← Страны и путешествия

Страны и путешествия · id 589

الديارات للشابشتي

الشابشتي

Полный текст (75 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وكان مولد طاهر بن الحسين في المحرم، سنة تسع وخمسين ومائة. ووفاته سنة سبع ومائتين. ولما مات، شغب الجند بخراسان، وانتهبوا خزائن طاهر. فقلد المأمون مكانه طلحة ابنه، ووجه بأحمد بن أبي خالد إلى خراسان ليعاونه في إصلاح الأمر. فصار إلى هناك، وأصلح الأمور، وسكن اضطرابها. ووجه إليه طلحة بثلاثة آلاف درهم وعروضاً بألفي ألف درهم، ووهب لإبراهيم بن العباس كاتبه خمسة آلاف درهم. دير السوسي وهذا الدير لطيف على شاطىء دجلة، بقادسية سر من رأى. وبين القادسية وسر من رأى أربعة فراسخ، والمطيرة بينهما. وهذه النواحي كلها متنزهات وبساتين وكروم. والناس يقصدون هذا الدير ويشربون في بساتينه. وهو من مواطن السرور ومواضع القصف واللعب. ولابن المعتز، فيه: يا لياليّ بالمطيرة والكر ... خ وجير السّوسي بالله عودي كنت عندي أنموذجات من الجنّ ... ة، لكنها بغير خلود والقادسية، من أحسن المواضع وأنزهها، وهي من معادن الشراب ومناخات المتطربين، جامعة لما يطلب أهل البطالة والخسارة. وبالقادسية بنى المتوكل قصره المعروف ببركوار، ولما فرغ من بنائه وهبه لابنه المعتز، وجعل أعذاره فيه. وكان من أحسن أبنية المتوكل وأجلها. وبلغت النفقة عليه عشرين ألف ألف درهم. قال: ولما صح عزمه على إعذار أبي عبد الله المعتز، أمر الفتح بن خاقان بالتأهب له، وأن يلتمس في خزائن الفرش بساطاً للايوان في عرضه وطوله، وكان طوله مائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعاً. فلم يوجد إلا فيما قبض عن بني أمية، فإنه وجد في أمتعة هشام بن عبد الملك على طول الايوان وعرضه. وكان بساطاً ابريسماً غرز مذهب مفروز مبطن؛ فلما رآه المتوكل، أعجب به وأراد أن يعرف قيمته. فجمع عليه التجار، فذكر أنه قوم على أوسط القيم عشرة آلاف دينار. فبسط في الايوان، وبسط لخليفة في صدر الايوان سرير، ومد بين يديه أربعة آلاف مرفع ذهب مرصعة بالجوهر فيها تماثيل العنبر والند والكافور المعمول على مثل الصور، منها ما هو مرصع بالجوهر مفرداً، ومنها ما عليه ذهب وجوهر وجعلت بساطاً ممدوداً، وتغدى المتوكل والناس، وجلس على السرير، وأحضر الأمراء والقواد والندماء وأصحاب المراتب فأجلسوا على مراتبهم، وجعل بين صوانيهم والسماط فرجة. وجاء الفراشون بزبل قد غشيت بأدم مملوءة دنانير ودراهم نصفين، فصبت في تلك الفرج حتى ارتفعت. وقام الغلمان فوقها، وأمروا الناس عن الخليفة بالشرب، وأن ينتقل كل من يشرب بثلاث حفنات ما حملت يداه من ذلك المال. فكان إذ أثقل الواحد منهم ما اجتمع في كمه أخرج إلى غلمانه فدفعه إليهم وعاد إلى مجلسه. وكلما فرغ موضع أتى الفراشون بما يملأونه به حتى يعود إلى حاله. وخلع على سائر من حضر ثلاث خلع كل واحد، وأقاموا إلى أن صليت العصر والمغرب وحملوا عند انصرافهم على الأفراس والشهاري. وأعتق المتوكل عن المعتز ألف عبد، وأمر لكل واحد منهم بمائة درهم وثلاثة أثواب. وكان في صحن الدار بين يدي الايوان أربعمائة بلية عليهن أنواع الثياب، وبين يديهن ألف نبيجة خيزران، فيها أنوا ع الفواكه من الأترج والنارنج على قلته كان في ذلك الوقت والتفاح الشامي والليموه وخمسة آلاف باقة نرجس وعشرة آلاف باقة بنفسج. وتقدم إلى الفتح بأن ينثر على البليات وخدم الدار والحاشية ما كان أعده لهم وهو عشرون ألف ألف درهم، فلم يقدم أحد على التقاط شيء، فأخذ الفتح درهماً، فأكبت الجماعة على المال فنهب. وكانت قبيحة قد تقدمت بأن تضرب دراهم، عليها: بركة من الله، لاعذار أبي عبد الله المعتز بالله. فضرب لها ألف ألف درهم نثرت على المزين ومن في حيزه والغلمان والشاكرية وقهارمة الدار والخدم الخاصة من البيضان والسودان. وكان ممن حضر المجلس ذلك اليوم، محمد بن المنتصر، وأبو أحمد وأبو سليمان ابنا الرشيد، وأحمد والعباس ابنا المعتصم، وموسى بن المأمون، وابنا حمدون النديم، وأحمد بن أبي رؤيم، والحسين بن الضحاك، وعلي بن الجهم، وعلي بن يحيى المنجم، وأخوه أحمد. ومن المغنين: عمرو بن بانة، أحمد بن أبي العلاء، ابن الحفصي، ابن المكي، سلمك الرازي، عثعث، سليمان الطبال، المسدود؛ أبو حشيشة، ابن القصار، صالح الدفاف، زنام الزامر، تفاح الزامر.

стр. 37

ومن المغنيات: عريب، بدعة جاريتها، سراب، شارية وجواريها، ندمان، منعم، نجلة، تركية، فريدة، عرفان. قال إبراهيم بن المدبر: لما طهر المعتز، اجتمع مشايخ الكتاب بين يدي المتوكل. وكان فيهم يحيى بن خاقان وابنه عبيد الله إذ ذاك الوزير وهو واقف موقف الخدم بقباء ومنطقة. وكان يحيى لا يشرب النبيذ. فقال المتوكل لعبيد الله: خذ قدحاً من تلك الأقداح واصبب فيه نبيذاً وصير على كتفك منديلاً وامض إلى أبيك يحيى فضعه في كفه. قال: ففعل. فرفع يحيى رأسه إلى ابنه، فقال المتوكل: يا يحيى، لا ترده. قال: لا يا أمير المؤمنين، ثم شربه وقال: قد جلت نعمتك عندنا يا أمير المؤمنين، فهنأك الله النعمة ولا سلبنا ما أنعم به علينا منك. فقال: يا يحيى، إنما أردت أن يخدمك وزير بين يدي خليفة في طهور ولي عهد! وقال إبراهيم بن العباس: سألت أبا حرملة المزين في هذا اليوم، فقلت: كم حصل لك إلى أن وضع الطعام؟ فقال: نيف وثمانون ألف دينار، سوى الصياغات والخواتيم والجواهر العتيدات. قال: وأقام المتوكل ببركوارا ثلاثة أيام، ثم أصعد إلى قصره الجعفري. وتقدم بإحضار إبراهيم بن العباس، وأمره أن يعمل له عملاً بما أنفق في هذا الاعذار، ويعرضه عليه. ففعل ذلك. فاشتمل العمل على ستة وثمانين ألف ألف درهم. وكان الناس يستكثرون ما أنفقه الحسن بن سهل في عرس ابنته بوران، حتى أرخ ذلك في الكتب، وسميت دعوة الاسلام. ثم أتى من دعوة المتوكل ما أنسى ذلك. وكانت الدعوات المشهورة في الاسلام، ثلاثاً لم يكن مثلها. فمنها: دعوة المعتز هذه المذكورة. ومنها عرس زبيدة بن جعفر بن أبي جعفر. فإن المهدي، زوج ابنه الرشيد بأم جعفر ابنة أخيه، فاستعد لها ما لم يستعد لامرأة قبلها من الآلة وصناديق الجوهر والحلي والتيجان والأكاليل وقباب الفضة والذهب والطيب والكسوة. وأعطاها بدنة عبدة ابنة عبد الله بن يزيد بن معاوية امرأة هشام، ولم ير في الاسلام مثلها ومثل الحب الذي كان فيها. وكان في ظهرها وصدرها خطان ياقوت أحمر وباقيها من الدر الكبار الذي ليس مثله. ودخل بها الرشيد في المحرم سنة خمس وستين ومائة، في قصره المعروف بالخلد. وحشر الناس من الآفاق وفرق فيهم من الأموال أمر عظيم. فكانت الدنانير تجعل في جامات فضة، والدراهم في جامعات ذهب، ونوافج المسك وجماجم العنبر والغالية في بواطي زجاج، ويفرق ذلك على الناس، ويخلع عليهم خلع الوشي المنسوجة، وأوقد بين يديه في تلك الليلة شمع العنبر في أتوار الذهب. وأحضر نساء بني هاشم، وكان يدفع إلى كل واحدة منهن كيس فيه دنانير وكيس فيه دراهم وصينية كبيرة وفضة فيها طيب، ويخلع عليها خلعة وشي مثقل. فلم ير في الاسلام مثلها. وبلغت النفقة في هذا العرس من بيت مال الخاصة، سوى ما أنفقه الرشيد من ماله، خمسين ألف ألف درهم. واسم زبيدة أمة العزيز. وزبيدة لقب. وكان أبو جعفر يرقصها وهي صغيرة، وكانت سمينة، ويقول: ما أنت إلا زبيدة، ما أنت إلا زبيدة. فمضى عليها هذا الاسم. ومنها عرس المأمون ببوران بنت الحسن بن سهل، بفم الصلح. وكانت النفقة عليه أمراً عظيماً. وسأل المأمون زبيدة عن تقدير النفقة في العرس، فقالت: ما بين خمسة وثلاثين ألف ألف إلى سعة وثلاثين ألف ألف. فبلغ الحسن بن سهل، فقال: كأن النفقة على يد زبيدة! أنفقنا خمسة وثلاثين ألف ألف، وكان يجري في جملة الجرايات في كل يوم على نيف وثلاثين ألف ملاح. وكان دخولها في المدينة التي بناها بفم الصلح على شاطىء دجلة، لثمان خلون من شهر رمضان سنة عشر ومائتين. قال: وأمهر المأمون بوران مائة ألف دينار وخمسة آلاف ألف درهم، وأوقد بين يديه تلك الليلة ثلاث شمعات عنبر وكثر دخانها. فقالت زبيدة: إن فيما ظهر من المروءة لكفاية، ارفعوا هذا الشمع العنبر وهاتوا الشمع. قال: ولما جليت بوران على المأمون، نثر عليها حباً كباراً كان في كمه، فوقع على حصير ذهب كان تحته. فقال: لله در الحسن بن هانىء، ما أعظمه من شاعر فصيح حيث يقول: كأن صغرى وكبرى من فواقعها ... حصباء درّ على أرض من الذهب قال: وامتنع من كان حاضراً أن يلتقط شيئاً. فقال المأمون: أكرمنها! فمدت زبيدة يدها فأخذت حبة، فالتقط من حضر الباقي.

стр. 38

وكان اسم بوران، خديجة. وكانت وفاتها في سنة إحدى وسبعين ومائتين، في أيام المعتمد، ولها ثمانون سنة. ولبوران، ترثي المأمون: أسعداني على البكا مقلتيّا ... صرت بعد الامام للهمّ فيّا كنت أسطو على الزمان فلمّا ... مات، صار الزمان يسطو عليّا ذكر ابن خرداذبه: أن المتوكل، أنفق على الأبنية التي بناها، وهي: بركوارا، والشاة، والعروس، والبركة، والجوسق، والمختار، والجعفري، والغريب، والبديع، والصبيح، والمليح، والسندان، والقصر، والجامع، والقلاية، والبرج، وقصر المتوكلية، والبهو، واللؤلؤة: مائتي ألف ألف وأربعة وسبعين ألف ألف درهم. ومن العين مائة ألف ألف دينار. تكون قيمة الورق عيناً بصرف الوقت مع ما فيه من العين ثلاثة عشر ألف ألف دينار وخمسمائة ألف دينار وخمسة وعشرين ألف دينار. قال: شرب المتوكل يوماً في بركوارا، فقال لندمائه: أرأيتم إن لم يكن أيام الورد لا نعمل نحن شاذكلاه؟ قالوا: يا أمير المؤمنين، لا يكون الشاذكلاه إلا بالورد. فقال: بلى. أدعوا لي عبيد الله بن يحيى. فحضر، فقال: تقدم بأن تضرب لي دراهم، في كل درهم حبتان. قال: كم المقدار يا أمير المؤمنين؟ قال: خمسة آلاف ألف درهم. فتقدم عبيد الله في ضربها، فضربت، وعرفه الخبر. فقال: اصبغ منها بالحمرة والصفرة والسواد، واترك بعضها على حاله. ففعل. ثم تقدم إلى الدم والحواشي، وكانوا سبعمائة، أن يعد كل واحد منهم قباء جديداً وقلنسوة على خلاف لون قباء الآخر وقلنسوته، ففعلوا. ثم عمد إلى يوم تحركت فيه الريح، فنصبت له قبة لها أربعون باباً، فاصطبح فيها، والندماء حوله. ولبس الخدم الكسوة التي أعدها، وأمر بنثر الدراهم كما ينثر الورد. فنثرت أولاً أولاً، فكانت الريح تحمل الدراهم فتقف بين السماء والأرض كما يقف الورد. فكان من أحسن أيام المتوكل وأظرفه. وكان البرج من أحسن ابنيته. فجعل فيه صوراً عظاماً من الذهب والفضة، وبركة عظيمة جعل فرشها ظاهرها وباطنها صفائح الفضة، وجعل عليها شجرة ذهب، فيها كل طائر يصوت ويصفر، مكللة بالجوهر، وسماها طوبى. وعمل له سرير من الذهب كبير، عليه صورتا سبعين عظيمين، ودرج عليها صور السباع والنسور وغير ذلك، على ما يوصف به سرير سليمان بن داود ﵉. وجعل حيطان القصر من داخل وخارج ملبسة بالفسيفساء والرخام المذهب. فبلغت النفقة على هذا القصر ألف ألف وسبعمائة ألف دينار. وجلس فيه على السرير الذهب، وعليه ثياب الوشي المثقلة. وأمر ألا يدخل عليه أحد إلا في ثياب وشي منسوجة أو ديباج ظاهره. وكان جلوسه فيه في سنة تسع وثلاثين ومائتين. ثم دعا بالطعام، وحضر الندماء وسائر المغنين والملهين، وأكل الناس. ورام النوم فما تهيأ له. فقال له الفتح: يا مولاي، ليس هذا يوم نوم. فجلس للشرب. فما كان الليل، رام النوم، فما أمكنه، فدعا بدهن بنفسج، فجعل منه شيئاً على رأسه وتنشقه فلم ينفعه. فمكث ثلاثة أيام بلياليها لم ينم. ثم حم حمى حادة. فانتقل إلى الهاروني قصر أخيه الواثق، فأقام به ستة أشهر عليلاً، وأمر بهدم البرج وضرب تلك الحلي عيناً. دير مرمار وهذا الدير بسر من رأى، عند قنطرة وصيف. وهو دير عامر كثير الرهبان. حوله كروم وشجر. وهو من المواشع النزهة والبقاع الطيبة الحسنة. وللفضل بن العباس بن المأمون، فيه: أنضيت في سر من رى خيل لذاتي ... ونلت فيها منى نفسي وشهواتي عمّرت فيها بقاع اللهو منغمساً ... في القصف ما بين أنهارٍ وجنّات بدير مرمار إذ نحيي الصبوح به ... ونعمل الكاس فيه بالعشيات بين النواقيس والتقديس آونةً ... وتارةً بين عيدان ونايات وكم به من غزالٍ أغيدٍ غزل ... يصيدنا باللحاظ البابليات

стр. 39

وذكر الفضل هذا، أنه خرج ذات يوم مع المعتز للصيد. قال: فانقطعنا عن الموكب أنا وهو ويونس بن بغا. فشكا المعتز العطش. فقلت له: يا أمير المؤمنين، إن في هذا الدير راهباً أعرفه له مودة حسنة خفيفة الروح. وفيه آلات جميلة. فهل لأمير المؤمنين أن نعدل إليه؟ قال: افعل. فصرنا إلى الديراني، فرحب بنا وتلقانا أجمل لقاء، وجاءنا بماء بارد فشربنا. وعرض علينا النزول عنده وقال: تبتردون عندنا ونحضركم ما تيسر في ديرا فتنالون منه؟ فاستظرفه المعتز وقال انزل بنا إليه. فنزلنا. فسألني الديراني عن المعتز ويونس بن بغا. فقلت هما فتيان من أبناء الجند. فقال: بل مفلتان من أزواج الحور! فقلت: هذا ليس من دينك ولا اعتقادك! قال: هو الآن من ديني واعتقادي! فضحك المعتز. ثم جاءنا بخبز وأشاطير وما يكون مثله في الديارات، فكان من أنظف طعام وأطيبه وأحسن آنية. فأكلنا وغسلنا أيدينا. فقال لي المعتز: قل له بينك وبينه: من تحب أن يكون معك من هذين ولا يفارقك؟ قال: فقلت له، فقال: كلاهما وتمراً فضحك المعتز حتى مال على حائط الدير من الضحك. فقلت: للديراني: لا بد من أن تختار. فقال: الاختيار في هذا دمار! ما خلق الله عقلاً يميز بين هؤلاء. ثم لحقنا الموكب، فارتاع الديراني. فقال له المعتز: بحياتي، لا تنقطع عما كنا فيه، فإني لمن ثم مولىً ولمن ها هنا صديق. فجلسنا ساعة، وأمر له المعتز بخمسين ألف درهم. فقال: والله لا قبلتها إلا على شرط. قال: وما هو؟ قال: يكون أمير المؤمنين في دعوتي مع من أحب. قال: ذاك إليك. فاتفقنا ليوم جئناه فيه على ما أحب. فلم يبق غاية، وأقام بمن كان معه، وجاء بأولاد النصارى فخدمونا أحسن خدمة. فسر المعتز سروراً ما رأيته سر مثله. ووصله في ذلك اليوم بمال كثير، ولم يزل يطرقه إذا اجتاز به ويأكل عنده ويشرب مدة حياته. قال: وكان المعتز سمح الأخلاق، واسع النفس، له أدب وفهم، ويقول شعراً صالحاً. وكان يحب يونس بن بغا ولا يصبر عنه. وكان هو ويونس بن بغا من أحسن الناس وجهاً وأجملهم، ولم يكن في خلفاء بني العباس أحسن وجهاً من الأمين والمعتز، وكان يضرب بهما المثل في الحسن والجمال. قالت عريب: كنت لمحمد الأمين وصيفة في عداد الوصائف، ألبس قباء ومنطقة وأقوم على رأسه وربما سقيته. وسني إذ ذاك سبع عشرة سنة. وكان أحسن خلق الله، لم نر ذكراً ولا أنثى مثله جمالاً وحسناً مع حسن خلق. قال أحمد بن عبد الله بن إسماعيل المراكبي، وهو ابن مولاهما: أين كان المعتز منه؟ فقد رأيناه ولم نر الأمين. قالت: كان المعتز فيه لمحة منه، وأما مثله فلم يكن. قال: وكان إلف المعتز ليونس بن بغا إلف الصبا. فلم يكن يفارقه، ولا يصبر عنه. وله فيه أشعار كثيرة، فمن ذلك: إني عرفت دواء الطب من وجعي ... وما عرفت دواء المكر والخدع جزعت للحب والحمّى صبرت لها ... إني لأعجب من صبري ومن جزعي من كان يشغله عن إلفه وجعٌ ... فليس يشغلني عن حبكم وجعي وكان المعتز يشرب على بستان مملوء بالنمام، وبين النمام شقائق النعمان، فأقبل يونس بن بغا وعليه قباء أخضر، فقال المعتز: شبّهت حمرة خده في ثوبه ... بشقائق النعمان في النمام ثم قال: أجيزوا. فبدر بنان المغني، فقال: والقدّ منه إذا بدا متثنّيا ... بالغصن في لين وحسن قوام فقال: غنّ فيه الآن. فعمل فيه لحناً وغناه إياه. قال: وشرب المعتز يوماً ويونس بن بغا بين يديه يسقيه والجلساء والمغنون بين يديه. وقد أعد الخلع والجوائز، فدخل بغا، فقال: يا سيدي، والدة عبدك يونس في الموت، وهي تشتهي أن تراه فأذن له، فخرج. وفتر المعتز وتغير ثم نعس فنام، ونام الجلساء وتفرق المغنون. فلما كان وقت المغرب وعاد المعتز إلى مجلسه عاد يونس وبين يديه الشمع. فلما رآه المعتز دعا برطل فشربه وسقاه مثله. ثم عاد الندماء وغناه المغنون ورجع المجلس إلى أحسن مما كان فيه، فقال المعتز: تغيب فلا أفرح ... فليتك لا تبرح وإن كنت عذّبتني ... بأنك لا تسمح فأصبحت ما بين ذي ... ن لي كبدٌ تجرح على ذاك يا سيدي ... دنوّك لي أصلح

стр. 40

ثم قال: غنوا فيه فجعلوا يفكرون. فقال المعتز لسليمان بن القصار الطنبوري: ويلك! ألحان الطنبور أصلح وأخف، فغن فيه أنت، فغناه فيه لحناً، فدفع إليه دنانير الخريطة وهي مائة دينار مكية فيها مائتان، مكتوب على كل دينار مها: ضرب هذا الدينار بالجوسق لخريطة أمير المؤمنين المعتز بالله. ثم دعا بالخلع والجواهر لسائر الناس. قال: واصطبح المعتز يوماً ويونس بن بغا. وما رثي وجهان قط مثلهما حسناً. فما مضت ثلاث ساعات حتى سكرا، فقال المعتز: ما إن ترى منظراً إن شئته حسناً ... إلا صريعاً تهاوى بين سكرين سكر الشباب وسكرٍ من هوى رشا ... تخاله والذي يهواه غصنين ثم أمر فتغنى فيه بعض المغنين. ومن شعره في يونس، وفيه لحن في طريقة الرمل: علّموني كيف أجفو ... ك على رغم من انفى وجفائي لك يا يو ... نس مقرونٌ بحتفي غير أن الله قد يع ... لم ما أُبدي وأخفي فوقاني الله فيك الده ... ر أن يأتي بصرف قال هرون بن عبد العزيز بن المعتمد: حدثني سعيد بن يوسف كاتب أبي، قال: كنت أتقلد خزائن الكسوة، وكان إذا أمر المعتز ليونس بشيء أخذت له أجل ما في الخزائن وأحسنه. وكان يبرني فلا أقبل بره. وربما دخل الخزانة فنجرته ومازحته. فقلت له يوماً يا سيدي، أنا عبدك وموفر لمالك، وأنت تشرف مسرور المعتصمي بالتحية الحسنة مما يكون بين يدي أمير المؤمنين، وأنا فلا تشرفني بمثل ذلك. فقال: الليلة نوبتك! فلما كان في الليل، بعث إلي بوصيف الخادم ومعه صينية ذهب فيها خوخ. فقل في نفسي ثم كبر إذ كان من مجلس الخليفة. فأخذت واحدة فنظرتها، فإذا هي قد شقت، وأخرج ما فيها وجعل مكانه ند معجون على مقدار ما كان فيها. فأجرت ما في جميعه، فكان شيئاً كثيراً. وللمعتز في يونس وقد خرج وعاد: الله يعلم يا حبيبي أنني ... مذ غبت عني هائمٌ مكروب يدنو السرور إذا دنا لك منزلٌ ... ويغيب صفو العيش حين تغيب وكانت البيعة للمعتز، يوم الخميس لثلاث خلون من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وخلع لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين. وقتل بعد الخلع بخمسة أيام، وسنه أربع وعشرون سنة وستة أشهر وأربعة عشر يوماً. قال: وكانت قبيحة حرضت المعتز على الأتراك، وقالت: يا بني، أقتلهم في كل مكان. وأخرجت إليه قميص أبيه المتوكل مخضّباً بدمائه. فقال: يا أماه! إرفعيه وإلا صار القميص قميصين. وذكر أحمد بن حمدون، قال: بنى المعتز في الجوسق في الصحن الكامل بيتاً قدرته له أمه ومثلت حيطانه وسقوفه، فكان أحسن بيت رئي. قال: فدعانا المعتز إليه، فكنا في أحسن يوم رئي سروراً. وخلف الستارة مغنية تغني أحسن غناء ليس لي بها عهد. قال: فنحن في ذاك، إذ دخل علينا خادم في يده طبق عليه مكبة. فوضعه في وسط البيت، وكان في يد المعتز قدح فشربه وشربنا، ثم قال للخادم: إرفع المكبة، فإذا رأس المستعين في الطبق. فلما رأيته شهقت وبكيت. فقال لي المعتز: يا ابن الفاعلة، ما هذا؟ كأنك داخلتك له رقة. فثاب إلي عقلي وتماسكت وقلت: ما كان لرقة، ولكني ذكرت الموت! فأمر الغلام برد المكبة ورفع الطبق. فرفعه. وكأن المعتز داخلته فترة، وكذلك جميع من حضر، وافترقنا عن الحال التي كنا عليها من السرور. قال: فنحن كذلك، إذ سمعنا وراء الستر ضجة أفزعتنا، فإذا امرأة تصيح وامرأة أخرى تشتم الصائحة، والصائحة تقول: يا قوم، أخذتموني غصباً ثم تجيئوني برأس مولاي فتضعونه بين يدي. فسمعنا صوت العود قد ضرب به رأسها. قال: وكان الشاتم لها والضارب قبيحة، وكانت الجارية من جواري المستعين. قال: فانصرفنا عن المجلس أقبح انصراف وقد تنغص علينا ما كنا فيه. ولم تمض إلا أيام يسيرة حتى وثب الأتراك على المعتز فقتلوه، ثم دعى بنا لننظر إليه، فدخلنا عليه في ذلك البيت، فإذا هو ممدود في وسطه ميتاً. دير مريحنا

стр. 41

وهذا الدير إلى جانب تكريب، على دجلة. وهو كبير عامر كثير القلايات والرهبان، مطروق مقصود، لا يخلو من المتطربين والمتنزهين ولا من مسافر ينزله. ولكل من طرقه من الناس ضيافة قائمة على قدر المضاف لا يخلون بها. وله مزارع وغلات كثيرة وبساتين وكروم. وهو للنسطور. وعلى بابه صومعة عبدون الراهب، رجل من الملكية، بنى الصومعة ونزلها فصارت تعرف به. وهو الآن المستولي على الدير والقيم به وبمن فيه. وقد بنى إلى جانبه بناء ينزله المجتازون، فيقيم لهم الضيافة ويحسن لهم القرى. وقد قيل في هذا الدير أشعار ووصف طيبه ونزهته. فمن ذلك قول عمرو بن عبد الملك الوراق: أرى قلبي قد حنّا ... إلى دير مريُحنا إلى غيطانه الفيح ... إلى بركته الغنا إلى ظبي من الأنس ... يصيد الأنس والجنا إلى غصنٍ من البان ... به قلبي قد جنّا إلى أحسن خلق الله ... إن قدّس أو غنّا فلما انبلج الصّبح ... بزلنا بيننا دنّا فلما دارت الكأس ... أدرنا بيننا لحنا ولما هجع السمّا ... ر نمنا وتعانقنا وكان عمرو هذا من الخلعاء المجان، المنهمكين في البطالة والخسارة والاستهتار بالمرد والتطرح في الديارات: وله شعر كثير في المجون ووصف الخمر. وقد ذكرنا منه ما يليق بالكتاب. فمن شعره قوله: وحظيّة فيها العطب ... غاليت فيها بالعطب أتلفت فيها ما كسب ... ت وما جمعت من النشب ما زلت حتى نلتها ... في بيت مضطرب الخشب ومدامةٍ كرخيةٍ ... حمراء من ماء العنب عاقرتها في فتيةٍ ... ليسوا على دين العرب في معشر مهروا المجا ... نة في اللذاذة والطرب جعلوا المجانة سترةً ... للعاذلين على الرتب تمضي الصلاة عليهم ... والسكر منهم في العصب فإذا تنبه من تنبّ ... هـ كان منها في الطلب وإذا مضت صلواتهم ... صلوا جمادى في رجب ومن شعره في المجون أيضاً: أيها السائل عني ... لست من أهل الصلاح أنا إنسانٌ مريبٌ ... أشتهي نيك الملاح قد قسمت الدهر يو ... مين. لفسق ولراح لا أُبالي من لحاني ... لا أطيع الدهر لاح ومن مجونه أيضاً: إذا أنت لم تشرب عقاراً ولم تلط ... فأنت لعمري والحمار سواء ولم تمل بيتاً من قحابٍ ولم يبت ... فراشك أرضاً ما عليه غطاء ولم تك بالشطرنج عبداً مقامراً ... وفي النرد عند الخصل منك وفاء ولم تك في لعب النوى متماحكاً ... فتسلب مالاً أو يكون نواء ولم تتخذ كلباً وقوساً وبندقاً ... وبرج حمام لم يصبك رخاء ولم تدر ما عيش ولم تلق لذة ... فأنت حمارٌ ليس فيك مراء فإن أنت لم تفطن لعيش جهلته ... فدونكه ما دام فيك بقاء وإياك أن تنفك من سكرٍ طافح ... مساؤك صبحاً والصباح مساء ونك من لقيت الدّهر منهم ولا يكن ... عليك إذا أعطوك منك إباء دير صباعي وهذا الدير شرقي تكريت، مقابل لها، مشرف على دجلة. وهو نزه عامر، له ظاهر عجيب فسيح ومزارع حوله على نهر يصب من دجلة إلى الاسحاقي، وهو خليج كبير. فيقصد هذا الدير من قرب منه في أعياده وأيام الربيع وهو إذ ذاك منظر حسن، فيه خلق كثير من رهبانه وقسانه. ولبعض الشعراء، فيه: حنّ الفؤاد إلى دير بتكريت ... بين صبّاعي وقس الدير عفريت دير الأعلى

стр. 42

هذا الدير بالموصل في أعلاها، يطل على دجلة والعروب. وهو دير كبير عامر، يضرب به المثل في رقة الهواء وحسن المستشرف. ويقال إنه ليس للنصارى دير مثله، لما فيه من أناجيلهم ومتعبداتهم. فيه قلايات كثيرة لرهبانه. وله درجة منقورة في الجبل يفضي إلى دجلة نحو المائة مرقاة، وعليها يستقى الماء من دجلة. وتحت الدير عين كبيرة تصب إلى دجلة، ولها وقت من السنة يقصدها الناس فيستحمون منها، ويذكرون أنها تبرىء من الجرب والحكة وتنفع المقرعين والزمنى. والشعانين في هذا الدير حسن، يخرج إليه الناس فيقيمون فيه الأيام يشربون. ومن اجتاز بالموصل من الولاة نزله. وقد قالت الشعراء في هذا الدير، ووصفت حسنه ونزهته. وللثرواني، فيه: إسقني الراح صباحا ... قهوة صهباء راحا واصطبح في الدير الأعلى ... في الشعانين اصطباحا إن من لم يصطبحها اليو ... م، لم يلق نجاحا ثم قلّدني من الزي ... تون والخوص وشاحا في الشعانين وإن لا ... قيت في ذاك افتضاحا عظّم الأعلام والره ... بان والصلب الملاحا واجعل البيعة والقص ... ر جميعاً مستراحا لا كمن يمزح بالشهر ... ة والخلع مزاحا أو دع الشهرة والزم ... كل من يهوى الصلاحا والزم الجمعة والبك ... رة فيها والرواحا وكان المأمون، اجتاز بهذا الدير في خروجه إلى دمشق، فأقام به أياماً. ووافق نزوله عيد الشعانين. فذكر أحمد بن صدقة، قال: خرجنا مع المأمون، فنزلنا الدير الأعلى بالموصل لطيبه ونزاهته؛ وجاء عيد الشعانين، فجلس المأمون في موضع منه حسن مشرف على دجلة والصحراء والبساتين، ويشاهد منه من يدخل الدير. وزين الدير في ذلك اليوم بأحسن زي. وخرج رهبانه وقسانه إلى المذبح، وحولهم فتيانهم بأيديهم المجامر قد تقلدوا الصلبان وتوشحوا بالمناديل المنقوشة. فرأى المأمون ذلك، فاستحسنه. ثم انصرف القوم إلى قلاليهم وقربانهم، وعطف إلى المأمون من كان معهم من الجواري والغلمان، بيد كل واحد منهم تحفة من رياحين وقتهم، وبأيدي جماعة منهم كؤوس فيها أنواع الشراب. فأدناهم، وجعل يأخذ من هذا ومن هذه تحية، وقد شغف بما رآه منهم، وما فينا إلا من هذه حاله. وهو في خلال ذلك يشرب والغناء يعمل. ثم أمر بإخراج من معه من وصائفه المزنرات، فأخرج إليه عشرون وصيفة كأنهم البدور، عليهن الديباج، وفي أعناقهن صلبان الذهب، بأيديهن الخوص والزيتون. فقال: يا أحمد، قد قلت في هؤلاء أبياتاً، فغنني بها، وهي: ظباء كالدنانير ... ملاحٌ في المقاصير جلاهنّ الشعانين ... علينا في الزنانير وقد زرفنّ أصداغاً ... كأذناب الزرانير وأقبلن بأوساط ... كأوساط الزنابير ثم أخرج نعم جاريته، وكانت وصيفة، فغنت: وزعمت أني ظالم فهجرتني ... ورميت في كبدي بسهم نافذ فنعم ظلمتك فاصفحي وتجاوزي ... هذا مقام المستجير العائذ وطرب وشرب واستعاد الصوت دفعات، ثم قال لليزيدي: أرأيت أحسن مما نحو فيه؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، أن تشكر من خولك فيزيدك منه ويحفظه عليك. قال: بارك الله عليك فلقد ذكرت في موضع الذكرى. ثم أمر بثلاثين ألف درهم. فتصدق بها للوقت. وإلى جانب هذا الدير، مشهد عمرو بن الحمق الخزاعي، ومسجد بنته بنو حمدان يتصل بالقبر. ولعمرو بن الحمق صحبة، وكان من أصحاب علي بن أبي طالب صلوات الله عليه، وشهد معه مشاهده كلها. وكان معاوية طلبه دهراً، وهو ينتقل من مكان إلى مكان، ثم ظفر به بالموصل، وكان قد سقي بطنه واشتدت علته، فدل عليه عبد الرحمن بن أم الحكم الثقفي وهو ابن أخت معاوية، فكسبه في غار بالموصل وقتله، وحمل رأسه إلى معاوية، وهو أول رأس حمل في الاسلام من بلد إلى بلد، ودفنت جثته في هذا الموضع.

стр. 43

وكانت امرأته آمنة بنت الشريد بدمشق، فحبسها معاوية حبساً طويلاً. فلما حمل رأس عمرو إليه، وجه به إلى آمنة إلى السجن، وقال للرسول: ألقه في حجرها واحفظ ما تقول. فلما أتاها، ارتاعت له وأكبت تقبله. ثم قالت: واضيعتا في دار هوان، نفيتموه طويلاً وأهديتموه إلي قتيلاً. فأهلاً وسهلاً بمن كنت له غير قالية، وأنا له غير ناسية، قل لمعاوية: أيتم الله ولدك، وأوحش منك أهلك، ولا غفر لك ذنبك! فعاد الرسول بما قالت، فأمر بها، فأحضرت، وعنده جماعة فيهم إياس بن شرحبيل وكان في شدقيه نتوء لعظم لسانه. فقال معاوية لها: يا عدوة الله! أنت صاحبة الكلام؟ قالت. نعم، غير نازعة عنه ولا معتذرة منه ولا منكرة له. وقد، لعمري، اجتهدت في الدعاء وأنا اجتهد إن شاء الله، والله من وراء العباد وإن الله بالنقمة من ورائك. فأمسك معاوية. فقال إياس: اقتل هذه، فما كان زوجها بأحق بالقتل منها. فقالت: ما لك، ويلك، بين شدقيك جثمان الضفدع، وأنت تأمره بقتلي كما قتل بعلي بالأمس إن تريد إلا أن تكون جباراً في الأرض وما تريد أن تكون من المصلحين. فضحك معاوية والجماعة وبان الخجل في إياس، ثم قال لها معاوية: أخرجي عني فلا أسمع بك في شيء من الشام! قالت: سأخرج عنك، فما الشام لي بوطن، ولا أعرج فيه على حميم ولا سكن. ولقد عظمت فيه مصيبتي، وما قرت به عيني، وما أنا إليك بعائدة ولا لك حيث كنت حامدة. فأشار إليها بيده أن أخرجي! فقالت: عجباً لمعاوية يبسط علي غرب لسانه ويشير إلي ببنانه. فلما خرجت قال معاوية: يحمل إليها ما يقطع به لسانها وعني ويخف به إلى بلدها. فقبضت ما أمر لها به، وخرجت تريد الكوفة، فلما وصلت إلى حمص توفيت بها. دير يونس بن متى وهذا الدير ينسب إلى يونس بن متى النبي صلى الله عليهن وعلى اسمه بني. وهو في الجانب الشرقي من الموصل، بينه وبين دجلة فرسخان. وموضعه يعرف بنينوى، ونينوى هي مدينة يونس ﵇. وأرضه كلها نوار وشقائق. وله في أيام الربيع ظاهر حسن مونق، وهو مقصود. وتحت الدير، عين تعرف بعين يونس. فالناس يقصدون هذا الموضع لخلال: منها التنزه واللعب، ومنها التبرك بموضعه، ومنها الاغتسال من العين التي تحته. وكان اليهود، في أيام الحسين بن عبد الله بن حمدان، دسوا واحداً منهم فدخل الهيكل وأحدث فيه، واتصل الخبر إلى ابن حمدان، فجمع كل يهودي بالموصل، فصادرهم على مال كثير أخذه منهم. ولأبي شاس منير، فيه: يا دير يونس، جادت صوبك الدّيم ... حتى تُرى ناضراً بالنور تبتسم لم يشف في ناجر ماءٌ على ظمأ ... كما شفى حرّ قلبي ماؤك الشبم ولم يحلك محزونٌ به سقمٌ ... إلا تحلل عنه ذلك السقم استغفر الله من فتك بذي غنج ... جرى علي به في ربعك القلم وكان أبو شاس هذا، من أطبع الناس، مليح الشعر، كثير الوصف للخمر، ملازماً للديارات، متطرحاً بها، مفتوناً برهبانها، ومن فيها. فمن شعره الذي وصف فيه الخمر وملح، قوله: أعارك الحلم والوقار ... ثوباً من الصمت لا يعار فقم إلى الخمر فامتحنها ... إذا استقرّت بك الديار وغنّت الطير في رياضٍ ... زيّن عيدانها اخضرار من التي صانها ملوكٌ ... هم هم السادة الكبار إذا بدت والدجى مقيمٌ ... صار مكان الدجى نهار كأنهم والمدام ركبٌ ... يؤمهم في الظلام نار ومن مليح شعره: قوله: لا تعدلنّ عن ابنة الكرم ... بأبي، ففيها صحة الجسم واعلم بأنك إن لهجت بغيرها ... هطلت عليك سحائب الهمّ وإذا شربت فكن لها متيقظاً ... حتى تبين طيبة الطعم لو لم يكن في شربها من راحةٍ ... إلا التخلّص من يد الغم وقال أيضاً: أعاذل، ما على مثلي سبيل ... وعذلك في المدامة مستحيل أعاذل، لا تلمنا في هواها ... فإن عتابنا فيها طويل كلانا يدعي في الخمر علماً ... فدعني لا أقول ولا تقول أليس مطيتي حقوي غلام ... ووصل أناملي كأسٌ شمول

стр. 44

إذا كانت بنات الكرم شربي ... ونقلي وجهه الحسن الجميل أمنت بذين عاقبة الليالي ... وهان علي ما قال العذول ومعتذرٍ إلي بشطر عينٍ ... له من كسر ناظرها رسول صرفت الكأس عنه حين غنّى ... وإن لسانه منها ثقيل أرحني قد ترفعت الثريّا ... وغالت كلّ ليلي عنك غول دير الشياطين وهذا الدير غربي دجلة، من أعمال بلد، بين جبلين، في فم الوادي. له منظر حسن وموقع جليل. وهواؤه رقيق لطيف، وقلاليه عامرة كثيرة الأشجار، وأرضه كثيرة الرياض. وله سور يحيط به، ومشترف على سطح هيكله يشرف على دجلة والجبل. والناس يطرقونه للشرب فيه، وهو من مطارح أهل البطالة ومواطن ذوي الخلاعة. وللخباز البلدي، فيه: رهبان دير سقوني الخمر صافية ... مثل الشياطين في دير الشياطين مشوا إلى الراح مشي الرخ وانصرفوا ... والراح تمشي بهم مشي الفرازين وكان عبادة، لما نفاه المتوكل إلى الموصل، يمضي إلى دير الشياطين فيشرب فيه، ولم يكن يفارقه. فهوي غلاماً من الرهبان بالدير، وكان من أحسن الناس وجهاً وقداً، فهام به وجن عليه ولزم الدير من أجله، ولم يزل يخدعه ويلاطفه ويعطيه إلى أن سلخ الراهب من الدير وخرج معه. وفطن رهبان الدير بعبادة وما فعل من إفساده الغلام، فأرادوا قتله بأن يرموه من أعلى الدير إلى الوادي. ففطن بهم وهرب، فلم يعد إلى الموضع. وكان عبادة، من أطيب الناس وأخفهم روحاً وأحضرهم نادرة. وكان أبوه من طباخي المأمون، وكان معه، فخرج حاذقاً بالطبيخ. ثم مات أبوه، فتخنث وصار رأساً في العيارة والخلاعة. فوصف للمأمون، وهو إذ ذاك حدث، فاستحضره. فلما وقف بين يديه تنادر وحاكى ومازح، فاستطابه المأمون. فقال: أمضوا به إلى زبيدة لتراه وتضحك منه، فمضوا به إليها، فلما دخل عليها وجدها على برذعة تاختج وعلى رأسها جارية تذب بمذبة خوص. فقال عبادة: يا ستي، كأنك من ناطف البركة. فضحكت منه واستطابته، فأقام عندها أياماً، فوصلته وكسته وكانت لا تكاد تصبر عنه. قال جلس المأمون في بعض الأيام، وأمر بأن تحضر اللحوم والحيوان وما يحتاج إليه من آلة الطبيخ وقال للندماء: ليطبخ كل واحد منكم قدراً. وطبخ هو أيضاً قدراً وطبخ أخوه أبو إسحق قدراً، ففاحت لها روائح غلبت على روائح قدورهم طيباً وعطرية. فعجبوا من ذلك، وعبادة حاضر، فحسده. فقال: إن أردت أن تزيد في طيب قدرك، فصب فيها سكرجة كامخ. فأخذ سكرجة كامخ كبر وصبها في القدر، فساعة صب السكرجة، فاحت لها روائح منتنة. فقال المأمون: ويلكم! ما هذه الرائحة المنتنة؟ قال عبادة: رائحة قدر أخيك الطباخ! قال ماذا طرحت فيها حتى عادت بعد الطيب إلى هذه الرائحة؟ فقال سكرجة كامخ كبر أشار بها عبادة. فقال أما علمت أنك إذا أدخلت جسماً ميتاً على جسم حي أفسده؟ فحقدها المعتصم على عبادة. فلما ولي المعتصم، أمر بقتله، ثم قال: ما لهذا الكلب من القدر ما يقتل به، ولكن أنفوه. فنفي. فلما ولي الواثق رده، فكان معه ثم مع المتوكل بعده. ثم غضب عليه المتوكل فنفاه إلى الموصل. قال أبو حازم الفقيه، وقد جرى ذكر عبادة: ما كان أظرفه. قيل: وكيف؟ قال: كان المتوكل نفاه، فلما حصل بالموصل، تبعه غرماؤه وطالبوه، وقدموه إلى علي بن إبراهيم الغمري وهو قاضي الموصل، فحلف لواحد ثم لآخر ثم لآخر. فقال علي بن إبراهيم: ويحك! ترى هؤلاء أجمعوا على ظلمك؟ فاتق الله وارجع إلى نفسك. فإن كانت عسرة كان بإزائها نظرة. قال: صدقت، فديتك! ليس كلهم ادعى الكذب ولا كلهم ادعى الصدق، وإنما دفعت بالله ما لا أطيق. ثم رده المتوكل. وكان من أحضر الناس نادرة وأسرعهم جواباً. وقال المتوكل لعبادة ذات يوم: دع التخنث حتى أزوجك. قال: أنت خليفة أو دلالة؟ وقال له ابن حمدون: يا عبادة، لو حججت لاكتسبت أجراً ورآك الناس في مثل هذا الوجه المبارك. فقال: اسمعوا، ويلكم، إلى هذا العيار: يريد أن ينفيني من سامراء على جمل! وقال له دعبل يوماً: والله لأهجونك! قال: والله لئن فعلت لأخرجن أمك في الخيال! قال سعد بن إبراهيم الكاتب: قلت له يوماً: يكون مخنث بغير بغاء؟ قال: نعم. ولكن لا يكون مليح. يكون مثل قاضي بلا دنية!

стр. 45

وقال يوماً لأبي حرملة المزين: حذقني. قال: يا مخنث، أضع يدي على وجهك وأنا أضعها على وجه أمير المؤمنين؟ قال: فأنت أيضاً تضعها على باب أستك كل يوم خمس مرات! قال: دخل عبادة يوماً الحمام بغير مئزر متبذلاً غير محتشم، وفي الحمام شيخ جليل. فقال: ويحك! أما تستحي؟ استتر بيدك! فقال: أيش أستر؟ إنما هي هدية مكة: مقلتان ومسواك! قال علي بن يحيى المنجم: قال عبادة يوماً للمتوكل، ويحيى بن أكثم القاضي حاضر: يا أمير المؤمنين، قل ليحيى يعلمني فرائض الصلب. قال المتوكل ليحيى: هو ذا تسمع. فقال، وقد علم أن المتوكل غمز عليه عبادة ليتنادر به: سأل محالاً يا أمير المؤمنين. قال: وكيف؟ قال: لأن الشاعر يقول: وإن من أدبته في الصبى ... كالعود يسقى الماء في غرسه وهذا شيخ لا ينجع فيه التعليم. ولكن إن كان له ابن حدث ذكر فليأتني به، أعلمه. فنظر إليه عبادة وقال: يا قاض، لو كنت من أهل صناعتنا، ما قوي بك أحد. فقال: لست من أهل صناعتك وما بأحد علي قوة. قال: وخرج عبادة يوماً في السحر إلى الحمام، فلقي غلاماً من أولاد الأتراك، فأعطاه عشرة دراهم وقال: إقطع أمر عمك! فبينا الغلام فوقه خلف الدرب، إذ أشرفت عجوز من غرفة لها، فرأتهما، فصاحت: اللصوص! فقال عبادة: يا عجوز السوء! النقب في استي، صياحك أنت من أيش؟ وذكر أبو حازم القاضي، قال كنت مقيماً بدمشق من ابن مدبر، وكان لا يرد عليه كتاب إلا أقرأنيه. فورد عليه كتاب سعيد الرسح خليفة له بسر من رأى، فقرأه وتبسم ولم يدفعه إلي. فسألته عما فيه؟ قال: كتب إلي سعيد يذكر أنه كان واقفاً بباب المتوكل، إذ خرج موسى بن عبد الملك وهو متغير الوجه، فقال لغلامه: احمل إلى عبادة ألف درهم وقل: لا تعاود أن تكثر فضولك. فسألت عن الخبر، فقيل: دخل موسى على المتوكل وهو جالس على بركة السباع، وعبادة بين يديه يتكلم ويعبث. فقال المتوكل: يا موسى، قد صدع رأسي عبادة، فما تريحني منه؟ فقال: يا أمير المؤمنين، إطرحه في بركة الأسد! فقال عبادة: نعم، إطرحني أنا في بركة الأسد، واحمله هو إلى أسد دمشق حتى يستخرج لك الأموال منه. فتغير موسى وقامت عليه القيامة، وبعث إلى عبادة يمال أسكته به. عمر الزعفران هذا العمر بنصيبين، مما يلي الجانب الشرقي منها، في الجبل، والجبل مشرف على البلد. وهو من الديارات الموصوفة والمواقع المذكورة بالطيب والحسن. وحوله الشجر والكروم، وفيه عيون تتدفق. وهو كثير القلايات والرهبان. وشرابه موصوف، يحمل إلى نصيبين وغيرها. وليس يخلو من أهل القصف واللعب، فهو وسائر بقاعه معمورة بمن يطرقها. وبهذا الجبل ثلاثة ديارات أخر، في صف واحد، أحسن شيء منظراً وأجله موقعاً، وهي: عمر الزعفران، ومر أوجي ومر يوحنا. والعمر الكبير بالموضع أحد متنزهات الدنيا. وأسفل الجبل الهرماس، وهو نهر نصيبين، وعيون تتدفق من أصل الجبل، ويعرف الموضع برأس الماء. وهذا الجبل أول طور عبدين، وهو على ثلاثة فراسخ من نصيبين. ويجري هذا النهر بين جبلين. وعلى حافته الكروم والشجر، فإذا وصل إلى نصيبين افترق فرقتين، فمنه ما يجتاز بباب سنجار، فيسقي ما هناك من البساتين ويصب في الخابور، ومنه ما يعدل إلى شرقي البلد فيدير أرحية هناك ويسقي البساتين أيضاً وما هناك. ولمصعب الكاتب، في دير عمر الزعفران: عُمرت بقاع عمر الزعفران ... بفتيان غطارفةٍ هجان بكل فتىً يحن إلى التصابي ... ويهوى شرب عاتقة الدنان بكل فتىً يميل إلى الملاهي ... وأصوات المثالث والمثاني ظللنا نُعمل الكاسات فيه ... على روض كنقش الخسرواني وأغصان تميل بها ثمارٌ ... قريبات من الجاني دواني تثنّيها الرياح كما تثنّى ... بحسن قوامه آوي جناني وأنهارٍ تسلسل جاريات ... يلوح بياضها كاللؤلؤان وأطيار إذا غنّتك أغنت ... عن ابن المارقي وعن بنان نجاوبها إذا ناحت بشجو ... بقهقهة القواقز والقناني وغزلان مراتعها فؤادي ... شجاني منهم ما قد شجاني وبنوهم ويوحنّا وشعيا ... ذوو الاحسان والصور الحسان

стр. 46

رضيت بهم من الدنيا نصيبي ... غنيت بهم عن البيض الغواني أُقبل ذا وألثم خد هذا ... وهذا مسعد سلس العنان فهذا العيش لا حوضٌ ونوى ... ولا وصف المعالم والمغاني وكان مصعب هذا، من أشد الناس تهتكاً، وأكثرهم خلاعة ومجوناً واستهتاراً بالمرد، وتطرحاً في الحانات والديارات. وأشعاره كلها في الغلمان، لا تعدو هذا المعنى إلى غيره. ونحن نورد من ذلك ما يستطرف ويستملح من معانيه. ومن شعره، قوله: أنا الماجن اللّوطي ديني واحد ... وإني في كسب المعاصي لراغب ألوط ولا أزني فمن كان لائطاً ... فإني له حتى القيامة صاحب أدين بدين الشيخ يحيى بن أكثم ... وإني عن دين الزناة لناكب ومثل قضيب البان في زي شاطرٍ ... إذا ما بدا للطرف فالعقل عازب له نخرةٌ، إن قلت: صلني بزورة ... تشيب لها يا ابن الكرام الذوائب دعوت له من قوم لوطٍ عصابةً ... تذل لهم في النائبات المصاعب فقال، وقد غصّ الزيار بحلقه ... مقالة من أعيت عليه المذاهب كريمٌ أصابته من الدهر نبوةٌ ... وأي كريم لم تصبه النوائب ومن شعره أيضاً: نصيحة من حوى أُذناً وطرفاً ... أتتك، وسوف تسعد إن فعلتا عليك إذا لقيت بحسن بشر ... وكن من أكثر الثقلين سمتا ولا تخل الأصابع من عقودٍ ... وغتّ الناس بالآثار غتّا وعظهم وانههم عن منكرات ... ولا تدع البكاء إذا وعظتا وواخ أبا الذي تهواه كيما ... يقال أخو أبيه وقد ظفرتا وإن أبصرت شرطك بين قوم ... ولم تصبر، فسارق إن نظرتا وإن فطنوا، فأطرق ثم فكّر ... كأنك لم تكن نظراً أردتا ودار المرد منك بحسن لطفٍ ... ولا تدع الدبيب إذا سكرتا وصاتي، يا سعيد، فلا تدعها ... فأنت من الفلاسف، إن قبلتا وقال أيضاً: هجرت مجوني فاسترحت من العذل ... وكنت وما لي في التمادي من مثل فيا ابن يمان هل سمعت بعاشق ... يُعدّ من النساك في من مضى قبلي ألم تراني حين أغدو مسبحاً ... بسمت أبي ذرّ وفسق أبي جهل وأخشع في مشيي وأصرف ناظري ... وسجادتي في الوجه كالدرهم البغلي وآمر بالمعروف لا من تقية ... وكيف وقولي لا يصدّقه فعلي أقول إذا لاقيت قوماً ألا اتقوا ... ولو عرفوا حالي لحلّ لهم قتلي ومحبرتي رأس الرياء ودفتري ... ونعلي بالأسحار أو رائحاً رجلي أؤمُّ فقيهاً ليس همي فقهه ... ولكن لديه المرد مجتمعي الشمل فيا ربّ مغرور غررت بدفتري ... فلما ثناه الحزم عارضه فعلي وكم أمرد قد قال والده له: ... عليك بهذا إنه من ذوي العقل يفرّ به من أن يعاشر شاطراً ... كمن فرّ من حر الجراح إلى القتل فأوسعته نيكاً ولم ألف عاجزاً ... وكنت له في الخفض واللين كالبعل ولينته بالرفق من بعد عزةٍ ... كما ليّن الرواض مستصعب الابل وقال أيضاً: وقائلة، ترجو صلاحي، إلى متى؟ ... فقلت لها: ما دام في الأرض أمرد فقالت: لقد أنضيت في الغيّ جاهداً ... ركائب فسق أنت فيها تردد أتبكي لنشءٍ بعد نشءٍ فما أرى ... بكاءك حتى ينفد الدهر ينفد أعاذل، لولا المرد أصبحت عابداً ... هم أهلكوا ديني عليّ وأفسدوا دعاني أناسٌ زاهداً حين أبصروا ... خشوعي ألا في الزهد أصبحت أزهد نصبت لهم تحت الخشوع مكايدي ... وللرفق أحياناً عواقب تحمد تشّبهت بالزّهاد والحرب خدعة ... وراءيت بالتسبيح والكفّ تعقد وقال أيضاً:

стр. 47

كل حياةٍ بلا دين ففاسدةٌ ... والمرد يا ابن يمان أفسدوا ديني كم توبةٍ بعدها أخرى استتبت بها ... فليس دهري على ديني بمأمون لو امنتني الذي نفسي تخوّفه ... منهم ببغداد يوماً عذت بالصين وقد سألت خبيراً من تجارهم ... فظلّ منه بحسن الوصف ينبيني فقال: بالصين ألوانٌ تلين لها ... صلب القلوب وأمرٌ ليس بالدون وقائل: عذ ببيت الله، قلت له: ... من لي من المرد في الاحرام ينجيني إذا بدت كثبٌ ليثت بها أزرٌ ... وقفت نصباً لمن باللحظ يرميني من لي إذا زاحموني في طوافهم ... هناك يبدي ضميري كل مكنون ما لي من المرد إلا الله يعصمني ... ربّ المثاني وطه والطواسين قد كنت في النسك قبل اليوم منغمساً ... يشوب حبي لهم سمت ابن سيرين أدنوا بعين تقي حشو مقلتها ... حبٌّ لكل نقي الخد ذي لين فالآن تبت، فحسبي منهم نظري ... استغفر الله، والتقبيل في الحين وقال أيضاً: إني بكيت لجسمي في تنقُّصه ... لم أبك رسماً ولا ربعاً ولا دارا وشاطر ذي اختيالٍ في تكرّهه ... كالغصن يألف فسّاقاً وشطارا ما زلت عنه بمكري والخداع إلى ... أن صار عرفانه للحق إنكارا فاتلت عقل الفتى بالكأس أقرعها ... بالخمر أتبعها شعراً وأسمارا حتى إذا ما استعار الليل مهجته ... وقبض النوم أسماعاً وأبصارا دببت أمشي على الكفين ألمسه ... كمشي مسترقٍ للسمع أسرارا وكرّ يمشق في قرطاسه قلمي ... والليل ملق على الآفاق أستارا فقال لما انجلى عن عينه وسنٌ ... وقد رأى تكة حلت وآثارا: يا راقد الليل مسروراً بأوله ... إن الحوادث قد يطرقن أسحارا وله أيضاً: ومغفٍ على الكأس من سكره ... تبذّلت ما صان من ظهره وقبلته مائتي قبلة ... ولم أرض إلا على ثغره وأعزز علي بما سرني ... من الاقتدار على أمره فلما تنبّه أبصرته من ... الغيظ يخرج من قشره وقد كان في سقيه كادني ... ولكنه رد في نحره وله أيضاً: يا أيها المرد قد نصحت لكم ... خافوا من الله فضل نقمته إذا سطا أمرد وتاه على ... عاشقه كان غبّ سطوته ان يبعث الله في محاسنه ... شعراً فيطفي ضياء بهجته عقوبة الأمرد الذي كثرت ... ذنوبه في خروج لحيته ينكره الناس بعد معرفةٍ ... وقد تواصوا بطول جفوته هذا نبيّ الاله قبلكم ... قد أنكرته عيون إخوته وبعده أين حسن وجه أبي ... بكر وألحاظه بفتنته قد عقرب الصدغ فوق وجنته ... على بياضٍ من تحت حمرته صار على الناس بعد عزته ... مثل قعيس بباب عمته عمر أحويشا وتفسير أحويشا بالسريانية الحبيس. وهذا العمر بسعرت، وسعرت مدينة كبيرة من ديار بكر، بقرب أرزن، والعمر مطل على أرزن. وهو كبير عظيم، فيه أربعمائة راهب في قلالي. وحوله بساتين وكروم. وهو في نهاية العمارة وحسن الموقع وكثرة الفواكه والخمور. ويحمل منه الخمر إلى المدن المذكورة. وبقربه عين عظيمة تدير ثلاث أرحاء. وإلى جانبه نهر يعرف بنهر الروم. وهذا العمر مقصود من كل موضع للتنزه فيه والشرب. والخلعاء والمتطربون أغلب عليه من أهله. وللبادي الشاعر، فيه: وفتيان كهمّك من أُناس ... خفافٍ في الغدو وفي الرواح نهضت بهم، وستر الليل ملقىً ... وضوء الصبح مقصوص الجناح نؤمُّ بدير أحويشا غزالاً ... غريب الحسن كالقمر اللّياح

стр. 48

وكابدنا السُّرى شوقاً إليه ... فوافينا الصباح مع الصباح نزلنا منزلاً حسناً أنيقاً ... بما نهواه معمور النواحي قسمنا الوقت فيه لاغتباق ... على الوجه المليح ولاصطباح وظللنا بين ريحانٍ وراح ... وأوتار تساعدنا فصاح وساعفنا الزمان بما أردنا ... فأبنا بالفلاح وبالنجاح وكان هذا اللبادي يكنى أبا بكر أحمد بن محمد، من طياب الناس وملاحهم، وذوي المجانة والخلاعة. وسمي اللبادي، لأنه كان يلبس أبداً على ثيابه لباداً أحمر. ذكر أبو علي الأوارجي، أنه كان يتقلد أردبيل. قال: فقسطت في وقت من الأوقات عشرين ألف دينار بالعدل فيهم على قدر أحوالهم. فكان في من لحقه التقسيط اللبادي هذا. فكتب باسمه عشرون ديناراً. قال: فبينا أنا جالس في الديوان استخرج، إذ دخل على رجل قد طين وجهه بطين أحمر، وعليه لباد أحمر وعمامة حمراء وبيده عكاز أحمر وفي رجليه خفان أحمران. فسلم ووقف، وبدأ ينشد في قصيدة عملها، وقال فيها: لئن كان الأمير به افتقارٌ ... إلى الشعراء في كرم النصاب لقد أودت به الأيام حتى ... لقد رام العراق من الكلاب فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا أبو بكر اللبادي الشاعر. فرفعته ثم سألته عن قصيدته في أحمد بن الحسن الماذرائي وخبره معه. فقال لي: قصدته، فوجدته سائراً نحو قزوين، فوقفت له على طريقه خلف حجر، بهذا الزي الذي تراه عليّ. فلما أن دنا مني خرجت إليه. فقلت: كما ترى صيرني. فقال: ماذا؟ فقلت: ........... ... قطعي قفار الدّمن أقطعها طوراً وطو ... راً بالسرى تقطعني أسري على سبّاقة ... في سيرها لم تخن لا تعرف الذلّ ولا ... قيدت بثني الرسن أسعى بها معتسفاً ... إليك يا ابن الحسن مستعدياً فأعدني ... على صروف الزمن فقد، وربّ الرّكن ... أوهى لي مشيي ركني كم جرعة جرّعني ... وغصةٍ غصّصني كأنما يطلبني ... في مرّه بالاحن فالحمد لله الذي ... أدال من دهري الدّني يا ذا الذي منه ثما ... ر الجود يجني المجتني جودك من أعلى الذرى ... يدعو بصوتٍ معلن حيّ على ابن الحسن ... حي على البدر السني حي على من جوده ... كصوب ماء المزن فجئت أسعى والذي ... من عرشه وفّقني لحبّ آل المصطفى ... وحبهم أنقذني دونكها قوافياً ... أجلت فيها فطني لبسكها أحسن من ... لبس نسيج عدني قال: فأمر لي بعشرة آلاف درهم، وحملني على دابة بسرجه ولجامه. قال أبو علي: فوقعت إلى المستخرج بإعطائه براءة بما قسط عليه، فأخذ البراءة وشكرني وانصرف. ومدح اللبادي أبا القاسم يوسف بن ديوداذ بن أبي الساج، فصار إلى داره، فلما دخل الدهليز، قال له الحاجب، وأنكر زيه ولباده: أي شيء أنت؟ قال: شاعر، وقد مدحت الأمير. فقال لبعض من بين يديه: زبطره! فزبطره، وانصرف، وكتب إلى أبي بكر محمد بن أحمد كاتب الأفشين: مدحت الأمير أبا قاسم ... ونفسي لجدواه مستنظره بمدح كوشي رياض الربيع ... غلّسه الطلّ إذ باكره وقالوا: همام جزيل البناء ... جزيل الأيادي ولما أره فلما انتهيت إلى داره ... جزيت على مدحه زبطره فأنكرت جائزتي منهم ... وكانت، لعمر أبي، منكره وأمكنت نفسي من الحادثات ... وأيقنت أني صريع الشره فبكّ على الشعر والمكرما ... ت وناد بهنّ من المقبره فقد أسخن الله عين امرىء ... يقال له اليوم ما أشعره فهل، يا محمد، من نائل ... يبل اللهاة أو الحنجره فمن يفعل الخير خيراً يره ... ومن يفعل الشر شراً يره

стр. 49

فقل أبو بكر: أي والله وكرامة! ووجه إليه توقيعاً بخمسين ديناراً إلى الجهبذ. فأبى الجهبذ أن يقبض التوفي إلا أن يقيم عنده، فأقام عنده ودفع إليه الخمسين ديناراً وخمسة من عنده، ثم أوصله أبو بكر إلى أبي القاسم يوسف، وحدثه حديثه. فضحك منه وسمع شعره، وأعطاه وحمله وكساه. دير فيق وهذا الدير في ظهر عقبة فيق فيما بينها وبين بحيرة طبرية، في جبل يتصل بالعقبة، منقور في الحجر. وهو عامر بمن فيه ومن يطرقه من النصارى لجلالة قدره عنده، وغيرهم يقصده للتنزه والشرب فيه. والنصارى يزعمون أنه أول دير عمل للنصرانية، وأن المسيح صلى الله عليه، كان يأوى إليه، ومنه دعا الحواريين. وفيه حجر ذكروا أن المسيح كان يجلس عليه. فكل من دخل الموضع كسر قطعة من ذلك الحجر تبركاً به. وعمل هذا الدير في الموضع على اسم المسيح ﵇. ولأبي نواس، يذكره: بحجّك قاصداً ماسرجسان ... فدير النوبهار فدير فيق وهي قصيدة طريفة، يخاطب فيها غلاماً نصرانياً كان يهواه. أولها: بمعمودية الدير العتيق ... بمطرنيّها بالجاثليق بشمعون بيوحنا بعيسى ... بما سرجيس بالقس الشفيع بميلاد المسيح بيوم دنحٍ ... بباعونا بتأدية الحقوق بأشموني وسبع قدّمتهم ... وما حادوا جميعاً عن طريق بمارت مريم وبيوم فصح ... وبالقربان والخمر العتيق وبالصّلبان ترفعها رماحٌ ... تلألأ حين تومض بالبروق بحجك قاصداً ما سرجسان ... بدير النوبهار فدير فيق بهيكل بيعة الله المفدّى ... وقسان أتوه من سحيق وبالناقوس في البيع اللواتي ... تقام بها الصلاة لدى الشروق بمريم بالمسيح وكل جرٍ ... حواريّ على دينٍ وثيق برهبان الصوامع في ذراها ... أقاموا ثم في جهدٍ وضيق بإنجيل الشعانين المفدّى ... وشمعلة النصارى في الطريق وبالصّلب العظيمة حين تبدو ... وبالزنّار في الخصر الدقيق وبالحسن المركّب فيك إلاّ ... رحمت تحرّقي وجفوف ريقي أما والقرب من بعد التنائي ... يمين فتىً لقائله عشيق لقد أصبحت زينة كل دير ... وعيداً مع جفائك والعقوق وأذّن عاشقوك إلى النصارى ... من الاسلام طرّاً بالمروق دير الطور والطور، جبل مستدير مستطيل، واسع الأسفل مستدق الأعلى، لا يتعلق به شيء من الجبال، وليس إليه إلا طريق واحد. وهو فيما بين طبرية واللجون، مشرف على الغور ومرج اللجون والدير في نفس القلة، وعين تنبع بها، وحوله كروم تعصر، فالشراب عندهم كثير. ويعرف أيضاً بدير التجلي، لأن المسيح، صلى الله عليه، على زعمهم تجلى لتلامذته بعد أن رفع، حتى أراهم نفسه وعرفوه. والناس يقصدونه من كل موضع فيقيمون به ويشربون فيه. فموقعه حسن، وهو من المواضع الطيبة. ولمهلهل بن يموت بن المزرع، فيه: نهضت إلى الطور في فتيةٍ ... سراع النهوض إلى ما أُحب كهمّك من فتيةٍ أنفقوا ... تلادهم في سبيل الطرب كرام الجدود، حسان الوجوه ... كهول العقول، شباب اللّعب فأيّ زمانٍ بهم لم يسرّ ... وأيّ مكانٍ بهم لم يطب أنخت الركاب على ديره ... وقضّيت من حقه ما يجب وأنزلتهم وسط أعنابه ... أُسقيهم من عصير العنب وأحضرتهم قمراً مشرقاً ... تميل الغصون به في الكثب نحثّ الكؤوس بأهزاجه ... ومزموم أرماله بالعجب وما بين ذاك حديثٌ يروق ... وخوضٌ لهم في فنون الأدب فما شئت من مثل سائر ... ومن خبر نادرٍ منتخب فيا طيب ذا العيش لو لم يزل ... ويا حسن ذا السّعد لو لم يغب

стр. 50

وكان مهلهل، من المطبوعين في الشعر، والمنهمكين في الخلاعة واللعب والتطرح في مواطن اللهو والطرب، ملازماً للحانات والديارات. ونحن نورد من شعره ما يليق بكتابنا هذا. فمن مليح شعره في وصف الرياض والحث على الشرب، قوله: لجون الهوى وهبت جناني ... فدعاني، يا أيها العاذلان طربي زائد ففي حرّ من قد ... لامني في خلاعة أو نهاني قد أبانت لي الرياض من الزه ... ر غريب الصنوف والألوان وبدا النرجس المفتح يرنو ... من جفون الكافور بالزعفران كعيونٍ قد حدّقت باهتاتٍ ... ناظراتٍ إلى وجوهٍ حسان ينثنى زبرجد القضب منه ... طرباً للّجين والعقيان وقف الطلّ في المحاجر منها ... ثم مات فانهلّ مثل الجمان يا غلام اسقني فقد ضحك الو ... قت وقد تمّ طيب هذا الزمان أدن مني الدنان، صف الأباريق، استحث الكؤوس، صف القناني بادر الوقت واغتنم فرص العيش ولا تكذبن فالعمر فاني ومن مليح شعره في هذا المعنى، قوله: زمان الرياض زمانٌ أنيق ... وعيش الخلاعة عيشٌ رقيق وقد جمع الوقت حاليهما ... فمن ذا يفيق ومن يستفيق أيا من هو السّؤل لي والمنى ... ومن هو بالحبّ مني حقيق أدر لحظ عينك أمرجه في ... مروج الرياض فكلٌّ يروق فقاعٌ نثير وماءٌ نمير ... وروضٌ نضيرٌ وزهرٌ أنيق له نسخٌ حّررت فاستنارت ... فخطٌّ جليل ومعنىً دقيق يضاحك وجهك وجهٌ عشيق ... ويلقى مشمك مسكٌ فتيق إذا ضاحك الزهر زهر الرياض ... فكيف الخلاص وأين الطريق بهارٌ بهرت به غيره ... على نرجس وشقيق شفيق فذا عاشقٌ وجلٌ خائفٌ ... وذا خجلٌ وكذاك العشيق تروقك منه عيون تروق ... بألحاظها وخدود تشوق مدان يحملن طل النّدى ... فهاتيك تبرٌ وهذي عقيق تضمّن أوراقها درّه ... وينثر منه الذي لا يطيق يميل النسيم بأغصانها ... فبعضٌ نشاوى وبعض مفيق فبادر بنا حادثات الزمان ... فوجه الحوادث وجهٌ صفيق ومن مليح شعره، قوله: أعد شربك الكأس فيما تعيد ... وساعد فقد شملتنا السعود وحثّ الصبوح لضوء الصباح ... فإن الحوادث عنا رقود أما نشكر الفعل من يومنا ... ونبهى بما نحن فيه خلود سماءٌ تجود وروض نضيد ... وزهر جديدٌ وغصن يميد وندٌّ يفوح وراح تريح ... وساقٍ مليحٌ وناي وعود وصوت يشوق وزمر رفيق ... وعيش أنيق وجدٌّ سعيد أدام الاله لنا عيشنا ... ولا نال منّا مناه الحسود وقال في هذا المعنى، وتغني فيه: قد قدمت للسرور أثقال ... وحثّ شهر الصيام شوال وأقبل الغيم لابساً حللاً ... مسكية ما لهنّ أذيال ودبّج الأرض روضها فغدا ... ينشر فيها والأرض تختال واهتز عودٌ وحنّ من طربٍ ... نايٌ وعبّت بالراح أرطال وبوعد الخوف من محاذرةٍ ... وقربت للقلوب آمال أيامنا في الحياة عارية ... تحثها للفناء آجال فاغتنموا فرصة الزمان ولا ... تفرّطوا فالزمان مغتال ومما ملح فيه، قوله: زمن كالشباب أو كالتراضي ... بعد طول الصدود والاعراض ألقح الغيث كل أرضٍ فأضحت ... في ولادٍ وبعضها في مخاض يا غلام اسقني فقد ضحك العي ... ش إلينا وهش بعد انقباض وأرى لؤلؤ الحباب يباري ... لؤلؤ الطلّ فوق زهر الرياض وقال أيضاً: استودع الله من لم يزر عن نظري ... لما مضى خاطراً والردف يجذبه

стр. 51

يحكيه من حركات الغصن أشكلها ... ومن نسيم ذكي المسك أطيبه وقال أيضاً: وبديع يكلّ عن وصفه العق ... ل لافراط حيرة الأبصار فهو كالخاطر الذي دقّ معنا ... هـ فأضحى يجول في الأفكار وقال أيضاً: كأن أجفانه من جسم عاشقه ... قد ركبت فهي في الأسقام تحكيه في صدغه عقربٌ للجسم لادعة ... درياق لدغتها في الريق من فيه وقال في غلام نصراني يحبه: شدّ زنّاره على دقة الخص ... ر وشدّ القلوب في الزنّار وأسال الأصداغ فوق عذارٍ ... أنا من عشقه خليع العذار وبدت منه طرة تذكر النا ... ظر ليلاً يلوح فوق نهار وهو أبو نضلة مهلهل بن يموت بن المزرع بن يموت بن موسى بن حكيم بن جبلة العبدي. وحكيم هو الشهيد بالبصرة الذي منع عائشة وطلحة والزبير الدخول إليها وحرابهم حتى قتل. وكان من خبره ومقتله، أنه لما تمكن طلحة والزبير من البصرة، وقتلوا حرس بيت المال وهم سبعون رجلاً من غير ذنب ولا سبب، وأخذوا عثمان بن حنيف الأنصاري، عامل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب، صلوات الله عليه، ونتفوا لحيته وأرادوا قتله، قام حكيم في قومه خطيباً فقال لهم: يا قوم، إن ابن حنيف دم مصون وأمانة مؤداة. والله لو لم يكن علينا أميراً لمنعناه لحق الجوار ومكانه من رسول الله صلى الله عليه. فكيف وله الحق والولاية. إلا أن الحي ميت والميت مسؤول، فأما أن تموتوا كراماً وإما أن تعيشوا أحراراً. فأجابوه إلى ما دعاهم إليه وقال في ذلك أبو أمية الأصم، وكان فارس القوم: معاشر عبد القيس موتوا على التي ... تسرّ علياً واحذروا سبة الغدر ولا ترهبوا في الله لومة لائم ... وموتوا كراماً فهو أشرف للذكر وغدا حكيم في ثلاثمائة رجل من أصحابه إلى العدو وهو عائشة. فخرج طلحة والزبير، وحملا عائشة على الجمل، وذلك اليوم يسمى يوم الجمل الأصغر. فقاتل حكيم قتالاً شديداً، وجعل يقول: إنما تريدان أن تصيبا من الدنيا حظاً، اللهم اقتلهما بمن قتلا، ولا تعطهما ما سألا، ولا تبلغهما ما أملا، ولا تغفر لهما أبداً. وحمل عليهما وهم في اثني عشر ألف ألفاً وهو في ثلاثمائة، فهزمهم حتى أدخلهم سكة، وشد رجل من الأزد على حكيم وهو غافل، فضربه على ساقه فقطع رجله. فأخذ حكيم رجله فضرب بها الأزدي فصرعه، ثم جاء فقتله، وأنشأ يقول: يا نفس لا تراعي ... إنّ معي ذراعي إن قطعت كراعي وقتل هو وثلاثة اخوة له، وأخرجوا ربيعة من البصرة وأجلوهم عنها. ومن شعر يموت بن المزرع في ابنه مهلهل: مهلهل سبقني صغرك ... وأسبل أدمعي عسرك لدى أكناف شامهم ... أموت فيمحى أثرك ولو سومحت في عمري ... لجلّ لديهم خطرك فوا أسفي على لمةٍ ... يطول إليهم سفرك وإن أهلك فإن الله ... دون الخلق لي وزرك وشعره وشعر ابنه مهلهل كثير في سائر فنون الشعر. وإنما ذكرنا ما احتمله الكتاب واقتضاه الشرط. دير البخت وهذا الدير بدمشق، على فرسخين بمنها. وهو دير كبير حسن، وكان يسمى دير ميخائيل، فسمي بهذا الاسم، لبخت كانت لعبد الملك بن مروان مقيمة هناك، فعرف بها. وكان لعلي بن عبد الله بن عباس بذلك الموضع جنينة مقدارها أربعة أجربة. فكان يخرج إليها ويتنزه فيها أيام مقامه بدمشق.

стр. 52

فذكر علي بن محمد بن أبي سيف المدائني، عن رجاله، قال: اشترى عبد الله بن عباس بالمدينة أمة صفراء بربرية، فولدت في منزل عبد الله غلاماً، فسماه سليطاً، ونشأ في منزله، فخرج جلداً ظريفاً. ثم شخص مع علي بن عبد الله إلى الشام، فلم يزل في خدمته حتى مات عبد الملك، وولي الوليد ابنه، فأظهر التحامل على علي بن عبد الله، وعيبه بحضرة الناس، وسعى قوم من حسدة علي وأهل البغي، فأفسدوا سليطاً وزينوا له ادعاء ولادة عبد الله بن عباس، وقالوا: أنت شبيهه في جمالك وهيئتك. فادعى سليط أنه ابن عبد الله بن عباس وخاصم علياً إلى الوليد. فأمر الوليد برفعهما إلى قاضي دمشق، فأحضر سليط قوماً شهدوا له على نسبه، وانهى ذلك إلى الوليد، فألحقه بعبد الله بن عباس. فخاصم علياً في الميراث وطالت منازعته إياه حتى قاربه علي وصيره في عياله. فكان يقوم لعلي بحوائجه وأموره. فخرج علي يوماً إلى جنينته بدير البخت، وكان له فيها قوم يعملون، منهم أبو الدن، من ولد أبي رافع مولى رسول الله صلى الله عليه، فوقعت بينهم وبين سليط مشاجرة، فوثبوا عليه فقتلوه، بعد أن انصرف علي بن عبد الله إلى دمشق واحتفروا له حفيرة بالجنينة فواروه فيها. فاحتبس سليط على أمه، فاسترابت، فخرجت في طلبه فخبرت أنه دخل الجنينة ولم يخرج منها. فأتت باب الوليد صارخة، فقال: من تتهمين؟ قالت علي بن عبد الله. فقال: أحضريني من يشهد على دخوله معه الجنينة. فأحضرت شهوداً على ذلك. فأرسل إليه الوليد إلى الجنينة ينظرون هل يرون شيئاً أو أثراً. فأثاروا منها عدة مواضع، فلم يروا شيئاً. فقال لهم أكار كان في الجنينة: أمخروا عليها الماء حتى يتبين لكم. فمخروها فانخسف الموضع، فأثاروه، فاستخرجوا سليطاً. فبعث الوليد إلى علي فعنفه وأغلظ له، وقال: والله، لئن صح عندي أنك قتلته لأقتلنك به! فحلف أنه ما قتله ولا أمر بقتله. فحبسه الوليد. وكتب إلى أمراء الأمصار وفقهائهم بقصته وما أتهم به وما شهد عليه. فكتب إليه عمر بن عبد العزيز من المدينة: بأن يضرب ويلبس جبة صوف ويطاف به. فدعا الوليد بعلي بن عبد الله، فضربه أحداً وستين سوطاً، ويقال مائة، ثم أطافه، وأقامه في الشمس، وألبسه جبة شعر، وصب على رأسه ماء فبلغ ذلك عباد بن زياد، وكان صديقاً لعلي بن عبد الله، وكان أثيراً عن الوليد. فجاء، فألقى ثيابه على علي، ودخل إليه فكلمه فيه وقال: يا أمير المؤمنين، علي يتهم بالقتل؟ علي أتقى لله وأفضل من أن يقتل أحداً! فأمر به الوليد، فسير إلى دهلك. فلما أخرج عن دمشق، تكلم فيه سليمان بن عبد الملك وقال: يا أمير المؤمنين، رده واحتبسه! فعبث رسولاً، فحبسه حيث أدركه. وكان أدرك بالفرعاء، فحبس هناك في قرية منها حتى مات الوليد وولي سليمان، فرده. فنزل الحميمة بالشراة من البلقاء، وباع على بستانه بدير البخت من فاطمة بنت عبد الملك. قال: وكان عبد الملك عند وفاته، وصى الوليد بثلاثة نفر: قال له: علي بن عبد الله في نسبه وقرابته وانقطاعه إلينا: أكرمه واعرف حقه. وأخوك عبد الله: أقره على مصر ولا تعزله عنها. وعمك محمد بن مروان: أقره على الجزيرة واعرف له موضعه. فأول ما بدأ بأخيه: عزله عن مصر بقرة بن شريك. وعزل عمه عن الجزيرة. وضرب علياً بالسوط مرتين! وكانت بنو العباس لما ولوا الأمر، وجدوا في خزائن بني مروان كتاباً من سليمان بن عبد الملك إلى الوليد، يسأله في علي بن عبد الله ويعرفه حقه، فكان هذا الكتاب سبباً لترك سليمان في قبره بدابق، ولم ينبشوا عنه كما نبشوا عن اخوته وبني حرب.

стр. 53

وكان أبو مسلم، صاحب دعوتهم، يدعي أنه من ولد سليط بن عبد الله بن عباس! فكان مما قرعه به أو جعفر: وادعيت أنك ابن سليط ابن عبد الله ابن عباس فكان هذا أول ما بدأ به من خطابه، ثم تعريفه إياه بذنوبه فكتبت إلى أبي العباس تقول: إن إبراهيم الامام أقر بما استودعه إياه محمد بن علي من نسبك وولادة عبد الله ابن عباس إياك، وانك عبد الرحمن بن سليط بن عبد الله بن عباس، وأنه وعدك إذا تمم الله هذه الدعوة وقتل الكفرة من بني أمية، أن يزوجك أم علي بنت علي بن عبد الله. فما كنت قائلاً لرسول الله، صلى الله عليه، وأنت المجهول النسب: علج من علوج أصبهان. قال: يا أمير المؤمنين، أخبرني بهذا أخوك إبراهيم بن محمد. وكان هذا القول جرى بينهما في خطاب طويل قبل قتله إياه. دير زكى وهذا الدير بالرقة على الفرات. وعن جنبيه نهر البليخ. وهو من أحسن الديارات موقعاً وأنزهها موضعاً. وكانت الملوك إذا اجتازت به نزلته وأقامت فيه، لأنه يجتمع فيه كل ما يريدونه من عمارته ونفاسة أبنيته وطيب المواضع التي به. ونزهه ظاهره، لأنه له بقايا عجيبة. وبناحيته من الغزلان والأرانب وما شاكل ذلك مما يصطاد بالجارح من طير الماء والحبارى وأصناف الطير. وفي الفرات، بين يديه، مطارح الشباك للسمك. فهو جامع لكل ما تريده الملوك والسوقة. وليس يخلو من المتطربين لطيبه، سيما أيام الربيع: فإن له في ذلك الوقت منظراً عجيباً. وللصنوبري، فيه: أراق سجاله بالرّقتين ... جنوبيٌّ صخوب الجانبين وأهدى للرصيف رصيف مزن ... يعاوده طرير الطّرتين معاهد بل مآلف باقياتٌ ... بأكرم معهدين ومألفين يضاحكها بالفرات بكل فج ... فيضحك عن نضارٍ أو لجين كأن الأرض من صفر وحمر ... عروسٌ تجتلى في حلتين كأن عناق نهري دير زكّى ... إذا اعتنقا عناق متيّمين وقت ذاك البليخ يد الليالي ... وذاك النيل من متجاورين أقاما كالسوارين، استدارا ... على كنفيه أو كالدّملجين أيا متنزّهي في دير زكّى ... ألم تك نزهتي بك نزهتين أردّد بين ورد نداك طرفاً ... يردّد بين ورد الوجنتين ومبتسم كنظمي أُقحوان ... جلاه الطلّ بين شقيقتين ويا سفن الفرات بحيث تهوى ... هويّ الطير بين الجانبين تطارد مقبلاتٍ مدبراتٍ ... على عجل تطارد عسكرين ترانا واصليك كما عهدنا ... وصالاً لا ننغّصه ببين ألا يا صاحبيّ خذا عناني ... هواي سلمتما من صاحبين لقد غصبتني الخمسون فتكي ... وقامت بين لذاتي وبيني وكان اللهو عندي كابن أُمي ... فصرنا بعد ذاك لعلّتين ومن مليح شعره في وصف الرقتين: أما الرياض فقد بدت ألوانها ... صاغت فنون حلّيها أفنانها رقّت معانيها ورقّ نسيمها ... وبدت محاسنها وطاب زمانها نظمت قلائد زهرها كجواهرٍ ... نظمت زمردها إلى عقيانها هذا خزاماها وذا قيصومها ... هذا شقائقها وذا حوذانها لو أن غدران السحاب تواصلت ... سحاً إذا لتواصلت غدرانها تبكي عليها عين كل سحابةٍ ... ما أن تمل من البكا أجفانها منقادةٌ طوع الجنوب إذا بدت ... فكأنها بيد الجنوب عنانها واهاً لرافقة الجنوب محلة ... حسنت بها أنهارها وجنانها يا بلدة ما زال يعظم قدرها ... في كل ناحية ويعظم شأنها أما الفرات فإنه ضحضاحها ... أما الهنيّ فإنه بستانها وكأن أيام الصبا أيامها ... وكأن أزمان الهوى أزمانها مهما نصد غزلانها يوماً فقد ... ظلت تصيد قلوبنا غزلانها حثّ الكؤوس فإن هذا وقتها ... وصل الرياض فإن ذا إبّانها وله: إن الزمان غدا بوجهٍ كالح ... من بعد ما كنا نراه طليقاً

стр. 54

أيام أسحب فضل أيام الصبا ... في ظل عيش لا يزال أنيقا بالرقة البيضاء إذ ترعى المها ... حقي ولا أرعى لهنّ حقوقا أغدو على اللذات غير مراقب ... منعاً ولا متخوف تعويقا في فنيةٍ خلعوا أعنّتهم فما ... يألون في طرق السداد مروقا نازعتهم كأسهاً كأنّ نسيمها ... مسك تضوعّ في الاناء فتيقا شقت قناع الليل لما غادرت ... كفّ النديم قناعها مشقوقا صبغت سواد دجاه حمرة لونها ... فكأنها سبجٌ أعيد عقيقا ولقد أقول لصاحبيّ ألا صلا ... لي بالصبوح على الفرات غبوقا إن الفرات هو الرحيق وإنما ... تتعاطيان على الرحيق رحيقا وله: قد أحدق الورد بالشقيق ... خلال بستانك الأنيق كأنه حوله وجوهٌ ... مستشرفات إلى حريق فاشرب على ذا الشقيق كأساً ... تشرب عقيقاً على عقيق وقال أيضاً: أنّ شوقاً وللمحبّ أنين ... حين فاضت على الخدود الجفون آه من زفرة ينشئها الشّو ... ق وداءٌ بين الضلوع دفين كيف يسلوا الشجيّ أم كيف ينسى ال ... صبّ أم كيف يذهل المحزون لا تلمني بالرقتين ودعني ... إن قلبي بالرقتين رهين يا نديمي أما تحنّ إلى القصف ... فهذا أوان يبدو الحنين ما ترى جانب المصلّى وقد أشر ... ق منه ظهوره والبطون أُقحوان وسوسن وشقيقٌ ... وبهارٌ يجنى وآذريون أُسرجت في رياضه سرج القط ... ر وطابت سهوله والحزون إن آذار لم يذر تحت بطن ... الأرض شيئاً أكنّه كانون وبدا النرجس البديع كأمثا ... ل عيونٍ ترنو إليها عيون ما ترى جانب الهنى وقد أشر ... ق فيه الخيريّ والنسرين صاح فيه الهزار، ناح به القم ... ريّ، غنّى في جوّه الشفنين فلهذا قيصومه وخزاما ... هـ وذا الورد فيه والياسمين وكأنّ الفرات بينهما عي ... ن لجينٍ يعوم فيها السّفين كبطون الحيّات أو كظهور المشر ... فيات أخلصتها القيون ما أتى الناس مثل ذا العام ... عامٌ لا ولا جاء مثل ذا الحين حين بلدٌ مشرق الأزاهير موع ... وسحابٌ جمّ العزالى هتون تتلاقى المياه: ماءٌ من المز ... ن وماءٌ يجري وماء معين كم غدا نحو دير زكّي من قل ... بٍ صحيح فراح وهو حزين لو على الدير عجت يوماً لألهّ ... ك فنون وأطربتك فنون لائمي في صبابتي قدك مهلاً ... لا تلمني، إن الملام جنون كم غزالٍ في كفه الورد مبذو ... لٌ وفي الخدّ منه وردٌ مصون فإذا ما أجلت طرفي في خدّ ... يه جالت في القلب مني الظنون لا سعيد من ليس يسعده ... جدّ سعيدٌ وطائرٌ ميمون ولسانٌ مثل الحسام وقلبٌ ... صادق عزمه ورأي رصين وقال أيضاً: من حاكمٌ بين الزمان وبيني ... ما زال حتى راضني بالبين فأما وربعيّ اللذين تأبدا ... لا عجبت بعدهما على ربعين ما لي نأيت عن الهني وكنت لا ... أسطيع أنأى عنه طرفة عين يا دير زكّى كنت أحسن مألفٍ ... منّ الزمان به على إلفين وبنفسي المرج الذي ابتسمت لنا ... جنباته عن عسجدٍ ولجين

стр. 55

لو حمّل الثقلان م حمّلت من ... شوقٍ لأثقل حمله الثقلين وقال أيضاً: وإلى الرقّتين أطوى قرى البي ... د بمطوية القرا مذعان حبذا الكرخ، حبذا العمر، لا بل ... حبذا الدير، حبذا السّروتان قد تجلى الربيع في حلل الزه ... ر وصاغ الحمام حلي الأغاني ألبستها يد الربيع من الأل ... وان برداً كالأتحمي اليماني يا خليليّ هاتما علّلاني ... عاطياني الصهباء لا تدرأاني أبعدا الماء، أبعدا الماء، قوما، ... أدنيا، أدنيا بنات الدنان سقّياني من كلّ لونٍ من الرا ... ح على كل هذه الألوان أخضر اللون كالزمرد في أح ... مر صافي الأديم كالارجوان وأقاحٍ كاللؤلؤ الرّطب قد ... فصّل بين العقيق بالمرجان وبهار مثل الدنانير محفو ... ف بزهر الخيري والحوذان وكأن النعمان حلّ عليها ... حللاً من شقائق النعمان وللرشيد، يذكر هذا الدير: سلامٌ على النازح المغترب ... تحية صبٍ به مكتئب غزالٌ مراتعه بالبليخ ... إلى دير زكى فقصر الخشب أيا من أعان على نفسه ... بتخليفه طائعاً من أحب سأستر، والستر من شيمتي ... هوى من أحب بمن لا أُحب وكان عند مسيره من الرافقة إلى بغداد، خلف بها ماردة أم أبي إسحق المعتصم، فاشتاقها، فكتب إليها بهذه الأبيات. قال: فلما ورد كتاب الرشيد عليها، قالت لبعض من يقول الشعر: أجبه! فقال عن لسانها: أتاني كتابك يا سيدي ... وفيه مع الفضل كل العجب أتزعم أنك لي عاشقٌ ... وأنك بي مستهامٌ وصب ولو كان هذا كذا، لم تكن ... لتتركني نهزةً للكرب وأنت ببغداد ترعى بها ... رياض اللذاذة مع من تحب فيا من جفاني ولم أجفه ... ويا من شجاني بما في الكتب كتابك قد زادني صبوةً ... وأسعر قلبي بحرّ اللهب فهبني نعم قد كتمت الهوى ... فكيف بكتمان دمع سرب ولولا اتقاؤك يا سيدي ... لوافتك بي ناجيات النجب قال: فلما قرأ كتابها، وجه من يحدرها من وقتها إليه: وذكر صالح التركي، وكان المعتصم في حجره، قال: عشق الرشيد ماردة عشقاً مبرحاً، فقال فيها: وإذا نظرت إلى محاسنها ... فلكلّ موضع نظرةٍ نبل وتنال منك بحدّ ناظرها ... ما لا ينال بحدّه النّصل شغلتك وهي لكل ذي بصرٍ ... لاقى محاسن وجهها شغل فلقلبها حلمٌ يباعدها ... عن ذي الهوى ولطرفها جهل ولوجهها من وجهها قمرٌ ... ولعينها من عينها كحل وللرشيد شعر صالح، وأبيات مفردات، كان يتمثل بها. وأكثر شعره في جواريه وعشقه لهن. فمن شعره: ملكت من أصبح لي مالكاً ... لكنه في ملكه ظالم لو شئت لاستاقته لي قدرةٌ ... ولكنّ حكم الحب لي لازم أحببت من بين هذا الورى ... وهو بحبي خبرٌ عالم قبيح فعل حسنٌ وجهه ... يعذر في أمثاله اللائم أحسن من أبصره مبصرٌ ... لو أنه في حسنه راحم وله: صيّرني الحبّ إلى ما ترى ... أنحل جسمي ولقلبي كوى قد كتب الحبّ على جبهتي: ... هذا قتيلٌ في سبيل الهوى قال: وكان الرشيد قد استخص هيلانة، جارية أخيه الهادي. وأحبها حباً شديداً. فخلفها في بعض أسفاره ببغداد، ثم اشتاقها، فقال هذه الأبيات: أهدى الحبيب مع الجنوب سلامه ... فاردد عليه مع الشمال سلاما واعرف بقلبك ما تضمّن قلبه ... وتداولا بهواكما الأياما مهما بكيت له فأيقن أنه ... ستفيض عيناه الدموع سجاما فاحبس دموعك رحمةً لدموعه ... إن كنت تحفظ أو تحوط ذماما

стр. 56

ومن شعره في جواريه الثلاث: إنني وزّعت حبي طائعاً ... بين شجو وضياءٍ وخنث يتنازعن الهوى من ذي هوىً ... آمناتٍ عقدةً لا تنتكث وإذا شجوٌ أتت زائرة ... كشفت عني شجو كل بث قال: وكان مولد الرشيد بالري، أول سنة ثمان وأربعين ومائة. وولد الفضل بن يحيى قبله بسبعة أيام، فأرضعته أم الفضل. وبويع له بالخلافة، ليلة السبت لأربع عشرة ليلة بقيت من شهر ربيع الأول سنة سبعين ومائة. وولد في هذه الليلة عبد الله المأمون، من جارية تسمى مراجل. ففي هذه الليلة مات خليفة، وولي خليفة، وولد خليفة. وهذا من الاتفاقات الطريفة. وتوفي الرشيد بقرية تدعى سناباذ، من عمل طوس. وله خمس وأربعون سنة، يوم السبت لأربع خلون من جمادى الآخرة سنة ثلاث وتسعين ومائة. وكانت خلافته ثلاثاً وعشرين سنة وشهراً ونصفاً. دير ماسرجيس وهذا الدير بعانة. وعانة مدينة على الفرات عامرة، وبها هذا الدير. وهو كبير حسن كثير الرهبان. والناس يقصدونه من هيت وغيرها للتنزه فيه. وهناك كروم ومعاصر وبساتين وشجر. والموضع في نهاية الحسن، جامع لما يحتاج إليه أهل التطرب والتفرج. ولابن أبي طالب المكفوف الواسطي، فيه: ربّ صهباء من بنات المجوس ... قهوةٍ بابليةٍ خندريس قد تحسّيتها بناي وعودٍ ... قبل قرع الشماس للناقوس وغزالس مكحّل ذي دلالٍ ... ساحر الطّرف سامري عروس دينه معلنٌ لدين النصارى ... وإذا ما خلا، فدين المجوس قد خلونا بظبيه نجتليه ... يوم سبت إلى صباح الخميس بين ورد ونرجسٍ وبهار ... وسط بستان دير ما سرجيس يتثنّى بحسن جيد غزال ... ذي صليبٍ مفضّض آبنوس كم لثمت الصليب في الجيد منه ... كهلال مكلّل بشموس وبهذا الموضع، قبر أم الفضل بن يحيى بن خالد بن برمك. وكان الرشيد، لما أشخص من الرقة إلى بغداد يريد الحج شخص معه البرامكة، فتوفيت أم الفضل. وكانت أرضعت الرشيد بلبن الفضل. وكان يحبها ويجلها. وكان مولد الفضل قبل مولد الرشيد بسبعة أيام. فأمر الرشيد، فاشتريت لها عشرة أجربة من بستان عند وادي القناطر، على شاطىء الفرات، فدفنت هناك وبنيت عليها قبة. فهي تعرف بقبة البرمكية. دير ابن مزعوق وهذا الدير بالحيرة، في وسطها، قريب دير الحريق. وهو دير كثير الرهبان، حسن العمارة، أحد المتنزهات المقصودة والأماكن الموصوفة. ولمحمد بن عبد الرحمن الثرواني، فيه: قلت له والنجوم طالعةٌ ... في ليلة الفصح أول السحر: هل لك في مار فاثيون وفي ... دير ابن مزعوق غير مختصر يفيض هذا النسيم من طرف ... الشام ودرّ النّدى على الشجر ونسأل الأرض عن منابتها ... وعهدها بالربيع والمطر يا لك طيباً وشمّ رائحةٍ ... كالمسك يأتي بنفحة السحر في شرب خمرٍ وسمع محسنةٍ ... تلهيك بين اللسان والوتر والثرواني هذا كوفي من المطبوعين في الشعر، والمنهمكين في البطالات، والمتطرحين في الحانات، والمدمنين لشرب الخمر، والمغرقين في اتباع المرد. لا يعرف شيئاً غير ذلك. ولا يوجد في شيء من أمر الدنيا إلا فيه. وكان آخر أمره أن أصيب في حانة خمار بين زقي خمر وهو ميت! ومن مليح شعره، قوله: أتاك على الدخول المهرجان ... تشيّعه المعازف والقيان وزقّت نحوك الصهباء صرفاً ... تسير بها وتحملها الدنان لهذا اليوم فضلٌ مستبينٌ ... على الأيام تعرفه وشأن إذا وقّرته عظّمت كسرى ... وأكرمك الشريف الهرمزان وأصفاك الهوى بهرام جورٍ ... وسارع في رضاك الفيرزان لتعظيم الذي قد عظّموه ... ودان به أوائلهم ودانوا فدع عنك الخلاف ولا وحتى ... وسوف أجيئكم ونعم والآن خلافك لا يجوز على الندامى ... ولا يرضى بذاك المهرجان وقال أيضاً:

стр. 57

تقلّب طرف عينك من بعيدٍ ... شبيهاً بالمودّة والوعيد تقرّ بطرف عينك لي بوصلٍ ... وفعلك لي مقرّ بالجحود تشككني وأعلم أن هذا ... هوىً بين التعطف والصدود هواك هوىً تجدّده الليالي ... ولا يبلى على مرّ العهود ومن شعره أيضاً: كرّ الشراب على نشوان مصطبح ... قد هبّ يشربها والديك لم يصح والليل في عسكر جم بوارقه ... من النجوم وضوء الصبح لم يضح والعيش لا عيش إلا أن تباكرها ... صهباء تقتل همّ النفس بالفرح حتى يظلّ الذي مذ بات يشربها ... ولا مراح به يختال كالمرح دير سرجس وهذا الدير كان بطيزناباذ، وهو بين الكوفة والقادسية، على حافة الطريق، وبينها وبين القادسية ميل. وكانت أرضه محفوفة بالنخل والكروم والشجر والحانات والمعاصر. وكانت إحدى البقاع المقصودة والنزه الموصوفة. وقد خربت الآن وبطلت وعفت آثارها وتهدمت آبارها، ولم يبق من جميع رسومها إلا قباب خراب وحجر على قارعة الطريق، تسميه الناس معصرة أبي نواس. ولأبي نواس، فيها: قالوا: تنسك بعد الحج! قلت لهم: ... أرجو الاله وأخشى طيزناباذا أخشى قضيّب كرم أن ينازعني ... رأس الخطام وأن أسرعت إغذاذا فإن سلمت، وما نفسي على ثقةٍ ... من السلامة لم أسلم ببغداذا ما أبعد الرشد من قلبٍ تضمّنه ... قطرّبل فقرى بنّا فكلواذا وكان هذا الدير من أحسن الديارات عمارة وأنزهها موضعاً. وللحسين بن الضحاك، فيه: أخويّ حيّ على الصبوح صباحا ... هبّا ولا تعدا النديم رواحا مهما أقام على الصبوح مساعدٌ ... وعلى الغبوق فلن أُريد براحا عودا لعادتنا صبيحة أمسنا ... فالعود أحمد مغتدى ومراحا هل تعذران بدير سرجس صاحباً ... بالصحو أو تريان ذاك جناحا إني أُعيذكما بأُلفة بيننا ... أن تشربا بقرى الفرات قراحا عجّت قواقزنا وقدّس قسّنا ... هزجاً وأصخبنا الدجاج صياحا للجاشرية فضلها فتعجّلا ... إن كنتما تريان ذاك صلاحا يا ربّ ملتبس الجفون بنومةٍ ... نبّهته بالراح حين أراحا فكأن ريّا الكأس حين ندبته ... للكأس أنهض في حشاه جناحا فأجاب يعثر في فضول ردائه ... عجلان يخلط بالعثار مراحا فهتكت ستر مجونه بتهتكي ... في كل ملهيةٍ وبحت وباحا ما زال يضحك بي ويضحكني به ... ما يستفيق دعابةً ومزاحا ديارات الاساقف هذه الديارات بالنجف، بظاهر الكوفة، وهو أول الحيرة. وهي قباب وقصور تسمى ديارات الأساقف. وبحضرتها نهر يعرف بالغدير. عن يمنيه قصر أبي الخصيب مولى أبي جعفر، وعن شماله السدير، وبين ذلك الديارات. وقصر أبي الخصيب هذا، أحد متنزهات الدنيا. وهو مشرف على النجف وعلى ذلك الظهر. ويصعد من أسفله على درجة طولها خمسون مرقاة إلى سطح حسن ومجلس، فيشرف الناظر على النجف والحيرة من ذلك الموضع، ثم يصعد منه على درجة أخرى طولها خمسون مرقاة إلى سطح أفيح ومجلس عجيب. وأبو الخصيب هذا، مولى أبي جعفر المنصور وحاجبه. والسدير، قصر عظيم من أبنية ملوك لخم في قديم الزمان. وما بقي الآن منه فهو ديارات وبيع للنصارى. ولعلي بن محمد الحماني العلوي، يذكر هذه المواضع: كم وقفةٍ لك بالخور ... نق لا توازى بالمواقف بين الغدير إلى السدي ... ر إلى ديارات الأساقف فمدارج الرّهبان في ... أطمار خائفةٍ وخائف دمنٌ كأن رياضها ... يكسين أعلام المطارف وكأنما غدرانها ... فيها عشورٌ في مصاحف وكأنما أنوارها ... تهتزّ بالريح العواصف طرر الوصائف يلتقي ... ن بها إلى طرر الوصائف تلقى أوائلها أوا ... خرها بألوان الزخارف بحريةٌ شتواتها ... بريةٌ فيها المصايف

стр. 58

درّيّة الحصباء كا ... فورية فيها المشارف ثم انبرت سحّاً كبا ... كيةٍ بأربعةٍ ذوارف ولأبي نواس، يذكر أيامه بالسدير: عدن لي بالدير أيام قصفٍ ... وسرورٍ مع الندامى وعزف وعيون الظباء ترنو إلينا ... منعماتٍ بكلّ بر ولطف ورخيم الخطا يكاد من الر ... قة يدمي أدميه كلّ طرف حلّ منه الصليب في موضع الجي ... د فقد خصّه على كل إلف قد أدرنا رحى النعيم ثلاثاً ... ووصلنا النعيم كفاً بكف قال: ولما نزل الرشيد الحيرة، وقت منصرفه من الحج، ركب جعفر بن يحيى إلى السدير، فطافه ونظر إلى بنائه. ثم وقعت عينه على كتاب في أعلاه فأمر من صعد إلى الموضع فقرأه. فقال في نفسه: قد جعلته فألاً لما أخافه من الرشيد. فقرىء، فإذا هو: إن بني المنذر عام انقضوا ... بحيث شاد البيعة الراهب أضحوا ولا يرجوهم راغب ... يوماً ولا يرهبهم راهب وأصبحوا أكلا لدود الثّرى ... وانقطع المطلوب والطالب فحزن جعفر لذلك وصار ينشد الأبيات ويقول: ذهب والله أمرنا! ومن هذه الأبنية: المسقطات. وهو قصر فيه آزاج مستطيلة مسقطة شرقي الحيرة على طريق الحاج. ثم القصر. ثم كوة البقال. ثم قصر العدسيين. ثم الأقصى الأبيض. ثم قصر بني بقيلة. وكان هذا القصر لعبد المسيح بن بقيلة الغساني. وإنما سمّي بقيلة، لأنه خرج يوماً على قومه في حلتين خضراوين قد اتّزر بإحداهما واشتمل بالأخرى، فقال قومه: ما هو إلا بقيلة. فسمي بذلك. وعبد المسيح هذا، هو ابن أخت سطيح الكاهن. وكان كسرى أنفذه إلى سطيح بسبب الرؤيا التي رآها. فجاءه وهو يجود بنفسه، فقال: أصم أم يسمع غطريف اليمن، في أبيات. ففتح سطيح عينه وقال: عبد المسيح، على جمل مشيح جاء إلى سطيح، وقد أوفى على الضريح، من قبل ملك بني ساسان، لارتجاس الايوان، وخمود النيران، ورؤيا الموبذان. والخبر مشهور تركناه لشهرته. فلما نزل خالد بن الوليد الحيرة، خرج إليه عبد المسيح، فقال له خالد: من أين أقصى أثرك؟ قال: من صلب أبي! قال: ما عن هذا سألتك! قال: ولا أجبت إلا عما سألت عنه! قال: ما أنتم؟ قال: عرب استنبطنا! قال: فما بال هذه الحصون؟ قال: بنيناها نتحرز بها من الجاهل إلى أن يجيء العاقل فيردعه! قال: أتعقل؟ قال: نعم، وأقيد! قال: فما سنك؟ قال: عظم! قال: كم أتى عليك؟ قال: لوى أتى علي شيء لقتلني! قال: كم مضى من عمرك؟ قال: أربعمائة سنة! قال: فما رأيت من العجائب؟ قال: رأيت السفن وهي ترفيء في هذا الموضع، ورأيت المرأة وهي تخرج من الحيرة إلى الشام بمغزلها في يدها ومكتلها على رأسها لا يروعها أحد، وهي الآن خراب يباب، وذلك دأب الله في خلقه. وكان في يده شيء يقلبه. قال خالد: ما هذا الذي في يدك؟ قال: سم ساعة! قال: وما تصنع به؟: قال: إن أعطيتني ما أحب وإلا قتلت نفسي به. ولم أكن أول من أدخل الذل على قومه وساق إليهم ما يكرهون. قال خالد هلمه إلي. فناوله إياه، فطرحه في فيه، وقال: بسم الله، وازدرده. فأخذته غشية، ثم أفاق، كأنما نشط من عقال. فرجع عبد المسيح إلى قومه فقال: جئتكم من عند رجل شرب سم ساعة وما ضره. وحمل إليه مالاً صالحه عليه، وانصرف عنهم. ومن بعده: دار عون، ثم قبة عصر كذا وهي ما يلي النجف. فهذه قصور الحيرة الباقية الآن. قبة الشتيق وهي من الأبنية القديمة بالحيرة، على طريق الحاج. وبإزائها قباب يقال لها الشكورة، جميعها للنصارى. فيخرجون يوم عيدهم من الشكورة إلى القبة، في أحسن زي، عليهم الصلبان، بأيديهم المجامر، والشمامسة والقسان معهم يقدسون على نغم واحد، متفق في الألحان، ويتبعهم خلق كثير من متطربي المسلمين وأهل البطالة، إلى أن يبلغوا قبة الشتيق. فيتقربون ويتعمدون، ثم يعودون بمثل تلك الحال. فهو منظر مليح. ولبعض الشعراء فيه: والعذارى مشدّدي الزّناني ... ر عليهنّ كل حلي وثيق يتمشّين من قباب الشعاني ... ن إلى صحن قبة الشتّيق يا خليلي فلا تعنّفني يوم ... ترى اللهو فيه بالتحقيق ولبكر بن خارجة:

стр. 59

يا خليليّ، عرّجا بي إلى الحيرة كم كم تراقبان النجوما واسقياني من بيت سجوم را ... حاً قهوةً لا تماكسا سجوما حانةٌ حشوها ظباءٌ ملاحٌ ... هيجوا بالدّلال قلباً سقيما وإذا ما سقيتماني شرابا ... خندريساً معتقاً مختوما فاقصدوا قبّة الشتيق وظبياً ... سكن الدير قد سباني رخيما عقد زناره توصل بالقل ... ب فأمسى بين الحشا مخزوما وبكر بن خارجة هذا، من أهل الكوفة. وكان من المنهمكين في الخمر، والمستهترين بالتطرح في الحانات والديارات. وكان أكثر شعره في ذلك. فمن شعره أيضاً: راح من الحانة سكرانا ... فزادني همّاً وأحزانا حانة سجوم التي صيّرت ... من حبها في القلب نيرانا يرنو بعيني شادن أحورٍ ... تخاله للسكر وسنانا ما رأت العينان شبهاً له ... إنساً إذا عدّ ولا جانا معاقد الزنار في خصره ... عذّبنني بالحبّ ألوانا كتمت حبي وهواي له ... دهراً وأحوالاً وأزمانا حتى توّلى جسدي للبلى ... فما أُطيق اليوم كتمانا دير هند بنت النعمان بن المنذر بنت هند هذا الدير بالحيرة، وترهبت فيه وسكنته دهراً طويلاً، ثم عميت. وهذا الدير من أعظم ديارات الحيرة وأعمرها. وهو بين الخندق وحصراه بكر. ولما قدم الحجاج الكوفة، في سنة أربع وسبعين، قيل له إن بين الحيرة والكوفة ديراً لهند بنت النعمان، وهي فيه، ومن رأيها وعقلها. فانظر إليها فإنها بقية. فركب والناس معه حتى أدير. فقيل لها: هذا الأمير الحجاج بالباب. فاطلعت من ناحية الدير، فقال لها: يا هند، ما أعجب ما رأيت؟ قالت: خروج مثلي إلى مثلك! فلا تغتر يا حجاج بالدنيا، فإنا أصبحنا ونحن كما قال النابغة: رأيتك من تعقد له حبل ذمّةٍ ... من الناس، يأمن سرحه حيث أربعا ولم نمس إلا ونح أذل الناس. وقل إناء امتلأ إلا انكفأ. فانصرف الحجاج مغضباً، وبعث إليها من يخرجها من الدير ويستأديها الخراج فأخرجت مع ثلاث جوار من أهلها، فقالت إحداهن في خروجها: خارجاتٌ يسقن من دير هندٍ ... مذعناتٌ بذلةٍ وهوان ليت شعري، أأوّل الحشر هذا، ... أم محا الدهر غيرة الفتيان؟ فشد فتى من أهل الكوفة على فرسه، فاستنقذهن من أشراط الحجاج، وتغيب. فبلغ الحجاج شعرها وفعل الفتى: فقال: إن أتانا فهو آمن، ون ظفرنا به قتلناه! فأتاه الفتى، فقال له: ما حملك على ما صنعت؟ قال: الغيرة! فوصله وخلاه. وكان سعد بن أبي وقاص حين فتح العراق، أتى هنداً إلى ديرها، فخرجت إليه، فأكرمها وعرض عليها نفسه في حوائجها فقالت: سأحييك بتحية كانت أملاكنا تحيا بها: مستك يد نالها فقر بعد غنىً ولا مستك يد نالها غنى بعد فقر. ولا جعل الله لك إلى لئيم حاجة. ولا نزع الله عن كريم نعمة إلا جعلك سبباً لردها عليه. ثم جاءها المغيرة، لما ولاه معاوية الكوفة، فاستأذن عليها، فقيل لها: أمير هذه المدرة بالباب. فقالت: قولوا له: من أولاد جبلة بن الأيهم أنت؟ قال: لا! قالت: فمن ولد المنذر بن ماء السماء؟ قال: لا! قالت فمن أنت؟ قال المغيرة بن شعبة الثقفي. قالت: فما حاجتك؟ قال جئتك خاطباً! قالت: لو جئتني لجمال أو حال لأجبتك. ولكن أردت أن تتشرف بي في محافل العرب، فتقول: نكحت بنت النعمان بن المنذر! وإلا، فأي فخر في اجتماع أعور وعمياء؟ فبعث إليها، قال: كيف كان أمركم؟ قال: سأختصر لك الجواب. أمسينا مساء وليس في الأرض عربي إلا وهو يرغب إلينا ويرهبنا، ثم أصبحنا وليس أحد إلا ونحن نرغب إليه ونرهبه! قال: فما كان أبوك يقول في ثقيف؟ قالت: اختصم إليه رجلان منهم، في شيء، أحدهما ينتمي إلى إياد والآخر إلى بكر بن هوازن. فقضى به للايادي، وقال: إن ثقيفاً لم تكن هوازنا ... ولم تناسب عامراً ومازنا فقال المغيرة: أما نحن فمن بكر بن هوازن، فليقل أبوك ما شاء! دير زرارة

стр. 60

وهو دير حسن، بين جسر الكوفة وحمام أعين، ناحية عن الطريق على يمين الخارج من بغداد إلى الكوفة. وهو موضع نزه حسن، كثير الحانات والشراب، عامر بمن يطرقه، لا يخلو مما يطلب اللعب ويؤثر البطالة. وهو من المواطن المستصلحة لذلك. قال: خرج يحيى بن زياد ومطيع بن إياس حاجين. فلما قربا من دير زرارة، قال أحدهما لصاحبه: هل لك أن نقدم أثقالنا ونمضي إلى زرارة، فنشرب في ديرها ليلتنا ونتزود من مردها وخمرها ما يكفينا إلى العودة، ثم نلحق بأثقالنا؟ ففعلا. وسار الناس، وأقاما. فلم يزل ذلك دأبهما إلى أن انصرف الحاج. فلما وصل إلى الكوفة. حقا رؤوسهما وركبا بعيرين ودخلا مع الحاج. فقال مطيع: ألم ترني ويحيى إذ حججنا ... وكان الحجّ من خير التجاره خرجنا طالبي حجّ ودينٍ ... فمال بنا الطريق إلى زراره فآب الناس قد غنموا وحجّوا ... وأبنا موقرين من الخساره ثم قال فيه أيضاً، وفيه لحن. وقيل أن الأبيات لأبي علي البصير: خرجنا نبتغي مكة ... حجّاجاً وزوّارا فلما قدم الحير ... ة حادي جملي حارا وقد كاد يغور النج ... م للاصباح أو غارا فقلت: احطط بها رحلي ... ولا تحفل بمن سارا فجدّدنا عهوداً س ... لفت منّا وآثارا وقضّينا لباناتٍ لنا ... كانت وأوطارا وصاحبنا بها ديراً ... وقسيساً وخمّارا وظبياً عاقداً بين ... النقا والخصر زنّارا شرحنا لك أخباراً ... وادمجناك أخبارا ولأبي نواس، في هذا المعنى: وقائل: هل تريد الحج؟ قلت له: ... نعم، إذا فنيت لذات بغداذ أما وقطربل منها بحيث نرى ... فقبة الفرك من أكناف كلواذي فالصالحية، فالكرخ الذي اجتمعت ... شذّاذ بغداد لي فيه بشذاذ وكيف بالحج لي ما دمت منغمساً ... في بيت قوّادةٍ أو بيت نبّاذ وهبك من قصف بغداد تخلّصني ... كيف التخلص لي من طيزناباذ وممن فعل فعل مطيع، سليمان بن محمد الأموي، وكان قد أعد البخاتي للحج وصنعها طول سنته. فلما وصل إلى الكوفة، بدا له وأقام وقال: حرصي على الحج أفسد الحجا ... إذ لم أجد مهرباً ولا منجا تبت إليه من الذنوب ومن ... عرضٍ برىءٍ بمنكر يهجا فردّني خاسئاً إلى قدحي ... وقول شعر وعفوه يرجا بحيث تضحي الزقاق خاضعةً ... تحسبها من سوادها زنجا إذا وضعنا للزقّ باطيةً ... وحلّ عنه رباطه مجّا زادي إلى الحج صار منتقلاً ... لما احتسيت المدامة الزلجا ومضجعي زكرتي نعمت بها ... مملوءةً ما تفارق الخرجا كذاك من يطلب الثواب ولا ... ينهض إلا بنيّةٍ عرجا وخرج أبو المضرحي وسلام بن غالب بن شماس وأبو البصير الشاعر، يريدون الحج. فلما قدموا الكوفة، بدا لأبي البصير ولسلام، ثم مضى أبو المضرحي. فقال أبو البصير يخاطب سلاماً خذ برأس القطا واستخر ... الله إلى دار قينة الرمّاح حيث لا تنكر المعازف والخمر ... ووضع الأيدي على الأحراح وكان مطيع بن إياس، من أظرف الناس وأحسنهم شعراً وأكثرهم نادرة وأشدهم مجوناً وخلاعة. وكان لا يغب الشرب واللعب والانهماك في الخسارة والتطرح في مواضع اللذات. وكان مطيع ويحيى بن زياد وحماد عجرد وحماد الراوية، لا يفترقون. وكان جميعهم على منهاج واحد في الخلاعة، وكلهم متهم بالزندقة! فذكر العتبى عن أبيه، قال: قدم علينا شيخ من أهل الكوفة، لم أر قط أحسن منه حديثاً. فكان يحدثني عن مطيع والحمادين وعن ظرفاء أهل الكوفة وعجائبهم، فلم يكن يحدث عن أحد منهم بأحسن مما يحدثني به عن مطي بن إياس. فقلت له: كنت والله أشتهي أن أرى مطيعاً. فقال: والله لو رأيته للقيت منه بلاء عظيماً! فقلت: وكيف؟ قال: كنت ترى رجلاً لا يصبر عنه العاقل إذا رآه، ولا يصحبه أحد إلا افتضح به!

стр. 61

وذكر ابن حبيب، قال: رأيت رجلاً من أهل الكوفة، فسألته عن مطيع، وكان قد صحبه، فقال: لا ترد أن تسأل عنه. قلت: ولم ذاك؟ قال: ما سؤالك عن رجل إذا حضرك ملكك، وإذا غاب عنك شاقك، وإذا عرفت بصحبته فضحك! وكان مطيع بن مخضرمي الدولتين الأموية والعباسية. فقد مدح الوليد بن يزيد ونادمه ومدح أخاه وخص به. قال: حضر مطيع بن إياس وشراعة بن الزندبوذ ويحيى بن زياد ووالبة بن الحباب وعبد الله بن عياش المنتوف وحماد عجرد مجلس بعض الأمراء بالكوفة. فاجتمعوا كلهم على مطيع فكايدوه وهجوه، فغلبهم كلهم، ثم بدههم فقال: وخمسةٍ قد أبانا لي عداوتهم ... وقد تلظّى لهم مقلى وطنجير لو يقدرون على لحمي تقسّمه ... قردٌ وكلبٌ وجرواه وخنزير فقطعهم وأقروا له. قال: واجتمعوا يشربون، فأقاموا على ذلك أياماً. فقال لهم يحيى بن زياد ليلة، وهم سكارى: ويحكم! ما صلينا منذ ثلاثة أيام. فقوموا بنا حتى نصلي. فقالوا: نعم! فقام مطيع فأذن وأقام. ثم قال للمغنية: تقدمي فصلي بنا. فتقدمت، وكانت بلا سراويل، وعليها غلالة رقيقة. فلما سجدت انكشف متاعها، فوثب إليه مطيع فقبل، ثم قال: ولما بدا هنها جاثماً ... كرأس حليق ولم تعتمد سجدت له ثم قبّلته ... كما يفعل العابد المجتهد فقطعوا صلاتهم بالضحك، ثم عادوا إلى ما كانوا عليه. قال: كتب يحيى بن زياد يوماً إلى مطيع: أنا نشيط للشرب، فإن كنت فارغاً فصر إلي. وإن كان عندك نبيذ طيب وغناء جئتك! فجاءته الرقعة وعنده حماد الراوية وحكم الوادي وغلام أمرد، فأجابه: نعم، لنا نبيذٌ ... وعندنا حمّاد وعندنا وادينا ... وهو لا عماد وخيرنا كثيرٌ ... والخير يستزاد ولهونا لذيذٌ ... لم تلهه العباد أو تشتهي سفاد ... فعندنا فساد أو تشتهي غلاماً ... فندنا زياد ما إن به التواءٌ ... عنّا ولا بعاد فلما قرأ الرقعة، صار إليهم، فتمموا بقية يومهم. وقال يحيى بن زياد له: انطلق بنا إلى فلانة المغنية، وكان يهواها، فإن بيننا مغاضبة، فلعلك أن تصلح بيني وبينها، وبئس المصلح، والله، أنت! فدخلا إليها، فأقبل يحيى يعاتبها، ومطيع ساكت. فقال له: ما يسكتك، أسكت الله نأمتك؟ فقال مطيع: أنت معتلّةٌ عليه وما زا ... ل مهيناً لنفسه في هواك فأعجب يحيى ما قاله، وهش له، وقال: هيه! فقال: فدعيه، وواصلي ابن إياسٍ ... جعلت نفسه الغداة فداك فقام إليه يحيى بالوسادة يجلد بها رأسه، وقال: ألهذا دعوتك يا ابن الفاعلة؟

стр. 62

قال: وكان بالكوفة مقين، يقال له أبو الأصبغ. وكان له ابن يقال اصبغ، أحسن الناس وجهاً. وكان مطيع بن إياس ويحيى بن زياد وحماد عجرد يغشون منزله ويعشقون ابنه ولا يقدرون عليه. فعزم أبو الاصبغ على أن يصطبح يوماً مع يحيى بن زياد. فأهدى إليه يحيى من الليل جداء ودجاجاً وفراخاً وفاكهة وشراباً. فقال أبو الاصبغ لجواريه: إن يحيى بن زياد عندنا، فأصلحوا له ما يشتهيه. فلما فرغ من الطعام، لم يجد رسولاً يبعث به إليه سوى ابنه اصبغ. فقال له: لا تبرح إلا ويحيى معك. فلما جاءه اصبغ، قال للغلام: أدخله: وتنح أنت واغلق الباب، فإن أراد اصبغ الخروج فامنعه. فلما دخل إليه اصبغ وأدى الرسالة، راوده يحيى عن نفسه، فامتنع. فثاوره يحيى، فصرعه، ورام حل تكته، فلم يقدر على ذلك، فقطعها يحيى: فلما فرغ، أعطاه أربعين ديناراً كانت تحت مصلاه. فأخذها. وقال له يحيى: امض، فإني على أثرك. فخرج اصبغ من عنده، واغتسل يحيى، وجلس يتزين ويتبخر. فدخل إليه مطيع، فرأى ما هو فيه، فقال له: كيف أصبحت؟ فلم يجبه، وشمخ بأنفه، وقطب حاجبه! فقال له: أراك تتزين وتتبخر، أين عزمت؟ فلم يجبه. فقال: ويحك! ما لك؟ نزل عليك الوحي؟ أو كلمتك الملائكة؟ أو بويع لك بالخلافة؟ وهو يومىء برأسه: لا، لا! قال: فأراك قد تهت علينا فما تتكلم، حتى كأنك قد نكت اصبغ بن أبي الاصبغ! فقال: أي والله! الساعة، وأعطيته أربعين ديناراً. قال: فإلى أين تمضي؟ قال: إلى دعوة أبيه. فقال مطيع: إمرأته طالق إن فارقتك أو أقبل أيرك؟ فأبداه يحيى له. فقبله. ثم قال له: كيف قدرت عليه؟ فحدثه حديثه، وقام ليمضي إلى منزل أبي الاصبغ، فاتبعه مطيع، وصبر ساعة، ثم دق الباب واستأذن. فخرج إليه الرسول، فقال له: إنه اليوم على شغل لا يتفرغ لك، فتعذر! قال: فابعث إلى دواة وقرطاس. فكتب مطيع إلى أبي الاصبغ بهذه الأبيات: يا أبا الاصبغ، لا زلت على ... كل حالٍ عالياً ممتنعاً لا تصيّرني في الودّ كمن ... قطع التكّة قطعاّ شنعا وأتى ما يشتهي لا ينتهي ... خيفة أو حفظ حقٍّ ضيعا لو ترى الاصبغ ملقىّ تحته ... مستكيناً خجلاً قد خضعا وله دفعٌ عليه عجلٌ ... شبقاً ساءك ما قد صنعا فادع بالاصبغ فاعرف حاله ... سترى أمراً قبيحاً فظعا فقال أبو الاصبغ ليحيى: فعلتها يا ابن الزانية؟ قال: لا! فضرب بيده إلى تكة ابنه، فوجدها مقطوعة، فأيقن بالفضيحة! فقال يحيى: قد كان الذي كان، وسعى إليك مطيع ابن الزانية. وهذا ابني، وهو أفره من ابنك. وأنا وهو عربي ابن عربية، وابنك نبطي ابن نبطية. فنك ابني عشراً مكان المرة التي نكت ابنك، فتكون قد ربحت الدنانير، وللواحد عشرة. فضحك أبو الاصبغ، وقال لابنه: هات الدنانير يا ابن الفاعلة! فرمى بها إليه، وقام خجلاً. فقال يحيى: والله، لا دخل مطيع ابن الزانية! فقال أبو الاصبغ وجواريه: والله، ليدخلن إلينا، فقد فضحنا! فأدخل وجلس يشرب معهم، ويحيى يشتمه بكل لسان، ومطيع يضحك! ولمطيع أخبار كثيرة ظريفة، منع من إيرادها خوف الاطالة وما تدعو إليه من الملالة. وله شعر حسن مليح، ويتغنى في شعره. فمن ذلك، قوله: واهاً لظبي رجوت نائله ... حتى انثنى لي بوده صلفا لانت حواشيه لي وأطمعني ... حتى إذا قلت نلته انصرفا وقال أيضاً، وله فيه غناء. خليلي مخلفٌ أبدا ... يمنّيني غداً فغدا وبعد غدٍ وبعد غدٍ ... كذا لا ينقضي أبدا وليس بلابثٍ جمر ال ... غضا أن يحرق الكبدا ومن مليح، قوله: إخلع عذارك في الهوى ... واشرب معتقة الدنان وصل القيان مجاهراً ... فالعيش في وصل القيان لا يلهينك غير ما ... تهوى فإن العمر فاني وكان مطيع يبغض أباه ويهجوه. وهو من بني كنانة. وكان يوماً يذكر قبائل قريش والعرب ويصف قوماً قوماً. فقال له بعض من حضر: فأين بنو كنانة؟ فقال غير متمهل: بفلسطين يسرعون الركوبا، أراد قول الشاعر: حلق من بني كنانة حولي ... بفلسطين يسرعون الركوبا عمر مر يونان

стр. 63

وهذا العمر بالأنبار، على الفرات. وهو عمر حسن كبير، كثير القلايات والرهبان. وعليه سور محكم البناء، فهو كالحصن له. والجامع ملاصقه. ولا يخلو من المتنزهين والمتظرفين. وله ظاهر حسن ومنظر عجيب، سيما في أيام الربيع: لأن صحاريه وسائر أراضيه تكون كالحلل لكثرة طرائف زهره وفنون أنواره. ومن اجتاز بالأنبار من الخلفاء ومن دونهم ينزله مدة مقامه. وقد وصفته الشعراء وذكرته في أشعارها. وللحسين بن الضحاك، فيه: آذنك الناقوس بالفجر ... وغرّد الراهب في العمر واطّردت عيناك في روضةٍ ... تضحك عن حمر وعن صفر وحنّ مخمورٌ إلى خمره ... وجاءت الكأس على قدر فارغب عن النوم إلى شربها ... ترغب عن الموت إلى النشر ولكشاجم، فيه: أُغد، يا صاحبي، إلى الأنبار ... تشرب الراح في شباب النهار واعمر العمر باللذاذة والقص ... ف حث الكؤوس والأوتار ما ترى الدهر قد أتاك بوجهٍ ... طلقٍ بعد نبوةٍ وازورار لابساً حلّةً من الزهر كانت ... قبل محجوبة عن الأبصار نرجسٌ كالعيون يرقب من يه ... واه من غير رقبةٍ أو حذار وإذا ما بدا الشقائق فيها ... خاله الناظرون شعلة نار أو كما نشرت مطارف حمر ... لأميرٍ في جحفل جرّار وكأن البنفسج الغضَ فيها ... أثر القرص في خدود الجواري وتراءى الخزامى السمائي فيها ... كاليواقيت نظمت في المذاري وكأن المنثور حلّة وشيٍ ... مثلها ما حوت تخوت التجار في طرار الربيع حيكت ولكن ... نمّقت وشيها يد الأمطار أقحوان وسوسنٌ حسن النو ... ر وشيحٌ منمنمٌ مع بهار فاغتنم غفلة الزمان وبادر ... وافترص لذّة الليالي القصار وكشاجم، أبو الفتح محمود بن الحسين الكاتب، مليح الشعر، رقيق الطبع، حسن الوصف. له كتب كثيرة وتأليفات طريفة. فمن شعره في بعض ما كان يألفه: قوله: من عذيري من عذاري رشأٍ ... عرّض القلب لأسباب التلف قمرٌ جال نعيم الحسن في ... ماء خدّيه على ماء الترف وله خطّ عذارٍ خطّه ... رونق العزّ بأقلام الشرف حكمةٌ في نعمةٍ قد طرزت ... بطرازٍ لم يجز حدّ الشّنف جمّشا خديه ثم انعطفا ... آه ما أحسن ذاك المنعطف علم الشعر الذي عاجله ... أنه جار عليه فوقف فهو في وقفته معترفٌ ... بالتناهي في التعدي والسّرف وله في صفة عود: جاءت بعود كأن نغمته ... صوت فتاة تشكو فراق فتى محفّفٌ حفّت النفوس به ... كأنما الزهر حوله نبتا دارت ملاويه فيه واختلفت ... مثل اختلاف الكفين شبّكتا لو حركته وراء منهزم ... على بريدٍ لعاج والتفتا يا حسن صوتيهما، كأنهما ... أختان في صنعةٍ تراسلنا وهو على ذا ينوب إن سكتت ... عنها، وعنه تنوب إن سكتا وله في ذلك: ومسمعةٍ تحنو على مترنم ... له زجلٌ عالٍ وليس له سحر إذا ما تأملت الحشى منه خلته ... تضمّن شبعاً وهو منخرقٌ صفر له نغمٌ يفضين من كل سامع ... إلى حيث لا تفضي بشاربها الخمر إذا طرقته بالأنامل والتقى ... على جسمه من جسمها النحر والصدر بكى طرباً فاستضحك اللهو نحوه ... وفضّت عرى الاسباب واستلب الصبر وتمنحه اليمنى حساباً مفصّلاً ... فتحمل فيه الخمس والستّ والعشر فمتّ صريع السكر أطيب ميتةٍ ... وما الحلم إلا أن يسفهك السكر ومن مليح شعره: يقولون: تب، والكأس في كفّ أغيد ... وصوت المثاني والمثالث عالي

стр. 64

فقلت لهم: لو كنت أضمرت توبةً ... وأبصرت هذا كلّه لبدا لي وله يصف معزفة: معلقة الأوتار صخّابة ... لها حنينٌ كحنين الغريب زادت على المزهر طيباً وقد ... تاهت عن الناي بخلقٍ عجيب مكسوةٌ أحشاؤها جلدة ... بيضاء من جلد غزالٍ ربيب كأنما تسعة أوتارها ... نصبن أشراكاً لصيد القلوب وله في مضراب: يا أيها الصلف المدل بحسنه ... جد للمحبّ، فأنت أهل الجود بقبول مضراب حكاك بحسنه ... حسن التعطّف مخطف مقدود متشبّه بك حين تخطو لاهياً ... وتميس بين مجاسد وعقود لا تشمتنّ بي الحسود بردّه ... يفديك كلّ حسودةٍ وحسود لم أهده لك يا مناي وإنما ... أهديته متقرباً للعود وله يرثي قدحاً له كان انكسر: وعندي فجائعٌ للنائبات ... وليس كفجعتنا بالقدح وعاء المدام وتاج البنان ... وخدن السرور ومقصي الترح يردّ على الشخص تمثاله ... فلو تتخذه مراةً صلح يكاد مع الماء إن مسّه ... لما فيه من شبهه ينسفح فأفقدنيه على ضنّةٍ ... به للزمان غريمٌ ملح كأنّ له ناظراً ينتقي ... فما يتعمّد غير الملح فلا تبعدنّ فكم من حشىً ... عليك كليمٍ وقلبٍ قرح وله في النيل: كأن النيل حين أتى بمصرٍ ... وفاض بها وكسرت التراع وأحدق بالقرى من كلّ وجهٍ ... سماوات كواكبها ضياع وقال في البطيخ: وطيّبٍ أهدى لنا طيّباً ... فدلّنا المهدى على المهدي يا جاني البطيخ من غرسه ... جنيت منه ثمر الحمد لم يأتنا حتى أتتنا به ... روائح أغنت عن الندّ كأنما تكشف منه المدى ... عن زعفرانٍ ديف في شهد كأنما في جوفه قهوةٌ ... ينقع فيها مندلٌ هندي وفيما أتينا به من طريف شعره وغريب صفاته، كفاية تفي بالشرط ولا تتجاوز الحد. دير قنى ويعرف أيضاً بدير مر ماري السليح وهذا الدير، على ستة عشر فرسخاً من بغداد، منحدراً في الجانب الشرقي، بينه وبين دجلة ميل ونصف، وبينه وبين دير العاقول بريد. وهو دير حسن، نزه، عامر. وفيه مائة قلاية لرهبانه والمتبتلين فيه، لكل راهب قلاية. وهم يتبايعون هذه القلالي بينهم من ألف دينار إلى مائتي دينار إلى خمسين ديناراً. وحول كل قلاية بستان، فيه من جميع الثمار والنخل والزيتون. وتباع غلته من مائتي دينار إلى خمسين ديناراً. وعليه سور عظيم يحيط به. وفي وسطه نهر جار. وعيده الذي يجتمع الناس إليه عيد الصليب. وقد وصفته الشعراء. ولابن جمهور، فيه: يا منزل اللهو بدير قنّا ... قلبي إلى تلك الربى قد حنّا سقياً لأيامك لما كنا ... نمتار منك لذّة وحسنا أيام لا أنعم عيشٍ منّا ... إذا انتشينا وصحونا عدنا وإن فنى دنٌّ نزلنا دنّا ... حتى يظنّ أننا جننّا ومسعدٍ في كل ما أردنا ... يحكي لنا الغصن الرطيب اللّدنا أحسن خلق الله أدّى لحنا ... وجسّ زير عوده وغنى بالله، يا قسيس يا ما قنّى ... متى رأيت الرشأ الأغنّا متى رأيت فتنتي يوحنا ... آهٍ إذا ما ماس أو تثنّى يا منية القلب إذا تمنّى ... فتكت بالصبّ بك المعنّى ثم قلبت في الهوى المجنّا ... عذبته بالحبّ فناً فنّا وصارت الأرض عليه سجنا ... فما يلاقي الجفن منه جفنا أفديك لا تهجر صباً مضنى ... قد كان من غدرك مطمئنا أسأت إذ أحسنت فيك الظنّا ... وصار قلبي في يديك رهنا وقال فيه أيضاً:

стр. 65

وكم وقفةٍ في دير قنّى وقفتها ... أُغازل فيه فاتن الطّرف أحورا وكم فتكةٍ لي فيه لم أنس طيبها ... أمتّ بها عرفاً وأحييت منكرا وهو أبو علي محمد بن الحسين بن جمهور القمي. وكان أبوه من رواة أهل البيت، صلوات الله عليهم، وحاملي الأثر عنهم. وكان أبو علي ظريفاً، متأدباً، مليح الشعر والكتابة. وقد سافر في طلب العلم، وتطرح في مواطن اللعب، وعاشر أهل الخلاعة، وطرق الحانات والديارات. ثم أقام بالبصرة وحسنت حاله بها، وصارت له نعمة كثيرة. ومن شعره في جارية كانت في القيان تعرف بزاد مهر جارية المنصورية، وكانت له معها في القيان أحاديث طريفة، ثم تأتى له أن اشتراها، قوله: ربما استصعب واستب ... عد أمرٌ وهو داني يأتي الانسان ما يه ... واه في صفو الزمان فيرى المستخذىء الآ ... يس من نيل الأماني قد حوى ما كان يرجو ... في اغتباطٍ وأمان وقال أيضاً: كم قد أرتنا صروف الدهر من عجب ... ومن محبّ شديد السقم والوصب صفا له الدهر حتى نال بغيته ... ممن تعشّقه في أيسر الطلب وأخباره معها ومع غيرها من القيان عجيبة. قالت له زاد مهر هذه مرة، وهي في القيان، وقد دعاها: خذ لي الطالع في شيء قد أضمرته. فأخذ الطابع وزرقها فقال: سألت عن رجل عليل القلب، شديد الكرب، دائم الفكرة، طويل الحيرة، قد أشفى على أمر عظيم في طاعة إنسان عزيز. فضحكت، ثم قالت مسرعة: على بظر أم الكاذب! والله ما سألت إلا عن الثوب المصمت الذي وعدتني به، متى تبعث به إلي. فخجل، وبعث به إليها. وطرز مرة منديلاً بهذه الأبيات، وأنفذه إليها: أنا رسولٌ من فتىً عاشق ... آدمعه في خدّه جاريه هذا ابن جمهورٍ فجودي له ... منك بما يهواه يا قاسيه وليست النفس وإن شفّها ... حبّك يا مولاته ساليه فردت المنديل، وقد طرزت في وسطه: أم من يسخر بنا حتى ينيكنا زانيه! وكتب إليها، وقد كانت هجرته: يا سيدة عبدها، والله، إن الذي بلغك باطل، لكنني أعترف به طاعةً لك، وأقول كما قال ربيعة الأسدي: هبيني امرءاً أذنبت ذنباً جهلته ... ولم آته عمداً وذو الحلم يجهل عفا الله عما قد مضى لست عائداً ... وها أنا ذا من سخطكم أتنصل وقد قلت أيضاً: أملي إن كنت أخطأ ... ت رشادي في هواك فلقد أسهرت عيناً ... أرقت عند كراك فاصفحي عني وجودي ... جعلت نفسي فداك فوقعت على ظهر الرقعة: ما لك تغم نفسك، وتتنطع في كتب الأشعار؟ وجه إلي بالغلالة، وقد اصطلحنا! وله فيها. باتت عداك كما أبيت ... ولقي حسودك ما لقيت يا من شقيت بحبّه ... صل، لا شقيت كما شقيت لا خنت عدك ما حييت ... ولا قطعت ولا نسيت كن كيف شئت فإنني ... أرعى ودادك ما بقيت وقال لها يوماً: يا قحبة! قالت له: يا ابن القحبتين! فقال لها: ويلك أقول لك يا قحبة، فتقولين لي يا ابن القحبتين؟ فقالت: نعم! أنا شموس، أرد بالزوج! وكنا نحضر مجلسه بالبصرة، فيملي أخبار أهل البيت، ﵈. فإذا فرغ من الاملاء، ابتدأ جواريه فقرأن بألحان ثم قلن القصائد الزهديات. فإذا فرغن من ذلك، انصرف من انصرف واحتبس عنده من يأنس به، وعمل الغناء والشرب. قال: وكان عبدون بن مخلد، أخو صاعد بن مخلد، عند وفاة أخيه وإطلاقه من الحبس، صابر إلى دير قنى، فأقام فيه وتعبد. وكان عبدون هذا، ناقص الصنعة شديد التخلف. وبلغ مع ذلك مبلغاً عظيماً في أيام أخيه. قال: فأهدت ريق المغنية إلى عبدون فاكهة مبكرة، فيها تين ورمان وغيرهما. فقال لكاتبه: اكتب إليها جواب رقعتها بشعر. فحلف أنه ما قال شعراً قط! فغضب عبدون غضباً شديداً، وقال: أنت بين يدي منذ سنين لا تحسن القصائد السبع؟ يا حمار، أكتب إليها: قد أتتنا هديّتانك ... في يوم مهرجانك وأكلنا من رمّانك ... لأنك جانجانتنا ونحن جانجانك

стр. 66

وكان صاعد، من رجالات الناس حزماً وضبطاً وكفاية وكرماً ونبلاً. وكان كثير الصدقات والصلوات ليلاً ونهاراً. وكان في أيام وزارته للموفق، يركب إلى دار الموفق، فيقيم بحضرته أربع ساعات ثم ينصرف إلى منزله، فينظر في حوائج الناس وأمور الحاضر والغائب إلى الظهر، ثم يتغدى وينام، ثم يجلس بالعشي فينظر في الأعمال السلطانية إلى عشاء الآخرة، لا يبرح أو يحصل جميع الأموال ما حمل منا وما أنفق وما بقي. ويعمل له بذلك عملاً في كل يوم ويعرض عليه، وما يخفى عنه شيء مما يجري في الأعمال كل يوم. ثم يأمر في أمر ضياعه وأسبابه، ويتقدم إلى وكلائه وخاصته بما يحتاج إليه. ثم يتشاغل بعد ذلك مع نديم يتشاغل بحديثه ويأنس به. ثم ينام، ويقوم في آخر الليل فلا يزال يصلي إلى طلوع الفجر، ثم يأذن للناس فيسلمون عليه، ثم يركب إلى دار الموفق. قال: ولما انصرف صاعد من فارس، شكا إليه الموفق أمر عمرو بن الليث وقلة الأموال وما يحتاج إليه لانهاض العسكر. والتمس منه احتيال مال يخرج به راشداً إلى الصفار. فقال والله ما لي حيلة أكثر من حظر النفقات ومنع المرتزقين. فقال الموفق: أين يقع ذلك مما أحتاج؟ والذي أريد أن تأخذ من التجار قرضاً وتوظف عليهم وعليك وعلى الكتاب والعمال مالاً نستعين به على إخراج راشد. فإذا اتسعنا رددناه عليهم. فاستوحش صاعد من ذلك وأراد إعمال الحيلة في التباعد عنه. فقال: أما بواسط، فلا يتهيأ لي. ولكن إن أذن لي الأمير في المصير إلى مدينة السلام، رجوت أن أحتال على ما يريد. فقال: إعزم على ذلك. وكتب إلى أبي العباس ابنه بالقبض على ما لصاعد بسر من رأى وبغداد وجميع أسبابه. قال إسحق بن إبراهيم الكاتب: فرأيت صاعداً في اليوم الذي قبض عليه فيه متثاقلاً عن المصير إلى الموفق. فلم أزل به إلى أن قعد في الطيار وهو على غاية الكراهة، ووصل إلى حضرة الموفق، وقد واقف الموفق راشداً أن يسير إلى دار صاعد عند حصوله بين يديه، فيقبض على ما فيها وعلى ابنه وأسبابه. فلما رأى صاعد عند مسيره الجيش على الجسر، قال: ما هذا، أعز الله الأمير؟ قال: استأذنني راشد في عرض رجاله الذين يخرجون معه إلى فارس، وقد مضى لعرضهم. قال فأقوم وأمضي نحوهم واحضر عرض الجمال معه. قال: إفعل. فوثب صاعد ليمضي، فعدل به إلى الحجرة التي أعدت له، ووكل به، وقبض على ما كان له بواسط، وعلى عبدون أخيه وجميع أموالهما في يوم واحد. وحصل مما قبض عنه وعن أخيه وابنه من الضياع ما مقدار ارتفاعه ألف ألف دينار. ووجد لهم من المتاع والكسوة والطيب والجوهر والفرش والآلات ما لا قيمة له كثرةً، ونحو أربعة آلاف رأس من الدواب والبغال، وأربعة آلاف غلام بين فحل وخادم. ولم يوجد له ما ظهر من المال إلا نحو مائتي ألف دينار. ثم وضع يده في كشف أموالهم وودائعهم ومصادارت أسبابهم، فكان ذلك أمراً عظيماً. ولم يزل محبوساً إلى سنة خمس وتسعين ومائتين، ثم نقل إلى دار ابن طاهر، فمات هناك من خلفة أصابته. فدفن بإزاء الدار المعروفة به. ومات أخوه عبدون، وهو مترهب بدير قنى، في سنة عشر وثلثمائة. عمر كسكر وهو أسفل من واسط، في الجانب الشرقي منها، بالقرية المعروفة ببرجوني. وفيه كرسي المطران. وهو عمر كبير عظيم حسن البناء محكم الصنعة. حوله قلايات كثيرة، كل قلاية منها لراهب، وسبيلها سبيل القلايات التي بدير قنى. ويحيط بالموضع بساتين كثيرة فيها الشجر والنخل وسائر الثمار. فكل ذي ظرف يطرقه وكل ذي شجن يسلى به. ولمحمد بن حازم فيه، وكان قصده أيام مقام الحسن بن سهل بواسط، ومدح الحسن بن سهل، وله معه حديث نذكره بعقب الشعر: بعمر كسكر طاب اللهو والطرب ... واليادكارات والأدوار والنخب وفتيةٍ بذلوا للكأس أنفسهم ... وأوجبوا لرضيع الكأس ما يجب وأنفقوا في سبيل القصف ما وجدوا ... وانهبوا ما لهم فيها وما اكتسبوا محافظين إن استنجدتهم دفعوا ... وأسخياء إن استوهبتهم وهبوا نادمت منهم كراماً سادة نجباً ... مهذّبين نمتهم سادةٌ نجب فلم نزل في رياض العمر نعمرها ... قصفاً وتغمرنا اللذات والطرب والزهر يضحك والأنواء باكيةٌ ... والناي يسعد والأوتار تصطخب

стр. 67

والكأس في فلك اللذات دائرةٌ ... تجري ونحن لها في دورها قطب والدهر قد طرفت عنّا نواظره ... فما تروعنا الأحداث والنّوب وكان محمد بن حازم، أحد الشعراء المطبوعين، يجيد كل فن يركبه ويأتي بالمعاني التي تستغلق على غيره. وكان أكثر شعره في القناعة ومدح التصون وذم الحرص والطمع. وذكر محمد بن حازم هذا، قال: عرضت لي حاجة في عسكر الحسن بن سهل، فأتيته وقد كنت قلت في السفينة شعراً. فدخلت إلى محمد بن سعيد بن سالم الباهلي، فانتسبت له فعرفني وأنزلني وأكرم مثواي. ثم قال لي: ما قلت في الأمير؟ قلت: لم أقل بعد شيئاً. فقال رجل كان معي في السفينة: بلى، قد قال أبياتاً. فسألني أن أنشده إياها، فأنشدته: وقالوا لي مدحت فتى كريماً ... فقلت: وكيف لي بفتىً كريم بلوت الناس مذ خمسين عاماً ... وحسبك بالمجرّب من عليم فما أحدٌ يعدّ ليوم خيرٍ ... ولا أحدٌ يعود على حميم ويعجبني الفتى وأظن خيراً ... فأكشف منه عن رجل لئيم تقيل بعضهم بعضاً فأضحوا ... بني أبوين قدّاً من أديم فطاف الناس بالحسن بن سهل ... طوافهم بزمزم والحطيم وقالوا سيدٌ يعطي جزيلاً ... ويكشف كربة الرجل الكظيم فقلت مضى بذمّ القوم شعري ... وقد يؤتى البرىّ من السقيم وما خبرٌ ترجّمه ظنونٌ ... بأشفى من معاينة الحليم فإن يك ما تنشر عنه حقاً ... رجعت بأهبة الرجل المقيم وإن يك غير ذاك حمدت ربي ... وزال الشك عن رجل حليم وليس المال يعطفني عليه ... ولكن الكريم أخو الكريم فلما أنشدته الشعر: قال: بمثل هذا تلقى الأمير؟ والله لو كان نظيرك لما جاز لك أن تخاطبه بهذا. قلت: صدقت، ولذلك قلت أني لم أمدحه. ولكني سأمدحه مدحةً تشبهه. قال: إفعل! ودخل إلى الحسن، فأخبره الخبر، وأنشده الشعر وعجبه من جودة البيت الأخير. فأمر بإدخالي عليه لغير مدح. فأدخلت. فأمرني أن أنشده الشعر، فاستعفيته: فلم يعفني، وقال: قد قنعت بهذا العذر، إذ لم تدخلني في جملة من ذممت! ومع هذا، فعلينا حسن مكافأتك. فأنشدته، فضحك وقال: ويحك! مالك وللناس تعمهم بالهجاء؟ حسبك الآن من هذا النمط وأبق عليهم. فقلت: قد وهبتهم للأمير! قال: قد قبلت، وأنا أطالبك بالوفاء مطالبة من أهديت له هدية فقبلها. ثم وصلني فأجزل. فقلت فيه، وأنشدته: وهبت القوم للحسن بن سهلٍ ... فعوّضني الجزيل من الثواب وقال: دع الهجاء وقل جميلاً ... فإن القصد أقرب للصواب فقلت له: برئت إليك منهم ... فليتهم بمنقطع التراب ولولا نعمة الحسن بن سهلٍ ... عليّ لسمتهم سوء العذاب أكيدهم مكايدة الأعادي ... واختلهم مخاتلة الذئاب وما مسخوا كلاباً غير أني ... رأيت القوم أشباه الكلاب فضحك ثم قال: ويلك! الساعة ابتدأت بهجائهم ما أفلتوا منك بعد. فقلت: هذه بقية طفحت على قلبي، وأنا كاف عنهم ما أبقى الله الأمير. قال: وكان محمد بن حازم قد نسك وترك شرب النبيذ. فدخل يوماً على إبراهيم بن شكلة، فحادثه وأكل معه، وجلس إبراهيم للشرب، وسأله أن يشرب معه، فامتنع، وقال: أبعد خمسين أصبو ... والشيب للجهل حرب سنٌّ وشيبٌ وجهلٌ ... أمرٌ، لعمرك، صعب يا ابن الامام فهلاّ ... أيام عودي رطب وشيب رأسي قليلٌ ... ومنهل الحبّ عذب وإذ سهامي صيابٌ ... ونصل سيفي عضب وإذ شفاء الغواني ... منّي حديثٌ وقرب فالآن لما رأى بي ... العذّال ما قد أحبّوا وآنس الرشد منّي ... قومٌ أُعاب وأصبو آليت أشرب كأساً ... ما حج لله ركب

стр. 68

وذكر حمدان بن يحيى، قال: آخر ما فارقت عليه محمد بن حازم أنه قال لي: لم يبق علي شيء من اللذات إلا بيع السنانير! قال: فقلت له: أسخن الله عينك! أيش لك في بيع السنانير من اللذة؟ قال: تعجبني العجوز الرعناء تخاصمني، وتقول: هذا سنوري سرق مني، فأقول لها: كذبت، ثم تشتمني وأشتمها وتخاصمني وأخاصمها! قال: وأنشدني: صل خمرةً بخمار ... وصل خماراً بخمر وخذ بحظّك منها ... زاداً إلى حيث تدري فقلت: إلى أين، ويحك؟ فقال: إلى الهاوية، يا رقيع! ومن مليح شعره، قوله: أيا ابن سعيد جزت بي غاية البرّ ... وحمّلتني ما لا أطيق من الشكر وإن امرءاً أعطاك مجهود شكره ... وفتّ ولم يبلغ مداك لفي عذر تقلّب حال للفتى بعد حالةٍ ... وتبقى أيادٍ حرةٌ لفتىً حرّ ومن جيد شعره، قوله: وإني لذو ودّ لمن دام وده ... وجافٍ لمن رام الجفاء ملول وإن امرءاً يأوي إلى دار ذلةٍ ... تعبّده فيها الرجاء ذليل وفي اليأس من ذلّ المطامع راحةٌ ... وفي الناس ممن لا تحبّ بديل وقال في القناعة: الله أحمد شاكراً ... فبلاؤه حسنٌ جميل أصبحت مستوراً معافى ... بين أنعمه أجول خلواً من الأحزان خفّ ... الظهر يقنعني القليل لم يشقني طمعٌ ولا ... حرصٌ ولا أملٌ طويل سيّان عندي ذو الغنى ال ... متلاف والرجل البخيل ونفيت باليأس المنى ... عني فطاب لي المقيل والناس كلّهم لمن ... خفّت مؤونته خليل قال محمد بن حازم: بعث إلي بعض الطاهرية، وكنت قد بالغت في هجوه وأفرطت، بألف درهم وتخت ثياب، وقال: أما ما قد مضى، فلا سبيل إلى رده، ولكني أحب ألا تزيد عليه شيئاً. فرددت الدراهم والثياب، وكتبت إليه: لا ألبس النعماء من رجلٍ ... ألبسته عاراً على الدهر ثم أمسكت عن هجائه. قال: وكان سعيد بن مسعود القطربلي صديقاً لي، فسألته حاجة فردني عنها، فانقطعت عنه، فبعث إلي بألف درهم وترضاني، فرددتها، وكتبت إليه: متسع الصدر رحيبٌ لما ... يضيق عنه الحوّل القلّب راجع بالعتبى فاعتبته ... وربّما أعتبك المذنب أجل وفى الدهر على أنه ... موكّلٌ بالبين مستعتب سقياً ورعياً لزمان مضى ... عني وسهم الشامت الأخيب قد جاءني منك مويل فلم ... أعرض له والحرّ لا يكذب أخذي مالاً منك بعد الذي ... أوليتنيه مركبٌ يصعب أبيت أن أشرب عند الرضا ... والسخط إلا مشرباً يعذب أعزّني اليأس وأغنى فما ... أرجو سوى الله ولا أرهب قارون عندي في الغنى معدمٌ ... وهمّتي ما فوقها مذهب فأي هاتين تراني بها ... أصبو إلى مالك أو أرغب ومن شعره في القناعة، قوله: من أعمل اليأس كان اليأس جاعله ... معظّماً أبداً في أعين الناس ومن رماهم بعين الطامعين رأى ... ذلاًّ وحسّوه مرّ المنع في كاس اليأس خيرٌ وما للناس من ثمرٍ ... هات امرءاً ذلّ بعد اليأس للناس وقال في هذا المعنى: جعلت مطيّة الآمال يأساً ... فآواني إلى كنفٍ وسيع فتلك مطية الآمال غفلٌ ... بلا رحلٍ يشدّ ولا نسوع لعمرك، للقليل أصون وجهي ... به في الأوحدين وفي الجميع أحبّ إلي من طلبي كثيراً ... تمدّ إليه أعناق الخضوع فعش بالقوت يوماً بعد يوم ... كمصّ الطفل فيقات الضروع ولا ترغب إلى أحدٍ بحرصٍ ... رفيع في الأنام ولا وضيع وقد رحل الشباب وحلّ شيبٌ ... فهل لك في شبابك من رجوع

стр. 69

قال محمد بن حازم: دخلت على المأمون، فلما مثلت بين يديه، قال: كيف بصرك بأيام الناس وأخبار العرب؟ قلت: أنا على الميدان، فليطلق من عناني! قال: أنشد ما بدا لك. فتركت ما أومأ إليه وعملت في صلاح شأني، وقلت: مجلس خلافةٍ ولست آمن نبوة، فأنشدته: رزقت عقلاً ولم أُرزق مروءته ... وما المروءة إلا كثرة المال إذا أردت مساماةً تقاعد بي ... عمّا ينوه باسمي رقّة الحال قال المأمون: الشيخ يشكو رقة الحال، فليدفع إليه ألف درهم، وتبسم. فقلت: ما وراء التبسم إلا خير، فأنشدته: أنت سماءٌ ويدي أرضها ... والأرض قد تأمل غيث السما فازرع يداً عندي محمودةً ... تحصد بها في الناس حسن الثنا قال: هذا المعنى أقوى من الأول، وأمر لي بألفي درهم، ثم قال: خدعتني! قلت: قد حضرني بيتان في الخديعة، فقال: وما هما؟ فأنشدته: وإذا الكريم أتيته بخديعةٍ ... فرأيته فيما تروم يسارع فاعلم بأنك لم تخادع جاهلاً ... إن الكريم بفعله يتخادع فقال: هما والله أحسن من الأول. وأمر لي بمثل ما أمر به. وسألني أن أنشده، فأنشدته: لا ترهقنّك ضجرةٌ من سائلٍ ... فلخير دهرك أن ترى مسؤولا لا تجبهنّ بالمنع وجه مؤمّل ... فبقاء عزّك أن ترى مأمولا واعلم بأنك عن قليل صائرٌ ... خبراً، فكن خبراً يروق جميلا يلقى الكريم فيستدل ببشره ... وترى العبوس على اللئيم دليلا فقال: لله درك، ما أحسن معانيك! يا غلام، صك له بمثل ما أعطيناه. وله من هذا الفن وغيره كل شيء حسن. ولولا خروج الكتاب عن حده المرسوم وخوف الاطالة، لأوردت من غرر شعره ومحاسنه ما يلتذ به سامعه. وفي ما أوردنا كفاية. ديارات مصر التي تقصد للشرب فيها والتنزه بها فمنها: دير القصير دير القصير وهذا الدير في أعلى الجبل، على سطح قلته. وهو دير حسن البناء، محكم الصنعة، نزه البقعة. فيه رهبان مقيمون به. وله بئر منقورة في الحجر يستقى الماء له منها. وفي هيكله صورة مريم في حجرها صورة المسيح ﵇. والناس يقصدون الموضع للنظر إلى هذه الصورة. وفي أعلاه غرفة بناها أبو الجيش خمارويه بن أحمد بن طولون، لها أربع طاقات إلى أربع جهات. وكان كثير الغشيان لهذا الدير. معجباً بالصورة التي فيه، يشرب على النظر إليها. وفي الطريق إلى هذا الدير من جهة مصر صعوبة. فأما من قبليه فسهل الصعود والنزول. وإلى جانبه صومعة لا تخلو من حبيس يكون فيها. وهو مطل على القرية المعروفة بشهران وعلى الصحراء والبحر. وهذه القرية المذكورة، قرية كبيرة عامرة على شاطىء البحر، ويذكرون أن موسى، صلى الله عليه، ولد فيها، ومنها ألقته أمه إلى البحر في التابوت. فدير القصير هذا، أحد الديارات المقصودة لحسن موقعه وإشرافه على مصر وأعمالها. وقد قال فيه شعراء مصر وذكروا طيبه ونزهته. ولأبي هريرة ابن أبي العصام، فيه: كم لي بدير القصير من قصف ... مع كل ذي صبوةٍ وذي ظرف لهوت فيه بشادنٍ غنج ... تقصر عنه بدائع الوصف وقال فيه أيضاً: أذكرتني يا دير من قد مضى ... من أهل ودّي ومصافاتي كم كان لي فيك وفيهم معاً ... من طيب أيام وليلات أشكو إلى الله مصابي بهم ... وفقدنا أهل المروءات ولمحمد بن عاصم، في هذا الدير: إن دير القصير هاج ادكاري ... لهو أيامي الحسان القصار وزماناً مضى حميداً سريعاً ... وشباباً مثل الرداء المعار عرفتني ربوعه بعد نكرٍ ... فعرفت الرّبوع بالانكار فلو أن الديار تشكو اشتياقاً ... لشكت جفوتي وبعد مزاري ولكادت نحوي تسير لما قد ... كنت فيها سيّرت من أشعاري فكأني إذ زرته بعد هجرٍ ... لم يكن من منازلي ودياري إذ صعودي على الجياد إليه ... وانحداري في المعنقات الجواري بصقورٍ إلى الدماء صوادٍ ... وكلابٍ على الوحوش ضواري

стр. 70

منزلاً لست محصياً ما لقلبي ... ولنفسي فيه من الأوطار منزلاً من علوّه كسماء ... والمصابيح حوله كالدراري وكأن الرهبان في الشعر الأسود ... سود الغربان في الأوكار غربه ذو البحار والأنهار ... في ثيابٍ من سندسٍ ذي اخضرار غردت بيننا الطيور فطارت ... بفؤاد المتيّم المستطار كم خلعت العذار فيه ولم أر ... ع مشيباً بمفرقي وعذاري كم شربنا على التصاوير فيه ... بصغارٍ محثوثةٍ وكبار صورةٌ من مصورٍ فيه ظلّت ... فتنةً للقلوب والأبصار أطربتنا بغير شدوٍ فأغنت ... عن سماع العيدان والمزمار يفتر الجسم حين ترميه حسناً ... بفنونٍ من طرفها السحّار وإشاراتها إلى من رآها ... بخضوع وذلةٍ وانكسار لا وحسن العينين والشفة اللمي ... اء منها وخدها الجلّناري لا تخلّفت عن مزاري لدير ... هي فيه ولو نأى بي مزاري فاقصرا عن ملامي اليوم إني ... غير ذي سلوةٍ ولا اقصار فسقى الله أرض حلوان فالنخ ... ل فدير القصير صوب القطار كم تنبّهت من لذاذة نومي ... بنعير الرهبان في الأسحار والنواقيس صائحاتٌ تنادي ... حيّ يا نائماً على الابتكار قبل أن يبلي الجديد الجديدا ... ن بليل معاقب لنهار إنما هذه الحياة عوارٍ ... وعلى المستعير ردّ المعار ولابن الزنبقي المصري، في دير القصير، من شعر طويل: يا حسرةً في القلب ما أقتلها ... كأنها في القلب أطراف الأسل كم كم وكم من ليلةٍ أحييتها ... يا صاحبي بالدير في خير محل دير القصير الفرد في صفاته ... يا من رأى الجنّة في رأس جبل أشربها راحاً شمولاً قرقفاً ... تدبّ في الجسم صباحي والأصل يديرها ذو غنج بظرفه ... يحيي من شاء، ومن شاء قتل كأنه غصنٌ من البان وقد ... زاد عليه بالقوام المعتدل ألثغ، حتف النفس في لثغته ... تاه بها على الورى تيه مدل إن قال نارٌ قال ناغٌ أو يقل ... نورٌ يقل نوغٌ بدلّ وغزل وضرب الناقوس فيه راهبٌ ... ضرباً على ريثٍ وضرباً بعجل فاحثث كؤوس الراح يا ساقينا ... واغتنم الدهر فللدهر دول من قبل أن يطرقنا بينٌ فلا ... ينفع عند البين ليتٌ ولعل دير مر حنا وهذا الدير، على شاطىء بركة الحبش، قريب من البحر، وإلى جانبه بساتين أنشأ بعضها الأمير تميم أخو أمير المؤمنين العزيز بالله ﵉. ومجلس على عمد حسن البناء مليح الصنعة مصور، أنشأه الأمير تميم أيضاً. وبقرب هذا الدير، بئر تعرف ببئر نجاتي، عليها جميزة، تجتمع الناس إليها ويشربون عندها. فهذا الموضع، من مواضع اللعب ومواطن اللهو والطرب، نزه في أيام النيل وزيادته وامتلاء البركة، حسن المنظر، نزه البقاع، وكذلك في أيام الزرع والنوار. ولا يكاد يخلو من المتطرحين والمتنزهين. وقد ذكرت الشعراء حسنه وطيبه. ولابن عاصم، فيه: يا طيب أيام سفحت مع الصبى ... طوع الهوى فيها بسفح المنظر فالبركة الغناء فالدير الذي ... قد هاج فرط صبابتي وتفكّري فاحثث كؤوسك يا غلام وأعفني ... فلقد سكرت وخمر طرفك مسكري وأرى الثريّا في السماء كأنها ... تاجٌ تفصّل جانباه بجوهر فاشرب على حسن الرياض وغنّني: ... أُنظر إلى الساقي الأغنّ الأحور فلعلّ أيام الحياة قليلةٌ ... ولعلّني قدّرت ما لم يقدر وقال أيضاً: عرّج بجمّيزة العرجا مطيّاتي ... بسفح حلوان والمم بالتويتات

стр. 71

والمم بقصر ابن بسطام فربّتما ... سعدت فيه بأيامي وليلاتي واقرأ على دير مر حنّا السلام فقد ... أبدى تذكّره مني صباباتي وبركة الحبش اللاتي ببهجتها ... أدركت ما شئت من لهوي ولذّاتي كأن أجبالها من حولها سحبٌ ... تقشّعت بعد قطرٍ عن سماوات كأن أذناب ما قد كان صيد لنا ... من أبرميس وراي بالشبيكات أسنّةٌ خضبت أطرافها بدم، ... أو دستج نزعوه من جراحات منازلاً كنت أغشاها وأطرقها، ... وكنّ قدماً مواخيري وحاناتي وقال أيضاً: أأيامي بشاطي البركتين ... سقاك الله نوء المرزمين لقد أذكرتني طربي ولهوي ... ووكّلت الفؤاد بلوعتين ترى أيامنا فيك المواضي ... يعود وصالها من بعد بين سقى الله البقاع ملثّ قطرٍ ... وأعطش منزلاً بالجلهتين وطلّ الطيلسان بصوب طلٍ ... إلى النخلات فالجمّيزتين ودار على المدار وهام مزنٍ ... تسير إلى جنان السروتين وخصّ الربوتين فكم غزالٍ ... ربيب بين تلك الربوتين منازل قد شهدنا اللهو فيها ... بأكرم معهدين ومألفين فكم من بيعة عقدت لقصفٍ ... وعزف في رياض البقعتين وكم من مدنفٍ قد حاز وصلاً ... ونال مناه وسط المنيتين وللعباس بن البصري، من قصيدة: يا حامل الكأس أدرها واسقني ... قد ذعر الشوق فؤادي فانذعر أما ترى البركة ما أحسنها ... إذا تداعى الطير فيها فصفر أما ترى نوّارها أما ترى ... حسن مسيل مائها إذا انحدر كأنما صفر الدنانير بها ... مبذولةٌ ليس بها من متّجر كأنما الجوهر في ألوانه ... نثّر في تلك النواحي فانتثر كأنما كفّ جوادٍ ولعت ... في ذلك الروض بتبديد البدر وأبيض النرجس في أجفانه ... دمع الندى لولا التشاجي لقطر ونظرة الورد إلى أترابه ... نظرة معشوقٍ بلحظ منكسر دعني فما أهلك إلا بالجوى ... ما عيشة العاشق إلا في كدر ولصالح بن موسى مولى تميم، يذكر البركة: وحسبك البركة مرأىً لا يمل تبذل وشياً لم يكن بمبتذل متصل الأطراف غير منفصل من شاطىء النيل إلى سفح الجبل أكرم بتلك منزلاً لمن نزل قد نشطت أطياره بعد الكسل وسجعت ورجعت على مهل بين الثقيل والخفيف والرمل كأنهن في مراءٍ وجدل ينحن لا للحزن لكن للجذل يذكرننا أيامنا الغرّ الأول وقال أيضا، يذكر الدير والبركة: إني لمثلك ناصحٌ ... فاجنح إلي ولا تغر بكّر إلى دير المعا ... فر، آن أوقات البكر أو ما ترى حسن الريا ... ض وما اكتسين من الزهر وجه الربيع، وحبّذا ... وجه الربيع إذا ظهر الوشي ينشر، والملا ... حف والمطارف، والحبر هذا البنفسج في الحدا ... د بغير حزنٍ قد ظهر وأتى البهار بصفرةٍ ... فلكلّ حسن قد بهر وكأن آذريونه ... كاسات خمرٍ تبتدر وكأنما المنثور عق ... دٌ في جوانبه انتشر والأقحوان فضاحكٌ ... عن عسجدٍ فيه درر وشقائق النّعمان كال ... أعلام ثمّ لمن نظر وتورّد الورد الذكيّ ... وفاح مسكاً في السحر وتجاوبت طير الغصو ... ن بكلّ لحنٍ مشتهر فمغرّدٌ حسن الغنا ... ء شدا وآخر قد زمر وتسرّقت أنفاسنا ... بنسيم أنفاس السحر دير نهيا

стр. 72

ونهيا بالجيزة. وديرها من أحسن الديارات وأنزهها وأطيبها، عامر برهبانه وسكانه. وله في النيل منظر عجيب، لأن الماء يحيط به من جميع جهاته. فإذا انصرف الماء وزرع، أظهرت أراضيه غرائب النوار وأصناف الزهر. فهو من المتنزهات الموصوفة والبقاع المشهورة. وله خليج يجتمع إليه سائر الطيور، فهو أيضاً متصيد حسن. وقد وصفته الشعراء وذكرت حسنه وطيب موضعه. ولعباس بن البصري، فيه: يا من إذا سكر النديم بكأسه ... غريت لواحظه بسكر الفيّق طلع الصباح فسقّني تلك التي ... ظلمت فشبّه لونها بالزنبق والق الصباح بنور وجهك إنه ... لا يلتقي الفرحان حتى يلتقي قلبي الذي لم يبق فيه هواكم ... إلا بقية نار شوقٍ قد بقي أواما ترى وجه الربيع وقد زهت ... أنواره بنهاره المتألق وتجاوبت أطياره وتبسّمت ... أشجاره عن ثغر زهرٍ مونق لم يغذها طلّ الرذاذ ببرده ... حتى تفتّح كل جفنٍ مطبق والبدر في وسط السماء كأنه ... وجهٌ مليحٌ في قناع أزرق يا للديارات الملاح وما بها ... من طيب يوم مرّ لي بتشوّق أيام كنت وكان لي شغلٌ بها ... وأسير شوق صبابتي لم يطلق يا دير نهيا، ما ذكرتك ساعةً ... إلا تذكرت الشباب بمفرقي والدهر غضٌّ والزمان مساعدٌ ... ومقامنا ومبيتنا بالجوسق يا دير نهيا إن ذكرت فإنني ... أسعى إليك مدى الخيول السبّق وإذا سئلت عن الطيور وصيدها ... وجنوسها فاصدق وإن لم تصدق فالغرّ، فالكروان، فالفارور إذ ... يشجيك في طيرانه المتحلّق أشهدت حرب الطير في غيطانه ... لما تجوّق منه كلّ مجوّق والزمّج الغضبان في رهط له ... ينحطّ بين مرعّدٍ ومبرق ورأيت للبازي سطوة موسر ... ولغيره ذلّ الفقير المملق كم قد صبوت بغرّتي في شرّتي ... وقطعت أوقاتي برمي البندق وخلعت في طلب المجون حبائلي ... حتى نسبت إلى فعال الأخرق ومهاجرٍ ومكابر ومنافرٍ ... قلق الفؤاد به وإن لم يقلق لو عاين التفاح حمرة خدّه ... لصبا إلى ديباج ذاك الرونق يا حامل السيف الغداة وطرفه ... أمضى من السيف الحسام المطلق إرفق بعبدك لا تطل أشجانه ... وإرفق به يا صاحب الثغر النقي وقال أيضاً: أتنشط للشّرب يا سيدي ... فيومك هذا دقيق الدّروز فعندي لك اليوم مشوّيتان ... سرقتهما من دجاج العجوز وخمسون بيضةً مثل النجوم ... خبتهنّ مني في جوف كوز فغافلتها وتناولتهنّ ... ولم تنتفع بالمكان الحريز أتنشط عندي على نبقتين ... على لوزتين على قطرميز ونقصد نهيا وديراً لها ... به مطرح الورد والمرنجوز ونشرب فيها برطلٍ وجام ... وكبرّةٍ وانخابٍ بكوز فأما الطيور لفرط السرور ... فبين الرياض وبين الغروز فهذا يصيح على الحادثات: ... تنحّي، وهذا بنا: لا تجوزي وخشف أتانا رخيم الدلال ... نشا في النعيم ولبس الخزوز يحب الندامى وأشعارهم ... ويخبى ودائعهم في الكنوز ويظفر مني بشيخ مليح ... ظريفٍ أديبٍ ضحوكٍ طنوز فزرني تجدني وفي المقال ... وإلا أفي، فاكسع اليوم طيزي!

стр. 73

وكان ابن البصري هذا من الخلعاء المجان. وله شعر يجري مجرى الهزل والطيب. وخدم أبا القاسم أونوجور بن الاخشيد، فأحسن إليه وكساه وصار يركب معه. وكان يلبس طيلساناً أزرق يتشبه بالقضاة. وكان أونوجور قد حمله على برذون أصفر غليظ بطىء السير، فكان إذا سار مع أقوام من إخوانه، قال لهم: صفوا لي موضعكم حتى ألحق بكم! وكان مليح المجالسة، كثير النادرة. وكان يبيع الصيدلة في مسجد عبد الله بمصر. دير طمويه وطمويه في الغرب بإزاء حلوان. والدير راكب البحر وحوله الكروم والبساتين والنخل والشجر. فهو نزه عامر آهل. وله في النيل منظر حسن. وحين تخضر الأرض، فإنه يكون بين بساطين من البحر والزرع. وهو أحد متنزهات مصر المذكورة ومواضع لهوها المشهورة. ولابن عاصم، فيه: أقصرا عن ملامي اليوم أني ... غير ذي سلوةٍ ولا إقصار فسقى الله دير طمويه غيثاً ... بغوادٍ موصولةٍ بسواري كم ليالٍ نبهت من نوم سكري ... بنعير الرهبان في الأسحار والنواقيس صائحات تنادي ... حيّ يا نائماً على الابتكار وقال فيه أيضاً: واشرب بطمويه من صهباء صافيةٍ ... تزري بخمر قرى هيتٍ وعانات على رياضٍ من النوّار زاهرةٍ ... تجري الجداول منها بين جنات كأن نبت الشقيق العصفري بها ... كاسات خمرٍ بدت في إثر كاسات كأن نرجسها في حسنه حدقٌ ... في خفيةٍ تتناجى بالاشارات كأنما النيل في مرّ النسيم بها ... مستلئمٌ في دروع سباريّات منازلاً كنت مفتوناً بها يفعاً ... وكنّ قدماً مواخيري وحاناتي إذ لا أزال ملحاً بالصبوح على ... ضرب النواقيس صبّاً بالديارات الديارات المعروفة بالعجائب، على ما ذكره أهلها ووصفوه عنها. فمنها: دير الخنافس وهو بين الموصل وبلد، كبير، كثير الرهبان، له يوم في السنة يجتمع الناس إليه من كل موضع، فتظهر فيه الخنافس ذلك اليوم حتى تغطي حيطانه وسقوفه وأرضه، ويسود جميعه منها. فإذا كان اليوم الثاني، وهو عيد الدير، اجتمعوا إلى الهيكل فقسوا وتقربوا وانصرفوا وقد غابت الخنافس حتى لا يرى منها شيء إلى ذلك الوقت. دير الكلب وهو بين الموصل وبلد. يعالج فيه من عضه كلب كلِب. فمن عضه كلب كلب بادر إليه فعالجوه منه برىء. ومن مضت له أربعون يوماً من العضة لم ينجع فيه العلاج. دير القيارة وهو لليعقوبية، على أربع فراسخ من الموصل، في الجانب الغربي، من أعمال الحديثة، مشرف على دجلة، تحته عين قير، وهي عين تفور بماء حار تصب في دجلة ويخرج منه القير. فما دام القير في مائه فهو لين يمتد، فإذا فارق الماء وبرد جف. وهناك قوم يجتمعون فيجمعون هذا القير يغرفونه من مائه بالقفاف، ويطرحونه على الأرض. وله قدور حديد كبار وينخل له الرمل، فيطرح عليه بمقدار يعرفونه ويوقد تحته حتى يذوب ويختلط بالرمل، وهم يحركونه تحريكاً دائماً. فإذا بلغ حد استحكامه قلب على الأرض قطعاً مجمدة ويصلب ويحمل إلى البلدان. فمنه تقير السفن والحمامات وغير ذلك مما يستعمل فيه القير. والناس يكثرون القصد لهذا الموضع للتنزه فيه والشرب، ويستحمون من ذلك الماء الذي يخرج معه القير، لأنه يقوم مقام الحمات في قلع البثور. وله قائم. وكل دير لليعقوبية والملكية فعنده قائم. فأما ديارات النسطور فلا قائم لها. دير برقوما وهذا الدير بميافارقين، على فرسخين منها في جبل عال، له عيد يجتمع الناس إليه وهو مقصود لذلك. وتنذر له النذور وتحمل إليه من كل موضع. ويقصده أهل البطالة والخلاعة للشرب فيه. وتحته برك يجتمع فيها ماء الأمطار. وبرقوما هذا، هو الشاهد الذي فيه يزعم النصارى أن له سبعمائة سنة، وأنه ممن شهد المسيح. وهو في خزانة خشب، لها أبواب تفتح أيام أعيادهم، فيظهر منه نصفه الأعلى، وهو قائم وأنفه وشفته العليا مقطوعان. وذلك أن امرأة احتالت حتى قطعت أنفه وشفته ومضت بهما، فبنت عليهما ديراً في البرية في طريق تكريت. دير باطا

стр. 74

وهذا الدير بالشرق. وهو دير حسن، عامر في أيام الربيع. ويسمى أيضاً دير الحمار. وشاهده يعرف بمريكس. وهو ناء عن دجلة وعن المدينة. وله باب حجر، ذكر النصارى أن هذا الباب يفتحه الواحد والاثنان حتى يتجاوز السبعة. فإن تجاوزوا السبعة لم يقدر أحد منهم على فتحه، ولا يفتحه حينئذ إلا سبعة. وذكروا أيضاً، أن فيه غرابين، تتناسل هناك، لا يخلو منها. فربما طرقه اللصوص فدخلوه. فإن حصل فيه أحد، صعد الغرابان على مرج الدير، فإذا أقبل إليه أحد ممن يطرقه أو يقصده تلقاه الغرابان يصيحان في وجهه كالمنذرين له، فيعلم أن في الدير قوماً، فيرجع. فإن لم يكن في الدير أحد لم يفعلا شيئاً من ذلك. دير مار شمعون بنواحي السن في هذا الدير كرسي الأسقف، وفيه أيضاً بئر. فمن لحقه بهق، قصده واغتسل من البئر، لم يبرح حتى يزول عنه. دير العجاج وهذا الدير بين تكريت وهيت، عامر كثير الرهبان وخارجه عين ماء تصب إلى بركة هناك. وفي البركة سمك أسود وهو طيب عذب الطعم. وحوله مزارع وخضر تسقى من تلك العين. دير الجودي والجودي هو الجبل الذي استقرت عليه السفينة. وبين هذا الجبل وجزيرة ابن عمر سبعة فراسخ. وهذا الدير مبني على قلة الجبل. يقال أنه بني منذ أيام نوح ﵇، ولم يتجدد بناؤه إلى هذا الوقت. وزعموا أن فيه أعجوبة. حدثني بها بعض نصارى الجزيرة، وهي أن سطحه يشبر فيكون عشرين شبراً. ثم يعاود قياسه فيكون ثمانية عشر شبراً. ثم يعاود فيكون اثنين وعشرين شبراً، في كل دفعة يشبر يختلف عدده. وأنه اعتبر ذلك وقاسه فوجده كما ذكر. كنيسة الطور وطور سينا، هو الجبل الذي تجلى فيه لموسى ﵇ وصعق فيه. والكنيسة في أعلى الجبل، مبنية بحجر أسود. وعرض حصنه سبعة أذرع، وله ثلاثة أبواب حديد. وفي غربيه باب لطيف قدامه حجر لهم، إذا أرادوا رفعه رفعوه، وإن قصدهم أحد أرسلوه فانطبق على الموضع فلم يعرف مكان الباب. وداخله عين ماء وخارجه عين أخرى. وزعم النصارى أن بها ناراً من نوع الجديدة التي كانت بالبيت المقدس، يوقدون منها في كل عشية، وهي بيضاء ضعيفة الحر لا تحرق ثم تقوى إذا أوقد منها السرج. وهو عامر بالرهبان، والناس يقصدونه لأنه من الديارات الموصوفة. ولابن عاصم، فيه: يا راهب الدير، ماذا الضوء والنور ... فقد أضاء به في ديرك الطّور هل حلّت الشمس فيه دون أبرجها ... أو غيّب البدر فيه فهو مستور فقال: ما حلّه شمسٌ ولا قمرٌ ... لكن تقرّب فيه اليوم قورير بيعة أبى هور وهذه البيعة بسرياقوس من أعمال مصر، عامرة، كثيرة الرهبان، لها أعياد يقصدها الناس. وفيها، على ما ذكره أهلها، أعجوبة وهي إن من كانت به خنازير، يقصد هذا الموضع ليعالج به. فيأخذه رئيس الموضع فيضجعه ويأتيه بخنزير فيرسله على موضع الوجع، فيأكل الخنزير الذي فيه، لا يتعدى ذلك الموضع. فإذا تنظف الموضع، ذر عليه من رماد خنزير فعل مثل هذا الفعل من قبل ومن زيت قنديل البيعة فيبرأ، ثم يؤخذ ذلك الخنزير فيذبح ويحرق ويعد رماده لمثل هذه الحال. دير يحنس هذا الدير بدمنهور، من أعمال مصر. إذا كان يوم عيده، أخرج شاهده من الدير في تابوت، فيسير التابوت على وجه الأرض لا يقدر أحد أن يمسكه ولا يحبسه حتى يرد البحر فيغطس فيه ثم يرجع إلى مكانه. بيعة اتريب وعيدها اليوم الحادي والعشرين من بونة. يذكرون أن حمامة بيضاء تجيئهم في ذلك العيد. فتدخل المذبح، لا يدرون من أين جاءت، ثم لا يرونها إلى يوم مثله. وبنواحي اخميم دير كبير عامر، يقصدونه من كل موضع. وهو بقرب الجبل المعروف بجبل الكهف. وفي موضع من الجبل شق، إذا كان يوم عيد هذا الدير، ولم يبق من الطير المعروف ببوقير شيء في ذلك المكان، وهم به كثير حتى يجيء إلى الموضع فيكون أمراً عظيماً لكثرته واجتماعهم وصياحهم عند ذلك الشق، ثم لا يزالون واحداً بعد واحد يدخل رأسه في ذلك الشق ويصيح ويخرج ويجيء غيره فيفعل كفعله إلى أن يعلق رأس أحدهم وينشب في الموضع، فيضطرب حتى يموت. فحينئذ يتفرق الباقون ويرجعون إلى مواضعهم، فلا يبقى منها طائر. والله أعلم. خاتمة المخطوط

стр. 75

تم كتاب الديارات بحمد الله وعونه وقوته وحسن توفيقه. ووافق الفراغ منه، في ليلة صباحها يوم الخميس، السادس عشر من شهر ربيع الآخر سنة إحدى وثلاثين وستمائة. كتبه العبد الفقير إلى رحمة الله: عبد الحليم بن محمد بن عبد الوهاب بن أحمد بن عربي الدمشقي المعروف جده بالنحوي. وهو يسأل الله أن يغفر ذنوبه ويستر عيوبه. والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيد المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين، وسلم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين.