِيهِ، فَالْعِتْقُ أَوْلَى بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي أَكَانَ يَأْخُذُهُ سَيِّدُهُ أَمْ لَا. قُلْت: وَكَذَلِكَ إنْ كَانَ هَذَا الَّذِي اشْتَرَى فِي دَارِ الْحَرْبِ، كَانَتْ أَمَةً فَوَطِئَهَا فَوَلَدَتْ مِنْهُ، ثُمَّ أَتَى سَيِّدُهَا فَاسْتَحَقَّهَا؟ قَالَ: أَرَى أَنَّهَا أُمُّ وَلَدٍ لِلَّذِي اشْتَرَاهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ وَوَطِئَهَا، وَلَيْسَ لِسَيِّدِهَا الْأَوَّلِ إلَيْهَا سَبِيلٌ، وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ. قُلْت: أَرَأَيْت مَا أَبَقَ إلَيْهِمْ وَمَا غَنِمُوا مِنْ عَبِيدِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَسَوَاءٌ عِنْدَك؟ قَالَ: نَعَمْ هُوَ سَوَاءٌ، كَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
стр. 2231
[كِتَابُ حَرِيمِ الْآبَارِ] [ مَا جَاءَ فِي حَرِيمِ الْآبَارِ وَالْمِيَاهِ]
ِ مَا جَاءَ فِي حَرِيمِ الْآبَارِ وَالْمِيَاهِ قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ لِلْبِئْرِ حَرِيمٌ عِنْدَ مَالِكٍ، بِئْرُ مَاشِيَةٍ أَوْ بِئْرُ زَرْعٍ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْآبَارِ؟
قَالَ: لَا، لَيْسَ لِلْآبَارِ عِنْدَ مَالِكٍ حَرِيمٌ مَحْدُودٌ وَلَا لِلْعُيُونِ إلَّا مَا يَضُرُّ بِهَا.
قَالَ مَالِكٌ: وَمِنْ الْآبَارِ آبَارٌ تَكُونُ فِي أَرْضٍ رَخْوَةٍ وَأُخْرَى تَكُونُ فِي أَرْضٍ صُلْبَةٍ أَوْ فِي صَفًا، فَإِنَّ ذَلِكَ عَلَى قَدْرِ الضَّرَرِ بِالْبِئْرِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ فِي أَرْضٍ صُلْبَةٍ أَوْ فِي صَفًا، فَأَتَى رَجُلٌ لِيَحْفِرَ قُرْبَهَا فَقَامَ أَهْلُهَا فَقَالُوا: هَذَا عَطَنٌ لِإِبِلِنَا إذَا وَرَدَتْ، وَمَرَابِضُ لِأَغْنَامِنَا وَأَبْقَارِنَا إذَا وَرَدَتْ. أَيُمْنَعُ الْحَافِرُ مَنْ الْحَفْرِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَذَلِكَ لَا يَضُرُّ بِالْبِئْرِ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذَا حَقٌّ لِلْبِئْرِ وَلِأَهْلِ الْبِئْرِ إذَا كَانَ هَذَا يَضُرُّ بِمُنَاخِهِمْ، فَهُوَ كَالْإِضْرَارِ بِمَائِهِمْ. قُلْت: فَإِنْ أَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يَبْنِيَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، أَكَانَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ كَمَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الْحَفْرِ فِيهِ، قَالَ: نَعَمْ، وَلَمْ أَسْمَعْ هَذَا مِنْ مَالِكٍ، وَلَكِنْ لَمَّا قَالَ مَالِكٌ إذَا كَانَ يَضُرُّ بِالْبِئْرِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، فَهَذَا كُلُّهُ ضَرَرٌ بِالْبِئْرِ وَبِأَهْلِهِ.
[فِي مَنْعِ أَهْلِ الْآبَارِ الْمَاءَ الْمُسَافِرِينَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ قَوْمًا مُسَافِرِينَ وَرَدُوا مَاءً، فَمَنَعَهُمْ أَهْلُ الْمَاءِ مِنْ الشُّرْبِ، أَيُجَاهِدُونَهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: يُنْظَرُ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ مَاؤُهُمْ مِمَّا يَحِلُّ لَهُمْ بَيْعُهُ مِثْلَ الْبِئْرِ يَحْفِرُهَا الرَّجُلُ فِي دَارِهِ أَوْ أَرْضِهِ قَدْ وَضَعَهَا لِذَلِكَ يَبِيعُ مَاءَهَا، كَانَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُمْ إلَّا بِثَمَنٍ إلَّا أَنْ يَكُونُوا قَوْمًا لَا ثَمَنَ مَعَهُمْ. فَإِنْ مُنِعُوا إلَى أَنْ يَبْلُغُوا مَاءً غَيْرَ ذَلِكَ خِيفَ عَلَيْهِمْ، فَأَرَى أَنْ لَا يُمْنَعُوا وَإِنْ مُنِعُوا جَاهَدُوهُمْ. وَأَمَّا مَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ
стр. 2232
ضَرَرٌ يَخَافُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ أَرَ أَنْ يَأْخُذُوا ذَلِكَ مِنْهُمْ إلَّا بِثَمَنٍ. قَالَ: وَكُلُّ بِئْرٍ كَانَتْ مِنْ آبَارِ الصَّدَقَةِ، مِثْلَ بِئْرِ الْمَوَاشِي وَالشَّفَةِ، فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ يَرْوِي أَهْلُهَا. وَإِنْ مَنَعَهُمْ أَهْلُ الْمَاءِ بَعْدَ رِيِّهِمْ فَقَاتَلُوهُمْ لَمْ أَرَ عَلَيْهِمْ فِي ذَلِكَ حَرَجًا، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يُمْنَعُ نَفْعُ بِئْرٍ وَلَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ.» قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ مَنَعُوهُمْ الْمَاءَ حَتَّى مَاتَ الْمُسَافِرُونَ عَطَشًا - وَلَمْ يَكُنْ لِلْمُسَافِرِينَ قُوَّةٌ عَلَى مُدَافَعَتِهِمْ - كَانَ عَلَى عَاقِلَةِ أَهْلِ الْمَاءِ دِيَاتُهُمْ، وَالْكَفَّارَةُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنْهُمْ عَلَى كُلِّ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَاءِ، وَالْأَدَبُ الْمُوجِعُ مِنْ الْإِمَامِ فِي ذَلِكَ لَهُمْ.
[فَضْلِ آبَارِ الْمَاشِيَةِ وَفِي مَنْعِ الْكَلَأِ]
فِي فَضْلِ آبَارٍ الْمَاشِيَةِ وَفِي مَنْعِ الْكَلَأِ قُلْت: أَرَأَيْت الْحَدِيثَ الَّذِي جَاءَ: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ وَالْكَلَأِ وَالنَّاسُ فِيهِ شُرَكَاءُ.» هَلْ كَانَ يَعْرِفُهُ مَالِكٌ أَوْ كَانَ يَأْخُذُ بِهِ؟
قَالَ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الْأَرْضِ إذَا كَانَتْ لِلرَّجُلِ: فَلَا بَأْسَ أَنْ يَمْنَعَ كَلَأَهَا إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ وَإِلَّا فَلْيُخَلِّ بَيْنَ النَّاسِ وَبَيْنَهُ. قُلْت: أَرَأَيْت الْحَدِيثَ الَّذِي جَاءَ: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ» . قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَا أَحْسَبُهُ إلَّا فِي الصَّحَارِيِ وَالْبَرَارِيِ وَأَمَّا فِي الْقُرَى وَالْأَرْضِينَ الَّتِي قَدْ عَرَفَهَا أَهْلُهَا وَاقْتَسَمُوهَا وَعَرَفَ كُلُّ إنْسَانٍ حَقَّهُ، فَلِهَذَا أَنْ يَمْنَعَ كَلَأَهَا عِنْدَ مَالِكٍ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ.
[فَضْلِ آبَارِ الزَّرْعِ]
فِي فَضْلِ آبَارِ الزَّرْعِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ بِئْرًا لِي أَسْقِي مِنْهَا أَرْضِي، وَفِي مَائِي فَضْلٌ عَنْ أَرْضِي، وَإِلَى جَانِبِي أَرْضٌ لِرَجُلٍ لَيْسَ لَهَا مَاءٌ، وَأَرَادَ أَنْ يَسْقِيَ أَرْضَهُ بِفَضْلِ مَاءٌ فَمَنَعْته؟ قَالَ: لَيْسَ لِصَاحِبِ الْأَرْضِ أَنْ يَأْخُذَ مَاءَكَ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْك اشْتِرَاءً إلَّا أَنْ يَكُونَ لَك جَارٌ وَقَدْ زَرَعَ زَرْعًا عَلَى بِئْرٍ لَهُ، فَانْهَارَتْ بِئْرُهُ فَخَافَ عَلَى زَرْعِهِ الْهَلَاكَ قَبْلَ أَنْ يُحْيِيَ بِئْرَهُ، فَهَذَا الَّذِي يُقْضَى لَهُ عَلَيْك بِأَنْ يَشْرَبَ فَضْلَ مَائِك إنْ كَانَ فِي مَائِك فَضْلٌ، وَإِلَّا فَأَنْتَ أَحَقُّ بِهِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْت: أَفَيُقْضَى عَلَيْهِ بِثَمَنٍ أَوْ بِغَيْرِ ثَمَنٍ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَقْضِي عَلَيْهِ، وَذَلِكَ عِنْدِي بِغَيْرِ ثَمَنٍ، وَغَيْرُهُ يَقُولُ بِثَمَنٍ. قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْنَاهُ عَنْ مَاءِ الْأَعْرَابِ، يَرِدُ عَلَيْهِمْ أَهْل الْمَوَاشِي يَسْتَقُونَ فَيَمْنَعُهُمْ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَاءِ؟
قَالَ مَالِكٌ: أَهْلُ ذَلِكَ الْمَاءِ أَحَقُّ بِمَائِهِمْ حَتَّى يَرْوُوا، فَإِنْ كَانَ فَضْلًا سَقَى هَؤُلَاءِ بِمَا فَضَلَ عَنْهُمْ. قَالَ مَالِكٌ: أَمَا سَمِعَتْ الْحَدِيثَ: «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ مَاءٍ» فَإِنَّمَا هُوَ مَا يَفْضُلُ عَنْهُمْ وَلَوْ كَانَ النَّاسُ يُشَارِكُونَهُمْ مَا انْتَفَعُوا بِمَائِهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ.
стр. 2233
[فَضْلِ مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ]
فِي فَضْلِ مَاءِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ وَالزَّرْعِ قُلْت: فَلِمَ قَالَ مَالِكٌ فِي بِئْرِ الْمَاشِيَةِ: النَّاسُ أَوْلَى بِالْفَضْلِ؟ وَقُلْت أَنْتَ فِي بِئْرِ الزَّرْعِ: إنَّ صَاحِبَ الْبِئْرِ أَوْلَى بِالْفَضْلِ؟ فَمَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُمَا؟ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ أَيْضًا فِي الَّذِي يَغُورُ مَاؤُهُ أَوْ يَنْهَارُ بِئْرُهُ: إنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ بِفَضْلِ مَاءِ جَارِهِ حَتَّى يُصْلِحَ بِئْرَهُ. فَلِمَ قُلْت أَنْتَ فِيمَنْ زَرَعَ وَلَا بِئْرَ لَهُ إلَى جَانِبِ مَنْ لَهُ بِئْرٌ وَفِي مَائِهِ فَضْلٌ: لِمَ لَا يَجْعَلُ مَا فَضَلَ مِنْ الْمَاءِ لِهَذَا الَّذِي زَرَعَ إلَى جَانِبِهِ؟
قَالَ: لِأَنَّ هَذَا الَّذِي زَرَعَ فَانْهَارَتْ بِئْرُهُ إنَّمَا زَرَعَ عَلَى أَصْلِ مَاءٍ كَانَ لَهُ، فَلَمَّا ذَهَبَ مَاؤُهُ شَرِبَ فَضْلَ مَاءِ صَاحِبِهِ لِئَلَّا يَهْلَكَ زَرْعُهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا ضَرَر وَلَا ضِرَارَ» إلَّا أَنَّا لَمَّا خِفْنَا مَوْتَ زَرْعِهِ جَعَلْنَا لَهُ فَضْلَ مَاءِ جَارِهِ، بِمَنْزِلَةِ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ، إنَّهُ يَكُونُ لِلْأَجْنَبِيِّينَ فَضْلُ مَاءِ أَهْلِ الْمَاءِ يَسْقُونَ بِهِ مَاشِيَتَهُمْ، فَكَذَلِكَ زَرْعُ هَذِهِ الْبِئْرِ إذَا انْهَارَتْ. وَأَنَّ الَّذِي زَرَعَ إلَى جَانِبِ رَجُلٍ عَلَى غَيْرِ أَصْلِ مَاءٍ إنَّمَا يُرِيدُ أَنْ يَجْتَرَّ بِذَلِكَ فَضْلَ مَاءِ جَارِهِ، فَهَذَا مُضَارٌّ، فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهُ إلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْبِئْرَ تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ، أَوْ الْعَيْنُ فَتَنْهَارُ الْبِئْرُ أَوْ تَنْقَطِعُ الْعَيْنُ، فَيُعْمِلُهَا أَحَدُهُمَا وَيَأْبَى الْآخَرُ أَنْ يُعْمِلَ، فَلَا يَكُونُ لِلَّذِي لَمْ يُعْمِلْ مِنْ الْمَاءِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ فَضْلٌ وَلَا يَسْقِي بِهِ أَرْضَهُ إلَّا أَنْ يُعْطِيَ شَرِيكَهُ نِصْفَ مَا أَنْفَقَ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّ الَّذِي زَرَعَ عَلَى غَيْرِ أَصْلِ مَاءٍ لَا يُجْبَرُ جَارُهُ عَلَى أَنْ يَسْقِيَهُ بِغَيْرِ ثَمَنٍ.
[فِي بَيْعِ شِرْبِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَى شِرْبَ يَوْمِ أَوْ يَوْمَيْنِ بِغَيْرِ أَصْلٍ إلَّا أَنَّهُ اشْتَرَى شِرْبَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ وَالْأَصْلُ لِرَبِّ الْمَاءِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ قُلْت فَإِنْ اشْتَرَى أَصْلَ شِرْبِ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ مَنْ كُلِّ شَهْرٍ، أَيَجُوزُ هَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت شِرْبَ يَوْمٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ بِغَيْرِ أَرْضٍ، مِنْ قَنَاةٍ أَوْ مِنْ بِئْرٍ مِنْ عَيْنٍ أَوْ مِنْ نَهْرٍ، أَيَجُوزُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ جَائِزٌ. قَالَ: وَهَذَا الَّذِي قَالَ مَالِكٌ لَا شُفْعَةَ فِيهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ أَرْضٌ.
قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا قُسِمَتْ الْأَرْضُ وَتُرِك الْمَاءُ، فَبَاعَ أَحَدُهُمْ نُصِيبَهُ الَّذِي صَارَ لَهُ مَنْ أَرْضِهِ بِغَيْرِ مَاءٍ ثُمَّ بَاعَ نُصِيبَهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَنْ الْمَاءِ، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَاءِ: لَا شُفْعَةَ فِيهِ وَالْأَرْضُ أَيْضًا لَا شُفْعَةَ فِيهَا، وَإِنَّمَا الشُّفْعَةُ فِي الْمَاءِ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ بَيْنَ النَّفَرِ فَلَمْ يَقْتَسِمُوهَا فَيَبِيعُ أَحَدُهُمْ مَاءَهُ بِغَيْرِ أَرْضِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَفِي هَذَا الشُّفْعَةُ إذَا كَانَتْ الْأَرْضُ لَمْ تُقْسَمْ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ بَاعَ أَحَدُهُمْ حِصَّتَهُ مِنْ الْمَاءِ، ثُمَّ بَاعَ آخَرُ بَعْدَهُ حِصَّتَهُ مَنْ الْمَاءِ، أَيَضْرِبُ الْبَائِعُ الْأَوَّلُ مَعَهُمْ فِي الْمَاءِ بِحِصَّتِهِ مَنْ الْأَرْضِ. قَالَ: لَا، فَكَذَلِكَ إنْ بَاعَ حِصَّتَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَتَرَكَ حِصَّتَهُ مِنْ الْمَاءِ، ثُمَّ بَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْضَ شُرَكَائِهِ حِصَّتَهُ مِنْ الْأَرْضِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا شُفْعَةٌ
стр. 2234
لِمَكَانِ مَا بَقِيَ لَهُ مِنْ الْمَاءِ. قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ قَوْمًا اقْتَسَمُوا أَرْضًا، وَكَانَ بَيْنَهُمْ مَاءٌ يَسْقُونَ بِهِ، وَكَانَ لَهُمْ شُرَكَاءُ فِي هَذَا الْمَاءِ، فَبَاعَ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ الْمَاءُ حِصَّتَهُ، مَنْ الْمَاءِ، أَيَضْرِبُ مَعَ شُرَكَائِهِ فِي الشُّفْعَةِ بِحِصَّتِهِ مِنْ الْأَرْضِ؟ قَالَ: لَا.
[فِي الرَّجُلِ يَسُوقُ عَيْنَهُ إلَى أَرْضِهِ فِي أَرْضِ رَجُلٍ]
ٍ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا لَهُ مَاءٌ وَرَاءَ أَرْضِي - وَأَرْضُهٌ دُونَ أَرْضِي - فَأَرَادَ أَنْ يَجْرِيَ مَاءَهُ إلَى أَرْضِهِ فِي أَرْضِي فَمَنَعْته؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ لَك. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي هَذَا. قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ مَجْرَى مَاءٍ فِي أَرْضِ رَجُلٍ، فَأَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَهُ فِي أَرْضِ ذَلِكَ الرَّجُلِ إلَى مَوْضِعٍ هُوَ أَقْرَبُ مِنْ ذَلِكَ الْمَجْرَى إلَى أَرْضِهِ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُحَوِّلَهُ عَنْ مَوْضِعِهِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ.
قَالَ: وَإِنَّمَا جَاءَ حَدِيثُ عُمَرَ فِي هَذَا بِعَيْنِهِ، إنَّهُ كَانَ لَهُ مَجْرَى فِي أَرْضِ رَجُلٍ فَأَرَادَ أَنْ يُحَوِّلَهُ إلَى مَوْضِعٍ آخَرَ أَقْرَبَ إلَى أَرْضِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، فَأَبَى عَلَيْهِ الرَّجُلُ، فَأَمَرَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ أَنْ يُجْرِيَهُ.
[مَا جَاءَ فِي اكْتِرَاءِ الْأَرْضِ بِالْمَاءِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اكْتَرَيْت مِنْك شِرْبَ يَوْمٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ فِي هَذِهِ السَّنَةِ مِنْ قَنَاتِك هَذِهِ بِأَرْضِي هَذِهِ تَزْرَعُهَا سَنَتَك هَذِهِ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَذَا، لِأَنَّهُ لَوْ اكْتَرَى أَرْضَهُ بِدَيْنٍ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ بَأْسٌ، فَكَذَلِكَ إذَا أَكْرَاهَا لِشِرْبِ يَوْمٍ مِنْ الْقَنَاةِ فِي كُلِّ شَهْرٍ.
[فِي الْعَيْنِ وَالْبِئْرِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ يَقِلُّ مَاؤُهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ قَنَاةٌ بَيْنَنَا وَنَحْنُ أَشْرَاكٌ، فَاحْتَاجَتْ الْقَنَاةُ إلَى الْكَنْسِ فَقَالَ بَعْضُنَا: نَكْنُسُ. وَقَالَ بَعْضُنَا: لَا نَكْنُسُ. وَفِي تَرْكِ الْكَنْسِ الضَّرَرُ بِالْمَاءِ وَانْتِقَاصُهُ مَا حَالُهُمْ؟ قَالَ: إنْ كَانَ فِي مَائِهِمْ مَا يَكْفِيهِمْ، أَمَرَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْكَنْسَ أَنْ يَكْنُسُوا وَيَكُونَ لَهُمْ فَضْلُ الْمَاءِ الَّذِي زَادَ بِالْكَنْسِ دُونَ الَّذِينَ لَمْ يَكْنُسُوا. وَذَلِكَ أَنِّي سَمِعْت مَالِكًا. وَسُئِلَ عَنْ قَوْمٍ بَيْنَهُمْ مَاءٌ فَقَلَّ مَاؤُهُمْ فَكَانَ لِأَحَدِهِمْ نَخْلٌ يَسِيرَةٌ. فَقَالَ الَّذِي لَهُ هَذِهِ النَّخْلُ الْيَسِيرَةُ: فِي مَائِي مَا يَكْفِينِي وَلَا أَعْمَلُ مَعَكُمْ.
قَالَ مَالِكٌ: يُقَالُ لِلْآخَرِينَ: اعْمَلُوا. فَمَا جَاءَ مِنْ فَضْلِ الْمَاءِ عَنْ قَدْرِ مَا كَانَ لَهُ كَانَ لَكُمْ أَنْ تَمْنَعُوهُ إلَّا أَنْ يُعْطِيَكُمْ حِصَّتَهُ مِنْ النَّفَقَةِ، وَيَكُونُ لَهُ مِنْ فَضْلِ الْمَاءِ عَلَى قَدْرِ حِصَّتِهِ. قُلْت: أَرَأَيْت بِئْرَ الْمَاشِيَةِ إذَا قَلَّ مَاؤُهَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: نَكْنُسُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا نَكْنُسُ. فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ
стр. 2235
مِثْلُ بِئْرِ الزَّرْعِ: إنَّ الَّذِينَ كَنَسُوا أَوْلَى بِفَضْلِ مَا زَادَ الْكَنْسُ فِي الْمَاءِ حَتَّى يُرْوُوا، فَإِذَا رَوَوْا كَانَ شُرَكَاؤُهُمْ الَّذِينَ أَبَوْا الْكَنْسَ والأجنبيون فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ حَتَّى يُعْطُوهُمْ مَا كَانَ يُصِيبُهُمْ مِنْ النَّفَقَةِ، فَإِنْ أَعْطَوْهُمْ كَانُوا شُرَكَاءَ فِي جَمِيعِ الْمَالِ عَلَى قَدْرِ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ الْمَاءِ. ثُمَّ النَّاسُ فِي الْفَضْلِ شَرْعًا سَوَاءٌ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوا النَّاسَ مِنْ الْفَضْلِ. وَأَمَّا مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ الْمَاءِ قَبْلَ الْكَنْسِ فَهُمْ فِيهِ كُلُّهُمْ شَرْعًا سَوَاءٌ عَلَى قَدْرِ حُظُوظِهِمْ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا شُفْعَةَ فِي بِئْرِ مَاشِيَةٍ وَلَا تُبَاعُ: قَالَ مَالِكٌ: فِي بِئْرِ الزَّرْعِ فِيهِ الشُّفْعَةُ إذَا لَمْ تُقْسَمْ الْأَرْضُ.
[فِي بِئْرِ الْمَاشِيَةِ إذَا بِيعَتْ وَبِئْرِ الزَّرْعِ وَفِيمَا أَفْسَدَ الْمَاءُ أَوْ النَّارُ مِنْ الْأَرْضِ]
ِ قُلْت: أَيَصْلُحُ بَيْعُ بِئْرِ الْمَاشِيَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تُبَاعُ بِئْرُ الْمَاشِيَةِ وَإِنْ احْتَاجَ أَهْلُهَا إلَى بَيْعِهَا وَلَا بَأْسَ بِبَيْعِ بِئْرِ الزَّرْعِ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي أَرْسَلْت مَاءٍ فِي أَرْضِي فَخَرَجَ الْمَاءُ مَنْ أَرْضِي إلَى أَرْضِ جَارِي فَأَفْسَدَ زَرْعَهُ وَمَا فِي أَرْضِهِ، أَيَكُونُ عَلِيّ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ أَوْ أَرْسَلْت النَّارَ فِي أَرْضِي فَأَحْرَقَتْ مَا كَانَ فِي أَرْضِ جَارِي، أَيَكُونُ عَلِيّ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: أَخْبَرَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: إذَا أَرْسَلَ النَّارَ فِي أَرْضِهِ، وَذَلِكَ عِنْدَ النَّاسِ أَنَّهُ إذَا أَرْسَلَ النَّارَ فِي أَرْضِهِ كَانَتْ أَرْضُ جَارِهِ مَأْمُونَةً مِنْ هَذِهِ النَّارِ بَعِيدَةً عَنْهَا، فَتَحَامَلَتْ النَّارُ أَوْ حَمَلَتْهَا الرِّيحُ فَأَسْقَطَتْهَا فِي أَرْضِ جَارِهِ هَذَا فَأَحْرَقَتْ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الَّذِي أَرْسَلَ النَّارَ وَإِنْ كَانَتْ النَّارُ إذَا أَرْسَلَهَا فِي أَرْضِهِ عَلِمَ أَنَّ أَرْضَ جَارِهِ لَمْ تَسْلَمْ مِنْ هَذِهِ النَّارِ لِقُرْبِهَا فَهُوَ ضَامِنٌ، وَكَذَلِكَ الْمَاءُ هُوَ مِثْلُ النَّارِ وَهُوَ رَأْيِي. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَحْرَقَتْ هَذِهِ النَّارُ نَاسًا، أَيَكُونُ ذَلِكَ فِي مَالِ الَّذِي أَرْسَلَ النَّارَ أَمْ عَلَى عَاقِلَتِهِ قَالَ: عَلَى عَاقِلَتِهِ.
[مَا جَاءَ فِي مَمَرِّ الرَّجُلِ إلَى مَائِهِ فِي أَرْضِ غَيْرِهِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ لِي أَرْضًا، وَإِلَى جَانِبِ أَرْضِي أَرْضٌ لِغَيْرِي، وَعَيْنٌ لِي خَلْفَ أَرْضِ جَارِي، وَلَيْسَ لِي مَمَرٌّ إلَّا فِي أَرْضِ جَارِي، فَمَنَعَنِي مَنْ الْمَمَرِّ إلَى الْعَيْنِ؟ قَالَ: سَمِعْت مَالِكًا وَسُئِلَ عَنْ رَجُلِ لَهُ أَرْضٌ وَحَوَالَيْهِ زَرْعٌ لِلنَّاسِ فِي أَرْضِهِمْ، فَأَرَادَ صَاحِبُ تِلْكَ الْأَرْضِ أَنْ يَمُرَّ بِمَاشِيَتِهِ إلَى أَرْضِهِ فِي زَرْعِ الْقَوْمِ. قَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ يُفْسِدُ زَرْعَهُمْ فَلَهُمْ أَنْ يَمْنَعُوهُ.
[فِي بَيْعِ صَيْدِ السَّمَكِ مِنْ غَدِيرِ الرَّجُلِ أَوْ مِنْ أَرْضِهِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَ فِي أَرْضِي غَدِيرٌ فِيهِ السَّمَكُ، أَوْ عَيْنٌ لِي فِيهَا السَّمَكُ، فَأَرَدْت أَنْ أَمْنَعَ النَّاسَ مِنْ أَنْ يَصِيدُوا ذَلِكَ؟ قَالَ: سَأَلَتْ مَالِكًا عَنْ بُحَيْرَاتٍ تَكُونُ عِنْدَنَا
стр. 2236
بِمِصْرَ لِأَهْلِ قُرَى يَبِيعُونَ سَمَكَهَا مِمَّنْ يَصِيدُ فِيهَا سَنَةً.
قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يَبِيعُوهَا لِأَنَّهَا تَقِلُّ مَرَّةً وَتَكْثُرُ مَرَّةً، وَلَا يَدْرِي كَيْفَ تَكُونُ. وَلَا أُحِبُّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ تِلْكَ الْبُحَيْرَاتِ أَوْ الْبِرَكِ أَنْ يَمْنَعُوا أَحَدًا يَصِيدُ فِيهَا مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ فِيهَا حَقٌّ.
[مَا جَاءَ فِي بَيْعِ الْخِصْبِ وَالْكَلَأِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ لِي خِصْبًا فِي أَرْضِي، أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَبِيعَهُ مِمَّنْ يَرْعَاهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ مَالِكٍ: لَا بَأْسَ أَنْ يَبِيعَهُ عَامَهُ ذَلِكَ وَلَا يَبِيعُهُ عَامَيْنِ وَلَا ثَلَاثَةً. قُلْت: وَإِنَّمَا جَوَّزَ مَالِكٌ بَيْعَهُ بَعْدَمَا يَنْبُتُ؟
قَالَ: نَعَمْ.
[مَا جَاءَ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً بِغَيْرِ أَمْرِ الْإِمَامِ، أَتَكُونُ لَهُ أَمْ لَا تَكُونُ لَهُ حَتَّى. يَأْذَنَ لَهُ الْإِمَامُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَحْيَاهَا فَهِيَ لَهُ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْ الْإِمَامَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَإِحْيَاؤُهَا شَقُّ الْعُيُونِ وَحَفْرُ الْآبَارِ وَغَرْسُ الشَّجَرِ وَبِنَاءُ الْبُنْيَانِ وَالْحَرْثُ. إذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ أَحْيَاهَا. قَالَ: وَلَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُحْيِيَ مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ. وَإِنَّمَا. تَفْسِيرُ الْحَدِيثِ: «مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا» إنَّمَا ذَلِكَ فِي الصَّحَارِيِ وَالْبَرَارِيِ. وَأَمَّا مَا قَرُبَ مِنْ الْعُمْرَانِ وَمَا يَتَشَاحُّ النَّاسُ فِيهِ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَكُونُ لَهُ أَنْ يُحْيِيَهُ إلَّا بِقَطِيعَةٍ مِنْ الْإِمَامِ.
قُلْت: أَرَأَيْت مَالِكًا، هَلْ كَانَ يَعْرِفُ هَذَا الَّذِي يَتَحَجَّرُ الْأَرْضَ أَنَّهُ يُتْرَكُ ثَلَاثَ سِنِينَ، فَإِنْ أَحْيَاهَا وَإِلَّا فَهِيَ لِمَنْ أَحْيَاهَا؟
قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِي التَّحَجُّرِ شَيْئًا، وَإِنَّمَا الْإِحْيَاءُ عِنْدَ مَالِكٍ مَا وَصَفْت لَك الْأَوَّلَ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ رَجُلًا أَحْيَا أَرْضًا مَوَاتًا ثُمَّ أَسْلَمَهَا بَعْدُ حَتَّى تَهَدَّمَتْ آبَارُهَا وَهَلَكَ شَجَرُهَا، وَطَالَ زَمَانُهَا حَتَّى عَفَتْ بِحَالِ مَا وَصَفْت لَك، وَصَارَتْ إلَى حَالِهَا الْأَوَّلِ. ثُمَّ أَحْيَاهَا آخَرُ بَعْدَهُ، كَانَتْ لِمَنْ أَحْيَاهَا بِمَنْزِلَةِ الَّذِي أَحْيَاهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذَا لِمَنْ أَحْيَا فِي غَيْرِ أَصْلٍ كَانَ لَهُ، وَأَمَّا أُصُولُ الْأَرْضِينَ إذَا كَانَتْ لِلنَّاسِ تُخَطَّطُ أَوْ تُشْرَى فَهِيَ لِأَهْلِهَا، وَإِنْ أُسْلِمَتْ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُحْيِيَهَا، وَهُوَ تَأْوِيلُ حَدِيثِ حُمَيْدِ بْنِ قَيْسٍ الَّذِي ذَكَرَهُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ قَوْمًا أَتَوْا أَرْضًا مِنْ أَرْضِ الْبَرِّيَّةِ فَنَزَلُوا فَجَعَلُوا يَرْعَوْنَ مَا حَوْلَهُمْ، أَيَكُونُ هَذَا إحْيَاءً؟ قَالَ: لَا يَكُونُ هَذَا إحْيَاءً. قُلْت: فَإِنْ حَفَرُوا بِئْرًا لِمَاشِيَتِهِمْ، أَيَكُونُ هَذَا إحْيَاءً لِمَرَاعِيهِمْ؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يَكُونَ هَذَا إحْيَاؤُهُمْ أَحَقُّ بِمَائِهِمْ حَتَّى يُرْوَوْا، ثُمَّ يَكُونُ فَضْلَةً لِلنَّاسِ وَهُمْ وَالنَّاسُ فِي الْمَرْعَى سَوَاءٌ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ «لَا يُمْنَعُ فَضْلُ مَاءٍ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ» . فَالْكَلَأُ لَا يَمْنَعُهُ إلَّا رَجُلٌ لَهُ أَرْضٌ قَدْ عُرِفَتْ لَهُ، فَهَذَا الَّذِي يَمْنَعُ كَلَأَهَا وَيَبِيعُ كَلَأَهَا إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ فِيمَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ. وَأَمَّا مَا ذَكَرْت، فَلَا يَكُونُ
стр. 2237
إحْيَاءً، وَلَكِنَّهُمْ أَوْلَى بِبِئْرِهِمْ، وَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَبِيعُوهَا وَلَا يَمْنَعُوا فَضْلَ مَائِهَا.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ أَرْضًا فِي فَلَاةٍ غَلَبَ عَلَيْهَا الْمَاءُ فَسَيَّلَ رَجُلٌ مَاءَهَا، أَيَكُونُ هَذَا إحْيَاءً؟ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا أَوْ أُرَاهُ إحْيَاءً لَهَا.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَتَى أَرْضًا قَدْ غَلَبَ عَلَيْهَا الْغِيَاضُ وَالشَّجَرُ فَقَطَعَهُ وَنَقَّاهُ، أَيَكُونُ هَذَا إحْيَاءً؟ قَالَ مَالِكٌ: هَذَا إحْيَاءٌ لَهَا.
[فِيمَنْ حَفَرَ بِئْرًا إلَى جَنْبِ بِئْرِ جَارِهِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا حَفَرَ بِئْرًا بَعِيدَةً عَنْ؛ بِئْرِ جَارٍ لَهُ، وَكَانَ أَحْيَاهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَانْقَطَعَ مَاءُ الْبِئْرِ الْأُولَى وَعُلِمَ أَنَّهُ إنَّمَا انْقَطَعَ مِنْ حَفْرِ هَذِهِ الْبِئْرِ الثَّانِيَةِ، أَيُقْضَى لَهُ عَلَى هَذَا بِرَدْمِ الْبِئْرِ الثَّانِيَةِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لِلرَّجُلِ أَنْ يَمْنَعَ مَا يَضُرُّ بِبِئْرِهِ، فَإِذَا كَانَ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ فَلَهُ أَنْ يَقُومَ عَلَى هَذَا فَيَرْدِمَ بِئْرَهُ الَّتِي حَفَرَهَا.
قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ حَفَرَ بِئْرًا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ، أَوْ حَفَرَهَا فِي أَرْضِ رَجُلٍ بِغَيْرِ أَمْرِ رَبِّ الْأَرْضِ، أَوْ حَفَرَهَا إلَى جَنْبِ بِئْرِ مَاشِيَةٍ وَهِيَ تَضُرُّ بِبِئْرِ الْمَاشِيَةِ بِغَيْرِ أَمْرِ رَبِّ الْبِئْرِ فَعَطِبَ رَجُلٌ فِي تِلْكَ الْبِئْرِ، أَيَضْمَنُ مَا عَطِبَ فِيهَا هَذَا الَّذِي حَفَرَهَا مِنْ دَابَّةٍ أَوْ إنْسَانٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ حَفَرَ بِئْرًا حَيْثُ لَا يَجُوزُ لَهُ فَهُوَ ضَامِنٌ لِمَا عَطِبَ فِيهَا.
قُلْت أَرَأَيْت الْآبَارَ الَّتِي تَكُونُ فِي الدُّورِ، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَمْنَعَ جَارِي مِنْ أَنْ يَحْفِرَ فِي دَارِهِ بِئْرًا يَضُرُّ بِبِئْرِي الَّتِي فِي دَارِي أَمْ لَا؟ قَالَ: سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَكُونُ لَهُ فِي دَارِهِ بِئْرًا إلَى جَنْبِ جِدَارِهِ، فَحَفَرَ جَارُهُ فِي دَارِهِ بِئْرًا إلَى جَنْبِ جِدَارِهِ مِنْ خَلْفِهَا. قَالَ: إنْ كَانَ ذَلِكَ يَضُرُّ بِبِئْرِ جَارِهِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ. قُلْت: وَكَذَلِكَ لَوْ أَحْدَثَ كَنِيفًا أَيْضًا يَضُرُّ ذَلِكَ بِبِئْرِي مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ بِئْرِي فِي وَسَطِ دَارِي، فَحَفَرَ جَارِي فِي وَسَطِ دَارِهِ بِئْرًا يَضُرُّ بِبِئْرِي مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ؟
قَالَ: نَعَمْ. وَسَطُ الدَّارِ وَغَيْرُ وَسَطِهَا سَوَاءٌ يَمْنَعُ جَارَهُ مِنْ أَنْ يُحْدِثَ فِي دَارِهِ بِئْرًا تَضُرُّ بِبِئْرِ جَارِهِ عِنْدَ مَالِكٍ.
[فِي الرَّجُلِ يَفْتَحُ كُوَّةً فِي دَارِهِ يُطِلُّ مِنْهَا عَلَى جَارِهِ]
ِ قُلْت: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا بَنَى قَصْرًا إلَى جَنْبِ دَارِي وَرَفَعَهَا عَلَيَّ وَفَتَحَ فِيهَا أَبْوَابًا وَكُوًى، يُشْرِفُ مِنْهَا عَلَى عِيَالِي أَوْ عَلَى دَارِي، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ. أَخْبَرَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فِي رَجُلٍ أَحْدَثَ غُرْفَةً عَلَى جَارِهِ، فَفَتَحَ عَلَيْهِ كُوًى فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ فِي ذَلِكَ: أَنْ يُوضَعَ وَرَاءَ تِلْكَ الْكُوَى سَرِيرٌ، أَوْ يَقُومَ عَلَيْهِ رَجُلٌ. فَإِنْ كَانَ يَنْظُرُ إلَى مَا فِي دَارِ الرَّجُلِ مُنِعَ مِنْ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَنْظُرْ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ. وَرَأَى مَالِكٌ أَنَّهُ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ ضَرَرًا مُنِعَ، وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ مِمَّا
стр. 2238
لَا يَتَنَاوَلُ النَّظَرَ إلَيْهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ. قُلْت: وَكَذَلِكَ إنْ لَمْ يَفْتَحْ فِيهَا أَبْوَابًا وَلَا كُوًى، وَلَكِنَّهُ مَنَعَنِي الشَّمْسَ الَّتِي تَسْقُطُ فِي دَارِي وَمَنَعَنِي الرِّيحَ الَّتِي كَانَتْ تَهُبُّ فِي دَارِي، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَمْنَعَهُ مِنْ أَنْ يَرْفَعَ بُنْيَانَهُ إذَا كَانَ مُضِرًّا بِي فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الَّتِي سَأَلْتُك عَنْهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا يُمْنَعُ مِنْ هَذَا، وَإِنَّمَا يُمْنَعُ إذَا أَحْدَثَ كُوًى أَوْ أَبْوَابًا يُشْرِفُ مِنْهَا، فَهَذَا الَّذِي يُمْنَعُ مِنْهَا وَيُقَالُ لَهُ سُدَّهَا، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي الرِّيحِ وَالشَّمْسِ شَيْئًا. وَلَا أَرَى أَنْ يُمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ.
[مَا جَاءَ فِي قِسْمَةِ الْعَيْنِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ أَرْضًا بَيْنَ قَوْمٍ قَدْ عَرَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حِصَّتَهُ مِنْ الْأَرْضِ، وَلَهُمْ غَيْرُهُمْ فِيهَا شُرَكَاءُ هِيَ شِرْبٌ لِأَرْضِهِمْ، أَرَادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يَصْرِفَ شِرْبَهُ إلَى أَرْضٍ لَهُ أُخْرَى، أَيَكُونُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلَيْنِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا الْأَرْضُ قَدْ اقْتَسَمَاهَا، وَلَهُمَا بِئْرٌ تَشْرَبُ الْأَرْضُ مِنْهَا، فَاقْتَسَمَا الْأَرْضَ فَأَرَادَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَبِيعَ مَاءَهُ مِنْ رَجُلٍ يَسُوقُهُ إلَى أَرْضٍ لَهُ أُخْرَى. قَالَ: ذَلِكَ لَهُ، وَلَا شُفْعَةَ لِصَاحِبِ الْبِئْرَ. فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّهُ إنْ أَرَادَ أَنْ يَسْقِيَ بِهَا أَرْضًا لَهُ أُخْرَى، أَوْ يُؤَاجِرَ الشِّرْبَ مِمَّنْ يَسْقِي أَرْضًا لَهُ أُخْرَى، أَنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَصَبَنِي أَرْضًا فَزَرَعَهَا، أَوْ بِئْرًا فَسَقَى مِنْهَا أَرْضَهُ وَزَرْعَهُ، أَوْ دُورًا فَسَكَنَهَا، أَيَكُونُ عَلَيْهِ كِرَاءُ مَا سَكَنَ وَمَا زَرَعَ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ مَا شَرِبَ مَنْ الْمَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْأَرْضِ عَلَيْهِ كِرَاءُ مَا زَرَعَ، وَالدُّورُ وَالْبِئْرُ عِنْدِي بِتِلْكَ الْمَنْزِلَةِ عَلَيْهِ كِرَاءُ ذَلِكَ. قُلْت: فَلِمَ قُلْت فِي الْحَيَوَانِ إنَّهُ إذَا غُصِبَ فَرُكِبَ فَلَا كِرَاءَ عَلَيْهِ؟
قَالَ: كَذَلِكَ سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ.
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنِّي ارْتَهَنْت عَيْنًا أَوْ قَنَاةً أَوْ جُزْءًا مِنْ شِرْبِ بِئْرٍ أَوْ جُزْءًا مِنْ شِرْبِ عَيْنٍ أَوْ جُزْءًا مَنْ شِرْبِ نَهْرٍ، أَيَكُونُ لِرَبِّ الْبِئْرِ أَوْ لِرَبِّ النَّهْرِ أَوْ رَبِّ الْعَيْنِ أَوْ رَبِّ الْقَنَاةِ أَنْ يَكْرِيَ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَكْرِيَهَا، وَلَا يَكُونُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْت رَهْنًا حَتَّى يَقْبِضَ، فَإِذَا قَبَضَ صَارَ رَهْنًا. قُلْت: وَكَيْفَ يَكُونُ قَبْضُ هَذَا لِهَذَا الَّذِي سَأَلْتُك عَنْهُ؟
قَالَ: قَبْضُهُ أَنْ يَحُوزَهُ وَيَحُولَ بَيْنَ صَاحِبِهِ وَبَيْنَهُ، فَإِذَا قَبَضَهُ وَحَازَهُ صَارَ مَقْبُوضًا. قُلْت: أَفَيَكُونُ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَكْرِيَ مَاءَ هَذِهِ الْبِئْرِ أَوْ مَاءِ هَذِهِ الْقَنَاةِ أَوْ مَاءَ هَذِهِ الْعَيْنِ مَنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُ رَبُّهَا بِذَلِكَ؟ قَالَ: إنْ لَمْ يَأْمُرْهُ رَبُّهَا بِذَلِكَ، بِأَنْ يَكْرِيَ تَرَكَ، وَلَمْ يَكْرِهِ، وَإِنْ أَمَرَهُ بِذَلِكَ أَكْرَاهُ وَكَانَ الْكِرَاءُ لِرَبِّ الْأَرْضِ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَرْتَهِنُ الدَّارَ.
قَالَ مَالِكٌ: فَلَيْسَ لِرَبِّ الدَّارِ أَنْ يَكْرِيَهَا، وَلَكِنْ لِلْمُرْتَهِنِ أَنْ يَكْرِيَهَا بِأَمْرِ صَاحِبِ الدَّارِ وَيَلِيَ الْمُرْتَهِنُ الْكِرَاءَ، وَيَكُونُ الْكِرَاءُ لِرَبِّ الدَّارِ. قُلْت: وَلَا يَكُونُ الْكِرَاءُ رَهْنًا فِي حَقِّهِ؟
قَالَ مَالِكٌ: لَا يَكُونُ الْكِرَاءُ رَهْنًا إلَّا أَنْ يَشْتَرِطَهُ الْمُرْتَهِنُ، فَيَكُونُ لَهُ رَهْنًا مَعَ الدَّارِ إذَا اشْتَرَطَهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ
стр. 2239
اشْتَرَطَ أَنْ يَكْرِيَهَا وَيَأْخُذَ كِرَاءَهَا فِي حَقِّهِ قَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ ذَلِكَ مِنْ، بَيْعٍ فَلَا يَجُوزُ شَرْطُهُ هَذَا، وَإِنْ كَانَ دَيْنُهُ مِنْ قَرْضٍ فَذَلِكَ جَائِزٌ. قُلْت: وَلِمَ قَالَ مَالِكٌ إذَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ بَيْعٍ لَمْ يَكُنْ جَائِزًا؟
قَالَ: لِأَنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَقْبِضُ أَيَقِلُّ أَمْ يَكْثُرُ أَمْ تَنْهَدِمُ الدَّارُ قَبْلَ أَنْ يَقْتَضِيَ. قُلْت: وَإِنَّمَا كَرِهَ مَالِكٌ هَذَا إذَا كَانَ الْبَيْعُ وَقَعَتْ صَفْقَتُهُ عَلَى أَنْ يَرْتَهِنَ هَذِهِ الدَّارَ أَوْ يَكْرِيَهَا وَيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ كِرَائِهَا؟
قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: فَإِنْ لَمْ تَقَعْ صَفْقَةُ الْبَيْعِ عَلَى أَنْ يَرْتَهِنَ الدَّارَ أَوْ يَكْرِيَهَا وَيَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ كِرَائِهَا، وَلَكِنِّي بِعْتُهُ بَيْعًا ثُمَّ ارْتَهَنْتُ مِنْهُ الدَّارَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَكْرِيَهَا وَآخُذَ كِرَاءَهَا حَتَّى أَسْتَوْفِيَ؟
قَالَ: لَا بَأْسَ بِهَذَا عِنْدَ مَالِكٍ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ ارْتَهَنْت قَنَاةً أَوْ بِئْرًا وَإِلَى جَنْبِهَا أَرْضٌ فِيهَا زَرْعٍ لِصَاحِبِ الْبِئْرِ، فَأَرَادَ أَنْ يَسْقِيَ فَمَنَعَهُ الْمُرْتَهِنُ مِنْ ذَلِكَ، أَيَكُونُ لَهُ ذَلِكَ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، ذَلِكَ. لِلْمُرْتَهِنِ لِأَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ، فَلَيْسَ هَذَا الرَّهْنُ مَقْبُوضًا وَهَذَا رَأْيِي
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَذِنَ الْمُرْتَهِنُ لِلرَّاهِنِ أَنْ يَسْقِيَ زَرْعَهُ، أَيَكُونُ خَارِجًا مِنْ الرَّهْنِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الدَّارِ يَرْتَهِنُهَا الرَّجُلُ فَيَأْذَنُ لِرَبِّهَا أَنْ يَسْكُنَ فِيهَا. قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَذِنَ فِي ذَلِكَ فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك. قُلْت: وَكَذَلِكَ الدَّارُ إذَا أَذِنَ لَهُ أَنْ يَكْرِيَهَا فَأَكْرَاهَا؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إذَا سَكَنَهَا فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ، سَكَنَهَا بِكِرَاءٍ أَوْ بِغَيْرِ كِرَاءٍ؟ قُلْت: فَمَتَى تَخْرُجُ مِنْ الرَّهْنِ إذَا سَكَنَ أَوْ إذَا أَذِنَ لَهُ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنْ إذَا أَذِنَ لَهُ أَنْ يَسْكُنَ أَوْ يَكْرِيَ فَقَدْ خَرَجَتْ مِنْ الرَّهْنِ.
[فِي الرَّجُلِ يَشْتَرِي الْبِئْرَ عَلَى أَنَّهُ بِالْخِيَارِ عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَانْخَسَفَتْ الْبِئْرُ فِي ذَلِكَ]
َ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت بِئْرًا عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ فِيهَا عَشَرَةَ أَيَّامٍ فَانْحَسَفَتْ الْبِئْرُ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَا كَانَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي أَيَّامِ الْخِيَارِ فَهِيَ مِنْ الْبَائِعِ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يَصْلُحُ النَّقْدُ فِي بَيْعِ الْخِيَارِ.
قَالَ مَالِكٌ: وَسَوَاءٌ إنْ كَانَ الْخِيَارُ لِلْبَائِعِ أَوْ لِلْمُبْتَاعِ فَالْمُصِيبَةُ مِنْ الْبَائِعِ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت عَبْدًا عَلَى أَنِّي بِالْخِيَارِ أَيَّامًا، فَقَتَلَ الْعَبْدُ رَجُلًا، أَيَكُونُ لِي أَنْ أَرُدَّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت أَرَأَيْت إنْ اشْتَرَيْت مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً، ثُمَّ لَقِيتُهُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ فَجَعَلْت لَهُ الْخِيَارَ أَوْ جَعَلَ لِي الْخِيَارَ، أَيَلْزَمُنِي الْخِيَارُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ أَمْرًا يَجُوزُ فِي مِثْلِهِ الْخِيَارُ. قُلْت: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا، وَهُوَ رَأْيِي وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
стр. 2240
[كِتَابُ الْحُدُودِ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ] [ الْحُدُودُ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ]
ِ الْحُدُودُ فِي الزِّنَا وَالْقَذْفِ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ قَوْمًا شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ وَطِئَ هَذِهِ الْمَرْأَةَ، وَقَالَتْ الشُّهُودُ لَا نَدْرِي هَلْ هِيَ امْرَأَتُهُ أَمْ أَمَتُهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ. أَيُقِيمُ عَلَيْهِ الْقَاضِي الْحَدَّ أَمْ لَا يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّهُ يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا امْرَأَتُهُ أَوْ جَارِيَتُهُ، إلَّا أَنْ يَكُونَ قَدِمَ بِهَا مِنْ بَلَدٍ غَيْرِ ذَلِكَ الْبَلَدِ، فَلَا أَرَى عَلَيْهِ شَيْئًا إذَا قَالَ: هِيَ امْرَأَتِي أَوْ جَارِيَتِي وَأَقَرَّتْ لَهُ بِذَلِكَ، فِي شَيْءٍ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ تَقُومَ الْبَيِّنَةُ عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ.
قُلْت: أَرَأَيْت أَهْلَ الذِّمَّةِ إذَا افْتَرَوْا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، أَتَحُدُّهُمْ حَدَّ الْفِرْيَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، يُحَدُّونَ حَدَّ الْفِرْيَةِ ثَمَانِينَ.
قَالَ: وَأَخْبَرَنِي مَنْ أَثِقُ بِهِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي النَّصْرَانِيِّ: إذَا قَذَفَ الْمُسْلِمَ ضُرِبَ الْحَدَّ ثَمَانِينَ.
قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ تَزَوَّجَ خَامِسَةً أَوْ امْرَأَةً طَلَّقَهَا - وَقَدْ كَانَ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا أَلْبَتَّةَ قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ - أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ النَّسَبِ أَوْ نِسَاءً مِنْ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ عَامِدًا عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ، أَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ. قُلْت: فَإِنْ جَاءَتْ بِوَلَدٍ قَالَ: إذَا تَعَمَّدَ كَمَا وَصَفْت لَك لَمْ يُلْحَقْ بِهِ الْوَلَدُ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يَجْتَمِعُ الْحَدُّ وَإِثْبَاتُ النَّسَبِ.
قُلْت: وَاَلَّذِي يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فِي عِدَّتِهَا عَامِدًا يُعَاقَبُ وَلَا يُحَدُّ، وَكَذَلِكَ الَّذِي يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ عَلَى خَالَتِهَا أَوْ عَلَى عَمَّتِهَا، وَكَذَلِكَ نِكَاحُ الْمُتْعَةِ عَامِدًا لَا يُحَدُّونَ فِي ذَلِكَ وَيُعَاقَبُونَ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْت: أَرَأَيْت كُلَّ وَطْءٍ دَرَأْت فِيهِ الْحَدَّ عَنْ الرَّجُلِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْوَطْءُ لَا يَحِلُّ، أَلَيْسَ مَنْ قَذَفَهُ يُضْرَبُ لَهُ الْحَدُّ؟ قَالَ: نَعَمْ ذَلِكَ فِي رَأْيِي.
стр. 2241
[فِيمَنْ وَطِئَ جَارِيَةً لِرَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ وَقَالَ قَدْ اشْتَرَيْتهَا أَوْ تَزَوَّجْتهَا]
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَطِئَ أَمَةَ رَجُلٍ، فَقَالَ الْوَاطِئُ: اشْتَرَيْتهَا مِنْ سَيِّدِهَا، وَقَالَ سَيِّدُهَا: لَمْ أَبِعْهَا مِنْك، وَلَا بَيِّنَةَ بَيْنَهُمَا قَالَ: يُحَدُّ إذَا لَمْ تَقُمْ لَهُ بَيِّنَةٌ عَلَى الشِّرَاءِ، وَتُحَدُّ الْجَارِيَةُ مَعَهُ، قَالَ: وَلَوْ جَازَ هَذَا لِلنَّاسِ لَمْ يَقُمْ حَدٌّ أَبَدًا لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يُوجَدُ مَعَ الْمَرْأَةِ يَزْنِي بِهَا فَيَقُولُ: تَزَوَّجْتهَا. وَتَقُولُ: تَزَوَّجَنِي. وَهُمَا مُقِرَّانِ بِالْوَطْءِ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ أَنَّ عَلَيْهِمَا الْحَدَّ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك فِي الْأَمَةِ. قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ الَّذِي وَطِئَ الْأَمَةَ، ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ سَيِّدِهَا - وَسَيِّدُهَا مُنْكِرٌ - فَقَالَ لَك: اسْتَحْلِفْ لِي سَيِّدَهَا أَنَّهُ لَمْ يَبِعْهَا مِنِّي. فَاسْتَحْلَفْتَهُ فَنَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ، أَيَجْعَلُ الْجَارِيَةَ لِلْمُشْتَرِي قَالَ: أَرُدُّ الْيَمِينَ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - عَلَى الَّذِي ادَّعَى الشِّرَاءَ إذَا نَكَلَ الْمُدَّعِي قَبْلَهُ الشِّرَاءَ عَنْ الْيَمِينِ، فَإِذَا حَلَفَ الْمُدَّعِي جُعِلَتْ الْجَارِيَةُ جَارِيَتَهُ وَدَرَأَتْ عَنْهُ الْحَدَّ، لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ مِلْكَهُ وَثَبَتَ شِرَاؤُهُ.
قُلْت: وَاَلَّذِي وَطِئَ الْمَرْأَةَ فَادَّعَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا وَقَالَتْ الْمَرْأَةُ: تَزَوَّجَنِي، وَقَالَ الْوَلِيُّ: زَوَّجْتهَا مِنْهُ بِرِضَاهَا إلَّا أَنَّا لَمْ نُشْهِدْ بَعْدُ وَنَحْنُ نُرِيدُ أَنْ نُشْهِدَ، أَيُدْفَعُ الْحَدُّ عَنْ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يُدْفَعُ الْحَدُّ عَنْ هَذَيْنِ إلَّا أَنْ يَشْهَدَ عَلَى النِّكَاحِ غَيْرُهُمْ. قَالَ: وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا شَهِدَ عَلَيْهِمَا بِالزِّنَا، ثُمَّ زَعَمَ أَبُوهَا أَوْ أَخُوهَا أَنَّهُ زَوَّجَهَا لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ إلَّا أَنْ تَقُومَ بَيِّنَةٌ عَلَى إثْبَاتِ النِّكَاحِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ حَدَدْتهمَا - وَهُمَا بِكْرَانِ - ثُمَّ قَالَا: نَحْنُ نُقِرُّ عَلَى نِكَاحِنَا الَّذِي حُدِدْنَا فِيهِ. وَقَالَ الْوَلِيُّ: قَدْ كُنْت زَوَّجْتهَا وَلَمْ أُشْهِدْ وَأَنَا الْآنَ أُشْهِدُ لَهَا. أَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا. وَأَرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا أَنْ يُحْدِثَا نِكَاحًا جَدِيدًا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ. قُلْت: لِمَ؟
قَالَ: مِنْ قِبَلِ أَنَّهُمَا قَدْ حُدَّا فِي ذَلِكَ الْوَطْءِ. قُلْت: هَلْ يُسْتَحْلَفُ الرَّجُلُ مَعَ امْرَأَتَيْنِ وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ قَالَ: نَعَمْ، فِي الْأَمْوَالِ كُلِّهَا الَّتِي تَجُوزُ فِيهَا شَهَادَةُ النِّسَاءِ مِنْ الدُّيُونِ وَالْوَصَايَا فَإِنَّهُ يَحْلِفُ مَعَهُمَا وَيَسْتَحِقُّ حَقَّهُ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ وَطِئَ جَارِيَةً ثُمَّ قَالَ: اشْتَرَيْتهَا مِنْ سَيِّدِهَا، وَأَقَامَ امْرَأَةً تَشْهَدُ عَلَى الشِّرَاءِ، أَتُقِيمُ الْحَدَّ عَلَى الْوَاطِئِ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ بِأَمْرٍ يَقْطَعُ بِهِ شَيْئًا، وَشَهَادَةُ الْمَرْأَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَا شَيْءَ عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ، لِأَنَّ مَالِكًا حَدَّثَنِي أَنَّ امْرَأَةً أَتَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَقَالَتْ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إنَّ زَوْجِي يَطَأُ جَارِيَتِي. فَأَرْسَلَ إلَيْهِ عُمَرُ، فَاعْتَرَفَ بِوَطْئِهَا وَقَالَ: إنَّهَا بَاعَتْنِيهَا. فَقَالَ عُمَرُ: لَتَأْتِيَنِّي بِالْبَيِّنَةِ أَوْ لَأَرْجُمَنَّكَ بِالْحِجَارَةِ. فَاعْتَرَفَتْ الْمَرْأَة أَنَّهَا بَاعَتْهَا مِنْهُ فَخَلَّى سَبِيلَهُ فَهَذَا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ مَنْ ادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَى هَذِهِ الْجَارِيَةَ الَّتِي وَطِئَهَا - وَسَيِّدُهَا يُنْكِرُ الْبَيْعَ - أَنَّهُ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إذَا شَهِدُوا عَلَى الرُّؤْيَةِ وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ وَطِئَهَا وَادَّعَى الشِّرَاءَ وَأَنْكَرَ سَيِّدُهَا الْبَيْعَ.
قَالَ سَحْنُونٌ: قَالَ أَشْهَبُ: يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَإِنْ أَقَرَّ سَيِّدُهَا أَنَّهُ بَاعَهَا مِنْهُ وَأَنْكَرَ سَيِّدُهَا الْبَيْعَ.
стр. 2242
[فِيمَنْ دَفَعَ إلَى امْرَأَتِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا]
قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا دَفَعَ إلَى امْرَأَتِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ، وَقَدْ فَرْضَ عَلَيْهِ الْقَاضِي نَفَقَتَهَا أَوْ لَمْ يَفْرِضْ عَلَيْهِ، وَلَكِنَّهُ هُوَ الَّذِي دَفَعَ ذَلِكَ إلَيْهَا أَوْ كَسَاهَا كِسْوَةَ السَّنَةِ بِفَرِيضَةٍ. مِنْ الْقَاضِي أَوْ بِغَيْرِ فَرِيضَةٍ، ثُمَّ مَاتَتْ الْمَرْأَةُ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ، أَوْ مَاتَ الرَّجُلُ بَعْدَ يَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَوْ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَيُّهُمَا مَاتَ فَإِنَّهُ يَرُدُّ بِقَدْرِ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ، وَيَكُونُ لَهُ قَدْرُ مَا مَضَى مِنْ السَّنَةِ إلَّا الْكِسْوَةُ، فَإِنِّي رَأَيْت مَالِكًا يَسْتَحْسِنُ فِي الْكِسْوَةِ أَنْ لَا تُتْبِعَ بِشَيْءٍ مِنْهَا إذَا مَاتَتْ الْمَرْأَةُ أَوْ مَاتَ الرَّجُلُ بَعْدَ الْأَشْهُرِ، وَلَمْ يَجْعَلْ الْكِسْوَةَ بِمَنْزِلَةِ الْقَمْحِ وَالزَّيْتِ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ النَّفَقَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: فِي هَذَا كُلِّهِ يُرَدُّ عَلَى حِسَابِ مَا بَقِيَ مِنْ السَّنَةِ.
قَالَ مَالِكٌ: فَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَلَا أَرَى فِيهَا شَيْئًا - لَا دَرَاهِمَ وَلَا غَيْرَهَا - وَنَزَلْت بِالْمَدِينَةِ وَأَنَا عِنْدَهُ فَحَكَمَ فِيهَا بِمَا أَخْبَرْتُك وَكَانَ مِنْ آخِرِ مَا سَمِعْت مِنْهُ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ مَاتَتْ بَعْدَمَا دَفَعَ إلَيْهَا الْكِسْوَةَ بِعَشَرَةِ أَيَّامٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّ هَذَا قَرِيبٌ، وَالْوَجْهُ الَّذِي قَالَ مَالِكٌ إنَّمَا ذَلِكَ إذَا مَضَى لِلْكِسْوَةِ الْأَشْهُرُ.
[فِيمَنْ لَهُ شِقْصٌ فِي جَارِيَةٍ فَوَطِئَهَا]
قُلْت: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَكُونُ لَهُ الشِّقْصُ فِي الْجَارِيَةِ فَيَطَؤُهَا، فَيُقِرُّ أَنَّهُ وَطِئَهَا وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ، أَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَتُقَوَّمُ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ لَا يُحِبَّ شَرِيكُهُ أَنْ تُقَوَّمَ عَلَيْهِ وَيَتَمَسَّكَ بِحِصَّتِهِ فَذَلِكَ لَهُ، فَإِنْ هِيَ حَمَلَتْ قُوِّمَتْ عَلَيْهِ وَكَانَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ. قُلْت: فَهَلْ يَكُونُ عَلَيْهِ إذْ قُوِّمَتْ عَلَيْهِ مَنْ الصَّدَاقِ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَا، لَيْسَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ شَيْءٌ عِنْدَ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ أَتَى ذَلِكَ وَهُوَ غَيْرُ جَاهِلٍ أُدِّبَ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ هِيَ لَمْ تَحْمِلْ، وَتَمَاسَكَ شَرِيكُهُ بِحِصَّتِهِ مِنْهَا وَلَمْ يَرْضَ أَنْ يُقَوِّمَهَا عَلَيْهِ، أَيُجْعَلُ لَهُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَكُونُ لِهَذِهِ - عِنْدَ مَالِكٍ - مِنْ الصَّدَاقِ شَيْءٌ.
قُلْتُ: وَلَا مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا؟
قَالَ: نَعَمْ، وَلَا مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا لِأَنَّ الْقِيمَةَ كَانَتْ لَهُ فَتَرَكَهَا وَتَمَاسَكَ بِنَصِيبِهِ نَاقِصًا.
قُلْتُ: وَلِمَ جَعَلَتْ لِشَرِيكِهِ أَنْ يُقَوِّمَهَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا هِيَ لَمْ تَحْمِلْ وَهَذِهِ لَمْ تَفُتْ؟
قَالَ: لِأَنِّي دَرَأْتُ الْحَدَّ فِيهِ فَجَعَلْتُ شَرِيكَهُ مُخَيَّرًا، إنْ شَاءَ قَوَّمَهَا عَلَيْهِ وَإِنْ شَاءَ تَمَاسَكَ بِحِصَّتِهِ مِنْهَا، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجَارِيَةَ تَكُونُ بَيْنَ الشَّرِيكَيْنِ، فَيُعْتِقُ أَحَدُهُمَا حِصَّتَهُ - وَلَا مَالَ لَهُ أَوْ لَهُ مَالٌ - فَيَطَؤُهَا الْمُتَمَاسِكُ بِالرِّقِّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقُومَ عَلَى شَرِيكِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، أَتُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا لِمَكَانِ الرِّقِّ الَّذِي لَهُ فِيهَا، لِأَنَّهَا لَوْ مَاتَتْ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ شَرِيكُهُ مُوسِرًا فَلَا شَيْءَ لَهُ عَلَى شَرِيكِهِ، وَأَدْرَأُ الْحَدَّ عَنْهُ بِالشُّبْهَةِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ شَيْءٌ أَمْ لَا أَوْ مِمَّا نَقَصَهَا؟
قَالَ: لَا يَكُونُ عَلَيْهِ
стр. 2243
شَيْءٌ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا إذَا طَاوَعَتْهُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ إنْ كَانَ وَطْؤُهُ إيَّاهَا عَيْبًا دَخَلَهَا فَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى السَّيِّدِ الَّذِي وَطِئَ، لِأَنَّ الرِّقَّ لَهُ. وَهِيَ إذَا طَاوَعَتْهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي النِّصْفِ الَّذِي كَانَ يَكُونُ لَهَا مِمَّا يَنْقُصُهَا مِنْ قِيمَتِهَا، وَإِنْ هُوَ اسْتَكْرَهَهَا كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ مِنْ الصَّدَاقِ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لِي فِي الْأَمَةِ يَكُونُ نِصْفُهَا حُرًّا وَنِصْفُهَا مَمْلُوكًا، فَيَجْرَحُهَا رَجُلٌ: إنَّ عَقْلَ ذَلِكَ الْجُرْحِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَيِّدِهَا الَّذِي لَهُ فِيهَا الرِّقُّ، وَإِنَّمَا قِيمَةُ جُرْحِهَا قِيمَةُ جُرْحِ أَمَةٍ. وَقَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ أَيُّمَا رَجُلٍ غَصَبَ أَمَةً فَوَطِئَهَا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا مَعَ الْحَدِّ. فَهَذِهِ وَإِنْ كَانَ نِصْفُهَا حُرًّا، فَاَلَّذِي وَطِئَهَا لَيْسَ عَلَيْهِ إلَّا مَا نَقَصَهَا إذَا كَانَ اسْتَكْرَهَهَا، لِأَنَّهُ لَوْ أَنَّ أَجْنَبِيًّا غَصَبَهَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَيْضًا إلَّا مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا، لِأَنَّ الْحُرَّ مِنْهَا تَبَعٌ لِلرِّقِّ مِنْهَا. فَإِذَا أَخَذَتْ ذَلِكَ، كَانَ لَهَا النِّصْفُ وَلِلسَّيِّدِ الْمُتَمَسِّكِ بِالرِّقِّ النِّصْفُ، وَإِنَّمَا أَعْطَيْنَا السَّيِّدَ الْمُتَمَسِّكَ بِالرِّقِّ النِّصْفَ لِأَنَّهَا لَوْ جُرِحَتْ جُرْحًا يُنْقِصُهَا كَانَ لَهُ نِصْفُهُ، وَلَوْ جَرَحَتْ هِيَ كَانَ عَلَيْهِ نِصْفُ مَا جَرَحَتْ أَوْ يُسَلِّمُ نِصْفَهُ، وَكَذَلِكَ مَا وَجَبَ لَهَا فِي اغْتِصَابِهَا نَفْسَهَا إنَّ ذَلِكَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَيِّدِهَا بِمَنْزِلَةِ. جِرَاحَاتِهَا، لِأَنَّ مَالِكًا جَعَلَ فِي اغْتِصَابِهَا نَفْسَهَا مَا نَقَصَهَا، وَفِي الْجِرَاحَاتِ إنَّمَا فِيهَا مَا نَقَصَهَا وَلَا يُشْبِهُ مَا قَضَى لَهَا بِهِ فِي الِاغْتِصَابِ مَهْرَهَا الَّذِي تَتَزَوَّجُ بِهِ بِإِذْنِ سَيِّدِهَا، لِأَنَّ مَهْرَهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَمْوَالِ الَّتِي تَسْتَفِيدُهَا وَمَهْرُهَا مَوْقُوفٌ فِي يَدَيْهَا، بِمَنْزِلَةِ مَا اسْتَفَادَتْ مِنْ الْأَمْوَالِ.
قُلْت: وَمَنْ يُزَوِّجُ هَذِهِ الْأَمَةَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: سَيِّدُهَا الْمُتَمَسِّكُ بِالرِّقِّ، وَلَيْسَ لِلْآخَرِ فِي تَزْوِيجِهَا قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ.
قَالَ مَالِكٌ: وَلَا يُزَوِّجُهَا هَذَا الْمُتَمَسِّكُ بِالرِّقِّ إلَّا بِرِضَاهَا. قُلْت: أَرَأَيْتَ هَذِهِ الْأَمَةَ، لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا أَعْتَقَ جَمِيعَهَا فَوَطِئَهَا الْبَاقِي وَلِلْمُعْتِقِ مَالٌ أَوْ لَا مَالَ لَهُ؟
قَالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَمْ يُحَدَّ الْوَاطِئُ لِلرِّقِّ الَّذِي لَهُ فِيهَا، لِأَنَّهُ لَا عِتْقَ لِشَرِيكِهِ فِيهَا إذَا كَانَ، مُعْدَمًا. وَإِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا نَظَرَ، فَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ مِمَّنْ يُعْذَرُ بِالْجَهَالَةِ وَلَا يَرَى أَنَّ عِتْقَ الْمُوسِرِ يَلْزَمُهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَدٌّ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ يَلْزَمُهُ وَكَانَ الْمُعْتِقُ مُوسِرًا رَأَيْتُ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَذَلِكَ أَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْجَارِيَةِ تَكُونُ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يُعْتِقُهَا أَحَدُهُمَا كُلَّهَا. قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ يَلْزَمُ شَرِيكَهُ إذَا كَانَ لِلْمُعْتِقِ مَالٌ وَلَيْسَ لِشَرِيكِهِ أَنْ يَأْبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَعْتَقَ الشَّرِيكُ الْبَاقِي حِصَّتَهُ بَعْدَ عِتْقِ الْمُعْتِقِ الْجَمِيعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِيهَا عِتْقٌ، فَلِذَلِكَ رَأَيْت عَلَيْهِ الْحَدَّ. قُلْت: فَلَوْ أَنَّ الَّذِي أَعْتَقَ جَمِيعَهَا - وَهُوَ مُوسِرٌ - لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ بِتَضْمِينِ نِصْفِ الْقِيمَةِ حَتَّى أُعْسِرَ وَصَارَ مُعْدَمًا؟ قَالَ: إنْ كَانَ السَّيِّدُ الْمُتَمَسِّكُ عَلِمَ بِعِتْقِهِ فَتَرَكَهُ وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَقُومَ بِذَلِكَ عَلَيْهِ فَيَأْخُذُهُ وَأَخَذَهُ، فَالْعِتْقُ مَاضٍ وَيَصِيرُ نِصْفُ الْقِيمَةِ دَيْنًا عَلَيْهِ. وَإِنْ كَانَ غَائِبًا أَوْ لَمْ يَعْلَمْ بِالْعِتْقِ حَتَّى أُعْسِرَ الْمُعْتِقُ رَأَيْتُهُ عَلَى حَقِّهِ مِنْهَا، وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ لَهُ شَيْءٌ إذَا تَرَكَ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ، وَلَوْ شَاءَ أَنْ يَقُومَ عَلَى ذَلِكَ أَخَذَهُ فَتَرَكَهُ حَتَّى أُعْسِرَ، فَالْعِتْقُ مَاضٍ وَنِصْفُ الْقِيمَةِ دَيْنٌ عَلَيْهِ.
стр. 2244
[فِي الرَّجُلِ يَطَأُ مُكَاتَبَتَهُ طَوْعًا أَوْ غَصْبًا]
قُلْت: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَطَأُ مُكَاتَبَتَهُ - يَغْتَصِبُهَا أَوْ تُطَاوِعُهُ - أَيَكُونُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَيُنَكَّلُ إذَا كَانَ مِمَّنْ لَا يُعْذَرُ بِالْجَهَالَةِ.
قُلْتُ: أَفَيَكُونُ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا مِنْ ثَمَنِهَا إنْ غَصَبَهَا نَفْسَهَا أَوْ صَدَاقُ مِثْلِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: أَرَى أَنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا إذَا اغْتَصَبَهَا. وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَلَا أَرَى لَهَا فِي ذَلِكَ صَدَاقًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَمْ أَسْأَلْهُ عَنْ الِاغْتِصَابِ وَإِنَّمَا سَأَلْتُهُ عَنْ الرَّجُلِ يَطَأُ مُكَاتَبَتَهُ فَقَالَ: لَا صَدَاقَ لَهَا.
قُلْت: أَرَأَيْت الْمُكَاتَبَةَ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يَطَؤُهَا أَحَدُهُمَا، أَيَكُونُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ.
قُلْت: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَيَطَؤُهَا فِي الْعِدَّةِ وَيَقُولُ: ظَنَنْتُ أَنَّهَا تَحِلُّ لِي. أَوْ يُعْتِقُ أُمَّ وَلَدِهِ فَيَطَؤُهَا فِي الْعِدَّةِ وَيَقُولُ: ظَنَنْت أَنَّهَا تَحِلُّ لِي؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَةً قَبْلَ الْبِنَاءِ بِهَا فَيَطَؤُهَا بَعْدَ التَّطْلِيقَةِ وَيَقُولُ: ظَنَنْت أَنَّ الْوَاحِدَةَ لَا تُبِينُهَا مِنِّي وَأَنَّهُ لَا يُبَرِّئُهَا مِنِّي إلَّا الثَّلَاثُ.
قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَهَا صَدَاقٌ وَاحِدٌ.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَيْسَ عَلَيْهِ الْحَدُّ إنْ عُذِرَ بِالْجَهَالَةِ. فَأَرَى فِي مَسْأَلَتِكَ إنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْذَرُ بِالْجَهَالَةِ أَنْ يَدْرَأَ عَنْهُ الْحَدَّ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْخَامِسَةَ: إنْ كَانَ مِمَّنْ يُعْذَرُ بِالْجَهَالَةِ وَمِمَّنْ يُظَنُّ أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ مَا بَعْدَ الْأَرْبَعِ لَيْسَ مِمَّا حَرَّمَ اللَّهُ، أَوْ يَتَزَوَّجُ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنَّ مَالِكًا دَرَأَ عَنْهُ الْحَدَّ وَعَنْ هَؤُلَاءِ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي وَطِئَ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ الطَّلَاقِ ثَلَاثًا، أَوْ أُمَّ وَلَدٍ بَعْدَ عِتْقِهَا وَوَطِئَهَا فِي عِدَّتِهَا، أَيَكُونُ عَلَيْهِ صَدَاقٌ سِوَى الصَّدَاقِ الْأَوَّلِ، وَتُوجِبُ لِأُمِّ وَلَدِهِ عَلَيْهِ الصَّدَاقُ أَمْ لَا؟ قَالَ: أَرَى أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ إلَّا الصَّدَاقُ الْأَوَّلُ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَلْبَتَّةَ، ثُمَّ حَنِثَ وَنَسِيَ يَمِينَهُ ثُمَّ وَطِئَهَا بَعْدَ الْحِنْثِ زَمَانًا، ثُمَّ ذَكَر أَنَّهُ قَدْ حَنِثَ مُنْذُ زَمَانٍ وَأَقَرَّ بِذَلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا عَلَيْهِ صَدَاقٌ وَاحِدٌ، الصَّدَاقُ الَّذِي سَمَّى وَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُكَ.
قُلْتُ: هَذَا فِي الطَّلَاقِ، أَدْخَلَتْ الْوَطْءَ الثَّانِي فِي الصَّدَاقِ الْمُسَمَّى أَوَّلًا. أَرَأَيْت الَّذِي عَتَقَ أُمَّ وَلَدِهِ، أَيَدْخُلُ وَطْءُ الْحُرِّيَّةِ فِي الْمِلْكِ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا عُذِرَ بِالْجَهَالَةِ. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّ رَجُلًا حَلَفَ بِعِتْقِ جَارِيَةٍ لَهُ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ لَهُ، فَحَنِثَ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَوْ نَسِيَ يَمِينَهُ فَحَنِثَ ثُمَّ وَطِئَهَا بَعْدَ ذَلِكَ زَمَانًا ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ قَدْ حَنِثَ أَنَّهُ لَا صَدَاقَ عَلَيْهِ وَيُعْتِقُ عَلَيْهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك فِي أُمِّ الْوَلَدِ.
قُلْت: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ تَرْتَدُّ أُمُّ وَلَدِهِ فَيَطَؤُهَا وَهُوَ فَقِيهٌ عَالَمٌ لَا يَجْهَلُ أَنَّهَا لَا تَحِلُّ لَهُ فِي حَالِ ارْتِدَادِهَا أَتُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟
قَالَ: لَا يُحَدُّ فِي رَأْيِي، لِأَنَّ مَا مَلَكَتْ الْيَمِينُ عِنْدَ مَالِكٍ لَا حَدَّ عَلَى السَّيِّدِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَحِلُّ لَهُ، وَلَوْ كَانَتْ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ مِنْ الرَّضَاعِ أَوْ كَانَتْ خَالَتَهُ، فَوَطِئَهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ عَامِدًا عَارِفًا بِالتَّحْرِيمِ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، وَإِنَّمَا دُفِعَ الْحَدُّ عَنْهُ هَهُنَا لِلْمِلْكِ الَّذِي لَهُ فِي ذَلِكَ، وَلَكِنْ يُنَكَّلُ عُقُوبَةً مُوجِعَةً.
стр. 2245
[فِيمَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ بِالزِّنَا ثَلَاثَةٌ وَوَاحِدٌ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى الزِّنَا عَلَى الرُّؤْيَةِ، وَوَاحِدٌ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِ، أَيُحَدُّ هَؤُلَاءِ الشُّهُودُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تَتِمَّ.
قُلْت: فَإِنْ شَهِدَ ثَلَاثَةٌ عَلَى الرُّؤْيَةِ وَاثْنَانِ عَلَى شَهَادَةِ غَيْرِهِمَا، أَيُحَدُّ هَذَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَتْ شَهَادَتُهُمْ كُلُّهُمْ عَلَى وَطْءٍ وَاحِدٍ وَوَصَفُوهُ وَعَرَفُوهُ وَفِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا شَهِدَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَا أَحَدُهُمْ زَوْجُهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُضْرَبُ الثَّلَاثَةُ وَيُلَاعِنُ الزَّوْجُ. قُلْت: لِمَ؟ أَلَيْسَ الزَّوْجُ شَاهِدًا؟
قَالَ: لَا، لِأَنَّ الزَّوْجَ عِنْدَ مَالِكٍ قَاذِفٌ. وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: الزَّوْجُ قَاذِفٌ.
قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا فَقَالَ الْقَاذِفُ - حِينَ قَذَفَ إلَى الْقَاضِي: أَنَا آتِي بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ زَانٍ، أَيُمَكِّنُهُ مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ لَا يَجُوزُ فِي ذَلِكَ إلَّا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ عِنْدَ مَالِكٍ وَهُوَ رَأْيِي.
قُلْت أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَقُولُ عِنْدَ الْإِمَامِ: زَنَيْت بِفُلَانَةِ، أَوْ عِنْدَ غَيْرِ الْإِمَامِ يُقِرُّ بِذَلِكَ. قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَقَامَ عَلَى قَوْلِهِ ذَلِكَ ضَرَبَ لِلْمَرْأَةِ حَدَّ الْفِرْيَةِ وَأُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا، وَإِنْ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْفِرْيَةِ لِلْمَرْأَةِ وَسَقَطَ عَنْهُ حَدُّ الزِّنَا إذَا قَامَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ بَيِّنَةٌ. قُلْت: وَيَقْبَلُ رُجُوعُهُ قَالَ: نَعَمْ، إذَا قَالَ: إنَّمَا أَقْرَرْت لِوَجْهِ كَذَا وَكَذَا.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ نَزَعَ وَلَمْ يَقُلْ لِوَجْهٍ كَذَا أَوْ وَجْهِ كَذَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا نَزَعَ عَنْ قَوْلِهِ قُبِلَ مِنْهُ وَلَمْ يُحَدَّ
قُلْتُ أَرَأَيْتَ الْإِقْرَارَ بِالزِّنَا، أَيُقِيمُ مَالِكٌ الْحَدَّ فِي إقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً أَمْ حَتَّى يَبْلُغَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَقَرَّ مَرَّةً وَاحِدَةً أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، إنْ ثَبَتَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَرْجِعْ.
قُلْتُ: وَالرَّجْمُ وَالْجَلْدُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ، يُقَامُ عَلَيْهِ بِإِقْرَارِهِ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: نَعَمْ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا، هَلْ تَكْشِفُهُ عَنْ الزِّنَا كَمَا تَكْشِفُ الْبَيِّنَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟
قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنَّ الَّذِي جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﵇ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ: «أَبِصَاحِبِكُمْ جِنَّةٌ؟» .
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا رَجَعَ الْمَرْجُومُ عَنْ إقْرَارِهِ بَعْدَمَا أَخَذَتْ الْحِجَارَةُ مَأْخَذَهَا، أَوْ رَجَعَ عَنْ إقْرَارِهِ إذَا كَانَ بِكْرًا بَعْدَ مَا أَخَذَتْ السِّيَاطُ مَأْخَذَهَا، أَوْ بَعْدَمَا ضُرِبَ أَكْثَرَ الْحَدِّ، أَيُقْبَلُ مِنْهُ رُجُوعُهُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ شَيْئًا وَأَرَى أَنْ يُقَالَ.
قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ امْرَأَةً ظَهَرَ بِهَا الْحَمْلُ فَقَالَتْ: هَذَا الْحَمْلُ مِنْ فُلَانٍ تَزَوَّجَنِي؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَقَامَتْ الْبَيِّنَةَ عَلَى ذَلِكَ وَإِلَّا أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ.
قُلْتُ. وَكَذَلِكَ إنْ قَالَ الزَّوْجُ: صَدَقَتْ قَدْ تَزَوَّجْتهَا؟
قَالَ: لَا يُقْبَلُ قَوْلُ الزَّوْجِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى تَكُونَ الْبَيِّنَةُ بَيْنَهُمَا.
قُلْتُ: أَفَيَثْبُتُ نَسَبُ هَذَا الْوَلَدِ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أُقِيمَ الْحَدُّ لَمْ يَثْبُتْ مَعَ الْحَدِّ النَّسَبُ.
[فِي الَّذِي يَزْنِي بِأُمِّهِ أَوْ عَمَّتِهِ أَوْ خَالَتِهِ]
ِ قُلْت: أَرَأَيْتَ الَّذِي يَزْنِي بِأُمِّهِ الَّتِي وَلَدَتْهُ أَوْ بِعَمَّتِهِ أَوْ بِأُخْتِهِ أَوْ بِذَاتِ رَحِمٍ مَحْرَمٍ مِنْهُ
следующие страницы →