Полный текст (1 419 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.
стр. 106
إِلَى آخِرِهِ.
فَكَأَنَّهُ خَصَّ الْأَوَّلَ بِمَنْ لَمْ يُصَنِّفْ مِمَّنْ نُقِلَ عَنْهُ الْكَلَامُ عَلَى الْأَحَادِيثِ إِجَابَةً لِمَنْ سَأَلَهُ، أَوْ صَنَّفَ لَا عَلَى الْأَبْوَابِ، بَلْ عَلَى الْمَشْيَخَاتِ وَالْمَعَاجِمِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ، وَلَا مَانِعَ مِنْ هَذَا الْحَمْلِ، فَقَدْ قِيلَ بِنَحْوِهِ فِي الْعَزْوِ لَأَصْلِ الْمُسْتَخْرَجَاتِ مِمَّا يُنْقَلُ مِنْهَا بِدُونِ مُقَابَلَةٍ عَلَيْهِ ; حَيْثُ فَرَّقَ بَيْنَ التَّصْنِيفِ عَلَى الْأَبْوَابِ وَغَيْرِهَا.
وَلَمْ يُرِدِ ابْنُ الصَّلَاحِ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْمُعْتَمَدِ وَغَيْرِهِ ; إِذْ غَيْرُ الْمُعْتَمَدِ لَا يُعْتَمَدُ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: الْكُلُّ مُعْتَمَدُونَ ; غَيْرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ أَشَدُّ اعْتِمَادًا.
وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الْغَايَةِ فِي الْعُمْدَةِ بِالْجِهْبِذِ (وَ) ذَلِكَ حَيْثُ (لَمْ يُعَقِّبْهُ) أَيِ: الْحُكْمَ لِلْإِسْنَادِ (بِضَعْفٍ يُنْتَقَدْ) بِهِ الْمَتْنُ إِمَّا نَقْلًا عَنْ غَيْرِهِ أَوْ بِنَقْدِهِ هُوَ وَتَصَرُّفِهِ ; إِذِ الظَّاهِرُ مِنْ هَذَا الْإِمَامِ الْمُصَنِّفِ - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ - الْحُكْمُ لَهُ بِأَنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ، أَيْ: فِي نَفْسِ الْمَتْنِ ; لِأَنَّ عَدَمَ الْعِلَّةِ وَالْقَادِحِ هُوَ الْأَصْلُ وَالظَّاهِرُ، أَيْ: فِي هَذَا الْمَتْنِ خَاصَّةً، نَظَرًا إِلَى أَنَّ هَذَا الْإِمَامَ الْمُصَنِّفَ إِنَّمَا أَطْلَقَ بَعْدَ الْفَحْصِ عَنِ انْتِقَاءِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ عَدَمُ الْعِلَّةِ وَالْقَادِحِ هُوَ الْأَصْلُ مُطْلَقًا، مَا اشْتُرِطَ عَدَمُهُ فِي الصَّحِيحِ.
وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ الْحُكْمُ لِلْإِسْنَادِ بِالضَّعْفِ ; إِذْ قَدْ يَضْعُفُ لِسُوءِ حِفْظٍ وَانْقِطَاعٍ وَنَحْوِهِمَا، وَلِلْمَتْنِ طَرِيقٌ آخَرُ صَحِيحٌ أَوْ حَسَنٌ، كَمَا سَيَأْتِي أَوَّلَ التَّنْبِيهَاتِ التَّالِيَةِ لِلْمَقْلُوبِ، وَلَكِنَّ الْمُحَدِّثَ الْمُعْتَمَدَ لَوْ لَمْ يَفْحَصْ عَنِ انْتِفَاءِ الْمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ، مَا أَطْلَقَ.
ثُمَّ إِنَّهُ مَعَ مَا تَقَرَّرَ قَدْ يَدِّعِي أَرْجَحِيَّةَ مَا نَصَّ فِيهِ عَلَى الْمَتْنِ ; لِمَا عُلِمَ مِنَ الْفَرْقِ بَيْنَ مَا الدَّلَالَةُ عَلَيْهِ بِالْعِبَارَةِ وَالنَّصِّ عَلَى مَا هُوَ بِالظُّهُورِ وَاللُّزُومِ.
وَمِمَّا يَشْهَدُ لِعَدَمِ التَّلَازُمِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرِ بْنِ خَلَّادٍ عَنْ
стр. 107
مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: «تَسَحَّرُوا ; فِإِنَّ فِي السُّحُورِ بَرَكَةً» ، وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ، وَأَحْسَبُ الْغَلَطَ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ فُضَيْلٍ، وَكَذَا أَوْرَدَ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ غَيْرَ حَدِيثٍ يَحْكُمُ عَلَى إِسْنَادِهِ بِالصِّحَّةِ، وَعَلَى الْمَتْنِ بِالْوَهَاءِ ; لِعِلَّتِهِ أَوْ شُذُوذِهِ، إِلَى غَيْرِهِمَا مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَكَذَا مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ، كَالْمِزِّيِّ ; حَيْثُ تَكَرَّرَ مِنْهُ الْحُكْمُ بِصَلَاحِيَةِ الْإِسْنَادِ وَنَكَارَةِ الْمَتْنِ.
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ حَدِيثًا مِنْ طَرِيقِ خَيْثَمَةَ الْبَصْرِيِّ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا: «مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، فَلْيَسْأَلِ اللَّهَ بِهِ» ، وَقَالَ بَعْدَهُ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِذَاكَ، وَنَحْوُهُ مَا أَخْرَجَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي كِتَابِ الْعِلْمِ لَهُ، مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَفَعَهُ: «تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ، فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ لِلَّهِ خَشْيَةٌ» . . . "، الْحَدِيثَ بِطُولِهِ، وَقَالَ عَقِبَهُ: هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ جِدًّا، وَلَكِنْ لَيْسَ إِسْنَادُهُ بِقَوِيٍّ.
[اجْتِمَاعُ الصِّحَّةِ وَالْحُسْنِ]
[اجْتِمَاعُ الصِّحَّةِ وَالْحُسْنِ] (وَ) الثَّانِيَةُ (اسْتُشْكِلَ الْحُسْنُ) الْوَاقِعُ جَمْعُهُ فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ كَثِيرًا وَغَيْرِهِ كَالْبُخَارِيِّ (مَعَ الصِّحَّةِ فِي مَتْنٍ) وَاحِدٍ، كَهَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ; لِمَا تَقَرَّرَ مِنْ أَنَّ الْحَسَنَ قَاصِرٌ عَنِ الصَّحِيحِ، فَفِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ جَمْعٌ بَيْنَ نَفْيِ ذَلِكَ الْقُصُورِ وَإِثْبَاتِهِ، وَيُقَالُ فِي الْجَوَابِ: لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَائِلُ أَرَادَ الْحُسْنَ الِاصْطِلَاحِيَّ أَوِ اللُّغَوِيَّ.
(فَإِنْ لَفْظًا يُرِدْ) أَيْ: فَإِنْ يُرِدِ الْقَائِلُ بِهِ اللَّفْظَ ; لِكَوْنِهِ مِمَّا فِيهِ بُشْرَى لِلْمُكَلَّفِ، وَتَسْهِيلٌ عَلَيْهِ، وَتَيْسِيرٌ لَهُ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا تَمِيلُ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَلَا يَأْبَاهُ الْقَلْبُ، وَهُوَ اللُّغَوِيُّ، فَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ غَيْرُ مُسْتَنْكَرِ الْإِرَادَةِ، وَبِهِ يَزُولُ الْإِشْكَالُ.
وَلَكِنْ قَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّهُ إِنْ أُرِيدَ حُسْنُ اللَّفْظِ فَقَطْ، (فَقُلْ صِفْ بِهِ)
стр. 108
أَيْ: بِالْحَسَنِ (الضَّعِيفَ) وَلَوْ بَلَغَ رُتْبَةَ الْوَضْعِ، يَعْنِي كَمَا هُوَ قَصْدُ الْوَاضِعِينَ غَالِبًا، وَذَلِكَ لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ إِذَا جَرَوْا عَلَى اصْطِلَاحِهِمْ، بَلْ صَرَّحَ الْبُلْقِينِيُّ بِأَنَّهُ لَا يَحِلُّ إِطْلَاقُهُ فِي الْمَوْضُوعِ، يَعْنِي وَلَوْ خَرَجُوا عَنِ اصْطِلَاحِهِمْ ; لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَوْقَعَ فِي لَبْسٍ، وَأَيْضًا فَحُسْنُ لَفْظِهِ مُعَارَضٌ بِقُبْحِ الْوَضْعِ أَوِ الضَّعْفِ.
لَكِنْ أَجَابَ بِمَنْعِ وُرُودِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالصِّحَّةِ، الَّذِي هُوَ فَرْضُ الْمَسْأَلَةِ، وَهُوَ حَسَنٌ، وَلِذَلِكَ تَبِعَهُ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ فِيهِ.
عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَدَّعِي أَنَّ تَقْيِيدَ التِّرْمِذِيِّ بِالْإِسْنَادِ ; حَيْثُ قَالَ: إِنَّمَا أَرَدْنَا بِهِ بِحُسْنِ إِسْنَادِهِ - يَدْفَعُ إِرَادَةَ حُسْنِ اللَّفْظِ، وَلَكِنْ لَا يَأْتِي هَذَا إِذَا مَشَيْنَا عَلَى أَنَّ تَعْرِيفَهُ إِنَّمَا هُوَ لِمَا يَقُولُ فِيهِ، حَسَنٌ فَقَطْ.
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ سَيِّدِ النَّاسِ فِي دَفْعِ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ: حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ كُلُّهُ حَسَنُ الْأَلْفَاظِ، بَلِيغُ الْمَعَانِي، يَعْنِي فَلِمَ يَخُصَّ بِالْوَصْفِ بِذَلِكَ بَعْضَهُ دُونَ بَعْضٍ، فَهُوَ كَذَلِكَ جَزْمًا، لَكِنَّ فِيهِ مَا هُوَ فِي التَّرْهِيبِ وَنَحْوِهِ ; كَـ «مَنْ نُوقِشَ الْحِسَابَ عُذِّبَ» وَمَا هُوَ فِي التَّرْغِيبِ وَالْفَضَائِلِ ; كَالزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَلَا مَانِعَ مِنَ النَّصِّ فِي الثَّانِي وَنَحْوِهِ عَلَى الْحُسْنِ اللُّغَوِيِّ.
وَرُدَّ بِأَنَّ الْمُطَابِقَ لِلْوَاقِعِ فِي التِّرْمِذِيِّ غَيْرُ مَحْصُورٍ فِيهِ، وَالِانْفِصَالَ عَنْهُ - كَمَا قَالَ الْبُلْقِينِيُّ - أَنَّ الْوَصْفَ بِذَلِكَ، وَلَوْ كَانَ بِالتَّرْهِيبِ بِاعْتِبَارِ مَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ وَالزَّجْرِ بِالَأَسَالِيبِ الْبَدِيعَةِ.
وَحِينَئِذٍ فَالْإِشْكَالُ بَاقٍ، (أَوْ) إِنْ (يُرِدْ مَا يَخْتَلِفُ سَنَدُهُ) ; بِأَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ
стр. 109
بِإِسْنَادَيْنِ: أَحَدُهُمَا حَسَنٌ، وَالْآخَرُ صَحِيحٌ، فَيَسْتَقِيمُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ بِاعْتِبَارِ تَعَدُّدِ الْإِسْنَادَيْنِ. وَهَذَا الْجَوَابُ لِابْنِ الصَّلَاحِ أَيْضًا.
وَقَدْ تَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَيْضًا بِأَنَّهُ وَإِنْ أَمْكَنَ فِيمَا رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ لِاخْتِلَافِ مَخْرَجِهِ (فَكَيْفَ) يُمْكِنُ (إِنْ) حَدِيثٌ (فَرْدٌ وُصِفْ) بِذَلِكَ؟ ! كَمَا يَقَعُ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ نَفْسِهِ ; حَيْثُ يَقُولُ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ: إِنَّهُ حَسَنٌ صَحِيحٌ، لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، أَوْ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ حَدِيثِ فُلَانٍ.
وَتَبِعَهُ فِي رَدِّ هَذَيْنِ الْجَوَابَيْنِ تِلْمِيذُهُ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ، قَالَ: وَأَيْضًا فَلَوْ أَرَادَ أَيِ: الْجَامِعُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ وَاحِدًا مِنْهُمَا، لَحَسُنَ أَنْ يَأْتِيَ بِوَاوِ الْعَطْفِ الْمُشْتَرَكَةِ، فَيَقُولَ: حَسَنٌ وَصَحِيحٌ ; لِتَكُونَ أَوْضَحَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الطَّرِيقَيْنِ، أَوِ السَّنَدِ وَالْمَتْنِ.
(وَلِأَبِي الْفَتْحِ) التَّقِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ وَهْبِ بْنِ مُطِيعِ بْنِ أَبِي الطَّاعَةِ الْقُشَيْرِيِّ الْمَنْفَلُوطِيِّ ثُمَّ الْقَاهِرِيِّ الْمَالِكِيِّ ثُمَّ الشَّافِعِيِّ، عُرِفَ بِابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ، وَهُوَ الْحَافِظُ الْعَلَّامَةُ الشَّهِيرُ أَعْلَمُ أَهْلِ عَصْرِهِ بِفِقْهِ الْحَدِيثِ وَعِلَلِهِ، وَقُوَّةِ الِاسْتِنْبَاطِ مِنْهُ.
وَمَعْرِفَةِ طُرُقِ الِاجْتِهَادِ، مَعَ تَقَدُّمِهِ فِي الزُّهْدِ وَالْوَرَعِ وَالْوِلَايَةِ ; بِحَيْثُ كَانَ يَتَكَلَّمُ عَلَى الْخَوَاطِرِ، وَنَاهِيكَ بِأَنَّهُ هُوَ الْقَائِلُ: مَا تَكَلَّمْتُ بِكَلِمَةٍ، وَلَا فَعَلْتُ فِعْلًا، إِلَّا أَعْدَدْتُ لِذَلِكَ جَوَابًا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ تَعَالَى.
ذُو التَّصَانِيفِ الْكَثِيرَةِ فِي الْفُنُونِ، وَأَحَدُ مَنْ وَلِيَ قَضَاءَ مِصْرَ، وَفَاقَ فِي الْقِيَامِ بِالْحَقِّ، وَالصَّلَابَةِ فِي الْحُكْمِ، وَعَدَمِ الْمُحَابَاةِ، بَلْ كَانَ إِذَا تَخَاصَمَ إِلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الدَّوْلَةِ، بَالَغَ فِي التَّشَدُّدِ وَالتَّثَبُّتِ، فَإِنْ سَمِعَ مَا يَكْرَهُهُ عَزَلَ نَفْسَهُ، فَعَلَ ذَلِكَ مِرَارًا وَهُوَ يُعَادُ.
وَكَانَ يَقُولُ: ضَابِطُ مَا يُطْلَبُ مِنِّي مِمَّا يَجُوزُ شَرْعًا لَا أَبْخَلُ بِهِ. وَاسْتَمَرَّ فِي الْقَضَاءِ حَتَّى مَاتَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِمِائَةٍ (٧٠٢ هـ) ، وَدُفِنَ بِالْقَرَافَةِ، وَمَوْلِدُهُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةِ (٦٢٥ هـ) (فِي كِتَابِهِ الِاقْتِرَاحِ) فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ الَّذِي نَظَمَهُ النَّاظِمُ وَشَرَحْتُهُ، بَعْدَ رَدِّهِمَا - كَمَا
стр. 110
تَقَدَّمَ - فِي الْجَوَابِ عَنِ الْإِشْكَالِ مَا حَاصِلُهُ (أَنَّ انْفِرَادَ الْحُسْنِ) فِي سَنَدٍ أَوْ مَتْنٍ، الْحَسَنُ فِيهِ (ذُو اصْطِلَاحِ) أَيِ: الِاصْطِلَاحِيُّ الْمُشْتَرَطُ فِيهِ الْقُصُورُ عَنِ الصِّحَّةِ.
(وَإِنْ يَكُنِ) الْحَدِيثُ (صَحَّ) أَيْ: وُصِفَ مَعَ الْحُسْنِ بِالصِّحَّةِ (فَلَيْسَ يَلْتَبِسْ) حِينَئِذٍ الْجَمْعُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ، بَلِ الْحُسْنُ حَاصِلٌ لَا مَحَالَةَ تَبَعًا لِلصِّحَّةِ.
وَشَرْحُ هَذَا وَبَيَانُهُ: أَنَّ هَهُنَا صِفَاتٍ لِلرُّوَاةِ تَقْتَضِي قَبُولَ الرِّوَايَةِ، وَلِتِلْكَ الصِّفَاتِ دَرَجَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ ; كَالتَّيَقُّظِ وَالْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ مَثَلًا، وَوُجُودُ الدَّرَجَةِ الدُّنْيَا كَالصِّدْقِ مَثَلًا وَعَدَمِ التُّهْمَةِ بِالْكَذِبِ - لَا يُنَافِيهِ وُجُودُ مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهُ ; كَالْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ، فَإِذَا وُجِدَتِ الدَّرَجَةُ الْعُلْيَا، لَمْ يُنَافِ ذَلِكَ وُجُودَ الدُّنْيَا ; كَالْحِفْظِ مَعَ الصِّدْقِ.
فَيَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا: إِنَّهُ حَسَنٌ بِاعْتِبَارِ وُجُودِ الصِّفَةِ الدُّنْيَا، وَهِيَ الصِّدْقُ مَثَلًا، صَحِيحٌ بِاعْتِبَارِ الصِّفَةِ الْعُلْيَا، وَهِيَ الْحِفْظُ وَالْإِتْقَانُ، قَالَ: وَعَلَى هَذَا (كُلُّ صَحِيحٍ حَسَنٌ لَا يَنْعَكِسُ) أَيْ: وَلَيْسَ كُلُّ حَسَنٍ صَحِيحًا، وَيَتَأَيَّدُ الشِّقُّ الْأَوَّلُ بِقَوْلِهِمْ: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ، فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، كَمَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ.
وَسَبَقَهُ ابْنُ الْمَوَّاقِ، فَقَالَ: لَمْ يَخُصَّ التِّرْمِذِيُّ - يَعْنِي فِي تَعْرِيفِهِ السَّابِقِ - الْحَسَنَ بِصِفَةٍ تُمَيِّزُهُ عَنِ الصَّحِيحِ ; فَلَا يَكُونُ صَحِيحًا إِلَّا هُوَ غَيْرُ شَاذٍّ، وَلَا يَكُونُ صَحِيحًا حَتَّى تَكُونَ رُوَاتُهُ غَيْرَ مُتَّهَمِينَ، بَلْ ثِقَاتٍ.
قَالَ: فَظَهَرَ مِنْ هَذَا أَنَّ الْحُسْنَ عِنْدَهُ صِفَةٌ لَا تَخُصُّ هَذَا الْقِسْمَ، بَلْ قَدْ يَشْرِكُهُ فِيهَا الصَّحِيحُ، فَكُلُّ صَحِيحٍ عِنْدَهُ حَسَنٌ وَلَا يَنْعَكِسُ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا أَنَّهُ لَا يَكَادُ يَقُولُ فِي حَدِيثٍ يُصَحِّحُهُ إِلَّا: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
(وَ) لَكِنْ قَدْ (أَوْرَدُوا) أَيِ: ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ - كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ أَوَّلَ الْقِسْمِ - (مَا صَحَّ مِنْ) أَحَادِيثَ (أَفْرَادٍ) ، أَيْ: لَيْسَ لَهَا إِلَّا إِسْنَادٌ وَاحِدٌ ; لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ التَّعَدُّدِ فِي الصَّحِيحِ (حَيْثُ اشْتَرَطْنَا) كَالتِّرْمِذِيِّ فِي الْحَسَنِ (غَيْرَ مَا إِسْنَادِ) أَيْ: غَيْرَ إِسْنَادٍ، فَانْتَفَى حِينَئِذٍ - كَمَا
стр. 111
قَالَ ابْنُ سَيِّدِ النَّاسِ - أَنْ يَكُونَ كُلُّ صَحِيحٍ حَسَنًا. قَالَ: نَعَمْ قَوْلُهُ: وَلَيْسَ كُلُّ حَسَنٍ صَحِيحًا، صَحِيحٌ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَهُوَ تَعَقُّبٌ وَارِدٌ، وَرَدٌّ وَاضِحٌ. انْتَهَى.
لَكِنْ قَدْ سَلَفَ قَوْلُ ابْنِ سَيِّدِ النَّاسِ نَفْسِهِ: أَنَّ التِّرْمِذِيَّ عَرَّفَ نَوْعًا خَاصًّا مِنَ الْحَسَنِ ; يَعْنِي: فَمَا عَدَاهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ التَّعَدُّدُ، كَالصَّحِيحِ.
وَحِينَئِذٍ فَالْعُمُومُ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ مُطْلَقٌ، وَبِالْحَمْلِ عَلَيْهِ يَسْتَقِيمُ كَلَامُهُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ وَجِيهًا فَالْإِشْكَالُ بَاقٍ.
هَذَا مَعَ أَنَّ شَيْخَنَا صَرَّحَ بِأَنَّ جَوَابَ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ أَقْوَى الْأَجْوِبَةِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ، وَلَكِنَّ التَّحْقِيقَ مَا قَالَهُ أَيْضًا - كَمَا سَبَقَ بَيَانُهُ عِنْدَ تَعْرِيفِ الْخَطَّابِيِّ - أَنَّهُمَا مُتَبَايِنَانِ، وَلِذَا مَشَى فِي تَوْضِيحِ النُّخْبَةِ عَلَى ثَانِي الْأَجْوِبَةِ، إِذَا لَمْ يَحْصُلِ التَّفَرُّدُ.
وَذَكَرَ آخَرَ عِنْدَ التَّفَرُّدِ أَصْلُهُ لِابْنِ سَيِّدِ النَّاسِ، وَعِبَارَتُهُ: وَمُحَصَّلُ الْجَوَابِ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ تَرَدُّدَ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي حَالِ نَاقِلِهِ اقْتَضَى لِلْمُجْتَهِدِ أَلَّا يَصِفَهُ بِأَحَدِ الْوَصْفَيْنِ، فَيُقَالُ فِيهِ: " حَسَنٌ " بِاعْتِبَارِ وَصْفِهِ عِنْدَ قَوْمٍ، " صَحِيحٌ " بِاعْتِبَارِ وَصْفِهِ عِنْدَ قَوْمٍ، وَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ التَّرَدُّدِ ; لِأَنَّ حَقَّهُ أَنْ يَقُولَ: حَسَنٌ أَوْ صَحِيحٌ، وَهَذَا كَمَا حَذَفَ حَرْفَ الْعَطْفِ، يَعْنِي مِنَ الْآخَرِ.
وَعَلَى هَذَا فَمَا قِيلَ فِيهِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، دُونَ مَا قِيلَ فِيهِ: " صَحِيحٌ " ; لِأَنَّ الْجَزْمَ أَقْوَى مِنَ التَّرَدُّدِ، وَهَذَا حَيْثُ التَّفَرُّدِ، وَإِلَّا فَإِطْلَاقُ الْوَصْفَيْنِ مَعًا عَلَى الْحَدِيثِ يَكُونُ بِاعْتِبَارِ إِسْنَادَيْنِ: أَحَدُهُمَا صَحِيحٌ، وَالْآخَرُ حَسَنٌ.
وَعَلَى هَذَا فَمَا قِيلَ فِيهِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ فَوْقَ مَا قِيلَ فِيهِ: " صَحِيحٌ " فَقَطْ، إِذَا كَانَ فَرْدًا ; لِأَنَّ كَثْرَةَ الطُّرُقِ تُقَوِّيهِ. وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
стр. 112
[الحديث الضَّعِيفُ]
الْقِسْمُ الثَّالِثُ: الضَّعِيفُ.
٩٠ - أَمَّا الضَّعِيفُ فَهْوَ مَا لَمْ يَبْلُغِ ... مَرْتَبَةَ الْحُسْنِ وَإِنْ بَسْطٌ بُغِي
٩١ - فَفَاقِدٌ شَرْطَ قَبُولٍ قِسْمُ ... وَاثْنَيْنِ قِسْمٌ غَيْرُهُ وَضَمُّ
٩٢ - سِوَاهُمَا فَثَالِثٌ وَهَكَذَا ... وَعُدْ لِشَرْطٍ غَيْرِ مَبْدُوءٍ فَذَا
٩٣ - قِسْمٌ سِوَاهَا ثُمَّ زِدْ غَيْرَ الَّذِي ... قَدَّمْتُهُ ثُمَّ عَلَى ذَا فَاحْتَذِي
٩٤ - وَعَدَّهُ الْبُسْتِيُّ فِيمَا أَوْعَى ... لِتِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ نَوْعَا.
(أَمَّا الضَّعِيفُ فَهُوَ مَا لَمْ يَبْلُغِ مَرْتَبَةَ الْحَسَنِ) وَلَوْ بِفَقْدِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَلَا احْتِيَاجَ لِضَمِّ الصَّحِيحِ إِلَيْهِ ; فَإِنَّهُ حَيْثُ قَصُرَ عَنِ الْحَسَنِ، كَانَ عَنِ الصَّحِيحِ أَقْصَرَ، وَلَوْ قُلْنَا بِتَبَايُنِهِمَا.
(وَإِنْ بَسْطٌ بُغِي) أَيْ: وَإِنْ طُلِبَ بَسْطٌ وَتَرْكِيبٌ لَأَقْسَامِهِ (فَفَاقِدُ شَرْطِ قَبُولٍ قِسْمُ) أَيْ: شَرْطًا مِنْ شُرُوطِ الْمَقْبُولِ الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنَ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ، وَهِيَ سِتَّةٌ: اتِّصَالُ السَّنَدِ، وَالْعَدَالَةُ، وَالضَّبْطُ، وَنَفْيُ الشُّذُوذِ، وَنَفْيُ الْعِلَّةِ الْقَادِحَةِ، وَالْعَاضِدُ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ، الَّتِي بِالنَّظَرِ لِانْتِفَائِهَا اجْتِمَاعًا وَانْفِرَادًا تَتَعَدَّدُ أَقْسَامُهُ، فَفَقْدُ الِاتِّصَالِ مَثَلًا قِسْمٌ تَحْتَهُ ثَلَاثَةٌ: الْمُرْسَلُ، وَالْمُنْقَطِعُ، وَالْمُعْضَلُ.
(وَ) فَاقِدٌ (اثْنَيْنِ) مِنْهَا ; وَهُمَا الِاتِّصَالُ مَعَ آخَرَ مِنَ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ (قِسْمٌ غَيْرُهُ) أَيْ: غَيْرُ الْأَوَّلِ تَحْتَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ بِالنَّظَرِ إِلَى الضَّعِيفِ وَالْمَجْهُولِ اللَّذَيْنِ يَشْمَلُهُمَا فَقْدُ الْعَدَالَةِ ; لِأَنَّكَ تَضْرِبُهُمَا، وَالَأَرْبَعَةَ الْبَاقِيَةَ فِي الثَّلَاثَةِ الدَّاخِلَةِ تَحْتَ فَقْدِ الِاتِّصَالِ، فَتَبْلُغُ ذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَمَجْمُوعُ الْقِسْمَيْنِ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ قِسْمًا.
(وَضَمُّ سِوَاهُمَا) أَيْ: وَضَمُّ وَاحِدٍ غَيْرِ فَقْدِ الِاتِّصَالِ، وَالْآخَرِ الَّذِي فُقِدَ مَعَهُ مِنْ بَاقِيهَا إِلَيْهَا بِحَيْثُ يَصِيرُ الْمَفْقُودُ ثَلَاثَةً لَا غَيْرَ (فَ) ذَلِكَ قِسْمٌ (ثَالِثٌ) تَحْتَهُ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ ; لِأَنَّكَ تَضُمُّ إِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ قِسْمَيِ الْعَدَالَةِ، وَإِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ الضَّبْطِ، وَإِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ الْعَاضِدِ -
стр. 113
الشُّذُوذَ مَرَّةً وَالْعِلَّةَ أُخْرَى.
وَإِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ قِسْمَيِ الْعَدَالَةِ، الضَّبْطَ تَارَةً، وَالْعَاضِدَ أُخْرَى، وَكَذَا مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ شَرْطَيْنِ آخَرَيْنِ ; وَهُمَا اجْتِمَاعُ الشُّذُوذِ وَالْعِلَّةِ، فَتِلْكَ ثَلَاثَةٌ، وَبِهَا يَصِيرُ هَذَا الْقِسْمُ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ.
(وَهَكَذَا) فَافْعَلْ إِلَى آخِرِ الشُّرُوطِ ; فَخُذْ مَا فُقِدَ فِيهِ شَرْطٌ آخَرُ مَضْمُومًا إِلَى فَقْدِ الشُّرُوطِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ، فَهُوَ قِسْمٌ آخَرُ تَحْتَهُ اثْنَا عَشَرَ ; لِأَنَّكَ تَضُمُّ إِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ قِسْمَيِ الْعَدَالَةِ، وَإِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ الضَّبْطِ، وَإِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ الِاتِّصَالُ بِأَقْسَامِهِ مَعَ الْعَاضِدِ - الشُّذُوذَ وَالْعِلَّةَ مَعًا.
ثُمَّ ارْتَقِ إِلَى مَا فُقِدَ فِيهِ خَمْسَةٌ أَوْ سِتَّةٌ، مِنْهَا فَقْدُ الِاتِّصَالِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ تَجْمَعَ أَقْسَامَ الِاتِّصَالِ أَوِ اثْنَيْنِ مِنْهَا.
وَكَذَا قِسْمَيِ الْعَدَالَةِ بِأَنْ تَجْعَلَ مَثَلًا الْمُرْسَلَ مَعَ الْمُنْقَطِعِ أَوْ مَعَ الْمُعْضَلِ، أَوِ الضَّعِيفَ مَعَ الْمَجْهُولِ فِي قِسْمٍ وَاحِدٍ (وَ) بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنْ هَذَا الشَّرْطِ وَهُوَ الِاتِّصَالُ (عُدْ) أَيِ: ارْجِعْ (لِشَرْطٍ غَيْرِ مَبْدُوءٍ) بِهِ أَوَّلًا ; وَهُوَ الْعَدَالَةُ مَثَلًا (فَذَا قِسْمٌ سِوَاهَا) أَيِ: الْأَقْسَامِ الْمَاضِيَةِ تَحْتَهُ اثْنَانِ.
(ثُمَّ زِدْ) مَعَ كُلٍّ مِنْ هَذَيْنِ (غَيْرَ الَّذِي قَدَّمْتَهُ) وَتَحْتَهُ ثَمَانِيَةٌ ; لِأَنَّكَ تَضُمُّ مَا فُقِدَ فِيهِ الضَّبْطُ أَوِ الْعَاضِدُ أَوْ فِيهِ شُذُوذٌ أَوْ عِلَّةٌ لِكُلٍّ مِنْهُمَا (ثُمَّ عَلَى ذَا) الْحَذْوِ (فَاحْتَذِي) بِمُهْمَلَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ مَفْتُوحَةٍ بَعْدَهَا مُعْجَمَةٌ، أَيِ: اقْتَدِ أَنْتَ.
وَالْمَعْنَى أَنَّكَ تُكْمِلُ هَذَا الْعَمَلَ الثَّانِيَ الَّذِي بَدَأْتَهُ بِفَقْدِ الشَّرْطِ الْمُثَنَّى بِهِ، كَمَا كَمَّلْتَ الْأَوَّلَ ; بِأَنْ تَضُمَّ إِلَى فَقْدِ الْعَدَالَةِ بِقِسْمَيْهَا، وَالْآخَرَ الَّذِي فُقِدَ مَعَهُ مِنْ بَاقِيهَا ثَالِثًا، إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْعَمَلُ، ثُمَّ عُدْ فَابْدَأْ بِمَا فُقِدَ فِيهِ شَرْطٌ غَيْرُ الْأَوَّلَيْنِ اللَّذَيْنِ بَدَأْتَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي عَمَلَيْكَ، وَهُوَ الضَّبْطُ، ثُمَّ ضُمَّهُ إِلَى وَاحِدٍ مِنَ الثَّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ، ثُمَّ إِلَى اثْنَيْنِ، وَهَكَذَا فَافْعَلْ فِي فَقْدِ الْعَاضِدِ، ثُمَّ عُدْ فَخُذِ الشَّاذَّ مُنْفَرِدًا، ثُمَّ مَضْمُومًا مَعَ الْمُعَلَّلِ، ثُمَّ عُدْ فَخُذِ الْمُعَلَّلَ مُنْفَرِدًا.
وَإِلَى هُنَا انْتَهَى الْعَمَلُ، وَهُوَ مَعَ كَوْنِهِ بِحَسَبِ الْفَرْضِ لَا الْوَاقِعِ لَيْسَ بِآخِرِهِ، بَلْ
стр. 114
لَوْ نَظَرْنَا إِلَى أَنَّ فَقْدَ الِاتِّصَالِ يَشْمَلُ أَيْضًا الْمُعَلَّقَ وَالْمُنْقَطِعَ الْخَفِيَّ كَالتَّدْلِيسِ، وَفَقْدَ الْعَدَالَةِ يَشْمَلُ الضَّعِيفَ بِكَذِبِ رَاوِيهِ أَوْ تُهْمَتِهِ بِذَلِكَ أَوْ فِسْقِهِ أَوْ بِدْعَتِهِ أَوْ جَهَالَةِ عَيْنِهِ أَوْ جَهَالَةِ حَالِهِ، وَفَقْدَ الضَّبْطِ يَشْمَلُ كَثْرَةَ الْغَلَطِ وَالْغَفْلَةَ وَالْوَهْمَ وَسُوءَ الْحِفْظِ وَالِاخْتِلَاطَ وَالْمُخَالَفَةَ - لَزَادَتِ الْأَقْسَامُ كَثِيرًا، كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ بِقَوْلِهِ: وَمَا كَانَ مِنَ الصِّفَاتِ لَهُ شُرُوطٌ، فَاعْمَلْ فِي شُرُوطِهِ نَحْوَ ذَلِكَ، فَيَتَضَاعَفْ بِذَلِكَ الْأَقْسَامُ.
وَلَكِنْ قَدْ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ - مِنْهُمْ شَيْخُنَا - بِأَنَّ ذَلِكَ مَعَ كَثْرَةِ التَّعَبِ فِيهِ قَلِيلُ الْفَائِدَةِ، وَلَا يُقَالُ: إِنَّ فَائِدَتَهُ كَوْنُ مَا كَثُرَ فَقْدُ شُرُوطِ الْقَبُولِ فِيهِ أَضْعَفُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، فَقَدْ يَكُونُ الْفَاقِدُ لِلصِّدْقِ وَحْدَهُ أَضْعَفَ مِنْ فَاقِدِ جَمِيعِ مَا عَدَاهُ مِمَّا ذُكِرَ ; لِأَنَّ فَقْدَ الْعَدَالَةِ غَيْرُ مُنْحَصِرٍ فِي الْكَذِبِ.
وَقَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ: " ثُمَّ مَا عُدِمَ فِيهِ جَمِيعُ صِفَاتِ الْقَبُولِ هُوَ الْقِسْمُ الْأَرْذَلُ " - قَدْ لَا يُعَارِضُهُ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُقَالُ: فَائِدَتُهُ تَخْصِيصُ كُلِّ قَسْمٍ مِنْهَا بِلَقَبٍ ; إِذْ لَمْ يُلَقَّبْ مِنْهَا إِلَّا الْمُرْسَلُ، وَالْمُنْقَطِعُ، وَالْمُعْضَلُ، وَالْمُعَلَّلُ، وَالشَّاذُّ، وَكَذَا لُقِّبَ مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ فِي الْأَقْسَامِ الْمَقْطُوعُ، وَالْمُدْرَجُ، وَالْمَقْلُوبُ، وَالْمُضْطَرِبُ، وَالْمَوْضُوعُ، وَالْمَطْرُوحُ، وَالْمُنْكَرُ، وَهُوَ بِمَعْنَى الشَّاذِّ، كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهَا.
وَحِينَئِذٍ فَالِاشْتِغَالُ بِغَيْرِهِ مِنْ مُهِمَّاتِ الْفَنِّ الَّذِي لَا يَتَّسِعُ الْعُمُرُ الطَّوِيلُ لِاسْتِقْصَائِهِ - آكَدُ، وَقَدْ خَاضَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمْ هَذَا الشَّأْنَ فِي ذَلِكَ، فَتَعِبُوا وَأَتْعَبُوا.
وَلَوْ قِيلَ لَأَطْوَلِهِمْ وَأَعْرَضِهِمْ: أَوْجِدْنَا مِثَالًا لِمَا لَمْ يُلَقَّبْ مِنْهَا بِلَقَبٍ خَاصٍّ لَبَقِيَ مُتَحَيِّرًا، وَوَرَاءَ هَذَا كُلِّهِ أَنَّ فِي بَعْضِ الْأَقْسَامِ نِزَاعًا، وَذَلِكَ أَنَّ اجْتِمَاعَ الشُّذُوذِ مَعَ
стр. 115
الضَّعِيفِ أَوِ الْمَجْهُولِ - كَمَا قَالَهُ الشَّارِحُ - غَيْرُ مُمْكِنٍ عَلَى الصَّحِيحِ ; لِأَنَّ الشُّذُوذَ تَفَرُّدُ الثِّقَةِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَجَوَّزَهُ شَيْخُنَا بِأَنْ يَكُونَ فِي السَّنَدِ ثِقَةٌ خُولِفَ وَضَعِيفٌ.
قَالَ: وَفَائِدَةُ ذَلِكَ قُوَّةُ الضَّعْفِ ; لِكَثْرَةِ الْأَسْبَابِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ إِذَا كَانَ فِي السَّنَدِ ضَعِيفٌ، يُحَالُ مَا فِي الْخَبَرِ مِنْ تَغْيِيرٍ عَلَيْهِ، نَعَمْ إِنْ عُرِفَ مِنْ خَارِجٍ أَنَّ الْمُخَالَفَةَ مِنَ الثِّقَةِ، [أَوْ كَانَ الضَّعِيفُ بَعْدَ الرَّاوِي الَّذِي شَذَّ جَاءَ مَا قَالَهُ شَيْخُنَا] .
وَبِالْجُمْلَةِ فَلَمَّا كَانَ التَّقْسِيمُ الْمَطْلُوبُ صَعْبَ الْمَرَامِ فِي بَادِئِ الرَّأْيِ، لَخَّصَهُ شَيْخُنَا بِقَوْلِهِ: فَقْدُ الْأَوْصَافِ رَاجِعٌ إِلَى مَا فِي رَاوِيهِ طَعْنٌ، أَوْ فِي سَنَدِهِ سَقْطٌ، فَالسَّقْطُ إِمَّا أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِهِ، أَوْ فِي آخِرِهِ، أَوْ فِي أَثْنَائِهِ.
وَيَدْخُلُ تَحْتَ ذَلِكَ الْمُرْسَلُ وَالْمُعَلَّقُ وَالْمُدَلَّسُ وَالْمُنْقَطِعُ وَالْمُعْضَلُ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ، إِذَا انْضَمَّ إِلَيْهِ وَصْفٌ مِنْ أَوْصَافِ الطَّعْنِ، وَهِيَ تَكْذِيبُ الرَّاوِي، أَوْ تُهْمَتُهُ بِذَلِكَ، أَوْ فُحْشُ غَلَطِهِ، أَوْ مُخَالَفَتُهُ، أَوْ بِدْعَتُهُ، أَوْ جَهَالَةُ عَيْنِهِ، أَوْ جَهَالَةُ حَالِهِ - فَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ يَخْرُجُ مِنْهُ أَقْسَامٌ كَثِيرَةٌ، مَعَ الِاحْتِرَازِ مِنَ التَّدَاخُلِ الْمُفْضِي إِلَى التَّكْرَارِ، فَإِذَا فَقَدَ ثَلَاثَةَ أَوْصَافٍ مِنْ مَجْمُوعِ مَا ذُكِرَ، حَصَلَتْ مِنْهُ أَقْسَامٌ أُخْرَى، مَعَ الِاحْتِرَازِ مِمَّا ذُكِرَ، ثُمَّ إِذَا فَقَدَ أَرْبَعَةَ أَوْصَافٍ فَكَذَلِكَ، ثُمَّ كَذَلِكَ إِلَى آخِرِهِ.
فَكُلُّ مَا عُدِمَتْ فِيهِ صِفَةٌ وَاحِدَةٌ - يَعْنِي غَيْرَ الْكَذِبِ - يَكُونُ أَخَفَّ مِمَّا عُدِمَتْ فِيهِ صِفَتَانِ، إِنْ لَمْ تَكُنْ تِلْكَ الصِّفَةُ - يَعْنِي الْمُضَعِّفَةَ - قَدْ جَبَرَتْهَا صِفَةٌ مُقَوِّيَةٌ، يَعْنِي كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: " مِنْ غَيْرِ أَنْ يَخْلُفَهَا جَابِرٌ عَلَى حَسَبِ مَا تَقَرَّرَ فِي الْحَسَنِ ".
وَهَكَذَا إِلَى أَنْ يَنْتَهِيَ الْحَدِيثُ إِلَى دَرَجَةِ الْمَوْضُوعِ الْمُخْتَلَقِ ; بِأَنْ يَنْعَدِمَ فِيهِ شُرُوطُ الْقَبُولِ،
стр. 116
وَيُوجَدَ فِيهِ مَا يُشْتَرَطُ انْعِدَامُهُ مِنْ جَمِيعِ أَسْبَابِ الطَّعْنِ وَالسِّقْطِ.
قَالَ: لَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا - يَعْنِي الشَّارِحَ -: إِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِالْوَضْعِ، وَهُوَ مُتَّجِهٌ، لَكِنَّ مَدَارَ الْحُكْمِ فِي الْأَنْوَاعِ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ، وَهِيَ مَوْجُودَةٌ هُنَا. انْتَهَى.
وَلَا مَزِيدَ عَلَيْهِ فِي الْحُسْنِ، وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَزِيدُ أَقْسَامُهُ جُمْلَةً (وَعَدَّهُ) أَيْ: قِسْمَ الضَّعِيفِ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ (الْبُسْتِيُّ) الْمَاضِيَ فِي الصَّحِيحِ، الزَّائِدَ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ (فِيمَا أَوْعَى) أَيْ: حَفِظَ وَجَمَعَ، كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْهُ، لَكِنْ غَيْرَ مُعَيِّنٍ لِتَصْنِيفِ الْوَاقِعِ فِيهِ.
وَزَعَمَ الزَّرْكَشِيُّ أَنَّ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ كِتَابِهِ فِي الضُّعَفَاءِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَالَّذِي فِيهِ إِنَّمَا هُوَ تَقْسِيمُ الْأَسْبَابِ الْمُوجِبَةِ لِتَضْعِيفِ الرُّوَاةِ، لَا تَقْسِيمُ الْحَدِيثِ الضَّعِيفِ، وَهُوَ الْتِبَاسٌ بَعِيدٌ، خُصُوصًا وَعِدَّةُ مَا ذَكَرَهُ عِشْرُونَ قِسْمًا (لِتِسْعَةٍ) بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ (وَأَرْبَعِينَ نَوْعًا) خَمْسِينَ قِسْمًا إِلَّا وَاحِدًا، كَمَا هُوَ عِبَارَةُ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَلَكِنَّ الْأُولَى أَخْصَرُ، مَعَ مُوَافَقَتِهَا لِاصْطِلَاحِ الْحِسَابِ فِي تَقْدِيمِ الْعَطْفِ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ.
وَالثَّانِيَةُ أَسْلَمُ مِنْ عُرُوضِ التَّصْحِيفِ، وَمِنْ دُخُولِ اللَّامِ ; لِكَوْنِ " عَدَّهُ " مُتَعَدِّيًا مَعَ نُطْقِ الْقُرْآنِ بِهِمَا فِي قَوْلِهِ: ﴿تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٣] ، وَ ﴿أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: ١٤] .
عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُمْكِنُ النَّاظِمُ - كَمَا قَالَ شَيْخُنَا - أَنْ يَقُولَ: " مُسْتَوْعِبًا خَمْسِينَ إِلَّا نَوْعًا "، وَلِلْخَوْفِ مِنَ التَّصْحِيفِ أَيْضًا ثَبَتَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ: «إِنَّ لِلَّهِ
стр. 117
تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا» ، إِذَا عُلِمَ هَذَا، فَسَيَأْتِي قُبَيْلَ " مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ وَمَنْ تُرَدُّ " مَسَائِلُ تَدْخُلُ فِي هَذَا الْقِسْمِ لَا بَأْسَ بِاسْتِحْضَارِهَا.
[تَتِمَّةٌ] : أَفْرَدَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْ هَذَا نَوْعًا آخَرَ سَمَّاهُ الْمُضَعَّفَ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُجْتَمَعْ عَلَى ضَعْفِهِ بَلْ فِيهِ إِمَّا فِي الْمَتْنِ أَوْ فِي السَّنَدِ تَضْعِيفٌ لِبَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَتَقْوِيَةٌ لِآخَرِينَ، وَهُوَ أَعْلَى مَرْتَبَةً مِنَ الضَّعِيفِ الْمَجْمَعِ عَلَيْهِ. انْتَهَى.
وَمَحَلٌ هَذَا إِذَا كَانَ التَّضْعِيفُ هُوَ الرَّاجِحَ، أَوْ لَمْ يَتَرَجَّحْ شَيْءٌ، وَإِلَّا فَيُوجَدُ فِي كُتُبِ مُلْتَزِمِي الصِّحَّةِ حَتَّى الْبُخَارِيِّ، مِمَّا يَكُونُ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ أَشْيَاءُ.
[الْمَرْفُوعُ]
٩٥ - وَسَمِّ مَرْفُوعًا مُضْافًا لِلنَّبِي ... وَاشْتَرَطَ الْخَطِيبُ رَفْعَ الصَّاحِبِ
٩٦ - وَمَنْ يُقَابِلْهُ بِذِي الْإِرْسَالِ ... فَقَدْ عَنَى بِذَاكَ ذَا اتِّصَالِ.
وَقُدِّمَ عَلَى مَا بَعْدَهُ لِتَمَحُّضِهِ فِي شَرِيفِ الْإِضَافَةِ (وَسَمِّ) أَيُّهَا الطَّالِبُ (مَرْفُوعًا مُضَافًا لِلنَّبِي) أَيْ: وَسَمِّ كُلَّ مَا أُضِيفَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ قَوْلًا لَهُ أَوْ فِعْلًا أَوْ تَقْرِيرًا، مَرْفُوعًا ; سَوَاءٌ أَضَافَهُ إِلَيْهِ صَحَابِيٌّ أَوْ تَابِعِيٌّ، أَوْ مَنْ بَعْدَهُمَا، حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِ قَوْلُ الْمُصَنِّفِينَ وَلَوْ تَأَخَّرُوا: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ .
فَعَلَى هَذَا يَدْخُلُ فِيهِ الْمُتَّصِلُ، وَالْمُرْسَلُ، وَالْمُنْقَطِعُ، وَالْمُعْضَلُ، وَالْمُعَلَّقُ لِعَدَمِ اشْتِرَاطِ الِاتِّصَالِ، وَيَخْرُجُ الْمَوْقُوفُ وَالْمَقْطُوعُ لِاشْتِرَاطِ الْإِضَافَةِ الْمَخْصُوصَةِ.
(وَاشْتَرَطَ) الْحَافِظُ الْحُجَّةُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ ثَابِتٍ الْبَغْدَادِيُّ (الْخَطِيبُ) الْآتِي فِي الْوَفَيَاتِ فِيهِ (رَفْعَ الصَّاحِبِ) فَقَطْ، وَلَفْظُهُ: الْمَرْفُوعُ مَا أَخْبَرَ فِيهِ الصَّحَابِيُّ عَنْ قَوْلِ الرَّسُولِ ﷺ أَوْ فِعْلِهِ، فَعَلَى هَذَا مَا يُضِيفُهُ التَّابِعِيُّ فَمَنْ بَعْدَهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لَا يُسَمَّى مَرْفُوعًا.
وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ الْأَوَّلُ، مَعَ أَنَّ شَيْخَنَا قَدْ تَوَقَّفَ فِي كَوْنِهِ قَيْدًا ; فَإِنَّهُ قَالَ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذِكْرُ الْخَطِيبِ لِلصَّحَابِيِّ عَلَى سَبِيلِ الْمِثَالِ، أَوِ الْغَالِبِ ; لِكَوْنِ غَالِبِ مَا يُضَافُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ هُوَ مِنْ إِضَافَةِ الصَّحَابَةِ، لَا أَنَّهُ ذَكَرَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّقْيِيدِ، فَلَا
стр. 118
يَخْرُجُ حِينَئِذٍ عَنِ الْأَوَّلِ، وَيَتَأَيَّدُ بِكَوْنِ الرَّفْعِ إِنَّمَا يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى الْمَتْنِ دُونَ الْإِسْنَادِ. انْتَهَى. وَفِيهِ نَظَرٌ.
(وَمَنْ يُقَابِلْهُ) أَيِ: الْمَرْفُوعَ (بِذِي الْإِرْسَالِ) أَيْ: بِالْمُرْسَلِ ; كَأَنْ يَقُولَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ: رَفَعَهُ فُلَانٌ، وَأَرْسَلَهُ فُلَانٌ، مِثَالُهُ حَدِيثُ عِيسَى بْنِ يُونُسَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ «كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْبَلُ الْهَدِيَّةَ، وَيُثِيبُ عَلَيْهَا» .
قَالَ الْآجُرِّيُّ: سَأَلْتُ أَبَا دَاوُدَ عَنْهُ، فَقَالَ: تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ عِيسَى، وَهُوَ عِنْدَ النَّاسِ مُرْسَلٌ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ: لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ حَدِيثِ عِيسَى.
(فَقَدْ عَنَى) الْقَائِلُ (بِذَاكَ) اللَّفْظِ (ذَا اتِّصَالِ) أَيِ: الْمُتَّصِلَ بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَحِينَئِذٍ فَهُوَ رَفْعٌ مَخْصُوصٌ ; إِذِ الْمَرْفُوعُ أَعَمُّ كَمَا قَرَّرْنَاهُ، عَلَى أَنَّ ابْنَ النَّفِيسِ مَشَى عَلَى ظَاهِرِ هَذَا، فَقَيَّدَ الْمَرْفُوعَ بِالِاتِّصَالِ.
[الْمُسْنَدُ]
٩٧ - وَالْمُسْنَدُ الْمَرْفُوعُ أَوْ مَا قَدْ وُصِلْ ... لَوْ مَعَ وَقْفٍ وَهْوَ فِي هَذَا يَقِلْ
٩٨ - وَالثَّالِثُ الرَّفْعُ مَعَ الْوَصْلِ مَعَا ... شَرْطٌ بِهِ الْحَاكِمُ فِيهِ قَطَعَا.
وَقُدِّمَ عَلَى مَا بَعْدَهُ نَظَرًا لِلْقَوْلِ الْأَوَّلِ وَالَأَخِيرِ فِيهِ، (وَالْمُسْنَدُ) كَمَا قَالَهُ أَبُو عُمَرَ
стр. 119
بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ: هُوَ (الْمَرْفُوعُ) إِلَى النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً، وَقَدْ يَكُونُ مُتَّصِلًا ; كَمَالِكٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ مُنْقَطِعًا ; كَمَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا - لِأَنَّ الزُّهْرِيَّ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ ابْنِ عَبَّاسٍ - فَهُوَ مُسْنَدٌ ; لِأَنَّهُ قَدْ أُسْنِدَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
قُلْتُ: وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ: سُئِلَ أَبِي: أَسَمِعَ زُرَارَةُ بْنُ أَوْفَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ؟ فَقَالَ: مَا أُرَاهُ سَمِعَ مِنْهُ، وَلَكِنَّهُ يَدْخُلُ فِي الْمُسْنَدِ، وَعَلَى هَذَا فَهُمَا - أَعْنِي الْمُسْنَدَ وَالْمَرْفُوعَ - عَلَى الْقَوْلِ الْمُعْتَمَدِ فِيهِ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ - شَيْءٌ وَاحِدٌ، وَالِانْقِطَاعُ يَدْخُلُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَيْضًا شُمُولُهُ الْمُرْسَلَ وَالْمُعْضَلَ، قَالَ شَيْخُنَا: وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْمُسْتَفِيضِ مِنْ عَمَلِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ فِي مُقَابَلَتِهِمْ بَيْنَ الْمُرْسَلِ وَالْمُسْنَدِ، فَيَقُولُونَ: أَسْنَدَهُ فُلَانٌ، وَأَرْسَلَهُ فُلَانٌ. انْتَهَى.
وَيَأْتِي فِيهِ مَا سَلَفَ قَرِيبًا فِي مُقَابَلَةِ الْمَرْفُوعِ بِالْمُرْسَلِ، وَمِمَّنِ اقْتَضَى صَنِيعُهُ أَنَّ الْمَسْنَدَ الْمَرْفُوعُ، الدَّارَقُطْنِيُّ، فَقَدْ نَقَلَ الْحَاكِمُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ حَيَّةَ الثَّقَفِيِّ: إِنَّهُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، يُحَدِّثُ بِأَحَادِيثَ يُسْنِدُهَا، وَغَيْرُهُ يُوقِفُهَا.
(أَوْ) الْمُسْنَدُ (مَا قَدْ وُصِلَ) إِسْنَادُهُ وَ (لَوْ) كَانَ الْوَصْلُ (مَعَ وَقْفٍ) عَلَى الصَّحَابِيِّ أَوْ غَيْرِهِ، وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي، وَعَلَيْهِ فَالْمُسْنَدُ وَالْمُتَّصِلُ سَوَاءٌ ; لِإِطْلَاقِهِمَا عَلَى كُلٍّ مِنَ الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ، وَلَكِنَّ الْأَكْثَرَ اسْتِعْمَالًا الْمُسْنَدُ فِي الْأَوَّلِ.
كَمَا قَالَهُ الْخَطِيبُ، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ عَزَا فِي الْكِفَايَةِ، لِأَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ الَّذِي
стр. 120
اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ بَيْنَ رَاوِيهِ وَبَيْنَ مَنْ أَسْنَدَ عَنْهُ، قَالَ: إِلَّا أَنَّ أَكْثَرَ اسْتِعْمَالِهِمْ لَهُ فِيمَا أُسْنِدَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً.
(وَهُوَ) أَيِ: الْمُسْنَدُ (فِي هَذَا) أَيْ: فِيمَا وُقِفَ عَلَى الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ (يَقِلْ) أَيْ: قَلِيلٌ، وَحِينَئِذٍ فَافْتِرَاقُهُمَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمُتَّصِلِ فِي الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ عَلَى حَدٍّ سَوَاءٍ، بِخِلَافِ الْمُسْنَدِ فَاسْتِعْمَالُهُ فِي الْمَرْفُوعِ أَكْثَرِيٌّ دُونَ الْمَوْقُوفِ.
ثُمَّ إِنَّ فِي كَلَامِ الْخَطِيبِ الَّذِي قَدْ أَقَرَّهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَلَيْهِ إِشْعَارًا بِاسْتِعْمَالِ الْمَسْنَدِ قَلِيلًا فِي الْمَقْطُوعِ، بَلْ وَفِي قَوْلِ مَنْ بَعْدَ التَّابِعِيِّ، وَصَرِيحُ كَلَامِهِمْ يَأْبَاهُ.
(وَ) الْقَوْلُ (الثَّالِثُ) إِنَّهُ (الرَّفْعُ) أَيِ: الْمَرْفُوعُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ (مَعَ الْوَصْلِ) أَيْ: مَعَ اتِّصَالِ إِسْنَادِهِ (مَعَا) كَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ قَوْمٍ وَهُوَ (شَرْطٌ بِهِ) الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ (الْحَاكِمُ) صَاحِبُ (الْمُسْتَدْرَكِ) فِي كِتَابِهِ (عُلُومِ الْحَدِيثِ) ، (فِيهِ) أَيْ: فِي الْمُسْنَدِ (قَطَعَا) حَيْثُ لَمْ يَحْكِ فِيهِ - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ - غَيْرَهُ، وَكَأَنَّ النَّاظِمَ إِنَّمَا أَخَّرَهُ تَبَعًا لِأَصْلِهِ لَا لِضَعْفِهِ ; فَإِنَّهُ هُوَ الصَّحِيحُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا، وَأَشْعَرَ بِهِ تَمْرِيضُ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ لِلْأَوَّلِ، وَتَقْدِيمُهُ لِهَذَا عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي " الْمُعْتَصَرِ " أَيْضًا: إِنَّهُ أَصَحُّ ; إِذْ لَا تَمْيِيزَ إِلَّا بِهِ،
стр. 121
يَعْنِي لِكَوْنِ قَائِلِهِ لَحَظَ فِيهِ الْفَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُتَّصِلِ وَالْمَرْفُوعِ، مِنْ حَيْثِيَّةِ أَنَّ الْمَرْفُوعَ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى حَالِ الْمَتْنِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْإِسْنَادِ اتَّصَلَ أَمْ لَا، وَالْمُتَّصِلَ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى حَالِ الْإِسْنَادِ، مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنِ الْمَتْنِ مَرْفُوعًا كَانَ أَوْ مَوْقُوفًا، وَالْمُسْنَدَ يُنْظَرُ فِيهِ إِلَى الْحَالَيْنِ مَعًا، فَيَجْمَعُ شَرْطَيِ الِاتِّصَالِ وَالرَّفْعِ، فَيَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلٍّ مِنَ الرَّفْعِ وَالِاتِّصَالِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مُطْلَقٌ، فَكُلُّ مُسْنَدٍ مَرْفُوعٌ، وَكُلُّ مُسْنَدٍ مُتَّصِلٌ، وَلَا عَكْسَ فِيهِمَا.
هَذَا مَعَ أَنَّ شَيْخَنَا قَالَ مَا نَصُّهُ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي بِالِاسْتِقْرَاءِ مِنْ كَلَامِ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ وَتَصَرُّفِهِمْ أَنَّ الْمُسْنَدَ هُوَ مَا أَضَافَهُ مَنْ سَمِعَ النَّبِيَّ ﷺ إِلَيْهِ بِسَنَدٍ ظَاهِرُهُ الِاتِّصَالُ.
قَالَ: فَـ " مَنْ سَمِعَ " أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَحَابِيًّا، أَوْ تَحَمَّلَ فِي كُفْرِهِ وَأَسْلَمَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ ، لَكِنَّهُ يُخْرِجُ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ ; كَالْمُرْسَلِ، وَالْمُعْضَلِ.
وَ " بِسَنَدٍ " يُخْرِجُ مَا كَانَ بِلَا سَنَدٍ، كَقَوْلِ الْقَائِلِ مِنَ الْمُصَنِّفِينَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِنَّ هَذَا مِنْ قَبِيلِ الْمُعَلَّقِ.
وَ " ظُهُورُ الِاتِّصَالِ " يُخْرِجُ الْمُنْقَطِعَ، لَكِنْ يَدْخُلُ فِيهِ الِانْقِطَاعُ الْخَفِيُّ كَعَنْعَنَةِ الْمُدَلِّسِ، وَالنَّوْعُ الْمُسَمَّى بِالْمُرْسَلِ الْخَفِيِّ، وَنَحْوُهُمَا مِمَّا ظَاهِرُهُ الِاتِّصَالُ، وَقَدْ يُفَتَّشُ فَيُوجَدُ مُنْقَطِعًا.
وَاسْتَشْهَدَ لِلْأَخِيرِ بِأَنَّ لَفْظَ الْحَاكِمِ: الْمُسْنَدُ مَا رَوَاهُ الْمُحَدِّثُ عَنْ شَيْخٍ يَظْهَرُ سَمَاعُهُ مِنْهُ لَيْسَ يَحْتَمِلُهُ، وَكَذَلِكَ سَمَاعُ شَيْخِهِ مِنْ شَيْخِهِ مُتَّصِلًا إِلَى صَحَابِيٍّ مَشْهُورٍ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَفِيهِ نَظَرٌ.
فَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ: " لَيْسَ يَحْتَمِلُهُ " يُخْرِجُ عَنْعَنَةَ الْمُدَلِّسِ، خُصُوصًا وَقَدْ صَرَّحَ الْحَاكِمُ بَعْدُ بِاشْتِرَاطِ عَدَمِ التَّدْلِيسِ فِي رُوَاتِهِ.
وَلَكِنَّ الْوَاقِعَ أَنَّ أَصْحَابَ الْمَسَانِيدِ مِنَ الْأَئِمَّةِ لَا يَتَحَامَوْنَ فِيهَا تَخْرِيجَ مُعَنْعَنَاتِ الْمُدَلِّسِينَ، وَلَا أَحَادِيثَ مَنْ لَيْسَ لَهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ إِلَّا مُجَرَّدَ الرُّؤْيَةِ، مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ، بَلْ عِبَارَةُ الْخَطِيبِ: " وَاتِّصَالُ الْإِسْنَادِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ رُوَاتِهِ سَمِعَهُ مِمَّنْ فَوْقَهُ، حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى آخِرِهِ، وَإِنْ لَمْ يُبَيِّنْ فِيهِ السَّمَاعَ، بَلِ اقْتَصَرَ عَلَى الْعَنْعَنَةِ ".
стр. 122
[الْمُتَّصِلُ وَالْمَوْصُولُ]
٩٩ - وَإِنْ تَصِلْ بِسَنَدٍ مَنْقُولَا ... فَسَمِّهِ مُتَّصِلًا مَوْصُولَا
١٠٠ - سَوَاءٌ الْمَوْقُوفُ وَالْمَرْفُوعُ ... وَلَمْ يَرَوْا أَنْ يَدْخُلَ الْمَقْطُوعُ.
وَقُدِّمَ عَلَى مَا بَعْدَهُ نَظَرًا لِوُقُوعِهِ عَلَى الْمَرْفُوعِ (وَإِنْ تَصِلْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ (بِسَنَدٍ) أَيْ: وَإِنْ تَرْوِ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ خَبَرًا (مَنْقُولًا فَسَمِّهِ) أَيِ: السَّنَدَ (مُتَّصِلًا وَمَوْصُولًا) ، وَكَذَا " مُؤْتَصِلًا " بِالْفَكِّ وَالْهَمْزَةِ، كَمَا هِيَ عِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي مَوَاضِعَ مِنْ (الْأُمِّ) ، وَعَزَاهَا إِلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ.
وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي تَصْرِيفِهِ: إِنَّهَا لُغَتُهُ، فَهِيَ مُتَرَادِفَةٌ، (سَوَاءٌ) فِي ذَلِكَ ; حَيْثُ اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ (الْمَوْقُوفُ) عَلَى الصَّحَابِيِّ، (وَالْمَرْفُوعُ) إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَخَرَجَ بِقَيْدِ الِاتِّصَالِ الْمُرْسَلُ وَالْمُنْقَطِعُ وَالْمُعْضَلُ وَالْمُعَلَّقُ، وَكَذَا مُعَنْعَنُ الْمُدَلِّسِ قَبْلَ تَبَيُّنِ سَمَاعِهِ.
(وَلَمْ؟ يَرْوا أَنْ يَدْخُلَ الْمَقْطُوعُ) الَّذِي هُوَ - كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا - قَوْلُ التَّابِعِيِّ، وَلَوِ اتَّصَلَ إِسْنَادُهُ ; لِلتَّنَافُرِ بَيْنَ لَفْظِ الْقَطْعِ وَالْوَصْلِ، هَذَا عِنْدَ الْإِطْلَاقِ ; كَمَا يُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ.
وَمُطْلَقُهُ - أَيِ: الْمُتَّصِلِ - يَقَعُ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ، أَمَّا مَعَ التَّقْيِيدِ فَهُوَ جَائِزٌ، بَلْ وَاقِعٌ أَيْضًا فِي كَلَامِهِمْ، يَقُولُونَ: هَذَا مُتَّصِلٌ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، أَوْ إِلَى الزُّهْرِيِّ، أَوْ إِلَى مَالِكٍ، وَنَحْوُ ذَلِكَ.
стр. 123
[الْمَوْقُوفُ]
١٠١ - وَسَمِّ بِالْمَوْقُوفِ مَا قَصَرْتَهُ ... بِصَاحِبٍ وَصَلْتَ أَوْ قَطَعْتَهُ
١٠٢ - وَبَعْضُ أَهْلِ الْفِقْهِ سَمَّاهُ الْأَثَرْ ... وَإِنْ تَقِفْ بِغَيْرِهِ، قَيِّدْ تَبَرْ.
وَقُدِّمَ عَلَى مَا بَعْدَهُ لِاخْتِصَاصِهِ بِالصَّحَابِيِّ، [وَفِيهِ لِلضِّيَاءِ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ بَدْرِ بْنِ سَعِيدٍ الْكُرْدِيِّ الْمَوْصِلِيِّ الْحَنَفِيِّ الْفَقِيهِ الْوُقُوفُ عَلَى الْمَوْقُوفِ] (وَسَمِّ) أَيُّهَا الطَّالِبُ (بِالْمَوْقُوفِ مَا قَصَرْتَهُ بِصَاحِبٍ) أَيْ: عَلَى صَحَابِيٍّ قَوْلًا لَهُ أَوْ فِعْلًا أَوْ نَحْوَهُمَا، مِمَّا لَا قَرِينَةَ فِيهِ لِلرَّفْعِ ; سَوَاءٌ (وَصَلْتَ) السَّنَدَ بِذَلِكَ (أَوْ قَطَعْتَهُ) .
وَشَذَّ الْحَاكِمُ ; فَاشْتَرَطَ عَدَمَ الِانْقِطَاعِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يُسَمَّى خَبَرًا أَمْ لَا؟ فَمُقْتَضَى الْقَوْلِ الْمَرْجُوحِ بِعَدَمِ مُرَادَفَةِ الْخَبَرِ لِلْحَدِيثِ، وَأَنَّ الْخَبَرَ مَا جَاءَ عَنْ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ الْأَوَّلُ.
(وَبَعْضُ أَهْلِ الْفِقْهِ) مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (سَمَّاهُ الْأَثَرَ) ، بَلْ حَكَاهُ أَبُو الْقَاسِمِ الْفَوْرَانِيُّ مِنَ الْخُرَاسَانِيِّينَ عَنِ الْفُقَهَاءِ، وَأَطْلَقَ فَإِنَّهُ قَالَ: الْفُقَهَاءُ يَقُولُونَ: الْخَبَرُ مَا كَانَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَالْأَثَرُ مَا يُرْوَى عَنِ الصَّحَابَةِ. انْتَهَى.
وَظَاهِرُ تَسْمِيَةِ الْبَيْهَقِيِّ كِتَابَهُ الْمُشْتَمِلَ عَلَيْهِمَا بِـ " مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ " مَعَهُمْ، وَكَأَنَّ سَلَفَهُمْ فِيهِ إِمَامُهُمْ، فَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ فِي كَلَامِهِمْ كَثِيرًا، وَاسْتَحْسَنَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، قَالَ: لِأَنَّ التَّفَاوُتَ فِي الْمَرَاتِبِ يَقْتَضِي التَّفَاوُتَ فِي الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا، فَيُقَالُ لِمَا نُسِبَ لِصَاحِبِ الشَّرْعِ: الْخَبَرُ، وَلِلصَّحَابَةِ: الْأَثَرُ، وَلِلْعُلَمَاءِ: الْقَوْلُ، وَالْمَذْهَبُ.
وَلَكِنِ الْمُحَدِّثُونَ - كَمَا عَزَاهُ إِلَيْهِمُ النَّوَوِيُّ فِي كِتَابَيْهِ - يُطْلِقُونَ الْأَثَرَ عَلَى الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ.
стр. 124
وَظَاهِرُ تَسْمِيَةِ الطَّحَاوِيِّ لِكِتَابِهِ الْمُشْتَمِلِ عَلَيْهِمَا " شَرْحُ مَعَانِي الْآثَارِ " مَعَهُمْ، وَكَذَا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ فِي " تَهْذِيبِ الْآثَارِ " لَهُ، إِلَّا أَنَّ كِتَابَهُ اقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى الْمَرْفُوعِ، وَمَا يُورِدُهُ فِيهِ مِنَ الْمَوْقُوفِ فَبِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ، بَلْ فِي الْجَامِعِ لِلْخَطِيبِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ حَبِيبٍ الْفَارْيَابِيِّ عَنْ صَالِحِ بْنِ بَيَانٍ عَنْ أَسَدِ بْنِ سَعِيدٍ الْكُوفِيِّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَرْفُوعًا: «مَا جَاءَ عَنِ اللَّهِ فَهُوَ فَرِيضَةٌ، وَمَا جَاءَ عَنِّي فَهُوَ حَتْمٌ وَفَرِيضَةٌ، وَمَا جَاءَ عَنْ أَصْحَابِي فَهُوَ سُنَّةٌ، وَمَا جَاءَ عَنْ أَتْبَاعِهِمْ فَهُوَ أَثَرٌ، وَمَا جَاءَ عَمَّنْ دُونَهُمْ فَهُوَ بِدْعَةٌ» .
قَالَ شَيْخُنَا: (وَيُنْظَرُ فِي سَنَدِهِ، فَإِنَّنِي أَظُنُّ أَنَّهُ بَاطِلٌ) . قُلْتُ: بَلْ لَا يَخْفَى بُطْلَانُهُ عَلَى آحَادِ أَتْبَاعِهِ ; فَالْفَارْيَابِيُّ رُمِيَ بِالْوَضْعِ، وَفِي تَرْجَمَتِهِ أَوْرَدَهُ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ، وَاللَّذَانِ فَوْقَهُ قَالَ الْمُسْتَغْفِرِيُّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا: يَرْوِي الْعَجَائِبَ، وَيَنْفَرِدُ بِالْمَنَاكِيرِ.
وَأَصْلُ الْأَثَرِ: مَا ظَهَرَ مِنْ مَشْيِ الشَّخْصِ عَلَى الْأَرْضِ.
قَالَ زُهَيْرٌ:
وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَثَرُ ... لَا يَنْتَهِي الْعُمُرُ حَتَّى يَنْتَهِيَ الْأَثَرُ
ثُمَّ إِنَّهُ لَا اخْتِصَاصَ فِي الْمَوْقُوفِ بِالصَّحَابِيِّ، بَلْ وَلَوْ أُضِيفَ الْمَرْوِيُّ لِلتَّابِعِيِّ، وَكَذَا لِمَنْ بَعْدَهُ - كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ - سَاغَ تَسْمِيَتُهُ مَوْقُوفًا.
(وَ) لَكِنْ (إِنْ تَقِفْ بِغَيْرِهِ) أَيْ: عَلَى غَيْرِ الصَّحَابِيِّ، وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ بِتَابِعٍ، وَالْأُولَى أَشْمَلُ فَـ (قَيِّدْ) ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: مَوْقُوفٌ عَلَى فُلَانٍ (تَبَرْ) أَيْ: يَزْكُ عَمَلُكَ وَلَا يُنْكَرْ.
стр. 125
[الْمَقْطُوعُ]
١٠٣ - وَسَمِّ بِالْمَقْطُوعِ قَوْلَ التَّابِعِي ... وَفِعْلَهُ وَقَدْ رَأَى لِلشَّافِعِي
١٠٤ - تَعْبِيرَهُ بِهِ عَنِ الْمُنْقَطِعِ ... قُلْتُ وَعَكْسُهُ اصْطِلَاحُ الْبَرْدَعِي.
وَيَجُوزُ فِي جَمْعِهِ الْمَقَاطِيعُ وَالْمَقَاطِعُ بِإِثْبَاتِ التَّحْتَانِيَّةِ وَحَذْفِهَا اخْتِيَارًا ; كَـ (الْمَسَانِيدِ) وَ (الْمَرَاسِيلِ) ، لَكِنَّ الْمَنْقُولَ فِي مِثْلِ (الْمَقَاطِيعِ) عَنِ الْبَصْرِيِّينَ سِوَى الْجَرْمِيِّ الْإِثْبَاتُ جَزْمًا، وَالْجَرْمِيُّ مَعَ الْكُوفِيِّينَ فِي جَوَازِ الْحَذْفِ، وَاخْتَارَهُ ابْنُ مَالِكٍ.
(
وَسَمِّ بِالْمَقْطُوعِ قَوْلَ التَّابِعِيِّ وَفِعْلَهُ
) ; حَيْثُ لَا قَرِينَةَ لِلرَّفْعِ فِيهِ، كَالَّذِي قَبْلَهُ ; لِيَخْرُجَ مَا هُوَ بِحَسَبِ اللَّفْظِ قَوْلُ تَابِعِيٍّ أَوْ صَحَابِيٍّ، وَيُحْكَمَ لَهُ بِالرَّفْعِ لِلْقَرِينَةِ ; كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا فِي سَادِسِ الْفُرُوعِ.
وَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ مَنْعُ إِدْخَالِهِمَا فِي أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ بِكَوْنِ أَقْوَالِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَذَاهِبِهِمْ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِيهِ، بَلْ قَالَ الْخَطِيبُ فِي جَامِعِهِ: إِنَّهُ يَلْزَمُ كَتْبُهَا وَالنَّظَرُ فِيهَا ; لِيَتَمَيَّزَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ، وَلَا يَشِذَّ عَنْ مَذَاهِبِهِمْ.
قُلْتُ: لَا سِيَّمَا وَهِيَ أَحَدُ مَا يَعْتَضِدُ بِهِ الْمُرْسَلُ، وَرُبَّمَا يَتَّضِحُ بِهَا الْمَعْنَى الْمُحْتَمَلُ مِنَ الْمَرْفُوعِ.
وَقَالَ الْخَطِيبُ فِي الْمَوْقُوفَاتِ عَلَى الصَّحَابَةِ: جَعَلَهَا كَثِيرٌ مِنَ الْفُقَهَاءِ بِمَنْزِلَةِ الْمَرْفُوعَاتِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فِي لُزُومِ الْعَمَلِ بِهَا، وَتَقْدِيمِهَا عَلَى الْقِيَاسِ وَإِلْحَاقِهَا بِالسُّنَنِ. انْتَهَى.
وَمَسْأَلَةُ الِاحْتِجَاجِ بِالصَّحَابِيِّ مَبْسُوطَةٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ، ثُمَّ إِنَّ شَيْخَنَا أَدْرَجَ فِي الْمَقْطُوعِ مَا جَاءَ عَمَّنْ دُونَ التَّابِعِيِّ، وَعِبَارَتُهُ: وَمَنْ دُونَ التَّابِعِيِّ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ فِيهِ، أَيْ: فِي الِاسْمِ بِالْمَقْطُوعِ مِثْلُهُ، أَيْ: مِثْلُ مَا يَنْتَهِي إِلَى التَّابِعِيِّ.
(وَقَدْ رَأَى) أَيِ: ابْنُ الصَّلَاحِ (لِلشَّافِعِيِّ) ﵀ (تَعْبِيرَهُ بِهِ) أَيْ:
стр. 126
بِالْمَقْطُوعِ (عَنِ الْمُنْقَطِعِ) أَيِ: الَّذِي لَمْ يَتَّصِلْ إِسْنَادُهُ، وَلَكِنَّهُ وَإِنْ كَانَ سَابِقًا حُدُوثَ الِاصْطِلَاحِ، فَقَدْ أَفَادَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ أَيْضًا فِي كَلَامِ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ تَأَخَّرَ، يَعْنِي كَالدَّارَقُطْنِيِّ، وَالْحُمَيْدِيِّ، وَابْنِ الْحِصَارِ ; فَالتَّعْبِيرُ بِالْمَقْطُوعِ فِي مَقَامِ الْمُنْقَطِعِ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِهِمْ أَيْضًا.
(قُلْتُ: وَعَكْسُهُ) أَيْ: عَكْسُ مَا لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ مَعَهُ (اصْطِلَاحُ) الْحَافِظِ الثِّقَةِ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ بْنِ رَوْحٍ الْبَرْدِيجِيِّ (الْبَرْدَعِيِّ) - بِإِهْمَالِ دَالِهِ، نِسْبَةً لِبَرْدَعَةَ، بَلْدَةٍ مِنْ أَقْصَى بِلَادِ أَذَرْبِيجَانَ، بَيْنَهَا وَبَيْنَ بَرْدِيجَةَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا - الْمُتَوَفَّى فِي رَمَضَانَ سَنَةَ إِحْدَى وَثَلَاثِمِائَةٍ (٣٠١ هـ) .
حَيْثُ قَالَ فِي جُزْءٍ لَهُ لَطِيفٍ تَكَلَّمَ فِيهِ عَلَى الْمُنْقَطِعِ وَالْمُرْسَلِ: الْمُنْقَطِعُ هُوَ قَوْلُ التَّابِعِيِّ. وَهَذَا - وَإِنْ حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ - فَإِنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ قَائِلَهُ، بَلْ قَالَ - كَمَا سَيَأْتِي فِي الْمُنْقَطِعِ -، وَحَكَى الْخَطِيبُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ الْمُنْقَطِعَ: مَا رُوِيَ عَنِ التَّابِعِيِّ أَوْ مَنْ دُونَهُ، مَوْقُوفًا عَلَيْهِ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ فِعْلِهِ. وَحِينَئِذٍ فَهُوَ أَعَمُّ.
وَلَكِنْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ غَرِيبٌ بَعِيدٌ، وَيُشْبِهُهُ أَنْ يَكُونَ سَلَفُ شَيْخِنَا فِيمَا أَسْلَفْتُهُ عَنْهُ قَرِيبًا.
[فُرُوعٌ]
[الفرع الأول قَوْلُ الصَّحَابِيِّ مِنَ السُّنَّةِ]
فُرُوعٌ.
١٠٥ - قَوْلُ الصَّحَابِيِّ " مِنَ السُّنَّةِ " أَوْ ... نَحْوُ " أُمِرْنَا " حُكْمُهُ الرَّفْعُ وَلَوْ
١٠٦ - بَعْدَ النَّبِيِّ قَالَهُ بِأَعْصُرِ ... عَلَى الصَّحِيحِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ
١٠٧ - وَقَوْلُهُ " كُنَّا نَرَى " إِنْ كَانَ مَعْ ... عَصْرِ النَّبِيِّ مِنْ قَبِيلِ مَا رَفَعْ
١٠٨ - وَقِيلَ لَا، أَوْ لَا فَلَا، كَذَاكَ لَهْ ... وَلِلْخَطِيبِ قُلْتُ لَكِنْ جَعَلَهْ
١٠٩ - مَرْفُوعًا الْحَاكِمُ وَالرَّازِيُّ ... ابْنُ الْخَطِيبِ وَهُوَ الْقَوِيُّ.
стр. 127
فُرُوعٌ سَبْعَةٌ حَسُنَ إِيرَادُهَا بَعْدَ الِانْتِهَاءِ مِنْ كُلٍّ مِنَ الْمَرْفُوعِ وَالْمَوْقُوفِ: أَحَدُهَا - وَقُدِّمَ عَلَى غَيْرِهِ، مِمَّا يَصْدُرُ عَنِ الصَّحَابِيِّ لِقُرْبِهِ إِلَى الصَّرَاحَةِ - (قَوْلُ الصَّحَابِيِّ) ﵁ (مِنَ السُّنَّةِ) كَذَا ; كَقَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: «وَمِنَ السُّنَّةِ وَضْعُ الْكَفِّ عَلَى الْكَفِّ فِي الصَّلَاةِ تَحْتَ السُّرَّةِ» . (أَوْ نَحْوُ أُمِرْنَا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، كَأُمِرَ فُلَانٌ.
وَكُنَّا نُؤْمَرُ، وَأُمِرَ بِلَا إِضَافَةٍ، وَنُهِينَا ; كَقَوْلِ أُمِّ عَطِيَّةَ ﵂: «أُمِرْنَا أَنْ نُخْرِجَ إِلَى الْعِيدَيْنِ الْعَوَاتِقَ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ» وَ «أُمِرَ الْحُيَّضُ أَنْ يَعْتَزِلْنَ مُصَلَّى الْمُسْلِمِينَ» ، وَ «نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا» وَأُبِيحَ أَوْ رُخِّصَ لَنَا، أَوْ حُرِّمَ أَوْ أُوجِبَ عَلَيْنَا، كُلُّ ذَلِكَ مَعَ كَوْنِهِ مَوْقُوفًا لَفْظًا (حُكْمُهُ الرَّفْعُ وَلَوْ بَعْدَ) وَفَاةِ (النَّبِيِّ) ﷺ (قَالَهُ) الصَّحَابِيُّ (بِأَعْصُرٍ) فَضْلًا عَنْ كَوْنِهِ بَعْدَهُ بِيَسِيرٍ، أَوْ فِي زَمَنِهِ ﷺ لَكِنَّهُ فِي الزَّمَنِ النَّبَوِيِّ فِي " أُمِرْنَا " أَبْعَدُ عَنِ الِاحْتِمَالِ فِيمَا يَظْهَرُ.
وَيُسَاعِدُهُ تَصْرِيحُ بَعْضِ أَئِمَّةِ الْأُصُولِ بِقُوَّةِ الِاحْتِمَالِ " فِي السُّنَّةِ " ; لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهَا فِي الطَّرِيقَةِ، وَسَوَاءٌ قَالَهُ فِي مَحَلِّ الِاحْتِجَاجِ أَمْ لَا، تَأَمَّرَ عَلَيْهِ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ أَمْ لَا، كَبِيرًا كَانَ أَوْ صَغِيرًا.
وَإِنْ لَمْ أَرَ تَصْرِيحَهُمْ بِهِ فِي الصَّغِيرِ، فَهُوَ مُحْتَمِلٌ، وَيُمْكِنُ إِخْرَاجُهُ مِنْ تَقْيِيدِ الْحَاكِمِ الصَّحَابِيَّ بِالْمَعْرُوفِ الصُّحْبَةِ، وَكَذَا مِنَ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمُجْتَهِدِ وَغَيْرِهِ، كَمَا سَيَأْتِي، وَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ هُوَ (عَلَى الصَّحِيحِ) عِنْدَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ.
وَنَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فِي " بَابِ عَدَدِ كَفَنِ الْمَيِّتِ " بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ ابْنَ عَبَّاسٍ
стр. 128
وَالضَّحَّاكَ بْنَ قَيْسٍ: وَابْنُ عَبَّاسٍ وَالضَّحَّاكُ رَجُلَانِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ لَا يَقُولَانِ السُّنَّةَ إِلَّا سُنَّةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَلَى أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ قَدْ جَزَمَ بِنَفْيِ الْخِلَافِ عَنْ أَهْلِ النَّقْلِ فِيهِمَا، وَأَنَّهُ مُسْنَدٌ، يَعْنِي مَرْفُوعٌ.
وَكَذَا شَيْخُهُ الْحَاكِمُ ; حَيْثُ قَالَ فِي الْجَنَائِزِ مِنْ (مُسْتَدْرَكِهِ) أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، حَدِيثٌ مُسْنَدٌ، وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: إِذَا قَالَ الصَّحَابِيُّ أُمِرْنَا بِكَذَا، أَوْ نُهِينَا عَنْ كَذَا، أَوْ كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا، أَوْ كُنَّا نَتَحَدَّثُ - فَإِنِّي لَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ النَّقْلِ خِلَافًا فِيهِ أَنَّهُ مُسْنَدٌ.
وَمِمَّنْ حَكَى الِاتِّفَاقَ أَيْضًا لَكِنْ فِي السُّنَّةِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ، وَالْحَقُّ ثُبُوتُ الْخِلَافِ فِيهِمَا، نَعَمْ قَيَّدَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ مَحَلَّ الْخِلَافِ بِمَا إِذَا كَانَ الْمَأْمُورُ بِهِ يَحْتَمِلُ التَّرَدُّدَ بَيْنَ شَيْئَيْنِ، أَمَّا إِذَا كَانَ مِمَّا لَا مَجَالَ لِلِاجْتِهَادِ فِيهِ ; كَحَدِيثِ: «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ» ، فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الرَّفْعِ قَطْعًا.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى خِلَافِ مَا حَكَيْنَاهُ فِيهِمَا مِنَ الشَّافِعِيَّةِ أَبُو بَكْرٍ الصَّيْرَفِيُّ صَاحِبُ الدَّلَائِلِ، وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ، وَفِي السُّنَّةِ فَقَطِ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدَ قَوْلَيْهِ مِنَ الْجَدِيدِ، كَمَا جَزَمَ الرَّافِعِيُّ بِحِكَايَتِهِمَا عَنْهُ، وَرَجَّحَهُ جَمَاعَةٌ، بَلْ
стр. 129
حَكَاهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَانُ عَنِ الْمُحَقِّقِينَ.
وَمِنَ الْحَنَفِيَّةِ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ، وَابْنُ حَزْمٍ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ، وَبَالَغَ فِي إِنْكَارِ الرَّفْعِ ; مُسْتَدِلًّا بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ ﵄: «أَلَيْسَ حَسْبَكُمْ سُنَّةُ نَبِيِّكُمْ ; إِنْ حُبِسَ أَحَدُكُمْ عَنِ الْحَجِّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، ثُمَّ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ، حَتَّى يَحُجَ عَامًا قَابِلًا فَيُهْدِيَ ; أَوْ يَصُومَ إِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا» .
قَالَ: لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ إِذْ صُدَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ، بَلْ حَلَّ حَيْثُ كَانَ بِالْحُدَيْبِيَةَ. وَكَذَا مِنْ أَدِلَّتِهِمْ لِمَنْعِ الرَّفْعِ اسْتِلْزَامُهُ ثُبُوتَ سُنَّةِ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِأَمْرٍ مُحْتَمِلٍ ; إِذْ يَحْتَمِلُ إِرَادَةَ سُنَّةِ غَيْرِهِ مِنَ الْخُلَفَاءِ، فَقَدْ سَمَّاهَا النَّبِيُّ ﷺ سُنَّةً فِي قَوْلِهِ: «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» أَوْ سُنَّةَ الْبَلَدِ، وَهِيَ الطَّرِيقَةُ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ.
وَنَحْوُهُ تَعْلِيلُ الْكَرْخِيِّ لِـ " أُمِرْنَا " بِأَنَّهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ كَوْنِهِ مُضَافًا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، أَوْ إِلَى أَمْرِ الْقُرْآنِ، أَوِ الْأُمَّةِ، أَوْ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ، أَوِ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِنْبَاطِ، وَسُوِّغَ إِضَافَتُهُ إِلَى صَاحِبِ الشَّرْعِ - يَعْنِي لِكَوْنِهِ صَاحِبَ الْأَمْرِ حَقِيقَةً - بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْقِيَاسَ مَأْمُورٌ بِاتِّبَاعِهِ مِنَ الشَّارِعِ.
قَالَ: وَهَذِهِ احْتِمَالَاتٌ تَمْنَعُ كَوْنَهُ مَرْفُوعًا، وَفِي " أُمِرْنَا " فَقَطْ - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ - فَرِيقٌ مِنْهُمْ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ.
وَخَصَّ ابْنُ الْأَثِيرِ - كَمَا فِي مُقَدِّمَةِ جَامِعِ الْأُصُولِ لَهُ - نَفْيَ الْخِلَافِ فِيهَا بِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ خَاصَّةً ; إِذْ لَمْ
стр. 130
يَتَأَمَّرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ بِخِلَافِ غَيْرِهِ، فَقَدْ تَأَمَّرَ عَلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأُمَرَاءِ فِي زَمَنِهِ ﷺ ، وَوَجَبَ عَلَيْهِمُ امْتِثَالُ أَمْرِهِ، فَطَرَقَهُ الِاحْتِمَالُ النَّاشِئُ عَنْهُ الِاخْتِلَافُ.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ غَيْرِهِ فِي «أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ» أَنَّهُ نَظَرَ، فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا تَأَمَّرَ عَلَيْهِ فِي الْأَذَانِ غَيْرَ النَّبِيِّ ﷺ فَتَمَحَّضَ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْآمِرَ.
وَيَتَأَيَّدُ بِالرِّوَايَةِ الْمُصَرِّحَةِ بِذَلِكَ، وَكَذَا قَالَ آخَرُ: يَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ الِاخْتِلَافُ فِيهِمَا، بِمَا إِذَا كَانَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الِاحْتِجَاجِ، أَمَّا فِي مَحَلِّ الِاحْتِجَاجِ فَإِنَّ الْمُجْتَهِدَ لَا يُقَلِّدُ مِثْلَهُ، فَلَا يُرِيدُ بِالسُّنَّةِ وَبِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ إِلَّا مَنْ لَهُ ذَلِكَ حَقِيقَةً، لَكِنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الصَّحِيحُ فِيهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ.
(وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ) مِنَ الْعُلَمَاءِ ; إِذْ هُوَ الْمُتَبَادِرُ إِلَى الذِّهْنِ مِنَ الْإِطْلَاقِ ; لِأَنَّ سُنَّةَ النَّبِيِّ ﷺ أَصْلٌ، وَسُنَّةَ غَيْرِهِ تَبَعٌ لِسُنَّتِهِ، وَكَذَلِكَ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ لَا يَنْصَرِفُ بِظَاهِرِهِ إِلَّا لِمَنْ هُوَ إِلَيْهِ، وَهُوَ الشَّارِعُ ﷺ ، وَأَمْرُ غَيْرِهِ تَبَعٌ، فَحَمْلُ كَلَامِهِمْ عَلَى الْأَصْلِ أَوْلَى، خُصُوصًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَقْصُودَ الصَّحَابَةِ بَيَانُ الشَّرْعِ.
وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي مُقَدِّمَةِ جَامِعِ الْأُصُولِ فِي " أُبِيحَ " وَمَا بَعْدَهَا يَقْوَى فِي جَانِبِهِ أَلَّا يَكُونَ مُضَافًا إِلَّا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ; لِأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَهُ دُونَ غَيْرِهِ، قَالَ: وَلَا يُقَالُ: أَوْجَبَ الْإِمَامُ إِلَّا عَلَى تَأْوِيلٍ.
وَاسْتِدْلَالُ ابْنِ حَزْمٍ الْمَاضِي لِلْمَنْعِ بِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ - مَمْنُوعٌ بِأَنَّهُ لَا انْحِصَارَ لِمُسْتَنَدِهِ فِي الْفِعْلِ، حَتَّى يُمْنَعَ إِرَادَةُ ابْنِ عُمَرَ بِالسُّنَّةِ الرَّفْعَ فِيمَنْ صُدَّ عَنِ الْحَجِّ مِمَّنْ هُوَ بِمَكَّةَ بِقِصَّةِ الْحُدَيْبِيَةِ الَّتِي صُدَّ فِيهَا عَنْ دُخُولِهَا، بَلِ الدَّائِرَةُ أَوْسَعُ مِنَ الْقَوْلِ أَوِ الْفِعْلِ أَوْ غَيْرِهِمَا، وَيَتَأَيَّدُ بِإِضَافَتِهِ السُّنَّةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ .
стр. 131
وَكَذَا مَا أَبْدَاهُ الْكَرْخِيُّ مِنَ الِاحْتِمَالَاتِ فِي الْمَنْعِ أَيْضًا بَعِيدٌ - كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا - " فَإِنَّ أَمْرَ الْكِتَابِ ظَاهِرٌ لِلْكُلِّ، فَلَا يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْوَاحِدُ دُونَ غَيْرِهِ، وَعَلَى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ فَهُوَ مَرْفُوعٌ ; لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ وَغَيْرَهُ إِنَّمَا تَلَقَّوْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ وَأَمْرُ الْأُمَّةِ لَا يُمْكِنُ الْحَمْلُ عَلَيْهِ ; لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ مِنَ الْأُمَّةِ، وَهُوَ لَا يَأْمُرُ نَفْسَهُ.
وَأَمْرُ بَعْضِ الْأَئِمَّةِ إِنْ أَرَادَ مِنَ الصَّحَابَةِ مُطْلَقًا فَبَعِيدٌ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ حُجَّةً عَلَى غَيْرِهِ مِنْهُمْ، وَإِنْ أَرَادَ مِنَ الْخُلَفَاءِ فَكَذَلِكَ ; لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ فِي مَقَامِ تَعْرِيفِ الشَّرْعِ بِهَذَا الْكَلَامِ وَالْفَتْوَى، فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى مَنْ صَدَرَ مِنْهُ الشَّرْعُ، وَبِالْجُمْلَةِ فَهُمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ مُجْتَهِدُونَ لَا يَحْتَجُّونَ بِأَمْرِ مُجْتَهِدٍ آخَرَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْقَائِلُ لَيْسَ مِنْ مُجْتَهِدِي الصَّحَابَةِ، فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُرِيدُ بِالْآمِرِ أَحَدَ الْمُجْتَهِدِينَ مِنْهُمْ.
وَحَمْلُهُ عَلَى الْقِيَاسِ وَالِاسْتِنْبَاطِ بَعِيدٌ أَيْضًا ; لِأَنَّ قَوْلَهُ: " أُمِرْنَا بِكَذَا " يُفْهَمُ مِنْهُ حَقِيقَةُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، لَا خُصُوصُ الْأَمْرِ بِاتِّبَاعِ الْقِيَاسِ، وَمَا قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي الصِّدِّيقِ فَهُوَ - كَمَا قَالَ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ - مَقْبُولٌ، وَإِنْ تَأَمَّرَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ فِي غَزْوَةِ " ذَاتِ السَّلَاسِلِ " عَلَى جَيْشٍ فِيهِ الشَّيْخَانِ، أَرْسَلَ بِهِمَا النَّبِيُّ ﷺ فِي مَدَدٍ، وَأَمَّرَ عَلَيْهِ أَبَا عُبَيْدَةَ الْجَرَّاحَ، فَلَمَّا قَدِمَ بِهِمْ عَلَى عَمْرٍو صَارَ الْأَمِيرَ، بَلْ كَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَمِيرَ سَرِيَّةِ " الْخَبَطِ " عَلَى ثَلَاثِمِائَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، فِيهِمْ عُمَرُ، وَأَظُنُّ أَبَا بَكْرٍ أَيْضًا.
وَكَذَا «تَأَمَّرَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عَلَى جَيْشٍ هُمَا فِيهِ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَخَلْقٌ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَتُوُفِّيَ ﷺ قَبْلَ خُرُوجِهِ، فَأَنْفَذَهُ أَبُو بَكْرٍ بَعْدَ أَنِ اسْتُخْلِفَ ; امْتِثَالًا لِوَصِيَّةِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » .
وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ سَأَلَ أُسَامَةَ أَنْ يَأْذَنَ لِعُمَرَ فِي الْإِقَامَةِ، فَأَذِنَ لَهُ، وَفِي شَرْحِهَا طُولٌ.
стр. 132
وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ كُلًّا مِنْ أَبِي عُبَيْدَةَ وَعَمْرٍو وَأُسَامَةَ تَأَمَّرَ عَلَيْهِمَا، وَصَارَ ذَلِكَ أَحَدَ الْأَدِلَّةِ فِي وِلَايَةِ الْمَفْضُولِ عَلَى الْفَاضِلِ أَوْ بِحَضْرَتِهِ، فَطُرُوقُ الِاحْتِمَالِ فِيهِ بَعِيدٌ جِدًّا.
وَمَا قِيلَ فِي بِلَالٍ لَيْسَ بِمُتَّفَقٍ عَلَيْهِ، فَلِابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ أَذَّنَ لِأَبِي بَكْرٍ مُدَّةَ خِلَافَتِهِ، وَلَمْ يُؤَذِّنْ لِعُمَرَ، [نَعَمْ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ ; أَنَّ بِلَالًا لَمَّا مَاتَ النَّبِيُّ ﷺ أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ إِلَى الشَّامِ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: تَكُونُ عِنْدِي، قَالَ: إِنْ كُنْتَ أَعْتَقْتَنِي لِنَفْسِكَ فَاحْبِسْنِي، وَإِنْ كُنْتَ أَعْتَقْتَنِي لِلَّهِ فَذَرْنِي، فَذَهَبَ إِلَى الشَّامِ، فَكَانَ بِهَا حَتَّى مَاتَ ﵁، وَهُوَ أَصَحُّ مِمَّا قَبْلَهُ، وَهُوَ] مُقْتَضَى قَوْلِ مَالِكٍ: لَمْ يُؤَذِّنْ لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ سِوَى مَرَّةٍ لِعُمَرَ حِينَ دَخَلَ الشَّامَ، فَبَكَى النَّاسُ بُكَاءً شَدِيدًا.
وَمِنْ أَدِلَّةِ الْأَكْثَرِينَ سِوَى مَا تَقَدَّمَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ; «أَنَّ الْحَجَّاجَ عَامَ نَزَلَ بِابْنِ الزُّبَيْرِ سَأَلَ عَبْدَ اللَّهِ - يَعْنِي ابْنَ عُمَرَ ﵄ كَيْفَ نَصْنَعُ فِي الْمَوْقِفِ يَوْمَ عَرَفَةَ؟ فَقَالَ سَالِمٌ: إِنْ كُنْتَ تُرِيدُ السُّنَّةَ، فَهَجِّرْ بِالصَّلَاةِ يَوْمَ عَرَفَةَ.
فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: صَدَقَ، إِنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظَّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السُّنَّةِ.
قَالَ الزُّهْرِيُّ: فَقُلْتُ لِسَالِمٍ: أَفَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ فَقَالَ: وَهَلْ يَتَّبِعُونَ فِي ذَلِكَ إِلَّا سُنَّتَهُ» . انْتَهَى.
وَكُلُّ مَا سَلَفَ فِيمَا إِذَا لَمْ يُضِفِ السُّنَّةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَوْ أَضَافَهَا - كَقَوْلِ عُمَرَ لِلصُّبَيِّ بْنِ مَعْبَدٍ: هُدِيتَ لِسُنَّةِ نَبِيِّكَ - فَمُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ السَّابِقِ
стр. 133
الرَّفْعُ، بَلْ أَوْلَى، وَابْنُ حَزْمٍ يُخَالِفُ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، بَلْ نَقَلَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ الْقَطَّانِ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قَدْ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ مَا هُوَ الْحَقُّ مِنْ سُنَّةِ النَّبِيِّ ﷺ .
وَجَزَمَ الْبُلْقِينِيُّ فِي مَحَاسِنِهِ بِأَنَّهَا عَلَى مَرَاتِبَ فِي احْتِمَالِ الْوَقْفِ قُرْبًا وَبُعْدًا، فَأَرْفَعُهَا مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ: " اللَّهُ أَكْبَرُ سُنَّةُ أَبِي الْقَاسِمِ ﷺ "، وَدُونَهَا قَوْلُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: " لَا تُلَبِّسُوا عَلَيْنَا سُنَّةَ نَبِيِّنَا، عِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ كَذَا "، وَدُونَهَا قَوْلُ عُمَرَ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: " أَصَبْتَ السُّنَّةَ " ; إِذِ الْأَوَّلُ أَبْعَدُ احْتِمَالًا، وَالثَّانِي أَقْرَبُ احْتِمَالًا، وَالثَّالِثُ لَا إِضَافَةَ فِيهِ. انْتَهَى.
وَقَالَ غَيْرُهُ فِي قَوْلِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: الصَّوَابُ فِيهِ: لَا تُلَبِّسُوا عَلَيْنَا دِينَنَا. مَوْقُوفٌ ; فَدَلَّ قَوْلُهُ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَوَّلَ مَرْفُوعٌ، أَمَّا إِذَا صَرَّحَ بِالْآمِرِ ; كَقَوْلِهِ: أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِكَذَا، أَوْ سَمِعْتُهُ يَأْمُرُ بِكَذَا، فَهُوَ مَرْفُوعٌ بِلَا خِلَافٍ ; لِانْتِفَاءِ الِاحْتِمَالِ السَّابِقِ.
لَكِنْ حَكَى الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ، وَتِلْمِيذُهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي " الْعِدَّةِ " عَنْ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ وَبَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ -: أَنَّهُ لَا يَكُونُ حُجَّةً حَتَّى يُنْقَلَ لَفْظُهُ ; لِاخْتِلَافِ النَّاسِ فِي صِيَغِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ صِيغَةً ظَنَّهَا أَمْرًا أَوْ نَهْيًا، وَلَيْسَتْ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ.
وَقَالَ الشَّارِحُ: إِنَّهُ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ، ثُمَّ وَجَّهَهُ بِمَا لَهُ وَجْهٌ فِي الْجُمْلَةِ،
стр. 134
وَوَجَّهَهُ غَيْرُهُ بِجَوَازِ أَنَّ نَحْوَ هَذَا مِنَ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى، وَهُمْ مِمَّنْ لَا يُجَوِّزُهَا.
وَأَمَّا شَيْخُنَا فَرَدَّهُ أَصْلَا فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ غَيْرِهِ ; حَيْثُ قَالَ: وَأُجِيبُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ حَالِ الصَّحَابِيِّ مَعَ عَدَالَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِأَوْضَاعِ اللُّغَةِ - أَنَّهُ لَا يُطْلِقُ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَا تَحَقَّقَ أَنَّهُ أَمْرٌ أَوْ نَهْيٌ، مِنْ غَيْرِ شَكٍّ، نَفْيًا لِلتَّلْبِيسِ عَنْهُ، لِنَقْلِ مَا يُوجِبُ عَلَى سَامِعِهِ اعْتِقَادَ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ فِيمَا لَيْسَ أَمْرًا وَلَا نَهْيًا.
تَتِمَّةٌ: قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: إِنِّي لَأَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِالنَّبِيِّ ﷺ ، وَمَا أَشْبَهَ كَـ " لَأُقَرِّبَنَّ لَكُمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ ﷺ " - كُلُّهُ مَرْفُوعٌ. وَهَلْ يَلْتَحِقُ التَّابِعِيُّ بِالصَّحَابِيِّ فِي " مِنَ السُّنَّةِ " أَوْ " أُمِرْنَا "؟ سَيَأْتِي فِي خَامِسِ الْفُرُوعِ.
وَقَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ : " أُمِرْتُ " هُوَ كَقَوْلِهِ: " أَمَرَنِي اللَّهُ " ; لِأَنَّهُ لَا آمِرَ لَهُ إِلَّا اللَّهُ، كَمَا سَيَأْتِي نَظِيرُهُ فِي " يَرْفَعُهُ "، وَ " يَرْوِيهِ "، وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ.
فَمِنَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «أُمِرْتُ بِقَرْيَةٍ تَأْكُلُ الْقُرَى» ، يَقُولُونَ: يَثْرِبُ " وَمِنْ غَيْرِهِ: «أُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْمَانَنَا عَلَى شَمَائِلِنَا فِي الصَّلَاةِ» .
وَالْحَاصِلُ أَنَّ مَنِ اشْتُهِرَ بِطَاعَةِ كَبِيرٍ إِذَا قَالَ ذَلِكَ، فُهِمَ مِنْهُ أَنَّ الْآمِرَ لَهُ هُوَ ذَلِكَ الْكَبِيرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
[الْفَرْعُ الثَّانِي قَوْلُ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نَرَى]
[الْفَرْعُ الثَّانِي] (وَ) الْفَرْعُ الثَّانِي (قَوْلُهُ) أَيِ: الصَّحَابِيِّ (كُنَّا نَرَى) كَذَا، أَوْ نَفْعَلُ كَذَا، أَوْ نَقُولُ كَذَا، أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، وَحُكْمُهُ أَنَّهُ (إِنْ كَانَ) ذَلِكَ (مَعَ) ذِكْرِ (عَصْرِ النَّبِيِّ) ﷺ ; كَقَوْلِ جَابِرٍ: «كُنَّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ، أَوْ: «كُنَّا نَأْكُلُ لُحُومَ الْخَيْلِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ » ، وَقَوْلِ غَيْرِهِ: " كُنَّا لَا نَرَى بَأْسًا بِكَذَا، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِينَا "، أَوْ: " كَانَ يُقَالُ كَذَا وَكَذَا عَلَى عَهْدِهِ "، أَوْ: " كَانُوا يَفْعَلُونَ كَذَا وَكَذَا
стр. 135
فِي حَيَاتِهِ " إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّكْرَارِ وَالِاسْتِمْرَارِ.
فَهُوَ وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا لَفْظًا (مِنْ قَبِيلِ مَا رَفَعَ) الصَّحَابِيُّ بِصَرِيحِ الْإِضَافَةِ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَطَعَ بِهِ الْخَطِيبُ، وَمِنْ قَبْلِهِ الْحَاكِمُ ; كَمَا سَيَأْتِي.
وَصَحَّحَهُ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ وَأَتْبَاعُهُ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ غَرَضَ الرَّاوِي بَيَانُ الشَّرْعِ، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى عِلْمِ النَّبِيِّ ﷺ وَعَدَمِ إِنْكَارِهِ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ الِاعْتِمَادُ ; لِأَنَّ ظَاهِرَ ذَلِكَ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ ﷺ اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَقَرَّرَهُمْ، وَتَقْرِيرُهُ كَقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَلَوْ عَلِمَ الصَّحَابِيُّ إِنْكَارًا مِنْهُ ﷺ فِي ذَلِكَ، لَبَيَّنَهُ.
قَالَ شَيْخُنَا: (وَيَدُلُّ لَهُ احْتِجَاجُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَلَى جَوَازِ الْعَزْلِ بِفِعْلِهِمْ لَهُ فِي زَمَنِ نُزُولِ الْوَحْيِ، فَقَالَ: «كُنَّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ، لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَنْهَى عَنْهُ، نَهَى عَنْهُ الْقُرْآنُ» ، وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ وَاضِحٌ ; لِأَنَّ الزَّمَانَ زَمَانُ تَشْرِيعٍ.
وَكَذَا يَدُلُّ لَهُ مَجِيءُ بَعْضِ مَا أَتَى بِبَعْضِ هَذِهِ الصِّيَغِ بِصَرِيحِ الرَّفْعِ (وَقِيلَ: لَا) يَكُونُ مَرْفُوعًا، حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ عَنِ الْبَرْقَانِيِّ بَلَاغًا أَنَّهُ سَأَلَ الْإِسْمَاعِيلِيَّ عَنْهُ،
стр. 136
فَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا، كَمَا خَالَفَ فِي نَحْوِ ((أُمِرْنَا)) ، يَعْنِي بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ مُطْلَقًا قُيِّدَ أَمْ لَا، بِخِلَافِ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ، فَهُوَ مُفَصَّلٌ، فَإِنْ قُيِّدَ بِالْعَصْرِ النَّبَوِيِّ - كَمَا تَقَدَّمَ - فَمَرْفُوعٌ (أَوْ لَا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يُقَيَّدْ (فَلَا) يَكُونُ مَرْفُوعًا (كَذَاكَ لَهُ) أَيْ لِابْنِ الصَّلَاحِ ; حَيْثُ جَزَمَ بِهِ، وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ غَيْرَهُ.
(وَ) كَذَا (لِلْخَطِيبِ) أَيْضًا فِي الْكِفَايَةِ، كَمَا زَادَهُ النَّاظِمُ مَعَ أَنَّهُ قَدْ فُهِمَ عَنْ مُشْتَرِطِي الْقَيْدِ فِي الرَّفْعِ - وَهُمُ الْجُمْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ - الْقَوْلُ بِهِ.
وَلِذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: وَقَالَ الْجُمْهُورُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَأَصْحَابِ الْفِقْهِ وَالْأُصُولِ: إِنْ لَمْ يُضِفْهُ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ (قُلْتُ: لَكِنْ) قَدْ (جَعَلَهُ) أَيْ: هَذَا اللَّفْظَ الَّذِي لَمْ يُقَيَّدْ بِالْعَصْرِ النَّبَوِيِّ (مَرْفُوعًا الْحَاكِمُ) أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ.
وَعِبَارَتُهُ فِي عُلُومِهِ: وَمِنْهُ - أَيْ: وَمِمَّا لَمْ يُصَرَّحْ فِيهِ بِذِكْرِ الرَّسُولِ ﷺ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالصُّحْبَةِ: أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ كَذَا، وَنُهِينَا عَنْ كَذَا، وَكُنَّا نُؤْمَرُ بِكَذَا، وَكُنَّا نُنْهَى عَنْ كَذَا، وَكُنَّا نَفْعَلُ كَذَا، وَكُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِينَا كَذَا، وَكُنَّا لَا نَرَى بَأْسًا بِكَذَا، وَكَانَ يُقَالُ كَذَا وَكَذَا، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ: مِنَ السُّنَّةِ كَذَا، وَأَشْبَاهُ مَا ذَكَرْنَا ; إِذَا قَالَهُ الصَّحَابِيُّ الْمَعْرُوفُ بِالصُّحْبَةِ، فَهُوَ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ ; أَيْ: مَرْفُوعٌ.
وَكَذَا جَعَلَهُ مَرْفُوعًا الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ (الرَّازِيُّ) - نِسْبَةً بِإِلْحَاقِ الزَّايِ لِلرَّيِّ، مَدِينَةٍ مَشْهُورَةٍ كَبِيرَةٍ مِنْ بِلَادِ الدَّيْلَمِ بَيْنَ قُومِسَ وَالْجِبَالِ - صَاحِبُ التَّفْسِيرِ وَالْمَحْصُولِ
стр. 137
، وَمَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ، وَشَرْحِ الْوَجِيزِ لِلْغَزَالِيِّ وَغَيْرِهَا، وَأَحَدُ الْأَئِمَّةِ وَهُوَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو الْفَضَائِلِ مُحَمَّدُ (ابْنُ الْخَطِيبِ) بِالرَّيِّ، تِلْمِيذُ مُحْيِي السُّنَّةِ الْبَغَوِيِّ، الْإِمَامُ ضِيَاءُ الدِّينِ عُمَرُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْقُرَشِيُّ الْبَكْرِيُّ التَّيْمِيُّ الشَّافِعِيُّ، تُوُفِّيَ بِهَرَاةَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّمِائَةٍ (٦٠٦ هـ) عَنْ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً، كَمَا نَصَّ عَلَى ذَلِكَ فِي ((الْمَحْصُولِ)) .
وَلَمْ يُفَرِّقَا بَيْنَ الْمُضَافِ وَغَيْرِهِ، وَحِينَئِذٍ فَعَنِ الْفَخْرِ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي ((الْعُدَّةِ)) : إِنَّهُ الظَّاهِرُ.
قَالَ النَّاظِمُ تَبَعًا لِلنَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ، (وَهُوَ الْقَوِيُّ) يَعْنِي مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى، زَادَ النَّوَوِيُّ: إِنَّهُ ظَاهِرُ اسْتِعْمَالِ كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَأَصْحَابِنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ، وَاعْتَمَدَهُ الشَّيْخَانِ فِي صَحِيحَيْهِمَا، وَأَكْثَرَ مِنْهُ الْبُخَارِيُّ.
قُلْتُ: وَمِمَّا خَرَّجَهُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمَسْأَلَةِ حَدِيثُ سَالِمِ بْنِ أَبِي الْجَعْدِ عَنْ جَابِرٍ: ((كُنَّا إِذَا صَعِدْنَا كَبَّرْنَا، وَإِذَا هَبَطْنَا سَبَّحْنَا)) .
وَيَتَأَيَّدُ الْقَوْلُ بِالرَّفْعِ بِإِيرَادِ النَّسَائِيِّ لَهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: كُنَّا نُسَافِرُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا صَعِدْنَا. . . وَذَكَرَهُ، فَتَحَصَّلَ فِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ: الرَّفْعُ مُطْلَقًا، الْوَقْفُ مُطْلَقًا، التَّفْصِيلُ.
وَفِيهَا رَابِعٌ أَيْضًا ; وَهُوَ تَفْصِيلٌ آخَرُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْفِعْلُ مِمَّا لَا يَخْفَى غَالِبًا فَمَرْفُوعٌ، أَوْ يَخْفَى ; كَقَوْلِ بَعْضِ الْأَنْصَارِ: ((كُنَّا نُجَامِعُ فَنَكْسَلُ وَلَا نَغْتَسِلُ))
стр. 138
فَمَوْقُوفٌ، وَبِهِ قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَكَذَا قَالَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ آخَرِينَ.
وَخَامِسٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ أَوْرَدَهُ فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ فَمَرْفُوعٌ، وَإِلَّا فَمَوْقُوفٌ ; حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ.
وَسَادِسٌ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنْ كَانَ قَائِلُهُ مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ فَمَوْقُوفٌ، وَإِلَّا فَمَرْفُوعٌ.
وَسَابِعٌ: وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ كُنَّا نَرَى، وَكُنَّا نَفْعَلُ، بِأَنَّ الْأَوَّلَ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّأْيِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَنَدُهُ تَنْصِيصًا أَوِ اسْتِنْبَاطًا.
وَتَعْلِيلُ السَّيْفِ الْآمِدِيِّ وَأَتْبَاعِهِ كَوْنَ " كُنَّا نَفْعَلُ " وَنَحْوَهُ حُجَّةً بِأَنَّهُ ظَاهِرٌ فِي قَوْلِ كُلِّ الْأُمَّةِ، وَلَا يَحْسُنُ مَعَهُ إِدْرَاجُهُمْ مَعَ الْقَائِلِينَ بِالْأَوَّلِ، كَمَا فَعَلَ الشَّارِحُ ; لِاخْتِلَافِ الْمَدْرَكَيْنِ.
وَكُلُّ مَا أَوْرَدْنَاهُ مِنَ الْخِلَافِ ; حَيْثُ لَمْ يَكُنْ فِي الْقِصَّةِ اطِّلَاعُهُ ﷺ ، أَمَّا إِذَا كَانَ - كَقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ: كُنَّا نَقُولُ وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَيٌّ: «أَفْضَلُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ» ، وَيَسْمَعُ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَلَا يُنْكِرُهُ - فَحُكْمُهُ الرَّفْعُ إِجْمَاعًا.
ثُمَّ إِنَّ النَّفْيَ كَالْإِثْبَاتِ - فِيمَا تَقَدَّمَ - كَمَا عُلِمَ مِنَ التَّمْثِيلِ، وَلِذَلِكَ مَثَّلَ ابْنُ الصَّبَّاغِ لِلْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِ عَائِشَةَ: كَانَتِ الْيَدُ لَا تُقْطَعُ فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ.
стр. 139
١١٠ - لَكِنْ حَدِيثُ " كَانَ بَابُ الْمُصْطَفَى ... يُقْرَعُ بِالْأَظْفَارِ " مِمَّا وُقِفَا
١١١ - حُكْمًا لَدَى الْحَاكِمِ وَالْخَطِيبِ ... وَالرَّفْعُ عِنْدَ الشَّيْخِ ذُو تَصْوِيبِ
١١٢ - وَعَدُّ مَا فَسَّرَهُ الصَّحَابِي ... رَفْعًا فَمَحْمُولٌ عَلَى الْأَسْبَابِ
١١٣ - وَقَوْلُهُمْ " يَرْفَعْهُ " أَوْ " يَبْلُغُ بِهْ " ... " رِوَايَةً " " يَنْمِيهِ " رَفْعٌ فَانْتَبِهْ
١١٤ - وَإِنْ يَقُلْ " عَنْ تَابِعٍ " فَمُرْسَلُ ... قُلْتُ مِنَ السُّنَّةِ عَنْهُ نَقَلُوا
١١٥ - تَصْحِيحَ وَقْفِهِ وَذُو احْتِمَالِ ... نَحْوُ " أُمِرْنَا مِنْهُ " لِلْغَزَالِي
١١٦ - وَمَا أَتَى عَنْ صَاحِبٍ بِحَيْثُ لَا ... يُقَالُ رَأْيًا، حُكْمُهُ الرَّفْعُ عَلَى
١١٧ - مَا قَالَ فِي الْمَحْصُولِ نَحْوُ " مَنْ أَتَى" ... فَالْحَاكِمُ الرَّفْعَ لِهَذَا أَثْبَتَا
١١٨ - وَمَا رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَهْ ... مُحَمَّدٌ وَعَنْهُ أَهْلُ الْبَصْرَهْ
١١٩ - وَكَرَّرَ " قَالَ " بَعْدَ فَالْخَطِيبُ ... رَوَى بِهِ الرَّفْعَ وَذَا عَجِيبُ.
" لَكِنْ حَدِيثُ كَانَ بَابُ الْمُصْطَفَى " ﷺ (يُقْرَعُ) مِنَ الصَّحَابَةِ (بِالْأَظْفَارِ) تَأَدُّبًا وَإِجْلَالًا، كَمَا عُرِفَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي حَقِّهِ.
وَإِنْ قَالَ السُّهَيْلِيُّ: إِنَّهُ لِأَنَّ بَابَهُ الْكَرِيمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ حِلَقٌ يُطْرَقُ بِهَا. (مِمَّا وُقِفَا حُكْمًا) أَيْ: حُكْمُهُ الْوَقْفُ (لَدَى) أَيْ: عِنْدَ (الْحَاكِمِ) ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْنَدَهُ، كَمَا سَيَأْتِي: هَذَا حَدِيثٌ يَتَوَهَّمُهُ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الصَّنْعَةِ مُسْنَدًا ; لِذِكْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِيهِ، وَلَيْسَ بِمُسْنَدٍ ; فَإِنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى صَحَابِيٍّ، حَكَى عَنْ أَقْرَانِهِ مِنَ الصَّحَابَةِ فِعْلًا، وَلَيْسَ يُسْنِدُهُ وَاحِدٌ مِنْهُمْ (وَ) كَذَا عِنْدَ (الْخَطِيبِ) أَيْضًا فِي جَامِعِهِ نَحْوُهُ.
وَإِنْ أَنْكَرَ الْبُلْقِينِيُّ تَبَعًا لِبَعْضِ مَشَائِخِهِ وُجُودَهُ فِيهِ، فَعِبَارَتُهُ فِي الْمَوْقُوفِ الْخَفِيِّ
стр. 140
الَّذِي ذَكَرَ مِنْ أَمْثِلَتِهِ هَذَا الْحَدِيثَ - نَصُّهَا: قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَرْفُوعٌ لِذِكْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِيهِ، وَإِنَّمَا هُوَ مَوْقُوفٌ عَلَى صَحَابِيٍّ، حَكَى فِيهِ عَنْ غَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ فِعْلًا، وَذَلِكَ مُتَعَقَّبٌ عَلَيْهِمَا (وَالرَّفْعُ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ (عِنْدَ الشَّيْخِ) ابْنِ الصَّلَاحِ (ذُو تَصْوِيبِ) .
قَالَ: وَالْحَاكِمُ مُعْتَرِفٌ بِكَوْنِ ذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ الْمَرْفُوعِ ; يَعْنِي لِأَنَّهُ جَنَحَ إِلَى الرَّفْعِ فِي غَيْرِ الْمُضَافِ، فَهُوَ هُنَا أَوْلَى ; لِكَوْنِهِ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَحْرَى بِاطِّلَاعِهِ ﷺ عَلَيْهِ.
قَالَ: وَقَدْ كُنَّا عَدَدْنَا هَذَا فِيمَا أَخَذْنَا عَلَيْهِ، ثُمَّ تَأَوَّلْنَاهُ لَهُ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ: أَنَّهُ لَيْسَ بِمُسْنَدٍ لَفْظًا، بَلْ هُوَ مَوْقُوفٌ لَفْظًا ; كَسَائِرِ مَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا جَعَلْنَاهُ مَرْفُوعًا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى. انْتَهَى.
وَهُوَ جَيِّدٌ، وَحَاصِلُهُ كَمَا قَالَ شَيْخُنَا أَنَّ لَهُ جِهَتَيْنِ: جِهَةَ الْفِعْلِ وَهُوَ صَادِرٌ مِنَ الصَّحَابَةِ فَيَكُونُ مَوْقُوفًا، وَجِهَةَ التَّقْرِيرِ وَهُوَ مُضَافٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ مِنْ حَيْثُ إِنَّ فَائِدَةَ قَرْعِ بَابِهِ أَنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ قُرِعَ، وَمِنْ لَازِمِ عِلْمِهِ بِكَوْنِهِ قُرِعَ مَعَ عَدَمِ إِنْكَارِ ذَلِكَ عَلَى فَاعِلِهِ - التَّقْرِيرُ عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ، فَيَكُونُ مَرْفُوعًا، لَكِنْ يَخْدِشُ فِيهِ أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُ قِسْمِ التَّقْرِيرِ يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى مَوْقُوفًا ; لِأَنَّ فَاعِلَهُ غَيْرُ النَّبِيِّ ﷺ قَطْعًا، وَإِلَّا فَمَا اخْتِصَاصُ حَدِيثِ الْقَرْعِ بِهَذَا الْإِطْلَاقِ.
قُلْتُ: وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يَلْتَزِمُهُ فِي غَيْرِ التَّقْرِيرِ الصَّرِيحِ كَهَذَا الْحَدِيثِ، وَغَيْرُهُ لَا يَلْزَمُهُ، وَيُسْتَأْنَسُ لَهُ بِمَنْعِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَابْنِ مُبَارَكٍ مِنْ رَفْعِ حَدِيثِ " حَذْفُ السَّلَامِ سُنَّةٌ " كَمَا سَيَأْتِي فِي آخِرِ هَذِهِ الْفُرُوعِ، عَلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْحَاكِمَ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ احْتِمَالُ كَوْنِ الْقَرْعِ بَعْدَهُ ﷺ بِأَنَّ الِاسْتِئْذَانَ فِي حَيَاتِهِ كَانَ بِبِلَالٍ أَوْ بِرَبَاحٍ أَوْ بِغَيْرِهِمَا، وَرُبَّمَا كَانَ بِإِعْلَامِ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ.
بَلْ فِي حَدِيثِ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ
стр. 141
ثَابِتٍ: «احْتَجَرَ النَّبِيُّ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ حُجْرَةً» ، وَفِيهِ: «أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ إِلَيْهِمْ لَيْلَةً» ، وَقَالَ: «فَتَنَحْنَحُوا وَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا بَابَهُ» ، وَلَمْ يَجِئْ فِي خَبَرٍ صَرِيحٍ الِاسْتِئْذَانُ عَلَيْهِ بِالْقَرْعِ.
وَإِنَّ فَائِدَةَ ذِكْرِ الْقَرْعِ مَعَ كَوْنِهِ بَعْدَهُ مَا تَضَمَّنَهُ مِنِ اسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى مَزِيدِ الْأَدَبِ بَعْدَهُ ; إِذْ حُرْمَتُهُ مَيِّتًا كَحُرْمَتِهِ حَيًّا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَهُوَ مَوْقُوفٌ مُطْلَقًا. فَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَالْحَدِيثُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِهِ، وَكَذَا فِي الْأَمَالِي كَمَا عَزَاهُ إِلَيْهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي مَدْخَلِهِ حَيْثُ أَخْرَجَهُ عَنْ رَاوٍ، وَرَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ عَلَى عُلُومِ الْحَدِيثِ، لَهُ عَنْ رَاوٍ آخَرَ، كِلَاهُمَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَمْرٍو الزِّيبَقِيِّ، بِالزَّايِ الْمَكْسُورَةِ الْمُشَدَّدَةِ ثُمَّ تَحْتَانِيَّةٍ، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى الْمِنْقَرِيِّ، عَنِ الْأَصْمَعِيِّ، عَنْ كَيْسَانَ مَوْلَى هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، فِي رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، وَفِي رِوَايَةِ الْآخَرِينَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ حَسَّانٍ، زَادَ الْبَيْهَقِيُّ: هُوَ أَخُو هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ، وَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ.
ثُمَّ اتَّفَقُوا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، زَادَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي رِوَايَتِهِ: عَنْ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ، ثُمَّ اتَّفَقُوا عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، قَالَ: كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَقْرَعُونَ بَابَهُ بِالْأَظَافِيرِ.
وَفِي الْبَابِ عَنْ أَنَسٍ، أَخْرَجَهُ الْخَطِيبُ فِي جَامِعِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي غَسَّانَ مَالِكِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ النَّهْدِيِّ، وَضِرَارِ بْنِ صُرَدَ شَيْخِ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ فِيهِ، كِلَاهُمَا عَنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ زِيَادٍ الثَّقَفِيِّ، ثُمَّ افْتَرَقَا.
فَفِي رِوَايَةِ أَبِي غَسَّانَ: أَخْبَرَنِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبِهَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُنْتَصِرِ.
وَفِي رِوَايَةِ حُمَيْدٍ: ثَنَا عُمَرُ بْنُ سُوَيْدٍ، يَعْنِي الْعِجْلِيَّ، كِلَاهُمَا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ بَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُقْرَعُ بِالْأَظَافِيرِ. لَفْظُ حُمَيْدٍ، وَلَفْظُ الْآخَرِ: كَانَتْ أَبْوَابُ النَّبِيِّ. وَالْبَاقِي سَوَاءٌ،
стр. 142
وَكَذَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ وَالتَّأْرِيخِ عَنْ أَبِي غَسَّانَ، وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ الرَّبِيعِ عَنْ ضِرَارٍ بِهِ.
[الْفَرْعُ الثَّالِثُ تفسير الصحابي]
[الْفَرْعُ الثَّالِثُ] (وَ) أَمَّا (عَدُّ مَا فَسَّرَهُ الصَّحَابِي) الَّذِي شَاهَدَ الْوَحْيَ وَالتَّنْزِيلَ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ (رَفْعًا) أَيْ: مَرْفُوعًا كَمَا فَعَلَ الْحَاكِمُ، وَعَزَاهُ لِلشَّيْخَيْنِ، وَهُوَ الْفَرْعُ الثَّالِثُ (فَمَحْمُولٌ عَلَى الْأَسْبَابِ) لِلنُّزُولِ، وَنَحْوِهَا مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ ; لِتَصْرِيحِ الْخَطِيبِ فِيهَا بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْآتِي: قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَإِنَّمَا هُوَ مُسْنَدٌ ; لِأَنَّ الصَّحَابِيَّ الَّذِي شَاهَدَ الْوَحْيَ إِذَا أَخْبَرَ عَنْ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي كَذَا كَانَ مُسْنَدًا، وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَقَيَّدَ بِهِ إِطْلَاقَ الْحَاكِمِ، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ مِنَ التَّفْسِيرِ مَا يَنْشَأُ عَنْ مَعْرِفَةِ طُرُقِ الْبَلَاغَةِ وَاللُّغَةِ كَتَفْسِيرِ مُفْرَدٍ بِمُفْرَدٍ، أَوْ يَكُونُ مُتَعَلِّقًا بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا لِلرَّأْيِ فِيهِ مَجَالٌ، فَلَا يُحْكَمُ لِمَا يَكُونُ مِنْ نَحْوِ هَذَا الْقَبِيلِ بِالرَّفْعِ ; لِعَدَمِ تَحَتُّمِ إِضَافَتِهِ إِلَى الشَّارِعِ.
أَمَّا اللُّغَةُ وَالْبَلَاغَةُ: فَلِكَوْنِهِمْ فِي الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ بِالْمَحَلِّ الرَّفِيعِ.
وَأَمَّا الْأَحْكَامُ: فَلِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مُسْتَفَادًا مِنَ الْقَوَاعِدِ، بَلْ هُوَ مَعْدُودٌ فِي الْمَوْقُوفَاتِ.
وَمِنْهُ - وَهُوَ الْمَرْفُوعُ - مَا لَا تَعَلُّقَ لِلِسَانِ الْعَرَبِ بِهِ وَهُوَ لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ ; كَتَفْسِيرِ أَمْرٍ مُغَيَّبٍ مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا أَوِ الْآخِرَةِ أَوِ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ، أَوْ تَعَيُّنِ ثَوَابٍ أَوْ عِقَابٍ،
стр. 143
وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ سَبَبِ نُزُولٍ ; كَقَوْلِ جَابِرٍ: كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ: مَنْ أَتَى امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا، جَاءَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ: (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) الْآيَةَ.
عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ يَكْفِي فِي تَسْوِيغِ الْأَخْبَارِ بِالسَّبَبِ الْبِنَاءُ عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ ; كَمَا لَوْ سَمِعَ مِنَ الْكُفَّارِ كَلَامًا، ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى مَا يُنَاقِضُهُ ; إِذِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ نَزَلَ رَدًّا عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إِلَى أَنْ يَقُولَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : هَذَا أُنْزِلَ لِسَبَبِ كَذَا، فَقَدْ وَقَعَ الْإِخْبَارُ عَنْهُمْ بِالْكَثِيرِ بِنَاءً عَلَى ظَاهِرِ الْحَالِ.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الزُّبَيْرِ ﵁ فِي قِصَّةِ الَّذِي خَاصَمَهُ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ: إِنِّي لَأَحْسَبُ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ [النِّسَاءِ: ٦٥] وَهُوَ وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الرِّوَايَاتِ: جَزَمَ الزُّبَيْرُ بِذَلِكَ، فَالرَّاجِحُ الْأَوَّلُ، وَأَنَّهُ كَانَ لَا يَجْزِمُ بِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَطَرَقَهُ الِاحْتِمَالُ.
وَأَمَّا التَّقْيِيدُ فِي قَائِلٍ مَا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ بِكَوْنِهِ مِمَّنْ لَمْ يُعْرَفْ بِالنَّظَرِ فِي الْكُتُبِ الْقَدِيمَةِ - فَسَيَأْتِي فِي سَادِسِ الْفُرُوعِ.
[الْفَرْعُ الرَّابِعُ قول التَّابِعِيُّ فَمَنْ دُونَهُ بَعْدَ ذِكْرِ الصَّحَابِيِّ يَرْفَعُهُ أو يَبْلُغُ بِهْ أو يَنْمِيهِ]
[الْفَرْعُ الرَّابِعُ] (وَ) الْفَرْعُ الرَّابِعُ، وَأُخِّرَ لِصُدُورِ أَلْفَاظِهِ مِمَّنْ دُونَ الصَّحَابِيِّ (قَوْلُهُمْ) أَيِ: التَّابِعِيُّ فَمَنْ دُونَهُ بَعْدَ ذِكْرِ الصَّحَابِيِّ (يَرْفَعُهُ) أَوْ رَفَعَهُ أَوْ مَرْفُوعًا ; كَحَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «الشِّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ: شَرْبَةِ عَسَلٍ، وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ، وَكَيَّةِ نَارٍ، وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» رَفَعَ الْحَدِيثَ.
وَكَذَا قَوْلُهُمْ: (يَبْلُغُ بِهْ) أَوْ (رِوِايَةً) أَوْ (يَرْوِيهِ) ; كَحَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغْ بِهِ: «النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ» وَبِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةَ «تُقَاتِلُونَ قَوْمًا صِغَارَ الْأَعْيُنِ» ، وَكَحَدِيثِ سُفْيَانَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ
стр. 144
أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةَ «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ» أَوْ (يَنْمِيهِ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ النُّونِ، وَكَسْرِ الْمِيمِ ; كَحَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ، قَالَ: كَانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يَضَعَ الرَّجُلُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى ذِرَاعِهِ الْيُسْرَى فِي الصَّلَاةِ. قَالَ أَبُو حَازِمٍ: لَا أَعْلَمُ إِلَّا أَنَّهُ يَنْمِي ذَلِكَ.
وَكَذَا قَوْلُهُمْ: يُسْنِدُهُ، أَوْ يَأْثِرُهُ، مِمَّا الْحَامِلُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْعُدُولِ عَنِ التَّصْرِيحِ بِالْإِضَافَةِ، إِمَّا الشَّكُّ فِي الصِّيغَةِ الَّتِي سُمِعَ بِهَا أَهِيَ " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ "، أَوْ " نَبِيُّ اللَّهِ " أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ ; كَسَمِعْتُ أَوْ حَدَّثَنِي، وَهُوَ مِمَّنْ لَا يَرَى الْإِبْدَالَ، كَمَا أَفَادَ حَاصِلَهُ الْمُنْذِرِيُّ، أَوْ طَلَبًا لِلتَّخْفِيفِ وَإِيثَارًا لِلِاخْتِصَارِ، أَوْ لِلشَّكِّ فِي ثُبُوتِهِ، كَمَا قَالَهُمَا شَيْخُنَا، أَوْ وَرَعًا ; حَيْثُ عَلِمَ أَنَّ الْمَرْوِيَّ بِالْمَعْنَى (رَفْعٌ) أَيْ: مَرْفُوعٌ بِلَا خِلَافٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ، وَاقْتَضَاهُ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ ; وَكُلُّ هَذَا وَأَمْثَالُهُ كِنَايَةٌ عَنْ رَفْعِ الصَّحَابِيِّ الْحَدِيثَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَحُكْمُ ذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ حُكْمُ الْمَرْفُوعِ صَرِيحًا. انْتَهَى.
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَجِيءُ بَعْضِ الْمُكَنَّى بِهِ بِالتَّصْرِيحِ ; فَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ لِحَدِيثِ: «الْفِطْرَةُ خَمْسٌ» يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ ﷺ "، وَفِي بَعْضِهَا: " قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ "، وَفِي بَعْضِهَا لِحَدِيثِ سَهْلٍ: " يَنْمِي ذَلِكَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ "، وَفِي بَعْضِهَا: " قَالَ مَالِكٌ: يَنْمِي أَيْ: يَرْفَعُ الْحَدِيثَ ".
وَالِاصْطِلَاحُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ مُوَافِقٌ لِلُّغَةِ، قَالَ أَهْلُهَا: نَمَيْتُ الْحَدِيثَ إِلَى غَيْرِي نَمْيًا، إِذَا أَسْنَدْتُهُ وَرَفَعْتُهُ، وَكَذَا فِي قَوْلِهِ: «وَأَنْهَى أُمَّتِي عَنِ الْكَيِّ» دَلِيلٌ لِذَلِكَ، (فَانْتَبِهْ) لِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ وَمَا أَشْبَهَهَا مِمَّا الِاصْطِلَاحُ عَنِ الْكِنَايَةِ بِهَا عَنِ الرَّفْعِ.
تَتِمَّةٌ: وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ قَوْلُ الصَّحَابِيِّ: " عَنِ النَّبِيِّ ﷺ يَرْفَعُهُ "، وَهُوَ فِي حُكْمِ قَوْلِهِ: " عَنِ اللَّهِ " وَأَمْثِلَتُهُ كَثِيرَةٌ، مِنْهَا: حَدِيثٌ حَسَنٌ [عِنْدَ الْبَزَّارِ
стр. 145
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ يَرْفَعُهُ] : «إِنَّ الْمُؤْمِنَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ كُلِّ خَيْرٍ، يَحْمَدُنِي وَأَنَا أَنْزِعُ نَفْسَهُ مِنْ بَيْنِ جَنْبَيْهِ» ، وَهَذَا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْإِلَهِيَّةِ، وَقَدْ جَمَعَ مِنْهَا ابْنُ الْمُفَضَّلِ الْحَافِظُ طَائِفَةً، وَأَفْرَدَهَا غَيْرُهُ.
[الْفَرْعُ الْخَامِسُ وَاحِدٌ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ عَنْ تَابِعٍ مِنَ التَّابِعِينَ]
[الْفَرْعُ الْخَامِسُ] (وَإِنْ يَقُلْ) وَاحِدٌ مِنَ الْأَلْفَاظِ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْفَرْعِ قَبْلَهُ مِنْ رَاوٍ (عَنْ تَابِعٍ) مِنَ التَّابِعِينَ، وَهُوَ الْفَرْعُ الْخَامِسُ، وَقُدِّمَ عَلَى مَا بَعْدَهُ ; لِاشْتِرَاكِهِ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ فِي أَكْثَرِ صِيَغِهِ، وَتَوَالَى كَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ (فَمُرْسَلُ) مَرْفُوعٌ بِلَا خِلَافٍ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ: جَزْمًا.
(قُلْتُ) : وَ (مِنَ السُّنَّةِ) كَذَا (عَنْهُ) أَيْ: عَنِ التَّابِعِيِّ ; كَقَوْلِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ التَّابِعِيِّ: «السُّنَّةُ تَكْبِيرُ الْإِمَامِ يَوْمَ الْفِطْرِ وَيَوْمَ الْأَضْحَى، حِينَ يَجْلِسُ عَلَى الْمِنْبَرِ قَبْلَ الْخُطْبَةِ تِسْعَ تَكْبِيرَاتٍ» (نَقَلُوا تَصْحِيحَ وَقْفِهِ) عَلَى الصَّحَابِيِّ مِنَ الْوَجْهَيْنِ اللَّذَيْنِ حَكَاهُمَا النَّوَوِيُّ فِي شُرُوحِهِ لِمُسْلِمٍ، وَالْمُهَذَّبِ، وَالْوَسِيطِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ، أَهْوَ مَوْقُوفٌ مُتَّصِلٌ أَوْ مَرْفُوعٌ مُرْسَلٌ؟ وَهُوَ مِمَّنْ صَحَّحَ أَيْضًا أَوَّلَهُمَا.
وَحِينَئِذٍ فَيُفَرَّقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا قَبْلَهَا مِنْ صِيَغِ هَذَا الْفَرْعِ ; حَيْثُ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ فِيهِمَا بِأَنْ " يَرْفَعَ الْحَدِيثَ " تَصْرِيحٌ بِالرَّفْعِ، وَقَرِيبٌ مِنْهُ مَا ذُكِرَ مَعَهَا بِخِلَافٍ " مِنَ السُّنَّةِ "، فَيَطْرُقُهَا احْتِمَالُ إِرَادَةِ سُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ.
فَكَثِيرًا مَا يُعَبِّرُونَ بِهَا فِيمَا يُضَافُ إِلَيْهِمْ، وَقَدْ يُرِيدُونَ سُنَّةَ الْبَلَدِ، وَهَذَا الِاحْتِمَالُ وَإِنْ قِيلَ بِهِ فِي الصَّحَابِيِّ فَهُوَ فِي التَّابِعِيِّ أَقْوَى ; وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الْحُكْمُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، كَمَا افْتَرَقَ فِيمَا تَقَرَّرَ مِنَ التَّابِعِيِّ نَفْسِهِ.
نَعَمْ أَلْحَقَ الشَّافِعِيُّ ﵀ بِالصَّحَابَةِ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ فِي " مِنَ السُّنَّةِ "، فَرَوَى فِي الْأُمِّ عَنْ سُفْيَانَ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ قَالَ: سُئِلَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ
следующие страницы →