← Тахридж и атраф

Тахридж и атраф · id 5923

بيان الوهم والإيهام في كتاب الأحكام

ابن القطان

Полный текст (2 638 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

أ - تمهيد: في الغرض الأساسي من التحقيق: إن الغرض الأساسي من تحقيق أي نص، هو رده لحالته الأولى التي وضعه عليها مؤلفه، أو قريبًا منها. ولا شك أنه ليس كل نص يستحق التحقيق، كما أنه ليس كل ما تركه المتقدمون يستحق الإحياء. والنصوص التي يجب إحياؤها من تراث المتقدمين، تخضع لمواصفات وشروط معينة، من كونها تحمل في طياتها عناصر حية، تسهم في حل المعضلات الحاضرة، أو تتميز بمنهج يسهم في تبلور المناهج وتأصيلها، إلى غير ذلك من الخصائص والاعتبارات التي تجعل عملية إحياء مخطوط ما ليس اعتباطًا. وبعد ذلك، فإحياء النص نفسه يخضع لضوابط جد دقيقة، من جمع النسخ، والمقابلة بينها بعد ترتيبها من حيث الزمان، أو من حيث الجودة والإتقان. ثم تبدأ عملية تحليل المادة وردها إلى أصول المؤلف التي نقل منها مقارنًا بين ما عنده وما في تلك الأصول. وهذه العملية من أشق عمليات التحقيق، وأحوجها للتنبه والتيقظ الشديدين، حيث تجمع هذه العملية عمليات متعددة، من تصنيف مصادر المؤلف، واكتشاف منهجه، ومقارنة استنتاجاته باستنتاجات غيره، والوقوف على أوهامه المادية والمعنوية. وكل هذا يحتاج لتصنيفه في جذاذات خاصة، بحيث يصبح المحقق يسجل كل شاردة وواردة، لإمكان الاستفادة منها في تحليل ظاهرة أو توصيل

стр. 2

لنتيجة. ولهذا ففن التحقيق أشق وأصعب من إنشاء كتاب وتأليفه، فقد تحرر من إنشائك أوراقًا، في وقت لا تطيق أن تحرر فيه من كلام غيرك ولو ورقة. وهذا ما يفسر انكباب معظم الباحثين على التأليف الحر، بدل تحقيق كتب ذات قيمة، لعلمهم بمتطلبات شاقة ولازمة لذلك. ويتلخص فن التحقيق في المنهج الذي سلكه المحقق، والنسخ التي حصل عليها، وقيمتها العلمية، وكيفية تعامله مع المادة، والعقبات التي واجهته أثناء التحقيق. وهذا ما يسطر عادة في مقدمات التحقيق. ب - النسخ المعتمدة في التحقيق: اعتمدت في تحقيق هذا الكتاب على نسختين: إحداهما تركية، والأخرى مغربية. جـ - وصف النسختين: ١ - النسخة التركية: أ - هذه النسخة: توجد بخزانة الكتب بجامع المرحوم محرم أفندي، وتوجد منها نسخة بدار الكتب المصرية تحت الرقم (٧٠٠)، وهذه هي التي توجد عندنا صورة منها. وهي نسخة كاملة، ليس فيها أي نقص إلا في السفر الثاني، فيوجد فيها بياض في ثمان وستين ومائة ورقة، ومقداره إما سطر، وإما سطران، وإما نصف سطر في أواخر الأوراق.

стр. 3

ب - خطها: كتبت هذه النسخة بخط شرقي واضح، ويظهر أن كاتبها واحد إلا أنها كثيرة الأخطاء، بحيث لا يعتمد في أماكن الاشتباه ما فيها، وأحيانًا تكون دقيقة. ويظهر أن ناسخها لم يكن عالمًا بهذا الفن، وإنما كان ناسخًا، والدليل على ذلك أن ما هو مشهور وواضح عند من يتعاطى ولو قسطًا أدنى من هذا الفن، يصحفه هذا الكاتب ويحرفه. كما يظهر أنه لم يكن عالمًا بالعربية، فمثلًا نجده ينصب اسم إن وخبرها معًا، ويرفع اسم كان وخبرها معًا، ويكتب: عمرو بن شعيب، هكذا: عمر بن شعيب، وقد علقنا على كل ذلك في أماكنه. ج - كمّها: تقع هذه النسخة في سفرين: السفر الأول فيه ست وثمانون ومائتا ورقة، (٢٨٦)، وكذلك السفر الثاني؛ فيكون مجموع ما تتكون منه: اثنتين وسبعين وخمسمائة ورقة، ويقابلها بالصفحات أربع وأربعون صفحة ومائة بعد الألف، (١١٤٤)، وفيها من النصوص المبحوثة - على حسب ترقيمنا - (٢٨٤٦) نصًا، وفي كل ورقة منها أحد وعشرون سطرًا تقريبًا. د - تقويمها: هذه النسخة عارية من أي سماعات، وفيها علامات تدل على أنها قوبلت على ما قوبل على أصول متقنة، كما أنها عارية عن تاريخ النسخ، وعمن نسخها، ولكنها في الغالب نسخت عن أصل مصحح ومقابل على أصول؛ لأن الأخطاء التي فيها نكاد نجزم بأن تسعين بالمائة منها من الناسخ، أو النساخ.

стр. 4

وكتب على أول ورقة منها: "كتاب الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام، تأليف الشيخ، الإمام، الهمام، أبو الحسن علي ابن الشيخ الفقيه الفاضل، أبي عبد الله محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم بن يحيى، المعروف بابن القطان، نفعنا الله به آمين. وقف الله على طلبة العلم، ينتفعون به، ومقره بخزانة الكتب الكائنة بجامع المرحوم محرم أفندي، لا يباع ولا يرهن ولا يوهب، فمن بدله بعد ما سمعه، فإنما إثمه على الذين يبدلونه إن الله سميع عليم. تحرير في شهر ذي الحجة ١٢٠٥ هـ. من جامع محرم أفيض، الشهير بالكردي". وأضيف رقم ٧٠٠ حديث. هـ - عيوبها: هذه النسخة فيها عيبان: أحدهما: البياض الواقع في مكان واحد في السفر الأول بمقدار سطر، والواقع في السفر الثاني في ١٦٨ ورقة، وهذا البياض عالجناه بالطريقة الآتية: ١ - الرجوع للمصادر التي نقلت عن المؤلف، كتلخيص الحبير للحافظ ابن حجر، ونصب الراية للزيلعي، والميزان، واللسان، وغيرها ممن نقلت عن المؤلف باللفظ، أو المعنى، وبذلك ملأنا مجموعة من الفراغات التي فيها بياض، تارة باللفظ، وتارة بالمعنى. ٢ - المصادر التي نقل منها المؤلف، كمصنفات الحديث ومصنفات الرجال، كالأحكام الوسطى، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم، واستطعنا

стр. 5

أيضًا أن نملأ شيئًا ذا بال من هذا البياض من خلال هذه المصنفات. ٣ - الاعتماد على سياق الكلام، إذ غالبًا ما يكون الممحو معروفًا من سابقه ولاحقه، وخاصة إذا عزي ذلك الكلام لكتاب معين، وفي هذه الحالة نصوغ العبارة التي يقتضيها السياق بأسلوبنا الخاص، فنجعلها بين قوسين، لتؤدي معنى ما أراده المؤلف، ولتكون متميزة حتى لا يظن أنها من الأصل، والذي شجعنا على هذه الطريقة أمران: أحدهما: وضوح السياق، وثانيهما: تجربة شخصية أثبتت لي نجاحها، فقد قمت بملأ فراغات من خلال السياق، ثم عثرت بعد ذلك على نص المؤلف نفسه، فوجدت ما خمنته يتفق مع كلام المؤلف في المعنى وفي بعض الألفاظ أيضًا، وقد اجتهدت قدر الإمكان في كل عبارة خمنتها قبل وضعها، وقلبتها على جميع وجوهها ثم وضعتها. ومع ذلك فلا أدعي أن ذلك يمثل الأصل، ولكنه يسد الفراغ، ولذلك احتطت حيطة شديدة بجعل ذلك بين قوسين، حتى لا ينسب للمؤلف، بحيث لو لم أفعل، فلن يكتشف ذلك إلا أولو العلم. ويبقى هناك فراغات - وهي قليلة - لا يُساعد على ملئها المصادر ولا السياق، بحيث يتعذر تخمين ما مُحي منها بصفة نهائية، وهذه نجعل في موطن الحذف منها نقطًا بين قوسين، ونشير في الهامش للمقدار المحذوف منها. ومن الأمانة العلمية أن جميع الفراغات التي ملأتها، قد أشرت في الهوامش لكيفية ملئها. وهذه العملية قد أخذت مني وقتًا طويلًا، لأنها تحتاج إلى كثرة التنقيب، والتفتيش عمن نقل المؤلف، أو عمن نقل عن المؤلف فإذا لم يوجد، فأحتاج إلى قراءة النص مرارًا، وتقليبه على جميع وجوهه، والتأني في تقدير ما يملأ الفراغات.

стр. 6

ويعلم الله أن فراغًا واحدًا قد يشغلني أيامًا، وربما أسابيع، فتارة يفتح الله وأجد له حلًا، وتارة يستعصي تقدير أي شيء فيه، وتارة لا أجد بغيتي إلا بتتبع تخريج الحديث الذي وقع فيه المحو من جميع مصادره؛ فيلوح لي بعد هذه العملية المضنية ذلك المحو ومقداره. العيب الثاني: عدم الترتيب: السفر الثاني من الكتاب الذي يبدأ من: باب ذكر أحاديث سكت عنها مصححًا لها وليست بصحيحة - أوراقه غير مرتبة، وترقيمها وإن كان متسلسلًا فهو لا يمثل الحقيقة، في غالب هذا السفر، ويرجع ذلك إلى أن الذين جمعوا الكتاب ورقموه، جمعوه كيفما اتفق، فنتج عن ذلك أن كان أوراق بجانب أخر لا صلة لها بها ويدل على ذلك أمور: (١) انقطاع الصلة بين آخر لوحة، مع بداية التي تليها. (٢) كون الكلام مسترسلًا في حديث ما إلى آخر صفحة ما، ولم ينته بعد، ثم تجد في اللوحة الموالية كلامًا آخر، على حديث آخر، أو راو آخر لا علاقة له بما قبله. (٣) وجود التقديم والتأخير في الأحاديث المبحوثة، فتجد حديثًا - مثلًا - من كتاب العلم بعد حديث من كتاب الصلاة. وتجد حديثًا من كتاب الجهاد، قبل حديث من كتاب الحج، مع العلم أن المؤلف نص على أن الأحاديث التي سيبحثها في باب الأحاديث المصححة بسكوته - وهو أول باب في السفر الثاني - سيرتبها على حسب كتب الفقه الموجودة في الأحكام الوسطى، فيبدأ بأحاديث كتاب الإيمان، ثم العلم، ثم الطهارة، ثم الصلاة، وهكذا … فهذا كله أكد لي أن هذا السفر ترتيبه مشوش، ولابد من إعادته إلى

стр. 7

أصله، وسلكت في ذلك الخطوات الآتية: ١ - قراءة هذا السفر من بدايته إلى نهايته، وعزل جميع اللوحات التي لا رابط يربطها بما قبلها، وما بعدها، وخاصة التي فيها بياض. ٢ - الوقوف عند آخر كل لوحة لمعرفة ما تتناوله، ثم البحث عن تتمته في اللوحات الأخرى. ٣ - مراعاة ترتيب أحاديث الباب على كتب الأصل الذي ينقل منه المؤلف. ٤ - تخريج جميع الأحاديث الواقعة في أواخر اللوحات، من جميع مصادرها وهذه الطريقة ساعدتنا كثيرًا - وكذلك التي بعدها على اكتشاف اللوحات المنسجمة مع التي يظهر منها عدم الانسجام بما بعدها أو قبلها. وفعلًا لما تلحق اللوحة الحقيقية بأختها، يلوح لك الانسجام في كلام المؤلف، والاسترسال فيما يقرره حتى ينهيه. وهذه العملية - أعني ترتيب اللوحات وحده - قد أخذ مني وقتًا غير قصير، واستنفد جهدًا كثيرًا، يمكن أن يصدر فيه الإنسان مؤلفًا مستقلًا إذا تصدى للتأليف الحر. وفي النهاية وصلنا إلى رد كل لوحة إلى أختها، فانسجم الكلام من بداية هذا السفر إلى نهايته، وكم غمرتنا فرحة هذا الإنجاز وإعانة الله على إتمامه. ثم بعد ذلك، وضعنا للوحات الأرقام الحقيقية التي ينبغي أن تحملها بجانب الأرقام الخطئية التي تحملها اللوحات، وغرضي من ذلك شيئان: أحدهما: ترقيم نسختي الخاصة ترقيمًا حقيقيًا.

стр. 8

وثانيهما: إعانة من كانت عنده مصورة نسخة دار الكتب المصرية على ترقيمها لنفسه ترقيمًا حقيقيًا، إذ حينما أبين له اللوحات التي وقع فيها عدم الترتيب، يسهل عليه ترتيب نسخته. وهذه خطة الترتيب مفصلة: - الوجه الأول من اللوحة الثانية من المخطوط، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة ثمان وخمسين إلى الوجه الأول من اللوحة الرابعة والستين. - الوجه الأول من اللوحة أربع وستين، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة ثمان وتسعين ومائة إلى الوجه الأول من اللوحة واحد ومائتين. - الوجه الأول من اللوحة واحد ومائتين، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة اثنتين وثلاثين إلى الوجه الأول من اللوحة الأربعين. - الوجه الأول من اللوحة الأربعين، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة واحد ومائتين إلى الوجه الأول من اللوحة اثنتي عشرة ومائتين. - الوجه الأول من اللوحة (٢١٢)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة أربعين إلى الوجه الأول من اللوحة ثمان وخمسين. - الوجه الأول من اللوحة (٥٨)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة العاشرة، والوجه الأول من الحادية عشرة. - الوجه الأول من اللوحة (١١)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة الثانية وما بعدها إلى الوجه الأول من اللوحة العاشرة. - الوجه الأول من اللوحة (١٠)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة الحادية عشرة إلى الوجه الأول من اللوحة الثانية والثلاثين.

стр. 9

- الوجه الأول من اللوحة (٣٢)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة الأربع والثمانين وما بعدها إلى الوجه الأول من اللوحة أربعين ومائة. - الوجه الأول من اللوحة (١٤٠)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة أربع وستين وما بعدها إلى الوجه الأول من اللوحة أربع وثمانين. - الوجه الأول من اللوحة (٨٤)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة أربعين ومائة إلى الوجه الأول من اللوحة ثلاث وستين ومائة. - الوجه الأول من اللوحة (١٦٣)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة ثلاث وتسعين ومائة، والوجه الأول من أربع وتسعين ومائة. - الوجه الأول من (١٩٤)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة خمس وستين ومائة، والوجه الأول من اللوحة ست وستين ومائة. - الوجه الأول من اللوحة (١٦٦)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة ثمان وستين ومائة والوجه الأول من تسع وستين ومائة. - الوجه الأول من (١٦٩)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة أربع وتسعين ومائة، والوجه الأول من خمس وتسعين ومائة. - الوجه الأول من (١٩٥)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة ثلاث وستين ومائة، إلى الوجه الأول من خمس وستين ومائة. - الوجه الأول من (١٦٥)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة تسع وستين ومائة، والوجه الأول من اللوحة سبعين ومائة. - الوجه الأول من (١٧٠)، يناسبه الوجه الثاني من تسعين ومائة إلى الوجه الأول من اللوحة ثلاث وتسعين ومائة.

стр. 10

- الوجه الأول من (١٩٣)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة ست وستين ومائة وما بعدها إلى الوجه الأول من اللوحة ثمان وستين ومائة. - الوجه الأول من اللوحة (١٦٨)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة خمس وتسعين ومائة إلى الوجه الأول من اللوحة ثمان وتسعين ومائة. - الوجه الأول من اللوحة (١٩٨)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة ثمانين ومائة إلى الوجه الأول من اللوحة تسعين ومائة. - الوجه الأول من اللوحة (١٩٠) بناسبه الوجه الثاني من اللوحة سبعين ومائة إلى الوجه الأول من اللوحة ثمانين ومائة. - الوجه الأول من اللوحة (١٨٠)، يناسبه الوجه الثاني من اللوحة اثنتي عشرة ومائتين. ثم تسلسل الكتاب إلى نهايته، وعاد إلى أصله، وضم فيه كل نظير إلى نظيره، وجنس إلى جنسه، بعد عناء طويل ومشقة فادحة. وأما السفر الأول فيقع فيه أيضًا عدم الترتيب في مواضع، ولكنها قليلة بالنسبة للسفر الثاني. وهذه مواطن الخلل في السفر الأول: - يبدأ القلب وعدم الترتيب من الورقة (١٨٤) إلى (١٨٩). - ثم من الورقة (٢٣٥) إلى الورقة (٢٣٨). - ثم من الورقة (٢٦٣) إلى الورقة (٢٦٩). ٢ - نسخة خزانة القرويين بفاس: أ - وصفها: هي نسخة نافعة، يوجد منها السفر الأول فحسب تحت الرقم (١٦٠٦)،

стр. 11

وأما السفر الثاني الذي يبتدئ من قول المؤلف: "باب ذكر أحاديث سكت عنها مصححًا لها وليست بصحيحة" فلا يوجد، وقد طوته يد الزمن مع ما طوت من مثل هذه النفائس. وهذا النصف الموجود منها لا يوجد فيه محو، إلا في صفحة واحدة محي فيه مقدار سطر، وهي الصفحة الحاملة للرقم (٢٠٩) في آخر سطر منها، وقد أصيب هذا السطر بالرطوبة، فتقطعت حروفه واختلطت، بحيث لا يمكن قراءتها، كما أنها نسخة مرتبة لا تقديم فيها ولا تأخير، ويوجد منها ميكروفيلم بالخزانة العامة بالرباط تحت رقم (١٧٢٧). ب - خطها: كتبت بخط مغربي دقيق جدًّا تصعب قراءته أحيانًا إلا على المتمرس بالخطوط، ولم يراع فيها الكاتب قواعد الرسم، ولذلك لا يقرؤها إلا من عرف الخطوط القديمة. وهذه نماذج من هذه الكتابة، فمثلًا: لا إله يكتبها: لا إلاه، وإملاء يكتبه: إملا، والغنائم يكتبها: الغنايم، وكلمة: ائتيه يكتبها: ايتيه، والمقرئ، يكتبها: المقري، وبئر يكتبها: بير، وإقامة الصلاة يكتبه: وإقامت، وماء يكتبه: ما، ورمضان يكتبه: رمضن، وإذا تلا يكتبه: إذا تلى، ولكن يكتبه: ولاكن. وهكذا لم يلتزم بقواعد الرسم حتى المعهودة عند المتقدمين. وتقع هذه النسخة في خمس وخمسين وثلاثمائة صفحة، بالترقيم المكتبي، إذ رقموا كل صفحة على حدة. ج - قيمتها: هذه النسخة قوبلت على أصول مدققة ومتقنة، إذ تجد في حواشيها

стр. 12

كلمات خرجت من وسطها وكتب عليها كلمة "صح" كما فيها علامات المقابلة. ويظهر أنها قرأها عالم جليل فاهم لهذا الفن، فعلق عليها تعليقات كثيرة في حواشيها في تصويب آراء المؤلف، أو بيان الأخطاء، كما يعلق على الرجال الواردين فيها، ويضبط الكلمات الصعبة بالشكل. ثم إنها دقيقة، وأخطاؤها قليلة جدًّا بالمقارنة مع النسخة المصرية، وفي حواشيها آراء وخلاصات لما هو مذكور في صلب المتن، وقلما تجد ورقة خالية من ذلك. ولهذه الأسباب والخصائص جعلناها أصلًا، وجعلنا النسخة المصرية نسخة ثانية، وبهما معًا تأكدنا من سلامة النص، وتتراوح سطورها ما بين ثمانية وعشرين أو تسعة وعشرين سطرًا. د - السماعات: كتب على أول ورقة من هذه النسخة: الحمد لله، ومما قيد على ظهر أول ورقة من الأصل المنتسخ هذا منه ما نصه: قابلت جميع هذا الكتاب بكتاب الشيخ الفقيه، الأجل، المقرئ، أبي الخطاب الذي قرأه على مؤلفه، وكتب له على ظهر الكتاب المذكور: قرأ علي الشيخ، الفقيه، الأجل، المقرئ، أبو الخطاب عبد الرحمن ابن الشيخ الفقيه الأجل، المقرئ، أبي عمرو، ابن الشيخ الفقيه الأجل، المقرئ، أبي الحسن بن عبد الرحمن بن الطفيل، أدام الله توفيقه وكرامته - جميع هذا الكتاب: كتاب بيان الوهم والإيهام الواقعين في كتاب الأحكام، قراءة تحمل وتصحيح، أنا أمسك له الأصل الذي صححت فيه ما ألفت منه، منه، وفرغ منه يوم الجمعة، الثاني من صفر، سنة تسع وعشرة وستمائة، فإنه يرويه عني

стр. 13

مستعينًا بالله سبحانه. . . ثم قال. . . وكتب … في التاريخ المذكور مؤلفه، علي بن محمد بن عبد الملك حامدًا الله سبحانه، ومصليًا على محمد نبيه، وعلى آله وأزواجه، ﵃. انتهى ما وجدته. ولدقة هذه النسخة وأهميتها، فقد جعلتها هي الأصل في تحقيق النصف الأول من هذا الكتاب، وجعلت النسخة التركية نسخة ثانية. وهذا لا يعني إهمالها، فقد اعتمدت أحيانًا ما فيها لثبوت أنه الصواب وأن ما في الفاسية خطأ، ولكن ذلك قليل. وأما في النصف الثاني، فقد اعتمدت في التحقيق على النسخة التركية وحدها؛ ولذلك كان العمل في هذا القسم مضنيًا، حيث يستوجب تيقظًا وتتبعًا أكثر للوصول إلى تقويم النص وتصويبه. وقد استغرق العمل - لهذا - في هذا النصف أكثر مما استغرق في النصف الأول للعلل التي ذكرنا أنها توجد في هذه النسخة، وأشير للنسخة الفاسية بحرف (ق) وللتركية بحرف (ت). منهج التحقيق: ١ - قابلنا النسختين مع المنسوخ ثلاث مرات، حتى تأكدنا من سلامة النص وسلاسته، كما قابلناه بالأصول التي ينقل عنها المؤلف، والأصول التي نقلت عنه، فاطمأننا بذلك لسلامته. ٢ - أثبتنا الفروق بين النسختين، بحيث جعلنا النسخة الفاسية نسخة أصلية، فما خالف ما فيها من النسخة المصرية، وضعناه في الحاشية، فإن كان خطأ نبهنا عليه وإن كان صوابًا أو محتملًا له، أثبتناه كما هو، وإذا تحقق أن ما في النسخة الفاسية هو الخطأ، وأن الصواب ما في المصرية، أثبتنا الصواب،

стр. 14

وأشرنا للخطأ في الهامش. ٣ - رقمنا الكتاب ترقيمين: ترقيمًا عامًا، وترقيمًا خاصًّا. فأما الترقيم العام، فوضعناه مسلسلًا للأحاديث التي ينقلها المؤلف ويبحثها، وبذلك استطعنا التغلب عليها ولَمُ أطرافها التي يوزعها فيها المؤلف، فبلغت تلك الأرقام بالتحديد خمسة وأربعين وثمانمائة وألفين رقم. وأما الترقيم الخاص، فهو يختص بكل ورقة، وتتناول أرقامها الفروق بين النسخ، وتوضيح ما يمكن توضيحه، من شرح الغريب، والتعليق على كلام المؤلف، والتنبيه على ما في كلامه من عدم الحقيقة، أو اختصار، أو ما إلى ذلك. ٤ - خرجت الأحاديث تخريجًا مسهبًا في القسم الثاني، وأطلت النفس فيها واختصرته جدًّا في القسم الأول؛ لأن المؤلف لم ينشغل فيه بعلل الأحاديث في الجملة فجاريناه في ذلك. فعزونا الأحاديث لمصادرها دون التفصيل فيها، وفصلنا الكلام على أحاديث القسم الثاني، فأسفر ذلك عن الحقائق الآتية: أ - اكتشاف طرق جديدة لجملة من الأحاديث ادعى المؤلف أنها ليس لها إلا ما ذكر، وكذلك اكتشاف متابعات الجملة من الرواة، يقول المؤلف عنهم: إنهم انفردوا بما ذكر لهم. ب - اكتشاف أخطاء وأوهام وقعت لأناس، واكتشاف تصحيفات وتحريفات في أمور جمة في كتب محققة؛ مما جعل الكتاب المحقق من غير المتخصصين لا يعتمد عليه في نظري. جـ - تتبع المؤلف في كل شاذة وفاذة ذكرها، اللهم إلا ما فقدت مصادره، فأكتفي فيه بالمصادر التي نقلت عنه.

стр. 15

٥ - نوه المؤلف بقيمة عمله في مقدمته بأنه ما نقل أبو محمد عبد الحق من كتاب إلا وهو بين يديه، ووقف على موضع نقله منه. وأنا أقول أيضًا: إن كتب المؤلف التي ينقل منها، وقفت على نقوله منها إلا في النادر، وإذا صح له أن يقول: إنه رجع إلى كتب ما رآها أبو محمد ولا عرج عليها؛ فإنه يصح لي أن أقول: قد رجعت في هذا التحقيق إلى مصادر لم يذكر عنها المؤلف شيئًا، ولا نقل عنها حرفًا واحدًا، ولا أدري ألم تكن لديه -وهو الغالب - أم كان قد استغنى عنها بغيرها؟ ٦ - درست رجال إسناد كل حديث، ولم أخرج حديثًا إلا واطلعت على ترجمة كل راو من رواته، مما أفادني في الاستدراك على المؤلف عللًا أخرى في الأسانيد لم يذكرها، وهي مبثوثة في ثنايا هذا البحث في أماكنها. ٧ - صدرت كل حديث بالحكم الذي يستحقه المتوصل إليه بعد دراسة كل حديث، وقد وافقت في جل هذه الأحكام أحكام من تقدمني، وخالفت في بعض المواضع لملاحظ ودواعي ذكرتها في أماكنها، ولا أدعي عصمتي فيها من الخلل، ولكني اجتهدت حسب قواعد الفن وأصوله، وحسبي ذلك. ٨ - خالفت المؤلف في حكمه على كل حديث بمفرده، فتبعت الجمهور في الحكم للمجموع، ولذلك حسنت وصححت أحاديث كثيرة بمجموع طرقها. ٩ - قومت النص تقويمًا كاملًا، ورددت كل نص أورده المؤلف إلى أصوله التي نقله منها إلا في النادر الذي فقدت أصوله، فاضطررت فيه إلى النقل عمن نقل عن تلك الأصول. ١٠ - صيغ التحديث والإخبار، كانت مختصرة في المخطوطين معًا،

стр. 16

فأتممت الصيغة، سواء كانت: حدثنا، أو أخبرنا، أو أنبأنا، رغبة في تسهيل عبارة الكتاب. ١١ - كل ما يخالف قواعد الرسم في المخطوطين، كتبته وفق قواعد الرسم الحديثة. ١٢ - إذا اتضح لي أن ما في المخطوطين خطأ محض، أكتب الصواب وأضع الخطأ في الهامش. ١٣ - وضعت لكل نسخة رمزًا خاصًّا بها، فالنسخة المصرية أشير إليها بحرف (ت)، والنسخة الفاسية أشير إليها بحرف (ق). العقبات التي واجهتني أثناء التحقيق: لا أضمر أني في بداية الأمر كنت تهيبت هذا الكتاب، لا خوفًا من مادته المسطرة، ولكن من طوله وتشعبه، الذي علمت بأنه سيكلفني شيئًا غير قليل من الوقت، والتنقيب، والمال، ولكن حرص أستاذي وشيخي المشرف على هذا البحث، في الاستمرار فيه، وتوجيهاته التي تعتبر زادًا لي في الطريق، دفعتني للمضي فيه قدمًا، فكانت عاقبته خيرًا، وسأوجز هذه العقبات فيما يلي: ١ - من حيث الوقت، أخذ مني هذا البحث ما لا يقل عن ثنتي عشرة ساعة في اليوم، أربع سنين، لا أعرف فيها قرًا ولا حرًا، وفي القيظ الشديد الذي يتمتع الناس بنسيم الشواطئ، ورياح الآصال، كنت أخوض لججه، وأكتشف شواطئه، مما جعلني أحذف من قاموسي مواعيد الأسفار والزيارات حتى لأهلي وإخواني، مما عوتبت عليه وتجرعت مرارته أحيانًا بالسكوت؛ لأنهم

стр. 17

لا يفهمون ما أنا فيه، وأحيانًا بالاعتذار إليهم، وبأني سأعوض ما قصرت فيه، إلا أني أرى عيونًا كثيرة ترنو إلي بنظرات غير المعجبين بهذا الانزواء، حتى من طلبة العلم الذين أجد فيهم من يحاول تثبيطي، ولا أجد ما أتمثل إلا قول القائل: سارت مشرقة وسرت مغربًا … شتان بين مشرق ومغرب ٢ - ومن حيث الاستعداد، فقد اقتنيت ما أمكن اقتناؤه من المصادر اللازمة لتحقيق هذا الكتاب ما بين مطبوع ومخطوط، وما زلت ناقبًا عما لم أجده منها، ولم تبق مكتبة عامة في بلدنا إلا ولجتها، فأحيانًا أحصل على بغيتي، وأحيانًا أخفق في ذلك، وكانت التجربة مريرة، حيث أدركت احتكار الكتب من طرف بعض المسئولين في هذه المكاتب، وقد سافرت خارج الوطن لهذا الهم الوحيد فوجدت بعض بغيتي، ولم أجد بعضها الآخر، كما استعنت بكل من عرفته ممن يعاني ما أعاني، وقد اقتنيت من الخارج أكثر مما اقتنيت من الداخل، وفيما اقتنيته من الخارج بعض ما في الداخل الذي لم أتوصل إليه لأسباب يعرفها كل باحث. وباجتماع أمهات المصادر المطبوعة والمخطوطة لدي، استطعت أن أقطع أشواطًا بعيدة في هذا البحث، فلولا توفرها بين يدي لما استطعت أن أفعل شيئًا. ٣ - كان الحديث الواحد، قد يأخذ مني أيامًا، باحثًا عنه، لامًا لطرقه، ملخصًا ومرتبًا لكل ما قيل فيه، مما جعلني أحيانًا أجد نفسي لا أبعد كثيرًا حيث كنت. ٤ - قيامي بجميع الأعمال وسائلها وغاياتها، من البحث عن النص أولًا،

стр. 18

حيث يتم اكتشاف مواضعه، ثم البحث عن علله وأحكامه ثانيًا، فلو كان هناك من يقرب لي المادة، كأن يهيئ لي - على الأقل - مصادر النص لكنت أنهيت الكتاب منذ مدة. ٥ - الوسائل البدائية التي ما زلنا نستعملها إلى الآن، من جذاذات، وممحاة، ومكشطة، هي أيضًا تثبطنا كثيرًا، فلو كنت أملك الحاسوب الذي أسجل فيه كل شيء، وأمحي ما أريد، وأقدم وأؤخر، لربحنا من وقتنا شيئًا ذا بال. ٦ - أحَلْتُ في كل حديث ذكره المؤلف في عدة أماكن، على جميع أرقامه حتى يتمكن من يرغب في تكوين نظرة كاملة عنها في جميع أماكنها من ذلك، ولم أتغلب على هذه الإحالات، إلا بالفهارس التي أخذت وقتًا غير يسير. ٧ - حاولت أن أجمع في كل حديث ما قيل عنه، حتى يأخذ القارئ عنه فكرة شاملة في موضوع واحد، وقد عانيت كثيرًا في جمع هذه الأقوال من مئات المصادر التي وزعت فيها وترتيبها، ولو قدر للسنة أن تخدم بهذا النمط، لانتهينا منذ زمن من كثير من الاختلافات التي يستلزمها الأخذ برأي دون الاطلاع على الآراء الأخرى. ٨ - كل حديث ذكره المؤلف في كتابه وقفت عليه في الأحكام الوسطى لعبد الحق، وقابلت ما فيه بما يقول المؤلف، وأثبت في كل حديث حديث بالهامش رقم الصفحة والجزء الذي يقع فيه ذلك الحديث في الأحكام الوسطى، تيسيرًا على من يريد الرجوع إليه للمقابلة. هذا، وقد قمت بهذا أولًا على مخطوط الوسطى المحفوظ بمكتبة ابن يوسف، وعليه اعتمدت في جميع الكتاب، ثم ظهر الأحكام الوسطى أخيرًا

стр. 19

في السوق بنشر الشيخ عبد المجيد السلفي، والشيخ صبحي السامرائي، فدعاني ذلك إلى أن رقمت النصف الأخير من الكتاب على هذا المطبوع، والنصف الأول على المخطوط المذكور وما وجدته ساقطًا من المطبوع - والسقط فيه كثير - أشير بكلمة المخطوط إلى رقم وصفحة من المخطوط. هذا، ولا أدعي لعملي هذا السلامة من الهفوات، ولا العصمة من العثرات، فما كان فيه من صواب فمن الله وحده، وما كان من خطأ، فمني ومن الشيطان، وأستغفر الله منه. فيا أخي القارئ، فإن لم يسعفني عملي في نيل المأرب، فأسعفني أنت بحسن الدعوة، والنظر بعين الرضا لهذا العمل، وإصلاح خلله؛ فالتقصير حاصل، واللب مشوش، والفهم كليل، والتحصيل قليل، فلولا التعين، لما ولجنا هذا المولج، ولا عرجنا هذا المنعرج، ولكن محبة النبوة، وتتبع دُرَرها، والهيام بما ينسب لها، أدخلنا هذا المدخل، بعد فقدان أهله، وموت نوابغه، وإخلاد الناس إلى هجره، ورجاء أن ندخل في قوله ﷺ فداه أبي وأمي -: "المرء مع من أحب". وآمل من كل مطلع أن يرنو لهذا العمل بقول الشاعر: وعين الرضا عن كل عيب كليلة … كما أن عين السخط تبدي المساويا وإذ أنسى، فإني لن أنسى ثلة من الإخوة الذين تجمعني معهم محبة الإيمان، وكلمة التقوى، وصداقة العلم، وهم قد سهروا معي في مسيرتي مع هذا الكتاب، وتحملوا معي همومه، وتمنوا أن يروه يرى النور يومًا ما، وكل منهم قد ساعد بما آتاه الله، وأنفق مما رزقه الله، ولم يضنوا علي بوقت ولا مال، حتى قام هذا العمل على ساقه، واستوى عوده ومساقه، ولا أذكرهم جميعهم بأسمائهم؛ لأن فيهم من يحب أن لا يعرف، ويحب أن يدخر عمله ليوم

стр. 20

تشيب فيه الولدان، ويتفرد بالحكم فيه الملك الديان. وأخص بالذكر منهم الشاب النبيه، والألمعي الوديع، الأستاذ محمد أولاد عتُّو، الذي قابل معي النسخ كلها مرارًا. والأستاذ جمال سطيري، الذي كان يضحي براحته في سبيل تصحيح هذا الكتاب. والأستاذ عبد اللطيف ماسح، الذي كتب على الحاسوب النصف الأول من هذا الكتاب، وعاني معي فيه إلى حد أنه ضحى بمصالحه الشخصية في سبيل إنجازه. كما أخص بالذكر أم يونس التي ضحت بكل غال ونفيس في سبيل إنجاز هذه المعلمة. وكذلك أشكر الأخوة الذين ضحوا معي في ترتيب الفهارس، ومراجعتها، وتحريرها النهائي. ومن لم أذكرهم أكثر ممن ذكرتهم، فكلهم لا أستطيع أن أؤدي لهم حقوقهم، فقد طوقوا عنقي بالمنن، وهل أستطيع أداءها؟!. أرجو من العلي القدير أن يثيبهم، وأن يجزل لهم العطاء، وأن يرزقنا وإياهم مقعد صدق عند مليك مقتدر، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا. وكتب الدكتور الحسين آيت سعيد زين الدين حامدًا، ومصليًا يوم الخميس ١٧ شوال ١٤١٦ هـ الموافق ٧/ ٣ / ١٩٩٦ م بمدينة مراكش المحروسة. ***

стр. 21

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ قال الشيخ، الفقيه، المحدث، العالم، الأوحد، أبو الحسن: علي بن الشيخ، الفقيه، المرحوم أبي عبد الله، محمد بن عبد الملك بن يحيى المعروف بابن القطان ﵀ ورضي عنه -: الحمد لله كما يحق له ويجب، والصلاة والتسليم على محمد نبيه المصطفى المنتخب. وبعد: فإن أبا محمد عبد الحق بن عبد الرحمن الأزدي، ثم الإشبيلي - رحمة الله عليه - قد خلد في كتابه الذي جمع فيه أحاديث [أحكام] أفعال المكلفين علماً نافعاً، وأجراً قائما، زكا به عمله، ونجح فيه سعيه، وظهر عليه ما صلح فيه من نيته، وصح من طويته فلذلك شاع الكتاب المذكور وانتشر، وتلقي بالقبول، وحق له ذلك، لجودة تصنيفه، وبراعة تأليفه واقتصاده وجودة اختياره، فلقد أحسن فيه ما شاء وأبدع فوق ما أراد، وأربى على الغاية وزاد، ودل منه على حفظ وإتقان، وعلم، وفهم، واطلاع، واتساع، فلذلك لا تجد أحداً ينتمي إلى نوع من أنواع العلوم

стр. 22

الشرعية، إلا والكتاب المذكور عنده، أو نفسه متعلقة به. قد حداهم حسن تأليفه إلى الإكباب عليه وإيثاره وخاصة من لا يشارك في طلبه بشيء من النظر في علم الحديث، من فقهاء، ومتكلمين، وأصوليين، فإنهم الذين قد قنعوا به، ولم يبتغوا سواه، حتى لربما جر عليهم جهالات: [منهاٍ] اعتقاد أحدهم أنه لو نظر في كتب الحديث نظر أهله، فرواها وتفقد أسانيدها، وتعرف أحوال رواتها فعلم بذلك صحة الصحيح، وسقم السقيم وحسن الحسن، فاته كثير مما احتوى عليه الكتاب المذكور من مشتت الأحاديث، التي لا يحتوي عليها إلا ما يتعذر على الأكثر من الناس جمعه. وهذا ممن اعتقده غلط، بل إتقان كتاب من كتب الحديث، وتعرفه كما يجب، يحصل له أكثر مما يحصل له الكتاب المذكور من صناعة النقل فإنه ما من حديث يبحث عنه حق البحث، إلا ويجتمع له من أطرافه - وضم ما في معناه إليه، والتنبه لما يعارضه في جميع ما يقتضيه أو بعضه، أو ما يعاضده ومعرفة أحوال نقلته وتواريخهم - ما يفتح له في الألف من الأحاديث. وكذلك يجر عليهم أيضاً اعتقاد أن ما ذكره من عند البخاري مثلاً لا بد فيه من البخاري وما علم أنه ربما يكون عند جميعهم، وما ذكره من عند أبي داود،

стр. 23

ربما ليس هو عند الترمذي، أو النسائي، ولذلك ذكره من عند أبي داود وما علم أنه ربما لم يخل منه كتاب [أيضاً]. وكذلك [أيضا] يجر عليهم تحصيل الأحاديث مشتتة غاية التشتت بحيث يتعرض للغلط في نسبتها إلى مواضعها بأدنى غيبة عنها ولذلك ما ترى المشتغلين به، الآخذين أنفسهم بحفظه، ينسبون إلى مسلم ما ليس عنده أو إلى غيره ما لم يذكر كذلك، وربما شعر أحدهم بأنه بذلك مدلس كتدليس من يروي ما لم يسمع عمن قد روى عنه، من حيث يوهم قوله: ذكر مسلم أو البخاري كذا، أنه قد رأى ذلك في موضعه، ونقله من حيث ذكر، فيتحرج من ذلك أحدهم فيحوجه ذلك إلى أن يقول ذكره عبد الحق، فيحصل من ذلك في مثل ما يحصل فيه من يذكر من النحو مسألة وهي في كتاب سيبويه فيقول: ذكرها المهدوي في التحصيل أو مكي في الهداية أو يذكر مسألة من الفقه، هي في أمهات كتبه، فينسبها إلى متأخري الناقلين منها بخلاف ما يتحصل الأمر عليه في نفس قارئ كتاب مسلم، أو أبى داود مثلاً، فإنه يعلم الأبواب مرتبة مصنفة، وأطرافها من غيره وما عليها من زيادات، أو معارضات، أو معاضدات، مرتبة عليها في

стр. 24

خاطره بحيث لا يختل ولا يتثبج إلا في الندرة. والذي يحصل من علم صحة هذا الذي وصفناه للمزاول، أكثر وأبين مما وصفنا منه، فالكتاب المذكور من حيث حسنه وكثرة ما فيه، قد جر الإعراض عن النظر الصحيح، والترتيب الأولى، من تحصيل الشيء من معدنه، وأخذه من حيث أخذه هو وغيره. هذا على تقدير سلامته من اختلال نقل، أو إغفال، أو خطأ، في نظر أهل هذا الشأن. فأما والأمر على هذا، فقد يجب أن يكون نظر من يقرؤه وبحثه أكثر وأكبر من بحث من يقرأ أصلاً من الأصول، لا كما يصنعه كثير ممن أكب عليه: من اعتمادهم على ما نقل، وتقليدهم إياه فيما رأى وذهب إليه من تصحيح أو تسقيم، وقد يعمم بعضهم هذه القضية في جميع نظر المحدث، ويقول: إنه كله تقليد، وإن غاية ما ينتهي إليه الناظر بنظرهم تقليد معدل أو مجرح، فهو كتقليد مصحح أو مضعف للحديث. وهذا ممن يقوله خطأ بل ينتهي الأمر بالمحدث إلى ما هو الحق من قبول الرواية ورد الرأي فهو لا يقلد من صحح ولا من ضعف، كما لا يقلد من حرم ولا من حلل، فإنها في العلمين مسائل مجتهدة، لكنه يقبل من رواية

стр. 25

العدل الناقل له من أحوال من روى عنه الحديث، ما يحصل عنده الثقة بنقله، أو عكس ذلك. ونقلهم لذلك إما مفصلاً وإما مجملا، بلفظ مصطلح عليه، كألفاظ التعديل والتجريح، فإنهم قد تواضعوا عليها بدلاً من التطوف على جزئيات الأحوال، وتأديتها على التفصيل. فكما كان يحصل لنا من نقل العدل إذا قال لنا: إن فلانا كان ورعاً، حافظا، فهما، عالما، أن فلانا المذكور مقبول الرواية، مرجح جانب صدقه على جانب كذبه، فكذلك يحصل لنا ذلك، إذا قال لفظاً من الألفاظ المصطلح عليها. ولبيان هذا المعنى والانفصال عما يتعرض به عليه مواضعه. ولما كان الحال على ما وصفت - من احتواء الكتاب المذكور على ما لا يعصم منه أحد، ولا سيما من جمع جمعه، وأكثر إكثاره، وكفى المرء نبلا أن تعد معايبه - تجردت لذكر المعثور عليه من ذلك، فذكرته مفيداً به وممثلا لما لم أعثر عليه من نوعه، إذ الإحاطة متعذرة. وانحصر لي ذلك في أمرين: وهما نقله ونظره، أما نقله فأبواب، منها: ١ - باب ذكر الزيادة في الأسانيد

стр. 26

٢ - باب ذكر النقص من الأسانيد ٣ - باب نسبة الأحاديث إلى غير رواتها ٤ - باب ذكر أحاديث، يوردها من موضع عن راو، ثم يردفها زيادة أو حديثا، من موضع آخر، موهما أنها عن ذلك الراوي، أو بذلك الإسناد، أو في تلك القصة، أو في ذلك الموضع، وليس كذلك ٥ - باب ذكر أحاديث، يظن من عطفها على أخر، أو إردافها إياها أنها مثلها في مقتضياتها، وليست كذلك ٦ - باب أشياء مفترقة تغيرت في نقله أو بعده عما هي عليه ٧ - باب ذكر رواة تغيرت أسماؤهم، أو أنسابهم، عما هي عليه ٨ - باب ذكر أحاديث أوردها ولم أجد لها ذكرا، أو عزاها إلى مواضع ليست هي فيها، أو ليست كما ذكر ٩ - باب ذكر أحاديث أوردها على أنها مرفوعة، وهي موقوفة أو مشكوك في رفعها ١٠ - باب ذكر ما جاء موقوفا، وهو في الموضع الذي نقله منه مرفوع ١١ - باب ذكر أحاديث أغفل نسبتها إلى المواضع التي أخرجها منها ١٢ - باب ذكر أحاديث أبعد النجعة في إيرادها، ومتناولها أقرب وأشهر. وها هنا انتهى القسم الأول الراجع إلى نقله، فإن جميع هذه الأبواب

стр. 27

أوهام، إما منه، وإما ممن بعده. فأما ما يرجع إلى نظره فمنه: ١ - باب ذكر أحاديث، أوردها على أنها متصلة، وهي منقطعة، أو مشكوك في اتصالها ٢ - باب ذكر أحاديث ردها بالانقطاع وهي متصلة ٣ - باب ذكر أحاديث، ذكرها على أنها مرسلة لا عيب لها سوى الإرسال، وهي معتلة بغيره، ولم يبين ذلك منها ٤ - باب ذكر أحاديث أعلها برجال، وفيها من هو مثلهم، أو أضعف، أو مجهول لا يعرف ٥ - باب ذكر أحاديث أعلها بما ليس بعلة، وترك ذكر عللها ٦ - باب ذكر أحاديث، أعلها ولم يبين من أسانيدها مواضع العلل ٧ - باب ذكر أحاديث سكت عنها مصححا لها، وليست بصحيحة ٨ - باب ذكر أحاديث سكت عنها، وقد ذكر أسانيدها أو قطعا منها، ولم يبين من أمرها شيئا ٩ - باب ذكر أحاديث، أتبعها منه كلاما يقضى ظاهره بتصحيحها، وليست بصحيحة ١٠ - باب ذكر أحاديث، أتبعها منه كلاماً لا يبين منه مذهبه فيها، فنبين أحوالها، من صحة، أو سقم، أو حسن ١١ - باب ذكر أحاديث أوردها على أنها صحيحة أو حسنة، وهي ضعيفة من تلك الطرق، صحيحة أو حسنة من غيرها

стр. 28

١٢ - باب ذكر أحاديث ضعفها من الطرق التي أوردها منها وهي ضعيفة منها، صحيحة أو حسنة من طرق أخر ١٣ - باب ذكر أحاديث ضعفها، وهي صحيحة أو حسنة، وما أعلها به ليس بعلة ١٤ - باب ذكر أحاديث ضعفها، ولم يبين بماذا؟ وضعفها إنما هو الانقطاع أو توهمه ١٥ - باب ذكر أمور جميلة من أحوال رجال يجب اعتبارها، فأغفل ذلك أو تناقض فيه ١٦ - باب ذكر رجال لم يعرفهم، وهم ثقات، أو ضعاف، أو مختلف فيهم ١٧ - باب ذكر أحاديث، عرف ببعض رواتها، فأخطأ في التعريف بهم ١٨ - باب ذكر رجال ضعفهم بما لا يستحقون، وأشياء ذكرها من غيره محتاجة إلى التعقب ١٩ - باب ذكر أحاديث، أغفل منها زيادات مفسرة، أو مكملة، أو متممة ٢٠ - باب ذكر المصنفين الذين أخرج عنهم في كتابه ما أخرج: من حديث، أو تعليل، أو تجريح، أو تعديل ٢١ - باب ذكر مضمن هذا الكتاب على نسق التصنيف. فهذا هو القسم الراجع إلى نظره، ما عدا البابين الأخيرين. فجميع هذا القسم، إيهام منه لصحة سقيم، أو لسقم صحيح، أو

стр. 29

لاتصال منقطع، أو لانقطاع متصل، أو لرفع موقوف، أو لوقف مرفوع، أو لثقة ضعيف، أو لضعف ثقة، أو لتيقن مشكوك، أو لتشكك في مستيقن، إلى غير ذلك من مضمنه، وباعتبار هذين القسمين من الأوهام والإيهامات سميناه: كتاب بيان الوهم والإيهام، الواقعين في كتاب الأحكام. والباب الذي هو لذكر الزيادة المفسرة، أو المكملة، هو باب يتسع ويكثر مضمنه، ولم نقصده بالجمع، فالذي ذكرنا فيه إنما هو المتيسر ذكره، ولعلنا نعثر منه على أكثر من ذلك بعد أن شاء الله. وقد كنت شرعت في باب أذكر فيه ما ترك ذكره من الأحاديث الصحاح، المفيدة أحكاماً لأفعال المكلفين - لست أعني ما ترك من حسن أو ضعيف، فإن هذا قد اعترف هو بالعجز عنه، وهو فوق ما ذكر، بل من قسم الصحيح. فرأيته أمرا يكثر ويتعذر الإحاطة به ورأيت منه أيضاً كثيرا لا أشك في أنه تركه قصداً، بعد العلم به والوقوف عليه، وعلمت ذلك إما بأن رأيته قد كتبه في كتابه الكبير، الذي يذكر فيه الأحاديث بأسانيدها، الذي منه اختصر هذا، وإما بأن يكون مذكورا في باب واحد من مصنف، أو في حديث صحابي واحد من مسند، مع ما ذكر هنا. فعلمت أنه ترك ذلك قصدا، خطأ أو صوابا، فأعرضت عن هذا المعنى، وهو أيضاً إذا تعرض له لا يصلح أن يكون في باب من كتاب، بل ديوانا قائماً بنفسه، يتجنب فيه ما ذكره هو فقط

стр. 30

وقد يظن ظان أن كتابنا هذا، مقصور الإفادة على من له بكتاب أبي محمد عبد الحق اعتناء، فذلك الذي يستفيد منه إصلاح خلل، أو تنبيها على مغفل. وهذا الظن ممن يظنه خطأ، بل لو كان كتابنا قائماً بنفسه، غير مشير إلى كتاب أبي محمد المذكور، كان - بما فيه من التنبيه على نكت حديثية، خلت عنها وعن أمثالها الكتب، وتعريف برجال يعز وجودهم، ويتعذر الوقوف على الموضع الذي استفدنا أحوالهم منها، وأحاديث أفدنا فوائد في متونها أو في أسانيدها، وعلل نبهنا عليها، وأصول أشرنا إليها _ أفيد كتاب، وأعظم ثمرة تجتنى. ومن له بهذا الشأن اعتناء، يعرف صحة ما قلناه، وقد كاد يكون مما لم نسبق إلى مثله في الصناعة الحديثية، وترتيب النظر فيها، المستفاد بطول البحث، وكثرة المباحثة، والمناظرة، والمفاوضة، وشدة الاعتناء، ووجود الكتب المتعذر وجودها على غيرنا، مما تيسر الإنعام به من الله سبحانه علينا، له الحمد والشكر فليس في كتاب أبي محمد: عبد الحق حديث إلا وقفت عليه في الموضع الذي نقله منه، بل وفي مواضع لم يرها هو قط، بل لعله ما سمع بها، إلا أحاديث يسيرة جداً، لم أقف عليها في مواضعها، ولم آل جهداً، ولا أدعي سلامة من الخطأ، لكني أتيت بالمستطاع، فإن أصبت فأرجو تضعيف الأجر، والله يعفو عن الزلل، ويتفضل بإجزال ثواب بذل المجهود، ولا حول ولا قوة إلا به، وهذا حين أبتدئ مستعيناً بالله سبحانه

стр. 31

القسم الأول بيان الوهم: وهو ما يرجع إلى نقل أبي محمد عبد الحق

стр. 32

(١) باب ذكر الزيادة في الأسانيد

стр. 33

(١) ذكر من طريق أبي داود، عن بشير بن خلاد، عن أمه، قالت: دخلت على محمد بن كعب، فسمعته يقول: حدثني أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ «توسطوا الإمام وسدوا الخلل» … الحديث. كذا وقع، وهو خطأ، ولعله تغير بعده، وهو هكذا يزداد به في الإسناد من ليس منه، وصوابه عن يحيى بن بشير بن خلاد، عن أمه. كذا هو في الموضع الذي نقله منه، وقد بقي أن نبين علة الخبر، وسنذكرها في موضعها إن شاء الله. (٢) وذكر من طريق أبي أحمد، من حديث عطاء بن أبي ميمونة - وكنيته أبو معاذ - قال: حدثنا أبي، وحفص المنقري، عن الحسن، عن سمرة، أن

стр. 34

رسول الله ﷺ : «كان يسلم تسليمة واحدة تلقاء وجهه». ثم قال: عطاء هذا ضعيف، معروف بالقدر، مع كلامه في سماع الحسن من سمرة، انتهى كلامه. وعليه فيه أدراك: منها أنه جعله من حديث عطاء بن أبي ميمونة، عن أبيه وحفص. وليس كذلك، وإنما هو من رواية روح بن عطاء، قال: حدثني ابي وحفص المنقري. فليس عطاء على هذا بعلة له، لأنه مقرون بحفص المنقري. وحفص هو ابن سليمان لا بأس به من قدماء أصحاب الحسن، وروى عنه حماد بن زيد، ومعمر، ونحوهما. فإعلال أبي محمد هذا الخبر بعطاء، خطأ، وهو بناء منه على خطأ في جعله إياه من رواية عطاء عن أبيه وحفص. وإنما هو من رواية روح عن أبيه وحفص. وعلته إنما هي ضعف روح بن عطاء، ووالد عطاء لا مدخل له في إسناده. وذكره أبو أحمد في باب روح، وفي باب عطاء، فنقله أبو محمد من باب عطاء، وهو فيه مختصر، وهو في باب روح بكامله. ومن هاهنا يتبين عليه في سوقه إياه درك ثان، نذكره هنا وإن لم يكن من

стр. 35

هذا الباب ليجتمع الكلام على الحديث. قال أبو أحمد في باب عطاء: أخبرنا الساجي، قال: حدثنا أبو كامل الجحدري، قال: حدثنا روح بن عطاء بن أبي ميمونة، قال: حدثنا أبي وحفص المنقري، عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله ﷺ «كان يسلم تسليمة تلقاء وجهه» هذا نصه، وعلى هذا صح لأبي محمد أن يدخله في جملة الأحاديث التي فيها الاقتصار على تسليمة واحدة، ولا سيما بما زاد في لفظه من قوله: «واحدة» وليس ذلك في كتاب أبي أحمد الذي منه نقله. وقال في باب روح: حدثنا حمزة بن محمد قال: وحدثنا نعيم بن حماد قال: حدثنا روح بن عطاء بن أبي ميمونة، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة قال: «كان رسول الله ﷺ يسلم في الصلاة تسليمة قبالة وجهه، فإذا سلم عن يمينه سلم عن يساره». ففي هذا - كما ترى - ثلاث تسليمات. وإلى هذا فإنه قد تناقض في عطاء بن أبي ميمونة، فسكت عما هو من روايته مصححاً له، ولم يبين أنه من روايته. (٣) وذلك حديث أنس «ما رأيت رسول الله ﷺ رفع إليه شيء فيه

стр. 36

قصاص إلا أمر فيه بالعفو». فهذا درك ثالث فاعلم ذلك. (٤) وذكر من طريق أبي داود، عن عبد الله بن كنانة، قال: أرسلني الوليد ابن عتبة - وكان أمير المدينة - إلى ابن عباس أسأله عن صلاة رسول الله ﷺ في الاستسقاء، فقال: «خرج رسول الله ﷺ متبذلا متواضعاً، متضرعا» الحديث. كذا أورده، وهو خطأ فاحش، يزداد به في الإسناد من ليس منه، بل في الرواة من ليس منهم، وهذا يدل على تسامحه في إيراد أحاديث لا يعرف بعض رجالها، ويسكت عنها مصححا لها. وسأريك من هذا كثيرا في بابه إن شاء الله. وبيان الخطأ في هذا، هو أن عبد الله بن كنانة، ليس من رواة الأخبار ولا ممن تعرف له حال

стр. 37

وهذا الحديث ليس من روايته، وإنما ساقه أبو داود هكذا: حدثنا النفيلي، وعثمان بن أبي شيبة، قالا: حدثنا حاتم بن إسماعيل قال: حدثنا هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، قال: حدثنا أبي قال: أرسلني الوليد ابن عتبة إلى ابن عباس، فذكر الحديث. فعبد الله جد هشام - وهو عبد الله بن الحارث بن كنانة - لا مدخل له في هذا الإسناد، إنما صاحب القصة المرسل فيها إلى ابن عباس، ابنه إسحاق بن عبد الله بن كنانة، وهو مدني ثقة. وابنه هشام بن إسحاق، هو أخو عبد الرحمن بن إسحاق، يروي عنه الثوري، وحاتم بن إسماعيل، وهو من الشيوخ. والقصة معروفة هكذا عند غير أبي داود أيضاً، من رواية غير حاتم بن إسماعيل. (٥) قال الدارقطني: حدثنا الحسين بن الحسن بن عبد الرحمن القاضي. الأنطاكي قال: حدثنا أبو الحارث الليث بن عبدة، قال: حدثنا

стр. 38

عبد الله بن يوسف، قال: حدثنا إسماعيل بن ربيعة بن هشام بن إسحاق، من بني عامر بن لؤي أنه سمع جده هشام بن إسحاق، يحدث عن أبيه إسحاق ابن عبد الله، أن الوليد بن عتبة أمير المدينة أرسله إلى ابن عباس، الحديث. (٦) رواه أيضاً يحيى بن عثمان بن صالح، عن عبد الله بن يوسف كذلك ورواه أيضاً سفيان الثوري عن هشام بن إسحاق بن عبد الله بن كنانة، عن أبيه قال: أرسلني أمير من الأمراء إلى ابن عباس، أسأله عن الاستسقاء، الحديث. ويكفي في هذا أن الموضع الذي نقله منه، هو فيه على ما ذكرت لك من الصواب، لا على ما ذكر من الخطأ. وقد أتبع هذا خطأ آخر، اعتقد به في قصة أخرى أنها هذه، سأذكرها في جملة الأحاديث التي عطفها على أخر، أو أردفها إياها وليست عن راوي المعطوف عليه - إن شاء الله تعالى -

стр. 39

(٧) وذكر من طريق الدارقطني عن أم كبشة أنها قالت: يا رسول الله، إني آليت أن أطوف بالبيت حبواً، فقال رسول الله ﷺ «طوفي على رجليك سبعين» الحديث. وهو خطأ في موضعين: أحدهما: قوله: عن أم كبشة - هكذا بالكنية - وإنما صوابه: أمه كبشة، فإنها كبشة بنت معدي كرب عمة الأشعث بن قيس، أم معاوية بن حديج. والآخر: أنه جعل الحديث عنها، وجعلها راوية للخبر، وليس الأمر كذلك فيه عند من نقله من عنده، وهو الدارقطني، وإنما أورده عن معاوية بن حديج، أنه قدم على رسول الله ﷺ ، ومعه أمه كبشة بنت معدي كرب، عمة الأشعث بن قيس، فقالت أمه: يا رسول الله ﷺ إني أليت. الحديث. هكذا هو، ليس فيه «عنها» فجعل الحديث عنها، زيادة راو في الإسناد، والحديث إنما هو من رواية ابنها عن النبي ﷺ ، والحديث في غاية الضعف بالضعفاء والمجاهيل، فاعلم ذلك. (٨) وذكر من طريق مسلم، عن سبيعة الأسلمية، أنها نفست بعد

стр. 40

وفاة زوجها بثلاث ليال، وأنها ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ «فأمرها أن تتزوج» هكذا ذكر هذا الحديث مختصراً من رواية سبيعة، عن النبي ﷺ وذلك أيضاً خطأ كالذي قبله، فإن سبيعة لم تروه، ولا أخذ ذلك عنها، وإنما هي صاحبة القصة. (٩) كأبي جهم في قصة الأنبجانية. (١٠) وذي اليدين في قصة السهو. فلو روى راو حديث السهو عن ذي اليدين، أو حديث الأنبجانية عن أبي جهم، كان مخطئا، فكذلك هذا، وإنما راويته أم سلمة ﵂. قال مسلم: حدثنا محمد بن المثنى العنزي، حدثنا عبد الوهاب، سمعت يحيى بن سعيد، أخبرني سليمان بن يسار أن أبا سلمة بن عبد الرحمن وابن عباس اجتمعا عند أبي هريرة، وهما يذكران المرأة تنفس بعد وفاة زوجها بليال، فقال ابن عباس: عدتها آخر الأجلين، وقال أبو سلمة: قد حلت
следующие страницы →