← Акыда

Акыда · id 5937

إيثار الحق على الخلق في رد الخلافات

ابن الوزير

Полный текст (410 стр.). Показаны 386–410 · переход к 391.

стр. 386

بِمَعْنَاهُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد الحَدِيث الثَّالِث عَن ابْن عمر عَن رَسُول الله ﷺ وَآله كفوا عَن أهل لَا إِلَه إِلَّا الله لَا تكفروهم بذنب من كفر أهل لَا إِلَه إِلَّا الله فَهُوَ إِلَى الْكفْر أقرب رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير من حَدِيث الضَّحَّاك ابْن حَمْزَة عَن عَليّ بن زيد وَحَمْزَة بِالْحَاء وَالرَّاء الْمُهْمَلَتَيْنِ بَينهمَا مِيم قَالَ الهيثمي مُخْتَلف فِي الِاحْتِجَاج بهما قلت لَكِن حَدِيثهمَا يصلح فِي الشواهد ويقوى بِمَا تقدم وَفِي الْبَاب عَن عَليّ بن أبي طَالب ﵇ وَأبي الدَّرْدَاء وَأبي أُمَامَة وَوَائِلَة وَجَابِر بن عبد الله وَأبي سعيد الْخُدْرِيّ وَعَائِشَة ﵂ وعنهم سبعتهم عَن النَّبِي ﷺ وَآله بِمثل ذَلِك لَكِن فِي أسانيدها مجاريح لَكِن بمجموعها مَعَ مَا تقدم قُوَّة وَلِحَدِيث عَليّ ﵇ شَوَاهِد عَنهُ وَهُوَ مَا تقدم من عدم تكفيره الْخَوَارِج من طرق وَمن رده لأموالهم من طرق ويعضد ذَلِك عمل الصَّحَابَة فَعَن جَابر أَنه قيل لَهُ هَل كُنْتُم تدعون أحدا من أهل الْقبْلَة مُشْركًا قَالَ معَاذ الله فَفَزعَ لذَلِك قَالَ هَل كُنْتُم تدعون أحدا مِنْهُم كَافِرًا قَالَ لَا رَوَاهُ أَبُو يعلي وَالطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَرِجَاله رجال الصَّحِيح والْحَدِيث إِذا اشْتهر الْعَمَل بِهِ فِي الصحابه دلّ على قوته وَهَذِه الشواهد السَّبْعَة والْحَدِيث الَّذِي قبلهَا كلهَا فِي مجمع الزَّوَائِد فِي أَوَائِله الْوَجْه الثَّالِث أَنَّهَا قد تكاثرت الْآيَات وَالْأَحَادِيث فِي الْعَفو عَن الْخَطَأ وَالظَّاهِر أَن أهل التَّأْوِيل أخطأوا وَلَا سَبِيل إِلَى الْعلم بتعمدهم لِأَنَّهُ من علم الْبَاطِن الَّذِي لَا يُعلمهُ إِلَّا الله تَعَالَى قَالَ الله تَعَالَى فِي خطاب أهل الاسلام خَاصَّة ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿رَبنَا لَا تُؤَاخِذنَا إِن نَسِينَا أَو أَخْطَأنَا﴾ وَصَحَّ فِي تَفْسِيرهَا أَن الله تَعَالَى قَالَ قد فعلت فِي حديثين صَحِيحَيْنِ أَحدهمَا عَن ابْن عَبَّاس وَالْآخر عَن أبي هُرَيْرَة وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلم يصروا على مَا فعلوا وهم يعلمُونَ﴾ فقيد ذمهم بعلمهم وَقَالَ فِي

стр. 387

قتل الْمُؤمن مَعَ التغليط الْعَظِيم فِيهِ ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّم﴾ فقيد الْوَعيد فِيهِ بالتعمد وَقَالَ فِي الصَّيْد ﴿وَمن قَتله مِنْكُم مُتَعَمدا﴾ وَجَاءَت الاحاديث الْكَثِيرَة بِهَذَا الْمَعْنى كَحَدِيث سعد وَأبي ذَر وَأبي بكرَة مُتَّفق على صِحَّتهَا فِيمَن ادّعى أَبَا غير أَبِيه وَهُوَ يعلم أَنه غير أَبِيه فَشرط الْعلم فِي الْوَعيد وَمن أوضحها حجَّة حَدِيث الَّذِي أوصى لإسرافه أَن يحرق ثمَّ يذري فِي يَوْم شَدِيد الرِّيَاح نصفه فِي الْبر وَنصفه فِي الْبَحْر حتي لَا يقدر الله عَلَيْهِ ثمَّ يعذبه ثمَّ أَدْرَكته الرَّحْمَة لخوفه وَهُوَ حَدِيث مُتَّفق على صِحَّته عَن جمَاعَة من الصَّحَابَة مِنْهُم حُذَيْفَة وَأَبُو سعيد وَأَبُو هُرَيْرَة بل رُوَاته مِنْهُم قد بلغُوا عدد التَّوَاتُر كَمَا فِي جَامع الاصول وَمجمع الزَّوَائِد وَفِي حَدِيث حُذَيْفَة أَنه كَانَ نباشا وَإِنَّمَا أَدْرَكته الرَّحْمَة لجهله وإيمانه بِاللَّه والمعاد لذَلِك خَافَ الْعقَاب وَأما جَهله بقدرة الله تَعَالَى على مَا ظَنّه محالا فَلَا يكون كفرا إِلَّا لَو علم أَن الْأَنْبِيَاء جاؤا بذلك وَأَنه مُمكن مَقْدُور ثمَّ كذبهمْ أَو أحدا مِنْهُم لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا كُنَّا معذبين حَتَّى نبعث رَسُولا﴾ وَهَذَا أَرْجَى حَدِيث لأهل الْخَطَأ فِي التَّأْوِيل ويعضد مَا تقدم بِأَحَادِيث أَنا عِنْد ظن عَبدِي بِي فليظن بِي مَا شَاءَ وَهِي ثَلَاثَة أَحَادِيث صِحَاح وَلِهَذَا قَالَ جمَاعَة جلة من عُلَمَاء الاسلام أَنه لَا يكفر الْمُسلم بِمَا ينْدر مِنْهُ من أَلْفَاظ الْكفْر إِلَّا ان يعلم المتلفظ بهَا أَنَّهَا كفر قَالَ صَاحب الْمُحِيط وَهُوَ قَول أبي عَليّ الجبائي وَمُحَمّد وَالشَّافِعِيّ قَالَ الشَّيْخ مجتبى وَبِه يُفْتى وَلَعَلَّ هَذَا الحَدِيث الصَّحِيح بل الْمُتَوَاتر حجتهم على ذَلِك وَهَذَا خلاف مُتَّجه بِخِلَاف قَول البهاشمة لَا يكفر وَإِن علم أَنه كفر حَتَّى يَعْتَقِدهُ وَمِمَّا يُقَوي الْعَفو عَن أهل الْخَطَأ أَنه قد يكون فِي الْأَدِلَّة ومقدماتها وَلذَلِك كَانَ الْمَشْهُور فِي الْقَتْلَى فِي فتن الصَّحَابَة سُقُوط الْقصاص كَمَا هُوَ الْمَشْهُور فِي سيرة على ﵇ كَمَا تقدم وَرُوِيَ الشَّافِعِي عَن الزُّهْرِيّ أَنه قَالَ أدْركْت الْفِتْنَة الأولى فِي أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَآله وَكَانَت فِيهَا دِمَاء وأموال فَلم يقْتَصّ فِيهَا من دم وَلَا مَال وَلَا قدح أُصِيب بِوَجْه التَّأْوِيل إِلَّا أَن يُوجد مَال رجل بِعَيْنِه فَيدْفَع إِلَى صَاحبه

стр. 388

قَالَ ابْن كثير فِي ارشاده وَهُوَ ثَابت عَن الزُّهْرِيّ وَهُوَ عَام فِي أهل الْعدْل وَالْبَغي وَإِن وَاحِدًا من الْفَرِيقَيْنِ لَا يضمن للْآخر شَيْئا وَهُوَ الَّذِي صَححهُ الشَّيْخ أَبُو إِسْحَاق من قولي الشَّافِعِي فَدلَّ على دُخُول الْخَطَأ فِي أَفعَال الْقُلُوب كأفعال الْخَوَارِج كَمَا هُوَ وَاضح فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُم جنَاح فِيمَا أخطأتم بِهِ وَلَكِن مَا تَعَمّدت قُلُوبكُمْ﴾ وَكَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة النَّحْل ﴿إِنَّمَا يفتري الْكَذِب الَّذين لَا يُؤمنُونَ بآيَات الله وَأُولَئِكَ هم الْكَاذِبُونَ من كفر بِاللَّه من بعد إيمَانه إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا فَعَلَيْهِم غضب من الله وَلَهُم عَذَاب عَظِيم﴾ فَقَوله فِي هَذِه الْآيَة الْكَرِيمَة ﴿وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا﴾ يُؤَيّد أَن المتأولين غير كفار لِأَن صُدُورهمْ لم تَنْشَرِح بالْكفْر قطعا أَو ظنا أَو تجويزا أَو احْتِمَالا وَقد يشْهد لَهُم بذلك كَلَام أَمِير الْمُؤمنِينَ ﵇ وَهُوَ الصَّادِق المصدوق فِي الْمَشْهُور عَنهُ حَيْثُ سُئِلَ عَن كفر الْخَوَارِج فَقَالَ من الْكفْر فروا فَكَذَلِك جَمِيع أهل التَّأْوِيل من أهل الْملَّة وَإِن وَقَعُوا فِي أفحش الْبدع وَالْجهل فقد علم مِنْهُم أَن حَالهم فِي ذَلِك هِيَ حَال الْخَوَارِج وَقد بَالغ الشَّيْخ أَبُو هَاشم وَأَصْحَابه وَغَيرهم فَقَالُوا هَذِه الْآيَة تدل على أَن من لم يعْتَقد الْكفْر ونطق بِصَرِيح الْكفْر وبسب الرُّسُل أَجْمَعِينَ وبالبراءة مِنْهُم وبتكذيبهم من غير إِكْرَاه وَهُوَ يعلم أَن ذَلِك كفر لَا يكفر وَهُوَ ظَاهر اخْتِيَار الزَّمَخْشَرِيّ فِي كشافه فانه فسر شرح الصَّدْر بِطيب النَّفس بالْكفْر وباعتقاده مَعًا وَاخْتَارَهُ الامام يحيي ﵇ والامير الْحُسَيْن بن مُحَمَّد وَهَذَا كُله مَمْنُوع لأمرين أَحدهمَا مُعَارضَة قَوْلهم بقوله تَعَالَى ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ فقضي بِكفْر من قَالَ ذَلِك بِغَيْر شَرط فَخرج الْمُكْره بِالنَّصِّ والاجماع وَبَقِي غَيره فَلَو قَالَ مُكَلّف مُخْتَار غير مكره بمقالة النصاري الَّتِي نَص الْقُرْآن على أَنَّهَا كفر وَلم يعْتَقد صِحَة

стр. 389

مَا قَالَ لم يكفره مَعَ أَنه لعلمه يقبح قَوْله يجب أَن يكون أعظم إِنَّمَا من بعض الْوُجُوه لقَوْله تَعَالَى ﴿وهم يعلمُونَ﴾ فعكسوا وَجعلُوا الْجَاهِل بِذَنبِهِ كَافِرًا والعالم الجاحد بِلِسَانِهِ مَعَ علمه مُسلما الامر الثَّانِي أَن حجتهم دَائِرَة بَين دلالتين ظنيتين قد اخْتلف فيهمَا فِي الْفُرُوع الظنية احداهما قِيَاس الْعَامِد على الْمُكْره وَالْقطع على أَن الاكراه وصف ملغى مثل كَون الْقَائِل بِالثَّلَاثَةِ نَصْرَانِيّا وَهَذَا نَازل جدا وَمثله لَا يقبل فِي الْفُرُوع الظنية وثانيتهما عُمُوم الْمَفْهُوم وَلَكِن من شرح بالْكفْر صَدرا فانه لَا حجَّة لَهُم فِي منطوقها قطعا وفَاقا وَفِي الْمَفْهُوم خلاف مَشْهُور هَل هُوَ حجَّة ظنية مَعَ الِاتِّفَاق على أَنه هُنَا لَيْسَ بِحجَّة قَطْعِيَّة ثمَّ فِي إِثْبَات عُمُوم لَهُ خلاف وحجتهم هُنَا من عُمُومه أَيْضا وَهُوَ أَضْعَف مِنْهُ بَيَانه أَن مَفْهُوم الْآيَة وَمن لم يشْرَح بالْكفْر صَدرا فَهُوَ بِخِلَاف ذَلِك سَوَاء قَالَ كلمة الْكفْر بِغَيْر إِكْرَاه أَو قَالَهَا مَعَ إِكْرَاه فَاحْتمل أَن لَا يدْخل الْمُخْتَار بل رجح أَن لَا يدْخل لِأَن سَبَب النُّزُول فِي الْمُكْره والعموم الْمَنْطُوق يضعف شُمُوله بذلك وَيخْتَلف فِيهِ فضعف ذَلِك فِي الظنيات من ثَلَاث جِهَات من كَونه مفهوما وَكَونه عُمُوم مَفْهُوم وَكَونه على سَبَب مضاد لمقصودهم قَالَ قَتَادَة نزلت فى عمار بن يَاسر ذكره الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمته من النبلاء وَرَوَاهُ الواحدي عَن ابْن عَبَّاس فَكيف يقدم مَعَ ذَلِك كُله على مَنْطُوق ﴿لقد كفر الَّذين قَالُوا إِن الله ثَالِث ثَلَاثَة﴾ وَإِذ قد فعلوا ذَلِك هُنَالك لما فِيهِ من أدني احْتِمَال لعدم شرح الصَّدْر من الْعَامِد الْمُخْتَار فِي كَلِمَات الْكفْر كلهَا من غير اكراه وَلَا جهل لَا خطأ وَلَا عذر أصلا فَكيف بِأَهْل التَّأْوِيل الَّذين علم مِنْهُم السَّعْي فِي تَعْمِيم شَعَائِر الاسلام والأنبياء ومحبتهم ومحبة مناصرتهم والمرء مَعَ من أحب وَتحمل المشاق الْعَظِيمَة لله تَعَالَى والاحتجاج الطَّوِيل على مخالفي الاسلام حَتَّى قَالَ الرَّازِيّ فِي وَصيته اللَّهُمَّ إِن كنت تعلم إِنِّي آثرت هواي على الْحق فِيمَا صَنعته فَلَا كَذَا وَكَذَا ودعا بِعَدَمِ الْمَغْفِرَة أَو كَمَا قَالَ وَلما ذكر الذَّهَبِيّ فِي النبلاء تجويد الجاحظ فِي كتاب النبوات ترحم عَلَيْهِ وَقَالَ فَكَذَلِك فَلْيَكُن الْمُسلم مَعَ أَنه من خصومه وَهَذَا شَيْء يُعلمهُ الْعَاقِل

стр. 390

من قَرَائِن أَحْوَال المتأولين وَأَقل الاحوال أَن يكون هَذَا مُحْتملا مُجَرّد احْتِمَال مَعَ سَعَة رَحْمَة الله سُبْحَانَهُ وعظيم عَفوه وغفرانه وَمَعَ مَا ورد فِي أَحَادِيث الشَّفَاعَة المتواترة كَمَا مضى بَيَانه فِي مَوْضِعه وَلذَلِك سَاوَى رَسُول الله ﷺ بَين الْخَطَأ وَالنِّسْيَان والاكراه فِي أَحَادِيث كَثِيرَة جدا مجتمعة على اأن الله تَعَالَى تجَاوز لأمته عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ وَقد تقصيت طرقها وشواهدها من الْقُرْآن فِي ديباجة كتاب العواصم وَقد أَجمعت الْأمة على الْعَمَل بِمُقْتَضى النُّصُوص فِي الاكراه وَالنِّسْيَان فَكَذَلِك أخوهما وثالثهما وَهُوَ الْخَطَأ أَن شَاءَ الله تَعَالَى بل هُوَ أَكثر مِنْهُمَا ذكرا وشواهد فِي الْكتاب وَالسّنة والبلوى بِهِ أَشد والرخصة إِنَّمَا تكون على قدر شدَّة الْبلوى واما كفار التَّصْرِيح فَلَا نسلم أَن كفرهم خطأ لوَجْهَيْنِ أَحدهمَا أَن مرادنا بالْخَطَأ هُوَ خطأ مَخْصُوص وَهُوَ الْخَطَأ فِي تحري مُرَاد الله تَعَالَى وَرَسُوله فِيمَا ظَاهره التَّعَارُض والتشابه وكفار التَّصْرِيح تعمدوا تَكْذِيب الله تَعَالَى الله عَن ذَلِك وَتَكْذيب رسله وَلم يقعوا فِي ذَلِك خطأ من غير اعْتِمَاد وَثَانِيها أَن الله تَعَالَى قد أخبر رسله الْكِرَام بعنادهم واستحقاقهم الْعَدَاوَة وَالْعَذَاب الْعَظِيم وَلَو فِي أول مرّة كَمَا قَالَ فِي ذَلِك ﴿كَمَا لم يُؤمنُوا بِهِ أول مرّة﴾ وَقد تقدم ذكر ذَلِك وَكَلَام ابْن أبي الْحَدِيد فِيهِ فِي شرح قَول عَليّ ﵇ الَّذِي شهِدت لَهُ أَعْلَام الْوُجُود على اقرار قلب ذِي الْجُحُود وَهَذَا تَصْرِيح بعناد كفار التَّصْرِيح حِين انكروا فطْرَة الله الَّتِي فطر النَّاس عَلَيْهَا وَاجْتمعت عَلَيْهَا جَمِيع كتبه وَرُسُله وأتباعهم وَلم يَخْتَلِفُوا فِيهَا وليحذر من أَمن الْخَطَأ وَقطع على عدم مُسَامَحَة أَهله فِي العقائد من الْمُؤَاخَذَة لَهُ فِيمَا أَخطَأ فِيهِ وَعدم الْمُسَامحَة لَهُ كَمَا ذكرته فِي تحذير من قَالَ بتكليف مَا لَا يُطَاق أَن يحملهُ الله تَعَالَى من الْعُقُوبَات على قَوْلهَا مَا لَا يطيقه فان جَزَاء الله تَعَالَى لِعِبَادِهِ من جنس أفعالهم وأقوالهم جَزَاء وفَاقا وكما تدين تدان وَقد مر مَا ورد فِي ذَلِك أَو بعضه فِي التحذير من تَجْوِيز التَّكْلِيف بِمَا لَا يُطَاق على أعدل العادلين وَأكْرم الأكرمين وأرحم الرَّاحِمِينَ

стр. 391

الْوَجْه الرَّابِع أَن مُؤَاخذَة المخطيء لَا تَخْلُو إِمَّا أَن تكون من تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق أَو من أعظم المشاق فان كَانَت من الأول فَهُوَ لَا يجوز على الله تَعَالَى كَمَا تقدم القَوْل فِيهِ مَبْسُوطا بسطا شافيا وَإِن لم تكن مِنْهُ كَانَت من أعظم المشاق وَقد نفي الله تَعَالَى وجود ذَلِك فِي دينه أما أَنه قد نفى ذَلِك فِي دينه فالمنصوص فِيهِ كَثِيرَة قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَمَا جعل عَلَيْكُم فِي الدّين من حرج﴾ وَقَالَ ﴿يُرِيد الله بكم الْيُسْر وَلَا يُرِيد بكم الْعسر﴾ وتواتر هَذَا الْمَعْنى فِي السّنة وَقد جمعته فِي مؤلف مُفْرد ذكرت فِيهِ أَكثر من ثَلَاثِينَ آيَة من كتاب الله تَعَالَى وأزيد من مائَة وَثَمَانِينَ حَدِيثا فَلَا نطول بِذكرِهِ لوضوحه وَأما أَن ذَلِك من أعظم الْحَرج والمشاق فالأمرين الْأَمر الأول أَن الْعَاقِل الْمُعظم لأمر الله تَعَالَى الْمُؤثر لمرضاته لَو خير بَين أَمريْن أَن يُكَلف الصَّبْر على الْقَتْل عِنْد الاكراه على كلمة الْكفْر أَو الِاحْتِرَاز من الْخَطَأ بعد تَقْرِير أَن الْخَطَأ كفر لَا يغْفر وَيُوجب الخلود فِي النَّار لاختار الصَّبْر على الْقَتْل لِأَنَّهُ يُفْضِي بِهِ إِلَى الْجنَّة وَإِنَّمَا هُوَ صَبر سَاعَة وَهُوَ لَا يَأْمَن أَن يَقع فِي الْخَطَأ الَّذِي يكفر بِهِ وَلَا يغْفر لَهُ مَعَ عدم الْعِصْمَة وَعدم الْمُسَامحَة لِأَن الْخَطَأ قد جربت كَثْرَة وُقُوعه من الأذكياء والافراد فِي المعارف الَّذين ضربت الْأَمْثَال بهم فِي الْعقل والذكاء والفهم وَالْعلم وَذَلِكَ عِنْد تعار ض الأنظار والآيات والْآثَار والمتشابهات والمحتملات وَتَخْصِيص أَكثر العمومات حَتَّى وَقع بعض الْأَنْبِيَاء فِي شَيْء من ذَلِك مَعَ الْعِصْمَة والتأييد الرباني هَذَا نوح ﵇ ظن أَن ابْنه دَاخل فِي عُمُوم أَهله الَّذين وعده الله تَعَالَى بنجاتهم وَلم يعلم تَخْصِيص هَذَا الْعُمُوم وَلَو علمه مَا سَأَلَ وَقد قيل فِي الْوَجْه فِي ذَلِك أَن ابْنه كَانَ منافقا وَهَذَا مُوسَى ﵇ راعه مَا وَقع من الْخضر ﵇ من المتشابهات حَتَّى عيل صبره وأخلف وعده الْأَمر الثَّانِي أَنه لم يتَحَقَّق وُرُود الشَّرْع بعقوبة المخطيء بعد الرَّغْبَة فِي معرفَة الصَّوَاب وَحسن النِّيَّة فِي تعرفه وَإِن لم يبلغ جَمِيع مَا يُمكن الْبشر فِي علم الله تَعَالَى أما مَعَ بُلُوغه ذَلِك فَلَا شكّ فِي الْعَفو عَنهُ وَأما المشاق

стр. 392

الْعَظِيمَة فقد يرد الشَّرْع بهَا نَادرا فِي هَذِه الشَّرِيعَة تَخْصِيصًا لعُمُوم الْمُسَامحَة فِيمَا شقّ حَيْثُ تَقْتَضِي ذَلِك الْحِكْمَة كَمَا فِي وجوب الصَّبْر للْقصَاص فِي الْقَتْل وَقطع الاعضاء وَالرَّجم فِي عُقُوبَة الزَّانِي وَكَانَ هَذَا أَكثر فِي شرائع من قبلنَا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَيَضَع عَنْهُم إصرهم والأغلال الَّتِي كَانَت عَلَيْهِم﴾ وَمِنْه وجوب الْقَتْل فِي تَوْبَة بني إِسْرَائِيل وَنَحْو ذَلِك فَثَبت أَن المشاق الْعَظِيمَة قد تحقق وُرُودهَا فِي الشَّرَائِع نَادرا حَيْثُ يَقْتَضِي ذَلِك الْمصلحَة وَإِن عِقَاب المخطيء بِعَذَاب النَّار لم يتَحَقَّق وُرُوده فِي شَرِيعَة من الشَّرَائِع فَثَبت أَنه أَحَق المشاق بِأَن يسمحه اكرام الاكرمين وَخير الغافرين وَلَا برهَان قَاطع على أَن المكفرين من أهل التَّأْوِيل لَا يسمون مخطئين وَلَا على خُرُوجهمْ من الْأَدِلَّة الدَّالَّة على الْعَفو عَن المخطئين االوجه الْخَامِس أَن أخوة يُوسُف لما قَالُوا ﴿إِن أَبَانَا لفي ضلال مُبين﴾ وَقَالُوا ﴿تالله إِنَّك لفي ضلالك الْقَدِيم﴾ لم يكفروا بذلك لما كَانُوا باقين على شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن يَعْقُوب رَسُول الله معتقدين مَعَ ذَلِك صِحَة نبوته وَدينه وَإِنَّمَا جوزوا عَلَيْهِ مَعَ ذَلِك الضلال فِي حب يُوسُف لِأَنَّهُ عِنْدهم من الضلال فِي الرَّأْي ومصالح الدُّنْيَا وَقد قاربوا الاستهانة وَعدم التوقير لَوْلَا جلالة بقائهم على الشَّهَادَتَيْنِ وَإِيمَانهمْ بِاللَّه تَعَالَى وَرُسُله فَثَبت أَن للبقاء على ذَلِك أثرا عَظِيما فان الامارات لَا تقاومه وَإِن الشَّرْع ورد بتعظيم ذَلِك وَطرح الْمعَارض لَهُ وَلذَلِك عظم رَسُول الله ﷺ وَآله على أُسَامَة بن زيد قتل الْكَافِر الَّذِي ضربه فَلَمَّا قدر عَلَيْهِ أسلم وَعظم على أَصْحَابه الْكَلَام فِي بعض من كَانُوا يعدونه من الْمُنَافِقين وَقَالَ أَلَيْسَ يشْهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَإِنِّي رَسُول الله وَيُصلي قَالُوا بلَى وَلَا شَهَادَة لَهُ وَلَا صَلَاة قَالَ إِنِّي لم أومر أَن أفتش على قُلُوب النَّاس وأمثال ذَلِك كَثِيرَة صَحِيحَة الْوَجْه السَّادِس أَن الْخَارِجِي الَّذِي قَالَ لرَسُول الله ﷺ وَآله اعْدِلْ يَا مُحَمَّد وَالله إِن هَذِه قسْمَة مَا أُرِيد بهَا وَجه الله تكلم بِكَلَام من أقبح الْكَلَام وَظن ظنا من أَسْوَأ الظنون وَلم يحكم النبى ﷺ بِكُفْرِهِ مَعَ ذَلِك مَعَ أَنه لَو

стр. 393

كفر لوَجَبَ قَتله بِالرّدَّةِ إِلَّا أَن يَتُوب وَلم تنقل لَهُ تَوْبَة بل جَاءَ فِي الحَدِيث مَا مَعْنَاهُ أَنَّهَا تخرج من ضئضئة الْخَوَارِج وَإِنَّمَا لم يكفر وَالله أعلم لِأَنَّهُ بَقِي على شَهَادَة أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ﷺ وَآله وَإِنَّمَا جوز عَلَيْهِ أَن يُذنب كذنوب الانبياء كَمَا قَالَ تَعَالَى ﴿وَعصى آدم ربه فغوى﴾ وَهَذَا يدل على تَعْظِيم حُرْمَة الشَّهَادَتَيْنِ مَعَ عظم الْخَطَأ وَكَذَلِكَ لم يكفر حَاطِب ابْن أبي بلتعة مَعَ خيانته لرَسُول الله ﷺ وَآله وَمَا نزل فِيهِ أول سُورَة الممتحنة وَقَوله تَعَالَى فِيهِ ﴿تلقونَ إِلَيْهِم بالمودة﴾ و ﴿تسرون إِلَيْهِم بالمودة﴾ وَقد قَالَ تَعَالَى ﴿وَمن يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُم فَإِنَّهُ مِنْهُم﴾ وَمَعَ ذَلِك وَصفه بالايمان فِي أول السُّورَة حَيْثُ قَالَ ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا﴾ وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه دَاخل فِيمَن خُوطِبَ بذلك لِأَن الْعُمُوم نَص فِي سَببه بالاجماع وَلذَلِك أدخلهُ الله مَعَ الْمُؤمنِينَ وخاطبه بأجمل الْخطاب حَيْثُ قَالَ ﴿لَا تَتَّخِذُوا عدوي وَعَدُوكُمْ أَوْلِيَاء﴾ وَكَذَلِكَ ثَبت أَن رَسُول الله ﷺ وَآله قبل عذره وَذَلِكَ كُله يدل على مَا قَالَه الامام الْمهْدي مُحَمَّد بن المطهر ﵇ أَن الْمُوَالَاة الْمُحرمَة بالاجماع هِيَ أَن تحب الْكَافِر لكفره والعاصي لمعصيته لَا لسَبَب آخر من جلب نفع أَو دفع ضَرَر أَو خصْلَة خير فِيهِ وَالله أعلم الْوَجْه السَّابِع أَن الله تَعَالَى نَص على تَحْرِيم التَّفَرُّق فِي كِتَابه الْكَرِيم وَجَاء ذَلِك بعبارات كَثِيرَة فِي الْكتاب وَالسّنة وَلَا أفحش فِي التَّفَرُّق من التَّوَصُّل إل التَّكْفِير بأدلة مُحْتَملَة تمكن معارضتها بِمِثْلِهَا وَيُمكن التَّوَصُّل بهَا إِلَى عدم التَّكْفِير وَإِلَى جمع الْكَلِمَة وَإِنَّمَا قُلْنَا أَنه لَا أفحش من ذَلِك فِي التَّفَرُّق الْمنْهِي عَنهُ لما فِيهِ من أعظم التعادي والتنافر والتباين وَقد قَالَ رَسُول الله ﷺ وَآله فِي حق الْمَحْدُود فِي الْخمر مرَارًا حَيْثُ لعنوه بِسَبَب ذَلِك لَا تعينُوا الشَّيْطَان على أخيكم أما أَنه يحب الله وَرَسُوله وَلَا شكّ أَن فِي التَّفَرُّق ضعف الاسلام وتقليل أَهله وتوهين أمره قَالَ الله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا اتَّقوا الله حق تُقَاته وَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ واعتصموا بِحَبل الله جَمِيعًا وَلَا تفَرقُوا واذْكُرُوا نعْمَة الله عَلَيْكُم إِذْ كُنْتُم أَعدَاء فألف بَين قُلُوبكُمْ فأصبحتم بنعمته إخْوَانًا﴾ وَقَالَ بعْدهَا بِآيَة

стр. 394

وَاحِدَة ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِين تفَرقُوا وَاخْتلفُوا من بعد مَا جَاءَهُم الْبَينَات﴾ وَقد تقدم فِي حَدِيث ابْن مَسْعُود أَن الِاخْتِلَاف المنهى عَنهُ هُوَ التعادي لَا الِاخْتِلَاف فِي مُجَرّد الافعال والاقوال مَعَ عدم التعادي وَأَن بعض ذَلِك قد وَقع بَين الْمَلأ الاعلى وَبَين رسل الله الْكِرَام عَلَيْهِم أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام يُوضحهُ قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تنازعوا فتفشلوا وَتذهب ريحكم﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿شرع لكم من الدّين مَا وصّى بِهِ نوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيْك وَمَا وصينا بِهِ إِبْرَاهِيم ومُوسَى وَعِيسَى أَن أقِيمُوا الدّين وَلَا تتفرقوا فِيهِ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تَكُونُوا من الْمُشْركين من الَّذين فرقوا دينهم وَكَانُوا شيعًا كل حزب بِمَا لديهم فَرِحُونَ﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَمَا اخْتلف الَّذين أُوتُوا الْكتاب إِلَّا من بعد مَا جَاءَهُم الْعلم بغيا بَينهم﴾ وَفِي الحَدِيث أَن صَلَاح ذَات الْبَين أفضل من عَامَّة الصَّلَاة وَالصَّوْم وَفِيه أَن فَسَاد ذَات الْبَين هِيَ الحالقة اما اني لَا أَقُول تحلق الشّعْر وَلَكِن تحلق الدّين وَقد تقدم فِي هَذَا الْبَاب مَا جَاءَ فِي المشاحنة والمهاجرة من الْوَعيد الشَّديد وَالْأَحَادِيث المتواترة مِنْهَا حَدِيث هِشَام بن عمار عَن رَسُول الله ﷺ وَآله لَا يحل لمُسلم أَن يهجر مُسلما فَوق ثَلَاث فانهما ناكبان عَن الْحق مَا داما على صرامهما وأولهما فيأ يكون سبقة بالفيء كَفَّارَة لَهُ وَإِن سلم وَلم يقبل ردَّتْ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَة وَإِن مَاتَا على صرامهما لم يدخلا الْجنَّة جَمِيعًا أبدا رَوَاهُ أَحْمد وَرِجَاله رجال الصَّحِيح وَقد مر فِي الْوَجْه الأول من هَذِه الْوُجُوه مَا لَهُ من الشواهد المتواترة الرائعة فِي تَحْرِيم ذَلِك وانه مقرون بالشرك فِي حرمَان صَاحبه الغفران وَهَذَا أَمر مجمع على تَحْرِيمه فِي الأَصْل فَيجب مُرَاعَاة أَسبَابه ومقوياته فَكلما كَانَ أقرب إِلَى الِاجْتِمَاع كَانَ أرجح وَكلما كَانَ أقرب إِلَى التَّفَرُّق وَادّعى اليه وَإِلَى اثارته كَانَ أفسد وأبطل وَكم بَين إِخْرَاج

стр. 395

عوام فرق الاسلام أَجْمَعِينَ وجماهير الْعلمَاء المنتسبين إِلَى الاسلام من الْملَّة الاسلامية وتكثير الْعدَد بهم وَبَين ادخالهم فِي الاسلام ونصرته بهم وتكثير أَهله وتقوية أمره فَلَا يحل الْجهد فِي التَّفَرُّق بتكلف التَّكْفِير لَهُم بالأدلة الْمُعَارضَة بِمَا هُوَ أقوى مِنْهَا أَو مثلهَا مِمَّا يجمع الْكَلِمَة وَيُقَوِّي الاسلام ويحقن الدِّمَاء ويسكن الدهماء حَتَّى ينضح كفر المبتدع اتضاح الصُّبْح الصَّادِق وتجتمع عَلَيْهِ الْكَلِمَة وَتحقّق إِلَيْهِ الضَّرُورَة مثل كفر الزَّنَادِقَة والملاحدة الَّذين أَنْكَرُوا الْبَعْث وَالْجَزَاء وَالْجنَّة وَالنَّار وتأولوا الرب ﷻ وَجَمِيع أَسْمَائِهِ بامام الزَّمَان وسموه باسم الله تَعَالَى وفسروا لَا إِلَه إِلَّا الله أَي لَا إِمَام إِلَّا إِمَام الزَّمَان فِي زعمهم خذلهم الله تَعَالَى وتلعبوا بِجَمِيعِ آيَات كتاب الله فِي تَأْوِيلهَا جَمِيعًا بالبواطن الَّتِي لم يدل على شَيْء مِنْهَا دلَالَة وَلَا امارة وَلَا لَهَا فِي عصر السّلف الصَّالح اشارة وَكَذَلِكَ من بلغ مبلغهم من غَيرهم فِي تعفية آثَار الشَّرِيعَة ورد الْعُلُوم الضرورية الَّتِي نقلتها الامة خلفهَا عَن سلفها وَالله يحب الانصاف قطعا الْوَجْه الثَّامِن أَن الْخَطَأ لما كَانَ منقسما إِلَيّ مغْفُور قطعا كالخطأ فِي الاجتهاديات على الصَّحِيح وَغير مغْفُور قطعا كالخطأ فِي نفي الْبَعْث وَالْجنَّة وَالنَّار وَتَسْمِيَة الامام بأسماء الله تَعَالَى إِلَيّ غير ذَلِك ومختلف فِيهِ مُحْتَمل للالحاق بِأحد الْقسمَيْنِ نَظرنَا لأنفسنا فِي الاقدام على تَكْفِير أهل التَّأْوِيل من أهل الْقبْلَة وَفِي الْوَقْف عَنهُ عِنْد الِاشْتِبَاه فَوَجَدنَا الْوَقْف عَنهُ حِينَئِذٍ مَعَ تقبيح بدع المبتدعة لَا يحْتَمل أَن يكون كفرا وَلَا خطأ غير مَعْفُو عَنهُ لِأَنَّهُ لَا يدل على ذَلِك برهَان قَاطع وَلَا دَلِيل ظَاهر بل الْأَدِلَّة وَاضِحَة فِي الْعَفو حِينَئِذٍ على تَقْدِير الْخَطَأ كَمَا تقدم بَيَانه فِي الْوَجْه الرَّابِع وَأما الاقدام على التَّكْفِير فعلى تَقْدِير الْخَطَأ فِيهِ لَا نَأْمَن أَن يكون كفرا أَو خطأ غير مَعْفُو عَنهُ كخطأ الْخَوَارِج لوُرُود النُّصُوص الصَّحِيحَة الْكَثِيرَة بذلك وَعدم الْإِجْمَاع على تَأْوِيلهَا كَمَا تقدم فِي الْوَجْه الأول فَوَجَدنَا الْوَقْف حِينَئِذٍ أحوط للدّين وَالدَّار الْآخِرَة حَتَّى لَو قَدرنَا وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى أَن الْخَطَأ فِي كل وَاحِد مِنْهُمَا ذَنْب غير مغْفُور لَكَانَ الْخَطَأ فِي الْوَقْف أَهْون من الْخَطَأ فِي التَّكْفِير وَفِي الحَدِيث والعقول دَلَائِل على ذَلِك كَثِيرَة وَلذَلِك قيل أَن للشر خيارا وَمِنْه قَوْلهم حنانيك بعض الشَّرّ أَهْون من بعض

стр. 396

الْوَجْه التَّاسِع أَن الْوَقْف عَن التَّكْفِير عِنْد التَّعَارُض والاشتباه أولى وأحوط من طَرِيق أُخْرَى وَذَلِكَ أَن الْخَطَأ فِي الْوَقْف على تَقْدِيره تَقْصِير فِي حق من حُقُوق الْغَنِيّ الحميد الْعَفو الْوَاسِع أسمح الْغُرَمَاء وأرحم الرُّحَمَاء وَأحكم الْحُكَمَاء وَالْخَطَأ فِي التَّكْفِير على تَقْدِيره أعظم الْجِنَايَات على عباده الْمُسلمين الْمُؤمنِينَ وَذَلِكَ مضاد لما أوجب الله من حبهم ونصرهم والذب عَنْهُم وَقد روى فِي ذَلِك من حَدِيث أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ ﵇ وَمن حَدِيث عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ كِلَاهُمَا عَن رَسُول الله ﷺ وَآله أَنه قَالَ (الدَّوَاوِين عِنْد الله ثَلَاثَة ديوَان لَا يغفره الله وَهُوَ الشّرك بِاللَّه تَعَالَى وديوان لَا يتْركهُ وَهُوَ حُقُوق المخلوقين وديوان لَا يُبَالِي بِهِ وَهُوَ مَا بَينه وَبَين عَبده فالتارك للتكفير إِن قَدرنَا خطأه فانما أخل بِحَق من حُقُوق الله تَعَالَى وَهُوَ إِجْرَاء الاحكام عَلَيْهِم وَهُوَ هَهُنَا لم يتْركهُ إِلَّا لعدم شَرط جَوَازه وَهُوَ تحقق الْمُوجب لَهُ وَأما للكفر إِن قَدرنَا خطأه فقد أخل بِحَق الْمَخْلُوق الْمُسلم بل تعدى عَلَيْهِ وظلمه أكبر الظُّلم وأفحشه فَأخْرجهُ من الاسلام وَهُوَ يشْهد أَن لَا أَله إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَأَن جَمِيع رسله وَكتبه وَمَا جَاءَ فِيهَا عَن الله حق لَا شكّ فِيهِ وَلَا ريب فِي شَيْء مِنْهُ على الْجُمْلَة وَإِنَّمَا أَخطَأ فِي بعض التفاصيل وَقد صرح بالتأويل فِيمَا أَخطَأ فِيهِ فان وصف الله بِوَصْف نقص فلاعتقاده أَنه وصف كَمَال وان نسب إِلَيْهِ قبحا فلاعتقاده أَنه حسن وان تعمد الْقَبِيح فِي ذَلِك فَمحل التعمد هُوَ الْقلب المحجوب عَنَّا سرائره وَالْحَاكِم فِيهِ علام الغيوب وَقد عوقبت الْخَوَارِج أَشد الْعقُوبَة وذمت أقبح الذَّم على تكفيرهم لعصاة الْمُسلمين مَعَ تعظيمهم فِي ذَلِك لمعاصي الله تَعَالَى وتعظيمهم لله تَعَالَى بتكفير عاصية فَلَا يأمل الْمُكَفّر أَن يَقع فِي مثل ذنبهم وَهَذَا خطر فِي الدّين جليل فَيَنْبَغِي شدَّة الِاحْتِرَاز فِيهِ من كل حَلِيم نبيل وَلأَجل هَذَا الْخطر عذر المتوقف فِي التَّكْفِير وَكَانَ هَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد الْمُحَقِّقين كَمَا ذكره الْفَقِيه حميد وَاخْتَارَهُ فِي عُمْدَة المسترشدين بل كَمَا قَامَت عَلَيْهِ الدَّلَائِل والبراهين الْوَجْه الْعَاشِر أَن أَمِير الْمُؤمنِينَ عَليّ بن أبي طَالب ﵇ لم يكفر

стр. 397

أهل الْجمل وصفين لم يسر فيهم السِّيرَة فِي الْكَافرين مَعَ صِحَة قَول رَسُول الله ﷺ وَآله (لايحبك إِلَّا مُؤمن وَلَا يبغضك إِلَّا مُنَافِق) وَالْمُنَافِق إِذا أظهر النِّفَاق وَحَارب وَكَانَت لَهُ شَوْكَة جرت عَلَيْهِ أَحْكَام الْكفَّار بالاجماع بل قد صَحَّ أَن سباب الْمُؤمن فسوق وقتاله كفر فَكيف بِسَيِّد الْمُسلمين ومولاهم الامام بل خلاف بَينهم الْوَاجِب محبته وطاعته عَلَيْهِم وَفِي مُسْند أَحْمد عَن أم سَلمَة أَنَّهَا قَالَت أيسب رَسُول الله فِيكُم قيل لَهَا معَاذ الله قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول من سبّ عليا فقد سبي رِجَاله رجال الْجَمَاعَة كلهم إِلَى أبي عبد الله الحدلي التَّابِعِيّ الرَّاوِي عَنْهَا وَهُوَ ثِقَة وَلم يكفرهم ﵇ مَعَ هَذَا وَأَمْثَاله فَدلَّ ذَلِك على أَنه ﵇ بعد عَن التَّكْفِير لأجل المعارضات الَّتِي أَشَرنَا اليها فِي حكم أهل الشَّهَادَتَيْنِ أَو فِيمَن قَامَ بأركان الاسلام ولجوازان يُرَاد كفر دون كفر ونفاق دون نفاق وَهَذَا الْوَجْه مفارق للْوَجْه الأول الْمُتَعَلّق بالحوارج لِأَن النزاع فِي كفر الْخَوَارِج مُمكن أَو مَشْهُور وَأما هَؤُلَاءِ فَلَا خلاف بَين أهل النَّقْل وَالْبَصَر وبالتواريخ أَنه ﵇ سَار فيهم السِّيرَة فِي الْبُغَاة على إِمَام الْحق وَلم يسر فيهم السِّيرَة فِي أهل الْكفْر وَلِهَذَا قَالَ الامام أَبُو حنيفَة أَنه لَوْلَا سيرته ﵇ فِي ذَلِك مَا عرفت أَحْكَام الْبُغَاة أَو كَمَا قَالَ رَحمَه الله تَعَالَى وَإِنَّمَا كَانَ فعله فيهم حجَّة على الْبعد عَن التَّكْفِير لِأَنَّهُ تَركه مَعَ وجود النُّصُوص الصَّحِيحَة بكفرهم ونفاقهم كَمَا ذَكرْنَاهُ فِي الْحَدِيثين الشهيرين وشواهدهما بل كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن لم يحكم بِمَا أنزل الله فَأُولَئِك هم الْكَافِرُونَ﴾ وَعدل إِلَى تَرْجِيح معارضتهما وَلَا معنى للْعَبد عَن التَّكْفِير إِلَّا ذَلِك الْوَجْه الْحَادِي عشر أَنه قد يدق مُرَاد الْمُخَالف ويخفي جدا وَيحْتَمل الْوَقْف فيفسر بِمَا لم يَقْصِدهُ كَمَا تقدم فِي هَذَا الْمُخْتَصر فِي اخْتِلَاف النَّاس فِي تَحْقِيق فعل العَبْد إِلَى بضعَة عشر قولا أَكْثَرهَا غامضة وكما دق مَذْهَب الاشعرية فِي الرُّؤْيَة حَتَّى قَالَ الرَّازِيّ أَن مُرَادهم أَنه ينْكَشف لله تَعَالَى صفة فِي الْآخِرَة هِيَ بِالنِّسْبَةِ اليه كالرؤية بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره وَقد ينْقل عَنهُ مَا لم يقل لتوهم أَنه لَازم لَهُ وَلَيْسَ بِلَازِم كَمَا نسب تَكْلِيف مَا لَا يُطَاق إِلَى

стр. 398

الاشعري أَو لَازم وَلَكِن اللَّازِم الَّذِي لم يقل بِهِ بل تَبرأ مِنْهُ وَمن لُزُومه كَالَّذي قَالَه وَكم يخْتَلف أَتبَاع الْعَالم فِي كثير من مقاصده وَيلْزم مَا لم يَقْصِدهُ كَمَا يخْتَلف فِي كثير من الْآيَات وَالْأَحَادِيث وَقد تقدم هَذَا فِي سَبَب الابتداع فِي الدّين بتبديل الْعبارَات وَعَلِيهِ بنيت هَذَا الْمُخْتَصر فاذا تقرر هَذَا فَمن الْعجب تَكْفِير كثير مِمَّن لم يرسخ فِي الْعلم لكثير من الْعلمَاء وَمَا دروا حَقِيقَة مذاهبهم وَهَذِه هَذِه وَمَا يَعْقِلهَا إِلَّا الْعَالمُونَ الْوَجْه الثَّانِي عشر أَن فِي الحكم بتكفير الْمُخْتَلف فِي كفرهم مفْسدَة بَيِّنَة تخَالف الِاحْتِيَاط وَذَلِكَ اسقاط الْعِبَادَات عَنْهُم إِذا تَابُوا وَإِسْقَاط جَمِيع حُقُوق المخلوقين من الْأَمْوَال والدماء وَغَيرهمَا وَإِبَاحَة فروج نِسَائِهِم إِذا لم يتوبوا وَسَفك دِمَائِهِمْ مَعَ قيام الِاحْتِمَال بِشَهَادَة وجود الْمُخَالفين الجلة من أَئِمَّة الْملَّة وَوُجُود المعارضات الراجحة الْوَاضِحَة الادلة وَقد أَشَارَ إِلَى هَذَا الْوَجْه شيخ الاعتزال الْمَعْرُوف بمختار فِي الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة عشرَة من مسَائِل هَذَا الْبَاب فِي كِتَابه الْمُجْتَبى قَالَ فِيهِ وَعَن بعض السّلف أَنه كَانَ يكْتب فِي الْفَتْوَى فِي هَذَا لَا يكفر وغيري يخالفني الْوَجْه الثَّالِث عشر أَن الْخَطَأ فِي الْعَفو خير الْخَطَأ فِي الْعقُوبَة نَعُوذ بِاللَّه من الْخَطَأ فِي الْجَمِيع ونسأله الاصابة والسلامة والتوفيق وَالْهِدَايَة لَكنا وجدنَا الله تَعَالَى لم يذم من أَخطَأ فِي نَحْو ذَلِك أَلا ترَاهُ أثنى على خليه ﵇ حِين جادله فِي قوم لوط فَقَالَ ﴿إِن إِبْرَاهِيم لحليم أَواه منيب﴾ وَقَالَ فِيهِ بعد حكايته استغفاره لِأَبِيهِ ﴿إِن إِبْرَاهِيم لأواه حَلِيم﴾ وَإِنَّمَا كَانَ جداله واستغفاره فِيمَا يحْتَمل الْجَوَاز فِي شَرِيعَته لَا فِيمَا لَا يجوز بِالنَّصِّ فانه منزه عَن ذَلِك وَلَا فِيمَا يجوز بِالنَّصِّ فانه لَا يُعَاقب فِي ذَلِك وَلَا يحْتَاج إِلَى الِاعْتِذَار لَهُ فِيهِ وَنَحْو هَذَا من وَجه آخر قَوْله ﵇ ﴿وَمن عَصَانِي فَإنَّك غَفُور رَحِيم﴾ وَقَول عِيسَى ﵇ ﴿وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم﴾ وَصَلَاة رَسُول الله ﷺ وَآله على عبد الله بن أبي بعد نزُول قَوْله تَعَالَى ﴿اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم﴾ وَقَوله فِي تَفْسِيرهَا ان الله خيرني وَلم ينهني وَلَو أعلم انه يغْفر لَهُم اذا زِدْت على السّبْعين لزدت

стр. 399

عَلَيْهَا وَثَبت انه ﵊ مَا خير بَين أَمريْن الا اخْتَار أيسرهما مَا لم يكن اثما وتواتر ذَلِك من اخلاقه الْكَرِيمَة كَمَا جمع فِي مُصَنف مُفْرد وَيشْهد لَهُ بذلك الْقُرْآن الْكَرِيم حَيْثُ قَالَ تَعَالَى ﴿وَإنَّك لعلى خلق عَظِيم﴾ هَذَا مَعَ انا نقف فِيمَن تفاحشت بدعته وقاربت الْكفْر وَلَا نواليه وَلَا ندعوا لَهُ بِالرَّحْمَةِ والمغفر الا بِشَرْط ان يكون من الْمُسلمين محاذرة من ان نوالي من هُوَ عَدو لله فِي الْبَاطِن وَقد أَمر رَسُول الله ﷺ وَآله بِنَحْوِ هَذَا فِي حَدِيث أهل الْكتاب لَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تكذبوهم حذرا من تَكْذِيب الْحق وتصديق الْبَاطِل فنعوذ بِاللَّه من مُوالَاة أَعدَاء الله بل ننكر بدعهم وننهي عَنْهَا مَا استطعنا ونكرهها ونتبرأ مِنْهَا ونشهد الله تَعَالَى انا نعادي من عَادَاهُ علمناه أَو جهلناه فقد دلّ فِي الحَدِيث على نفع هَذَا الِاعْتِقَاد الْجملِي وَهُوَ حَدِيث زيد بن ثَابت عَن رَسُول الله ﷺ وَآله وَفِيه (اللَّهُمَّ مَا صليت من صَلَاة فعلى من صليت وَمَا لعنت من لعنة فعلى من لعنت) رَوَاهُ أَحْمد وَالْحَاكِم وقتال حَدِيث صَحِيح وَيشْهد لصِحَّته مَا تقدم عَن ابراهيم الْخَلِيل ﵇ من الْجِدَال عَن قوم لوط وَالِاسْتِغْفَار مِنْهُ لابيه وَلم يكن مُوالَاة مِنْهُ لَهُم وَلَا رضى بِذُنُوبِهِمْ وَلَا ذمّ بِهِ بل بَين الله تَعَالَى عذره فِي بعض ذَلِك وعده من سَعَة حلمه فِي بعضه وَهَذَا كُله فِي حق الْكَافرين وَأما أهل الاسلام الْمُؤمنِينَ الخاطئين فَلَا نَص على تَحْرِيم ذَلِك فيهم فِيمَا علمت وَيَنْبَغِي الِاشْتِرَاط فِيمَا شكّ فِيهِ من الدُّعَاء لبَعْضهِم ان يكون مُوَافقا لمراد الله تَعَالَى فِي الشَّرِيعَة النَّبَوِيَّة

стр. 400

فصل فِي الْفسق وَهُوَ أَقسَام بِاعْتِبَار الْعرف الاول وَالْآخر وَاسم الْفَاعِل وَاسم الْفِعْل وَبِاعْتِبَار التَّصْرِيح والتأويل فاما الْعرف الأول فِي اسْم الْفَاعِل فانه يدل ان الْفَاسِق من الْكفَّار من لَا حَيَاء وَلَا مُرُوءَة وَلَا عهد وَلَا عقد لَهُ كَمَا فسره بذلك الزَّمَخْشَرِيّ فِي بعض الْآيَات الدَّالَّة على ذَلِك فان الله تَعَالَى يَقُول فِي الْكفَّار من الْيَهُود وَغَيرهم ﴿وَأَكْثَرهم فَاسِقُونَ﴾ وَفِي بعض الْآيَات ﴿وَكثير مِنْهُم فَاسِقُونَ﴾ كَمَا أوضحته فِي الاول من العواصم مَبْسُوطا بسطا شافيا زَائِدا على مَا يعْتَاد فِي ذَلِك من الْبسط وَأما بِاعْتِبَار اسْم الْفِعْل فَفِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿وَكره إِلَيْكُم الْكفْر والفسوق والعصيان﴾ وَقَول رَسُول الله ﷺ وَآله سباب الْمُؤمن فسوق وقتاله كفر فِي أَحَادِيث كَثِيرَة مُتَّفق على صِحَّتهَا وَأما الْعرف الْمُتَأَخر فالفسق يخْتَص بالكبيرة من الْمعاصِي مِمَّا لَيْسَ بِكفْر وَالْفَاسِق يخْتَص بمرتكبها وَعند الْمُعْتَزلَة لَا يُسَمِّي كَافِرًا وَلَا مُؤمنا وَلَا مُسلما وَعند أهل الحَدِيث والاشعرية لَا يُسمى كَافِرًا وَأما اسْم الاسلام فان اعْتبرنَا تَمَامه وكماله لم نسمه مُؤمنا وَلَا مُسلما وان اعْتبرنَا أَقَله سميناه مُؤمنا وَمُسلمًا الا ان تَسْمِيَته مُسلما اعْتِبَارا بالاقل من مَرَاتِب الاسلام هُوَ الْعرف الاكثر بِخِلَاف تَسْمِيَته مُؤمنا وَفِي ذَلِك من الْآيَات وَالْأَحَادِيث مَا لَا يحْتَملهُ هَذَا الْمُخْتَصر وَقد استوفيت الْكَلَام فِيهِ فِي مَسْأَلَة الْوَعْد والوعيد فِي آخر العواصم

стр. 401

وَأما انقسام ذَلِك بِاعْتِبَار فسق التَّصْرِيح والتأويل فَهُوَ مُتَّفق عَلَيْهِ أما فسق التَّصْرِيح فَلَا دَاعِي الى ذكره هُنَا وَهُوَ يرجع الى معرفَة الْكَبَائِر وَهِي منصوصة فِي أَحَادِيث كَثِيرَة وَفِي بَعْضهَا زِيَادَة على بعض وَقد جمعهَا ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصر الْمُنْتَهى وَتكلم ابْن كثير على طرقها وَمِنْهُم من زَاد عَلَيْهَا مَا هُوَ أَكثر مِنْهَا قطعا عملا بِمَفْهُوم الْمُوَافقَة الْمُسَمّى فحوى الْخطاب مِثَاله ان قتل الْمُؤمن كَبِيرَة بِالنَّصِّ فَأولى مِنْهُ بذلك دلَالَة الْكفَّار على نقب فِي مصر عَظِيم من أَمْصَار الْمُسلمين يدْخلُونَ مِنْهُ فيقتلون جَمِيع من فِيهَا ويستحلون الْمَحَارِم من النسوان وَالصبيان وَنَحْو ذَلِك وَهَذَا قِسْمَانِ مِنْهُ مَا يكون مَعْلُوما كَمَا يعلم تَحْرِيم ضرب الْوَالِدين من تَحْرِيم التأفيف فَلَا يكون قِيَاسا وَمِنْه قِيَاس وَاخْتلف فِيمَا يكون قياسأ فاجازته طَائِفَة مِنْهُم الهدوية ففسقوا من غصب عشرَة دَرَاهِم قِيَاسا على من سَرَقهَا ومنعته طَائِفَة مِنْهُم الْمُؤَيد بِاللَّه ﵇ وَاحْتج عَلَيْهِم بالاجماع على ان الْغَاصِب لَا يقطع وَمِنْهُم من قَالَ الْكَبِيرَة مَا كَانَ فِيهِ حد من حُدُود الله تَعَالَى أَو قَالَ الله تَعَالَى فِيهِ إِنَّه عَظِيم أَو كَبِير وَمِنْهُم من قَالَ مَا توعد الله عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ بِالْعَذَابِ وَأما فسق التَّأْوِيل فَهُوَ الَّذِي أردْت أَن أذكرهُ هُنَا وَاعْلَم ان مَا دخله التَّأْوِيل مِمَّا يتَعَلَّق بالكبائر وَلم يعلم انه مِنْهَا سوى قتل الْمُسلمين وقتالهم فانه يصير ظنا من الْفُرُوع الاجتهاديات عِنْد جَمَاهِير الْعلمَاء من الْفرق أَو عِنْد جَمِيعهم كالربويات الْمُخْتَلف فِيهَا والانكحة الْمُخْتَلف فِيهَا مِثَال ذَلِك وَأما قتل الْمُسلمين وقتالهم وَالْبَغي على أئمتهم العادلين فَاخْتلف فِيهِ فَقَالَت الشِّيعَة والمعتزلة لَا يعْذر الْمُجْتَهد ان أَخطَأ فِيهِ وَيكون فَاسق تَأْوِيل وَقيل يعْذر مثل التَّأْوِيل فِيمَا تقدم وَسبب الِاخْتِلَاف أَمْرَانِ أَحدهمَا تعَارض الْوَعيد على ذَلِك والوعد بِالْعَفو عَن أهل الْخَطَأ وَقد تقدم مَا فِي ذَلِك قَرِيبا فِي الْوَجْه الثَّالِث فِي الْكَلَام على تَكْفِير أهل التَّأْوِيل وَثَانِيهمَا اخْتلَافهمْ هَل يُوجد دَلِيل قَاطع شَرْعِي وَلَيْسَ بضروري من الدّين أم لَا وَمعنى ذَلِك أَن الْقطعِي الشَّرْعِيّ هُوَ الْمَعْلُوم لَفظه الْمَعْلُوم

стр. 402

مَعْنَاهُ فَأَما الْعلم بِلَفْظِهِ فَلَا يكون إِلَّا ضَرُورِيًّا بالاجماع لانه نقل مَحْض مَا لم يبلغ مرتبَة الضَّرُورَة فِيهِ كَانَ ظنيا وَلَا وَاسِطَة فِيهِ بَين الضَّرُورَة وَالظَّن وفَاقا فالضرورة هُوَ التَّوَاتُر وَالظَّن آحَاد وان كثرت رُوَاته وَأما الْعلم بِمَعْنى الْقطعِي الشَّرْعِيّ فَهُوَ مَحل الْخلاف فَعِنْدَ الْمُعْتَزلَة وَكثير من الشِّيعَة يدْخلهُ الْقطع من غير ضَرُورَة وَعند الْمُخَالفين لَهُم انه رَاجع الى لنقل الْمَحْض إِمَّا عَن أهل اللُّغَة أَو عَن أهل الشَّرْع فَلَا يكون الا ضَرُورِيًّا فيكفر الْمُخَالف فِيهِ أَو ظنيا فيعذر وعضدوا هَذَا بِوُجُوه مِنْهَا قِيَاس الْقَتْل والقتال على سَائِر مَا تقدم مِمَّا يتَعَلَّق بالكبائر فان هَذَا حكمهَا عِنْد الْجَمِيع وَمِنْهَا قِيَاس ذَلِك على كَلَام الْعلمَاء فِي مسَائِل الْخلاف فِي الْقصاص فِي النُّفُوس كَالْحرِّ بِالْعَبدِ وَالذكر بالانثى وَالْقصاص بَين الْمُسلم وَالذِّمِّيّ وَالْخلاف فِي عمد الْخَطَأ وَكَذَلِكَ كَلَامهم فِي الْحُدُود الَّتِي يجب فِيهَا الْقَتْل أَو الْعَفو وَالْعقد الاجماع فِي ذَلِك كُله على عدم تأثيم الْمُخَالف مَعَ انه خلاف فِي سفك الدِّمَاء وَقتل الْمُؤمنِينَ بِالتَّحَرِّي للعدل الْمَأْمُور بِهِ لدفع الْفساد قَالُوا فَكَذَلِك من أَخطَأ من الْمُجْتَهدين فِي الْفِتَن وَهُوَ على هَذِه النِّيَّة وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا﴾ مَعَ أَحَادِيث خَاصَّة وَردت فِي الْخَطَأ فِي الْفِتَن بخصوصها وَفِي ذَلِك أَحَادِيث الاول عَن سعيد بن زيد أحد الْعشْرَة ﵃ قَالَ كُنَّا عِنْد رَسُول الله ﷺ وَآله فَذكر فتْنَة عظم أمرهَا فَقُلْنَا أَو قَالُوا يَا رَسُول الله لَئِن أدركتنا هَذِه الْفِتْنَة لَنهْلكَنَّ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ وَآله كلا ان يحسكم الْقَتْل قَالَ سعيد فَرَأَيْت أخواني قتلوا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْفِتَن من كتاب السّنَن عَن مُسَدّد عَن أبي الاحوص سَلام ابْن سليم عَن مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر أحد أَئِمَّة الْكُوفَة عَن هِلَال بن يسَاف الاشجعي الْكُوفِي عَن سعيد بن زيد وَكلهمْ نبلاء ثِقَات من رجال البُخَارِيّ وَمُسلم وَسَائِر الْجَمَاعَة الا أَن البُخَارِيّ لم يخرج حَدِيث هِلَال ابْن يسَاف وَحده لغبر طعن فِيهِ فانه لم يذكر فِي الْمِيزَان وَرَوَاهُ أَحْمد بن حَنْبَل فِي مُسْنده بِإِسْنَاد آخر رِجَاله كُله ثِقَات الى هِلَال بن

стр. 403

يسَاف عَن سعيد وَلَفظه ذكر رَسُول الله ﷺ وَآله فتنا كَقطع اللَّيْل المظلم أرَاهُ قَالَ قد يذهب فِيهَا النَّاس أسْرع ذهَاب قَالَ فَقيل أكلهم هَالك أم بَعضهم فَقَالَ حسبهم أَو بحسبهم الْقَتْل وَذكره الهيثمي فِي مجمع الزَّوَائِد وَلَفظه فَقُلْنَا إِن أدركنا ذَلِك هلكنا فَقَالَ بِحَسب أَصْحَابِي الْقَتْل وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ باسانيد وَرِجَال أَحدهَا ثِقَات وَرَوَاهُ الْبَزَّار كَذَلِك الحَدِيث الثَّانِي عَن أم حَبِيبَة عَن النَّبِي ﷺ وَآله انه قَالَ رَأَيْت مَا تلقى أمتِي بعدِي وَسَفك بَعضهم دِمَاء بعض فَسَأَلته أَن يؤتيني شَفَاعَة يَوْم الْقِيَامَة فيهم فَفعل رَوَاهُ أَحْمد وَالطَّبَرَانِيّ فِي الاوسط ورجالهما رجال الصَّحِيح الا أَن رِوَايَة أَحْمد عَن انس عَن أم حَبِيبَة وَرِوَايَة الطَّبَرَانِيّ عَن الزُّهْرِيّ عَن أنس رَوَاهُ فِي مجمع الزَّوَائِد وَلم أَجِدهُ فِي جَامع ابْن الْجَوْزِيّ وَلكنه لَا يسْتَوْفى وَالله أعلم الحَدِيث الثَّالِث عَن طَارق بن أَشْيَم انه سمع النَّبِي ﷺ وَآله يَقُول بِحَسب أَصْحَابِي الْقَتْل الحَدِيث الرَّابِع عَن أبي بردة عَن رجل من أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَآله انه قَالَ عُقُوبَة هَذِه الْأمة السَّيْف رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ بِرِجَال الصَّحِيح الحَدِيث الْخَامِس عَن أبي بردة عَن عبد الله بن زيد انه سمع النَّبِي ﷺ يَقُول جعل الله عَذَاب هَذِه الْأمة فِي دنياهم الحَدِيث السَّادِس عَن معقل بن يسَار مَرْفُوعا نَحْو ذَلِك رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ من حَدِيث عبد الله بن عِيسَى الخزاز الحَدِيث السَّابِع عَن أبي هُرَيْرَة نَحوه رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْأَوْسَط من حَدِيث سعيد بن مسلمة الْأمَوِي وعضدوا هَذِه الْأَخْبَار بِمَا رَوَاهُ زيد بن أبي الزَّرْقَاء عَن جَعْفَر بن برْقَان عَن يزِيد بن الاصم قَالَ قَالَ عَليّ عَلَيْهِ

стр. 404

السَّلَام قتلاي وقتلى مُعَاوِيَة فِي الْجنَّة رَوَاهُ الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة مُعَاوِيَة من النبلاء وجعفر وَيزِيد من رجال مُسلم وَزيد من رجال النَّسَائِيّ قَالَ فِي الكاشف صَدُوق وَكَذَلِكَ قَالَ فِي الْمِيزَان وَفِيه عَن ابْن معِين لَا بَأْس بِهِ وَلم يُورد فِيهِ جرحا الا قَول ابْن حبَان انه يغرب وَلَيْسَ ذَلِك بِجرح وَقَالَ فِيهِ انه صَدُوق مَشْهُور عَابِد وَإِن ابْن عمار قَالَ مَا رَأَيْت فِي الْفضل مثله وَمثل الْمعَافي وقاسم الْجرْمِي رَحِمهم الله تَعَالَى وَهَذَا من أحسن مَا فِي الْبَاب وانما أَخَّرته لانه مَوْقُوف وَمَعَ ذَلِك فَلهُ قُوَّة الْمَرْفُوع وَالله أعلم بِصِحَّة ذَلِك عَنهُ وَمِنْه أَحَادِيث النَّهْي عَن مدافعة أهل التَّأْوِيل وَمِنْهَا اعْتِقَادهم أَن هَذِه الادلة أخص وَأَن ادلة الْمُعْتَزلَة والشيعة عَامَّة وَهُوَ فِي الْحَقِيقَة مَوضِع النزاع كَمَا سَيَأْتِي فِي ادلة الْمُعْتَزلَة فَيَنْبَغِي تَحْرِير النّظر فِيهِ لَان الْخَاص مقدم على الْعَام وَمِنْهَا عدم تَرْجِيح عدم التفسيق بالمرجحات الْمُتَقَدّمَة لعدم التَّكْفِير الحكم فِيهَا مُتَقَارب وان كَانَ التَّكْفِير أخطر وَقد نَص أَبُو ذَر ﵁ على رِوَايَة ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ فِي حَدِيثه الْمُتَقَدّم فَقَالَ من قَالَ لاخيه كَافِر أَو قَالَ عَدو الله وَلَيْسَ كَذَلِك الا حَار عَلَيْهِ مُتَّفق على صِحَّته كَمَا مضى وَأما الشِّيعَة والمعتزلة فاحتجوا على قَوْلهم بانواع من السّمع كَثِيرَة مِنْهَا قَوْله تَعَالَى ﴿فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله﴾ وَأهل التَّأْوِيل من الْبُغَاة داخلون فِي هَذِه الْآيَة وان كَانَ سَبَب النُّزُول فِي المصرحين فِيمَا أَحسب فالآية عَامَّة عِنْد الشِّيعَة والمعتزلة أَو عِنْد أَكْثَرهم وَمِنْهَا حَدِيث أبي هُرَيْرَة موفوعا فِي الْفِتَن ليَأْتِيَن على النَّاس زمَان لَا يدْرِي الْقَاتِل فيمَ قتل وَلَا يدْرِي الْمَقْتُول فِي أَي شَيْء قتل قيل وَكَيف ذَاك قَالَ الْهَرج الْقَاتِل والمقتول فِي النَّار أخرجه مُسلم وَعَن عبد الله بن عَمْرو موفوعا سَتَكُون فتْنَة تستنظف الْعَرَب قتلاها فِي النَّار رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَمِنْهَا حَدِيث اذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول فِي النَّار قَالُوا يَا رَسُول الله هَذَا الْقَاتِل فَمَا بَال الْمَقْتُول قَالَ انه كَانَ حَرِيصًا على قتل صَاحبه رَوَاهُ خَ وم ود وس من حَدِيث أبي بكرَة وس من حَدِيث أبي

стр. 405

مُوسَى وَمِنْهَا أَحَادِيث سباب الْمُؤمن فسوق وقتاله كفر وَمِنْهَا أَحَادِيث لَا ترجعوا بعدِي كفرا يضْرب بَعْضكُم رِقَاب بعض وَمِنْهَا بَادرُوا بالاعمال فتنا يصبح الزجل فِيهَا مُؤمنا ويمسي كَافِرًا ويمسي مُؤمنا وَيُصْبِح كَافِرًا وَمِنْهَا وَهُوَ من أصرحهَا حَدِيث عمار وَهُوَ صَحِيح متواتر وَيْح عمار تقتله الفئة الباغية يَدعُوهُم الى الْجنَّة ويدعونه الى النَّار أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَاللَّفْظ لمُسلم وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ فِي جَامع المسانيد أخرجه البُخَارِيّ وَمُسلم وَكَذَلِكَ ابْن الْأَثِير فِي جَامع الاصول قَالَ الْحميدِي أخرجه كَذَلِك أَبُو بكر البرقاني وَأَبُو بكر الاسماعيلي قبله وَذكره ابْن حجر فِي قتال الْبُغَاة من تلخيصه عَن اثْنَي عشر صحابيا وَذكر عَن ابْن عبد الْبر انها تَوَاتَرَتْ بِهِ الاخبار وان أصح الحَدِيث وَعَن أَحْمد بن حَنْبَل انه رُوِيَ من ثَمَانِيَة وَعشْرين طَرِيقا وَذكر الذَّهَبِيّ فِي تَرْجَمَة عمار من النبلاء كثيرا من طرقه وَحكم بِصِحَّتِهِ بل بتواتره وَذكر ان يَعْقُوب بن أبي شيبَة الامام الثِّقَة الْحَافِظ سمع أَحْمد بن حَنْبَل سُئِلَ عَنهُ فَقَالَ فِيهِ حَدِيث صَحِيح عَن رَسُول الله ﷺ وروى الذَّهَبِيّ مَعَ ذَلِك أَحَادِيث أخر قَاتل عمار وسالبه فِي النَّار بل ان الله يعادي عَدو عمار ويغضب لغضب عمار ﵁ وَحَدِيث عمار هَذَا من اعلام النُّبُوَّة الْكِبَار وَلذَلِك ذكره جُمْهُور من صنف فِي المعجزات النَّبَوِيَّة وَاحْتَجُّوا على انه مَعْلُوم بِالضَّرُورَةِ بَان مُعَاوِيَة وَأهل الشَّام حِين سَمِعُوهُ لم ينكروه وَذكر الْقُرْطُبِيّ فِي تَذكرته وَالْحَاكِم فِي عُلُوم الحَدِيث ان القَوْل بِمُقْتَضَاهُ اجماع أهل السّنة يَعْنِي ان من حَارب عليا ﵇ فَهُوَ بَاغ عَلَيْهِ وانه ﵇ صَاحب الْحق فِي جَمِيع تِلْكَ الحروب وَمِنْهَا مَا ورد فِي تَخْصِيص قتل الْمُسلم وقتاله من الْوَعيد الشَّديد وان رَسُول الله ﷺ قَالَ ان الله أبي عَليّ فِي الْقَاتِل وَفِي حَدِيث ابْن عمر لَا يزَال الْمُؤمن فِي فسحة من دينه مَا لم يصب دَمًا حَرَامًا رَوَاهُ البُخَارِيّ وَرُوِيَ من حَدِيث عبَادَة بن الصَّامِت مَرْفُوعا من قتل مُؤمنا فاغتبط بقتْله لم يقبل الله مِنْهُ صرفا وَلَا عدلا قَالَ د فِي حَدِيث عبَادَة عَن يحيى بن يحيى الغساني فِي معنى اغتبط بقتْله قَالَ الَّذين يُقَاتلُون فِي الْفِتْنَة فَيقْتل أحدهم فَيرى انه على هدى لَا يسْتَغْفر الله تَعَالَى يَعْنِي من ذَلِك وَالْأَخْبَار فِي ذَلِك أَكثر من أَن تحصى

стр. 406

وَقد ذكرت فِي العواصم فِي مَسْأَلَة الْوَعيد أَحَادِيث كَثِيرَة رائعة فِي تَعْظِيم الْقَتْل وَذكرهَا هُنَا يخرجنا على معنى الِاخْتِصَار وَمِنْهَا وَهُوَ أقوى من هَذِه الْأَشْيَاء انه تَوَاتر عَن الصَّحَابَة انهم كَانُوا يَعْتَقِدُونَ فِي الْبَاغِي على أَخِيه الْمُسلم وعَلى امامه الْعَادِل انه عَاص آثم وَأَن التَّأْوِيل فِي ذَلِك مفارق للِاجْتِهَاد فِي الْفُرُوع فانهم لم يتعادوا على شَيْء من مسَائِل الْفُرُوع وتعادوا على الْبَغي وَكَذَلِكَ أَجمعت الْأمة على الِاحْتِجَاج بسيرة عَليّ ﵇ فِي قِتَالهمْ وَلَيْسَ الْمُجْتَهد المعفو عَنهُ يُقَاتل على اجْتِهَاده وَيقتل ويهدر دَمه وَأما الاحاديث الَّتِي تقدّمت فِي مُعَارضَة هَذِه فَلَا تبلغ مرتبتها فِي الصِّحَّة والشهرة وَلَو بلغت لم تعارضها فانها دَالَّة على اثم أهل الْفِتَن وانما فِيهَا انه خفف على هَذِه الْأمة عَذَابهَا فِي ذَلِك الذَّنب وَجعل عَذَابهَا بِالسَّيْفِ فِي دنياها وَهَذَا أولى أَن يكون حجَّة على تَحْرِيم ذَلِك وَعدم قبُول الِاجْتِهَاد فِيهِ فانه لَو قبل مِنْهُ لم يستحقوا عَلَيْهِ عذَابا لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَة بالاجماع بل يسْتَحقُّونَ عَلَيْهِ المثوبة وَالثنَاء من الله وَأما الرَّجَاء والشفاعة للْمُسلمين فقد تقدم مَا فِيهِ من الْقُرْآن والتواتر الا فِي قَاتل الْمُؤمن مُتَعَمدا وَمِنْهَا ان النَّبِي ﷺ سمي فَسَاد ذَات الْبَين الحالقة تحلق الدّين لَا تحلق الشّعْر وَلَو كَانَ الِاجْتِهَاد فِيهَا سائغا لم يَصح ذَلِك وَمِنْهَا أَن الْفَرِيقَيْنِ اجْتَمعُوا على تهليك الْخَوَارِج والنصوص دلّت على ذَلِك فان قيل انما هَلَكُوا بِمُجَرَّد اعْتِقَادهم التَّكْفِير قيل لَا سَبِيل الى الْقطع بذلك بل قد ورد مَا يدل على ان الْقَتْل أعظم من التَّكْفِير وَذَلِكَ حَدِيث ثَابت بن الضَّحَّاك مَرْفُوعا وَفِيه وَمن قذف مُؤمنا بِكفْر فَهُوَ قَاتله وَتقدم القَوْل فِي صِحَّته وشواهده كَثِيرَة قَالُوا وَأما أَحَادِيث النَّهْي عَن دفاع المتأولين فَلَيْسَ الْعلَّة فِيهَا قبُول اجتهادهم أَلا ترَاهُ يَقُول فِيهَا كن كخير ابْني آدم يبوء باثمة واثمك فَيكون من أَصْحَاب النَّار رَوَاهُ مُسلم من حَدِيث أبي بكرَة وَلم يكن ابْن آدم الْقَاتِل لِأَخِيهِ معفوا عَنهُ وَالله تَعَالَى يَقُول عَن أَخِيه ﴿إِنِّي أُرِيد أَن تبوء بإثمي وإثمك﴾

стр. 407

) بل هَذَا من أخص أَدِلَّة الْمُعْتَزلَة وأقواها لانه فِي أهل التَّأْوِيل بالِاتِّفَاقِ والاثم مَنْصُوص وَقد جود ابْن جرير الطَّبَرِيّ الْكَلَام فِي هَذَا الْفَصْل وَنَقله ابْن بطال فِي شرح البُخَارِيّ وَأما قَوْله ﴿وَمن يقتل مُؤمنا مُتَعَمدا﴾ وَحَدِيث كل ذَنْب عَسى الله أَن يغفره الا الرجل يقتل الْمُؤمن مُتَعَمدا فَالْمُرَاد الِاحْتِرَاز من خطأ الْيَد لَا خطأ الاستحلال بِدَلِيل مَا ذَكرْنَاهُ وبدليل سِيَاق الْآيَات من أَولهَا فِي قتل الْخَطَأ وَكَلَام الْمُعْتَزلَة مَعَ كَثْرَة شواهده غير نَص فِي مَحل النزاع فانه يُمكن أَن يكون هَذَا الْوَعيد بالنَّار فِي الْفِتَن مُخْتَصًّا بالفتن الَّتِي الدَّاعِي اليها هُوَ الْهوى وَالْكبر وَحب الرياسة والمنافسة فِي الدُّنْيَا بل هُوَ الظَّاهِر فِي كثير من الْأَحَادِيث وَمن أَحْوَال أهل تِلْكَ الْفِتَن وَلَو اجتهدوا لعرفوا الْحق لاهله ومنتهى الامر ان يؤديهم الِاجْتِهَاد الى الْوَقْف وروى الْحَاكِم فِي الْمُسْتَدْرك فِي مَنَاقِب عمار والذهبي فِي النبلاء فِي مناقبه أَيْضا عَن ابْن عمر مَا يدل على ذَلِك وانما الْكَلَام مَفْرُوض فِيمَن وَفِي الِاجْتِهَاد حَقه وَلذَلِك أَجمعت الْأمة على الْعَفو عَن الْمُجْتَهدين من أَئِمَّة الْعلم فِي معرفَة أَحْكَام الدِّمَاء وَالْقَتْل فِي الْحُدُود وَالْقصاص فِي مسَائِل الْفُرُوع الْمُخْتَلف فِيهَا الْمَعْمُول فِيهَا بأقوالهم كالخلاف فِي قتل تَارِك الصَّلَاة وَقتل الْحر بِالْعَبدِ وَنَحْو ذَلِك حَيْثُ لم يكن الْهَوِي سَبَب اخْتلَافهمْ وَظهر مِنْهُم التَّحَرِّي فِي الصَّوَاب وبذل الْجهد فِي تعرفه وتوفية الِاجْتِهَاد حَقه وَهَذَا زبدة مَا عَرفته من أَدِلَّة الْفَرِيقَيْنِ على جِهَة الاشارة وَالله الْهَادِي والموفق الى الصَّوَاب

стр. 408

خَاتِمَة فِي حب من أحبه الله وَرَسُوله ﷺ وَأمر بحبه من الْقَرَابَة وَالصَّحَابَة وَقد دلّت النُّصُوص الجمة المتواترة على وجوب محبتهم وموالاتهم وَأَن يكون مَعَهم فَفِي الصَّحِيح (لَا تدْخلُوا الْجنَّة حَتَّى تؤمنوا وَلَا تؤمنوا حَتَّى تحَابوا وَفِيه الْمَرْء مَعَ أحب) وَمِمَّا يخص أهل بَيت رَسُول لله ﷺ قَول الله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا يُرِيد الله ليذْهب عَنْكُم الرجس أهل الْبَيْت وَيُطَهِّركُمْ تَطْهِيرا﴾ كَمَا ثَبت فِي صَحِيح مُسلم من حَدِيث عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ وَقَوله تَعَالَى ﴿قل لَا أَسأَلكُم عَلَيْهِ أجرا إِلَّا الْمَوَدَّة فِي الْقُرْبَى﴾ كَمَا روى تَفْسِيرهَا مَرْفُوعا امام أهل الحَدِيث أَحْمد بن حَنْبَل والملا فِي سيرته وَالطَّبَرَانِيّ فِي معجمعه الْكَبِير والاوسط من حَدِيث حبر الامة وبحرها عبد الله بن الْعَبَّاس ﵄ ويعضد ذَلِك من كتاب الله تَعَالَى قَوْله ﴿ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَكَانَ أَبوهُمَا صَالحا﴾ واجماع الامة وتواتر الاخبار بشرع الصَّلَاة عَلَيْهِم فِي تشهد الصَّلَاة واختصاصهم بِهِ أَو بالاجماع على دُخُولهمْ فِيهِ فَيجب لذَلِك حبهم وتعظيمهم وتوقيرهم واحترامهم وَالِاعْتِرَاف بمناقبهم فانهم أهل آيَات المباهلة والمودة والتطهير وَأهل المناقب الجمة وَالْفضل الشهير وَقد ذكر مناقبهم امام أهل الحَدِيث وَالسّنة فِي عصره الْمُحب الطَّبَرِيّ وصنف فِي ذَلِك كِتَابه ذخائر العقبى فِي مَنَاقِب ذَوي الْقُرْبَى وَيَا لَهُ من

стр. 409

كتاب وَافق اسْمه مُسَمَّاهُ وَصدق لَفظه وَمَعْنَاهُ وَكَذَلِكَ دلّت النُّصُوص المتواترة على وجوب حب أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ وَآله وَرَضي الله عَنْهُم وأرضاهم وتعظيمهم وتكريمهم واحترامهم وتوقيرهم وَرفع مَنْزِلَتهمْ والاحتجاج باجماعهم والاستنان بآثارهم واعتقاد مَا نطق بِهِ الْقُرْآن الْكَرِيم وَالذكر الْحَكِيم من انهم خير أمة أخرجت للنَّاس وَفِيهِمْ يَقُول الله تَعَالَى ﴿وَالَّذين مَعَه أشداء على الْكفَّار رحماء بَينهم تراهم ركعا سجدا يَبْتَغُونَ فضلا من الله ورضوانا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوههم من أثر السُّجُود﴾ الْآيَة وَفِي تَعْظِيم حق أهل الْبَيْت يَقُول رَسُول الله ﷺ (سِتَّة لعنتهم لعنهم الله وَذكرهمْ الي أَن قَالَ والمستحل من عِتْرَتِي لما حرم الله تَعَالَى رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَالْحَاكِم من حَدِيث عَائِشَة أم الْمُؤمنِينَ ﵂ وَفِي تَعْظِيم حق الصَّحَابَة ﵃ يَقُول ﷺ (اذا سَمِعْتُمْ من يلعن أَصْحَابِي فَقولُوا لعنة الله على شركم) رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَكَذَلِكَ يجب حب الْمُؤمنِينَ عُلَمَائهمْ وعامتهم ونصيحتهم واكرامهم لما ثَبت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن رَسُول الله ﷺ أَنه قَالَ لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى يحب لاخيه الْمُؤمن مَا يحب لنَفسِهِ وَقد تقدم فِي مَسْأَلَة الْوَعْد والوعيد فَوَائِد تعلق بِحكم الخالطين من الْمُسلمين وخصوص الْمُؤمنِينَ والتحذير من مشاحنتهم واضمار الغل لَهُم والمحافظة على ذَلِك والتواصي بِهِ على مُقْتَضى مَا وصف الله تَعَالَى بِهِ الْمُؤمنِينَ من التواصي بِالْحَقِّ وَالصَّبْر والمرحمة جعلنَا الله من العاملين بذلك وَهُوَ الْهَادِي لَا اله الا هُوَ نعم الْمولى وَنعم النصير لَهُ الْملك وَله الْحَمد وَهُوَ على كل شَيْء قدير وَهُوَ حَسبنَا وَنعم الْوَكِيل والاولى لكل حَازِم أَن يشْتَرط فِي كل مَا يَعْتَقِدهُ من المشكلات الْمُخْتَلف فِيهَا ان يكون مُوَافقا لما هُوَ الْحق عِنْد الله تَعَالَى وَأَن لَا يكون فِيهِ مُخَالفَة لشَيْء من كتب الله تَعَالَى وَلَا لما جَاءَت بِهِ رسل الله تَعَالَى عَلَيْهِم أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام وان كَانَ الْوَقْف حَيْثُ يجوز أحزم وَأسلم فان الْعِصْمَة مُرْتَفعَة والثقة بالفهم أَو الانصاف غير مُفِيد للْعلم الضَّرُورِيّ بالسلامة من ذَلِك

стр. 410

وَقد ورد فِي الحَدِيث مَا يدل على نفع ذَلِك كَمَا تقدم فِي حَدِيث زيد بن ثَابت فِي آيَة آخر مَسْأَلَة التَّكْفِير والتفسيق وَلَو لم يكن الا ان هَذَا الِاشْتِرَاط آخر مَا فِي الوسع من طلب النجَاة وَأَنا أشهد الله بأني مشترط لذَلِك فِي كل مَا يحسن مني اشْتِرَاطه فِيهِ ويكون أحوط لي فِي ديني وَأقرب الى رضوَان رَبِّي مَعَ اخْتِيَار الْوَقْف فِي المشكلات الْمُخْتَلف فِيهَا حَيْثُ لَا يجب الْقطع بِأحد الِاحْتِمَالَيْنِ تقبل الله ذَلِك مني وثبتني وهداني وَلَا وكلني الى نَفسِي طرفَة عين وَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه عَلَيْهِ توكلت واليه أنيب وَهَذَا آخر هَذَا الْمُخْتَصر الْمُبَارك إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَأما الْكَلَام فِي الْخلَافَة ومناقب الْقَرَابَة وَالصَّحَابَة فَلَا يَتَّسِع لَهُ هَذَا الْمُخْتَصر فان الْكَلَام فِيهِ كثير جدا وإفراده بمجلد يحِق لَهُ بل يقل لَهُ عِنْد من يعرف مَا ورد فِي ذَلِك وَمَا قَالَه أهل الْعلم فِيهِ وَإِنَّمَا أوردت فِي هَذَا الْمُخْتَصر مَا يصلح أَن يكون مُقَدّمَة من مُقَدمَات تَفْسِير كتاب الله تَعَالَى كَمَا ذكرته فِي هَذَا الْمُخْتَصر من أَنْوَاع التَّفْسِير مِنْهُ فِي النَّوْع الأول مِنْهَا وَالله تَعَالَى يتَقَبَّل مني مَا وهب من ذَلِك ويبارك فِيهِ رَبنَا تقبل منا انك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم فانما الْبركَة وَالْخَيْر كُله بِيَدِهِ سُبْحَانَهُ وَمِنْه وَبِه وَله فَلهُ الْحَمد كُله كَمَا يَنْبَغِي لكريم وَجهه وَله الشُّكْر وَله الثَّنَاء لَا أحصي ثَنَاء عَلَيْهِ هُوَ كَمَا أثنى على نَفسه ثمَّ اني أختم هَذَا الْمُخْتَصر الْمُبَارك باني أسْتَغْفر الله وأسأله التجاوز عني والمسامحة فِي كل مَا أَخْطَأت فِيهِ من هَذَا الْمُخْتَصر وَغَيره فَانِي مَحل الْخَطَأ والغلط وَالْجهل وَأَهله وَهُوَ أهل الْمَغْفِرَة وَالسعَة والمسامحة والغنى الْأَعْظَم والكريم الأكرم عَن مضايقة الْمَسَاكِين والجاهلين اذ كَانَ تَعَالَى غَنِيا عَن عرفان العارفين غير متضرر بِجَهْل الْجَاهِلين وَآخر كَلَامي كَاف لَهُ أَن الْحَمد لله رب الْعَالمين وصلواته على سيدنَا مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله الطاهرين الطيبين وَصَحبه الرَّاشِدين وَلَا حول وَلَا قُوَّة الا بِاللَّه الْعلي الْعَظِيم