Полный текст (6 131 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
فِي وَقْتَيْنِ، وَيجوز أَن يكون الْمَبْعُوث مَعَه معينا أَو كَاتبا.
قلت: بَعثه (مَعَه) غَيره غَرِيب، وَإِن كَانَ لَهُ ﵇ خُرَّاص غَيره؛ إِذْ فِي «الطَّبَرَانِيّ الْكَبِير» من حَدِيث جَابر «أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يبْعَث رجلا من الْأَنْصَار يُقَال لَهُ: فَرْوَة بن عَمْرو، فيخرص ثَمَرَة أهل الْمَدِينَة» .
وَفِي إِسْنَاده حرَام بن عُثْمَان، وَالرِّوَايَة عَنهُ حرَام، وَفِيه أَيْضا من حَدِيث رَافع بن خديج «أَنه ﵇ كَانَ يبْعَث فَرْوَة بن عَمْرو يخرص النّخل، فَإِذا دخل الْحَائِط حسب مَا فِيهِ من الأقناء، ثمَّ ضرب بَعْضهَا عَلَى بعض عَلَى مَا يرَى فِيهَا وَلَا يُخطئ» وَفِي إِسْنَاده إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي فَرْوَة، وَهُوَ مَتْرُوك، وَفِيه أَيْضا عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق حَدثنِي عبد الله بن أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم قَالَ: «إِنَّمَا خرص عبد الله بن رَوَاحَة عَلَى أهل خَيْبَر عَاما وَاحِدًا، ثمَّ إِن (جَبَّار) بن صَخْر كَانَ يَبْعَثهُ رَسُول الله ﷺ بعد ابْن رَوَاحَة فيخرص عَلَيْهِم» . وَرَوَى ابْن مَنْدَه (من) حَدِيث مُحَمَّد بن [مغيث] الجرشِي - وَلَا أعرفهُ - عَن الصَّلْت بن زبيد بن الصَّلْت الْمدنِي، عَن أَبِيه، عَن جده «أَنه
стр. 3047
عَلَيْهِ السَّلَام اسْتَعْملهُ عَلَى الْخرص، فَقَالَ: أثبت لنا النّصْف وأبق لَهُم النّصْف؛ فَإِنَّهُم يسرقون وَلَا يصل إِلَيْهِم» . وَقد أسلفنا «أَنه ﵇ بعث سهل بن أبي حثْمَة خارصًا» أَيْضا، وَفِي «شرح التَّعْجِيز» لمصنفه أَنه ﵇ كَانَ لَهُ خراص معينون: حويصة ومحيصة وفروة وَغَيرهم.
الحَدِيث الثَّامِن عشر
أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا خرصتم فاتركوا لَهُم الثُّلُث، فَإِن لم تتركوا لَهُم الثُّلُث فاتركوا (لَهُم) الرّبع» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ فِي «سُنَنهمْ» ، وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» ، من حَدِيث سهل بن أبي حثْمَة ﵁، وَلَفظ التِّرْمِذِيّ: «إِذا خرصتم فَخُذُوا ودعوا الثُّلُث، فَإِن لم تدعوا الثُّلُث فدعوا الرّبع» . وَلَفظ أَحْمد كَذَلِك إِلَّا أَنه قَالَ: «فَإِن لم تدعوا فدعوا الرّبع» .
стр. 3048
وَلَفظ أبي دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن حبَان: «جَاءَ سهل بن أبي حثْمَة إِلَى مَجْلِسنَا، فَقَالَ: أمرنَا رَسُول الله ﷺ إِذا خرصتم فَخُذُوا ودعوا الثُّلُث، فَإِن لم تدعوا (أَو تَجدوا) الثُّلُث فدعوا الرّبع» . وللنسائي أَيْضا وَالْحَاكِم: «فَإِن لم تَأْخُذُوا أَو تدعوا - شكّ (شُعْبَة) - فدعوا الرّبع» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا الحَدِيث الْعَمَل عَلَيْهِ عِنْد أَكثر أهل الْعلم فِي الْخرص، وَبِه يَقُول أَحْمد وَإِسْحَاق. وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. قَالَ: وَله شَاهد بِإِسْنَاد مُتَّفق عَلَى صِحَّته؛ أَن عمر بن الْخطاب أَمر بِهِ. ثمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إِلَى سهل بن أبي حثْمَة «أَن عمر بن الْخطاب بَعثه عَلَى خرص التَّمْر، وَقَالَ: إِذا أتيت أَرضًا فاخرصها ودع لَهُم قدر مَا يَأْكُلُون» .
وَأما ابْن الْقطَّان فَقَالَ: فِي إِسْنَاده عبد الرَّحْمَن بن مَسْعُود بن (نيار) ، قَالَ الْبَزَّار: لم يروه عَن سهل إِلَّا هُوَ، وَهُوَ مَعْرُوف. قَالَ ابْن الْقطَّان: وَهَذَا غير كَاف فِيمَا يَنْبَغِي من عَدَالَته فكم من مَعْرُوف غير ثِقَة، وَالرجل لَا يعرف لَهُ حَال وَلَا يعرف بِغَيْر هَذَا، وَلم يزدْ ذاكروه عَلَى مَا أخذُوا من هَذَا الْإِسْنَاد من رِوَايَته عَن سهل وَرِوَايَة خبيب بن عبد الرَّحْمَن عَنهُ، وَلم يتَعَرَّض التِّرْمِذِيّ لهَذَا الحَدِيث بقولٍ، لَا تَصْحِيح وَلَا
стр. 3049
تَحْسِين، وَلَا تسقيم ذَلِك. قَالَ: وَسَهل لَا يبعد أَن يكون سمع هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ لَيْسَ من يضْبط، وَلَعَلَّه سمع ذَلِك آخر حَيَاة رَسُول الله ﷺ يَقُوله لِأَبِيهِ، فَإِنَّهُ كَانَ خارص رَسُول الله ﷺ أَو لغيره، وَقد جَاءَ فِي الدَّارَقُطْنِيّ أَنه بَعثه خارصًا لَكِن بسندٍ فِيهِ مَجَاهِيل، أَو أَنه تَصْحِيف وَصَوَابه (أَنه) بعث أَبَاهُ.
قلت: عبد الرَّحْمَن هَذَا وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِم بن حبَان، فَإِنَّهُ ذكره فِي «ثقاته» ، وَأخرج الحَدِيث فِي «صَحِيحه» من جِهَته، وَكَذَلِكَ الْحَاكِم صحّح إِسْنَاده، فقد عرف حَاله كَمَا قَالَه الْبَزَّار، وَللَّه الْحَمد.
وَقَول النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث صَحِيح، إِلَّا عبد الرَّحْمَن بن مَسْعُود بن نيار الرَّاوِي عَن سهل بن أبي حثْمَة، فَلم يتكلموا فِيهِ بِجرح وَلَا تَعْدِيل، وَلَا هُوَ مَشْهُور، وَلم (يُضعفهُ) أَبُو دَاوُد. فِيهِ مَا ذَكرْنَاهُ من كَونه ثِقَة.
وَقَول صَاحب «الْإِلْمَام» بعد أَن نقل تَصْحِيحه عَن الْحَاكِم: فِيمَا قَالَ نظر. مُرَاده بِهِ مَا ذَكرْنَاهُ عَن ابْن الْقطَّان، فَإِنَّهُ نَقله عَنهُ فِي كتاب «الإِمَام» وَأقرهُ عَلَيْهِ، وَقد عرفت مَا فِيهِ.
فَائِدَة: قَالَ ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» : لهَذَا الحَدِيث مَعْنيانِ:
стр. 3050
أَحدهمَا: أَن يتْرك الثُّلُث أَو الرّبع من الْعشْر. وَثَانِيهمَا: أَن يتْرك ذَلِك من نَفْس التَّمْر قبل أَن يعشر إِذا كَانَ ذَلِك حَائِطا كَبِيرا يحْتَملهُ.
وَقَالَ الشَّافِعِي: مَعْنَاهُ يدع ثلث الزَّكَاة أَو ربعهَا ليفرقها هُوَ بِنَفسِهِ عَلَى أَقَاربه وجيرانه. وَقَالَ فِي «الْأُم» : (مَعْنَاهُ) يدع لَهُ ولأهله قدر مَا يَأْكُلُون وَلَا يخرصه. وَمُقْتَضَى هَذَا أَنه إِذا احْتَاجَ وَأَهله إِلَى الْجَمِيع أَنه يتْرك الْجَمِيع. وَقد حَكَاهُ كَذَلِك الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِيه» .
(هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِحَمْد الله وَمِنْه) .
وَأما آثاره فسبعة: الأول: عَن عمر ﵁ وَغَيره: «فِي الزَّيْتُون الْعشْر» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» ، وَقَالَ: إِسْنَاده مُنْقَطع، وَرَاوِيه لَيْسَ بِقَوي. رَوَاهُ من جِهَة الْوَلِيد - يَعْنِي: ابْن مُسلم - أَخْبرنِي عُثْمَان بن عَطاء، عَن أَبِيه عَطاء الْخُرَاسَانِي «أَن عمر بن الْخطاب لما قدم الْجَابِيَة رفع إِلَيْهِ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ أَنهم اخْتلفُوا فِي عشر الزَّيْتُون، فَقَالَ عمر: فِيهِ الْعشْر إِذا بلغ خَمْسَة أوسق حبه، عصره وَأخذ عشر زيته» .
وَمُرَاد الْبَيْهَقِيّ بالانقطاع بَين عَطاء الْخُرَاسَانِي (وَعمر) ، وَقَوله: (وَرَاوِيه) لَيْسَ بِالْقَوِيّ، يُرِيد: عُثْمَان بن عَطاء؛ فَإِنَّهُم ضَعَّفُوهُ، وَقد نبه عَلَى ذَلِك صَاحب «الإِمَام» ، وَعبارَته فِي «الْمعرفَة» - أَعنِي الْبَيْهَقِيّ -:
стр. 3051
وَرَاوِيه (ضَعِيف) .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَأَصَح مَا رُوِيَ فِي الزَّيْتُون قَول ابْن شهَاب الزُّهْرِيّ: مَضَت السّنة فِي زَكَاة الزَّيْتُون أَن تُؤْخَذ مِمَّن عصر زيتونه حِين يعصره، فِيمَا سقت السَّمَاء [والأنهار] أَو كَانَ بعلاً الْعشْر، وَمَا سقِِي برشاء الناضح نصف الْعشْر.
قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : وَهَذَا مَوْقُوف لَا نعلم اشتهاره فَلَا يحْتَج بِهِ عَلَى الصَّحِيح.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَحَدِيث معَاذ بن جبل وَأبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ أَعلَى وَأولَى أَن يُؤْخَذ بِهِ. يَعْنِي: روايتهما «أنَّه ﷺ قَالَ لَهما لما بعثهما إِلَى الْيمن: لَا تأخذا الصَّدَقَة إِلَّا من هَذِه الْأَرْبَعَة: الْحِنْطَة، وَالشعِير، وَالتَّمْر، وَالزَّبِيب» .
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : الْبَيْهَقِيّ لَا يَقُول بِمُقْتَضَاهُ فِي الِاقْتِصَار عَلَى هَذِه (الْأَجْنَاس) الْأَرْبَعَة. وَقَول الرَّافِعِيّ عَن ابْن عمر وَغَيره: «إِن فِي الزَّيْتُون الْعشْر» لَعَلَّه أَشَارَ بقوله: «وَغَيره» إِلَى قَول ابْن شهَاب: إِن فِيهِ الْعشْر. (رَوَاهُ) الْبَيْهَقِيّ، أَو إِلَى قَوْله: «مَضَت السّنة ... » إِلَى آخِره. وَذكره صَاحب «الْمُهَذّب» من قَول ابْن عَبَّاس
стр. 3052
أَيْضا، وَلَا يحضرني من خرجه. (وَقَالَ) النَّوَوِيّ: إِنَّه ضَعِيف.
الْأَثر الثَّانِي: قَالَ الرَّافِعِيّ: وَنقل فِي الْقَدِيم أَنه يجب فِيهِ الزَّكَاة إِن صَحَّ حَدِيث أبي بكر ﵁، وَهُوَ مَا رُوِيَ «أَنه كتب إِلَى بني خفاش أَن أَدّوا زَكَاة الذّرة والورس» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الشَّافِعِي بِنَحْوِهِ وَضَعفه؛ فَقَالَ: أَخْبرنِي هِشَام بن يُوسُف «أَن أهل خُفَّاش أخرجُوا كتابا من أبي بكر الصّديق فِي قِطْعَة أَدِيم إِلَيْهِم، يَأْمُرهُم بِأَن يؤدوا عشر الورس» .
قَالَ الشَّافِعِي: وَلَا أَدْرِي أثابت هَذَا، وَهُوَ يعْمل بِهِ بِالْيمن، فَإِن كَانَ ثَابتا عشر قَلِيله وَكَثِيره.
قَالَ (الْبَيْهَقِيّ) : لم يثبت فِي هَذَا إِسْنَاد تقوم (بِمثلِهِ) حجَّة، وَالْأَصْل أَن لَا وجوب، فَلَا يُؤْخَذ من غير مَا ورد بِهِ خبر صَحِيح، أَو كَانَ فِي غير (مَعْنَى) مَا ورد بِهِ خبر صَحِيح. وَنقل النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» (اتِّفَاق) الْحفاظ عَلَى ضعف هَذَا الْأَثر، وَأَن الْأَصْحَاب فِي كتب (الْمَذْهَب) أطبقوا عَلَى تَضْعِيفه.
стр. 3053
فَائِدَة: خُفَّاش بِضَم الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْفَاء الْمُشَدّدَة، وَغلط من ضَبطه بِكَسْر الْخَاء الْمُعْجَمَة وَفتح الْفَاء.
قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : الصَّوَاب الأول، وَهَذَا غلط، والورس (شجر) مَعْرُوف يصْبغ بِهِ.
الْأَثر الثَّالِث: عَن عَلّي ﵁: «لَيْسَ فِي الْعَسَل زَكَاة» .
وَهَذَا الْأَثر رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» من حَدِيث حُسَيْن بن زيد، عَن جَعْفَر بن مُحَمَّد، عَن أَبِيه، عَن عَلّي بِهِ. وحسين هَذَا فِي حَدِيثه بعض (النكرَة) ، كَمَا قَالَه ابْن عدي.
الْأَثر الرَّابِع: عَن (ابْن) عمر، مثله.
وَهَذَا الْأَثر أسلفناه فِي آخر الحَدِيث الْخَامِس عَن حِكَايَة (ابْن) الْمُنْذر، وَقد أسلفناه مَرْفُوعا من حَدِيثه وضعفناه.
الْأَثر الْخَامِس: «أَن أَبَا بكر ﵁ كَانَ يَأْخُذ الزَّكَاة مِنْهُ» .
وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه عَنهُ.
стр. 3054
الْأَثر السَّادِس: «أَن أَبَا بكر ﵁ أَيْضا كَانَ يَأْخُذ الزَّكَاة من القرطم» .
وَهَذَا الْأَثر لَا يحضرني من خرجه عَنهُ أَيْضا.
الْأَثر السَّابِع: عَن عمر ﵁ «أَنه فتح سَواد الْعرَاق، وَوَقفه عَلَى الْمُسلمين وَضرب عَلَيْهِ خراجًا» .
وَهَذَا الْأَثر سَيَأْتِي الْكَلَام عَلَيْهِ وَاضحا فِي بَابه - إِن شَاءَ الله - فَإِنَّهُ أليق بِهِ.
стр. 3055
بَاب زَكَاة الذَّهَب وَالْفِضَّة
ذكر ﵀ فِيهِ أَحَادِيث وآثارًا، أما الْأَحَادِيث فاثنى عشر حَدِيثا.
الحَدِيث الأول
عَن أبي سعيد الخدرى ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِيمَا دون خمس (أَوَاقٍ) من الْوَرق صَدَقَة» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَيْهِ، أخرجه (الشَّيْخَانِ) بِهَذَا اللَّفْظ من هَذَا الْوَجْه، وَانْفَرَدَ مُسلم بِإِخْرَاجِهِ من حَدِيث جَابر ﵁، وَقد كَرَّرَه الرَّافِعِيّ فِي الْبَاب، فَذكره فِي كَلَامه عَلَى النّصاب، فَقَالَ: لنا قَوْله ﵇: «لَيْسَ فِيمَا دون خمس (أَوَاقٍ) من الْوَرق صَدَقَة» وَسَائِر الْأَخْبَار.
فَائِدَة: الْأُوقِيَّة الحجازية أَرْبَعُونَ درهما. وَفِي الْوَرق أَربع لُغَات: فتح الْوَاو وَكسر الرَّاء (وإسكانها، وبكسر الْوَاو) وَإِسْكَان الرَّاء، ثَلَاث لُغَات مشهورات. وَحَكَى الصغاني فِي (كِتَابه) «الشوارد من اللُّغَات» فَفتح الْوَاو وَالرَّاء، قَالَ: وَقَرَأَ أَبُو (عَمْرو) : (فَابْعَثُوا أحدكُم
стр. 3056
بورقكم) وَالْوَرق الدَّرَاهِم المضروبة وَكَذَلِكَ الرقة، وَقيل: الْوَرق: المسكوك خَاصَّة، والرقة: الْفضة كَيْفَمَا كَانَت، وَقيل: الْوَرق والرقة سَوَاء يقعان عَلَى مسكوك وَغير مسكوك، وَقيل: لَا يُقَال لما (لم) يضْرب من الدَّرَاهِم ورق، وَإِنَّمَا يُقَال لَهُ فضَّة؛ حكاهن الْمُنْذِرِيّ فِي حَوَاشِيه، وَفِي «تَفْسِير الْقُرْطُبِيّ» فِي أثْنَاء سُورَة الْفَاتِحَة: الْوَرق بِكَسْر الرَّاء الدَّرَاهِم، وَبِفَتْحِهَا المَال.
الحَدِيث الثَّانِي
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا بلغ مَال أحدكُم خمس أَوَاقٍ مِائَتي دِرْهَم فَفِيهِ خَمْسَة دَرَاهِم» .
هَذَا الحَدِيث ذكره صَاحب «الْمُهَذّب» من رِوَايَة ابْن عمر، وَلم يعزه الْمُنْذِرِيّ فِي تَخْرِيجه إِلَى أحد، وَاسْتَغْرَبَهُ النَّوَوِيّ فِي «شَرحه» وَقَالَ: (يُغني) عَنهُ الْإِجْمَاع، فالمسلمون مجمعون عَلَى مَعْنَاهُ. وَقَالَ
стр. 3057
ابْن (معن) فِي «تنقيبه» : (رَاوِيه) أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ مَعْنَاهُ، وَقد سلف فِي الحَدِيث الأول. ورأيته أَنا فِي «سنَن الدَّارَقُطْنِيّ» من حَدِيث يزِيد بن سِنَان، عَن زيد بن أبي أنيسَة، عَن أبي الزبير، عَن جابرٍ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «لَا زَكَاة فِي شَيْء من الْفضة حَتَّى تبلغ خمس (أَوَاقٍ) ، وَالْأُوقِية أَرْبَعُونَ درهما» . وَيزِيد هَذَا مَتْرُوك.
وفيهَا أَيْضا من حَدِيث ابْن أبي لَيْلَى، عَن عبد الْكَرِيم، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لَيْسَ فِي أقل من خمس ذود شَيْء [وَلَا فِي أقل من أَرْبَعِينَ من الْغنم شَيْء، وَلَا فِي أقل من ثَلَاثِينَ من الْبَقر شَيْء] وَلَا فِي أقل من عشْرين مِثْقَالا [من الذَّهَب] شَيْء، وَلَا فِي أقل من مِائَتي دِرْهَم شَيْء [وَلَا فِي أقل من خَمْسَة أوسق شَيْء، وَالْعشر فِي التَّمْر وَالزَّبِيب وَالْحِنْطَة وَالشعِير، وَمَا سقِِي سيحًا فَفِيهِ الْعشْر، وَمَا سقِِي بالغرب فَفِيهِ نصف الْعشْر] »
стр. 3058
وَابْن أبي لَيْلَى سيئ الْحِفْظ، وَعبد الْكَرِيم ضَعَّفُوهُ.
وَفِي «سنَن أبي دَاوُد» من حَدِيث أبي عوَانَة، عَن أبي إِسْحَاق، عَن عَاصِم (بن ضَمرَة) ، عَن عَلّي قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «قد عَفَوْت عَن الْخَيل وَالرَّقِيق، (فهاتوا صَدَقَة الرقة، من كل أَرْبَعِينَ درهما (درهما) ، وَلَيْسَ فِي تسعين وَمِائَة شَيْء، فَإِذا بلغت مِائَتَيْنِ فَفِيهَا خَمْسَة دَرَاهِم» .
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي «جَامعه» كَذَلِك، وَكَذَا أَحْمد فِي «مُسْنده» ، وَالْبَزَّار أَيْضا، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظ: «قد عَفَوْت عَن الْخَيل وَالرَّقِيق) ، فأدوا زَكَاة أَمْوَالكُم، فِي كل مِائَتَيْنِ خَمْسَة» ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «قد عَفَوْت عَن الْخَيل وَالرَّقِيق، وَلَيْسَ فِيمَا دون مِائَتَيْنِ زَكَاة» .
وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من حَدِيث أبي إِسْحَاق، عَن الْحَارِث (عَن) عَلّي بِلَفْظ: « (قد) عَفَوْت لكم عَن صَدَقَة الْخَيل
стр. 3059
وَالرَّقِيق، وَلَكِن هاتوا (ربع) العشور من كل أَرْبَعِينَ [درهما] دِرْهَم» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ بعد أَن (رَوَاهُ) : رَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ وَابْن عُيَيْنَة وَغير وَاحِد عَن (أبي) إِسْحَاق، عَن الْحَارِث، عَن عَلّي قَالَ: وَسَأَلت مُحَمَّدًا - يَعْنِي: البُخَارِيّ - عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: كِلَاهُمَا عِنْدِي صَحِيح عَن أبي إِسْحَاق، يحْتَمل أَن يكون عَنْهُمَا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: الصَّوَاب وَقفه عَلَى عليٍّ ﵁، وَقَالَ الْبَزَّار: لَا يرويهِ غير عَاصِم عَن عَلّي.
قلت: قد رَوَاهُ الْحَارِث عَنهُ، وَلَا يعرف مَرْفُوعا إِلَّا من حَدِيث عليٍّ.
الحَدِيث الثَّالِث
عَن عليٍّ ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «هاتوا ربع الْعشْر من الْوَرق، وَلَا شَيْء (فِيهِ) حَتَّى يبلغ (مِائَتي) دِرْهَم وَمَا زَاد فبحسابه» . وَرُوِيَ مثله فِي الذَّهَب.
стр. 3060
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، عَن عبد الله بن مُحَمَّد النُّفَيْلِي، نَا زُهَيْر، قَالَ: نَا أَبُو إِسْحَاق، عَن عَاصِم بن ضَمرَة وَعَن الْحَارِث الْأَعْوَر، عَن عَلّي - قَالَ زُهَيْر: أَحْسبهُ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «هاتوا ربع (العشور) ، من كل أَرْبَعِينَ درهما دِرْهَم، وَلَيْسَ عَلَيْكُم شَيْء حَتَّى تتمّ مِائَتي دِرْهَم، فَإِذا كَانَت عِنْده مِائَتي دِرْهَم فَفِيهَا خَمْسَة (دَرَاهِم) ، فَإِن زَاد فعلَى حِسَاب ذَلِك» ثمَّ ذكر صَدَقَة الْغنم وَغَيرهَا.
ثمَّ رَوَى عَن سُلَيْمَان بن دَاوُد، أَنا ابْن وهب، أَخْبرنِي جرير بن (حَازِم) ، وَسَمَّى آخر، عَن أبي إِسْحَاق، عَن عَاصِم بن ضَمرَة والْحَارث الْأَعْوَر، عَن عَلّي (عَن) النَّبِي ﷺ بِبَعْض أول الحَدِيث، قَالَ: «فَإِذا كَانَ لَهُ مِائَتَا دِرْهَم، وَحَال عَلَيْهَا الْحول، فَفِيهَا خَمْسَة دَرَاهِم، وَلَيْسَ عَلَيْك شَيْء - يَعْنِي فِي الذَّهَب - حَتَّى يكون لَك عشرُون دِينَارا، فَإِذا كَانَت لَك عشرُون دِينَارا، وَحَال عَلَيْهَا الْحول، فَفِيهَا نصف دِينَار، فَمَا زَاد (فبحساب) ذَلِك» .
قَالَ: لَا أَدْرِي أعليٌّ يَقُول: [فبحساب] ذَلِك، أَو رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ .
стр. 3061
ثمَّ قَالَ: رَوَى هَذَا الحَدِيث الْأَعْمَش، عَن أبي إِسْحَاق، كَمَا قَالَ أَبُو عوَانَة، وَرَوَاهُ شَيبَان [أَبُو مُعَاوِيَة] وَإِبْرَاهِيم بن طهْمَان، عَن أبي إِسْحَاق، عَن الْحَارِث، (عَن عَلّي) ، عَن النَّبِي ﷺ ، وَرَوَى حَدِيث النُّفَيْلِي: شُعْبَة وسُفْيَان وَغَيرهمَا، عَن أبي إِسْحَاق، عَن عَاصِم، عَن عليٍّ لم يرفعوه.
وَقَالَ (أَبُو مُحَمَّد) بن حزم فِي «محلاه» : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ ابْن وهب، عَن جرير بن حَازِم، عَن أبي إِسْحَاق، عَن عَاصِم بن ضَمرَة والْحَارث الْأَعْوَر، قرن فِيهِ أَبُو إِسْحَاق (بَين) عَاصِم والْحَارث، والْحَارث كَذَّاب، وَكثير من الشُّيُوخ يجوز عَلَيْهِ مثل هَذَا، وَهُوَ أَن الْحَارِث أسْندهُ وَعَاصِم لم يسْندهُ، فجمعهما جرير، وَأدْخل حَدِيث أَحدهمَا فِي الآخر، وَقد رَوَاهُ شُعْبَة وسُفْيَان وَمعمر، عَن أبي إِسْحَاق، عَن عَاصِم، عَن عليٍّ، مَوْقُوفا عَلَى عليٍّ، وَكَذَلِكَ كل ثِقَة رَوَاهُ عَن عَاصِم إِنَّمَا وَقفه عَلَى عليٍّ، وَقد بيَّنَّا أَنه حَدِيث هَالك، فَلَو أَن جَرِيرًا أسْندهُ عَن عَاصِم وَحده لأخذنا بِهِ، وَلَكِن لما (لم) يسْندهُ إِلَّا عَن الْحَارِث مَعَه لم يَصح لنا إِسْنَاده من طَرِيق عَاصِم. هَذَا آخر كَلَامه.
وَلما نَقله عبد الْحق فِي «أَحْكَامه» عَنهُ نقل عَن غَيره أَن هَذَا لَا
стр. 3062
يلْزم؛ لِأَن جَرِيرًا ثِقَة، وَقد أسْندهُ عَنْهُمَا، وَقد أسْندهُ (أَيْضا) أَبُو عوَانَة، عَن أبي إِسْحَاق، عَن عَاصِم، عَن عليٍّ مَرْفُوعا فِي زَكَاة الْوَرق؛ ذكر حَدِيثه التِّرْمِذِيّ، وَأَبُو عوَانَة ثِقَة.
قلت: وَذكر الدَّارَقُطْنِيّ أَن سَلمَة بن صَالح وَأَيوب بن جَابر رَفَعَاهُ عَن أبي إِسْحَاق، عَن عَاصِم، عَن عَلّي فهذان قد رَفَعَاهُ أَيْضا، ثمَّ إِن ابْن حزم نَاقض كَلَامه فِي آخر الْمَسْأَلَة فَقَالَ: ثمَّ استدركنا فَرَأَيْنَا أَن حَدِيث جرير بن حَازِم مُسْند صَحِيح، لَا يجوز خِلَافه، وَأَن الاعتلال فِيهِ بِأَن عَاصِم بن ضَمرَة أَو أَبَا إِسْحَاق أَو جَرِيرًا خلط إِسْنَاد الْحَارِث بإرسال عَاصِم، وَهُوَ الظَّن الَّذِي لَا يجوز، وَمَا علينا من مُشَاركَة الْحَارِث لعاصم، وَجَرِير ثِقَة، وَالْأَخْذ بِمَا أسْندهُ لَازم. هَذَا لَفظه وَلَا يلتئم مَعَ الأول.
وَأما قَوْله: « (فبحساب) ذَلِك» فقد أسْندهُ زيد بن حبَان (الرقي) - وَأَصله كُوفِي - عَن أبي إِسْحَاق، عَن عَاصِم، عَن عليٍّ مَرْفُوعا. وَزيد هَذَا وَثَّقَهُ (يَحْيَى) ، وَقَالَ أَحْمد: تركُوا حَدِيثه. وَقَالَ ابْن عدي: لَا أرَى بروايته بَأْسا.
стр. 3063
قَالَ ابْن حزم: وَرَوَى [الْمنْهَال بن الْجراح]- وَهُوَ كَذَّاب - عَن حبيب (بن) نجيح - وَهُوَ مَجْهُول - عَن عبَادَة بن نسي، عَن معَاذ «أَن رَسُول الله ﷺ أمره حِين وَجهه إِلَى الْيمن: أَن لَا يَأْخُذ من الكسور شَيْئا إِذا بلغ الْوَرق مِائَتي دِرْهَم خَمْسَة دَرَاهِم، وَلَا يَأْخُذ (مِمَّا) زَاد حَتَّى يبلغ أَرْبَعِينَ درهما) .
ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ، قَالَ: وَلم يسمع (عبَادَة) من معَاذ. قَالَ: وَرُوِيَ من طَرِيق الْحسن بن عمَارَة - وَهُوَ مَتْرُوك - عَن أبي إِسْحَاق، عَن عَاصِم، عَن عَلّي مَرْفُوعا، فِي صَدَقَة الْوَرق: «لَا زَكَاة فِيمَا زَاد عَلَى المائتي دِرْهَم حَتَّى تبلغ أَرْبَعِينَ درهما» . قَالَ: وَرُوِيَ مثله من طَرِيق أبي أويس، عَن عبد الله وَمُحَمّد ابْني أبي بكر بن مُحَمَّد بن عَمْرو بن حزم، عَن أَبِيهِمَا، عَن جدهما. قَالَ: وَهَذِه صحيفَة مُنْقَطِعَة.
وَقَالَ ابْن عبد الْبر: لم يثبت عَن النَّبِي ﷺ فِي زَكَاة الذَّهَب شَيْء من جِهَة نقل الْآحَاد الْعُدُول الثِّقَات. وَكَلَامه هَذَا يحمل عَلَى تَقْدِير نصابه، لَا عَلَى أصل إِيجَاب الزَّكَاة فِيهِ، كَمَا نبه عَلَيْهِ صَاحب «الإِمَام» .
стр. 3064
تَنْبِيه: قَالَ الرَّافِعِيّ: غَالب مَا (كَانُوا) يتعاملون بِهِ من أَنْوَاع الدَّرَاهِم فِي عصر رَسُول الله ﷺ (والصدر الأول بعده نَوْعَانِ: بغليَّة وَهُوَ ثَمَانِيَة دوانق، وطبريَّة) وَهُوَ أَرْبَعَة، فَأخذُوا وَاحِدًا من هَذِه وواحدًا من هَذِه وقسموها نِصْفَيْنِ، وَجعلُوا كل وَاحِد درهما، يُقَال: فعل ذَلِك فِي زمَان بني أُميَّة. وَنسبه الْمَاوَرْدِيّ إِلَى فعل عمر ﵁، وَهَذَا لم أره عَن عمر فِي كتاب حَدِيثي فليبحث عَنهُ.
الحَدِيث الرَّابِع
أنَّه ﷺ قَالَ: «الْمِيزَان ميزَان أهل مَكَّة، والمكيال مكيال (أهل) الْمَدِينَة» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْبيُوع، وَالنَّسَائِيّ هُنَا، من حَدِيث سُفْيَان عَن حَنْظَلَة، عَن طَاوس، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا (بِهِ وَاللَّفْظ لأبي دَاوُد، وَلَفظ النَّسَائِيّ: «عَلَى مكيال» «وَعَلَى ميزَان» ، وَرِجَاله رجال الصَّحِيح (من) سُفْيَان إِلَى آخِره، لَا جرم قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : إِسْنَاده عَلَى شَرط الشَّيْخَيْنِ. وَقَالَ صَاحب «الإِمَام» : رِجَاله رجال الصَّحِيح. وَفِي رِوَايَة لَهما: «وزن الْمَدِينَة
стр. 3065
ومكيال مَكَّة» . قَالَ أَبُو دَاوُد: (وَرَوَاهُ) بَعضهم من رِوَايَة ابْن عَبَّاس فَأَخْطَأَ.
قلت: وَمن هَذَا الطَّرِيق أخرجهَا ابْن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَلَفظه: «الْوَزْن وزن مَكَّة، والمكيال مكيال [أهل] الْمَدِينَة» . وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم: سَأَلت أبي عَنْهُمَا فَقَالَ: أَخطَأ أَبُو نعيم فِي حَدِيث ابْن عمر، وَالصَّحِيح حَدِيث ابْن عَبَّاس. وَهَذَا مُخَالف لما ذكره أَبُو دَاوُد، وَلَكِن وَافقه الدَّارَقُطْنِيّ فَقَالَ فِي «علله» : الصَّحِيح حَدِيث ابْن عمر. قَالَ: وَرَوَاهُ الْفرْيَابِيّ عَن الثَّوْريّ، وَخَالفهُ فِي الْمَتْن، فَقَالَ: «الْمِكْيَال (مكيال) أهل مَكَّة، وَالْوَزْن وزن أهل الْمَدِينَة» وَالصَّحِيح اللَّفْظ الآخر. وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ أَيْضا: إِن الصَّوَاب الآخر. وَرَوَاهُ مَالك بن دِينَار عَن عَطاء، عَن النَّبِي ﷺ ، وَالصَّوَاب مَا تقدم.
فَائِدَة: قَالَ الْخطابِيّ: مَعْنَى الحَدِيث أَن الْوَزْن الَّذِي يتَعَلَّق بِهِ حق الزَّكَاة وزن أهل مَكَّة، و (هِيَ) دَار الْإِسْلَام. قَالَ ابْن حزم: وبحثت غَايَة الْبَحْث (عَن) كل من (وثقت) بتمييزه، فَكل اتّفق لي
стр. 3066
عَلَى أَن دِينَار الذَّهَب بِمَكَّة وَزنه اثْنَان وَثَمَانُونَ حَبَّة، وَثَلَاثَة أعشار حَبَّة بالحب من الشّعير الْمُطلق، وَالدِّرْهَم سَبْعَة أعشار المثقال، فوزن الدِّرْهَم الْمَكِّيّ سَبْعَة وَخَمْسُونَ حَبَّة وَسِتَّة أعشار حَبَّة وَعشر عشر حَبَّة، فالرطل مائَة دِرْهَم وَاحِدَة وَثَمَانِية وَعِشْرُونَ درهما (بالدرهم) الْمَذْكُور.
الحَدِيث الْخَامِس
أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا زَكَاة فِي مَال حَتَّى يحول عَلَيْهِ الْحول» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي بَابه وَاضحا.
الحَدِيث السَّادِس
«أنّ امْرَأتَيْنِ أتتا رَسُول الله ﷺ وَفِي أَيْدِيهِمَا (سواران) من ذهب؛ فَقَالَ لَهما: أتؤديان زَكَاته؟ قَالَتَا: لَا فَقَالَ لَهما رَسُول الله ﷺ : أتحبان أَن يسوركما الله بسوارين من نَار؟ قَالَتَا: لَا. قَالَ: فأديا زَكَاته» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ، عَن قُتَيْبَة، عَن ابْن لَهِيعَة، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده «أَن امْرَأتَيْنِ ... » فَذكره بِمثلِهِ سَوَاء، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث قد رَوَاهُ الْمثنى بن الصَّباح، عَن عَمْرو بن شُعَيْب نَحْو هَذَا، والمثنى وَابْن لَهِيعَة يُضعفَانِ فِي الحَدِيث، قَالَ: وَلَا يَصح (فِي هَذَا الْبَاب) عَن النَّبِي ﷺ شَيْء - أَي فِي زَكَاة الْحلِيّ - وَتَبعهُ عَلَى ذَلِك صَاحب الْمُغنِي من الْحفاظ والكبار فَقَالَ: بَاب زَكَاة الْحلِيّ لَا
стр. 3067
يَصح فِيهِ عَن النَّبِي ﷺ كَبِير شَيْء.
وَهَذَا من التِّرْمِذِيّ ﵀ إِنَّمَا ذكره لِأَنَّهُ لم يَقع (لَهُ) الحَدِيث إِلَّا من طَرِيق الْمثنى بن الصَّباح وَابْن لَهِيعَة عَن عَمْرو، وَإِلَّا فَلهُ طَريقَة أُخْرَى صَحِيحَة رَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ من حَدِيث حُسَيْن الْمعلم، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن (حميد بن مسْعدَة وَأبي كَامِل الجحدري، عَن خَالِد بن الْحَارِث) عَن حُسَيْن. وَالنَّسَائِيّ عَن إِسْمَاعِيل بن مَسْعُود، عَن خَالِد، (عَن) حُسَيْن، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده «أَن امْرَأَة أَتَت رَسُول الله ﷺ ، وَمَعَهَا ابْنة لَهَا، وَفِي يَد ابْنَتهَا مسكتان غليظتان من ذهب، فَقَالَ لَهَا: أتعطين زَكَاة هَذَا؟ قَالَت: لَا. قَالَ: أَيَسُرُّك أَن يسورك الله (بهما) يَوْم الْقِيَامَة بسوارين من نَار؟ قَالَ: فخلعتهما فألقتهما إِلَى رَسُول الله ﷺ ، (وَقَالَت) : هما لله وَلِرَسُولِهِ» . اللَّفْظ لأبي دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ بِنَحْوِهِ.
والمسكتان: - بِفَتْح الْمِيم وَالسِّين - تَثْنِيَة مَسَكة، وَهِي السوار. وحسين الْمعلم وَمن قبله ثِقَات احْتج بهم فِي الصَّحِيح، خلا شيخ
стр. 3068
النَّسَائِيّ فَإِنَّهُ لم يخرج لَهُ فِيهِ، وَهُوَ صَدُوق، فَهُوَ حَدِيث صَحِيح، وَلَا (يقبل) تَضْعِيف ابْن الْجَوْزِيّ لَهُ بقوله: حُسَيْن بن ذكْوَان أخرج لَهُ فِي الصِّحَاح لَكِن قَالَ يَحْيَى ابْن معِين: فِيهِ اضْطِرَاب. وَقَالَ الْعقيلِيّ: ضَعِيف. هَذَا كَلَامه، فالعقيلي ضعفه بِلَا حجَّة ذكر لَهُ حَدِيثا وَاحِدًا غَيره يُرْسِلهُ فَكَانَ مَاذَا؟
وَقَول ابْن الْجَوْزِيّ: قَالَ (يَحْيَى بن معِين) : فِيهِ اضْطِرَاب؛ مِمَّا وهم فِيهِ، وَصَوَابه: قَالَ يَحْيَى بن سعيد. كَمَا نَقله غَيره، وَقد قَالَه يَحْيَى بن سعيد مرّة.
وَلَا يقبل أَيْضا تَضْعِيف ابْن حزم لَهُ فِي «مُحلاَّه» حَيْثُ قَالَ: احْتج من رَأَى إِيجَاب الزَّكَاة فِي الْحلِيّ بآثار واهية، وَهُوَ خبر رَوَيْنَاهُ من حَدِيث خَالِد بن الْحَارِث عَن حُسَيْن الْمعلم ... فَذكره، وَقَوله هُوَ (الواهي) .
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هَذَا الْخَبَر تفرد بِهِ (عَمْرو) . قلت: لَا يضرّهُ؛
стр. 3069
لِأَنَّهُ ثِقَة، وَقد نقل هُوَ فِي كتاب الطَّلَاق قبل النِّكَاح عَن ابْن رَاهَوَيْه (أَنه) إِذا كَانَ الرَّاوِي عَنهُ ثِقَة فَهُوَ كأيوب عَن نَافِع عَن ابْن عمر، وَذكر عَن جمَاعَة من الْحفاظ أَنهم يحتجون بحَديثه فَلَا يضر حينئذٍ تفرده بِالْحَدِيثِ.
وَأما الإِمَام الشَّافِعِي فَقَالَ فِي الْقَدِيم: قَالَ بعض النَّاس: فِي الْحلِيّ زَكَاة، وَرَوَى (فِيهِ) شَيْئا ضَعِيفا. قَالَ الْبَيْهَقِيّ: كَأَن الشَّافِعِي أَرَادَ حَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده، ثمَّ رَوَاهُ من طَرِيق حُسَيْن الْمعلم، عَن عَمْرو كَمَا سلف، وَمن طَرِيق الْحجَّاج بن أَرْطَاة وَضَعفه، (ثمَّ) قَالَ: حُسَيْن أوثق من الْحجَّاج، غير أَن الشَّافِعِي ﵀ كَانَ (كالمتوقف) فِي رِوَايَة عَمْرو ابْن شُعَيْب، عَن أَبِيه، عَن جده، إِذا لم يَنْضَم إِلَيْهَا مَا يؤكدها؛ لِأَنَّهُ قيل: إِن رِوَايَته عَن أَبِيه عَن جده صحيفَة كتبهَا عبد الله بن عَمْرو.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد ذكرنَا فِي كتاب الْحَج مَا يدل عَلَى صِحَة سَماع عَمْرو (من) أَبِيه، وَسَمَاع أَبِيه (من) جده عبد الله بن عَمْرو.
стр. 3070
قَالَ: وَقد انْضَمَّ إِلَى حَدِيثه هَذَا حَدِيث أم سَلمَة وَحَدِيث عَائِشَة فِي مثل ذَلِك. قلت: وَكَذَا حَدِيث أَسمَاء.
قَالَ أَحْمد فِي «مُسْنده» : نَا عَلّي بن عَاصِم، عَن عبد الله بن عُثْمَان بن خثيم، عَن شهر بن حَوْشَب، عَن أَسمَاء بنت يزِيد قَالَت: «دخلت أَنا وخالتي عَلَى رَسُول الله ﷺ (وعلينا) أسورة من ذهب، فَقَالَ لنا: أتعطيان زَكَاته؟ فَقُلْنَا: لَا. قَالَ: أما تخافان أَن يسوركما الله بأسورة من نَار؟ أديا زَكَاته» . وعليٌّ ضَعَّفُوهُ، وَعبد الله من رجال مُسلم، وَهُوَ ثِقَة، وَلينه ابْن معِين مرّة، وَشهر تَرَكُوهُ، وَقَول الْبَيْهَقِيّ: «حُسَيْن الْمعلم أوثق من الْحجَّاج» فِيهِ وَقْفَة؛ فحسين أخرج لَهُ فِي الصِّحَاح مستقلاًّ، وحجاج أخرج لَهُ مُسلم مَقْرُونا وَتَكَلَّمُوا فِيهِ كثيرا. وَقَول الْبَيْهَقِيّ: «إِن الشَّافِعِي كالمتوقف فِي عَمْرو بن شُعَيْب» قد نقل عَنهُ غَيره أَنه صرَّح بذلك، فَقَالَ: لَا أحتج بحَديثه حَتَّى أعلم عَن أَي جديه يروي، فَإِن رَوَاهُ عَن جده مُحَمَّد بن عبد الله فَهُوَ مُرْسل لَا أحتج بِهِ، وَإِن رَوَاهُ عَن جد أَبِيه، فجد أَبِيه عبد الله بن عَمْرو بن العَاصِي، فَهُوَ صَحِيح، يجب الْعَمَل بِهِ. كَذَا نَقله عَنهُ ابْن (معن) فِي «تنقيبه» والقلعي أَيْضا. وَرَوَى النَّسَائِيّ هَذَا الحَدِيث مرّة من حَدِيث مُعْتَمر بن سُلَيْمَان مُرْسلا، ثمَّ قَالَ: خَالِد أثبت عندنَا من مُعْتَمر، (وَحَدِيث مُعْتَمر أولَى بِالصَّوَابِ) .
стр. 3071
الحَدِيث السَّابِع
رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا زَكَاة فِي الْحلِيّ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» من حَدِيث عَافِيَة بن أَيُّوب، عَن اللَّيْث، عَن أبي الزبير، عَن جَابر مَرْفُوعا، ثمَّ قَالَ: لَا أصل لَهُ. وَقَالَ: وفقهاؤنا يَرْوُونَهُ مَرْفُوعا وَلَا أصل لَهُ. (قَالَ) : وَإِنَّمَا (يرْوَى) عَن جَابر من قَوْله غير مَرْفُوع. قَالَ: وعافية بن أَيُّوب مَجْهُول، فَمن احْتج بِهِ كَانَ مغررًا بِدِينِهِ، دَاخِلا فِيمَا نعيب بِهِ الْمُخَالفين من الِاحْتِجَاج بِرِوَايَة الْكَذَّابين، وَالله يعصمنا من أَمْثَاله. وَقَالَ فِي «خلافياته» : لَا أصل لَهُ مَرْفُوعا (وَالصَّحِيح أَنه مَوْقُوف عَلَى جَابر.
وَأما ابْن الْجَوْزِيّ فَرَوَاهُ فِي «تَحْقِيقه» مَرْفُوعا) ثمَّ قَالَ: إِن قيل: (إِن) عَافِيَة ضَعِيف. قُلْنَا: مَا عرفنَا أحدا طعن فِيهِ. ثمَّ قَالَ: فَإِن قيل: فقد رُوِيَ هَذَا الحَدِيث (مَوْقُوفا) عَلَى جَابر. قُلْنَا: الرَّاوِي (قد) يسند الشَّيْء تَارَة، ويفتي بِهِ أُخْرَى.
وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث «الْمُهَذّب» : فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث عَافِيَة بن أَيُّوب، وَلم يبلغنِي عَنهُ مَا يُوجب تَضْعِيفه.
وَاعْترض عَلَيْهِ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين، فَقَالَ فِي «الإِمَام» : يحْتَاج المحتج
стр. 3072
بِهِ أَن يبلغهُ (فِيهِ) مَا يُوجب تعديله.
قلت: قد عدل وَللَّه الْحَمد، ذكره ابْن أبي حَاتِم، وَقَالَ: رَوَى عَن أُسَامَة بن زيد بن أسلم، رَوَى عَنهُ عبد الْعَزِيز بن عمرَان. ثمَّ نقل عَن أبي زرْعَة أَنه قَالَ: هُوَ أَبُو عُبَيْدَة مصري، لَيْسَ بِهِ بَأْس. وَفِي «الْإِكْمَال» لِابْنِ مَاكُولَا: عَافِيَة بن أَيُّوب بن عبد الرَّحْمَن بن مُسلم مولَى دوس أَبُو عُبَيْدَة، يروي عَن حَيْوَة بن شُرَيْح، وَمُعَاوِيَة بن صَالح، وَالْمُحَرر بن بِلَال بن أبي هُرَيْرَة، وَسَعِيد بن عبد الْعَزِيز، وَاللَّيْث بن سعد، وَمَالك بن أنس، وَغَيرهم، آخر من حدث عَنهُ (بِمصْر) بَحر بن نصر.
قلت: فقد زَالَت عَنهُ الْجَهَالَة العينية والحالية إِذا، والحافظ شمس الدَّين الذَّهَبِيّ فِي «مِيزَانه» تبع الْبَيْهَقِيّ فَقَالَ: عَافِيَة بن أَيُّوب رَوَى عَن اللَّيْث بن سعد، تكلم فِيهِ، مَا هُوَ بِحجَّة، وَفِيه جَهَالَة. هَذَا لَفظه.
الحَدِيث الثَّامِن
«أنَّه ﷺ قَالَ فِي الذَّهَب وَالْحَرِير: هَذَانِ حرَام عَلَى ذُكُور أمتِي حلٌّ لإناثها» .
هَذَا الحَدِيث تقدم بَيَانه فِي بَاب الْآنِية وَاضحا فَرَاجعه من ثَم.
الحَدِيث التَّاسِع
«أَن رجلا قطع أَنفه يَوْم الْكلاب، فَاتخذ أنفًا من فضَّة، فَأَنْتن عَلَيْهِ،
стр. 3073
فَأمره النَّبِي ﷺ أَن يتَّخذ (أنفًا) من ذهبٍ» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الْأَئِمَّة أَحْمد وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ، من حَدِيث عبد الرَّحْمَن بن طرفَة «أَن جده عرْفجَة - بِفَتْح الْعين الْمُهْملَة، ثمَّ رَاء سَاكِنة، ثمَّ فَاء، ثمَّ جِيم، ثمَّ هَاء - بن (أسعد) أُصِيب أَنفه يَوْم الْكلاب فِي الْجَاهِلِيَّة، فَاتخذ أنفًا من ورق ... » الحَدِيث.
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن، إِنَّمَا نعرفه من حَدِيث أبي الْأَشْهب عَن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة، وَقد رَوَى (سَلم) بن (زَرير) - أَي بِفَتْح الزَّاي - عَن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة، نَحْو حَدِيث أبي الْأَشْهب، وزرير أصح. وَقَالَ ابْن مهْدي: سلم بن (وَزِير) وَهُوَ وهم، وَقد رَوَى غير وَاحِد من أهل الْعلم أَنهم شدوا أسنانهم بِالذَّهَب، وَفِي هَذَا الحَدِيث حجَّة لَهُم.
قلت: (سلم) هَذَا ثِقَة من رجال «الصَّحِيحَيْنِ» وَإِن ضعفه
стр. 3074
ابْن معِين. وَأَبُو الْأَشْهب جَعْفَر بن الْحَارِث ضَعَّفُوهُ، وَقَالَ (البُخَارِيّ) : مُنكر الحَدِيث. وَأما ابْن حبَان فَذكره فِي «ثقاته» ، وَقَالَ: إِنَّه ثِقَة. قَالَ: وَلَيْسَ هُوَ بِأبي الْأَشْهب (العطاردي) ، ذَلِك بَصرِي وَهَذَا واسطي. قَالَ: وهما جَمِيعًا ثقتان. وَأخرج هَذَا الحَدِيث فِي «صَحِيحه» من جِهَته، وَخَالف ابْن الْقطَّان فضعفه، وَقَالَ: إِنَّه حَدِيث لَا يَصح؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة أبي الْأَشْهب، وَاخْتلف عَنهُ؛ فالأكثر يَقُول: عَنهُ عَن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة (بن) عرْفجَة عَن جده، وَابْن عليَّة
стр. 3075
يَقُول: عَنهُ عَن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة (عَن أَبِيه عَن) عرْفجَة. فعلَى طَريقَة الْمُحدثين يَنْبَغِي أَن تكون رِوَايَة الْأَكْثَرين مُنْقَطِعَة؛ فَإِنَّهَا معنعنة، وَقد زَاد فِيهَا ابْن علية وَاحِدًا، وَلَا يدْرَأ هَذَا قَوْلهم: إِن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة سمع من جده. وَقَول يزِيد بن زُرَيْع: إِنَّه سمع من جده. فَإِن هَذَا الحَدِيث لم يقل فِيهِ: إِنَّه سَمعه مِنْهُ، وَقد أَدخل بَينهمَا فِيهِ (الْأَب) ، وأنى هَذَا؟ فَإِن عبد الرَّحْمَن بن طرفَة الْمَذْكُور لَا يعرف بِغَيْر هَذَا الحَدِيث، وَلَا يعرف (رَوَى) عَنهُ غير أبي الْأَشْهب، فَإِن احْتِيجَ فِيهِ إِلَى أَبِيه طرفَة - عَلَى مَا قَالَ ابْن علية عَن أبي الْأَشْهب - كَانَ الْحَال أَشد؛ لِأَنَّهُ لَا مَعْرُوف الْحَال وَلَا مَذْكُور فِي رُوَاة الْأَخْبَار.
فَائِدَتَانِ: (الأولَى) : رَوَى ابْن حبَان فِي «ضُعَفَائِهِ» فِي تَرْجَمَة أبان (بن) سُفْيَان وَالْحَاكِم فِي «مُسْتَدْركه» فِي تَرْجَمَة عبد الله بن (عبد الله) بن أبيّ «أَنه أُصِيب ثنيته - (أَعنِي) عبد الله هَذَا - يَوْم أحد، فَأمره النَّبِي ﷺ أَن يتَّخذ ثنية من ذهب» .
قَالَ ابْن حبَان: وَأَبَان هَذَا يروي عَن الثِّقَات أَشْيَاء مَوْضُوعَة. قَالَ:
стр. 3076
وَهَذَا الْخَبَر مَوْضُوع، وَكَيف يَأْمر المصطفي (باتخاذ ثنية من ذهب و (قد) قَالَ: «إِن الذَّهَب وَالْحَرِير محرمان عَلَى ذُكُور أمتِي، و (حل) لإناثهم» ؟ لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهَذَا الشَّيْخ و (لَا) الرِّوَايَة عَنهُ إِلَّا عَلَى سَبِيل الِاعْتِبَار.
قلت: وَحكمه عَلَى الْوَضع بِمُجَرَّد هَذَا غير جيد، وَقد أخرج هُوَ فِي «صَحِيحه» حَدِيث اتِّخَاذ الْأنف من ذهب، وَأي فرق بَينهمَا؛ وَخص ذَلِك من النَّهْي كَمَا خص لبس الْحَرِير للحكة وَغَيرهَا، نعم أبان هَذَا مُتَّهم، وَفِي إِسْنَاد الْحَاكِم: عَاصِم بن سُلَيْمَان الْكذَّاب.
الثَّانِيَة: الكُلاَب - (بِضَم) الْكَاف وَفتح اللَّام المخففة -: اسْم لماءٍ من مياه الْعَرَب، كَانَت عِنْده وقْعَة فسمّي ذَلِك الْيَوْم بِهِ. وَقيل: كَانَ عِنْده يَوْمَانِ مشهوران يُقَال فيهمَا: الْكلاب الأول وَالْكلاب الثَّانِي. حَكَاهُ ابْن الصّلاح ثمَّ النَّوَوِيّ.
وَقَالَ الْحَازِمِي بعد أَن ضَبطه كَمَا أسلفته: هُوَ مَاء بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة، عَلَى سبع لَيَال من الْيَمَامَة، يذكر فِي أَيَّام الْعَرَب. قَالَ: وكُلاب أَيْضا اسْم وَاد بثهلان بِهِ نخل، وثهلان جبل لباهلة؛ ذكره فِي كِتَابه «الْمُخْتَلف والمؤتلف فِي أَسمَاء الْأَمَاكِن» .
وَقَالَ أَبُو عبيد الْبكْرِيّ فِي «مُعْجم مَا استعجم» : الكُلاب - بِضَم أَوله وبالباء الْمُوَحدَة - هُوَ قِدَةُ بِعَينهَا، وَبَين أدناه وأقصاه مسيرَة يَوْم،
стр. 3077
أَعْلَاهُ مِمَّا يَلِي الْيمن، وأسفله مِمَّا يَلِي الْعرَاق.
وَقَالَ ابْن (معن) فِي «تنقيبه» : الْكلاب - بِضَم الْكَاف - اسْم لموضعين: أَحدهمَا: مَاء بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة عَلَى سبع لَيَال من الْيَمَامَة، وَفِيه كَانَ الكُلاب الأول، وَأما الْمَكَان الثَّانِي، وَهُوَ الكُلاب الثَّانِي: فَهُوَ اسْم لماء بَين جبلة وشمام وَهُوَ جبل. قَالَ: وَقيل: الكُلاب اسْم مَوضِع من الْيَمَامَة بَين الْكُوفَة وَالْبَصْرَة، وَقعت فِيهِ وقعتان: إِحْدَاهمَا بَين مُلُوك كِنْدَة، وَالْأُخْرَى بَين الْحَارِث وَتَمِيم.
فَائِدَة ثَالِثَة: العرفج (شجرٌ) مَعْرُوف (وَبِه) سمي (عرْفجَة) هَذَا.
الحَدِيث الْعَاشِر
«أَن رَسُول الله ﷺ اتخذ خَاتمًا من فضَّة» .
هَذَا الحَدِيث مُتَّفق عَلَى صِحَّته؛ أخرجه الشَّيْخَانِ من حَدِيث أنس وَابْن عمر ﵄.
стр. 3078
الحَدِيث الْحَادِي عشر
ثَبت أَن قبيعة سيف رَسُول الله ﷺ كَانَت من فضَّة.
هَذَا الحَدِيث سلف بَيَانه مَبْسُوطا فِي الْأَوَانِي فَرَاجعه مِنْهُ وتأمَّل قَوْله: «ثَبت» هُنَاكَ.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
ورد فِي الْخَبَر ذمّ تحلية الْمُصحف بِالذَّهَب.
الَّذِي يحضرني الذَّم فِي تحليته مُطلقًا، وَذَلِكَ فِي عدَّة أَحَادِيث وآثار، أما الْأَحَادِيث فأولها: عَن حُذَيْفَة بن الْيَمَان رَفعه: «من اقتراب السَّاعَة اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ خصْلَة: إِذا رَأَيْتُمْ النَّاس أماتوا الصَّلَاة ... » إِلَى أَن قَالَ: «وحليت الْمَصَاحِف، وصورت الْمَسَاجِد ... » الحَدِيث بِطُولِهِ.
رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي «الْحِلْية» فِي تَرْجَمَة عبد الله بن عبيد بن عُمَيْر اللَّيْثِيّ، من حَدِيث فرج بن فضَالة عَنهُ، عَن حُذَيْفَة، (بِهِ) ثمَّ قَالَ: غَرِيب من حَدِيث عبد الله بن (عُمَيْر) عَن حُذَيْفَة، لم يروه عَنهُ - فِيمَا أعلم - إِلَّا فرج بن فضَالة. قلت: قد ضَعَّفُوهُ.
стр. 3079
ثَانِيهَا: عَن ابْن عَبَّاس رَفعه: «إِن من (أَشْرَاط) السَّاعَة (أَن) تحلى الْمَصَاحِف ... » الحَدِيث.
رَوَاهُ الْحَافِظ ابْن عَسَاكِر فِي كِتَابه «ذكر شُمُول الدَّلَائِل عِنْد حُلُول الزلازل» من حَدِيث جرير، عَن عَطاء عَنهُ، وَقد أسلفنا الْكَلَام عَلَى هَذِه التَّرْجَمَة، وَهِي جرير عَن عَطاء، فِي بَاب الْأَحْدَاث، فِي الحَدِيث الثَّانِي بعد الْعشْرين مِنْهُ.
ثَالِثهَا: عَن أبي الدَّرْدَاء مَرْفُوعا: «إِذا زخرفتم مَسَاجِدكُمْ وحليتم مصاحفكم فالدبار عَلَيْكُم» .
ذكره الْقُرْطُبِيّ فِي «تَفْسِيره» ، عَن الْحَكِيم التِّرْمِذِيّ فِي «نَوَادِر الْأُصُول» ، وَلم يبرز إِسْنَاده، وَسَيَأْتِي مَوْقُوفا.
وَأما الْآثَار فَمِنْهَا: عَن أُبَيِّ بن كَعْب ﵁؛ أَنه قَالَ: «إِذا حليتم مصاحفكم وزوقتم مَسَاجِدكُمْ فالدبار عَلَيْكُم» .
رَوَاهُ ابْن أبي دَاوُد فِي كتاب «الْمَصَاحِف» بسندٍ لَا بَأْس بِهِ، وَرُوِيَ مثله عَن أبي الدَّرْدَاء وَأبي هُرَيْرَة، وَفِي إِسْنَاد أبي الدَّرْدَاء مَجْهُول.
وَذكر هَذَا الْخَطِيب فِي «تلخيصه» (وَلَفظه: «فالدبار عَلَيْكُم» وَعَزاهُ الْمُحب الطَّبَرِيّ فِي «أَحْكَامه» فِي بَاب الْمَسَاجِد إِلَى الْبَغَوِيّ بِلَفْظ:
стр. 3080
«زخرفتم» بدل «زوقتم» ثمَّ قَالَ: الدبار - بِفَتْح الدَّال الْمُهْملَة ثمَّ بَاء مُوَحدَة -: أَي الْهَلَاك.
وَرَوَى ابْن أبي دَاوُد (أَيْضا) فِي الْكتاب الْمَذْكُور، بسندٍ جيد، عَن ابْن عَبَّاس أَنه كَانَ يكره أَن يُحلَّى الْمُصحف، و (قَالَ) : تغرون بِهِ السَّارِق وَفِي رِوَايَة أُخْرَى: «أَنه رَأَى مُصحفا قد زُيِّنَ بِفِضَّة، فَقَالَ: تغرون السَّارق؟ زينته فِي جَوْفه» .
هَذَا آخر الْكَلَام عَلَى أَحَادِيث الْبَاب بِفضل الله وقوته.
وَأما آثاره فثمانية: أَولهَا: عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت: «لَا زَكَاة فِي اللُّؤْلُؤ» .
وَهَذَا (الْأَثر) لَا يحضرني من خرجه عَنْهَا، وَإِنَّمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَن سعيد بن جُبَير، أَنه قَالَ: «لَيْسَ فِي حجر زَكَاة إِلَّا مَا كَانَ لتِجَارَة من جوهرٍ، وَلَا ياقوت وَلَا لُؤْلُؤ وَلَا غَيره إِلَّا الذَّهَب وَالْفِضَّة» . وَرَوَاهُ أَيْضا عَن الحكم، عَن عَلّي قَالَ: «لَيْسَ فِي جَوْهَر زَكَاة» . ثمَّ قَالَ: هَذَا مُنْقَطع وَمَوْقُوف. قَالَ: وروينا نَحْو هَذَا عَن عَطاء وَسليمَان بن يسَار وَعِكْرِمَة وَالزهْرِيّ وَالنَّخَعِيّ وَمَكْحُول.
فَائِدَة: اللُّؤْلُؤ (فِيهِ) أَربع لُغَات، قُرِئَ بهنَّ فِي السَّبع، بهمزتين، ودونهما، وبهمز (أَوله) دون ثَانِيه، وَعَكسه.
стр. 3081
قَالَ جُمْهُور أهل اللُّغَة: اللُّؤْلُؤ: الْكِبَار، والمرجان: الصغار، وَقيل عَكسه.
ثَانِيهَا: عَن ابْن عَبَّاس ﵁ أَنه قَالَ: «لَا شَيْء فِي العنبر» .
وَهَذَا الْأَثر ذكره البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» عَنهُ، تَعْلِيقا بِصِيغَة جزم، وَهَذَا لَفظه: قَالَ ابْن عَبَّاس: «لَيْسَ العنبر بركاز، إِنَّمَا هُوَ شَيْء دسره الْبَحْر» .
وأسنده الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» عَنهُ صَحِيحا، بِلَفْظ: «لَيْسَ فِي العنبر زَكَاة، إِنَّمَا هُوَ شَيْء دسره الْبَحْر» . وَفِي لَفْظَة لَهُ كَلَفْظِ البُخَارِيّ، وَفِي آخر لَهُ: «أَن ابْن عَبَّاس سُئِلَ عَن العنبر؛ فَقَالَ: إِن كَانَ فِيهِ شَيْء فَفِيهِ الْخمس» . قَالَ الْبَيْهَقِيّ: فَابْن عَبَّاس علق القَوْل فِيهِ فِي هَذِه الرِّوَايَة، وَقطع بِأَن لَا زَكَاة فِيهِ فِي الرِّوَايَة الأولَى، وَالْقطع أولَى. ودسره (الْبَحْر) - بدال وسين مهملتين مفتوحتين - أَي: قذفه وَدفعه.
ثَالِثهَا، وَرَابِعهَا، وخامسها: عَن عمر، وَابْن عَبَّاس، وَابْن مَسْعُود ﵃ «أَنهم أوجبوا الزَّكَاة فِي الْحلِيّ الْمُبَاح» .
أما أثر عمر فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ من حَدِيث مساور الْوراق، عَن شُعَيْب ابْن يسَار قَالَ: «كتب عمر إِلَى أبي مُوسَى أَن مُر مَن قِبلك من نسَاء (الْمُسلمين) أَن (يصدقن) من حليهن» ثمَّ قَالَ: هَذَا مرسلٌ
стр. 3082
(شُعَيْب) بن يسَار لم يدْرك عمر، وَفِي رِوَايَة لَهُ عَن مساور، عَن شُعَيْب «أَن عمر بن الْخطاب (كتب) أَن يزكَّى الْحلِيّ» . قَالَ البُخَارِيّ: هَذَا مُرْسل.
وَأما أثر ابْن عَبَّاس؛ فحكاه ابْن الْمُنْذر عَنهُ، عَلَى مَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ. قَالَ الشَّافِعِي: (وَيروَى) عَن ابْن عَبَّاس وَأنس بن مَالك، وَلَا أَدْرِي (أيثبت) عَنْهُمَا أَنه لَيْسَ فِي الْحلِيّ زَكَاة.
وَأما أثر (ابْن مَسْعُود) ؛ فحكاه ابْن الْمُنْذر، ثمَّ الْبَيْهَقِيّ عَنهُ، وأسنده الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث حجاج بن منهال، نَا حَمَّاد بن سَلمَة، [عَن حَمَّاد، عَن إِبْرَاهِيم] عَن ابْن مَسْعُود «أَن امْرَأَته (أَتَتْهُ) فَقَالَت: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، هَل من حليي زَكَاة؟ قَالَ: نعم. قَالَت: فَإِن بني أخي أَيْتَام أفأجعله فيهم؟ قَالَ: اجعليه فيهم» .
وأسنده الْبَيْهَقِيّ أَيْضا، من حَدِيث سُفْيَان، (عَن) حَمَّاد، عَن إِبْرَاهِيم، عَن عَلْقَمَة «أَن امْرَأَة عبد الله - يَعْنِي ابْن مَسْعُود - سَأَلته عَن
стр. 3083
حُلِيٍّ لَهَا؟ فَقَالَ: إِذا بلغ مِائَتي دِرْهَم فَفِيهِ الزَّكَاة. قَالَت: أضعها فِي بني أَخ لي فِي حجري؟ قَالَ: نعم» .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: وَقد رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ ، وَلَيْسَ بِشَيْء. (قلت) أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث قبيصَة، عَن سُفْيَان، عَن حَمَّاد، عَن إِبْرَاهِيم، عَن عَلْقَمَة، عَن عبد الله «أَن امْرَأَة أَتَت النَّبِي ﷺ فَقَالَت: إِن لي حليًّا وَإِن زَوجي خَفِيف ذَات الْيَد، وَإِن لي بني أَخ، أفيجزئ (عني) أَن أجعَل زَكَاة الْحلِيّ فِيهِ؟ قَالَ: نعم» . ثمَّ قَالَ: هَذَا وهم، وَالصَّوَاب عَن إِبْرَاهِيم، عَن عبد الله، مُرْسل مَوْقُوف.
الْأَثر السَّادِس وَالسَّابِع وَالثَّامِن: عَن ابْن عمر وَجَابِر وَعَائِشَة ﵃ «أَنهم لم يوجبوا الزَّكَاة فِي الْحلِيّ الْمُبَاح» .
أما أثر ابْن عمر فَصَحِيح، رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» ، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر «أَنه كَانَ يحلي بَنَاته وجواريه بِالذَّهَب فَلَا يخرج مِنْهُ الزَّكَاة» .
وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح، وَفِي رِوَايَة للبيهقي عَنهُ: «إِنَّه كَانَ يحلي بَنَاته بأربعمائة دِينَار وَلَا يخرج زَكَاته» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «لَيْسَ فِي (الْحلِيّ زَكَاة) » . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «زَكَاة الْحلِيّ عاريته» .
وَأما أثر جَابر فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ (بِإِسْنَادِهِ) الصَّحِيح، عَن
стр. 3084
الشَّافِعِي، قَالَ: أَنا سُفْيَان، عَن عَمْرو بن دِينَار قَالَ: «سَمِعت رجلا يسْأَل جَابر بن عبد الله عَن الْحلِيّ: أفيه زَكَاة؟ فَقَالَ جَابر: لَا. فَقَالَ: وَإِن كَانَ يبلغ ألف دِينَار؟ فَقَالَ جَابر: كثير» . وَرَوَاهُ ابْن الْمُنْذر من حَدِيث دَاوُد بن عبد الرَّحْمَن، عَن عَمْرو بن دِينَار، عَن جَابر «أَنه سُئِلَ عَن زَكَاة الْحلِيّ فَقَالَ: زَكَاته عاريته» .
وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، من حَدِيث أبي حَمْزَة، عَن الشّعبِيّ، عَن جَابر: «لَيْسَ فِي الْحلِيّ زَكَاة» . ثمَّ قَالَ: أَبُو حَمْزَة هَذَا ضَعِيف الحَدِيث.
وَأما أثر عَائِشَة ﵂ فَصَحِيح؛ رَوَاهُ الشَّافِعِي، عَن مَالك، وَهُوَ فِي «الْمُوَطَّأ» ، عَن [عبد الرَّحْمَن بن الْقَاسِم] ، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة «أَنَّهَا كَانَت تلِي بَنَات (أَخِيهَا) - يتامى فِي حجرها لَهُنَّ الْحلِيّ، فَلَا تخرج مِنْهُ الزَّكَاة» .
لَكِن فِي الدَّارَقُطْنِيّ من حَدِيث عبد الْوَهَّاب، أَنا حُسَيْن الْمعلم، عَن عَمْرو بن شُعَيْب، عَن عُرْوَة، عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت: «لَا بَأْس بِلبْس الْحلِيّ إِذا أعطي زَكَاته» .
وَهَذَا إِسْنَاد صَحِيح.
قلت: وَرُوِيَ مثل مقالتهم عَن أنس بن مَالك وَأَسْمَاء ﵄.
стр. 3085
أما أثر أنس فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ (و) الْبَيْهَقِيّ؛ بِإِسْنَاد جيد، من حَدِيث عَلّي بن سليم (قَالَ) : «سَأَلت أنس بن مَالك عَن الْحلِيّ فَقَالَ: لَيْسَ فِيهِ زَكَاة» .
وَأما أثر أَسمَاء (فروياه) أَيْضا، بإسنادٍ جيد، عَن فَاطِمَة بنت الْمُنْذر، عَن أَسمَاء بنت أبي بكر «أَنَّهَا كَانَت تحلي بناتها الذَّهَب وَلَا تزكيه، نَحْو من خمسين ألف» .
قَالَ الْأَثْرَم: سَمِعت أَبَا عبد الله يَقُول فِي زَكَاة الْحلِيّ عَن خَمْسَة من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ لَا يرَوْنَ فِيهِ زَكَاة، وهم أنس وَجَابِر وَابْن عمر وَعَائِشَة وَأَسْمَاء.
قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الْمعرفَة» : وَمن قَالَ: لَا زَكَاة فِي الْحلِيّ زعم أَن الْأَحَادِيث والْآثَار الْوَارِدَة فِي وجوب الزَّكَاة فِيهِ حِين كَانَ التحلي بِالذَّهَب حَرَامًا عَلَى النِّسَاء، فَلَمَّا أُبِيح لَهُنَّ سَقَطت زَكَاته. قَالَ: وَكَيف يَصح هَذَا القَوْل مَعَ حَدِيث عَائِشَة - إِن كَانَ ذكر الْوَرق فِيهِ مَحْفُوظًا - وَهُوَ مَا رَوَاهُ
следующие страницы →