Полный текст (6 131 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
النَّبِي ﷺ ، فأصابتني جنابةٌ فِي لَيْلَة بَارِدَة، وَأَرَادَ رَسُول الله ﷺ الرحلة، فكرهتُ أَن أُرَحِّل نَاقَته وَأَنا جنب، وخشيت أَن أَغْتَسِل بِالْمَاءِ الْبَارِد فأموت، أَو أمرض، فأمرتُ رجلا من الْأَنْصَار، يُرَحِّلها، ووضعتُ أحجارًا، فأسخنت بهَا [مَاء] ، فاغتسلت، ثمَّ لحقت رَسُول الله ﷺ [وَأَصْحَابه، فَقَالَ: يَا أسلع، مَا لي أرَى رحلتك تَغَيَّرت؟] فَقلت: يَا رَسُول الله لم أُرَحِّلْها، رحَّلها رجل من الْأَنْصَار. قَالَ: «ولِمَ» ؟ [فَقلت: إِنِّي] أصابتني جَنَابَة، فخشيتُ القُرَّ عَلَى نَفسِي، فَأَمَرته أَن يرحِّلها، ووضعتُ أحجارًا، فأسخنتُ مَاء فاغتسلت بِهِ، فَأنْزل الله - تَعَالَى -: يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى ... إِلَى قَوْله: (إِن الله كَانَ عفوا غَفُورًا) .
وَرَوَاهُ الْحَافِظ: الْحسن بن سُفْيَان، عَن مُحَمَّد بن مَرْزُوق، عَن الْهَيْثَم بن رُزَيْق، بِسَنَدِهِ، وَفِيه: «مَالِي أرَى (رحلتك) تضطرب» ؟
وَمن جِهَة الْحسن بن سُفْيَان، أخرجه الْحَافِظ أَبُو بكر (الْبَيْهَقِيّ) ، إلاَّ أَنه مُخْتَصر اللَّفْظ.
وَأخرجه أَبُو نعيم فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» من طُرُق، أَحدهَا تقدَّم، وَالْبَاقِي فِي التَّيَمُّم.
стр. 177
والهيثم هَذَا ذكره وأباه: ابنُ أبي حَاتِم، وَلم يذكر فيهمَا جرحا وَلَا تعديلاً، وَلم يذكر (رَاوِيا) عَن الْهَيْثَم إلاَّ وَاحِدًا.
قلت: وَذكره الْعقيلِيّ، وَقَالَ: لَا يُتابع عَلَى حَدِيثه.
والْعَلَاء بن الْفضل (الْمنْقري) : فِيهِ ضعف يسير، قَالَ ابْن حبَان: كَانَ مِمَّن ينْفَرد بأَشْيَاء مَنَاكِير عَن (أَقوام) مشاهير، لَا يُعجبنِي الِاحْتِجَاج بأخباره الَّتِي انْفَرد بهَا، فأمَّا مَا وَافق [فِيهَا] الثِّقَات: فإنْ (اعْتبر بهَا) مُعْتَبر، لم أَرَ بذلك بَأْسا.
وَيُقَال: رَحَلَ النَّاقة، يرحَلها - بِفَتْح الْحَاء - فِي الْمَاضِي والمستقبل، والرِّحلة - بِكَسْر الرَّاء هَهُنَا -: الْهَيْئَة، والرِّحلة - بِالْكَسْرِ أَيْضا -: الارتحال.
فَأَما الرُّحلة - بِالضَّمِّ -: فَمَا (يُرْتَحَلُ) إِلَيْهِ، يُقَال: أَنْتُم رُحْلَتِي. أَفَادَهُ الشَّيْخ فِي «الإِمام» .
وَلَا أعلم عَن أحدٍ من الصَّحَابَة فِي زَمَنه «وَقع لَهُ ذَلِك) إلاَّ الأسلع هَذَا، (ولعلنا نتكلم علَىَ شَيْء من حَاله فِي بَاب التَّيَمُّم - إِن شَاءَ
стр. 178
الله وقَدَّره) .
وَهُوَ وافٍ بِمَا أوردهُ الإِمام الرَّافِعِيّ؛ لِأَن عِبَارَته ظَاهِرَة فِي أَن جَمِيع الصَّحَابَة فعلوا ذَلِك بَين يَدي النَّبِي ﷺ ، وَالْعقل قَاض باستحالة ذَلِك، لتفرقهم فِي الْبلدَانِ.
وَلَعَلَّه كَانَ فِي الأَصْل الَّذِي نَقله الرَّافِعِيّ: أَن بعض الصَّحَابَة تطهَّر بِالْمَاءِ المسخن. . إِلَى آخِره، فَسقط لفظ «بعض» ، إِمَّا من الأَصْل الْمَنْقُول مِنْهُ أَو من أصل الرَّافِعِيّ.
نعم، قد رُوِيَ (التطهر) بِالْمَاءِ المسخن من فعل جمع من الصَّحَابَة:
أحدهم: عمر ﵁.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ عَن زيد بن أسلم، (عَن أسلم) مولَى عمر بن الْخطاب: أَن عمر ﵁ كَانَ يُسَخَّن لَهُ (مَاء) فِي قُمْقُمَةٍ، فيغتسل بِهِ. قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِسْنَاده صَحِيح.
قلت: فِيهِ وَقْفَة، فَفِي إِسْنَاده عَلّي بن غراب، وَهِشَام بن سعد، وَقد ضُعِّفَا، فَلَعَلَّ الدَّارَقُطْنِيّ (اخْتَار تعديلهما.
أما) عَلّي بن غراب: فَقَالَ أَحْمد: كَانَ يدلِّس، وَلَا أرَاهُ إلاَّ صَدوقًا. وَقَالَ السَّعْدِيّ: سَاقِط. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: تركُوا حَدِيثه. وَقَالَ الْجوزجَاني: سَاقِط. وَقَالَ ابْن حبَان: حَدَّث بالأشياء الْمَوْضُوعَة، فَبَطل الِاحْتِجَاج بِهِ، وَكَانَ غاليًا فِي التَّشَيُّع، وإنْ أخرج لَهُ مُسلم. وَقَالَ أَحْمد: كَانَ يدلِّس، وَمَا أرَاهُ إلاَّ
стр. 179
صَدوقًا.
قلت: قد عنعن فِي (هَذَا) الْأَثر.
وَأما هِشَام بن سعد: فَقَالَ أَحْمد: لَيْسَ (هُوَ بمحكم) الحَدِيث.
وَقَالَ يَحْيَى مرّة: لَيْسَ بِشَيْء. وَمرَّة: لَيْسَ بِذَاكَ الْقوي. وَمرَّة: ضَعِيف. وَقَالَ (النَّسَائِيّ) : ضَعِيف.
وَله إِسْنَاد آخر صَحِيح عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ، رَوَاهُ أَبُو بكر بن أبي شيبَة فِي «مُصَنفه» عَن عبد الْعَزِيز (الدَّرَاورْدِي) ، عَن زيد بن أسلم، عَن أَبِيه: أنَّ عمر كَانَت لَهُ قمقمة يسخن فِيهَا المَاء.
وَرَوَاهُ - أَيْضا -[عبد الرَّزَّاق] عَن معمر، عَن زيد بن أسلم، عَن
стр. 180
أَبِيه: أَن عمر كَانَ يغْتَسل بِالْمَاءِ الْحَمِيم. وَهَذَا إِسْنَاد كَالَّذي قبله.
(ثمَّ رَوَاهُ عَن: وَكِيع، عَن هِشَام بن سعد عَن زيد بِهِ) .
وَأخرجه أَبُو عبيد فِي كتاب «الطّهُور» بالإِسناد الأول، فَقَالَ: نَا ابْن أبي مَرْيَم، و [نعيم] بن حَمَّاد، عَن عبد الْعَزِيز بن مُحَمَّد، عَن زيد بن أسلم، عَن أَبِيه: أَن عمر بن الْخطاب كَانَ يغْتَسل، وَيتَوَضَّأ بالحميم.
الثَّانِي: عَن ابْنه عبد الله ﵁.
رَوَاهُ عَنهُ: ابْن أبي شيبَة فِي «مُصَنفه» ، عَن إِسْمَاعِيل بن عُلَيَّة، عَن أَيُّوب، قَالَ: سَأَلت نَافِعًا عَن المَاء المسخَّن، فَقَالَ: كَانَ ابْن عمر يتَوَضَّأ بالحميم.
(وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق فِي «مُصَنفه» ، عَن معمر، عَن أَيُّوب، عَن نَافِع: أَن ابْن عمر كَانَ يتَوَضَّأ بِالْمَاءِ الْحَمِيم) .
وَهَذَا الإِسناد، وَالَّذِي قبله: رجالهما رجال الصَّحِيحَيْنِ. وَأخرجه أَبُو عبيد فِي كِتَابه «الطّهُور» بالإِسناد الأول سَوَاء.
الثَّالِث: عبد الله بن عَبَّاس.
رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي «مُصَنفه» ، عَن مُحَمَّد بن بشر، نَا مُحَمَّد بن (عَمْرو) ، نَا أَبُو سَلمَة، قَالَ: قَالَ ابْن عَبَّاس: إنَّا نَدَّهِن بالدهن
стр. 181
وَقد طُبخ عَلَى النَّار، ونتوضأ بالحميم وَقد أُغلي عَلَى النَّار. وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح.
وَفِي «مُصَنف عبد الرَّزَّاق» بِإِسْنَاد صَحِيح (عَنهُ) : «لَا (بَأْس) أَن يُغتسل بالحميم، وَيتَوَضَّأ مِنْهُ» .
الرَّابِع: سَلمَة بن الْأَكْوَع.
رَوَاهُ ابْن أبي شيبَة فِي «مُصَنفه» ، عَن حَمَّاد بن مسْعدَة، عَن يزِيد: أَن سَلمَة كَانَ يُسَخَّنُ لَهُ المَاء، فيتوضأُ بِهِ.
وَهَذَا إِسْنَاد عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ.
وَرَوَاهُ أَبُو عبيد فِي كِتَابه «الطّهُور» بِإِسْنَادِهِ، وَزَاد فِي آخِره: فِي الْبرد.
وَذكر الإِمام الرَّافِعِيّ فِيهِ (من الْآثَار: أثر عمر بن الْخطاب ﵁: أَنه كره) المَاء المشمس، وَقَالَ: إنَّه يُورث البَرَص.
وَهَذَا الْأَثر رُوِيَ من طَرِيقين:
أَحدهمَا: من رِوَايَة جَابر عَنهُ، كَذَلِك رَوَاهُ (الإِمام) الشَّافِعِي فِي
стр. 182
«الْأُم» ، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، عَن صَدَقَة بن عبد الله، عَن أبي الزبير، عَن جَابر، عَنهُ بِهِ.
وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «السّنَن» ، و «الْمعرفَة» ، عَن الشَّافِعِي بالسند الْمَذْكُور.
وَهَذِه الطَّرِيقَة معلولة من وَجْهَيْن:
الأول: الطعْن فِي إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، وَهُوَ: [ابْن أبي] يَحْيَى، سمْعَان الْأَسْلَمِيّ، (الْمدنِي) ، (لم يُخرج لَهُ غير [ابْن مَاجَه] حَدِيث وَاحِد وَهُوَ: «من مَاتَ مَرِيضا مَاتَ شَهِيدا» ) .
قَالَ عبد الْغَنِيّ بن سعيد، حَافظ مصر، فِي كِتَابه «إِيضَاح الإِشكال» - وَهُوَ مُفِيد -: هُوَ عبد [الْوَهَّاب] الْمقري، الَّذِي (يروي عَنهُ) مَرْوَان بن مُعَاوِيَة، وَهُوَ أَبُو الذِّئْب الَّذِي يحدث (عَنهُ) ابْن جريج.
وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» : كَانُوا يبهرجونه؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِثِقَة، وَكَانَ الْوَاقِدِيّ يَقُول: أَبُو إِسْحَاق بن مُحَمَّد، وَرُبمَا قَالَ: إِسْحَاق
стр. 183
بن إِدْرِيس. و (كَانَ) ابْن جريج يَقُول نَا إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد بن أبي عَطاء. وَكَانَ يَحْيَى بن آدم يَقُول: نَا إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى [الْمدنِي] . أه.
وَقد أَكثر أهل الحَدِيث القَوْل فِيهِ من جِهَة الْقدر وَغَيره، حَكَى ابْن أبي حَاتِم جرحه وتوهينه عَن: مَالك، ووكيع، وَابْن الْمُبَارك، وَابْن عُيَيْنَة، وَالْقطَّان، وَابْن الْمَدِينِيّ، وَأحمد، وَيَحْيَى بن معِين، وَأبي حَاتِم، وَأبي زرْعَة، وَغَيرهم.
قَالَ يَحْيَى بن سعيد: سَأَلت مَالِكًا عَنهُ: أَكَانَ ثِقَة فِي الحَدِيث؟ قَالَ: لَا، وَلَا فِي دينه. وَسَيَأْتِي أَنه حط عَلَى مَالك أَيْضا.
وَقَالَ (الْقطَّان) : كَذَّاب. وَقَالَ أَحْمد: تركُوا أَحَادِيثه، (قدري) معتزلي، يروي أَحَادِيث مُنكرَة، لَيْسَ لَهَا أصل، وَيَأْخُذ أَحَادِيث النَّاس يَضَعهَا فِي كتبه.
(وَقَالَ وَكِيع: لَا تكْتبُوا عَنهُ حرفا) . وَقَالَ أَحْمد (مرّة) : (قدريّ) ، جهمي، كل بلَاء فِيهِ، ترك النَّاس حَدِيثه. وَقَالَ البُخَارِيّ: تَركه ابْن الْمُبَارك وَالنَّاس. وَقَالَ مرّة: كَانَ يرَى الْقدر، وَكَانَ جهميًّا. وَقَالَ ابْن معِين: كَذَّاب، رَافِضِي، مَتْرُوك. وَقَالَ مُحَمَّد بن عُثْمَان بن أبي
стр. 184
شيبَة: سَمِعت [عليا] يَقُول: هُوَ كَذَّاب، وَكَانَ يَقُول بِالْقدرِ، (وَأَخُوهُ أنيس) ثِقَة. وَقَالَ النَّسَائِيّ: الكذابون المعروفون بِوَضْع الحَدِيث عَلَى رَسُول الله ﷺ أَرْبَعَة: إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى بِالْمَدِينَةِ، والواقدي بِبَغْدَاد، وَمُقَاتِل بن سُلَيْمَان بخراسان، وَمُحَمّد بن سعيد بِالشَّام، (يعرف بالمصلوب) . وَقَالَ (النَّسَائِيّ) مرّة: مَتْرُوك. وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، وَغَيره.
وَقَالَ إِبْرَاهِيم بن سعد - عَلَى مَا أسْندهُ الْعقيلِيّ فِي «ضُعَفَائِهِ» -: كنَّا نُسَمِّيه - وَنحن نطلب الحَدِيث -: خرافة. وَقَالَ الدَّارمِيّ: سَمِعت يزِيد بن هَارُون يكذبهُ. وَقَالَ بشر بن (الْمفضل) : سَأَلت فُقَهَاء الْمَدِينَة عَنهُ، فكلهم قَالُوا: هُوَ كذَّاب. وَقَالَ أَبُو همَّام (السكونِي) : سَمِعت إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى يشْتم بعض السّلف. وحطَّ عَلَى مَالك الإِمام، فَحَدَّث شخصا غَرِيبا بِثَلَاثِينَ حَدِيثا، وَقَالَ: قد حدَّثتك ثَلَاثِينَ حَدِيثا، وَلَو ذهبت إِلَى ذَلِك الْحمار، فحدَّثك (بِثَلَاثَة) أَحَادِيث لفرحت بهَا؛ يَعْنِي: مَالِكًا. وَقَالَ الْعجلِيّ: كَانَ قدريًا، معتزليًا، رَافِضِيًّا، كَانَت فِيهِ كل
стр. 185
بِدعَة، وَكَانَ من أحفظ النَّاس، وَكَانَ قد سمع علما كثيرا، وقرابته كلهم ثِقَات، وَهُوَ غير ثِقَة. وَفِي «كتاب (الْآجُرِيّ) » عَن أبي دَاوُد: كَانَ قدريًا رَافِضِيًّا، شتَّامًا، مَأْبُونًا.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» فِي بَاب نزُول الرُّخْصَة فِي التَّيَمُّم: إِبْرَاهِيم هَذَا مُخْتَلف فِي ثقته، ضعَّفه أَكثر أهل الْعلم بِالْحَدِيثِ، وطعنوا فِيهِ، قَالَ: وَكَانَ الشَّافِعِي (يُبْعده) عَن الْكَذِب، قَالَ: وَقَالَ الرّبيع: سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول: كَانَ إِبْرَاهِيم بن (أبي) يَحْيَى قَدَرِيًّا. قَالَ يَحْيَى بن زَكَرِيَّا: قلت للربيع: فَمَا حمل الشَّافِعِي عَلَى أَن رَوَى عَنهُ؟ قَالَ: كَانَ يَقُول: (لِأَن) (يخر إِبْرَاهِيم) من بُعْد، أحبّ إِلَيْهِ من أَن يكذب، وَكَانَ ثِقَة فِي الحَدِيث.
وَفِي «سنَن الدَّارَقُطْنِيّ» فِي الْحَج: أنَّ الشَّافِعِي قَالَ فِيهِ: أنَّه أَحْفَظ من عبد الْعَزِيز الدَّرَاورْدِي. الْمُتَّفق عَلَى إِخْرَاج حَدِيثه فِي الصَّحِيح.
قَالَ أَبُو أَحْمد بن عدي الْحَافِظ: سَأَلت أَحْمد (بن مُحَمَّد) بن سعيد - يَعْنِي ابْن عقدَة - فَقلت: تعلمُ أحدا أحسن القَوْل فِي إِبْرَاهِيم بن (أبي) يَحْيَى، شيخ الشَّافِعِي، غَيره؟ فَقَالَ: نعم، ثَنَا أَحْمد
стр. 186
بن يَحْيَى (الأودي) ، قَالَ: سَأَلت (حمدَان) بن الْأَصْبَهَانِيّ - يَعْنِي مُحَمَّدًا - قلت: [أتدينُ بِحَدِيث إِبْرَاهِيم] بن أبي يَحْيَى؟ قَالَ: نعم. وَقَالَ ابْن عدي: قَالَ لي أَحْمد بن مُحَمَّد بن سعيد: نظرت فِي حَدِيث إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى، فَلَيْسَ هُوَ بمنكر الحَدِيث.
قَالَ ابْن عدي: وَقد نظرت (أَنا) فِي (حَدِيثه) - أَيْضا - الْكثير، فَلم أجدْ فِيهِ مُنْكرا، وإنَّما الْمُنكر إِذا [كَانَت الْعهْدَة] من قبل الرَّاوِي عَنهُ، (أَو من قبل) من يروي إِبْرَاهِيم عَنهُ، وَله أَحَادِيث كَثِيرَة، وَله كتاب أَضْعَاف موطأ مَالك.
(قَالَ) : وَقد رَوَى عَنهُ: ابْن جريج، و [الثَّوْريّ] ، وعَبَّاد بن مَنْصُور، و (منْدَل) ، وَيَحْيَى بن أَيُّوب؛ وَهَؤُلَاء أقدم موتا مِنْهُ، وأكبر سنا، وَهُوَ فِي (جملَة) من يكْتب حَدِيثه، وَقد وثَّقَه الشَّافِعِي، وَابْن الْأَصْبَهَانِيّ.
стр. 187
وَقَالَ الرّبيع: كَانَ الشَّافِعِي إِذا قَالَ: (ثَنَا) من لَا أتهم. (بِهِ) يُرِيد إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى.
وَقَالَ (السَّاجِي) : الشَّافِعِي لم يخرجْ عَن إِبْرَاهِيم حَدِيثا فِي فرض، إنَّما جعله شَاهدا فِي فَضَائِل الْأَعْمَال، وَظن بِهِ الشَّافِعِي مَا ظن بِهِ ابْن جريج.
قلت: وَفِيه نظر.
وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ يرَى الْقدر، وَيذْهب إِلَى كَلَام جهم، ويكذب مَعَ ذَلِك فِي الحَدِيث، قَالَ: وَأما الشَّافِعِي: فإنَّه كَانَ يُجَالس إِبْرَاهِيم فِي حداثته، ويحفظ عَنهُ حفظ الصَّبِي، وَالْحِفْظ فِي الصغر كالنقش فِي الْحجر، فَلَمَّا دخل مصر فِي آخر عمره، وَأخذ يُصَنِّف الْكتب المبسوطة احْتَاجَ إِلَى الْأَخْبَار، وَلم يكن مَعَه كتبه، فَأكْثر مَا أودع الْكتب من حفظه، وَرُبمَا كَنَّى عَنهُ، وَلَا يُسَمِّيه فِي كتبه.
وَقَالَ ابْن الْقطَّان (فِي «علله» : قد) كَانَ من النَّاس من أحسن الرَّأْي فِيهِ، مِنْهُم: الشَّافِعِي، وَابْن جريج.
قلت: فَتَلَخَّص أَن خَمْسَة وَثَّقُوه، وهم: الشَّافِعِي، (وَابْن جريج) ، وحمدان بن مُحَمَّد الْأَصْبَهَانِيّ، وَأحمد بن مُحَمَّد بن سعيد بن عقدَة الْحَافِظ، وَابْن عدي، وَأَن الجمَّ الْغَفِير ضَعَّفُوهُ، وَلَا
стр. 188
خَفَاء أَن الْجرْح مقدم، (لَا جرم) قَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمُغنِي فِي الضُّعَفَاء» : هُوَ مَتْرُوك عِنْد الْجُمْهُور.
وَقَول ابْن الصّلاح فِي «مشكله» فِي صفة الصَّلَاة: وَابْن أبي يَحْيَى، وإنْ كَانَ ثِقَة عِنْد الشَّافِعِي، فَهُوَ مَجْرُوح عِنْد سَائِر أهل الحَدِيث. غَرِيب مِنْهُ مَعَ جلالته، وَكَأَنَّهُ تبع أَبَا الْعَرَب، فإنَّه قَالَ فِي «ضُعَفَائِهِ» : حَدَّثَنَي عِيسَى بن حَكِيم، عَن مُحَمَّد بن (سَحْنُون) ، أَنه قَالَ: (إِنَّه) لَا يحْتَج (بحَديثه) عِنْد (الْأمة) جَمِيعهَا، لَا أعلم (بَين) الْأَئِمَّة اخْتِلَافا فِي إبِْطَال الْحجَّة بحَديثه.
وَقَالَ الخليلي فِي كتاب «الإِرشاد» : لَا يروي عَنهُ من (يُزَكِّيه) إلاَّ الشَّافِعِي، فَإِنَّهُ يَقُول: (ثَنَا) الثِّقَة (فِي حَدِيثه) ، الْمُتَّهم فِي دينه، وَقد رَوَى عَنهُ ابْن جريج مَعَ جلالته.
الثَّانِي: الطعْن فِي صَدَقَة بن عبد الله، شيخ إِبْرَاهِيم، وَهُوَ أخف حَالا من تِلْمِيذه، وَهُوَ: (أَبُو) مُعَاوِيَة، السمين، الْقرشِي، الدِّمَشْقِي،
стр. 189
وثَّقَه (دُحَيْم) ، وَقَالَ أَحْمد: (ضَعِيف) جدا، لَيْسَ بِشَيْء، أَحَادِيثه مَنَاكِير، لَيْسَ يُسَاوِي حَدِيثه شَيْئا.
وَقَالَ يَحْيَى، و (النَّسَائِيّ) ، وَالدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف، وَقَالَ (البُخَارِيّ) : ضَعِيف جدا. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي الموضوعات عَن الثِّقَات.
فَتَلَخَّص: أنَّ هَذَا الْأَثر ضَعِيف، للعلتين المذكورتين. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي «كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب» : هَذَا الْأَثر حسنٌ. وَفِي ذَلِك مَا لَا يخْفَى.
الطَّرِيق الثَّانِي: من رِوَايَة حسَّان بن أَزْهَر، عَنهُ، (أَنه) قَالَ: لَا تغتسلوا بِالْمَاءِ المشمس، فإنَّه يُورث البرص.
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، عَن أبي سهل بن زِيَاد، ثَنَا إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ، ثَنَا دَاوُد بن رشيد، ثَنَا إِسْمَاعِيل بن عَيَّاش، قَالَ: حَدَّثَنَي صَفْوَان بن (عَمْرو) ، عَن حسَّان بِهِ.
وَهَذَا إسنادٌ جيدٌ، وَإِسْمَاعِيل بن عَيَّاش: فِيهِ مقَال، تَقَدَّم فِي الْكَلَام عَلَى حَدِيث «هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ» . وَقد قَالَ البُخَارِيّ فِي حَقه: إِذا رَوَى عَن أهل حمص يكون حَدِيثه صَحِيحا.
وَصَفوَان بن (عَمْرو) هَذَا: حمصي، لَا جرم، قَالَ الْحَافِظ
стр. 190
محب الدَّين الطَّبَرِيّ (فِي «شَرحه» ) : إنَّ إِسْنَاده صَحِيح.
قلت: وَلم ينْفَرد إِسْمَاعِيل بِهِ، بل تُوبع عَلَيْهِ، قَالَ ابْن حبَان فِي «ثقاته» ، فِي تَرْجَمَة حسان بن أَزْهَر هَذَا: (ثَنَا) مُحَمَّد بن إِبْرَاهِيم بن خَالِد، (ثَنَا) عبد الْأَعْلَى بن سَالم الكتاني، ثَنَا [أَبُو الْمُغيرَة عبد القدوس] بن الْحجَّاج، ثَنَا صَفْوَان بن عَمْرو، ثَنَا حسان بن أَزْهَر، عَن عمر بن الْخطاب، قَالَ: لَا تغتسلوا بِالْمَاءِ المشمس، فإنَّه ينْزع إِلَى البَرَص.
خَاتِمَة
ذكر الرَّافِعِيّ هُنَا، فِي الْكَلَام عَلَى مَا إِذا تَغَيَّر المَاء بِالتُّرَابِ: أنَّ الشَّرْع أَمر بالتعفير (من) ولوغ الْكَلْب. وَهُوَ كَمَا قَالَ، و (ستعلمه) فِي أثْنَاء الْبَاب (الْآتِي) - إِن شَاءَ الله.
стр. 191
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
بَاب بَيَان النَّجَاسَات (وَالْمَاء النَّجس)
ذكر فِيهِ ﵀ أَرْبَعَة وَعشْرين حَدِيثا
الأول
الْخَبَر الْمَشْهُور: أَنه ﵊ دُعِي إِلَى دارٍ فَأجَاب، ودعي إِلَى دَار أُخرى فَلم يجب، فَقيل لَهُ فِي ذَلِك، فَقَالَ: «إنَّ فِي دَار فلَان كَلْبا» . فَقيل: وَفِي دَار فلَان هرَّة، فَقَالَ: «الهرَّة لَيست بِنَجِسة» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة: أَحْمد فِي «مُسْنده» ، وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» ، وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمَا» ، من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁: أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يَأْتِي دَار قوم من الْأَنْصَار، ودونهم دَار لَا يَأْتِيهَا، فشقَّ ذَلِك عَلَيْهِم، فَقَالُوا: يَا رَسُول الله! تَأتي دَار فلَان، وَلَا تَأتي دَارنَا؟ ! فَقَالَ النَّبِي ﷺ : «إنَّ فِي (داركم)
стр. 192
كَلْبا» قَالُوا: فإنَّ فِي دَارهم سنورًا. فَقَالَ النَّبِي ﷺ : «السنور سبع» .
هَذَا لَفظهمْ، وَإِسْنَاده صَحِيح، كل رِجَاله ثِقَات، إلاَّ عِيسَى بن الْمسيب، فَفِيهِ مقَال.
وَكَذَا قَالَ الشَّيْخ فِي «الإِمام» ، وَالْمُنْذِرِي فِي «كَلَامه عَلَى أَحَادِيث الْمُهَذّب» : إِن إِسْنَاده صَحِيح إِلَيْهِ. وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح، وَلم يخرجَاهُ. قَالَ: وَعِيسَى بن الْمسيب تفرد بِهِ عَن أبي زرْعَة، قَالَ: وَهُوَ صَدُوق وَلم يجرح قطّ. كَذَا قَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله وَهَذَا من أعجب الْعجب، فقد تكلم جماعات. قَالَ يَحْيَى بن معِين، و (النَّسَائِيّ) : ضَعِيف. وَقَالَ يَحْيَى مرّة: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ أَبُو دَاوُد: ضَعِيف. وَقَالَ الرازيان: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن حبَان: يقلب الْأَخْبَار وَلَا يعلم، ويخطئ وَلَا يفهم، حتَّى خرج عَن حد الِاحْتِجَاج بِهِ.
وَقَالَ الْعقيلِيّ: لَا يُتَابِعه عَلَى هَذَا الحَدِيث إِلَّا مَن هُوَ مثله، أَو دونه. وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَن هَذَا الحَدِيث، فَقَالَ: لم يرفعهُ أَبُو نعيم، وَهُوَ أصح، وَعِيسَى لَيْسَ بِالْقَوِيّ.
وَعَن الدَّارَقُطْنِيّ اخْتِلَاف فِيهِ، فَنقل ابْن الْجَوْزِيّ فِي «الضُّعَفَاء» عَنهُ أَنه قَالَ: هُوَ ضَعِيف. وَنقل الْبَيْهَقِيّ، وَالْمُنْذِرِي، وَصَاحب «الإِمام»
стр. 193
عَنهُ أَنه قَالَ: صَالح الحَدِيث، وَهُوَ مَا رَأَيْته فِي «سنَنه» عقب هَذَا الحَدِيث. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَالْمُنْذِرِي: قَالَ ابْن عدي: عِيسَى بن الْمسيب صَالح فِيمَا يرويهِ.
وضَعَّفه ابْن الْجَوْزِيّ فِي كِتَابه «الْعِلَل المتناهية فِي الْأَحَادِيث الْوَاهِيَة» بِسَبَبِهِ، وَقَالَ: إنَّه حَدِيث لَا يَصح.
وَقَالَ ابْن الْعَرَبِيّ فِي «شرح التِّرْمِذِيّ» : أشكل مَعْنَى هَذَا الحَدِيث - إنْ صحّ - وَقَالَ بَعضهم: سقط مِنْهُ، وَتَمَامه: «الْهِرَّة لَيست بِسبع» . قَالَ ابْن الْعَرَبِيّ: وَلَيْسَ (كَذَلِك) ، بل هِيَ سبع، والْحَدِيث تَامّ، وَالْمعْنَى فِيهِ: أَن الْهِرَّة سبع ذَات نَاب، ينْتَفع بهَا، وَالْكَلب لَا مَنْفَعَة فِيهِ.
وَمن الْعَجَائِب: أَن الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ ﵀ بَيَّضَ لهَذَا الحَدِيث بَيَاضًا فِي «شرح الْمُهَذّب» وَلم يعزه لأحد، وَهُوَ مَوْجُود فِي الْكتب الْمَذْكُورَة، وَتَابعه الشَّيْخ نجم الدَّين ابْن الرّفْعَة فِي «الْمطلب» ، وَزَاد - لأجل أَنه لم يعزه -: إِنَّه غير مَشْهُور.
وَاعْلَم: أَن الإِمام الرَّافِعِيّ لم يُورد هَذَا الحَدِيث كَمَا سردته لَك، وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَيْهِ، فَإِنَّهُ قَالَ: الْحَيَوَانَات طَاهِرَة، وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا ثَلَاثَة، أَحدهَا: الْكَلْب، لقَوْله ﵇ فِي الحَدِيث الْمَشْهُور: «إِنَّهَا لَيست بنجسة» . قَالَ: وَوجه الِاسْتِدْلَال مَشْهُور. فأفصحت لَك بِهِ، وَإِيَّاك أَن تَقول: مُرَاده حَدِيث أبي قَتَادَة الْآتِي، فَإِن الْكَلْب لَيْسَ لَهُ ذكر فِيهِ، (فَافْهَم ذَلِك) .
стр. 194
وإنْ كَانَ ذَلِك وَقع فِي كتب أهل الْأُصُول فِي كَلَامهم عَلَى الْأَسْمَاء.
الحَدِيث الثَّانِي
أَنه ﷺ قَالَ: «أُحِلَّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَان: السمكُ والجرادُ، والكبدُ وَالطحَال» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة: الشَّافِعِي، وَأحمد فِي «مسنديهما» ، وَابْن مَاجَه، وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» . من رِوَايَة: عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم، عَن أَبِيه، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا.
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ: وَرَوَاهُ سُلَيْمَان بن بِلَال، عَن زيد بن أسلم، عَن عبد الله بن عمر، أَنه قَالَ: «أحلّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ ... » الْخَبَر. قَالَا: وَهُوَ الْأَصَح. يَعْنِي: أَن الْقَائِل: «أحلّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ» ، هُوَ ابْن عمر؛ لِأَن الرِّوَايَة الأولَى - وَهِي رِوَايَة الْمَرْفُوع - ضَعِيفَة جدًّا، لأجل عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم، فإنَّه ضَعِيف بِاتِّفَاق
стр. 195
الْحفاظ، ضعفه الإِمام أَحْمد، وَعلي بن الْمَدِينِيّ، حتَّى قَالَ: لَيْسَ فِي ولد زيد بن أسلم ثِقَة. وَأَبُو دَاوُد، وَأَبُو زرْعَة، وَأَبُو حَاتِم الرَّازِيّ و (النَّسَائِيّ) ، وَالدَّارَقُطْنِيّ. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: بَنو زيد بن أسلم لَيْسُوا بِشَيْء. وَقَالَ الشَّافِعِي: سَأَلَ رجل عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم: حَدَّثك أَبوك عَن أَبِيه: أنَّ سفينة نوح طافت بِالْبَيْتِ، وَصَلى خلف الْمقَام؟ قَالَ: نعم. وَقَالَ الشَّافِعِي: ذُكِرَ لمَالِك حَدِيث، فَقَالَ: من حَدَّثك؟ فَذكر لَهُ إِسْنَادًا مُنْقَطِعًا، فَقَالَ: اذْهَبْ إِلَى عبد الرَّحْمَن بن زيد بن أسلم، يحدِّثك عَن أَبِيه، عَن نوح ﵇ وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ يقلب الْأَخْبَار وَهُوَ لَا يعلم، حتَّى كَثُر ذَلِك فِي رِوَايَته، من رفع الْمَرَاسِيل، وَإسْنَاد الْمَوْقُوف، فَاسْتحقَّ التّرْك. وَقَالَ الذَّهَبِيّ: ضَعَّفه الْجُمْهُور.
قلت: وَأخرج الْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» حَدِيثا فِي مَنَاقِب سيدنَا
стр. 196
رَسُول الله ﷺ ، وَفِيه عبد الرَّحْمَن هَذَا، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الإِسناد، وَفِي ذَلِك نظر، لما عَلمته من أَقْوَالهم فِيهِ.
قَالَ الْعقيلِيّ فِي «تَارِيخه» : قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: رَوَى حَدِيثا مُنْكرا: أُحِلَّت لنا ميتَتَانِ وَدَمَانِ. يَعْنِي الإِمام أَحْمد: الرِّوَايَة الأولَى، وَأما الثَّانِيَة: فَهِيَ أصحّ مِنْهَا، كَمَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ، وَأَبُو زرْعَة الرَّازِيّ، فإنَّ ابْن أبي حَاتِم نقل فِي «علله» أَنه قَالَ: الْمَوْقُوف أصح. كَمَا قَالَاه.
(مَعَ) أَن ابْن عدي فِي «كَامِله» قَالَ: رَوَاهُ يَحْيَى بن حَسَّان، عَن سُلَيْمَان بن بِلَال مَرْفُوعا.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رفع هَذَا الحَدِيث أولادُ زيد عَن أَبِيهِم، وهم: عبد الله، وَأُسَامَة، وَعبد الرَّحْمَن بَنو زيد بن أسلم، عَن أَبِيهِم، عَن ابْن عمر، قَالَ: وَأَوْلَاد زيد كلهم ضعفاء، جرحهم يَحْيَى بن معِين،
стр. 197
وَكَانَ أَحْمد بن حَنْبَل، وَعلي بن الْمَدِينِيّ يوثقان عبد الله بن زيد، إلاَّ أَن الصَّحِيح من هَذَا الحَدِيث هُوَ الأول، يَعْنِي: الْمَوْقُوف الَّذِي قدمه.
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح فِي «كَلَامه عَلَى الْوَسِيط» : هَذَا الحَدِيث ضَعِيف عِنْد أهل الحَدِيث، غير أَنه متماسك. قَالَ: وَأَوْلَاد زيد، وإنْ كَانُوا قد ضُعِّفوا ثَلَاثَتهمْ، فعبد الله مِنْهُم: قد وثَّقه أَحْمد، وَعلي بن الْمَدِينِيّ. قَالَ: وَفِي اجْتِمَاعهم عَلَى رَفعه مَا يقويه تَقْوِيَة صَالِحَة.
قلت: وجنح الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام» إِلَى تَصْحِيح الرِّوَايَة المرفوعة من طَرِيق عبد الله بن زيد، فإنَّه قَالَ - عقب قَول الْبَيْهَقِيّ: إِن أَحْمد بن حَنْبَل (و) عَلّي بن الْمَدِينِيّ كَانَا يوثِّقان عبد الله بن زيد، إِلَى آخِره -: إِذا كَانَ عبد الله عَلَى مَا قَالَاه، فَيدْخل حَدِيثه فِيمَا رَفعه الثِّقَة، وَوَقفه غَيره، (قَالَ) وَقد عُرِف مَا فِيهِ عِنْد الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء. يَعْنِي: والأصحّ تَقْدِيم مَا رَوَاهُ (الرافع) ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَة، وَهِي من الثِّقَة مَقْبُولَة.
(قَالَ) : لاسيما وَقد تَابعه عَلَى ذَلِك أَخَوَاهُ. أَي: فَلَا يُسَلَّم أَن الصَّحِيح الأول كَمَا قَالَ الْبَيْهَقِيّ، (فَتكون هَذِه الطَّرِيقَة حَسَنَة، مَعَ أَن الرِّوَايَة الْأُخْرَى يحسن الِاسْتِدْلَال بهَا. قَالَ الْبَيْهَقِيّ) : هِيَ فِي مَعْنَى الْمسند.
قلت: (لِأَن) قَول الصَّحَابِيّ: «أمرنَا بِكَذَا» ، «ونهينا عَن كَذَا» ، «وأحلَّ كَذَا» ، «وحُرِّم كَذَا» : مَرْفُوع إِلَى النَّبِي ﷺ (عَلَى الْمُخْتَار) عِنْد
стр. 198
جُمْهُور الْفُقَهَاء، والأصوليين، والمحدثين.
لَا جرم أَن الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين ابْن الصّلاح، وَالشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ قَالَا: يحصل الِاسْتِدْلَال بِهَذِهِ الرِّوَايَة؛ لِأَنَّهَا فِي مَعْنَى الْمَرْفُوع.
وَلِهَذَا الحَدِيث طَريقَة (ضَعِيفَة) جدًّا، غَرِيبَة، لَا بَأْس بالتنبيه عَلَيْهَا، وَهِي: عَن الْمسور بن الصَّلْت، عَن زيد بن أسلم، عَن عَطاء بن يسَار، عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ، مَرْفُوعا كَمَا تقدم.
قَالَ الدارقطني: لَا يصحّ؛ لِأَن الْمسور كَانَ ضَعِيفا.
وَهُوَ كَمَا قَالَ، فقد (كَذًَّبه) أَحْمد. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي عَن الثِّقَات الموضوعات، لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ.
الحَدِيث الثَّالِث
أَنه ﷺ قَالَ: «إِذا وَقع الذُّبَابُ فِي إناءِ أحدِكم، فامْقُلُوهُ، فَإِن فِي أَحَدِ جَنَاحَيْه شِفَاء، وَفِي الآخرِ دَاء، وإنَّه يُقَدِّم الدَّاء» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، يُروى من طَرِيقين:
أَحدهمَا: من حَدِيث أبي هُرَيْرَة ﵁ (رَوَاهُ) : البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» عَنهُ مَرْفُوعا، وَهَذَا لَفظه: «إِذا وَقع الذُّبَاب فِي إِنَاء أحدكُم
стр. 199
فليغمسه كُله، ثمَّ لينزعه، فإنَّ فِي أحد جناحيه دَاء، وَفِي الآخر شِفَاء» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي «سنَنه» ، وَابْن خُزَيْمَة، وَابْن حبَان، فِي «صَحِيحهمَا» عَنهُ مَرْفُوعا أَيْضا، بِلَفْظ: «إِذا وَقع الذُّبَاب فِي إِنَاء أحدكُم، فليغمسه، فإنَّ فِي أحد جناحيه دَاء وَفِي الآخر شِفَاء، وإنَّه يَتَّقِي (بجناحه) الَّذِي فِيهِ الدَّاء، فليغمسه كُله، ثمَّ يَنْزعهُ» . وَهَذِه الرِّوَايَة مُوَافقَة لما أوردهُ الإِمام الرَّافِعِيّ. وَأخرجه ابْن مَاجَه بِلَفْظ: «إِذا وَقع الذُّبَاب فِي شرابكم، فليغمسه فِيهِ، ثمَّ ليطرحه، فإنَّ فِي أحد جناحيه دَاء، وَفِي الآخر شِفَاء» . وَأخرجه الدَّارمِيّ فِي «مُسْنده» من حَدِيث عبيد بن حنين، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، بِلَفْظ البُخَارِيّ إلاَّ أَنه قَالَ: «سقط» بدل «وَقع» . ثمَّ رَوَاهُ من حَدِيث (حَمَّاد بن سَلمَة، عَن) ثُمامة بن عبد الله بن أنس، عَن أبي هُرَيْرَة (مَرْفُوعا) بِلَفْظ البُخَارِيّ، إلاَّ أَنه لم يقل: «ثمَّ لينزعه» ثمَّ قَالَ الدَّارمِيّ: قَالَ [غير] حَمَّاد: عَن ثُمَامَة، عَن أنس، مَكَان أبي هُرَيْرَة، وَقوم يَقُولُونَ: عَن الْقَعْقَاع، عَن أبي هُرَيْرَة، وَحَدِيث عبيد بن حنين أصح. وَأخرجه ابْن السكن فِي «سنَنه الصِّحَاح»
стр. 200
من حَدِيث أبي هُرَيْرَة أَيْضا بِلَفْظ: «إِذا وَقع الذُّبَاب فِي إِنَاء أحدكُم فليمقله، فَإِن فِي أحد جناحيه دَوَاء، وَفِي الآخر دَاء، أَو قَالَ: سم» .
الطَّرِيق الثَّانِي: من حَدِيث أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁، رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» ، بِلَفْظ: «فِي أحد جناحي الذُّبَاب سُمٌّ، وَفِي الآخر شِفَاء، فَإِذا وَقع فِي الطَّعَام، فامقلوه فِيهِ، فإنَّه يقدم السم، وَيُؤَخر الشِّفَاء» وكل رِجَاله مخرج لَهُم فِي الصَّحِيح، خلا سعيد بن خَالِد القارظي الْمدنِي، فإنَّ النَّسَائِيّ ضَعَّفه، مَعَ أَنه أخرج لَهُ هَذَا الحَدِيث فِي «سنَنه» ، بِلَفْظ: «إِذا وَقع الذُّبَاب فِي إِنَاء أحدكُم فليمقله» .
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: يحْتَج بِهِ. وَذكره ابْن حبَان فِي «ثقاته» لَا جرم أخرجه فِي «صَحِيحه» بِلَفْظ: «إِذا وَقع الذُّبَاب فِي إِنَاء أحدكُم فامقلوه، فإنَّ فِي أحد جناحيه دَاء، وَفِي الآخر دَوَاء» وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بكر الْبَيْهَقِيّ بِلَفْظِهِ سَوَاء، وَزَاد: «وَإنَّهُ يُؤَخر الدَّوَاء، وَيقدم السم» وَكَذَا أَحْمد، إلاَّ أنَّ لَفظه «وَيُؤَخر الشِّفَاء» .
مَعْنَى «امقلوه» : اغمسوه، كَمَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى.
وَله طَرِيق ثَالِث ضَعِيفَة، لَا بَأْس بالتنبيه عَلَيْهَا، وَهِي عَن ثُمَامَة، (عَن) أنس مَرْفُوعا: «إِذا وَقع الذُّبَاب فِي إِنَاء أحدكُم، فليغمسه
стр. 201
(فِيهِ) ، فإنَّ فِي أحد جناحيه (دَاء) ، وَفِي الآخر شِفَاء» .
ذكره ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» وَقَالَ: سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة (عَنهُ) ، فَقَالَا: هَذَا خطأ، وَالصَّحِيح: حَدِيث ثُمَامَة عَن أبي هُرَيْرَة. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر مِنْهَا: سَأَلت أبي عَنهُ - أَي عَن حَدِيث أبي هُرَيْرَة من رِوَايَة قيس بن خَالِد عَنهُ - فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُضْطَرب الإِسناد. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : رَوَاهُ ثُمَامَة، عَن أنس مَرْفُوعا، وَرَوَاهُ ثُمَامَة، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، وَقَالَ: الْقَوْلَانِ محتملان. وَقَالَ فِي مَوضِع آخر (مِنْهَا: حَدِيث أبي هُرَيْرَة) هُوَ الصَّوَاب.
الحَدِيث الرَّابِع
عَن سلمَان ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «يَا سلمَان كل طَعَام وشراب، وَقعت فِيهِ (دابةٌ) لَيْسَ لَهَا دم، فَمَاتَتْ، فَهُوَ حلالٌ أَكْلهُ وشربهُ ووضوؤه» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ، فِي «سُنَنهمَا» ،
стр. 202
من رِوَايَة بَقِيَّة (بن الْوَلِيد) ، أبي يُحمد - بِضَم الْيَاء، وَأَصْحَاب الحَدِيث فتحوها، كَمَا قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ - عَن سعيد بن أبي سعيد، (الزبيدِيّ، عَن بشر بن مَنْصُور، عَن عَلّي بن زيد بن جدعَان، عَن سعيد) بن الْمسيب، عَن سلمَان بِهِ.
وَهُوَ مَعْلُول من أوجه:
أَولهَا: أَن بَقِيَّة ضَعِيف من وَجْهَيْن، أَحدهمَا: التَّدْلِيس. وَالثَّانِي: الضعْف مُطلقًا. قَالَ الإِمام أَحْمد: إِذا (حَدَّث) عَن قوم لَيْسُوا بمعروفين فَلَا. (أَي) : لَا يقبل. وَقَالَ أَبُو مسْهر: أَحَادِيث بَقِيَّة غير نَقِيَّة، فَكُن مِنْهَا عَلَى تَقِيَّة. وَقَالَ ابْن حبَان: سمع من شُعْبَة وَمَالك وَغَيرهمَا أَحَادِيث مُسْتَقِيمَة، ثمَّ سمع من أَقوام كَذَّابين عَن شُعْبَة، وَمَالك، فروَى عَن الثِّقَات بالتدليس مَا سمع من الضُّعَفَاء، وَكَانَ أَصْحَابه يَفْعَلُونَ ذَلِك فِي حَدِيثه، فَلَا يحْتَج بِهِ.
وَقَالَ النَّسَائِيّ: إِذا قَالَ نَا، وأنبأنا فَهُوَ ثِقَة. وَكَذَا قَالَ ابْن معِين، والرازيان: إِذا حدث عَن ثِقَة.
وَأخرج لَهُ مُسلم مستشهدًا بِهِ فِي حَدِيث وَاحِد، وَهُوَ حَدِيثه عَن الزبيدِيّ، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر رَفعه: «من دُعِي إِلَى (عرس) وَنَحْوه فليجب» .
стр. 203
(قَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» ) : لَيْسَ لبَقيَّة فِي الصَّحِيح سواهُ.
و (قيل) أخرج لَهُ مُسلم مُتَابعَة، وَقيل: أصلا، وَأخرج لَهُ البُخَارِيّ فِي الْأَدَب، (خَارج الصَّحِيح) ، وَاسْتشْهدَ بِهِ فِي «الصَّحِيح» فِي بَاب: من [أخفَّ] الصَّلَاة عِنْد بكاء الصَّبِي.
قَالَ ابْن دحْيَة فِي (كتاب «التَّنْوِير فِي مولد السراج الْمُنِير» ) : الْعجب مِنْهُ كَيفَ أخرج لبَقيَّة فِي «صَحِيحه» وَهُوَ يُدَلس أقبح التَّدْلِيس، وَكَانَ يُسَوِّي ويحذف اسْم الضَّعِيف، وَقد كَانَ لَهُ رُوَاة يَفْعَلُونَ ذَلِك. (قَالَ) : وَقد كَانَ أَخَذَ عَلَى مُسلم فِي ذَلِك الحافظُ أَبُو زرْعَة الرَّازِيّ، (قَالَ) : مَعَ أَنه إنَّما خَرَّج (عَنهُ) من طَرِيق الشاميين، وَرِوَايَته عَنْهُم صَالِحَة عِنْد بَعضهم. (قَالَ ابْن عدي فِي «كَامِله» : إِذا رَوَى بَقِيَّة عَن أهل الشَّام فَهُوَ ثَبت، وَقَالَ ابْن طَاهِر: حكم الْحَافِظ بِأَن بَقِيَّة إِذا رَوَى عَن غير الشاميين لَا يعْتد بروايته) .
стр. 204
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : مَا يرويهِ بَقِيَّة عَن الضُّعَفَاء والمجهولين لَيْسَ بمقبول مِنْهُ، كَيفَ وَقد أَجمعُوا عَلَى أَن بَقِيَّة لَيْسَ بِحجَّة. هَذَا لَفظه برمتِهِ.
وَقَالَ ابْن الْقطَّان: بَقِيَّة يدلِّس عَن الضُّعَفَاء، ويستبيح ذَلِك، (وَهُوَ) - إنْ صحَّ - مُفسد لعدالته. قَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» : نعم وَالله، صحَّ هَذَا عَنهُ.
وَقَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ فِي «أَمَالِيهِ» : بَقِيَّة ثِقَة، إلاَّ (أَنه) يكْتب ويروي عَن كل أحد. وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الضُّعَفَاء» : بَقِيَّة ثِقَة فِي نَفسه، لكنه يدلِّس (عَن) الْكَذَّابين.
الْوَجْه الثَّانِي: أَن سعيد بن أبي سعيد الزبيدِيّ: مَجْهُول، كَمَا قَالَه أَبُو أَحْمد الْحَاكِم، وَكَذَلِكَ ابْن عدي، وَنَقله ابْن الْجَوْزِيّ عَنهُ فِي كِتَابيه: «الضُّعَفَاء» ، و «التَّحْقِيق» ، وأقرَّه. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف. (وَلَا تنَافِي بَينه وَبَين الأول، لِأَن الْمَجْهُول ضَعِيف أَيْضا) . وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» فِي هَذَا الْبَاب: قَالَ ابْن عدي: الْأَحَادِيث الَّتِي يَرْوِيهَا سعيد
стр. 205
الزبيدِيّ عامتها لَيست بمحفوظة. وَقَالَ فِيهَا، فِي بَاب الصَّائِم يكتحل: سعيد الزبيدِيّ من مَجَاهِيل شُيُوخ بَقِيَّة، ينْفَرد بِمَا لَا يُتابع عَلَيْهِ. وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» : لَا يُعرف، وَأَحَادِيثه سَاقِطَة. وَقَالَ فِي «الضُّعَفَاء» : قَالَ ابْن عدي: هُوَ مَجْهُول. ثمَّ قَالَ: لَا سِيمَا وَقد تفرد عَنهُ بَقِيَّة. وَخَالف الْحَافِظ أَبُو بكر الْخَطِيب (فوثقه) ، فَقَالَ - عَلَى مَا نقل الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام» -: إِن اسْم أبي سعيد: عبد الْجَبَّار، قَالَ: وَكَانَ (سعيد) بن أبي سعيد ثِقَة. قَالَ الشَّيْخ: وَقَول الدَّارَقُطْنِيّ: هُوَ ضَعِيف. لَا يُريدهُ، وَيُرِيد بَقِيَّة.
وَأَبُو حَاتِم ابْن حبَان، فَذكره فِي «ثقاته» ، وَأَنه من أهل الشَّام، وَأَن أهل بَلَده رووا عَنهُ.
الْوَجْه الثَّالِث: أَن عَلّي بن زيد بن جدعَان: ضَعَّفه ابْن عُيَيْنَة. وَقَالَ حَمَّاد بن زيد: كَانَ يقلب الْأَحَادِيث. وَذكر شُعْبَة أَنه اخْتَلَط. وَقَالَ أَحْمد وَيَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ يَحْيَى مرّة: ضَعِيف فِي كل شَيْء. وَقَالَ الرَّازِيّ: لَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: لَيْسَ بِقَوي. [وَقَالَ ابْن حبَان] :
стр. 206
(يهم) ويخطئ، فَكثر ذَلِك فَاسْتحقَّ التّرْك. وَأخرج لَهُ مُسلم مَقْرُونا بِثَابِت (الْبنانِيّ) . وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الضُّعَفَاء» : حسن الحَدِيث (صَاحب غرائب) ، احْتج بِهِ بَعضهم. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: لَيْسَ بِقَوي. وَقَالَ أَحْمد: لَيْسَ بِشَيْء.
الْوَجْه الرَّابِع: أَنه لَا يُعلم متابع لبَقيَّة عَلَيْهِ، قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: هَذَا الحَدِيث لم يروه غير بَقِيَّة، عَن سعيد بن أبي سعيد الزبيدِيّ. وَلأَجل هَذِه الْعِلَل، قَالَ الْحَافِظ أَبُو أَحْمد الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ.
الحَدِيث الْخَامِس
أَنه ﷺ قَالَ: «مَا أُبِيْنَ من حيٍّ، فَهُوَ مَيِّت» .
هَذَا الحَدِيث قَاعِدَة عَظِيمَة من قَوَاعِد الْأَحْكَام، وَهُوَ مَرْوِيّ من طُرُق، الَّذِي يحضرنا مِنْهَا أَرْبَعَة:
أَولهَا: - وَهِي أقرب إِلَى لفظ الْكتاب - عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ (سُئل) عَن جِباب أسنمة الإِبل، وأَلَيَات الْغنم، فَقَالَ: مَا قُطِع من حَيّ، فَهُوَ ميت» .
стр. 207
رَوَاهُ الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» فِي موضِعين مِنْهُ، وَقَالَ فِي كتاب الذَّبَائِح - وَهُوَ الْموضع الثَّانِي -: إِنَّه حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» - وَقد سُئِلَ عَنهُ -: إنَّه رُوِيَ عَن عَطاء بن يسَار، عَن أبي سعيد، وَعَن عَطاء بن يسَار مُرْسلا، و (أَن) الْمُرْسل أشبه بِالصَّوَابِ.
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن أبي وَاقد، الْحَارِث بن عَوْف - وَقيل عَكسه - اللَّيْثِيّ، (البدري) ، قَالَ: «قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة، وهم يجبونَ أسنمة الإِبل، ويقطعون أَلَيَات الْغنم، فَقَالَ: مَا يُقْطَعُ من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة، فَهُوَ ميتَة» .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ بِهَذَا اللَّفْظ، وَكَذَا الدَّارمِيّ فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد وَلَفظه: أنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: «مَا قُطِعَ من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة، فَهُوَ ميت» .
وَالْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» وَلَفظه: «كَانَ [النَّاس] فِي الْجَاهِلِيَّة قبل الإِسلام يَجُبُّون أسنمة الإِبل، [ويقطعون أليات الْغنم فيأكلونها] ، ويحملون مِنْهَا الودك، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِي ﷺ ، سَأَلُوهُ عَن ذَلِك، فَقَالَ: «مَا قُطع من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة، فَهُوَ ميت» .
стр. 208
وَأخرجه أَيْضا أَحْمد فِي «مُسْنده» وَلَفظه: «قدم رَسُول الله ﷺ الْمَدِينَة، وَبهَا نَاس يَعْمِدُونَ إِلَى أَلَيات الْغنم، وَأَسْنِمَة الإِبل، (فيجبونها) ، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا قُطع من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة فَهُوَ ميتَة» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَهَذَا حَدِيث حسن غَرِيب، لَا نعرفه إلاَّ من حَدِيث زيد بن أسلم. قَالَ ابْن القطَّان: وإنَّما لم يصحِّحه التِّرْمِذِيّ، لِأَنَّهُ من رِوَايَة عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دِينَار، وَهُوَ يُضَعَّف، وإنَّ كَانَ البُخَارِيّ قد أخرج لَهُ.
قلت: لَكِن الْحَاكِم ﵀ لم يَعْبَأْ بِهَذَا التَّضْعِيف، فَأخْرجهُ فِي «الْمُسْتَدْرك» كَمَا تقدَّم، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الإِسناد. قلت: أَي عَلَى شَرط البُخَارِيّ. وَخَالف أَبُو زرْعَة، فَقَالَ - عَلَى مَا نَقله ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» -: إنَّ هَذَا الحَدِيث وهمٌ، وَأَن الصَّحِيح: حَدِيث زيد بن أسلم عَن ابْن عمر. يَعْنِي الْآتِي إِثْر هَذَا، وَفِي ذَلِك نظر. قَالَ التِّرْمِذِيّ: وَالْعَمَل عَلَى هَذَا الحَدِيث عِنْد أهل الْعلم.
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن زيد بن أسلم، عَن عبد الله بن عمر ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «مَا قُطِعَ من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة، فَهُوَ ميت» .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» ، وَالْبَزَّار فِي «مُسْنده» وَضَعفه الْحَافِظ
стр. 209
عبد الْحق فِي «أَحْكَامه الْكُبْرَى» فَقَالَ - عَلَى مَا نَقله ابْن القَطَّان فِي «علله» عَنهُ -: فِي إِسْنَاده هِشَام بن سعد، وَهُوَ ضَعِيف.
(قلت: قد أخرجه ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» ، وَلَيْسَ فِي إِسْنَاده هَذَا الرجل، بل فِيهِ: يَعْقُوب بن حميد بن كاسب الْمدنِي، وَقد تكلَّم فِيهِ النَّسَائِيّ والرازي. وَاخْتلف قَول يَحْيَى فِيهِ، فَمرَّة ضَعَّفه، وَمرَّة وثَّقه. وَقَالَ الْحَاكِم فِي كتاب التَّفْسِير من «الْمُسْتَدْرك» : مَا تَكَلَّم فِيهِ أحدٌ بِحجَّة. وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي «أَخْبَار الشهَاب» : [أخرج] عَنهُ البُخَارِيّ فِي صَحِيحه.
قلت: صَرِيحًا لَا، فَالَّذِي فِيهِ: نَا يَعْقُوب، نَا إِبْرَاهِيم بن سعد. وَالظَّاهِر أَنه هُوَ) .
(و) أخرجه الطَّبَرَانِيّ فِي «أَوسط معاجمه» بِدُونِهِ، فَرَوَاهُ من حَدِيث عبد الله بن نَافِع الصَّائِغ، عَن عَاصِم بن عمر، عَن عبد الله بن دِينَار، عَن ابْن عمر، مَرْفُوعا: «مَا قُطِع من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة، فَالَّذِي قُطع من لَحمهَا فَلَا يَأْكُلهُ أحد» .
قَالَ الطَّبَرَانِيّ: لم يَرْوِه عَن عَاصِم بن عمر إلاَّ عبد الله بن نَافِع.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام» : عبد الله بن نَافِع من كبار
стр. 210
أَصْحَاب مَالك، مفتي بِالْمَدِينَةِ، وَيَحْيَى بن الْمُغيرَة، الرَّاوِي عَنهُ: قَالَ أَبُو حَاتِم فِيهِ: صَدُوق، قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين: وَهَذَا الطَّرِيق أَجود من الطَّرِيق الْآتِيَة بعْدهَا.
قلت: من غير شكّ فِي ذَلِك، وَلَا مرية، وَقد أخرجهَا ابْن السكن فِي «سنَنه الصِّحَاح المأثورة» ، لَكِن ذكر ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» هَذِه الطَّرِيق، وَقَالَ: سَأَلت أبي عَنْهَا فَقَالَ: هَذَا حَدِيث مُنكر.
الطَّرِيق الرَّابِع: عَن تَمِيم الدَّارِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «يكون فِي آخر الزَّمَان قوم، يجبونَ أسنمة الإِبل، ويقطعون أَلَيات الْغنم، فَمَا قُطِع من حَيّ فَهُوَ ميت» .
رَوَاهُ ابْن مَاجَه فِي «سنَنه» كَذَلِك، وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» بِلَفْظ: «قيل للنَّبِي (: إِن قوما يجبونَ أسنمة الإِبل، ويقطعون أَذْنَاب الْغنم؟ قَالَ: « (كلُ مَا) قُطِعَ من الحيِّ فَهُوَ ميت» .
وَفِي رِوَايَة لَهُ: «قَالُوا: يَا رَسُول الله ﷺ إِن نَاسا) يجبونَ أسنمة الإِبل، وأذناب الْغنم وَهِي أَحيَاء، فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : مَا قُطع من الْبَهِيمَة وَهِي حَيَّة، فَهُوَ ميت» .
стр. 211
(وَفِي إِسْنَاده واهٍ و) مُخْتَلف فِيهِ، أما الأول: فَهُوَ أَبُو بكر الْهُذلِيّ، واسْمه: سُلْمى - بِالضَّمِّ - قَالَ غنْدر: كَذَّاب. وَقَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ عَلّي: ضَعِيف لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ النَّسَائِيّ وَعلي بن الْجُنَيْد: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: (مُنكر ومتروك) .
وَأما الثَّانِي: فَهُوَ شهر بن حَوْشَب، وَهُوَ من عُلَمَاء التَّابِعين، وَفِيه مقَال، وثَّقه أَحْمد، وَيَحْيَى بن معِين، وَيَعْقُوب بن شيبَة، (وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَا هُوَ بِدُونِ أبي الزبير) ، وَقَالَ أَبُو زرْعَة: لَا بَأْس بِهِ. وَأخرج لَهُ مُسلم مَقْرُونا (بآخر) ، وَأخرج التِّرْمِذِيّ حَدِيثه عَن أم سَلمَة: أَنه ﵇ جَلَّل الْحسن، وَالْحُسَيْن، و [عليا] ، وَفَاطِمَة بكساء. .» الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: حسن صَحِيح.
وَأخرج لَهُ الْحَاكِم فِي كتاب (الْقرَاءَات) من «مُسْتَدْركه»
стр. 212
حَدِيثا، (وَقَالَ: لم أخرج لَهُ فِي كتابي غَيره) .
(وَقَالَ ابْن القَطَّان: لم أسمع (لمضعفيه) حجَّة، وَمَا ذَكرُوهُ إمَّا لَا يَصح، وإمَّا خَارج عَلَى مخرج لَا يضرّهُ، وَأخذ الخريطة: كذبٌ عَلَيْهِ، وتَقَوُّل شَاعِر أَرَادَ عَيبه) .
وَقَالَ النَّسَائِيّ، وَغَيره: لَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن حبَان: يروي عَن الثِّقَات المعضلات، [وَعَن الْأَثْبَات المقلوبات] عَادَلَ عباد بن مَنْصُور فِي الْحَج، فَسرق عيبته، فَهُوَ [الَّذِي يَقُول فِيهِ] الْقَائِل:
لَقَدْ بَاعَ شهرٌ دينه بخريطةٍ
فَمَنْ يَأْمَن الْقُرَّاء بعْدك يَا شهرُ
قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ: وَالَّذِي رَأينَا فِي التَّارِيخ: (أَنه) أَخذ تِلْكَ الخريطة من بَيت المَال - وَكَانَ عَاملا عَلَيْهِ - وَذَلِكَ أَمر قريب. وَهُوَ كَمَا قَالَ، فقد قَالَ يَحْيَى بن أبي بكر الكِرماني، عَن أَبِيه: كَانَ شهر بن حَوْشَب عَلَى بَيت المَال، فَأخذ خريطة فِيهَا دَرَاهِم، فَقَالَ الْقَائِل: لقد بَاعَ شهر. . الْبَيْت.
стр. 213
وَقَالَ مُحَمَّد بن جرير الطَّبَرِيّ: قَالَ عَلّي بن مُحَمَّد: قَالَ أَبُو بكر الْبَاهِلِيّ: كَانَ شهر بن حَوْشَب عَلَى خَزَائِن يزِيد بن الْمُهلب، فَرفعُوا عَلَيْهِ أَنه أَخذ خريطة، فَسَأَلَهُ يزِيد عَنْهَا، (فَأَتَى) بهَا، فَدَعَا يزِيد الَّذِي رفع إِلَيْهِ فشتمه، وَقَالَ لشهر: هِيَ لَك. قَالَ: لَا حَاجَة لي فِيهَا.
فَقَالَ الْقطَامِي الْكَلْبِيّ - وَيُقَال: سِنَان بن مكبل النميري -:
لَقَدْ بَاعَ شهرٌ دينَه بخريطةٍ
فَمَنْ يَأْمَن الْقُرَّاء بعْدك يَا شهرُ
(أخذت بهَا) شَيْئا طفيفًا وبعته
من ابْن جرير إِن هَذَا هُوَ الغدرُ
وَنقل النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» - قبيل الْكَلَام عَلَى غسل الْوَجْه - عَن الْأَكْثَرين توثيقه، وَأَن الْجرْح كَانَ مُسْتَندا إِلَى مَا لَيْسَ بجارح.
الحَدِيث السَّادِس
«سُئِلَ النَّبِي ﷺ : أَنَتَوَضَّأُ بِمَا أفضلت الحُمُر؟ قَالَ: نعم، وَبِمَا أفضلت السِبَاعُ كُلُّها» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «الْأُم» عَن إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى، عَن دَاوُد بن الْحصين، عَن أَبِيه، عَن جَابر بن عبد الله، (قَالَ) : «قيل: يَا رَسُول الله، أَنَتَوَضَّأُ ... » الحَدِيث، كَمَا ذكر المُصَنّف.
وَرَوَاهُ الشَّافِعِي فِي «مُسْنده» عَن سعيد بن سَالم - وَهُوَ القَدَّاح -
стр. 214
(عَن) (ابْن) أبي حَبِيبَة - أَو ابْن حَبِيبَة - عَن دَاوُد بن الْحصين، عَن جَابر بِهِ. وَهَذَا الشَّك فِي أَنه (ابْن) أبي حَبِيبَة أَو ابْن حَبِيبَة، شكٌ من الرّبيع، كَمَا رَوَاهُ الْأَصَم، وَالرجل هُوَ: ابْن أبي حَبِيبَة بِلَا شكّ. وَقد رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ عَن النَّيْسَابُورِي عَن الرّبيع، فَقَالَ: ابْن (أبي) حَبِيبَة بِلَا شكّ، لَكِن لَفظه: «أَن رَسُول الله ﷺ تَوَضَّأ بِمَا أفضلت السبَاع» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ - بعد أَن أخرجه من طَرِيق الشَّافِعِي الأولَى -: وَفِي غير روايتنا، قَالَ الشَّافِعِي: وأُخْبِرنا عَن ابْن أبي ذِئْب، عَن دَاوُد بن الْحصين بِمثلِهِ. وَحَاصِل مَا يُعلَّل بِهِ هَذَا الحَدِيث وَجْهَان:
أَحدهمَا: الِاخْتِلَاف فِي إِسْنَاده، حَيْثُ رُوِيَ عَن دَاوُد بن الْحصين، عَن جَابر، وَعَن دَاوُد عَن أَبِيه، عَن جَابر كَذَلِك.
رَوَاهُ جماعات: الزَّعْفَرَانِي، وَالربيع عَن الشَّافِعِي، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الشَّافِعِي وَعبد الرَّزَّاق، عَن إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد، عَن دَاوُد بن الْحصين، وَابْن أبي ذِئْب عَن دَاوُد.
стр. 215
قَالَ الإِمام الرَّافِعِيّ فِي «شرح الْمسند» : فَيُشبه أَن تكون الرِّوَايَة الأولَى مُرْسلَة، (قَالَ) : وَيدل عَلَيْهِ أَنهم لم يذكرُوا فِي تَعْرِيف دَاوُد بن الْحصين رِوَايَته عَن جَابر، ولاغيره من الصَّحَابَة. (وَذكر هَذَا التَّعْلِيل الإِمام أَبُو الْقَاسِم الرَّافِعِيّ فِي «شرح الْمسند» ) ، وَهُوَ تَعْلِيل لَا يقْدَح؛ لِأَن الحَدِيث رُوي من طَرِيقين، إِحْدَاهمَا مَقْطُوعَة، وَالْأُخْرَى مُتَّصِلَة، وَالْحكم للمتصلة.
الْوَجْه الثَّانِي: أَن فِي إِسْنَاده جمَاعَة تُكُلِّم فيهم:
أَوَّلهمْ: إِبْرَاهِيم بن أبي يَحْيَى، وَالْجُمْهُور عَلَى تَضْعِيفه، كَمَا مر فِي الْبَاب قبله، وصَرَّح ابْن عدي بِأَن الْبلَاء فِي هَذَا الحَدِيث مِنْهُ، وَقَالَ فِي تَرْجَمَة ابْن أبي يَحْيَى: كَأَنَّهُ أُتِي من قِبَل شَيْخه - يَعْنِي دَاوُد بن الْحصين - (لَا من قبله. فَاخْتلف كَلَامه) .
وثانيهم: سعيد بن سَالم القَدَّاح. أدخلهُ البُخَارِيّ فِي كتاب «الضُّعَفَاء» وَقَالَ: إنَّه يُرمى بالإِرجاء. وَقَالَ عُثْمَان بن سعيد: لَيْسَ هُوَ بِذَاكَ. وَقَالَ يَحْيَى بن معِين: ثِقَة. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَقَالَ أَبُو حَاتِم: مَحَله الصدْق. وَقَالَ ابْن عدي: هُوَ عِنْدِي صَدُوق.
следующие страницы →