Полный текст (1 419 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
إِلَّا إِنْ أُخِذَ مِنْ رَدِّهِمْ حَدِيثَ: (( «إِذَا نُكِحَتِ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ» )) الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ أَمْثِلَةِ مَنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ.
وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي الْأَقْضِيَةِ أَنَّ الْقَاضِيَ ابْنَ كَجٍّ حَكَاهُ وَجْهًا عَنْ بَعْضِ الْأَصْحَابِ، وَنَقَلَهُ شَارِحُ اللُّمَعِ عَنِ اخْتِيَارِ الْقَاضِي أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَرُّوذِيِّ، وَأَنَّهُ قَاسَهُ عَلَى الشَّاهِدِ. وَتَوْجِيهُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّ الْفَرْعَ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ فِي إِثْبَاتِ الْحَدِيثِ بِحَيْثُ إِذَا أَثْبَتَ الْأَصْلُ الْحَدِيثَ ثَبَتَتْ رِوَايَةُ الْفَرْعِ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ فَرْعًا عَلَيْهِ وَتَبَعًا لَهُ فِي النَّفْيِ.
وَلَكِنْ هَذَا مُتَعَقَّبٌ ; فَإِنَّ عَدَالَةَ الْفَرْعِ يَقْتَضِي صِدْقَهُ، وَعَدَمُ عِلْمِ الْأَصْلِ لَا يُنَافِيهِ، فَالْمُثْبِتُ الْجَازِمُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي، خُصُوصًا الشَّاكُّ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَأَمَّا قِيَاسُ ذَلِكَ بِالشَّهَادَةِ، يَعْنِي عَلَى الشَّهَادَةِ، إِذَا ظَهَرَ تَوَقُّفُ الْأَصْلِ، فَفَاسِدٌ ; لِأَنَّ شَهَادَةَ الْفَرْعِ لَا تُسْمَعُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى شَهَادَةِ الْأَصْلِ، بِخِلَافِ الرِّوَايَةِ، فَافْتَرَقَا، عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ - كَمَا حَكَاهُ الْبُلْقِينِيُّ - قَدْ أَجْرَى فِي الشَّهَادَةِ عَلَى الشَّهَادَةِ الْوَجْهَيْنِ فِيمَا لَوْ لَمْ يُنْكِرِ الْحَاكِمُ حُكْمَهُ بَلْ
стр. 422
تَوَقَّفَ، وَالْأَوْفَقُ هُنَاكَ لِقَوْلِ الْأَكْثَرِينَ قَبُولُ الشَّهَادَةِ بِحُكْمِهِ، فَاسْتَوَيَا.
وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ آخَرُ، وَهُوَ إِنْ كَانَ الشَّيْخُ رَأْيُهُ يَمِيلُ إِلَى غَلَبَةِ النِّسْيَانِ، أَوْ كَانَ ذَلِكَ عَادَتَهُ فِي مَحْفُوظَاتِهِ، قُبِلَ الذَّاكِرُ الْحَافِظُ، وَإِنْ كَانَ رَأْيُهُ يَمِيلُ إِلَى جَهْلِهِ أَصْلًا بِذَلِكَ الْخَبَرِ رُدَّ، فَقَلَّمَا يَنْسَى الْإِنْسَانُ شَيْئًا حَفِظَهُ نِسْيَانًا لَا يَتَذَكَّرُهُ بِالتَّذْكِيرِ، وَالْأُمُورُ تُبْنَى عَلَى الظَّاهِرِ لَا عَلَى النَّادِرِ، قَالَهُ ابْنُ الْأَثِيرِ وَأَبُو زَيْدٍ الدَّبُوسِيُّ.
وَقَدْ صَنَّفَ الدَّارَقُطْنِيُّ، ثُمَّ الْخَطِيبُ: (مَنْ حَدَّثَ وَنَسِيَ) ، وَفِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَقْوِيَةِ الْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ الصَّحِيحِ ; لِكَوْنِ كَثِيرٍ مِنْهُمْ حَدَّثَ بِأَحَادِيثَ، ثُمَّ لَمَّا عُرِضَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَتَذَكَّرْهَا، لَكِنْ لِاعْتِمَادِهِمْ عَلَى الرُّوَاةِ عَنْهُمْ صَارُوا يَرْوُونَهَا عَنِ الَّذِي رَوَاهَا عَنْهُمْ عَنْ أَنْفُسِهِمْ. وَلِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ ; (كَقِصَّةِ) حَدِيثِ (الشَّاهِدِ وَالْيَمِينِ) ، الَّذِي لَفْظُهُ: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَضَى بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ» .
(إِذْ نَسِيَهُ سُهَيْلٌ) ابْنُ أَبِي صَالِحٍ (الَّذِي أُخِذْ) أَيْ: حُمِلَ (عَنْهُ) عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (فَكَانَ) سُهَيْلٌ (بَعْدُ) بِضَمِّ الدَّالِ عَلَى الْبِنَاءِ (عَنْ رَبِيعَهْ) هُوَ ابْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ (عَنْ نَفْسِهِ يَرْوِيهِ) ، فَيَقُولُ: أَخْبَرَنِي رَبِيعَةُ، وَهُوَ عِنْدِي ثِقَةٌ، أَنَّنِي حَدَّثْتُهُ إِيَّاهُ وَلَا أَحْفَظُهُ، قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ: وَقَدْ كَانَ أَصَابَتْ سُهَيْلًا عِلَّةٌ أَذْهَبَتْ بَعْضَ عَقْلِهِ، وَنَسِيَ بَعْضَ
стр. 423
حَدِيثِهِ، فَكَانَ يُحَدِّثُ بِهِ عَمَّنْ سَمِعَهُ مِنْهُ. وَفَائِدَتُهُ سِوَى مَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ شِدَّةِ الْوُثُوقِ بِالرَّاوِي عَنْهُ - مِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الصَّلَاحِ - الْإِعْلَامُ بِالْمَرْوِيِّ، وَكَوْنُهُ (لَنْ يُضِيعَهْ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ أَضَاعَ ; إِذْ بِتَرْكِهِ لِرِوَايَتِهِ يَضِيعُ.
وَمِنْ ظَرِيفِ مَا اتَّفَقَ فِي الْمَعْنَى أَنَّ أَبَا الْقَاسِمِ بْنَ عَسَاكِرَ، وَهُوَ أُسْتَاذُ زَمَانِهِ حِفْظًا وَإِتْقَانًا وَوَرَعًا، حَدَّثَ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُبَارَكِ الدَّهَّانَ بِبَغَدَادَ يَقُولُ: رَأَيْتُ فِي النَّوْمِ شَخْصًا أَعْرِفُهُ يُنْشِدُ صَاحِبًا لَهُ:
أَيُّهَا الْمَاطِلُ دَيْنِي ... أُمْلِي وَتُمَاطِلْ
عَلِّلِ الْقَلْبَ فَإِنِّي ... قَانِعٌ مِنْكَ بِبَاطِلْ
وَحَدَّثَ ابْنُ عَسَاكِرَ بِهَذَا صَاحِبَهُ الْحَافِظَ أَبَا سَعْدِ بْنَ السَّمْعَانِيِّ، قَالَ أَبُو سَعْدٍ: فَرَأَيْتُ ابْنَ الدَّهَّانِ، فَعَرَضْتُ ذَلِكَ عَلَيْهِ، فَقَالَ: مَا أَعْرِفُهُ. قَالَ أَبُو سَعْدٍ: وَابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ أَكْمَلِ مَنْ رَأَيْتُ، جُمِعَ لَهُ الْحِفْظُ وَالْمَعْرِفَةُ وَالْإِتْقَانُ، وَلَعَلَّ ابْنَ الدَّهَّانِ نَسِيَ، ثُمَّ كَانَ ابْنُ الدَّهَّانِ بَعْدَ ذَلِكَ يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي سَعْدٍ عَنِ ابْنِ عَسَاكِرَ عَنْ نَفْسِهِ.
قَالَ الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ: وَلِأَجْلِ أَنَّ النِّسْيَانَ غَيْرُ مَأْمُونٍ عَلَى الْإِنْسَانِ، بِحَيْثُ يُؤَدِّي إِلَى جُحُودِ مَا رُوِيَ عَنْهُ، وَتَكْذِيبِ الرَّاوِي لَهُ، كَرِهَ مَنْ كَرِهَ مِنَ الْعُلَمَاءِ التَّحْدِيثَ عَنِ الْأَحْيَاءِ، مِنْهُمُ الشَّعْبِيُّ ; فَإِنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَوْنٍ: لَا تُحَدِّثْنِي عَنِ الْأَحْيَاءِ. وَمَعْمَرٌ ; فَإِنَّهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّزَّاقِ: إِنْ قَدَرْتَ أَنْ لَا تُحَدِّثَ عَنْ حَيٍّ فَافْعَلْ.
(وَالشَّافِعِيْ) بِالْإِسْكَانِ (نَهَى ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ) ، هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (يَرْوِي) أَيْ: عَنِ الرِّوَايَةِ،
стр. 424
(عَنِ الْحَيِّ) ، وَهُوَ كَمَا [أَشَارَ إِلَيْهِ الْخَطِيبُ قَرِيبًا] دُونَ ابْنِ الصَّلَاحِ (لِ) أَجْلِ (خَوْفِ التُّهَمِ) إِذَا جَزَمَ الشَّيْخُ بِالنَّفْيِ، وَذَلِكَ فِيمَا رُوِّينَاهُ فِي مَنَاقِبِهِ وَالْمَدْخَلِ، كِلَاهُمَا لِلْبَيْهَقِيِّ، مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ الْجَصَّاصِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ قَالَ: سَمِعْتُ مِنَ الشَّافِعِيِّ حِكَايَةً، فَحَكَيْتُهَا عَنْهُ، فَنُمِيَتْ إِلَيْهِ، فَأَنْكَرَهَا، قَالَ: فَاغْتَمَّ أَبِي ; أَيْ: لِذَلِكَ غَمًّا شَدِيدًا، وَكُنَّا نُجِلُّهُ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَتِ، أَنَا أُذَكِّرُهُ لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ، فَمَضَيْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، أَلَيْسَ تَذْكُرُ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فِي الْإِمْلَاءِ عَلَى الْكَلِمَةِ؟ فَذَكَرَهَا، ثُمَّ قَالَ لِي: يَا مُحَمَّدُ، لَا تُحَدِّثْ عَنِ الْحَيِّ ; فَإِنَّ الْحَيَّ لَا يُؤْمَنُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْسَى.
لَكِنْ قَدْ قَيَّدَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ الْكَرَاهَةَ بِمَا إِذَا كَانَ لَهُ طَرِيقٌ آخَرُ سِوَى طَرِيقِ الْحَيِّ، أَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سِوَاهَا وَحَدَثَتْ وَاقِعَةٌ فَلَا مَعْنَى لِلْكَرَاهَةِ ; لِمَا فِي الْإِمْسَاكِ مِنْ كَتْمِ الْعِلْمِ، وَقَدْ يَمُوتُ الرَّاوِي قَبْلَ مَوْتِ الْمَرْوِيِّ عَنْهُ، فَيَضِيعُ الْعِلْمُ [إِنْ لَمْ يُحَدِّثْ بِهِ غَيْرَهُ] ، وَهُوَ حَسَنٌ ; إِذِ الْمَصْلَحَةُ مُحَقَّقَةٌ، وَالْمَفْسَدَةُ مَظْنُونَةٌ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي قَبُولِ الْمُبْتَدِعِ فِيمَا لَمْ نَرَهُ مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ، مِنْ أَنَّ مَصْلَحَةَ تَحْصِيلِ ذَاكَ الْمَرْوِيِّ مُقَدَّمَةٌ عَلَى مَصْلَحَةِ إِهَانَتِهِ وَإِطْفَاءِ بِدْعَتِهِ.
وَكَذَا يَحْسُنُ تَقْيِيدُ مَسْأَلَتِنَا بِمَا إِذَا كَانَا فِي بَلَدٍ وَاحِدٍ، أَمَّا إِنْ كَانَا فِي بَلَدَيْنِ فَلَا ; لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ [الْحَامِلُ لَهُ عَلَى الْإِنْكَارِ النَّفَاسَةَ] مَعَ قِلَّتِهَا بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَقَدْ حَدَّثَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ بِشَيْءٍ، وَسُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْهُ
стр. 425
فَأَنْكَرَهُ، وَبَلَغَ ذَلِكَ عَمْرًا، فَاجْتَمَعَ بِالزُّهْرِيِّ فَقَالَ لَهُ: " يَا أَبَا بَكْرٍ، أَلَيْسَ قَدْ حَدَّثْتَنِي بِكَذَا؟ فَقَالَ: مَا حَدَّثْتُكَ، ثُمَّ قَالَ: وَاللَّهِ، مَا حَدَّثْتَ بِهِ وَأَنَا حَيٌّ إِلَّا أَنْكَرْتُهُ، حَتَّى تُوضَعَ أَنْتَ فِي السِّجْنِ ".
وَقَدْ أَوْرَدْتُ الْقِصَّةَ فِي السَّادِسِ مِنَ الْمُسَلْسَلَاتِ. وَرَوَى الْبُخَارِيُّ فِي الْأَحْكَامِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاذٍ حَدِيثًا، وَوُجِدَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ وَصَفَهُ بِصَاحِبٍ لَنَا، وَإِنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ كَانَ فِي الْأَحْيَاءِ حِينَئِذٍ.
[الْأَخْذِ عَلَى التَّحْدِيثِ]
٣١١ - وَمَنْ رَوَى بِأُجْرَةٍ لَمْ يَقْبَلِ ... إِسْحَاقُ وَالرَّازِيُّ وَابْنُ حَنْبَلِ
٣١٢ - وَهْوَ شَبِيهُ أُجْرَةِ الْقُرْآنِ ... يَخْرِمُ مِنْ مُرُوءَةِ الْإِنْسَانِ
٣١٣ - لَكِنْ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ أَخَذْ ... وَغَيْرُهُ تَرَخُّصًا فَإِنْ نَبَذْ
٣١٤ - شُغْلًا بِهِ الْكَسْبَ أَجِزْ إِرْفَاقَا ... أَفْتَى بِهِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَا
[الْأَخْذِ عَلَى التَّحْدِيثِ] الْحَادِيَ عَشَرَ: فِي الْأَخْذِ عَلَى التَّحْدِيثِ.
(وَمَنْ رَوَى) الْحَدِيثَ (بِأُجْرَةٍ) أَوْ نَحْوِهَا ; كَالْجُعَالَةِ (لَمْ يَقْبَلِ إِسْحَاقُ) بْنُ إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيُّ، عُرِفَ بِابْنِ رَاهَوَيْهِ (وَ) أَبُو حَاتِمٍ (الرَّازِيُّ وَابْنُ حَنْبَلِ) هُوَ أَحْمَدُ فِي آخَرِينَ.
أَمَّا إِسْحَاقُ ; فَإِنَّهُ حِينَ سُئِلَ عَنِ الْمُحَدِّثِ يُحَدِّثُ بِالْأَجْرِ، قَالَ: لَا يُكْتَبُ عَنْهُ،
стр. 426
وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ حِينَ سُئِلَ عَمَّنْ يَأْخُذُ عَلَى الْحَدِيثِ، وَأَمَّا أَحْمَدُ فَإِنَّهُ قِيلَ لَهُ: أَيُكْتَبُ عَمَّنْ يَبِيعُ الْحَدِيثَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَا كَرَامَةَ. فَأَطْلَقَ أَبُو حَاتِمٍ جَوَابَ الْأَخْذِ الشَّامِلِ الْإِجَارَةَ وَالْجُعَالَةَ وَالْهِبَةَ وَالْهَدِيَّةَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الْجُعَالَةِ ; لِوُجُودِ الْعِلَّةِ فِيهَا أَيْضًا، وَإِنْ كَانَتِ الْإِجَارَةُ أَفْحَشَ.
وَقَدْ قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ: لَمْ يَبْقَ أَمْرٌ مِنْ أَمْرِ السَّمَاءِ إِلَّا الْحَدِيثَ وَالْقَضَاءَ، وَقَدْ فَسَدَا جَمِيعًا، الْقُضَاةُ يَرْشُونَ حَتَّى يُوَلَّوْا، وَالْمُحَدِّثُونَ يَأْخُذُونَ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الدَّرَاهِمَ.
(وَهْوَ) أَيْ: أَخْذُ الْأُجْرَةِ (شَبِيهُ أُجْرَةِ) مُعَلِّمِ (الْقُرْآنِ) وَنَحْوِهِ ; كَالتَّدْرِيسِ، يَعْنِي فِي الْجَوَازِ، إِلَّا أَنَّهُ هُنَاكَ الْعَادَةُ جَارِيَةٌ بِالْأَخْذِ فِيهِ، [وَهُوَ هُنَا فِي الْعُرْفِ] (يَخْرِمُ) أَيْ: يُنْقِصُ (مِنْ مُرُوءَةِ الْإِنْسَانِ) الْفَاعِلِ لَهُ ; لِكَوْنِهِ شَاعَ بَيْنَ أَهْلِهِ التَّخَلُّقُ بِعُلُوِّ الْهِمَمِ، وَطَهَارَةِ الشِّيَمِ، وَتَنْزِيهِ الْعِرْضِ عَنْ مَدِّ الْعَيْنِ إِلَى شَيْءٍ مِنَ الْعَرَضِ.
قَالَ الْخَطِيبُ: وَإِنَّمَا مَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ تَنْزِيهًا لِلرَّاوِي عَنْ سُوءِ الظَّنِّ بِهِ ; فَإِنَّ بَعْضَ مَنْ كَانَ يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ عَلَى الرِّوَايَةِ عُثِرَ عَلَى تَزَيُّدِهِ وَادِّعَائِهِ مَا لَمْ يَسْمَعْ لِأَجْلِ مَا كَانَ يُعْطَى، وَمِنْ هُنَا بَالَغَ شُعْبَةُ فِيمَا حُكِيَ عَنْهُ وَقَالَ: لَا تَكْتُبُوا عَنِ الْفُقَرَاءِ شَيْئًا ; فَإِنَّهُمْ يَكْذِبُونَ، وَلِذَا امْتَنَعَ مِنَ الْأَخْذِ مَنِ امْتَنَعَ، بَلْ تَوَرَّعَ الْكَثِيرُ مِنْهُمْ عَنْ قَبُولِ الْهَدِيَّةِ وَالْهِبَةِ، فَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَامِرٍ: لَمَّا جَلَسَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لِلْحَدِيثِ أُهْدِيَ لَهُ، فَرَدَّهُ وَقَالَ: إِنَّ مَنْ جَلَسَ هَذَا الْمَجْلِسَ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَلَاقٌ،
стр. 427
يَعْنِي إِنْ أَخَذَ. وَكَذَا لَمْ يَكُنِ النَّوَوِيُّ يَقْبَلُ مِمَّنْ لَهُ بِهِ عَلَقَةٌ مِنْ إِقْرَاءٍ أَوِ انْتِفَاعٍ مَا.
قَالَ ابْنُ الْعَطَّارِ: لِلْخُرُوجِ مِنْ حَدِيثِ إِهْدَاءِ الْقَوْسِ، يَعْنِي الْوَارِدَ الزَّجْرَ عَنْ آخِذِهِ مِمَّنْ عَلَّمَهُ الْقُرْآنَ، قَالَ: وَرُبَّمَا أَنَّهُ كَانَ يَرَى نَشْرَ الْعِلْمِ مُتَعَيَّنًا عَلَيْهِ مَعَ قَنَاعَةِ نَفْسِهِ وَصَبْرِهَا، قَالَ: وَالْأُمُورُ الْمُتَعَيَّنَةُ لَا يَجُوزُ أَخْذُ الْجَزَاءِ عَلَيْهَا ; كَالْقَرْضِ الْجَارِّ إِلَى مَنْفَعَةٍ ; فَإِنَّهُ حَرَامٌ بِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ - انْتَهَى.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ يَحْيَى الْبَرْمَكِيُّ: مَا رَأَيْنَا فِي الْقُرَّاءِ مِثْلَ عِيسَى بْنِ يُونُسَ بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ، عُرِضَتْ عَلَيْهِ مِائَةُ أَلْفٍ، فَقَالَ: لَا وَاللَّهِ، لَا يَتَحَدَّثُ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنِّي أَكَلْتُ لِلسُّنَّةِ ثَمَنًا، أَلَّا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تُرْسِلُوا إِلَيَّ، فَأَمَّا عَلَى الْحَدِيثِ فَلَا، وَلَا شَرْبَةَ مَاءٍ، وَلَا إِهْلِيلِجَةَ.
وَهَذَا بِمَعْنَاهُ وَأَزْيَدُ عِنْدَ أَبِي الْفَرَجِ النَّهْرَوَانِيِّ فِي الْجَلِيسِ الصَّالِحِ
стр. 428
قَالَ: دَخَلَ الرَّشِيدُ الْكُوفَةَ، وَمَعَهُ ابْنَاهُ الْأَمِينُ وَالْمَأْمُونُ، فَسَمِعَا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِدْرِيسَ وَعِيسَى بْنِ يُونُسَ، فَأَمَرَ لَهُمَا بِمَالٍ جَزِيلٍ، فَلَمْ يَقْبَلَا، وَقَالَ لَهُ عِيسَى: لَا، وَلَا إِهْلِيلِجَةَ، وَلَا شَرْبَةَ مَاءٍ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَوْ مَلَأْتَ لِي هَذَا الْمَسْجِدَ إِلَى السَّقْفِ ذَهَبًا.
وَقَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ: مَرَّ بِنَا حَمْزَةُ الزَّيَّاتُ فَاسْتَسْقَى، فَدَخَلْتُ الْبَيْتَ، فَجِئْتُهُ بِالْمَاءِ، فَلَمَّا أَرَدْتُ أَنْ أُنَاوِلَهُ نَظَرَ إِلَيَّ فَقَالَ: أَنْتَ هُوَ؟
قُلْتُ: نَعَمْ،
فَقَالَ: أَلَيْسَ تَحْضُرُنَا فِي وَقْتِ الْقِرَاءَةِ؟ قُلْتُ: نَعَمْ، فَرَدَّهُ وَأَبَى أَنْ يَشْرَبَ وَمَضَى.
وَأَهْدَى أَصْحَابُ الْحَدِيثِ لِلْأَوْزَاعِيِّ شَيْئًا، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا قَالَ لَهُمْ: أَنْتُمْ بِالْخِيَارِ إِنْ شِئْتُمْ قَبِلْتُهُ وَلَمْ أُحَدِّثْكُمْ، أَوْ رَدَدْتُهُ وَحَدَّثْتُكُمْ، فَاخْتَارُوا الرَّدَّ وَحَدَّثَهُمْ. وَنَحْوُهُ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ كَمَا لِلْخَطِيبِ فِي الْكِفَايَةِ.
وَقَالَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ السَّقَطِيُّ: كَانَ أَبُو الْغَنَائِمِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الدَّجَاجِيِّ الْبَغْدَادِيُّ ذَا وَجَاهَةٍ وَتَقَدُّمٍ وَحَالٍ وَاسِعَةٍ، وَعَهْدِي بِي وَقَدْ أَخْنَى عَلَيْهِ الزَّمَانُ بِصُرُوفِهِ، وَقَدْ قَصَدْتُهُ فِي جَمَاعَةِ مُثْرِينَ ; لِنَسْمَعَ مِنْهُ وَهُوَ مَرِيضٌ، فَدَخَلْنَا عَلَيْهِ وَهُوَ عَلَى بَادِيَةٍ، وَعَلَيْهِ جُبَّةٌ قَدْ أَكَلَتِ النَّارُ أَكْثَرَهَا، وَلَيْسَ عِنْدَهُ
стр. 429
مَا يُسَاوِي دِرْهَمًا، فَحَمَلَ عَلَى نَفْسِهِ حَتَّى قَرَأْنَا عَلَيْهِ بِحَسَبِ شَرَهِنَا، ثُمَّ قُمْنَا، وَقَدْ تَحَمَّلَ الْمَشَقَّةَ فِي إِكْرَامِنَا.
فَلَمَّا خَرَجْنَا قُلْتُ: هَلْ مَعَ سَادَتِنَا مَا نَصْرِفُهُ إِلَى الشَّيْخِ؟ فَمَالُوا إِلَى ذَلِكَ، فَاجْتَمَعَ لَهُ نَحْوُ خَمْسَةِ مَثَاقِيلَ، فَدَعَوْتُ ابْنَتَهُ وَأَعْطَيْتُهَا، وَوَقَفْتُ لِأَرَى تَسْلِيمَهَا إِلَيْهِ، فَلَمَّا دَخَلَتْ وَأَعْطَتْهُ لَطَمَ حُرَّ وَجْهِهِ، وَنَادَى: وَافَضِيحَتَاهُ! آخُذُ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عِوَضًا، لَا وَاللَّهِ، وَنَهَضَ حَافِيًا فَنَادَى بِحُرْمَةِ مَا بَيْنَنَا إِلَّا رَجَعْتُ، فَعُدْتُ إِلَيْهِ، فَبَكَى وَقَالَ: تَفْضَحُنِي مَعَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ؟ الْمَوْتُ أَهْوَنُ مِنْ ذَلِكَ. فَأَعَدْتُ الذَّهَبَ إِلَى الْجَمَاعَةِ، فَلَمْ يَقْبَلُوهُ وَتَصَدَّقُوا بِهِ.
وَمَرِضَ أَبُو الْفَتْحِ الْكَرُوخِيُّ رَاوِي التِّرْمِذِيِّ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِ بَعْضُ مَنْ كَانَ يَحْضُرُ مَجْلِسَهُ شَيْئًا مِنَ الذَّهَبِ، فَمَا قَبِلَهُ، وَقَالَ: بَعْدَ السَّبْعِينَ وَاقْتِرَابِ الْأَجَلِ آخُذُ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ شَيْئًا؟ وَرَدَّهُ مَعَ الِاحْتِيَاجِ إِلَيْهِ.
(لَكِنْ) الْحَافِظُ الْحُجَّةُ الثَّبْتُ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ (أَبُو نُعَيْمٍ) ، هُوَ (الْفَضْلُ) بْنُ دُكَيْنٍ، قَدْ (أَخَذْ) الْعِوَضَ عَلَى التَّحْدِيثِ، بِحَيْثُ كَانَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ دَرَاهِمُ صِحَاحٌ بَلْ مُكَسَّرَةٌ أَخَذَ صِرْفَهَا.
(وَ) كَذَا أَخَذَ (غَيْرُهُ) كَعَفَّانَ أَحَدِ الْحُفَّاظِ الْأَثْبَاتِ مِنْ شُيُوخِ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا، فَقَدْ قَالَ حَنْبَلُ بْنُ إِسْحَاقَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، يَعْنِي الْإِمَامَ أَحْمَدَ، يَقُولُ: شَيْخَانِ كَانَ النَّاسُ يَتَكَلَّمُونَ فِيهِمَا وَيَذْكُرُونَهُمَا، وَكُنَّا نَلْقَى مِنَ النَّاسِ فِي أَمْرِهِمَا مَا اللَّهُ بِهِ عَلِيمٌ، قَامَا لِلَّهِ بِأَمْرٍ لَمْ يَقُمْ بِهِ أَحَدٌ أَوْ كَبِيرُ أَحَدٍ مِثْلَ مَا قَامَا بِهِ: عَفَّانُ وَأَبُو نُعَيْمٍ، يَعْنِي بِقِيَامِهِمَا عَدَمَ الْإِجَابَةِ فِي الْمِحْنَةِ، وَبِكَلَامِ النَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا كَانَا يَأْخُذَانِ
стр. 430
عَلَى التَّحْدِيثِ.
وَوَصَفَ أَحْمَدُ مَعَ هَذَا عَفَّانَ بِالتَّثَبُّتِ، وَقِيلَ لَهُ: مَنْ تَابَعَ عَفَّانَ عَلَى كَذَا؟ فَقَالَ: وَعَفَّانُ يَحْتَاجُ إِلَى أَنْ يُتَابِعَهُ أَحَدٌ؟ وَأَبَا نُعَيْمٍ بِالْحُجَّةِ الثَّبْتِ، وَقَالَ مَرَّةً: إِنَّهُ يُزَاحِمُ بِهِ ابْنَ عُيَيْنَةَ، وَهُوَ عَلَى قِلَّةِ رِوَايَتِهِ أَثْبَتُ مِنْ وَكِيعٍ. إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ، بَلْ وَعَنْ أَبِي حَاتِمٍ فِي تَوْثِيقِهِ وَإِجْلَالِهِ، فَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَإِطْلَاقِهِمَا كَمَا مَضَى أَوَّلًا عَدَمُ الْكِتَابَةِ، بِأَنَّ ذَلِكَ فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ فِي الثِّقَةِ وَالتَّثَبُّتِ، أَوِ الْأَخْذُ مُخْتَلِفٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ كَمَا يُشْعِرُ بِهِ السُّؤَالُ لِأَحْمَدَ هُنَاكَ، وَمُضَايَقَةُ الْبَغَوِيِّ الَّتِي كَانَتْ سَبَبًا لِامْتِنَاعِ النَّسَائِيِّ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنْهُ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ أَيْمَنَ: لَمْ يَكُونُوا يَعِيبُونَ مِثْلَ هَذَا، إِنَّمَا الْعَيْبُ عِنْدَهُمُ الْكَذِبُ.
وَمِمَّنْ كَانَ يَأْخُذُ مِمَّنِ احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ كَثِيرٍ الدَّوْرَقِيُّ الْحَافِظُ الْمُتْقِنُ صَاحِبُ الْمُسْنَدِ، فَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْهُ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ عَتِيقٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: (( «لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ» )) الْحَدِيثَ،. . . . . . . . . . . . . . .
стр. 431
وَقَالَ عَقِبَهُ: إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُحَدِّثُ بِهِ إِلَّا بِدِينَارٍ.
وَمِمَّنْ أَخَذَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، فَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ: سَمِعْتُ قُسْطَنْطِينَ يَقُولُ: حَضَرْتُ مَجْلِسَهُ، فَقَالَ لَهُ الْمُسْتَمْلِي: مَنْ ذَكَرْتَ؟
فَقَالَ: حَدَّثَنَا بَعْضُ مَشَايِخِنَا، ثُمَّ نَعِسَ، فَقَالَ لَهُمُ الْمُسْتَمْلِي: لَا تَنْتَفِعُونَ بِهِ، فَجَمَعُوا لَهُ شَيْئًا فَأَعْطَوْهُ، فَكَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يُمْلِي عَلَيْهِمْ.
بَلْ قَالَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ: عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَيَّارٍ: إِنَّ هِشَامًا كَانَ يَأْخُذُ عَلَى كُلِّ وَرَقَتَيْنِ دِرْهَمًا وَيُشَارِطُ، وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ وَارَةَ: عَزَمْتُ زَمَانًا أَنْ أُمْسِكَ عَنْ حَدِيثِ هِشَامٍ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَبِيعُ الْحَدِيثَ. وَقَالَ صَالِحُ بْنُ مُحَمَّدٍ: إِنَّهُ كَانَ لَا يُحَدِّثُ مَا لَمْ يَأْخُذْ.
وَمِنْهُمْ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيُّ، نَزِيلُ مَكَّةَ، وَأَحَدُ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ مَعَ عُلُوِّ الْإِسْنَادِ ; فَإِنَّهُ كَانَ يَطْلُبُ عَلَى التَّحْدِيثِ. فِي آخَرِينَ سِوَى هَؤُلَاءِ مِمَّنْ أَخَذَهُ (تَرَخُّصًا) أَيْ: سُلُوكًا لِلرُّخْصَةِ فِيهِ لِلْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ، فَقَدْ قَالَ عَلِيُّ بْنُ خَشْرَمٍ: سَمِعْتُ أَبَا نُعَيْمٍ الْفَضْلَ يَقُولُ: يَلُومُونَنِي عَلَى الْأَخْذِ، وَفِي بَيْتِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ نَفْسًا، وَمَا فِيهِ رَغِيفٌ.
стр. 432
وَرَآهُ بِشْرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ فِي الْمَنَامِ بَعْدَ مَوْتِهِ فَسَأَلَهُ: مَا فَعَلَ بِكَ رَبُّكَ فِي ذَلِكَ؟ فَقَالَ: نَظَرَ الْقَاضِي فِي أَمْرِي فَوَجَدَنِي ذَا عِيَالٍ فَعَفَا عَنِّي.
وَكَذَا كَانَ الْبَغَوِيُّ يَعْتَذِرُ بِأَنَّهُ مُحْتَاجٌ، وَإِذَا عَاتَبُوهُ عَلَى الْأَخْذِ حِينَ يَقْرَأُ كُتُبَ أَبِي عُبَيْدٍ عَلَى الْحَاجِّ إِذَا قَدِمَ عَلَيْهِ مَكَّةَ يَقُولُ: يَا قَوْمُ، أَنَا بَيْنَ الْأَخْشَبَيْنِ، إِذَا خَرَجَ الْحَاجُّ نَادَى أَبُو قُبَيْسٍ قُعَيْقِعَانُ: مَنْ بَقِيَ؟ فَيَقُولُ: بَقِيَ الْمُجَاوِرُونَ، فَيَقُولُ: أَطْبِقْ.
لَكِنْ قَدْ قَبَّحَهُ النَّسَائِيُّ ثَلَاثًا، وَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ شَيْئًا، لَا لِكَذِبِهِ، بَلْ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ قَوْمٌ لِلْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ، فَبَرُّوهُ بِمَا سَهُلَ عَلَيْهِمْ، وَفِيهِمْ غَرِيبٌ فَقِيرٌ، فَأَعْفَوْهُ لِذَلِكَ، فَأَبَى إِلَّا أَنْ يَدْفَعَ كَمَا دَفَعُوا، أَوْ يَخْرُجَ عَنْهُمْ، فَاعْتَذَرَ الْغَرِيبُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَعَهُ إِلَّا قَصْعَةٌ، فَأَمَرَهُ بِإِحْضَارِهَا، فَلَمَّا أَحْضَرَهَا حَدَّثَهُمْ.
وَنَحْوُهُ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الْأَنْصَارِيَّ الْمَعْرُوفَ بِقَاضِي الْمَرِسْتَانِ شَمَّ مِنْ أَبِي الْحَسَنِ سَعْدِ الْخَيْرِ الْأَنْصَارِيِّ رَائِحَةً طَيِّبَةً، فَسَأَلَهُ عَنْهَا، فَقَالَ: هِيَ عُودٌ، فَقَالَ: ذَا عُودٌ طَيِّبٌ، فَحَمَلَ إِلَيْهِ نَزْرًا قَلِيلًا، وَدَفَعَهُ لِجَارِيَةِ الشَّيْخِ، فَاسْتَحْيَتْ مِنْ إِعْلَامِهِ بِهِ لِقِلَّتِهِ.
وَجَاءَ سَعْدُ الْخَيْرِ عَلَى عَادَتِهِ، فَاسْتَخْبَرَ مِنَ الشَّيْخِ عَنْ وُصُولِ الْعُودِ، فَقَالَ لَهُ: لَا، وَطَلَبَ الْجَارِيَةَ، فَاعْتَذَرَتْ لِقِلَّتِهِ، وَأَحْضَرَتْ ذَلِكَ، فَأَخَذَ الشَّيْخُ بِيَدِهِ وَقَالَ لِسَعْدِ الْخَيْرِ: أَهُوَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَرَمَى بِهِ إِلَيْهِ وَقَالَ: لَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ.
ثُمَّ طَلَبَ مِنْهُ سَعْدُ الْخَيْرِ أَنْ يُسْمِعَ وَلَدَهُ جُزْءَ الْأَنْصَارِيِّ، فَحَلَفَ أَنْ لَا يُسْمِعَهُ إِيَّاهُ إِلَّا أَنْ يَحْمِلَ إِلَيْهِ خَمْسَةَ أَمْنَاءِ عُودٍ، فَامْتَنَعَ وَأَلَحَّ عَلَى الشَّيْخِ فِي تَكْفِيرِ يَمِينِهِ،
стр. 433
فَمَا فَعَلَ وَلَا حَمَلَ هُوَ شَيْئًا، وَمَاتَ الشَّيْخُ وَلَمْ يَسْمَعِ ابْنُهُ الْجُزْءَ. وَلَكِنَّهُ فِي الْمُتَأَخِّرِينَ أَكْثَرُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنَ الْأَخْذِ مِنَ الْغُرَبَاءِ خَاصَّةً، فَرَوَى السِّلَفِيُّ فِي مُعْجَمِ السَّفَرِ لَهُ مِنْ طَرِيقِ سَهْلِ بْنِ بِشْرٍ الْإِسْفَرَائِينِيِّ قَالَ: اجْتَمَعْنَا بِمِصْرَ طَبَقَةً مِنْ طَلَبَةِ الْحَدِيثِ، فَقَصَدْنَا عَلِيَّ بْنَ مُنِيرٍ الْخَلَّالَ، فَلَمْ يَأْذَنْ لَنَا فِي الدُّخُولِ، فَجَعَلَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَلِيٍّ النَّخْشَبِيُّ فَاهُ عَلَى كُوَّةِ بَابِهِ، وَرَفَعَ صَوْتَهُ بِقَوْلِهِ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : ((مَنْ سُئِلَ عَنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ)) ، قَالَ: فَفَتَحَ الْبَابَ وَدَخَلْنَا، فَقَالَ: لَا أُحَدِّثُ الْيَوْمَ إِلَّا مِنْ وَزْنِ الذَّهَبِ، فَأَخَذَ مِنْ كُلِّ مَنْ حَضَرَ مِنَ الْمِصْرِيِّينَ، وَلَمْ يَأْخُذْ مِنَ الْغُرَبَاءِ شَيْئًا، وَكَانَ فَقِيرًا لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الدُّنْيَا شَيْءٌ، وَهُوَ مِنَ الثِّقَاتِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ يَشْرِطُ شَيْئًا وَلَا يَذْكُرُهُ، غَيْرَ أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ مِنْ قَبُولِ مَا يُعْطَى بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ قَبْلَهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَقْتَصِرُ فِي الْأَخْذِ عَلَى الْأَغْنِيَاءِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يَمْتَنِعُ فِي الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ.
قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ سُكَيْنَةَ: قُلْتُ لِلْحَافِظِ ابْنِ نَاصِرٍ: أُرِيدُ أَنْ أَقْرَأَ عَلَيْكَ شَرْحَ دِيوَانِ الْمُتَنَبِّي لِأَبِي زَكَرِيَّا، وَكَانَ يَرْوِيهِ عَنْهُ، فَقَالَ: إِنَّكَ دَائِمًا تَقْرَأُ عَلَيَّ
стр. 434
الْحَدِيثَ مَجَّانًا، وَهَذَا شِعْرٌ، وَنَحْنُ نَحْتَاجُ إِلَى دَفْعٍ شَيْءٍ مِنَ الْأَجْرِ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنَ الْأُمُورِ الدِّينِيَّةِ.
قَالَ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِوَالِدِي، فَدَفَعَ إِلَيَّ كَاغِدًا فِيهِ خَمْسَةُ دَنَانِيرَ، فَأَعْطَيْتُهُ إِيَّاهُ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ الْكِتَابَ - انْتَهَى. وَكَانَ مَعَ ذَلِكَ فَقِيرًا.
وَنَحْوُهُ أَنَّ أَبَا نَصْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ مَوْهُوبٍ الْبَغْدَادِيَّ الضَّرِيرَ الْفَرَضِيَّ كَانَ يَأْخُذُ الْأُجْرَةَ مِمَّنْ يُعَلِّمُهُ الْجَبْرَ وَالْمُقَابَلَةَ دُونَ الْفَرَائِضِ وَالْحِسَابِ، وَيَقُولُ: الْفَرَائِضُ مُهِمَّةٌ، وَهَذَا مِنَ الْفَضْلِ. حَكَاهُمَا ابْنُ النَّجَّارِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ لَا يَأْخُذُ شَيْئًا، وَلَكِنْ يَقُولُ: إِنَّ لَنَا جِيرَانًا مُحْتَاجِينَ، فَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِمْ، وَإِلَّا لَمْ أُحَدِّثْكُمْ، قَالَهُ زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ عَنْ شَيْخِهِ: إِنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهُ.
ثُمَّ إِنَّ مَا تَقَدَّمَ [مِنْ كَوْنِ الْأَخْذِ خَارِمًا، هُوَ حَيْثُ لَمْ يَقْتَرِنْ بِعُذْرٍ مِنْ فَقْرٍ مُرَخِّصٍ، أَوْ تَعْطِيلٍ عَنْ كَسْبٍ] (فَإِنْ) كَانَ ذَا كَسْبٍ، وَلَكِنْ (نَبَذْ) بِنُونٍ ثُمَّ مُوَحَّدَةٍ وَذَالٍ مُعْجَمَةٍ ; أَيْ: أَلْقَى (شُغْلًا بِهِ) أَيْ: لِاشْتِغَالِهِ بِالتَّحْدِيثِ (الْكَسْبَ) لِعِيَالِهِ (أَجِزْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ لَهُ الْأَخْذَ (إِرْفَاقَا) أَيْ: لِأَجْلِ الْإِرْفَاقِ بِهِ فِي مَعِيشَتِهِ عِوَضًا عَمَّا فَاتَهُ مِنَ الْكَسْبِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ، فَقَدْ (أَفْتَى بِهِ) أَيْ: بِجَوَازِ الْأَخْذِ (الشَّيْخُ) الْوَلِيُّ (أَبُو إِسْحَاقَا) الشِّيرَازِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، حِينَ سَأَلَهُ مُسْنِدُ الْعِرَاقِ فِي وَقْتِهِ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنُ النَّقُورِ ; لِكَوْنِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ كَانُوا يَمْنَعُونَهُ عَنِ الْكَسْبِ
стр. 435
لِعِيَالِهِ، فَكَانَ يَأْخُذُ كِفَايَتَهُ، وَعَلَى نُسْخَةِ طَالُوتَ بْنِ عَبَّادٍ أَبِي عُثْمَانَ الصَّيْرَفِيِّ بِخُصُوصِهَا دِينَارًا.
وَاتَّفَقَ أَنَّهُ جَاءَ غَرِيبٌ فَقِيرٌ فَأَرَادَ أَنْ يَسْمَعَهَا مِنْهُ، فَاحْتَالَ بِأَنِ [اقْتَصَرَ عَلَى كُنْيَةِ طَالُوتَ ; لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ بِهَا، وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ لَهُ: أَخْبَرَكَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ حُبَابَةَ] قَالَ: حَدَّثَنَا الْبَغَوِيُّ، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ الصَّيْرَفِيُّ؟ وَسَاقَ النُّسْخَةَ إِلَى آخِرِهَا، فَبَلَغَ مَقْصُودَهُ بِدُونِ دِينَارٍ.
وَسَبَقَ إِلَى الْإِفْتَاءِ بِالْجَوَازِ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ، فَقَالَ خَالِدُ بْنُ سَعْدٍ الْأَنْدَلُسِيُّ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ فُطَيْسٍ وَغَيْرَهُ يَقُولُونَ: جَمَعْنَا لِابْنِ أَخِي ابْنِ وَهْبٍ، يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، دَنَانِيرَ، وَأَعْطَيْنَاهُ إِيَّاهُ، وَقَرَأْنَا عَلَيْهِ مُوَطَّأَ عَمِّهِ وَجَامِعَهُ، قَالَ مُحَمَّدٌ: فَصَارَ فِي نَفْسِي مِنْ ذَلِكَ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَسْأَلَ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ، فَقُلْتُ: أَصْلَحَكَ اللَّهُ، الْعَالِمُ يَأْخُذُ عَلَى قِرَاءَةِ الْعِلْمِ؟ فَاسْتَشْعَرَ فِيمَا ظَهَرَ لِي أَنِّي إِنَّمَا أَسْأَلُهُ
стр. 436
عَنْ أَحْمَدَ، فَقَالَ لِي: جَائِزٌ، عَافَاكَ اللَّهُ، حَلَالٌ أَنْ لَا أَقْرَأَ لَكَ وَرَقَةً إِلَّا بِدِرْهَمٍ، وَمَنْ أَخَذَنِي أَنْ أَقْعُدَ مَعَكَ طُولَ النَّهَارِ، وَأَدَعَ مَا يَلْزَمُنِي مِنْ أَسْبَابِي وَنَفَقَةِ عِيالِي.
إِذَا عُلِمَ هَذَا فَالدَّلِيلُ لِمُطْلَقِ الْجَوَازِ كَمَا تَقَدَّمَ الْقِيَاسُ عَلَى الْقُرْآنِ ; فَقَدْ جَوَّزَ أَخْذَ الْأُجْرَةِ عَلَى تَعْلِيمِهِ الْجُمْهُورُ ; لِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (( «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا كِتَابُ اللَّهِ» )) .
وَالْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ لَا تَنْهَضُ بِالْمُعَارَضَةِ ; إِذْ لَيْسَ فِيهَا مَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ، خُصُوصًا وَلَيْسَ فِيهَا تَصْرِيحٌ بِالْمَنْعِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، بَلْ هِيَ وَقَائِعُ أَحْوَالٍ مُحْتَمِلَةٌ لِلتَّأْوِيلِ لِتُوَافِقَ الصَّحِيحَ، وَقَدْ حَمَلَهَا بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأَخْذِ فِيمَا تَعَيَّنَ عَلَيْهِ تَعْلِيمُهُ، لَا سِيَّمَا عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ.
وَكَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي تَفْسِيرِ أَبِي الْعَالِيَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [البقرة: ٤١] ; أَيْ: لَا تَأْخُذُوا عَلَيْهِ أَجْرًا، وَهُوَ مَكْتُوبٌ عِنْدَهُمْ فِي الْكِتَابِ الْأَوَّلِ: يَا ابْنَ آدَمَ، عَلِّمْ مَجَّانًا كَمَا عُلِّمْتَ مَجَّانًا.
وَلَيْسَ فِي قَوْلِ عَازِبٍ لِأَبِي بَكْرٍ، حِينَ سَأَلَهُ أَنْ يَأْمُرَ ابْنَهُ الْبَرَاءَ ﵁ بِحَمْلِ مَا اشْتَرَاهُ مِنْهُ مَعَهُ: لَا حَتَّى يُحَدِّثَنَا بِكَذَا، مُتَمَسَّكٌ لِلْجَوَازِ ; لِتَوَقُّفِهِ كَمَا قَالَ
стр. 437
شَيْخُنَا عَلَى أَنَّ عَازِبًا لَوِ اسْتَمَرَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ إِرْسَالِ ابْنِهِ لَاسْتَمَرَّ أَبُو بَكْرٍ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنَ التَّحْدِيثِ، يَعْنِي: فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَمَا امْتَنَعَ أَبُو بَكْرٍ، وَلَا أَقَرَّ عَازِبًا عَلَيْهِ، وَلَكِنْ لَيْسَ هَذَا بِلَازِمٍ ; لِاحْتِمَالٍ أَنْ يَكُونَ امْتِنَاعُهُ تَأْدِيبًا وَزَجْرًا، وَتَقْرِيرُهُ عَازِبًا فَلِكَوْنِهِ فَهِمَ عَنْهُ قَصْدَ الْمُبَادَرَةِ لِإِسْمَاعِ ابْنِهِ، وَكَوْنِهِ حَاضِرًا مَعَهُ خَوْفًا مِنَ الْفَوَاتِ، لَا خُصُوصَ هَذَا الْمَحْكِيِّ. وَعَلَى هَذَا، فَمَا بَقِيَ فِيهِمَا مُتَمَسَّكٌ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَقَدْ سَبَقَ لِلْمَنْعِ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَقَالَ: وَمِنِ الْمُهِمِّ هُنَا أَنْ نَقُولَ: قَدْ عُلِمَ أَنَّ حِرْصَ الطَّلَبَةِ لِلْعِلْمِ قَدْ فَتَرَ، لَا بَلْ قَدْ بَطَلَ، فَيَنْبَغِي لِلْعُلَمَاءِ أَنْ يُحَبِّبُوا لَهُمُ الْعِلْمَ، وَإِلَّا فَإِذَا رَأَى طَالِبُ الْأَثَرِ أَنَّ الْإِسْنَادَ يُبَاعُ، وَالْغَالِبُ عَلَى الطَّلَبَةِ الْفَقْرُ، تَرَكَ الطَّلَبَ، فَكَانَ هَذَا سَبَبًا لِمَوْتِ السُّنَّةِ، وَيَدْخُلُ هَؤُلَاءِ فِي مَعْنَى الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ، وَقَدْ رَأَيْنَا مَنْ كَانَ عَلَى مَأْثُورِ السَّلَفِ فِي نَشْرِ السُّنَّةِ بُورِكَ لَهُ فِي حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ، وَأَمَّا مَنْ كَانَ عَلَى السِّيرَةِ الَّتِي ذَمَمْنَاهَا لَمْ يُبَارَكْ لَهُ عَلَى غَزَارَةِ عِلْمِهِ - انْتَهَى.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْأَنْمَاطِيِّ الْحَافِظُ قَالَ: رَغَّبْتُ أَبَا عَلِيٍّ حَنْبَلَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ الْبَغْدَادِيَّ الرَّصَافِيَّ رَاوِيَ مُسْنَدِ أَحْمَدَ فِي السَّفَرِ إِلَى الشَّامِ، وَكَانَ فَقِيرًا جِدًّا،
стр. 438
فَقُلْتُ لَهُ: يَحْصُلُ لَكَ مِنَ الدُّنْيَا طَرَفٌ صَالِحٌ، وَيُقْبِلُ عَلَيْكَ وُجُوهُ النَّاسِ وَرُؤَسَاؤُهُمْ، فَقَالَ: دَعْنِي، فَوَاللَّهِ مَا أُسَافِرُ لِأَجْلِهِمْ، وَلَا لِمَا يَحْصُلُ مِنْهُمْ، وَإِنَّمَا أُسَافِرُ خِدْمَةً لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَرْوِي أَحَادِيثَهُ فِي بَلَدٍ لَا تُرْوَى فِيهِ.
قَالَ: وَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ مِنْهُ هَذِهِ النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ أَقْبَلَ بِوُجُوهِ النَّاسِ إِلَيْهِ، وَحَرَّكَ الْهِمَمَ لِلسَّمَاعِ عَلَيْهِ، فَاجْتَمَعَ إِلَيْهِ جَمَاعَةٌ لَا نَعْلَمُهَا، اجْتَمَعَتْ فِي مَجْلِسِ سَمَاعٍ قَبْلَ هَذَا بِدِمَشْقَ، بَلْ لَمْ يَجْتَمِعْ مِثْلُهَا قَطُّ لِأَحَدٍ مِمَّنْ رَوَى الْمُسْنَدَ، نَسْأَلُ اللَّهَ الْإِخْلَاصَ قَوْلًا وَفِعْلًا.
[مَا يَخْرِمُ الضَّبْطَ]
٣١٥ - وَرُدَّ ذُو تَسَاهُلٍ فِي الْحَمْلِ ... كَالنَّوْمِ وَالْأَدَاءِ كُلًّا مِنْ أَصْلِ
٣١٦ - أَوْ قَبِلَ التَّلْقِينَ أَوْ قَدْ وُصِفَا ... بِالْمُنْكَرَاتِ كَثْرَةً أَوْ عُرِفَا
٣١٧ - بِكَثْرَةِ السَّهْوِ وَمَا حَدَّثَ مِنْ ... أَصْلٍ صَحِيحٍ فَهْوَ رَدٌّ ثُمَّ إِنْ
٣١٨ - بُيِّنْ لَهُ غَلَطُهُ فَمَا رَجَعْ ... سَقَطَ عِنْدَهُمْ حَدِيثُهُ جُمَعْ
٣١٩ - كَذَا الْحُمَيْدِيُّ مَعَ ابْنِ حَنْبَلِ ... وَابْنُ الْمُبَارَكِ رَأَوْا فِي الْعَمَلِ
٣٢٠ - قَالَ: وَفِيهِ نَظَرٌ، نَعَمْ إِذَا ... كَانَ عِنَادًا مِنْهُ مَا يُنْكَرُ ذَا
[مَا يَخْرِمُ الضَّبْطَ] الثَّانِيَ عَشَرَ: فِي التَّسَاهُلِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَخْرِمُ الضَّبْطَ.
(وَرُدَّ) عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ (ذُو تَسَاهُلٍ فِي الْحَمْلِ) أَيِ: التَّحَمُّلِ لِلْحَدِيثِ وَسَمَاعِهِ (كَ) الْمُتَحَمِّلِ حَالَ (النَّوْمِ) الْكَثِيرِ الْوَاقِعِ مِنْهُ أَوْ مِنْ شَيْخِهِ، مَعَ عَدَمِ مُبَالَاتِهِ بِذَلِكَ، فَلَمْ يَقْبَلُوا رِوَايَتَهُ.
وَمَا وَقَعَ لَهُمْ مِنْ قَبُولِ الْإِمَامِ الثِّقَةِ الْحُجَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ مَعَ وَصْفِ ابْنِ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرِهِ لَهُ بِأَنَّهُ كَانَ رَدِيءَ الْأَخْذِ.
стр. 439
وَقَوْلُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ: إِنَّهُ رَآهُ وَأَخُوهُ أَبُو بَكْرٍ وَغَيْرُهُمَا مِنَ الْحُفَّاظِ وَهُوَ نَائِمٌ فِي حَالِ كَوْنِهِ يُقْرَأُ لَهُ عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَإِنَّ عُثْمَانَ قَالَ لِلْقَارِئِ: أَنْتَ تَقْرَأُ وَصَاحِبُكَ نَائِمٌ، فَضَحِكَ ابْنُ عُيَيْنَةَ. قَالَ عُثْمَانُ: فَتَرَكْنَا ابْنَ وَهْبٍ إِلَى يَوْمِنَا هَذَا، فَقِيلَ لَهُ: وَلِهَذَا تَرَكْتُمُوهُ؟ قَالَ: نَعَمْ، أَتُرِيدُ أَكْثَرَ مِنْ ذَا؟ رَوَاهُ الْخَطِيبُ.
فَلِكَوْنِهِ فِي ذَلِكَ مَاشِيًا عَلَى مَذْهَبِ أَهْلِ بَلَدِهِ فِي تَجْوِيزِ الْإِجَازَةِ، وَأَنْ يُقَالَ فِيهَا: حَدَّثَنِي، بَلْ قَالَ أَحْمَدُ: إِنَّهُ كَانَ صَحِيحَ الْحَدِيثِ، يَفْصِلُ السَّمَاعَ مِنَ الْعَرْضِ، وَالْحَدِيثَ مِنَ الْحَدِيثِ، مَا أَصَحَّ حَدِيثَهُ، فَقِيلَ لَهُ: أَلَيْسَ كَانَ يُسِيءُ الْأَخْذَ؟ قَالَ: قَدْ كَانَ، وَلَكِنَّكَ إِذَا نَظَرْتَ فِي حَدِيثِهِ عَنْ مَشَايِخِهِ وَجَدْتَهُ صَحِيحًا.
ثُمَّ إِنَّهُ لَا يَضُرُّ فِي كُلِّ مِنَ التَّحَمُّلِ وَالْأَدَاءِ النُّعَاسُ الْخَفِيفُ الَّذِي لَا يَخْتَلُّ مَعَهُ فَهْمُ الْكَلَامِ، لَا سِيَّمَا مِنَ الْفَطِنِ، فَقَدْ كَانَ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ رُبَّمَا يَنْعَسُ فِي حَالِ إِسْمَاعِهِ، وَيَغْلَطُ الْقَارِئُ أَوْ يَزِلُّ فَيُبَادِرُ لِلرَّدِّ عَلَيْهِ، وَكَذَا شَاهَدْتُ شَيْخَنَا غَيْرَ مَرَّةٍ، بَلْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ الرَّاسِخِينَ فِي الْعَرَبِيَّةِ أَنَّهُ كَانَ يُقْرِئُ شَرْحَ أَلْفِيَّةِ النَّحْوِ لِابْنِ الْمُصَنِّفِ وَهُوَ نَاعِسٌ.
وَمَا يُوجَدُ فِي الطِّبَاقِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى نُعَاسِ السَّامِعِ أَوِ الْمُسْمِعِ لَعَلَّهُ فِيمَنْ جُهِلَ حَالُهُ، أَوْ عُلِمَ بِعَدَمِ الْفَهْمِ.
وَأَمَّا امْتِنَاعُ التَّقِيِّ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مِنَ التَّحْدِيثِ عَنِ ابْنِ الْمُقَيَّرِ مَعَ صِحَّةِ سَمَاعِهِ مِنْهُ ; لِكَوْنِهِ شَكَّ هَلْ نَعِسَ حَالَ السَّمَاعِ أَمْ لَا، فَلِوَرَعِهِ ; فَقَدْ كَانَ مِنْ
стр. 440
الْوَرَعِ بِمَكَانٍ.
وَنَحْوُهُ أَنَّهُ قِيلَ لِعَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنَ شَقِيقٍ الْمَرْوَزِيِّ: أَسَمِعْتَ الْكِتَابَ الْفُلَانِيَّ؟ فَقَالَ: نَعَمْ، وَلَكِنْ نَهَقَ حِمَارٌ يَوْمًا فَاشْتَبَهَ عَلَيَّ حَدِيثٌ، وَلَمْ أَعْرِفْ تَعْيِينَهُ، فَتَرَكْتُ الْكِتَابَ كُلَّهُ. (وَ) كَذَلِكَ رُدَّ عِنْدَهُمْ ذُو تَسَاهُلٍ فِي حَالَةِ (الْأَدَاءِ) أَيِ: التَّحْدِيثِ (كَ) الْمُؤَدِّي (لَا مِنْ أَصْلٍ) صَحِيحٍ مَعَ كَوْنِهِ هُوَ أَوِ الْقَارِئِ أَوْ بَعْضِ السَّامِعِينَ غَيْرَ حَافِظٍ، حَسْبَمَا يَأْتِي فِي بَابِهِ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَنْ كَانَ يُحَدِّثُ بَعْدَ ذَهَابِ أُصُولِهِ وَاخْتِلَالِ حِفْظِهِ، كَفِعْلِ ابْنِ لَهِيعَةَ فِيمَا حَكَاهُ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ، فَقَالَ: جَاءَ قَوْمٌ وَمَعَهُمْ جُزْءٌ فَقَالُوا: سَمِعْنَاهُ مِنِ ابْنِ لَهِيعَةَ، فَنَظَرْتُ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ حَدِيثًا وَاحِدًا مِنْ حَدِيثِهِ، فَأَتَيْتُهُ وَأَعْلَمْتُهُ بِذَلِكَ، فَقَالَ: مَا أَصْنَعُ؟ يَجِيئُونِي بِكِتَابٍ فَيَقُولُونَ: هَذَا مِنْ حَدِيثِكَ، فَأُحَدِّثُهُمْ بِهِ.
وَنَحْوُهُ مَا وَقَعَ لِمُحَمَّدِ بْنِ خَلَّادٍ الْإِسْكَنْدَرَانِيِّ، جَاءَهُ رَجُلٌ بَعْدَ أَنْ ذَهَبَتْ كُتُبُهُ بِنُسْخَةِ ضِمَامِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ وَيَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، فَقَالَ لَهُ: أَلَيْسَ هُمَا سَمَاعَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ: فَحَدِّثْنِي بِهِمَا، قَالَ: قَدْ ذَهَبَتْ كُتُبِي، وَلَا أُحَدِّثُ مِنْ غَيْرِ أَصْلٍ، فَمَا زَالَ حَتَّى خَدَعَهُ، وَلِذَا مَنْ سَمِعَ مِنْهُ قَدِيمًا قَبْلَ ذِهَابِ كُتُبِهِ كَانَ صَحِيحَ الْحَدِيثِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا.
وَمِمَّنْ وُصِفَ بِالتَّسَاهُلِ فِيهِمَا قُرَّةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ: إِنَّهُ كَانَ يَتَسَاهَلُ فِي السَّمَاعِ وَفِي الْحَدِيثِ، وَلَيْسَ بِكَذَّابٍ.
стр. 441
وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّدَّ بِذَلِكَ لَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ، وَإِلَّا فَقَدْ عُرِفَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ الْمَقْبُولِينَ بِهِ، فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ لَمَّا انْضَمَّ إِلَيْهِمْ مِنَ الثِّقَةِ وَعَدَمِ الْمَجِيءِ بِمَا يُنْكَرُ، وَكَلَامُ أَحْمَدَ الْمَاضِيَ قَرِيبًا يَشْهَدُ لَهُ، أَوْ لِكَوْنِ التَّسَاهُلِ يَخْتَلِفُ، فَمِنْهُ مَا يَقْدَحُ، وَمِنْهُ مَا لَا يَقْدَحُ.
وَكَذَا مَنِ اخْتَلَّ ضَبْطُهُ بِحَيْثُ أَكْثَرَ مِنَ الْقَلْبِ أَوِ الْإِدْرَاجِ، أَوْ رَفَعِ الْمَوْقُوفِ، أَوْ وَصَلِ الْمُرْسَلِ (أَوْ قَبِلَ التَّلْقِينَ) الْبَاطِلَ مِمَّنْ يُلَقِّنُهُ إِيَّاهُ فِي الْحَدِيثِ إِسْنَادًا أَوْ مَتْنًا، وَبَادَرَ إِلَى التَّحْدِيثِ بِذَلِكَ وَلَوْ مَرَّةً ; لِدَلَالَتِهِ عَلَى مُجَازَفَتِهِ وَعَدَمِ تَثَبُّتِهِ وَسُقُوطِ الْوُثُوقِ بِالْمُتَّصِفِ بِهِ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ كَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ يَفْعَلُهُ اخْتِبَارًا وَتَجْرِبَةً لِحِفْظِ الرَّاوِي وَضَبْطِهِ وَحِذْقِهِ.
قَالَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدِهِ: لَقَّنْتُ سَلَمَةَ بْنَ عَلْقَمَةَ حَدِيثًا، فَحَدَّثَنِي بِهِ، ثُمَّ رَجَعَ فِيهِ وَقَالَ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُكَذِّبَ صَاحِبَكَ ; أَيْ: تَعْرِفَ كَذِبَهُ، فَلَقِّنْهُ.
وَكَذَا قَالَ قَتَادَةُ: إِذَا أَرَدْتَ أَنْ تُكَذِّبَ صَاحِبَكَ فَلَقِّنْهُ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَفْعَلُهُ لِيَرْوِيَهُ بَعْدَ ذَلِكَ عَمَّنْ لَقَّنَهُ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْقَدْحِ فِي فَاعِلِهِ. قَالَ عَبْدَانُ الْأَهْوَازِيُّ: كَانَ الْبَغْدَادِيُّونَ، كَعَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ عَطَاءٍ، يُلَقِّنُونَ الْمَشَايِخَ، وَكُنْتُ أَمْنَعُهُمْ.
стр. 442
وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ: كَانَ فَضْلُكَ يَدُورُ عَلَى أَحَادِيثِ أَبِي مُسْهِرٍ وَغَيْرِهِ، يُلَقِّنُهَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، يَعْنِي: بَعْدَ مَا كَبِرَ، بِحَيْثُ كَانَ كُلَّمَا دُفِعَ إِلَيْهِ قَرَأَهُ، وَكُلَّمَا لُقِّنَ تَلَقَّنَ، وَيُحَدِّثُهُ بِهَا.
قَالَ: وَكُنْتُ أَخْشَى أَنْ يَفْتِقَ فِي الْإِسْلَامِ فَتْقًا، وَلَكِنْ قَدْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَيَّارٍ: لَمَّا لُمْتُهُ عَلَى قَبُولِ التَّلْقِينِ، قَالَ: أَنَا أَعْرِفُ حَدِيثِي، ثُمَّ قَالَ لِي بَعْدَ سَاعَةٍ: إِنْ كُنْتَ تَشْتَهِي أَنْ تَعْلَمَ فَأَدْخِلْ إِنْسَانًا فِي شَيْءٍ. فَتَفَقَّدْتُ الْأَسَانِيدَ الَّتِي فِيهَا قَلِيلُ اضْطِرَابٍ، فَسَأَلْتُهُ عَنْهَا، فَكَانَ يَمُرُّ فِيهَا، وَكَانَ أَيْضًا يَقُولُ: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ [البقرة: ١٨٠] .
وَمِنِ الْأَوَّلِ مَا وَقَعَ لِحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ، فَإِنَّهُ لَقِيَ هُوَ وَيَحْيَى الْقَطَّانُ وَغَيْرُهُمَا مُوسَى بْنَ دِينَارٍ الْمَكِّيَّ، فَجَعَلَ حَفْصٌ يَضَعُ لَهُ الْحَدِيثَ فَيَقُولُ: حَدَّثَتْكَ عَائِشَةُ بِنْتُ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِكَذَا وَكَذَا، فَيَقُولُ: حَدَّثَتْنَي عَائِشَةُ، وَيَقُولُ لَهُ: وَحَدَّثَكَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ، فَيَقُولُ: حَدَّثَنِي الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ بِمِثْلِهِ، أَوْ يَقُولُ: حَدَّثَكَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ، فَيَقُولُ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِهِ.
فَلَمَّا فَرَغَ حَفْصٌ مَدَّ يَدَهُ لِبَعْضِ مَنْ حَضَرَ مِمَّنْ لَمْ يَعْلَمِ الْمَقْصِدَ، وَلَيْسَتْ لَهُ نَبَاهَةٌ، فَأَخَذَ
стр. 443
أَلْوَاحَهُ الَّتِي كَتَبَ فِيهَا وَمَحَاهَا، وَبَيَّنَ لَهُ كَذِبَ مُوسَى.
وَمِنَ الثَّانِي مَنْ عَمِدَ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ إِلَى مَسَائِلَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، فَجَعَلُوا لَهَا أَسَانِيدَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَوَضَعُوهَا فِي كُتُبِ خَارِجَةَ بْنِ مُصْعَبٍ، فَصَارَ يُحَدِّثُ بِهَا فِي جَمَاعَةٍ مِمَّنْ كَانَ يَقْبَلُ التَّلْقِينَ. أَفْرَدُوا بِالتَّأْلِيفِ (أَوْ قَدْ وُصِفَا) مِنَ الْأَئِمَّةِ (بِ) رِوَايَةِ (الْمُنْكَرَاتِ) أَوِ الشَّوَاذِّ (كَثْرَةً) أَيْ: حَالَ كَوْنِهَا ذَاتَ كَثْرَةٍ.
(أَوْ عُرْفًا بِكَثْرَةٍ السَّهْوِ) وَالْغَلَطِ فِي رِوَايَتِهِ، كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الرِّسَالَةِ، حَالَ كَوْنِهِ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ (وَمَا حَدَّثَ مِنْ أَصْلٍ صَحِيحٍ فَهْوَ) أَيِ: الْمُتَّصِفُ بِشَيْءٍ مِمَّا ذُكِرَ (رَدٌّ) أَيْ: مَرْدُودٌ عِنْدَهُمْ ; لِأَنَّ الِاتِّصَافَ بِذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ يَخْرِمُ الثِّقَةَ بِالرَّاوِي وَضَبْطِهِ. قَالَ شُعْبَةُ: لَا يَجِيئُكَ الْحَدِيثُ الشَّاذُّ إِلَّا مِنَ الرَّجُلِ الشَّاذِّ.
وَقِيلَ لَهُ أَيْضًا: مَنِ الَّذِي نَتْرُكُ الرِّوَايَةَ عَنْهُ؟ قَالَ: إِذَا أَكْثَرَ مِنَ الرِّوَايَةِ عَنِ الْمَعْرُوفِ بِمَا لَا يُعْرَفُ، وَأَكْثَرَ الْغَلَطَ.
وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، فِيمَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ عَنْهُ: " مَنْ عُرِفَ بِكَثْرَةِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ وَقِلَّةِ الضَّبْطِ رُدَّ حَدِيثُهُ ".
قَالَ: وَكَذَا يُرَدُّ خَبَرُ مَنْ عُرِفَ بِالتَّسَاهُلِ فِي الْحَدِيثِ النَّبَوِيِّ، دُونَ الْمُتَسَاهِلِ فِي حَدِيثِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَأَمْثَالِهِ، وَمَا لَيْسَ بِحُكْمٍ فِي الدِّينِ، يَعْنِي: لِأَمْنِ الْخَلَلِ فِيهِ،
стр. 444
وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ مِنَ الْأُصُولِيِّينَ فِيهِ.
وَيُخَالِفُهُ قَوْلُ ابْنِ النَّفِيسِ: مَنْ تَشَدَّدَ فِي الْحَدِيثِ وَتَسَاهَلَ فِي غَيْرِهِ فَالْأَصَحُّ أَنَّ رِوَايَتَهُ تُرَدُّ، قَالَ: لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ إِنَّمَا تَشَدَّدَ فِي الْحَدِيثِ لِغَرَضٍ، وَإِلَّا لَلَزِمَ التَّشَدُّدُ مُطْلَقًا، وَقَدْ يَتَغَيَّرُ ذَلِكَ الْغَرَضُ أَوْ يَحْصُلُ بِدُونِ تَشَدُّدٍ، فَيَكْذِبُ - انْتَهَى.
إِلَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى التَّسَاهُلِ فِيمَا هُوَ حُكْمٌ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يَنْفَرِدِ ابْنُ النَّفِيسِ بِهَذَا، بَلْ سَبَقَهُ إِلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ ; لِأَنَّهُ قَدْ يَجُرُّ إِلَى التَّسَاهُلِ فِي الْحَدِيثِ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي تَسَاهُلٍ لَا يُفْضِي إِلَى الْخُرُوجِ عَنِ الْعَدَالَةِ، وَلَوْ فِيمَا يَكُونُ بِهِ خَارِمًا لِلْمُرُوءَةِ، فَاعْلَمْهُ.
أَمَّا مَنْ لَمْ يَكْثُرْ شُذُوذُهُ وَلَا مَنَاكِيرُهُ، أَوْ كَثُرَ ذَلِكَ مَعَ تَمْيِيزِهِ لَهُ وَبَيَانِهِ، أَوْ حَدَّثَ مَعَ اتِّصَافِهِ بِكَثْرَةِ السَّهْوِ مِنْ أَصْلٍ صَحِيحٍ، بِحَيْثُ زَالَ الْمَحْذُورُ فِي تَحْدِيثِهِ مِنْ حِفْظِهِ فَلَا، وَكَذَا إِذَا حَدَّثَ سَيِّئُ الْحِفْظِ عَنْ شَيْخٍ عُرِفَ فِيهِ بِخُصُوصِهِ بِالضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ، كَإِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ ; حَيْثُ قُبِلَ فِي الشَّامِيِّينَ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِمْ.
عَلَى أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ تَوَقَّفَ فِي رَدِ مَنْ كَثُرَتِ الْمَنَاكِيرُ وَشَبَهُهَا فِي حَدِيثِهِ ; لِكَثْرَةِ وُقُوعِ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ كَثِيرٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَلَمْ تُرَدْ رِوَايَتُهُمْ.
وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ كَثُرَ ذَلِكَ فِي رِوَايِاتِهِ مَعَ ظُهُورِ إِلْصَاقِ ذَلِكَ بِهِ لِجَلَالَةِ بَاقِي رِجَالِ السَّنَدِ.
(ثُمَّ إِنْ بُيِّنْ لَهُ) بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَنُونٍ سَاكِنَةٍ مُدْغَمَةٍ فِي اللَّامِ ; أَيِ: الرَّاوِي الَّذِي سَهَا أَوْ غَلَطَ وَلَوْ مَرَّةً (غَلَطُهُ فَمَا رَجَعْ) عَنْ خَطَئِهِ، بَلْ أَصَرَّ عَلَيْهِ (سَقَطَ
стр. 445
عِنْدَهُمْ) أَيِ: الْمُحَدِّثِينَ (حَدِيثُهُ) ، بَلْ مَرْوِيُّهُ (جُمَعْ) بِضَمِّ الْجِيمِ وَزْنَ مُضَرَ. وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ كَمَا سَيَأْتِي آخِرَ الْمَقَالَةِ.
وَ (كَذَا) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ (الْحُمَيْدِيُّ مَعَ ابْنِ حَنْبَلِ) الْإِمَامِ أَحْمَدَ (وَابْنِ الْمُبَارَكِ) عَبْدِ اللَّهِ وَغَيْرِهِمْ (رَأَوْا) إِسْقَاطَ حَدِيثِ الْمُتَّصِفِ بِهَذَا (فِي الْعَمَلِ) احْتَجَاجًا وَرِوَايَةً، حَتَّى تَرَكُوا الْكِتَابَةَ عَنْهُ (قَالَ) ابْنُ الصَّلَاحِ: (وَفِيهِ نَظَرٌ) ، وَكَأَنَّهُ لِكَوْنِهِ قَدْ لَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ مَا قِيلَ لَهُ، إِمَّا لِعَدَمِ اعْتِقَادِهِ عِلْمَ الْمُبَيَّنِ لَهُ، وَعَدْمَ أَهْلِيَّتِهِ، أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، قَالَ: (نَعَمْ، إِذَا كَانَ) عَدَمُ رُجُوعِهِ (عِنَادًا) مَحْضًا (مِنْهُ) ، لَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ، وَلَا مَطْعَنَ عِنْدَهُ يُبْدِيهِ، فَ (مَا يُنْكَرُ ذَا) أَيِ: الْقَوْلُ بِسُقُوطِ رِوَايَاتِهِ وَعَدَمِ الْكِتَابَةِ عَنْهُ.
وَيُرْشِدُ لِذَلِكَ قَوْلُ شُعْبَةَ حِينَ سَأَلَهُ ابْنُ مَهْدِيٍّ: مَنِ الَّذِي تَتْرُكُ الرِّوَايَةَ عَنْهُ؟ مَا نَصُّهُ: إِذَا تَمَادَى فِي غَلَطٍ مُجْتَمَعٍ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَتَّهِمْ نَفْسَهُ عِنْدَ اجْتِمَاعِهِمْ، أَوْ رَجُلٌ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ حِبَّانَ: " مَنْ يُبَيَّنُ لَهُ خَطَؤُهُ، وَعَلِمَ فَلَمْ يَرْجِعْ وَتَمَادَى فِي ذَلِكَ، كَانَ كَذَّابًا بِعِلْمٍ صَحِيحٍ ".
قَالَ التَّاجُ التِّبْرِيزِيُّ: لِأَنَّ الْمُعَانِدَ كَالْمُسْتَخِفِّ بِالْحَدِيثِ بِتَرْوِيجِ قَوْلِهِ بِالْبَاطِلِ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ عَنْ جَهْلٍ فَأَوْلَى بِالسُّقُوطِ ; لِأَنَّهُ ضَمَّ إِلَى جَهْلِهِ إِنْكَارَهُ الْحَقَّ.
وَكَانَ هَذَا فِيمَنْ يَكُونُ فِي نَفْسِهِ جَاهِلًا مَعَ اعْتِقَادِهِ عِلْمَ مَنْ أَخْبَرَهُ.
стр. 446
[تسهيل في الشروط]
٣٢١ - وَأَعْرَضُوا فِي هَذِهِ الدُّهُورِ ... عَنِ اجْتِمَاعِ هَذِهِ الْأُمُورِ
٣٢٢ - لِعُسْرِهَا بَلْ يُكْتَفَى بِالْعَاقِلِ ... الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ غَيْرِ الْفَاعِلِ
٣٢٣ - لِلْفِسْقِ ظَاهِرًا وَفِي الضَّبْطِ بِأَنْ ... يَثْبُتَ مَا رَوَى بِخَطٍ مُؤْتَمَنْ
٣٢٤ - وَأَنَّهُ يَرْوِي مِنْ أَصْلٍ وَافَقَا ... لِأَصْلِ شَيْخِهِ كَمَا قَدْ سَبَقَا
٣٢٥ - لِنَحْوِ ذَاكَ الْبَيْهَقِيُّ فَلَقَدْ ... آلَ السَّمَاعُ لِتَسَلْسُلٍ السَّنَدْ
[تسهيل في الشروط] الثَّالِثَ عَشَرَ: فِي عَدَمِ مُرَاعَاةِ مَا تَقَدَّمَ فِي الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ.
(وَأَعْرَضُوا) أَيِ: الْمُحَدِّثُونَ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ (فِي هَذِهِ الدُّهُورِ) الْمُتَأَخِّرَةِ (عَنِ) اعْتِبَارِ (اجْتِمَاعِ هَذِهِ الْأُمُورِ) الَّتِي شَرَحْتُ فِيمَا مَضَى فِي الرَّاوِي وَضَبْطِهِ، فَلَمْ يَتَقَيَّدُوا بِهَا فِي عَمَلِهِمْ ; (لِعُسْرِهَا) أَوْ تَعَذُّرِ الْوَفَاءِ بِهَا (بَلِ) اسْتَقَرَّ الْحَالُ بَيْنَهُمْ عَلَى اعْتِبَارِ بَعْضِهَا، وَأَنَّهُ (يُكْتَفَى) فِي الرِّوَايَةِ (بِالْعَاقِلِ الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ غَيْرِ الْفَاعِلِ لِلْفِسْقِ) وَمَا يَخْرِمُ الْمُرُوءَةَ (ظَاهِرًا) ، بِحَيْثُ يَكُونُ مَسْتُورَ الْحَالِ.
(وَ) يُكْتَفَى (فِي الضَّبْطِ بِأَنْ يَثْبُتَ مَا رَوَى بِخَطِّ) ثِقَةٍ (مُؤْتَمَنٍ) ، سَوَاءٌ الشَّيْخُ أَوِ الْقَارِئُ أَوْ بَعْضُ السَّامِعِينَ كَتَبَ عَلَى الْأَصْلِ أَوْ فِي ثَبْتٍ بِيَدِهِ، إِذَا كَانَ الْكَاتِبُ مِنْ أَهْلِ الْخِبْرَةِ بِهَذِهِ الشَّأْنِ، بِحَيْثُ لَا يَكُونُ الِاعْتِمَادُ فِي رِوَايَةِ هَذَا الرَّاوِي عَلَيْهِ، بَلْ عَلَى الثِّقَةِ الْمُفِيدِ لِذَلِكَ (وَأَنَّهُ يَرْوِي) حِينَ يُحَدِّثُ (مِنْ أَصْلٍ) بِنَقْلِ الْهَمْزَةِ (وَافَقَا لِأَصْلِ شَيْخِهِ كَمَا قَدْ سَبَقَا لِنَحْوِ ذَلِكَ) الْحَافِظُ الْكَبِيرُ (الْبَيْهَقِيُّ) فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ تَوَسُّعَ مَنْ تَوَسَّعَ فِي السَّمَاعِ مِنْ بَعْضِ مُحَدِّثِي زَمَانِهِ الَّذِينَ لَا يَحْفَظُونَ حَدِيثَهُمْ، وَلَا يُحْسِنُونَ قِرَاءَتَهُ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَلَا يَعْرِفُونَ مَا يُقْرَأُ عَلَيْهِمْ، بَعْدَ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ عَلَيْهِمْ مِنْ أَصْلِ سَمَاعِهِمْ، وَذَلِكَ لِتَدْوِينِ الْأَحَادِيثِ فِي الْجَوَامِعِ الَّتِي جَمَعَهَا أَئِمَّةُ الْحَدِيثِ، قَالَ: فَمَنْ جَاءَ الْيَوْمَ بِحَدِيثٍ وَاحِدٍ لَا يُوجَدُ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ ; أَيْ: لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَذْهَبَ عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَمَنْ جَاءَ بِحَدِيثٍ مَعْرُوفٍ عِنْدَهُمْ فَالَّذِي يَرْوِيهِ لَا يَنْفَرِدُ بِرِوَايَتِهِ، وَالْحُجَّةُ قَائِمَةٌ بِرِوَايَةِ غَيْرِهِ.
стр. 447
وَحِينَئِذٍ (فَلَقَدْ آلَ السَّمَاعُ) الْآنَ (لِتَسَلْسُلِ السَّنَدْ) أَيْ: بَقَاءِ سِلْسِلَتِهِ بِحَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا ; لِتَبْقَى هَذِهِ الْكَرَامَةُ الَّتِي خُصَّتْ بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةُ شَرَفًا لِنَبِيِّهَا ﷺ ، يَعْنِي الَّذِي لَمْ يَقَعِ التَّبْدِيلُ فِي الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ إِلَّا بِانْقِطَاعِهِ.
قُلْتُ: وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْغَرَضُ أَوَّلًا مَعْرِفَةَ التَّعْدِيلِ وَالتَّجْرِيحِ، وَتَفَاوُتِ الْمَقَامَاتِ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ ; لِيُتَوَصَّلَ بِذَلِكَ إِلَى التَّصْحِيحِ وَالتَّحْسِينِ وَالتَّضْعِيفِ، حَصَلَ التَّشَدُّدُ بِمَجْمُوعِ تِلْكَ الصِّفَاتِ، وَلَمَّا كَانَ الْغَرَضُ آخِرًا الِاقْتِصَارَ فِي التَّحْصِيلِ عَلَى مُجَرَّدِ وُجُودِ السِّلْسِلَةِ السَّنَدِيَّةِ اكْتَفَوْا بِمَا تَرَى.
وَلَكِنَّ ذَاكَ بِالنَّظَرِ إِلَى الْغَالِبِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ، وَإِلَّا فَقَدْ يُوجَدُ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ نَمَطِ الْآخَرِ، وَإِنْ كَانَ التَّسَاهُلُ إِلَى هَذَا الْحَدِّ فِي الْمُتَقَدِّمِينَ قَلِيلًا.
وَقَدْ سَبَقَ الْبَيْهَقِيَّ إِلَى قَوْلِهِ شَيْخُهُ الْحَاكِمُ، وَنَحْوُهُ عَنِ السِّلَفِيِّ، وَهُوَ الَّذِي اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْعَمَلُ، بَلْ حَصَلَ التَّوَسُّعُ فِيهِ أَيْضًا إِلَى مَا وَرَاءَ هَذَا، كَقِرَاءَةِ غَيْرِ الْمَاهِرِ فِي غَيْرِ أَصْلٍ مُقَابَلٍ، بِحَيْثُ كَانَ ذَلِكَ وَسِيلَةً لِإِنْكَارِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، فَضْلًا عَنْ غَيْرِهِمْ عَلَيْهِمْ.
[مَرَاتِبُ التَّعْدِيلِ]
٣٢٦ - وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ قَدْ هَذَّبَهُ ... ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ إِذْ رَتَّبَهُ
٣٢٧ - وَالشَّيْخُ زَادَ فِيهِمَا وَزِدْتُ ... مَا فِي كَلَامِ أَهْلِهِ وَجَدْتُ
стр. 448
٣٢٨ - فَأَرْفَعُ التَّعْدِيلِ مَا كَرَّرْتَهُ
كَثِقَةٍ ثَبْتٍ وَلَوْ أَعَدَتَّهُ ... ٣٢٩ - ثُمَّ يَلِيهِ ثِقَةٌ أَوْ ثَبْتٌ أَوْ
مُتْقِنٌ أَوْ حُجَّةٌ أَوِ إِذَا عَزَوْا ... ٣٣٠ - الْحِفْظَ أَوْ ضَبْطًا لِعَدْلٍ وَيَلِي
لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ صَدُوقٌ وَصِلِ ... ٣٣١ - بِذَاكَ مَأْمُونًا خِيارًا وَتَلَا
مَحَلُّهُ الصِّدْقُ رَوَوْا عَنْهُ إِلَى ... ٣٣٢ - الصِّدْقِ مَا هُوَ؟ وَكَذَا شَيْخٌ وَسَطْ
أَوْ وَسَطٌ فَحَسْبُ، أَوْ شَيْخٌ فَقَطْ ... ٣٣٣ - وَصَالِحُ الْحَدِيثِ أَوْ مُقَارِبُهْ
جَيِّدُهُ حَسَنُهُ مُقَارَبُهْ ... ٣٣٤ - صُوَيْلِحٌ صَدُوقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهْ
أَرْجُو بِأَنْ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ عَرَاهْ ... ٣٣٥ - وَابْنُ مَعِينٍ قَالَ مَنْ أَقُولُ لَا
بَأْسَ بِهِ فَثِقَةٌ وَنُقِلَا ... ٣٣٦ - أَنَّ ابْنَ مَهْدِيٍّ أَجَابَ مَنْ سَأَلْ
أَثِقَةً كَانَ أَبُو خَلْدَةَ بَلْ ... ٣٣٧ - كَانَ صَدُوقًا خَيِّرًا مَأْمُونَا
الثِّقَةُ الثَّوْرِيُّ لَوْ تَعُونَا ... ٣٣٨ - وَرُبَّمَا وَصَفَ ذَا الصِّدْقِ وُسِمْ
ضَعْفًا بِصَالِحِ الْحَدِيثِ إِذْ يَسِمْ
[مَرَاتِبُ التَّعْدِيلِ] : وَهِيَ سِتٌّ، وَقُدِّمَتْ لِشَرَفِهَا وَلِمُوَازَاةِ الْبَابِ قَبْلَهَا، الَّتِي هِيَ وَمَا بَعْدَهَا مِنْ تَتِمَّاتِهِ، وَلِذَا أَرْدَفَهُ بِهَا.
(وَالْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ) الْمُنْقَسِمَانِ إِلَى أَعْلَى وَأَدْنَى وَبَيْنَ ذَلِكَ، حَسْبَمَا دَلَّ عَلَيْهِ تَنْوِيعُهُمْ لِلْأَلْفَاظِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهَا لَهُمَا اخْتِصَارًا، مَعَ شُمُولِ الْقَبُولِ وَالرَّدِّ لَهَا (قَدْ هَذَّبَهُ) بِالْمُعْجَمَةِ ; أَيْ: هَذَّبَ كُلًّا مِنْهُمَا، حَيْثُ نَقَّى اللَّفْظَ الصَّادِرَ مِنْهُمْ فِيهِمَا (ابْنُ أَبِي حَاتِمِ) [بِغَيْرِ تَنْوِينٍ لِلْوَزْنِ وَبِهِ، مَعَ تَرْكِ هَمْزَةٍ مَا بَعْدَهُ] ، هُوَ الْإِمَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ الْإِمَامِ أَبِي حَاتِمٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِدْرِيسَ الرَّازِيِّ ; (إِذْ رَتَّبَهُ) فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِهِ (الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ) فَأَجَادَ وَأَحْسَنَ،
стр. 449
كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ.
(وَالشَّيْخُ) ابْنُ الصَّلَاحِ (زَادَ) عَلَيْهِ (فِيهِمَا) أَلْفَاظًا أَخَذَهَا مِنْ كَلَامِ غَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ (وَ) كَذَا (زِدْتُ) عَلَى كُلٍّ مِنِ ابْنِ الصَّلَاحِ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ (مَا فِي كَلَامِ) أَئِمَّةِ (أَهْلِهِ) أَيِ: الْحَدِيثِ (وَجَدْتُ) مِنَ الْأَلْفَاظِ فِي ذَلِكَ، يَعْنِي: بِدُونِ اسْتِقْصَاءٍ، وَإِلَّا فَمَنْ نَظَرَ كُتُبَ الرِّجَالِ، كَكِتَابِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ الْمَذْكُورِ، وَ (الْكَامِلِ) لِابْنِ عَدِيٍّ، وَ (التَّهْذِيبِ) وَغَيْرِهَا، ظَفَرَ بِأَلْفَاظٍ كَثِيرَةٍ، وَلَوِ اعْتَنَى بَارِعٌ بِتَتَبُّعِهَا، وَوَضَعَ كُلَّ لَفْظَةٍ بِالْمَرْتَبَةِ الْمُشَابِهَةِ لَهَا، مَعَ شَرْحِ مَعَانِيهَا لُغَةً وَاصْطِلَاحًا لَكَانَ حَسَنًا.
وَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا يَلْهَجُ بِذِكْرِ ذَلِكَ، فَمَا تَيَسَّرَ، وَالْوَاقِفُ عَلَى عِبَارَاتِ الْقَوْمِ يَفْهَمُ مَقَاصِدَهُمْ بِمَا عُرِفَ مِنْ عِبَارَاتِهِمْ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ، وَبِقَرَائِنَ تُرْشِدُ إِلَى ذَلِكَ (فَأَرْفَعُ) مَرَاتِبِ (التَّعْدِيلِ) مَا أَتَى، كَمَا قَالَ شَيْخُنَا، بِصِيغَةِ أَفْعَلَ، كَأَنْ يُقَالَ: أَوْثَقُ النَّاسِ، أَوْ أَثْبَتُ النَّاسِ، أَوْ نَحْوُهُمَا، مِثْلُ قَوْلِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ: حَدَّثَنِي أَصْدَقُ مَنْ أَدْرَكْتُ مِنَ الْبَشَرِ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ; لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ هَذِهِ الصِّيغَةُ مِنَ الزِّيَادَةِ.
وَأَلْحَقَ بِهَا شَيْخُنَا: " إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي التَّثَبُّتِ "، وَهَلْ يَلْتَحِقُ بِهَا مِثْلُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ فِي ابْنِ مَهْدِيٍّ: لَا أَعْرِفُ لَهُ نَظِيرًا فِي الدُّنْيَا؟ مُحْتَمَلٌ. ثُمَّ يَلِيهِ مَا هُوَ
стр. 450
الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى عِنْدَ بَعْضِهِمْ، قَوْلُهُمْ: فُلَانٌ لَا يُسْأَلُ عَنْ مِثْلِهِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ. ثُمَّ يَلِيهِ مَا هُوَ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى عِنْدَ الذَّهَبِيِّ فِي مُقَدِّمَةِ مِيزَانِهِ، وَتَبِعَهُ النَّاظِمُ (مَا كَرَّرْتَهُ) [مِنْ أَلْفَاظِ الْمَرْتَبَةِ التَّالِيَةِ لِهَذِهِ خَاصَّةً، مَعَ تَبَايُنِ الْأَلْفَاظِ (كَثِقَةٍ ثَبْتٍ) ، أَوْ ثَبْتٍ حُجَّةٍ (وَلُوْ أَعَدَتَّهُ) أَيِ: اللَّفْظَ الْوَاحِدَ كَثِقَةٍ ثِقَةٍ، [أَوْ ثَبْتٍ ثَبْتٍ] ; لِأَنَّ التَّأْكِيدَ الْحَاصِلَ بِالتَّكْرَارِ فِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى الْكَلَامِ الْخَالِي مِنْهُ. وَعَلَى هَذَا فَمَا زَادَ عَلَى مَرَّتَيْنِ مَثَلًا يَكُونُ أَعْلَى مِنْهَا، كَقَوْلِ ابْنِ سَعْدٍ فِي شُعْبَةَ: ثِقَةٌ، مَأْمُونٌ، ثَبْتٌ، حُجَّةٌ، صَاحِبُ حَدِيثٍ.
وَأَكْثَرُ مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَكَانَ ثِقَةً ثِقَةً تِسْعَ مَرَّاتٍ، وَكَأَنَّهُ سَكَتَ لِانْقِطَاعِ نَفَسِهِ.
(ثُمَّ يَلِيهِ) مَا هُوَ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى عِنْدَ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَالثَّانِيَةُ عِنْدَ النَّاظِمِ، وَالرَّابِعَةُ بِالنِّسْبَةِ لِمَا قَرَّرْنَاهُ (ثِقَةٌ أَوْ ثَبْتٌ) ، بِسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، الثَّابِتُ الْقَلْبِ وَاللِّسَانِ وَالْكِتَابِ وَالْحُجَّةِ، وَأَمَّا بِالْفَتْحِ فَمَا يُثْبِتُ فِيهِ الْمُحَدِّثُ مَسْمُوعَهُ مَعَ أَسْمَاءِ الْمُشَارِكِينَ لَهُ فِيهِ ; لِأَنَّهُ كَالْحُجَّةِ عِنْدَ الشَّخْصِ لِسَمَاعِهِ وَسَمَاعِ غَيْرِهِ.
стр. 451
وَمِنْ صِيَغِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ كَأَنَّهُ مُصْحَفٌ: (أَوْ) فُلَانٌ (مُتْقِنٌ أَوْ حُجَّةٌ أَوْ إِذَا عَزَوْا) [بِنَقْلِ هَمْزَةِ الثَّلَاثَةِ مَعَ التَّنْوِينِ، وَإِنِ اتَّزَنَ مَعَ تَرْكِهِ بِالْقَطْعِ] ; أَيْ: نَسَبَ الْأَئِمَّةُ (الْحِفْظَ أَوْ) نَسَبُوا (ضَبْطًا لِعَدْلٍ) كَأَنْ يُقَالَ فِيهِ: حَافِظٌ أَوْ ضَابِطٌ ; إِذْ مُجَرَّدُ الْوَصْفِ بِكُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُ كَافٍ فِي التَّوْثِيقِ، بَلْ بَيْنَ [الْعَدْلِ وَبَيْنَهُمَا عُمُومٌ وَخُصُوصٌ مِنْ وَجْهٍ ; لِأَنَّهُ يُوجَدُ بِدُونِهِمَا، وَيُوجَدَانِ بِدُونِهِ، وَتُوجَدُ الثَّلَاثَةُ] .
وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ ابْنَ أَبِي حَاتِمٍ سَأَلَ أَبَا زُرْعَةَ عَنْ رَجُلٍ، فَقَالَ: " حَافِظٌ، فَقَالَ لَهُ: أَهُوَ صَدُوقٌ؟ " وَكَانَ أَبُو أَيُّوبَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ الشَّاذَكُونِيُّ مِنَ الْحُفَّاظِ الْكِبَارِ، إِلَّا أَنَّهُ كَانَ يُتَّهَمُ بِشُرْبِ النَّبِيذِ وَبِالْوَضْعِ، حَتَّى قَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ أَضْعَفُ عِنْدِي مِنْ كُلِّ ضَعِيفٍ.
وَرُؤِيَ بَعْدَ مَوْتِهِ فِي النَّوْمِ، فَقِيلَ لَهُ: مَا فَعَلَ اللَّهُ بِكَ؟ قَالَ: غَفَرَ لِي، فَقِيلَ: بِمَاذَا؟ قَالَ: كُنْتُ فِي طَرِيقِ أَصْبَهَانَ، فَأَخَذَنِي مَطَرٌ، وَكَانَ مَعِي كُتُبٌ، وَلَمْ أَكُنْ تَحْتَ سَقْفٍ وَلَا شَيْءٍ، فَانْكَبَبْتُ عَلَى كُتُبِي، حَتَّى أَصْبَحْتُ وَهَدَأَ الْمَطَرُ، فَغَفَرَ اللَّهُ لِي بِذَلِكَ فِي آخَرِينَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُجَرَّدَ الْوَصْفِ بِالْإِتْقَانِ كَذَلِكَ، قِياسًا عَلَى الضَّبْطِ ; إِذْ هُمَا مُتَقَارِبَانِ، لَا يَزِيدُ الْإِتْقَانُ عَلَى الضَّبْطِ سِوَى إِشْعَارِهِ بِمَزِيدِ الضَّبْطِ، وَصَنِيعُ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ يُشْعِرُ بِهِ ; فَإِنَّهُ قَالَ: إِذَا قِيلَ لِلْوَاحِدِ: إِنَّهُ ثِقَةٌ أَوْ مُتْقِنٌ ثَبْتٌ، فَهُوَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ ; حَيْثُ أَرْدَفَ الْمُتْقِنَ بِثَبْتِ الْمُقْتَضِي لِلْعَدَالَةِ، بِدُونِ
стр. 452
" أَوْ " الَّتِي عَبَّرَ بِهَا فِي غَيْرِهَا، وَحِينَئِذٍ فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى ابْنِ الصَّلَاحِ فِي جَعْلِهِ لَفْظَ ثَبْتٍ مِنْ زِيَادَاتِهِ عَلَى ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ ; لِأَنَّهَا فِيمَا ظَهَرَ كَمَا قَرَّرْنَاهُ لَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً.
وَكَذَا لَمْ يَقَعْ فِي كَلَامِهِ لَفْظُ الْحُجَّةِ وَمَا بَعْدَهَا، بَلِ الثَّلَاثَةُ مِنْ زِيَادَاتِ ابْنِ الصَّلَاحِ مَعَ تَفَاوُتِهَا، فَكَلَامُ أَبِي دَاوُدَ يَقْتَضِي أَنَّ الْحُجَّةَ أَقْوَى مِنَ الثِّقَةِ، وَذَلِكَ أَنَّ الْآجُرِّيَّ سَأَلَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ ابْنِ بِنْتِ شُرَحْبِيلَ، فَقَالَ: " ثِقَةٌ يُخْطِئُ، كَمَا يُخْطِئُ النَّاسُ، قَالَ الْآجُرِّيُّ: فَقُلْتُ: هُوَ حُجَّةٌ؟ قَالَ: الْحُجَّةُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ".
وَكَذَا قَالَ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ: ثِقَةٌ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ. وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ فِي مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ: ثِقَةٌ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ، وَفِي أَبِي أُوَيْسٍ: صَدُوقٌ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ.
وَكَأَنَّ هَذِهِ النُّكْتَةَ قَدَّمَهَا الْخَطِيبُ ; حَيْثُ قَالَ: أَرْفَعُ الْعِبَارَاتِ أَنْ يُقَالَ: حُجَّةٌ أَوْ ثِقَةٌ.
ثُمَّ إِنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي أَنَّ الْوَصْفَ بِالضَّبْطِ وَالْحِفْظِ، وَكَذَا الْإِتْقَانُ، لَابُدَّ أَنْ يَكُونَ فِي عَدْلٍ هُوَ حَيْثُ لَمْ يُصَرِّحْ ذَاكَ الْإِمَامُ بِهِ، إِذْ لَوْ صَرَّحَ بِهِ كَانَ أَعْلَى، وَلِذَا أَدْرَجَ شَيْخُنَا عَدْلًا ضَابِطًا فِي الَّتِي قَبْلَهَا.
وَخَالَفَ الذَّهَبِيُّ فَعَدَّ حَافِظًا ثِقَةً مِنْ هَذِهِ، وَأَدْرَجَ فِي أَلْفَاظِهَا إِمَامًا فَقَطْ،
стр. 453
وَجَعَلَ ثِقَةً، وَقَوِيَّ الْحَدِيثِ، وَصَحِيحَهُ، وَجَيِّدَ الْمَعْرِفَةِ، مَرْتَبَةً أُخْرَى، وَفِيهِ نَظَرٌ، وَلَابُدَّ فِي آخِرِهَا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ لِعَدْلٍ.
(وَيَلِي) هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ خَامِسَةٌ، وَهِيَ قَوْلُهُمْ: (لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ) ، أَوْ لَا بَأْسَ بِهِ، أَوْ (صَدُوقٌ) ، وَصْفٌ بِالصِّدْقِ عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ، لَا مَحَلُّهُ الصِّدْقُ، وَإِنْ أَدْرَجَهَا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ ابْنُ الصَّلَاحِ هُنَا ; فَإِنَّهَا كَمَا سَيَأْتِي تَبَعًا لِلذَّهَبِيِّ مِنَ الَّتِي بَعْدَهَا (وَصِلِ) بِكَسْرِ اللَّامِ مِمَّا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ الصَّلَاحِ (بِذَاكَ) أَيْ: بِقَوْلِ: لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ وَالَّذِينَ بَعْدَهُ (مَأْمُونًا) أَوْ (خِيَارًا) مِنَ الْخَيْرِ ضِدِّ الشَّرِّ. وَمِنْ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِسَيْفِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بِأَنَّهُ مِنْ خِيَارِ الْخَلْقِ، كَمَا وَقَعَ فِي أَصْلِ حَدِيثِهِ مِنْ سُنَنِ النَّسَّائِيِّ.
(وَتَلَا) هَذِهِ الْمَرْتَبَةَ سَادِسَةٌ، وَهِيَ (مَحَلُّهُ الصِّدْقُ) ، خِلَافًا لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، ثُمَّ ابْنِ الصَّلَاحِ، وَتَبَعًا لِلذَّهَبِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ، وَ (رَوَوْا عَنْهُ) ، أَوْ رَوَى النَّاسُ عَنْهُ، أَوْ يُرْوَى عَنْهُ، أَوْ (إِلَى الصِّدْقِ مَا هُوَ) ، يَعْنِي: أَنَّهُ لَيْسَ بِبَعِيدٍ عَنِ الصِّدْقِ.
وَ (كَذَا شَيْخٌ وَسَطْ أَوْ وَسَطٌ فَحَسْبُ) أَيْ: بِدُونِ شَيْخٍ (أَوْ شَيْخٌ فَقَطْ) أَيْ: بِدُونِ وَسَطٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الَّتِي هِيَ عِنْدَهُمَا الثَّالِثَةُ غَيْرَ الْأَخِيرَةِ. نَعَمْ، زَادَ عَلَيْهِ مِمَّا لَمْ يُرَتِّبْهُ: وَسَطًا، وَرَوَى النَّاسُ عَنْهُ، وَمُقَارَبَ الْحَدِيثِ.
(وَ) مِنْهَا أَيْضًا (صَالِحُ الْحَدِيثِ) ، وَهِيَ عِنْدَهُمَا الرَّابِعَةُ، بَلْ حَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ، كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا.
стр. 454
قَالَ: كَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ رُبَّمَا جَرَى ذِكْرُ الرَّجُلِ فِيهِ ضَعْفٌ، وَهُوَ صَدُوقٌ، فَيَقُولُ: صَالِحُ الْحَدِيثِ. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهَا هِيَ وَالْوَصْفُ بِصَدُوقٍ عِنْدَ ابْنِ مَهْدِيٍّ سَوَاءٌ. وَمِنْهَا: يُعْتَبَرُ بِهِ ; أَيْ: فِي الْمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ، أَوْ: يُكْتَبُ حَدِيثُهُ (أَوْ مُقَارِبُهُ) أَيِ: الْحَدِيثِ، مِنَ الْقُرْبِ ضِدِّ الْبُعْدِ، وَهُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ كَمَا ضُبِطَ فِي الْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ مِنْ كِتَابِ ابْنِ الصَّلَاحِ الْمَسْمُوعَةِ عَلَيْهِ، وَكَذَا ضَبَطَهَا النَّوَوِيُّ فِي مُخْتَصَرَيْهِ، وَابْنُ الْجَوْزِيِّ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ حَدِيثَهُ مُقَارِبٌ لِحَدِيثِ غَيْرِهِ مِنَ الثِّقَاتِ، أَوْ (جَيِّدُهُ) أَيِ: الْحَدِيثِ مِنَ الْجَوْدَةِ، أَوْ (حَسَنُهُ) ، أَوْ (مُقَارَبُهْ) بِفَتْحِ الرَّاءِ ; أَيْ: حَدِيثُهُ يُقَارِبُهُ حَدِيثُ غَيْرِهِ، فَهُوَ عَلَى الْمُعْتَمَدِ، بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ، وَسَطٌ لَا يَنْتَهِي إِلَى دَرَجَةِ السُّقُوطِ وَلَا الْجَلَالَةِ، وَهُوَ نَوْعُ مَدْحٍ، وَمِمَّنْ ضَبَطَهَا بِالْوَجْهَيْنِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، وَابْنُ دِحْيَةَ، وَالْبَطْلَيُوسِيُّ، وَابْنُ رُشَيْدٍ فِي رِحْلَتِهِ.
قَالَ: وَمَعْنَاهَا يُقَارِبُ النَّاسَ فِي حَدِيثِهِ وَيُقَارِبُونَهُ ; أَيْ: لَيْسَ حَدِيثُهُ بِشَاذٍّ وَلَا مُنْكَرٍ. قَالَ: وَمِمَّا يَدُلُّكَ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمْ بِهَذَا اللَّفْظِ هَذَا الْمَعْنَى مَا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي آخِرِ بَابِ: مِنْ فَضَائِلِ الْجِهَادِ، مِنْ جَامِعِهِ، وَقَدْ جَرَى لَهُ ذِكْرُ
стр. 455
إِسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ، فَقَالَ: ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ، وَسَمِعْتُ مُحَمَّدًا، يَعْنِي الْبُخَارِيَّ، يَقُولُ: هُوَ ثِقَةٌ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ.
وَقَالَ فِي بَابِ مَا جَاءَ مَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ: وَالْأَفْرِيقِيُّ - يَعْنِي عَبْدَ الرَّحْمَنِ - ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ، ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ وَغَيْرُهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا أَكْتُبُ عَنْهُ، قَالَ التِّرْمِذِيُّ: وَرَأَيْتُ الْبُخَارِيَّ يُقَوِّي أَمْرَهُ وَيَقُولُ: هُوَ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ، فَانْظُرْ إِلَى قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ، إِنَّ قَوْلَهُ: مُقَارِبُ الْحَدِيثِ، تَقْوِيَةٌ لِأَمْرِهِ، وَتَفَهَّمُهُ ; فَإِنَّهُ مِنَ الْمُهِمِّ الْخَافِي الَّذِي أَوْضَحْنَاهُ - انْتَهَى.
وَمِنْهَا: مَا أَقْرَبَ حَدِيثَهُ، أَوْ (صُوَيْلِحٌ أَوْ صَدُوقٌ إِنْ شَاءَ اللَّهْ) بِنَقْلِ الْهَمْزَةِ، أَوْ (أَرْجُو بِأَنْ) أَيْ: أَنْ (لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ عَرَاهُ) بِمُهْمَلَتَيْنِ ; أَيْ: غَشِيَهُ.
وَقَدْ خَالَفَ الذَّهَبِيُّ فِي أَهْلِ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ، فَجَعَلَ " مَحَلُّهُ الصِّدْقُ "، وَ " حَسَنَ الْحَدِيثِ " وَ " صَالِحَهُ "، وَ " صَدُوقًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ " مَرْتَبَةً، وَ " رَوَى النَّاسُ عَنْهُ "، وَ " شَيْخًا "، وَ " صُوَيْلِحًا "، وَ " مُقَارِبًا "، مَعَ " مَا بِهِ الْمِسْكِينُ بَأْسٌ "، وَ " يُكْتَبُ حَدِيثُهُ "، وَ " مَا عَلِمْتُ فِيهِ جَرْحًا " أُخْرَى. وَأَمَّا قَوْلُهُمْ: مَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا، فَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ الصَّلَاحِ بِأَنَّهُ دُونَ: لَا بَأْسَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَقَالَ الشَّارِحُ: إِنَّ " أَرْجُو لَا بَأْسَ بِهِ " أَرْفَعُ مِنْ " مَا أَعْلَمُ بِهِ بَأْسًا " ; فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ الْعِلْمِ بِالشَّيْءِ حُصُولُ الرَّجَاءِ بِهِ، وَكَأَنَّهُ بِالنَّظَرِ لِذَلِكَ قَالَ: مَرَاتِبُ التَّعْدِيلِ عَلَى أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ.
стр. 456
وَيُحْتَمَلُ عَلَى بُعْدٍ أَنْ يَكُونَ نَظَرًا لِتَفْرِقَةِ الذَّهَبِيِّ، [وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ " فَطِنٌ كَيِّسٌ "، فَإِنِ انْضَمَّ إِلَيْهِمَا صَحِيحٌ، كَمَا لِيَحْيَى الْقَطَّانِ فِي حَجَّاجِ بْنِ أَبِي عُثْمَانَ الصَّوَّافِ، فَأَعْلَى] .
وَبِالْجُمْلَةِ، فَالضَّابِطُ فِي أَدْنَى مَرَاتِبِ التَّعْدِيلِ كُلُّ مَا أَشْعَرَ بِالْقُرْبِ مِنْ أَسْهَلَ التَّجْرِيحِ، ثُمَّ إِنَّ الْحُكْمَ فِي أَهْلِ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ الِاحْتِجَاجُ بِالْأَرْبَعَةِ الْأُولَى مِنْهَا، وَأَمَّا الَّتِي بَعْدَهَا فَإِنَّهُ لَا يُحْتَجُّ بِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا ; لِكَوْنِ أَلْفَاظِهَا لَا تُشْعِرُ بِشَرِيطَةِ الضَّبْطِ، بَلْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُمْ وَيُخْتَبَرُ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَإِنْ لَمْ يَسْتَوْفِ النَّظَرُ الْمُعَرَّفَ، بِكَوْنِ ذَلِكَ الْمُحَدِّثِ فِي نَفْسِهِ ضَابِطًا مُطْلَقًا، وَاحْتَجْنَا إِلَى حَدِيثٍ مِنْ حَدِيثِهِ، اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ الْحَدِيثَ وَنَظَرْنَا هَلْ لَهُ أَصْلٌ مِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُ طَرِيقَةِ الِاعْتِبَارِ فِي مَحَلِّهِ.
وَأَمَّا السَّادِسَةُ، فَالْحُكْمُ فِي أَهْلِهَا دُونَ أَهْلِ الَّتِي قَبْلَهَا، وَفِي بَعْضِهِمْ مَنْ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ لِلِاعْتِبَارِ دُونَ اخْتِبَارِ ضَبْطِهِمْ ; لِوُضُوحِ أَمْرِهِمْ فِيهِ.
وَإِلَى هَذَا أَشَارَ الذَّهَبِيُّ بِقَوْلِهِ: إِنَّ قَوْلَهُمْ: ثَبْتٌ وَحُجَّةٌ وَإِمَامٌ وَثِقَةٌ وَمُتْقِنٌ، مِنْ عِبَارَاتِ التَّعْدِيلِ الَّتِي لَا نِزَاعَ فِيهَا، وَأَمَّا صَدُوقٌ وَمَا بَعْدَهُ، يَعْنِي مِنْ أَهْلِ هَاتَيْنِ الْمَرْتَبَتَيْنِ اللَّتَيْنِ جَعَلَهُمَا ثَلَاثًا، فَمُخْتَلَفٌ فِيهَا بَيْنَ الْحُفَّاظِ هَلْ هِيَ تَوْثِيقٌ أَوْ تَلْيِينٌ.
وَبِكُلِّ حَالٍ، فَهِيَ مُنْخَفِضَةٌ عَنْ كَمَالِ رُتْبَةِ التَّوْثِيقِ، وَمُرْتَفِعَةٌ عَنْ رُتَبِ التَّجْرِيحِ.
فَإِنْ قِيلَ: مَا تَقَدَّمَ يَقْتَضِي أَنَّ الْوَصْفَ بِثِقَةٍ أَرْفَعُ مِنْ " لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ " (وَابْنُ مَعِينٍ)
стр. 457
بِفَتْحِ الْمِيمِ، هُوَ يَحْيَى الْإِمَامُ الْمُقَدَّمُ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ، سَوَّى بَيْنَهُمَا ; إِذْ قِيلَ لَهُ: إِنَّكَ تَقُولُ: فُلَانٌ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ، وَفُلَانٌ ضَعِيفٌ (قَالَ: مَنْ أَقُولُ) فِيهِ: (لَا بَأْسَ بِهِ فَثِقَةٌ) ، وَمَنْ أَقُولُ فِيهِ: ضَعِيفٌ، فَلَيْسَ بِثِقَةٍ لَا يُكْتَبُ حَدِيثُهُ.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيِّ: قُلْتُ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٍ، يَعْنِي الَّذِي كَانَ فِي أَهْلِ الشَّامِ كَأَبِي حَاتِمٍ فِي أَهْلِ الْمَشْرِقِ: " مَا تَقُولُ فِي عَلِيِّ بْنِ حَوْشَبٍ الْفَزَارِيِّ؟ قَالَ: لَا بَأْسَ بِهِ، قَالَ: فَقُلْتُ: وَلِمَ لَا تَقُولُ: ثِقَةٌ، وَلَا نَعْلَمُ إِلَّا خَيْرًا؟ قَالَ: قَدْ قُلْتُ لَكَ: إِنَّهُ ثِقَةٌ ". فَالْجَوَابُ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ أَنَّ ابْنَ مَعِينٍ إِنَّمَا نَسَبَ مَا تَقَدَّمَ لِنَفْسِهِ بِخِلَافِ ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، فَهُوَ عَنْ صَنِيعِهِمْ.
قُلْتُ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ صَنِيعُهُمْ كَذَلِكَ مَا سَأَلَ أَبُو زُرْعَةَ، لَكِنَّ جَوَابَ دُحَيْمٍ مُوَافِقٌ لِابْنِ مَعِينٍ، فَكَأَنَّهُ اخْتِيَارُهُ أَيْضًا.
وَأَجَابَ الشَّارِحُ أَيْضًا بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ ابْنَ مَعِينٍ لَمْ يُصَرِّحْ بِالتَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا، بَلْ أَشْرَكَهُمَا فِي مُطْلَقِ الثِّقَةِ، وَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ حَسَنٌ.
وَكَذَا أَيَّدَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُمْ قَدْ يُطْلِقُونَ الْوَصْفَ بِالثِّقَةِ عَلَى مَنْ كَانَ مَقْبُولًا، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ضَابِطًا، فَقَوْلُ ابْنِ مَعِينٍ هُنَا يَتَمَشَّى عَلَيْهِ. (وَنُقِلَا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ، مِمَّا يَتَأَيَّدُ بِهِ أَرْجَحِيَّةُ الْوَصْفِ بِالثِّقَةِ (أَنَّ ابْنَ مَهْدِيٍّ) ، هُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ الْإِمَامُ الْقُدْوَةُ فِي هَذَا
стр. 458
الشَّأْنِ، حِينَ رَوَى عَنْ أَبِي خَلْدَةَ، بِسُكُونِ اللَّامِ، خَالِدِ بْنِ دِينَارٍ التَّمِيمِيِّ السَّعْدِيِّ الْبَصْرِيِّ الْخَيَّاطِ التَّابِعِيِّ (أَجَابَ مَنْ سَأَلْ) مِنْهُ، وَهُوَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ: (أَثِقَةٌ كَانَ أَبُو خَلْدَةَ) بِقَوْلِهِ: (بَلْ كَانَ صَدُوقًا) ، وَكَانَ (خَيِّرًا) أَوْ خِيَارًا، وَكَانَ (مَأْمُونَا الثِّقَةَ) شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ (الثَّوْرِيُّ) ، وَرُبَّمَا وُجِدَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنِ ابْنِ مَهْدِيٍّ: مِسْعَرٌ، بَدَلَ الثَّوْرِيِّ (لَوْ) كُنْتُمْ (تَعُونَا) أَيْ: تَفْهَمُونَ مَرَاتِبَ الرُّوَاةِ، وَمَوَاقِعَ أَلْفَاظِ الْأَئِمَّةِ، مَا سَأَلْتُمْ عَنْ ذَلِكَ، فَصَرَّحَ بِأَرْجَحِيَّتِهَا عَلَى كُلِّ مِنْ " صَدُوقٍ، وَخَيِّرٍ، وَمَأْمُونٍ "، الَّذِي كُلٌّ مِنْهَا مِنْ مَرْتَبَةِ " لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ".
وَلَا يَخْدِشُ فِيهِ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ: كَلَامُ ابْنِ مَهْدِيٍّ لَا مَعْنَى لَهُ فِي اخْتِيَارِ الْأَلْفَاظِ ; إِذْ أَبُو خَلْدَةَ ثِقَةٌ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ، يَعْنِي كَمَا صَرَّحَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ ; حَيْثُ قَالَ: هُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ; فَإِنَّ هَذَا لَا يَمْنَعُ الِاسْتِدْلَالَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ.
وَنَحْوُهُ مَا حَكَاهُ الْمَرْوَذِيُّ، قَالَ: قُلْتُ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ: عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ ثِقَةٌ؟ قَالَ: تَدْرِي مَنِ الثِّقَةُ؟ الثِّقَةُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ. هَذَا مَعَ تَوْثِيقِ ابْنِ مَعِينٍ وَجَمَاعَةٍ لَهُ.
(وَ) كَذَا (رُبَّمَا) أَيْ: وَفِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ (وَصَفَ) ابْنُ مَهْدِيٍّ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ عَنْهُ كَمَا قَدَّمْتُهُ [ (ذَا الصِّدْقِ) الَّذِي (وُسِمْ
стр. 459
ضَعْفًا) أَيِ: الصَّدُوقَ مِنَ الرُّوَاةِ الْمَوْسُومَ بِالضَّعْفِ لِسُوءِ حِفْظِهِ وَغَلَطِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ (بِصَالِحِ الْحَدِيثِ) الْمُنْحَطِّ عَنْ مَرْتَبَةِ " لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ " (إِذْ يَسِمْ) بِفَتْحِ التَّحْتَانِيَّةِ وَكَسْرِ الْمُهْمَلَةِ ; أَيْ: حِينَ يُعَلِّمُ عَلَى الرُّوَاةِ بِلَفْظِهِ أَوْ كِتَابِهِ بِمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ مَرَاتِبُهُمْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَشْهَدُ لِاصْطِلَاحِهِمْ] .
[مَرَاتِبُ التَّجْرِيحِ]
٣٣٩ - وَأَسْوَأُ التَّجْرِيحِ كَذَّابٌ يَضَعْ ... يَكْذِبُ وَضَّاعٌ وَدَجَّالٌ وَضَعْ
٣٤٠ - وَبَعْدَهَا مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ ... وَسَاقِطٌ وَهَالِكٌ فَاجْتَنِبِ
٣٤١ - وَذَاهِبٌ مَتْرُوكٌ أَوْ فِيهِ نَظَرْ ... وَسَكَتُوا عَنْهُ، بِهِ لَا يُعْتَبَرْ
٣٤٢ - وَلَيْسَ بِالثِّقَةِ ثُمَّ رُدَّا ... حَدِيثُهُ كَذَا ضَعِيفٌ جِدَّا
٣٤٣ - وَاهٍ بِمَرَّةٍ وَهُمْ قَدْ طَرَحُوا ... حَدِيثَهُ وَارْمِ بِهِ مُطَّرَحُ
٣٤٤ - لَيْسَ بِشَيْءٍ لَا يُسَاوِي شَيْئَا ... ثُمَّ ضَعِيفٌ وَكَذَا إِنْ جِيئَا
٣٤٥ - بِمُنْكَرِ الْحَدِيثِ أَوْ مُضْطَرِبِهْ ... وَاهٍ وَضَعَّفُوهُ لَا يُحْتَجُّ بِهْ
٣٤٦ - وَبَعْدَهَا فِيهِ مَقَالٌ ضُعِّفْ ... وَفِيهِ ضَعْفٌ تُنْكِرُ وَتَعْرِفْ
٣٤٧ - لَيْسَ بِذَاكَ بِالْمَتِينِ بِالْقَوِي ... بِحُجَّةٍ بِعُمْدَةٍ بِالْمَرْضِي
٣٤٨ - لِلضَّعْفِ مَا هُوَ فِيهِ خُلْفٌ طَعَنُوا ... فِيهِ كَذَا سَيِّئُ حِفْظٍ لَيِّنُ
٣٤٩ - تَكَلَّمُوا فِيهِ وَكُلُّ مَنْ ذُكِرْ ... مِنْ بَعْدِ " شَيْئًا " بِحَدِيثِهِ اعْتُبِرْ
وَهِيَ أَيْضًا سِتٌّ، وَسِيقَتْ كَالَّتِي قَبْلَهَا فِي التَّدَلِّي مِنَ الْأَعْلَى إِلَى الْأَدْنَى، مَعَ أَنَّ الْعَكْسَ فِي هَذِهِ - كَمَا فَعَلَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ ثُمَّ ابْنُ الصَّلَاحِ - كَانَ أَنْسَبَ ; لِتَكُونَ مَرَاتِبُ الْقِسْمَيْنِ كُلُّهَا مُنْخَرِطَةً فِي سِلْكٍ وَاحِدٍ، بِحَيْثُ يَكُونُ أَوَّلُهَا الْأَعْلَى مِنَ التَّعْدِيلِ، وَآخِرُهَا الْأَعْلَى مِنَ التَّجْرِيحِ.
(وَأَسْوَأُ التَّجْرِيحِ) ، الْوَصْفُ
стр. 460
بِمَا دَلَّ عَلَى الْمُبَالَغَةِ فِيهِ، كَمَا قَالَ شَيْخُنَا: قَالَ: وَأَصْرَحُ ذَلِكَ التَّعْبِيرُ بِ " أَفْعَلَ " كَأَكْذَبِ النَّاسِ، وَكَذَا قَوْلُهُمْ: إِلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي الْوَضْعِ، وَهُوَ رُكْنُ الْكَذِبِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ، فَهَذِهِ هِيَ الْمَرْتَبَةُ الْأُولَى. ثُمَّ يَلِيهَا (كَذَّابٌ) ، أَوْ (يَضَعْ) الْحَدِيثَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، أَوْ يَكْذِبُ، أَوْ (وَضَّاعٌ وَ) كَذَا (دَجَّالٌ) ، أَوْ (وَضَعْ) حَدِيثًا، وَآخِرُ هَذِهِ الصِّيَغِ أَسْهَلُهَا، بِخِلَافِ اللَّتَيْنِ قَبْلَهَا، وَكَذَا الْأُولَى ; فَإِنَّ فِيهَا نَوْعَ مُبَالَغَةٍ، لَكِنَّهَا دُونَ الْمَرْتَبَةِ الْأُولَى.
أَمَّا الصِّيغَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّالِثَةُ فَهُمَا دَالَّتَانِ عُرْفًا عَلَى مُلَازَمَةِ الْوَضْعِ وَالْكَذِبِ، وَإِنَّمَا لَمْ تُرَتَّبْ أَلْفَاظُ كُلِّ مَرْتَبَةٍ مِنَ الْبَابَيْنِ لِلضَّرُورَةِ.
(وَبَعْدَهَا) أَيِ: الْمَرْتَبَةِ، ثَالِثَةٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا ذَكَرْتُهُ، وَهِيَ فُلَانٌ يَسْرِقُ الْحَدِيثَ ; فَإِنَّهَا - كَمَا قَالَ الذَّهَبِيُّ - أَهْوَنُ مِنْ وَضْعِهِ وَاخْتِلَافِهِ فِي الْإِثْمِ ; إِذْ سَرِقَةُ الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ مُحَدِّثٌ يَنْفَرِدُ بِحَدِيثٍ، فَيَجِيءُ السَّارِقُ وَيَدَّعِي أَنَّهُ سَمِعَهُ أَيْضًا مِنْ شَيْخِ ذَاكَ الْمُحَدِّثِ.
قُلْتُ: أَوْ يَكُونُ الْحَدِيثُ عُرِفَ بِرَاوٍ، فَيُضِيفُهُ لِرَاوٍ غَيْرِهِ مِمَّنْ شَارَكَهُ فِي طَبَقَتِهِ، قَالَ: وَلَيْسَ كَذَلِكَ مَنْ يَسْرِقُ الْأَجْزَاءَ وَالْكُتُبَ ; فَإِنَّهَا أَنْحَسُ بِكَثِيرٍ مِنْ سَرِقَةِ الرُّوَاةِ. وَفُلَانٌ (مُتَّهَمٌ بِالْكَذِبِ) ، أَوْ بِالْوَضْعِ (وَ) فُلَانٌ (سَاقِطٌ وَ) فُلَانٌ (هَالِكٌ فَاجْتَنِبِ) الرِّوَايَةَ، بَلِ الْأَخْذَ عَنْهُمْ (وَ) فُلَانٌ (ذَاهِبٌ) ، أَوْ ذَاهِبُ الْحَدِيثِ، وَفُلَانٌ (مَتْرُوكٌ) ، أَوْ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ، أَوْ تَرَكُوهُ.
قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: سُئِلَ شُعْبَةُ: مَنِ الَّذِي يُتْرَكُ حَدِيثُهُ؟ قَالَ: مَنْ يُتَّهَمُ بِالْكَذِبِ، وَمَنْ يُكْثِرُ الْغَلَطَ، وَمَنْ يُخْطِئُ فِي حَدِيثٍ يُجْمَعُ عَلَيْهِ، فَلَا يَتَّهِمُ نَفْسَهُ وَيُقِيمُ عَلَى
следующие страницы →