Полный текст (6 131 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن الْعَالِيَة بنت سُبيع، عَن مَيْمُونَة ﵂، حدثتها: «أَنه مَرَّ برَسُول الله ﷺ (رجالٌ) يَجُرُّون شَاة لَهُم مثل الْحمار، فَقَالَ (لَهُم) رَسُول الله ﷺ : لَو أَخَذْتُم إهابها؟ فَقَالُوا: إنَّها ميتَة! فَقَالَ رَسُول الله ﷺ : (فَإِنَّهَا) يُطَهِّرُها المَاء والقرظ» .
رَوَاهُ: أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَالدَّارَقُطْنِيّ، فِي «سُنَنهمْ» ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَكَذَا ابْن السكن فِي
стр. 352
«صحاحه» ، وَقَالَ الْمُنْذِرِيّ: إِسْنَاده حسن.
وَاعْلَم: أَن الْوَاقِع فِي (رِوَايَة) هذَيْن الْحَدِيثين: «يطهرها» بهاء التَّأْنِيث، وَوَقع فِي «الْمُهَذّب» للشَّيْخ أبي إِسْحَاق - وَتَبعهُ الرَّافِعِيّ عَلَى ذَلِك -: «يطهره» وَهُوَ تَحْرِيف لَفْظِي، وَإِن كَانَ الْمَعْنى صَحِيحا.
وَأما الحَدِيث الْوَارِد عَن عَائِشَة (مَرْفُوعا) : «اسْتَمْتعُوا بجلود الْميتَة إِذا هِيَ دُبغت، بِتُرَاب، أَو ملح، أَو رماد، أَو مَا كَانَ بعد أَن يرد صَلَاحه» : فَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَغَيره، (و) ضَعَّفه ابْن عدي، وَآخَرُونَ، وإنْ ذكره ابْن السكن فِي «صحاحه» .
وَمِمَّا يَنْبَغِي أَن يُتنبه لَهُ: أَن «الْقرظ» يكْتب بالظاء، لَا بالضاد، (وَهُوَ) وَإِن كَانَ وَاضحا، فَلَا يضر التَّنْبِيه عَلَيْهِ، فقد صُحِّف.
والقرظ: ورق شجر السَّلَم - بِفَتْح السِّين وَاللَّام - وَمِنْه: «أَدِيم مقروظ» : أَي مدبوغ (بالقرظ) ، والقرظ: نبت بنواحي تهَامَة.
стр. 353
الحَدِيث السَّادِس
أَنه ﷺ قَالَ: «دِبَاغُ الأديمِ ذَكَاتُه» .
هَذَا الحَدِيث حسن، (مرويّ) من طُرُق، الَّذِي يحضرنا مِنْهَا تِسْعَة:
أَحدهَا: عَن عَائِشَة ﵂، قَالَت: «سُئِلَ رَسُول الله ﷺ عَن جُلُود الْميتَة، فَقَالَ: دباغها طهورها» .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي «سنَنه» ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: « [دباغها] ذكاتها» . وَالدَّارَقُطْنِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ، وَلَفْظهمَا: «طهُور كل أَدِيم دباغه» . وَالطَّبَرَانِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» ، وَلَفْظهمَا: «دباغ الْأَدِيم (طهوره» . وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» ، وَلَفظه: «دباغ جُلُود الْميتَة) طهورها» .
قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِسْنَاده حسن، وَرِجَاله كلهم ثِقَات.
(وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ أَيْضا: رُوَاته كلهم ثِقَات) .
стр. 354
قُلْتُ: فِيهِ إِبْرَاهِيم بن الْهَيْثَم الْبَلَدِي، وثَّقه الدَّارَقُطْنِيّ، والخطيب، وَذكره ابْن عدي فِي «الْكَامِل» ، وَقَالَ: حَدَّث بِبَغْدَاد، (فكذَّبه) النَّاس، وَأَحَادِيثه مُسْتَقِيمَة، سُوَى الحَدِيث الَّذِي رَدُّوه عَلَيْهِ - وَهُوَ حَدِيث الْغَار - فإنَّه كَذَّبه فِيهِ النَّاس وواجهوه، أَوَّلهمْ البرديجي، وَأَحَادِيثه جَيِّدَة، قد فَتَّشت حَدِيثه الْكثير، فَلم أَجِد لَهُ حَدِيثا مُنْكرا يكون من جِهَته.
قَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» : وَقد تَابعه عَلَى حَدِيث الْغَار ثقتان، وَكتب الذَّهَبِيّ قبالة تَرْجَمَة إِبْرَاهِيم هَذَا: صحّ، وَهُوَ إِشَارَة مِنْهُ إِلَى أَن الْعَمَل عَلَى تَوْثِيق ذَلِك الرجل.
وَقَالَ الطَّبَرَانِيّ فِي «أَصْغَر معاجمه» : تَفَرَّد بِهَذَا الحَدِيث الْهَيْثَم بن جميل.
قُلْتُ: لَا يضرّه ذَلِك، فإنَّه ثِقَة ثَبت.
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن جَوْن - بِفَتْح الْجِيم، وَإِسْكَان الْوَاو، ثمَّ نون - ابْن قَتَادَة، عَن سَلمَة بن المُحَبِّق - بميم مَضْمُومَة، ثمَّ حاء مُهْملَة مَفْتُوحَة، ثمَّ بَاء مُوَحدَة مَكْسُورَة، ثمَّ قَاف ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ فِي غَزْوَة تَبُوك، دَعَا بِمَاء من عِنْد امْرَأَة، (فَقَالَت) : مَا عِنْدِي مَاء إلاَّ فِي
стр. 355
قربَة لي ميتَة. قَالَ: أَلَيْسَ قد (دبغتيها) ؟ قَالَت: بلَى. قَالَ: دباغها ذكاتها. (وَفِي لفظ: «دباغها طهورها» . وَفِي لفظ: «ذكاتها دباغها» ) . وَفِي لفظ: «دباغ الْأَدِيم ذَكَاته» .
رَوَاهُ (أَحْمد، و) أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَالْبَيْهَقِيّ، وَالْحَاكِم، وَقَالَ: (حَدِيث) صَحِيح الإِسناد، وصحَّحه أَبُو حَاتِم ابْن حبَان أَيْضا، فإنَّه أخرجه فِي «صَحِيحه» بِلَفْظ: «ذَكَاة الْأَدِيم دباغه» . وَهُوَ كَمَا (قَالَا) .
وأعلَّه أَبُو بكر الْأَثْرَم، فَقَالَ فِي «ناسخه ومنسوخه» : سَمِعت أَبَا عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل يَقُول: لَا أَدْرِي من هُوَ الجون بن قَتَادَة. وَقَالَ أَبُو طَالب: سَأَلته - يَعْنِي أَحْمد بن حَنْبَل - عَن جون بن قَتَادَة، فَقَالَ: لَا نعرفه. قُلْتُ: يروي غير هَذَا الحَدِيث؟ قَالَ: لَا. يَعْنِي حَدِيث الدّباغ.
قُلْتُ: هُوَ جون بن قَتَادَة بن (الْأَعْوَر) بن (سَاعِدَة التَّمِيمِي) ، بَصرِي، قَالَ فِيهِ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: إنَّه مَعْرُوف، لَمْ يَرْوِ عَنهُ غير الْحسن.
стр. 356
واخْتُلف فِي صحبته أَيْضا، فَقَالَ ابْن سعد: صحب رَسُول الله ﷺ ، وَكتب لَهُ كتابا (بالشَّبَكَة» مَوضِع) بالدهناء.
وَقَالَ ابْن حزم فِي «المحلَّى» أَيْضا إنَّ لَهُ صُحْبَة.
وَذكره ابْن الْأَثِير فِي (كتاب) «الصَّحَابَة» لَهُ، فَقَالَ: (قيل) : لَهُ صُحْبَة، وَقيل: لَا صُحْبَة لَهُ وَلَا رِوَايَة.
وَقَالَ أَبُو نعيم: (جون) لَا تثبت لَهُ صُحْبَة، وَلَا رِوَايَة.
(وَقَالَ) الْحَافِظ، أَبُو عبد الله الذَّهَبِيّ فِي «مُخْتَصره» : رَوَى عَنهُ الْحسن فِي دباغ الْميتَة، رَوَاهُ بَعضهم: عَن الْحسن، [عَن جون، وَرَوَاهُ بَعضهم: عَن الْحسن،] (عَنهُ) ، عَن سَلمَة بن المحبق، وَهُوَ أصح.
وَقَالَ فِي كِتَابه «مُخْتَصر التَّهْذِيب» : لم تصحّ صحبته، لَهُ عَن
стр. 357
الزبير، وَسَلَمَة بن المحبق، وَعنهُ: الْحسن، وَقَتَادَة - إِن كَانَ مَحْفُوظًا - وقرة بن الْحَارِث، وعَدَّه بَعضهم صحابيًا، بِحَدِيث وَهِمَ فِيهِ هشيم عَن مَنْصُور (بن زَاذَان، عَن الْحسن، عَن جون بن قَتَادَة: «كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي سفر ... » . وَقد سقط (مِنْهُ) سَلمَة بن المحبق، وَرَوَاهُ أَيْضا هشيم هَكَذَا.
وَذكره أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «ثقاته» ، (فِي) التَّابِعين.
فَإِذا عرفت ذَلِك: فإنْ كَانَ صحابيًا - كَمَا قَالَه (ابْن سعد) و (ابْن حزم) (وَغَيرهمَا) : فَلَا يضرّهُ مَا قَالَه الإِمام أَحْمد من جهالته. وَإِن كَانَ تابعيًا: يُعارض قَوْله بقول عَلّي بن الْمَدِينِيّ: إنَّه مَعْرُوف، وتوثيق ابْن حبَان لَهُ، وَرِوَايَة جمَاعَة عَنهُ، وَذَلِكَ رَافع للْجَهَالَة العينية، والحالية.
قَالَ ابْن عدي: لم يعرف لَهُ أَحْمد غير حَدِيث الدّباغ، وَقد ذكرت لَهُ حَدِيثا آخر، وَمَا أَظن لَهُ (غَيرهمَا) .
وَسَلَمَة بن المحبق لَهُ صُحْبَة، وَهُوَ هذلي، سكن الْبَصْرَة، وكنيته: أَبُو سِنَان. قَالَ الْحَازِمِي: رَوَى عَن (سَلمَة) (من) وَجه آخر
стр. 358
(نَحْو) هَذَا الحَدِيث، إلاَّ أَنه قَالَ: يَوْم خَيْبَر.
وَاسم المحبق: صَخْر بن عبيد، وَقد تقدم أَن بَاء المحبِق مَكْسُورَة. قَالَ ابْن نَاصِر: وَهُوَ الصَّوَاب، لِأَنَّهُ حَبَقَ، فلقب بذلك.
وَقَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين الْمُنْذِرِيّ فِي «حَوَاشِي السّنَن» : بعض أهل الْعلم يكسر الْبَاء،، وَأَصْحَاب الحَدِيث يفتحونها. وَاقْتصر الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي كِتَابه «الإِمام» (عَلَى) الْفَتْح.
لَكِن قَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي كتاب «كشف النقاب (عَن) الْأَسْمَاء والألقاب» : أَصْحَاب الحَدِيث (يفتحون) الْبَاء، وَهُوَ غلط، إنَّما هِيَ مَكْسُورَة. قَالَ: وَقَالَ الْجَوْهَرِي: إِنَّمَا سَمَّاه (أَبوهُ) المحبق تفاؤلًا بالشجاعة، أَنه (يضرط) الْأَعْدَاء، وَلم يرد ذَلِك فِي «الصِّحَاح» .
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن أبي أُمَامَة ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ خرج فِي بعض مغازيه، فمرَّ بِأَهْل أَبْيَات من الْعَرَب، فَأرْسل إِلَيْهِم: هَل من مَاء لوضوء رَسُول الله ﷺ ؟ فَقَالُوا: مَا عندنَا مَاء إلاَّ فِي إهَاب ميتَة، دبغناه بِلَبَنٍ، فَأرْسل إِلَيْهِم: إنَّ دِبَاغَه طهوره، فَأُتِي بِهِ، فتوضَّأ، ثمَّ صَلَّى» .
стр. 359
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أَوسط معاجمه» ، وَقَالَ: لم يَرْوِه عَن (سليم) بن عَامر، إلاَّ عُفير بن معدان. وَأخرجه كَذَلِك فِي «أكبر معاجمه» أَيْضا.
قُلْتُ: وعفير هَذَا: ضَعِيف، قَالَ يَحْيَى وَالنَّسَائِيّ: لَيْسَ بِثِقَة. وَقَالَ أَحْمد: ضَعِيف، مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ الرَّازِيّ: لَا يُشْتَغل بروايته. وَقَالَ مرّة: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ الْحَازِمِي: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب من (حَدِيث) الشاميين.
الطَّرِيق الرَّابِع: عَن ابْن عَبَّاس ﵁، وَله طرق:
أَحدهَا: عَن أبي الْخَيْر، (مرْثَد) بن عبد الله الْيَزنِي، قَالَ: «رَأَيْت عَلَى ابْن وَعلة السبئي فَرْوًا، فمسسته، فَقَالَ: مَالك تمسه؟ قد سَأَلت عبد الله بن عَبَّاس، قُلْتُ: إنَّا نَكُون (بالمغرب) ، ومعنا البربر، وَالْمَجُوس، نُؤتى بالكبش قد ذبحوه، وَنحن لَا نَأْكُل ذَبَائِحهم،
стр. 360
(ونُؤتى) بالسقاء يجْعَلُونَ فِيهِ الوَدَك. فَقَالَ ابْن عَبَّاس: قد سَأَلنَا النَّبِي ﷺ فَقَالَ: دباغه طهوره» .
رَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» ، وَفِي رِوَايَة لَهُ: «إنَّا نَكُون بالمغرب، فَيَأْتِينَا الْمَجُوس بالأسقية فِيهَا (المَاء و) الودك؟ فَقَالَ: اشرب. فَقلت: رَأْي ترَاهُ؟ قَالَ ابْن عَبَّاس: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: دباغه طهوره» . انْفَرد مُسلم بِهَذَا الحَدِيث من طريقيه.
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن يَعْقُوب (بن) عَطاء، عَن أَبِيه، عَن ابْن عَبَّاس ﵁ (قَالَ) : «مَاتَت شَاة لميمونة، فَقَالَ النَّبِي ﷺ : (أَلا) (استمتعتم) بإهابها؛ فإنَّ دباغ الْأَدِيم طهوره» .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» ، وَالْبَزَّار فِي «مُسْنده» ، وَالْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» . قَالَ الْبَزَّار: لَا نعلم رَوَاهُ (عَن) يَعْقُوب، عَن أَبِيه، عَن ابْن عَبَّاس ﵁ إلاَّ شُعْبَة.
стр. 361
قُلْتُ: لَا يضرّهُ ذَلِك، فإنَّ شُعْبَة إِمَام، وتَفَرُّد الثِّقَة بِالْحَدِيثِ لَا يضرّه، نعم الشَّأْن فِي يَعْقُوب بن عَطاء، وَهُوَ: ابْن أبي رَبَاح، فقد قَالَ أَحْمد فِي حَقه: مُنكر الحَدِيث. وَقَالَ ابْن معِين، وَأَبُو زرْعَة: ضَعِيف، وَأما ابْن حبَان: (فَذكره فِي «الثِّقَات» ) .
الثَّالِث: عَن فُليح بن سُلَيْمَان، عَن زيد بن أسلم، عَن (ابْن) وَعلة، عَن ابْن عَبَّاس ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «دِبَاغُ كلِّ إهَابٍ طَهُورُهُ» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» ، وَقَالَ فِي «علله» : إنَّه الْمَحْفُوظ.
الطَّرِيق الرَّابِع: عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن الْحَارِث، قَالَ: «قُلْتُ لِابْنِ عَبَّاس: الفِراء تُصنع من جُلُود الْميتَة؟ فَقَالَ: سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: ذَكَاة كل مسك دباغه» . وَفِي لفظ: « (دباغ كل أَدِيم ذَكَاته» ) .
رَوَاهُ الحافظان: أَبُو بكر الْخَطِيب فِي كِتَابه «موضح أَوْهَام الْجمع والتفريق» باللفظين الْمَذْكُورين، والدولابي فِي كِتَابه «الْأَسْمَاء والكنى» ، وَهَذَا لَفظه: عَن إِسْحَاق بن عبد الله بن الْحَارِث، قَالَ: «دخلت عَلَى ابْن عَبَّاس فِي حَدِيث ذكره، فَقَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ (يَقُول) : ذَكَاة كل مَسْكٍ دباغه» .
стр. 362
المَسْك: بِفَتْح الْمِيم، وَسُكُون السِّين: الْجلد.
الطَّرِيق الْخَامِس: عَن جون بن قَتَادَة التَّمِيمِي، قَالَ: «كُنَّا مَعَ النَّبِي ﷺ فِي بعض أَسْفَاره، فمرَّ بعض أَصْحَابه بسقاء مُعَلّق، فَأَرَادَ أَن يشرب، فَقَالَ (لَهُ) صَاحب السقاء: إنَّه جلد ميتَة، فَأمْسك، حتَّى لحقهم النَّبِي ﷺ ، فَذكرُوا لَهُ ذَلِك، فَقَالَ: اشربوا، فإنَّ دِبَاغ الْميتَة طهورها» .
ذكره أَبُو مُحَمَّد بن حزم فِي كِتَابه «المحلَّى» بِإِسْنَادِهِ إِلَيْهِ، ثمَّ قَالَ: جون لَهُ صُحْبَة. وَقد تقدم قَرِيبا الِاخْتِلَاف فِي ذَلِك.
الطَّرِيق السَّادِس: عَن هزيل - بالزاي الْمُعْجَمَة - بن شُرَحْبِيل، عَن (أم سَلمَة) أَو زَيْنَب، أَو غَيرهمَا من (أَزوَاج) النَّبِي ﷺ : «أَلا استمتعتم بإهابها؟ . فَقَالَت: يَا رَسُول الله، (كَيفَ) (نستمتع) بهَا وَهِي ميتَة؟ ! فَقَالَ: طهُور الْأَدِيم دباغه» .
رَوَاهُ (الْبَيْهَقِيّ) هَكَذَا. قَالَ: وَرَوَاهُ أَيْضا هزيل، عَن بعض أَزوَاج النَّبِي ﷺ : «كَانَت لنا شَاة فَمَاتَتْ. .»
وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من هَذِه الطَّرِيق، وَفِيه: « (لتستمتعي)
стр. 363
بإهابها» ، ثمَّ قَالَ: لم يَرْوِ هَذَا الحَدِيث عَن شُعْبَة، إلاَّ عباد بن عباد، تفرَّد بِهِ يَحْيَى بن أَيُّوب.
قُلْتُ: وَلَا يضر تفرده بذلك، لِأَنَّهُ ثِقَة ثَبت مخرج حَدِيثه فِي الصَّحِيح.
الطَّرِيق السَّابِع: عَن زيد بن ثَابت ﵁ عَن النَّبِي ﷺ أَنه قَالَ: «دباغ جُلُود الْميتَة طهورها» .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من طَرِيق الْوَاقِدِيّ، وَهُوَ مَكْشُوف الْحَال.
الطَّرِيق الثَّامِن: عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة، عَن النَّبِي ﷺ قَالَ (فِي) جُلُود الْميتَة: «دباغه طهوره» .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» من حَدِيث عَلّي بن يزِيد، عَن الْقَاسِم، عَن أبي أُمَامَة، عَنهُ بِهِ. وَعلي وَالقَاسِم: ضعيفان، كَمَا سَيَأْتِي.
الطَّرِيق التَّاسِع: عَن عبد الله بن عمر ﵄ «أَن رَسُول الله ﷺ مَرَّ عَلَى شَاة، فَقَالَ: مَا هَذِه؟ قَالُوا: ميتَة. قَالَ النَّبِي ﷺ : ادبغوا إهابها، فإنَّ دِبَاغَه طهوره» .
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ، من حَدِيث الْقَاسِم بن عبد الله، عَن عبد الله بن دِينَار، عَن ابْن عمر، ثمَّ قَالَ: (الْقَاسِم) ضَعِيف. وَهُوَ كَمَا قَالَ.
стр. 364
وَرَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو أَحْمد فِي «الكنى» ، من حَدِيث حَفْص [أَبُو] سهل الْخُرَاسَانِي، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، أنَّ النَّبِي ﷺ قَالَ: «جُلُود الْميتَة دباغها - يَعْنِي: طهورها) ثمَّ قَالَ: أَبُو سهل هَذَا فِي حَدِيثه بعض الْمَنَاكِير. قَالَ: وَلَا أعرف لعبد الله (بن) عمر (بن الْخطاب) فِي هَذَا الْبَاب حَدِيثا وَلَا رِوَايَة من مخرج يُعتمد عَلَيْهِ، بل كل مَا رُوي عَنهُ فِيهِ واهٍ غير مَحْفُوظ.
وعَدَّد ابْن مَنْدَه فِي «مستخرجه» طرق هَذَا الحَدِيث، وَزَاد: أَن أنسا، وَابْن مَسْعُود، وَجَابِر بن عبد الله رَوَوْهُ أَيْضا، وأهمل بعض مَا ذَكرْنَاهُ.
فَهَذِهِ طرق هَذَا الحَدِيث مُوضحَة، وَلَا يضر الضعْف الْمَوْجُود فِي بَعْضهَا الآخر الْخَالِي مِنْهُ.
وَيقرب من هَذَا الحَدِيث حديثان آخرَانِ:
أَحدهمَا: عَن ابْن عَبَّاس ﵄ «أَن رَسُول الله ﷺ أَرَادَ أَن يتَوَضَّأ من سِقاء، فَقِيل لَهُ: إنَّه ميتَة. فَقَالَ: دِباغه يزِيل خبثه - أَو نجسه، أَو رجسه» .
رَوَاهُ أَحْمد فِي «مُسْنده» . وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك» ، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح، وَلَا أعرف لَهُ (عِلّة) .
стр. 365
وَالْبَيْهَقِيّ، وَقَالَ: حَدِيث صَحِيح.
قُلْتُ: وصحَّحه ابْن خُزَيْمَة أَيْضا، لذكره إِيَّاه فِي « (صَحِيحه» ) .
(الحَدِيث) الثَّانِي: عَن أم سَلمَة ﵂، أَنَّهَا قَالَت: «كَانَ (لنا) شَاة نَحْلُبهَا، ففقدها رَسُول الله ﷺ ، فَقَالَ: مَا فعلتِ الشَّاة؟ قَالُوا: مَاتَت. قَالَ: أَفلا انتفعتم بإهابها؟ فَقلت: إنّها ميتَة! فَقَالَ النَّبِي ﷺ : إِن دباغها يحل (كَمَا يحل خل) الْخمر» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، وَقَالَ: تفرَّد بِهِ فرج بن فضَالة، وَهُوَ ضَعِيف.
الحَدِيث السَّابِع
«أَن رَسُول الله ﷺ ، لَمَّا حَلَق شعره، نَاوَلَهُ أَبَا طَلْحَة، ليُفَرِّقَه عَلَى أَصْحَابه» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» ، من رِوَايَة أنس ﵁ قَالَ: «لَمَّا رَمَى النَّبِي ﷺ (الْجَمْرَة) ، وَنحر نُسكه،
стр. 366
[وَحلق] ، ناول الحالق شقَّه الْأَيْمن، [فحلقه] ، فَأعْطَاهُ أَبَا طَلْحَة، ثمَّ نَاوَلَهُ شقَّه الْأَيْسَر، فحلقه، [فَأعْطَاهُ أَبَا طَلْحَة] ، فَقَالَ: إقسمه بَين النَّاس» .
وَأَبُو طَلْحَة هَذَا: اسْمه زيد (بن سهل) بن الْأسود الْأنْصَارِيّ، عَمّ أنس بن مَالك، زوج أمه، وَكَانَ عقبيًا بَدْرِيًّا، شهد الْمشَاهد كلهَا مَعَ رَسُول الله ﷺ ، وَهُوَ أحد النُّقَبَاء لَيْلَة الْعقبَة، وَأحد الصَّحَابَة الَّذين سردوا الصَّوْم بعد رَسُول الله ﷺ .
قَالَ أَبُو زرْعَة الدِّمَشْقِي الْحَافِظ: عَاشَ أَبُو طَلْحَة بعد رَسُول الله ﷺ ، (أَرْبَعِينَ) سنة فسرد الصَّوْم. وَخَالفهُ غَيره، فَقَالَ: توفّي سنة أَربع وَثَلَاثِينَ من الْهِجْرَة. وَقيل: اثْنَيْنِ وَثَلَاثِينَ.
الحَدِيث الثَّامِن
عَن حُذَيْفَة ﵁ عَن النَّبِي ﷺ ، (أَنه) قَالَ: «لَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب، وَالْفِضَّة، وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافها» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، متَّفق عَلَى صِحَّته، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم فِي
стр. 367
«صَحِيحَيْهِمَا» بِهَذَا اللَّفْظ، وَزَادا: «فإنَّها لَهُم فِي الدُّنْيَا، وَلكم فِي الْآخِرَة» .
وَله أَلْفَاظ أُخَر، قَالَ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ: وَإِسْنَاده مجمع عَلَى صِحَّته.
والصِّحَاف: جمع صَحْفَة، كقصعة، وقصاع، والصحفة دون الْقَصعَة. قَالَ الْكسَائي: الْقَصعَة: مَا تسع (مَا يشْبع) عشرَة، والصحفة مَا (يشْبع) خَمْسَة.
الحَدِيث التَّاسِع
أَنه ﷺ قَالَ: «الَّذِي يشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة، إنَّما يُجَرْجِرُ فِي جَوْفه نَار جَهَنَّم» .
هَذَا الحَدِيث صَحِيح، (مرويّ) من طرق:
أَحدهَا: عَن أم سَلمَة زوج النَّبِي ﷺ ، أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «الَّذِي يشرب فِي آنِية الْفضة، إنَّما يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم» .
رَوَاهُ مَالك فِي «الْمُوَطَّأ» ، وَالْبُخَارِيّ، وَمُسلم فِي «صَحِيحَيْهِمَا» . قَالَ ابْن مَنْدَه الْحَافِظ: وَإِسْنَاده مجمع عَلَى صِحَّته.
وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «إنَّ الَّذِي يأكلُ، (أَو) يشربُ فِي آنِية
стр. 368
الْفضة، وَالذَّهَب» . وَفِي رِوَايَة لَهُ: «من شرب فِي إِنَاء من ذهب أَو فضَّة، فإنَّما يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم» .
وَفِي رِوَايَة للطبراني: «إلاَّ أَن يَتُوب» .
الطَّرِيق الثَّانِي: عَن (أبي) وَائِل، قَالَ: «غزوتُ مَعَ عمر الشَّام، فَنزل منزلا، فجَاء دُِهْقَانٌ يسْتَدلّ عَلَى أَمِير الْمُؤمنِينَ حتَّى أَتَاهُ، فَلَمَّا رَأَى الدهْقَان عمر سَجَد، فَقَالَ عمر: مَا هَذَا السُّجُود؟ فَقَالَ: هَكَذَا نَفْعل بالملوك. فَقَالَ عمر: اسجد لِرَبِّك الَّذِي خلقك. فَقَالَ: يَا أَمِير الْمُؤمنِينَ، إِنِّي قد صنعت لَك طَعَاما فأتني. (قَالَ) : فَقَالَ عمر: هَل فِي بَيْتك من تصاوير الْعَجم؟ قَالَ: نعم. قَالَ: لَا حَاجَة لي فِي بَيْتك، وَلَكِن انْطلق، فَابْعَثْ لنا بلون (من الطَّعَام) ، وَلَا (تزدنا) عَلَيْهِ. قَالَ: فَانْطَلق، فَبعث إِلَيْهِ بِطَعَام، فَأكل مِنْهُ، ثمَّ قَالَ عمر لغلامه: هَل فِي إداوتك شَيْء من ذَلِك النَّبِيذ؟ قَالَ: نعم. فَأَتَاهُ [فَصَبَّهُ فِي إِنَاء، ثمَّ شَمَّه، فَوَجَدَهُ مُنكر الرّيح، فصب عَلَيْهِ مَاء، ثمَّ شمه، فَوَجَدَهُ مُنكر الرّيح] ، فصب عَلَيْهِ المَاء ثَلَاث مَرَّات، ثمَّ شربه، ثمَّ قَالَ: إِذا رَابَكُم من شرابكم (شَيْء) فافعلوا بِهِ هَكَذَا. ثمَّ قَالَ: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: لَا تلبسوا الديباج وَالْحَرِير، وَلَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة، (فإنَّها) لَهُم فِي الدُّنْيَا،
стр. 369
وَلكم فِي الْآخِرَة» .
رَوَاهُ الْحَاكِم، أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك» فِي تَرْجَمَة عمر بن الْخطاب، عَن أبي بكر، عَن ابْن الْمثنى، عَن مُسَدّد، عَن أبي الْأَحْوَص، عَن مُسلم الْأَعْوَر، عَن أبي وَائِل، ثمَّ قَالَ: هَذَا حَدِيث صَحِيح الإِسناد، وَلم يخرجَاهُ.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» - وَذكر الِاخْتِلَاف فِيهِ، حَيْثُ رُوِيَ عَن عَاصِم بن بَهْدَلَة عَن (أبي) وَائِل، وَعَن مُسلم الْأَعْوَر، عَن أبي وَائِل، وَعَن مُسلم الْأَعْوَر، عَن رجل من قومه، عَن عمر، قَالَ: وَمُسلم ضَعِيف -: هَذَا الحَدِيث يرويهِ الْأَعْمَش، عَن أبي وَائِل، عَن حُذَيْفَة مَرْفُوعا، وَهُوَ أولَى بِالصَّوَابِ.
وَهَذَا الحَدِيث هُوَ بِنَحْوِ من لفظ الرَّافِعِيّ، وَقد أخرجه البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» ، لَكِن من طَرِيق حُذَيْفَة، فَقَالَ: بَاب الْأكل فِي إِنَاء مفضض. نَا أَبُو نعيم، حَدَّثَنَا سيف بن (أبي) سُلَيْمَان، سَمِعت مُجَاهدًا يَقُول: حَدَّثَنَي عبد الرَّحْمَن بن أبي لَيْلَى: «أَنهم كَانُوا عِنْد حُذَيْفَة، فَاسْتَسْقَى، فَسَقَاهُ مَجُوسِيّ، فلمَّا وضع الْقدح فِي يَده، (رَمَاه) بِهِ، وَقَالَ: (لَوْلَا) أَنِّي (نهيته) غير مرّة وَلَا مرَّتَيْنِ - كَأَنَّهُ يَقُول: لم أفعل هَذَا - وَلَكِنِّي سَمِعت النَّبِي ﷺ يَقُول: لَا تلبسوا الْحَرِير، و (لَا)
стр. 370
الديباج، وَلَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة، (وَلَا تَأْكُلُوا فِي صحافها) ، فإنَّها لَهُم فِي الدُّنْيَا، (وَلكم) فِي الْآخِرَة» .
الطَّرِيق الثَّالِث: عَن شُعْبَة، عَن سعد بن إِبْرَاهِيم، عَن نَافِع، عَن امْرَأَة ابْن عمر، عَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ ، قَالَ: «الَّذِي يشرب فِي إِنَاء الْفضة - أَو إِنَاء من فضَّة - إِنَّمَا (يجرجر فِي) بَطْنه نَارا» .
رَوَاهُ أَبُو عمر بن عبد الْبر فِي «التَّمْهِيد» ، ثمَّ قَالَ: وَرَوَاهُ خصيف، وَهِشَام بن (الغازِ) - وَهُوَ بالغين وَالزَّاي المعجمتين - عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: «من شرب فِي آنِية الْفضة، فإنَّما يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم» .
قَالَ: وَهَذَا عِنْدِي خطأ لَا شكّ فِيهِ، لم يَرْوِ (ابْن) عمر هَذَا الحَدِيث قطّ، وَلَا رَوَاهُ نَافِع عَن ابْن عمر، وَلَو رَوَاهُ عَن ابْن عمر، مَا احْتَاجَ أَن يُحَدِّث بِهِ عَن [ثَلَاثَة] ، وَأما إِسْنَاد شُعْبَة فِي هَذَا الحَدِيث، فَيحْتَمل أَن يكون إِسْنَادًا (آخر) ، وَيحْتَمل أَن يكون خطأ، وَهُوَ
стр. 371
الْأَغْلَب. هَذَا آخر كَلَامه.
وَقد رُوِيَ عَن ابْن عمر من طَرِيق آخر، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أَصْغَر معاجمه» ، من حَدِيث: برد بن سِنَان، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر، مَرْفُوعا: «من شرب فِي إِنَاء من ذهب، أَو إِنَاء من فضَّة، فإنَّما يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم» .
قَالَ الطَّبَرَانِيّ: لم يَرْوِه (عَن) برد إلاَّ ابْنه الْعَلَاء.
وَطَرِيق (آخر) سَيَأْتِي فِي آخر هَذَا الْبَاب بِزِيَادَة فِيهِ.
لَكِن وَافق الْحَافِظ أَبَا عمر بن عبد الْبر عَلَى كَون رِوَايَة ابْن عمر خطأ: أَبُو حَاتِم، وَأَبُو زرْعَة.
قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : قَالَ أَبُو زرْعَة: حَدِيث ابْن عمر هَذَا (خطأ) ، إنَّما هُوَ عَن أم سَلمَة مَرْفُوعا.
وَقَالَ فِي مَوضِع آخر مِنْهَا: سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة (عَنهُ) ، فَقَالَا مثل ذَلِك، قَالَا: وَالوهم فِيهِ من حَمَّاد.
وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ شُعْبَة عَن امْرَأَة ابْن عمر، وَقَالَ (الثَّوْريّ) : عَن صَفِيَّة - وَهِي امْرَأَة ابْن عمر -
стр. 372
مَرْفُوعا، و (خالفهما) مسعر، فَرَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ، من حَدِيث نَافِع، عَن ابْن عمر، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا، (وَوهم) فِي قَوْله: ابْن عمر. وَإِنَّمَا هُوَ عَن امْرَأَة ابْن عمر.
قَالَ: وَرُوِيَ مَوْقُوفا عَلَى عَائِشَة أَيْضا، من حَدِيث نَافِع عَنْهَا.
(قَالَ: وَرُوِيَ) عَن نَافِع، عَن صَفِيَّة، عَن عَائِشَة، وَرُوِيَ عَن سَالم، عَن عَائِشَة مَرْفُوعا وَالصَّحِيح مَا قَالَ شُعْبَة، وَالثَّوْري.
(قَالَ) : وَرُوِيَ عَن نَافِع، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، عَن عَائِشَة - أَو أم سَلمَة، أَو أم حَبِيبَة - وَهُوَ وهم. وَرَوَاهُ الثَّوْريّ عَن [عبيد] الله، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا، وَوهم فِيهِ. وَالصَّحِيح عَن [عبيد] الله بن عمر عَن زيد بن عبد الله بن عمر، عَن عبد الله بن عبد الرَّحْمَن بن أبي بكر، عَن أم سَلمَة. وَقَالَ جرير بن حَازِم: عَن نَافِع (قَالَ) : قَالَت أم سَلمَة. وَقَالَ عبد الْعَزِيز بن أبي رواد: عَن نَافِع، عَن أبي هُرَيْرَة، (وَوهم) فِي ذكر أبي هُرَيْرَة.
هَذَا ملخص مَا ذكره الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» ، وَفِيه رد عَلَى قَول أبي عمر بن عبد الْبر: إِنَّه يحْتَمل أَن يكون إِسْنَاد شُعْبَة خطأ، وَأَنه الْأَغْلَب. فقد قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: إِنَّه الصَّحِيح.
الطَّرِيق الرَّابِع: (عَن عِكْرِمَة) ، عَن ابْن عَبَّاس ﵁، أَن رَسُول الله
стр. 373
(، قَالَ: «إِن الَّذِي يشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة، إِنَّمَا يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم» .
رَوَاهُ الحافظان: الطَّبَرَانِيّ فِي «أَصْغَر معاجمه» ، والخطيب الْبَغْدَادِيّ فِي كِتَابيه: «من وَافَقت كنيته اسْم أَبِيه» ، و «تَلْخِيص الْمُتَشَابه» .
قَالَ الطَّبَرَانِيّ: لم يَرْوه عَن (النَّضر) بن عَرَبِيّ، إلاَّ سَلِيم بن مُسلم الخَشَّاب، تَفَرَّد بِهِ مُحَمَّد بن بَحر (الهُجَيْمِي) الْبَصْرِيّ.
الطَّرِيق الْخَامِس: عَن أبي بردة، قَالَ: انْطَلَقت أَنا وَأبي (إِلَى) عَلّي بن أبي طَالب - كَرَّم الله وَجهه - فَقَالَ لنا: «إنَّ رَسُول الله ﷺ ، نَهَى عَن آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة (أَن يُشْرَبَ (فِيهَا)) ، أَو أَن يُؤْكَل فِيهَا، وَنَهَى عَن القسي والمِيثرة، وَعَن ثِيَاب الْحَرِير، وَخَاتم الذَّهَب» .
رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ، بِإِسْنَاد جيد.
الطَّرِيق السَّادِس: عَن أنس بن سِيرِين، عَن أنس بن مَالك، قَالَ: «نهَى رَسُول الله ﷺ ، عَن الْأكل وَالشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة» .
стр. 374
رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ، من جِهَة قطن بن نُسَيْر - بِضَم النُّون، ثمَّ سين مُهْملَة مَفْتُوحَة -، عَن حَفْص بن عبد الله، عَن إِبْرَاهِيم بن طهْمَان، عَن الْحجَّاج (بن الْحجَّاج) عَن أنس بِهِ.
وَلِهَذَا الحَدِيث طَريقَة صَحِيحَة بالِاتِّفَاقِ، كَانَت (جديرة) بالتقدم، وَهِي: مَا رَوَى الشَّيْخَانِ فِي «صَحِيحَيْهِمَا» من حَدِيث الْبَراء بن عَازِب ﵁، قَالَ: «أَمَرَنا رَسُول الله ﷺ بِسبع، ونهانا عَن (سبع) : أمرنَا بعيادة الْمَرِيض، وَاتِّبَاع الْجِنَازَة، وتشميت الْعَاطِس، وَإجَابَة الدَّاعِي، وإفشاء السَّلَام، ونصرة الْمَظْلُوم، وإبرار الْقسم. ونهانا: عَن خَوَاتِيم الذَّهَب، وَعَن الشّرْب فِي الْفضة - أَو قَالَ: آنِية الْفضة - وَعَن المياثر، والقسي، وَعَن لبس الْحَرِير والديباج، والإِستبرق» .
وَفِي رِوَايَة لمُسلم: «وإنشاد الضَّالة» بدل: «وإبرار الْقسم» .
وَفِي رِوَايَة لَهُ: «وَعَن الشّرْب فِي الْفضة، فإنَّه من شرب فِيهَا فِي
стр. 375
الدُّنْيَا لم (يشرب فِيهَا) فِي الْآخِرَة» .
وَفِي رِوَايَة لَهما: «رد السَّلَام» بدل: «وإفشاء السَّلَام» .
وَحين فَرغْنَا من إِيرَاد طرق هَذَا الحَدِيث، فلنذكر مَا يتَعَلَّق بهَا: من الْغَرِيب، وتوضيح الْمُشكل، فَنَقُول:
«الْآنِية» : جمع إِنَاء، والعامة (يرَوْنَ) أَنَّهَا وَاحِدَة، وَهُوَ خطأ، كَمَا يُقَال: إِزَار وآزرة، وحمار وأحمرة ويوضحه قَوْله ﵊ فِي صفة الْحَوْض: «آنيته مثل نُجُوم السَّمَاء» . قَالَ ذَلِك عبد الْحق.
وَقَوله ﵊ : «يجر فِي جَوْفه نَار جَهَنَّم» .
فِي «نَار» رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهمَا: نصب الرَّاء، حَكَاهُ الْخطابِيّ عَن بعض أهل الْعلم باللغة. قَالَ ابْن بري: و (هَذَا) هُوَ الْمَشْهُور. كَذَا قَالَه النَّوَوِيّ وَزَاد: وَأَن بِهِ جزم الْمُحَقِّقُونَ، وَاخْتَارَهُ الزجَّاج، والخطابي، وَالْأَكْثَرُونَ، وَلم يذكر الْأَزْهَرِي، وَآخَرُونَ غَيره، وَهُوَ الصَّحِيح.
الرِّوَايَة الثَّانِيَة: رَفعهَا. قَالَ ابْن السَّيِّد فِي «الاقتضاب» : من رفع الرَّاء فعلَى خبر إِن، وَيجْعَل «مَا» بِمَعْنى «الَّذِي» ، كَأَنَّهُ قَالَ: «الَّذِي
стр. 376
يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم وَمن نصب النَّار، جعل «مَا» صلَة ل «إِن» وَهِي الَّتِي تكف «إِن» عَن الْعَمَل، وَنصب «النَّار» ب «يجرجر» ، وَنَظِيره قَوْله - تَعَالَى -: (إِنَّمَا صَنَعُوا كيد سَاحر) ، فقرئ بِرَفْع «الكيد» ونصبه علىالوجهين. وَيجب إِذا جعلت (مَا) بِمَعْنى «الَّذِي» أَن تُكتب (مُنْفَصِلَة) من «إِن» . وَكَذَا قَالَه ابْن بري أَيْضا.
وَقَالَ غَيرهمَا: من نصب، جعل الجرجرة (بِمَعْنى الصبِّ) ، أَي: إِنَّمَا يصب فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم، وَمن رَفعهَا، جعلهَا بِمَعْنى الصَّوْت، أَي: إِنَّمَا يُصَوِّت (فِي) بَطْنه نَار جَهَنَّم. والجرجرة: الصَّوْت المتردد فِي الْحلق.
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام» : وَقد يَصح النصب عَلَى هَذَا أَيْضا، إِذا تَعَدَّى الْفِعْل، قَالَ: وَمِمَّا يرجح النصب، رِوَايَة مُسلم: «نَارا من جَهَنَّم» . وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» . قَالَ: ورويناه فِي «مُسْند أبي عوَانَة» و «الجعديات» (من) رِوَايَة عَائِشَة ﵂، عَن رَسُول الله ﷺ ، قَالَ: «الَّذِي يشرب فِي الْفضة إنَّما يجرجر فِي جَوْفه نَارا» ، هَكَذَا هُوَ فِي الْأُصُول: (نَارا) (بِالْألف) ، من غير ذكر
стр. 377
جَهَنَّم. قَالَ: وَأما مَعْنَاهُ: فعلَى رِوَايَة النصب، الْفَاعِل هُوَ الشَّارِب مُضْمر فِي يجرجر: أَي يلقيها فِي بَطْنه بجرع متتابع يُسمع (لَهُ صَوت) ، لتردده فِي حلقه، وَعَلَى رِوَايَة الرّفْع: تكون النَّار فاعلة، مَعْنَاهُ: أَن النَّار تُصَوِّت فِي جَوْفه، وسُمِّي المشروب نَارا: لِأَنَّهُ (يؤول إِلَيْهَا) ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: (إِن الَّذين يَأْكُلُون أَمْوَال الْيَتَامَى ظلما إِنَّمَا يَأْكُلُون فِي بطونهم نَارا) .
وَقَالَ الشَّيْخ تَاج الدَّين (ابْن) الفركاح (فِي) «الإقليد» : يرْوَى: يجرجر مبنيًّا للْفَاعِل، ومبنيًّا للْمَفْعُول، وَعَلَى الأول: يُروى النَّار بِالنّصب، علىأن الْفَاعِل: الشَّارِب، وبالرفع عَلَى أَنَّهَا الْفَاعِل.
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : اتّفق الْعلمَاء، من أهل الحَدِيث، واللغة، و (الْغَرِيب) ، وَغَيرهم عَلَى كسر الْجِيم الثَّانِيَة من يجرجر، وَاخْتلفُوا فِي الرَّاء من قَوْله: «نَار جَهَنَّم» فَذكر مَا تقدم.
وجهنم - عافنا الله مِنْهَا، وَمن كل بلَاء - قَالَ الواحدي: قَالَ يُونُس، وَأكْثر النَّحْوِيين: هِيَ عجمية لَا تَنْصَرِف للعجمة والتعريف، وَقَالَ آخَرُونَ: (عَرَبِيَّة) لَا تَنْصَرِف للتأنيث والتعريف. وسُمِّيَت بذلك لبعد قعرها، يُقَال: بِئْر جهنام، إِذا كَانَت عميقة القعر. وَقَالَ بعض اللغويين: مُشْتَقَّة من (الجهومة) ، وَهِي: الغلظ، سميت بذلك لغلظ أمرهَا فِي الْعَذَاب.
стр. 378
و «المِيثرة» : بِكَسْر الْمِيم، أَصْلهَا: موثرة، من الشَّيْء الوثير: أَي اللِّين، وَلَكِن (لَمَّا) كَانَ قبل الْوَاو الساكنة كسرة، قُلبت يَاء. قَالَ ابْن سَيّده: هِيَ كهنة المرفقة تتَّخذ للسرج كالصفة وَهِي المياثر (والمواثر) عَلَى (المعاقبة) .
و «القَسِّي» : بِفَتْح الْقَاف، و (كسر) السِّين الْمُهْملَة الْمُشَدّدَة.
وَذكر أَبُو عبيد: أَن أَصْحَاب الحَدِيث يَقُولُونَ: القِسي بِكَسْر الْقَاف. وعَدَّه جمَاعَة من تصحيفاتهم.
(وَهِي) ثِيَاب يُؤْتَى بهَا من بلدنا مصر، فِيهَا حَرِير.
الحَدِيث الْعَاشِر
«أَن حَلقَة قَصْعَة رَسُول الله ﷺ ، كَانَت من فضَّة» .
هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ البُخَارِيّ فِي «صَحِيحه» بِنَحْوِهِ، من حَدِيث عَاصِم الْأَحول، قَالَ: «رَأَيْت قدح رَسُول الله ﷺ ، عِنْد أنس بن مَالك، وَكَانَ قد (انصدعَ) ، فَسَلْسَلَه بِفِضَّة» .
قَالَ: وَهُوَ قدح جيد عريض، من نُضَار. قَالَ: قَالَ أنس: «لقد
стр. 379
سقيت رَسُول الله ﷺ (فِي هَذَا الْقدح) أَكثر من كَذَا وَكَذَا» . قَالَ: وَقَالَ: ابْن سِيرِين: «إنَّه كَانَ فِيهِ حَلقَة من حَدِيد، فَأَرَادَ أنس أَن يَجْعَل مَكَانهَا حَلقَة من ذهب أَو فضَّة، فَقَالَ (لَهُ) أَبُو طَلْحَة: لَا تُغَيِّرن شَيْئا صَنَعَه رَسُول الله ﷺ فَتَركه» .
وَفِي رِوَايَة لأبي بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ، عَن أنس: «أَن قدح النَّبِي ﷺ ، انصدع، فَجعل مَكَان (الشَّعْبِ) سلسلة من فضَّة» . قَالَ عَاصِم: «وَرَأَيْت الْقدح، وشربت فِيهِ» .
وَأخرجه الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» ، وَقَالَ: رَوَاهُ البُخَارِيّ كَمَا تقدم، وَهُوَ يُوهِم أَن يكون النَّبِي ﷺ ، اتخذ مَكَان الشَّعْبِ سلسلة من فضَّة، وَقد أخبرنَا أَبُو عبد الله الْحَافِظ ... فَذكر بِإِسْنَادِهِ إِلَى ابْن سِيرِين، عَن أنس: «أَن قدح النَّبِي ﷺ ، انصدع، فَجعل مَكَان الشَّعْبِ سلسلة» ، (يَعْنِي أنَّ أنسا جعل مَكَان الشّعب سلسلة) .
قَالَ الْبَيْهَقِيّ: فَلَا أَدْرِي (من) قَالَه - يَعْنِي أَن أنسا جعل مَكَان الشّعب سلسلة - مُوسَى بن هَارُون، أَو من فَوْقه؟ . يَعْنِي الْمَذْكُورين فِي إِسْنَاده.
قُلْتُ: سَاق الْخَطِيب بِإِسْنَادِهِ فِي كتاب «الْفَصْل للوصل المدرج فِي النَّقْل» مَا ظَاهره: أَن ذَلِك من قَول مُوسَى بن هَارُون.
стр. 380
قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: قَوْله: «فَاتخذ» . يُوهم أَن النَّبِي ﷺ هُوَ الْمُتَّخذ، وَلَيْسَ كَذَلِك، بل الْمُتَّخذ هُوَ أنس، فَفِي رِوَايَة أنس: «فجعلتُ مَكَان الشَّعْبِ سلسلة» . هَذَا كَلَامه.
وَفِي «علل الدَّارَقُطْنِيّ» : أَنه سُئِلَ عَن هَذَا (الحَدِيث) ، فَقَالَ: يرويهِ عَاصِم الْأَحول. واختُلف عَنهُ، فَرَوَاهُ أَبُو حَمْزَة السكرِي، عَن عَاصِم، عَن ابْن سِيرِين، عَن أنس. وَخَالفهُ شريك، فَرَوَاهُ عَن عَاصِم [عَن أنس] ، وَالصَّحِيح قَول أبي حَمْزَة.
والشَّعْب: بِفَتْح الشين الْمُعْجَمَة، وَإِسْكَان الْعين الْمُهْملَة، وَبعدهَا (بَاء) مُوَحدَة. وَالْمرَاد بِهِ: الشق والصدع.
وَوَقع فِي «الْمُهَذّب» للشَّيْخ أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ: فَاتخذ مَكَان الشِّفة، وَهُوَ تَصْحِيف، وَالصَّوَاب مَا فِي رِوَايَة البُخَارِيّ، وَغَيره كَمَا تقدم.
وَوَقع فِيهِ أَيْضا: «أَن الْقدح انْكَسَرَ» ، وَيحمل عَلَى أَنه انْشَقَّ، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة «انصدع» . وَالْمرَاد: أَنه (شَدَّ الشق) بخيط فضَّة، فَصَارَت صورته صُورَة سلسلة، كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَة البُخَارِيّ السالفة: «فَسَلْسَلَه بِفِضَّة» . قَالَ ذَلِك النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» .
قُلْتُ: قد يُعَارض هَذَا التَّفْسِير مَا جَاءَ فِي رِوَايَة الإِمام أَحْمد، قَالَ: رَأَيْت عِنْد أنس قدح رَسُول الله ﷺ ، فِيهِ ضَبّة من فضَّة» . فَإِن
стр. 381
الْمَعْرُوف: أَن الضبة هِيَ الَّتِي تَأْخُذ قدرا من الإِناء.
وَقد لَا يُعَارضهُ، بِأَن يلْتَزم تَسْمِيَة ذَلِك ضبة.
الحَدِيث الْحَادِي عشر
«أَن قَبِيْعَةَ سيف رَسُول الله ﷺ ، كَانَت من فضَّة» .
هَذَا الحَدِيث لَهُ طرق:
أَحدهَا: من رِوَايَة أنس. رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالتِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد، وَالنَّسَائِيّ فِي الزِّينَة، من حَدِيث قَتَادَة عَنهُ. قَالَ التِّرْمِذِيّ: هُوَ حَدِيث حسن غَرِيب، وَهَكَذَا رُوِيَ عَن همام، عَن قَتَادَة، عَن أنس. وَقد رَوَى بَعضهم عَن قَتَادَة، (عَن سعيد بن أبي الْحسن، قَالَ: «كَانَت قبيعة سيف رَسُول الله ﷺ ) من فضَّة» .
قُلْتُ: هَكَذَا (أخرجه) أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، فِي (إِحْدَى) روايتيهما، (ونصَّ) الحفَّاظ عَلَى أَن الصَّوَاب هَذِه الرِّوَايَة - أَعنِي رِوَايَة الإِرسال - فَقَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا حَدِيث مُنكر، وَالصَّوَاب: (قَتَادَة عَن سعيد مُرْسلا. وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : إنَّ
стр. 382
إرْسَاله هُوَ الصَّوَاب) . وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد: إنَّ أَقْوَى الْأَحَادِيث، حَدِيث سعيد بن أبي الْحسن الْبَصْرِيّ، (والباقية) ضِعَاف. وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: الْمَحْفُوظ أَنه مُرْسل. وَكَذَا قَالَ الْبَزَّار: إِنَّمَا يُرو عَن قَتَادَة، عَن سعيد بن أبي الْحسن مُرْسلا، وَهُوَ الصَّوَاب. وَكَذَا قَالَ الدَّارمِيّ لمَّا أخرجه فِي «مُسْنده» (مُسْندًا) : هِشَام الدستوَائي (خَالفه) - يَعْنِي جَرِيرًا - قَالَ: قَتَادَة عَن سعيد بن أبي الْحسن، عَن رَسُول الله ﷺ ، فَزعم النَّاس أَنه الْمَحْفُوظ. وَكَذَا (قَالَ) الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ: إِن الْمُرْسل هُوَ الصَّوَاب.
وَفِي «علل أَحْمد» قَالَ عبد الله: حَدَّثَنَي أبي، عَن عَفَّان، قَالَ: جَاءَ أَبُو جزي - واسْمه: نصر بن طريف - إِلَى جرير بن حَازِم، يشفع لإِنسان فِي حَدِيث، فَقَالَ جرير: نَا قَتَادَة، عَن أنس، قَالَ: «كَانَت (قبيعة) سيف رَسُول الله ﷺ من فضَّة» . قَالَ أَبُو جزي: كذب وَالله، مَا حَدَّثَنَاه قَتَادَة إلاَّ عَن سعيد بن أبي الْحسن. قَالَ أبي: وَهُوَ قَول أبي جزي.
стр. 383
يَعْنِي: أصَاب وَأَخْطَأ جرير.
وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» : تفرد بِهِ جرير، عَن قَتَادَة، عَن أنس. وَرَوَاهُ قَتَادَة عَن سعيد بن أبي الْحسن مُرْسلا. ثمَّ قَالَ: وَهُوَ الْمَحْفُوظ.
قُلْتُ: رِوَايَة جرير، أخرجهَا التِّرْمِذِيّ، وحَسَّن الحَدِيث، ثمَّ قَالَ: وَهَكَذَا رَوَى همام عَن قَتَادَة عَن أنس. وَأخرجه النَّسَائِيّ من رِوَايَة: همام وَجَرِير عَن قَتَادَة. فَظهر بِهَذَا أَن جَرِيرًا لم يتفرد بِهِ، وَلَفظه فِي هَذِه الرِّوَايَة، عَن أنس، قَالَ: «كَانَت نعل سيف رَسُول الله ﷺ من فضَّة، وقبيعة (سَيْفه) فضَّة، وَمَا بَين ذَلِك حلق الْفضة» .
الطَّرِيق الثَّانِي: رِوَايَة (مزيدة) (بن) جَابر الْعَبْدي العصري. رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ فِي الْجِهَاد، من حَدِيث: طَالب بن حُجَيْر، نَا هود بن عبد الله [بن] سعد، عَن جده (مزيدة) ﵁، قَالَ: «دخل النَّبِي ﷺ ، يَوْم الْفَتْح، وَعَلَى سَيْفه ذهب وَفِضة. قَالَ طَالب: فَسَأَلته عَن الْفضة، (فَقَالَ) : كَانَت قبيعة سَيْفه فضَّة» .
قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. وَقَالَ ابْن القَطَّان: هُوَ
стр. 384
عِنْدِي ضَعِيف لَا حسن؛ لِأَن طَالبا وهودًا مَجْهُولا الْحَال، وَسُئِلَ الرازيان عَن طَالب فَقَالَا: شيخ. قَالَ الذَّهَبِيّ (فِي «الْمِيزَان» ) : صَدَقَ أَبُو الْحسن.
قُلْتُ: لَا، طَالب رَوَى عَنهُ (جمَاعَة) ، وَذكره ابْن (حبَان) فِي «ثقاته» وَفِي «التذهيب» : (هود) بن عبد الله بن سعد، الْعَبْدي، عَن جده لأمه: (مزيدة) ، ومعبد بن وهب، وَلَهُمَا صُحْبَة، وَعنهُ: طَالب بن (حُجَيْر) .
وَقَالَ الذَّهَبِيّ فِي «الْمِيزَان» : تفرَّد (بِهِ) طَالب، وَهُوَ صَالح الْأَمر - إِن شَاءَ الله - وَهَذَا مُنكر، فَمَا (علمنَا) فِي (حلية) سَيْفه ﵇ ذَهَبا.
الطَّرِيق الثَّالِث: من رِوَايَة أبي أُمَامَة. أخرجه النَّسَائِيّ: فِي أَوَاخِر الزِّينَة واللباس، عَن عمرَان بن (يزِيد) ، ثَنَا عِيسَى ين يُونُس، ثَنَا
стр. 385
عُثْمَان بن حَكِيم، عَن أبي أُمَامَة بن سهل قَالَ: (كَانَت قبيعة سيف رَسُول الله ﷺ ، من فضَّة) .
وَهَذَا إِسْنَاد لَا ريب فِي صِحَّته، (عمرَان) : قَالَ النَّسَائِيّ فِي حَقه: لَا بَأْس بِهِ وَعِيسَى: هُوَ (السبيعِي) ، أخرج لَهُ السِّتَّة، ووثَّقه أَبُو حَاتِم، وَجمع.
وَعُثْمَان: أخرج لَهُ مُسلم، وَالْبُخَارِيّ تَعْلِيقا، وَقَالَ أَحْمد، (و) ابْن معِين: ثِقَة، وَقَالَ أَبُو خَالِد الْأَحْمَر: هُوَ أوثق أهل الْمَدِينَة وأعبدهم.
الطَّرِيق الرَّابِع: عَن هِشَام بن عَمَّار، نَا مُحَمَّد بن حمير، حَدَّثَنَي أَبُو الحكم (الصيقل) ، قَالَ: حَدَّثَنَي مَرْزُوق (الصيقل) : «أَنه صقل سيف رَسُول الله ﷺ (ذَا) الفقار، وَكَانَت لَهُ قبيعة من فضَّة ... » الحَدِيث بِطُولِهِ.
رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» كَذَلِك، وَلَا أعلم بِهَذَا السَّنَد بَأْسا.
стр. 386
«القَبِيعة» : بِفَتْح الْقَاف، وَكسر الْبَاء الْمُوَحدَة، هِيَ الَّتِي تكون عَلَى رَأس قَائِم السَّيْف، وطرف مقبضه، من (فضَّة) ، أَو حَدِيد.
قَالَ الشَّيْخ (زكي الدَّين) : «وَقيل: مَا تَحت شاربَيْ السَّيْف، (مِمَّا) يكون فَوق الغمد. وَقيل: هِيَ التومة الَّتِي (تكون) فَوق المقبض» . قَالَ: «وَجَاز ذَلِك فِي السَّيْف لِأَنَّهُ من زِينَة الرجل وآلته، فيقاس عَلَيْهِ المنطقة، وَنَحْوهَا من أَدَاة الْفَارِس، دون أَدَاة الْفرس.
الحَدِيث الثَّانِي عشر
أَنه ﷺ قَالَ فِي الذَّهَب وَالْحَرِير: «هَذَانِ حرامان عَلَى ذُكُور أمتِي» .
هَذَا الحَدِيث مَشْهُور، وَله طرق:
أَحدهَا: عَن سعيد بن أبي هِنْد، عَن أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «حُرِّم لِبَاس الذَّهَب وَالْحَرِير عَلَى ذُكُور أمتِي، وَأحل لإِناثهم» .
رَوَاهُ أَحْمد، وَالتِّرْمِذِيّ، وَهَذَا لَفظه، وَقَالَ: حَدِيث حسن صَحِيح، وَلَفظ أَحْمد: « (أحل) الذَّهَب وَالْحَرِير للإِناث من أمتِي،
стр. 387
وَحرم عَلَى ذكورها» .
وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ، وَلَفظه: «إنَّ الله - تَعَالَى - أَحَلَّ لإِنَاثِ أمتِي الْحَرِير وَالذَّهَب، وحَرَّمه عَلَى ذكورها» .
وَالطَّبَرَانِيّ فِي «أكبر معاجمه» ، وَلَفظه: «أُحِلَّ الذَّهَب وَالْحَرِير لإِناث أمتِي، وحُرِّم عَلَى ذكورها» . وَله أَلْفَاظ أخر بِنَحْوِ هَذَا.
(وَرَوَاهُ) الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» ، وَهَذَا لَفظه: «أحل الذَّهَب وَالْحَرِير لإِناث أمتِي» ، ثمَّ قَالَ: هَذَا يرويهِ عبد الله بن (سعيد) بن أبي هِنْد، (عَن أَبِيه، وَيَرْوِيه نَافِع مولَى ابْن عمر، عَن (سعيد) بن أبي هِنْد) ، وَاخْتلف عَن نَافِع: فَرَوَاهُ أَيُّوب السّخْتِيَانِيّ، وَعبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن سعيد بن أبي هِنْد، عَن أبي مُوسَى.
وَرَوَاهُ سُوَيْد بن عبد الْعَزِيز، عَن (عبيد الله) ، عَن سعيد بن أبي [سعيد] المَقْبُري، عَن أبي مُوسَى. وَوَهِمَ فِي موضِعين: فِي قَوْله:
стр. 388
سعيد المَقْبُري، وَإِنَّمَا هُوَ سعيد بن أبي هِنْد. وَفِي تَركه نَافِعًا فِي الإِسناد.
وَرَوَاهُ (عبد الله) بن عمر الْعمريّ، عَن نَافِع، عَن سعيد بن أبي هِنْد، عَن رجل، عَن أبي مُوسَى. وَهُوَ أشبه بِالصَّوَابِ؛ لِأَن سعيد بن أبي هِنْد لم يسمع من أبي مُوسَى شَيْئا، وَقَالَ أُسَامَة بن زيد: عَن (سعيد) بن أبي هِنْد، عَن أبي مرّة - مولَى عقيل - عَن أبي مُوسَى، فِي حَدِيث «النَّهْي عَن اللّعب بالنرد» ، وَهُوَ الصَّحِيح. قَالَ: و (هَذَا) يُقَوي قَول الْعمريّ: عَن نَافِع، عَن سعيد بن أبي هِنْد، عَن رجل.
وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْحق: هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ جماعات، عَن عبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن سعيد بن أبي هِنْد، عَن أبي مُوسَى مَرْفُوعا. وَرَوَاهُ من لَا يحْتَج بِهِ، عَن (عبد الله) ، عَن نَافِع، عَن سعيد، عَن (رجل) من أهل الْعرَاق، عَن أبي مُوسَى.
وَذكره عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن أَيُّوب، عَن نَافِع، عَن سعيد، عَن رجل، عَن أبي مُوسَى. واختُلف فِيهِ عَلَى أَيُّوب» . ثمَّ ذكر قولة الدَّارَقُطْنِيّ المتقدِّمة: أنَّ سعيد بن أبي هِنْد لم يسمع من أبي مُوسَى.
وَقد أخرجه التِّرْمِذِيّ، وَالنَّسَائِيّ من هَذِه الطَّرِيق - أَعنِي طَرِيق: عبيد الله بن عمر، عَن نَافِع، عَن سعيد بن أبي هِنْد، عَن أبي مُوسَى - مَرْفُوعا. وَقد صحَّحه التِّرْمِذِيّ، فَالظَّاهِر سَماع سعيد مِنْهُ.
стр. 389
لَكِن قد قَالَ كمقالة الدَّارَقُطْنِيّ: أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ، فَقَالَ: سعيد بن أبي هِنْد لم يَلْقَ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ.
وَقَالَ أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» : حَدِيث سعيد بن أبي هِنْد عَن أبي مُوسَى فِي هَذَا الْبَاب مَعْلُول لَا يَصح. وَلَعَلَّه يُشِير إِلَى مَا ذَكرْنَاهُ عَن الدَّارَقُطْنِيّ وَأبي حَاتِم، (بل) لَا شكّ فِي ذَلِك.
لكنه أخرج فِي «صَحِيحه» حَدِيث: «من لعب بالنرد، فقد عَصَى الله وَرَسُوله» ، وَهُوَ من رِوَايَة سعيد عَن أبي مُوسَى.
الطَّرِيق الثَّانِي: وَهُوَ أشهرها، عَن عَلّي بن أبي طَالب - كَرَّم الله وَجهه -: «أنَّ النَّبِي ﷺ أَخذ حَرِيرًا فَجعله فِي يَمِينه، وَأخذ ذَهَبا فَجعله فِي شِمَاله، ثمَّ قَالَ: إنَّ هذَيْن حرَام عَلَى ذُكُور أمتِي» .
رَوَاهُ أَبُو دَاوُد، وَالنَّسَائِيّ، وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمْ» ، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحه» . وَلابْن مَاجَه زِيَادَة فِيهِ، وَهِي: «حل لإناثهم» .
وَرَوَاهُ أَحْمد بِلَفْظ: «أَخذ [حَرِيرًا] فَجعله فِي يَمِينه، وَأخذ ذَهَبا فَجعله فِي شِمَاله، ثمَّ قَالَ: إنَّ هذَيْن حرامٌ عَلَى ذُكُور أمتِي» .
قَالَ عبد الْحق فِي «الْأَحْكَام» : قَالَ ابْن الْمَدِينِيّ: حَدِيث حسن، وَرِجَاله معروفون.
стр. 390
وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمام» : هَذَا حَدِيث مُخْتَلَف فِي إِسْنَاده، يرجع إِلَى يزِيد بن أبي حبيب، فَقيل: عَنهُ عَن أبي أَفْلح الْهَمدَانِي، عَن عبد الله بن زُرَيْر، عَن عَلّي. هَذِه رِوَايَة لَيْث عِنْد أبي دَاوُد. وَقيل فِيهِ: عَن يزِيد، عَن عبد الْعَزِيز بن أبي الصعبة، عَن أبي أَفْلح. وَهَذِه رِوَايَة ابْن إِسْحَاق (عِنْد) ابْن مَاجَه.
قُلْتُ: وَرِوَايَة اللَّيْث بن سعد، وَعبد الحميد بن جَعْفَر. كَمَا قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» .
قَالَ الشَّيْخ: وَقيل: عَن (ابْن) الصعبة - وَلم يسم - عَن رجل من هَمدَان، يُقَال لَهُ: أَفْلح. هَذِه رِوَايَة ابْن الْمُبَارك، عَن اللَّيْث، عَن (يزِيد) .
قُلْتُ: وَرِوَايَة حجاج، عَن (اللَّيْث) أَيْضا، كَمَا أخرجه أَحْمد فِي «الْمسند» .
وَقيل: عَن يزِيد بن أبي حبيب، عَن عبد الله بن زرير. أسقط من الإِسناد رجلَيْنِ: ابْن أبي الصعبة، وَأَبا أَفْلح. قَالَه الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» . قَالَ: [وَقَالَ ابْن عُيَيْنَة: عَن ابْن إِسْحَاق، عَن] يزِيد بن أبي حبيب، عَن رجل، عَن آخر - لم يسمهما - عَن عَلّي.
следующие страницы →