Полный текст (1 419 стр.). Показаны 1–40.
стр. 1
[مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا وَفَهْمًا، وَاخْتِمْ لِي وَلِلْمُسْلِمِينَ بِخَيْرٍ.
قَالَ سَيِّدُنَا وَشَيْخُنَا، الْإِمَامُ الْعَالِمُ الْعَامِلُ الْعَلَّامَةُ، الْبَحْرُ الْحَبْرُ الْفَهَّامَةُ، الْمُحَقِّقُ الْمُدَقِّقُ، نَاصِرُ السُّنَّةِ حَافِظُ عَصْرِهِ، وَوَحِيدُ دَهْرِهِ، شَمْسُ الدِّينِ سُلْطَانُ الْحُفَّاظِ وَالْمُحَدِّثِينَ، أَبُو الْخَيْرِ مُحَمَّدٌ السَّخَاوِيُّ الشَّافِعِيُّ: [خُطْبَةُ الْمُؤَلِّفِ] الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْعِلْمَ بِفُنُونِ الْخَبَرِ مَعَ الْعَمَلِ الْمُعْتَبَرِ بِهَا إِلَيْهِ أَتَمَّ وَسِيلَةً، وَوَصَلَ مَنْ أَسْنَدَ فِي بَابِهِ وَانْقَطَعَ إِلَيْهِ فَأَدْرَجَهُ فِي سِلْسِلَةِ الْمُقَرَّبِينَ لَدَيْهِ، وَأَوْضَحَ لَهُ الْمُشْكِلَ الْغَرِيبَ وَتَعْلِيلَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الْفَرْدُ الصَّمَدُ، أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ وَعَلَّمَهُ تَأْوِيلَهُ.
وَأَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّدٌ الْمُرْسَلُ بِالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ، وَالْمُعْجِزَاتِ الْمُتَوَاتِرَةِ، وَالْمَخْصُوصُ بِكُلِّ شَرَفٍ وَفَضِيلَةٍ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَأَنْصَارِهِ وَحِزْبِهِ، الَّذِينَ صَارَ الدِّينُ بِهِمْ عَزِيزًا، بَعْدَ فُشُوِّ كُلِّ شَاذٍّ وَمُنْكَرٍ وَرَذِيلَةٍ، وَرَضِيَ اللَّهُ عَنْ أَتْبَاعِهِمُ الْمُعَوَّلِ عَلَى إِجْمَاعِهِمْ مِمَّنِ اقْتَفَى أَثَرَهُ وَسَلَكَ سَبِيلَهُ، صَلَاةً وَسَلَامًا دَائِمَيْنِ غَيْرَ مُضْطَرِبَيْنِ يَنَالُ بِهِمَا الْعَبْدُ فِي الدَّارَيْنِ تَأْمِيلَهُ.
[مُقَدِّمَةُ الْمُؤَلِّفِ] وَبَعْدُ: فَهَذَا تَنْقِيحٌ لَطِيفٌ، وَتَلْقِيحٌ لِلْفَهْمِ الْمُنِيفِ، شَرَحْتُ فِيهِ أَلْفِيَّةَ الْحَدِيثِ، وَأَوْضَحْتُ بِهِ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ، فَفَتَحَ مِنْ كُنُوزِهَا الْمُحَصَّنَةِ الْأَقْفَالِ كُلَّ مُرْتَجٍ، وَطَرَحَ عَنْ رُمُوزِهَا الْإِشْكَالَ بِأَبْيَنِ الْحُجَجِ، سَابِكًا لَهَا فِيهِ ; بِحَيْثُ لَا تَتَخَلَّصُ مِنْهُ إِلَّا بِالتَّمْيِيزِ ; لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي إِظْهَارِهِ الْمَعْنَى.
تَارِكًا لِمَنْ لَا يَرَى حُسْنَ ذَلِكَ فِي خُصُوصِ النَّظْمِ وَالتَّرْجِيزِ ; لِكَوْنِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَنِّتًا لَمْ يَذُقِ الَّذِي هُوَ أَهْنَى، مُرَاعِيًا فِيهِ الِاعْتِنَاءَ بِالنَّاظِمِ رَجَاءَ بَرَكَتِهِ، سَاعِيًا فِي إِفَادَةِ مَا لَا غِنًى عَنْهُ لِأَئِمَّةِ الشَّأْنِ وَطَلَبَتِهِ، غَيْرَ طَوِيلٍ مُمِلٍّ، وَلَا قَصِيرٍ مُخِلٍّ، اسْتِغْنَاءً عَنْ
стр. 2
تَطْوِيلِهِ بِتَصْنِيفِي الْمَبْسُوطِ الْمُقَرَّرِ الْمَضْبُوطِ، الَّذِي جَعَلْتُهُ كَالنُّكَتِ عَلَيْهَا وَعَلَى شَرْحِهَا لِلْمُؤَلِّفِ.
وَعِلْمًا بِنَقْصِ هِمَمِ أَمَاثِلِ الْوَقْتِ فَضْلًا عَنِ الْمُتَعَرِّفِ، إِجَابَةً لِمَنْ سَأَلَنِي فِيهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ ذَوِي الْوَجَاهَةِ وَالتَّوْجِيهِ، مِمَّنْ خَاضَ مَعِي فِي الشَّرْحِ وَأَصْلِهِ، وَارْتَاضَ فِكْرُهُ بِمَا يَرْتَقِي بِهِ عَنْ أَقْرَانِهِ وَأَهْلِهِ.
نَفَعَنِي اللَّهُ وَإِيَّاهُ وَالْمُسْلِمِينَ بِذَلِكَ، وَيَسَّرَ لَنَا إِلَى كُلِّ خَيْرٍ أَقْرَبَ الْمَسَالِكِ بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ.
قَالَ ﵀:
١ - يَقُولُ رَاجِي رَبِّهِ الْمُقْتَدِرِ ... عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ الْحُسَيْنِ الْأَثَرِي
٢ - مِنْ بَعْدِ حَمْدِ اللَّهِ ذِي الْآلَاءِ ... عَلَى امْتِنَانٍ جَلَّ عَنْ إِحْصَاءِ
٣ - ثُمَّ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ دَائِمِ ... عَلَى نَبِيِّ الْخَيْرِ ذِي الْمَرَاحِمِ
٤ - فَهَذِهِ الْمَقَاصِدُ الْمُهِمَّهْ ... تُوَضِّحُ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ رَسْمَهْ
٥ - نَظَمْتُهَا تَبْصِرَةً لِلْمُبْتَدِي ... تَذْكِرَةً لِلْمُنْتَهِي وَالْمُسْنَدِ
٦ - لَخَّصْتُ فِيهَا ابْنَ الصَّلَاحِ أَجْمَعَهْ ... وَزِدْتُهَا عِلْمًا تَرَاهُ مَوْضِعَهْ
٧ - فَحَيْثُ جَاءَ الْفِعْلُ وَالضَّمِيرُ ... لِوَاحِدٍ وَمَنْ لَهُ مَسْتُورُ
٨ - كَـ " قَالَ " أَوْ أَطْلَقْتُ لَفْظَ " الشَّيْخِ " مَا ... أُرِيدُ إِلَّا ابْنَ الصَّلَاحِ مُبْهَمَا
٩ - وَإِنْ يَكُنْ لِاثْنَيْنِ نَحْوَ " الْتَزَمَا " فَمُسْلِمٌ ... مَعَ الْبُخَارِيِّ هُمَا
١٠ - وَاللَّهَ أَرْجُو فِي أُمُورِي كُلِّهَا ... مُعْتَصِمًا فِي صَعْبِهَا وَسَهْلِهَا.
(يَقُولُ) مِنَ الْقَوْلِ، وَهُوَ لَفْظٌ دَالٌّ عَلَى مَعْنًى مُفِيدٍ كَمَا هُنَا، أَوْ غَيْرِ مُفِيدٍ، (رَاجِي) اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ " الرَّجَاءِ " ضِدُّ الْخَوْفِ ; وَهُوَ تَوَقُّعُ مُمْكِنٍ يَقْتَضِي حُصُولَ مَا فِيهِ مَسَرَّةٌ، (رَبِّهِ) أَيْ: مَالِكِهِ الْإِلَهِ الَّذِي لَا تُطْلَقُ الرُّبُوبِيَّةُ عَلَى سِوَاهُ.
(الْمُقْتَدِرِ) عَلَى مَا أَرَادَ، وَهُوَ مِنْ صِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْعَظَمَةِ، وَلِذَا كَانَ أَبْلَغَ فِي قُوَّةِ الرَّجَاءِ ; إِذْ
стр. 3
وُجُودُهُ مِنِ اسْتِحْضَارِ صِفَاتِ الْجَلَالِ أَدَلُّ عَلَى وُجُودِهِ مَعَ اسْتِحْضَارِ صِفَاتِ الْجَمَالِ لَا سِيَّمَا، وَبِذَلِكَ يَكُونُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الْإِسْرَاءِ: ٥٧] .
[تَرْجَمَةُ صَاحِبِ الْأَلْفِيَّةِ]
(عَبْدُ الرَّحِيمِ) بَيَانُ الرَّاجِي، فَاعِلُ (يَقُولُ) ، أَوْ بَدَلٌ مِنْهُ، (ابْنُ الْحُسَيْنِ) ابْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، الزَّيْنُ أَبُو الْفَضْلِ (الْأَثَرِيُّ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمُثَلَّثَةِ، نِسْبَةً إِلَى (الْأَثَرِ) ، وَهُوَ لُغَةً: الْبَقِيَّةُ.
وَاصْطِلَاحًا: الْأَحَادِيثُ مَرْفُوعَةً كَانَتْ أَوْ مَوْقُوفَةً، عَلَى الْمُعْتَمَدِ، وَمِنْهُ: " شَرْحُ مَعَانِي الْآثَارِ " ; لِاشْتِمَالِهِ عَلَيْهِمَا، وَإِنْ قَصَرَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْمَوْقُوفِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ، وَانْتَسَبَ كَذَلِكَ جَمَاعَةٌ، وَحَسُنَ الِانْتِسَابُ إِلَيْهِ مِمَّنْ يُصَنِّفُ فِي فُنُونِهِ.
وَيُعْرَفُ أَيْضًا بِـ " الْعِرَاقِيِّ " لِكَوْنِ جَدِّهِ كَانَ يَكْتُبُهَا بِخَطِّهِ، انْتِسَابًا لِعِرَاقِ الْعَرَبِ، وَهُوَ الْقُطْرُ الْأَعَمُّ كَمَا قَالَهُ ابْنُهُ.
كَانَ إِمَامًا، عَلَّامَةً، مُقْرِئًا، فَقِيهًا، شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ، أُصُولِيًّا، مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ فِي فُنُونِ الْحَدِيثِ وَصِنَاعَتِهِ، ارْتَحَلَ فِيهِ إِلَى الْبِلَادِ النَّائِيَةِ، وَشَهِدَ لَهُ بِالتَّفَرُّدِ فِيهِ أَئِمَّةُ عَصْرِهِ، وَعَوَّلُوا عَلَيْهِ فِيهِ، وَسَارَتْ تَصَانِيفُهُ فِيهِ وَفِي غَيْرِهِ، وَدَرَّسَ، وَأَفْتَى، وَحَدَّثَ، وَأَمْلَى، وَوَلِيَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ نَحْوَ ثَلَاثِ سِنِينَ.
وَانْتَفَعَ بِهِ الْأَجِلَّاءُ، مَعَ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ، وَالتَّحَرِّي فِي الطَّهَارَةِ وَغَيْرِهَا، وَسَلَامَةِ الْفِطْرَةِ، وَالْمُحَافَظَةِ عَلَى أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ، وَالتَّقَنُّعِ بِالْيَسِيرِ، وَسُلُوكِ التَّوَاضُعِ وَالْكَرَمِ وَالْوَقَارِ، مَعَ الْأُبَّهَةِ وَالْمَحَاسِنِ الْجَمَّةِ.
وَقَدْ أَفْرَدَ ابْنُهُ تَرْجَمَتَهُ بِالتَّأْلِيفِ، فَلَا نُطِيلُ فِيهَا، وَهُوَ
стр. 4
فِي مَجْمُوعِهِ كَلِمَةُ إِجْمَاعٍ، وَقَدْ أُخِذَتْ عَنْ خَلْقٍ مِنْ أَصْحَابِهِ.
وَأَمَّا أَلْفِيَّتُهُ وَشَرْحُهَا فَتَلَقَّيْتُهُمَا مَعَ جُلِّ أَصْلِهِمَا دِرَايَةً عَنْ شَيْخِنَا إِمَامِ الْأَئِمَّةِ وَأَجَلِّ جَمَاعَتِهِ، وَالْأَلْفِيَّةُ فَقَطْ عَنْ جَمَاعَةٍ.
مَاتَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِمِائَةٍ (٨٠٦ هـ) عَنْ أَزْيَدَ مِنْ إِحْدَى وَثَمَانِينَ سَنَةً، ﵀ وَإِيَّانَا.
[الْحَمْدُ وَالْبَسْمَلَةُ] وَهُوَ وَإِنْ قَدَّمَ مَا أَسْلَفَهُ وَضْعًا فَذَاكَ.
(مِنْ بَعْدِ) ذِكْرِ (حَمْدِ اللَّهِ) لَفْظًا ; عَمَلًا بِحَدِيثِ: «كُلُّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ لَا يُبْدَأُ فِيهِ بِحَمْدِ اللَّهِ فَهُوَ أَقْطَعُ» وَ (مِنْ) بِالْكَسْرِ حَرْفٌ خَافِضٌ يَأْتِي لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ كَمَا هُنَا، وَلِغَيْرِهِ، وَ " بَعْدِ " بِالْجَرِّ نَقِيضُ (قَبْلُ) ، وَ (الْحَمْدُ) هُوَ الثَّنَاءُ عَلَى الْمَحْمُودِ بِأَفْعَالِهِ الْجَمِيلَةِ، وَأَوْصَافِهِ الْحَسَنَةِ الْجَلِيلَةِ.
وَ (اللَّهُ) عَلَمٌ عَلَى الْمَعْبُودِ بِحَقٍّ، وَهُوَ الْبَارِئُ سُبْحَانَهُ، الْمَحْمُودُ حَقِيقَةً عَلَى كُلِّ حَالٍ، وَهُوَ خَاصٌّ بِهِ لَا يُشْرِكُهُ فِيهِ غَيْرُهُ، وَلَا يُدْعَى بِهِ أَحَدٌ سِوَاهُ، قَبَضَ اللَّهُ الْأَلْسِنَةَ عَنْ ذَلِكَ.
عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ سَبْقَ التَّعْرِيفِ بِالْقَائِلِ غَيْرُ مُخِلٍّ بِالِابْتِدَاءِ، وَلَوْ لَمْ يُلْفَظْ بِهِ ; فَفِي حَدِيثٍ قَالَ الْحَاكِمُ " إِنَّهُ غَرِيبٌ حَسَنٌ " ; أَنَّهُ ﷺ كَتَبَ إِلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁: «مِنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ إِلَى مُعَاذٍ، سَلَامٌ عَلَيْكَ، فَإِنِّي أَحْمَدُ إِلَيْكَ اللَّهَ» . . . " إِلَى آخِرِهِ، وَكَذَا فِي غَيْرِهِ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
لَكِنْ مَعَ الِابْتِدَاءِ قَبْلَ اسْمِهِ بِالْبَسْمَلَةِ كَمَا
стр. 5
وَقَعَ لِلْمُؤَلِّفِ، وَفَعَلَهُ أَيْضًا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، ﵄، وَعَزَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ لِمُكَاتَبَةِ الْمُسْلِمِينَ، بَلْ يُقَالُ أَيْضًا: هَذَا الْحَدِيثُ رُوِيَ أَيْضًا بِـ " بِسْمِ اللَّهِ " بَدَلَ " بِحَمْدِ اللَّهِ " فَكَأَنَّهُ أُرِيدَ بِالْحَمْدَلَةِ وَالْبَسْمَلَةِ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْهُمَا ; وَهُوَ ذِكْرُ اللَّهِ وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ عَلَى الْجُمْلَةِ بِصِيغَةِ الْحَمْدِ أَوْ غَيْرِهَا.
وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ لَفْظُهَا: " بِذِكْرِ اللَّهِ " ; وَحِينَئِذٍ فَالْحَمْدُ وَالذِّكْرُ وَالْبَسْمَلَةُ سَوَاءٌ، فَمَنِ ابْتَدَأَ بِوَاحِدٍ مِنْهَا، حَصَلَ الْمَقْصُودُ مِنَ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ.
(ذِي الْآلَاءِ) أَيْ: صَاحِبِ النِّعَمِ وَالْجُودِ وَالْكَرَمِ، وَفِي وَاحِدِ (الْآلَاءِ) سَبْعُ لُغَاتٍ: " إِلًى " بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ، وَبِفَتْحِهَا مَعَ التَّنْوِينِ وَعَدَمِهِ، وَمُثَلَّثِ الْهَمْزَةِ مَعَ سُكُونِ اللَّامِ وَالتَّنْوِينِ (عَلَى امْتِنَانٍ) مِنَ اللَّهِ بِهِ مِنَ الْعَطَاءِ الْكَثِيرِ الَّذِي مِنْهُ التَّوَغُّلُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، عَلَى قَائِلِهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ.
وَاخْتِصَاصُ النَّاظِمِ بِكَوْنِهِ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ - فِيهِ إِمَامًا مُقْتَدًى بِهِ، وَالْمَنَّانُ: الَّذِي يَبْدَأُ بِالنَّوَالِ قَبْلَ السُّؤَالِ (جَلَّ) أَيْ: عَظُمَ عَطَاؤُهُ.
(عَنْ إِحْصَاءِ) بِعَدَدٍ ; قَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٣٤] (ثُمَّ صَلَاةٍ وَسَلَامٍ) بِالْجَرِّ عَطْفًا عَلَى (حَمْدٍ) (دَائِمٍ) كُلٍّ مِنْهُمَا، أَوْ تَلَفُّظِي بِهِمَا، أَوْ لِاقْتِرَانِهِمَا غَالِبًا صَارَا كَالْوَاحِدِ، وَفِي عَطْفِهِ بِـ (ثُمَّ) الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرْتِيبِ مَعَ الْمُهْلَةِ إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ أَثْنَى عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ زِيَادَةً عَلَى مَا ذَكَرَ بَيْنَهُمَا.
[وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ] وَ (الصَّلَاةُ) مِنَ اللَّهِ عَلَى نَبِيِّهِ ثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ وَتَعْظِيمُهُ لَهُ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ وَغَيْرِهِمْ: طَلَبُ الزِّيَادَةِ لَهُ [بِتَكْثِيرِ أَتْبَاعِهِ أَوِ الْعُلَمَاءِ، وَنَحْوِهِمْ مَثَلًا]
стр. 6
لِلْعِلْمِ بِتَنَاهِيهِ فِي كُلِّ شَرَفٍ، وَلَمْ يُفْرِدْهَا عَنِ (السَّلَامِ) لِتَصْرِيحِ النَّوَوِيِّ ﵀ بِكَرَاهَةِ إِفْرَادِ أَحَدِهِمَا عَنِ الْآخَرِ، وَإِنْ خَصَّهَا شَيْخِي بِمَنْ جَعَلَهَا دَيْدَنًا ; لِوُقُوعِ الْإِفْرَادِ فِي كَلَامِ إِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَئِمَّةِ الْهُدَى، وَمِنْهُمُ النَّوَوِيُّ نَفْسُهُ فِي خُطْبَةِ (تَقْرِيبِهِ) كَمَا فِي كَثِيرٍ مِنْ نُسَخِهِ.
وَكَذَا أَتَى بِهَا مَعَ الْحَمْدِ عَمَلًا بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ الْمَاضِي: «بِحَمْدِ اللَّهِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ فَهُوَ أَبْتَرُ» مَمْحُوقٌ مِنْ كُلِّ بَرَكَةٍ، وَإِنْ كَانَ سَنَدُهُ ضَعِيفًا ; لِأَنَّهُ فِي الْفَضَائِلِ، مَعَ مَا فِي إِثْبَاتِهَا فِي الْكِتَابِ مِنَ الْفَضْلِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي مَحَلِّهِ (عَلَى نَبِيِّ الْخَيْرِ) الْجَامِعِ لِكُلِّ مَحْمُودٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ (ذِي) أَيْ: صَاحِبِ (الْمَرَاحِمِ) نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ﷺ .
[مَعْنَى النَّبِيِّ] وَحَقِيقَةُ " النَّبِيِّ " وَالْأَكْثَرُ فِي التَّلَفُّظِ بِهِ عَدَمُ الْهَمْزِ: إِنْسَانٌ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِشَرْعٍ وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِتَبْلِيغِهِ، فَإِنْ أُمِرَ بِالتَّبْلِيغِ فَرَسُولٌ أَيْضًا، وَلِذَا كَانَ الْوَصْفُ بِهَا أَشْمَلَ، فَالْعُدُولُ عَنْهَا إِمَّا لِلتَّأَسِّي بِالْخَبَرِ الْآتِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَ وَصْفَيِ النُّبُوَّةِ وَالرَّحْمَةِ، أَوْ لِمُنَاسَبَةِ عُلُومِ الْخَبَرِ ; لِأَنَّ أَحَدَ مَا قِيلَ فِي اشْتِقَاقِهِ أَنَّهُ مِنَ النَّبَأِ وَهُوَ الْخَبَرُ، أَوْ لِأَنَّهُ فِي مَقَامِ التَّعْرِيفِ الَّذِي يَحْصُلُ الِاكْتِفَاءُ فِيهِ بِأَيِّ صِفَةٍ أَدَّتِ الْمُرَادَ،
стр. 7
لَا فِي مَقَامِ الْوَصْفِ، عَلَى أَنَّ الْعِزَّ بْنَ عَبْدِ السَّلَامِ جَنَحَ لِتَفْضِيلِ النُّبُوَّةِ عَلَى الرِّسَالَةِ، وَذَهَبَ غَيْرُهُ إِلَى خِلَافِهِ، كَمَا سَأُوَضِّحُهُ فِي إِبْدَالِ الرَّسُولِ بِالنَّبِيِّ.
وَ " الْمَرَاحِمُ " جَمْعُ مَرْحَمَةٍ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ مَفْعَلَةٌ مِنَ الرَّحْمَةِ، فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ ﷺ قَالَ: «أَنَا نَبِيُّ التَّوْبَةِ، وَنَبِيُّ الْمَرْحَمَةِ» وَفِي نُسْخَةٍ مِنْهُ وَهِيَ الَّتِي اعْتَمَدَهَا الدِّمْيَاطِيُّ: «وَنَبِيُّ الْمَلْحَمَةِ» بِاللَّامِ بَدَلَ الرَّاءِ، وَفِي أُخْرَى: «وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ» ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ: «إِنَّ اللَّهَ بَعَثَنِي مَلْحَمَةً وَمَرْحَمَةً» وَفِي آخَرَ: «أَنَا نَبِيُّ الْمَلَاحِمِ، وَنَبِيُّ الرَّحْمَةِ» .
قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيمَا عَدَا الْمَلْحَمَةِ مَعْنَاهَا وَاحِدٌ مُتَقَارِبٌ، وَمَقْصُودُهَا أَنَّهُ ﷺ جَاءَ بِالتَّوْبَةِ وَبِالتَّرَاحُمِ.
قُلْتُ: وَأَمَّا الْمَلْحَمَةُ فَهِيَ الْمَعْرَكَةُ، فَكَأَنَّهُ الْمَبْعُوثُ بِالْقِتَالِ وَالْجِهَادِ، وَقَدْ وَصَفَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الْفَتْحِ: ٢٩] ، ﴿وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ﴾ [الْبَلَدِ: ١٧] أَيْ: يَرْحَمُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، وَهِيَ فِي حَقِّنَا بِالْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ: رِقَّةٌ فِي الْقَلْبِ وَتَعَطُّفٌ، وَمِنَ الرَّحِيمِ: إِرَادَةُ الْخَيْرِ بِعَبِيدِهِ، وَمِنَ الْمَلَائِكَةِ: طَلَبُهَا مِنْهُ لَنَا.
стр. 8
ثُمَّ إِنَّهُ لِقُوَّةِ الْأَسْبَابِ عِنْدَ الْمَرْءِ فِيمَا يُوَجِّهُ إِلَيْهِ عَزْمَهُ، وَيَجْمَعُ عَلَيْهِ رَأْيَهُ، يَصِيرُ فِي حُكْمِ الْمَوْجُودِ الْحَاضِرِ ; بِحَيْثُ يُنْزِلُهُ مَنْزِلَتَهُ، وَيُعَامِلُهُ بِالْإِشَارَةِ إِلَيْهِ مُعَامَلَتَهُ، وَلِذَا قَالَ مَعَ التَّخَلُّصِ فِي التَّعْبِيرِ أَوَّلًا بِـ " يَقُولُ " عَنِ اعْتِذَارٍ.
(فَهَذِهِ) ; وَالْفَاءُ إِمَّا الْفَصِيحَةُ، فَالْمَقُولُ مَا بَعْدَهَا، أَوْ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: إِنْ كُنْتَ أَيُّهَا الطَّالِبُ تُرِيدُ الْبَحْثَ عَنْ عُلُومِ الْخَبَرِ، فَهَذِهِ (الْمَقَاصِدُ) جَمْعُ مَقْصِدٍ، وَهُوَ مَا يَؤُمُّهُ الْإِنْسَانُ مِنْ أَمْرٍ وَيَطْلُبُهُ (الْمُهِمَّهْ) مِنَ الشَّيْءِ الْمُهِمِّ، وَهُوَ الْأَمْرُ الشَّدِيدُ الَّذِي يُقْصَدُ بِعَزْمٍ، (تُوضِحُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ (أَوْضَحَ) أَيْ: تُظْهِرُ وَتُبِينُ (مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ) الَّذِي هُوَ مَعْرِفَةُ الْقَوَاعِدِ الْمُعَرِّفَةِ بِحَالِ الرَّاوِي وَالْمَرْوِيِّ، (رَسْمُهْ) أَيْ: أَثَرُهُ الَّذِي تُبْنَى عَلَيْهِ أُصُولُهُ.
وَفِي التَّعْبِيرِ بِهِ إِشَارَةٌ إِلَى دُرُوسِ كَثِيرٍ مِنْ هَذَا الْعِلْمِ الَّذِي بَادَ حُمَّالُهُ، وَحَادَ عَنِ السَّنَنِ الْمُعْتَبَرِ عُمَّالُهُ، وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ إِلَّا آثَارُهُ، بَعْدَ أَنْ كَانَتْ دِيَارُ أَوْطَانِهِ بِأَهْلِهِ آهِلَةً، وَخُيُولُ فُرْسَانِهِ فِي مَيْدَانِهِ صَاهِلَةً:
وَقَدْ كُنَّا نَعُدُّهُمُ قَلِيلًا فَقَدْ صَارُوا أَقَلَّ مِنَ الْقَلِيلِ.
وَ (الْحَدِيثُ) لُغَةً: ضِدُّ الْقَدِيمِ، وَاصْطِلَاحًا: مَا أُضِيفَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا لَهُ أَوْ فِعْلًا أَوْ تَقْرِيرًا أَوْ صِفَةً، حَتَّى الْحَرَكَاتُ وَالسَّكَنَاتُ فِي الْيَقَظَةِ وَالْمَنَامِ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ السُّنَّةِ [الْآتِيَةِ قَرِيبًا] ، وَكَثِيرًا مَا يَقَعُ فِي كَلَامِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَمِنْهُمُ النَّاظِمُ، مَا يَدُلُّ لِتَرَادُفِهِمَا.
(نَظَمْتُهَا) أَيِ: الْمَقَاصِدَ ; حَيْثُ سَلَكْتُ فِي جَمْعِهَا الْمَشْيَ عَلَى بَحْرٍ مِنَ الْبُحُورِ الْمَعْرُوفَةِ عِنْدَ أَهْلِ الشِّعْرِ، وَإِنْ كَانَ النَّظْمُ فِي الْأَصْلِ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ ; إِذْ هُوَ جَمْعُ الْأَشْيَاءِ عَلَى هَيْئَةٍ مُتَنَاسِقَةٍ.
(تَبْصِرَةً لِلْمُبْتَدِي) بِتَرْكِ هَمْزِهِ، يَتَبَصَّرُ بِهَا مَا لَمْ يَكُنْ بِهِ عَالِمًا، وَ (تَذْكِرَةً لِلْمُنْتَهِي) وَهُوَ الَّذِي حَصَّلَ مِنَ الشَّيْءِ أَكْثَرَهُ وَأَشْهَرَهُ،
стр. 9
وَصَلَحَ مَعَ ذَلِكَ لِإِفَادَتِهِ وَتَعْلِيمِهِ، وَالْإِرْشَادِ إِلَيْهِ وَتَفْهِيمِهِ، يَتَذَكَّرُ بِهَا مَا كَانَ عَنْهُ ذَاهِلًا، (وَ) كَذَا لِلرَّاوِي (الْمُسْنِدِ) الَّذِي اعْتَنَى بِالْإِسْنَادِ فَقَطْ، فَهُوَ يَتَذَكَّرُ بِهَا كَيْفِيَّةَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ وَمُتَعَلِّقَاتِهِ، كَمَا يَتَذَكَّرُ بِهَا الْمُنْتَهِي مَجْمُوعَ الْفَنِّ، فَبَيْنَ الْمُسْنِدِ وَالْمُنْتَهِي عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ، وَأُشِيرَ بِـ (التَّبْصِرَةِ وَالتَّذْكِرَةِ) إِلَى لَقَبِ هَذِهِ الْمَنْظُومَةِ، وَهُمَا بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ لَهُ تُرِكَ فِيهِ الْعَاطِفُ، وَلَمْ أَتَكَلَّفْ تَخْلِيصَ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ بُطُونِ الْكُتُبِ وَالدَّفَاتِرِ.
وَلَكِنْ (لَخَّصْتُ فِيهَا ابْنَ الصَّلَاحِ) أَيْ: مَقَاصِدَ كِتَابِهِ الشَّهِيرِ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يُوسُفَ: ٨٢] حَيْثُ اخْتَصَرْتُ مِنْ أَلْفَاظِهِ، وَأَثْبَتُّ مَقْصُودَهُ (أَجْمَعَهْ) ، وَلَا يُنَافِي التَّأْكِيدَ حَذْفُ كَثِيرٍ مِنْ أَمْثِلَتِهِ وَتَعَالِيلِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ; إِذْ هُوَ تَأْكِيدٌ لِلْمَقْصُودِ الْمُقَدَّرِ ; كَأَنَّهُ قَالَ: لَخَّصْتُ الْمَقْصُودَ أَجْمَعَهُ.
وَالتَّأْكِيدُ بِـ " أَجْمَعَ " غَيْرُ مَسْبُوقٍ بِـ " كُلٍّ " وَاقِعٌ فِي الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُ: إِذًا ظَلَلْتُ الدَّهْرَ أَبْكِي أَجْمَعَا.
وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا لِلتَّقْوِيَةِ كَـ ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ﴾ [الحجر: ٣٠] . [الْحِجْرِ: ٣٠]
[تَرْجَمَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ] وَ (الصَّلَاحُ) تَخْفِيفٌ مِنْ لَقَبِ وَالِدِهِ، فَإِنَّهُ هُوَ الْعَلَّامَةُ الْفَقِيهُ، حَافِظُ الْوَقْتِ، مُفْتِي الْفِرَقِ، شَيْخُ الْإِسْلَامِ، تَقِيُّ الدِّينِ أَبُو عَمْرٍو عُثْمَانُ ابْنُ الْإِمَامِ الْبَارِعِ صَلَاحِ الدِّينِ أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عُثْمَانَ الشَّهْرُزُورِيُّ الْمَوْصِلِيُّ ثُمَّ الدِّمَشْقِيُّ الشَّافِعِيُّ.
كَانَ إِمَامًا بَارِعًا حُجَّةً، مُتَبَحِّرًا فِي الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ، بَصِيرًا بِالْمَذْهَبِ وَوُجُوهِهِ، خَبِيرًا بِأُصُولِهِ، عَارِفًا بِالْمَذَاهِبِ، جَيِّدَ الْمَادَّةِ مِنَ اللُّغَةِ
стр. 10
وَالْعَرَبِيَّةِ، حَافِظًا لِلْحَدِيثِ مُتْقِنًا فِيهِ، حَسَنَ الضَّبْطِ كَبِيرَ الْقَدْرِ، وَافِرَ الْحُرْمَةِ، عَدِيمَ النَّظَرِ فِي زَمَانِهِ، مَعَ الدِّينِ وَالْعِبَادَةِ، وَالنُّسُكِ وَالصِّيَانَةِ، وَالْوَرَعِ وَالتَّقْوَى.
انْتَفَعَ بِهِ خَلْقٌ، وَعَوَّلُوا عَلَى تَصَانِيفِهِ، خُصُوصًا كِتَابُهُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا وَقَدْ سَمِعْتُهُ عَلَيْهِ بَحْثًا إِلَّا يَسِيرًا مِنْ أَوَّلِهِ كَمَا تَقَدَّمَ مَا نَصُّهُ:
لَا يُحْصَى كَمْ نَاظِمٍ لَهُ وَمُخْتَصِرٍ، وَمُسْتَدْرِكٍ عَلَيْهِ وَمُقْتَصِرٍ، وَمُعَارِضٍ لَهُ وَمُنْتَصِرٍ، مَاتَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ (٦٤٣ هـ) عَنْ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً، ﵀.
وَمَعَ اسْتِيفَائِي فِيهَا لِمَقَاصِدِ كِتَابِهِ (زِدْتُهَا عِلْمًا) مِنْ إِصْلَاحٍ لِخَلَلٍ وَقَعَ فِي كَلَامِهِ، أَوْ زِيَادَةٍ فِي عَدِّ أَقْسَامِ تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ، أَوْ فَائِدَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ.
(تَرَاهُ) أَيِ: الْمَزِيدَ (مَوْضِعَهُ) بِمُلَاحَظَةِ أَصْلِهَا ; لِأَنَّهُ وَإِنْ مَيَّزَ أَوَّلَ كَثِيرٍ مِنْهُ بِـ " قُلْتُ "، أَوْ تَمَيَّزَ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْعَارِفِ ; لِكَوْنِهِ حِكَايَةً عَنْ مُتَأَخِّرٍ عَنِ ابْنِ الصَّلَاحِ بِالصَّرِيحِ، أَوْ بِالْإِشَارَةِ، أَوْ تَعَقُّبًا لِكَلَامِهِ بِرَدٍّ أَوْ إِيضَاحٍ، فَآخِرُهُ قَدْ لَا يَتَمَيَّزُ، وَأَيْضًا فَقَدْ فَاتَهُ أَشْيَاءُ كَثِيرَةٌ لَمْ يُمَيِّزْهَا بِـ " قُلْتُ "، وَلَا تَمَيَّزَتْ بِمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ، كَمَا سَأُوَضِّحُ ذَلِكَ فِي مَحَالِّهِ.
وَكَذَا أَشَرْتُ مِنْ أَجْلِ التَّلْخِيصِ لِعَزْوِ مَا يَكُونُ مِنَ اخْتِيَارَاتِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَتَحْقِيقَاتِهِ إِلَيْهِ.
(فَحَيْثُ) الْفَاءُ هِيَ الْفَصِيحَةُ، أَوْ تَفْرِيعِيَّةٌ عَلَى " لَخَّصْتُ " (جَاءَ الْفِعْلُ وَالضَّمِيرُ) عَلَى الْبَدَلِ (لِوَاحِدٍ) لَا لِاثْنَيْنِ (وَمَنْ) أَيْ: وَالَّذِي كُلٌّ مِنَ الْفِعْلِ وَالضَّمِيرِ (لَهُ مَسْتُورُ) أَيْ: غَيْرُ مَعْلُومٍ، تَشْبِيهًا لَهُ بِالْمُغَطَّى ; بِأَنْ لَمْ يُذْكَرْ فَاعِلُ الْفِعْلِ مَعَهُ، وَلَا تَقَدَّمَ كُلًّا مِنَ الْفِعْلِ أَوِ الضَّمِيرِ الْمُوَحَّدَيْنِ اسْمٌ يَعُودُ عَلَيْهِ كَـ " قَالَ " فِي أَمْثِلَةِ الْفِعْلِ.
مِنْ مِثْلِ قَوْلِهِ فِي الْحَسَنِ: (وَقَالَ بَانَ لِي بِإِمْعَانِي النَّظَرَ) وَ " لَهُ " فِي الضَّمِيرِ مِنْ مِثْلِ قَوْلِهِ فِي حُكْمِ الصَّحِيحَيْنِ: " كَذَا لَهُ " (أَوْ أَطْلَقْتُ لَفْظَ الشَّيْخِ)
стр. 11
كَقَوْلِهِ: " فَالشَّيْخُ فِيمَا بَعْدُ قَدْ حَقَّقَهُ " (مَا أُرِيدُ) بِكُلٍّ مِنَ الْفَاعِلِ، وَصَاحِبِ الضَّمِيرِ وَالشَّيْخِ، (إِلَّا ابْنَ الصَّلَاحِ مُبْهَمَا) بِفَتْحِ الْهَاءِ حَالٌ مِنَ الْمَفْعُولِ، وَهُوَ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَبِكَسْرِهَا حَالٌ مِنْ فَاعِلٍ، (أُرِيدُ) وَهُوَ النَّاظِمُ (وَإِنْ يَكُنْ) أَيِ: الْمَذْكُورُ مِنَ الْفِعْلِ أَوِ الضَّمِيرِ (لِاثْنَيْنِ) فَفِي الْفِعْلِ (نَحْوُ) قَوْلِكِ: (الْتَزَمَا) ، وَقَوْلِهِ: (وَاقْطَعْ بِصِحَّةٍ لِمَا قَدْ أُسْنِدَا) وَفِي الضَّمِيرِ نَحْوُ (وَأَرْفَعُ الصَّحِيحِ مَرْوِيُّهُمَا) (فَمُسْلِمٌ مَعَ الْبُخَارِيِّ هُمَا) وَقَدَّمَ الْأَوَّلَ لِلضَّرُورَةِ لَا سِيَّمَا وَإِضَافَتُهُ لِلثَّانِي بِالْمَعِيَّةِ مُشْعِرَةٌ بِالتَّبَعِيَّةِ وَالْمَرْجُوحِيَّةِ.
وَرُبَّمَا يُعَكِّرُ عَلَى هَذَا الِاصْطِلَاحِ مَا تَكُونُ أَلِفُهُ لِلْإِطْلَاقِ كَقَوْلِهِ: (وَقِيلَ مَا لَمْ يَتَّصِلْ وَقَالَا) .
وَكَقَوْلِهِ فِي اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ الشُّيُوخِ: (وَمَا بِبَعْضٍ ذَا وَذَا وَقَالَا) وَإِنْ كَانَ مُتَمَيِّزًا بِرَسْمِ الْكِتَابَةِ، وَأَمَّا مَا لَهُ مَرْجِعٌ كَقَوْلِهِ: (وُرُودُ مَا قَالَا فَلَا يُرَدُّ) (وَاللَّهَ) بِالنَّصْبِ مَعْمُولُ (أَرْجُو) وَقُدِّمَ لِلِاخْتِصَاصِ نَحْوُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ [الْفَاتِحَةِ: ٥] .
(فِي أُمُورِي كُلِّهَا مُعْتَصَمًا) بِفَتْحِ الصَّادِ، تَمْيِيزٌ لِلنِّسْبَةِ أَيْ: أَرْجُوهُ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِصَامِ بِمَعْنَى الْحِفْظِ وَالْوِقَايَةِ، وَبِكَسْرِهَا أَيْ: مُمْتَنِعًا عَلَى أَنَّهُ حَالٌ مِنَ الْفَاعِلِ وَهُوَ النَّاظِمُ، أَيْ: أُؤَمِّلُ اللَّهَ فِي حَالَةِ كَوْنِي مُعْتَصِمًا.
(فِي صَعْبِهَا) أَيْ: أُمُورِي (وَ) فِي (سَهْلِهَا) ، وَالصَّعْبُ وَكَذَا الْحَزَنُ ضِدُّ السَّهْلِ ; فَبِأَيِّ لَفْظٍ جِيءَ بِهِ مِنْهُمَا تَحْصُلُ الْمُطَابَقَةُ الْمَحْضَةُ مِنْ أَنْوَاعِ الْبَدِيعِ، وَلَكِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْحَزَنِ أَبْلَغُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّأَسِّي بِهِ ﷺ ; حَيْثُ قَالَ: «وَأَنْتَ إِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ الْحَزَنَ سَهْلًا» وَحَيْثُ أَمَرَ بِتَغْيِيرِ " حَزَنٍ " بِـ " سَهْلٍ " وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ.
стр. 12
[أَقْسَامُ الْحَدِيثِ]
[الحديث الصَّحِيحُ]
الصَّحِيحُ.
١١ - وَأَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ قَسَّمُوا السُّنَنْ ... إِلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَحَسَنْ
١٢ - فَالْأَوَّلُ الْمُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ ... بِنَقْلِ عَدْلٍ ضَابِطِ الْفُؤَادِ
١٣ - عَنْ مِثْلِهِ مِنْ غَيْرِ مَا شُذُوذِ ... وَعِلَّةٍ قَادِحَةٍ فَتُوذِي
١٤ - وَبِالصَّحِيحِ وَالضَّعِيفِ قَصَدُوا ... فِي ظَاهِرٍ لَا الْقَطْعَ وَالْمُعْتَمَدُ
١٥ - إِمْسَاكُنَا عَنْ حُكْمِنَا عَلَى سَنَدْ ... بِأَنَّهُ أَصَحُّ مُطْلَقًا وَقَدْ
١٦ - خَاضَ بِهِ قَوْمٌ فَقِيلَ مَالِكُ ... عَنْ نَافِعٍ بِمَا رَوَاهُ النَّاسِكُ
١٧ - مَوْلَاهُ وَاخْتَرْ حَيْثُ عَنْهُ يُسْنِدُ ... الشَّافِعِيُّ قُلْتُ وَعَنْهُ أَحْمَدُ
١٨ - وَجَزَمَ ابْنُ حَنْبَلٍ بِالزُّهْرِي ... عَنْ سَالِمٍ أَيْ عَنْ أَبِيهِ الْبَرِّ
١٩ - وَقِيلَ زَيْنُ الْعَابِدِينَ عَنْ أَبِهْ ... عَنْ جَدِّهِ وَابْنُ شِهَابٍ عَنْهُ بِهْ
٢٠ - أَوْ فَابْنُ سِيرِينَ عَنِ السَّلْمَانِي ... عَنْهُ أَوِ الْأَعْمَشُ عَنْ ذِي الشَّانِ
٢١ - النَّخَعِيُّ عَنِ ابْنِ قَيْسٍ عَلْقَمَهْ ... عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلُمْ مَنْ عَمَّمَهْ.
(أَقْسَامُ الْحَدِيثِ) جَمْعُ قِسْمٍ، وَهُوَ وَالنَّوْعُ، وَالصِّنْفُ، وَالضَّرْبُ، مَعَانِيهَا مُتَقَارِبَةٌ، وَرُبَّمَا تُسْتَعْمَلُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ.
(وَأَهْلُ هَذَا الشَّأْنِ) أَيِ: الْحَدِيثِ (قَسَّمُوا) - بِالتَّشْدِيدِ - السُّنَنَ الْمُضَافَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا لَهُ أَوْ فِعْلًا أَوْ تَقْرِيرًا وَكَذَا وَصْفًا وَأَيَّامًا.
(إِلَى صَحِيحٍ وَضَعِيفٍ وَحَسَنٍ) وَذَلِكَ بِالنَّظَرِ لِمَا اسْتَقَرَّ اتِّفَاقُهُمْ بَعْدَ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ، وَإِلَّا فَمِنْهُمْ - كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَسَنِ مِمَّا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ عُلُومِهِ - مَنْ يُدْرِجُ الْحَسَنَ فِي الصَّحِيحِ ; لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الِاحْتِجَاجِ.
بَلْ نَقَلَ ابْنُ تَيْمِيَةَ إِجْمَاعَهُمْ إِلَّا التِّرْمِذِيَّ خَاصَّةً - عَلَيْهِ أَوْ بِالنَّظَرِ ;
стр. 13
لِأَنَّهُ لَمْ يَقَعْ فِي مَجْمُوعِ كَلَامِهِمُ التَّقْسِيمُ لِأَكْثَرَ مِنَ الثَّلَاثَةِ وَإِنِ اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِهَا كَمَا رَكِبَ الْقَوْمُ دَوَابَّهُمْ.
وَخُصَّتِ الثَّلَاثَةُ بِالتَّقْسِيمِ لِشُمُولِهَا لِمَا عَدَاهَا مِمَّا سَيَذْكُرُ مِنْ مَبَاحِثِ الْمَتْنِ دُونَ مُخْتَلِفِهِ وَغَرِيبِهِ وَنَاسِخِهِ، بَلْ وَلِأَكْثَرِ مَبَاحِثِ السَّنَدِ ; كَالتَّدْلِيسِ وَالِاخْتِلَاطِ وَالْعَنْعَنَةِ، وَالْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ، وَمَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ أَوْ تُرَدُّ، وَالثِّقَاتِ وَالضُّعَفَاءِ، وَالصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَطُرُقِ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ وَالْمُبْهَمَاتِ.
وَالْحَاصِلُ شُمُولُهَا لِكُلِّ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ الْقَبُولُ وَالرَّدُّ مِنْهَا، وَلِخُرُوجِ مَا يَخْرُجُ مِنَ الْأَنْوَاعِ عَنْهَا أَشَارَ ابْنُ الصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الضَّعِيفِ: (وَالْمَلْحُوظُ فِيمَا نُورِدُهُ مِنَ الْأَنْوَاعِ، أَيْ: بَعْدَهُ، عُمُومُ أَنْوَاعِ عُلُومِ الْحَدِيثِ، لَا خُصُوصُ أَنْوَاعِ التَّقْسِيمِ الَّذِي فَرَغْنَا الْآنَ مِنْ تَقْسِيمِهِ) .
وَأَدْرَجَ الضَّعِيفَ فِي السُّنَنِ تَغْلِيبًا، وَإِلَّا فَهُوَ لَا يُسَمَّى سُنَّةً، وَكَذَا قُدِّمَ عَلَى الْحَسَنِ لِلضَّرُورَةِ، أَوْ لِمُرَاعَاةِ الْمُقَابَلَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّحِيحِ، أَوْ لِمُلَاحَظَةِ صَنِيعِ الْأَكْثَرِينَ، لَا سِيَّمَا وَالْحَسَنُ رُتْبَةٌ مُتَوَسِّطَةٌ بَيْنَهُمَا، فَأَعْلَاهَا مَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْحَسَنِ لِذَاتِهِ، وَأَدْنَاهَا مَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ بِاعْتِبَارِ الْانْجِبَارِ.
وَالْأَوَّلُ صَحِيحٌ عِنْدَ قَوْمٍ، حَسَنٌ عِنْدَ قَوْمٍ، وَالثَّانِي حَسَنٌ عِنْدَ قَوْمٍ، ضَعِيفٌ عِنْدَ قَوْمٍ، وَهُمْ مَنْ لَا يُثْبِتُ الْوَاسِطَةَ، أَوْ بِالنَّظَرِ إِلَى الْإِنْفِرَادِ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِتَأْخِيرِهِ الضَّعِيفَ حِينَ تَفْصِيلِهَا. وَلَا يَخْدِشُ فِيهِ تَيَسُّرُ تَأْخِيرِهِ فِي نَظْمِ بَعْضِ الْآخِذِينَ عَنِ النَّاظِمِ، حَيْثُ قَالَ: عِلْمُ الْحَدِيثِ رَاجِعُ الصُّنُوفِ إِلَى صَحِيحٍ حَسَنٍ ضَعِيفِ
[الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ] (فَالْأَوَّلُ) أَيِ: الصَّحِيحُ، وَقُدِّمَ لِاسْتِحْقَاقِهِ التَّقْدِيمَ رُتْبَةً وَوَضْعًا، وَتَرْكُ تَعْرِيفِهِ لُغَةً بِأَنَّهُ ضِدُّ الْمَكْسُورِ وَالسَّقِيمِ، وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي الْأَجْسَامِ، بِخِلَافِهِ فِي الْحَدِيثِ وَالْعِبَادَةِ وَالْمُعَامَلَةِ وَسَائِرِ الْمَعَانِي فَمَجَازٌ، أَوْ مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ
стр. 14
بِالتَّبَعِيَّةِ ; لِكَوْنِهِ خُرُوجًا عَنِ الْغَرَضِ.
(الْمُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ) أَيِ: السَّالِمُ إِسْنَادُهُ - الَّذِي هُوَ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا فِي شَرْحِ النُّخْبَةِ: الطَّرِيقُ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى الْمَتْنِ، مَعَ قَوْلِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ: إِنَّهُ حِكَايَةُ طَرِيقِ الْمَتْنِ وَهُوَ أَشْبَهُ، فَذَاكَ تَعْرِيفُ السَّنَدِ، وَالْأَمْرُ سَهْلٌ - عَنْ سَقْطٍ ; بِحَيْثُ يَكُونُ كُلٌّ مِنْ رُوَاتِهِ سَمِعَ ذَلِكَ الْمَرْوِيَّ مِنْ شَيْخِهِ.
[شُرُوطِ الحديث الصَّحِيحِ]
[تَفْصِيلُ شُرُوطِ الصَّحِيحِ] وَهَذَا هُوَ الشَّرْطُ الْأَوَّلُ، وَبِهِ خَرَجَ الْمُنْقَطِعُ، وَالْمُرْسَلُ بِقِسْمَيْهِ، وَالْمُعْضَلُ الْآتِي تَعْرِيفُهَا فِي مَحَالِّهَا، وَالْمُعَلَّقُ الصَّادِرُ مِمَّنْ لَمْ يَشْتَرِطِ الصِّحَّةَ كَالْبُخَارِيِّ ; لِأَنَّ تَعَالِيقَهُ الْمَجْزُومَةَ الْمُسْتَجْمِعَةَ لِلشُّرُوطِ فِيمَنْ بَعْدَ الْمُعَلَّقِ عَنْهُ لَهَا حُكْمُ الْاتِّصَالِ، وَإِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهَا مِنْ طَرِيقِ الْمُعَلَّقِ عَنْهُ فَهُوَ لِقُصُورِنَا وَتَقْصِيرِنَا.
وَاتِّصَالُهُ (بِنَقْلِ عَدْلٍ) وَهُوَ مَنْ لَهُ مَلَكَةٌ تَحْمِلُهُ عَلَى مُلَازَمَةِ التَّقْوَى وَالْمُرُوءَةِ، عَلَى مَا سَيَأْتِي مَعَ الْبَسْطِ فِي مَحَلِّهِ، وَهَذَا هُوَ ثَانِي الشُّرُوطِ، وَبِهِ خَرَجَ مَنْ فِي سَنَدِهِ مَنْ عُرِفَ ضَعْفُهُ أَوْ جُهِلَتْ عَيْنُهُ أَوْ حَالُهُ، حَسْبَمَا يَجِيءُ فِي بَيَانِهَا (ضَابِطِ) أَيْ: حَازِمٍ، (الْفُؤَادِ) بِضَمِّ الْفَاءِ ثُمَّ وَاوٍ مَهْمُوزَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ أَيِ: الْقَلْبِ، فَلَا يَكُونُ مُغَفَّلًا غَيْرَ يَقِظٍ وَلَا مُتْقِنٍ، لِئَلَّا يَرْوِيَ مِنْ كِتَابِهِ الَّذِي تَطَرَّقَ إِلَيْهِ الْخَلَلُ، وَهُوَ لَا يَشْعُرُ، أَوْ مِنْ حِفْظِهِ الْمُخْتَلِّ فَيُخْطِئَ ; إِذِ الضَّبْطُ ضَبْطَانِ: ضَبْطُ صَدْرٍ، وَضَبْطُ كِتَابٍ.
فَالْأَوَّلُ: هُوَ الَّذِي يُثْبِتُ مَا سَمِعَهُ ; بِحَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنَ اسْتِحْضَارِهِ مَتَى شَاءَ.
وَالثَّانِي: هُوَ صَوْنُهُ لَهُ عَنْ تَطَرُّقِ الْخَلَلِ إِلَيْهِ مِنْ حِينِ سَمِعَ فِيهِ إِلَى أَنْ يُؤَدِّيَ، وَإِنْ مَنَعَ بَعْضُهُمُ الرِّوَايَةَ مِنَ الْكِتَابِ.
стр. 15
وَهَذَا - أَعْنِي الضَّبْطَ - هُوَ ثَالِثُ الشُّرُوطِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ ; حَيْثُ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّدُوقِ وَالثِّقَةِ وَالضَّابِطِ، وَجَعَلُوا لِكُلِّ صِفَةٍ مِنْهَا مَرْتَبَةً دُونَ الَّتِي بَعْدَهَا، وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ، وَقَالَ: إِنَّهُ احْتَرَزَ بِهِ عَمَّا فِي سَنَدِهِ رَاوٍ مُغَفَّلٌ، كَثِيرُ الْخَطَأِ فِي رِوَايَتِهِ، وَإِنْ عُرِفَ بِالصِّدْقِ وَالْعَدَالَةِ.
وَيَتَأَيَّدُ بِتَفْصِيلِ شُرُوطِ الْعَدَالَةِ عَنْ شُرُوطِ الضَّبْطِ فِي مَعْرِفَةِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ، وَلِذَلِكَ تَعَقَّبَ الْمُصَنِّفُ الْخَطَّابِيَّ فِي اقْتِصَارِهِ عَلَى الْعَدَالَةِ، وَانْتَصَرَ شَيْخُنَا لِلْخَطَّابِيِّ ; حَيْثُ كَادَ أَنْ يَجْعَلَ الضَّبْطَ مِنْ أَوْصَافِهَا، لَكِنْ قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِنَّ تَفْسِيرَ الثِّقَةِ بِمَنْ فِيهِ وَصْفٌ زَائِدٌ عَلَى الْعَدَالَةِ وَهُوَ الضَّبْطُ إِنَّمَا هُوَ اصْطِلَاحٌ لِبَعْضِهِمْ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَاشْتِرَاطُهُ فِي الصَّحِيحِ لَا بُدَّ مِنْهُ، وَالْمُرَادُ التَّامُّ كَمَا فُهِمَ مِنَ الْإِطْلَاقِ الْمَحْمُولِ عَلَى الْكَامِلِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يَدْخُلُ الْحَسَنُ لِذَاتِهِ الْمُشْتَرَطُ فِيهِ مُسَمَّى الضَّبْطِ خَاصَّةً هُنَا، لَكِنْ يَخْرُجُ إِذَا اعْتَضَدَ وَصَارَ صَحِيحًا لِغَيْرِهِ. وَكَأَنَّهُ اكْتَفَى بِذِكْرِهِ بَعْدُ، وَإِنْ تَضَمَّنَ كَوْنَ الْحَدِّ غَيْرَ جَامِعٍ.
ثُمَّ إِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ نَاقِلًا لَهُ (عَنْ مِثْلِهِ) يَعْنِي: وَهَكَذَا إِلَى مُنْتَهَاهُ ; سَوَاءٌ انْتَهَى إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ إِلَى الصَّحَابِيِّ، أَوْ إِلَى مَنْ دُونَهُ حَتَّى يَشْمَلَ الْمَوْقُوفَ وَنَحْوَهُ.
стр. 16
وَلَكِنْ قَدْ يُدَّعَى أَنَّ الْإِتْيَانَ بِـ " عَنْ مِثْلِهِ " تَصْرِيحٌ بِمَا هُوَ مُجَرَّدُ تَوْضِيحٍ، وَأَنَّهُ قَدْ فُهِمَ مِمَّا قَبْلَهُ، وَلِذَلِكَ حَذَفَهُ شَيْخُنَا فِي نُخْبَتِهِ لِشِدَّةِ اخْتِصَارِهَا (مِنْ غَيْرِ مَا) أَيْ: مِنْ غَيْرِ (شُذُوذٍ) وَغَيْرِ (عِلَّةٍ قَادِحَةٍ) ، وَهَذَانِ: الرَّابِعُ وَالْخَامِسُ مِنَ الشُّرُوطِ، وَسَيَأْتِي تَعْرِيفُهُمَا، وَهُمَا سَلْبِيَّانِ بِمَعْنَى اشْتِرَاطِ نَفْيِهِمَا، وَلَا يَخْدِشُ فِي ذَلِكَ عَدَمُ ذِكْرِ الْخَطَّابِيِّ لَهُمَا ; إِذْ لَمْ يُخَالِفْ أَحَدٌ فِيهِ.
بَلْ هُوَ أَيْضًا مُقْتَضَى تَوْجِيهِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ، قَوْلُهُ: (وَفِيهِمَا نَظَرٌ عَلَى مُقْتَضَى نَظَرِ الْفُقَهَاءِ ; حَيْثُ قَالَ: فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْعِلَلِ الَّتِي يُعَلِّلُ بِهَا الْمُحَدِّثُونَ لَا تَجْرِي عَلَى أُصُولِ الْفُقَهَاءِ) .
إِذْ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْخِلَافَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا يُسَمَّى عِلَّةً، فَالْكَثِيرُ مِنْهُ يَخْتَلِفُونَ فِيهِ، وَالْبَعْضُ الْمُحْتَمِلُ لِأَنْ يَكُونَ الْأَكْثَرَ أَوْ غَيْرَهُ يُوَافِقُ الْفَقِيهَ الْمُحَدِّثَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِهِ، وَلِذَلِكَ احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ: (كَثِيرًا) .
وَمِنَ الْمَسَائِلِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا مِمَّا إِذَا أَثْبَتَ الرَّاوِي عَنْ شَيْخِهِ شَيْئًا فَنَفَاهُ مَنْ هُوَ أَحْفَظُ أَوْ أَكْثَرُ عَدَدًا، أَوْ أَكْثَرُ مُلَازَمَةً مِنْهُ، فَإِنَّ الْفَقِيهَ وَالْأُصُولِيَّ يَقُولَانِ: الْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي فَيُقْبَلُ.
وَالْمُحَدِّثُونَ يُسَمُّونَهُ شَاذًّا ; لِأَنَّهُمْ فَسَّرُوا الشُّذُوذَ الْمُشْتَرَطَ نَفْيُهُ هُنَا بِمُخَالَفَةِ الرَّاوِي فِي رِوَايَتِهِ مَنْ هُوَ أَرْجَحُ مِنْهُ، عِنْدَ تَعَسُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ، وَوَافَقَهُمُ الشَّافِعِيُّ عَلَى التَّفْسِيرِ الْمَذْكُورِ، بَلْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنَ الْوَاحِدِ، أَيْ: لِأَنَّ تَطَرُّقَ السَّهْوِ إِلَيْهِ أَقْرَبُ مِنْ تَطَرُّقِهِ إِلَى الْعَدَدِ الْكَثِيرِ، وَحِينَئِذٍ فَرَدُّ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ بَعِيدٌ.
وَمِنْهَا الْحَدِيثُ الَّذِي يَرْوِيهِ الْعَدْلُ الضَّابِطُ عَنْ تَابِعِيٍّ مَثَلًا عَنْ صَحَابِيٍّ، وَيَرْوِيهِ آخَرُ مِثْلُهُ ; سَوَاءٌ عَنْ ذَلِكَ التَّابِعِيِّ بِعَيْنِهِ، لَكِنْ عَنْ صَحَابِيٍّ آخَرَ، فَإِنَّ الْفُقَهَاءَ أَوْ أَكْثَرَ
стр. 17
الْمُحَدِّثِينَ يُجَوِّزُونَ أَنْ يَكُونَ التَّابِعِيُّ سَمِعَهُ مِنْهُمَا مَعًا، إِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ، وَقَامَتْ قَرِينَةٌ لَهُ، كَمَا سَيَأْتِي فِي ثَانِي قِسْمَيِ الْمَقْلُوبِ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ الْكَثِيرُ مِنْ هَذَا.
وَبَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ يُعِلُّونَ بِهَذَا، مُتَمَسِّكِينَ بِأَنَّ الِاضْطِرَابَ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ الضَّبْطِ فِي الْجُمْلَةِ، وَالْكُلُّ مُتَّفِقُونَ عَلَى التَّعْلِيلِ بِمَا إِذَا كَانَ أَحَدُ الْمُتَرَدَّدِ فِيهِمَا ضَعِيفًا، بَلْ تَوَسَّعَ بَعْضُهُمْ فَرَدَّ بِمُجَرَّدِ الْعِلَّةِ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ قَادِحَةً.
وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَوَقَّفْ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ فِي تَسْمِيَةِ مَا يَجْمَعُ الشُّرُوطَ الثَّلَاثَةَ صَحِيحًا، ثُمَّ إِنْ ظَهَرَ شُذُوذٌ أَوْ عِلَّةٌ رَدَّهُ فَشَاذٌّ، وَهُوَ اسْتِرْوَاحٌ حَيْثُ يُحْكَمُ عَلَى الْحَدِيثِ بِالصِّحَّةِ قَبْلَ الْإِمْعَانِ فِي الْفَحْصِ، عَنْ تَتَبُّعِ طُرُقِهِ الَّتِي يُعْلَمُ بِهَا الشُّذُوذُ وَالْعِلَّةُ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا، فَضْلًا عَنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ كُلِّهِ الَّتِي رُبَّمَا احْتِيجَ إِلَيْهَا فِي ذَلِكَ.
وَرُبَّمَا تَطَرَّقَ إِلَى التَّصْحِيحِ مُتَمَسِّكًا بِذَلِكَ مَنْ لَا يُحْسِنُ، فَالَأَحْسَنُ سَدُّ هَذَا الْبَابِ، وَإِنْ أَشْعَرَ تَعْلِيلُ ابْنِ الصَّلَاحِ ظُهُورَ الْحُكْمِ بِصِحَّةِ الْمَتْنِ مِنْ إِطْلَاقِ الْإِمَامِ الْمُعْتَمَدِ صِحَّةَ الْإِسْنَادِ بِجَوَازِ الْحُكْمِ قَبْلَ التَّفْتِيشِ، حَيْثُ قَالَ: (لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ وَالْقَادِحِ هُوَ الْأَصْلُ الظَّاهِرُ) ، فَتَصْرِيحُهُ بِالِاشْتِرَاطِ يَدْفَعُهُ، مَعَ أَنَّ قَصْرَ الْحُكْمِ عَلَى الْإِسْنَادِ وَإِنْ كَانَ أَخَفَّ لَا يَسْلَمُ مِنَ انْتِقَادٍ.
وَكَذَا لَا يَنْبَغِي الْحُكْمُ بِالِانْقِطَاعِ، وَلَا بِجَهَالَةِ الرَّاوِي الْمُبْهَمِ بِمُجَرَّدِ الْوُقُوفِ عَلَى طَرِيقٍ كَذَلِكَ [بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الْإِمْعَانِ فِي التَّفْتِيشِ ; لِئَلَّا يَكُونَ مُتَّصِلًا وَمُعَيَّنًا فِي طَرِيقٍ آخَرَ] ، فَيُعَطَّلَ بِحُكْمِهِ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ، كَمَا سَيَجِيءُ فِي الْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ وَالْمُعْضَلِ.
عَلَى أَنَّ شَيْخَنَا مَالَ إِلَى النِّزَاعِ فِي تَرْكِ تَسْمِيَةِ الشَّاذِّ صَحِيحًا، وَقَالَ: غَايَةُ مَا
стр. 18
فِيهِ رُجْحَانُ رِوَايَةٍ عَلَى أُخْرَى، وَالْمَرْجُوحِيَّةُ لَا تُنَافِي الصِّحَّةَ، وَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ صَحِيحٌ وَأَصَحُّ، فَيُعْمَلُ بِالرَّاجِحِ وَلَا يُعْمَلُ بِالْمَرْجُوحِ ; لَأَجْلِ مُعَارَضَتِهِ لَهُ، لَا لِكَوْنِهِ لَمْ تَصِحَّ طَرِيقُهُ.
وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِالضَّعْفِ، وَإِنَّمَا غَايَتُهُ أَنْ يُتَوَقَّفَ عَنِ الْعَمَلِ بِهِ، وَيَتَأَيَّدُ بِمَنْ يَقُولُ: (صَحِيحٌ شَاذٌّ) كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُعَلِّ. وَهَذَا كَمَا فِي النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ سَوَاءٌ، قَالَ: وَمَنْ تَأَمَّلَ الصَّحِيحَيْنِ، وَجَدَ فِيهِمَا أَمْثِلَةً مِنْ ذَلِكَ. انْتَهَى.
[وَيُمْكِنُ تَوْجِيهُ تَنْظِيرِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ الَّذِي لَمْ يُفْصِحْ بِهِ بِهَذَا] .
وَهُوَ أَيْضًا شَبِيهٌ بِالِاخْتِلَافِ فِي الْعَامِّ قَبْلَ وُجُودِ الْمُخَصِّصِ، وَفِي الْأَمْرِ قَبْلَ وُجُودِ الصَّارِفِ لَهُ عَنِ الْوُجُوبِ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالشُّذُوذُ سَبَبٌ لِلتَّرْكِ إِمَّا صِحَّةً أَوْ عَمَلًا، بِخِلَافِ الْعِلَّةِ الْقَادِحَةِ ; كَالْإِرْسَالِ الْخَفِيِّ (فَتُوذِي) بِوُجُودِهَا الصِّحَّةَ الظَّاهِرَةَ، وَيَمْتَنِعُ مَعَهَا الْحُكْمُ وَالْعَمَلُ مَعًا (وَ) إِذَا تَمَّ هَذَا فَ (بِالصَّحِيحِ) فِي قَوْلِ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
(وَبِالضَّعِيفِ) فِي قَوْلِهِمْ: هَذَا حَدِيثٌ ضَعِيفٌ (قَصَدُوا) الصِّحَّةَ وَالضَّعْفَ (فِي ظَاهِرٍ) لِلْحُكْمِ، بِمَعْنَى أَنَّهُ اتَّصَلَ سَنَدُهُ مَعَ سَائِرِ الْأَوْصَافِ الْمَذْكُورَةِ، أَوْ فَقَدَ شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الْقَبُولِ لِجَوَازِ الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ عَلَى الثِّقَةِ، وَالضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ وَكَذَا الصِّدْقُ عَلَى غَيْرِهِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ، وَمِنْهُمُ الشَّافِعِيُّ، مَعَ التَّعَبُّدِ بِالْعَمَلِ بِهِ، مَتَى ظَنَنَّاهُ صِدْقًا،
стр. 19
وَتَجَنُّبِهِ فِي ضِدِّهِ.
(لَا) أَنَّهُمْ قَصَدُوا (الْقَطْعَ) بِصِحَّتِهِ أَوْ ضَعْفِهِ ; إِذِ الْقَطْعُ إِنَّمَا يُسْتَفَادُ مِنَ التَّوَاتُرِ، أَوِ الْقَرَائِنِ الْمُحْتَفِّ بِهَا الْخَبَرُ، وَلَوْ كَانَ آحَادًا كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ عِنْدَ حُكْمِ الصَّحِيحَيْنِ.
وَأَمَّا مَنْ ذَهَبَ كَحُسَيْنٍ الْكَرَابِيسِيِّ وَغَيْرِهِ إِلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا - فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إِرَادَةِ غَلَبَةِ الظَّنِّ أَوِ التَّوَسُّعِ، لَا سِيَّمَا مَنْ قَدَّمَ مِنْهُمُ الضَّعِيفَ عَلَى الْقِيَاسِ كَأَحْمَدَ، وَإِلَّا فَالْعِلْمُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ لَا يَتَفَاوَتُ.
فَالْجَارُّ فِي الصَّحِيحِ يَتَعَلَّقُ بِـ " قَصَدُوا "، وَ " فِي ظَاهِرٍ " بِمَحْذُوفٍ، وَ " لَا الْقَطْعَ " مَعْطُوفٌ عَلَى مَحَلِّ " فِي ظَاهِرٍ " أَوْ عَلَى الْمَحْذُوفِ، وَالتَّقْدِيرُ: قَصَدُوا الصِّحَّةَ ظَاهِرًا لَا قَطْعًا. وَالْحَاصِلُ أَنَّ الصِّحَّةَ وَالضَّعْفَ مَرْجِعُهُمَا إِلَى وُجُودِ الشَّرَائِطِ وَعَدَمِهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَيَّ غَلَبَةِ الظَّنِّ، لَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْوَاقِعِ فِي الْخَارِجِ.
[أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ]
[أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ] وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنَ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ فِي سَنَدٍ خَاصٍّ الْحُكْمُ بِالْأَصَحِّيَّةِ لِفَرْدٍ مُطْلَقًا، بَلْ (الْمُعْتَمَدُ إِمْسَاكُنَا) أَيْ: كَفُّنَا (عَنْ حُكْمِنَا عَلَى سَنَدٍ) مُعَيَّنٍ (بِأَنَّهُ أَصَحُّ) الْأَسَانِيدِ (مُطْلَقًا) كَمَا صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ الْمُخْتَارُ ; لِأَنَّ تَفَاوُتَ مَرَاتِبِ الصَّحِيحِ مُتَرَتِّبٌ عَلَى تَمَكُّنِ الْإِسْنَادِ مِنْ شُرُوطِ الصِّحَّةِ، وَيَعِزُّ وُجُودُ أَعْلَى دَرَجَاتِ الْقَبُولِ مِنَ الضَّبْطِ وَالْعَدَالَةِ وَنَحْوِهِمَا فِي كُلِّ فَرْدٍ فَرْدٍ مِنْ رُوَاةِ الْإِسْنَادِ، مِنْ تَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ بِالنِّسْبَةِ لِجَمِيعِ الرُّوَاةِ الْمَوْجُودِينَ فِي عَصْرِهِ ; إِذْ لَا يُعْلَمُ أَوْ يُظَنُّ أَنَّ هَذَا الرَّاوِيَ حَازَ أَعْلَى
стр. 20
الصِّفَاتِ حَتَّى يُوَازَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ فَرْدٍ مِنْ جَمِيعِ مَنْ عَاصَرَهُ.
(وَقَدْ خَاضَ) إِذِ اقْتَحَمَ الْغَمَرَاتِ (بِهِ) أَيْ: بِالْحُكْمِ بِالْأَصَحِّيَّةِ الْمُطْلَقَةِ (قَوْمٌ) فَتَكَلَّمُوا فِي ذَلِكَ، وَاضْطَرَبَتْ أَقْوَالُهُمْ فِيهِ لِاخْتِلَافِ اجْتِهَادِهِمْ (فَقِيلَ) كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ إِمَامُ الصَّنْعَةِ الْبُخَارِيُّ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مَا رَوَاهُ (مَالِكٌ) نَجْمُ السُّنَنِ الْقَائِلُ فِيهِ ابْنُ مَهْدِيٍّ: لَا أُقَدِّمُ عَلَيْهِ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ أَحَدًا.
وَالشَّافِعِيُّ: إِذَا جَاءَ الْحَدِيثُ عَنْهُ فَاشْدُدْ يَدَكَ بِهِ، كَانَ حُجَّةَ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ بَعْدَ التَّابِعِينَ (عَنْ) شَيْخِهِ (نَافِعٍ) الْقَائِلِ فِي حَقِّهِ أَحْمَدُ عَنْ سُفْيَانَ: أَيُّ حَدِيثٍ أَوْثَقُ مِنْ حَدِيثِهِ؟ !
(بِمَا) أَيْ: بِالَّذِي (رَوَاهُ) لَهُ (النَّاسِكُ) أَيِ: الْعَابِدُ (مَوْلَاهُ) أَيْ: مَوْلَى نَافِعٍ، وَهُوَ سَيِّدُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵄ وَالْمَوْلَى يُطْلَقُ عَلَى كُلٍّ مِنَ الْمُعْتِقِ وَالْمُعْتَقِ، وَكَانَ جَدِيرًا بِالْوَصْفِ بِالنُّسُكِ ; لِأَنَّهُ كَانَ مِنَ التَّمَسُّكِ بِالْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ بِالسَّبِيلِ الْمَتِينِ.
وَقَالَ فِيهِ ﷺ : «نِعْمَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللَّهِ، لَوْ كَانَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ» ، فَكَانَ بَعْدُ لَا يَنَامُ مِنَ اللَّيْلِ إِلَّا قَلِيلًا، وَقَالَ جَابِرٌ ﵁: (مَا مِنَّا أَحَدٌ أَدْرَكَ الدُّنْيَا إِلَّا مَالَتْ بِهِ وَمَالَ بِهَا، إِلَّا هُوَ) .
(وَاخْتَرْ) إِذَا جَنَحْتَ لِهَذَا أَوْ زِدْتَ رَاوِيًا بَعْدَ مَالِكٍ (حَيْثُ عَنْهُ يُسْنِدُ) إِمَامُنَا (الشَّافِعِيُّ) [بِالسُّكُونِ أَيِ: اخْتَرْ هَذَا فَـ (حَيْثُ) وَمَا بَعْدَهُ فِي مَوْضِعِ الْمَفْعُولِ] ، فَقَدَ رُوِّينَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ: (كُنْتُ سَمِعْتُ (الْمُوَطَّأَ) مِنْ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ
стр. 21
حُفَّاظِ أَصْحَابِ مَالِكٍ، فَأَعَدْتُهُ عَلَى الشَّافِعِيِّ ; لِأَنِّي وَجَدْتُهُ أَقْوَمَهُمْ بِهِ) . انْتَهَى
بَلْ هُوَ أَجَلُّ مِنْ جَمِيعِ مَنْ أَخَذَهُ عَنْ مَالِكٍ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْقَاهِرِ بْنُ طَاهِرٍ التَّمِيمِيُّ: (إِنَّهُ - أَيْ: هَذَا الْإِسْنَادُ - أَجَلُّ الْأَسَانِيدِ لِإِجْمَاعِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ) ، أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ أَجَلُّ مِنَ الشَّافِعِيِّ (قُلْتُ وَ) اخْتَرْ كَمَا قَالَهُ الصَّلَاحُ الْعَلَائِيُّ شَيْخُ الْمُصَنِّفِ، إِنْ زِدْتَ بَعْدَ الشَّافِعِيِّ أَحَدًا حَيْثُ (عَنْهُ) يُسْنِدُ (أَحْمَدُ) وَهُوَ حَقِيقٌ بِالْإِلْحَاقِ.
فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَغْدَادَ وَمَا خَلَّفَ بِهَا أَفْقَهَ وَلَا أَزْهَدَ وَلَا أَوْرَعَ وَلَا أَعْلَمَ مِنْهُ. وَلِاجْتِمَاعِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ قِيلَ لَهَا: " سِلْسِلَةُ الذَّهَبِ ".
فَإِنْ قِيلَ: فَلِمَ أَكْثَرَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ حَيْثُ أَوْرَدَ حَدِيثَ مَالِكٍ؟ وَلِمَ لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَصْحَابِ الْأُصُولِ مَا أَوْرَدُوهُ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ مِنْ جِهَةِ الشَّافِعِيِّ عَنْهُ؟
أَمْكَنَ أَنْ يُقَالَ عَنْ أَحْمَدَ بِخُصُوصِهِ: لَعَلَّ جَمْعَهُ الْمُسْنَدَ كَانَ قَبْلَ سَمَاعِهِ مِنَ الشَّافِعِيِّ، وَأَمَّا مَنْ عَدَاهُ فَلِطَلَبِ الْعُلُوِّ، وَقَدْ أَوْرَدْتُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنَ النُّكَتِ أَشْيَاءَ مُهِمَّةً.
مِنْهَا إِيرَادُ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الشَّارِحُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ بِإِسْنَادٍ كُنْتُ فِيهِ كَأَنِّي أَخَذْتُهُ عَنْهُ، فَأَحْبَبْتُ إِيرَادَهُ هُنَا تَبَرُّكًا.
стр. 22
أَخْبَرَنِي بِهِ أَبُو زَيْدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عُمَرَ الْمَقْدِسِيُّ الْحَنْبَلِيُّ فِي كِتَابِهِ، وَالْعِزُّ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمِصْرِيُّ الْحَنَفِيُّ سَمَاعًا.
قَالَ الْأَوَّلُ: أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْفِدَاءِ بْنِ الْخِيَارِ إِذْنًا، أَنَا أَبُو الْغَنَائِمِ الْمُسْلِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْلِمِ بْنِ مَكِّيٍّ الْقَيْسِيُّ الدِّمَشْقِيُّ.
وَقَالَ الثَّانِي: أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْجُوخِيِّ فِي كِتَابِهِ، أَخْبَرَتْنَا أُمُّ أَحْمَدَ زَيْنَبُ بِنْتُ مَكِّيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ كَامِلٍ الْحَرَّانِيَّةُ قَالَا: أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَنْبَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرَّصَافِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحُصَيْنِ الشَّيْبَانِيُّ، أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ الْوَاعِظُ، أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ، أَنَا أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدُ اللَّهِ ابْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ الشَّيْبَانِيُّ، حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: «لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، وَنَهَى عَنِ النَّجْشِ، وَنَهَى عَنْ حَبَلِ الْحَبَلَةِ، وَنَهَى عَنِ الْمُزَابَنَةِ، وَالْمُزَابَنَةُ بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا، وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا» .
وَهُوَ مِمَّا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ إِلَّا الْجُمْلَةَ الثَّالِثَةَ، فَهِيَ مِنْ أَفْرَادِ الْبُخَارِيِّ، فَوَقَعَ لَنَا بَدَلًا لَهُمَا مُسَاوِيًا.
(وَجَزَمَ) الْإِمَامُ أَحْمَدُ (بْنُ
стр. 23
حَنْبَلٍ) نِسْبَةً لِجَدِّهِ، فَاسْمُ أَبِيهِ مُحَمَّدٌ، حِينَ تَذَاكَرَ فِي ذَلِكَ مَعَ جَمَاعَةٍ بِأَجْوَدِيَّةِ رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابٍ الْقُرَشِيِّ (الزُّهْرِيِّ) الْمَدَنِيِّ الْقَائِلِ فِيهِ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ: مَا رَأَيْتُ عَالِمًا أَجْمَعَ مِنْهُ، وَلَا أَكْثَرَ عِلْمًا.
لَوْ سَمِعْتَهُ يُحَدِّثُ فِي التَّرْغِيبِ لَقُلْتَ: لَا يُحْسِنُ إِلَّا هَذَا، أَوِ الْأَنْسَابِ فَكَذَلِكَ، أَوْ عَنِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَحَدِيثُهُ جَامِعٌ.
(عَنْ سَالِمٍ) هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الَّذِي قَالَ فِيهِ ابْنُ الْمُسَيَّبِ: إِنَّهُ كَانَ أَشْبَهَ وَلَدِ أَبِيهِ بِهِ، وَمَالِكٌ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ أَشْبَهُ بِمَنْ مَضَى مِنَ الصَّالِحِينَ فِي الزُّهْدِ وَالْفَضْلِ وَالْعَيْشِ مِنْهُ (أَيْ) مِمَّا رَوَاهُ سَالِمٌ (عَنْ أَبِيهِ) عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ (الْبَرِّ) بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ ; لِأَنَّهُ كَانَ دَأْبُهُ الْعَمَلَ الصَّالِحَ.
وَوَافَقَ أَحْمَدَ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ الْمَعْرُوفُ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ، لَكِنْ مُعَبِّرًا بِالْأَصَحِّيَّةِ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ اصْطِلَاحًا، وَلِذَا قَرَنَ شَيْخُنَا تَبَعًا لِلشَّارِحِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ فِي حِكَايَةِ الْأَصَحِّيَّةِ، نَعَمِ الْوَصْفُ بِجَيِّدٍ عِنْدَ الْجِهْبِذِ أَنْزَلُ رُتْبَةً مِنَ الْوَصْفِ بِصَحِيحٍ.
(وَقِيلَ) كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامٍ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، إِنْ صَحَّ عَنْهُ، وَالنَّسَائِيُّ لَكِنَّهُ أَدْرَجَهُ مَعَ غَيْرِهِ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مَا رَوَاهُ (زَيْنُ الْعَابِدِينَ) وَاسْمُهُ: عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الَّذِي قَالَ فِيهِ مَالِكٌ: بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ أَلْفَ رَكْعَةٍ حَتَّى
стр. 24
مَاتَ. (عَنْ أَبِهْ) بِحَذْفِ الْمُثَنَّاةِ التَّحْتَانِيَّةِ عَلَى لُغَةِ النَّقْصِ ; كَقَوْلِهِ:
بِأَبِهِ اقْتَدَى عَدِيٌّ فِي الْكَرَمْ.
وَهُوَ السَّيِّدُ الْحُسَيْنُ الشَّهِيدُ سِبْطُ الرَّسُولِ ﷺ وَرَيْحَانَتُهُ مِنَ الدُّنْيَا (عَنْ) عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (جَدِّهِ) أَيْ: جَدِّ زَيْنِ الْعَابِدِينَ (وَ) ذَلِكَ مِمَّا رَوَاهُ (ابْنُ شِهَابٍ) الزُّهْرِيُّ (عَنْهُ) أَيْ: عَنْ زَيْنِ الْعَابِدِينَ (بِهِ) أَيْ: بِالسَّنَدِ الْمَذْكُورِ، فَهَذِهِ أَقْوَالٌ ثَلَاثَةٌ.
وَلَأَجْلِ تَنْوِيعِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ يُقَالُ: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ إِمَّا مَا تَقَدَّمَ، (أَوْ فَـ) مَا رَوَاهُ (ابْنُ سِيرِينَ) أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدٌ الْأَنْصَارِيُّ الْبَصْرِيُّ التَّابِعِيُّ الشَّهِيرُ بِكَثْرَةِ الْحِفْظِ وَالْعِلْمِ وَالْإِتْقَانِ وَتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا، وَالَّذِي قَالَ فِيهِ مُؤَرَّقٌ: مَا رَأَيْتُ أَفْقَهَ فِي وَرَعِهِ، وَلَا أَوْرَعَ فِي فِقْهِهِ مِنْهُ.
(عَنْ) أَبِي عَمْرٍو عَبِيدَةَ - بِفَتْحِ الْعَيْنِ - (السَّلْمَانِيِّ) - بِسُكُونِ اللَّامِ عَلَى الصَّحِيحِ، حَيٌّ مِنْ مُرَادٍ - الْكُوفِيِّ التَّابِعِيِّ الَّذِي كَادَ أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًّا، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ الْوَفَاةِ النَّبَوِيَّةِ، وَكَانَ فَقِيهًا يُوَازِي شُرَيْحًا فِي الْفَضَائِلِ، بَلْ كَانَ شُرَيْحٌ يُرَاسِلُهُ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ.
قَالَ ابْنُ مَعِينٍ: (إِنَّهُ ثِقَةٌ لَا يُسْأَلُ عَنْ مِثْلِهِ) .
(عَنْهُ) يَعْنِي عَنْ عَلِيٍّ صَاحِبِ التَّرْجَمَةِ الَّتِي قَبْلَهَا. وَهُوَ قَوْلُ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ، وَكَذَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَسُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ بِزِيَادَةِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيِّ ; حَيْثُ قَالَا: أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ: أَيُّوبُ عَنِ ابْنِ سِيرِينَ إِلَى آخِرِهِ.
وَجَاءَ مَرَّةً أُخْرَى عَنْ أَوَّلِهِمَا بِإِبْدَالِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ مِنَ السِّخْتِيَانِيِّ، وَبأَجْوَدَ مِنْ
стр. 25
أَصَحَّ، وَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ سَوَاءٌ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَصَحِّيَّةِ أَيُّوبَ مَعَ بَاقِي التَّرْجَمَةِ النَّسَائِيُّ، لَكِنْ مَعَ إِدْرَاجِ غَيْرِهِ.
(أَوْ) مَا رَوَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ الْكُوفِيُّ (الْأَعْمَشُ) الْإِمَامُ الْحَافِظُ الثِّقَةُ الَّذِي كَانَ شُعْبَةُ يُسَمِّيهِ لِصِدْقِهِ (الْمُصْحَفَ) (عَنِ) الْفَقِيهِ الْمُتَوَفَّى الصَّالِحِ.
(ذِي الشَّأْنِ) أَبِي عِمْرَانَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ قَيْسٍ (النَّخَعِيِّ) بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمُعْجَمَةِ، نِسْبَةً لِلنَّخَعِ، قَبِيلَةٌ مِنْ مَذْحِجٍ، الْكُوفِيِّ
(عَنْ) رَاهِبِ أَهْلِ الْكُوفَةِ عِبَادَةً وَعِلْمًا وَفَضْلًا وَفِقْهًا. (ابْنِ قَيْسٍ عَلْقَمَةَ) أَيْ: عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ) أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ، وَكَذَا قَالَهُ غَيْرُهُ، لَكِنْ بِإِبْدَالِ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ مِنَ الْأَعْمَشِ.
فَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ: (حَدَّثَ سُفْيَانُ عَنْ مَنْصُورٍ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ، فَقَالَ: هَذَا الْمُشْرِفُ عَلَى الْكَرَاسِيِّ) ، بَلْ سُئِلَ ابْنُ مَعِينٍ أَيُّهُمَا أَحَبُّ إِلَيْكَ فِي إِبْرَاهِيمَ: الْأَعْمَشُ أَوْ مَنْصُورٌ؟ ، فَقَالَ: (مَنْصُورٌ) .
وَوَافَقَهُ غَيْرُهُ عَلَى ذَلِكَ، فَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ - وَقَدْ سُئِلَ عَنْهُمَا -: الْأَعْمَشُ حَافِظٌ يُخَلِّطُ وَيُدَلِّسُ، وَمَنْصُورٌ أَتْقَنُ لَا يُخَلِّطُ وَلَا يُدَلِّسُ، لَكِنْ قَالَ وَكِيعٌ: (إِنَّ الْأَعْمَشَ أَحْفَظُ لِإِسْنَادِ إِبْرَاهِيمَ مِنْ مَنْصُورٍ) .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَقْوَالٌ أُخَرُ أَوْرَدْتُ مِنْهَا فِي النُّكَتِ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ هُنَا مَا يُزَاحِمُ عِشْرِينَ قَوْلًا، وَالِاعْتِنَاءُ بِتَتَبُّعِهَا يُفِيدُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ: إِمَّا تَرْجِيحُ مَا عُورِضَ مِنْهَا بِذَلِكَ عَلَى غَيْرِهِ، أَوْ تَمَكُّنُ النَّاظِرِ الْمُتْقِنِ فِيهَا مِنْ تَرْجِيحِ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِالنَّظَرِ لِتَرْجِيحِ الْقَائِلِينَ إِنْ تَهَيَّأَ.
стр. 26
[كِتَابٌ عَنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ] وَقَدْ أَفْرَدَ النَّاظِمُ فِي الْأَحْكَامِ كِتَابًا لَطِيفًا جَمَعَهُ مِنْ تَرَاجِمِ سِتَّةَ عَشَرَ قِيلَ فِيهَا: إِنَّهَا أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ، إِمَّا مُطْلَقًا أَوْ مُقَيَّدًا، وَهِيَ مَا عَدَا الثَّالِثَةِ مِمَّا ذُكِرَ هُنَا، وَمَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ، وَمَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ، وَالزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، كُلٌّ مِنَ الْأَرْبَعَةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِمَّا رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْهُ، كُلٌّ مِنْهُمَا عَنِ الْقَاسِمِ، وَالزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ، كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ عَائِشَةَ، وَمَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ.
وَالْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ، وَابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ، وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، وَالزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عُمَرَ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مِنْ أَصَحِّ الصَّحِيحِ.
(وَ) عَلَى كُلِّ حَالٍ (لُمْ) كَمَا زَادَهُ الْمُصَنِّفُ، بِضَمِّ اللَّامِ أَيِ: اعْذِلْ وَاعْتِبْ (مَنْ عَمَّمَهْ) أَيِ: الَّذِي عَمَّمَ الْحُكْمَ بِالْأَصَحِّيَّةِ لِسَنَدٍ مُعَيَّنٍ ; لِأَنَّهُ حَصْرٌ فِي بَابٍ وَاسِعٍ جِدًّا شَدِيدِ الِانْتِشَارِ، وَالْحَاكِمُ فِيهِ عَلَى خَطَرٍ مِنَ الْخَطَأِ وَالِانْتِقَاضِ.
كَمَا قِيلَ بِمِثْلِهِ فِي قَوْلِهِمْ: لَيْسَ فِي الرُّوَاةِ مَنِ اسْمُهُ كَذَا سِوَى فُلَانٍ، بَلْ إِنْ كَانَ وَلَا بُدَّ فَتُقَيَّدُ كُلُّ تَرْجَمَةٍ بِصَحَابِيِّهَا، أَوْ بِالْبَلَدِ الَّتِي مِنْهَا أَصْحَابُ تِلْكَ التَّرْجَمَةِ، فَهُوَ أَقَلُّ انْتِشَارًا أَوْ أَقْرَبُ إِلَى حَصْرٍ، كَمَا قِيلَ فِي أَفْضَلِ التَّابِعِينَ، وَأَصَحِّ الْكُتُبِ، وَأَحَادِيثِ الْبَابِ، فَيَقُولُونَ: أَصَحُّ أَحَادِيثِ بَابِ كَذَا أَوْ مَسْأَلَةِ كَذَا حَدِيثُ كَذَا.
وَاعْلَمْ أَنَّهُمْ كَمَا تَكَلَّمُوا فِي أَصَحِ أَسَانِيدِ فُلَانٍ، مَشَوْا فِي أَوْهَى أَسَانِيدِ فُلَانٍ أَيْضًا، وَفَائِدَتُهُ تَرْجِيحُ بَعْضِ الْأَسَانِيدِ عَلَى بَعْضٍ، وَتَمْيِيزُ مَا يَصْلُحُ لِلِاعْتِبَارِ
стр. 27
مِمَّا لَا يَصْلُحُ، وَلَكِنَّ هَذَا الْمُخْتَصَرَ يَضِيقُ عَنْ بَسْطِ ذَلِكَ وَتَتِمَّاتِهِ، فَلْيُرَاجَعْ أَصْلُهُ بَعْدَ تَحْرِيرِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيثِ]
٢٢ - أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحِيحِ ... مُحَمَّدٌ وَخُصَّ بِالتَّرْجِيحِ
٢٣ - وَمُسْلِمٌ بَعْدُ، وَبَعْضُ الْغَرْبِ مَعْ ... أَبِي عَلِيٍّ فَضَّلُوا ذَا لَوْ نَفَعْ
٢٤ - وَلَمْ يَعُمَّاهُ وَلَكِنْ قَلَّ مَا ... عِنْدَ ابْنِ الْأَخْرَمِ مِنْهُ قَدْ فَاتَهُمَا
٢٥ - وَرُدَّ لَكِنْ قَالَ يَحْيَى الْبَرُّ ... لَمْ يَفُتِ الْخَمْسَةَ إِلَّا النَّزْرُ
٢٦ - وَفِيهِ مَا فِيهِ لِقَوْلِ الْجُعْفِي ... أَحْفَظُ مِنْهُ عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ
٢٧ - وَعَلَّهُ أَرَادَ بِالتَّكْرَارِ ... لَهَا وَمَوْقُوفٍ وَفِي الْبُخَارِي
٢٨ - أَرْبَعَةُ الْآلَافِ وَالْمُكَرَّرُ ... فَوْقَ ثَلَاثَةٍ أُلُوفًا ذَكَرُوا
[أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحِيحِ] وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ ظَاهِرَةٌ، (أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ فِي الصَّحِيحِ) السَّابِقِ تَعْرِيفُهُ كِتَابًا مُخْتَصًّا بِهِ، الْإِمَامُ (مُحَمَّدٌ) هُوَ: ابْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبُخَارِيُّ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَبُو عَلِيِّ بْنُ السَّكَنِ، وَمَسْلَمَةُ بْنُ قَاسِمٍ، وَغَيْرُهُمَا.
وَمُوَطَّأُ مَالِكٍ - وَإِنْ كَانَ سَابِقًا - فَمُصَنِّفُهُ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ الشُّرُوطُ السَّابِقَةُ لِإِدْخَالِهِ فِيهِ الْمُرْسَلَ وَالْمُنْقَطِعَ وَنَحْوَهُمَا عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِجَاجِ، بِخِلَافِ مَا يَقَعُ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ ذَلِكَ.
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ ﵀: (مَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ كِتَابٌ فِي الْعِلْمِ بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ أَصَحُّ مِنْ كِتَابِ مَالِكٍ) - كَانَ قَبْلَ وُجُودِهِ.
стр. 28
[صَحِيحُ الْبُخَارِيِّ أَفْضَلُ أَوْ صَحِيحُ مُسْلِمٍ] (وَ) لِتَقَدُّمِ الْبُخَارِيِّ فِي الْفَنِّ وَمَزِيدِ اسْتِقْصَائِهِ (خُصَّ) مَا أَسْنَدَهُ فِي صَحِيحِهِ، دُونَ التَّعَالِيقِ وَالتَّرَاجِمِ وَأَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ (بِالتَّرْجِيحِ) عَلَى سَائِرِ الصِّحَاحِ (وَمُسْلِمٌ بَعْدُ) بِضَمِّ الدَّالِ، أَيْ: بَعْدَ الْبُخَارِيِّ وَضْعًا وَرُتْبَةً، وَحَذَفَ الْمُضَافَ إِلَيْهِ وَنَوَى مَعْنَاهُ لِلْعِلْمِ بِهِ.
هَذَا مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْإِتْقَانِ وَالْحِذْقِ وَالْخَوْضِ عَلَى الْأَسْرَارِ، (وَبَعْضُ) أَهْلِ (الْغَرْبِ) حَسْبَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَمَّنْ لَمْ يُسَمِّهِ مِنْ شُيُوخِ أَبِي مَرْوَانَ الطُّبْنِيِّ بِضَمِّ الْمُهْمَلَةِ، ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ سَاكِنَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، بَعْدَهَا نُونٌ، مَدِينَةٌ بِـ " الْغَرْبِ " مِنْ عَمَلِ " إِفْرِيقِيَّةَ ".
مِمَّا وُجِدَ التَّصْرِيحُ بِهِ عَنْ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ مِنْهُمْ (مَعَ) الْحَافِظِ (أَبِي عَلِيٍّ) الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ النَّيْسَابُورِيِّ أَحَدِ شُيُوخِ صَاحِبِ (الْمُسْتَدْرَكِ) أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ الْحَافِظُ (فَضَّلُوا ذَا) أَيْ: (صَحِيحَ مُسْلِمٍ) ، وَلَكِنْ (لَوْ نَفَعَ) هَذَا الْقَوْلُ لَقُبِلَ مِنْ قَائِلِهِ، لَكِنَّهُ لَمْ يَنْفَعْ ; لِضَعْفِهِ وَمُخَالَفَةِ الْجُمْهُورِ، بَلْ وَعَدَمِ صَرَاحَةِ مَقَالِهِمْ فِي الْمُرَادِ.
أَمَّا الْمَغَارِبَةُ فَإِنَّ ابْنَ حَزْمٍ عَلَّلَ ذَلِكَ كَمَا نَقَلَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ التُّجِيبِيُّ عَنْهُ، بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ بَعْدَ الْخُطْبَةِ إِلَّا الْحَدِيثُ السَّرْدُ، وَهُوَ غَيْرُ رَاجِعٍ إِلَى الْأَصَحِّيَّةِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَفْضِيلُ مَنْ لَمْ يُسَمَّ أَيْضًا لِذَلِكَ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْلُ مَسْلَمَةَ بْنِ قَاسِمٍ: لَمْ يَضَعْ أَحَدٌ مِثْلَهُ.
стр. 29
[تَرَدُّدُ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي التَّفْضِيلِ] وَلِكَوْنِ ابْنِ الصَّلَاحِ لَمْ يَقِفْ عَلَى كَلَامِ ابْنِ حَزْمٍ، تَرَدَّدَ فِي جِهَةِ التَّفْضِيلِ.
وَقَالَ مَا مَعْنَاهُ: إِنْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّ كِتَابَ مُسْلِمٍ يَتَرَجَّحُ بِأَنَّهُ لَمْ يُمَازِجْهُ غَيْرُ الصَّحِيحِ، يَعْنِي بِخِلَافِ الْبُخَارِيِّ، فَإِنَّهُ أَوْدَعَ تَرَاجِمَ أَبْوَابِهِ كَثِيرًا مِنْ مَوْقُوفَاتِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ، لَكِنْ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْمُدَّعَى، أَوْ أَنَّ الْأَرْجَحِيَّةَ مِنْ حَيْثِيَّةِ الصِّحَّةِ فَمَرْدُودٌ عَلَى قَائِلِهِ.
وَأَمَّا الْمَنْقُولُ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ فَلَفْظُهُ كَمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَنْدَهْ الْمَذْكُورِ عَنْهُ: (مَا تَحْتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ كِتَابٌ أَصَحُّ مِنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ) . وَهُوَ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخُنَا مُحْتَمِلٌ لِلْمُدَّعَى، أَوْ لِنَفْيِ الْأَصَحِّيَّةِ خَاصَّةً دُونَ الْمُسَاوَاةِ.
فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَطَّاعِ فِي شَرْحُ دِيوَانِ الْمُتَنَبِّي: ذَهَبَ مَنْ لَا يَعْرِفُ مَعَانِيَ الْكَلَامِ إِلَى أَنَّ مِثْلَ قَوْلِهِ ﷺ : «مَا أَقَلَّتِ الْغَبْرَاءُ، وَلَا أَظَلَّتِ الْخَضْرَاءُ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ أَبِي ذَرٍّ» مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ أَبُو ذَرٍّ أَصْدَقَ الْعَالَمِ أَجْمَعَ.
قَالَ: وَلَيْسَ الْمَعْنَى كَذَلِكَ، وَإِنَّمَا نَفَى أَنْ يَكُونَ أَحَدٌ أَعْلَى رُتْبَةً فِي الصِّدْقِ مِنْهُ، وَلَمْ يَنْفِ أَنْ يَكُونَ فِي النَّاسِ مِثْلُهُ فِي الصِّدْقِ، وَلَوْ أَرَادَ مَا ذَهَبُوا إِلَيْهِ، لَقَالَ: أَبُو ذَرٍّ أَصْدَقُ مِنْ كُلِّ مَنْ أَقَلَّتْ.
وَالْحَاصِلُ أَنَّ قَوْلَ الْقَائِلِ: فُلَانٌ أَعْلَمُ أَهْلِ الْبَلَدِ بِفَنِّ كَذَا، لَيْسَ كَقَوْلِهِ: مَا فِي الْبَلَدِ أَعْلَمُ مِنْ فُلَانٍ بِفَنِّ كَذَا ; لِأَنَّهُ فِي الْأَوَّلِ أَثْبَتَ لَهُ الَأَعْلَمِيَّةَ، وَفِي الثَّانِي نَفَى أَنْ يَكُونَ فِي الْبَلَدِ أَحَدٌ أَعْلَمَ مِنْهُ، فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ
стр. 30
فِيهَا مَنْ يُسَاوِيهِ فِيهِ.
قَالَ: وَإِذَا كَانَ لَفْظُ أَبِي عَلِيٍّ مُحْتَمِلًا لِكُلٍّ مِنَ الْأَمْرَيْنِ، لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يُنْسَبَ إِلَيْهِ الْجَزْمُ بِالْأَصَحِّيَّةِ، يَعْنِي كَمَا فَعَلَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرُهُ ; حَيْثُ قَالَ: وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ: كِتَابُ مُسْلِمٍ أَصَحُّ. وَقَدْ سَبَقَهُ كُلٌّ مِنْ شَيْخَيْهِ: الْمُؤَلِّفِ، وَالْعِزِّ ابْنِ جَمَاعَةَ إِلَى الْإِرْشَادِ لِذَلِكَ.
بَلْ لِعَدَمِ صَرَاحَةِ مِثْلِ ذَلِكَ، قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ: مَا تَرْوِي عَنْ أَثْبَتَ مِنْ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ، أَمَّا مِثْلُهُ فَعَسَى.
وَيَتَأَيَّدُ كُلُّ هَذَا بِحِكَايَةِ التَّسَاوِي، قَوْلًا ثَالِثًا فِي الْمَسْأَلَةِ، بَلْ فِيهَا رَابِعٌ، وَهُوَ الْوَقْفُ ; إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ إِجْمَالِيٌّ وَتَفْصِيلِيٌّ.
[دَلِيلُ قَوْلِ الْجُمْهُورِ] أَمَّا الْإِجْمَالِيُّ: فَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ الْبُخَارِيَّ كَانَ أَعْلَمَ بِالْفَنِّ مِنْ مُسْلِمٍ، وَأَنَّهُ تِلْمِيذُهُ وَخِرِّيجُهُ، حَتَّى قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَوْلَا الْبُخَارِيُّ مَا رَاحَ مُسْلِمٌ وَلَا جَاءَ.
стр. 31
وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ: لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَرْجَحِيَّةُ الْمُصَنِّفِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَسْتَلْزِمُ الْمَرْجُوحِيَّةَ، وَيُجَابُ بِأَنَّهُ الْأَصْلُ، وَمِنْ ثَمَّ اتَّجَهَ تَعَلُّقُ الْأَوَّلِيَّةِ بِالْمَقْصُودِ.
وَقَوْلُ النَّوَوِيِّ: إِنَّ كِتَابَ الْبُخَارِيِّ أَكْثَرُهُمَا فَوَائِدَ وَمَعَارِفَ ظَاهِرَةً وَغَامِضَةً.
وَأَمَّا التَّفْصِيلِيُّ: فَالْإِسْنَادُ الصَّحِيحُ مَدَارُهُ عَلَى الِاتِّصَالِ وَعَدَالَةِ الرُّوَاةِ، وَكِتَابُ الْبُخَارِيِّ أَعْدَلُ رُوَاةً وَأَشَدُّ اتِّصَالًا. وَبَيَانُهُ أَنَّ الَّذِينَ انْفَرَدَ الْبُخَارِيُّ بِالْإِخْرَاجِ لَهُمْ دُونَ مُسْلِمٍ أَرْبَعُمِائَةٍ وَخَمْسَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا، الْمُتَكَلَّمُ فِيهِ بِالضَّعْفِ مِنْهُمْ نَحْوٌ مِنْ ثَمَانِينَ.
وَالَّذِينَ انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِ حَدِيثِهِمْ دُونَ الْبُخَارِيِّ سِتُّمِائَةٍ وَعِشْرُونَ رَجُلًا، الْمُتَكَلَّمُ فِيهِ مِنْهُمْ مِائَةٌ وَسِتُّونَ رَجُلًا عَلَى الضِّعْفِ مِنْ كِتَابِ الْبُخَارِيِّ، وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّخْرِيجَ عَمَّنْ لَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهِ أَصْلًا أَوْلَى مِنَ التَّخْرِيجِ عَمَّنْ تُكُلِّمَ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرَ شَدِيدٍ.
وَأَيْضًا فَالَّذِينَ انْفَرَدَ بِهِمُ الْبُخَارِيُّ مِمَّنْ تُكُلِّمَ فِيهِ، لَمْ يُكْثِرْ مِنْ تَخْرِيجِ أَحَادِيثِهِمْ بِخِلَافِ مُسْلِمٍ، وَالَّذِينَ انْفَرَدَ بِهِمُ الْبُخَارِيُّ مِمَّنْ تَكَلَّمَ فِيهِ أَكْثَرُهُمْ مِنْ شُيُوخِهِ الَّذِينَ لَقِيَهُمْ وَخَبَرَهُمْ وَخَبَرَ حَدِيثَهُمْ بِخِلَافِ مُسْلِمٍ، فَأَكْثَرُ مَنْ يَنْفَرِدُ بِهِ مِمَّنْ تُكُلِّمَ فِيهِ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْمَرْءَ أَعْرَفُ بِحَدِيثِ شُيُوخِهِ مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِمْ مِمَّنْ تَقَدَّمَ، وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ تُكُلِّمَ فِيهِمْ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ يُخَرِّجُ الْبُخَارِيُّ أَحَادِيثَهُمْ غَالِبًا فِي الِاسْتِشْهَادَاتِ وَنَحْوِهَا، بِخِلَافِ مُسْلِمٍ.
وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِالِاتِّصَالِ: فَمُسْلِمٌ كَانَ مَذْهَبُهُ - بَلْ نَقَلَ فِيهِ الْإِجْمَاعَ فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ - أَنَّ الْإِسْنَادَ الْمُعَنْعَنَ لَهُ حُكْمُ الِاتِّصَالِ، إِذَا تَعَاصَرَ الْمُعَنْعِنُ وَالْمُعَنْعَنُ عَنْهُ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتِ اجْتِمَاعُهُمَا، وَالْبُخَارِيُّ لَا يَحْمِلُهُ عَلَى الِاتِّصَالِ، حَتَّى يَثْبُتَ اجْتِمَاعُهُمَا وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً.
стр. 32
وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ: وَهَذَا الْمَذْهَبُ يُرَجِّحُ كِتَابَ الْبُخَارِيِّ، قَالَ: وَإِنْ كُنَّا لَا نَحْكُمُ عَلَى مُسْلِمٍ بِعَمَلِهِ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا الْمَذْهَبِ، لِكَوْنِهِ يَجْمَعُ طُرُقًا كَثِيرَةً يَتَعَذَّرُ مَعَهَا وُجُودُ هَذَا الْحُكْمِ الَّذِي جَوَّزَهُ. انْتَهَى.
[وَذَلِكَ فِي الْغَالِبِ وَمَا عَدَاهُ فَجَلَالَتُهُ تَنْبُو عَنْ مَشْيِ مَا لَمْ يَتَّصِلْ عَلَيْهِ] .
وَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ مِنَ الْمُرَجِّحَاتِ لِكِتَابِ مُسْلِمٍ، سِوَى مَا سَلَفَ عَنِ ابْنِ حَزْمٍ - فَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ - كَمَا مَرَّ - غَيْرَ مُسْتَلْزِمٍ لِلْأَصَحِّيَّةِ، مُعَارَضٌ بِوُجُودِ مِثْلِهِ، أَوْ أَحْسَنَ مِنْهُ مِنْ نَمَطِهِ فِي الْبُخَارِيِّ مِمَّا لَا نُطِيلُ بِإِيضَاحِهِ هُنَا.
وَقَدْ قَالَ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ الْإِمَامُ النَّظَّارُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: ((إِنَّهُ - أَيْ: مُسْلِمًا - رَامَ مَا رَامَ الْبُخَارِيُّ، إِلَّا أَنَّهُ لَمْ يُضَايِقْ نَفْسَهُ مُضَايَقَتَهُ.
وَرَوَى عَنْ جَمَاعَةٍ لَمْ يَتَعَرَّضِ الْبُخَارِيُّ لِلرِّوَايَةِ عَنْهُمْ قَالَ: وَكُلٌّ قَصَدَ الْخَيْرَ وَمَا هُوَ الصَّوَابُ عِنْدَهُ، غَيْرَ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَبْلُغْ مِنَ التَّشْدِيدِ مَبْلَغَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، وَلَا تَسَبَّبَ إِلَى اسْتِنْبَاطِهِ الْمَعَانِيَ وَاسْتِخْرَاجِ لَطَائِفِ فِقْهِ الْحَدِيثِ وَتَرَاجِمِ الْأَبْوَابِ الدَّالَّةِ عَلَى مَا لَهُ وَصْلَةٌ بِالْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ فِيهِ تَسَبُّبَهُ، وَلِلَّهِ الْفَضْلُ يَخْتَصُّ بِهِ مَنْ يَشَاءُ)) .
وَبِالْجُمْلَةِ فَكِتَابَاهُمَا أَصَحُّ كُتُبِ الْحَدِيثِ (وَ) لَكِنَّهُمَا (لَمْ يَعُمَّاهُ) أَيْ: لَمْ يَسْتَوْعِبَا [كُلَّ الصَّحِيحِ فِي كِتَابَيْهِمَا، بَلْ لَوْ قِيلَ: إِنَّهُمَا لَمْ يَسْتَوْعِبَا مَشْرُوطَهُمَا،
стр. 33
لَكَانَ مُوَجَّهًا] وَقَدْ صَرَّحَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِعَدَمِ الِاسْتِيعَابِ، فَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِيمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَعْقِلٍ عَنْهُ: ((مَا أَدْخَلْتُ فِي كِتَابِي الْجَامِعِ إِلَّا مَا صَحَّ، وَتَرَكْتُ مِنَ الصِّحَاحِ خَشْيَةَ أَنْ يَطُولَ الْكِتَابُ)) .
وَقَالَ مُسْلِمٌ: ((إِنَّمَا أَخْرَجْتُ هَذَا الْكِتَابَ، وَقُلْتُ: هُوَ صِحَاحٌ، وَلَمْ أَقُلْ: إِنَّ مَا لَمْ أُخَرِّجْهُ مِنَ الْحَدِيثِ فِيهِ ضَعِيفٌ)) .
وَحِينَئِذٍ فَإِلْزَامُ الدَّارَقُطْنِيِّ لَهُمَا فِي جُزْءٍ أَفْرَدَهُ بِالتَّصْنِيفِ بِأَحَادِيثِ رِجَالٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رُوِيَتْ عَنْهُمْ مِنْ وُجُوهٍ صِحَاحٍ، تَرَكَاهَا مَعَ كَوْنِهَا عَلَى شَرْطِهِمَا، وَكَذَا قَوْلُ ابْنِ حِبَّانَ: يَنْبَغِي أَنْ يُنَاقَشَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي تَرْكِهِمَا إِخْرَاجَ أَحَادِيثَ هِيَ مِنْ شَرْطِهِمَا - لَيْسَ بِلَازِمٍ.
وَلِذَلِكَ قَالَ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ: ((وَلَمْ يَحْكُمَا، وَلَا وَاحِدٌ مِنْهُمَا، أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنَ الْحَدِيثِ غَيْرُ مَا خَرَّجَهُ، قَالَ: وَقَدْ نَبَغَ فِي عَصْرِنَا هَذَا جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُبْتَدِعَةِ، يَشْمَتُونَ بِرُوَاةِ الْآثَارِ ; بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَصِحُّ عِنْدَكُمْ مِنَ الْحَدِيثِ لَا يَبْلُغُ عَشَرَةَ آلَافِ حَدِيثٍ)) .
وَنَحْوُهُ مَا ذَكَرَهُ السِّلَفِيُّ فِي مُعْجَمِ السَّفَرِ " أَنَّ بَعْضَهُمْ رَأَى فِي
стр. 34
الْمَنَامِ أَبَا دَاوُدَ صَاحِبَ السُّنَنِ فِي آخَرِينَ مُجْتَمِعِينَ، وَأَنَّ أَحَدَهُمْ قَالَ: كُلُّ حَدِيثٍ لَمْ يَرْوِهِ الْبُخَارِيُّ، فَاقْلِبْ عَنْهُ رَأْسَ دَابَّتِكَ ".
وَمِنْ ثَمَّ صَرَّحَ بَعْضُ الْمَغَارِبَةِ بِتَفْضِيلِ كِتَابِ النَّسَائِيِّ عَلَى صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، وَقَالَ: إِنَّ مَنْ شَرَطَ الصِّحَّةَ، فَقَدْ جَعَلَ لِمَنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ فِي الْإِدْرَاكِ سَبَبًا إِلَى الطَّعْنِ عَلَى مَا لَمْ يُدْخِلْ، [وَجَعَلَ لِلْجِدَالِ مَوْضِعًا] فِيمَا أَدْخَلَ. وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ لَا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ حُكْمًا وَتَعْلِيلًا.
وَالْحَقُّ أَنَّهُمَا لَمْ يَلْتَزِمَا حَصْرَ الصَّحِيحِ فِيمَا أَوْدَعَاهُ كِتَابَيْهِمَا (وَلَكِنْ قَلَّ مَا) أَيِ: الَّذِي (عِنْدَ) الْحَافِظِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ يُوسُفَ الشَّيْبَانِيِّ النَّيْسَابُورِيِّ (ابْنِ الْأَخْرَمِ) شَيْخِ الْحَاكِمِ، وَهُوَ بِمُعْجَمَةٍ ثُمَّ مُهْمَلَةٍ وَمِيمٍ مُدْغَمَةٍ فِي مِيمِ (مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الصَّحِيحِ (قَدْ فَاتَهُمَا، وَرُدَّ) مِنِ ابْنِ الصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ: وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: لَيْسَ ذَلِكَ بِقَلِيلٍ، فَإِنَّهُ يَصْفُو مِنْ (مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ) عَلَيْهِمَا صَحِيحٌ كَثِيرٌ.
(لَكِنْ قَالَ) الشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا (يَحْيَى) النَّوَوِيُّ (الْبَرُّ) - لِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ مِنَ الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَأَصْنَافِ الْبِرِّ مَا فَاقَ فِيهِ ; بِحَيْثُ قَالَ بَعْضُهُمْ: إِنَّهُ كَانَ سَالِكًا مِنْهَاجَ الصَّحَابَةِ، لَا يُعْلَمُ فِي عَصْرِهِ مَنْ سَلَكَهُ غَيْرُهُ - فِي كِتَابِهِ ((الْإِرْشَادِ)) بَعْدَ قَوْلِهِ: وَالصَّحِيحُ قَوْلُ غَيْرِ ابْنِ الْأَخْرَمِ: إِنَّهُ فَاتَهُمَا كَثِيرٌ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْمُشَاهَدَةُ.
стр. 35
قُلْتُ: وَالصَّوَابُ قَوْلُ مَنْ قَالَ (لَمْ يَفُتِ) الْكُتُبَ (الْخَمْسَةَ) أُصُولَ الْإِسْلَامِ ; وَهِيَ: الصَّحِيحَانِ وَالسُّنَنُ الثَّلَاثَةُ (إِلَّا النَّزْرُ) يَعْنِي الْقَلِيلَ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِالْقَائِلِ الْحَافِظَ أَبَا أَحْمَدَ بْنَ الْفَرَضِيِّ، فَإِنَّهُ وَصَفَ مُصَنَّفَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ السَّكَنِ مَعَ اشْتِمَالِهِ عَلَى مَا عَدَا التِّرْمِذِيِّ مِنْهَا بِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إِلَّا الْقَلِيلُ.
(وَفِيهِ) أَيْ: وَفِي تَصْوِيبِ النَّوَوِيِّ ﵀ أَيْضًا (مَا فِيهِ) كِنَايَةٌ عَنْ ضَعْفِهِ (لِقَوْلِ الْجُعْفِيِّ) مَوْلَاهُمُ، الْبُخَارِيِّ، حَسْبَمَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ كَالْمُسْتَظْهِرِ بِظَاهِرِهِ لِلرَّدِّ عَلَى ابْنِ الْأَخْرَمِ، (أَحْفَظُ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الصَّحِيحِ (عُشْرَ أَلْفِ أَلْفِ. .) حَدِيثٍ، أَيْ: مِائَةَ أَلْفٍ، كَمَا هِيَ عِبَارَتُهُ.
وَبَقِيَّةُ كَلَامِهِ: وَمِائَتَيْ أَلْفِ حَدِيثٍ غَيْرِ صَحِيحٍ. وَالْخَمْسَةُ فَضْلًا عَنِ الصَّحِيحَيْنِ دُونَ ذَلِكَ بِكَثِيرٍ، وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُمَا مَعًا بِأَنْ يُقَالَ مِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ (عَلَّهُ) أَيْ: عَلَّ الْبُخَارِيَّ، وَهِيَ لُغَةٌ فِي " لَعَلَّ " وَمِنْهُ:
لَا تُهِينَ الْفَقِيرَ عَلَّكَ أَنْ ... تَرْكَعَ يَوْمًا وَالدَّهْرُ قَدْ رَفَعَهْ.
(أَرَادَ) بُلُوغَ الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ (بِالتَّكْرَارِ لَهَا وَمَوْقُوفٍ) يَعْنِي بَعْدَ الْمُكَرَّرِ وَالْمَوْقُوفِ، وَكَذَا آثَارُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَغَيْرِهِمْ وَفَتَاوِيهِمْ مِمَّا كَانَ السَّلَفُ يُطْلِقُونَ عَلَى كُلِّهِ حَدِيثًا، وَحِينَئِذٍ يَسْهُلُ الْخَطْبُ، فَرُبَّ حَدِيثٍ لَهُ مِائَةُ طَرِيقٍ فَأَكْثَرُ.
стр. 36
وَهَذَا حَدِيثُ: «الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» نُقِلَ - مَعَ مَا فِيهِ - عَنِ الْحَافِظِ أَبِي إِسْمَاعِيلَ الْأَنْصَارِيِّ الْهَرَوِيِّ أَنَّهُ كَتَبَهُ مِنْ حَدِيثِ سَبْعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَاوِيهِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ.
وَقَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ عَقِبَ قَوْلِ الْبُخَارِيِّ: وَمَا تَرَكْتُ مِنَ الصَّحِيحِ أَكْثَرُ، مَا نَصُّهُ: لَوْ أَخْرَجَ كُلَّ حَدِيثٍ عِنْدَهُ، لَجَمَعَ فِي الْبَابِ الْوَاحِدِ حَدِيثَ جَمَاعَةٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَلَذَكَرَ طُرُقَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إِذَا صَحَّتْ.
وَقَالَ الْجَوْزَقِيُّ: إِنَّهُ اسْتَخْرَجَ عَلَى أَحَادِيثِ الصَّحِيحَيْنِ، فَكَانَتْ عِدَّتُهُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ طَرِيقٍ وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَثَمَانِينَ طَرِيقًا.
قَالَ شَيْخُنَا: وَإِذَا كَانَ الشَّيْخَانِ مَعَ ضِيقِ شَرْطِهِمَا، بَلَغَ جُمْلَةُ مَا فِي كِتَابَيْهِمَا بِالْمُكَرَّرِ ذَلِكَ، فَمَا لَمْ يُخَرِّجَاهُ مِنَ الطُّرُقِ لِلْمُتُونِ الَّتِي أَخْرَجَاهَا لَعَلَّهُ يَبْلُغُ ذَلِكَ أَيْضًا أَوْ يَزِيدُ، وَمَا لَمْ يُخَرِّجَاهُ مِنَ الْمُتُونِ مِنَ الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَى شَرْطِهِمَا لَعَلَّهُ يَبْلُغُ ذَلِكَ أَيْضًا أَوْ يَقْرُبُ مِنْهُ، فَإِذَا انْضَافَ ذَلِكَ إِلَى مَا جَاءَ عَنِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، بَلَغَ الْعِدَّةَ الَّتِي يَحْفَظُهَا الْبُخَارِيُّ، بَلْ رُبَّمَا زَادَتْ.
وَهَذَا الْحَمْلُ مُتَعَيِّنٌ، وَإِلَّا فَلَوْ عُدَّتْ أَحَادِيثُ الْمَسَانِيدِ، وَالْجَوَامِعِ، وَالسُّنَنِ، وَالْمَعَاجِمِ وَالْفَوَائِدِ، وَالْأَجْزَاءِ، وَغَيْرِهَا مِمَّا هُوَ بِأَيْدِينَا صَحِيحُهَا وَغَيْرُهُ - مَا بَلَغَتْ ذَلِكَ بِدُونِ تَكْرَارٍ - بَلْ وَلَا نِصْفَهُ. انْتَهَى.
стр. 37
وَبِمُقْتَضَى مَا تَقَرَّرَ ظَهَرَ أَنَّ كَلَامَ الْبُخَارِيِّ لَا يُنَافِي مَقَالَةَ ابْنِ الْأَخْرَمِ، فَضْلًا عَنِ النَّوَوِيِّ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ الصَّلَاحِ اسْتَنْتَجَ مِنْ ظَاهِرِهِ مَعَ قَوْلِهِ:
[عَدَدُ أَحَادِيثِ الْبُخَارِيِّ] (وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) مِنَ الْأَحَادِيثِ بِدُونِ تَكْرِيرٍ (أَرْبَعَةُ الْآلَافِ) بِزِيَادَةِ " أَلْ " لِلضَّرُورَةِ، (وَالْمُكَرَّرُ) مِنْهَا (فَوْقَ ثَلَاثَةٍ أُلُوفًا) بِالنَّصْبِ عَلَى التَّمْيِيزِ، أَيْ: ثَلَاثَةُ آلَافٍ وَمِائَتَانِ وَخَمْسَةٌ وَسَبْعُونَ حَدِيثًا، كَمَا (ذَكَرُوا) أَيْ: أَبُو مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ رَاوِي الصَّحِيحِ وَمَنْ تَبِعَهُ، أَنَّ الَّذِي لَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ مِنَ الصَّحِيحِ أَكْثَرُ مِمَّا خَرَّجَهُ.
عَلَى أَنَّهُ قَدْ أُجِيبَ أَيْضًا بِغَيْرِ هَذَا، فَحَمَلَ بَعْضُهُمْ كَلَامَ ابْنِ الْأَخْرَمِ فِيمَا فَاتَهُمَا عَلَى الصَّحِيحِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُتَعَقَّبُ بِالْمُسْتَدْرَكِ، فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْحُفَّاظِ: إِنَّهُ لَمْ يَرَ فِيهِ عَلَى شَرْطِهِمَا إِلَّا ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ، بَلْ لَمْ يَسْتَثْنِ غَيْرُهُ شَيْئًا.
قَالَ شَيْخُنَا: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ مِمَّا عَرَفَاهُ وَاطَّلَعَا عَلَيْهِ مِمَّا يَبْلُغُ شَرْطَهُمَا
стр. 38
لَا بِقَيْدِ كِتَابَيْهِمَا، كَمَا فَهِمَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ. انْتَهَى.
وَيَتَأَيَّدُ بِعَدَمِ مُوَافَقَةِ التَّاجِ التِّبْرِيزِيِّ عَلَى التَّقْيِيدِ بِكِتَابَيْهِمَا، كَمَا أَوْضَحْتُ كُلَّ هَذَا فِي النُّكَتِ مَعَ فَوَائِدَ لَا يَسَعُهَا هَذَا الْمُخْتَصَرُ، مِنْهَا أَنَّ الْمُعْتَمَدَ فِي الْعِدَّةِ سَبْعَةُ آلَافٍ وَثَلَاثُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ حَدِيثًا بِزِيَادَةِ مِائَةٍ وَاثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ، كُلُّ ذَلِكَ سِوَى الْمُعَلَّقَاتِ وَالْمُتَابَعَاتِ وَالْمَوْقُوفَاتِ عَلَى الصَّحَابَةِ، وَالْمَقْطُوعَاتِ عَنِ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ.
وَالْخَالِصُ مِنْ ذَلِكَ بِلَا تَكْرِيرٍ أَلْفَا حَدِيثٍ وَسِتُّمِائَةٍ وَحَدِيثَانِ، وَإِذَا ضُمَّ لَهُ الْمُتُونُ الْمُعَلَّقَةُ الْمَرْفُوعَةُ الَّتِي لَمْ يُوصِلْهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْهُ ; وَهِيَ مِائَةٌ وَتِسْعَةٌ وَخَمْسُونَ، صَارَ مَجْمُوعُ الْخَالِصِ أَلْفَيْ حَدِيثٍ، وَسَبْعَمِائَةٍ وَأَحَدًا وَسِتِّينَ حَدِيثًا.
[الصَّحِيحُ الزَّائِدُ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ]
٢٩ - وَخُذْ زِيَادَةَ الصَّحِيحِ إِذْ تُنَصْ ... صِحَّتُهُ أَوْ مِنْ مُصَنَّفٍ يُخَصْ
٣٠ - بِجَمْعِهِ نَحْوِ ابْنِ حِبَّانَ الزَّكِي ... وَابْنِ خُزَيْمَةَ وَكَالْمُسْتَدْرَكِ
٣١ - عَلَى تَسَاهُلٍ وَقَالَ مَا انْفَرَدْ ... بِهِ فَذَاكَ حَسَنٌ مَا لَمْ يُرَدْ
٣٢ - بِعِلَّةٍ وَالْحَقُّ أَنْ يُحْكَمْ بِمَا ... يَلِيقُ والْبُسْتِيُّ يُدَانِي الْحَاكِمَا
стр. 39
(وَخُذْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ بَعْدَمَا تَقَرَّرَ لَكَ أَنَّ الشَّيْخَيْنِ لَمْ يَسْتَوْعِبَاهُ (زِيَادَةَ الصَّحِيحِ) الْمُشْتَمِلَ عَلَى شَرْطَيْهِمَا وَغَيْرَهُ مِمَّا حُكِمَ لَهُ بِالصِّحَّةِ (إِذْ) أَيْ حَيْثُ (تُنَصُّ صِحَّتُهُ) مِنْ إِمَامٍ مُعْتَمَدٍ ; كَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ، وَالدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْخَطَّابِيِّ، وَالْبَيْهَقِيِّ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ الشَّهِيرَةِ فِيهَا، وَكَذَا فِي غَيْرِهَا، إِذَا صَحَّ الطَّرِيقُ إِلَيْهِمْ.
كَمَا إِذَا وُجِدَ ذَلِكَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَابْنِ مَعِينٍ وَغَيْرِهِمَا، مِمَّنْ لَمْ يَشْتَهِرْ لَهُمْ تَصْنِيفٌ، خِلَافًا لِابْنِ الصَّلَاحِ فِيمَا عَدَا الْكُتُبِ الشَّهِيرَةِ، بِنَاءً عَلَى مَذْهَبِهِ مِنْ عَدَمِ إِمْكَانِ التَّصْحِيحِ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ ; لِاسْتِلْزَامِهِ الْحُكْمَ عَلَى السَّنَدِ الْمُوصِّلِ إِلَيْهِمْ بِالصِّحَّةِ.
وَمَا وَقَعَ فِي كَلَامِ النَّوَوِيِّ ﵀ مِنَ التَّقْيِيدِ بِالتَّصَانِيفِ تَبَعًا لِابْنِ الصَّلَاحِ، كَأَنَّهُ لِلِاكْتِفَاءِ مِمَّا صَحَّحَهُ بُعْدٌ مِنَ الْإِمْكَانِ، ثُمَّ إِنَّهُ لَا انْحِصَارَ لَأَخْذِ الزِّيَادَةِ فِيمَا سَبَقَ، بَلْ تُؤْخَذُ إِمَّا مِنْهُ (أَوْ مِنْ مُصَنَّفٍ) بِفَتْحِ النُّونِ (يُخَصُّ بِجَمْعِهِ) أَيِ: الصَّحِيحِ بِمُقْتَضَى مَا عِنْدَ مُصَنِّفِهِ.
(نَحْوُ) صَحِيحِ أَبِي حَاتِمِ (ابْنِ حِبَّانَ) بِكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ، مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيِّ الْبُسْتِيِّ الشَّافِعِيِّ الْحَافِظِ الْفَقِيهِ الْقَاضِي (الزَّكِيِّ) أَيِ: الزَّاكِي، لِنُمُوِّهِ عِنْدَ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَالْخَطِيبِ، فَإِنَّهُ قَالَ: كَانَ ثِقَةً ثَبْتًا فَاضِلًا فَهِمًا.
وَقَالَ الْحَاكِمُ: (كَانَ مِنْ أَوْعِيَةِ الْعِلْمِ فِي الْفِقْهِ، وَاللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ، وَالْوَعْظِ، وَمِنْ عُقَلَاءِ الرِّجَالِ، وَاسْمُ مُصَنَّفِهِ " التَّقَاسِيمُ وَالَأَنْوَاعُ ".
(وَ) نَحْوُ صَحِيحِ إِمَامِ الْأَئِمَّةِ أَبِي بَكْرِ (ابْنِ خُزَيْمَةَ) بِمُعْجَمَتَيْنِ أُولَاهُمَا مَضْمُومَةٌ وَبِالصَّرْفِ وَتَرْكِهِ هُنَا، وَاسْمُهُ: مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ السُّلَمِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ، شَيْخُ ابْنِ حِبَّانَ الْقَائِلُ فِيهِ: مَا رَأَيْتُ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَنْ يُحْسِنُ صِنَاعَةَ السُّنَنِ،
стр. 40
وَيَحْفَظُ أَلْفَاظَهَا الصِّحَاحَ وَزِيَادَتَهَا، حَتَّى كَأَنَّ السُّنَنَ كُلَّهَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، غَيْرَهُ، وَأُخِّرَ عَنْهُ مَعَ تَقَدُّمِهِ ; لِكَوْنِ صَحِيحِهِ عُدِمَ أَكْثَرُهُ، بِخِلَافِ صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ، فَهُوَ مَوْجُودٌ بِتَمَامِهِ.
(وَكَالْمُسْتَدْرَكِ) عَلَى الصَّحِيحَيْنِ مِمَّا فَاتَهُمَا لِلْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيِّ النَّيْسَابُورِيِّ الْحَافِظِ الثِّقَةِ (عَلَى تَسَاهُلٍ) مِنْهُ فِيهِ، بِإِدْخَالِهِ فِيهِ عِدَّةَ مَوْضُوعَاتٍ، حَمَلَهُ عَلَى تَصْحِيحِهَا ; إِمَّا التَّعَصُّبُ لِمَا رُمِيَ بِهِ مِنَ التَّشَيُّعِ، وَإِمَّا غَيْرُهُ، فَضْلًا عَنِ الضَّعِيفِ وَغَيْرِهِ.
بَلْ يُقَالُ: إِنَّ السَّبَبَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ صَنَّفَهُ فِي أَوَاخِرِ عُمُرِهِ، وَقَدْ حَصَلَتْ لَهُ غَفْلَةٌ وَتَغَيُّرٌ، أَوْ أَنَّهُ لَمْ يَتَيَسَّرْ لَهُ تَحْرِيرُهُ وَتَنْقِيحُهُ، وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّ تَسَاهُلَهُ فِي قَدْرِ الْخُمُسِ الْأَوَّلِ مِنْهُ قَلِيلٌ جِدًّا بِالنِّسْبَةِ لِبَاقِيهِ، فَإِنَّهُ وُجِدَ عِنْدَهُ: " إِلَى هُنَا انْتَهَى إِمْلَاءُ الْحَاكِمِ ".
وَقَوْلُ أَبِي سَعْدٍ الْمَالِينِيِّ: " إِنَّهُ طَالَعَهُ بِتَمَامِهِ، فَلَمْ يَرَ فِيهِ حَدِيثًا عَلَى شَرْطِهِمَا " - غَيْرُ مَرْضِيٍّ، نَعَمْ هُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّسَاهُلِ فِي التَّصْحِيحِ، وَالْمُشَاهَدَةُ تَدُلُّ عَلَيْهِ.
(وَ) لِذَلِكَ (قَالَ) ابْنُ الصَّلَاحِ مَا حَاصِلُهُ: (مَا انْفَرَدَ) الْحَاكِمُ (بِهِ) أَيْ: بِتَصْحِيحِهِ ; لِيُخَرِّجَ مَا شَارَكَهُ غَيْرُهُ فِي تَصْحِيحِهِ، وَكَذَا مَا خَرَّجَهُ فَقَطْ غَيْرَ
следующие страницы →