← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 5922

البدر المنير في تخريج الأحاديث والأثار الواقعة في الشرح الكبير

ابن الملقن

Полный текст (6 131 стр.). Показаны 771–810 · переход к 776.

стр. 771

وَابْن مَاجَه فِي «سنَنه» وَهَذَا لَفظه: «إِنَّمَا أَنا لكم (بِمَنْزِلَة) الْوَالِد (لوَلَده) أعلمكُم، إِذا أتيتم الْغَائِط فَلَا تستقبلوا الْقبْلَة وَلَا تستدبروها. وَأمر بِثَلَاثَة أَحْجَار، وَنَهَى عَن الروث والرمة، وَنَهَى أَن يَسْتَطِيب الرجل بِيَمِينِهِ» . وَالنَّسَائِيّ فِي «سنَنه» وَهَذَا لَفظه: «إِنَّمَا أَنا لكم مثل الْوَالِد أعلمكُم، فَإِذا ذهب أحدكُم إِلَى الْخَلَاء فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها، وَلَا يستنجي بِيَمِينِهِ. وَكَانَ يَأْمر بِثَلَاثَة أَحْجَار، وَكَانَ ينْهَى عَن الروث والرمة» . وَأَسَانِيده كلهَا صَحِيحَة، وَأَصله فِي «صَحِيح مُسلم» وَلَفظه فِيهِ: «إِذا جلس أحدكُم (لِحَاجَتِهِ) فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها» . وَقد شهد لَهُ بِالصِّحَّةِ إمامنا، قَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «معرفَة السّنَن والْآثَار» : قَالَ الشَّافِعِي فِي الْقَدِيم: هَذَا حَدِيث ثَابت. «الرِّمَّةِ» - بِكَسْر الرَّاء وَتَشْديد الْمِيم - الْعظم الْبَالِي. قَالَه جماعات، قَالَ الْخطابِيّ: وَيُقَال: إِنَّمَا سميت رمة؛ لِأَن الْإِبِل ترمها أَي: تأكلها. قَالَ: وَقَوله: «إِنَّمَا أَنا لكم بِمَنْزِلَة الْوَالِد» كَلَام بسط وتأنيس للمخاطبين (لِئَلَّا) يحتشموه وَلَا يستحيوا عَن مَسْأَلته فِيمَا يعرض لَهُم

стр. 772

من أَمر (دينهم كَمَا لَا يستحي الْوَلَد عَن مَسْأَلَة الْوَالِد فِيمَا عَنَّ وَعرض لَهُ) من أَمر. وَذكر صَاحب الْحَاوِي مَعَ هَذَا تَأْوِيلا آخر أَن يكون مَعْنَاهُ يلْزَمنِي تأديبكم وتعليمكم أَمر دينكُمْ كَمَا يلْزم الْوَالِد ذَلِك. قَالَ النَّوَوِيّ ﵀: وَيجوز أَن يكون كالوالد فِي الْأَمريْنِ، وَفِي ثَالِث أَيْضا، وَهُوَ الْحِرْص عَلَى مصلحتكم والشفقة عَلَيْكُم. الحَدِيث الثَّانِي عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من أَتَى الْغَائِط (فليستتر) فَإِن لم يجد إِلَّا أَن يجمع كثيبًا من رمل فَلْيفْعَل» . هَذَا الحَدِيث بعض من حَدِيث طَوِيل، وَقد فرقه الإِمَام الرَّافِعِيّ فَذكر بعضه هُنَا وَبَعضه فِي آخر الْبَاب وَترك بعضه؛ فلنذكره هُنَا بِكَمَالِهِ فَنَقُول: رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد والدارمي فِي «مسنديهما» وَأَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سُنَنهمْ» وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي

стр. 773

«صَحِيحه» وَالْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» مطولا ومختصرًا، وَهَذَا لفظ أبي دَاوُد عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «من اكتحل فليوتر، من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج، وَمن استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج، وَمن أكل (فَمَا تخلَّل) (فليلفظ) وَمَا لاك بِلِسَانِهِ فليبتلع، من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج، وَمن أَتَى الْغَائِط فليستتر؛ فَإِن لم يجد إِلَّا أَن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره؛ فَإِن الشَّيْطَان يلْعَب بمقاعد بني آدم، من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج» . هَذَا أكمل رِوَايَات هَذَا الحَدِيث، وَلَفظ البَاقِينَ مُخْتَصرا، وَبَعْضهمْ يزِيد عَلَى بعض، وَالْحَاكِم ذكر قصَّة الْأكل مِنْهُ (لَيْسَ إِلَّا) ومداره عَلَى أبي سعيد الحبراني الْحِمصِي وَيُقَال: أَبُو سعد الْخَيْر الْأَنمَارِي، واسْمه: زِيَاد. قَالَه الْمزي، وَقيل: عَامر بن (سعد) ، وَقيل: عمر بن سعد - رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة. قَالَ عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم: أَبُو سعيد الحبراني سَأَلت أَبَا زرْعَة عَنهُ فَقَالَ: لَا أعرفهُ. فَقلت: ألقِي أَبَا هُرَيْرَة؟ فَقَالَ: عَلَى هَذَا

стр. 774

يوضع. وَذكر أَبُو حَاتِم بن حبَان أَبَا سعيد هَذَا فِي «ثقاته» فِي التَّابِعين، وَذكره فِي «الصَّحَابَة» أَبُو نعيم وَابْن مَنْدَه وَابْن عبد الْبر وَقَالَ ابْن قَانِع: أَبُو سعد الْخَيْر الْأَنمَارِي اسْمه بحير، وَسَماهُ مُعَاوِيَة بن سَلام: بحيرًا. قَالَ أَبُو دَاوُد - عَلَى مَا نَقله الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي «تَهْذِيب الْكَمَال» -: أَبُو (سعد) الْخَيْر من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ . (ثمَّ) ذكر الشَّيْخ جمال الدَّين الْمزي عَن أبي (سعد) الْخَيْر حديثين فِي أَحدهمَا: سَمِعت رَسُول الله ﷺ . قلت: وَزعم العسكري أَن الصَّحَابِيّ المكنى أَبَا سعيد الْأَنمَارِي و (الْمُسَمَّى) عَامِرًا أَو عمرا هُوَ المكنى أَيْضا أَبَا كَبْشَة. وَاخْتلف الْحفاظ فِي تَصْحِيح هَذَا الحَدِيث وتضعيفه بِحَسب تَوْثِيق بعض الْأَئِمَّة لأبي (سعد) الْخَيْر وجهالة بَعضهم إِيَّاه. فَقَالَ ابْن عبد الْبر: لَيْسَ إِسْنَاده بالقائم فِيهِ مَجْهُولَانِ. كَأَنَّهُ عَنى

стр. 775

بِالْمَجْهُولِ الآخر (حُصَيْن) الْحِمْيَرِي (الحبراني) الرَّاوِي عَن أبي (سعد) الْخَيْر، وَلَيْسَ هُوَ مَجْهُولا؛ فقد ذكره أَبُو حَاتِم بن حبَان فِي كِتَابه «الثِّقَات» فِي أَتبَاع التَّابِعين فَقَالَ: كنيته أَبُو سعيد، رَوَى عَنهُ ثَوْر بن يزِيد، وَرَوَى عَن أبي (سعد) الْخَيْر. وَقَالَ أَبُو زرْعَة فِي حَقه: شيخ مَعْرُوف. وَقَالَ يَعْقُوب بن سُفْيَان الْفَسَوِي فِي «تَارِيخه» : لَا أعلم إِلَّا خيرا. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: شيخ. وَقَالَ الْحَافِظ عبد الْحق فِي «الْأَحْكَام» : فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث الْحصين الحبراني وَلَيْسَ بِالْقَوِيّ. وَقَالَ ابْن حزم فِي «محلاه» : (الْحصين) مَجْهُول وَأَبُو سعيد - (أَو) أَبُو سعد - (الْخَيْر) كَذَلِك. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «خلافياته» : لم يحْتَج بِإِسْنَاد هَذَا الحَدِيث (وَاحِد من الشَّيْخَيْنِ) وَأَبُو (سعد) لَيْسَ بِمَشْهُور. هَذِه أَقْوَال من ضعفه، وَالْحق أَنه حَدِيث صَحِيح لاسيما

стр. 776

عَلَى قَول أبي دَاوُد أَن أَبَا سعيد صَحَابِيّ، وَلَا يلْزم من عدم احتجاجهما بِسَنَدِهِ ضعفه، وَقد صَححهُ جماعات مِنْهُم الإِمَام أَبُو حَاتِم بن حبَان فَإِنَّهُ أخرجه فِي «صَحِيحه» من الطَّرِيق الْمَذْكُور، وَكَذَلِكَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» فِي آخر كتاب الْأَطْعِمَة، وَقَالَ بعد إِخْرَاجه: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : هَذَا حَدِيث حسن. وَقَالَ فِي «شرح مُسلم» : إِنَّه حَدِيث صَحِيح. وَقَالَ الشَّيْخ زكي الدَّين فِي كَلَامه عَلَى أَحَادِيث «الْمُهَذّب» : هُوَ حَدِيث حسن. هَذَا كُله مَعَ سكُوت أبي دَاوُد (عَنهُ) . وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيّ عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ فِي «علله» : يرويهِ ثَوْر بن يزِيد، وَاخْتلف عَنهُ: فَرَوَاهُ عبد الْملك بن الصَّباح وَالْحسن بن عَلّي بن عَاصِم، عَن ثَوْر، عَن حُصَيْن الحبراني، عَن أبي هُرَيْرَة، وَرَوَاهُ عِيسَى بن يُونُس، عَن ثَوْر، عَن حُصَيْن، عَن أبي سعيد، عَن أبي هُرَيْرَة،

стр. 777

وَالصَّحِيح عَن أبي سعيد. «الْكَثِيب» الْمَذْكُور فِي الحَدِيث - بالثاء الْمُثَلَّثَة - قِطْعَة من الرمل مستطيلة مَحْدُود بِهِ تشبه الربوة. الحَدِيث الثَّالِث «ورد النَّهْي عَن اسْتِقْبَال الشَّمْس وَالْقَمَر بالفرج» . هَذَا غَرِيب لم أَقف عَلَى من خرجه بعد شدَّة الْبَحْث عَنهُ، وَفِي «النِّهَايَة» لإِمَام الْحَرَمَيْنِ أَن الْعِرَاقِيّين رووا هَذَا الْخَبَر (وَكَذَا قَالَ الْمحَامِلِي فِي «الْمَجْمُوع» أَنه فِيهِ خَبرا. وَكَذَا قَالَ الْغَزالِيّ) فِي «وسيطه» وتبعهم الرَّافِعِيّ، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح فِي كَلَامه عَلَى «الْوَسِيط» : إِنَّه ضَعِيف لَا يعرف، رُوِيَ فِي كتاب فِي «المناهي» مَرْفُوعا: «نهي أَن يَبُول الرجل وفرجه باد للشمس، وَنهي أَن يَبُول وفرجه باد للقمر» .

стр. 778

وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : هَذَا حَدِيث بَاطِل لَا يعرف. قلت: وَقَول الإِمَام الرَّافِعِيّ: إِن فِي الْخَبَر مَا يدل عَلَى أَن النَّهْي عَام فِي الِاسْتِقْبَال والاستدبار فِيهِ نظر فَتَأمل ذَلِك. الحَدِيث الرَّابِع أنَّه ﷺ قَالَ: «إِذا ذهب أحدكُم إِلَى الْغَائِط فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها بغائط وَلَا بَوْل» . هَذ (الحَدِيث) صَحِيح، رَوَاهُ الإِمَام الشَّافِعِي فِي «الْأُم» و «مُسْنده» من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور سَوَاء بِإِسْنَاد صَحِيح. وَرَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» بِمَعْنَاهُ دون قَوْله: «بغائط وَلَا بَوْل» . وَرَوَى هَذَا الحَدِيث لغابط - بِاللَّامِ وبالباء - وَكِلَاهُمَا صَحِيح. الحَدِيث الْخَامِس أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا تستقبلوا الْقبْلَة بغائط وَلَا بَوْل وَلَكِن شرقوا أَو غربوا» . (هَذَا الحَدِيث صَحِيح رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة أبي أَيُّوب الْأنْصَارِيّ ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِذا أتيتم الْغَائِط فَلَا تستقبلوا

стр. 779

الْقبْلَة وَلَا تستدبروها ببول وَلَا غَائِط، وَلَكِن شرقوا أَو غربوا) قَالَ أَبُو أَيُّوب: فقدمنا الشَّام فَوَجَدنَا مراحيض قد بنيت قبل (الْقبْلَة) فننحرف عَنْهَا، ونستغفر الله » . الحَدِيث السَّادِس عَن ابْن عمر ﵄ قَالَ: «رقيت السَّطْح مرّة فَرَأَيْت النَّبِي ﷺ جَالِسا عَلَى لبنتين مُسْتَقْبلا بَيت الْمُقَدّس» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم وَبَاقِي الْكتب السِّتَّة وَفِي رِوَايَة لَهُم «مُسْتَقْبل الشَّام مستدبر الْكَعْبَة» . وَوَقع فِي «صَحِيح ابْن حبَان» « (مُسْتَقْبل) الْقبْلَة مستدبر الشَّام» فاعلمه. ورقيت (بِكَسْر الْقَاف) عَلَى أشهر اللُّغَات، وَثَانِيا بِفَتْحِهَا بِغَيْر همز، وَثَالِثهَا مثلهَا إِلَّا أَنَّهَا بِالْهَمْز. حَكَاهُمَا صَاحب «مطالع الْأَنْوَار» وَاخْتِيَار ثَعْلَب فِي «فصيحه» كسر الْقَاف، وَالَّذِي فتحهَا من الرّقية. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ: حَكَى بَعضهم رَقَيت فِي السّلم - بِفَتْح الْقَاف - وَلَا أعلم

стр. 780

صِحَّته. وَفِي «الْجَامِع» : رقأت، ورقيت (بِالْفَتْح) أفْصح. وَخَالف ذَلِك كرَاع فَقَالَ: رقأت بِالْهَمْز أَجود. واللبنة مَعْرُوفَة. وَبَيت الْمُقَدّس يشدد ويخفف، وَمَعْنَاهُ (المطهر) . الحَدِيث السَّابِع عَن جَابر ﵁ قَالَ: «نَهَانَا رَسُول الله ﷺ أَن نستقبل الْقبْلَة بفروجنا، ثمَّ رَأَيْته قبل مَوته بعام مُسْتَقْبل الْقبْلَة» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ أَحْمد وَالْبَزَّار فِي «مسنديهما» وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَه فِي «سُنَنهمْ» وَابْن الْجَارُود فِي «الْمُنْتَقَى» وَإِمَام الْأَئِمَّة مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة، وَأَبُو حَاتِم بن حبَان فِي «صَحِيحَيْهِمَا» وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» (وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» ) و «خلافياته» وَفِي لفظ بَعضهم زِيَادَة: «أَو تستدبر» بعد «وَأَن نستقبل الْقبْلَة» . وَلَفظ ابْن حبَان «كَانَ رَسُول الله ﷺ ينهانا أَن نستقبل الْقبْلَة

стр. 781

ونستدبرها بفروجنا إِذا أهرقنا المَاء، ثمَّ رَأَيْته قبل مَوته بعام يَبُول مُسْتَقْبل الْقبْلَة» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: هَذَا حَدِيث حسن غَرِيب. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ فِي «الخلافيات» : قَالَ التِّرْمِذِيّ: سَأَلت مُحَمَّدًا - يَعْنِي: البُخَارِيّ - عَن هَذَا الحَدِيث فَقَالَ: حَدِيث صَحِيح. وَكَذَا نقل هَذِه الْمقَالة عَن البُخَارِيّ عبد الْحق فِي «الْأَحْكَام» وَقَالَ الْبَزَّار: هَذَا الحَدِيث لَا نعلم يرْوَى عَن جَابر بِهَذَا اللَّفْظ بِإِسْنَاد أحسن من هَذَا الْإِسْنَاد. وَذكره ابْن السكن فِي «سنَنه الصِّحَاح المأثورة» وَقَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم. (وَفِي كَونه عَلَى شَرطه نظر؛ لِأَن فِي إِسْنَاده: ابْن إِسْحَاق، وَلم يحْتَج بِهِ مُسلم) إِنَّمَا أخرج لَهُ مُتَابعَة، وَقَالَ النَّوَوِيّ ﵀ فِي «كَلَامه عَلَى سنَن أبي دَاوُد» : فِي إِسْنَاد هَذَا الحَدِيث ابْن إِسْحَاق عَن أبان، وَابْن إِسْحَاق مُدَلّس، والمدلس إِذا قَالَ: «عَن» لَا يحْتَج بِهِ، فَكيف حسنه التِّرْمِذِيّ؟ ! (وَأجَاب عَن هَذَا بِأَن قَالَ: لَعَلَّه اعتضدا وَعلم أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ) بطرِيق آخر أَن ابْن إِسْحَاق سَمعه من أبان. قلت: زَالَ هَذَا الْإِشْكَال و (التَّمَنِّي) بِأَن أَحْمد فِي « (الْمسند» ) وَابْن الْجَارُود فِي «الْمُنْتَقَى» وَابْن حبَان فِي «صَحِيحه» وَالْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيّ قَالُوا كلهم فِي روايتهم لهَذَا الحَدِيث: «عَن مُحَمَّد بن إِسْحَاق، حَدثنِي أبان» فارتفعت وصمة التَّدْلِيس. وَزعم ابْن عبد الْبر أَن هَذَا الحَدِيث لَا يَصح؛ لضعف أبان بن صَالح، وَهَذَا

стр. 782

تَعْلِيل سَاقِط؛ فَإِن أبان هَذَا لم يُضعفهُ أحد، وَهُوَ أبان بن صَالح بن عُمَيْر الْقرشِي مَوْلَاهُم أَبُو بكر الْمدنِي، قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي فِي «التَّهْذِيب» : أخرج لَهُ البُخَارِيّ تَعْلِيقا. وَوَثَّقَهُ ابْن معِين وَأَبُو حَاتِم، وَقَالَ النَّسَائِيّ: لَا بَأْس بِهِ. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : وَثَّقَهُ المزكون يَحْيَى بن معِين وَأَبُو زرْعَة وَأَبُو حَاتِم الرازيان. وَقَالَ ابْن عبد الْحق - فِيمَا رده عَلَى ابْن حزم -: لم يجرح (أَبَانَا هَذَا أحد) فِيمَا أعلم. وَفِي هَذَا رد عَلَى قَول (أبي مُحَمَّد بن حزم) أَيْضا حَيْثُ قَالَ: أبان هَذَا لَيْسَ بالمشهور. قلت: فتلخص من هَذَا كُله أَن الحَدِيث صَحِيح مَعْمُول بِهِ، وَأما قَول ابْن عبد الْحق - فِيمَا رده عَلَى ابْن حزم -: إِن الحَدِيث غير صَحِيح؛ لِأَنَّهُ من رِوَايَة ابْن إِسْحَاق، وَلَيْسَ هُوَ عندنَا مِمَّن يحْتَج بحَديثه. فَلَا يقبل مِنْهُ؛ لِأَن الْمَحْذُور الَّذِي يخَاف (من) ابْن إِسْحَاق (زَالَ) فِي هَذَا الحَدِيث. الحَدِيث الثَّامِن أنَّه ﷺ قَالَ: «اتَّقوا الْملَاعن» .

стр. 783

هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْن مَاجَه فِي «سنَنَيْهِمَا» وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» من حَدِيث أبي سعيد الْحِمْيَرِي، عَن معَاذ بن جبل ﵁ قَالَ: «سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: «اتَّقوا الْملَاعن الثَّلَاث: البرَاز فِي الْمَوَارِد، والظل، وقارعة الطَّرِيق» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح الْإِسْنَاد. قلت: وَكَذَا صَححهُ ابْن السكن حَيْثُ ذكره فِي «صحاحه المأثورة» وَفِي ذَلِك نظر؛ فَأَبُو سعيد هَذَا قيل: لم يسمع من معَاذ فَيكون مُنْقَطِعًا. قَالَ الْحَافِظ جمال الدَّين الْمزي: أَبُو سعيد هَذَا أرَاهُ لم يدْرك معَاذ بن جبل. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : أَبُو سعيد قيل: لم يسمع من معَاذ. وَبِذَلِك جزم عبد الْحق فِي «الْأَحْكَام» وَعَن كتاب «التفرد» لأبي دَاوُد لما ذكر هَذَا الحَدِيث بِالطَّرِيقِ الْمَذْكُور قَالَ: لَيْسَ هَذَا بِمُتَّصِل. وَذكر ابْن الْقطَّان: أَن أَبَا سعيد هَذَا لَا يعرف فِي غير هَذَا الْإِسْنَاد (وَلم يزدْ ابْن أبي حَاتِم فِي ذكره إِيَّاه عَلَى مَا أَخذ من هَذَا

стр. 784

الْإِسْنَاد) وَذكره أَيْضا كَذَلِك من غير مزِيد ابْن عبد الْبر فِي «الكنى الْمُجَرَّدَة» قَالَ: فَهُوَ مَجْهُول. وَفِي «مُسْند أَحْمد» من حَدِيث ابْن لَهِيعَة حَدثنِي ابْن هُبَيْرَة، أَخْبرنِي من سمع ابْن عَبَّاس يَقُول: سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول: « (اتَّقوا) الْملَاعن الثَّلَاث قيل: وَمَا الْملَاعن يَا رَسُول الله؟ قَالَ: أَن يقْعد أحدكُم فِي ظلّ يستظل بِهِ، أَو فِي طَرِيق، أَو فِي نقع مَاء» . وَفِي «علل الدَّارَقُطْنِيّ» عَن قيس، عَن سعد بن أبي وَقاص أَظُنهُ رَفعه قَالَ: «إيَّاكُمْ والملاعن: أَن يلقِي أحدكُم أَذَاهُ فِي الأَرْض فَلَا يمر بِهِ أحد إِلَّا قَالَ: من فعل هَذَا لَعنه الله!» ثمَّ قَالَ: رُوِيَ مَوْقُوفا، وَهُوَ الْمَحْفُوظ. انْتَهَى. وَقد وَردت أَحَادِيث أخر فِي النَّهْي عَن البرَاز فِي أَمَاكِن؛ فَفِي «صَحِيح مُسلم» عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «اتَّقوا اللعانين. قَالُوا: وَمَا اللعانان يَا رَسُول الله؟ قَالَ: الَّذِي يتخلى فِي طرق النَّاس أَو فِي ظلهم» . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ السكن «طَرِيق المسملين» بدل «النَّاس» . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ حبَان: «فِي طَرِيق النَّاس وأفنيتهم» . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَالْحَاكِم: «اتَّقوا اللاعنين. قَالُوا: وَمَا اللاعنان يَا رَسُول الله؟ قَالَ:

стр. 785

الَّذِي يتخلى فِي طَرِيق النَّاس (أَو) فِي ظلهم» . قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط مُسلم (قَالَ:) وَقد أخرجه هُوَ عَن قُتَيْبَة. وَفِي رِوَايَة لِابْنِ الْجَارُود فِي «الْمُنْتَقَى» : «اجتنبوا اللعانين قَالُوا: وَمَا اللعانان يَا رَسُول الله؟ ! قَالَ: الَّذِي يتبرز عَلَى طَرِيق النَّاس أَو فِي مجْلِس قوم» . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ مَنْدَه: «اتَّقوا اللاعنين. قَالُوا: وَمَا اللاعنان يَا رَسُول الله؟ قَالَ: الَّذِي يتخلى فِي طَرِيق الْمُسلمين أَو مجَالِسهمْ» قَالَ ابْن مَنْدَه: إِسْنَاده صَحِيح. وَفِي «الْمُسْتَدْرك» للْحَاكِم و «السّنَن الْكَبِير» للبيهقي عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من سل (سخيمته) عَلَى طَرِيق عَامر من (طرق) الْمُسلمين؛ فَعَلَيهِ لعنة الله وَالْمَلَائِكَة وَالنَّاس أَجْمَعِينَ» . قَالَ الْحَاكِم: صَحِيح إِسْنَاده. وَفِي «السّنَن الْأَرْبَعَة» - أَعنِي: «سنَن أبي دَاوُد» وَالتِّرْمِذِيّ

стр. 786

وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه (و «مُسْند أَحْمد» ) و «مُسْتَدْرك الْحَاكِم» عَن عبد الله بن مُغفل مَرْفُوعا: «لَا يبولن أحدكُم فِي مستحمه ثمَّ يتَوَضَّأ فِيهِ؛ فَإِن (عَامَّة) الوسواس مِنْهُ» . قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث (غَرِيب) وَقَالَ الْحَاكِم: حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم. وَأعله عبد الْحق بِمَا بَين ابْن الْقطَّان أَنه غلط من جِهَة النَّقْل. وَفِي «مُسْند أَحْمد بن منيع الْبَغَوِيّ» عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «من جلس عَلَى قبر يتغوط أَو يَبُول فَكَأَنَّمَا جلس عَلَى جَمْرَة» . إِسْنَاده ضَعِيف، وَقد صَحَّ النَّهْي عَن فعل ذَلِك عَلَى الْقَبْر، كَمَا سَيَأْتِي فِي كتاب الْجَنَائِز من حَدِيث جَابر: «نهَى رَسُول الله ﷺ أَن يجصص الْقَبْر، وَأَن يُبْنَى عَلَيْهِ، وَأَن يقْعد عَلَيْهِ» قَالَ مَالك والهروي: المُرَاد بالقعود الْحَدث. وَقد خولفا فِي ذَلِك، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه فِي الْموضع الْمَذْكُور.

стр. 787

وَفِي «ضعفاء الْعقيلِيّ» عَن ابْن عمر قَالَ: «نهَى رَسُول الله ﷺ أَن يتخلى الرجل تَحت شَجَرَة مثمرة أَو ضفة نهر جاري» . فِي إِسْنَاده فرات بن السَّائِب قَالَ البُخَارِيّ: كُوفِي تَرَكُوهُ. وَفِي «كَامِل» بن عدي عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: «نهَى رَسُول الله ﷺ أَن يتغوط الرجل فِي القرع من الأَرْض، قيل: وَمَا القرع؟ قَالَ: أَن يَأْتِي أحدكُم الأَرْض فِيهَا النَّبَات كَأَنَّمَا قُمْت قمامتها فَتلك مسَاكِن إخْوَانكُمْ من الْجِنّ» . فِي إِسْنَاده سَلام بن مُسلم قَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ أَحْمد: مُنكر الحَدِيث. وَفِي «سنَن ابْن مَاجَه» عَن جَابر بن عبد الله مَرْفُوعا: «إيَّاكُمْ والتعريس عَلَى جواد الطَّرِيق (وَالصَّلَاة) عَلَيْهَا فَإِنَّهَا مأوى الْحَيَّات وَالسِّبَاع، وَقَضَاء الْحَاجة عَلَيْهَا فَإِنَّهَا الْملَاعن» . إِسْنَاده صَحِيح. وَأخرجه أَحْمد فِي «مُسْنده» (بِزِيَادَة فِيهِ) . وفيهَا أَيْضا عَن سَالم بن عبد الله عَن أَبِيه «أَن النَّبِي ﷺ نهَى أَن

стр. 788

يصلى عَلَى قَارِعَة الطَّرِيق أَو (يضْرب) الْخَلَاء عَلَيْهَا أَو يبال فِيهَا» . فِي إِسْنَاده ابْن لَهِيعَة وقرة، وَضعفهمَا مَشْهُور، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : رَفعه غير ثَابت. وَفِي «الْمَرَاسِيل» لأبي دَاوُد عَن مَكْحُول «نهَى رَسُول الله ﷺ أَن يبال بِأَبْوَاب الْمَسَاجِد» . وفيهَا أَيْضا عَن أبي مجلز «أَن النَّبِي ﷺ أَمر عمر أَن ينْهَى أَن يبال فِي قبْلَة الْمَسْجِد» . وَسَيَأْتِي حَدِيث عبد الله بن سرجس فِي النَّهْي عَن الْبَوْل فِي الْجُحر، حَيْثُ ذكره المُصَنّف، وَحَدِيث الْبَوْل فِي المَاء الراكد بعد هَذَا. ولنذكر مَا وَقع فِي هَذِه الْأَحَادِيث من إِيضَاح غَرِيب وَضبط لفظ؛ فَإِنَّهُ مُهِمّ فَنَقُول: الْملَاعن: مَوضِع اللَّعْن، جمع ملعنة، فَإِذا مر بِهِ النَّاس لعنُوا فَاعله. واللعانان: هما صاحبا اللَّعْن الَّذِي يلعنهما النَّاس كثيرا. وَمَعْنى رِوَايَة أبي دَاوُد وَالْحَاكِم «اتَّقوا اللاعنين» الْأَمْرَانِ الجالبان للعن؛ لِأَن من فعلهمَا لَعنه النَّاس فِي الْعَادة، فَلَمَّا صَارا سَبَب اللَّعْن أضيف اللَّعْن إِلَيْهِمَا، قَالَ الْخطابِيّ: وَقد يكون اللاعن بِمَعْنى الملعون؛ فالتقدير: اتَّقوا الملعون فاعلهما. وَأما البرَاز؛ قَالَ الْخطابِيّ: هُوَ بِفَتْح الْبَاء هُنَا، وَهُوَ الفضاء

стр. 789

الْوَاسِع من الأَرْض كنوا بِهِ عَن قَضَاء الْحَاجة (كَمَا) كنوا عَنهُ بالخلاء، وَيُقَال: تبرز الرجل إِذا تغوط، كَمَا يُقَال: تخلى [إِذا صَار إِلَى الْخَلَاء] . قَالَ: وَأهل الحَدِيث يَرْوُونَهُ: البرَاز - بِكَسْر الْبَاء - وَهُوَ غلط، إِنَّمَا البرَاز - بِالْكَسْرِ - مصدر بارزت برازًا. وَكَذَا قَالَ ابْن بري وتابعهما عَلَى ذَلِك الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ فِي كَلَامه عَلَى «الْمُهَذّب» وَقَالَ الشَّيْخ محيي الدَّين النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : قَالَ غير الْخطابِيّ: (الصَّوَاب) البرَاز - بِكَسْر الْبَاء - وَهُوَ الْغَائِط نَفسه، كَذَا ذكره أهل اللُّغَة. قَالَ: فَإِذا كَانَ البرَاز - بِالْكَسْرِ - فِي اللُّغَة هُوَ الْغَائِط، و (قد) اعْترف الْخطابِيّ بِأَن الروَاة رَوَوْهُ بِالْكَسْرِ، تعين الْمصير إِلَيْهِ. قَالَ: فَحصل أَن الْمُخْتَار كسر الْبَاء. وَقَالَ نَحوا من هَذَا (فِي كِتَابه «تَهْذِيب اللُّغَات» . وَأما الْمَوَارِد) : فَقَالَ الْخطابِيّ: (هِيَ) طرق المَاء (وَاحِدهَا) موردة. وَالْمرَاد بالظل: مستظل النَّاس الَّذين اتخذوه مقيلاً ومناخًا ينزلونه ويقعدون تَحْتَهُ، وَلَيْسَ كل ظلّ يمْنَع قَضَاء الْحَاجة (تَحْتَهُ) فقد قعد

стр. 790

النَّبِي ﷺ (لِحَاجَتِهِ) تَحت حائش النّخل ثَبت ذَلِك فِي «صَحِيح مُسلم» والحائش ظلّ بِلَا شكّ. وقارعة الطَّرِيق: أَعْلَاهُ. قَالَه الْأَزْهَرِي والجوهري وَغَيرهمَا، وَقيل: صَدره. وَقيل: مَا برز مِنْهُ. وَكله مُتَقَارب. والسخيمة - بِفَتْح السِّين الْمُهْملَة وَكسر الْخَاء الْمُعْجَمَة -: هِيَ الْغَائِط. وضفة النَّهر - بِفَتْح الضَّاد الْمُعْجَمَة، وَتَشْديد الْفَاء الْمَفْتُوحَة -: شاطئه. (قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» ) وَجزم الْجَوْهَرِي بِكَسْر الضَّاد، وَحَكَاهُ مَعَ الْفَتْح ابْن الْأَثِير (فِي «النِّهَايَة» ) . قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين: والقرع - بِفَتْح الْقَاف وَالرَّاء الْمُهْملَة (الْمَفْتُوحَة) وَالْعين الْمُهْملَة -: الْكلأ الَّذِي فِيهِ قطع لَا نَبَات فِيهِ. الحَدِيث التَّاسِع أنَّه ﷺ قَالَ: «لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم» .

стр. 791

هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم من رِوَايَة أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يجرى ثمَّ يغْتَسل (فِيهِ) » . وَقَالَ مُسلم: «يغْتَسل مِنْهُ» . وَله: «لَا يغْتَسل (أحدكُم) فِي (المَاء) الدَّائِم وَهُوَ جنب. قَالَ: كَيفَ يفعل يَا أَبَا هُرَيْرَة؟ قَالَ: يتَنَاوَلهُ تناولاً» . وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَابْن حبَان: «لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء (الدَّائِم) وَلَا يغْتَسل فِيهِ من الْجَنَابَة» . وَفِي رِوَايَة لِابْنِ خُزَيْمَة وَابْن حبَان وَالْبَيْهَقِيّ: «لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ أَو يشرب» . قَالَ الإِمَام الرَّافِعِيّ: وَرُوِيَ: «لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الراكد» .

стр. 792

قلت: هَذِه الرِّوَايَة صَحِيحَة، رَوَاهَا ابْن مَاجَه عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، ثَنَا أَبُو خَالِد الْأَحْمَر، عَن ابْن عجلَان، عَن أَبِيه، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا، بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ سَوَاء. وَأخرجه أَحْمد فِي «مُسْنده» عَن عبد الرَّزَّاق، عَن معمر، عَن أَيُّوب، عَن ابْن سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة - رَفعه - بِزِيَادَة: «ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ» . وَرَوَاهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» من رِوَايَة جَابر ﵁ «أَن رَسُول الله ﷺ نهَى أَن يبال فِي المَاء الراكد» . وَرَوَاهُ أَحْمد فِي (مُسْنده) من هَذِه الطَّرِيق، وَلَفظه: «زجر رَسُول الله ﷺ أَن يبال فِي المَاء الراكد» (وَهُوَ) من رِوَايَة ابْن لَهِيعَة عَن أبي الزبير عَنهُ. وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي «مُعْجَمه الْأَوْسَط» عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: «نهَى - أَو نُهي - أَن يَبُول الرجل فِي المَاء الدَّائِم أَو الراكد، ثمَّ يتَوَضَّأ مِنْهُ أَو يغْتَسل مِنْهُ» . قَالَ الطَّبَرَانِيّ: لم يجوده عَن ابْن عون (غير) أبي عبد الرَّحْمَن الْمُقْرِئ.

стр. 793

قلت: وَلِهَذَا الحَدِيث طَريقَة أُخْرَى رَوَاهَا ابْن مَاجَه عَن مُحَمَّد بن يَحْيَى، نَا مُحَمَّد بن الْمُبَارك، ثَنَا يَحْيَى بن حَمْزَة، ثَنَا ابْن أبي فَرْوَة، عَن نَافِع، عَن ابْن عمر مَرْفُوعا: «لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الناقع» . وَطَرِيقَة أُخْرَى رَوَاهَا الْحَافِظ أَبُو نعيم فِي كِتَابه «معرفَة الصَّحَابَة» من حَدِيث الْحَارِث بن يزِيد الْجُهَنِيّ ﵁ قَالَ: «كَانَ النَّبِي ﷺ ينْهَى أَن يبال فِي المَاء الْمُجْتَمع (و) المستنقع» . فَائِدَة: قَوْله ﵊ «ثمَّ يغْتَسل فِيهِ» قَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح مُسلم» : الرِّوَايَة «يغْتَسل» مَرْفُوع؛ أَي: لَا تبل ثمَّ أَنْت تَغْتَسِل مِنْهُ. وَكَذَا قَالَ الْقُرْطُبِيّ فِي كِتَابه «الْمُفْهم» أَن الرِّوَايَة الصَّحِيحَة: «يغتسلُ» مَرْفُوع اللَّام. قَالَ النَّوَوِيّ: وَذكر شَيخنَا أَبُو عبد الله بن مَالك أَنه يجوز أَيْضا جزمه عطفا عَلَى يبولن، ونصبه بإضمار «أَن» وَإِعْطَاء «ثمَّ» حكم وَاو الْجمع. قَالَ: فَأمر الْجَزْم فَظَاهر، وَأما النصب فَلَا يجوز؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَن الْمنْهِي عَنهُ الْجمع بَينهمَا دون إِفْرَاد أَحدهمَا، وَهَذَا لم يقلهُ أحد؛ بل الْبَوْل فِيهِ مَنْهِيّ عَنهُ سَوَاء أَرَادَ الِاغْتِسَال فِيهِ أَو (مِنْهُ أم) لَا. انْتَهَى كَلَام النَّوَوِيّ. وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا يجوز النصب (إِذْ لَا ينْتَصب) بإضمار «أَن» بعد «ثمَّ» . قَالَ: والجزم لَيْسَ بِشَيْء إِذْ لَو أَرَادَ ذَلِك لقَالَ: ثمَّ لَا يغتسلن؛ لِأَنَّهُ إِذْ ذَاك يكون عطف فعل عَلَى فعل لَا عطف جملَة (عَلَى جملَة)

стр. 794

وَحِينَئِذٍ يكون الأَصْل مُسَاوَاة الْفِعْلَيْنِ فِي النَّهْي عَنْهُمَا، وتأكيدهما بالنُّون الشَّدِيدَة، فَإِن الْمحل الَّذِي توارد عَلَيْهِ شَيْء وَاحِد وَهُوَ المَاء فعدوله عَن «ثمَّ لَا يغتسلن» دَلِيل عَلَى أَنه لم يرد الْعَطف، وَإِنَّمَا جَاءَ «ثمَّ يغْتَسل» عَلَى التَّنْبِيه عَلَى حَال الْحَال، وَمَعْنَاهُ: أَنه إِذا بَال فِيهِ قد يحْتَاج إِلَيْهِ فَيمْتَنع عَلَيْهِ اسْتِعْمَاله لما أوقع فِيهِ من الْبَوْل، انْتَهَى كَلَام الْقُرْطُبِيّ. قَالَ شَيخنَا فتح الدَّين: وَالتَّعْلِيل الَّذِي علل بِهِ النَّوَوِيّ ﵀ امْتنَاع النصب ضَعِيف؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكثر من كَون (هَذَا) الحَدِيث لَا يتَنَاوَل النَّهْي عَن الْبَوْل فِي المَاء الراكد مفرده، وَلَيْسَ يلْزم أَن يدل عَلَى الْأَحْكَام المتعددة بِلَفْظ وَاحِد فَيُؤْخَذ النَّهْي عَن الْجمع من هَذَا الحَدِيث وَالنَّهْي عَن الْإِفْرَاد من حَدِيث آخر. الحَدِيث الْعَاشِر عَن قَتَادَة عَن عبد الله بن سرجس ﵁ قَالَ: «نهَى رَسُول الله ﷺ أَن يبال فِي الْجُحر؟ ! قَالُوا لِقَتَادَة: مَا يكره من الْبَوْل فِي الْجُحر (قَالَ: يُقَال) : إِنَّهَا مسَاكِن الْجِنّ» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد فِي «مُسْنده» وَأَبُو دَاوُد (وَالنَّسَائِيّ) فِي «سنَنَيْهِمَا» وَالْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك

стр. 795

عَلَى الصَّحِيحَيْنِ» وَالْبَيْهَقِيّ فِي «سنَنه» بأسانيد صَحِيحَة، وكل رجالها ثِقَات. قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم؛ فقد احتجا بِجَمِيعِ رُوَاته. وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : رجال الْإِسْنَاد فِيهِ إِلَى ابْن سرجس ثِقَات إِلَّا (أَن) ابْن (أبي) حَاتِم قَالَ: أَنا حَرْب بن إِسْمَاعِيل - فِيمَا كتب إليَّ - قَالَ أَحْمد بن حَنْبَل: مَا أعلم قَتَادَة رَوَى عَن أحد من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ إِلَّا عَن أنس. قيل لَهُ: فَابْن سرجس! فَكَأَنَّهُ لم (يره) سَمَاعا. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين: لَيْسَ فِيمَا قَالَ أَحْمد جزم بالانقطاع؛ فَإِن (أمكن) اللِّقَاء من قَتَادَة لعبد الله بن سرجس فَهُوَ مَحْمُول عَلَى الِاتِّصَال عَلَى طَريقَة مُسلم. قلت: زَالَ هَذَا الْإِشْكَال؛ فَإِنَّهُ قد ثَبت سَماع قَتَادَة من عبد الله بن سرجس، قَالَ الْحَافِظ أَبُو مُحَمَّد الْمُنْذِرِيّ بعد أَن أخرج هَذَا الحَدِيث فِي أَحَادِيث «الْمُهَذّب» وَقَالَ: إِسْنَاده كلهم ثِقَات. قَالَ الطَّبَرَانِيّ: سَمِعت مُحَمَّد بن أَحْمد بن الْبَراء يَقُول: قَالَ عَلّي بن الْمَدِينِيّ: سمع قَتَادَة من عبد الله بن سرجس. وَعَن أبي حَاتِم الرَّازِيّ أَنه قَالَ: لم يلق قَتَادَة من

стр. 796

الصَّحَابَة إِلَّا أنس بن مَالك وَعبد الله بن سرجس، وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد الله فِي «الْمُسْتَدْرك» : لَعَلَّ مُتَوَهمًا (يتَوَهَّم) أَن قَتَادَة لم يذكر سَمَاعه من عبد الله بن سرجس وَلَيْسَ هَذَا بمستبدع؛ فقد سمع قَتَادَة جمَاعَة من الصَّحَابَة لم يسمع مِنْهُم عَاصِم بن سُلَيْمَان الْأَحول، وَقد احْتج مُسلم بِحَدِيث عَاصِم عَن عبد الله بن سرجس، وَهُوَ من سَاكِني الْبَصْرَة. قَالَ الْحَاكِم: سَمِعت أَبَا زَكَرِيَّا الْعَنْبَري يَحْيَى بن مُحَمَّد يَقُول: سَمِعت مُحَمَّد بن إِسْحَاق بن خُزَيْمَة يَقُول: أنهَى عَن الْبَوْل فِي الأجحرة؛ لخَبر عبد الله بن سرجس أَن النَّبِي ﷺ قَالَ: «لَا يبولن أحدكُم فِي الْجُحر» وَقَالَ قَتَادَة: «إِنَّهَا مسَاكِن الْجِنّ» وَلست (أثبت) القَوْل أَنَّهَا مسَاكِن الْجِنّ؛ فَإِن هَذَا من قَول قَتَادَة. وَذكر هَذَا الحَدِيث ابْن السكن فِي «صحاحه المأثورة» ثمَّ قَالَ: يَعْنِي أَنه مقْعد الْجِنّ، وَيَأْخُذ مِنْهُ الوساوس. الحَدِيث الْحَادِي عشر أنَّه ﷺ قَالَ: «استنزهوا من الْبَوْل؛ فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ» . هَذَا الحَدِيث صَحِيح، وَله طرق كثيرات بِأَلْفَاظ مختلفات، وَفِي الْمَعْنى متفقات. رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» عَن عبد الْبَاقِي بن قَانِع، نَا عبد الله بن مُحَمَّد بن صَالح السَّمرقَنْدِي، نَا مُحَمَّد بن الصَّباح السمان الْبَصْرِيّ، ثَنَا أَزْهَر بن سعد السمان، عَن ابْن عون، عَن ابْن سِيرِين، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا بِاللَّفْظِ الَّذِي ذكره الإِمَام الرَّافِعِيّ سَوَاء.

стр. 797

وَرَوَاهُ الْحَاكِم فِي «الْمُسْتَدْرك» عَن الْأَصَم، نَا حمدَان، نَا عَفَّان، نَا أَبُو عوَانَة، عَن الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة - رَفعه -: «أَكثر عَذَاب الْقَبْر من الْبَوْل» . وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه أَيْضا فِي «سنَنه» عَن أبي بكر بن أبي شيبَة، ثَنَا عَفَّان، ثَنَا أَبُو عوَانَة ... بِمثلِهِ إِسْنَادًا ومتنًا. وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ أَيْضا فِي «سنَنه» عَن أبي عَلّي الصفار، عَن حمدَان بِهِ سَوَاء. وَكَذَا أَحْمد فِي «مُسْنده» عَن يَحْيَى بن حَمَّاد، عَن أبي عوَانَة. قَالَ الْحَاكِم: هَذَا حَدِيث صَحِيح عَلَى شَرط البُخَارِيّ وَمُسلم، وَلَا أعلم لَهُ عِلّة، وَلم يخرجَاهُ. وَقَالَ الْحَافِظ ضِيَاء الدَّين الْمَقْدِسِي: إِسْنَاده حسن. قَالَ الْحَاكِم: وَله شَاهد من حَدِيث أبي يَحْيَى القَتَّات، أخبرنَا عَلّي بن عِيسَى، نَا أَبُو إِبْرَاهِيم بن أبي طَالب، نَا مُحَمَّد بن رَافع، نَا إِسْحَاق بن مَنْصُور (نَا إِسْرَائِيل) عَن أبي يَحْيَى، عَن مُجَاهِد، عَن ابْن عَبَّاس رَفعه إِلَى النَّبِي ﷺ قَالَ: «عَامَّة عَذَاب الْقَبْر من الْبَوْل» . وَرَوَى هَذَا أَيْضا الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» عَن أَحْمد بن عَمْرو

стр. 798

بن عُثْمَان، نَا مُحَمَّد بن عِيسَى الْعَطَّار، نَا إِسْحَاق بن مَنْصُور ... فَذكره، وَزَاد فِي آخِره: «فتنزهوا من الْبَوْل» . وَخَالف أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ فِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة، قَالَ ابْنه فِي «علله» : سَأَلته عَن حَدِيث رَوَاهُ (عَفَّان) عَن أبي عوَانَة، عَن الْأَعْمَش، عَن أبي صَالح، عَن أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا: «أَكثر عَذَاب الْقَبْر فِي الْبَوْل» فَقَالَ أبي: هَذَا حَدِيث بَاطِل. قَالَ ابْنه: يَعْنِي: مَرْفُوعا. وَالْحق مَا قَالَه الْحَاكِم والضياء الْمَقْدِسِي، فَإِن إِسْنَاده حسن؛ بل صَحِيح كَمَا ذَكرْنَاهُ بِطرقِهِ. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» عقب إِيرَاد الشَّيْخ أبي إِسْحَاق لهَذَا الحَدِيث بِلَفْظ «تنزهوا من الْبَوْل؛ فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ» : رَوَاهُ عبد بن حميد - شيخ البُخَارِيّ وَمُسلم - فِي «مُسْنده» من رِوَايَة ابْن عَبَّاس بِإِسْنَاد كلهم عدُول ضابطون بِشَرْط «الصَّحِيحَيْنِ» إِلَّا رجلا وَاحِدًا، وَهُوَ أَبُو يَحْيَى القَتَّات فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فجرحه الْأَكْثَرُونَ، وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بن معِين فِي رِوَايَة عَنهُ، وَرَوَى لَهُ مُسلم فِي «صَحِيحه» وَله متابع عَلَى حَدِيثه وشواهد تَقْتَضِي مجموعها حسنه وَجَوَاز الِاحْتِجَاج بِهِ. قلت: وَهُوَ كَمَا قَالَ، لكنه أبعد النجعة فِي (عزو) هَذَا الحَدِيث (إِلَى) مُسْند عبد بن حميد، وَهُوَ فِي «سنَن الدَّارَقُطْنِيّ» و «مُسْتَدْرك

стр. 799

الْحَاكِم» كَمَا تقدم، وَترك لَهُ إِسْنَادًا أصح مِنْهُ كَمَا تقدم من طريقهما أَيْضا (وعقب) مَا ذكره بِأَن قَالَ: وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ من رِوَايَة أنس وَقَالَ فِيهَا: الْمَحْفُوظ أَنه مُرْسل. فَرُبمَا أوهم هَذَا أَنه لَيْسَ فِي الدَّارَقُطْنِيّ إِلَّا من هَذَا الْوَجْه، نعم حَدِيث أنس هَذَا الْأَصَح إرْسَاله، كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ، وَكَذَا قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» عَن أَبِيه أَنه الْأَشْبَه، لكنه نقل عَن أبي زرْعَة أَن الْمَحْفُوظ رَفعه. قلت: وَيروَى أَيْضا من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت أخرجه الْبَزَّار (فِي «مُسْنده» ) . الحَدِيث الثَّانِي عشر رَوَى «أنَّه ﷺ كَانَ يتمخر الرّيح - أَي: ينظر أَيْن مجْراهَا - لِئَلَّا يرد عَلَيْهِ الْبَوْل» . هَذَا الحَدِيث لَا أعلم من رَوَاهُ مَرْفُوعا من فعل سيدنَا رَسُول الله ﷺ ، وَإِنَّمَا ورد من أمره، قَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ أَحْمد بن ثَابت فرخويه، عَن عبد الرَّزَّاق، عَن معمر،

стр. 800

عَن سماك بن الْمفضل، عَن أبي رشدين الجندي، عَن سراقَة بن مَالك، عَن النَّبِي ﷺ : (إِذا أَتَى أحدكُم الْغَائِط فَلَا تستقبلوا الْقبْلَة، وَاتَّقوا مجَالِس اللَّعْن: الظل وَالْمَاء وقارعة الطَّرِيق، واستمخروا الرّيح، واستشبوا عَلَى سوقكم، وَأَعدُّوا النبل» فَقَالَ أبي: إِنَّمَا يرويهِ مَوْقُوفا وأسنده عبد الرَّزَّاق بِأخرَة. وَذكره الْخطابِيّ فِي «غَرِيبه» وَقَالَ: قَوْله: «استمخروا الرّيح» أَي: استقبلوها. وَقَالَ: قَوْله: «واستشبوا عَلَى سوقكم» أَي: انتصبوا عَلَى سوقكم، يُرِيد الاتكاء عَلَيْهَا فِي قَضَاء الْحَاجة، وَمِنْه شبوب الْفرس، وَهُوَ أَن يرفع يَدَيْهِ ويعتمد عَلَى رجلَيْهِ. وَرَوَى أَبُو عبيد فِي كِتَابه «غَرِيب الحَدِيث» عَن عباد بن عباد، عَن وَاصل مولَى أبي عُيَيْنَة قَالَ: «كَانَ يُقَال: إِذا أَرَادَ أحدكُم الْبَوْل فليتمخر الرّيح» قَالَ أَبُو عبيد: يَعْنِي أَن ينظر من أَيْن مجْراهَا فَلَا يستقبلها وَلَكِن يستدبرها كي لَا ترد عَلَيْهِ الرّيح الْبَوْل. قلت: وَقَوله: «استمخروا» هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة، كَذَا ضَبطه الْهَرَوِيّ فِي «غَرِيبه» ، فَإِنَّهُ ذكره فِي بَاب الْمِيم مَعَ الْخَاء (والمخر) أَصله الشق قَالَ تَعَالَى: (وَترَى الْفلك مواخر فِيهِ) أَي شاقات. وَقد جَاءَت أَحَادِيث فِي كَرَاهِيَة الْبَوْل فِي الْهَوَاء لَكِنَّهَا ضَعِيفَة: أَحدهَا: عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ: «كَانَ رَسُول الله ﷺ يكره الْبَوْل فِي الْهَوَاء» .

стр. 801

رَوَاهُ ابْن عدي والعقيلي وَالْبَيْهَقِيّ، وَفِي إِسْنَاده يُوسُف بن السّفر - بِفَتْح السِّين وَإِسْكَان الْفَاء - أَبُو الْفَيْض الشَّامي، قَالَ أَبُو زرْعَة وَالنَّسَائِيّ وَالدَّارَقُطْنِيّ: مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ دُحَيْم: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ أَبُو حَاتِم الرَّازِيّ: مُنكر الحَدِيث جدًّا. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ مرّة أُخْرَى: مَتْرُوك يكذب. وَقَالَ ابْن حبَان: لَا يجوز الِاحْتِجَاج بِهِ بِحَال. (وَقَالَ الْعقيلِيّ: يحدث بمناكير) قَالَ: وَهَذَا حَدِيث لَا يُتَابع عَلَيْهِ. قَالَ: وَهُوَ لَا يُقيم من الحَدِيث (شَيْئا) . وَنقل الْبَيْهَقِيّ عَن الْحَافِظ أبي أَحْمد بن عدي أَنه قَالَ فِيهِ: إِنَّه حَدِيث مَوْضُوع. الحَدِيث الثَّانِي: عَن مَحْفُوظ بن عَلْقَمَة، عَن الْحَضْرَمِيّ - وَكَانَ من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «إِذا بَال أحدكُم فَلَا يسْتَقْبل الرّيح ببوله فَيردهُ عَلَيْهِ» . رَوَاهُ ابْن قَانِع فِي «مُعْجم الصَّحَابَة» وَقَالَ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» : سَأَلت أَبَا زرْعَة عَنهُ (فَقلت) : مَا حَال مَحْفُوظ؟ فَقَالَ: لَا

стр. 802

بَأْس بِهِ وَلَكِن الشَّأْن فِي يُوسُف بن خَالِد - يَعْنِي: ابْن عمر السَّمْتِي الْبَصْرِيّ الْمَذْكُور فِي إِسْنَاده الَّذِي رَوَاهُ عَن عَمْرو بن سُفْيَان بن أبي البكرات، عَن مَحْفُوظ - كَانَ يَحْيَى بن معِين يَقُول: يكذب. قلت: هُوَ كَمَا قَالَ؛ فَإِنَّهُ هَالك، وَلَفظ أَحْمد فِيهِ: كَذَّاب خَبِيث عَدو الله رجل سوء، لَا يحدث عَنهُ أحد فِيهِ خير. وَقَالَ مرّة: زنديق لَا يكْتب حَدِيثه. وَرَوَى عَنهُ الشَّافِعِي وَقَالَ: كَانَ ضَعِيفا. وَقَالَ عَمْرو بن عَلّي: كَانَ يكذب. وَقَالَ النَّسَائِيّ: كَذَّاب مَتْرُوك الحَدِيث. وَقَالَ أَبُو زرْعَة: ذَاهِب الحَدِيث. وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ يضع الْأَحَادِيث عَلَى الشُّيُوخ وَيقْرَأ عَلَيْهِم ثمَّ يَرْوِيهَا عَنْهُم (لَا تحل الرِّوَايَة عَنهُ) . الحَدِيث الثَّالِث: عَن هِشَام بن عُرْوَة، عَن أَبِيه، عَن عَائِشَة قَالَت: «مر سراقَة بن مَالك المدلجي عَلَى رَسُول الله ﷺ فَسَأَلَهُ عَن التغوط فَأمره أَن يتنكب الْقبْلَة وَلَا يستقبلها وَلَا يستدبرها، وَلَا يسْتَقْبل الرّيح، وَأَن يستنجي بِثَلَاثَة أَحْجَار لَيْسَ فِيهَا رجيع، أَو ثَلَاثَة أَعْوَاد أَو ثَلَاث حثيات من تُرَاب» . رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» عَن أبي جَعْفَر مُحَمَّد بن سُلَيْمَان

стр. 803

النعماني، نَا أبوعتبة أَحْمد بن الْفرج، ثَنَا بَقِيَّة، حَدثنِي مُبشر بن عبيد، حَدثنِي الْحجَّاج بن أَرْطَاة، عَن هِشَام بِهِ. ثمَّ قَالَ: لم يروه غير مُبشر بن عبيد وَهُوَ مَتْرُوك الحَدِيث. زَاد ابْن الْجَوْزِيّ فِي «الضُّعَفَاء» عَنهُ: يضع الْأَحَادِيث ويكذب. الحَدِيث الرَّابِع: عَن يزِيد (بن) يَحْيَى بن أبي كثير، عَن خَلاد أَنه سمع أَبَاهُ يَقُول: «أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَقُول: إِذا خرج أحدكُم يتغوط أَو يَبُول فَلَا يسْتَقْبل الْقبْلَة وَلَا يستدبرها، وَلَا يسْتَقْبل الرّيح، وليمسح ثَلَاث مَرَّات، وَإِذا خرج الرّجلَانِ جَمِيعًا فليتفرقا، وَلَا يجلس أَحدهمَا قَرِيبا من صَاحبه وَلَا يتحدثان؛ فَالله يمقت عَلَى ذَلِك» . رَوَاهُ الْحَافِظ أَبُو بشر الدولابي فِي «الْأَسْمَاء والكنى» عَن إِبْرَاهِيم بن هَانِئ النَّيْسَابُورِي، نَا مُحَمَّد بن يزِيد بن سِنَان، نَا يزِيد (بن) يَحْيَى بن أبي كثير قَالَ: أَخْبرنِي خَلاد فَذكره. وَعَزاهُ صَاحب «الإِمَام» إِلَى

стр. 804

الْحَافِظ أَبُو بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ فِي جمعه لحَدِيث يَحْيَى بن أبي كثير قَالَ: وَفِي إِسْنَاده يزِيد بن سِنَان الرهاوي وَفِيه ضعف. وَقَالَ ابْن طَاهِر فِي كِتَابه «التَّذْكِرَة فِي الْأَحَادِيث المعلولة» بعد أَن ذكر هَذَا الحَدِيث: يزِيد هَذَا لَيْسَ بِشَيْء فِي الحَدِيث. وَجَاء عَن حسان بن عَطِيَّة التَّابِعِيّ أَنه قَالَ: «يكره للرجل أَن يَبُول فِي هَوَاء، وَأَن يتغوط عَلَى رَأس جبل كَأَنَّهُ طير وَاقع» رَوَاهُ ابْن عدي. فَإِذا علم ضعف هَذِه الْأَحَادِيث تعين (الِاحْتِجَاج) بِالْمَعْنَى الَّذِي ابْتَدَأَ بِهِ الإِمَام الرَّافِعِيّ أَولا، وَهُوَ لِئَلَّا ترد الرشاش عَلَيْهِ فيتنجس، ويستأنس بِهَذِهِ الْأَحَادِيث. الحَدِيث الثَّالِث عشر عَن سراقَة بن مَالك ﵁ قَالَ: «علمنَا رَسُول الله ﷺ إِذا أَتَيْنَا الْخَلَاء أَن نتوكأ عَلَى الْيُسْرَى» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ وَالْبَيْهَقِيّ من رِوَايَة أبي عَاصِم، نَا

стр. 805

(مُعَاوِيَة بن صَالح) عَن مُحَمَّد بن عبد الرَّحْمَن المدلجي، عَن رجل من بني مُدْلِج، عَن أَبِيه قَالَ: «قدم علينا سراقَة بن جعْشم، (فَقَالَ: «علمنَا رَسُول الله ﷺ إِذا أَرَادَ أَحَدنَا الْخَلَاء أَن يعْتَمد الْيُسْرَى وَينصب الْيُمْنَى» ) ترْجم عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيّ: بَاب الِاعْتِمَاد عَلَى الرجل الْيُسْرَى إِذا قعد إِن صَحَّ الْخَبَر فِيهِ. وَوَقع فِي رِوَايَة الطَّبَرَانِيّ مُحَمَّد بن أبي عبد الرَّحْمَن وَلَفظه «لقد أمرنَا أَن نتوكأ عَلَى الْيُسْرَى، وَأَن ننصب الْيُمْنَى» . قَالَ الْحَافِظ أَبُو بكر الْحَازِمِي: لَا نعلم فِي هَذَا الْبَاب غير هَذَا الحَدِيث، وَهُوَ حَدِيث غَرِيب جدًّا، لَا يرْوَى إِلَّا بِهَذَا الْإِسْنَاد، وَمُعَاوِيَة بن صَالح الْمَكِّيّ: لين ضَعِيف، وَمُحَمّد بن عبد الرَّحْمَن: مَجْهُول لَا يعرف؛ فَالْحَدِيث مُنْقَطع. قَالَ الْحَازِمِي: وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين فِي «الإِمَام» : هَذَا الحَدِيث فِي حكم الْمُنْقَطع؛ لجَهَالَة الرجل من بني مُدْلِج. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : هَذَا الحَدِيث لَا يحْتَج بِهِ. وَقَالَ فِي «الْخُلَاصَة» : ضَعِيف. وَلما ذكر ابْن الرّفْعَة فِي «الْمطلب»

стр. 806

حَدِيث سراقَة هَذَا وَلم يعزه؛ بل قَالَ: إِنَّه حَدِيث لَا يثبت. قَالَ: ورُوي عَن أنس نَحوه. انْتَهَى. فَليُحرر هَذَا مَعَ قَول الْحَازِمِي: «لَا نعلم فِي الْبَاب غير هَذَا الحَدِيث» . الحَدِيث الرَّابِع عشر رُوِيَ أنَّه ﷺ قَالَ: «اتَّقوا الْملَاعن وَأَعدُّوا النبل» . هَذَا الحَدِيث تبع الإِمَام الرَّافِعِيّ فِي إِيرَاده إِمَام الْحَرَمَيْنِ، وَهُوَ غَرِيب، وَلم يُخرجهُ أحد من أَصْحَاب السّنَن (وَلَا) المسانيد، وَإِنَّمَا رَوَاهُ ابْن أبي حَاتِم فِي «علله» كَمَا تقدم قَرِيبا فِي الحَدِيث الثَّانِي عشر، وَتقدم الْكَلَام عَلَيْهِ. وَرَوَاهُ عبد الرَّزَّاق عَن ابْن جريج، عَن الشّعبِيّ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : «أبعدوا الْآبَار إِذا ذهبتم الْغَائِط، وَأَعدُّوا النبل - يَعْنِي: الْحِجَارَة الَّتِي يتمسح بهَا - وَاتَّقوا الْملَاعن: لَا يتغوط أحدكُم تَحت شَجَرَة ينزل تحتهَا أحد، وَلَا عِنْد مَاء يُشرب مِنْهُ، فَيدعونَ الله عَلَيْكُم» . وَرَوَاهُ أَبُو عبيد فِي «غَرِيب الحَدِيث» عَن مُحَمَّد بن الْحسن، عَن عِيسَى بن أبي عِيسَى الْخياط، عَن الشّعبِيّ، عَمَّن سمع النَّبِي ﷺ يَقُول: «اتَّقوا الْملَاعن وأعدو النبل» .

стр. 807

وَهَذَا حَدِيث ضَعِيف بِمرَّة؛ فَإِن عِيسَى بن أبي عِيسَى الْمَذْكُور ضَعِيف وَيُقَال فِيهِ: الْخياط والحناط والخباط، كَانَ فِي أول أمره خياطًا، ثمَّ صَار حناطًا يَبِيع الْحِنْطَة، ثمَّ صَار خباطًا يَبِيع الْخبط. قَالَ النَّسَائِيّ: هُوَ مَتْرُوك. وَقَالَ أَحْمد: لَا يُسَاوِي شَيْئا. وَقَالَ يَحْيَى: لَيْسَ بِشَيْء. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ: ضَعِيف. وَقَالَ ابْن حبَان: كَانَ سيء الْحِفْظ والفهم؛ فَاسْتحقَّ التّرْك. وَقد صرح غير وَاحِد من الْأَئِمَّة بِأَن هَذَا حَدِيث ضَعِيف. قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدَّين بن الصّلاح: رَوَاهُ بعض أَصْحَاب الْغَرِيب وَلم أَجِدهُ ثَابتا. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : هَذَا الحَدِيث لَيْسَ بِثَابِت، وَلَا يحْتَج بِهِ. قلت: وَلم يظفرا - رحمهمَا الله - بِالطَّرِيقِ الَّتِي قدمناها عَن «علل ابْن أبي حَاتِم» وَلَا شكّ وَلَا مرية فِي كَونهَا أَجود من هَذِه الطَّرِيق الَّتِي ذكرهَا أَبُو عبيد، وَلم يعللها ابْن أبي حَاتِم إِلَّا بِأَن عبد الرَّزَّاق أسْندهُ، وَإِنَّمَا يَرْوُونَهُ مَوْقُوفا، وَلَك أَن تَقول الرّفْع زِيَادَة من ثِقَة، وَهِي مَقْبُولَة عَلَى مَا تقرر غير مرّة. قَالَ أَبُو عبيد: وَقَالَ الْأَصْمَعِي: أرَى النُّبَل - بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء - يُقَال: نبلني أحجارًا للاستنجاء، أَي: أعطنيها. (قَالَ أَبُو عبيد: وَسمعت مُحَمَّد بن الْحسن يَقُول: النبل هِيَ حِجَارَة الِاسْتِنْجَاء) قَالَ أَبُو عبيد: والمحدثون يَقُولُونَ: النَّبل بِالْفَتْح -

стр. 808

يَعْنِي: بِفَتْح النُّون - أَيْضا ونراها إِنَّمَا سميت نبْلًا لصغرها وَهَذَا من الأضداد. فِي كَلَام الْعَرَب أَن يُقَال للعظام: نبل، وللصغار: نبل. وَقَالَ الْخطابِيّ فِي «إصْلَاح الْأَلْفَاظ الَّتِي (يصحفها) الروَاة» : يرْوَى «النبل» بِضَم النُّون وَفتحهَا، وَأكْثر الْمُحدثين يروونها بِالْفَتْح، والأجود الضَّم. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : النبل - بِضَم النُّون وَفتح الْبَاء الْمُوَحدَة - الْأَحْجَار الصغار. وَلم يذكر غير هَذَا، وَقَالَ ابْن الْأَثِير فِي «نهايته» فِي هَذَا الحَدِيث: النبل هِيَ الْحِجَارَة الصغار الَّتِي يُستَنْجَى بهَا، وَاحِدهَا نبلة، كغرفة وغرف، والمحدثون يفتحون النُّون وَالْبَاء كَأَنَّهُ (جمع) نبيل فِي التَّقْدِير، والنبل بِالْفَتْح فِي غير هَذَا (الْكِبَار) من الْإِبِل وَالصغَار. وَهُوَ من الأضداد. وَفِي «شرح التَّعْجِيز» لمصنفه: النبل - بِضَم الْبَاء - جمع نبيل كسرير (وسرر) . وَقَالَ الْجَوْهَرِي: المحدثون يَقُولُونَهُ بِفَتْح الْبَاء جمع (نبيل) كسورة وسور. قلت: ويغني عَن هَذَا الحَدِيث فِي الدّلَالَة مَا رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد

стр. 809

والدرامي فِي «مسنديهما» وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي «سُنَنهمْ» عَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ: «إِذا (ذهب) أحدكُم إِلَى الْغَائِط فليذهب مَعَه بِثَلَاثَة أَحْجَار يَسْتَطِيب بِهن؛ فَإِنَّهَا تُجزئه» . قَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «سنَنه» : إِسْنَاده (حسن) ، وَقَالَ فِي «علله» : إِسْنَاد مُتَّصِل صَحِيح. الحَدِيث الْخَامِس عشر «أنَّه ﷺ كَانَ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه» . هَذَا الحَدِيث رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَالنَّسَائِيّ وَابْن مَاجَه الأول والأخير فِي هَذَا الْبَاب و (الثَّانِي فِي)

стр. 810

اللبَاس وَالثَّالِث فِي الزِّينَة، من رِوَايَة أنس ﵁ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور، وَاخْتلف الْحفاظ فِي تَصْحِيحه (وتضعيفه) فضعفه جمَاعَة، قَالَ أَبُو دَاوُد: هَذَا حَدِيث مُنكر، وَإِنَّمَا يُعرف عَن ابْن جريج، عَن زِيَاد بن سعد، عَن الزُّهْرِيّ، عَن أنس «أَن النَّبِي ﷺ اتخذ خَاتمًا من وَرِقٍ ثمَّ أَلْقَاهُ» وَالوهم فِيهِ من همام، وَلم يروه إِلَّا همام. وَقَالَ النَّسَائِيّ: هَذَا حَدِيث غير مَحْفُوظ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيّ فِي «علله» : هَذَا الحَدِيث يروه هَكَذَا همام عَن ابْن جريج، عَن الزُّهْرِيّ، عَن أنس مَرْفُوعا، رَوَاهُ عَنهُ كَذَلِك سعيد بن عَامر وهدبة بن خَالِد، وَخَالَفَهُمَا عَمْرو بن عَاصِم؛ فَرَوَاهُ عَن همام، عَن ابْن جريج، عَن الزُّهْرِيّ، عَن أنس (مَرْفُوعا) ، وَلم يُتَابع عَلَيْهِ. قَالَ: وَرَوَاهُ جماعات عَن ابْن جريج، عَن زِيَاد بن سعد، عَن الزُّهْرِيّ، عَن أنس «أَنه رَأَى فِي يَد النَّبِي ﷺ خَاتمًا من ذهب فَرَمَى بِهِ وَقَالَ: وَالله لَا ألبسهُ أبدا» قَالَ: وَهُوَ الْمَحْفُوظ وَهُوَ الصَّحِيح عَن ابْن جريج. وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ: هُوَ الْمَشْهُور عَن ابْن جريج دون حَدِيث همام. وَذكره ابْن السكن فِي «سنَنه الصِّحَاح» (وَقَالَ: هُوَ وهم) وَقَالَ الْحَازِمِي: لم يرو هَذَا الحَدِيث بِهَذَا السِّيَاق إِلَّا همام. وَوهم فِي ذَلِك. وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي «شرح الْمُهَذّب» : هَذَا الحَدِيث ضعفه أَبُو دَاوُد
следующие страницы →