← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5963

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

السخاوي

Полный текст (1 419 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

[الْبَقَرَةِ: ١٧٧] فِي بَعْضِ طُرُقِهِ. وَفِي لَفْظٍ آخَرَ: قَالَ أَبُو حَمْزَةَ: قُلْتُ لِلشَّعْبِيِّ: إِذَا زَكَّى الرَّجُلُ مَالَهُ، أَيَطِيبُ لَهُ مَالُهُ؟ فَقَرَأَ: لَيْسَ الْبِرَّ. . . . الْآيَةَ. هَذَا مَعَ ضَعْفِهِ بِغَيْرِ الِاضْطِرَابِ ; فَإِنَّ أَبَا حَمْزَةَ شَيْخُ شَرِيكٍ فِيهِ ضَعِيفٌ، وَوَرَاءَ هَذَا نَفَى بَعْضُهُمُ الِاضْطِرَابَ عَنْهُ بِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ فِي التِّرْمِذِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ سَوَاءٌ، وَهُوَ الْإِثْبَاتُ، لَكِنَّهُ لَمْ يُصِبْ، وَإِنْ سَبَقَهُ لِنَحْوِهِ الْبَيْهَقِيُّ. فَمِنْهَا الِاخْتِلَافُ فِي الصَّلَاةِ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ: فَمَرَّةً شَكَّ الرَّاوِي أَهِيَ الظُّهْرُ،

стр. 282

أَوِ الْعَصْرُ؟ وَمَرَّةً قَالَ: إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ، إِمَّا الظُّهْرُ وَإِمَّا الْعَصْرُ، وَمَرَّةً جَزَمَ بِالظُّهْرِ، وَأُخْرَى بِالْعَصْرِ، وَأُخْرَى قَالَ: وَأَكْبَرُ ظَنِّي أَنَّهَا الْعَصْرُ. وَعِنْدَ النَّسَائِيِّ مَا يَشْهَدُ لِأَنَّ الشَّكَّ فِيهَا كَانَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَلَفْظُهُ: «صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ إِحْدَى صَلَاتَيِ الْعَشِيِّ "، قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: " وَلَكِنِّي نَسِيتُ» . قَالَ شَيْخُنَا: فَالظَّاهِرُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَاهُ كَثِيرًا عَلَى الشَّكِّ، وَكَانَ رُبَّمَا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الظُّهْرُ فَجَزَمَ بِهَا، وَتَارَةً غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الْعَصْرُ فَجَزَمَ بِهَا، ثُمَّ طَرَأَ الشَّكُّ فِي تَعْيِينِهَا عَلَى ابْنِ سِيرِينَ أَيْضًا ; لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَلَكِنْ نَسِيتُ أَنَا، وَكَانَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ الِاهْتِمَامَ بِمَا فِي الْقِصَّةِ مِنَ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ. وَأَبْعَدَ مَنْ جَمَعَ بِأَنَّ الْقِصَّةَ وَقَعَتْ مَرَّتَيْنِ، وَلَكِنْ كَثِيرًا مَا يَسْلُكُ الْحُفَّاظُ ; كَالنَّوَوِيِّ ﵀ ذَلِكَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِ ; تَوَصُّلًا إِلَى تَصْحِيحِ كُلٍّ مِنَ الرِّوَايَاتِ ; صَوْنًا لِلرُّوَاةِ الثِّقَاتِ أَنْ يَتَوَجَّهَ الْغَلَطُ إِلَى بَعْضِهِمْ، وَقَدْ لَا يَكُونُ الْوَاقِعُ التَّعَدُّدَ، نَعَمْ قَدْ رَجَّحَ شَيْخُنَا فِي هَذَا الْمِثَالِ الْخَاصِّ رِوَايَةَ مَنْ عَيَّنَ الْعَصْرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ. (وَالِاضْطِرَابُ) حَيْثُ وَقَعَ فِي سَنَدٍ أَوْ مَتْنٍ (مُوجِبٌ لِلضَّعْفِ) لِإِشْعَارِهِ بِعَدَمِ ضَبْطِ رَاوِيهِ أَوْ رُوَاتِهِ. [الْمُدْرَجُ] [مُدْرَجُ الْمَتْنِ وَأَمْثِلَتُهُ] الْمُدْرَجُ. ٢١٣ - الْمُدْرَجُ: الْمُلْحَقُ آخِرَ الْخَبَرْ ... مِنْ قَوْلِ رَاوٍ مَا بَلَا فَصْلٍ ظَهَرْ ٢١٤ - نَحْوُ " إِذَا قُلْتَ التَّشَهُّدُ " وَصَلْ ... ذَاكَ زُهَيْرٌ وَابْنُ ثَوْبَانَ فَصَلْ

стр. 283

٢١٥ - قُلْتُ: وَمِنْهُ مُدْرَجٌ قَبْلُ قُلِبْ كَـ " أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ وَيْلٌ لِلْعَقِبْ " ... ٢١٦ - وَمِنْهُ جَمْعٌ مَا أَتَى كُلُّ طَرَفْ مِنْهُ بِإِسْنَادٍ بِوَاحِدٍ سَلَفْ ... ٢١٧ - كَوَائِلٍ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ قَدْ أَدْرَجَ ثُمَّ جِئْتُهُمْ وَمَا اتَّحَدْ ... ٢١٨ - وَمِنْهُ أَنْ يُدْرَجَ بَعْضُ الْمُسْنَدِ فِي غَيْرِهِ مَعَ اخْتِلَافِ السَّنَدِ ... ٢١٩ - نَحْوُ " وَلَا تَنَافَسُوا " فِي مَتْنِ " لَا تَبَاغَضُوا " فَمُدْرَجٌ قَدْ نُقِلَا ... ٢٢٠ - مِنْ مَتْنِ " لَا تَجَسَّسُوا " أَدْرَجَهُ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ إِذْ أَخْرَجَهُ ... ٢٢١ - وَمِنْهُ مَتْنٌ عَنْ جَمَاعَةٍ وَرَدْ وَبَعْضُهُمْ خَالَفَ بَعْضًا فِي السَّنَدْ ... ٢٢٢ - فَيَجْمَعُ الْكُلَّ بِإِسْنَادٍ ذُكِرْ كَمَتْنِ (أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ) الْخَبَرْ ... ٢٢٣ - فَإِنَّ عَمْرًا عِنْدَ وَاصِلٍ فَقَطْ بَيْنَ شَقِيقٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ سَقَطْ ... ٢٢٤ - وَزَادَ الْأَعْمَشُ كَذَا مَنْصُورُ وَعَمْدُ الْإِدْرَاجِ لَهَا مَحْظُورُ. [مُدْرَجُ الْمَتْنِ وَأَمْثِلَتُهُ] لَمَّا انْتَهَى مِمَّا هُوَ قَسِيمُ الْمُعَلِّ مِنْ حَيْثِيَّةِ التَّرْجِيحِ وَالتَّسَاوِي كَمَا قَدَّمْتُ، وَكَانَ مِمَّا يُعَلُّ بِهِ إِدْخَالُ مَتْنٍ وَنَحْوِهِ فِي مَتْنٍ، نَاسَبَ الْإِرْدَافَ بِذَلِكَ (الْمُدْرَجُ) وَيَقَعُ فِي السَّنَدِ وَالْمَتْنِ، وَلِكُلٍّ مِنْهَا أَقْسَامٌ اقْتَصَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي الْمَتْنِ عَلَى أَحَدِهَا، هُوَ الْقَوْلُ (الْمُلْحَقُ آخِرَ الْخَبَرْ) الْمَرْفُوعِ (مِنْ قَوْلِ رَاوٍ مَا) مِنْ رُوَاتِهِ، إِمَّا الصَّحَابِيُّ أَوِ التَّابِعِيُّ أَوْ مَنْ بَعْدَهُ (بِلَا فَصْلٍ ظَهَرْ) بَيْنَ هَذَا الْمُلْحَقِ بِعَزْوِهِ لِقَائِلِهِ، وَبَيْنَ كَلَامِ النُّبُوَّةِ ; بِحَيْثُ يُتَوَهَّمُ أَنَّ الْجَمِيعَ مَرْفُوعٌ. ثُمَّ قَدْ يَكُونُ تَفْسِيرُ الْغَرِيبِ فِي الْخَبَرِ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ ; كَحَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ نِكَاحِ الشِّغَارِ،

стр. 284

وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُحَاقَلَةِ وَالْمُزَابَنَةِ وَنَظَائِرِهَا، أَوِ اسْتِنْبَاطًا مِمَّا فَهِمَهُ مِنْهُ أَحَدُ رُوَاتِهِ ; كَثَانِي حَدِيثَيِ ابْنِ مَسْعُودٍ، الْآتِيَيْنِ فِي الطَّرِيقِ لِمَعْرِفَةِ الْإِدْرَاجِ، أَوْ كَلَامًا مُسْتَقِلًّا، وَرُبَّمَا يَكُونُ حَدِيثًا آخَرَ، كَأَسْبِغُوا الْوُضُوءَ، وَالْأَمْرُ فِي أَوَّلِهَا سَهْلٌ ; إِذِ الرَّاوِي أَعْرَفُ بِمَعْنَى مَا رَوَى. وَقَدْ يَكُونُ فِي الْمَرْفُوعِ كَمَا تَقَدَّمَ، أَوْ فِي الْمَوْقُوفِ عَلَى الصَّحَابِيِّ بِإِلْحَاقِ التَّابِعِيِّ فَمَنْ بَعْدَهُ، أَوْ فِي الْمَقْطُوعِ بِإِلْحَاقِ تَابِعِي التَّابِعِيِّ فَمَنْ بَعْدَهُ. وَلَكِنَّ الْأَهَمَّ مِنْ ذَلِكَ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَلَهُ أَمْثِلَةٌ (نَحْوُ) قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي آخِرِ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ عَنْهُ فِي تَعْلِيمِ النَّبِيِّ ﷺ لَهُ التَّشَهُّدَ فِي الصَّلَاةِ ( «إِذَا قُلْتَ) هَذَا (التَّشَهُّدَ) فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، إِنْ شِئْتَ أَنْ تَقُومَ فَقُمْ، وَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَقْعُدَ فَاقْعُدْ» ) . فَقَدْ (وَصَلْ ذَاكَ) بِالْمَرْفُوعِ (زُهَيْرٌ) هُوَ ابْنُ مُعَاوِيَةَ أَبُو خَيْثَمَةَ، كَمَا قَالَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ، فِي رِوَايَتِهِ لَهُ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْحُرِّ عَنِ الْقَاسِمِ بِسَنَدِهِ الْمَذْكُورِ، (وَابْنُ ثَوْبَانَ) هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ ثَابِتٍ أَحَدُ مَنْ رَوَاهُ عَنِ ابْنِ الْحُرِّ (فَصَلَ) الْمَوْقُوفَ عَنِ الْمَرْفُوعِ بِقَوْلِهِ: قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، بَلْ

стр. 285

رَوَاهُ شَبَابَةُ بْنُ سَوَّارٍ - وَهُوَ ثِقَةٌ - عَنْ زُهَيْرٍ نَفْسِهِ أَيْضًا كَذَلِكَ. وَيَتَأَيَّدُ بِاقْتِصَارِ حُسَيْنٍ الْجُعْفِيِّ، وَابْنِ عَجْلَانَ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبَانٍ فِي رِوَايَتِهِمْ عَنِ ابْنِ الْحُرِّ، بَلْ وَكُلُّ مَنْ رَوَى التَّشَهُّدَ عَنْ عَلْقَمَةَ وَغَيْرِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى الْمَرْفُوعِ فَقَطْ، وَلِذَلِكَ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ بِعَدَمِ رَفْعِهِ، بَلِ اتَّفَقُوا - كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ عَلَى أَنَّهُ مُدْرَجٌ. ثُمَّ إِنَّهُ لَوْ صَحَّ رَفْعُهُ، لَكَانَ ظَاهِرُهُ مُعَارِضًا لِقَوْلِهِ ﷺ : " تَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ "، مَعَ أَنَّ الْخَطَّابِيَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا عَلَى تَقْدِيرِ التَّنَزُّلِ فِي عَدَمِ الْإِدْرَاجِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: «فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ» أَيْ: مُعْظَمَهَا. (قُلْتُ: وَمِنْهُ) أَيْ: وَمِنَ الْمُدْرَجِ مِمَّا هُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْمَتْنِ أَيْضًا (مُدْرَجٌ قَبْلُ) أَيْ: قَبْلَ الْآخَرِ، بِأَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِهِ أَوْ أَثْنَائِهِ (قُلِبَ) بِالنِّسْبَةِ لِمَا الْإِدْرَاجُ فِي آخِرِهِ وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا أَمْثِلَةٌ (كَـ) حَدِيثِ (أَسْبِغُوا) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَيْ: أَكْمِلُوا (الْوُضُوءَ وَيْلٌ لِلْعَقِبِ) أَيْ: مُؤَخَّرِ الْقَدَمِ، وَفِي لَفْظٍ وَهُوَ الْأَكْثَرُ: «لِلْأَعْقَابِ مِنَ النَّارِ» . فَإِنَّ شَبَابَةَ بْنَ سَوَّارٍ، وَأَبَا قَطَنٍ عَمْرَو بْنَ الْهَيْثَمِ رَوَيَاهُ عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِرَفْعِ الْجُمْلَتَيْنِ مَعَ كَوْنِ الْأُولَى مِنْ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ، كَمَا فَصَّلَهُ جُمْهُورُ الرُّوَاةِ

стр. 286

عَنْ شُعْبَةَ، وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى تَخْرِيجِهِ كَذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ بَعْضِهِمْ، وَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى الْمَرْفُوعِ فَقَطْ، فَهُوَ مِثَالٌ لِمَا الْإِدْرَاجُ فِي أَوَّلِهِ وَهُوَ نَادِرٌ جِدًّا، حَتَّى قَالَ شَيْخُنَا: إِنَّهُ لَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ إِلَّا مَا وَقَعَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ بُسْرَةَ الْآتِي. ثُمَّ إِنَّ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ: (أَسْبِغُوا) قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. وَكَحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ ; حَيْثُ أَدْرَجَ فِيهِ الزُّهْرِيُّ: " وَالتَّحَنُّثُ: التَّعَبُّدُ ". وَحَدِيثِ فَضَالَةَ بْنَ عُبَيْدٍ رَفَعَهُ: «أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ» ; حَيْثُ أَدْرَجَ فِيهِ ابْنُ وَهْبٍ: " وَالزَّعِيمُ: الْحَمِيلُ ". وَحَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةِ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ بُسْرَةَ ابْنَةِ صَفْوَانَ مَرْفُوعًا: «مَنْ مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ رُفْغَهُ، فَلْيَتَوَضَّأْ» ; فَإِنَّ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ جَعْفَرٍ رَوَاهُ عَنْ هِشَامٍ، وَكَذَا أَبُو كَامِلٍ الْجَحْدَرِيُّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ، عَنْ أَيُّوبَ السَّخْتِيَانِيِّ، عَنْ هِشَامٍ كَذَلِكَ، مَعَ كَوْنِ الْأُنْثَيَيْنِ وَالرُّفْغِ إِنَّمَا هُوَ مِنْ قَوْلِ عُرْوَةَ. كَمَا فَصَّلَهُ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ هِشَامٍ، وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ عَنْهُ، ثُمَّ جُمْهُورُ أَصْحَابِ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْهُ،

стр. 287

وَاقْتَصَرَ عِشْرُونَ مِنْ حُفَّاظِ أَصْحَابِ هِشَامٍ عَلَى الْمَرْفُوعِ فَقَطْ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ قَوْلُ عُرْوَةَ، الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْخَطِيبُ، فَهِيَ أَمْثِلَةٌ لِمَا الْإِدْرَاجُ فِي وَسَطِهِ. لَكِنْ قَدْ رَوَى آخِرَهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ دِينَارٍ الطَّاحِيِّ عَنْ هِشَامٍ، فَقَدَّمَ الْمُدْرَجَ، وَلَفْظُهُ: «مَنْ مَسَّ رُفْغَهُ أَوْ أُنْثَيَيْهِ أَوْ ذَكَرَهُ» وَحِينَئِذٍ فَهُوَ مَعَ تَكَلُّفٍ، مِثَالٌ لِلَّذِي قَبْلَهُ أَيْضًا، كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ قَرِيبًا. وَرَوَاهُ عَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ عَنْ هِشَامٍ بِلَفْظِ: «إِذَا مَسَّ ذَكَرَهُ أَوْ أُنْثَيَيْهِ» فَقَطْ، أَخْرَجَهُ ابْنُ شَاهِينَ فِي الْأَبْوَابِ. وَرَوَاهُ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ بِلَفْظِ: «إِذَا مَسَّ أَحَدُكُمْ ذَكَرَهُ» ، أَوْ قَالَ: فَرْجَهُ، أَوْ قَالَ: أُنْثَيَيْهِ، فَتَرَدُّدُهُ فِيهِ - كَمَا قَالَ شَيْخُنَا - يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا ضَبَطَهُ. [طَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْإِدْرَاجِ] [طَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْإِدْرَاجِ] وَاعْلَمْ أَنَّ الطَّرِيقَ لِمَعْرِفَةِ الْإِدْرَاجِ إِمَّا بِاسْتِحَالَةِ إِضَافَتِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ: «لِلْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ أَجْرَانِ» - مَا نَصُّهُ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَبِرُّ أُمِّي، لَأَحْبَبْتُ أَنْ أَمُوتَ وَأَنَا مَمْلُوكٌ» .

стр. 288

وَقَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَمَا جَزَمَ بِهِ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ فِي حَدِيثِ: «الطِّيَرَةُ شِرْكٌ» - مَا نَصُّهُ: " وَمَا مِنَّا إِلَّا "، أَوْ بِتَصْرِيحِ صَحَابِيِّهِ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ; كَحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَنْ جَعَلَ لِلَّهِ نِدًّا، دَخَلَ النَّارَ» قَالَ: وَأُخْرَى أَقُولُهَا وَلَمْ أَسْمَعْهَا مِنْهُ: ( «مَنْ مَاتَ لَا يَجْعَلُ لِلَّهِ نِدًّا، أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ» ) ، أَوْ بِتَصْرِيحِ بَعْضِ الرُّوَاةِ بِالْفَصْلِ بِإِضَافَتِهِ لِقَائِلِهِ، وَيَتَقَوَّى الْفَصْلُ بِاقْتِصَارِ بَعْضِ الرُّوَاةِ عَلَى الْأَصْلِ ; كَحَدِيثِ التَّشَهُّدِ، وَثَالِثُهَا أَكْثَرُهَا. وَمَا أَحْسَنَ صَنِيعَ مُسْلِمٍ ; حَيْثُ أَخْرَجَ حَدِيثَ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ دَاوُدَ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مَجِيءِ دَاعِي الْجِنِّ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَذَهَابِهِ مَعَهُمْ، وَقِرَاءَتِهِ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنَ. قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: «فَانْطَلَقَ بِنَا، فَأَرَانَا آثَارَهُمْ، وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، فَقَالَ: " لَكُمْ كُلُّ عَظْمٍ. . .» إِلَى آخِرِهِ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ جِهَةِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ دَاوُدَ، وَقَالَ بِسَنَدِهِ إِلَى قَوْلِهِ: (وَآثَارَ نِيرَانِهِمْ) -: قَالَ الشَّعْبِيُّ: (وَسَأَلُوهُ الزَّادَ. . . .) إِلَى آخِرِهِ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ الشَّعْبِيِّ مُنْفَصِلَا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ. ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ عَنْ دَاوُدَ بِهِ بِدُونِ ذِكْرِ " وَسَأَلُوهُ. . . . " إِلَى آخِرِهِ، لَا مُتَّصِلًا وَلَا مُنْفَصِلًا.

стр. 289

وَلَكِنَّ الْحُكْمَ لِلْإِدْرَاجِ بِهَا مُخْتَلِفٌ، فَبِالْأَوَّلِ قَطْعًا، وَبِبَاقِيهَا بِحَسَبِ غَلَبَةِ الظَّنِّ لِلنَّاقِدِ، بَلْ أَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الِاقْتِرَاحِ إِلَى ضَعْفِهِ ; حَيْثُ كَانَ أَوَّلُ الْخَبَرِ ; كَقَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ» ، أَوْ «مَنْ مَسَّ أُنْثَيَيْهِ» لَا سِيَّمَا إِنْ جَاءَ مَا بَعْدَهُ بِوَاوِ الْعَطْفِ، وَكَذَا حَيْثُ كَانَ فِي أَثْنَاءِ اللَّفْظِ الْمُتَّفَقِ عَلَى رَفْعِهِ، وَكَذَا قَالَ فِي الْإِمَامِ لَهُ -: إِنَّمَا يَكُونُ الْإِدْرَاجُ بِلَفْظٍ تَابِعٍ يُمْكِنُ اسْتِقْلَالُهُ عَنِ اللَّفْظِ السَّابِقِ. انْتَهَى. وَكَأَنَّ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى عَدَمِ تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِآخِرِ الْخَبَرِ تَجْوِيزُ كَوْنِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ مِنَ الرَّاوِي ; لِظَنِّهِ الرَّفْعَ فِي الْجَمِيعِ، وَاعْتِمَادِهِ الرِّوَايَةَ بِالْمَعْنَى، فَبَقِيَ الْمُدْرَجُ حِينَئِذٍ فِي أَوَّلِ الْخَبَرِ وَأَثْنَائِهِ بِخِلَافِهِ قَبْلَ ذَلِكَ. وَإِلَى نَحْوِهِ أَشَارَ النَّاظِمُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ: وَإِنَّ الرَّاوِيَ رَأَى أَشْيَاءَ مُتَعَاطِفَةً، فَقَدَّمَ وَأَخَّرَ ; لِجَوَازِ ذَلِكَ عِنْدَهُ، وَصَارَ الْمَوْقُوفُ لِذَلِكَ أَوَّلَ الْخَبَرِ أَوْ وَسَطَهُ، وَلَا شَكَّ أَنَّ الْفَاصِلَ مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ فَهُوَ أَوْلَى، وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ قَالَ شَيْخُنَا: إِنَّهُ لَا مَانِعَ مِنَ الْحُكْمِ عَلَى مَا فِي الْأَوَّلِ أَوِ الْآخِرِ أَوِ الْوَسَطِ بِالْإِدْرَاجِ، إِذَا قَامَ الدَّلِيلُ الْمُؤْثِرُ [عَلَى] غَلَبَةِ الظَّنِّ. وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ: كَانَ وَكِيعٌ يَقُولُ فِي الْحَدِيثِ: يَعْنِي كَذَا وَكَذَا، وَرُبَّمَا طَرَحَ " يَعْنِي "، وَذَكَرَ التَّفْسِيرَ فِي الْحَدِيثِ، وَكَذَا كَانَ الزُّهْرِيُّ يُفَسِّرُ الْأَحَادِيثَ كَثِيرًا، وَرُبَّمَا أَسْقَطَ أَدَاةَ التَّفْسِيرِ، فَكَانَ بَعْضُ أَقْرَانِهِ دَائِمًا يَقُولُ لَهُ: افْصِلْ كَلَامَكَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْحِكَايَاتِ. وَمِنْ مُدْرَجِ الْمَتْنِ أَنْ يَشْتَرِكَ جَمَاعَةٌ عَنْ شَيْخٍ فِي رِوَايَةٍ، وَيَكُونَ لِأَحَدِهِمْ زِيَادَةٌ يَخْتَصُّ بِهَا، فَيَرْوِيَهُ عَنْهُمْ رَاوٍ بِالزِّيَادَةِ مِنْ غَيْرِ تَمْيِيزٍ، كَرِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ،

стр. 290

عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ - حَدِيثَ: «لَا يَزْنِي الزَّانِي» ، وَفِيهِ: «وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً» . فَجُمْلَةُ " النُّهْبَةُ " إِنَّمَا رَوَاهَا الزُّهْرِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ خَاصَّةً، بَلْ رَوَى الزُّهْرِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُلْحِقُهَا فِي الْخَبَرِ، أَيْ مِنْ قَوْلِهِ. [مُدَرْجُ السَّنَدِ وَأَمْثِلَتُهُ] [مُدَرْجُ السَّنَدِ وَأَمْثِلَتُهُ] (وَمِنْهُ) أَيِ: الْمُدْرَجِ - وَهُوَ الْأَوَّلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ذَكَرَهَا ابْنُ الصَّلَاحِ فِي السَّنَدِ - (جَمْعُ مَا أَتَى كُلُّ طَرَفٍ مِنْهُ) عَنْ رَاوِيهِ (بِإِسْنَادٍ) غَيْرِ إِسْنَادِ الطَّرَفِ الْآخَرِ (بِوَاحِدٍ سَلَفَ) مِنَ السَّنَدَيْنِ. (كَـ) حَدِيثِ (وَائِلٍ) هُوَ ابْنُ حُجْرٍ (فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ) النَّبَوِيَّةِ الَّذِي رَوَاهُ زَائِدَةُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ، وَشَرِيكٌ جَمِيعًا عَنْ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ (قَدْ أَدْرَجَ) مِنْ بَعْضِ رُوَاتِهِ فِي آخِرِهِ بِهَذَا السَّنَدِ. (ثُمَّ جِئْتُهُمْ) بَعْدَ ذَلِكَ بِزَمَانٍ فِيهِ بَرْدٌ شَدِيدٌ، فَرَأَيْتُ النَّاسَ عَلَيْهِمْ جُلُّ الثِّيَابِ تَحَرَّكُ أَيْدِيهِمْ تَحْتَ الثِّيَابِ (وَمَا اتَّحَدْ) شَيْخُ عَاصِمٍ فِي الْجُمْلَتَيْنِ، بَلِ الَّذِي عِنْدَهُ بِهَذَا السَّنَدِ صِفَةُ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ خَاصَّةً. وَأَمَّا الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ فَإِنَّمَا رَوَاهَا عَنْ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ وَائِلٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِهِ عَنْ وَائِلٍ، فَبَيْنَهُمَا وَاسِطَتَانِ، بِخِلَافِ الْأَوَّلِ، كَذَلِكَ فَصَلَهُمَا زُهَيْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَأَبُو

стр. 291

بَدْرٍ شُجَاعُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَرَجَّحَ رِوَايَتَهُمَا مُوسَى بْنُ هَارُونَ الْبَغْدَادِيُّ الْفَقِيهُ الْحَافِظُ، عُرِفَ بِالْحَمَّالِ، وَقَضَى عَلَى الْأَوَّلِ - وَهُوَ جَمْعُهُمَا بِسَنَدٍ وَاحِدٍ - بِالْوَهْمِ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ الصَّوَابُ، وَنَحْوُ هَذَا الْقِسْمِ - وَأَفْرَدَهُ شَيْخُنَا عَنْهُ - أَنْ يَكُونَ الْمَتْنُ عِنْدَ رَاوِيهِ عَنْ شَيْخٍ لَهُ إِلَّا بَعْضَهُ، فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَهُ بِوَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ذَاكَ الشَّيْخِ، فَيُدْرِجُهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْهُ بِلَا تَفْصِيلٍ ; كَحَدِيثِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْعُرَنِيِّينَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُمْ: «لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى إِبِلِنَا فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا» ; فَإِنَّ لَفْظَةَ " وَأَبْوَالِهَا " إِنَّمَا سَمِعَهَا حُمَيْدٌ مِنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ، كَمَا بَيَّنَهُ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَدِيٍّ، وَمَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ، وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَآخَرُونَ ; إِذْ رَوَوْهُ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ «فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَلْبَانِهَا» فَعِنْدَهُمْ: قَالَ حُمَيْدٌ: قَالَ قَتَادَةُ عَنْ أَنَسٍ: " وَأَبْوَالِهَا " ; فَرِوَايَةُ إِسْمَاعِيلَ عَلَى هَذَا فِيهَا إِدْرَاجٌ يَتَضَمَّنُ تَدْلِيسًا. (وَمِنْهُ) وَهُوَ ثَانِي الثَّلَاثَةِ (أَنْ يُدْرَجَ) مِنَ الرَّاوِي (بَعْضُ) حَدِيثٍ (مُسْنَدٍ فِي) حَدِيثٍ (غَيْرِهِ) وَهُمَا عِنْدَ رَاوٍ وَاحِدٍ أَيْضًا، لَكِنْ (مَعَ اخْتِلَافِ السَّنَدِ) جَمِيعُهُ فِيهِمَا. (نَحْوُ) حَدِيثِ: (وَلَا تَنَافَسُوا) حَيْثُ أُدْخِلَ (فِي مَتْنِ لَا تَبَاغَضُوا) الْمَرْفُوعِ الثَّابِتِ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ: «لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا» فَقَطْ. فَـ (لَفْظُ) : " وَلَا تَنَافَسُوا " (مُدْرَجٌ) فِيهِ (قَدْ نُقِلَا) مِنْ رَاوِيهِ (مِنْ مَتْنِ لَا تَجَسَّسُوا) بِالْجِيمِ أَوِ الْحَاءِ، الْمَرْفُوعِ الثَّابِتِ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا، لَكِنْ عَنْ أَبِي

стр. 292

الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ ; فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ، وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَحَسَّسُوا، وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا» (أَدْرَجَهُ) أَيْ: " وَلَا تَنَافَسُوا " فِي السَّنَدِ الْأُولَى مِنَ الثَّانِي. (ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ) هُوَ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْحَكَمُ الْجُمَحِيُّ الْمِصْرِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ (إِذْ أَخْرَجَهُ) أَيْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ، وَصَيَّرَهُمَا بِإِسْنَادٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ وَهْمٌ مِنْهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الْخَطِيبُ، وَصَرَّحَ هُوَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعًا بِأَنَّهُ خَالَفَ بِذَلِكَ جَمِيعَ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ. وَكَذَا قَالَ حَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَهَا عَنْ مَالِكٍ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ. قُلْتُ: وَكَذَا أَدْرَجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَخَالَفَ الْحُفَّاظَ مِنْ أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ، وَلَكِنْ إِنَّمَا يَتِمُّ التَّمْثِيلُ فِي هَذَا الْقِسْمِ بِحَدِيثِ مَالِكٍ (وَمِنْهُ) وَهُوَ ثَالِثُ الثَّلَاثَةِ (مَتْنٌ) أَيْ حَدِيثٌ (عَنْ جَمَاعَةٍ) مِنَ الرُّوَاةِ (وَرَدَ وَبَعْضُهُمْ) أَيْ: وَالْحَالُ أَنَّ بَعْضَهُمْ (خَالَفَ بَعْضًا) بِالزِّيَادَةِ أَوِ النَّقْصِ (فِي السَّنَدْ فَيَجْمَعُ) بَعْضُ الرُّوَاةِ (الْكُلَّ بِإِسْنَادٍ) وَاحِدٍ (ذُكِرَ) مِنْ غَيْرِ بَيَانِ الِاخْتِلَافِ، بَلْ يُدْرِجُ رِوَايَتَهُمْ عَلَى الِاتِّفَاقِ. كَمَتْنِ «أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ " قَالَ: " أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا» (الْخَبَرُ) الْمَرْوِيُّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ،. . . وَذَكَرَهُ، (فَإِنَّ عَمْرًا) هُوَ ابْنُ شُرَحْبِيلَ أَبُو مَيْسَرَةَ أَحَدُ الْكِبَارِ مِنَ التَّابِعِينَ (عِنْدَ وَاصِلٍ) هُوَ ابْنُ حَيَّانَ الْأَسَدِيُّ الْكُوفِيُّ (فَقَطْ بَيْنَ) شَيْخِهِ (شَقِيقٍ) هُوَ ابْنُ سَلَمَةَ أَبُو وَائِلٍ أَحَدُ كِبَارِ التَّابِعِينَ أَيْضًا، بَلْ هُوَ مِمَّنْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ ، لَكِنْ لَمْ يَرَهُ. (وَ) بَيْنَ (ابْنِ مَسْعُودٍ سَقَطْ، وَزَادَ الْأَعْمَشُ) بِنَقْلِ الْهَمْزَةِ (كَذَا مَنْصُورُ) بْنُ الْمُعْتَمِرِ ; حَيْثُ رَوَيَاهُ عَنْ شَقِيقٍ، فَلَمَّا رَوَاهُ الثَّوْرِيُّ حَسْبَمَا

стр. 293

وَقَعَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَهْدِيٍّ، وَمُحَمَّدِ بْنِ كَثِيرٍ عَنْهُ عَنِ الثَّلَاثَةِ، أَعْنِي وَاصِلًا وَالْأَعْمَشَ وَمَنْصُورًا، أَثْبَتَهُ فِي رِوَايَتِهِمْ، وَصَارَتْ رِوَايَةُ وَاصِلٍ مُدْرَجَةً عَلَى رِوَايَةِ الْآخَرِينَ. وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ وَاصِلٍ بِحَذْفِهِ سَعِيدُ بْنُ مَسْرُوقٍ، وَشُعْبَةُ، وَمَالِكُ بْنُ مِغْوَلٍ، وَمَهْدِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ، بَلْ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ نَفْسِهِ بِالتَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ. قَالَ الْفَلَّاسُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِابْنِ مَهْدِيٍّ - يَعْنِي لِكَوْنِهِ خِلَافَ مَا كَانَ حَدَّثَهُ، بَلْ وَحَدَّثَ غَيْرُهُ بِهِ - فَقَالَ: دَعْهُ دَعْهُ فَقَوْلُهُ: " دَعْهُ " يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمْرٌ بِالتَّمَسُّكِ بِمَا حَدَّثَهُ بِهِ، وَعَدَمِ الِالْتِفَاتِ لِخِلَافِهِ. وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمْرٌ بِتَرْكِ عَمْرٍو مِنْ حَدِيثِ وَاصِلٍ لِكَوْنِهِ تَذَكَّرَ أَنَّهُ هُوَ الصَّوَابُ، أَوْ لِكَوْنِهِ كَانَ عِنْدَهُ مَحْمُولًا عَلَى رَفِيقَيْهِ، فَلَمَّا سَأَلَهُ عَنْهُ بِانْفِرَادِهِ أَخْبَرَهُ بِالْوَاقِعِ، لَكِنْ يُعَكِّرُ عَلَيْهِ رِوَايَةُ بُنْدَارٍ عَنِ ابْنِ الْمَهْدِيِّ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ وَاصِلٍ وَحْدَهُ بِإِثْبَاتِهِ. وَإِنْ أَمْكَنَ الْجَوَابُ عَنْهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَصَرُّفِ بَعْضِ الرُّوَاةِ ; حَيْثُ ظَنَّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَهْدِيٍّ حَدِيثَ الثَّلَاثَةِ بِالْإِثْبَاتِ اتِّفَاقَ طُرُقِهِمْ، وَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ وَاصِلٍ خَاصَّةً أَثْبَتَهُ بِنَاءً عَلَى مَا ظَنَّهُ، وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ. وَلِهَذَا لَا يَنْبَغِي - كَمَا سَيَأْتِي التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي اخْتِلَافِ أَلْفَاظِ الشُّيُوخِ - لِمَنْ يَرْوِي حَدِيثًا مِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ عَنْ شَيْخٍ أَنْ يَحْذِفَ بَعْضَهُمْ، بَلْ يَأْتِي بِهِ عَنْ جَمِيعِهِمْ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ سَنَدًا أَوْ مَتْنًا لِأَحَدِهِمُ الَّذِي رُبَّمَا يَكُونُ هُوَ الْمَحْذُوفَ، وَرِوَايَةُ مَنْ عَدَاهُ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهِ،

стр. 294

عَلَى أَنَّهُ قَدِ اخْتُلِفَ عَلَى الْأَعْمَشِ أَيْضًا فِي إِثْبَاتِ عَمْرٍو وَحَذْفِهِ. وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ فِي هَذَا الْمِثَالِ مِنَ الْمَزِيدِ فِي مُتَّصِلِ الْأَسَانِيدِ ; لِكَوْنِ شَقِيقٍ رَوَى عَنْ كُلٍّ مِنْ عَمْرٍو وَابْنِ مَسْعُودٍ، لَكِنْ قَدْ يَتَضَمَّنُ ارْتِكَابُ مِثْلِ هَذَا الصَّنِيعِ إِيهَامَ وَصْلِ مُرْسَلٍ، أَوِ اتِّصَالِ مُنْقَطِعٍ، وَمَا أَحْسَنَ مُحَافَظَةَ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ عَلَى التَّحَرِّي فِي ذَلِكَ، وَكَذَا شَيْخُهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ. وَمِنْ أَقْسَامِ مُدْرَجِ الْإِسْنَادِ أَيْضًا وَهُوَ رَابِعٌ أَوْ خَامِسٌ أَلَّا يَذْكُرَ الْمُحَدِّثُ مَتْنَ الْحَدِيثِ، بَلْ يَسُوقَ إِسْنَادَهُ فَقَطْ، ثُمَّ يَقْطَعَهُ قَاطِعٌ فَيَذْكُرُ كَلَامًا فَيَظُنُّ بَعْضُ مَنْ سَمِعَهُ أَنَّ ذَلِكَ الْكَلَامَ هُوَ مَتْنُ ذَلِكَ الْإِسْنَادِ. وَلَهُ أَمْثِلَةٌ، مِنْهُمَا قِصَّةُ ثَابِتِ بْنِ مُوسَى الزَّاهِدِ مَعَ شَرِيكٍ الْقَاضِي، فَقَدْ جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ بِأَنَّهُ مِنَ الْمُدْرَجِ، وَمَثَّلَ بِهَا ابْنُ الصَّلَاحِ لِشَبَهِ الْوَضْعِ كَمَا سَيَأْتِي (وَعَمْدُ) أَيْ: تَعَمُّدُ (الْإِدْرَاجِ لَهَا) أَيْ: لِكُلِّ الْأَقْسَامِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْمَتْنِ وَالسَّنَدِ (مَحْظُورٌ) أَيْ: حَرَامٌ ; لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنْ عَزْوِ الشَّيْءِ لِغَيْرِ قَائِلِهِ، وَأَسْوَأُهُ مَا كَانَ فِي الْمَرْفُوعِ مِمَّا لَا دَخْلَ لَهُ فِي الْغَرِيبِ الْمُتَسَامَحِ فِي خَلْطِهِ، أَوِ الِاسْتِنْبَاطِ. وَقَدْ صَنَّفَ الْخَطِيبُ فِي هَذَا النَّوْعِ كِتَابًا سَمَّاهُ (الْفَصْلَ لِلْوَصْلِ الْمُدْرَجِ فِي النَّقْلِ) وَلَخَّصَهُ شَيْخُنَا مَعَ تَرْتِيبِهِ لَهُ عَلَى الْأَبْوَابِ، وَزِيَادَةٍ لِعِلَلٍ وَعَزْوٍ، وَسَمَّاهُ (تَقْرِيبَ الْمَنْهَجِ بِتَرْتِيبِ الْمُدْرَجِ) ، وَقَالَ فِيهِ: إِنَّهُ وَقَعَتْ لَهُ جُمْلَةُ أَحَادِيثَ عَلَى شَرْطِ الْخَطِيبِ، وَإِنَّهُ عَزَمَ عَلَى جَمْعِهَا وَتَحْرِيرِهَا وَإِلْحَاقِهَا بِهَذَا الْمُخْتَصَرِ أَوْ فِي آخِرِهِ مُفْرَدَةً كَالذَّيْلِ. وَكَأَنَّهُ لَمْ يُبَيِّضْهَا فَمَا رَأَيْتُهَا بَعْدُ.

стр. 295

[الْمَوْضُوعُ] [مَعْنَى الْمَوْضُوعِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا] ٢٢٥ - شَرُّ الضَّعِيفِ الْخَبَرُ الْمَوْضُوعُ ... الْكَذِبُ الْمُخْتَلَقُ الْمَصْنُوعُ ٢٢٦ - وَكَيْفَ كَانَ لَمْ يُجِيزُوا ذِكْرَهْ ... لِمَنْ عَلِمْ مَا لَمْ يُبَيِّنْ أَمْرَهْ ٢٢٧ - وَأَكْثَرَ الْجَامِعُ فِيهِ إِذْ خَرَجْ ... لِمُطْلَقِ الضَّعْفِ عَنَى أَبَا الْفَرَجْ ٢٢٨ - وَالْوَاضِعُونَ لِلْحَدِيثِ أَضْرُبٌ ... أَضَرُّهُمْ قَوْمٌ لِزُهْدٍ نُسِبُوا ٢٢٩ - قَدْ وَضَعُوهَا حِسْبَةً فَقُبِلَتْ ... مِنْهُمْ رُكُونًا لَهُمُ وَنُقِلَتْ ٢٣٠ - فَقَيَّضَ اللَّهُ لَهَا نُقَّادَهَا ... فَبَيَّنُوا بِنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا ٢٣١ - نَحْوُ أَبِي عِصْمَةَ إِذْ رَأَى الْوَرَى ... زَعْمًا نَأَوْا عَنِ الْقُرَانِ فَافْتَرَى ٢٣٢ - لَهُمْ حَدِيثًا فِي فَضَائِلِ السُّوَرْ ... عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فَبِئْسَ مَا ابْتَكَرْ ٢٣٣ - كَذَا الْحَدِيثُ عَنْ أُبَيٍّ اعْتَرَفْ ... رَاوِيهِ بِالْوَضْعِ وَبِئْسَ مَا اقْتَرَفْ ٢٣٤ - وَكُلُّ مَنْ أَوْدَعَهُ كِتَابَهُ ... كَالْوَاحِدِيِّ مُخْطِئٌ صَوَابَهُ ٢٣٥ - وَجَوَّزَ الْوَضْعَ عَلَى التَّرْغِيبِ ... قَوْمُ ابْنِ كَرَّامٍ وَفِي التَّرْهِيبِ ٢٣٦ - وَالْوَاضِعُونَ بَعْضُهُمْ قَدْ صَنَعَا ... مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ وَبَعْضٌ وَضَعَا ٢٣٧ - كَلَامَ بَعْضِ الْحُكَمَا فِي الْمُسْنَدِ ... وَمِنْهُ نَوْعٌ وَضْعُهُ لَمْ يُقْصَدِ ٢٣٨ - نَحْوُ حَدِيثِ ثَابِتٍ " مَنْ كَثُرَتْ ... صَلَاتُهُ " الْحَدِيثَ وَهْلَةٌ سَرَتْ ٢٣٩ - وَيُعْرَفُ الْوَضْعُ بِالْإِقْرَارِ وَمَا ... نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ وَرُبَّمَا ٢٤٠ - يُعْرَفُ بِالرِّكَّةِ قُلْتُ اسْتَشْكَلَا ... الثَّبَجِيُّ الْقَطْعَ بِالْوَضْعِ عَلَى ٢٤١ - مَا اعْتَرَفَ الْوَاضِعُ إِذْ قَدْ يَكْذِبُ ... بَلَى نَرُدُّهُ وَعَنْهُ نُضْرِبُ. وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبْلَهُ ظَاهِرَةٌ ; إِذْ مِنْ أَقْسَامِهِ مَا يُلْحَقُ فِي الْمَرْفُوعِ مِنْ غَيْرِهِ، وَلِذَا تَجَاذَبَا بَعْضَ الْأَمْثِلَةِ. (شَرُّ) أَنْوَاعِ (الضَّعِيفِ) مِنَ الْمُرْسَلِ وَالْمُنْقَطِعِ وَغَيْرِهِمَا (الْخَبَرُ الْمَوْضُوعُ) .

стр. 296

[مَعْنَى الْمَوْضُوعِ لُغَةً وَاصْطِلَاحًا] : وَهُوَ لُغَةً - كَمَا قَالَهُ ابْنُ دِحْيَةَ -: الْمُلْصَقُ، يُقَالُ: وَضَعَ فُلَانٌ عَلَى فُلَانٍ كَذَا، أَيْ: أَلْصَقَهُ بِهِ، وَهُوَ أَيْضًا الْحَطُّ وَالْإِسْقَاطُ، لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَلْيَقُ بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ ; كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا. وَاصْطِلَاحًا: (الْكَذِبُ) عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (الْمُخْتَلَقُ) بِفَتْحِ اللَّامِ، الَّذِي لَا يُنْسَبُ إِلَيْهِ بِوَجْهٍ، (الْمَصْنُوعُ) مِنْ وَاضِعِهِ، وَجِيءَ فِي تَعْرِيفِهِ بِهَذِهِ الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَارِبَةِ لِلتَّأْكِيدِ فِي التَّنْفِيرِ مِنْهُ، وَالْأَوَّلُ مِنْهَا مِنَ الزَّوَائِدِ. وَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ بَعْضَ عُلَمَاءِ الْعَجَمِ أَنْكَرَ عَلَى النَّاظِمِ قَوْلَهُ فِي حَدِيثٍ سُئِلَ عَنْهُ: أَنَّهُ كَذِبٌ، مُحْتَجًّا بِأَنَّهُ فِي كِتَابٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ مِنْ (الْمَوْضُوعَاتِ) لِابْنِ الْجَوْزِيِّ، فَتَعَجَّبُوا مِنْ كَوْنِهِ لَا يَعْرِفُ مَوْضُوعَ الْمَوْضُوعِ. وَلَمْ يَنْفَرِدِ ابْنُ الصَّلَاحِ بِكَوْنِهِ شَرَّ الضَّعِيفِ، بَلْ سَبَقَهُ لِذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ أَيْضًا فِي أَوَّلِ الضَّعِيفِ: مَا عَدِمَ صِفَاتِ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ هُوَ الْقِسْمُ الْآخَرُ الْأَرْذَلُ ; لِحَمْلِ ذَاكَ عَلَى مُطْلَقِ الْوَاهِي الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمَوْضُوعِ وَغَيْرِهِ، كَمَا قِيلَ: أَفْضَلُ عِبَادَاتِ الْبَدَنِ الصَّلَاةُ، مَعَ تَفَاوُتِ مَرَاتِبِهَا. وَأَمَّا هُنَا فَإِنَّهُ بَيَّنَ نَوْعًا مِنْهُ، وَهُوَ شَرُّ أَنْوَاعِهِ، لَكِنْ قَدْ يُقَالُ: إِنَّ أَفْعَلَ التَّفْضِيلِ لَيْسَتْ هُنَا عَلَى بَابِهَا، حَتَّى لَا يَلْزَمَ الِاشْتِرَاكُ بَيْنَ الضَّعِيفِ وَالْمَوْضُوعِ فِي الشَّرِّ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ ذَاكَ فِي الضَّعِيفِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْمَقْبُولِ. ثُمَّ إِنَّ وَرَاءَ هَذَا النِّزَاعِ فِي إِدْرَاجِ الْمَوْضُوعِ فِي أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ ; لِكَوْنِهِ لَيْسَ

стр. 297

بِحَدِيثٍ، وَلَكِنْ قَدْ أُجِيبَ بِإِرَادَةِ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ وَهُوَ مَا يُحَدِّثُ بِهِ، أَوْ بِالنَّظَرِ لِمَا فِي زَعْمِ وَاضِعِهِ، وَأَحْسَنُ مِنْهُمَا أَنَّهُ لِأَجْلِ مَعْرِفَةِ الطُّرُقِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا لِمَعْرِفَتِهِ لِيُنْفَى عَنِ الْمَقْبُولِ وَنَحْوِهِ. [حُكْمُ بَيَانِ الْمَوْضُوعِ] [حُكْمُ بَيَانِ الْمَوْضُوعِ] (وَكَيْفَ كَانَ) الْمَوْضُوعُ أَيْ: فِي أَيِّ مَعْنًى كَانَ مِنَ الْأَحْكَامِ، أَوِ الْقِصَصِ، أَوِ الْفَضَائِلِ، أَوِ التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ أَوْ غَيْرِهَا (لَمْ يُجِيزُوا) أَيِ: الْعُلَمَاءُ بِالْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ (ذِكْرَهُ) بِرِوَايَةٍ وَغَيْرِهَا (لِمَنْ عَلِمْ) بِإِدْغَامِ مِيمِهَا فِيمَا بَعْدَهَا، أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِقَوْلِهِ ﷺ : «مَنْ حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ فَهُوَ أَحَدُ الْكَاذِبِينَ» وَ " يُرَى " مَضْبُوطَةٌ بِضَمِّ الْيَاءِ بِمَعْنَى يَظُنُّ، وَفِي " الْكَاذِبِينَ " رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: بِفَتْحِ الْبَاءِ عَلَى إِرَادَةِ التَّثْنِيَةِ، وَالْأُخْرَى: بِكَسْرِهَا عَلَى صِيغَةِ الْجَمْعِ. وَكَفَى بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ وَعِيدًا شَدِيدًا فِي حَقِّ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّهُ كَذِبٌ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يَتَحَقَّقَ ذَاكَ وَلَا يُبَيِّنَهُ ; لِأَنَّهُ ﷺ جَعَلَ الْمُحَدِّثَ بِذَلِكَ مُشَارِكًا لِكَاذِبِهِ فِي وَضْعِهِ. وَقَدْ رَوَى الثَّوْرِيُّ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ رَوَى الْكَذِبَ فَهُوَ الْكَذَّابُ) . وَلِذَا قَالَ الْخَطِيبُ: (يَجِبُ عَلَى الْمُحَدِّثِ أَلَّا يَرْوِيَ شَيْئًا مِنَ الْأَخْبَارِ الْمَصْنُوعَةِ وَالْأَحَادِيثِ الْبَاطِلَةِ الْمَوْضُوعَةِ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بَاءَ بِالْإِثْمِ الْمُبِينِ، وَدَخَلَ فِي جُمْلَةِ الْكَذَّابِينَ) . وَكَتَبَ الْبُخَارِيُّ عَلَى حَدِيثٍ مَوْضُوعٍ: مَنْ حَدَّثَ بِهَذَا، اسْتَوْجَبَ الضَّرْبَ الشَّدِيدَ وَالْحَبْسَ الطَّوِيلَ. لَكِنْ مَحَلُّ هَذَا (مَا لَمْ يُبَيِّنْ) ذَاكِرُهُ (أَمْرَهْ) ; كَأَنْ يَقُولَ: هَذَا كَذِبٌ، أَوْ بَاطِلٌ، أَوْ نَحْوَهُمَا مِنَ الصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ.

стр. 298

وَفِي الِاقْتِصَارِ عَلَى التَّعْرِيفِ بِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا نَظَرٌ، فَرُبَّ مَنْ لَا يُعْرَفُ مَوْضُوعُهُ ; كَمَا قَدَّمْتُ الْحِكَايَةَ فِيهِ، وَكَذَا لَا يُبَرَّأُ مِنَ الْعُهْدَةِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى إِيرَادِ إِسْنَادِهِ بِذَلِكَ ; لِعَدَمِ الْأَمْنِ مِنَ الْمَحْذُورِ بِهِ، وَإِنْ صَنَعَهُ أَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ فِي الْأَعْصَارِ الْمَاضِيَةِ فِي سَنَةِ مِائَتَيْنِ، وَهَلُمَّ جَرًّا، خُصُوصًا الطَّبَرَانِيُّ، وَأَبُو نُعَيْمٍ، وَابْنُ مَنْدَهْ. فَإِنَّهُمْ إِذَا سَاقُوا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادِهِ، اعْتَقَدُوا أَنَّهُمْ بَرِئُوا مِنْ عُهْدَتِهِ، حَتَّى بَالَغَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فَقَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ أُبَيٍّ الْآتِي: (إِنَّ شَرَهَ جُمْهُورِ الْمُحَدِّثِينَ يَحْمِلُ عَلَى ذَلِكَ، فَإِنَّ مِنْ عَادَاتِهِمْ تَنْفِيقَ حَدِيثِهِمْ وَلَوْ بِالْأَبَاطِيلِ، وَهَذَا قَبِيحٌ مِنْهُمْ) . قَالَ شَيْخَنَا: (وَكَأَنَّ ذِكْرَ الْإِسْنَادِ عِنْدَهُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْبَيَانِ، هَذَا مَعَ إِلْحَاقِ اللَّوْمِ لِمَنْ سَمَّيْنَا بِسَبَبِهِ) . وَأَمَّا الشَّارِحُ فَإِنَّهُ قَالَ: (إِنَّ مَنْ أَبْرَزَ إِسْنَادَهُ بِهِ، فَهُوَ أَبْسَطُ لِعُذْرِهِ ; إِذْ أَحَالَ نَاظِرَهُ عَلَى الْكَشْفِ عَنْ سَنَدٍ، وَإِنْ كَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ السُّكُوتُ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ بَيَانٍ) . انْتَهَى. قَالَ الْخَطِيبُ: (وَمَنْ رَوَى حَدِيثًا مَوْضُوعًا عَلَى سَبِيلِ الْبَيَانِ لِحَالِ وَاضِعِهِ، وَالِاسْتِشْهَادِ عَلَى عَظِيمِ مَا جَاءَ بِهِ، وَالتَّعَجُّبِ مِنْهُ، وَالتَّنْفِيرِ عَنْهُ - سَاغَ لَهُ ذَلِكَ، وَكَانَ بِمَثَابَةِ إِظْهَارِ الشَّاهِدِ فِي الْحَاجَةِ إِلَى كَشْفِهِ وَالْإِبَانَةِ عَنْهُ) . وَأَمَّا الضَّعِيفُ فَسَيَأْتِي بَيَانُ حُكْمِهِ فِي ذَلِكَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ قُبَيْلَ مَعْرِفَةِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ قَرِيبًا. [الْكُتُبُ الْمُصَنَّفَةُ فِي الْمَوْضُوعِ] [الْكُتُبُ الْمُصَنَّفَةُ فِي الْمَوْضُوعِ] وَيُوجَدُ الْمَوْضُوعُ كَثِيرًا فِي الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ فِي الضُّعَفَاءِ، وَكَذَا فِي الْعِلَلِ، (وَ) لَقَدْ (أَكْثَرَ الْجَامِعُ فِيهِ) مُصَنَّفًا نَحْوَ مُجَلَّدَيْنِ (إِذْ خَرَجَ) عَنْ مَوْضُوعِ كِتَابِهِ (لِمُطْلَقِ الضَّعْفِ) ; حَيْثُ أَخْرَجَ فِيهِ كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ الَّتِي لَا دَلِيلَ مَعَهُ عَلَى وَضْعِهَا. وَ (عَنَى) ابْنُ الصَّلَاحِ بِهَذَا الْجَامِعِ الْحَافِظَ الشَّهِيرَ (أَبَا الْفَرَجِ) بْنَ الْجَوْزِيِّ، بَلْ رُبَّمَا أَدْرَجَ فِيهَا الْحَسَنَ، وَالصَّحِيحَ

стр. 299

مِمَّا هُوَ فِي أَحَدِ الصَّحِيحَيْنِ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمَا، وَهُوَ مَعَ إِصَابَتِهِ فِي أَكْثَرِ مَا عِنْدَهُ تَوَسُّعٌ مُنْكَرٌ، يَنْشَأُ عَنْهُ غَايَةُ الضَّرَرِ مِنْ ظَنِّ مَا لَيْسَ بِمَوْضُوعٍ بَلْ هُوَ صَحِيحٌ مَوْضُوعًا، مِمَّا قَدْ يُقَلِّدُهُ فِيهِ الْعَارِفُ تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ ; حَيْثُ لَمْ يَبْحَثْ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِ. وَلِذَا انْتَقَدَ الْعُلَمَاءُ صَنِيعَهُ إِجْمَالًا، وَالْمُوقِعُ لَهُ فِيهِ إِسْنَادُهُ فِي غَالِبِهِ بِضَعْفِ رَاوِيهِ الَّذِي رُمِيَ بِالْكَذِبِ مَثَلًا، غَافِلًا عَنْ مَجِيئِهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ. وَرُبَّمَا يَكُونُ اعْتِمَادُهُ فِي التَّفَرُّدِ قَوْلَ غَيْرِهِ مِمَّنْ يَكُونُ كَلَامُهُ فِيهِ مَحْمُولًا عَلَى النِّسْبِيِّ، هَذَا مَعَ أَنَّ مُجَرَّدَ تَفَرُّدِ الْكَذَّابِ بَلِ الْوَضَّاعِ، وَلَوْ كَانَ بَعْدَ الِاسْتِقْصَاءِ فِي التَّفْتِيشِ مِنْ حَافِظٍ مُتَبَحِّرٍ تَامِّ الِاسْتِقْرَاءِ - غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِذَلِكَ، بَلْ لَا بُدَّ مَعَهُ مِنَ انْضِمَامِ شَيْءٍ مِمَّا سَيَأْتِي. وَلِذَا كَانَ الْحُكْمُ بِهِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ عَسِيرًا جِدًّا، وَلِلنَّظَرِ فِيهِ مَجَالٌ، بِخِلَافِ الْأَئِمَّةِ الْمُتَقَدِّمِينَ الَّذِينَ مَنَحَهُمُ اللَّهُ التَّبَحُّرَ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ وَالتَّوَسُّعَ فِي حِفْظِهِ ; كَشُعْبَةَ وَالْقَطَّانِ، وَابْنِ مَهْدِيٍّ وَنَحْوِهِمْ، وَأَصْحَابِهِمْ مِثْلِ أَحْمَدَ وَابْنِ الْمَدِينِيِّ، وَابْنِ مَعِينٍ، وَابْنِ رَاهَوَيْهِ، وَطَائِفَةٍ، ثُمَّ أَصْحَابِهِمْ مِثْلِ الْبُخَارِيِّ، وَمُسْلِمٍ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَالنَّسَائِيِّ. وَهَكَذَا إِلَى زَمَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ، وَلَمْ يَجِئْ بَعْدَهُمْ مُسَاوٍ لَهُمْ، وَلَا مُقَارِبٌ. أَفَادَهُ الْعَلَائِيُّ، وَقَالَ: (فَمَتَى وَجَدْنَا فِي كَلَامِ أَحَدٍ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ الْحُكْمَ بِهِ، كَانَ مُعْتَمَدًا ; لِمَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْحِفْظِ الْغَزِيرِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ النَّقْلُ عَنْهُمْ، عُدِلَ إِلَى التَّرْجِيحِ) . انْتَهَى. وَفِي جَزْمِهِ بِاعْتِمَادِهِمْ فِي جَمِيعِ مَا حَكَمُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ تَوَقُّفٌ، ثُمَّ إِنَّ مِنَ الْعَجَبِ إِيرَادَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ (الْعِلَلِ الْمُتَنَاهِيَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ) كَثِيرًا مِمَّا أَوْرَدَهُ

стр. 300

فِي الْمَوْضُوعَاتِ كَمَا أَنَّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَاهِيَةِ، بَلْ قَدْ أَكْثَرَ فِي تَصَانِيفِهِ الْوَعْظِيَّةِ، وَمَا أَشْبَهَهَا مِنْ إِيرَادِ الْمَوْضُوعِ وَشَبَهِهِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَفَاتَهُ مِنْ نَوْعَيِ الْمَوْضُوعِ وَالْوَاهِي فِي الْكِتَابَيْنِ قَدْرُ مَا كَتَبَ. قَالَ: (وَلَوِ انْتُدِبَ شَخْصٌ لِتَهْذِيبِ الْكِتَابِ ثُمَّ لِإِلْحَاقِ مَا فَاتَهُ، لَكَانَ حَسَنًا، وَإِلَّا فَمَا تَقَرَّرَ عَدَمُ الِانْتِفَاعِ بِهِ إِلَّا لِلنَّاقِدِ ; إِذْ مَا مِنْ حَدِيثٍ إِلَّا وَيُمْكِنُ أَلَّا يَكُونَ مَوْضُوعًا، وَهُوَ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ طَرَفَا نَقِيضٍ، يَعْنِي فَإِنَّهُ أَدْرَجَ فِيهِ الْحَسَنَ، بَلْ وَالضَّعِيفَ، وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِ الْمَوْضُوعُ. وَمِمَّنْ أَفْرَدَ بَعْدَ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعِ كُرَّاسَةً الرَّضِيُّ الصَّغَانِيُّ اللُّغَوِيُّ، ذَكَرَ فِيهَا أَحَادِيثَ مِنَ (الشِّهَابِ) لِلْقُضَاعِيِّ، وَ (النَّجْمِ) لِلْإِقْلِيشِيِّ وَغَيْرِهِمَا كَـ (الْأَرْبَعِينَ) لِابْنِ وَدْعَانَ، وَ (فَضَائِلِ الْعُلَمَاءِ) لِمُحَمَّدِ بْنِ سُرُورٍ الْبَلْخِيِّ، وَ (الْوَصِيَّةِ) لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، وَ (خُطْبَةِ الْوَدَاعِ وَآدَابِ النَّبِيِّ ﷺ ) وَأَحَادِيثِ أَبِي الدُّنْيَا الْأَشَجِّ، وَنَسْطُورٍ

стр. 301

، وَيَغْنَمَ بْنِ سَالِمٍ، وَدِينَارٍ الْحَبَشِيِّ، وَأَبِي هُدْبَةَ إِبْرَاهِيمَ بْنِ هُدْبَةَ، وَنُسْخَةِ سَمْعَانَ عَنْ أَنَسٍ وَ (الْفِرْدَوْسِ) لِلدَّيْلَمِيِّ، وَفِيهَا الْكَثِيرُ أَيْضًا مِنَ الصَّحِيحِ وَالْحَسَنِ، وَمَا فِيهِ ضَعْفٌ يَسِيرٌ. وَقَدْ أَفْرَدَهُ النَّاظِمُ فِي جُزْءٍ، وَلِلْجَوْزَقَانِيِّ أَيْضًا " كِتَابُ الْأَبَاطِيلِ " أَكْثَرَ فِيهِ مِنَ الْحُكْمِ بِالْوَضْعِ لِمُجَرَّدِ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَهُوَ خَطَأٌ، إِلَّا إِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ ; وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ: «لَا يَؤُمَّنَّ عَبْدٌ قَوْمًا، فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ. . . . .» الْحَدِيثَ، حَكَمَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ بِالْوَضْعِ ; لِأَنَّهُ قَدْ صَحَّ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَقُولُ: «اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ خَطَايَايَ» ، وَهَذَا خَطَأٌ لِإِمْكَانِ حَمْلِهِ عَلَى مَا لَمْ يُشْرَعْ لِلْمُصَلِّي مِنَ الْأَدْعِيَةِ، بِخِلَافِ مَا يَشْتَرِكُ فِيهِ الْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ. وَكَذَا صَنَّفَ عُمَرُ بْنُ بَدْرٍ الْمَوْصِلِيُّ كِتَابًا سَمَّاهُ " الْمُغْنِي عَنِ الْحِفْظِ وَالْكِتَابِ بِقَوْلِهِمْ: لَمْ يَصِحَّ شَيْءٌ فِي هَذَا الْبَابِ " وَعَلَيْهِ فِيهِ مُؤَاخِذَاتٌ كَثِيرَةٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ فِي كُلٍّ مِنْ أَبْوَابِهِ سَلَفٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ خُصُوصًا الْمُتَقَدِّمِينَ، [وَنَحْوُ هَذَا أَشْيَاءُ كُلِّيَّةٌ

стр. 302

مُنْتَقَدٌ كَثِيرٌ فِيهَا ; كَقَوْلِ: كُلُّ حَدِيثٍ فِيهِ: يَا حُمَيْرَاءُ، وَكُلُّ حَدِيثٍ فِيهِ زَبَدُ الْبَحْرِ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: حَدِيثُ كَذَا لَيْسَ أَصْلًا، وَلَا أَصْلَ لَهُ فَقَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: مَعْنَاهُ لَيْسَ لَهُ إِسْنَادٌ] . [أَصْنَافُ الْوَاضِعِينَ] [أَصْنَافُ الْوَاضِعِينَ] (وَالْوَاضِعُونَ) جَمْعُ وَاضِعٍ (لِلْحَدِيثِ) وَهُمْ جَمْعٌ كَثِيرُونَ مَعْرُوفُونَ فِي كُتُبِ الضُّعَفَاءِ خُصُوصًا (الْمِيزَانَ) لِلذَّهَبِيِّ وَ " لِسَانَهُ " لِشَيْخِنَا، بَلْ أَفْرَدَهُمُ الْحَافِظُ الْبُرْهَانُ الْحَلَبِيُّ فِي تَأْلِيفٍ سَمَّاهُ (الْكَشْفَ الْحَثِيثَ عَمَّنْ رُمِيَ بِوَضْعِ الْحَدِيثِ) وَهُوَ قَابِلٌ لِلِاسْتِدْرَاكِ، وَيَخْتَلِفُ حَالُهُمْ فِي الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ. وَفِي السَّبَبِ الْحَامِلِ لَهُمْ عَلَى الْوَضْعِ (أَضْرُبُ) أَيْ: أَصْنَافٌ، فَصِنْفٌ كَالزَّنَادِقَةِ، وَهُمُ الْمُبْطِنُونَ لِلْكُفْرِ الْمُظْهِرُونَ لِلْإِسْلَامِ، أَوِ الَّذِينَ لَا يَتَدَيَّنُونَ بِدِينٍ، يَفْعَلُونَ ذَلِكَ اسْتِخْفَافًا بِالدِّينِ ; لِيُضِلُّوا بِهِ النَّاسَ. فَقَدْ قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ فِيمَا أَخْرَجَهُ الْعُقَيْلِيُّ: إِنَّهُمْ وَضَعُوا أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ. وَقَالَ الْمَهْدِيُّ فِيمَا رُوِّينَاهُ عَنْهُ: أَقَرَّ عِنْدِي رَجُلٌ مِنَ الزَّنَادِقَةِ بِوَضْعِ مِائَةِ حَدِيثٍ، فَهِيَ تَجُولُ فِي أَيْدِي النَّاسِ. وَمِنْهُمُ: الْحَارِثُ الْكَذَّابُ الَّذِي ادَّعَى النُّبُوَّةَ، وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَصْلُوبُ، وَالْمُغِيرَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْكُوفِيُّ، وَغَيْرُهُمْ كَعَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ أَبِي الْعَوْجَاءِ خَالِ مَعْنِ بْنِ زَائِدَةَ، الَّذِي أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَصَلْبِهِ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عَلِيٍّ الْعَبَّاسِيُّ أَمِيرُ الْبَصْرَةِ فِي

стр. 303

زَمَنِ الْمَهْدِيِّ، بَعْدَ السِّتِّينَ وَمِائَةٍ، وَاعْتَرَفَ حِينَئِذٍ بِوَضْعِ أَرْبَعَةِ آلَافِ حَدِيثٍ تُحَرِّمُ حَلَالَهَا وَتُحِلُّ حَرَامَهَا. وَصِنْفٌ كَالْخَطَّابِيَّةِ، فِرْقَةٍ مِنْ غُلَاةِ الشِّيعَةِ الْمُشَايِعِينَ عَلِيًّا ﵁ يَنْتَسِبُونَ لِأَبِي الْخَطَّابِ الْأَسَدِيِّ، كَانَ يَقُولُ بِالْحُلُولِ فِي أُنَاسٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ عَلَى التَّعَاقُبِ، ثُمَّ ادَّعَى الْإِلَهِيَّةَ وَقُتِلَ. وَهَذِهِ الطَّائِفَةُ مُنْدَرِجَةٌ فِي الرَّافِضَةِ ; إِذِ الرَّافِضَةُ فِرَقٌ مُتَنَوِّعَةٌ مِنَ الشِّيعَةِ، وَانْتَسَبُوا كَذَلِكَ ; لِأَنَّهُمْ بَايَعُوا زَيْدَ بْنَ عَلِيٍّ، ثُمَّ قَالُوا لَهُ: تَبَرَّأْ مِنَ الشَّيْخَيْنِ فَأَبَى، وَقَالَ: كَانَا وَزِيرَيْ جَدِّي ﷺ فَتَرَكُوهُ وَرَفَضُوهُ. وَكَالسَّالِمِيَّةِ: فِرْقَةٍ يَنْتَسِبُونَ لِمَذْهَبِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سَالِمٍ السَّالِمِيِّ فِي الْأُصُولِ، وَكَانَ مَذْهَبًا مَشْهُورًا بِالْبَصْرَةِ وَسَوَادِهَا، فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ يَفْعَلُونَهُ انْتِصَارًا وَتَعَصُّبًا لِمَذْهَبِهِمْ. وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِ (الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ) عَنْ شَيْخٍ مِنَ الْخَوَارِجِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ بَعْدَمَا تَابَ: انْظُرُوا عَمَّنْ تَأْخُذُونَ دِينَكُمْ، فَإِنَّا كُنَّا إِذَا هَوِينَا أَمْرًا صَيَّرْنَاهُ حَدِيثًا، زَادَ غَيْرُهُ فِي رِوَايَةٍ: وَنَحْتَسِبُ الْخَيْرَ فِي إِضْلَالِكُمْ. وَكَذَا قَالَ مُحْرِزٌ أَبُو رَجَاءٍ، وَكَانَ يَرَى الْقَدْرَ فَتَابَ مِنْهُ: لَا تَرْوُوا عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقَدَرِ شَيْئًا، فَوَاللَّهِ لَقَدْ كُنَّا نَضَعُ الْأَحَادِيثَ، نُدْخِلُ بِهَا النَّاسَ فِي الْقَدَرِ، نَحْتَسِبُ بِهَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. بَلْ قَالَ الشَّافِعِيُّ - كَمَا سَيَأْتِي فِي مَعْرِفَةِ مَنْ تُقْبَلُ رِوَايَتُهُ -: مَا فِي

стр. 304

أَهْلِ الْأَهْوَاءِ أَشْهَدُ بِالزُّورِ مِنَ الرَّافِضَةِ. وَصِنْفٌ يَتَقَرَّبُونَ لِبَعْضِ الْخُلَفَاءِ وَالْأُمَرَاءِ بِوَضْعِ مَا يُوَافِقُ فِعْلَهُمْ وَآرَاءَهُمْ ; لِيَكُونَ كَالْعُذْرِ لَهُمْ فِيمَا أَتَوْهُ وَأَرَادُوهُ ; كَغَيَّاثِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ ; حَيْثُ وَضَعَ لِلْمَهْدِيِّ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَنْصُورِ عَبْدِ اللَّهِ الْعَبَّاسِيِّ وَالِدِ هَارُونَ الرَّشِيدِ فِي حَدِيثِ: «لَا سَبْقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ أَوْ خُفٍّ» ، فَزَادَ فِيهِ: " أَوْ جَنَاحٍ ". وَكَانَ الْمَهْدِيُّ إِذْ ذَاكَ يَلْعَبُ بِالْحَمَامِ، فَأَمَرَ لَهُ بِبَدْرَةٍ يَعْنِي عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَلَمَّا قَفَّى قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى قَفَاكَ أَنَّهُ قَفَا كَذَّابٍ، ثُمَّ تَرَكَ الْحَمَامَ، وَأَمَرَ بِذَبْحِهَا وَقَالَ: أَنَا حَمَلْتُهُ عَلَى ذَلِكَ، ذَكَرَهَا أَبُو خَيْثَمَةَ. لَكِنْ أَسْنَدَ الْخَطِيبُ فِي تَرْجَمَةِ وَهْبِ بْنِ وَهْبٍ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ مِنْ (تَأْرِيخِهِ) مِنْ طَرِيقِ إِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ: أَتَعْلَمُ أَنَّ أَحَدًا رَوَى: " لَا سَبْقَ إِلَّا فِي خُفٍّ أَوْ حَافِرٍ أَوْ جَنَاحٍ "؟ فَقَالَ: مَا رَوَى ذَاكَ إِلَّا ذَاكَ الْكَذَّابُ أَبُو الْبَخْتَرِيِّ. بَلْ رَوَى الْخَطِيبُ فِي تَرْجَمَتِهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ زَكَرِيَّا السَّاجِيِّ أَنَّ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ دَخَلَ وَهُوَ قَاضٍ عَلَى الرَّشِيدِ، وَهُوَ إِذْ ذَاكَ يُطَيِّرُ الْحَمَامَ، فَقَالَ: هَلْ تَحْفَظُ فِي هَذَا شَيْئًا، فَقَالَ: حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُطَيِّرُ الْحَمَامَ، فَقَالَ الرَّشِيدُ: اخْرُجْ عَنِّي، ثُمَّ قَالَ: لَوْلَا أَنَّهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ لَعَزَلْتُهُ. وَصِنْفٌ فِي ذَمِّ مَنْ يُرِيدُونَ ذَمَّهُ، كَمَا رُوِّينَا عَنْ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ الْإِسْكَافِ الْمُخَرَّجِ لَهُ فِي التِّرْمِذِيِّ، وَابْنِ مَاجَهْ أَنَّهُ رَأَى ابْنَهُ يَبْكِي فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: ضَرَبَنِي الْمُعَلِّمُ، فَقَالَ: أَمَا وَاللَّهِ لِأُخْزِيَنَّهُمْ، حَدَّثَنِي عِكْرِمَةُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مُعَلِّمُو صِبْيَانِكُمْ شِرَارُكُمْ.

стр. 305

وَصِنْفٌ كَانُوا يَتَكَسَّبُونَ بِذَلِكَ، وَيَرْتَزِقُونَ بِهِ فِي قِصَصِهِمْ وَمَوَاعِظِهِمْ. وَصِنْفٌ يَلْجَئُونَ إِلَى إِقَامَةِ دَلِيلٍ عَلَى مَا أَفْتَوْا فِيهِ بِآرَائِهِمْ فَيَضَعُونَهُ. وَقَدْ حَصَلَ الضَّرَرُ بِجَمِيعِ هَؤُلَاءِ وَ (أَضَرُّهُمْ قَوْمٌ لِزُهْدٍ) وَصَلَاحٍ (نُسِبُوا) ; كَأَبِي بِشْرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ الْفَقِيهِ، وَأَبِي دَاوُدَ النَّخَعِيِّ (قَدْ وَضَعُوهَا) أَيِ: الْأَحَادِيثَ فِي الْفَضَائِلِ وَالرَّغَائِبِ (حِسْبَةً) أَيْ: لِلْحِسْبَةِ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ يَحْتَسِبُونَ بِزَعْمِهِمُ الْبَاطِلِ وَجَهْلِهِمْ، لَا يُفَرِّقُونَ بِسَبَبِهِ بَيْنَ مَا يَجُوزُ لَهُمْ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِمْ فِي صَنِيعِهِمْ ذَلِكَ - الْأَجْرَ وَطَلَبَ الثَّوَابِ ; لِكَوْنِهِمْ يَرُونَهُ قُرْبَةً، وَيَحْتَسِبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا. كَمَا يُحْكَى عَمَّنْ كَانَ يَتَصَدَّى لِلشَّهَادَةِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ ; زَاعِمًا لِلْخَيْرِ بِذَلِكَ ; لِكَوْنِ اشْتِغَالِ النَّاسِ بِالتَّعَبُّدِ بِالصَّوْمِ يَكُفُّهُمْ عَنْ مَفَاسِدَ تَقَعُ مِنْهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ (فَقُبِلَتْ) تِلْكَ الْمَوْضُوعَاتُ (مِنْهُمْ رُكُونًا لَهُمُ) بِضَمِّ الْمِيمِ ; أَيْ مَيْلًا إِلَيْهِمْ وَوُثُوقًا بِهِمْ ; لِمَا اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ التَّدَيُّنِ. (وَنُقِلَتْ) عَنْهُمْ عَلَى لِسَانِ مَنْ هُوَ فِي الصَّلَاحِ وَالْخَيْرِيَّةِ بِمَكَانٍ ; لِمَا عِنْدَهُ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ وَسَلَامَةِ الصَّدْرِ، وَعَدَمِ الْمَعْرِفَةِ الْمُقْتَضِي لِحَمْلِ مَا سَمِعَهُ عَلَى الصِّدْقِ، وَعَدَمِ الِاهْتِدَاءِ لِتَمْيِيزِ الْخَطَأِ مِنَ الصَّوَابِ (فَقَيَّضَ اللَّهُ لَهَا) أَيْ لِهَذِهِ الْمَوْضُوعَاتِ (نُقَّادَهَا) جَمْعَ نَاقِدٍ يُقَالُ: نَقَدْتُ الدَّرَاهِمَ، إِذَا اسْتَخْرَجْتَ مِنْهَا الزَّيْفَ، وَهُمُ الَّذِينَ خَصَّهُمُ اللَّهُ بِنُورِ السُّنَّةِ، وَقُوَّةِ الْبَصِيرَةِ، فَلَمْ تَخْفَ عَنْهُمْ حَالُ مُفْتَرٍ، وَلَا زُورُ كَذَّابٍ. (فَبَيَّنُوا بِنَقْدِهِمْ فَسَادَهَا) ، وَمَيَّزُوا الْغَثَّ مِنَ السَّمِينِ، وَالْمُزَلْزَلَ مِنَ الْمَكِينِ، وَقَامُوا بِأَعْبَاءِ مَا تَحَمَّلُوهُ، وَلِذَا لَمَّا قِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ: هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الْمَصْنُوعَةُ؟ قَالَ: تَعِيشُ لَهَا الْجَهَابِذَةُ، ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرِ: ٩] . انْتَهَى.

стр. 306

وَمِنْ حِفْظِهِ هَتْكُ مَنْ يَكْذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: يَا أَهْلَ بَغْدَادَ، لَا تَظُنُّوا أَنَّ أَحَدًا يَقْدِرُ أَنْ يَكْذِبَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا حَيٌّ، وَقَدْ تَعَيَّنَ جَمَاعَةٌ مِنْ كُلِّ هَذِهِ الْأَصْنَافِ عِنْدَ أَهْلِ الصَّنْعَةِ وَعُلَمَاءِ الرِّجَالِ. وَلِذَلِكَ - لَا سِيَّمَا الْأَخِيرُ - أَمْثِلَةٌ (نَحْوُ) مَا رُوِّينَاهُ عَنْ (أَبِي عِصْمَةَ) بِكَسْرِ أَوَّلِهِ نُوحِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ الْقُرَشِيِّ مَوْلَاهُمُ الْمَرْوَزِيِّ قَاضِيهَا فِي حَيَاةِ شَيْخِهِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالْمُلَقَّبِ لِجَمْعِهِ بَيْنَ التَّفْسِيرِ، وَالْحَدِيثِ، وَالْمَغَازِي، وَالْفِقْهِ مَعَ الْعِلْمِ بِأُمُورِ الدُّنْيَا - الْجَامِعُ. (إِذْ رَأَى الْوَرَى) أَيِ الْخَلْقَ (زَعْمًا) بِتَثْلِيثِ الزَّايِ بَاطِلًا مِنْهُ (نَأَوْا) أَيْ: أَعْرَضُوا (عَنِ الْقُرْآنِ) بِنَقْلِ حَرَكَةِ الْهَمْزَةِ - كَقِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ - وَاشْتَغَلُوا بِفِقْهِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَمَغَازِي ابْنِ إِسْحَاقَ، مَعَ أَنَّهُمَا مِنْ شُيُوخِهِ (فَافْتَرَى) أَيِ: اخْتَلَقَ (لَهُمْ) أَيْ: لِلْوَرَى مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ حِسْبَةً بِاعْتِرَافِهِ حَسَبَ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ أَبُو عَمَّارٍ أَحَدُ الْمَجَاهِيلِ (حَدِيثًا فِي فَضَائِلِ السُّوَرِ) كُلِّهَا سُورَةً سُورَةً. وَرَوَاهُ عَنْ عِكْرِمَةَ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) ﵄ (فَبِئْسَ) كَمَا زَادَهُ النَّاظِمُ (مَا ابْتَكَرْ) فِي وَضْعِ هَذَا الْحَدِيثِ، وَمَا أَدْرَكَهُ مِنَ الْإِثْمِ بِسَبَبِهِ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِوَضْعِ أَبِي عِصْمَةَ لَهُ الْحَاكِمُ، وَكَأَنَّهُ ثَبَتَ عِنْدَهُ الطَّرِيقُ إِلَيْهِ بِهِ. وَقَالَ هُوَ وَابْنُ حِبَّانَ: إِنَّهُ جَمَعَ كُلَّ شَيْءٍ إِلَّا الصِّدْقَ، وَ (كَذَا الْحَدِيثُ) الطَّوِيلُ (عَنْ أُبَيٍّ) هُوَ ابْنُ كَعْبٍ ﵁ فِي فَضَائِلِ سُوَرِ الْقُرْآنِ أَيْضًا (اعْتَرَفْ رَاوِيهِ بِالْوَضْعِ) لَهُ. فَقَدْ رَوَى الْخَطِيبُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمُؤَمَّلِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ الْعَدَوِيِّ الْبَصْرِيِّ ثُمَّ الْمَكِّيِّ الْمُتَوَفَّى بَعْدَ الْمِائَتَيْنِ. وَكَانَ - كَمَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ -

стр. 307

شَدِيدًا فِي السُّنَّةِ، وَرَفَعَ أَبُو دَاوُدَ مِنْ شَأْنِهِ، مَا مَعْنَاهُ: أَنَّهُ لَمَّا سَمِعَهُ مِنْ بَعْضِ الشُّيُوخِ سَأَلَهُ عَنْ شَيْخِهِ فِيهِ، فَقَالَ: رَجُلٌ بِالْمَدَائِنِ وَهُوَ حَيٌّ، فَارْتَحَلَ إِلَيْهِ، فَأَحَالَ عَلَى شَيْخٍ بِوَاسِطَ، فَارْتَحَلَ إِلَيْهِ، فَأَحَالَ عَلَى شَيْخٍ بِالْبَصْرَةِ، فَارْتَحَلَ إِلَيْهِ، فَأَحَالَ عَلَى شَيْخٍ بِعَبَادَانَ. قَالَ الْمُؤَمَّلُ: فَلَمَّا صِرْتُ إِلَيْهِ، أَخَذَ بِيَدِي فَأَدْخَلَنِي بَيْتًا، فَإِذَا فِيهِ قَوْمٌ مِنَ الْمُتَصَوِّفَةِ وَمَعَهُمْ شَيْخٌ، فَقَالَ: هَذَا الشَّيْخُ حَدَّثَنِي، فَقُلْتُ لَهُ: يَا شَيْخُ، مَنْ حَدَّثَكَ بِهَذَا الْحَدِيثِ؟ فَقَالَ: لَمْ يُحَدِّثْنِي بِهِ أَحَدٌ، وَلَكِنَّا رَأَيْنَا النَّاسَ قَدْ رَغِبُوا عَنِ الْقُرْآنِ، فَوَضَعْنَا لَهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ ; لِيَصْرِفُوا قُلُوبَهُمْ إِلَى الْقُرْآنِ. وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ مِنْ طَرِيقِهِ قَالَ: أَظُنُّ الزَّنَادِقَةَ وَضَعَتْهُ، بَلْ قِيلَ: إِنَّ أَبَا عِصْمَةَ وَاضِعُ الَّذِي قَبْلَهُ هُوَ الَّذِي وَضَعَ هَذَا أَيْضًا. وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَهُوَ مَوْضُوعٌ، وَإِنْ كَانَ لَهُ عَنْ أُبَيٍّ طُرُقٌ (وَبِئْسَ) كَمَا زَادَهُ النَّاظِمُ أَيْضًا (مَا اقْتَرَفْ) أَيِ: اكْتَسَبَ وَاضِعُهُ (وَ) لِهَذَا (كُلُّ مَنْ أَوْدَعَهُ كِتَابَهُ) فِي التَّفْسِيرِ (كَـ) أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ (الْوَاحِدِيِّ) بِمُهْمَلَتَيْنِ. قَالَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ: لَا أَدْرِي لِمَ نُسِبَ كَذَلِكَ، إِلَّا أَنَّهُ يُقَالُ: هُوَ وَاحِدُ قَوْمِهِ وَوَاحِدُ أُمِّهِ، فَلَعَلَّهُ نُسِبَ إِلَى أَبٍ أَوْ جَدٍّ، أَوْ قَرِيبٍ هَذِهِ صِفَتُهُ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مَرْدَوَيْهِ، وَأَبِي إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيِّ، وَأَبِي الْقَاسِمِ الزَّمَخْشَرِيِّ. وَفِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ كَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُدَ الْحَافِظِ ابْنِ الْحَافِظِ فَهُوَ (مُخْطِئٌ) فِي ذَلِكَ (صَوَابَهُ) ; إِذِ الصَّوَابُ تَجَنُّبُ إِيرَادِ الْمَوْضُوعِ إِلَّا مَقْرُونًا بِبَيَانِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَالزَّمَخْشَرِيُّ

стр. 308

أَشَدُّهُمْ خَطَأً ; حَيْثُ أَوْرَدَهُ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ غَيْرَ مُبْرِزٍ لِسَنَدِهِ، وَتَبِعَهُ الْبَيْضَاوِيُّ بِخِلَافِ الْآخَرِينَ، فَإِنَّهُمْ سَاقُوا إِسْنَادَهُ. وَإِنْ حَكَيْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ قَرِيبًا عَدَمَ جَوَازِهِ أَيْضًا (وَجَوَّزَ الْوَضْعَ) عَلَى النَّبِيِّ ﷺ (عَلَى) وَجْهِ (التَّرْغِيبِ) لِلنَّاسِ فِي الطَّاعَةِ وَفَضَائِلِ الْأَعْمَالِ (قَوْمُ) أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ (ابْنِ كَرَّامٍ) بِالتَّشْدِيدِ عَلَى الْمَشْهُورِ ; كَمَا قَالَهُ شَيْخُنَا وَغَيْرُهُ، وَكَذَلِكَ ضَبَطَهُ الْخَطِيبُ وَابْنُ مَاكُولَا وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَجَزَمَ بِهِ مَسْعُودٌ الْحَارِثِيُّ. وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ. وَأَبَاهُ مُتَكَلِّمُ الْكَرَّامِيَّةِ مُحَمَّدُ بْنُ الْهَيْثَمِ فَقَالَ: الْمَعْرُوفُ فِي أَلْسِنَةِ الْمَشَايِخِ - يَعْنِي: مَشَايِخَهُمْ - بِالْفَتْحِ وَالتَّخْفِيفِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ بِمَعْنَى كَرَامَةٍ أَوْ كَرِيمٍ، فَقَالَ: وَيُقَالُ: بِكَسْرِ الْكَافِ عَلَى لَفْظِ جَمْعٍ كَرِيمٍ، قَالَ: وَهُوَ الْجَارِي عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ سِجِسْتَانَ، وَقَوْلُ أَبِي الْفَتْحِ الْبُسْتِيِّ فِيهِ، وَكَانَ وَلِعًا بِالْجِنَاسِ: إِنَّ الَّذِينَ بِجَهْلِهِمْ لَمْ يَقْتَدُوا ... بِمُحَمَّدِ بْنِ كِرَامَ غَيْرُ كِرَامِ الْفِقْهُ فِقْهُ أَبِي حَنِيفَةَ وَحْدَهُ ... وَالدِّينُ دِينُ مُحَمَّدِ بْنِ كِرَامِ - شَاهِدٌ لِلتَّخْفِيفِ فِيهِ [إِنْ لَمْ يَكُنْ ضَرُورَةً] ، وَهُوَ السِّجِسْتَانِيُّ الَّذِي كَانَ عَابِدًا زَاهِدًا ثُمَّ خُذِلَ - كَمَا قَالَ ابْنُ حِبَّانَ - فَالْتَقَطَ مِنَ الْمَذَاهِبِ أَرْدَأَهَا، وَمِنَ الْأَحَادِيثِ أَوْهَاهَا، وَصَحِبَ أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْجُوبَارِيَّ، فَكَانَ يَضَعُ لَهُ الْحَدِيثَ

стр. 309

عَلَى وَفْقِ مَذْهَبِهِ. (وَ) كَذَا جَوَّزُوا الْوَضْعَ (فِي التَّرْهِيبِ) زَجْرًا عَنِ الْمَعْصِيَةِ، مُحْتَجِّينَ فِي ذَلِكَ - مَعَ كَوْنِهِ خِلَافَ إِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ - بِأَنَّ الْكَذِبَ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ هُوَ لِلشَّارِعِ ﷺ ; لِكَوْنِهِ مُقَوِّيًا لِشَرِيعَتِهِ، لَا عَلَيْهِ، وَالْكَذِبَ عَلَيْهِ إِنَّمَا هُوَ كَأَنْ يُقَالَ: إِنَّهُ سَاحِرٌ، أَوْ مَجْنُونٌ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، مِمَّا يُقْصَدُ شَيْنُهُ بِهِ، وَعَيْبُ دِينِهِ، وَبِزِيَادَةِ: " لِيُضِلَّ بِهِ النَّاسَ " فِي حَدِيثِ: «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا» الَّتِي هِيَ مُقَيِّدَةٌ لِلْإِطْلَاقِ. وَبِكَوْنِ حَدِيثِ: " مَنْ كَذَبَ " إِنَّمَا وَرَدَ فِي رَجُلٍ مُعَيَّنٍ، ذَهَبَ إِلَى قَوْمٍ وَادَّعَى أَنَّهُ رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِلَيْهِمْ، فَحَكَمَ فِي دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ، فَقَالَ هَذَا الْحَدِيثَ. وَفِي هَذِهِ مُتَمَسَّكٌ لِلْمُحْتَسِبِينَ أَيْضًا الَّذِينَ هُمْ أَخَصُّ مِنْ هَؤُلَاءِ، لَكِنَّهَا مَرْدُودَةٌ عَلَيْهِمَا. [وُجُوهُ الرَّدِّ عَلَى الْمُحْتَسِبِينَ] أَمَّا الْأَوَّلُ - كَمَا قَالَ شَيْخُنَا - جَهْلٌ مِنْهُمْ بِاللِّسَانِ ; لِأَنَّهُ كَذِبٌ عَلَيْهِ فِي وَضْعِ الْأَحْكَامِ، فَإِنَّ الْمَنْدُوبَ قِسْمٌ مِنْهَا، وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ الْإِخْبَارَ عَنِ اللَّهِ فِي الْوَعْدِ عَلَى ذَلِكَ الْعَمَلِ بِذَلِكَ الثَّوَابِ. وَأَمَّا الثَّانِي: فَالزِّيَادَةُ الْمَذْكُورَةُ اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى ضَعْفِهَا، وَعَلَى تَقْدِيرِ قَبُولِهَا فَاللَّامُ لَيْسَتْ لِلتَّعْلِيلِ، وَإِنَّمَا هِيَ لَامُ الْعَاقِبَةِ أَيْ: يَصِيرُ كَذِبُهُمْ لِلْإِضْلَالِ ; كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [الْقَصَصِ: ٨] وَهُمْ

стр. 310

لَمْ يَلْتَقِطُوهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، أَوْ لَامُ التَّأْكِيدِ - يَعْنِي كَمَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ - وَلَا مَفْهُومَ لَهَا ; كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ١٤٤] ; لِأَنَّ افْتِرَاءَهُ الْكَذِبَ عَلَى اللَّهِ مُحَرَّمٌ مُطْلَقًا ; سَوَاءٌ قَصَدَ بِهِ الْإِضْلَالَ، أَمْ لَمْ يَقْصِدْ. وَأَمَّا الثَّالِثُ: فَالسَّبَبُ الْمَذْكُورُ لَمْ يَثْبُتْ إِسْنَادُهُ، وَلَوْ ثَبَتَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِيهِ مُتَمَسَّكٌ ; لِأَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ. وَنَحْوُ هَذَا الْمَذْهَبِ الرَّدِيءِ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْآتِي قَرِيبًا، وَمِمَّا يُرَدُّ بِهِ عَلَى أَهْلِ هَذَا الْمَذْهَبِ أَنَّ فِيمَا وَرَدَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَخْبَارِ كِفَايَةً عَنْ غَيْرِهَا، فَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الْأَنْعَامِ: ٣٨] . وَقَوْلُ الْقَائِلِ: إِنَّ ذَلِكَ تَكَرَّرَ عَلَى الْأَسْمَاعِ وَسَقَطَ وَقْعُهُ، وَمَا هُوَ جَدِيدٌ فَوَقْعُهُ أَعْظَمُ، هُوَ كَمَا قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ: هَوَسٌ وَالْكَذِبُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنَ الْكَبَائِرِ الَّتِي لَا يُقَاوِمُهَا شَيْءٌ ; بِحَيْثُ لَا تُقْبَلُ رِوَايَةُ مَنْ فَعَلَهُ، وَإِنْ تَابَ وَحَسُنَتْ تَوْبَتُهُ كَمَا سَيَأْتِي، بَلْ بَالَغَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فَكَفَّرَ مُتَعَمِّدَهُ. (وَالْوَاضِعُونَ) أَيْضًا (بَعْضُهُمْ قَدْ صَنَعَا) مَا وَضَعَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ كَلَامًا مُبْتَكَرًا (مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ وَبَعْضٌ) مِنْهُمْ قَدْ (وَضَعَا كَلَامَ بَعْضِ الْحُكَمَاءِ) أَوِ الزُّهَّادِ، أَوِ الصَّحَابَةِ، أَوْ مَا يُرْوَى فِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ (فِي الْمُسْنَدِ) الْمَرْفُوعِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ; تَرْوِيجًا لَهُ. وَقَدْ رَوَى الْعُقَيْلِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ، كَأَنَّهُ الْمَصْلُوبُ، أَنَّهُ لَا

стр. 311

بَأْسَ إِذَا كَانَ كَلَامٌ حَسَنٌ أَنْ تَضَعَ لَهُ إِسْنَادًا. وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الَّتِي بِآخِرِ (جَامِعِهِ) عَنْ أَبِي مُقَاتِلٍ الْخُرَاسَانِيِّ ; أَنَّهُ حَدَّثَ عَنْ عَوْنِ بْنِ أَبِي شَدَّادٍ وَبِأَحَادِيثَ طِوَالٍ فِي وَصِيَّةِ لُقْمَانَ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ أَخِيهِ: يَا عَمِّ، لَا تَقُلْ: حَدَّثَنَا عَوْنٌ، فَإِنَّكَ لَمْ تَسْمَعْ مِنْهُ هَذَا، فَقَالَ: يَابْنَ أَخِي، إِنَّهُ كَلَامٌ حَسَنٌ. وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَا عَزَاهُ الزَّرْكَشِيُّ - وَتَبِعَهُ شَيْخُنَا - لِأَبِي الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيِّ صَاحِبِ (الْمُفْهِمِ) قَالَ: اسْتَجَازَ بَعْضُ فُقَهَاءِ أَصْحَابِ الرَّأْيِ [نِسْبَةَ الْحُكْمِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ] نِسْبَةً قَوْلِيَّةً، فَيَقُولُ فِي ذَلِكَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَذَا. وَلِهَذَا تَرَى كُتُبَهُمْ مَشْحُونَةً بِأَحَادِيثَ تَشْهَدُ مُتُونُهَا بِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ ; لِأَنَّهَا تُشْبِهُ فَتَاوَى الْفُقَهَاءِ، وَلَا تَلِيقُ بِجَزَالَةِ كَلَامِ سَيِّدِ الْمُرْسَلِينَ ; وَلِأَنَّهُمْ لَا يُقِيمُونَ لَهَا سَنَدًا صَحِيحًا، قَالَ: وَهَؤُلَاءِ يَشْمَلُهُمُ الْوَعِيدُ فِي الْكَذِبِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . انْتَهَى. [اخْتِلَافُ ضَرَرِ الْوَضْعِ] [اخْتِلَافُ ضَرَرِ الْوَضْعِ] وَاقْتَصَرَ الشَّارِحُ عَلَى حِكَايَةِ بَعْضِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ، وَالضَّرَرُ بِهَؤُلَاءِ شَدِيدٌ، وَلِذَلِكَ قَالَ الْعَلَائِيُّ: أَشَدُّ الْأَصْنَافِ ضَرَرًا أَهْلُ الزُّهْدِ ; كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَكَذَا الْمُتَفَقِّهَةُ الَّذِينَ اسْتَجَازُوا نِسْبَةَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقِيَاسُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ . وَأَمَّا بَاقِي الْأَصْنَافِ - كَالزَّنَادِقَةِ - فَالْأَمْرُ فِيهِمْ أَسْهَلُ ; لِأَنَّ كَوْنَ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ كَذِبًا لَا تَخْفَى إِلَّا عَلَى الْأَغْبِيَاءِ، وَكَذَا أَهْلُ الْأَهْوَاءِ مِنَ الرَّافِضَةِ وَالْمُجَسِّمَةِ وَالْقَدَرِيَّةِ فِي شَدِّ بِدَعِهِمْ، وَأَمْرُ أَصْحَابِ الْأُمَرَاءِ وَالْقُصَّاصِ أَظْهَرُ ; لِأَنَّهُمْ فِي الْغَالِبِ لَيْسُوا

стр. 312

مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ. قَالَ شَيْخُنَا: وَأَخْفَى الْأَصْنَافِ مَنْ لَمْ يَتَعَمَّدِ الْوَضْعَ، مَعَ الْوَصْفِ بِالصِّدْقِ ; كَمَنْ يَغْلَطُ فَيُضِيفُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ كَلَامَ بَعْضِ الصَّحَابَةِ أَوْ غَيْرِهِمْ، وَكَمَنِ ابْتُلِيَ بِمَنْ يَدُسُّ فِي حَدِيثِهِ مَا لَيْسَ مِنْهُ، كَمَا وَقَعَ لِحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ مَعَ رَبِيبِهِ، وَلِسُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ مَعَ وَرَّاقِهِ، وَلِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَالِحٍ كَاتِبِ اللَّيْثِ مَعَ جَارِهِ، وَلِجَمَاعَةٍ مِنَ الشُّيُوخِ الْمِصْرِيِّينَ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ مَعَ خَالِدِ بْنِ نَجِيحٍ الْمَدَائِنِيِّ الْمِصْرِيِّ. وَكَمَنَ تَدْخُلُ عَلَيْهِ آفَةٌ فِي حِفْظِهِ، أَوْ فِي كِتَابِهِ، أَوْ فِي بَصَرِهِ، فَيَرْوِي مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ غَالِطًا، فَإِنَّ الضَّرَرَ بِهِمْ شَدِيدٌ لِدِقَّةِ اسْتِخْرَاجِ ذَلِكَ إِلَّا مِنَ الْأَئِمَّةِ النُّقَّادِ. انْتَهَى. وَالْأَمْثِلَةُ لِمَنْ يَضَعُ كَلَامَهُ أَوْ كَلَامَ غَيْرِهِ كَثِيرَةٌ ; كَحَدِيثِ: (الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدَّاءِ، وَالْحِمْيَةُ رَأْسُ الدَّوَاءِ) ; فَإِنَّ هَذَا لَا يَصِحُّ رَفْعُهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، بَلْ هُوَ مِنْ كَلَامِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةِ طَبِيبِ الْعَرَبِ أَوْ غَيْرِهِ، وَحَدِيثِ: (مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ أَوْرَثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا. وَحَدِيثِ: (حُبُّ الدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ) ، فَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الزُّهْدِ،

стр. 313

وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ الثَّوْرِيِّ مِنْ (الْحِلْيَةِ) مِنْ قَوْلِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵇، وَجَزَمَ ابْنُ تَيْمِيَةَ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ جُنْدُبٍ الْبَجَلِيِّ ﵁، وَأَوْرَدَهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي مَكَائِدِ الشَّيْطَانِ لَهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكِ بْنِ دِينَارٍ، وَابْنُ يُونُسَ فِي تَرْجَمَةِ سَعْدِ بْنِ مَسْعُودٍ التُّجِيبِيِّ مِنْ (تَأْرِيخِ مِصْرَ) لَهُ مِنْ قَوْلِ سَعْدٍ هَذَا. وَلَكِنْ أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا فِي الْحَادِيَ وَالسَّبْعِينَ مِنْ (الشُّعَبِ) بِسَنَدٍ حَسَنٍ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ رَفَعَهُ مُرْسَلًا، [قَالَ الْقَاضِي زَكَرِيَّا: قَالَ الْعِرَاقِيُّ: مَرَاسِيلُ الْحَسَنِ عِنْدَهُمْ شِبْهُ الرِّيحِ. وَأَوْرَدَهُ الدَّيْلَمِيُّ فِي الْفِرْدَوْسِ، وَتَبِعَهُ وَلَدُهُ بِلَا إِسْنَادٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَفَعَهُ أَيْضًا. وَلَا دَلِيلَ لِلْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْوَضْعِ مَعَ وُجُودِ هَذَا، وَلِذَا لَا يَصِحُّ التَّمْثِيلُ بِهِ، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ سَنَدُهُ مِمَّا رُكِّبَ، فَقَدْ رُكِّبَتْ أَسَانِيدُ مَقْبُولَةٌ لِمُتُونٍ ضَعِيفَةٍ أَوْ مُتَوَهَّمَةٍ ; كَمَا سَيَأْتِي هُنَا وَفِي النَّوْعِ بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْوَضْعِ السَّنَدِيِّ. (وَمِنْهُ) أَيِ الْمَوْضُوعِ (نَوْعٌ وَضْعُهُ لَمْ يُقْصَدِ نَحْوُ حَدِيثِ ثَابِتٍ) هُوَ ابْنُ مُوسَى الزَّاهِدُ، الَّذِي رَوَاهُ إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّلْحِيُّ عَنْهُ عَنْ شَرِيكِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: (مَنْ كَثُرَتْ صَلَاتُهُ) بِاللَّيْلِ. . . . . . (الْحَدِيثَ) ، وَتَمَامُهُ: " حَسُنَ وَجْهُهُ بِالنَّهَارِ " فَإِنَّ هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .

стр. 314

وَإِنْ أَغْرَبَ الْقُضَاعِيُّ حَيْثُ قَالَ فِي مُسْنَدِ الشِّهَابِ لَهُ لَمَّا سَاقَهُ مِنْ طُرُقٍ: مَا طَعَنَ أَحَدٌ مِنْهُمْ - أَيْ مِنَ الْحُفَّاظِ الَّذِينَ أَشَارَ إِلَيْهِمْ - فِي إِسْنَادِهِ وَلَا مَتْنِهِ. وَاغْتَرَّ الرُّكْنُ بْنُ الْقَوْبَعِ الْمَالِكِيُّ ; حَيْثُ قَالَ مِنْ أَبْيَاتٍ: وَمَنْ كَثُرَتْ صَلَاةُ اللَّيْلِ مِنْهُ فَيَحْسُنُ وَجْهُهُ قَوْلُ النَّبِيِّ. وَلَكِنْ لَمْ يَقْصِدْ رَاوِيهِ الْأَوَّلُ وَهُوَ ثَابِتٌ وَضْعَهُ، إِنَّمَا دَخَلَ عَلَى شَرِيكٍ وَهُوَ فِي مَجْلِسِ إِمْلَائِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ: ثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْمَتْنَ الْحَقِيقِيَّ لِهَذَا السَّنَدِ، أَوْ ذَكَرَهُ - حَسَبَ مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ ابْنِ حِبَّانَ - وَهُوَ: «يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ» . فَقَالَ شَرِيكٌ مُتَّصِلًا بِالسَّنَدِ أَوْ بِالْمَتْنِ حِينَ نَظَرَ إِلَى ثَابِتٍ: " مَنْ كَثُرَتْ. . . . . " إِلَى آخِرِهِ، قَاصِدًا بِذَلِكَ مُمَاجَنَةَ ثَابِتٍ لِزُهْدِهِ وَوَرَعِهِ وَعِبَادَتِهِ، فَظَنَّ ثَابِتٌ أَنَّ هَذَا مَتْنُ ذَاكَ السَّنَدِ، أَوْ بَقِيَّةُ الْمَتْنِ لِمُنَاسَبَتِهِ لَهُ، فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ كَذَلِكَ مُدْرِجًا لَهُ فِي الْمَتْنِ الْحَقِيقِيِّ أَوْ مُنْفَصِلًا عَنْهُ، وَهُوَ الَّذِي رَأَيْتُهُ. وَذَلِكَ (وَهْلَةٌ) أَيْ: غَلْطَةٌ مِنْ ثَابِتٍ لِغَفْلَتِهِ الَّتِي أَدَّى إِلَيْهَا صَلَاحُهُ (سَرَتْ) تِلْكَ الْغَلْطَةُ بِحَيْثُ انْتَشَرَتْ، فَرَوَاهُ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ، وَقَرَنَ بَعْضُهُمْ بِشَرِيكٍ سُفْيَانَ الثَّوْرِيَّ، وَلَمْ يَقْنَعْ جَمَاعَةٌ مِنَ الضُّعَفَاءِ بِرِوَايَتِهِ عَنْ ثَابِتٍ، مَعَ تَصْرِيحِ ابْنِ

стр. 315

عَدِيٍّ بِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهِ، بَلْ سَرَقُوهُ مِنْهُ، ثُمَّ رَوَوْهُ عَنْ شَرِيكٍ نَفْسِهِ. وَلِذَا قَالَ عَبْدُ الْغَنِيِّ بْنُ سَعِيدٍ الْحَافِظُ: إِنَّ كُلَّ مَنْ حَدَّثَ بِهِ عَنْ شَرِيكٍ، فَهُوَ غَيْرُ ثِقَةٍ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْعُقَيْلِيِّ: إِنَّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ وَلَا يُتَابِعُهُ عَلَيْهِ ثِقَةٌ، وَلَا يَخْدِشُ فِي قَوْلِهِمَا رِوَايَةُ زَكَرِيَّا بْنِ يَحْيَى زَحْمَوَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ ثِقَةً لَهُ عَنْ شَرِيكٍ، فَالرَّاوِي لَهُ عَنْ زَحْمَوَيْهِ ضَعِيفٌ. وَكَذَا سَرَقَهُ بَعْضُهُمْ وَرَوَاهُ عَنِ الْأَعْمَشِ، وَبَعْضُهُمْ صَيَّرَ لَهُ إِسْنَادًا إِلَى الثَّوْرِيِّ، وَابْنِ جُرَيْجٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ، وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ مُسْنَدِ أَنَسٍ. وَفِي قِيَامِ اللَّيْلِ) لِابْنِ نَصْرٍ، وَمُسْنَدِ الشِّهَابِ لِلْقُضَاعِيِّ، وَالْمَوْضُوعَاتِ لِابْنِ الْجَوْزِيِّ مِنْ طُرُقِهِ الْكَثِيرُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَذْكُرُوهُ، وَلَكِنَّهُ مِنْ جَمِيعِهَا عَلَى اخْتِلَافِهَا بَاطِلٌ، كَشَفَ النُّقَّادُ سِتْرَهَا، وَبَيَّنُوا أَمْرَهَا بِمَا لَا نُطِيلُ بِشَرْحِهِ. وَلَا اعْتِدَادَ بِمَا يُخَالِفُ هَذَا كَمَا تَقَدَّمَ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِيمَا رَوَاهُ مُسَبِّحُ بْنُ حَاتِمٍ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ الْمَكِّيِّ عَنْهُ أَنَّهُ سُئِلَ: مَا بَالُ الْمُتَهَجِّدِينَ بِاللَّيْلِ، أَحْسَنُ النَّاسِ وُجُوهًا؟ ! قَالَ: لِأَنَّهُمْ خَلَوْا بِالرَّحْمَنِ،

стр. 316

فَأَلْبَسَهُمْ مِنْ نُورِهِ. وَظَهَرَ بِمَا تَقَرَّرَ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ الصَّلَاحِ - تَبَعًا لِلْخَلِيلِيِّ فِي الْإِرْشَادِ -: إِنَّهُ شِبْهُ الْوَضْعِ حَسَنٌ ; إِذْ لَمْ يَضَعْهُ ثَابِتٌ، وَإِنْ كَانَ ابْنُ مَعِينٍ قَالَ فِيهِ: إِنَّهُ كَذَّابٌ، نَعَمِ الطُّرُقُ الْمُرَكَّبَةُ لَهُ مَوْضُوعَةٌ، وَلِذَا جَزَمَ أَبُو حَاتِمٍ بِأَنَّهُ مَوْضُوعٌ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ تَوَهَّمُوهُ حَدِيثًا وَحَمَلَهُمُ الشَّرَهُ وَمَحَبَّةُ الظُّهُورِ عَلَى ادِّعَاءِ سَمَاعِهِ، وَهُمْ صِنْفٌ مِنَ الْوَضَّاعِينَ. كَمَا وَضَعَ بَعْضُهُمْ حِينَ سَمِعَ الْإِمَامَ أَحْمَدَ يَذْكُرُ عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ مِمَّا نَسَبَهُ لِعِيسَى ﵇: " مَنْ عَمِلَ بِمَا يَعْلَمُ أَوْرَثَهُ اللَّهُ عِلْمَ مَا لَمْ يَعْلَمْ " فَتَوَهَّمَهُ - كَمَا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحِوَارِيِّ مِنْ (الْحِلْيَةِ) - عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَوَضَعَ لَهُ عَنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ سَنَدًا، وَهُوَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ لِسُهُولَتِهِ وَقُرْبِهِ، وَجَلَالَةُ الْإِمَامِ تَنْبُو عَنْ هَذَا. وَأَمَّا ابْنُ حِبَّانَ فَسَمَّاهُ مُدْرَجًا ; حَيْثُ قَالَ: إِنَّ ثَابِتًا قَالَهُ عَقِبَ حَدِيثِ: " يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ "، فَأَدْرَجَهُ فِي الْخَبَرِ، فَعَلَى هَذَا فَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْمُدْرَجِ، كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ هُنَاكَ ; إِذْ لَمْ يَشْتَرِطُوا فِي إِطْلَاقِ الْإِدْرَاجِ كَوْنَهُ عَمْدًا، بَلْ يُطْلِقُونَهُ عَلَى مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ. [طَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْوَضْعِ] [طَرِيقُ مَعْرِفَةِ الْوَضْعِ] (وَيُعْرَفُ الْوَضْعُ) لِلْحَدِيثِ (بِالْإِقْرَارِ) بِنَقْلِ الْهَمْزَةِ، مِنْ وَاضِعِهِ كَمَا وَقَعَ لِأَبِي عِصْمَةَ وَغَيْرِهِ مِمَّا تَقَدَّمَ (وَ) كَذَا بِـ (مَا نُزِّلَ مَنْزِلَتَهُ) كَمَا اتَّفَقَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا بِحَضْرَةِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْجُوبَارِيِّ فِي سَمَاعِ الْحَسَنِ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، [فَرَوَى لَهُمْ بِسَنَدِهِ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، قَالَ: سَمِعَ الْحَسَنُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ] . رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَدْخَلِ.

стр. 317

وَنَحْوُهُ أَنَّ عَبْدَ الْعَزِيزِ بْنَ الْحَارِثِ التَّمِيمِيَّ جَدَّ رِزْقِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَنْبَلِيِّ سُئِلَ عَنْ فَتْحِ مَكَّةَ، فَقَالَ: عَنْوَةً، فَطُولِبَ بِالْحُجَّةِ، فَقَالَ: ثَنَا ابْنُ الصَّوَّافِ، ثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ، ثَنَا أَبِي، ثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ، «أَنَّ الصَّحَابَةَ اخْتَلَفُوا فِي فَتْحِ مَكَّةَ ; أَكَانَ صُلْحًا أَوْ عَنْوَةً؟ فَسَأَلُوا عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ: كَانَ عَنْوَةً» ، هَذَا مَعَ أَنَّهُ اعْتَرَفَ أَنَّهُ صَنَعَهُ فِي الْحَالِ، لِيَنْدَفِعَ بِهِ الْخَصْمُ. (وَرُبَّمَا يُعْرَفُ بِالرِّكَّةِ) أَيِ: الضَّعْفِ عَنْ قُوَّةِ فَصَاحَتِهِ ﷺ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى مَعًا، مِثْلُ مَا يُرْوَى فِي وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَذَا فِي أَحَدِهِمَا، لَكِنَّهُ فِي اللَّفْظِ وَحْدَهُ مُقَيَّدٌ بِمَا إِذَا صَرَّحَ بِأَنَّهُ لَفْظُ الشَّارِعِ، وَلَمْ يَحْصُلِ التَّصَرُّفُ بِالْمَعْنَى فِي نَقْلِهِ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَ لَا وَجْهَ لَهُ فِي الْإِعْرَابِ. وَقَدْ رَوَى الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْنِ خُثَيْمٍ التَّابِعِيِّ الْجَلِيلِ قَالَ: إِنَّ لِلْحَدِيثِ ضَوْءًا كَضَوْءِ النَّهَارِ يُعْرَفُ، وَظُلْمَةً كَظُلْمَةِ اللَّيْلِ تُنْكَرُ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ: الْحَدِيثُ الْمُنْكَرُ يَقْشَعِرُّ مِنْهُ جِلْدُ طَالِبِ الْعِلْمِ، وَيَنْفِرُ مِنْهُ قَلْبُهُ فِي الْغَالِبِ، وَعَنَى بِذَلِكَ الْمُمَارِسَ لِأَلْفَاظِ الشَّارِعِ، الْخَبِيرَ بِهَا وَبِرَوْنَقِهَا وَبَهْجَتِهَا ; وَلِذَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَكَثِيرًا مَا يَحْكُمُونَ بِذَلِكَ - أَيْ بِالْوَضْعِ - بِاعْتِبَارِ أُمُورٍ تَرْجِعُ إِلَى الْمَرْوِيِّ وَأَلْفَاظِ الْحَدِيثِ، وَحَاصِلُهُ يَرْجِعُ إِلَى أَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُمْ - لِكَثْرَةِ مُحَاوَلَةِ أَلْفَاظِ النَّبِيِّ ﷺ هَيْئَةٌ نَفْسَانِيَّةٌ، وَمَلَكَةٌ قَوِيَّةٌ يَعْرِفُونَ بِهَا

стр. 318

مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَلْفَاظِ النُّبُوَّةِ، وَمَا لَا يَجُوزُ. انْتَهَى. وَالرِّكَّةُ فِي الْمَعْنَى كَأَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِلْعَقْلِ ضَرُورَةً أَوِ اسْتِدْلَالًا، وَلَا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا بِحَالٍ، نَحْوُ الْإِخْبَارِ عَنِ الْجَمْعِ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَعَنْ نَفْيِ الصَّانِعِ، وَقِدَمِ الْأَجْسَامِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَرِدَ الشَّرْعُ بِمَا يُنَافِي مُقْتَضَى الْعَقْلِ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: وَكُلُّ حَدِيثٍ رَأَيْتَهُ يُخَالِفُ الْعُقُولَ، أَوْ يُنَاقِضُ الْأُصُولَ، فَاعْلَمْ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ، فَلَا تَتَكَلَّفِ اعْتِبَارَهُ، أَيْ: لَا تَعْتَبِرْ رُوَاتَهُ، وَلَا تَنْظُرْ فِي جَرْحِهِمْ. أَوْ يَكُونَ مِمَّا يَدْفَعُهُ الْحِسُّ وَالْمُشَاهَدَةُ، أَوْ مُبَايِنًا لِنَصِّ الْكِتَابِ، أَوِ السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ، أَوِ الْإِجْمَاعِ الْقَطْعِيِّ ; حَيْثُ لَا يَقْبَلُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ التَّأْوِيلَ. أَوْ يَتَضَمَّنَ الْإِفْرَاطَ بِالْوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَى الْأَمْرِ الْيَسِيرِ، أَوْ بِالْوَعْدِ الْعَظِيمِ عَلَى الْفِعْلِ الْيَسِيرِ، وَهَذَا الْأَخِيرُ كَثِيرٌ مَوْجُودٌ فِي حَدِيثِ الْقُصَّاصِ وَالطُّرُقِيَّةِ، وَمِنْ رِكَّةِ الْمَعْنَى: " لَا تَأْكُلُوا الْفَرْعَةَ حَتَّى تَذْبَحُوهَا "، وَلِذَا جَعَلَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى كَذِبِ رَاوِيهِ. وَكُلُّ هَذَا مِنَ الْقَرَائِنِ فِي الْمَرْوِيِّ. وَقَدْ تَكُونُ فِي الرَّاوِي ; كَقِصَّةِ غَيَّاثٍ مَعَ الْمَهْدِيِّ، وَحِكَايَةِ سَعْدِ بْنِ طَرِيفٍ الْمَاضِي ذِكْرُهُمَا، وَاخْتِلَاقِ الْمَأْمُونِ بْنِ أَحْمَدَ الْهَرَوِيِّ - حِينَ قِيلَ لَهُ: أَلَا تَرَى الشَّافِعِيَّ وَمَنْ تَبِعَهُ بِخُرَاسَانَ - ذَاكَ الْكَلَامَ الْقَبِيحَ، حَكَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمَدْخَلِ.

стр. 319

قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: وَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا قَامَ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَابْتَدَأَ لِيُورِدَهُ، فَسَقَطَ مِنْ قَامَتِهِ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ. أَوِ انْفِرَادِهِ عَمَّنْ لَمْ يُدْرِكْهُ بِمَا لَمْ يُوجَدْ عِنْدَ غَيْرِهِمَا، أَوِ انْفِرَادِهِ بِشَيْءٍ مِنْ كَوْنِهِ فِيمَا يَلْزَمُ الْمُكَلَّفِينَ عِلْمُهُ، وَقَطْعُ الْعُذْرِ فِيهِ ; كَمَا قَرَّرَهُ الْخَطِيبُ فِي أَوَّلِ (الْكِفَايَةِ) ، أَوْ بِأَمْرٍ جَسِيمٍ تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهِ ; كَحَصْرِ الْعَدُوِّ لِلْحَاجِّ عَنِ الْبَيْتِ، أَوْ بِمَا صَرَّحَ بِتَكْذِيبِهِ فِيهِ جَمْعٌ كَثِيرٌ يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ تَوَاطُؤُهُمْ عَلَى الْكَذِبِ، أَوْ تَقْلِيدُ بَعْضِهِمْ بَعْضًا. (قُلْتُ) وَقَدِ (اسْتَشْكَلَا) التَّقِيُّ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ (الثَّبَجِيُّ) بِمُثَلَّثَةٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ مَفْتُوحَتَيْنِ وَجِيمٍ ; لِأَنَّهُ وُلِدَ بِثَبَجِ الْبَحْرِ بِسَاحِلِ يَنْبُعَ مِنَ الْحِجَازِ، فِي كِتَابِهِ (الِاقْتِرَاحِ) مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ أَدِلَّةِ الْوَضْعِ (الْقَطْعَ بِالْوَضْعِ عَلَى مَا) أَيِ: الْمَرْوِيِّ الَّذِي (اعْتَرَفَ الْوَاضِعُ) فِيهِ عَلَى نَفْسِهِ بِالْوَضْعِ بِمُجَرَّدِ الِاعْتِرَافِ مِنْ غَيْرِ قَرِينَةٍ مَعَهُ (إِذْ قَدْ يَكْذِبُ) فِي خُصُوصِ اعْتِرَافِهِ ; إِمَّا لِقَصْدِ التَّنْفِيرِ عَنْ هَذَا الْمَرْوِيِّ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُورِثُ الرِّيبَةَ وَالشَّكَّ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالِاحْتِيَاطُ عَدَمُ التَّصْرِيحِ بِالْوَضْعِ. (بَلَى نَرُدُّهُ) أَيِ: الْمَرْوِيَّ ; لِاعْتِرَافِ رَاوِيهِ بِمَا يُوجِبُ فِسْقَهُ (وَعَنْهُ نَضْرِبُ) أَيْ نُعْرِضُ عَنْهُ فَلَا نَحْتَجُّ بِهِ، بَلْ وَلَا نَعْمَلُ بِهِ، وَلَا فِي الْفَضَائِلِ مُؤَاخَذَةً لَهُ بِإِقْرَارِهِ. وَنَصُّ (الِاقْتِرَاحِ) : " وَقَدْ ذُكِرَ فِيهِ - أَيْ فِي هَذَا النَّوْعِ - إِقْرَارُ الرَّاوِي بِالْوَضْعِ، وَهَذَا كَافٍ فِي رَدِّهِ، لَكِنَّهُ لَيْسَ بِقَاطِعٍ فِي كَوْنِهِ مَوْضُوعًا ; لِجَوَازِ أَنْ يَكْذِبَ فِي هَذَا الْإِقْرَارِ بِعَيْنِهِ ". وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِقَاطِعٍ هُنَا الْقَطْعَ الْمُطَابِقَ لِلْوَاقِعِ ; لِمَا تَقَرَّرَ فِي كَوْنِ الْحُكْمِ بِالصِّحَّةِ وَغَيْرِهَا إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الظَّاهِرِ، لَا مَا فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، وَإِنَّمَا أَرَادَ مُجَرَّدَ

стр. 320

الْمَنْعِ مِنْ تَسْمِيَتِهِ مَوْضُوعًا، وَلَكِنَّ الَّذِي قَرَّرَهُ شَيْخُنَا خِلَافُهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَقَدْ يُعْرَفُ الْوَضْعُ بِإِقْرَارِ وَاضِعِهِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: لَكِنْ لَا يُقْطَعُ بِذَلِكَ ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ كَذَبَ فِي ذَلِكَ الْإِقْرَارِ، قَالَ: وَفَهِمَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ - أَيْ كَابْنِ الْجَزَرِيِّ -، أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِذَلِكَ الْإِقْرَارِ أَصْلًا، وَلَيْسَ ذَلِكَ مُرَادَهُ، وَإِنَّمَا نَفَى الْقَطْعَ بِذَلِكَ ; وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْقَطْعِ نَفْيُ الْحُكْمِ ; لِأَنَّ الْحُكْمَ يَقَعُ بِالظَّنِّ الْغَالِبِ، وَهُوَ هُنَا كَذَلِكَ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمَا سَاغَ قَتْلُ الْمُقِرِّ بِالْقَتْلِ، وَلَا رَجْمُ الْمُعْتَرِفِ بِالزِّنَا ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَا كَاذِبَيْنِ فِيمَا اعْتَرَفَا بِهِ. زَادَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: وَكَذَا حُكْمُ الْفُقَهَاءِ عَلَى مَنْ أَقَرَّ بِأَنَّهُ شَهِدَ بِالزُّورِ بِمُقْتَضَى اعْتِرَافِهِ، وَقَالَ أَيْضًا رَدًّا عَلَى مَنْ تَوَقَّفَ فِي كَلَامِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ فَقَالَ: فِيهِ بَعْضُ مَا فِيهِ، وَنَحْنُ لَوْ فَتَحْنَا بَابَ التَّجْوِيزِ وَالِاحْتِمَالِ، لَوَقَعْنَا فِي الْوَسْوَسَةِ وَغَيْرِهَا - مَا نَصُّهُ: لَيْسَ فِي هَذَا وَسْوَسَةٌ، بَلْ هُوَ فِي غَايَةِ التَّحْقِيقِ. وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ نَفَى الْقَطْعَ بِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، لَا الْحُكْمَ بِكَوْنِهِ مَوْضُوعًا ; لِأَنَّهُ إِذَا أَقَرَّ يُؤَاخَذُ بِإِقْرَارِهِ، فَيُحْكَمُ بِكَوْنِ الْحَدِيثِ مَوْضُوعًا، أَمَّا إِنَّهُ يُقْطَعُ بِذَلِكَ فَلَا. قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالظَّاهِرُ مَا قَرَّرْتُهُ، وَلَا يُنَازِعُ فِيهِ الْفُرُوعُ الْمَذْكُورَةُ. وَكَذَا تَعَقَّبَ شَيْخُنَا شَيْخَهُ الشَّارِحَ ; حَيْثُ مَثَّلَ فِي النُّكَتِ لِقَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ: أَوْ مَا يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ إِقْرَارِهِ، بِمَا إِذَا حَدَّثَ عَنْ شَيْخٍ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ مَوْلِدَهُ فِي تَأْرِيخٍ يُعْلَمُ تَأَخُّرُهُ عَنْ وَفَاةِ ذَاكَ الشَّيْخِ ; لِجَرَيَانِ الِاحْتِمَالِ الْمَذْكُورِ أَيْضًا، فَيَجُوزُ أَنْ يُكْذَبَ فِي تَأْرِيخِ مَوْلِدِهِ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يُغْلَطَ فِي التَّأْرِيخِ، وَيَكُونَ فِي نَفْسِ
следующие страницы →