← Фикх малики

Фикх малики · id 587

المدونة

مالك بن أنس

Полный текст (2 437 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

يَقُومُوا بِذَلِكَ. قَالَ: وَمِمَّا يَدُلُّك عَلَى أَنَّهُ لَا تَسْقُطُ شَهَادَتُهُ إلَّا بَعْدَ الضَّرْبِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ عَفَا عَنْهُ وَلَمْ يَضْرِبْهُ وَكَانَ الْقَاذِفُ رَجُلًا صَالِحًا كَانَتْ شَهَادَتُهُ جَائِزَةً، وَإِنَّمَا تَرْتَدُّ شَهَادَتُهُ إذَا ضُرِبَ الْحَدَّ فَذَلِكَ الَّذِي لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ حَتَّى يُحْدِثَ تَوْبَةً وَخَيْرًا مِثْلَ مَا وَصَفْتُ لَك مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ. [جَامِعُ اجْتِمَاعِ الْحُدُودِ وَكَيْفَ يُضْرَبُ] ُ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَيُّ الْحُدُودِ أَشَدُّ ضَرْبًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ الزَّانِي أَوْ الشَّارِبُ أَمْ حَدُّ الْفِرْيَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ضَرْبُهَا كُلِّهَا سَوَاءٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَالضَّرْبُ فِي هَذَا كُلِّهِ ضَرْبٌ بَيْنَ الضَّرْبَيْنِ لَيْسَ بِالْمُبَرِّحِ وَلَا بِالْخَفِيفِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا قَذَفَ وَسَكِرَ، أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَلَمْ يَسْكَرْ، جُلِدَ الْحَدَّ حَدًّا وَاحِدًا. وَإِنْ كَانَ قَدْ سَكِرَ جُلِدَ حَدًّا وَاحِدًا لِأَنَّ السُّكْرَ حَدُّهُ حَدُّ الْفِرْيَةِ، لِأَنَّهُ إذَا سَكِرَ افْتَرَى فَحَدُّ الْفِرْيَةِ يُجْزِئُهُ مِنْهَا. أَلَا تَرَى لَوْ أَنَّهُ افْتَرَى ثُمَّ افْتَرَى وَضُرِبَ حَدًّا وَاحِدًا كَانَ هَذَا الْحَدُّ لِجَمِيعِ تِلْكَ الْفِرْيَةِ، وَكَذَلِكَ السُّكْرُ وَالْفِرْيَةُ إذَا اجْتَمَعَا دَخَلَ حَدُّ السُّكْرِ فِي الْفِرْيَةِ وَالْخَمْرُ يَدْخُلُ فِي حَدِّ السُّكْرِ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَا يَسْكَرُ مِنْهَا. حَتَّى يَشْرَبَهَا، فَلَمَّا كَانَ حَدُّ السُّكْرِ دَاخِلًا فِي حَدِّ الْفِرْيَةِ عَلِمْنَا أَنَّ حَدَّ الْخَمْرِ أَيْضًا دَاخِلٌ فِي حَدِّ السُّكْرِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْكَرُ مِنْهَا إلَّا بَعْدَ أَنْ يَشْرَبَهَا. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حَدُّ الْفِرْيَةِ وَحَدُّ الزِّنَا أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا وَحَدُّ الْفِرْيَةَ جَمِيعًا. قَالَ: وَإِنْ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا وَحَدُّ الْخَمْرِ أُقِيمَا عَلَيْهِ جَمِيعًا. قُلْت: أَيُتَابِعُ الْإِمَامُ بَيْنَ الْحَدَّيْنِ أَمْ يَحْبِسُهُ بَعْدَ ضَرْبِ جَلْدِ الزِّنَا، حَتَّى إذَا خَفَّ مِنْ ضَرْبِهِ ذَلِكَ ضَرَبَهُ حَدَّ الْفِرْيَةِ؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُك أَنَّ ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، يَرَى فِي ذَلِكَ رَأْيَهُ وَيَجْتَهِدُ. إنْ رَأَى أَنْ يَجْمَعَهُمَا عَلَيْهِ جَمَعَهُمَا، وَإِنْ رَأَى أَنْ لَا يَجْمَعَهُمَا عَلَيْهِ وَرَأَى أَنْ يُفَرِّقَهُمَا فَذَلِكَ إلَيْهِ، وَإِنَّمَا هَذَا عَلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمَرِيضِ الَّذِي يَخَافُ عَلَيْهِ إنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ: يُؤَخَّرُ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ مَرَضِهِ. فَهَذَا إذَا ضُرِبَ أَوَّلَ الْحَدَّيْنِ إنْ كَانَ يُخَافُ عَلَيْهِ إنْ ضُرِبَ الْحَدَّ الثَّانِيَ أَنْ يَمُوتَ، أَخَّرَهُ الْإِمَامُ وَلَمْ يَضْرِبْهُ. وَكَذَلِكَ ذَكَرَ مَالِكٌ فِي الَّذِي يَخَافُ عَلَيْهِ مِنْ الْبَرْدِ إنْ هُوَ أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ، أَنَّهُ يُؤَخَّرُ وَلَا يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ، وَإِنَّمَا قَالَ فِي الْبَرْدِ فِي الْقَطْعِ وَلَيْسَ فِي الضَّرْبِ. قَالَ: وَالضَّرْبُ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْقَطْعِ فِي الْبَرْدِ إنْ خِيفَ عَلَيْهِ، وَالْحَرُّ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الْبَرْدِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ. قُلْتُ: وَيُضْرَبُ حَدَّ الزِّنَا عِنْدَ مَالِكٍ قَبْلَ ضَرْبِ حَدِّ الْفِرْيَةِ إذَا اجْتَمَعَا عَلَى الرَّجُلِ جَمِيعًا لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا لَا عَفْوَ فِيهِ عَلَى حَالٍ، وَحَدُّ الْفِرْيَةِ فِيهِ الْعَفْوُ قَبْل أَنْ يَنْتَهِيَ بِهِ صَاحِبُهُ إلَى الْإِمَامِ؟ قَالَ: أَحَبُّ ذَلِكَ إلَيَّ أَنْ يَبْدَأَ بِحَدِّ الزِّنَا، وَلَمْ أَسْمَعُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، لِأَنَّ حَدَّ الْفِرْيَةِ قَدْ جَاءَ فِيهِ بَعْضُ الِاخْتِلَافِ، أَنَّ الْعَفْوَ فِيهِ جَائِزٌ وَإِنْ انْتَهَى إلَى الْإِمَامِ، وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُهُ مَرَّةً ثُمَّ نَزَعَ عَنْهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ حَدَّ الْفِرْيَةِ إذَا عَفَا عَنْهُ الْمَقْذُوفُ، فَقَامَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ النَّاسِ فَأَقَامَ عِنْدَ الْإِمَامِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ قَذَفَ فُلَانًا أَيُحَدُّ فِي

стр. 2277

قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَذَفَ رَجُلٌ رَجُلًا وَالْمَقْذُوفُ غَائِبٌ فَقَامَ عَلَيْهِ أَجْنَبِيٌّ مِنْ النَّاسِ فَطَلَبَ أَنْ يَأْخُذَ لِلْغَائِبِ بِالْقَذْفِ وَرَفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ، أَيَضْرِبُهُ الْإِمَامُ الْحَدَّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا، وَلَا يُمْكِنُ ذَلِكَ. قُلْتُ: لِمَ؟ أَلَيْسَ هَذَا حَدًّا لِلَّهِ وَقَدْ بَلَغَ الْإِمَامَ؟ قَالَ: هَذَا حَدٌّ لِلنَّاسِ لَا يَقُومُ بِهِ عِنْدَ الْإِمَامِ إلَّا صَاحِبُهُ. [فِي هَيْئَةِ ضَرْبِ الْحُدُودِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الضَّارِبَ فِي الْحَدِّ أَوْ التَّعْزِيرِ، هَلْ يَرْفَعُ يَدَهُ أَمْ يَضُمُّ عَضُدَهُ إلَى جَنْبِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُك أَنَّ مَالِكًا قَالَ: ضَرْبٌ غَيْرُ مُبَرِّحٍ. فَلَا أَدْرِي مَا رَفْعُ الْيَدِ وَلَا ضَمُّ الْعَضُدِ إلَى جَنْبِهِ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ شَيْئًا. قُلْتُ: فَهَلْ يُجْزِئُ الْقَضِيبُ أَوْ الدِّرَّةُ أَوْ الشِّرَاكُ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مَكَانُ السَّوْطِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ يَقُولُ فِي الْحُدُودِ إلَّا السَّوْطَ. قُلْتُ: فَدِرَّةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ؟ قَالَ: إنَّمَا كَانَ يُؤَدِّبُ بِهَا النَّاسَ فَإِذَا وَقَعَتْ الْحُدُودُ قَرَّبَ السَّوْطَ [فِي الْحَامِلِ يَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ] ُّ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْبِكْرَ الْحَامِلَ مِنْ الزِّنَا، أَتُجْلَدُ وَهِيَ حَامِلٌ مِنْ الزِّنَا؟ أَمْ تُؤَخَّرُ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: تُؤَخَّرُ حَتَّى تَضَعَ حَمْلَهَا عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: فَإِذَا وَضَعَتْ، أَتَضْرِبُهَا أَمْ حَتَّى يَجِفَّ دَمُهَا وَتَتَعَالَى مِنْ نِفَاسِهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُك أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمَرِيضِ إذَا خِيفَ عَلَيْهِ: إنَّهُ لَا يُعَجَّلُ عَلَيْهِ وَيُؤَخَّرُ وَيُسْجَنُ. قَالَ: فَأَرَى النِّفَاسَ مَرَضًا مِنْ الْأَمْرَاضِ وَأَرَى أَنْ لَا يُعَجَّلَ عَلَيْهَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ حَدُّهَا الرَّجْمَ وَهِيَ حَامِلٌ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُمْهَلُ حَتَّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا. قُلْتُ: فَإِذَا وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا؟ قَالَ: فَإِنْ أَصَابُوا لِلصَّبِيِّ مَنْ يُرْضِعُهُ أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ وَلَمْ تُؤَخَّرْ، وَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا لِلصَّبِيِّ مَنْ يُرْضِعُهُ لَمْ يُعَجَّلْ عَلَيْهَا حَتَّى تُرْضِعَ وَلَدَهَا. أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ إنْ لَمْ يُصِيبُوا لِلصَّبِيِّ مَنْ يَرْضِعُهُ أَنَّهُمْ رَجَمُوهَا وَتَرَكُوا الصَّبِيَّ مَاتَ فَتَكُونُ قَدْ كَفَفْتَ عَنْهَا وَهِيَ حَامِلٌ لِمَكَانِ الصَّبِيِّ وَقَدْ قَتَلْتَهُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ بِتَرْكِكَ إيَّاهُ بِلَا رَضَاعٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ امْرَأَةً زَنَتْ فَقَالَتْ: إنِّي حُبْلَى أَيُعَجَّلُ عَلَيْهَا الرَّجْمُ أَوْ الْجَلْدُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ وَكَيْفَ إنْ كَانَ الشُّهُودُ بِالزِّنَا أَرْبَعَةَ عُدُولٍ شَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْهَا تَزْنِي مُنْذُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَقَالَتْ: أَنَا حُبْلَى لَا تُعَجِّلُوا عَلَيَّ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَلَكِنِّي أَرَى أَنْ يَنْظُرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ، فَإِنْ كَانَ حَقًّا مَا قَالَتْ لَمْ يُعَجَّلْ عَلَيْهَا وَإِلَّا أُقِيمَ عَلَيْهَا الْحَدُّ. [فِي الْمَرْأَةِ يُشْهَدُ عَلَيْهَا بِالزِّنَا فَتَقُولُ أَنَا عَذْرَاءُ أَوْ رَتْقَاءُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا شَهِدَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا أَرْبَعَةُ عُدُولٍ فَقَالَتْ إنِّي عَذْرَاءُ أَوْ رَتْقَاءُ، أَيُرِيهَا النِّسَاءَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ وَكَيْفَ إنْ نَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ فَقُلْنَ: إنَّهَا عَذْرَاءُ أَوْ قُلْنَ: إنَّهَا

стр. 2278

رَتْقَاءُ؟ قَالَ: يُقَامُ الْحَدُّ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِنَّ لِأَنَّ الْحَدَّ قَدْ وَجَبَ. قَالَ: وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْجَارِيَةِ الْبِكْرِ يَتَزَوَّجُهَا الرَّجُلُ فَتَقُولُ: قَدْ مَسَّنِي وَيَقُولُ: لَمْ أَمَسَّهَا. وَيَشْهَدُ النِّسَاءُ أَنَّهَا بِكْرٌ؟ قَالَ مَالِكٌ: إذَا أُرْخِيَتْ عَلَيْهِمَا السُّتُورُ صُدِّقَتْ عَلَيْهِ، وَلَمْ تَكْشِفْ الْحَرَائِرُ عَنْ مِثْلِ هَذَا، وَلَا تُرَى الْحُرَّةُ فِي مِثْلِ هَذَا. قُلْتُ: وَلَا يَرَى مَالِكٌ أَنْ يَدْفَعَ حَدًّا قَدْ وَجَبَ بِشَهَادَةِ النِّسَاءِ إذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِمَّا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِيهِ، وَهُنَّ لَمْ يَشْهَدْنَ عَلَى حَدٍّ إنَّمَا شَهِدْنَ عَلَى أَنَّهَا بِكْرٌ أَوْ رَتْقَاءُ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَشْهَدُ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ. وَهَلْ يَشْهَدُ هَهُنَا غَيْرُهُنَّ؟ فَكَيْفَ يُقِيمُ الْحَدَّ وَشَهَادَةُ النِّسَاءِ هَهُنَا فِيمَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُنَّ فِيهِ تُبْطِلُ الْحَدَّ؟ قَالَ: لَا أَعْرِفُ أَنَّ شَهَادَتَهُنَّ تَجُوزُ هُنَا. [شُهِدَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا فَادَّعَتْ الْحَمْلَ وَزَوْجُهَا غَائِبٌ] ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَرْبَعَةً شَهِدُوا عَلَى امْرَأَةٍ بِالزِّنَا فَقَالُوا: نَشْهَدُ أَنَّهَا زَنَتْ مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَقَدْ غَابَ زَوْجُهَا مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَقَالَتْ: أَنَا حَامِلٌ. وَشَهِدَ النِّسَاءُ أَنَّهَا حَامِلٌ. فَأَخَّرَهَا الْإِمَامُ حَتَّى وَضَعَتْ مَا فِي بَطْنِهَا ثُمَّ رَجَمَهَا، فَقَدِمَ زَوْجُهَا فَانْتَفَى مَنْ وَلَدِهَا، أَيَكُونُ ذَلِكَ لَهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنْ كَانَتْ هِيَ قَدْ قَالَتْ قَبْلَ أَنْ تُرْجَمَ إنَّ الْوَلَدَ لَيْسَ لِلزَّوْجِ صَدَقَ الزَّوْجُ عِنْدَ ذَلِكَ وَدَفَعَ الْوَلَدَ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ لِعَانٍ إذَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ قَدْ كَانَ اسْتَبْرَأَنِي قَبْلَ أَنْ أَحْمِلَ بِهَذَا الْحَمْلِ، وَإِنَّمَا هَذَا الْحَمْلُ مِنْ غَيْرِهِ، لِأَنَّهُ كَفَّ عَنِّي وَحِضْتُ حَيْضَةً وَادَّعَى الزَّوْجُ مِثْلَ مَا قَالَتْ الْمَرْأَةُ، فَهَذَا الْوَلَدُ يَدْفَعُهُ الزَّوْجُ عَنْ نَفْسِهِ بِغَيْرِ لِعَانٍ. فَإِنْ لَمْ تَقُلْ الْمَرْأَةُ قَبْلَ مَوْتِهَا مَا ذَكَرْتُ لَكَ مِنْ الِاسْتِبْرَاءِ، أَوْ ادَّعَى الزَّوْجُ الِاسْتِبْرَاءَ أَوْ نَفَاهُ، فَلَا بُدَّ لِلزَّوْجِ مِنْ اللِّعَانِ لِيَنْفِيَ بِهِ الْوَلَدَ عَنْ نَفْسِهِ، وَلَا يَنْفِيهِ هَهُنَا إلَّا بِاللِّعَانِ لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الرَّجُلِ يَتَزَوَّجُ الْمَرْأَةَ فَيَظْهَرُ بِهَا حَمْلٌ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَيَقُولُ الزَّوْجُ: لَيْسَ مِنِّي وَتُصَدِّقُهُ بِأَنَّهَا زَنَتْ وَأَنَّهُ لَمْ يَطَأْهَا. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا لِعَانَ بَيْنَهُمَا وَلَا يُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ وَيُقَامُ عَلَيْهَا الْحَدُّ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنْ كَانَتْ بِكْرًا جُلِدَتْ الْحَدَّ وَكَانَتْ امْرَأَتَهُ وَلَمْ يَكُنْ الْوَلَدُ وَلَدَهُ وَهِيَ امْرَأَتُهُ، إنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَدِمَ الزَّوْجُ فِي مَسْأَلَتِي الَّتِي سَأَلْتُك عَنْهَا وَقَدْ رُجِمَتْ الْمَرْأَةُ وَلَمْ تَقُلْ شَيْئًا، فَقَالَ الزَّوْجُ: لَيْسَ الْوَلَدُ وَلَدِي وَلَمْ يَدَّعِ الِاسْتِبْرَاءَ؟ قَالَ: يَلْتَعِنُ وَيَنْفِي الْوَلَدَ. قُلْتُ: أَوَلَيْسَ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ إنَّ مَنْ لَمْ يَدَّعِ الِاسْتِبْرَاءَ فَنَفَى الْوَلَدَ ضُرِبَ الْحَدَّ وَأُلْحِقَ بِهِ الْوَلَدُ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنْ قَالَ لِي مَالِكٌ: إذَا رَأَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ تَزْنِي وَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ يَطَؤُهَا، لَاعَنَ وَنَفَى الْوَلَدَ عَنْهُ وَلَمْ يَضُرَّهُ مَا أَقَرَّ بِهِ مِنْ الْوَطْءِ قَبْلَ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَطَأَهَا بَعْدَ الرُّؤْيَةِ، فَإِنَّهُ إنْ وَطِئَ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ أُكْذِبَ قَوْلُهُ وَجُلِدَ الْحَدَّ وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ حَامِلًا مِنْ زَوْجِهَا، فَكَانَتْ فِي تِسْعَةِ أَشْهُرٍ ثُمَّ زَنَتْ فَقَالَ: رَأَيْتهَا الْيَوْمَ تَزْنِي وَمَا جَامَعْتُهَا مُنْذُ رَأَيْتهَا تَزْنِي؟ قَالَ: يَلْتَعِنُ

стр. 2279

وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ إذَا كَانَ حَمْلُهَا بَيِّنًا مَشْهُودًا عَلَيْهِ أَوْ مُقَرًّا بِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا يَنْفِي مِنْ الْحَمْلِ وَإِنَّمَا رَآهَا تَزْنِي الْيَوْمَ، فَقَدْ صَارَ إنْ لَمْ يَلْتَعِنْ قَاذِفًا لَهَا وَيُلْحَقُ بِهِ الْوَلَدُ، وَهُوَ الَّذِي أَخْبَرَنِي عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ. [فِي الْعَبْدِ تَجِبُ عَلَيْهِ الْحُدُودُ وَيَشْتَغِلُ ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّهُ قَدْ كَانَ عَتَقَ قَبْلَ ذَلِكَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَعْتَقْت عَبْدِي وَلَمْ يَعْلَمْ بِعِتْقِي إيَّاهُ، وَكُنْتُ عَنْهُ غَائِبًا أَوْ حَاضِرًا إذَا أُشْهِدُ الشُّهُودُ عَلَى عِتْقِهِ فَزَنَى، أَيُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْحُرِّ أَمْ حَدُّ الْعَبْدِ قَالَ مَالِكٌ: يُقَامُ عَلَيْهِ حَدُّ الْحُرِّ وَلَا يُلْتَفَتُ فِي ذَلِكَ إلَى مَعْرِفَةِ الْعَبْدِ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ شَرِبَ الْخَمْرَ أَوْ افْتَرَى أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْحُرِّ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَحَدُّ الْعَبْدِ فِي الْخَمْرِ وَالسُّكْرِ وَالْفِرْيَةِ أَرْبَعُونَ جَلْدَةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَإِنْ افْتَرَى عَلَيْهِ رَجُلٌ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ بِعِتْقِ سَيِّدِهِ إيَّاهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُضْرَبُ قَاذِفُهُ الْحَدَّ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْقِصَاصُ لَهُ وَعَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ شَهَادَةَ النِّسَاءِ عَلَى عِتْقِ الْعَبْدِ أَتَجُوزُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْعِتْقِ. قُلْتُ: وَهَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْأَنْسَابِ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْأَنْسَابِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَدْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ هَذَا مُنْذُ سَنَةٍ وَكَانَ الشَّاهِدَانِ غَائِبَيْنِ وَقَدْ قَذَفَهُ رَجُلٌ وَالسَّيِّدُ يُنْكِرُ عِتْقَهُ؟ قَالَ: تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ وَيُجْلَدُ قَاذِفُهُ لِأَنَّ عِتْقَ السَّيِّدِ قَدْ كَانَ مُنْذُ سَنَةٍ وَبِذَلِكَ شَهِدَتْ الْبَيِّنَةُ. قُلْتُ: أَوَلَيْسَ إنَّمَا يُعْتِقُهُ السَّاعَةَ؟ إنَّمَا أَحُولُ بَيْنَ السَّيِّدِ وَبَيْنَهُ السَّاعَةَ وَأَجْعَلُ عِتْقَهُ يَوْمَ أَعْتَقَهُ السَّيِّدُ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ قَدْ طَلَّقَ امْرَأَةً لَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ جُعِلَتْ لَهُ عَلَيْهَا تَطْلِيقَةٌ أُخْرَى إذَا كَانَ طَلَاقُهُ إيَّاهَا مِنْ بَعْدِ الْعِتْقِ؟ قَالَ: نَعَمْ إلَّا فِي كَسْبِهِ وَحْدَهُ، أَنَّهُ إنْ كَانَ عَمِلَ لِلسَّيِّدِ بَعْدَ الْعِتْقِ أَوْ خَارَجَ لَهُ أَوْ كَاتَبَهُ فَأَخَذَ مِنْهُ السَّيِّدُ مَالًا، ثُمَّ قَامَتْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ أَعْتَقَهُ مُنْذُ سَنَةٍ، كَانَ لِلسَّيِّدِ مَا أَخَذَ قَبْلَ ذَلِكَ إذَا كَانَ السَّيِّدُ مُنْكِرًا لِلْعِتْقِ، وَسَقَطَ عَنْهُ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ يَوْمِ يَقْضِي لَهُ بِالْعِتْقِ. قُلْتُ: وَلِمَ جَعَلَ مَالِكٌ كَسْبَهُ هَكَذَا، وَلَمْ يَجْعَلْ مَا سِوَى ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ كَسْبِهِ؟ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْهَا فَقَالَ فِي كَسْبِهِ مِثْلَ مَا قُلْتُ لَك، لِأَنَّ كَسْبَهُ بِمَنْزِلَةِ خِدْمَتِهِ. وَلَوْ لَمْ يَجْعَلْ كَسْبَهُ كَمَا أَخْبَرْتُك لَجَعَلَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَلَى سَيِّدِهِ بِخِدْمَتِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الذِّمِّيَّ يَقْتُلُ الذِّمِّيَّ، أَيُقْتَلُ بِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ جَرَحَهُ أَوْ قَطَعَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ، أَيُقْتَصُّ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَا تَظَالَمَ بِهِ أَهْلُ الذِّمَّةِ بَيْنَهُمْ أُخِذَ ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ قُلْتُ: وَلَا تُقْبَلُ فِي هَذَا شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّصْرَانِيَّ يَسْرِقُ مِنْ النَّصْرَانِيِّ أَوْ مِنْ الْمُسْلِمِ فَتَقُومُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْطَعُ.

стр. 2280

[فِي الرَّجُلِ يُفْضِي امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ أَوْ يَغْتَصِبُ حُرَّةً أَوْ يَزْنِي بِهَا فَيُفْضِيهَا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَأْتِي امْرَأَتَهُ فَيَفُضُّهَا فَتَمُوتُ مَاذَا عَلَيْهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَدْخُلُ بِامْرَأَتِهِ الْبِكْرِ فَيَفْتَضُّهَا وَمِثْلُهَا يُوطَأُ فَتَمُوتُ مِنْ جِمَاعِهِ. قَالَ: إذَا عُلِمَ أَنَّهَا مَاتَتْ مِنْ جِمَاعِهِ كَانَتْ عَلَيْهِ الدِّيَةُ تَحْمِلُهَا الْعَاقِلَةُ. قَالَ: فَأَرَى فِي مَسْأَلَتِك أَنْ يَكُونَ عَلَى الزَّوْجِ الَّذِي افْتَضَّهَا مَا شَأْنُهَا بِهِ. قَالَ: وَقَدْ جَعَلَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ فِيهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ. وَاَلَّذِينَ جَعَلُوا فِيهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ إنَّمَا جَعَلُوهَا بِمَنْزِلَةِ الْجَائِفَةِ. قُلْت: أَفَتَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَنْ رَأَى أَنَّ فِيهَا ثُلُثَ الدِّيَةِ حَمَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ، وَأَنَا أَرَى فِي ذَلِكَ الِاجْتِهَادَ، فَإِذَا بَلَغَ الِاجْتِهَادُ فِي ذَلِكَ ثُلُثَ الدِّيَةِ فَصَاعِدًا حَمَلَتْهُ الْعَاقِلَةُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ زَنَى بِهَا فَأَفْضَاهَا أَوْ اغْتَصَبَهَا فَأَفْضَاهَا؟ فَقَالَ: أَمَّا الَّتِي مَكَّنَتْ مِنْ نَفْسِهَا فَلَا شَيْءَ لَهَا، وَأَمَّا الَّتِي اُغْتُصِبَتْ فَعَلَيْهِ لَهَا صَدَاقُهَا وَمَا شَأْنُهَا بِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُجَامِعُ أَمَتَهُ فَيُفْضِيهَا، أَتُعْتَقُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَضْرِبُ عَبْدَهُ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ فَيَفْقَأُ عَيْنَهُ أَيُعْتَقُ عَلَيْهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُعْتَقُ عَلَيْهِ. فَمَسْأَلَتُك مِثْلُ هَذَا وَإِنَّمَا يُعْتَقُ عَلَى سَيِّدِهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْعَمْدِ. قُلْتُ: أَلَيْسَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيمَنْ أَفْضَى زَوْجَتَهُ أَنَّهُ إنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَمَا كُنَّا نَشُكُّ أَنَّهَا زَوْجَةٌ مِنْ الْأَزْوَاجِ إنْ شَاءَ طَلَّقَ وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَهُوَ رَأْيِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَأْتِي الْمَرْأَةَ فِي دُبُرِهَا زِنًا وَلَمْ يُجَامِعْهَا فِي فَرْجِهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: هُوَ وَطْءٌ يُغْتَسَلُ مِنْهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى فِيهِ الْحَدَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٨] سُورَةُ الْعَنْكَبُوتِ قَالَ: فَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ وَطْئًا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ [الأعراف: ٨١] سُورَةُ الْأَعْرَافِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاَللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] سُورَةُ النِّسَاءِ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاَللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٦] سُورَةُ النِّسَاءِ فَجَعَلَهُ هَهُنَا فَاحِشَةً وَهَهُنَا فَاحِشَةً فَأَرَاهُ قَدْ سَمَّى هَذَا كَمَا سَمَّى هَذَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا جَامَعَهَا فَأَفْضَاهَا وَهِيَ مُغْتَصَبَةٌ أَيَكُونُ عَلَيْهِ مَعَ الصَّدَاقِ مَا أَفْضَاهَا يَدْخُلُ بَعْضُ ذَلِكَ فِي بَعْضٍ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إذَا أَفْضَاهَا وَقَدْ اغْتَصَبَهَا فَعَلَيْهِ الصَّدَاقُ وَعَلَيْهِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْإِفْضَاءِ مَعَ الصَّدَاقِ، وَلَا يَدْخُلُ بَعْضُ ذَلِكَ فِي بَعْضٍ لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي رَجُلٍ أَوْضَحَ رَجُلًا فَسَقَطَتْ عَيْنُهُ مِنْ ذَلِكَ، أَنَّ عَلَيْهِ مَا عَلَيْهِ فِي الْمُوضِحَةِ وَعَلَيْهِ دِيَةُ الْعَيْنِ، وَلَا يَدْخُلُ بَعْضُ ذَلِكَ فِي بَعْضٍ، وَكَذَلِكَ الْإِفْضَاءُ. [فِيمَنْ قَدَفَ صَبِيَّةً لَمْ تَحِضْ] ْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ صَبِيَّةً لَمْ تَحِضْ وَمِثْلُهَا يُجَامَعُ فَأَمْكَنَتْ مِنْ نَفْسِهَا رَجُلًا فَجَامَعَهَا حَرَامًا فَأَقَمْتُ الْحَدَّ عَلَى الرَّجُلِ، ثُمَّ إنَّ الْجَارِيَةَ حَاضَتْ فَقَذَفَهَا رَجُلٌ بَعْدَمَا حَاضَتْ، أَيُجْلَدُ قَاذِفُهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يُجْلَدُ قَاذِفُهَا لِأَنَّ الْفِعْلَ الَّذِي فَعَلَتْهُ فِي الصِّبَا لَمْ

стр. 2281

يَكُنْ بِزِنًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَذَفَ صَبِيَّةً مِثْلُهَا يُجَامَعُ فَقَذَفَهَا رَجُلٌ بِالزِّنَا إلَّا أَنَّهَا لَمْ تَحِضْ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ مِثْلُهَا يُجَامَعُ فَعَلَى قَاذِفِهَا الْحَدُّ وَإِنْ لَمْ تَحِضْ. قُلْتُ: وَإِنْ كَانَ غُلَامًا قَدْ بَلَغَ الْجِمَاعَ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَحْتَلِمْ فَقَذَفَهُ رَجُلٌ، أَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا، لَيْسَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. [فِي الْمُولِي يُجَامِعُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يُولِي مِنْ امْرَأَتِهِ فَيُجَامِعُهَا فِي دُبُرِهَا أَوْ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، أَيَحْنَثُ أَمْ لَا؟ قَالَ: أَمَّا مَنْ جَامَعَ فِي الدُّبُرِ فَقَدْ حَنِثَ، لِأَنَّ مَالِكًا جَعَلَهُ جِمَاعًا. وَإِذَا حَنِثَ وَجَبَتْ الْكَفَّارَةُ وَسَقَطَ الْإِيلَاءُ. وَأَمَّا مَنْ جَامَعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ فَإِنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ حَلَفَ أَنْ لَا يَطَأَ جَارِيَتَهُ شَهْرًا فَجَامَعَهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، فَسُئِلَ عَنْهَا مَالِكٌ وَأَنَا بِالْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ: إنْ كَانَتْ لَك نِيَّةٌ أَنَّك أَرَدْتَ الْفَرْجَ بِعَيْنِهِ فَلَا أَرَى عَلَيْك شَيْئًا وَإِلَّا فَإِنِّي أَرَاك حَانِثًا، لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا حَلَفَ عَلَى هَذَا إنَّمَا وَجْهُ مَا يَحْلِفُ عَلَيْهِ أَنْ يَجْتَنِبَهَا، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ فَهُوَ مَا نَوَى وَإِلَّا فَهُوَ حَانِثٌ. قَالَ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ حَلَفَ بِطَلَاقِ امْرَأَتِهِ أَنْ لَا يُجَامِعَهَا شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَجَامَعَهَا فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ، أَتَرَاهُ قَدْ حَنِثَ؟ فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ: كَمَا فَسَّرْتُ لَكَ عَنْهُ فِي الْجَارِيَةِ الَّتِي سَمِعْتُ مِنْهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي جَامَعَ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَقَدْ كَانَ آلَى وَلَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ حِينَ آلَى فَأُوجِبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، أَيَسْقُطُ عَنْهُ الْإِيلَاءُ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: نَعَمْ، إنْ كَفَّرَ سَقَطَ عَنْهُ الْإِيلَاءُ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ لَك ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ كَفَّرَ قَبْلَ أَنْ يَطَأَ لَسَقَطَ عَنْهُ الْإِيلَاءُ، فَكَيْفَ إذَا كَفَّرَ لِلْإِيلَاءِ؟ قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ رَجُلًا آلَى مِنْ امْرَأَتِهِ ثُمَّ كَفَّرَ وَلَمْ يُجَامِعْ، أَيَسْقُطُ عَنْهُ الْإِيلَاءُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهُ فَقَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَلَكِنَّ الصَّوَابَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ لَا يُكَفِّرَ حَتَّى يُجَامِعَ، فَإِنْ كَفَّرَ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَ أَجْزَأَ عَنْهُ وَسَقَطَ عَنْهُ الْإِيلَاءُ. قُلْتُ أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي جَامَعَ فِي دُبُرِهَا، أَيَسْقُطُ عَنْهُ الْإِيلَاءُ وَهُوَ لَمْ يُكَفِّرْ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ هَذَا جِمَاعٌ عِنْدَ مَالِكٍ لَا شَكَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ نَوَى الْفَرْجَ بِعَيْنِهِ حِينَ حَلَفَ، فَلَا تَكُونُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ فِي الدُّبُرِ وَهُوَ مُولٍ بِحَالِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْكَافِرَيْنِ إذَا زَنَيَا، أَيُقِيمُ مَالِكٌ عَلَيْهِمَا الْحَدَّ حَدَّ الزِّنَا؟ قَالَ: لَا، وَأَرَى أَنْ يَرُدَّهُمَا إلَى أَهْلِ دِينِهِمَا وَيُنَكِّلُهُمَا الْإِمَامُ إذَا أَعْلَنَا بِذَلِكَ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا وَجَدَ الْإِمَامُ أَهْلَ الْكِتَابِ سَكَارَى أَوْ عَلَى زِنًا تُرِكُوا إلَّا أَنْ يُظْهِرُوا ذَلِكَ فَيُعَاقَبُوا. [الشَّهَادَةُ عَلَى الزِّنَا] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَرْبَعَةً شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَقَالُوا: تَعَمَّدْنَا النَّظَرَ إلَيْهِمَا لِنُثَبِّتَ

стр. 2282

الشَّهَادَةَ فَقَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا. قَالَ: وَكَيْفَ يَشْهَدُ الشُّهُودُ إلَّا هَكَذَا؟ قُلْتُ أَرَأَيْتَ أَرْبَعَةً شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَقَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: هُمْ عَبِيدٌ. وَقَالَ الشُّهُودُ: بَلْ نَحْنُ أَحْرَارٌ. عَلَى مَنْ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَسُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَذَفَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ: يَا زَانِي أَوْ ابْنَ الزَّانِيَةِ فَقَالَ الْقَاذِفُ: لَا تَعْجَلْ عَلَيَّ لَعَلَّهُ عَبْدٌ. فَسَأَلَهُ الْبَيِّنَةَ عَلَى أَنَّهُ حُرٌّ أَوْ أَنَّ أُمَّهُ حُرَّةٌ وَالرَّجُلُ الْمَقْذُوفُ لَا يُعْرَفُ وَلَا تُعْرَفُ أُمُّهُ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُضْرَبُ قَاذِفُهُ الْحَدَّ وَلَا يُنْظَرُ لِقَوْلِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ بَيِّنَةٌ. ثُمَّ قَالَ لِي: وَمَنْ يَعْرِفُ الْبَصْرِيَّ أَوْ الشَّامِيَّ أَوْ الْإِفْرِيقِيَّ هَهُنَا بِالْمَدِينَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: فَالظَّالِمُ أَحَقُّ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك فِي الزِّنَا. قُلْتُ: وَأَصْلُ النَّاسِ عِنْدَ مَالِكٍ فِي الشَّهَادَاتِ كُلِّهَا أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ إلَّا أَنْ يُقِيمَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَصْلُهُمْ أَحْرَارٌ فِيمَا قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الزِّنَا إلَّا أَنْ يَدَّعِيَ مُدَّعٍ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمْ عَبِيدٌ إذَا ادَّعَى الشُّهُودُ أَنَّهُمْ أَحْرَارٌ. قَالَ: وَالنَّاسُ أَصْلُهُمْ أَحْرَارٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا ادَّعَى الْقَاذِفُ أَمْرًا قَرِيبًا مِنْ بَيِّنَةِ أَنَّ الْمَقْذُوفَ عَبْدٌ أَوْ أُمَّهُ أَمَةٌ لَمْ يُعَجَّلْ عَلَيْهِ، وَإِنْ ادَّعَى بَيِّنَةً بَعِيدَةً جُلِدَ الْحَدَّ وَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ، وَإِنْ أَقَامَ بَعْدَ الضَّرْبِ الْبَيِّنَةَ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ وَجَازَتْ شَهَادَتُهُ. قُلْتُ: وَلَا يَكُونُ لِلْمَضْرُوبِ مِنْ أَرْشِ الضَّرْبِ شَيْءٌ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا وَلَا أَرَى لَهُ فِي الْأَرْشِ شَيْئًا. [رُجُوعُ الْقَاضِي عَنْ قَضِيَّتِهِ وَإِقَامَةُ الرَّجُلِ الْحَدَّ عَلَى عَبِيدِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ إذَا رَجَمَ وَقَطَعَ الْأَيْدِيَ وَضَرَبَ الرِّجَالَ فَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ: حَكَمْتُ بِالْجَوْرِ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَا تَعَمَّدَ الْإِمَامُ مِنْ جَوْرٍ فَيُجَارِيهِ عَلَى النَّاسِ فَإِنَّهُ يُقَادُ مِنْهُ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ أَقَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. قُلْتُ أَرَأَيْتَ الْقَاضِيَ إذَا قَضَى بِقَضِيَّةٍ ثُمَّ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ قَدْ أَخْطَأَ فِيهَا، أَتَرَى لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا أَمْ لَا؟ قَالَ. نَعَمْ يَرُدُّهَا وَيَنْقُضُ قَضِيَّتَهُ تِلْكَ وَيَبْتَدِئُ النَّظَرَ فِيهَا. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ. قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: فَلَوْ وَلِيَ غَيْرُهُ مِنْ الْقُضَاةِ بَعْدَهُ، أَيَرُدُّهَا أَمْ لَا يَرُدُّهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا مَا اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ فَلَا يَنْقُضُهُ، وَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ جَوْرٍ بَيِّنٍ أَوْ خَطَأٍ بَيِّنٍ لَمْ يَخْتَلِفْ النَّاسُ فِي خَطَئِهِ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ وَلَا يُمْضِيهِ. [فِي السَّيِّدِ يُقِيمُ عَلَى عَبْدِهِ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ وَالْإِمَامُ يَشْهَدُ عَلَى الْحُدُودِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحُرَّ، أَيُقِيمُ عَلَى مَمْلُوكِهِ حَدَّ الزِّنَا وَالسَّرِقَةِ وَالْقَذْفِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، يُقِيمُ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَيْهِمْ إلَّا السَّرِقَةَ، فَإِنَّ السَّرِقَةَ لَا

стр. 2283

يُقِيمُهَا عَلَى الْعَبْدِ إلَّا الْوَالِي، وَلَا يُقِيمُ سَيِّدُهُ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا حَتَّى يَشْهَدَ عَلَى زِنَا الْعَبْدِ أَرْبَعَةٌ سِوَاهُ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ مَعَ السَّيِّدِ ثَلَاثَةٌ شَهِدُوا عَلَى الْعَبْدِ وَالسَّيِّدُ رَابِعُهُمْ عَايَنُوا ذَلِكَ، أَيُقِيمُ عَلَيْهِ السَّيِّدُ حَدَّ الزِّنَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يُقِيمُ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا سَيِّدُهُ إلَّا أَنَّ سَيِّدَهُ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ، فَيَكُونُ السُّلْطَانُ هُوَ الَّذِي يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَيَكُونُ السَّيِّدُ هَهُنَا شَاهِدًا. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْإِمَامِ إذَا شَهِدَ عَلَى حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ فَكَانَتْ الشَّهَادَةُ لَا تَتِمُّ إلَّا بِشَهَادَةِ الْإِمَامِ: لَمْ يُقِمْ الْإِمَامُ ذَلِكَ الْحَدَّ، وَلَكِنْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْوَالِي الَّذِي هُوَ فَوْقَهُ حَتَّى يُقِيمَ ذَلِكَ وَيَكُونَ هُوَ شَاهِدًا. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعَبْدِ إذَا سَرَقَ وَسَيِّدُهُ شَاهِدٌ عَلَيْهِ مَعَ رَجُلٍ آخَرَ. قَالَ: إذَا كَانَا عَدْلَيْنِ قَطَعَ الْإِمَامُ يَدَهُ وَلَا يَقْطَعُهُ سَيِّدُهُ دُونَ أَنْ يَأْتِيَ الْإِمَامَ. فَالزِّنَا أَيْضًا عِنْدِي مِثْلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَالِي فِي الْقَطْعِ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ تَزْنِي جَارِيَتُهُ وَلَا زَوْجَ: إنَّهُ لَا يُقِيمُ عَلَيْهَا الْحَدَّ وَإِنْ شَهِدَ عَلَى ذَلِكَ أَرْبَعَةٌ سِوَاهُ حَتَّى يَرْفَعَ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ السَّيِّدَ إذَا شَهِدَ عِنْدَهُ الشُّهُودُ عَلَى عَبْدِهِ بِالسَّرِقَةِ فَأَقَامَ الْحَدَّ عَلَى عَبْدِهِ، أَيَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَفْعَلَ، فَإِنْ فَعَلَ وَكَانَتْ الْبَيِّنَةُ عَادِلَةً فَأَصَابَ وَجْهَ الْقَطْعِ فَأَرَى أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْإِمَامَ إذَا شَهِدَ عَلَى حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ، أَيَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى الْقَاضِي تَحْتَهُ فَيَقْضِي بِشَهَادَتِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: سَمِعْتُ مَالِكًا يَقُولُ: يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَهُ إنْ كَانَ فَوْقَهُ أَحَدٌ، وَأَنَا أَرَى إنْ لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ أَحَدٌ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى الْقَاضِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْقِصَاصَ فِي الْعَمْدِ، أَيُقِيمُهُ السَّيِّدُ عَلَى عَبْدِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقِيمُ عَلَى عَبْدِهِ الْقِصَاصَ وَلَكِنْ يَرْفَعُهُ إلَى السُّلْطَانِ فَيَكُونُ السُّلْطَانُ هُوَ الَّذِي يَقْتَصُّ. وَذَلِكَ أَنِّي سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْعَبْدَيْنِ يَكُونَانِ لِرَجُلٍ فَيَقْطَعُ أَحَدُهُمَا يَدَ صَاحِبِهِ، أَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَقْطَعَ يَدَ الْآخَرِ الْجَانِي أَمْ لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ وَهُمَا لَهُ جَمِيعًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ لِعَبْدِهِ مِنْ عَبْدِهِ، وَلَكِنْ لَا يَقْتَصُّ هُوَ دُونَ السُّلْطَانِ، وَلَكِنْ يَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى السُّلْطَانِ فَيَكُونُ السُّلْطَانُ هُوَ الَّذِي يَأْخُذُ لِعَبْدِهِ مِنْ عَبْدِهِ، وَلَا يَقْتَصُّ هُوَ دُونَ الْإِمَامِ وَإِنْ كَانَا لَهُ جَمِيعًا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَذَلِكَ أَنَّ أُنَاسًا قَالُوا: إذَا كَانَ الْعَبْدُ لَهُ فَإِنَّهُ إنَّمَا يُجْرَحُ مَالُهُ، فَلَيْسَ فِيمَا بَيْنَ الْعَبْدَيْنِ إذَا كَانَ سَيِّدُهُمَا وَاحِدًا قِصَاصٌ، فَأَبَى مَالِكٌ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ مَا أَخْبَرْتُكَ. [فِي الشُّهُودِ وَمَا يُجْرَحُونَ بِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ قَوْمًا شَهِدُوا عِنْدَ الْقَاضِي عَلَى رَجُلٍ بِحَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ أَوْ بِحَقٍّ لِلنَّاسِ، فَأَقَامَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الشُّهُودَ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ مَا قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَمَّا الْمُدْمِنُ عَلَى اللَّعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ فَلَا أَرَى أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ. قُلْتُ: وَيُمَكَّنُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مِنْ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ فِي قَوْل مَالِكٍ؟

стр. 2284

قَالَ: إذَا قَالَ: أَنَا أُجَرِّحُهُمْ. أُمْكِنَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا أُمْكِنَ مِنْ ذَلِكَ، فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أَنَّهُ فِيهِ مِمَّا لَوْ شَهِدَ بِهِ عِنْدَ الْقَاضِي ابْتِدَاءً فَعَلِمَهُ الْقَاضِي مِنْهُ أَبْطَلَ بِهِ شَهَادَتَهُ، فَإِنَّ هَذَا الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إنْ جَرَّحَهُ بِذَلِكَ بَطَلَتْ شَهَادَتُهُ. قُلْتُ: فَلَوْ أَنَّ شَاهِدًا شَهِدَ عَلَى رَجُلٍ وَهُوَ آكِلُ رِبًا أَوْ شَارِبُ خَمْرٍ أَوْ أَنَّهُ يَلْعَبُ بِالْحَمَامِ، أَيُبْطِلُ مَالِكٌ شَهَادَتَهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ يُقَامِرُ بِالْحَمَامَاتِ فَشَهَادَتُهُ بَاطِلَةٌ، وَاَلَّذِي يَعْصِرُ الْخَمْرَ وَيَبِيعُهَا وَإِنْ كَانَ لَا يَشْرَبُهَا فَإِنَّ شَهَادَتَهُ لَا تَجُوزُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَرَادَ أَنْ يَجْرَحَهُمْ، فَادَّعَى الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يَجْرَحَ الشُّهُودَ بِمَعْرِفَتِهِمْ أَنَّهُمْ غُيَّبٌ بِمَوْضِعٍ بَعِيدٍ؟ قَالَ: لَا يُنْظَرُ فِي قَوْلِهِ لِأَنَّ حَقَّ هَؤُلَاءِ قَدْ وَجَبَ، وَإِنَّمَا يَتَلَوَّمُ لَهُ الْقَاضِي فِي التَّجْرِيحِ بِقَدْرِ مَا يَرَى، فَإِنْ جَرَّحَهُمْ. وَإِلَّا أَمْضَى الْحُكْمَ عَلَيْهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ جُرِحَ وَاحِدٌ مِنْ الشُّهُودِ وَقَدْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالزِّنَا وَهُمْ أَرْبَعَةٌ، أَيَحُدُّهُمْ جَمِيعًا حَدَّ الْفِرْيَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ إذَا كَانَ أَحَدُهُمْ مَسْخُوطًا جُلِدَ وَجُلِدَ الثَّلَاثَةُ مَعَهُ. [فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ بِالزِّنَا يَقْذِفُ الشُّهُودَ] َ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ أَرْبَعَةً شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا، فَقَذَفَهُمْ بِالزِّنَا الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فَطَلَبُوا حُدُودَهُمْ قَبَلَهُ حَدَّ الْفِرْيَةِ، أَتُقِيمُ عَلَيْهِ حَدَّ الْفِرْيَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَتُقِيمُ عَلَيْهِ حَدَّ الزِّنَا بِشَهَادَتِهِمْ، أَمْ تُقِيمُ حَدَّ الْفِرْيَةِ وَتَجْعَلُهُمْ خُصَمَاءَ وَتَبْطُلُ شَهَادَتُهُمْ عَنْهُ فِي الزِّنَا؟ قَالَ: لَا أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَكِنِّي لَا أَرَى أَنْ تَبْطُلَ شَهَادَتُهُمْ، وَأَرَى أَنْ يُقِيمَ بِشَهَادَتِهِمْ حَدَّ الزِّنَا وَيَضْرِبُ لَهُمْ حَدَّ الْفِرْيَةِ. [فِي كِتَابِ الْقَاضِي إلَى قَاضٍ فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الْحُدُودِ وَالْحُقُوقِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا كَتَبَ إلَى قَاضٍ بِشَهَادَةِ شُهُودٍ شَهِدُوا عِنْدَهُ وَعَدَلُوا، وَشَهِدُوا عَلَى فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ بِحَقٍّ أَوْ بِحَدٍّ أَوْ قِصَاصٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ، أَيَقْبَلُ هَذَا الْقَاضِي الَّذِي جَاءَهُ الْكِتَابُ الْبَيِّنَةَ الَّذِينَ فِي الْكِتَابِ عَلَى هَذَا الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَيُقِيمُ عَلَيْهِ تِلْكَ الْأَشْيَاءَ وَيَقْضِي بِهَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَسَمِعْنَاهُ يَقُولُ فِي الْقَاضِي يَكْتُبُ بِالْكِتَابِ إلَى قَاضٍ آخَرَ فِيهِ الشُّهُودُ عَلَى مَا يَقْضِي بِهِ وَكَتَبَ بِعَدَالَةِ الشُّهُودِ: إنَّ الْقَاضِيَ الَّذِي جَاءَهُ الْكِتَابُ يَقْضِي بِهِ وَيُنَفِّذُهُ، وَلَمْ يُفَسِّرْ لَنَا مَالِكٌ حَدًّا وَلَا قِصَاصًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ وَمَا شَكَكْنَا أَنَّهُ كُلَّهُ سَوَاءٌ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ عُزِلَ الْقَاضِي الَّذِي كُتِبَ إلَيْهِ الْكِتَابُ أَوْ مَاتَ فَوَلِيَ غَيْرُهُ فِي مَوْضِعِهِ. قَالَ: إنَّ هَذَا الَّذِي وَلِيَ بَعْدَهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُنَفِّذَ مَا فِيهِ وَإِنْ كَانَ الَّذِي كَتَبَهُ قَدْ عُزِلَ أَوْ مَاتَ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْقَاضِي الَّذِي جَاءَهُ الْكِتَابُ أَنْ يُنَفِّذَ ذَلِكَ، وَلَا يَنْظُرُ فِي عَزْلِ الَّذِي كَتَبَ بِهِ إلَيْهِ وَلَا فِي مَوْتِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كِتَابَ الْقَاضِي إلَى الْقَاضِي، أَيَجُوزُ عِنْدَ

стр. 2285

مَالِكٍ بِغَيْرِ خَاتَمِ الْقَاضِي إذَا شَهِدَ شُهُودٌ عَلَى الْكِتَابِ أَنَّهُ كِتَابُ الْقَاضِي؟ قَالَ: مَا أَقُومُ عَلَى حِفْظِهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ السَّاعَةَ، وَلَكِنْ إذَا شَهِدُوا عَلَى الْكِتَابِ بِعَيْنِهِ، فَإِنْ انْكَسَرَ الطَّابَعُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طَبَعَهُ الْقَاضِي الَّذِي كَتَبَ بِهِ فَإِنَّهُ جَائِزٌ إذَا شَهِدُوا عَلَى مَا فِيهِ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الطَّابَعِ إذَا لَمْ يَشْهَدْ الشُّهُودُ عَلَى مَا فِي الْكِتَابِ كِتَابِ الْقَاضِي فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى الطَّابَعِ. [فِيمَنْ تَجُوزُ لَهُ إقَامَةُ الْحُدُودِ فِي الْقَتْلِ مِنْ الْوُلَاةِ] ِ قُلْتُ: هَلْ يُقِيمُ الْحُدُودَ فِي الْقَتْلِ وَالِي بَعْضِ الْمِيَاهِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُجْلَبُ إلَى بَعْضِ الْأَمْصَارِ فِي الْقَتْلِ. قُلْتُ لَهُ: فَمِصْرُ كُلُّهَا لَا يُقَامُ الْقَتْلُ فِيهَا إلَّا بِالْفُسْطَاطِ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَوْ يَكْتُبُ إلَى وَالِي الْفُسْطَاطِ فَيَكْتُبُ إلَيْهِ يَأْمُرُهُ بِإِقَامَةِ ذَلِكَ. تَمَّ كِتَابُ الرَّجْمِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ الْكُبْرَى وَيَلِيه كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ

стр. 2286

[كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ الْمُسْكِرَ مِنْ النَّبِيذِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَا أَسْكَرَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ كُلِّهَا فَهُوَ خَمْرٌ يُضْرَبُ صَاحِبُهُ فِيهِ ثَمَانِينَ. وَفِي رَائِحَتِهِ إذَا شُهِدَ عَلَيْهِ بِهَا أَنَّهَا رَائِحَةُ مُسْكِرٍ، نَبِيذًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ، فَإِنَّهُ يُضْرَبُ فِيهِ ثَمَانِينَ. قُلْتُ: مِنْ حِنْطَةٍ كَانَ هَذَا النَّبِيذُ أَوْ مِنْ شَعِيرٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَالسُّكْرُكَةُ وَغَيْرُهَا فَإِنَّهَا عِنْدَهُ خَمْرٌ إذَا كَانَتْ تُسْكِرُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ عَكَرَ الْمُسْكِرِ، أَيُجْعَلُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْرِبَةِ أَوْ مِنْ الْأَطْعِمَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ دُرْدِيِّ النَّبِيذِ الْمُسْكِرِ فَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَحِلُّ أَنْ يُجْعَلَ شَرَابٌ يَضُرُّ بِهِ، فَكَذَلِكَ الطَّعَامُ عِنْدِي لَا يُجْعَلُ فِيهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّبِيذَ إذَا انْتَبَذْته، أَيَصْلُحُ لِي أَنْ أَجْعَلَ فِيهِ عَجِينًا أَوْ دَقِيقًا أَوْ سَوِيقًا أَوْ مَا يُشْبِهُ، لِيَشْتَدَّ بِهِ النَّبِيذُ قَلِيلًا أَوْ لِيُعَجَّلَ بِهِ النَّبِيذُ؟ قَالَ: سَأَلْت مَالِكًا عَنْهُ فَأَرْخَصَ فِيهِ وَقَالَ: لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا، ثُمَّ سَأَلْتُهُ بَعْدُ فَنَهَى عَنْهُ. قَالَ: وَقَالَ لِي مَالِكٌ: وَقَدْ قَالَ لِي أَهْلُ الْمَغْرِبِ إنَّ تُرَابًا عِنْدَهُمْ يَجْعَلُونَهُ فِي الْعَسَلِ، وَإِنَّ هَذِهِ أَشْيَاءُ يُرِيدُونَ بِهَا إجَازَةَ الْحَرَامِ فَكَرِهَهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَنَا لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا مَا لَمْ يُسْكِرْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْبُسْرَ وَالتَّمْرَ أَوْ الرُّطَبَ وَالتَّمْرَ أَوْ الزَّبِيبَ وَالتَّمْرَ، أَيُجْمَعَانِ فِي النَّبِيذِ جَمِيعًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا يُنْبَذَانِ جَمِيعًا وَإِنْ نُبِذَا مُخْتَلِفَيْنِ شُرِبَا حَلَالًا، وَلَا أُحِبُّ أَنْ يُخْلَطَا فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ ثُمَّ يُشْرَبَا لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا، أَوْ يُشْرَبَ الزَّهْوُ وَالتَّمْرُ جَمِيعًا. قَالَ: فَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا لَا يُجْمَعُ مِنْهَا شَيْئَانِ فِي الِانْتِبَاذِ، وَلَا يُجْمَعُ مِنْهَا شَيْئَانِ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ يُخْلَطَانِ فَيُشْرَبَانِ جَمِيعًا وَإِنْ كَانَا حَلَالَيْنِ كِلَاهُمَا لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ الَّذِي جَاءَ فِيهِ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْحِنْطَةُ وَالشَّعِيرُ لَا يُجْمَعَانِ فِي الِانْتِبَاذِ وَلَا فِي الشُّرْبِ؟ قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ مَزَجَ نَبِيذَهُ بِالْمَاءِ، أَيَكُونُ هَذَا قَدْ جَمَعَ شَيْئَيْنِ فِي قَدَحٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: لَا، لِأَنَّ الْمَاءَ لَيْسَ بِنَبِيذٍ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ

стр. 2287

يُخْلَطَ بِهِ كُلَّمَا كَانَ نَبِيذًا أَوْ كَانَ شَرَابًا يُنْبَذُ مِنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَبِيذًا. وَأَمَّا الْمَاءُ فَإِنَّهُ لَيْسَ بِنَبِيذٍ، وَلَكِنْ بِهِ يُنْبَذُ وَإِنَّمَا النَّبِيذُ غَيْرُ الْمَاءِ وَبِالْمَاءِ يَكُونُ، وَلَا بَأْسَ بِالْمَاءِ بِأَنْ يَخْلِطَهُ بِشَرَابِهِ فَيَشْرَبَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ خَلَطَ عَسَلًا بِنَبِيذٍ، أَيَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَشْرَبَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَصْلُحُ لَهُ أَنْ يَشْرَبَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، لِأَنَّ الْعَسَلَ هُوَ نَبِيذٌ وَهُوَ شَرَابٌ قَبْلَ أَنْ يُنْبَذَ وَلَيْسَ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَاءِ، لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يُنْبَذُ كَمَا يُنْبَذُ الْعَسَلُ، وَقَدْ وَصَفْتُ لَكَ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَفَيُؤْكَلُ الْخُبْزُ بِالنَّبِيذِ؟ قَالَ: نَعَمْ، لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْخُبْزَ لَيْسَ بِشَرَابٍ. قُلْتُ: أَيَنْقَعُهُ فِي نَبِيذِهِ وَيَدَعُهُ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ فَيَشْرَبُهُ قَبْلَ أَنْ يَسْكَرَ؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ عَنْ الْجَذِيذَةِ وَمَا أَشْبَهَهَا أَنَّ مَالِكًا كَرِهَهَا فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ، فَهَذَا يُشْبِهُ مَا وَصَفْتُ لَك مِنْ قَوْلِهِ فِي الْجَذِيذَةِ فِي أَوَّلِ قَوْلِهِ وَفِي آخِرِهِ. قُلْتُ: لِمَ كَرِهَ مَالِكٌ أَنْ يُجْمَعَ بَيْنَ الزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ أَوْ الرُّطَبِ وَالتَّمْرِ أَوْ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ فِي الِانْتِبَاذِ؟ قَالَ: لِلْأَثَرِ الَّذِي جَاءَ. قُلْتُ: فَهَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يُنْبَذَ الْبُسْرُ الْمُذَنَّبُ الَّذِي قَدْ أُرْطِبَ بَعْضُهُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ إلَّا الْحَدِيثَ. «نَهَى أَنْ يُنْبَذَ الزَّهْوُ وَالرُّطَبُ جَمِيعًا» وَلَا يُعْجِبُنِي إلَّا أَنْ يَكُونَ بُسْرًا كُلُّهُ أَوْ رُطَبًا كُلُّهُ [طَبْخُ الزَّبِيبِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الزَّبِيبَ، أَكَانَ مَالِكٌ يُوَسِّعُ فِي أَنْ يُنْبَذَ نَقِيعًا وَلَا يَطْبُخُهُ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِي مَطْبُوخِ الزَّبِيبِ وَلَا نَقِيعِهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّ نَبِيذَ الزَّبِيبِ، وَغَيْرَهُ حَلَالٌ عِنْدَهُ مَا لَمْ يُسْكِرْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الزَّبِيبَ إذَا كَانَ نَقِيعًا فِعْلًا أَمَا تَخَافُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنْ الْخَمْرِ؟ قَالَ: قَالَ لَنَا مَالِكٌ فِي عَصِيرِ الْعِنَبِ: إنَّهُ يُشْرَبُ مَا لَمْ يُسْكِرْ. قَالَ: فَقُلْنَا لِمَالِكٍ: مَا حَدُّهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: حَدُّهُ إذَا لَمْ يُسْكِرْ. قَالَ: فَأَرَى الزَّبِيبَ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ أَنَّهُ يُشْرَبُ مَا لَمْ يُسْكِرْ وَإِنْ غَلَا. قُلْتُ: فَالْعَصِيرُ، أَيَشْرَبُهُ إذَا غَلَا وَإِنْ كَانَ لَا يُسْكِرُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: حَدُّهُ مَا لَمْ يُسْكِرْ، وَلَمْ أَرَ حَدَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ الْغَلَيَانُ وَلَمْ يَقُلْ لِي مَالِكٌ فِي الْعَصِيرِ. غَلَا أَوْ لَمْ يَغْلِ، إنَّمَا قَالَ لَنَا: حَدُّهُ مَا لَمْ يُسْكِرْ. فَهُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ نَبِيذِ التَّمْرِ. وَهُوَ عِنْدَ مَالِكٍ نَبِيذٌ كُلُّهُ، الْعَصِيرُ وَنَبِيذُ التَّمْرِ وَجَمِيعُ الْأَنْبِذَةِ حَلَالٌ مَا لَمْ يُسْكِرْ، فَإِذَا أَسْكَرَتْ فَهِيَ خَمْرٌ كُلُّهَا. فَالْعَصِيرُ وَجَمِيعُ الْأَنْبِذَةِ سَوَاءٌ لَيْسَ تَحْرُمُ بِغَلَيَانِهَا إنَّمَا تَحْرُمُ إذَا كَانَ يُسْكِرُ لِأَنَّ الْعَصِيرَ حَلَالٌ عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى يُسْكِرَ، وَالنَّبِيذُ حَلَالٌ عِنْدَ مَالِكٍ حَتَّى يُسْكِرَ، فَإِذَا أَسْكَرَا كَانَا حَرَامًا، وَهُمَا قَبْلَ أَنْ يُسْكِرَا سَبِيلُهُمَا وَاحِدٌ لَا يَحْرُمَانِ بِالْغَلَيَانِ، وَإِنَّمَا يَحْرُمَانِ إذَا خَرَجَا إلَى مَا يُسْكِرُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الظُّرُوفَ، هَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ أَنْ يُنْبَذَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ: الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَنَا وَاَلَّذِي آخُذُ بِهِ، أَنَّ الدُّبَّاءَ وَالْمُزَفَّتَ لَا يَصْلُحُ النَّبِيذُ فِيهِمَا وَلَا يُنْبَذُ فِيهِمَا. قُلْتُ: فَهَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ مِنْ الْفَخَّارِ شَيْئًا غَيْرَ الْمُزَفَّتِ؟ قَالَ: لَا، إنَّمَا كَانَ يَكْرَهُ الدُّبَّاءَ وَالْمُزَفَّتَ. قُلْتُ: وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ مُزَفَّتَ الدُّبَّاءِ وَغَيْرَ

стр. 2288

مُزَفَّتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، يَكْرَهُ الْمُزَفَّتَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، الزِّقَاقَ الْمُزَفَّتَةَ وَالْفَخَّارَ الْمُزَفَّتَ وَكُلَّ ظَرْفٍ زُفِّتَ كَانَ يَكْرَهُهُ. قُلْتُ: أَيُّ شَيْءٍ الزِّفْتُ؟ قَالَ: النَّاسُ يَعْرِفُونَهُ، الَّذِينَ يُزَفِّتُونَ بِهِ قِلَالَهُمْ وَظُرُوفَهُمْ، قُلْتُ: فَهَلْ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ شَيْئًا مِنْ الظُّرُوفِ سِوَى مَا ذَكَرْتَ لِي؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَطْبُوخَ، مَا يَكْرَهُ مِنْهُ مَالِكٌ وَمَا لَا يَكْرَهُ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْمَطْبُوخِ فَقَالَ: الَّذِي كُنْتُ أَسْمَعُ بِهِ إذَا ذَهَبَ ثُلُثَاهُ وَبَقِيَ ثُلُثُهُ. قَالَ: فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: فَمَا حَدُّهُ عِنْدَكَ؟ قَالَ: حَدُّهُ عِنْدِي إذَا طُبِخَ حَتَّى لَا يُسْكِرَ. قَالَ: فَلَمْ أَرَ مَالِكًا يَلْتَفِتُ إلَى ثُلُثٍ. وَلَا إلَى ثُلُثَيْنِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَا سَأَلْتُكَ عَنْهُ مِنْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ كُلِّهَا إذَا فَسَدَتْ وَصَارَتْ خَمْرًا، أَيَحِلُّ إصْلَاحُهَا وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ يُخَلِّلُهَا أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْخَمْرُ إذَا مَلَكَهَا الْمُسْلِمُ فَلْيُهْرِقْهَا، فَإِنْ اجْتَرَأَ عَلَيْهَا فَخَلَّلَهَا حَتَّى صَارَتْ خَلًّا فَلْيَأْكُلْهَا وَبِئْسَ مَا صَنَعَ. قَالَ: وَسَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْخَمْرِ يُجْعَلُ فِيهَا الْحِيتَانُ فَتَصِيرُ مُرِيًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَكْلَهُ وَكَرِهَهُ. قَالَ سَحْنُونٌ: إذَا عَمِلَهَا لِلْخَمْرِ فَلَا تُؤْكَلُ وَإِنْ تَخَلَّلَتْ وَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ سَحْنُونٍ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الظُّرُوفَ، أَلَيْسَ قَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ فِيهَا عَنْ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ ﵊ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الظُّرُوفِ ثُمَّ وَسَّعَ فِيهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ثَبَتَ عِنْدَنَا «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ» . تَمَّ كِتَابُ الْأَشْرِبَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ الْكُبْرَى وَيَلِيه كِتَابُ السَّرِقَةِ

стр. 2289

[كِتَابُ السَّرِقَةِ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابُ السَّرِقَةِ قَالَ سَحْنُونٌ: قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَيْنِ يَشْهَدَانِ عَلَى الرَّجُلِ بِالسَّرِقَةِ، أَيَسْأَلُهُمَا الْحَاكِمُ عَنْ السَّرِقَةِ مَا هِيَ وَكَيْفَ هِيَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَمِنْ أَيْنَ أَخَذَهَا وَإِلَى أَيْنَ أَخْرَجَهَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مَالِكًا يَحُدُّ فِي ذَلِكَ حَدًّا، وَلَكِنْ أَرَى لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَهُمَا لِأَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ الْقَوْمِ يَشْهَدُونَ عَلَى الرَّجُلِ بِالزِّنَا فَقَالَ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ، يُرِيدُ بِذَلِكَ كَيْفَ؟ رَأَوْهُ وَكَيْفَ صَنَعَ؟ فَإِنْ كَانَ فِي ذَلِكَ مَا يُدْرَأُ بِهِ الْحَدُّ عَنْهُ دَرَأَهُ، فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى مَسْأَلَتِكَ فِي السَّرِقَةِ، لِأَنَّهُمْ إنْ شَهِدُوا بِالسَّرِقَةِ وَإِنْ كَانَ فِي قِيمَتِهَا مَا يُقْطَعُ فِي مِثْلِهِ، فَعَسَى أَنْ يَكُونَ فِي سَرِقَتِهِ أَمْرٌ لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ. وَإِنَّمَا الْقَطْعُ حَدٌّ مِنْ الْحُدُودِ فَيَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَكْشِفَ فِيهِ الشُّهُودَ كَمَا يَكْشِفُهُمْ فِي الزِّنَا [فِي رَجُلٍ سَرَقَ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ فَظَفِرَ بِهِ وَقِيمَتُهُ مَا لَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ] ُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ سَرَقَ مَا يَسْوَى ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَهُوَ لَا يَسْوَى رُبْعَ دِينَارٍ الْيَوْمَ لِارْتِفَاعِ صَرْفِ الدِّينَارِ، أَيُقْطَعُ فِيهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ، نَعَمْ يُقْطَعُ إذَا سَرَقَ قِيمَةَ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ الْيَوْمَ. قَالَ مَالِكٌ: «لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَطَعَ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ» وَأَنَّ عُثْمَانَ قَطَعَ فِي ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ وَأَنَّ عُمَرَ قَوَّمَ الدِّيَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، فَلَا يُنْظَرُ إلَى الصَّرْفِ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إنْ ارْتَفَعَ الصَّرْفُ أَوْ انْخَفَضَ، وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى، مَا مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اتَّضَعَ الصَّرْفُ صَرْفُ الذَّهَبِ فَسَرَقَ رُبْعَ دِينَارٍ مِنْ ذَهَبٍ، وَهُوَ لَا يَسْوَى ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، أَتُقْطَعُ يَدُهُ لِأَنَّهُ رُبْعُ دِينَارٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَإِنَّمَا تُقَوَّمُ الْأَشْيَاءُ كُلُّهَا

стр. 2290

بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ سِلْعَةً، فَأَنْتَ إنْ قَوَّمْتَهَا بِالذَّهَبِ تَبْلُغُ رُبْعَ دِينَارٍ، وَإِنْ قَوَّمْتهَا بِالْفِضَّةِ بَلَغَتْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، أَتُقْطَعُ يَدُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ تُقْطَعُ عِنْدَ مَالِكٍ. وَإِنَّمَا تُقَوَّمُ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ بِالدَّرَاهِمِ. وَكَذَلِكَ إنْ كَانَتْ هَذِهِ السِّلْعَةُ، إنْ قَوَّمْتَهَا بِالذَّهَبِ بَلَغَتْ رُبْعَ دِينَارٍ وَإِنْ قَوَّمْتَهَا بِالْفِضَّةِ لَمْ تَبْلُغْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي السِّلَعِ: لَا تُقْطَعُ فِيهَا إلَّا أَنْ تَبْلُغَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، قَلَّ الصَّرْفُ أَوْ كَثُرَ. قَالَ: فَقِيلَ لِمَالِكٍ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ سَرِقَةً فَقُوِّمَتْ بِدِرْهَمَيْنِ وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ لِانْخِفَاضِ الصَّرْفِ يَوْمَئِذٍ، أَتُقْطَعُ يَدُهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُقْطَعُ يَدُهُ حَتَّى تَبْلُغَ سَرِقَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ تُقْطَعُ فِي وَزْنِ رُبْعٍ دِينَارٍ فَصَاعِدًا إذَا سَرَقَ الذَّهَبَ بِعَيْنِهِ وَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، لِأَنَّهُ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ : «الْقَطْعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . وَإِنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ: مَنْ بَلَغَتْ سَرِقَتُهُ رُبْعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا قُطِعَ. وَإِنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا طَالَ عَلَيَّ وَمَا نَسِيتُ الْقَطْعَ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ لَمْ أَقْطَعْهُ فِي وَزْنِ رُبْعِ دِينَارٍ ذَهَبًا، إذَا سَرَقَ الذَّهَبَ مَا قَطَعْتُهُ لَا فِي ثُلُثٍ وَلَا فِي نِصْفٍ وَلَا فِي الدِّينَارِ كُلِّهِ إذَا كَانَتْ قِيمَتُهُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ. وَلَقَدْ أَتَى عَلَى النَّاسِ زَمَانٌ، وَصَرْفُ النَّاسِ ثُلُثُ دِينَارٍ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ، إنَّمَا صَرْفُهُمْ سَبْعَةُ دَرَاهِمَ وَثَمَانِيَةُ دَرَاهِمَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ رَجُلٌ سَرِقَةً فَرَفَعَهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ النَّاسِ إلَى السُّلْطَانِ وَالْمَسْرُوقُ مِنْهُ الْمَتَاعُ غَائِبٌ أَيَقْطَعُهُ السُّلْطَانُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ يَنْتَظِرُ رَبَّ الْمَتَاعِ حَتَّى يَقْدَمَ؟ قَالَ: إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ سَرَقَهُ قُطِعَتْ يَدُهُ عِنْدَ مَالِكٍ. قَالَ: وَلَقَدْ أَخْبَرَنِي أَوْثَقُ أَصْحَابِي عِنْدِي أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ كَانَ يَسْكُنُ الشَّامَ وَلَهُ مَتَاعٌ بِمِصْرَ فَأَتَى رَجُلٌ فَسَرَقَ مَتَاعَهُ الَّذِي بِمِصْرَ، وَقَامَتْ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ بِأَنَّ السَّارِقَ أَخَذَ الْمَتَاعَ سِرًّا فَقَالَ السَّارِقُ: صَاحِبُ الْمَتَاعِ أَرْسَلَنِي، فَقَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ. فَقِيلَ لِمَالِكٍ: فَإِنْ سُئِلَ صَاحِبُ الْمَتَاعِ فَقَالَ: أَنَا أَرْسَلْتُهُ؟ فَقَالَ: لَا يُنْظَرُ فِي قَوْلِ صَاحِبِ الْمَتَاعِ وَتَقْطَعُ يَدُهُ. وَلَقَدْ سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يُلْفَى مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ وَمَعَهُ الْمَتَاعُ فَيُؤْخَذُ فَيَقُولُ: فُلَانٌ أَرْسَلَنِي إلَى مَنْزِلِهِ فَأَخَذْتُ لَهُ هَذَا الْمَتَاعَ. قَالَ مَالِكٌ: أَرَى أَنْ يَنْظُرَ فِي ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ الَّذِي مَعَهُ الْمَتَاعُ يُعْرَفُ لَهُ انْقِطَاعٌ إلَى رَبِّ الْمَتَاعِ وَيُشْبِهُ مَا قَالَ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ مِثْلُ مَا ذَكَرْتُ لَك. قَالَ مَالِكٌ: رَأَيْتُ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ وَلَا يُقْبَلَ. قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَسْرِقُ فَيَعْفُو عَنْهُ صَاحِبُ الْمَتَاعِ ثُمَّ يَرْفَعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ غَيْرُهُ إلَى السُّلْطَانِ؟ قَالَ أَرَى أَنْ يَقْطَعَ يَدَهُ، وَلَيْسَ لِلسُّلْطَانِ أَنْ يَعْفُوَ إنْ انْتَهَتْ إلَيْهِ الْحُدُودُ، وَلَيْسَ عَفْوُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ بِشَيْءٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا شُهِدَ عَلَى السَّارِقِ بِالسَّرِقَةِ، هَلْ يُحْبَسُ السَّارِقُ حَتَّى يُزَكَّى الشُّهُودُ إنْ لَمْ يَعْرِفْهُمْ الْقَاضِي، أَمْ يَكْفُلُهُ الْقَاضِي فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يَكْفُلُهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَلَكِنْ يَحْبِسُهُ، وَلَيْسَ فِي الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ كَفَالَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ.

стр. 2291

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى سَرِقَةٍ أَوْ زِنًا فَغَابُوا قَبْلَ أَنْ يُزَكَّوْا ثُمَّ زُكُّوا، أَيُقِيمُ الْقَاضِي الْحَدَّ أَمْ لَا يُقِيمُهُ حَتَّى تَحْضُرَ الشُّهُودُ فَيُقِيمَهُ بِحَضْرَةِ الشُّهُودِ؟ قَالَ: يُقِيمُ الْحُدُودَ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى مَغِيبِ الشُّهُودِ، إذَا شَهِدُوا وَأَثْبَتُوا الشَّهَادَةَ أَقَامَ الْحَدَّ وَإِنْ غَابُوا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا ثُمَّ مَاتُوا فَزُكُّوا وَهُمْ مَوْتَى، أَيُقِيمُ الْحُدُودَ وَالْقِصَاصَ بِشَهَادَتِهِمْ. فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَإِنْ خَرِسُوا أَوْ عَمُوا أَوْ جُنُّوا قَالَ: نَعَمْ، هَذَا كُلُّهُ يُقِيمُ الْإِمَامُ الْحَدَّ وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى الَّذِي أَصَابَهُمْ مِنْ ذَلِكَ فِي رَأْيِي. قُلْتُ: فَإِنْ ارْتَدَّ الشُّهُودُ عَنْ الْإِسْلَامِ وَقَدْ حَبَسَهُ الْقَاضِي، أَيُقِيمُ الْحُدُودَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يُقَامُ الْحَدُّ إنْ ارْتَدُّوا لِأَنَّهُمْ هَهُنَا قَدْ عَادُوا إلَى حَالٍ لَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُمْ. وَفِي مَسَائِلِكَ الْأُوَلِ لَمْ يَعُودُوا إلَى حَالِ فِسْقٍ وَلَا إلَى حَالِ ارْتِدَادٍ وَإِنَّمَا اُبْتُلُوا بِغَيْرِ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ فُسِّقَ هَؤُلَاءِ الشُّهُودُ أَوْ وُجِدُوا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ أَوْ مَا أَشْبَهَ هَذَا، أَوْ فَسَدَتْ حَالُهُمْ بَعْدَمَا زُكُّوا أَوْ أَمَرَ الْقَاضِي بِإِقَامَةِ الْحَدِّ إلَّا أَنَّ الْحَدَّ لَمْ يُقَمْ بَعْدُ. قَالَ: يُقَامُ الْحَدُّ عَلَيْهِ إذَا كَانَتْ الشَّهَادَةُ قَدْ ثَبَتَتْ وَقَدْ قَضَى بِهَا. قُلْتُ: فَكَيْفَ هَذَا فِي حُقُوقِ النَّاسِ؟ قَالَ: إذَا قَضَى الْقَاضِي بِالْحُقُوقِ لِلنَّاسِ ثُمَّ صَارُوا إلَى مَا ذَكَرْتَ مِنْ الْحَالِ السَّيِّئَةِ إلَى الِارْتِدَادِ أَوْ إلَى الْفِسْقِ، فَإِنَّ الْقَضَاءَ قَدْ نَفَذَ هَهُنَا. قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: فَكَيْفَ هَذَا فِي الْقِصَاصِ إذَا قَضَى الْقَاضِي فِي الْقِصَاصِ ثُمَّ ارْتَدَّ الشُّهُودُ عَنْ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يَقْتَصَّ الْمَجْرُوحُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يُقْتَصَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ النَّاسِ إذَا كَانَ قَدْ قَضَى بِهِ وَأَنْفَذَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ غَابَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ وَشَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى السَّرِقَةِ، أَتَقْطَعُهُ وَالْمَسْرُوقُ مِنْهُ غَائِبٌ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى غَيْبَةِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ الْمَتَاعُ. أَلَا تَرَى أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الْمَتَاعِ الَّذِي أَخْبَرْتُك أَنَّهُ بِمِصْرَ وَصَاحِبُهُ بِالشَّامِ: إنَّ السَّارِقَ يُقْطَعُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ الْمَتَاعُ، لَمْ يُسْرَقُ مِنِّي شَيْءٌ. وَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّهُ سُرِقَ، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ. يُقْطَعُ فِي رَأْيِي. [تَفْرِقَةُ الشُّهُودِ عَنْ الشَّهَادَةِ فِي الْحُدُود] قُلْتُ: هَلْ يُفَرِّقُ الْوَالِي بَيْنَ الشُّهُودِ إذَا شَهِدُوا عَلَى الْحُدُودِ؟ قَالَ: لَا يُفَرِّقُ بَيْنَهُمْ إلَّا أَنْ يَسْتَنْكِرَ الْإِمَامُ شَيْئًا إذَا كَانُوا عُدُولًا بَيِّنَةً عَدَالَتُهُمْ إلَّا مَا أَخْبَرْتُك مِنْ حَدِّ الزِّنَا، فَإِنَّ مَالِكًا قَالَ: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ، فَإِنْ وَجَدَ فِيهَا مَا يَدْرَأُ الْحَدَّ دَرَأَهُ. فَلَا أَدْرِي أَرَادَ بِذَلِكَ تَفْرِقَتَهُمْ أَمْ يَسْأَلُهُمْ عَنْ تَحَقُّقِ الزِّنَا، وَلَا أَرَى أَنْ يُفَرِّقَهُمْ وَلَكِنْ يَسْأَلُهُمْ عَنْ تَحَقُّقِ الزِّنَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ مُسْلِمًا أَقَامَ شَاهِدَيْنِ كَافِرَيْنِ عَلَى كَافِرٍ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ مَتَاعًا يُقْطَعُ فِي مِثْلِهِ؟ قَالَ: لَا يُقْضَى لَهُ بِالْمَتَاعِ وَلَا بِشَيْءٍ وَلَا يُقْضَى عَلَى الْكَافِرِ بِالْحَدِّ لِأَنَّ

стр. 2292

مَالِكًا قَالَ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ النَّصَارَى وَلَا الْمُشْرِكِينَ كُلِّهِمْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ. قُلْتُ أَرَأَيْتَ الشَّاهِدَيْنِ إذَا شَهِدَا عَلَى رَجُلَيْنِ أَنَّهُمَا سَرَقَا هَذَا الْمَتَاعَ جَمِيعًا وَالْمَتَاعُ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَيُقْطَعَانِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، يُقْطَعَانِ جَمِيعًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِيمَةِ الْمَتَاعِ إلَّا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَا، وَلَوْ كَانُوا عَشَرَةً إذَا حَمَلُوهُ جَمِيعًا قَالَ أَوْ جَعَلُوهُ جَمِيعًا عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَلَمْ يَكِلْهُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فَإِنَّهُمْ يُقْطَعُونَ جَمِيعًا قَالَ: وَإِنْ دَخَلُوا جَمِيعًا لِلسَّرِقَةِ، فَحَمَلَهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فَخَرَجَ بِهِ وَهُمْ مَعَهُ وَلَمْ يَحْمِلُوهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَحْمِلُوهُ جَمِيعًا، لَمْ يُقْطَعْ إلَّا مَنْ حَمَلَهُ وَحْدَهُ وَإِنْ دَخَلُوا لِلسَّرِقَةِ جَمِيعًا. قَالَ: وَإِنْ خَرَجُوا جَمِيعًا وَقَدْ أَخَذَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْهُمْ شَيْئًا يَحْمِلُهُ وَهُمْ شُرَكَاءُ فِيمَا أَخْرَجُوا، فَمَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ بِقِيمَةِ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ قُطِعَتْ يَدُهُ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ بِقِيمَةِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ لَمْ يُقْطَعْ، لِأَنَّ هَؤُلَاءِ لَمْ يَتَعَاوَنُوا عَلَى مَا حَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، إنَّمَا حَمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا حَمَلَ وَحْدَهُ وَلَمْ يَحْمِلْ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَلَمْ يَحْمِلْ مَعَهُ. قُلْتُ: وَهَذَا كُلُّهُ قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: وَإِنَّمَا مَثَلُ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ يَدْخُلُونَ جَمِيعًا فَيَحْمِلُونَ السَّرِقَةَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَيَخْرُجُ بِهَا وَاحِدٌ مِنْهُمْ يَحْمِلُهَا وَهُمْ الَّذِينَ حَمَلُوهَا عَلَيْهِ فَيُقْطَعُونَ جَمِيعًا بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ حَمَلُوا الْمَتَاعَ فِي حِرْزِهِ عَلَى دَابَّةٍ عَلَى بَعِيرٍ أَوْ حِمَارٍ فَخَرَجُوا بِهِ، إلَّا أَنَّهُمْ اجْتَمَعُوا فِي حَمْلِهِ عَلَى الدَّابَّةِ أَنَّهُمْ يُقْطَعُونَ جَمِيعًا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي كُلِّ مَا يُحْتَاجُ إلَى حَمْلِهِ لِثِقَلِهِ أَوْ لِكَثْرَتِهِ، فَأَمَّا مَا يَحْمِلُهُ مِنْهُمْ وَاحِدٌ فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ أَعَانَهُ مِنْهُمْ، مِثْلُ الثَّوْبِ وَمَا أَشْبَهَهُ وَالصُّرَّةِ وَنَحْوِهَا. وَإِنَّمَا يُقْطَعُ فِي هَذَا الَّذِي خَرَجَ بِهَا وَأُعِينَ عَلَى حَمْلِهَا وَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ أَعَانَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الثَّوْبَ إنْ كَانَ بَيْنَ رَجُلَيْنِ سَرَقَهُ رَجُلٌ وَقِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يُقْطَعُ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَبَى أَرْبَابُ الْمَتَاعِ أَنْ يَقُومُوا عَلَى السَّارِقِ وَرَفَعَهُ أَجْنَبِيٌّ مِنْ النَّاسِ، أَيُقِيمُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ الْحَدَّ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ سَرَقَ مَتَاعًا، وَالْمَتَاعُ مُسْتَوْدَعٌ عِنْدَ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ أَوْ عَارِيَّةً أَوْ بِإِجَارَةٍ، أَيُقْطَعُ السَّارِقُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ يُقْطَعُ. عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: لِمَ؟ قَالَ: لِأَنَّ الَّذِي كَانَ الْمَتَاعُ فِي يَدِهِ كَانَ حِرْزًا لِلْمَتَاعِ. قُلْتُ أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ رَجُلٌ مَتَاعًا فَسَرَقَهُ مِنْهُ سَارِقٌ آخَرُ، ثُمَّ سَرَقَ مِنْ ذَلِكَ السَّارِقِ ذَلِكَ الْمَتَاعَ سَارِقٌ آخَرُ، أَتَقْطَعُهُمْ جَمِيعًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَلَوْ كَانُوا سَبْعِينَ قُطِعُوا كُلُّهُمْ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ سَرَقَ مَتَاعًا فَقُطِعَ فِيهِ ثُمَّ سَرَقَهُ ثَانِيَةً، أَتَقْطَعُهُ الثَّانِيَةَ فِي ذَلِكَ الْمَتَاعِ وَقَدْ قَطَعْته مَرَّةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ

стр. 2293

[الْعَفْو عَنْ الزاني والقاذف بَعْد رفع أمرهما إلَى السُّلْطَان] الزُّنَاةُ يَقُومُ بِهِمْ الْأَجْنَبِيُّ وَالْقَائِمُ عَلَى الْقَاذِفِ بَعْدَ الْعَفْوِ وَالْعَفْوُ إذَا أَرَادَ سَتْرًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الزُّنَاةَ مَنْ رَفَعَهُمْ إلَى السُّلْطَانِ، أَيُقِيمُ الْحَدَّ السُّلْطَانُ عَلَيْهِمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ مِثْلُ السَّرِقَةِ، وَأَمَّا الْقَذْفُ فَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدَهُ كَذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَقَدْ أَتَى مَالِكًا قَوْمٌ وَأَنَا عِنْدَهُ فِي رَجُلَيْنِ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ: يَا مُخَنَّثُ. فَأَرَادَ أَنْ يَرْفَعَهُ إلَى السُّلْطَانِ فَطَلَبَ إلَيْهِ حَتَّى عَفَا عَنْهُ، ثُمَّ إنَّهُ وَقَعَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ شَرٌّ، فَأَرَادَ أَنْ يَرْجِعَ فِيمَا عَفَا عَنْهُ فَأَتَوْا مَالِكًا فَسَأَلُوهُ عَنْهُ فَقَالَ: لَا أَرَى لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَخْبَرَنِي مِنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ سَمِعَ مَالِكًا يَقُولُ فِي الرَّجُلِ يَقْذِفُ الرَّجُلَ بِالزِّنَا ثُمَّ يَعْفُو عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَنْتَهِيَ بِهِ إلَى الْإِمَامِ ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ. قَالَ: لَيْسَ ذَلِكَ لَهُ قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَنَّ قَوْمًا سَمِعُوا رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا، فَأَتَوْا إلَى الْإِمَامِ فَرَفَعُوا ذَلِكَ إلَيْهِ، لَمْ يَنْبَغِ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْخُذَهُ بِهِ حَتَّى يَكُونَ صَاحِبُهُ الَّذِي يَطْلُبُهُ بِهِ. قَالَ مَالِكٌ وَلَوْ أَنَّ الْإِمَامَ سَمِعَ رَجُلًا يَقْذِفُ رَجُلًا بِالزِّنَا وَمَعَهُ مَنْ يُثْبِتُ شَهَادَتَهُ عَلَيْهِ أَقَامَ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الْحَدَّ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَسَأَلْنَاهُ غَيْرَ مَرَّةٍ عَنْ الرَّجُلِ يَقْذِفُ الرَّجُلَ بِالزِّنَا، ثُمَّ يُرِيدُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ السُّلْطَانُ أَلَهُ ذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، وَقَدْ كَانَ يَقُولُهُ قَبْلَ ذَلِكَ. وَقَالَهُ لِي غَيْرَ مَرَّةٍ، وَإِنْ أَبَى السُّلْطَانُ فَلَهُ أَنْ يَعْفُوَ فِي نَفْسِهِ، وَكَانَ يَأْخُذُ بِقَوْلِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فِي ذَلِكَ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْ رَأْيِهِ فِي ذَلِكَ وَقَالَ: إذَا بَلَغَ السُّلْطَانَ فَلَا عَفْوَ لَهُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ سَتْرًا. [شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ ذِمِّيّ بِالسَّرِقَةِ أيقطع أَمْ لَا] فِي الَّذِي يَسْرِقُ وَيَزْنِي وَيَنْقُبُ الْبَيْتَ وَيُدْخِلُ يَدَهُ وَيُلْقِي الْمَتَاعَ خَارِجًا ثُمَّ يُؤْخَذُ وَالشَّهَادَةُ عَلَى السَّرِقَةِ وَالشَّفَاعَةُ لِلسَّارِقِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالسَّرِقَةِ، أَيَقْطَعُهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ تُقْطَعُ يَدُهُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِأَنَّ السَّرِقَةَ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَتْ مِمَّا يَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَلَيْهَا. قَالَ: وَلَيْسَ السَّرِقَةُ فِي أَهْلِ الذِّمَّةِ بِمَنْزِلَةِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَالزِّنَا إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يُقْطَعُ ذِمِّيٌّ وَلَا مُسْلِمٌ سَرَقَ خَمْرًا وَلَا خِنْزِيرًا، وَإِنْ كَانَتْ الْخَمْرُ وَالْخِنْزِيرُ لِذِمِّيٍّ لَمْ يُقْطَعْ فِيهِ ذِمِّيٌّ وَلَا مُسْلِمٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الذِّمِّيَّ إذَا زَنَى، أَيُقِيمُ مَالِكٌ عَلَيْهِ الْحَدَّ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا يُقِيمُهُ عَلَيْهِ وَأَهْلُ دِينِهِ أَعْلَمُ بِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَرَادَ أَهْلُ الذِّمَّةِ أَنْ يَرْجُمُوهُ فِي الزِّنَا، أَيُتْرَكُونَ وَذَلِكَ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: يُرَدُّونَ إلَى أَهْلِ دِينِهِمْ، فَأَرَى أَنَّهُمْ يَحْكُمُونَ بِمَا شَاءُوا وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ ذَلِكَ وَيُتْرَكُونَ عَلَى دِينِهِمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ نَقَبَ الْبَيْتَ فَأَدْخَلَ يَدَهُ فَأَخْرَجَ ثَوْبًا، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْطَعُ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَوْ أَدْخَلَ قَصَبَةً فَأَخْرَجَهُ قُطِعَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَخَلَ حِرْزًا

стр. 2294

فَأَلْقَى الْمَتَاعَ خَارِجًا مَنْ الْحِرْزِ ثُمَّ خَرَجَ فِي طَلَبِ الْمَتَاعِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْطَعُ. قُلْتُ: فَإِنْ رَمَى بِالْمَتَاعِ خَارِجًا مِنْ الْحِرْزِ وَلَمْ يَخْرُجْ هُوَ حَتَّى أَخَذَ فِي دَاخِلِ الْحِرْزِ أَيُقْطَعُ؟ قَالَ: شَكَّ مَالِكٌ فِيهَا وَأَنَا أَرَى أَنْ يُقْطَعَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّاهِدَيْنِ إذَا شَهِدَا عَلَى السَّرِقَةِ، اسْتَحْسَنَ مَالِكٌ لَهُمَا أَنْ يَشْهَدَا عَلَى الْمَتَاعِ أَنَّهُ مَتَاعُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ، وَلَا يَشْهَدَانِ أَنَّهُ سُرِقَ حَتَّى لَا يُقَامَ عَلَى هَذَا الْحَدُّ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُمَا إذَا رُفِعَ السَّارِقُ إلَى الْإِمَامِ أَنْ يَكُفَّا عَنْ شَهَادَتِهِمَا عَلَى السَّرِقَةِ. قَالَ. وَسَأَلْنَا مَالِكًا عَنْ السَّارِقِ يَشْفَعُ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْإِمَامِ، أَتَرَى ذَلِكَ؟ قَالَ: أَمَّا كُلُّ مَنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ أَذًى لِلنَّاسِ وَإِنَّمَا كَانَتْ تِلْكَ مِنْهُ زَلَّةً، فَإِنِّي لَا أَرَى بَأْسًا أَنْ يُتَشَفَّعَ لَهُ مَا لَمْ يَبْلُغْ الْإِمَامَ أَوْ الشُّرَطَ أَوْ الْحَرَسَ. قَالَ مَالِكٌ: وَالشُّرَطُ عِنْدِي وَالْحَرَسُ بِمَنْزِلَةِ الْإِمَامِ، وَلَا يَنْبَغِي إذَا وَقَعَ بِيَدِ الشُّرَطِ أَوْ الْحَرَسِ أَنْ يَتَشَفَّعَ لَهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَأَمَّا مَنْ عُرِفَ شَرُّهُ وَفَسَادُهُ فَلَا أُحِبُّ أَنْ يَشْفَعَ لَهُ أَحَدٌ، وَلَكِنْ يُتْرَكُ حَتَّى يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا عَلَى سَارِقٍ أَنَّهُ نَقَبَ بَيْتَ هَذَا الرَّجُلِ وَدَخَلَ وَأَخْرَجَ هَذَا الْمَتَاعَ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ، وَلَا يَدْرِي لِمَنْ هَذَا الْمَتَاعُ أَلِرَبِّ الدَّارِ أَمْ لَا؟ قَالَ: يُقْطَعُ وَيُجْعَلُ الْمَتَاعُ لِرَبِّ الْبَيْتِ. قُلْتُ: وَلَا يَسَعُهُمْ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّ الْمَتَاعَ لِرَبِّ الدَّارِ؟ قَالَ: لَا وَلَكِنْ يَشْهَدُونَ بِمَا عَايَنُوا، وَعَرَفُوا، وَالْحُكْمُ يَجْعَلُ الْمَتَاعَ لِرَبِّ الدَّارِ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي. [الشُّهُودُ عَلَى السَّرِقَةِ وَالْغَصْبِ] قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ نَظَرَ رَجُلٌ إلَى رَجُلٍ عَلَيْهِ ثَوْبٌ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَغَصَبَهُ مِنْهُ أَيَسَعُ الشَّاهِدَ أَنْ يَشْهَدَ أَنَّ الثَّوْبَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ؟ قَالَ: يَشْهَدُ أَنَّ الثَّوْبَ غَصَبَهُ هَذَا مِنْ هَذَا. قُلْتُ: وَلَا يَشْهَدُ أَنَّ الثَّوْبَ ثَوْبُ الْمَغْصُوبِ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا يَشْهَدُ إلَّا بِمَا عَايَنَ وَعَرَفَ قَبْلَ هَذَا. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: مَا سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَالْإِمَامُ يَرُدُّ الثَّوْبَ إلَى الْمَغْصُوبِ مِنْهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ ابْتَاعَ رَجُلٌ مِنْ رَجُلٍ سِلْعَةً فَفَلَّسَ الْمُبْتَاعُ، أَيَسَعُ الشُّهُودَ أَنْ يَشْهَدُوا أَنَّ هَذَا الْمَتَاعَ مَتَاعُ الْبَائِعِ أَمْ لَا؟ قَالَ: يَشْهَدُونَ أَنَّ هَذِهِ السِّلْعَةَ بِعَيْنِهَا اشْتَرَاهَا هَذَا الْمُفْلِسُ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ وَلَا يَشْهَدُونَ إلَّا بِمَا عَايَنُوا وَعَلِمُوا. [فِي السَّارِقِ يُوجَدُ فِي الْحِرْزِ وَالدَّارُ مُشْتَرَكَةٌ] ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ جَمَعَ الْمَتَاعَ وَحَمَلَهُ فَأُدْرِكَ فِي الْحِرْزِ قَبْلَ أَنْ يُخْرِجَهُ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْطَعُ. قُلْتُ: فَإِنْ أَخْرَجَهُ مِنْ الْبَيْتِ إلَى الدَّارِ، وَالدَّارُ مُشْتَرَكَةٌ مَأْذُونٌ فِيهَا، وَالْبَيْتُ مَحْجُورٌ عَنْ النَّاسِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْطَعُ إذَا أَخْرَجَهُ إلَى

стр. 2295

مَوْضِعٍ مِنْ الدَّارِ، وَأَهْلُ الدَّارِ فِيهِ شُرَكَاءُ قُطِعَ، لِأَنَّهُ قَدْ صَيَّرَهُ إلَى غَيْرِ حِرْزِهِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَتْ دَارًا مَأْذُونًا فِيهَا أَوْ بَيْتًا مَأْذُونًا فِيهِ، وَفِيهِ تَابُوتٌ فِيهِ مَتَاعٌ لِرَجُلٍ قَدْ أَغْلَقَهُ، فَأَتَى رَجُلٌ مِمَّنْ أَذِنَ لَهُ فَكَسَرَهُ أَوْ فَتَحَهُ فَأَخْرَجَ الْمَتَاعَ مِنْهُ، فَأُخِذَ بِحَضْرَةِ مَنْ أَخْرَجَ الْمَتَاعَ مِنْ التَّابُوتِ قَبْلَ أَنْ يَبْرَحَ بِهِ إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ التَّابُوتِ؟ قَالَ: لَا تُقْطَعُ يَدُ هَذَا، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يُؤْذَنُ لَهُ لَمْ تُقْطَعْ أَيْضًا لِأَنَّهُ لَمْ يَبْرَحْ بِالْمَتَاعِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ حِرْزِهِ وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: وَلَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ رَجُلٍ أَضَافَ رَجُلًا فَأَدْخَلَهُ دَارِهِ وَبَيَّتَهُ فِيهَا، فَعَمَدَ الرَّجُلُ مِنْ جَوْفِ اللَّيْلِ إلَى بَعْضِ مَنَازِلِ الدَّارِ، وَقَدْ كَانَ صَاحِبُ الدَّارِ خَزَّنَ فِيهَا مَتَاعًا وَأَغْلَقَهُ، فَكَسَرَ الضَّيْفُ غَلْقَهُ وَسَرَقَ مِنْهُ؟ قَالَ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَدْخَلَهُ دَارِهِ وَائْتَمَنَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْبَيْتِ يَكُونُ فِي الدَّارِ قَدْ أَغْلَقَهُ أَهْلُهَا وَالدَّارُ مَأْذُونٌ فِيهَا فَأَخْرَجَ مِنْ الْبَيْتِ شَيْئًا وَأَخَذَ فِي الدَّارِ أَنَّهُ لَا تُقْطَعُ يَدُهُ وَكَذَلِكَ التَّابُوتُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَدْخُلُ الْحِرْزَ فَيَأْخُذُ الْمَتَاعَ فَيُنَاوِلُهُ رَجُلًا خَارِجًا مِنْ الْحِرْزِ، أَيُقْطَعُ الدَّاخِلُ أَمْ الْخَارِجُ أَمْ يُقْطَعَانِ جَمِيعًا؟ وَكَيْفَ إنْ أُخِذَ بَعْدَمَا نَاوَلَ الْمَتَاعَ صَاحِبَهُ الْخَارِجَ فَأُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْحِرْزِ، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: إنْ خَرَجَ بِهِ مِنْ حِرْزِهِ إلَى خَارِجٍ قُطِعَتْ يَدُهُ، وَإِنْ رَمَى بِالْمَتَاعِ خَارِجًا فَأُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ هُوَ فَقَدْ شَكَّ مَالِكٌ فِيهِ أَنْ يُقْطَعَ. وَقَالَ لِي مَالِكٌ قَبْلَ ذَلِكَ: يُقْطَعُ. ثُمَّ تَوَقَّفَ عَنْهُ وَقَالَ: قَدْ نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ مَا يُشْبِهُهُ. قِيلَ: مَا هُوَ؟ قَالَ: رَجُلَانِ دَخَلَا بَيْتًا لِرَجُلٍ، فَكَانَ أَحَدُهُمَا دَاخِلًا فِي الْبَيْتِ، فَرَبَطَ الْمَتَاعَ بِحَبْلٍ وَآخَرُ يَجُرُّهُ حَتَّى أَخْرَجَهُ فَقُلْتُ لِمَالِكٍ: أَهُوَ مِثْلُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَكِنْ لَا أُحِبُّ أَنْ أَتَكَلَّمَ فِيهِ بِشَيْءٍ. وَقَدْ سَمِعْتُهُ قَبْلَ ذَلِكَ يَقُولُ فِي صَاحِبَيْ الْحَبْلِ: إنَّهُمَا يُقْطَعَانِ جَمِيعًا وَهُوَ رَأْيِي. وَأَمَّا الَّذِي نَاوَلَ الْمَتَاعَ صَاحِبَهُ وَهُمَا فِي الدَّارِ فَإِنِّي لَا أَرَى أَنْ يُقْطَعَ إلَّا الَّذِي أَخْرَجَهُ مِنْ الدَّارِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْخَارِجَ فِي مَسْأَلَتِي، هَلْ يُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ لَا، إلَّا أَنْ يَكُونَ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْحِرْزِ فَأَخْرَجَهُ أَوْ رَبَطَ لَهُ فِي الْحِرْزِ فَاجْتَرَّهُ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمَا دَخَلَ بَيْتًا فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَتَاعًا إلَى بَابِ الْبَيْتِ فَأَخَذَهُ الَّذِي هُوَ خَارِجٌ. قَالَ: إنْ كَانَ الدَّاخِلُ قَدْ أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ فَنَاوَلَهُ الْخَارِجَ قُطِعَ الدَّاخِلُ وَلَمْ يُقْطَعْ الْخَارِجُ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ حِرْزِهِ وَأَخْرَجَهُ الْخَارِجُ مِنْ حِرْزِهِ قُطِعَ الْخَارِجُ وَلَمْ يُقْطَعْ الدَّاخِلُ، بِمَنْزِلَةِ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي النَّقْبِ. وَذَلِكَ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ السَّارِقَيْنِ يَنْقُبَانِ الْبَيْتَ، فَيَدْخُلُ أَحَدُهُمَا فَيُقَرِّبُ الْمَتَاعَ إلَى بَابِ النَّقْبِ فَيُنَاوِلُهُ الْخَارِجَ قَالَ: إنْ كَانَ الدَّاخِلُ لَمْ يُخْرِجْهُ مِنْ حِرْزِهِ وَالْخَارِجُ هُوَ الَّذِي أَدْخَلَ يَدَهُ إلَيْهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ، قُطِعَ الْخَارِجُ وَلَمْ يُقْطَعْ الدَّاخِلُ. قَالَ: وَإِنْ كَانَ أَخْرَجَهُ مِنْ حِرْزِهِ فَنَاوَلَهُ الْخَارِجَ، قُطِعَ الدَّاخِلُ وَلَمْ يُقْطَعْ الْخَارِجُ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ أَنَّهُمَا اجْتَمَعَتْ أَيْدِيهِمَا فِي النَّقْبِ بِمَوْضِعٍ لَمْ يُخْرِجْهُ الدَّاخِلُ مِنْ الْحِرْزِ وَلَمْ يُخْرِجْهُ الْخَارِجُ مِنْ الْحِرْزِ، كَانَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ فَتَنَاوَلَهُ فِي

стр. 2296

وَسَطِ ذَلِكَ مِنْهُ قُطِعَا جَمِيعًا، وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا يَتَعَاوَنَانِ عَلَيْهِ فَأَخْرَجَاهُ مِنْ حِرْزِهِ فَالْبَابُ الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ عِنْدِي مِثْلُهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَقَامَ عَلَى رَجُلٍ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُ سَرَقَ هَذَا الْمَتَاعَ مِنْهُ، وَقَالَ الْمُدَّعِي قِبَلَهُ السَّرِقَةَ: الْمَتَاعُ مَتَاعِي، فَأَحْلِفْ لِي هَذَا الَّذِي يَدَّعِي أَنَّ الْمَتَاعَ مَتَاعُهُ وَلَيْسَ بِمَتَاعِي؟ قَالَ: أَرَى أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ، وَيَحْلِفَ مُدَّعِي الْمَتَاعِ أَنَّ الْمَتَاعَ لَيْسَ لِلسَّارِقِ. فَإِنْ نَكَلَ أُحْلِفَ السَّارِقُ وَدُفِعَ إلَيْهِ الْمَتَاعُ وَلَمْ تُقْطَعْ يَدُهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ بَابُ الدَّارِ، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَتَاعِ الَّذِي يُوضَعُ فِي أَفْنِيَةِ الْحَوَانِيتِ يَبِيعُونَهُ هُنَاكَ بِالنَّهَارِ، فَإِنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْهَا قُطِعَ فَكَذَلِكَ بَابُ الدَّارِ عِنْدِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مِثْلَ الْمَوْقِفِ الَّذِي لَا حَوَانِيتَ فِيهِ، تَضَعُ النَّاسُ أَمْتِعَتَهُمْ فِيهِ لِلْبَيْعِ، فَيَسْرِقُ مِنْ ذَلِكَ الْمَتَاعِ رَجُلٌ؟ قَالَ: تُقْطَعُ يَدُهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ قَالَ: وَلَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الشَّاةِ يَسْرِقُهَا الرَّجُلُ مَنْ سُوقُ الْغَنَمِ يُوقِفُهَا صَاحِبُهَا لِلْبَيْعِ فَتَكُونُ مَرْبُوطَةً أَوْ غَيْرَ مَرْبُوطَةٍ إلَّا أَنَّهُ قَدْ أَوْقَفَهَا لِلْبَيْعِ؟ قَالَ: أَرَى أَنَّهُ تُقْطَعُ يَدُهُ مَرْبُوطَةً كَانَتْ أَوْ غَيْرَ مَرْبُوطَةٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ هَذَا الَّذِي وَضَعَ مَتَاعَهُ فِي الْمَوْقِفِ لِلْبَيْعِ، فَقَامَ عَنْ الْمَتَاعِ وَذَهَبَ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ فَسَرَقَهُ رَجُلٌ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الَّذِي يَبِيعُ مَتَاعَهُ. فِي أَفْنِيَةِ الْحَوَانِيتِ: إنْ هُوَ أَقَامَ عَلَى مَتَاعِهِ وَذَهَبَ فَسَرَقَ مِنْهُ رَجُلٌ أَنَّهُ يُقْطَعُ. قَالَ: وَكَذَلِكَ إنْ سَرَقَهُ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا قُطِعَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ جَرَّ هَذَا الثَّوْبَ وَهُوَ مَنْشُورٌ عَلَى الْحَائِطِ، بَعْضُهُ فِي الدَّارِ وَبَعْضُهُ خَارِجٌ مِنْ الدَّارِ؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُقْطَعَ إذَا كَانَ إلَى الطَّرِيقِ. قُلْتُ: فَإِنْ أَدْخَلَ قَصَبَةً أَوْ عُودًا فَأَخْرَجَ بِهِ مَتَاعًا مَنْ الْحِرْزِ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا أَنَّهُ قَالَ: يُقْطَعُ. وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَنَا مِنْهُ. قَالَ سَحْنُونٌ: وَكَذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ سَرَقَ مَتَاعًا مِنْ الْحَمَّامِ، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ مَعَ الْمَتَاعِ مَنْ يُحْرِزُهُ قُطِعَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمَتَاعِ مَنْ يُحْرِزُهُ لَمْ يُقْطَعْ إلَّا أَنْ يَسْرِقَهُ أَحَدٌ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ الْحَمَّامَ فَيُقْطَعُ قُلْتُ: مَا فَرْقُ مَا بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ الْمَتَاعِ الَّذِي يُوضَعُ لِلْبَيْعِ، وَقَدْ قُلْتُمْ فِي الْمَتَاعِ الَّذِي يُوضَعُ لِلْبَيْعِ إنَّ صَاحِبَهُ إذَا قَامَ فَسَرَقَ مِنْهُ رَجُلٌ قُطِعَ؟ قَالَ: ذَلِكَ حِرْزُهُ وَمَوْضِعُهُ وَلَا يُشْرِكُهُ فِي مَجْلِسِهِ أَحَدٌ، وَأَمَّا الْحَمَّامُ فَإِنَّمَا هُوَ مُشْتَرَكٌ لِمَنْ دَخَلَهُ، وَالْمَوْضِعُ الَّذِي فِيهِ الثِّيَابُ مُشْتَرَكٌ بِمَنْزِلَةِ الصَّنِيعِ الَّذِي يُصْنَعُ فِي الْبَيْتِ يَدْخُلُهُ الْقَوْمُ فَيُسْرَقُ مِمَّا فِي ذَلِكَ الْبَيْتِ فَلَيْسَ عَلَى مَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا قَطْعٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ سَرَقَ هَذَا الْمَتَاعَ الَّذِي فِي الْحَمَّامِ الَّذِي لَيْسَ عِنْدَهُ أَحَدٌ رَجُلٌ مِمَّنْ لَمْ يَدْخُلْ الْحَمَّامَ فَأَخْرَجَهُ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ. قُلْتُ: وَكَيْفَ يَسْرِقُ هَذَا؟ قَالَ: يَنْقُبُ مِنْ خَارِجٍ أَوْ يَحْتَالُ لَهُ حَتَّى يُخْرِجَ الْمَتَاعَ وَلَمْ يَدْخُلْ الْحَمَّامَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي أَذِنْت لِرَجُلٍ أَنْ يَدْخُلَ. بَيْتِي، أَوْ

стр. 2297

دَعَوْتُهُ إلَى طَعَامٍ فَسَرَقَ، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا يُقْطَعُ عِنْدَ مَالِكٍ وَهُوَ خَائِنٌ. قُلْتُ: وَالْحَوَانِيتُ مَنْ سَرَقَ مِنْهَا، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا أَنَّهُ دَخَلَ دَارَ هَذَا الرَّجُلِ لَيْلًا فَكَابَرَهُ بِالسِّلَاحِ فَأَخَذَ مَتَاعَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: أَقْطَعُ يَدَهُ وَرِجْلَهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَهَذَا مُحَارِبٌ. قِيلَ: أَفَيَقْتُلُهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: الْإِمَامُ مُخَيَّرٌ فِي الْمُحَارِبِ إذَا أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ، إنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ. وَرِجْلَهُ وَخَلَّى عَنْهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ كَابَرَهُ نَهَارًا فِي الزُّقَاقِ بِالسِّلَاحِ عَلَى مَتَاعِهِ، أَتَجْعَلُهُ مُحَارِبًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنْ كَانَ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الْمُحَارَبَةِ لَقِيَهُ فِي مَوْضِعٍ فَكَابَرَهُ بِالسِّلَاحِ وَإِنْ كَانَ فِي مِصْرٍ، فَهُوَ مُحَارِبٌ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اخْتَلَسَ مِنْهُ، أَتُقْطَعُ يَدُهُ فِي الْخِلْسَةِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا تُقْطَعُ فِي الْخِلْسَةِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا عَلَى أَمَةٍ أَوْ حُرَّةٍ أَوْ ذِمِّيَّةٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ أَوْ مُدَبَّرَةِ أَوْ عَبْدٍ بِالسَّرِقَةِ، أَيُقْطَعُ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَالْحَرْبِيُّ إذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ فَسَرَقَ أَيُقْطَعُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَ قَتَلْتُهُ وَإِنْ تَلَصَّصَ قَطَعْتُ يَدَهُ وَرِجْلَهُ أَوْ صَلَبْتُهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا عَلَى صَبِيٍّ أَوْ عَلَى مَجْنُونٍ مُطْبَقٍ أَوْ عَلَى مَنْ يُجَنُّ وَيُفِيقُ أَنَّهُمْ سَرَقُوا أَتَقْطَعُ هَؤُلَاءِ؟ قَالَ: أَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ الْمُطْبَقُ فَلَا يُقْطَعُ هَؤُلَاءِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَأَمَّا الَّذِي يُجَنُّ وَيُفِيقُ فَإِنْ سَرَقَ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، وَإِنْ سَرَقَ فِي حَالِ جُنُونِهِ فَلَا يُقْطَعُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ فِي حَالِ إفَاقَتِهِ وَرَفَعُوهُ إلَى السُّلْطَانِ فِي حَالِ جُنُونِهِ، أَيَقْطَعُهُ أَمْ يَنْتَظِرُ حَتَّى يَنْكَشِفَ ذَلِكَ عَنْهُ، وَهُوَ مِمَّنْ يُجَنُّ فِي رَأْسِ كُلِّ هِلَالٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ يَوْمَيْنِ؟ قَالَ: لَا يُقْطَعُ حَتَّى يُفِيقَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدَّارَ الْمُشْتَرَكَةَ الْمَأْذُونَ فِيهَا، تُرْبَطُ فِيهَا الدَّوَابُّ، فَيَسْرِقُ مِنْهَا رَجُلٌ؟ قَالَ: إذَا كَانَ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ مَرْبِطًا لِلدَّابَّةِ مَعْرُوفًا فَأَقْطَعُ الَّذِي سَرَقَهَا. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ لَهَا مَرْبِطٌ مَعْرُوفٌ فِي السِّكَّةِ فَسَرَقَهَا رَجُلٌ مِنْ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا كَانَ بِفِنَائِهِ أَوْ مُعْتَلَفٍ لَهُ مَعْرُوفٍ فَأَرَى أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ فِي الدَّابَّةِ تَكُونُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ وَاقِفَةً فَيَسْرِقُهَا رَجُلٌ: إنَّهُ يُقْطَعُ إذَا كَانَ مَعَ الدَّابَّةِ مَنْ يَحْفَظُهَا. قُلْتُ: فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ الدَّابَّةِ مَنْ يَحْفَظُهَا لَمْ يُقْطَعْ؟ قَالَ: نَعَمْ. قِيلَ: وَلِمَ لَا يُقْطَعُ؟ قَالَ: لِأَنَّهَا قَدْ صَارَتْ مُخَلَّاةً فَلَا قَطْعَ عَلَى مَنْ أَخَذَهَا، وَاَلَّتِي مَعَهَا مَنْ يَحْفَظُهَا وَيُمْسِكُهَا فَهُوَ حِرْزٌ لَهَا، وَمَرَابِطُهَا الْمَعْرُوفَةُ حِرْزٌ لَهَا مَنْ احْتَلَّهَا مِنْ مَرَابِطِهَا الْمَعْرُوفَةِ لَهَا فَأَخَذَهَا فَهَذَا يُقْطَعُ أَيْضًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الدَّارَ الْمُشْتَرَكَةَ إنْ كَانَ فِيهَا بُيُوتٌ لِقَوْمٍ شَتَّى، وَالدَّارُ مَأْذُونٌ فِيهَا، فَنَشَرَ رَجُلٌ ثِيَابَهُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتِهِ، وَبَيْتُهُ مَحْجُورٌ عَنْ النَّاسِ، فَسَرَقَ رَجُلٌ ثِيَابَهُ الَّتِي عَلَى ظَهْرِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: يُقْطَعُ فِي هَذَا. قَالَ: وَإِنْ نَشَرَهُ فِي صَحْنِ الدَّارِ لَمْ يُقْطَعْ إذَا كَانَ سَارِقُهُ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ، وَإِنْ كَانَ سَارِقُهُ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الدَّارِ قُطِعَ إلَّا أَنْ تَكُونَ دَارًا مُبَاحَةً لَا يُمْنَعُ مِنْهَا أَحَدٌ،

стр. 2298

فَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الدَّارِ أَوْ مِنْ غَيْرِهَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْأَبَ وَالْأُمَّ، أَيُقْطَعَانِ إذَا سَرَقَا مِنْ مَالِ الْوَلَدِ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَالْأَجْدَادُ لِلْآبَاءِ وَالْأُمَّهَاتِ قَالَ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُدْرَأَ عَنْهُ الْحَدُّ لِأَنَّهُ أَبٌ، وَلِأَنَّ مَالِكًا جَعَلَ فِي الْجَدِّ إذَا قَتَلَ ابْنَ ابْنِهِ التَّغْلِيظَ مِنْ الدِّيَةِ وَلَمْ يَقْتُلْهُ وَجَعَلَهُ أَبًا. فَإِنْ قَالَ رَجُلٌ: يُقْطَعُ لِأَنَّهُ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ وَلَدِ وَلَدِهِ، فَإِنَّ الْأَبَ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَةُ ابْنِهِ الْكَبِيرِ وَلَا ابْنَتِهِ الثَّيِّبِ، وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِيمَا سَرَقَ مِنْ أَمْوَالِهِمَا. وَلَا فِيمَا وَطِئَ مِنْ جَوَارِيهمَا حَدٌّ، وَكَذَلِكَ هَذَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ فِيمَا سَرَقَ وَلَا نَفَقَةَ، وَقَدْ قِيلَ: ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ. قُلْتُ أَرَأَيْتَ الْوَلَدَ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ الْأَبِ، أَيُقْطَعُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: تَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ مَالِكٌ: إذَا زَنَى الِابْنُ بِجَارِيَةِ أَبِيهِ حُدَّ فَكَذَلِكَ السَّرِقَةُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَرْأَةَ إذَا سَرَقَتْ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا، هَلْ تُقْطَعُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا سَرَقَتْ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا فِي غَيْرِ بَيْتِهَا الَّذِي تَسْكُنُ فِيهِ، وَكَذَلِكَ خَادِمُهَا إذَا سَرَقَتْ مِنْ مَالَ الزَّوْجِ مَنْ بَيْتِ الزَّوْجِ، وَقَدْ حُجِرَ عَلَيْهِ أَوْ سَرَقَ خَادِمُ الزَّوْجِ مِنْ مَالِ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتٍ قَدْ حَجَرَتْهُ عَلَيْهِمْ، قُطِعُوا أَيْضًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ أَبِي وَرَجُلًا أَجْنَبِيًّا، هَلْ يُقْطَعَانِ جَمِيعًا. إذَا سَرَقَا مِنِّي سَرِقَةً قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ قَالَ: أَرَى أَنْ لَا يُقْطَعَا. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكُلُّ مَنْ لَوْ سَرَقَ إذَا بَلَغَ الْحَدَّ أَنْ لَوْ سَرَقَ مِنِّي وَمَعَهُ أَجْنَبِيٌّ شَرِكَةً فِيهَا، مِثْلُ عَبْدِي وَأَجِيرِي الَّذِي ائْتَمَنْتُهُ عَلَى دُخُولِ بَيْتِي، فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَإِنْ تَعَاوَنَا فِي السَّرِقَةِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ عَمَّنْ مَضَى مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ. قُلْتُ: فَإِنْ سَرَقَ رَجُلٌ وَصَبِيٌّ صَغِيرٌ أَوْ مَجْنُونٌ سَرِقَةً قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، أَيُقْطَعُ الرَّجُلُ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الشَّرِيكَ يَسْرِقُ مِنْ مَتَاعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ؟ قَالَ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ شَرِيكٍ سَرَقَ مِنْ مَتَاعٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ شَرِيكِهِ مِنْ مَتَاعٍ قَدْ أُغْلِقَ عَلَيْهِ؟ قَالَ مَالِكٌ: لَا أَرَى أَنْ يُقْطَعَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَبَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: لَوْ أَنَّ شَرِيكَيْنِ اسْتَوْدَعَا رَجُلًا مَتَاعًا فَسَرَقَهُ أَحَدُهُمَا مِنْهُ، رَأَيْتُ أَنْ يُقْطَعَ إذَا كَانَ فِيمَا سَرَقَ مِنْ حِصَّةِ صَاحِبِهِ فَضْلٌ عَنْ جَمِيعِ حِصَّتِهِ رُبُعُ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، وَلَمْ يُجْعَلْ هَذَا عِنْدَهُ مِثْلَ الَّذِي يُغْلِقَانِ عَلَيْهِ الْبَابَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ أَخَوَانِ لِأَخِيهِمَا أَنَّ هَذَا السَّارِقَ سَرَقَ مَتَاعَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا كَانَ الْأَخَوَانِ صَالِحَيْنِ مُبَرَّزَيْنِ فِي الْعَدَالَةِ جَازَتْ شَهَادَتُهُمَا لِأَخِيهِمَا، وَلَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ فِي السَّرِقَةِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ أَنَّ شَهَادَتَهُمَا لِأَخِيهِمَا جَائِزَةٌ، وَأَرَى أَنَّهُمَا فِي السَّرِقَةِ بِمَنْزِلَةِ الْحُقُوقِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَا أَنِّي سَرَقْتُ مِنْ مُكَاتَبِي؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا شَهِدَا أَنَّ الْمُكَاتَبَ سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ لَمْ يُقْطَعْ، فَالسَّيِّدُ مِثْلُهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا عَلَى الْأَبِ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ مَالِ مُكَاتَبِ ابْنِهِ؟ قَالَ: لَا أَرَى أَنْ يُقْطَعَ لِأَنَّ الْأَبَ لَوْ سَرَقَ مِنْ مَالِ عَبْدِ ابْنِهِ مَالًا لَمْ يُقْطَعْ، فَكَذَلِكَ مُكَاتَبُ ابْنِهِ.

стр. 2299

[فِيمَنْ سَرَقَ مُصْحَفًا أَوْ شَيْئًا مِنْ الطَّعَامِ وَالْفَوَاكِهِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا سَرَقَ مُصْحَفًا؟ قَالَ: يُقْطَعُ. قُلْتُ أَرَأَيْتَ الطَّعَامَ، الْبِطِّيخَ وَاللَّحْمَ وَالْقِثَّاءَ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الطَّعَامِ الَّذِي لَا يَبْقَى فِي أَيْدِي النَّاسِ، إذَا سَرَقَ رَجُلٌ مِنْهُ مَا يَبْلُغُ قِيمَتَهُ رُبْعَ دِينَارٍ؟ قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ يُقْطَعُ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ الْأُتْرُنْجَة الَّتِي قَطَعَ فِيهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ إنَّمَا كَانَتْ أُتْرُنْجَةً تُؤْكَلُ وَلَمْ تَكُنْ ذَهَبًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ : «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ فَإِذَا أَوَاهُ الْمُرَاحُ أَوْ الْجَرِينُ فَالْقَطْعُ، فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» . هَلْ أُرِيدَ بِالثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ طَعَامٌ لَا يَبْقَى فِي أَيْدِي النَّاسِ فَمِنْ ثَمَّ دُفِعَ الْحَدُّ؟ قَالَ: لَيْسَ هَكَذَا إنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ الْحِرْزُ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَرِيسَةَ فِي الْجِبَالِ لَا يُقْطَعُ فِيهَا، فَإِذَا أَوَاهَا الْمُرَاحُ قُطِعَ سَارِقُهَا؟ فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا أُرِيدَ الْحِرْزُ وَلَمْ يُرَدّ الطَّعَامُ الَّذِي يَبْقَى فِي أَيْدِي النَّاسِ أَوْ لَا يَبْقَى. وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي جِذْعٍ مِنْ النَّخْلِ قَائِمٍ فِي النَّخْلِ قَدْ ذَهَبَ رَأْسُهُ، فَقَطَعَهُ رَجُلٌ فَسَرَقَهُ، أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ. وَإِنْ كَانَ فِي حِرْزٍ، وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ قَدْ قَطَعَهُ وَوَضَعَهُ فِي حَائِطِهِ وَأَحْرَزَهُ فَسَرَقَهُ رَجُلٌ قُطِعَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ بَغْلًا، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إذَا كَانَ قَدْ أَوَاهُ الْحِرْزُ مَا لَمْ يَكُنْ قَائِمًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إذَا سَرَقَ رَجُلٌ زِرْنِيخًا أَوْ نَطْرُونًا أَوْ نَوْرَةً أَوْ حِجَارَةً، وَقِيمَةُ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إذَا سَرَقَ مَا قِيمَةُ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، قُطِعَ عِنْدَ مَالِكٍ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ الْمَاءَ وَقِيمَةُ الْمَاءِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِك؟ قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي [فِيمَنْ سَرَقَ خَمْرًا أَوْ شَيْئًا مِنْ مُسْكِرِ النَّبِيذِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ خَمْرًا أَوْ خِنْزِيرًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ أَوْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الذِّمَّةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْطَعُ سَارِقُ الْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ، وَإِنْ سَرَقَهُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يُقْطَعُ وَأُغْرِمَ ثَمَنَهُ لَهُمْ إذَا كَانَ سَرَقَهُ مِنْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُعَاهَدٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ مُسْكِرَ النَّبِيذِ؟ قَالَ: هَذَا خَمْرٌ عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ الطَّيْرِ، بَازِيًا أَوْ غَيْرَهُ؟ قَالَ مَالِكٌ: مَنْ سَرَقَ شَيْئًا مِنْ الطَّيْرِ قُطِعَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ السِّبَاعَ الَّتِي لَا تُؤْكَلُ لُحُومُهَا، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يَنْظُرَ، فَإِنْ كَانَ فِي جُلُودِهَا مَا لَوْ ذُكِّيَتْ كَانَ فِيهَا قِيمَةُ مَا يُقْطَعُ فِيهِ لَرَأَيْتَ أَنْ يُقْطَعَ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا بَأْسَ بِجُلُودِ السِّبَاعِ إذَا ذُكِّيَتْ يُصَلَّى بِهَا وَعَلَيْهَا وَتُؤْكَلُ أَثْمَانُهَا، فَإِنْ كَانَتْ كَذَلِكَ فَقَدْ كَانَ لَهُ أَنْ يُذَكِّيَهَا وَيَبِيعَ جُلُودَهَا وَلَيْسَتْ مِثْلَ جُلُودِ الْمَيْتَةِ. قَالَ: وَلَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي جُلُودٍ الْمَيْتَةِ: لَا قَطْعَ فِيهَا. فَقِيلَ. لَهُ: فَإِنْ دُبِغَتْ ثُمَّ سُرِقَتْ؟ قَالَ: إنْ كَانَ فِيهَا مِنْ صَنْعَتِهَا مَا يَكُونُ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ سِوَى جُلُودِهَا رَأَيْتُ أَنْ يُقْطَعَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَكَذَلِكَ جُلُودُ السِّبَاعِ وَلُحُومُهَا، مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ الْمَدْبُوغَةِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ سَرَقَ كَلْبًا؟ قَالَ: بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ

стр. 2300

قَالَ: لَا يُقْطَعُ فِي الْكَلْبِ. قُلْتُ: صَائِدًا كَانَ أَوْ غَيْرَ صَائِدٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَهُوَ رَأْيِي، لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ حَرَّمَ ثَمَنَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَسْرِقُ النَّخْلَةَ بِأَصْلِهَا فِيهَا ثَمَرَةٌ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْطَعُ إذَا كَانَتْ قَائِمَةً ثَابِتَةً وَالشَّجَرُ كُلُّهَا. قَالَ مَالِكٌ: بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا قَطَعَهَا وَوَضَعَهَا فِي الْجِنَانِ فَكَانَ ذَلِكَ حِرْزًا لَهَا قُطِعَ سَارِقُهَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْجَرِينَ إذَا جُمِعَ فِيهِ الْحَبُّ وَالتَّمْرُ فَغَابَ عَنْهُ صَاحِبُهُ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ حَائِطٌ وَلَا بَابٌ وَلَا غِلْقٌ، فَسَرَقَ مِنْهُ سَارِقٌ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يُقْطَعُ عِنْدَ مَالِكٍ. أَلَا تَرَى أَنَّ الْأَمْتِعَاتِ الَّتِي فِي الْأَفْنِيَةِ الَّتِي تُبَاعُ، أَنَّ سَارِقَهَا يُقْطَعُ، كَانَ عِنْدَهَا صَاحِبُهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ مَالِكٍ، لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا، أَلَا تَرَى أَنَّ الْحَرِيسَةَ إذَا أَوَاهَا الْمُرَاحُ وَإِنْ كَانَ مُرَاحُهَا فِي غَيْرِ الدُّورِ، وَلَيْسَ عَلَيْهَا حِيطَانٌ وَلَا أَغْلَاقٌ، وَبَاتَ أَهْلُهَا فِي بُيُوتِهِمْ، فَسَرَقَ مِنْهَا سَارِقٌ، أَنَّهُ يُقْطَعُ فِي قَوْلٍ مَالِكٍ. وَكَذَلِكَ الدَّوَابُّ الَّتِي فِي مَرَابِطِهَا الْمَعْرُوفَةِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ دُونَهَا أَبْوَابٌ وَلَا أَغْلَاقٌ، وَلَا أَهْلُهَا عِنْدَهَا، فَإِنَّ سَارِقَهَا يُقْطَعُ وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُسَافِرَ إذَا سَافَرَ فَوَضَعَ مَتَاعَهُ فِي خِبَائِهِ أَوْ خَارِجًا مِنْ خِبَائِهِ، فَذَهَبَ لِاسْتِقَاءِ الْمَاءِ أَوْ لِحَاجَتِهِ وَتَرَكَ مَتَاعَهُ فَسَرَقَهُ سَارِقٌ، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْطَعُ، وَالْإِبِلُ إذَا كَانَتْ فِي رَعْيِهَا لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهَا، فَإِنْ أَوَاهَا مُرَاحُهَا قُطِعَ مَنْ سَرَقَهَا مِنْ هُنَاكَ. قُلْتُ: فَلَوْ ضَرَبَ فُسْطَاطَه فِي السَّفَرِ فَسَرَقَ الْفُسْطَاطَ سَارِقٌ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يُقْطَعُ. أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُقْطَعُ فِي الْمَتَاعِ الْمَوْضُوعِ فِي غَيْرِ خِبَاءٍ، فَكَذَلِكَ الْخِبَاءُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَتَى إلَى قِطَارٍ فَاحْتَلَّ مِنْهُ بَعِيرًا أَوْ سَرَقَ مِنْ مَحْمَلٍ شَيْئًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْطَعُ مَنْ احْتَلَّ بَعِيرًا مِنْ الْقِطَارِ، أَوْ أَخَذَ مِنْ الْمَحْمَلِ شَيْئًا عَلَى وَجْهِ الِاسْتِسْرَارِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذَ غَرَائِرَ عَلَى الْبَعِيرِ أَوْ شَقَّهَا فَأَخَذَ مِنْهَا الْمَتَاعَ، أَيُقْطَعُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَإِنْ أَخَذَ ثَوْبًا مُلْقًى عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ مُسْتَسِرًّا بِذَلِكَ قُطِعَ. قُلْتُ: فَإِنْ أَخَذَهُ غَيْرَ مُسْتَسِرٍّ قَالَ: إذَا أَخَذَهُ مُخْتَلِسًا لَمْ يُقْطَعْ عِنْدَ مَالِكٍ قُلْتُ: لِمَ لَا يَقْطَعُ مَالِكٌ الْمُخْتَلِسَ؟ قَالَ: مَضَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَقَدْ قَالَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: لَا يُقْطَعُ الْمُخْتَلِسُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّبَّاشَ أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ إذَا أَخْرَجَهُ مِنْ الْقَبْرِ قُطِعَ. وَقَدْ قَالَ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَرَبِيعَةُ وَعَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرُّفَقَاءَ فِي الْأَسْفَارِ يَنْزِلُ كُلُّ قَوْمٍ عَلَى حِدَةٍ فَيَسْرِقُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْهَا فَقَالَ يُقْطَعُونَ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِنَّمَا ذَلِكَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الدَّارِ فِيهَا الْمَقَاصِيرُ وَالسُّكَّانُ مُتَحَاجِزِينَ، فَيَسْرِقُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ أَنَّهُ يُقْطَعُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا طَرَحَ ثَوْبًا لَهُ فِي الصَّحْرَاءِ وَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ وَهُوَ يُرِيدُ الرَّجْعَةَ إلَيْهِ لِيَأْخُذَهُ فَسَرَقَهُ سَارِقٌ مُسْتَسِرًّا، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ إنْ كَانَ

стр. 2301

مَنْزِلًا نَزَلَهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الَّذِي وَضَعَ فِيهِ ثَوْبَهُ قُطِعَ فِي رَأْيِي، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَنْزِلًا نَزَلَهُ لَمْ يُقْطَعْ سَارِقُهُ. قُلْتُ: وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى الْمَنَازِلِ وَالْبُيُوتِ وَالدُّورِ، وَهِيَ الْحِرْزُ فَمَنْ سَرَقَ مِنْهَا قُطِعَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: نَعَمْ إنْ غَابَ أَرْبَابُهَا أَوْ حَضَرُوا. قَالَ: وَإِنَّمَا يُنْظَرُ فِي هَذَا إلَى الْمَوَاضِعِ الَّتِي جُعِلَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ حِرْزًا لَهَا، فَمَنْ سَرَقَ مِنْ هُنَاكَ قُطِعَ. وَظُهُورُ الدَّوَابِّ إذَا وُضِعَ عَلَيْهَا الْمَتَاعُ حِرْزٌ لِذَلِكَ الْمَتَاعِ عِنْدَ مَالِكٍ وَكَذَلِكَ الْقِطَارُ يُقَادُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ رَجُلٌ بَعِيرًا فَذَلِكَ حِرْزُهُ. قُلْتُ: فَإِنْ احْتَلَّ الْبَعِيرَ فَأَخَذَ مَكَانَهُ، أَيُقْطَعُ أَمْ حَتَّى يُنَحِّيَهُ؟ وَكَيْفَ إنْ كَانَ إنَّمَا نَحَّاهُ قَلِيلًا؟ قَالَ: لَمْ يَحُدَّ لَنَا مَالِكٌ فِي ذَلِكَ حَدًّا إلَّا أَنَّهُ إذَا احْتَلَّهُ عَنْ مَرْبِطِهِ وَسَارَ بِهِ وَصَارَ فِي يَدَيْهِ قُطِعَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ النَّبَّاشَ، مَا فَرْقُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الَّذِي طَرَحَ ثَوْبَهُ فِي الصَّحْرَاءِ؟ قَالَ: لِأَنَّ الْقَبْرَ حِرْزٌ لِمَا فِيهِ. قُلْتُ أَرَأَيْتَ إذَا طَرَّ مِنْ كُمِّ رَجُلٍ أَوْ مِنْ ثِيَابِهِ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ مِنْ دَاخِلِ الْكُمِّ أَوْ مَنْ خَارِجِ الْكُمِّ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُقْطَعُ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ أَخْرَجَ مِنْ خُفِّهِ دَرَاهِمَ، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّ الْحُرَّ إذَا سَرَقَهُ رَجُلٌ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا سَرَقَهُ مِنْ حِرْزِهِ قُطِعَ. قُلْتُ: وَالْحُرُّ وَالْعَبْدُ فِي هَذَا عِنْدَ مَالِكٍ سَوَاءٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ ثَوْبًا لَا يَسْوَى ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ خِرْقَةً لَا تَسْوَى ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَفِي نَاحِيَةِ الثَّوْبِ أَوْ الْخِرْقَةِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ مَصْرُورَةٌ، أَيَقْطَعُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ سَرَقَ ثَوْبًا أَوْ مَا أَشْبَهَهُ مِمَّا يَعْلَمُ النَّاسُ أَنَّ فِي مِثْلِهِ يُسْتَرْفَعُ الذَّهَبُ وَالْوَرِقُ قُطِعَ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ ذَلِكَ فِيهِ حِينَ سَرَقَهُ قُطِعَ وَلَا يَنْفَعُهُ جَهَالَتُهُ. وَمَا كَانَ مِنْ شَيْءٍ مِثْلَهُ لَا يُرْفَعُ فِيهِ الذَّهَبُ وَلَا الْوَرِقُ، مِثْلُ الْخَشَبَةِ وَالْحَجَرِ وَالْعَصَا، فَسَرَقَهُ سَارِقٌ وَفِيهِ ذَهَبٌ أَوْ فِضَّةٌ وَقِيمَةُ الَّذِي سُرِقَ لَيْسَ يُقْطَعُ فِي مِثْلِهِ إلَّا أَنَّ فِيهِ ذَهَبًا كَثِيرًا أَوْ فِضَّةً كَثِيرَةً، فَإِنَّهُ لَا يُقْطَعُ حَتَّى يَكُونَ قِيمَةُ الَّذِي سَرَقَ بِعَيْنِهِ سِوَى مَا فِيهِ رُبْعُ دِينَارٍ فَصَاعِدًا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ عَبْدًا كَبِيرًا أَعْجَمِيًّا، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ عَبْدًا كَبِيرًا فَصِيحًا، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ إذَا سَرَقَهُ؟ قَالَ: لَا يُقْطَعُ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ أَحَدُ الشَّاهِدَيْنِ أَنَّهُ سَرَقَ نَعْجَةً، وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ كَبْشًا أَيَقْطَعُهُ؟ قَالَ: لَا يُقْطَعُ لِأَنَّ شَهَادَتَهُمَا قَدْ اخْتَلَفَتْ. قُلْتُ: وَلَا يَرَاهُمَا قَدْ اجْتَمَعَتْ شَهَادَتُهُمَا عَلَى السَّرِقَةِ وَإِنْ اخْتَلَفَتْ فِي الَّذِي سَرَقَ. أَلَا تَرَى أَنَّهُمَا قَدْ شَهِدَا أَنَّهُ سَارِقٌ، اجْتَمَعَا فِي ذَلِكَ وَافْتَرَقَا فِي الَّذِي سَرَقَ؟ قَالَ: إذَا افْتَرَقَا فِي الَّذِي سَرَقَ عِنْدَ مَالِكٍ لَمْ أَقْطَعْهُ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَشْهَدَا عَلَى عَمَلِ وَاحِدٍ، وَالسَّرِقَةُ عَمَلٌ مِنْ الْأَعْمَالِ لَيْسَ بِإِقْرَارٍ، فَلَا يُقْطَعُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ شَهِدَ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سَرَقَ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَشَهِدَ الْآخَرُ أَنَّهُ سَرَقَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ لَا يُقْطَعُ. قُلْتُ: وَهَذَا كُلُّهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ.

стр. 2302

قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَخَلَ سَارِقٌ فَسَرَقَ طَعَامًا فَأَكَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مَنْ حِرْزِهِ فَخَرَجَ وَقَدْ أَكَلَهُ، أَيَقْطَعُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْطَعُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذَ دُهْنًا قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَدَهَنَ بِهِ رَأْسَهُ وَلِحْيَتَهُ فِي الْحِرْزِ ثُمَّ خَرَجَ بِهِ وَقَدْ اسْتَهْلَكَهُ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ مَا خَرَجَ بِهِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ مِنْ الدُّهْنِ إنْ سُلِتَ بَلَغَ رُبْعَ دِينَارٍ فَيُقْطَعُ وَإِلَّا لَمْ يُقْطَعْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ دَخَلَ الْحِرْزَ فَذَبَحَ شَاةً فَأَخْرَجَهَا مَذْبُوحَةً، أَوْ دَخَلَ الْحِرْزَ فَحَرَقَ ثِيَابًا ثُمَّ أَخْرَجَهَا مُحْرَقَةً، أَوْ أَفْسَدَ طَعَامًا فِي الْحِرْزِ أَخْرَجَهُ وَقَدْ أَفْسَدَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهِ. خَارِجًا مِنْ الْحِرْزِ حِينَ أَخْرَجَهُ، فَإِنْ كَانَتْ قِيمَتُهُ رُبْعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا قُطِعَ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهِ دَاخِلَ الْحِرْزِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَخَذَ وَقِيمَةُ الْمَتَاعِ الَّذِي أَخْرَجَ مِنْ الْحِرْزِ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَكَانَ قِيمَتُهُ يَوْمَ أَخْرَجَهُ مِنْ الْحِرْزِ دِرْهَمَيْنِ، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنَّمَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَةِ السَّرِقَةِ يَوْمَ سَرَقَهَا وَلَا يُنْظَرُ إلَى قِيمَتِهَا بَعْدَ ذَلِكَ غَلَتْ أَوْ رَخُصَتْ فَإِنْ كَانَ قِيمَتُهَا يَوْمَ أَخْرَجَهَا مِنْ حِرْزِهَا مَا يُقْطَعُ فِي مِثْلِهِ قُطِعَ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي قِيمَتِهَا يَوْمَ أَخْرَجَهَا مَا يُقْطَعُ فِي مِثْلِهِ لَمْ يُقْطَعْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ، أَتُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ يَدُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُمْنَى فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: فَإِنْ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ ضُرِبَ وَحُبِسَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ وَلَيْسَ لَهُ يَمِينٌ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَنَا مِنْهُ، وَلَكِنْ بَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِمَّنْ أَثِقُ بِهِ أَنَّهُ قَالَ: تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى. وَقَدْ كَانَ وَقَفَ عَلَى قَطْعِ رِجْلِهِ بَعْدَمَا قَالَهُ ثُمَّ قَالَ: تُقْطَعُ الْيَدُ وَقَوْلُهُ فِي الرِّجْلِ أَحَبُّ إلَيَّ وَهُوَ الَّذِي آخُذُ بِهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الَّذِي لَا يَدَيْنِ وَلَا رِجْلَيْنِ لَهُ إذَا سَرَقَ وَهُوَ عَدِيمٌ لَا مَالَ لَهُ، فَاسْتَهْلَكَ سَرِقَتَهُ فَأُخِذَ، أَتَضْرِبُهُ وَتَسْجُنُهُ وَتُضَمِّنُهُ السَّرِقَةَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَنَا مِنْهُ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: إذَا سَرَقَ وَهُوَ عَدِيمٌ لَا مَالَ لَهُ فَاسْتَهْلَكَ الرَّجُلُ الْحُرُّ السَّرِقَةَ وَهُوَ مُوسِرٌ، ثُمَّ أُخِذَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ وَقَدْ اسْتَهْلَكَ السَّرِقَةَ، فَإِنْ كَانَ يَوْمَ قُطِعَتْ يَدُهُ مُعْسِرًا لَمْ يُتْبَعْ بِهَا، وَإِنْ كَانَ يُسْرُهُ ذَلِكَ قَدْ ذَهَبَ مِنْهُ ثُمَّ أَعْسَرَ ثُمَّ قُطِعَتْ يَدُ السَّارِقِ وَقَدْ أَيْسَرَ ثَانِيَةً بَعْدَ الْعُسْرِ لَمْ يُؤْخَذْ أَيْضًا مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنْ سَرَقَ وَهُوَ مُعْسِرٌ ثُمَّ أُخِذَ وَهُوَ مُوسِرٌ قُطِعَتْ يَدُهُ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُ شَيْءٌ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إذَا سَرَقَ وَهُوَ مُوسِرٌ فَتَمَادَى بِهِ ذَلِكَ الْيُسْرُ إلَى أَنْ قُطِعَ، فَهَذَا الَّذِي يَضْمَنُ السَّرِقَةَ فِي يُسْرِهِ ذَلِكَ، فَأَمَّا إذَا انْقَطَعَ ذَلِكَ ثُمَّ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقُطِعَ لَمْ يَضْمَنْ تِلْكَ السَّرِقَةَ إذَا كَانَ قَدْ اسْتَهْلَكَهَا وَكَذَلِكَ لَوْ سَرَقَ وَهُوَ مُوسِرٌ ثُمَّ أَيْسَرَ بَعْدَ ذَلِكَ قُطِعَ وَلَمْ يَضْمَنْ إذَا كَانَ قَدْ اسْتَهْلَكَ السَّرِقَةَ.

стр. 2303

[الرُّجُوعُ عَنْ الشَّهَادَةِ وَخَطَأُ الْإِمَامِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ يَشْهَدُ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ أَنَّهُ سَرَقَ، ثُمَّ أَتَيَا بِآخَرَ قَبْلَ أَنْ يَقْطَع الْقَاضِي هَذَا الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ الْأَوَّلَ فَقَالَا: وَهَمُّنَا هُوَ هَذَا الْآخَرُ؟ قَالَ لَا أَرَى أَنْ يُقْطَعَ هَذَا وَلَا هَذَا. قُلْتُ: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ مَا أَخْطَأَ بِهِ الْإِمَامُ أَنَّ ذَلِكَ فِي بَيْتِ الْمَالِ؟ قَالَ: حَرَصْنَا أَنْ نَسْمَعَ مِنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ شَيْئًا فَأَبَى أَنْ يُجِيبَنَا، وَأَرَى أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى عَاقِلَتِهِ مِثْلُ خَطَأِ الطَّبِيبِ وَالْمُعَلَّمِ وَالْخَاتِنِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَا عَلَى رَجُلٍ بِالسَّرِقَةِ، ثُمَّ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا؟ قَالَ: ذَلِكَ لَهُمَا عِنْدَ مَالِكٍ. قُلْتُ: وَكُلُّ مَنْ شَهِدَ عَلَى شَهَادَةٍ فَرَجَعَ عَنْهَا قَبْلَ أَنْ يُقْضَى بِهَا فَلَهُ ذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ، وَلَا يَكُونُ عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَأَمَّا الشَّاهِدَانِ إذَا رَجَعَا، إنْ كَانَا عَدْلَيْنِ بَيِّنَةً عَدَالَتُهُمَا، وَأَتَيَا مِنْ أَمْرِهِمَا بِأَمْرٍ يُعْرَفُ بِهِ صِدْقُ قَوْلِهِمَا، وَأَنَّهُمَا لَمْ يَتَعَمَّدَا فِيهِ حَيْفًا، لَمْ أَرَ أَنْ يُقَالَ لَهُمَا شَيْءٌ، وَأُقِيلَا وَجَازَتْ شَهَادَتُهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ إذَا تَبَيَّنَ صِدْقُ مَا قَالَا، وَإِنْ كَانَا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ بَيَانِهِ وَمَعْرِفَةِ صِدْقِهِ، لَمْ أَرَ أَنْ تُقْبَلَ شَهَادَتُهُمَا فِيمَا يَسْتَقْبِلَانِ، وَلَوْ أُدِّبَا لَكَانَا لِذَلِكَ أَهْلًا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَتِهِمَا بَعْدَمَا قَضَى الْقَاضِي بِشَهَادَتِهِمَا، وَقَدْ شَهِدَا فِي دَيْنٍ أَوْ طَلَاقٍ أَوْ حَدٍّ مِنْ الْحُدُودِ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَمَا سَمِعْتُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِنَا يَحْكِي عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، إلَّا أَنِّي أَرَى أَنْ يَضْمَنَا ذَلِكَ فِي الدَّيْنِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِمَا الْعَقْلُ فِي الْقِصَاصِ فِي أَمْوَالِهِمَا، وَتَكُونُ عَلَيْهِمَا قِيمَةُ الْعِتْقِ. وَفِي الطَّلَاقِ، إنْ كَانَ دَخَلَ بِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَعَلَيْهِمَا نِصْفُ الصَّدَاقِ. وَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي الْأَمْوَالِ: أَرَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ غُرْمَ ذَلِكَ فِي أَمْوَالِهِمْ، أَخْبَرَنِي بِهِ مِنْ أَثِقُ بِهِ مِنْ أَصْحَابِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إذَا زَكِيَتْ الْبَيِّنَةُ الَّذِينَ شَهِدُوا عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِي، أَيَقُولُ الْقَاضِي لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إنَّهُمْ قَدْ شَهِدُوا، وَقَدْ زُكُّوا، فَعِنْدَك مَا تَدْفَعُ بِهِ شَهَادَتَهُمْ عَنْك؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ: يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ فِي السِّرِّ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَأَرَى إنْ كَانَ الَّذِي شَهِدَتْ عَلَيْهِ الشُّهُودُ، يَعْرِفُ وَجْهَ التَّجْرِيحِ وَلَا يَجْهَلُ ذَلِكَ، لَمْ أَرَ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ جَرِّحْ إنْ شِئْتَ. وَإِنْ كَانَ يَجْهَلُ ذَلِكَ وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَجْرَحَهُمْ، مِثْلُ الْمَرْأَةِ الضَّعِيفَةِ أَوْ الرَّجُلِ الْجَاهِلِ، رَأَيْتَ لَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ الْقَاضِي ذَلِكَ وَيُخْبِرَهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَجْرَحَهُمْ وَيَدْفَعَ شَهَادَتَهُمْ عَنْ نَفْسِهِ، لَعَلَّ عِنْدَهُ مَا يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ الْعَدَاوَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ، أَوْ شَرِكَةٌ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ الْمُعَدِّلُونَ. وَذَلِكَ أَنِّي سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَدَّعِي عَلَى الرَّجُلِ حَقًّا وَقَدْ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مُخَالَطَةٌ، فَيُقَالُ لِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ: احْلِفْ وَابْرَأْ فَيَنْكُلُ عَنْ الْيَمِينِ، أَتَرَى أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالْحَقِّ أَمْ يَقُولَ

стр. 2304

الْإِمَامُ لِلْمُدَّعِي: احْلِفْ وَاسْتَحِقَّ. وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ لَمْ يَطْلُبْ يَمِينَ الْمُدَّعِي؟ قَالَ مَالِكٌ: فَأَرَى لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يَقْضِيَ بِالْحَقِّ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ حَتَّى يَقُولَ لِلْمُدَّعِي: احْلِفْ أَنَّ الْحَقَّ حَقُّك، فَإِنْ حَلَفَ وَإِلَّا لَمْ يَقْضِ لَهُ بِشَيْءٍ. قَالَ مَالِكٌ: وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ لَيْسَ كُلُّهُمْ يَعْرِفُ أَنَّ الْيَمِينَ تَرُدُّهُ عَلَى الْمُدَّعِي، فَلَا يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْضِيَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إذَا نَكَلَ عَنْ الْيَمِينِ حَتَّى يَسْتَحْلِفَ الْمُدَّعِيَ، فَكَذَلِكَ مَسْأَلَتُك فِي التَّجْرِيحِ إنْ كَانَ مِمَّنْ يَجْهَلُ ذَلِكَ، رَأَيْتَ أَنْ يُعْلِمَهُ الْإِمَامُ الَّذِي لَهُ فِي ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَقْضِيَ عَلَيْهِ. قَالَ مَالِكٌ: وَإِذَا أَرَادَ الْقَاضِي أَنْ يَقْضِيَ عَلَى رَجُلٍ يَقْضِيه، فَوَجْهُ ذَلِكَ أَنْ يَقُولَ الْقَاضِي لِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ: أَبَقِيَتْ لَك حُجَّةً؟ فَإِنْ قَالَ: لَا، قَضَى عَلَيْهِ. فَإِنْ جَاءَ بَعْدَمَا قَضَى عَلَيْهِ يَطْلُبُ بَعْضَ ذَلِكَ، لَمْ يَقْبَلْ الْقَاضِي ذَلِكَ مِنْهُ، إلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِأَمْرٍ يَسْتَدِلُّ بِهِ عَلَى مَا قَالَ، مِثْلَ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَعْلَمْ بِبَيِّنَتِهِ هِيَ لَهُ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَى الشُّهُودِ بَعْدَمَا زُكُّوا، أَنَّهُمْ شَرَبَةُ الْخُمُورِ أَوْ أَكَلَةُ الرِّبَا أَوْ مُجَّانٌ أَوْ نَحْوُ هَذَا، أَوْ أَنَّهُمْ يَلْعَبُونَ بِالشِّطْرَنْجِ أَوْ بِالنَّرْدِ أَوْ بِالْحَمَامِ، أَيَكُونُ هَذَا مِمَّا تُجَرَّحُ بِهِ شَهَادَتُهُمْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ: أَنَا أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمَا قَدْ حُدَّا فِي الْقَذْفِ؟ قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الرَّجُلِ الْمَحْدُودِ فِي الْقَذْفِ الَّذِي يُعْرَفُ بِالصَّلَاحِ وَالْحَالَةِ الْحَسَنَةِ قَبْلَ الْقَذْفِ، فَكَيْفَ تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ حَتَّى تُقْبَلَ شَهَادَتُهُ؟ قَالَ: إذَا ازْدَادَ خَيْرًا عَلَى حَالَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا، وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ فِي الْخَيْرِ. وَقَدْ كَانَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عِنْدَنَا بِالْمَدِينَةِ رَجُلًا صَالِحًا، ثُمَّ وَلِيَ الْخِلَافَةَ فَزَادَ عَلَى حَالَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وَزَهِدَ فِي الدُّنْيَا. فَبِهَذَا يُعْتَبَرُ إنْ كَانَ دَاعِرًا حِينَ ضُرِبَ الْحَدَّ فِي الْقَذْفِ فَعُرِفَتْ تَوْبَتُهُ فَهَذَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ، فَأَرَى إنْ أَقَامَ عَلَى الشُّهُودِ الْبَيِّنَةَ أَنَّهُمْ جُلِدُوا فِي الْقَذْفِ، فَإِنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ إلَى حَالَتِهِمْ الْيَوْمَ وَإِلَى حَالَتِهِمْ قَبْلَ الْيَوْمِ، فَإِنْ عَرَفَ مِنْهُمْ تَزَايُدًا فِي الْخَيْرِ أَوْ التَّوْبَةِ عَنْ حَالَةٍ كَانَتْ لَا تُرْضَى قَبْلَ شَهَادَتِهِمْ. قُلْتُ: فَهَلْ يُحَدُّ النَّصْرَانِيُّ فِي الْقَذْفِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ إذَا قَذَفَ مُسْلِمًا حُدَّ. قُلْتُ: وَالْعَبْدُ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: وَكَمْ حَدُّهُمَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ فِي الْفِرْيَةِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: النَّصْرَانِيُّ حَدُّهُ ثَمَانُونَ فِي الْفِرْيَةِ، وَالْعَبْدُ حَدُّهُ أَرْبَعُونَ فِي الْفِرْيَةِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَسْلَمَ هَذَا النَّصْرَانِيُّ، أَتُقْبَلُ شَهَادَتُهُ وَقَدْ كَانَ حُدَّ فِي الْفِرْيَةِ ثُمَّ أَسْلَمَ بِحَضْرَةِ مَا حُدَّ وَشَهِدَ؟ قَالَ: نَعَمْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هَذَا رَأْيِي. قَالَ: لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ فِي كِتَابِهِ: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] سُورَةُ الْأَنْفَالِ قُلْتُ: فَهَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبِيدِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ الْحُدُودِ وَالْجِرَاحَاتِ أَوْ شَيْءٍ مِنْ الْحُقُوقِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَشْيَاءِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ رَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ سَرَقَ مَتَاعَ فُلَانٍ

стр. 2305

أَتُقْبَلُ شَهَادَةُ النِّسَاءِ فِي الْحُدُودِ وَتُضَمِّنُهُ السَّرِقَةَ، عَدِيمًا كَانَ أَوْ مُوسِرًا فِي قَوْلٍ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ يَشْهَدُ عَلَى الرَّجُلِ أَنَّهُ سَرَقَ مَتَاعَ فُلَانٍ: إنَّ الْحَدَّ لَا يُقَامُ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدِ الْوَاحِدِ، وَلَكِنْ يَحْلِفُ الْمَشْهُودُ لَهُ مَعَ شَاهِدِهِ فَيَسْتَحِقُّ مَتَاعَهُ وَيَدْفَعُ الْقَطْعَ. فَالرَّجُلُ وَالْمَرْأَتَانِ تَجُوزُ شَهَادَتُهُمْ لِرَبِّ الْمَتَاعِ، فَيَضْمَنُ السَّارِقُ قِيمَةَ ذَلِكَ وَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَلَا يَمِينَ عَلَى صَاحِبِ الْمَتَاعِ، فَإِذَا حَلَفَ مَعَ شَاهِدِهِ، فَإِنْ كَانَ الْمَتَاعُ قَائِمًا بِعَيْنِهِ أَخَذَهُ، وَإِنْ كَانَ مُسْتَهْلَكًا ضَمِنَ ذَلِكَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ، إنْ كَانَ عَدِيمًا أَيَضْمَنُ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ يَضْمَنُ فِي رَأْيِي. قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: تَجُوزُ أَتَجُوزُ شَهَادَةُ الشُّهُودِ عَلَى شَهَادَةِ الشُّهُودِ فِي السَّرِقَةِ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: تَجُوزُ شَهَادَةُ الرَّجُلَيْنِ عَلَى الرَّجُلِ فِي الْفِرْيَةِ وَالْحُدُودِ كُلِّهَا وَالسَّرِقَةُ حَدٌّ مِنْ الْحُدُودِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ غَائِبٍ أَنَّهُ سَرَقَ، فَقَدِمَ ذَلِكَ الرَّجُلُ الْغَائِبُ وَغَابَ الشُّهُودُ، أَوْ كَانُوا حُضُورًا فَقَدِمَ هَذَا الَّذِي شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ وَهُوَ غَائِبٌ، أَيَقْطَعُهُ الْإِمَامُ أَمْ لَا حَتَّى يُعِيدَ عَلَيْهِ الْبَيِّنَةَ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنَّهُ يُقْطَعُ إذَا كَانَ الْإِمَامُ قَدْ اسْتَأْصَلَ الْبَيِّنَةَ فِي إتْمَامِ الشَّهَادَةِ، لِأَنَّ مَالِكًا يُجِيزُ الشَّهَادَةَ عَلَى الْغَائِبِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رَجُلٍ بِشَيْءٍ مِنْ الْحُقُوقِ الَّتِي لِلنَّاسِ، أَوْ الْحُدُودِ الَّتِي لِلَّهِ، فَلَمْ يَطْعَنْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عَلَى الشُّهُودِ بِشَيْءٍ، أَيَحْكُمُ مَالِكٌ عَلَى الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ مَكَانَهُ إذَا لَمْ يَطْعَنْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فِي شَهَادَةٍ الشُّهُودِ أَمْ لَا يَحْكُمُ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ لَا يَحْكُمَ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْ الشُّهُودِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ تَقَادَمَتْ السَّرِقَةُ فَشَهِدُوا عَلَيْهِ بَعْدَ حِينٍ مِنْ الزَّمَانِ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: نَعَمْ، يُقْطَعُ عِنْدَ مَالِكٍ وَإِنْ تَقَادَمَ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ الْحُدُودُ كُلُّهَا شُرْبُ الْخَمْرِ وَالزِّنَا؟ قَالَ: نَعَمْ لَا يَبْطُلُ الْحَدُّ فِي شَيْءٍ مِمَّا ذَكَرْتَ وَإِنْ تَقَادَمَ ذَلِكَ وَطَالَ زَمَانُهُ أَوْ تَابَ السَّارِقُ وَحَسُنَتْ حَالُهُ، وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ وَهُوَ رَأْيِي. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ تَقَادَمَ بَعْدَ طُولٍ مِنْ الزَّمَانِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَهُوَ شَابٌّ فِي شَبِيبَتِهِ، ثُمَّ تَابَ وَحَسُنَتْ حَالُهُ وَصَارَ فَقِيهًا مَنْ الْفُقَهَاءِ عَابِدًا، فَشَهِدُوا عَلَيْهِ، أَيُحَدُّ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يُحَدُّ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ السَّكْرَانَ يُؤْتَى بِهِ إلَى الْإِمَامِ، أَيَضْرِبُهُ مَكَانَهُ أَمْ يُؤَخِّرُهُ حَتَّى يَصْحُوَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ مَالِكٌ: حَتَّى يَصْحُوَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ السَّرِقَةَ إذَا سَرَقَهَا السَّارِقُ فَبَاعَهَا فَأُخِذَ السَّارِقُ وَلَا مَالَ لَهُ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ أَصَابُوا السَّرِقَةَ الَّتِي بَاعَ قَائِمَةً عِنْدَ مُشْتَرِيهَا. قَالَ مَالِكٌ: قَالَ لِي مَالِكٌ: تُؤْخَذُ السَّرِقَةُ مِنْ الْمُشْتَرِي وَيَتْبَعُ الْمُشْتَرَيْ السَّارِقَ بِالثَّمَنِ الَّذِي دَفَعَ إلَيْهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمَسْرُوقَ مِنْهُ، أَيَكُونُ لَهُ أَنْ يَتْبَعَ الْمُشْتَرِيَ بِقِيمَةِ السَّرِقَةِ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي قَدْ أَتْلَفَهَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، إنْ كَانَ هُوَ أَتْلَفَهَا أَكَلَهَا أَوْ حَرَقَهَا أَوْ بَاعَهَا وَإِنْ كَانَ إنَّمَا أَصَابَهَا تَلَفٌ مِنْ السَّمَاءِ

стр. 2306

فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ رَجُلًا سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ ثَوْبًا فَصَبَغَ الثَّوْبَ أَحْمَرَ، فَأُخِذَ السَّارِقُ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُ الثَّوْبِ فَقُطِعَ، أَيَكُونُ لِرَبٍّ الثَّوْبِ أَنْ يَأْخُذَ الثَّوْبَ أَمْ لَا؟ قَالَ: أَرَى إنْ أَحَبَّ صَاحِبُ الثَّوْبِ أَنْ يُعْطِيَ السَّارِقَ قِيمَةَ الصَّبْغِ وَيَأْخُذَ ثَوْبَهُ. فَذَلِكَ لَهُ، وَإِنْ أَبَى بَيْعَ الثَّوْبِ، فَإِنْ كَانَ فِي ثَمَنِهِ وَفَاءٌ لِقِيمَةِ الثَّوْبِ يَوْمَ سَرَقَهُ السَّارِقُ كَانَ ذَلِكَ لِرَبِّ الثَّوْبِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ الثَّوْبُ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَعْطَى الْفَضْلَ السَّارِقَ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ لَمْ يَكُنْ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ عَلَى السَّارِقِ شَيْءُ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلسَّارِقِ مَالُ. قُلْتُ: فَإِنْ قَالَ رَبُّ الثَّوْبِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ: أَنَا آخُذُ ثَوْبِي وَأَدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَةَ صَبْغِهِ؟ قَالَ: ذَلِكَ لَهُ وَكَذَلِكَ الْغَاصِبُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ ثَوْبًا فَجَعَلَهُ ظَهَارَةَ جُبَّةٍ أَوْ ظَهَارَةَ قَلَانِسَ أَوْ بَطَائِنَ لِلْجِبَابِ، ثُمَّ أُخِذَ السَّارِقُ، وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرٌ ذَلِكَ فَقَالَ رَبُّ الثَّوْبِ: أَنَا آخُذُ ثَوْبِي وَإِنْ كَانَ مَقْطُوعًا وَأَفْتُقُهُ؟ قَالَ: ذَلِكَ لَهُ فِي رَأْيِي، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَوْ سَرَقَ خَشَبَةً فَأَدْخَلَهَا فِي بُنْيَانِهِ أَوْ عَمُودًا فَأَدْخَلَهُ فِي بُنْيَانِهِ، إنَّ لِرَبِّ ذَلِكَ الشَّيْءِ أَنْ يَأْخُذَهُ وَإِنْ كَانَ فِيهِ خَرَابُ بُنْيَانِ هَذَا، فَكَذَلِكَ الَّذِي سَأَلْتَ عَنْهُ. قُلْتُ: فَإِنْ أَبَى أَنْ يَأْخُذَ ثَوْبَهُ فَاسِدًا؟ قَالَ: يُصْنَعُ بِهِ إذَا كَمَا وَصَفْتُ لَك فِي الَّذِي صَبَغَ الثَّوْبَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ حِنْطَةً فَطَحَنَهَا سَوِيقًا وَلَتَّهَا، ثُمَّ أُخِذَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَقُطِعَ يَدُهُ وَقَالَ رَبُّ الْحِنْطَةِ: أَنَا آخُذُ هَذَا السَّوِيقَ؟ قَالَ: هُوَ كَمَا وَصَفْتُ لَكَ، يُبَاعُ هَذَا السَّوِيقُ وَيُعْطَى حِنْطَةً مِثْلَ حِنْطَتِهِ تُشْتَرَى لَهُ مِنْ ثَمَنِ السَّوِيقِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ سَرَقَ نُقْرَةَ فِضَّةٍ فَصَاغَهَا حُلِيًّا أَوْ ضَرَبَهَا دَرَاهِمَ، ثُمَّ أُخِذَ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُهَا فَقُطِعَ، كَيْفَ يَصْنَعُ بِهَذَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّهُ لَا شَيْءَ لَهُ إلَّا وَزْنُ فِضَّتِهِ لِأَنِّي إنْ أَجَزْتُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا بِلَا شَيْءٍ كُنْتُ قَدْ ظَلَمْتُ السَّارِقَ عَمَلَهُ، وَإِنْ قُلْتُ لِلْمَسْرُوقِ مِنْهُ أَعْطِهِ قِيمَةَ عَمَلِهِ كَانَتْ فِضَّةً بِفِضَّةٍ زِيَادَةً فَهَذَا الرِّبَا. قُلْتُ: أَرَأَيْت إنْ سَرَقَ مِنِّي نُحَاسًا فَصَنَعَهُ قُمْقُمًا أَوْ قِدْرًا، فَأُخِذَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ وَلَا مَالَ لَهُ غَيْرُ ذَلِكَ؟ قَالَ: هَذَا يَكُونُ بِمَنْزِلَةِ الْفِضَّةِ، وَيَكُونُ لَهُ مِثْلُ وَزْنِ نُحَاسِهِ. وَقَدْ سَأَلْتُ مَالِكًا عَمَّا اسْتَهْلَكَ مِنْ النُّحَاسِ أَوْ الْحَدِيدِ وَالتِّبْرِ وَالْفِضَّةِ مِمَّا يُوجَدُ مِثْلُهُ، أَهُوَ مِثْلُ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَالطَّعَامِ؟ قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، لَيْسَ لَهُ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ إلَّا مِثْلُ مَا اُسْتُهْلِكَ لَهُ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ سَرَقَ خَشَبَةً فَصَنَعَهَا بَابًا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ فِي الْخَشَبَةِ قِيمَتُهَا. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ غَنَمًا فَقَدَّمَهُ فَقُطِعَتْ يَدُهُ وَلَا مَالَ لَهُ وَقَدْ بَاعَ الْغَنَمَ، ثُمَّ أَصَابَهَا الْمَسْرُوقُ مِنْهُ عِنْدَ رَجُلٍ قَدْ وَلَدَتْ الْغَنَمُ عِنْدَهُ أَوْلَادًا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يَأْخُذُ الْغَنَمَ وَأَوْلَادَهَا الْمَسْرُوقُ مِنْهُ وَيَرْجِعُ الْمُشْتَرِي بِالثَّمَنِ عَلَى السَّارِقِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ سَرَقَ وَالْيَمِينُ شَلَّاءَ؟ قَالَ: عَرَضْنَاهَا عَلَى مَالِكٍ فَمَحَاهَا وَأَبَى أَنْ يُجِيبَنَا فِيهَا بِشَيْءٍ، ثُمَّ بَلَغَنِي عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُسْرَى وَيُبْتَدَأُ بِهَا. قَالَ

стр. 2307

ابْنُ الْقَاسِمِ: وَكَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى هَذِهِ الْآيَةِ ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨] سُورَةُ الْمَائِدَةِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَوْلُهُ الْأَوَّلُ الَّذِي تَرَكَهُ أَحَبُّ إلَيَّ وَهُوَ الَّذِي آخُذُ بِهِ أَنَّهُ تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى. قُلْت: فَإِنْ سَرَقَ وَالْيَدَانِ وَالرِّجْلَانِ شَلَلٌ قَالَ: يُضْرَبُ وَيُحْبَسُ وَلَا يُقْطَعُ مِنْهُ شَيْءٌ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: لَا يُقْطَعُ شَيْءٌ مِنْ الشُّلَلِ. قُلْت: فَإِنْ سَرَقَ وَإِصْبَعُهُ الْيُمْنَى، الْإِبْهَامُ ذَاهِبَةٌ، أَوْ إصْبَعَانِ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْ جَمِيعُ أَصَابِعِ كَفِّهِ الْيُمْنَى ذَاهِبَةٌ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ كَفُّهُ أَوْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى؟ قَالَ: أَمَّا الْإِصْبَعُ إذَا ذَهَبَ فَأَرَى أَنْ يُقْطَعَ، لِأَنِّي سَأَلْت مَالِكًا عَنْ الرَّجُلِ يَقْطَعُ يَدَ الرَّجُلِ الْيُمْنَى، وَإِبْهَامُ يَدِهِ الْيُمْنَى مَقْطُوعَةٌ. قَالَ: لَا أَرَى أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ. قَالَ مَالِكٌ: وَالْإِصْبَعُ يَسِيرَةٌ، فَأَرَى أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ عَلَى مَا قَالَ مَالِكٌ؟ قَالَ مَالِكٌ: وَأَمَّا إذَا لَمْ يَبْقَ إلَّا إصْبَعٌ أَوْ إصْبَعَانِ لَمْ أَرَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَبْقَ لَهُ إلَّا إصْبَعٌ أَوْ إصْبَعَانِ فَهُوَ مِثْلُ الْأَشَلِّ، فَتُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى إذَا كَانَ أَشَلَّ الْيَدَيْنِ بِحَالِ مَا وَصَفْت لَك. قُلْت: وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ أَصَابِعُ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ بِحَالِ مَا وَصَفْت لَك لَمْ تُقْطَعْ وَضُرِبَ وَسُجِنَ وَضَمِنَ السَّرِقَةَ؟ قَالَ: مِثْلُ الْأَشَلِّ الْيَدَيْنِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ سَرَقَ فَحَبَسَهُ الْقَاضِي لِيَقْطَعَ يَدَهُ بَعْدَمَا زُكِّيَتْ الْبَيِّنَةُ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ السِّجْنِ فَقَطَعَ يَدَهُ الْيُمْنَى؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُنَكَّلُ الَّذِي قَطَعَ يَدَهُ، وَلَا شَيْءَ عَلَى السَّارِقِ وَلَا عَلَى الْقَاطِعِ إلَّا أَنَّ السُّلْطَانَ يُؤَدِّبُهُ فِيمَا صَنَعَ. قُلْت: فَإِنْ سَجَنَهُ الْقَاضِي، وَقَدْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِسَرِقَةٍ وَلَمْ تُزَكِّ الْبَيِّنَةُ، فَوَثَبَ عَلَيْهِ وَاثِبٌ فِي السِّجْنِ فَقَطَعَ يَدَهُ، أَيَقْطَعُهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَرَى أَنَّ الْقَاضِيَ يَكْشِفُ عَنْ شَهَادَةِ هَؤُلَاءِ الشُّهُودِ، فَإِنْ زُكُّوا دَرَأَ عَنْ الْقَاطِعِ الْقِصَاصَ وَأَدَّبَهُ وَلَمْ يَقْطَعْ مِنْ السَّارِقِ شَيْئًا لِأَنَّهُ قَدْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَإِنْ لَمْ تُزَكَّ الْبَيِّنَةُ وَبَطَلَتْ أَمْكَنْته مِنْ الْقِصَاصِ مِنْ صَاحِبِهِ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ أَمَرَ الْقَاضِي بِقَطْعِ يَمِينِهِ فَأَخْطَأَ الْقَاطِعُ فَقَطَعَ شِمَالَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: يُجْزِئُهُ وَلَا تُقْطَعُ يَمِينُهُ، وَكَذَلِكَ بَلَغَنِي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قُلْت: فَهَلْ يَكُونُ عَلَى الْقَاطِعِ شَيْءٌ؟ قَالَ: مَا سَمِعْت مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى عَلَى الْقَاطِعِ شَيْئًا وَلَوْ كَانَ يَكُونُ عَلَى الْقَاطِعِ عَقْلُ السَّارِقِ لَقُطِعَتْ يَدُ السَّارِقِ الْيُمْنَى بِسَرِقَتِهِ. [بَابُ رَدِّ السَّارِقِ السَّرِقَةَ وَتَرْكِهِ ثُمَّ رَفْعِهِ بَعْدَ ذَلِكَ] َ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ سَرَقَ فَأَخَذَهُ أَرْبَابُ السَّرِقَةِ فَرَدَّ عَلَيْهِمْ سَرِقَتَهُمْ فَتَرَكُوهُ، ثُمَّ رَفَعَهُ قَوْمٌ أَجْنَبِيُّونَ أَوْ هُمْ إلَى السُّلْطَانِ بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ وَقَدْ رَدَّ السَّرِقَةَ؟ قَالَ: يُقْطَعُ، وَقَدْ أَخْبَرْتُك أَنَّ مَالِكًا قَالَ فِي الَّذِي يَعْفُو عَنْهُ أَوْلِيَاءُ الْمَتَاعِ عِنْدَ الْقَاضِي ثُمَّ يَرْفَعُهُ أَجْنَبِيٌّ، أَنَّهُ يُقْطَعُ فَهَذَا مِثْلُ ذَلِكَ قُلْت: فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يُذْكَرْ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ رَدَّ الْمَتَاعَ وَهَذَا رَدَّ

стр. 2308

الْمَتَاعَ، أَفَيُقْطَعُ بَعْدَ رَدِّ الْمَتَاعِ؟ قَالَ: نَعَمْ يُقْطَعُ، رَدَّ الْمَتَاعَ أَوْ لَمْ يَرُدَّهُ وَذَلِكَ عِنْدَهُ سَوَاءٌ وَيُقْطَعُ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ قَطَعَهُ فِي سَرِقَةٍ، أَيَكُونُ هَذَا الْقَطْعُ لِمَا كَانَ قَبْلَهُ مَنْ كُلِّ سَرِقَةٍ سَرَقَهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: نَعَمْ، وَلِكُلِّ قِصَاصٍ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي يَمِينِهِ مِنْ قَطْعٍ فِي سَرِقَةٍ أَوْ جِنَايَةِ عَلَى أَحَدٍ، وَكَذَلِكَ لَوْ ضُرِبَ فِي شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الزِّنَا فَهُوَ. لِمَا كَانَ قَبْلَهُ، فَإِنْ فَعَلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْئًا أُقِيمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَأَمَّا مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ فَهَذَا الضَّرْبُ وَالْقَطْعُ لِذَلِكَ كُلِّهِ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي الْحَدِّ لِمَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ. قُلْت: أَرَأَيْت إنْ رَفَعَهُ هَذَا الْمَسْرُوقُ مِنْهُ فَقَطَعَهُ وَلَا مَالَ عِنْدَهُ إلَّا قِيمَةُ سِلْعَتِهِ الَّتِي سَرَقَ، وَقَدْ كَانَ سَرَقَ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ نَاسٍ شَتَّى، فَلَمَّا قُطِعَ لِهَذَا الَّذِي رَفَعَهُ وَأَخَذَ مِنْهُ قِيمَةَ مَتَاعِهِ، قَدِمَ الَّذِينَ سَرَقَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَامُوا عَلَى هَذِهِ الْقِيمَةِ الَّتِي أَخَذَهَا هَذَا الَّذِي قَطَعَ يَدَ السَّارِقِ؟ قَالَ: أَرَى إنْ كَانَ ذَلِكَ الْيُسْرُ الَّذِي وَجَدَهُ عِنْدَهُ لَمْ يَزَلْ دَائِمًا مُنْذُ سَرَقَ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ فَإِنَّهُمْ شُرَكَاءُ فِي تِلْكَ الْقِيمَةِ، وَإِنْ كَانَ يُسْرًا حَدَثَ نُظِرَ إلَى كُلِّ سَرِقَةٍ سَرَقَهَا فِي يُسْرِهِ ذَلِكَ الَّذِي حَدَثَ، فَكَانُوا فِي هَذِهِ الْقِيمَةِ شُرَكَاءَ، يُضْرَبُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِقِيمَةِ سَرِقَتِهِ، وَلَيْسَ لِلَّذِينَ سُرِقَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ الْيُسْرِ فِي هَذِهِ الْقِيمَةِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، لِأَنَّ هَذَا يُسْرٌ حَدَثَ بَعْدَ سَرِقَتِهِ، لِأَنَّهُ لَوْ قُطِعَ لَهُ وَحْدَهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي هَذَا الْيُسْرِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَإِنَّمَا كَانَ يَدْخُلُ مَعَ هَؤُلَاءِ فِي هَذِهِ الْقِيمَةِ لَوْ أَنَّ يُسْرَهُ تَمَادَى بِهِ مِنْ يَوْمِ سَرَقَ مِنْهُ إلَى يَوْمِ قُطِعَ. قُلْت: وَلَا يُنْظَرُ إلَى مَنْ قَضَى لَهُ بِالْقِيمَةِ وَأَصْحَابُهُ غُيَّبٌ فَيَجْعَلُهَا لَهُ دُونَهُمْ، لِأَنَّهُ قَدْ حُكِمَ لَهُ بِهَا دُونَهُمْ؟ قَالَ: لَا، لِأَنَّهُ بِمَنْزِلَةٍ رَجُلٍ فَلَّسَ، وَلِرَجُلِ غَائِبٍ عَلَيْهِ دَيْنٌ، فَقَضَى هَؤُلَاءِ الْحُضُورَ وَتَرَكَ الْغَائِبَ وَقَدِمَ، فَإِنَّهُ يَدْخُلُ فِيمَا أَخَذَ هَؤُلَاءِ الْحُضُورُ، يُضْرَبُ فِي ذَلِكَ بِمِقْدَارِ دَيْنِهِ. وَلَوْ دَايَنَهُ قَوْمٌ آخَرُونَ بَعْدَ إفْلَاسِهِ لَمْ يَكُنْ لِلْغَائِبِ فِي مَالِهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ، وَإِنَّمَا يَتْبَعُ الْأَوَّلِينَ الَّذِينَ فَلَّسُوهُ وَقَسَّمَ لَهُمْ مَالَهُ وَكَذَلِكَ السَّارِقُ. [الِاخْتِلَافُ فِي السَّرِقَةِ] ِ قُلْت: أَرَأَيْت إنْ سَرَقَ سَرِقَةً فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قِيمَةِ السَّرِقَةِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: دِرْهَمَانِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا شَهِدَ رَجُلَانِ عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِقِيمَةِ تِلْكَ السِّلْعَةِ، أَنَّ قِيمَتَهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ قُطِعَ. قُلْت: أَيُقْطَعُ بِقِيمَةِ رَجُلٍ وَاحِدٍ؟ قَالَ: لَا يُقْطَعُ حَتَّى يُقَوِّمَهَا رَجُلَانِ عَدْلَانِ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: إذَا شَهِدَ عَلَى قِيمَتِهَا رَجُلَانِ عَدْلَانِ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِقِيمَةِ تِلْكَ السِّلْعَةِ قُطِعَتْ يَدُهُ. قُلْت: أَرَأَيْت الشُّهُودَ إذَا شَهِدُوا عِنْدَ الْقَاضِي، أَيَأْمُرُ الْقَاضِي أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُمْ فِي السِّرِّ، فَإِنْ زُكُّوا سَأَلَ عَنْهُمْ فِي الْعَلَانِيَةِ؟ قَالَ: نَعَمْ يَسْأَلُ عَنْهُمْ، فَإِنْ زُكُّوا أَجَازَ شَهَادَتَهُمْ وَلَا أُبَالِي فِي السِّرِّ سَأَلَ عَنْهُمْ أَوْ فِي الْعَلَانِيَةِ، إذَا زُكُّوا، إنْ شَاءَ فِي السِّرِّ وَإِنْ شَاءَ فِي الْعَلَانِيَةِ، وَحُكِمَ بِشَهَادَتِهِمْ إذَا كَانَ مَنْ

стр. 2309

يُزَكِّيهِمْ عَدْلًا إلَّا أَنْ يَجْرَحَهُمْ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ. قُلْتُ: وَهَذَا فِي حُقُوقِ النَّاسِ وَفِي الْحُدُودِ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ وَفِي الْقِصَاصِ سَوَاءٌ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: وَلَا يَجُوزُ فِي التَّزْكِيَةِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، إلَّا رَجُلَانِ عَدْلَانِ. وَلَوْ أَنَّ الْقَاضِيَ اخْتَارَ رَجُلًا يَسْأَلُ لَهُ عَنْ الشُّهُودِ، جَازَ قَوْلُهُ وَقَبِلَ مَا رُفِعَ إلَيْهِ، وَلَا يَنْبَغِي لَهُ وَلَا لِلْقَاضِي أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُ إلَّا مَا زَكَّاهُ عِنْدَهُ رَجُلَانِ عَدْلَانِ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَهَذَا الَّذِي سَمِعْتُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ سَرَقَ مِنْ السُّفُنِ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ، لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ: الْمَوَاضِعُ حِرْزٌ لِمَا كَانَ فِيهَا، وَالسَّفِينَةُ عِنْدَ مَالِكٍ حِرْزٌ لِمَا فِيهَا. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ سَرَقَ سَفِينَةً، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنِّي أَرَى أَنَّهُ مِثْلُ مَنْ سَرَقَ دَابَّةً، لِأَنَّهَا تُحْبَسُ وَتُرْبَطُ وَإِلَّا ذَهَبَتْ. وَإِنْ كَانَ مَعَهَا مَنْ يُمْسِكُهَا فَسَرَقَهَا سَارِقٌ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الدَّابَّةِ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ أَوْ فِي السُّوقِ إذَا كَانَ مَعَهَا مَنْ يُمْسِكُهَا قُطِعَ سَارِقُهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا مَنْ يُمْسِكُهَا لَمْ يُقْطَعْ. قُلْت: وَكَذَلِكَ السَّفِينَةُ إذَا سَافَرُوا فِيهَا فَنَزَلُوا مَنْزِلًا فَرَبَطُوا السَّفِينَةَ فَسَرَقَهَا رَجُلٌ، فَإِنَّهُ يُقْطَعُ، كَانَ مَعَهَا صَاحِبُهَا أَوْ ذَهَبَ عَنْهَا صَاحِبُهَا فِي حَاجَتِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ كُلَّ مَا دَرَأْت بِهِ الْحَدَّ فِي السَّرِقَةِ، أَيَضْمَنُ السَّارِقُ قِيمَةَ السَّرِقَةِ وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: أَرَأَيْت مُسْلِمًا سَرَقَ مِنْ حَرْبِيٍّ دَخَلَ بِأَمَانٍ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْحَرْبِيَّ إذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ فَسَرَقَ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي. [إقَامَة الْحُدُود فِي أَرْض الْحَرْب وَأَكْل الْخِنْزِير وَالشُّرْب فِي رَمَضَان وَالْإِقْرَار بِالزِّنَا وَالسَّرِقَة] قُلْت: أَرَأَيْت أَمِيرَ الْجَيْشِ إذَا دَخَلَ أَرْضَ الْحَرْبِ، فَسَرَقَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ شَرِبُوا الْخُمُورَ أَوْ زَنَوْا، أَيُقِيمُ عَلَيْهِمْ أَمِيرُهُمْ الْحُدُودَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: يُقِيمُ عَلَيْهِمْ الْحُدُودَ - فِي أَرْضِ الْحَرْبِ - أَمِيرُ الْجَيْشِ وَهُوَ أَقْوَى لَهُ عَلَى الْحَقِّ، كَمَا تُقَامُ الْحُدُودُ فِي أَرْضِ الْإِسْلَامِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ تُجَّارًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ دَخَلُوا أَرْضَ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ فَسَرَقَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، ثُمَّ شَهِدُوا عَلَى السَّارِقِ بِالسَّرِقَةِ حِينَ خَرَجُوا إلَيْنَا، أَيُقَامُ الْحَدُّ عَلَى السَّارِقِ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ فِي الْجَيْشِ إذَا كَانُوا فِي أَرْضِ الْحَرْبِ: إنَّهُ يُقَامُ عَلَى السَّارِقِ الْحَدُّ، فَكَذَلِكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ دَخَلُوا بِأَمَانٍ، وَلِأَنَّ مَالِكًا لَا يَلْتَفِتُ إلَى اخْتِلَافِ الدَّارَيْنِ، وَهَؤُلَاءِ مُسْلِمُونَ مُقِرُّونَ بِأَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسُوا بِمَنْزِلَةِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لَا يُقِرُّونَ بِأَحْكَامِ الْمُسْلِمِينَ. قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ زَنَى فِي دَارِ الْحَرْبِ بَعْضُ هَؤُلَاءِ التُّجَّارِ، أَوْ شَرِبَ الْخَمْرَ فَشَهِدُوا عَلَيْهِ بَعْدَمَا خَرَجَ، أَيُقِيمُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الْحَدَّ؟ قَالَ: نَعَمْ فِي رَأْيِي. قُلْت: أَرَأَيْت مَنْ أَكَلَ لَحْمَ الْخِنْزِيرِ مِنْ

стр. 2310

الْمُسْلِمِينَ، أَتَكُونُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ أَمْ مَاذَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَاقِبَهُ الْإِمَامُ لِمَا اجْتَرَأَ فِي أَكْلِهِ. قَالَ: وَقَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي رَمَضَانَ جُلِدَ ثَمَانِينَ ثُمَّ يَضْرِبُهُ لِإِفْطَارِهِ فِي رَمَضَانَ. قُلْتُ: وَكَمْ يُضْرَبُ لِإِفْطَارِهِ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: يُعَاقَبُ، لِأَنِّي سَأَلْت مَالِكًا عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ. قُلْتُ: وَيَجْمَعُ الْإِمَامُ ضَرْبَ حَدِّ الْخَمْرِ وَالضَّرْبَ الَّذِي يَضْرِبُهُ لِإِفْطَارِهِ فِي رَمَضَانَ جَمِيعًا، أَمْ إذَا جَفَّ ضَرْبُ الْحَدِّ ضَرَبَهُ لِإِفْطَارِهِ فِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: سَأَلْته عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ، إنْ شَاءَ جَمَعَ الضَّرْبَ وَإِنْ شَاءَ فَرَّقَهُ. قَالَ: وَيُؤَدِّبُهُ لِأَكْلِهِ الْخِنْزِيرَ عَلَى مَا يَرَى الْإِمَامُ وَيَجْتَهِدُ فِيهِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ أَنَّهُ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ أَوْ بِالزِّنَا وَهُوَ يُنْكِرُ، أَيُقِيمُ الْإِمَامُ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِي الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ أَتَى بِأَمْرٍ يُعْذَرُ بِهِ، مِثْلُ أَنْ يَقُولَ أَقْرَرْتُ بِأَمْرِ كَذَا وَكَذَا قَبِلَ مِنْهُ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ جَحَدَ الْإِقْرَارَ أَصْلًا أَيُقَالُ؟ قَالَ: أَرَى أَنْ يُقَالَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْعَبِيدَ وَالْمُكَاتَبِينَ وَالْمُدَبَّرِينَ وَأُمَّهَاتِ الْأَوْلَادِ إذَا أَقَرُّوا بِالسَّرِقَةِ، أَتُقْطَعُ أَيْدِيهِمْ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: تُقْطَعُ أَيْدِيهمْ - عِنْدَ مَالِكٍ - إذَا غَيَّبُوا قُلْتُ: فَإِنْ كَانَتْ السَّرِقَةُ الَّتِي أَقَرُّوا بِهَا فِي أَيْدِيهمْ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ سَرَقُوهَا مِنْ هَذَا الرَّجُلِ وَقَالَ سَيِّدُهُمْ: كَذَبْتُمْ بَلْ هَذَا مَتَاعِي. قَالَ: سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ سِلْعَةٍ كَانَتْ مَعَ جَارِيَةٍ أَتَتْ بِهَا لِتَرْهَنَهَا، فَقَالَ رَجُلٌ: أَنَا دَفَعْت إلَيْهَا هَذِهِ السِّلْعَةَ لِتَرْهَنَهَا لِي. وَقَالَتْ الْجَارِيَةُ: صَدَقَ هُوَ دَفَعَ ذَلِكَ إلَيَّ. وَقَالَ سَيِّدُهَا: السِّلْعَةُ سِلْعَتِي؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إنْ كَانَ لِلْمُدَّعِي بَيِّنَةٌ أَنَّهُ دَفَعَ إلَى الْجَارِيَةِ لِتَرْهَنَهَا، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ السِّلْعَةِ شَيْءٌ وَكَانَتْ السِّلْعَةُ لِسَيِّدِ الْجَارِيَةِ. قُلْتُ: فَهَلْ يَحْلِفُ سَيِّدُ الْجَارِيَةِ لِهَذَا الرَّجُلِ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ. [بَابُ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ] ِ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الصَّبِيَّ إذَا سَرَقَ أَوْ زَنَى أَوْ أَصَابَ حَدًّا وَقَدْ بَلَغَ سِنَّ مَنْ يَحْتَلِمُ - وَمِنْ الصِّبْيَانِ مَنْ يَبْلُغُ ذَلِكَ السِّنَّ فَلَا يَحْتَلِمُ، وَيَحْتَلِمُ بَعْدَ ذَلِكَ بِسَنَةٍ أَوْ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ - أَيَنْتَظِرُهُ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْ السِّنِّ مَا لَا يُجَاوِزُهُ أَحَدٌ مَنْ الْغِلْمَانِ إلَّا احْتَلَمَ، أَمْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إذَا بَلَغَ أَوَّلَ سِنِّ الِاحْتِلَامِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا أُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ حَتَّى يَبْلُغَ مِنْ السِّنِّ مَا لَا يُجَاوِزُهُ غُلَامٌ إلَّا احْتَلَمَ إذَا لَمْ يَحْتَلِمْ قَبْلَ ذَلِكَ. قُلْتُ: وَالْجَارِيَةُ إذَا لَمْ تَحِضْ كَذَلِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَنْبَتَ الْغُلَامُ وَلَمْ يَحْتَلِمْ وَلَمْ يَبْلُغْ أَقْصَى سِنِّ الِاحْتِلَامِ، أَيُحَدُّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَدْ قَالَ مَالِكٌ: يُحَدُّ إذَا أَنْبَتَ، وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ لَا يُحَدَّ وَإِنْ أَنْبَتَ حَتَّى يَحْتَلِمَ أَوْ يَبْلُغَ مِنْ السِّنِّ مَا لَا يُجَاوِزُهُ غُلَامٌ إلَّا احْتَلَمَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِي الْإِنْبَاتِ فَرَأَيْتُهُ يَصْغَى إلَى الِاحْتِلَامِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَرَّ بِشَيْءٍ مِنْ الْحُدُودِ بَعْدَ

стр. 2311

التَّهْدِيدِ أَوْ الْقَيْدِ أَوْ الْوَعِيدِ أَوْ السِّجْنِ أَوْ الضَّرْبِ، أَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ أَقَرَّ بَعْدَ التَّهْدِيدِ أُقِيلَ، فَالْوَعِيدُ وَالْقَيْدُ وَالسِّجْنُ وَالضَّرْبُ تَهْدِيدٌ كُلُّهُ وَأَرَى أَنْ يُقَالَ. قُلْتُ: وَالْوَعِيدُ وَالتَّهْدِيدُ - عِنْدَ مَالِكٍ - بِمَنْزِلَةِ السِّجْنِ وَالضَّرْبِ؟ قَالَ: قَدْ أَخْبَرْتُكَ بِقَوْلِهِ فِي التَّهْدِيدِ فَمَا سَأَلْتَ عَنْهُ عِنْدِي مِثْلَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَرَّ بَعْدَ الْقَيْدِ وَالضَّرْبِ، ثُمَّ ثَبَتَ عَلَى إقْرَارِهِ، أَيُقِيمُ عَلَيْهِ مَالِكٌ الْحَدَّ وَإِنَّمَا كَانَ أَصْلُ إقْرَارِهِ غَيْرَ جَائِزٍ عَلَيْهِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِي هَذَا إلَّا مَا أَخْبَرْتُكَ أَنَّهُ قَالَ: يُقَالُ. وَأَنَا أَرَى أَنَّهُ مَا كَانَ إقْرَارُهُ بَعْدَ أَمْنٍ مِنْ عُقُوبَةٍ يَعْرِفُ ذَلِكَ، فَأَرَى أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ أَوْ يُخْبَرَ بِأَمْرٍ يَعْرِفُ بِهِ وَجْهَ صِدْقِ مَا أَقَرَّ بِهِ وَعَيَّنَ، وَإِلَّا لَمْ أَرَ أَنْ يُقْطَعَ لِأَنَّ الَّذِي كَانَ مِنْ إقْرَارِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ قَدْ انْقَطَعَ، وَهَذَا كَأَنَّهُ إقْرَارٌ حَادِثٌ بَلْ هُوَ إقْرَارٌ حَادِثٌ. قُلْت: أَيُخَلَّى عَنْهُ إذَا كَانَ إقْرَارُهُ إنَّمَا كَانَ خَوْفًا مِنْهُ - فِي قَوْلِ مَالِكٍ - وَهُوَ لَمْ يَرْجِعْ عَنْ إقْرَارِهِ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَلَا أَرَى أَنْ يُخَلَّى عَنْهُ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ يُحْبَسَ حَتَّى يَسْتَبْرِئَ أَمْرَهُ. قُلْتُ: فَإِنْ ضُرِبَ وَهُدِّدَ فَأَقَرَّ فَأَخْرَجَ الْقَتِيلَ، أَوْ أَخْرَجَ الْمَتَاعَ الَّذِي سُرِقَ، أَيُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ فِيمَا أَقَرَّ بِهِ أَمْ لَا وَقَدْ أَخْرَجَ ذَلِكَ؟ قَالَ: لَا أُقِيمُ عَلَيْهِ الْحَدَّ إلَّا أَنْ يُقِرَّ بِذَلِكَ آمِنًا لَا يَخَافُ شَيْئًا. قُلْتُ فَإِنْ جَاءَ بِبَعْضِ الْمَتَاعِ وَأَتْلَفَ بَعْضَ الْمَتَاعِ، أَتُضَمِّنُهُ بَقِيَّةَ الْمَتَاعِ إذَا جَاءَ بِوَجْهِ يُعْذَرُ بِهِ؟ قَالَ: لَا. قُلْتُ: أَفَتُضَمِّنُهُ الدِّيَةَ إذَا جَاءَ بِوَجْهٍ يَعْذُرُهُ بِهِ السُّلْطَانُ؟ قَالَ: لَا أُضَمِّنُهُ الدِّيَةَ. قُلْت: أَتَحْفَظُهُ عَنْ مَالِكٍ؟ قَالَ: لَا هُوَ رَأْيِي. قُلْت: أَرَأَيْت السَّارِقَ إذَا شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ، أَتَسْتَحْسِنُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ لَهُ: قُلْ مَا سَرَقْتُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ مَالِكٍ وَلَمْ أَسْمَعْ أَحَدًا يَذْكُرُهُ عَنْهُ، وَلَا أَرَى لِلْإِمَامِ أَنْ يَقُولَ لَهُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ كَانَ الْبَرْدُ الشَّدِيدُ أَوْ الْحَرُّ الشَّدِيدُ، فَأَتَى بِالسَّارِقِ فَشَهِدُوا عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ، فَخَافَ الْإِمَامُ إنْ قَطَعَهُ أَنْ يَمُوتَ لِشِدَّةِ الْحَرِّ أَوْ الْبَرْدِ، أَيَرَى مَالِكٌ أَنْ يُؤَخِّرَهُ الْإِمَامُ؟ قَالَ: بَلَغَنِي أَنَّ مَالِكًا كَانَ يَقُولُ فِي الْبَرْدِ الَّذِي يُخَافُ مِنْهُ أَنْ يُكَزَّ فِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ يُؤَخِّرُهُ، وَأَرَى إنْ كَانَ الْحَرُّ أَمْرًا يُعْرَفُ خَوْفُهُ لَا يُشَكُّ فِيهِ أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَرْدِ فَأَرَاهُ مِثْلَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالسَّرِقَةِ، فَأَرَادَ الْإِمَامُ قَطْعَهُ، فَشَهِدَ آخَرُونَ عَلَيْهِ بِالْقَتْلِ، أَيَأْتِي الْقَتْلُ عَلَى السَّرِقَةِ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَإِنْ شَهِدُوا عَلَيْهِ بِسَرِقَةٍ وَشَهِدَ عَلَيْهِ آخَرُونَ بِقَتْلٍ عَمْدًا فَعَفَا أَوْلِيَاءُ الْقَتِيلِ، أَتَقْطَعُهُ أَمْ لَا فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ يُقْطَعُ فِي رَأْيِي. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَطَعَ يَمِينَ رَجُلٍ وَسَرَقَ لِمَ يَقْطَعُ يَمِينَهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لِلسَّرِقَةِ. قُلْتُ: فَهَلْ تَكُونُ لِهَذَا الَّذِي قُطِعَتْ يَمِينُهُ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَنْ قَطَعَ يَمِينَ رَجُلٍ فَأَتَى رَجُلٌ فَأَصَابَ الْقَاطِعَ بَلَاءٌ مِنْ السَّمَاءِ فَذَهَبَتْ يَمِينُهُ، أَنَّهُ لَا شَيْءَ لِلْمَقْطُوعَةِ يَمِينُهُ عَلَى الْقَاطِعِ، لَا مِنْ دِيَةٍ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا، لِأَنَّ الَّذِي كَانَ حَقُّهُ فِيهِ قَدْ ذَهَبَ. فَكَذَلِكَ الَّذِي سَرَقَ وَقَطَعَ يَمِينَ رَجُلٍ إذَا قُطِعَ فِي السَّرِقَةِ، فَلَا شَيْءَ

стр. 2312

لِلْمَقْطُوعَةِ يَمِينُهُ. قُلْتُ: وَلِمَ قَطَعَ مَالِكٌ يَمِينَهُ لِلسَّرِقَةِ وَلَمْ يَقْطَعْهَا لِيَمِينِ الْمَقْطُوعَةِ يَدُهُ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا اجْتَمَعَ حَدٌّ لِلْعِبَادِ وَحَدٌّ لِلَّهِ، يَكُونُ لِلْعِبَادِ أَنْ يَعْفُوا عَنْهُ وَحُدُودُ اللَّهِ لَا يَجُوزُ لِلْعِبَادِ الْعَفْوُ عَنْهُ، فَإِنَّهُ يُقَامُ الْحَدُّ الَّذِي هُوَ لِلَّهِ الَّذِي لَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ وَقَطَعَ شِمَالَ رَجُلٍ فَرُفِعَ إلَى السُّلْطَانِ، أَيُقْطَعُ لِلسَّرِقَةِ وَيُقْتَصُّ مِنْ شِمَالِهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْت: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: هُوَ رَأْيِي، لِأَنَّ مَنْ سَرَقَ - عِنْدَ مَالِكٍ - أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ السَّرِقَةِ، وَمَنْ قَطَعَ مُتَعَمِّدًا اُقْتُصَّ مِنْهُ. قُلْتُ: فَهَلْ يُجْمَعُ الْقَطْعَانِ عَلَيْهِ جَمِيعًا أَمْ تُقْطَعُ يَمِينُهُ ثُمَّ يُؤَخِّرُهُ حَتَّى إذَا بَرِئَ قَطَعَ شِمَالَهُ فِي الْقِصَاصِ؟ قَالَ: سَأَلْتُ مَالِكًا عَنْ الْحَدِّ وَالنَّكَالِ، يُجْمَعَانِ جَمِيعًا عَلَى الرَّجُلِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: ذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ عَلَى مَا يَرَى. إنْ رَأَى أَنْ يَجْمَعَهُمَا جَمِيعًا جَمَعَهُمَا، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُفَرِّقَ فَرَّقَ. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: وَمَا سَمِعْتُ فِي هَذَا بِحَدٍّ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ اجْتَمَعَ عَلَى رَجُلٍ الْقِصَاصُ وَالْحُدُودُ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ، بِأَيِّهَا يَبْدَأُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا مَا أَخْبَرْتُكَ فِي الْقَطْعِ وَالسَّرِقَةِ إذَا اجْتَمَعَا فِي الْيَدِ الْوَاحِدَةِ، أَخَذَ الْحَدَّ الَّذِي هُوَ لِلَّهِ. فَأَرَى أَنْ يَبْدَأَ بِمَا هُوَ لِلَّهِ فَيُؤْخَذُ. فَإِنْ عَاشَ أَخَذَ مَا لِلْعِبَادِ، وَإِنْ مَاتَ كَانَ قَدْ أَخَذَ مِنْهُ مَا هُوَ لِلَّهِ، لِأَنَّ الْحُدُودَ الَّتِي هِيَ لِلَّهِ لَا عَفْوَ فِيهَا. فَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَبْدَأَ بِهَا وَيُعَجِّلَ قَبْلَ الْقِصَاصِ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ الْإِمَامُ عَلَيْهِ شَيْئًا جَمَعَ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وَإِنْ خَافَ عَلَيْهِ الْمَوْتَ فَرَّقَ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِثْلَ مَا قَالَ لِي مَالِكٌ فِي الضَّرْبِ وَالنَّكَالِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: سَرَقْتُ مِنْ فُلَانٍ، وَقَالَ فُلَانٌ: مَا سَرَقْتَ مِنِّي شَيْئًا قَطُّ؟ قَالَ: أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ أَقَمْتُ الْحَدَّ عَلَيْهِ، أَيَقُولُ لِلَّذِي أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ: احْمِلْ مَتَاعَك. فَيُجْعَلُ الْمَتَاعُ مَتَاعَهُ وَيَقْطَعُهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، إلَّا أَنْ يَدَّعِيَهُ رَبُّ الْمَتَاعِ فَيَكُونَ ذَلِكَ لَهُ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ إنْ قَالَ: سَرَقْتُ هَذَا الْمَتَاعَ مَنْ فُلَانٍ. وَقَالَ فُلَانٌ: بَلْ الْمَتَاعُ مَتَاعَكَ وَلَمْ تَسْرِقْهُ مِنِّي، أَوْ قَالَ لَهُ: إنَّهُ كَانَ اسْتَوْدَعَنِيهِ، وَقَوْلُهُ أَنَا سَرَقْتُهُ إنَّمَا أَخَذَ مَتَاعَهُ؟ أَوْ قَالَ: إنَّمَا بَعَثَ بِهَذَا الْمَتَاعِ مَعِي إلَيْهِ. وَهُوَ يُقِرُّ عَلَى نَفْسِهِ بِالسَّرِقَةِ؟ قَالَ: الَّذِي سَمِعْتُ مِنْ مَالِكٍ وَهُوَ رَأْيِي، أَنَّهُ يُقْطَعُ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ، لِأَنَّ هَذَا مُقِرٌّ بِالسَّرِقَةِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ هَلْ يُقْطَعُ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: نَعَمْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ سَرَقَ مِنْ مَغْنَمٍ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَغْنَمِ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: يُقْطَعُ. قُلْتُ: لِمَ قَطَعَهُ مَالِكٌ وَلَهُ فِيهِ نَصِيبٌ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: كَمْ حِصَّتُهُ مِنْ ذَلِكَ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الْمُكَاتَبَ يَسْرِقُ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ؟ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ قُلْتُ: فَلَوْ سَرَقَ السَّيِّدُ مَنْ مَالِ مُكَاتَبِهِ، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: مَا أَخْبَرْتُك فِي الْمُكَاتَبِ أَنَّهُ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ وَلَمْ يُقْطَعْ فَالسَّيِّدُ إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ مُكَاتَبِهِ أَحْرَى أَنْ لَا يُقْطَعَ. قُلْتُ: فَأُمُّ الْوَلَدِ إذَا سَرَقَتْ مِنْ مَالِ سَيِّدِهَا؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: لَا يُقْطَعُ الْعَبْدُ

стр. 2313

إذَا سَرَقَ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ وَلَا الْمُكَاتَبُ، فَأُمُّ الْوَلَدِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ فِي الْقَطْعِ وَالْإِقْرَارِ بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ بِالسَّرِقَةِ سَوَاءٌ عِنْدَ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ قُلْت: أَرَأَيْت الْأَخْرَسَ، أَيُقْطَعُ وَإِذَا سَرَقَ وَأَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ؟ قَالَ: إذَا شَهِدَتْ عَلَيْهِ الشُّهُودُ بِالسَّرِقَةِ، قُطِعَ إذَا أَقَرَّ، فَإِنْ كَانَ إقْرَارُهُ أَمْرًا يُعْرَفُ وَيُعَيَّنُ قُطِعَ وَإِلَّا لَمْ يُقْطَعْ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ مَنْ سَرَقَ سَرِقَةً فَلَمْ يُرْفَعْ إلَى السُّلْطَانِ حَتَّى وَرِثَهَا السَّارِقُ، ثُمَّ رُفِعَ إلَى السُّلْطَانِ وَالسَّرِقَةُ لَهُ مِنْ وِرَاثَةٍ وَرِثَهَا بَعْدَ السَّرِقَةِ، أَيُقْطَعُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ أَمْ لَا؟ قَالَ: يُقْطَعُ إذَا رُفِعَ إلَى السُّلْطَانِ. وَإِنْ كَانَ قَدْ وَرِثَ السِّلْعَةَ قَبْلَ ذَلِكَ أَوْ وُهِبَتْ لَهُ أَوْ تُصُدِّقَ بِهَا عَلَيْهِ أَوْ اشْتَرَاهَا فَإِنَّ هَذَا كُلَّهُ وَمَا أَشْبَهَهُ لَا يُدْرَأُ بِهِ عَنْهُ الْحَدُّ فِي رَأْيِي. [فِيمَنْ سَرَقَ وَدِيعَتَهُ الَّتِي جَحَدَهَا الْمُسْتَوْدَعُ وَفِيمَنْ سَرَقَ مِنْ رَجُلَيْنِ وَأَحَدُهُمَا غَائِبٌ] ٌ قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنِّي اسْتَوْدَعْت رَجُلًا مَتَاعًا فَجَحَدَنِي، فَسَرَقْتُ ذَلِكَ الْمَتَاعَ وَكَانَتْ لِي بَيِّنَةٌ أَنِّي كُنْت اسْتَوْدَعْته هَذَا الْمَتَاعَ نَفْسَهُ؟ قَالَ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا، وَأَرَى أَنْ لَا يُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدُّ هَهُنَا قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا سَرَقَ مِنْ رَجُلَيْنِ سِلْعَةً، قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَحَدُ الرَّجُلَيْنِ الْمَسْرُوقِ مِنْهُمَا غَائِبٌ، أَيُقْطَعُ أَمْ لَا؟ قَالَ نَعَمْ يُقْطَعُ فِي رَأْيِي قُلْتُ: أَفَيُقْضَى لِهَذَا الْحَاضِرِ بِنِصْفِ قِيمَةِ السَّرِقَةِ إذَا كَانَتْ مُسْتَهْلَكَةً فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. قُلْتُ: فَإِنْ قَدِمَ الْغَائِبُ وَأَصَابَ السَّارِقَ عَدِيمًا؟ قَالَ: إنْ كَانَ يَوْمَ قُطِعَتْ يَدُهُ مَلِيًّا ثُمَّ أُعْدِمَ بَعْدَ ذَلِكَ، فَإِنَّهُ يَأْخُذُ نِصْفَ مَا أَخَذَ الشَّرِيكُ وَيَتْبَعَانِ جَمِيعًا السَّارِقَ بِنِصْفِ قِيمَةِ السِّلْعَةِ الْبَاقِيَةِ. وَإِنْ كَانَ يَوْمَ قُطِعَتْ يَدُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ الْمَالِ إلَّا مِقْدَارُ مَا أَخَذَ شَرِيكُهُ، رَجَعَ عَلَيْهِ فَشَارَكَهُ وَلَمْ يَرْجِعْ عَلَى السَّارِقِ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَتْبَعْ بِهِ. وَهَذَا مِثْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ فِي الشَّرِيكَيْنِ، يَكُونُ لَهُمَا الدَّيْنُ عَلَى الرَّجُلِ يَطْلُبُهُ أَحَدُهُمَا بِحِصَّتِهِ فَيَأْخُذُ حِصَّتَهُ، ثُمَّ يَقْدَمُ صَاحِبُهُ الْغَائِبُ فَيُصِيبُ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ الدَّيْنُ عَدِيمًا، أَنَّهُ يَرْجِعُ عَلَى شَرِيكِهِ بِنِصْفِ مَا قَبَضَ فَيَأْخُذُهُ مِنْهُ. [بَابُ فِيمَنْ ادَّعَى السَّرِقَةَ عَلَى الرَّجُلِ وَفِيمَنْ أَقَرَّ بِالسَّرِقَةِ ثُمَّ نَزَعَ] َ قُلْت: أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا ادَّعَى عَلَى رَجُلٍ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْهُ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُ، فَقَالَ: اسْتَحْلِفْهُ لِي، أَيَسْتَحْلِفُهُ لَهُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: إنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مُتَّهَمًا بِذَلِكَ مَوْصُوفًا بِهِ اسْتَحْلَفَهُ وَامْتَحَنَ وَهَدَّدَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَعْرِضْ لَهُ وَلَمْ يُصْنَعْ بِهِ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ. قَالَ: وَلَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ تَزْعُمُ أَنَّ فُلَانًا اسْتَكْرَهَهَا فَجَامَعَهَا وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ إلَّا بِقَوْلِهَا. قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: تُضْرَبُ الْمَرْأَةُ الْحَدَّ إنْ كَانَتْ قَالَتْ ذَلِكَ لِرَجُلٍ لَا يُشَارُ إلَيْهِ

стр. 2314

بِالْفِسْقِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يُشَارُ إلَيْهِ بِالْفِسْقِ نُظِرَ فِي ذَلِكَ. وَأَرَى فِي هَذَا إنْ هُوَ قَالَهُ لِرَجُلٍ لَا يُشَارُ إلَيْهِ بِذَلِكَ، وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ، رَأَيْت أَنْ يُؤَدَّبَ أَدَبًا مُوجِعًا، وَلَا يُبَاحُ لِأَهْلِ السَّفَهِ شَتْمُ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالدِّينِ. قُلْتُ: أَرَأَيْتَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ أَنَّهُ سَرَقَ مِنْ رَجُلٍ أَلْفَ دِرْهَمٍ بِغَيْرِ مِحْنَةٍ وَلَا بِشَيْءٍ، ثُمَّ جَحَدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْمَسْرُوقُ مِنْهُ يَدَّعِي ذَلِكَ؟ قَالَ: يُقَالُ فِي ذَلِكَ وَلَا يُقْطَعُ وَيُقْضَى عَلَيْهِ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ. قُلْتُ: وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. تَمَّ كِتَابُ السَّرِقَةِ مِنْ الْمُدَوَّنَةِ الْكُبْرَى وَيَلِيهِ كِتَابُ الْمُحَارِبِينْ

стр. 2315

[كِتَابُ الْمُحَارِبِينَ] َ مَا جَاءَ فِي الْمُحَارِبِينَ قَالَ سَحْنُونٌ: قُلْتُ لِابْنِ الْقَاسِمِ: أَرَأَيْتَ أَهْلَ الذِّمَّةِ وَأَهْلَ الْإِسْلَامِ إذَا حَارَبُوا فَأَخَافُوا وَلَمْ يَأْخُذُوا مَالًا وَلَمْ يَقْتُلُوا فَأُخِذُوا، كَيْفَ يَصْنَعُ بِهِمْ الْإِمَامُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا أَخَافُوا السَّبِيلَ كَانَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا إنْ شَاءَ قَتَلَ وَإِنْ شَاءَ قَطَعَ. قَالَ مَالِكٌ: وَرُبَّ مُحَارِبٍ لَا يَقْتُلُ وَهُوَ أَخْوَفُ وَأَعْظَمُ فَسَادًا فِي خَوْفِهِ مِمَّنْ قَتَلَ. قُلْتُ فَإِنْ أَخَذَهُ الْإِمَامُ وَقَدْ أَخَافَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا وَلَمْ يَقْتُلْ، أَيَكُونُ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا فِيهِ يَرَى فِي ذَلِكَ رَأْيَهُ، إنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَصَلَبَهُ أَمْ لَا يَكُونُ ذَلِكَ لِلْإِمَامِ؟ قَالَ: قَالَ مَالِكٌ: إذَا نَصَبَ وَأَخَافَ وَحَارَبَ - وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ - كَانَ الْإِمَامُ مُخَيَّرًا. وَتَأَوَّلَ مَالِكٌ هَذِهِ الْآيَةَ قَوْلَ اللَّهِ ﵎ فِي كِتَابِهِ: ﴿أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] سُورَةُ الْمَائِدَةِ قَالَ: فَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ الْفَسَادَ مِثْلَ الْقَتْلِ قُلْتُ: وَكَذَلِكَ إنْ أَخَافَ فَقَطْ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ؟ قَالَ: إنْ أَخَافَ وَنَصَبَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ فَإِنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ. قَالَ مَالِكٌ: وَلَيْسَ كُلُّ الْمُحَارِبِينَ سَوَاءً. قَالَ مَالِكٌ: مِنْهُمْ مَنْ يَخْرُجُ بِعَصًا أَوْ بِشَيْءٍ فَيُؤْخَذُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ وَلَمْ يُخِفْ السَّبِيلَ وَلَمْ يَأْخُذْ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ. قَالَ: فَهَذَا لَوْ أُخِذَ فِيهِ بِأَيْسَرِهِ لَمْ أَرَ فِي ذَلِكَ بَأْسًا. قُلْتُ: وَمَا أَيْسَرُ عِنْدَ مَالِكٍ؟ قَالَ أَيْسَرُهُ وَأَخَفُّهُ أَنْ يُجْلَدَ وَيُنْفَى وَيُسْجَنَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي نُفِيَ إلَيْهِ. قُلْتُ: وَإِلَى أَيِّ مَوْضِعٍ يُنْفَى هَذَا الْمُحَارِبُ إلَيْهِ إذَا أُخِذَ بِمِصْرٍ؟ قَالَ: قَدْ نَفَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مِنْ مِصْرَ إلَى شَغْبَ. وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا إلَّا أَنَّهُ قَالَ: قَدْ كَانَ يُنْفَى عِنْدَنَا إلَى فَدَكَ أَوْ خَيْبَرَ، وَقَدْ كَانَ لَهُمْ سِجْنٌ يُسْجَنُونَ فِيهِ. قُلْتُ: وَكَمْ يُسْجَنُ حَيْثُ يُنْفَى؟ قَالَ مَالِكٌ: يُسْجَنُ حَتَّى تُعْرَفَ لَهُ تَوْبَةٌ
следующие страницы →