Полный текст (1 419 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.
стр. 491
خَمْسِينَ] "، عَلَى انْتِفَاءِ الْقُوَّةِ مَعَ الْفِعْلِ أَيْضًا.
وَبَقِيَ هُنَا شَيْءٌ آخَرُ، وَهُوَ أَنَّ الذَّهَبِيَّ قَالَ: إِنَّ الصَّغِيرَ إِذَا حَضَرَ [إِنْ أُجِيزَ] لَهُ صَحَّ التَّحَمُّلُ، وَإِلَّا فَلَا شَيْءَ، إِلَّا إِنْ كَانَ الْمُسَمِّعُ حَافِظًا، فَيَكُونُ تَقْرِيرُهُ لِكِتَابَةِ اسْمِ الصَّغِيرِ بِمَنْزِلَةِ الْإِذْنِ مِنْهُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ.
[أَقْسَامُ التَّحَمُّلِ وَالْأَخْذِ]
[أَوَّلُهَا سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ]
أَقْسَامُ التَّحَمُّلِ وَالْأَخْذِ
وَأَوَّلُهَا سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ
٣٦٤ - أَعْلَى وُجُوهِ الْأَخْذِ عِنْدَ الْمُعْظَمِ ... وَهْيَ ثَمَانٍ لَفْظُ شَيْخٍ فَاعْلَمِ
٣٦٥ - كِتَابًا أَوْ حِفْظًا وَقُلْ حَدَّثَنَا ... سَمِعْتُ أَوْ أَخْبَرَنَا أَنْبَأَنَا
٣٦٦ - وَقَدَّمَ الْخَطِيبُ أَنْ يَقُولَا ... سَمِعْتُ إِذْ لَا يَقْبَلُ التَّأْوِيلَا
٣٦٧ - وَبَعْدَهَا حَدَّثَنَا حَدَّثَنِي ... وَبَعْدَ ذَا أَخْبَرَنَا أَخْبَرَنِي
٣٦٨ - وَهْوَ كَثِيرٌ وَيَزِيدُ اسْتَعْمَلَهْ ... وَغَيْرُ وَاحِدٍ لِمَا قَدْ حَمَلَهْ
٣٦٩ - مِنْ لَفْظِ شَيْخِهِ وَبَعْدَهُ تَلَا ... أَنْبَأَنَا نَبَّأَنَا وَقُلِّلَا
٣٧٠ - وَقَوْلُهُ قَالَ لَنَا وَنَحْوَهَا ... كَقَوْلِهِ حَدَّثَنَا لَكِنَّهَا
٣٧١ - الْغَالِبُ اسْتِعْمَالُهَا مُذَاكَرَهْ ... وَدُونَهَا قَالَ بِلَا مُجَارَرَهْ
٣٧٢ - وَهْيَ عَلَى السَّمَاعِ إِنْ يُدْرَ اللُّقِي ... لَا سِيَّمَا مَنْ عَرَفُوهُ فِي الْمُضِي
٣٧٣ - أَنْ لَا يَقُولَ ذَا لِغَيْرِ مَا سَمِعْ ... مِنْهُ كَحَجَّاجٍ وَلَكِنْ يَمْتَنِعْ
стр. 492
٣٧٤ - عُمُومُهُ عِنْدَ الْخَطِيبِ وَقَصَرْ
ذَاكَ عَلَى الَّذِي بِذَا الْوَصْفِ اشْتَهَرْ
(وَأَوَّلُهَا) أَيْ: أَعْلَاهَا رُتْبَةً (سَمَاعُ لَفْظِ الشَّيْخِ أَعْلَى وُجُوهِ) أَيْ: طُرُقِ (الْأَخْذِ) لِلْحَدِيثِ وَتَحَمُّلِهِ عَنِ الشُّيُوخِ (عِنْدَ الْمُعْظَمِ) مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ (وَهْيَ) أَيِ: الطُّرُقُ (ثَمَانٍ) ، وَلَهَا أَنْوَاعٌ مُتَّفَقٌ عَلَى بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ.
(لَفْظُ شَيْخٍ) أَيِ: السَّمَاعُ مِنْهُ (فَاعْلَمِ) ذَلِكَ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَخْبَرَ النَّاسَ ابْتِدَاءً وَأَسْمَعَهُمْ مَا جَاءَ بِهِ، وَالتَّقْرِيرُ عَلَى مَا جَرَى بِحَضْرَتِهِ ﷺ أَوِ السُّؤَالُ عَنْهُ مَرْتَبَةٌ ثَانِيَةٌ، فَالْأُولَى أَوْلَى، وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ تَأْتِي حِكَايَتُهَا فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ.
وَلَكِنَّ هَذَا هُوَ الْمُعْتَمَدُ، سَوَاءٌ حَدَّثَ (كِتَابًا) أَيْ: مِنْ كِتَابِهِ (أَوْ حِفْظًا) أَيْ: مِنْ حِفْظِهِ، إِمْلَاءً أَوْ غَيْرَ إِمْلَاءٍ فِي صُورَتَيِ الْحِفْظِ وَالْكِتَابِ، لَكِنَّهُ فِي الْإِمْلَاءِ أَعْلَى ; لِمَا يَلْزَمُ مِنْهُ مِنْ تَحَرُّزِ الشَّيْخِ وَالطَّالِبِ، إِذِ الشَّيْخُ مُشْتَغِلٌ بِالتَّحْدِيثِ، وَالطَّالِبُ بِالْكِتَابَةِ عَنْهُ، فَهُمَا لِذَلِكَ أَبْعَدُ عَنِ الْغَفْلَةِ، وَأَقْرَبُ إِلَى التَّحْقِيقِ وَتَبْيِينِ الْأَلْفَاظِ مَعَ جَرَيَانِ الْعَادَةِ بِالْمُقَابَلَةِ بَعْدَهُ، وَإِنْ حَصَلَ اشْتِرَاكُهُ مَعَ غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ التَّحْدِيثِ فِي أَصْلِ الْعُلُوِّ.
وَمَا تَقَرَّرَ فِي أَرْجَحِيَّةِ هَذَا الْقِسْمِ هُوَ الْأَصْلُ، وَإِلَا فَقَدْ يَعْرِضُ لِلْفَائِقِ مَا يَجْعَلُهُ مَفُوقًا، كَأَنْ يَكُونَ الْمُحَدِّثُ لَفْظًا غَيْرَ مَاهِرٍ، إِمَّا مُطْلَقًا أَوْ بِالنِّسْبَةِ لِبَعْضِ الْقُرَّاءِ، [وَمَا اتَّفَقَ مِنْ تَحْدِيثِ أَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ عُمَرَ الْكُرْدِيِّ أَحَدِ الْمُسْنَدِينِ بِتَلْقِينِ] الْإِمَامِ التَّقِيِّ السُّبْكِيِّ بِالْجُزْءِ الْأَوَّلِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ سِمَاكٍ كَلِمَةً كَلِمَةً ;
стр. 493
لِكَوْنِهِ كَانَ ثَقِيلَ السَّمْعِ جِدًّا، قَصْدًا لِتَحْقِيقِ سَمَاعِهِ بِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَوِ اقْتَصَرَ عَلَى الْقِرَاءَةِ بِالصَّوْتِ الْمُرْتَفِعِ لَمْ يَزُلِ الشَّكُّ.
وَإِنْ كَانَ شَيْخُنَا قَدْ وَقَعَ لَهُ مَعَ ابْنِ قَوَّامٍ فِي أَخْذِ الْمُوَطَّأِ رِوَايَةُ أَبِي مُصْعَبٍ ; لِكَوْنِهِ أَيْضًا كَانَ ثَقِيلَ السَّمْعِ جِدًّا، أَنَّهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ كَانُوا يَتَنَاوَبُونَ الْقِرَاءَةَ عَلَيْهِ كَلِمَةً كَلِمَةً بِصَوْتٍ مُرْتَفِعٍ كَالْأَذَانِ حَتَّى زَالَ الشَّكُّ، مَعَ قَرَائِنَ ; كَصَلَاةِ الْمُسَمِّعِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَتَرَضِّيهِ عَنْ أَصْحَابِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَمَا وَقَعَ لِلسُّبْكِيِّ أَضْبَطُ، بَلْ مَا وَقَعَ لَهُ أَيْضًا أَعْلَى مِنَ الْعَرْضِ فَقَطْ بِلَا شَكٍّ.
وَأَمَّا تَلْقِينُ الْحَجَّارِ قِرَاءَةَ سُورَةِ الصَّفِّ قَصْدًا لِاتِّصَالِ تَسَلْسُلِهَا ; لِكَوْنِهِ لَمْ يَكُنْ يَحْفَظُهَا، فَأَعْلَى مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ; لِعَدَمِ الْخَلَلِ فِي سَمَاعِهِ (وَقُلْ) فِي حَالَةِ
стр. 494
الْأَدَاءِ لِمَا سَمِعْتَهُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ: (حَدَّثَنَا) فُلَانٌ، أَوْ (سَمِعْتُ) فُلَانًا (أَوْ أَخْبَرَنَا) ، أَوْ خَبَّرَنَا، أَوْ (أَنْبَأَنَا) ، أَوْ نَبَّأَنَا فُلَانٌ، أَوْ قَالَ لَنَا، أَوْ ذَكَرَ لَنَا فُلَانٌ، عَلَى وَجْهِ الْجَوَازِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ اتِّفَاقًا حَسْبَمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ ; يَعْنِي: لُغَةً، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطِيبُ حَيْثُ قَالَ: كُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ عِنْدَ عُلَمَاءِ اللِّسَانِ عِبَارَةٌ عَنِ التَّحْدِيثِ، وَإِلَّا فَالْخِلَافُ مَوْجُودٌ فِيهَا اصْطِلَاحًا كَمَا سَيَأْتِي.
وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا﴾ [الزَّلْزَلَةِ: ٤] ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ: ١٤] ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَيَنْبَغِي - أَيْ: نَدْبًا - أَنْ لَا يُطْلَقَ مِنْ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ مَا شَاعَ اسْتِعْمَالُهُ فِي غَيْرِ السَّمَاعِ لَفْظًا ; لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِيهَامِ وَالْإِلْبَاسِ ; يَعْنِي: حَيْثُ حَصَلَتِ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الصِّيَغِ بِحَسَبِ افْتِرَاقِ التَّحَمُّلِ. وَخُصَّ مَا يَلْفِظُ بِهِ الشَّيْخُ بِالتَّحْدِيثِ، وَمَا سُمِعَ فِي الْعَرْضِ بِالْإِخْبَارِ، وَمَا كَانَ إِجَازَةً مُشَافَهَةً بِالْإِنْبَاءِ، بَلْ عَدَمُ الْإِطْلَاقِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الشَّارِحُ مِمَّا يَتَأَكَّدُ فِي أَنْبَأَنَا بِخُصُوصِهَا بَعْدَ اشْتِهَارِ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْإِجَازَةِ ; لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى إِسْقَاطِ الْمَرْوِيِّ مِمَّنْ لَا يَحْتَجُّ بِهَا.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ، فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُتَفَاوِتَةٌ، وَقَدْ (قَدَّمَ) الْحَافِظُ (الْخَطِيبُ) مِنْهَا (أَنْ يَقُولَا) أَيِ: الرَّاوِي: (سَمِعْتُ إِذْ) لَفْظُهَا صَرِيحٌ (لَا يَقْبَلُ) ، كَمَا سَيَأْتِي،
стр. 495
(التَّأْوِيلَا وَبَعْدَهَا) أَيْ: بَعْدَ سَمِعْتُ فِي الرُّتْبَةِ (حَدَّثَنَا) لِأَنَّ سَمِعْتُ، كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ: " لَا يَكَادُ أَحَدٌ يَقُولُهَا فِي الْإِجَازَةِ وَالْمُكَاتَبَةِ، وَلَا فِي تَدْلِيسٍ، مَا لَمْ يَسْمَعْهُ، بِخِلَافِ حَدَّثَنَا ; فَقَدِ اسْتَعْمَلَهَا فِي الْإِجَازَةِ فِطْرٌ وَغَيْرُهُ، كَمَا سَبَقَ فِي التَّدْلِيسِ.
وَرُوِيَ أَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ كَانَ يَقُولُ: ثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، وَيَتَأَوَّلُ حَدَّثَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَالْحَسَنُ بِهَا، كَمَا كَانَ يَقُولُ: خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ بِالْبَصْرَةِ، وَيُرِيدُ خَطَبَ أَهْلَ الْبَصْرَةِ، وَكَمَا كَانَ ثَابِتٌ يَقُولُ: قَدِمَ عَلَيْنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِنِسْبَةِ الْحَسَنِ لِذَلِكَ الْبَزَّارُ ; حَيْثُ قَالَ: إِنَّ الْحَسَنَ رَوَى عَمَّنْ لَمْ يُدْرِكْهُ، وَكَانَ يَتَأَوَّلُ فَيَقُولُ: ثَنَا وَخَطَبَنَا ; يَعْنِي قَوْمَهُ الَّذِينَ حُدِّثُوا وَخُطِبُوا بِالْبَصْرَةِ.
وَيَتَأَيَّدُ بِتَصْرِيحِ أَيُّوبَ وَبَهْزِ بْنِ أَسَدٍ وَيُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ وَأَحْمَدَ وَأَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ وَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِشِيِّ وَالْبَزَّارِ وَالْخَطِيبِ وَغَيْرِهِمْ، بِأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، بَلْ قَالَ يُونُسُ: إِنَّهُ مَا رَآهُ قَطُّ، لَكِنْ يَخْدِشُ فِي دَعْوَى كَوْنِهِ صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ أَنَّهُ قِيلَ لِأَبِي زُرْعَةَ: فَمَنْ قَالَ عَنْهُ: ثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ، قَالَ: يُخْطِئُ، وَنَحْوُهُ
стр. 496
قَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ، وَقِيلَ لَهُ: إِنَّ رَبِيعَةَ بْنَ كُلْثُومٍ قَالَ: سَمِعْتُ الْحَسَنَ يَقُولُ: ثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ: لَمْ يَعْمَلْ رَبِيعَةُ شَيْئًا، لِمَ يَسْمَعِ الْحَسَنُ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا.
وَقَوْلُ سَالِمٍ الْخَيَّاطِ فِي رِوَايَتِهِ عَنِ الْحَسَنِ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ، مِمَّا يُبَيِّنُ ضَعْفَ سَالِمٍ ; فَإِنَّ حَاصِلَ هَذَا كُلِّهِ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنِ الْحَسَنِ التَّصْرِيحُ بِالتَّحْدِيثِ، وَذَلِكَ مَحْمُولٌ مِنْ رَاوِيهِ عَلَى الْخَطَأِ أَوْ غَيْرِهِ.
لَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا: إِنَّهُ وَقَعَ فِي سُنَنٍ النَّسَائِيِّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنَ سَلَمَةَ عَنْ وُهَيْبٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمُخْتَلِعَاتِ، قَوْلُ الْحَسَنِ: لَمْ أَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرَهُ، قَالَ شَيْخُنَا: وَهَذَا إِسْنَادٌ لَا مَطْعَنَ فِي أَحَدٍ مِنْ رُوَاتِهِ، وَهُوَ يُؤَيِّدُ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْجُمْلَةِ، كَذَا قَالَ.
وَالَّذِي رَأَيْتُهُ فِي السُّنَنِ الصُّغْرَى لِلنَّسَائِيِّ بِخَطِّ الْمُنْذِرِيِّ بِلَفْظِ: قَالَ الْحَسَنُ: لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ غَيْرِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَكَذَا هُوَ فِي الْكُبْرَى بِزِيَادَةِ: أَحَدٍ، زَادَ فِي الصُّغْرَى: قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي النَّسَّائِيَّ الْمُصَنِّفَ: الْحَسَنُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ شَيْئًا، وَكَأَنَّهُ جَوَّزَ التَّدْلِيسَ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَيْضًا [بِإِرَادَةِ لَمْ
стр. 497
أَسْمَعْهُ] مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ.
عَلَى أَنَّ ابْنَ دَقِيقِ الْعِيدِ قَالَ فِي التَّأْوِيلِ: الْأَوَّلُ أَنَّهُ إِذَا لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُصَارَ إِلَيْهِ - انْتَهَى.
وَلَكِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ الْعَمَلُ عَدَمُ سَمَاعِهِ، وَالْقَوْلُ بِمُقَابِلِهِ ضَعَّفَهُ النُّقَّادُ. وَكَذَا مِمَّا يَشْهَدُ لِكَوْنِهَا غَيْرَ صَرِيحَةٍ فِي السَّمَاعِ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ: الَّذِي يَقْتُلُهُ الدَّجَّالُ، فَيَقُولُ: ((أَنْتَ الدَّجَّالُ الَّذِي حَدَّثَنَا بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ) إِذْ مِنَ الْمَعْلُومِ تَأَخُّرُ ذَلِكَ الرَّجُلِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ مُرَادُهُ: حَدَّثَ الْأُمَّةَ وَهُوَ مِنْهُمْ.
وَلَكِنْ قَدْ خَدَشَ فِي هَذَا أَيْضًا بِأَنَّهُ قَدْ قِيلَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ هُوَ الْخَضِرُ ﵇، يَعْنِي عَلَى الْقَوْلِ بِبَقَائِهِ، وَحِينَئِذٍ فَلَا مَانِعَ مِنْ سَمَاعِهِ.
стр. 498
وَبِالْجُمْلَةِ، فَالِاحْتِمَالُ فِيهَا ظَاهِرٌ. وَكَذَا بَعْدَ (سَمِعْتُ) (حَدَّثَنِي) ، وَهِيَ إِنْ لَمْ يَطْرُقْهَا الِاحْتِمَالُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ لَا تُوَازِي سَمِعْتُ ; لِكَوْنِ حَدَّثَنِي - كَمَا قَالَ شَيْخُنَا - قَدْ تُطْلَقُ فِي الْإِجَازَةِ، بَلْ سَمِعْنَا بِالْجَمْعِ لَا تُوَازِي الْمُفْرَدَ مِنْهُ ; لِطُرُوقِ الِاحْتِمَالِ أَيْضًا فِيهِ.
(وَبَعْدَ ذَا) أَيْ: حَدَّثَنِي وَثَنَا (أَخْبَرَنَا) ، أَوْ (أَخْبَرَنِي) ، إِلَّا أَنَّ الْإِفْرَادَ أَبْعَدُ عَنْ تَطَرُّقِ الِاحْتِمَالِ.
وَعَنْ بَعْضِهِمْ - كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْمَسَالِكِ - قَالَ: " ثَنَا " أَبْلَغُ مِنْ " أَنَا " ; لِأَنَّ ثَنَا قَدْ تَكُونُ صِفَةً لِلْمَوْصُوفِ، وَالْمُخَبِرُ مَنْ لَهُ الْخَبَرُ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ لِمَا سَيَأْتِي عِنْدَ حِكَايَةِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنَ الْقِسْمِ بَعْدَهُ.
وَسُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ ثَنَا وَأَنَا وَأَنْبَأَنَا، فَقَالَ: " ثَنَا " أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا، وَ " أَنَا " دُونَ " ثَنَا "، وَ " أَنْبَأَنَا " مِثْلُ " أَنَا ". (وَهْوَ) أَيِ: الْأَدَاءُ " بِأَنَا " جَمْعًا وَإِفْرَادًا فِي السَّمَاعِ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ (كَثِيرٌ) فِي الِاسْتِعْمَالِ (وَيَزِيدُ) بْنُ هَارُونَ (اسْتَعْمَلَهُ) هُوَ (وَغَيْرُ وَاحِدٍ) ، مِنْهُمْ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَهُشَيْمٌ وَخَلْقٌ، مِنْهُمُ ابْنُ مَنْدَهْ (لِمَا قَدْ حَمَلَهْ) الْوَاحِدُ مِنْهُمْ (مِنْ لَفْظِ شَيْخِهِ) ، كَأَنَّهُمْ كَانُوا يَرَوْنَ ذَلِكَ أَوْسَعَ. وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُ
стр. 499
الْخَطِيبِ: " وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَ مَنِ اسْتَعْمَلَ " أَنَا " وَرَعًا وَنَزَاهَةً لِأَمَانَتِهِمْ، فَلَمْ يَجْعَلُوهَا لِلِينِهَا بِمَنْزِلَةِ ثَنَا.
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَحْمَدُ، فَقَالَ: " أَنَا " أَسْهَلُ مِنْ " ثَنَا "، وَ " ثَنَا " شَدِيدٌ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَكَأَنَّ هَذَا كُلَّهُ قَبْلَ أَنْ يَشِيعَ تَخْصِيصُ " أَنَا " بِالْعَرْضِ. لَكِنْ قَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ: إِنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ كَانَ يَقُولُ: أَنَا، حَتَّى قَدِمَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فَقَالَا لَهُ: قُلْ: ثَنَا. قَالَ ابْنُ رَافِعٍ: فَمَا سَمِعْتُهُ مَعَهُمَا كَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ يَقُولُ فِيهِ: ثَنَا، وَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَكَانَ يَقُولُ: أَنَا. بَلْ حَكَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ أَنَّ أَبَاهُ قَالَ: فَكَانَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ كَثِيرًا مَا يَقُولُ: ثَنَا؛ لِعِلْمِهِ أَنَّا نُحِبُّ ذَلِكَ، ثُمَّ يَرْجِعُ إِلَى عَادَتِهِ.
وَكَأَنَّ أَحْمَدَ أَرَادَ اللَّفْظَ الْأَعْلَى، وَلَا يُنَافِيهِ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ. (وَبَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ لَفْظِ أَنَا وَأَخْبَرَنِي (تَلَا أَنْبَأَنَا) أَوْ (نَبَّأَنَا) بِالتَّشْدِيدِ، [فَهُوَ تِلْوُهُ فِي الْمَرْتَبَةِ] (وَقُلِّلَا) اسْتِعْمَالُهُ فِيمَا يُسْمَعُ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ ; أَيْ: قَبْلَ اشْتِهَارِ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْإِجَازَةِ.
ثُمَّ إِنَّ مَا تَقَدَّمَ فِي تَرْجِيحِ سَمِعْتُ مِنْ تِلْكَ الْحَيْثِيَّةِ ظَاهِرٌ، لَكِنْ لِحَدَّثَنَا وَأَنَا أَيْضًا
стр. 500
جِهَةُ تَرْجِيحٍ عَلَيْهَا، وَهِيَ مَا فِيهَا مِنَ الدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الشَّيْخَ رَوَاهُ الْحَدِيثَ وَخَاطَبَهُ بِهِ فِيهِمَا.
وَقَدْ سَأَلَ الْخَطِيبُ شَيْخَهُ الْبَرْقَانِيَّ عَنِ النُّكْتَةِ فِي عُدُولِهِ عَنْ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا إِلَى سَمِعْتُ حِينَ التَّحْدِيثِ عَنْ أَبِي الْقَاسِمِ الْآبَنْدُونِيِّ، فَقَالَ: لِأَنَّ أَبَا الْقَاسِمِ كَانَ مَعَ ثِقَتِهِ وَصَلَاحِهِ عَسِرًا فِي الرِّوَايَةِ، فَكُنْتُ أَجْلِسُ حَيْثُ لَا يَرَانِي وَلَا يَعْلَمُ بِحُضُورِي، فَلِهَذَا أَقُولُ: سَمِعْتُ ; لِأَنَّ قَصْدَهُ فِي الرِّوَايَةِ إِنَّمَا كَانَ لِشَخْصٍ مُعَيَّنٍ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ صَاحِبِ السُّنَنِ: قُرِئَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنَا شَاهِدٌ. وَنَحْوُهُ حَذَفَ النَّسَائِيُّ الصِّيغَةَ، حَيْثُ يَرْوِي عَنِ الْحَارِثِ أَيْضًا، بَلْ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ: الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ ; لِأَنَّ الْحَارِثَ كَانَ يَتَوَلَّى قَضَاءَ مِصْرَ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّسَائِيِّ خُشُونَةٌ، فَلَمْ يُمْكِنْهُ حُضُورُ مَجْلِسِهِ، فَكَانَ يَتَسَتَّرُ فِي مَوْضِعٍ وَيَسْمَعُ حَيْثُ لَا يَرَاهُ، فَلِذَلِكَ تَوَرَّعَ وَتَحَرَّى.
وَهَذَا ظَاهِرٌ فِيمَنْ قَصَدَ إِفْرَادَ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أَوْ جَمَاعَةٍ مُعَيَّنِينَ، كَمَا وَقَعَ لِلَّذِي أَمَرَ بِدَقِّ الْهَاوِنِ حَتَّى لَا يَسْمَعَ حَدِيثَهُ مَنْ قَعَدَ عَلَى بَابِ دَارِهِ، وَلِذَا نُقِلَ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَنَّهُ قَالَ: " سَمِعْتُ " أَسْهَلُ عَلَيَّ مِنْ " حَدَّثَنَا وَأَنَا وَحَدَّثَنِي
стр. 501
وَأَخْبَرَنِي " ; لِأَنَّ الرَّجُلَ قَدْ يَسْمَعُ وَلَا يُحَدَّثُ. وَقَدْ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ حَدَّثَنِي عُقْبَةُ بْنُ الْحَارِثِ، ثُمَّ قَالَ: لَمْ يُحَدِّثْنِي، وَلَكِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: تَزَوَّجْتُ ابْنَةَ أَبِي إِهَابٍ، فَجَاءَتِ امْرَأَةٌ سَوْدَاءُ فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا. . . الْحَدِيثَ، وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ: قُلْتُ لِمُوسَى بْنِ عَلِيٍّ بِمَكَّةَ: حَدَّثَكَ أَبُوكَ؟ قَالَ: حَدَّثَ الْقَوْمَ وَأَنَا فِيهِمْ، فَأَنَا أَقُولُ سَمِعْتُ. وَكُلُّ هَذَا يُوَافِقُ صَنِيعَ الْبَرْقَانِيِّ، وَكَذَا حَكَى أَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ نَجِيحِ بْنِ الْمَدِينِيِّ: إِنَّهُ بَيْنَمَا هُوَ مَعَ أَبِيهِ عِنْدَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي عِيَادَتِهِ، وَكَانَ مَرِيضًا، وَعِنْدَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، إِذْ دَخَلَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ، فَالْتَمَسَ مِنْهُ يَحْيَى أَنْ يَقْرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ الْغَرِيبِ لَهُ، وَأَحْضَرَ الْكِتَابَ، وَأَخَذَ يَقْرَأُ الْأَسَانِيدَ وَيَدَعُ التَّفْسِيرَ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: يَا أَبَا عُبَيْدٍ، دَعْنَا مِنَ الْأَسَانِيدِ، نَحْنُ أَحْذَقُ بِهَا مِنْكَ، فَفَعَلَ، فَقَالَ يَحْيَى لِعَلِيٍّ: دَعْهُ يَقْرَأْهُ عَلَى وَجْهِهِ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: مَا قَرَأْتُهُ إِلَّا عَلَى الْمَأْمُونِ، فَإِنْ أَحْبَبْتُمْ قِرَاءَتَهُ فَاقْرَءُوهُ، فَقَالَ لَهُ عَلِيٌّ: إِنْ قَرَأْتَهُ عَلَيْنَا وَإِلَّا فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ. وَلَمْ يَكُنْ أَبُو عُبَيْدٍ يَعْرِفُ عَلِيًّا، فَسَأَلَ يَحْيَى عَنْهُ، فَقَالَ لَهُ: هَذَا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ، قَالَ: فَالْتَزَمَهُ وَقَرَأَ حِينَئِذٍ.
قَالَ: فَمَنْ حَضَرَ ذَلِكَ الْمَجْلِسَ فَلَا يَقُولُ: ثَنَا أَوْ نَحْوَهَا، يَعْنِي لِكَوْنِ عَلِيٍّ هُوَ الْمَخْصُوصُ بِالتَّحْدِيثِ. وَكَانَ أَبِي، يَعْنِي عَلِيًّا،
стр. 502
يَقُولُ: ثَنَا أَبُو عُبَيْدٍ.
وَعَلَى هَذَا لَوْ قَالَ: سَمَّعَنِي بِالتَّشْدِيدِ حَصَلَ التَّسَاوِي مِنْ هَذِهِ الْحَيْثِيَّةِ، وَثَبَتَ لِلسَّمَاعِ التَّفْصِيلُ مُطْلَقًا، وَأَمَّا لَوْ قَالَ: حَدَّثَ أَوْ أَخْبَرَ فَلَا يَكُونُ مِثْلَ سَمِعْتُ فِي ذَلِكَ، عَلَى أَنَّا نَقُولُ: الْحَيْثِيَّةُ الْمُشَارُ إِلَيْهَا فِي ثَنَا [وَأَنَا لَا تُقَاوِمُ مَا فِيهِمَا مِنَ الْخَدْشِ] فِي الِاتِّصَالِ، مِمَّا لِأَجْلِهِ كَانَتْ سَمِعْتُ أَرْجَحَ مِنْهُمَا.
(وَقَوْلُهُ) أَيِ: الرَّاوِي (قَالَ لَنَا وَنَحْوَهَا) مِثْلُ: قَالَ لِي، أَوْ ذَكَرَ لَنَا، أَوْ ذَكَرَ لِي (كَقَوْلِهِ حَدَّثَنَا) فُلَانٌ فِي الْحُكْمِ لَهَا بِالِاتِّصَالِ، حَسْبَمَا عُلِمَ مِمَّا تَقَدَّمَ مَعَ الْإِحَاطَةِ بِتَقْدِيمِ الْإِفْرَادِ عَلَى الْجَمْعِ (لَكِنَّهَا) أَيْ: هَذِهِ الْأَلْفَاظَ (الْغَالِبُ) مِنْ صَنِيعِهِمْ (اسْتِعْمَالُهَا) فِيمَا سَمِعُوهُ فِي حَالِ كَوْنِهِ (مُذَاكَرَةً) . وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ ; أَيِ: السَّمَاعَ، مُذَاكَرَةٌ لَائِقٌ بِهِ ; أَيْ: بِهَذَا اللَّفْظِ، وَهُوَ بِهِ أَشْبَهُ مِنْ حَدَّثَنَا - انْتَهَى.
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِأَنَّ الْبُخَارِيَّ بِخُصُوصِهِ يَسْتَعْمِلُهَا فِي الْمُذَاكَرَةِ أَبُو إِسْمَاعِيلَ الْهَرَوِيُّ ; حَيْثُ قَالَ: " عِنْدِي أَنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ ذَاكَرَ الْبُخَارِيَّ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْ فُلَانٍ حَدِيثَ كَذَا، فَرَوَاهُ بَيْنَ الْمَسْمُوعَاتِ بِهَذَا اللَّفْظِ، وَهُوَ اسْتِعْمَالٌ حَسَنٌ ظَرِيفٌ، وَلَا أَحَدَ أَفْضَلُ مِنَ الْبُخَارِيِّ ".
وَخَالَفَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ فِي ذَلِكَ ; حَيْثُ جَزَمَ بِأَنَّهُ إِذَا قَالَ: قَالَ لِي فَهُوَ
стр. 503
إِجَازَةٌ.
وَكَذَا قَالَ أَبُو يَعْقُوبَ الْحَافِظُ: إِنَّهُ رِوَايَةٌ بِالْإِجَازَةِ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ حَمْدَانَ: إِنَّهُ عَرْضٌ وَمُنَاوَلَةٌ. وَهُوَ عَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ مِنْهُمْ لَهُ حُكْمُ الِاتِّصَالِ أَيْضًا عَلَى رَأْيِ الْجُمْهُورِ، لَكِنَّهُ مَرْدُودٌ عَلَيْهِمْ ; فَقَدْ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ فِي الصَّوْمِ مِنْ صَحِيحِهِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ: ((إِذَا نَسِيَ أَحَدُكُمْ فَأَكَلَ أَوْ شَرِبَ)) ، فَقَالَ فِيهِ: ثَنَا عَبْدَانُ، وَأَوْرَدَهُ فِي تَأْرِيخِهِ بِصِيغَةِ: قَالَ لِي عَبْدَانُ.
وَكَذَا أَوْرَدَ حَدِيثًا فِي التَّفْسِيرِ مِنْ صَحِيحِهِ عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى بِصِيغَةِ التَّحْدِيثِ، ثُمَّ أَوْرَدَهُ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مِنْهُ أَيْضًا بِصِيغَةِ: قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، فِي أَمْثِلَةٍ كَثِيرَةٍ، حَقَّقَ شَيْخُنَا بِاسْتِقْرَائِهِ لَهَا أَنَّهُ إِنَّمَا يَأْتِي بِهَذِهِ الصِّيغَةِ ; [يَعْنِي بِانْفِرَادِهَا] ، إِذَا كَانَ الْمَتْنُ لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ [فِي أَصْلِ مَوْضُوعِ كِتَابِهِ، كَأَنْ يَكُونَ ظَاهِرُهُ الْوَقْفَ، أَوْ فِي السَّنَدِ مَنْ] لَيْسَ عَلَى شَرْطِهِ فِي الِاحْتِجَاجِ، [وَذَاكَ فِي الْمُتَابَعَاتِ وَالشَّوَاهِدِ] .
بَلْ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ - كَمَا قَدَّمْتُهُ فِي التَّعْلِيقِ - عَقِبَ حَدِيثٍ مِنْ مُسْتَخْرَجِهِ أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِصِيغَةِ: كَتَبَ إِلَيَّ مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ هَذَا الْحَدِيثَ بِالْإِجَازَةِ، وَلَا أَعْلَمُ لَهُ فِي الْكِتَابِ حَدِيثًا بِالْإِجَازَةِ غَيْرَهُ.
стр. 504
قَالَ شَيْخُنَا: وَمُرَادُ أَبِي نُعَيْمٍ بِذَلِكَ مَا كَانَ عَنْ شُيُوخِهِ بِلَا وَاسِطَةٍ، وَإِلَّا فَقَدْ وَقَعَ عِنْدَهُ فِي أَثْنَاءِ الْإِسْنَادِ بِالْإِجَازَةِ الْكَثِيرُ، يَعْنِي كَمَا سَيَأْتِي فِي الْقِسْمِ الْخَامِسِ. ثُمَّ إِنَّ ابْنَ مَنْدَهْ نَسَبَ مُسْلِمًا لِذَلِكَ أَيْضًا، فَزَعَمَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِيمَا لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ مَشَايِخِهِ: قَالَ لَنَا فُلَانٌ، وَهُوَ تَدْلِيسٌ. قَالَ شَيْخُنَا: وَرَدَّهُ شَيْخُنَا ; يَعْنِي: النَّاظِمَ، وَهُوَ كَمَا قَالَ.
(وَدُونَهَا) أَيْ: قَالَ لِي (قَالَ بِلَا مُجَارَرَةٍ) أَيْ: بِدُونِ ذِكْرِ الْجَارِّ وَالْمَجْرُورِ الَّتِي قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهَا أَوْضَعُ الْعِبَارَاتِ (وَهْيَ) مَعَ ذَلِكَ مَحْمُولَةٌ (عَلَى السَّمَاعِ إِنْ يُدْرَ اللُّقِيِّ) بَيْنَهُمَا، كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ الصَّلَاحِ هُنَا، وَفِي التَّعْلِيقِ زَادَ هُنَاكَ: " وَكَأَنَّ الْقَائِلَ سَالِمًا مِنَ التَّدْلِيسِ " (لَا سِيَّمَا مَنْ عَرَفُوهُ) أَيْ: [مَنْ عُرِفَ بَيْنَ] أَهْلِ الْحَدِيثِ (فِي الْمُضِيِّ) أَيْ: فِيمَا مَضَى (أَنْ لَا يَقُولَ ذَا) أَيْ: لَفْظَ قَالَ عَنْ شَيْخِهِ (لِغَيْرِ مَا سَمِعْ مِنْهُ كَحَجَّاجٍ) ، هُوَ ابْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرِ ; فَإِنَّهُ رَوَى كُتُبَ ابْنِ جُرَيْجٍ بِلَفْظِ: قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ، فَحَمَلَهَا النَّاسُ عَنْهُ وَاحْتَجُّوا بِهَا.
وَكَذَا قَالَ هَمَّامٌ: " مَا قُلْتُ: قَالَ قَتَادَةُ، فَأَنَا سَمِعْتُهُ مِنْهُ ". وَقَالَ شُعْبَةُ: لِأَنْ أَزْنِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ: قَالَ فُلَانٌ، وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ. (وَلَكِنْ
стр. 505
يَمْتَنِعْ عُمُومُهُ) أَيِ: الْحُكْمُ بِذَلِكَ (عِنْدَ) الْحَافِظِ (الْخَطِيبِ) إِذَا لَمْ يُعْرَفُ اتِّصَافُهُ بِذَلِكَ (وَقَصَرْ) الْخَطِيبُ (ذَاكَ) الْحُكْمَ (عَلَى) الرَّاوِي الَّذِي (بِذَا الْوَصْفِ اشْتَهَرْ) .
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: " وَالْمَحْفُوظُ الْمَعْرُوفُ مَا قَدَّمْنَاهُ ". وَأَمَّا الْبُخَارِيُّ فَاخْتَارَ شَيْخُنَا - كَمَا تَقَدَّمَ - فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ مِنْهُ بِخُصُوصِهِ عَدَمَ طَرْدِ حُكْمٍ مُعَيَّنٍ مَعَ الْقَوْلِ بِصِحَّتِهِ ; لِجَزْمِهِ بِهِ كَمَا قَرَّرْتُهُ فِي التَّعْلِيقِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ، [وَقَرَّرَ رَدَّ دَعْوَى ابْنِ مَنْدَهْ فِيهَا تَدْلِيسُهُ، بِأَنْ قَالَ: لَمْ يَشْتَهِرِ اصْطِلَاحًا لِلْمُدَلِّسِينَ، بَلْ هِيَ وَعَنْ فِي عُرْفِ الْمُتَقَدِّمِينَ مَحْمُولَةٌ عَلَى السَّمَاعِ] .
فَائِدَةٌ: وَقَعَ فِي الْفِتَنِ مِنْ (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) مِنْ طَرِيقِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ رَدَّهُ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ رَدَّهُ إِلَى مَعْقِلِ بْنَ يَسَارٍ، رَدَّهُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَذَكَرَ حَدِيثًا، وَهُوَ ظَاهِرٌ فِي الِاتِّصَالِ، وَلِذَا أَوْرَدَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ، وَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مِنْ حَيْثُ هُوَ يَحْتَمِلُ الْوَاسِطَةَ.
[الثَّانِي الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ]
٣٧٥ - ثُمَّ الْقِرَاءَةُ الَّتِي نَعَتُّهَا ... مُعْظَمُهُمْ عَرْضًا سَوَى قَرَأْتَهَا
стр. 506
٣٧٦ - مِنْ حِفْظٍ أَوْ كِتَابٍ أَوْ سَمِعْتَا
وَالشَّيْخُ حَافِظٌ لِمَا عَرَضْتَا ... ٣٧٧ - أَوْ لَا وَلَكِنْ أَصْلُهُ يُمْسِكُهُ
بِنَفْسِهِ أَوْ ثِقَةٌ مُمْسِكُهُ ... ٣٧٨ - قُلْتُ كَذَا إِنْ ثِقَةٌ مِمَّنْ سَمِعْ
يَحْفَظُهُ مَعَ اسْتِمَاعٍ فَاقْتَنِعْ ... ٣٧٩ - وَأَجْمَعُوا أَخْذًا بِهَا وَرَدُّوا
نَقْلَ الْخِلَافِ وَبِهِ مَا اعْتَدُّوا ... ٣٨٠ - وَالْخُلْفُ فِيهَا هَلْ تُسَاوِي الْأَوَّلَا
أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ فَنُقِلَا ... ٣٨١ - عَنْ مَالِكٍ وَصَحْبِهِ وَمُعْظَمِ
كُوفَةَ وَالْحِجَازِ أَهْلِ الْحَرَمِ ... ٣٨٢ - مَعَ الْبُخَارِيِّ هُمَا سِيَّانِ
وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ مَعَ النُّعْمَانِ ... ٣٨٣ - قَدْ رَجَّحَا الْعَرْضَ وَعَكْسُهُ أَصَحْ
وَجُلُّ أَهْلِ الشَّرْقِ نَحْوَهُ جَنَحْ ... ٣٨٤ - وَجَوَّدُوا فِيهِ: قَرَأْتُ أَوْ قُرِيَ
مَعْ " وَأَنَا أَسْمَعُ " ثُمَّ عَبِّرِ ... ٣٨٥ - بِمَا مَضَى فِي أَوَّلٍ مُقَيَّدَا
قِرَاءَةً عَلَيْهِ حَتَّى مُنْشِدَا ... ٣٨٦ - أَنْشَدَنَا قِرَاءَةً عَلَيْهِ، لَا
سَمِعْتُ لَكِنْ بَعْضُهُمْ قَدْ حَلَّلَا ... ٣٨٧ - وَمُطْلَقُ التَّحْدِيثِ وَالْإِخْبَارِ
مَنَعَهُ أَحْمَدُ ذُو الْمِقْدَارِ ... ٣٨٨ - وَالنَّسَائِيُّ وَالتَّمِيمِيُّ يَحْيَى
وَابْنُ الْمُبَارَكِ الْحَمِيدُ سَعْيَا ... ٣٨٩ - وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ وَالْقَطَّانُ
وَمَالِكٌ وَبَعْدَهُ سُفْيَانُ ... ٣٩٠ - وَمُعْظَمُ الْكُوفَةِ وَالْحِجَازِ
مَعَ الْبُخَارِيِّ إِلَى الْجَوَازِ ... ٣٩١ - وَابْنُ جُرَيْجٍ وَكَذَا الْأَوْزَاعِي
مَعَ ابْنِ وَهْبٍ وَالْإِمَامِ الشَّافِعِي ... ٣٩٢ - وَمُسْلِمٍ وَجُلِّ أَهْلِ الشَّرْقِ
قَدْ جَوَّزُوا أَخْبَرَنَا لِلْفَرْقِ ... ٣٩٣ - وَقَدْ عَزَاهُ صَاحِبُ الْإِنْصَافِ
لِلنَّسَّائِيِّ مِنْ غَيْرِ مَا خِلَافِ ... ٣٩٤ - وَالْأَكْثَرِينَ وَهُوَ الَّذِي اشْتَهَرْ
مُصْطَلَحًا لِأَهْلِهِ أَهْلِ الْأَثَرْ ... ٣٩٥ - وَبَعْضُ مَنْ قَالَ بِذَا أَعَادَا
قِرَاءَةَ الصَّحِيحِ حَتَّى عَادَا ... ٣٩٦ - فِي كُلِّ مَتْنٍ قَائِلًا أَخْبَرَكَا
إِذْ كَانَ قَالَ أَوَّلًا حَدَّثَكَا ... ٣٩٧ - قُلْتُ وَذَا رَأْيُ الَّذِينَ اشْتَرَطُوا
إِعَادَةَ الْإِسْنَادِ وَهْوَ شَطَطُ
стр. 507
الْقِسْمُ (الثَّانِي) مِنْ أَقْسَامِ التَّحَمُّلِ وَالْأَخْذِ (الْقِرَاءَةُ عَلَى الشَّيْخِ ثُمَّ) يَلِي السَّمَاعَ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ (الْقِرَاءَةُ) عَلَيْهِ، وَهِيَ (الَّتِي نَعَتَهَا) يَعْنِي سَمَاعًا (مُعْظَمُهُمُ) أَيْ: أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنَ الشَّرْقِ وَخُرَاسَانَ (عَرْضًا) يَعْنِي أَنَّ الْقَارِئَ يَعْرِضُ عَلَى الشَّيْخِ كَمَا يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى الْمُقْرِئِ، وَكَأَنَّ أَصْلَهُ مِنْ وَضْعِ عَرْضِ شَيْءٍ عَلَى عَرْضِ شَيْءٍ آخَرَ ; لِيَنْظُرَ فِي اسْتِوَائِهِمَا وَعَدَمِهِ، وَأَدْرَجَ فِيهِ بَعْضُهُمْ عَرْضَ الْمُنَاوَلَةِ، وَالتَّحْقِيقُ عَدَمُ إِطْلَاقِهِ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي.
(سَوَى) بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَصْرِ عَلَى لُغَةٍ ; أَيْ: فِي تَسْمِيَتِهَا عَرْضًا (قَرَأْتَهَا) أَيِ: الْأَحَادِيثَ، بِنَفْسِكَ عَلَى الشَّيْخِ (مِنْ حِفْظٍ) مِنْكَ (أَوْ كِتَابٍ) لَكَ أَوْ لِلشَّيْخِ أَوْ لِغَيْرِهِ (أَوْ) [بِالنَّقْلِ فِيهِ وَفِيمَا قَبْلَهُ مَعَ تَنْوِينِ مَا قَبْلَهُمَا، وَإِنِ اتَّزَنَ مَعَ تَرْكِهِ بِالْقَطْعِ] (سَمِعْتَا) بِقِرَاءَةِ غَيْرِكَ مِنْ كِتَابٍ كَذَلِكَ، أَوْ حِفْظِهِ أَيْضًا (وَالشَّيْخُ) فِي حَالِ التَّحْدِيثِ (حَافِظٌ لِمَا عَرَضْتَا) أَوْ عَرَضَ غَيْرُكَ عَلَيْهِ (أَوْ لَا) يَحْفَظُ (وَلَكِنْ) يَكُونُ (أَصْلُهُ) مَعَهُ (يُمْسِكُهُ) هُوَ (بِنَفْسِهِ أَوْ ثِقَةٌ) ضَابِطٌ، غَيْرُهُ (مُمْسِكُهُ) كَمَا سَيَأْتِي فِي أَوَّلِ الْفُرُوعِ الْآتِيَةِ قَرِيبًا.
(قُلْتُ) : (كَذَا) الْحُكْمُ (إِنْ) كَانَ (ثِقَةٌ) ضَابِطٌ (مِمَّنْ سَمِعْ) مَعَكَ (يَحْفَظُهُ) أَيِ: الْمَقْرُوءَ (مَعَ اسْتِمَاعٍ) مِنْهُ لِمَا يَقْرَأُ وَعَدَمِ غَفْلَةٍ عَنْهُ (فَاقْتَنِعْ) بِذَلِكَ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهَا
стр. 508
ابْنُ الصَّلَاحِ، لَكِنَّهُ قَدِ اكْتَفَى بِالثِّقَةِ فِي إِمْسَاكِ الْأَصْلِ، فَلْيَكُنْ فِي الْحِفْظِ كَذَلِكَ ; إِذْ لَا فَرْقَ، وَهُوَ ظَاهِرٌ. وَلِفَارِقٍ أَنْ يُفَرِّقَ بِأَنَّ الْحِفْظَ خَوَّانٌ، وَلَا يَنْفِيَ هَذَا أَرْجَحِيَّةَ بَعْضِ الصُّوَرِ، كَأَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ أَوِ الثِّقَةُ مُتَمَيِّزًا فِي الْإِمْسَاكِ أَوْ فِي الْحِفْظِ، أَوْ يَجْتَمِعُ لِأَحَدِهِمَا الْحِفْظُ وَالْإِمْسَاكُ.
(وَأَجْمَعُوا) أَيْ: أَهْلُ الْحَدِيثِ (أَخْذًا) أَيْ: عَلَى الْأَخْذِ وَالتَّحَمُّلِ (بِهَا) أَيْ: بِالرِّوَايَةِ عَرَضًا وَتَصْحِيحِهَا.
وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ عِيَاضٌ، فَقَالَ: لَا خِلَافَ أَنَّهَا رِوَايَةٌ صَحِيحَةٌ (وَرَدُّوا نَقْلَ الْخِلَافِ) الْمَحْكِيِّ عَنْ أَبِي عَاصِمٍ النَّبِيلِ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَامٍ الْجُمَحِيِّ، وَوَكِيعٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلَامٍ ; فَإِنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ مَالِكًا، فَإِذَا النَّاسُ يَقْرَءُونَ عَلَيْهِ، فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ لِذَلِكَ، وَغَيْرِهِمْ مِنَ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِمَّنْ كَانَ يُشَدِّدُ وَلَا يَعْتَدُّ إِلَّا بِمَا سَمِعَهُ مِنْ أَلْفَاظِ الْمَشَايِخِ (وَبِهِ) أَيْ: بِالْخِلَافِ (مَا اعْتَدُّوا) لِعِلْمِهِمْ بِخِلَافِهِ.
стр. 509
وَكَانَ مَالِكٌ يَأْبَى أَشَدَّ الْإِبَاءِ عَلَى الْمُخَالِفِ وَيَقُولُ: كَيْفَ لَا يُجْزِيكَ هَذَا فِي الْحَدِيثِ وَيُجْزِيكَ فِي الْقُرْآنِ، وَالْقُرْآنُ الْعَظِيمُ أَعْظَمُ؟ ! وَلِذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ: صَحِبْتُهُ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً، فَمَا رَأَيْتُهُ قَرَأَ (الْمُوَطَّأَ) عَلَى أَحَدٍ، بَلْ يَقْرَءُونَ عَلَيْهِ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ: يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ، لَا تَدَعُونَ تَنَطُّعَكُمْ، الْعَرْضُ مِثْلُ السَّمَاعِ. وَاسْتَدَلَّ لَهُ أَبُو سَعِيدٍ الْحَدَّادُ، كَمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ، مِنْ طَرِيقِ ابْنِ خُزَيْمَةَ: سَمِعْتُ الْبُخَارِيَّ يَقُولُ: قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْحَدَّادُ: عِنْدِي خَبَرٌ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَى الْعَالِمِ، فَقِيلَ لَهُ، فَقَالَ قِصَّةُ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ، قَالَ: آللَّهُ أَمَرَكَ بِهَا؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) ، وَرَجَعَ ضِمَامٌ إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ لَهُمْ: " إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا، وَقَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ. فَأَسْلَمُوا عَنْ آخِرِهِمْ ".
قَالَ الْبُخَارِيُّ: فَهَذَا - أَيْ: قَوْلُ ضِمَامٍ: آللَّهُ أَمَرَكَ - قِرَاءَةٌ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَخْبَرَ ضِمَامٌ قَوْمَهُ بِذَلِكَ، فَأَجَازُوهُ ; أَيْ: قَبِلُوهُ مِنْهُ.
(وَ) لَكِنَّ (الْخُلْفُ) بَيْنَهُمْ
стр. 510
(فِيهَا) أَيْ: فِي الْقِرَاءَةِ عَرْضًا (هَلْ تُسَاوِي) الْقِسْمَ (الْأَوَّلَا) أَيِ: السَّمَاعَ لَفْظًا (أَوْ) هِيَ (دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ فَنُقِلَا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ; [يَعْنِي: جَاءَ] (عَنْ مَالِكٍ) ، هُوَ ابْنُ أَنَسٍ (وَصَحْبِهِ) ، بَلْ وَأَشْبَاهِهِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَعُلَمَائِهَا كَالزُّهْرِيِّ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ.
(وَ) كَذَا عَنْ (مُعْظَمِ) الْعُلَمَاءِ مِنْ أَهْلِ (كُوفَةَ) بِفَتْحِ التَّاءِ غَيْرِ مُنْصَرِفٍ كَالثَّوْرِيِّ (وَ) مِنْ أَهْلٍ (الْحِجَازِ أَهْلِ الْحَرَمِ) أَيْ: مَكَّةَ ; كَابْنِ عُيَيْنَةَ (مَعَ) النَّاقِدِ الْحُجَّةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (الْبُخَارِيِّ) فِي جَمَاعَةٍ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، أَوْرَدَهُمُ الْبُخَارِيُّ فِي أَوَائِلَ صَحِيحِهِ، وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ فِي رِوَايَةٍ (هُمَا) أَيْ: إِنَّهُمَا فِي الْقُوَّةِ وَالصِّحَّةِ (سِيَّانِ) .
وَمِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ إِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ ; فَإِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِهِ أَسَمَاعٌ هُوَ؟ فَقَالَ: مِنْهُ سَمَاعٌ، وَمِنْهُ عَرْضٌ، وَلَيْسَ الْعَرْضُ عِنْدَنَا بِأَدْنَى مِنَ السَّمَاعِ. وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ ; إِذْ لِكُلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَجْهُ أَرْجَحِيَّةٍ، وَوَجْهُ مَرْجُوحِيَّةٍ، فَتَعَادَلَا. وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَعِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْمُحَدِّثِينَ، وَالصَّيْرَفِيُّ عَنْ نَصِ الشَّافِعِيِّ.
قَالَ عَوْفٌ الْأَعْرَابِيُّ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَقَالَ: يَا أَبَا سَعِيدٍ، مَنْزِلِي بَعِيدٌ، وَالِاخْتِلَافُ عَلَيَّ يَشُقُّ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَى بِالْقِرَاءَةِ بَأْسًا قَرَأْتُ عَلَيْكَ، فَقَالَ: مَا أُبَالِي قَرَأْتُ عَلَيْكَ أَوْ قَرَأْتَ عَلَيَّ، قَالَ: فَأَقُولُ: حَدَّثَنِي الْحَسَنُ؟
стр. 511
قَالَ: نَعَمْ. وَيُرْوَى فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، لَفْظُهُ: ((قِرَاءَتُكَ عَلَى الْعَالِمِ وَقِرَاءَةُ الْعَالِمِ عَلَيْكَ سَوَاءٌ)) ، وَلَا يَصِحُّ رَفْعُهُ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: الْوَقْفُ، حَكَاهُ بَعْضُهُمْ، (وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ) ، هُوَ أَبُو الْحَارِثِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْحَارِثِ الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ الْمَدَنِيُّ (مَعَ) الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ (النُّعْمَانِ) بْنِ ثَابِتٍ (قَدْ رَجَّحَا الْعَرْضَ) عَلَى السَّمَاعِ لَفْظًا، فَرَوَى السُّلَيْمَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ قَالَ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: قِرَاءَتُكَ عَلَى الْمُحَدِّثِ أَثْبَتُ وَأَوْكَدُ مِنْ قِرَاءَتِهِ عَلَيْكَ ; إِنَّهُ إِذَا قَرَأَ عَلَيْكَ فَإِنَّمَا يَقْرَأُ عَلَى مَا فِي الصَّحِيفَةِ، وَإِذَا قَرَأْتَ عَلَيْهِ فَقَالَ: حَدِّثْ عَنِّي مَا قَرَأْتَ، فَهُوَ تَأْكِيدٌ.
وَعَنْ مُوسَى بْنِ دَاوُدَ قَالَ: إِذَا قَرَأْتَ عَلَيَّ شَغَلْتُ نَفْسِي بِالْإِنْصَاتِ لَكَ، وَإِذَا حَدَّثْتُكَ غَفَلْتُ عَنْكَ. رَوَاهُ الرَّامَهُرْمُزِيُّ ثُمَّ عِيَاضٌ فِي آخَرِينَ مِنَ الْمَدَنِيِّينَ
стр. 512
وَغَيْرِهِمْ كَيَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ فَرُّوخَ الْقَطَّانِ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَابْنُ جُرَيْجٍ وَشُعْبَةُ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ الشَّيْخَ لَوْ سَهَا لَمْ يَتَهَيَّأْ لِلطَّالِبِ الرَّدُّ عَلَيْهِ ; إِمَّا لِجَهَالَتِهِ، أَوْ لِهَيْبَةِ الشَّيْخِ، أَوْ لِظَنِّهِ فِيمَا يَكُونُ فِيهِ الْمَحَلُّ قَابِلًا لِلِاخْتِلَافِ أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبَهُ.
وَبِهَذَا الْأَخِيرِ عَلَّلَ مَالِكٌ إِشَارَتَهُ لِنَافِعٍ الْقَارِئِ بِعَدَمِ الْإِمَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ النَّبَوِيِّ، وَقَالَ: الْمِحْرَابُ مَوْضِعُ مِحْنَةٍ، فَإِنْ زَلَلْتَ فِي حَرْفٍ وَأَنْتَ إِمَامٌ حُسِبَتْ قِرَاءَةً وَحُمِلَتْ عَنْكَ - انْتَهَى.
وَيَشْهَدُ لِلْأَخِيرِ «أَنَّهُ ﷺ قَرَأَ فِي صَلَاةٍ فَتَرَكَ آيَةً، فَلَمَّا فَرَغَ أَعْلَمَهُ بَعْضُ الصَّحَابَةِ بِذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: ((فَهَلَّا أَذْكَرْتِنِيهَا؟)) قَالَ: كُنْتُ أُرَاهَا نُسِخَتْ» . بِخِلَافِ مَا إِذَا كَانَ الطَّالِبُ هُوَ الْقَارِئَ ; فَإِنَّهُ لَا هَيْبَةَ لَهُ، وَلَا يُعَدُّ خَطَؤُهُ مَذْهَبًا، أَشَارَ إِلَيْهِ عِيَاضٌ. وَكَذَا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ: الْقِرَاءَةُ عَلَيَّ أَثْبَتُ لِي، [وَأَفْهَمُ لِي] ، مِنْ أَنْ أَتَوَلَّى الْقِرَاءَةَ أَنَا.
وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ فَارِسٍ: السَّامِعُ أَرْبَطُ جَأْشًا، وَأَوْعَى قَلْبًا، وَشُغْلُ الْقَلْبِ وَتَوَزُّعُ الْفِكْرِ إِلَى الْقَارِئِ أَسْرَعُ، فَلِذَلِكَ رَجَحَ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ لِتَرْجِيحِ اسْتِمَاعِ الْقُرْآنِ عَلَى قِرَاءَتِهِ، الْمُسْتَمِعُ غَالِبًا أَقْوَى عَلَى التَّدَبُّرِ، وَنَفْسُهُ أَخْلَى وَأَنْشَطُ لِذَلِكَ مِنَ الْقَارِئِ ; لِاشْتِغَالِهِ بِالْقِرَاءَةِ وَأَحْكَامِهَا.
وَهَذَا هُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ، وَنَقَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ، وَالْخَطِيبُ
стр. 513
فِي الْكِفَايَةِ عَنْ مَالِكٍ، وَكَذَا رُوِّينَاهُ فِي الْحَثِّ عَلَى الطَّلَبِ لِلسُّلَيْمَانِيِّ، وَفِي الْإِلْمَاعِ مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ قَالَ: قَالَ لِي مَالِكٌ: قِرَاءَتُكَ عَلَيَّ أَصَحُّ مِنْ قِرَاءَتِي عَلَيْكَ.
وَلَكِنَّ الْمَعْرُوفَ عَنْهُ التَّسْوِيَةُ، وَمَا حَكَاهُ أَبُو خَلِيفَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَلَامٍ الْجُمَحِيِّ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلَى مَالِكٍ وَعَلَى بَابِهِ مَنْ يَحْجُبُهُ وَبَيْنَ يَدَيْهِ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ يَقُولُ: حَدَّثَكَ نَافِعٌ، حَدَّثَكَ الزُّهْرِيُّ، حَدَّثَكَ فُلَانٌ، وَمَالِكٌ يَقُولُ: نَعَمْ. فَلَمَّا فَرَغَ قُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، عَوِّضْنِي مِمَّا حَدَّثْتَ بِثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ تَقْرَؤُهَا عَلَيَّ، قَالَ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ أَخْرِجُوهُ عَنِّي. فَمُحْتَمِلٌ لِلتَّسْوِيَةِ، أَوْ تَرْجِيحِ الْعَرْضِ.
بَلْ قِيلَ: إِنَّ الَّذِي قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ إِنَّمَا هُوَ فِيمَا إِذَا كَانَ الشَّيْخُ يُحَدِّثُ مِنْ كِتَابٍ، أَمَّا حَيْثُ حَدَّثَ مِنْ حِفْظِهِ فَلَا. (وَعَكْسُهُ) أَيْ: تَرْجِيحُ السَّمَاعِ لَفْظًا عَلَى الْعَرْضِ (أَصَحْ) وَأَشْهَرُ (وَجُلُّ) أَيْ: مُعْظَمُ (أَهْلِ الشَّرْقِ) وَخُرَاسَانَ كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ (نَحْوَهُ جَنَحْ) ، لَكِنَّ مَحَلَّهُ مَا لَمْ يَعْرِضْ عَارِضٌ يَصِيرُ الْعَرْضُ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ الطَّالِبُ أَعْلَمَ أَوْ أَضَبَطَ وَنَحْوَ ذَلِكَ، كَأَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ فِي حَالِ الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ أَوْعَى وَأَيْقَظَ مِنْهُ فِي حَالِ قِرَاءَتِهِ هُوَ. وَحِينَئِذٍ فَالْحَقُّ أَنَّ كُلَّمَا كَانَ فِيهِ الْأَمْنُ مِنَ الْغَلَطِ وَالْخَطَأِ أَكْثَرَ كَانَ أَعْلَى مَرْتَبَةً.
وَأَعْلَاهَا فِيمَا يَظْهَرُ أَنْ يَقْرَأَ الشَّيْخُ مِنْ أَصْلِهِ، وَأَحَدُ السَّامِعِينَ يُقَابِلُ بِأَصْلٍ آخَرَ ; لِيَجْتَمِعَ فِيهِ اللَّفْظُ وَالْعَرْضُ (وَجَوَّدُوا فِيهِ) أَيْ: وَرَأَى أَهْلُ الْحَدِيثِ الْأَجْوَدَ وَالْأَسْلَمَ فِي أَدَاءِ مَا سَمِعَ كَذَلِكَ أَنْ يَقُولَ: (قَرَأْتُ) عَلَى فُلَانٍ إِنْ كَانَ هُوَ الَّذِي
стр. 514
قَرَأَ (أَوْ قُرِئَ) عَلَى فُلَانٍ إِنْ كَانَ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ (مَعْ) بِالسُّكُونِ، تَصْرِيحِهِ بِقَوْلِهِ: (وَأَنَا أَسْمَعُ) لِلْأَمْنِ مِنَ التَّدْلِيسِ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهَذَا سَائِغٌ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ. (ثُمَّ عَبِّرِ) أَيُّهَا الْمُحَدِّثُ (بِمَا مَضَى فِي أَوَّلِ) أَيْ: فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ (مُقَيِّدَا) ذَلِكَ بِقَوْلِكَ: (قِرَاءَةً عَلَيْهِ) ، فَقُلْ: ثَنَا فُلَانٌ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ، أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، أَوْ أَنَا فُلَانٌ بِقِرَاءَتِي أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، أَوْ أَنْبَأَنَا، أَوْ نَبَّأَنَا فُلَانٌ بِقِرَاءَتِي أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ، [أَوْ قَالَ لَنَا فُلَانٌ بِقِرَاءَتِي أَوْ قِرَاءَةً عَلَيْهِ] ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ (حَتَّى) وَلَوْ كُنْتَ (مُنْشِدًا) نَظْمًا لِغَيْرِكَ سَمِعْتَهُ بِقِرَاءَةِ غَيْرِكَ أَوْ قِرَاءَتِهِ، فَقُلْ: (أَنْشَدَنَا) فُلَانٌ (قِرَاءَةً عَلَيْهِ) ، [أَوْ بِقِرَاءَتِي، أَوْ سَمَاعًا عَلَيْهِ] ، هَذَا مَعَ ظُهُورِهَا فِيمَا يُنْشِدُهُ الشَّيْخُ لَفْظًا (لَا) أَيْ: إِلَّا (سَمِعْتُ) فُلَانًا ; فَإِنَّهُمْ [مَعَ شُمُولِ كَلَامِ ابْنِ الصَّلَاحِ لَهَا] اسْتَثْنَوْهَا فِي الْعَرْضِ مِمَّا مَضَى فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
وَصَرَّحَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ الْمِصْرِيُّ بِعَدَمِ جَوَازِهَا (لَكِنْ بَعْضُهُمُ) [كَالسُّفْيَانَيْنِ وَمَالِكٍ فِيمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنْهُمْ] (قَدْ حَلَّلَا) ذَلِكَ،
стр. 515
وَاسْتَعْمَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، وَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي اقْتِرَاحِهِ: " تَسَامُحٌ خَارِجٌ عَنِ الْوَضْعِ لَيْسَ لَهُ وَجْهٌ "، قَالَ: وَلَا أَرَى جَوَازَهُ لِمَنِ اصْطَلَحَهُ لِنَفْسِهِ. نَعَمْ، إِنْ كَانَ اصْطِلَاحًا عَامًّا فَقَدْ يَقْرُبُ الْأَمْرُ فِيهِ، قَالَ: وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاصْطِلَاحَ وَاقِعٌ عَلَى قَوْلِ الْمُؤَرِّخِينَ فِي التَّرَاجِمِ: سَمِعَ فُلَانًا وَفُلَانًا، مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِسَمَاعِهِ مِنْ لَفْظِهِ.
وَبِالْجُمْلَةِ، فَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ، وَمِمَّنْ صَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ، وَاسْتَبْعَدَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ الْخِلَافَ، وَقَالَ: يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِعَدَمِ الْجَوَازِ ; لِأَنَّ " سَمِعْتُ " صَرِيحَةٌ فِي السَّمَاعِ لَفْظًا ; يَعْنِي: كَمَا تَقَدَّمَ. [وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ] ، وَإِلَّا فَقَدِ اسْتَعْمَلَهَا السِّلَفِيُّ فِي كِتَابِهِ (الطِّبَاقِ) فَيَقُولُ: سَمِعْتُ بِقِرَاءَتِي، وَلِذَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَرُبَّمَا قَرَّبَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنْ يَقُولَ: سَمِعْتُ فُلَانًا قِرَاءَةً عَلَيْهِ. وَنَحْوُهُ صَنِيعُ النَّوَوِيِّ فِي جَمْعِهِمَا لِمَنْ قَرَأَ عَلَيْهِ.
وَلِذَلِكَ فَائِدَةٌ جَلِيلَةٌ، وَهُوَ عَدَمُ اتِّصَافِهِ بِمَا يَمْنَعُ السَّمَاعَ، بَلْ (وَمُطْلَقُ التَّحْدِيثِ وَالْإِخْبَارِ) مِمَّنْ أَخَذَ عَرْضًا بِدُونِ تَقْيِيدٍ بِقِرَاءَتِهِ، أَوْ قِرَاءَةِ غَيْرِهِ وَهُوَ يَسْمَعُ (مَنَعَهُ) الْإِمَامُ (أَحْمَدُ) بْنُ حَنْبَلٍ (ذُو الْمِقْدَارِ) الْجَلِيلِ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ (وَ) كَذَا (النَّسَائِيُّ) صَاحِبُ السُّنَنِ عَلَى الْمَشْهُورِ عَنْهُ أَيْضًا، كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ.
(وَ) مِمَّنْ مَنَعَ أَيْضًا
стр. 516
(التَّمِيمِيْ) بِالسُّكُونِ بِنِيَّةِ الْوَقْفِ (يَحْيَى وَابْنُ الْمُبَارَكِ) عَبْدُ اللَّهِ (الْحَمِيدُ سَعْيًا) أَيْ: سَعْيُهُ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَهُوَ مَذْهَبُ خَلْقٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ. وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَانِيُّ: إِنَّهُ الصَّحِيحُ.
(وَذَهَبَ) الْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ (الزُّهْرِيُّ) ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (الْقَطَّانُ) ، وَالثَّوْرِيُّ، وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، وَصَاحِبَاهُ (وَمَالِكٌ) ابْنُ أَنَسٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ (وَبَعْدَهُ سُفْيَانُ) بْنُ عُيَيْنَةَ، وَالشَّافِعِيُّ، وَأَحْمَدُ (وَمُعْظَمُ) أَهْلِ (الْكُوفَةِ وَالْحِجَازِ) مَعَ الْإِمَامِ (الْبُخَارِيِّ) صَاحِبِ الصَّحِيحِ (إِلَى الْجَوَازِ) لِعَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ كَمَا فِي الْقِسْمِ قَبْلَهُ.
وَلَفْظُ الزُّهْرِيِّ: مَا أُبَالِي قِرَاءَةً عَلَى الْمُحَدِّثِ أَوْ حَدَّثَنِي، كِلَاهُمَا أَقُولُ فِيهِ: ثَنَا.
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ رَافِعٍ: رَأَيْتُ مَنْ يَقْرَأُ عَلَى الْأَعْرَجِ حَدِيثَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَيَقُولُ: هَذَا حَدِيثُكَ يَا أَبَا دَاوُدَ؟ وَهِيَ كُنْيَةُ الْأَعْرَجِ، فَيَقُولُ: نَعَمْ، قَالَ: فَأَقُولُ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَقَدْ قَرَأْتُ عَلَيْكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَعَلَيْهِ اسْتَمَرَّ عَمَلُ الْمَغَارِبَةِ، وَكَذَا سَوَّى بَيْنَهُمَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَالنَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَوَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ، وَثَعْلَبٌ وَالطَّحَاوِيُّ، وَلَهُ فِيهِ جُزْءٌ سَمِعْتُهُ، وَاحْتَجَّ لَهُ
стр. 517
بِآيَاتٍ تَقَدَّمَ بَعْضُهَا فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَبِغَيْرِ ذَلِكَ. بَلْ حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنِ الْأَكْثَرِينَ، وَالْخَطِيبُ وَابْنُ فَارِسٍ، فِي جُزْءٍ لَهُ سَمِعْتُهُ سَمَّاهُ (مَآخِذُ الْعِلْمِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ) ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ. وَسَأَلَ رَجُلٌ مُحَمَّدَ بْنَ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيَّ: مَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا؟ فَقَالَ: سُوءُ الْخُلُقِ.
وَكَذَا مِمَّنْ حُكِيَ عَنْهُ التَّسْوِيَةَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ، مَعَ الْحِكَايَةِ عَنْهُ أَوَّلًا لِعَدَمِ قَبُولِهِ الْعَرْضَ أَصْلًا، [وَكَأَنَّ ذَاكَ اخْتِيَارُهُ، وَذَا مَشْيًا مِنْهُ عَلَى مَذْهَبِ الْقَائِلِينَ بِهِ] (وَابْنُ جُرَيْجٍ) ، هُوَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ، فِيمَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ فِي جَامِعِهِ وَكِفَايَتِهِ، كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْحَاشِيَةِ، ثُمَّ ابْنُ الصَّلَاحِ (وَكَذَا) أَبُو عَمْرٍو عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو (الْأَوْزَاعِيُّ) الشَّامِّيُّ، وَابْنُ مَعِينٍ (مَعَ) الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ، (وَابْنِ وَهْبٍ) عَبْدُ اللَّهِ الْمِصْرِيِّ.
(وَالْإِمَامُ) الْأَعْظَمُ نَاصِرُ السُّنَّةِ (الشَّافِعِيُّ) ، مَعَ كَوْنِ الْحَاكِمِ قَدْ أَدْرَجَهُ فِي الْمُسَوِّينَ (وَ) مَعَ (مُسْلِمٍ) صَاحِبِ الصَّحِيحِ (وَجُلِّ) أَيْ: أَكْثَرِ (أَهْلِ الشَّرْقِ قَدْ جَوَّزُوا) إِطْلَاقَ (أَخْبَرَنَا) دُونَ حَدَّثَنَا (لِلْفَرْقِ) بَيْنَهُمَا، وَالتَّمْيِيزِ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ.
وَاسْتَشْهَدَ لَهُ بَعْضُ
стр. 518
الْأَئِمَّةِ بِأَنَّهُ لَوْ قَالَ: مَنْ أَخْبَرَنِي بِكَذَا فَهُوَ حُرٌّ، وَلَا نِيَّةَ لَهُ، فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ بَعْضُ أَرِقَّائِهِ، بِكِتَابٍ أَوْ رَسُولٍ أَوْ كَلَامٍ، عُتِقَ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَالَ: مَنْ حَدَّثَنِي بِكَذَا فَإِنَّهُ لَا يُعْتَقُ، إِلَّا إِنْ شَافَهَهُ. زَادَ بَعْضُهُمْ: وَالْإِشَارَةُ مِثْلُ الْخَبَرِ.
وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: ثَنَا يَعْنِي فِي الْعَرْضِ بَعِيدٌ مِنَ الْوَضْعِ اللُّغَوِيِّ، بِخِلَافِ أَنَا فَهُوَ صَالِحٌ لِمَا حَدَّثَ بِهِ الشَّيْخُ، وَلِمَا قُرِئَ عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِهِ، فَلَفْظُ الْإِخْبَارِ أَعَمُّ مِنَ التَّحْدِيثِ، فَكُلُّ تَحْدِيثٍ إِخْبَارٌ، وَلَا يَنْعَكِسُ.
(وَقَدْ عَزَاهُ) أَيِ: الْقَوْلَ بِالْفَرْقِ، أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ خَلَّادٍ التَّمِيمِيُّ الْمِصْرِيُّ الْجَوْهَرِيُّ صَاحِبُ (الْإِنْصَافِ) فِيمَا بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي ثَنَا وَأَنَا مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَكِتَابِ (إِجْمَاعِ الْفُقَهَاءِ) أَيْضًا (لِ) عَصْرِيِّهِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ (النَّسَائِيِّ مِنْ غَيْرِ مَا خِلَافِ) أَيْ: مِنْ غَيْرِ حِكَايَةِ خِلَافِهِ عَنْهُ، وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ مِمَّا هُوَ أَشْهَرُ مِنْ هَذَا.
(وَالْأَكْثَرِينَ) [أَيْ: وَعَزَاهُ التَّمِيمِيُّ أَيْضًا لِلْأَكْثَرِينَ] مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ الَّذِينَ لَا يُحْصِيهِمْ أَحَدٌ (وَهُوَ) بِضَمِّ الْهَاءِ عَلَى لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ (الَّذِي اشْتَهَرْ) وَشَاعَ (مُصْطَلَحًا) أَيْ: مِنْ جِهَةِ الِاصْطِلَاحِ (لِأَهْلِهِ أَهْلِ
стр. 519
الْأَثَرِ) حَيْثُ جَعَلُوا أَنَا عَلَمًا يَقُومُ مَقَامَ قَوْلِهِ: أَنَا قَرَأْتُهُ، لَا أَنَّهُ لَفَظَ لِي بِهِ. وَالِاصْطِلَاحُ لَا مُشَاحَحَةَ فِيهِ، بَلْ خَطَّأَ مَنْ خَرَجَ عَنْهُ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفَرَايِينِيُّ، وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ، وَعِبَارَةُ أَوَّلِهِمَا: لَا يَجُوزُ فِيمَا قَرَأَ أَوْ سَمِعَ أَنْ يَقُولَ: ثَنَا، وَلَا فِيمَا سَمِعَ لَفْظًا أَنْ يَقُولَ: أَنَا ; إِذْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ ظَاهِرٌ، وَمَنْ لَمْ يَحْفَظْ ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ كَانَ مِنَ الْمُدَلِّسِينَ.
لَكِنْ قَدْ كَانَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقُولُ: إِنْ كَانَ الِاصْطِلَاحُ مُبَايِنًا لِلُّغَةِ مُبَايَنَةً كُلِّيَّةً، فَهَذَا يُشَاحَحُ فِيهِ، وَإِلَّا فَلَا. وَقَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ هُنَا: " وَالِاحْتِجَاجُ لِذَلِكَ مِنْ حَيْثُ اللُّغَةِ فِيهِ عَنَاءٌ وَتَكَلُّفٌ "، يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَوْ تُكُلِّفَ لَهُ لَأَمْكَنَ أَنْ يُسْتَخْرَجَ مِنَ اللُّغَةِ مَا يَكُونُ وَجْهًا لِلتَّفْرِقَةِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، قَالَ: " وَخَيْرُ مَا يُقَالُ فِيهِ: إِنَّهُ اصْطِلَاحٌ مِنْهُمْ، أَرَادُوا بِهِ التَّمْيِيزَ بَيْنَ النَّوْعَيْنِ، ثُمَّ خُصِّصَ أَوَّلُهُمَا بِالتَّحْدِيثِ ; لِقُوَّةِ إِشْعَارِهِ بِالنُّطْقِ وَالْمُشَافَهَةِ.
وَيُقَالُ: إِنَّ ابْنَ وَهْبٍ أَوَّلُ مَنْ أَحْدَثَ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ، لَا مُطْلَقًا، [بَلْ بِخُصُوصِ مِصْرَ] (وَبَعْضُ مَنْ قَالَ بِذَا) أَيِ: الْفَرْقِ بَيْنَ الصِّيغَتَيْنِ، وَهُوَ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْهَرَوِيُّ أَحَدُ رُؤَسَاءِ الْحَدِيثِ بِخُرَاسَانَ، فِيمَا حَكَاهُ الْخَطِيبُ
стр. 520
عَنْ شَيْخِهِ الْبَرْقَانِيِّ عَنْهُ (أَعَادَا قِرَاءَةَ الصَّحِيحِ) لِلْبُخَارِيِّ بَعْدَ قِرَاءَتِهِ لَهُ عَلَى بَعْضِ رُوَاتِهِ عَنِ الْفَرْبَرِيِّ (حَتَّى عَادَا) أَيْ: رَجَعَ (فِي كُلِّ مَتْنٍ) حَالَ كَوْنِهِ (قَائِلًا أَخْبَرَكَا) الْفَرْبَرِيُّ (إِذْ كَانَ قَالَ) لَهُ (أَوَّلًا) لِظَنِّهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنَ الْفَرْبَرِيِّ لَفْظًا: (حَدَّثَكَا) الْفَرْبَرِيُّ، بَلْ قَالَ لِشَيْخِهِ الَّذِي قَرَأَ عَلَيْهِ: تَسْمَعُنِي أَقُولُ: حَدَّثَكُمُ الْفَرْبَرِيُّ، فَلَا تُنْكِرُ عَلَيَّ، مَعَ عِلْمِكَ بِأَنَّكَ إِنَّمَا سَمِعْتَهُ مِنْهُ قِرَاءَةً عَلَيْهِ؟ !
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ ; أَيْ: أَبْلَغِ مَا يُحْكَى عَمَّنْ يَذْهَبُ هَذَا الْمَذْهَبَ.
(قُلْتُ: وَذَا رَأْيُ الَّذِينَ اشْتَرَطُوا إِعَادَةَ الْإِسْنَادِ) فِي كُلِّ حَدِيثٍ مِنَ الْكِتَابِ أَوِ النُّسْخَةِ مَعَ اتِّحَادِ السَّنَدِ، وَإِلَّا لَكَانَ يُكْتَفَى بِقَوْلِهِ: أَخْبَرَكُمُ الْفَرْبَرِيُّ بِجَمِيعِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ غَيْرِ إِعَادَةِ قِرَاءَةِ جَمِيعِ الْكِتَابِ، وَلَا تَكْرِيرِ الصِّيغَةِ فِي كُلِّ حَدِيثٍ (وَهْوَ) أَيِ: اشْتِرَاطُ الْإِعَادَةِ (شَطَطُ) لِمُجَاوَزَتِهِ الْحَدَّ، وَالصَّحِيحُ الِاكْتِفَاءُ بِالْإِخْبَارِ أَوَّلًا أَوْ آخِرًا، كَمَا سَيَأْتِي فِي الرِّوَايَةِ مِنَ النُّسَخِ الَّتِي إِسْنَادُهَا وَاحِدٌ.
[تَفْرِيعَاتٌ]
٣٩٨ - وَاخْتَلَفُوا إِنْ أَمْسَكَ الْأَصْلَ رِضَا ... وَالشَّيْخُ لَا يَحْفَظُ مَا قَدْ عُرِضَا
٣٩٩ - فَبَعْضُ نُظَّارِ الْأُصُولِ يُبْطِلُهْ ... وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يَقْبَلُهْ
٤٠٠ - وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ فَإِنْ لَمْ يُعْتَمَدْ ... مُمْسِكُهُ فَذَلِكَ السَّمَاعُ رَدْ
стр. 521
(تَفْرِيعَاتٌ) ثَمَانِيَةٌ تَتَعَلَّقُ بِهَذَيْنِ الْقِسْمَيْنِ:
الْأَوَّلُ: (وَاخْتَلَفُوا) أَيِ: الْعُلَمَاءُ (إِنْ أَمْسَكَ الْأَصْلَ) مَعَ الْمُرَاعَاةِ لَهُ حِينَ الْقِرَاءَةِ عَلَى الشَّيْخِ (رِضَى) فِي الثِّقَةِ وَالضَّبْطِ لِذَلِكَ (وَالشِّيْخُ) حِينَئِذٍ (لَا يَحْفَظُ مَا قَدْ عَرَضَا) الطَّالِبُ عَلَيْهِ، وَلَا هُوَ مُمْسِكٌ أَصْلَهُ بِيَدِهِ، هَلْ يَصِحُّ السَّمَاعُ أَمْ لَا؟ (فَبَعْضُ نُظَّارِ الْأُصُولِ) ، وَهُوَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ، وَكَذَا الْمَازِرِيُّ فِي شَرْحِ الْبُرْهَانِ (يُبْطِلُهْ) أَيِ: السَّمَاعَ.
وَحَكَى عِيَاضٌ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيَّ تَرَدَّدَ فِيهِ، قَالَ: وَأَكْثَرُ مَيْلِهِ إِلَى الْمَنْعِ، بَلْ نَقَلَهُ الْحَاكِمُ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّهُمَا لَا حُجَّةَ عِنْدَهُمَا، إِلَّا بِمَا رَوَاهُ الرَّاوِي مِنْ حِفْظِهِ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْأَصْلُ بِيَدِهِ، فَضْلًا عَنْ يَدِ ثِقَةٍ غَيْرِهِ، لَا يَكْفِي، كَمَا سَيَأْتِي فِي صِفَةِ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَأَدَائِهِ.
(وَأَكْثَرُ الْمُحَدِّثِينَ يَقْبَلُهْ) ، بَلْ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَمَلُ كَافَّةِ الشُّيُوخِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ كَمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ، وَنَقَلَ تَصْحِيحَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ (وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ) ابْنُ الصَّلَاحِ، وَوَهَّنَ السِّلَفِيُّ الْخِلَافَ ; لِاتِّفَاقِ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْعَمَلِ بِهَذَا، وَذَكَرَ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ الطَّالِبَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ عَلَى شَيْخٍ شَيْئًا مِنْ سَمَاعِهِ هَلْ يَجِبُ أَنْ يُرِيَهُ سَمَاعَهُ فِي ذَلِكَ الْجُزْءِ أَمْ يَكْفِيَ إِعْلَامُ الطَّالِبِ الثِّقَةِ الشَّيْخَ أَنَّ هَذَا الْجُزْءَ سَمَاعُهُ عَلَى فُلَانٍ؟ وَقَالَ: هُمَا سِيَّانِ، عَلَى هَذَا عَهِدْنَا عُلَمَاءَنَا عَنْ آخِرِهِمْ.
قَالَ: وَلَمْ يَزَلِ الْحُفَّاظُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا يُخَرِّجُونَ لِلشُّيُوخِ مِنَ الْأُصُولِ، فَتَكُونُ تِلْكَ الْفُرُوعُ بَعْدَ الْمُقَابَلَةِ أُصُولًا، [وَهَلْ كَانَتِ الْأُصُولُ] أَوَّلًا إِلَّا فُرُوعًا؟ ! انْتَهَى.
стр. 522
وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَائِلِ:
قُلْ لِمَنْ لَا يَرَى الْمُعَاصِرَ شَيْئًا ... وَيَرَى لِلْأَوَائِلِ التَّقْدِيمَا
إِنَّ ذَاكَ الْقَدِيمَ كَانَ جَدِيدًا ... وَسَيَبْقَى هَذَا الْجَدِيدُ قَدِيمَا
وَإِذَا اكْتَفَى بِإِعْلَامِ الثِّقَةِ بِأَصْلِ الْمَرْوِيِّ، فَهُنَا كَذَلِكَ بَلْ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ الْقَارِئُ مَعَ كَوْنِهِ مَوْثُوقًا بِهِ دَيِّنًا وَمَعْرِفَةً يَقْرَأُ فِي نَفْسِ الْأَصْلِ صَحَّ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ، كَإِمْسَاكِ الشَّيْخِ نُسْخَتَهُ ; إِذْ لَا فَرْقَ بَيْنَ الِاعْتِمَادِ عَلَى بَصَرِهِ أَوْ سَمَعِهِ ; حَيْثُ يَكُونُ حَافِظًا، خِلَافًا لِبَعْضِ أَهْلِ التَّشْدِيدِ فِي الرِّوَايَةِ مِمَّنْ لَمْ يَعْتَبِرْ بِمَا حَدَّثَ بِهِ الشَّيْخُ مِنْ كِتَابِهِ، بَلْ هُوَ هُنَا أَوْلَى بِالصِّحَّةِ مِمَّا لَوْ كَانَ الْأَصْلُ بِيَدِ سَامِعٍ آخَرَ ; لِأَنَّ الْقِرَاءَةَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ أَضْبَطُ فِي اتِّبَاعِ مَا حَمَلَهُ الشَّيْخُ، وَالذُّهُولَ فِيهَا أَقَلُّ. هَذَا كُلُّهُ إِنْ كَانَ الْمُمْسِكُ أَوِ الْقَارِئُ فِيهِ مُعْتَمَدًا رِضًى، وَكَانَ الشَّيْخُ غَيْرَ حَافِظٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
(فَإِنْ لَمْ يُعْتَمَدْ) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ (مُمْسِكُهُ) ، أَوِ الْقَارِئُ فِيهِ، وَلَا هُوَ مِمَّنْ يُوثَقُ بِهِ (فَذَلِكَ السَّمَاعُ رَدْ) أَيْ: مَرْدُودٌ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِهِ، وَلِذَا ضَعَّفَ أَئِمَّةُ الصَّنْعَةِ رِوَايَةَ مَنْ سَمِعَ الْمُوَطَّأَ عَلَى مَالِكٍ بِقِرَاءَةِ ابْنِ حَبِيبٍ كَاتِبِهِ ; لِضَعْفِهِ عِنْدَهُمْ، بِحَيْثُ اتُّهِمَ بِتَصَفُّحِ الْأَوْرَاقِ وَمُجَاوَزَتِهَا بِدُونِ قِرَاءَةٍ، إِمَّا فِي أَثْنَاءِ قِرَاءَتِهِ، أَوْ بَعْدَ انْتِهَاءِ الْمَجْلِسِ حِينَ الْبَلَاغِ، قَصْدًا لِلْعَجَلَةِ. وَهَذَا مَرْدُودٌ، فَمِثْلُ هَذَا لَا يَخْفَى عَلَى مَالِكٍ.
قَالَ عِيَاضٌ: لَكِنَّ عَدَمَ الثِّقَةِ بِقِرَاءَةِ مِثْلِهِ، مَعَ جَوَازِ الْغَفْلَةِ وَالسَّهْوِ عَنِ الْحَرْفِ وَشَبَهِهِ وَمَا لَا يُخِلُّ بِالْمَعْنَى، مُؤَثِّرَةٌ فِي تَصْحِيحِ السَّمَاعِ كَمَا قَالُوهُ. وَلِهَذِهِ الْعِلَّةِ لَمْ يُخَرِّجِ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ بُكَيْرٍ عَنْ مَالِكٍ إِلَّا قَلِيلًا، وَأَكْثَرُ مِنْهُ عَنِ اللَّيْثِ، قَالُوا: لِأَنَّ
стр. 523
سَمَاعَهُ كَانَ بِقِرَاءَةِ ابْنِ حَبِيبٍ - انْتَهَى.
وَإِنْ كَانَ الشَّيْخُ حَافِظًا فَهُوَ كَمَا لَوْ كَانَ أَصْلُهُ بِيَدِهِ، بَلْ أَوْلَى ; لِتَعَاضُدِ ذِهْنَيْ شَخْصَيْنِ عَلَيْهِ.
٤٠١ - وَاخْتَلَفُوا إِنْ سَكَتَ الشَّيْخُ وَلَمْ ... يُقِرَّ لَفْظًا فَرَآهُ الْمُعْظَمْ
٤٠٢ - وَهْوَ الصَّحِيحُ كَافِيًا وَقَدْ مَنَعْ ... بَعْضُ أُولِي الظَّاهِرِ مِنْهُ وَقَطَعْ
٤٠٣ - بِهِ أَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمُ الرَّازِي ... ثُمَّ أَبُو إِسْحَاقٍ الشِّيرَازِي
٤٠٤ - كَذَا أَبُو نَصْرٍ وَقَالَ يُعْمَلُ ... بِهِ وَأَلْفَاظُ الْأَدَاءِ الْأُوَلُ
الثَّانِي: (وَاخْتَلَفُوا) أَيِ: الْعُلَمَاءُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ (إِنْ سَكَتَ الشَّيْخُ) الْمُتَيَقِّظُ الْعَارِفُ غَيْرُ الْمُكْرَهِ بَعْدَ قَوْلِ الطَّالِبِ لَهُ: أَخْبَرَكَ فُلَانٌ، أَوْ قُلْتَ: أَنَا فُلَانٌ، أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، مَعَ إِصْغَائِهِ إِلَيْهِ وَفَهْمِهِ لِمَا يَقُولُ عَنِ التَّعَرُّضِ لِإِنْكَارِ الْمَرْوِيِّ أَوْ شَيْءٍ مِنْهُ، وَلِإِنْكَارِ الْإِخْبَارِ.
(وَلَمْ يُقِرَّ لَفْظًا) بِقَوْلِهِ: نَعَمْ، وَمَا أَشْبَهَهُ، كَأَنْ يُومِئَ بِرَأْسِهِ أَوْ يُشِيرَ بِإِصْبَعِهِ، وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّ الْقَارِئِ أَنَّ سُكُوتَهُ إِجَابَةٌ (فَرَآهُ الْمُعْظَمْ) مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالنُّظَّارِ (وَهْوَ الصَّحِيحُ كَافِيًا) فِي صِحَّةِ السَّمَاعِ كَمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ وَصَحَّحَهُ، وَقَالَ: إِنَّ الشَّرْطَ غَيْرُ لَازِمٍ ; لِأَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْ ذِي دِينٍ إِقْرَارٌ عَلَى الْخَطَأِ فِي مِثْلِ هَذَا، فَلَا مَعْنَى لِلتَّقْرِيرِ بَعْدُ.
وَلَعَلَّ الْمَرْوِيَّ عَنْ مَالِكٍ ; يَعْنِي كَمَا فِي صَحِيحٍ مُسْلِمٍ، وَعَنْ أَمْثَالِهِ فِي فِعْلِ ذَلِكَ لِلتَّأْكِيدِ لَا لِلُّزُومِ.
стр. 524
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَسُكُوتُ الشَّيْخِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ تَصْرِيحِهِ بِتَصْدِيقِ الْقَارِئِ اكْتِفَاءً بِالْقَرَائِنِ الظَّاهِرَةِ.
قُلْتُ: وَأَيْضًا فَسُكُوتُهُ خُصُوصًا بَعْدَ قَوْلِهِ لَهُ: هَلْ سَمِعْتَ، فِيمَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، مُوهِمٌ لِلصِّحَّةِ، وَذَلِكَ بَعِيدٌ عَنِ الْعُدُولِ ; لِمَا يَتَضَمَّنُ مِنَ الْغِشِّ وَعَدَمِ النُّصْحِ.
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا اسْتُثْنِيَ مِنْ أَصْلِ الشَّافِعِيِّ ﵀ ; حَيْثُ قَالَ: " لَا يُنْسَبُ إِلَى سَاكِتٍ قَوْلٌ ". وَحِينَئِذٍ فَيُؤَدِّي بِأَلْفَاظِ الْعَرْضِ كُلِّهَا حَتَّى حَدَّثَنِي وَأَخْبَرَنِي، كَمَا حَكَى تَجْوِيزَهُ فِيهِمَا عَنِ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ الْآمِدِيُّ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ، بَلْ حَكَى عَنِ الْحَاكِمِ أَنَّهُ مَذْهَبُ الْأَرْبَعَةِ.
وَمِنْ هُنَا قَالَ حَبِيبُ بْنُ أَبِي ثَابِتٍ: إِذَا حَدَّثَنِي رَجُلٌ عَنْكَ بِحَدِيثٍ، يَعْنِي بِحَضْرَةِ الْمُحَدِّثِ عَنْهُ وَسُكُوتِهِ، ثُمَّ حَدَّثْتُ بِهِ عَنْكَ كُنْتُ صَادِقًا، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ عَلَى طَالِبٍ التَّصْرِيحَ مِنْهُ بِالْإِقْرَارِ، وَقَالَ: أَلَمْ أُفَرِّغْ لَكُمْ نَفْسِي، وَسَمِعْتُ عَرْضَكُمْ، وَأَقَمْتُ سَقْطَهُ وَزَلَلَهُ. وَبِهَذَا يَتَأَيَّدُ التَّأْوِيلُ الْمَاضِي فِيمَا نُقِلَ عَنْهُ مِنْ صَنِيعِهِ (وَ) لَكِنْ (قَدْ مَنَعْ بَعْضُ أُولِي الظَّاهِرِ مِنْهُ) أَيْ: مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِسُكُوتِ الشَّيْخِ فِي الرِّوَايَةِ، فَاشْتَرَطُوا إِقْرَارَهُ بِذَلِكَ نُطْقًا، وَالْبَاقُونَ مِنَ الظَّاهِرِيَّةِ إِمَّا
стр. 525
سَاكِتُونَ أَوْ مَعَ الْأَوَّلِينَ، بَلْ نَقَلَهُ الْخَطِيبُ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَيْضًا ; فَإِنَّهُ قَالَ: زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَقَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ أَنَّ مَنْ قَرَأَ عَلَى شَيْخٍ حَدِيثًا لَمْ تَجُزْ لَهُ رِوَايَتُهُ عَنْهُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يُقِرَّ الشَّيْخُ بِهِ - انْتَهَى.
وَكَذَا حَكَاهُ غَيْرُهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمَشَارِقَةِ.
وَقَالَ الْحَاكِمُ: عَهِدْتُ مَشَايِخَنَا لَا يُصَحِّحُونَ سَمَاعَ مَنْ سَمِعَ مِنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ مِهْرَانَ الْإِسْمَاعِيلِيِّ الْحَافِظِ فِي الْمَرَضِ ; فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَقْدِرُ أَنْ يُحَرِّكَ لِسَانَهُ إِلَّا بِ " لَا "، فَكَانَ إِذَا قِيلَ لَهُ: كَمَا قَرَأْنَا عَلَيْكَ؟ قَالَ: لَا لَا لَا، وَيُحَرِّكُ رَأْسَهُ بِ " نَعَمْ ".
وَأَمَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدٍ فَحَدَّثَنِي أَنَّهُ كَانَ مَا يَقْدِرُ أَنْ يُحَرِّكَ رَأْسَهُ، وَقَالَ: لَمْ يَصِحَّ لِي عَنْهُ سِوَى حَدِيثٍ وَاحِدٍ ; فَإِنِّي قَرَأْتُهُ عَلَيْهِ غَيْرَ مَرَّةٍ، إِلَى أَنْ أَشَارَ بِعَيْنَيْهِ إِشَارَةً فَهِمْنَاهَا عَنْهُ أَنْ نَعَمْ.
(وَقَطَعْ بِهِ) أَيْ: بِالْمَنْعِ مُطْلَقًا مِنَ الشَّافِعِيَّةِ (أَبُو الْفَتْحِ سُلَيْمُ الرَّازِي ثُمَّ) الشَّيْخُ (أَبُو إِسْحَاقٍ) بِالصَّرْفِ لِلضَّرُورَةِ (الشِّيرَازِي) ، وَ (كَذَا أَبُو نَصْرٍ) هُوَ ابْنُ الصَّبَّاغِ (وَ) لَكِنَّهُ (قَالَ) : إِنَّهُ (يُعْمَلُ بِهِ) أَيْ: بِالْمَرْوِيِّ، سَوَاءٌ السَّامِعُ أَوِ الْقَارِئُ أَوْ مَنْ حَمَلَهُ عَنْهُ.
وَلَمْ يَمْنَعِ الرِّوَايَةَ مَعَ الْإِفْصَاحِ بِالْوَاقِعِ ; حَيْثُ قَالَ مَا مَعْنَاهُ: (وَأَلْفَاظُ الْأَدَاءِ) لِمَنْ سَمِعَ أَوْ قَرَأَ كَذَلِكَ، وَأَرْدَأُ رِوَايَتِهِ هِيَ الْأَلْفَاظُ (الْأُوَلُ) ، خَاصَّةً الْمُنْبِئَةَ عَنِ الْحَالِ الْوَاقِعِ، الْمُتَّفَقَ عَلَيْهَا، وَهِيَ: قَرَأْتُ عَلَيْهِ، أَوْ قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ، لَا جَمِيعَهَا
стр. 526
فَلَا يَقُلْ: حَدَّثَنِي، وَلَا أَخْبَرَنِي. وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ الْغَزَّالِيُّ وَالْآمِدِيُّ، وَحَكَاهُ عَنِ الْمُتَكَلِّمِينَ، بَلْ جَزَمَ صَاحِبُ (الْمَحْصُولِ) بِأَنَّهُ لَا يَقُولُهُمَا، وَكَذَا سَمِعْتُ، لَوْ أَشَارَ بِرَأْسِهِ أَوْ إِصْبَعِهِ لِلْإِقْرَارِ بِهِ وَلَمْ يَتَلَفَّظْ.
قَالَ الشَّارِحُ: وَفِيهِ نَظَرٌ ; يَعْنِي: فَإِنَّ الْإِشَارَةَ قَائِمَةٌ مَقَامَ الْعِبَارَةِ فِي الْإِعْلَامِ بِذَلِكَ، فَتُجْرَى عَلَيْهَا الْأَحْكَامُ، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَبِالْجُمْلَةِ، فَتَصْرِيحُ الْمُحَدِّثِ بِالْإِقْرَارِ مُسْتَحَبٌّ ; فَقَدْ قَالَ الْخَطِيبُ: وَلَوْ قَالَ لَهُ الْقَارِئُ عِنْدَ الْفَرَاغِ: كَمَا قَرَأْتُ عَلَيْكَ، فَأَقَرَّ بِهِ، كَانَ أَحَبَّ إِلَيْنَا - انْتَهَى.
وَلَوْ كَانَ الِاعْتِمَادُ فِي سَمَاعِهِ عَلَى الْمُفِيدِ فَالْحُكْمُ فِيهِ فِيمَا يَظْهَرُ كَذَلِكَ.
٤٠٥ - وَالْحَاكِمُ اخْتَارَ الَّذِي قَدْ عَهِدَا ... عَلَيْهِ أَكْثَرَ الشُّيُوخِ فِي الْأَدَا
٤٠٦ - " حَدَّثَنِي " فِي اللَّفْظِ حَيْثُ انْفَرَدَا ... وَاجْمَعْ ضَمِيرَهُ إِذَا تَعَدَّدَا
٤٠٧ - وَالْعَرْضُ إِنْ تَسْمَعْ فَقُلْ " أَخْبَرَنَا " ... أَوْ قَارِئًا " أَخْبَرَنِي " وَاسْتُحْسِنَا
٤٠٨ - وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ رُوِيَا ... وَلَيْسَ بِالْوَاجِبِ لَكِنْ رُضِيَا
٤٠٩ - وَالشَّكُّ فِي الْأَخْذِ أَكَانَ وَحْدَهْ ... أَوْ مَعْ سِوَاهُ فَاعْتِبَارُ الْوَحْدَهْ
٤١٠ - مُحْتَمَلٌ لَكِنْ رَأَى الْقَطَّانُ ... الْجَمْعَ فِيمَا أَوْهَمَ الْإِنْسَانُ
٤١١ - فِي شَيْخِهِ مَا قَالَ وَالْوَحْدَةَ قَدْ ... اخْتَارَ فِي ذَا الْبَيْهَقِيُّ وَاعْتَمَدْ
الثَّالِثُ: فِي افْتِرَاقِ الْحَالِ فِي الصِّيغَةِ بَيْنَ الْمُنْفَرِدِ أَوْ مَنْ يَكُونُ فِي جَمَاعَةٍ (وَالْحَاكِمُ اخْتَارَ) الْأَمْرَ (الَّذِي قَدْ عَهِدَا عَلَيْهِ أَكْثَرَ الشُّيُوخِ) لَهُ، بَلْ وَأَئِمَّةِ عَصْرِهِ،
стр. 527
(فِي) صِيَغِ (الْأَدَا) ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: (حَدَّثَنِي) فُلَانٌ بِالْإِفْرَادِ (فِي) الَّذِي يَتَحَمَّلُهُ مِنْ شَيْخِهِ بِصَرِيحِ (اللَّفْظِ حَيْثُ انْفَرَدَا) بِأَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ وَقْتَ السَّمَاعِ غَيْرُهُ (وَاجْمَعْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ (ضَمِيرَهُ) أَيِ: التَّحْدِيثِ، فَقُلْ: ثَنَا (إِذَا تَعَدَّدَا) بِأَنْ كَانَ مَعَكَ وَقْتَ السَّمَاعِ غَيْرُكَ.
(وَ) كَذَا اخْتَارَ فِي الَّذِي تَتَحَمَّلُهُ عَنْ شَيْخِكَ فِي الْعَرْضِ أَنَّكَ (إِنْ تَسْمَعْ) بِقِرَاءَةِ غَيْرِكَ (فَقُلْ: أَخْبَرَنَا) بِالْجَمْعِ، أَوْ إِنْ تَكُنْ (قَارِئًا) فَقُلْ: (أَخْبَرَنِي) بِالْإِفْرَادِ (وَاسْتُحْسِنَا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ مِنْ فَاعِلِهِ، فَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَهُوَ حَسَنٌ رَائِقٌ.
(وَنَحْوُهُ عَنِ ابْنِ وَهْبٍ) ، هُوَ عَبْدُ اللَّهِ (رُوِيَا) كَمَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي الْعِلَلِ، وَالْخَطِيبِ فِي الْكِفَايَةِ ; فَإِنَّهُ قَالَ: مَا قُلْتُ: ثَنَا، فَهُوَ مَا سَمِعْتُ مَعَ النَّاسِ، وَمَا قُلْتُ: حَدَّثَنِي، فَهُوَ مَا سَمِعْتُ وَحْدِي، وَمَا قُلْتُ: أَنَا، فَهُوَ مَا قُرِئَ عَلَى الْعَالِمِ وَأَنَا شَاهِدٌ، وَمَا قُلْتُ: أَخْبَرَنِي، فَهُوَ مَا قَرَأْتُ عَلَى الْعَالِمِ. فَاتَّفَقَ ابْنُ وَهْبٍ وَمَنْ نَقَلَ عَنْهُمُ الْحَاكِمُ فِي كَوْنِ الْقَارِئِ - كَمَا هُوَ الْمَشْهُورُ حَسْبَمَا صَرَّحَ بِهِ الشَّارِحُ فِي النُّكَتِ - يَقُولُ: أَخْبَرَنِي، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يَكُونَ فِي الْمُنْفَرِدِ، وَمُحْتَمِلٌ مُطْلَقًا، وَهُوَ الظَّاهِرُ.
لَكِنْ قَدْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الِاقْتِرَاحِ: إِنَّ
стр. 528
الْقَارِئَ إِذَا كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ يَقُولُ: أَنَا، بِالْجَمْعِ، فَسَوَّى بَيْنَ مَسْأَلَتَيِ التَّحْدِيثِ وَالْإِخْبَارِ، يَعْنِي: فَإِنَّهُ إِذَا سَمِعَ جَمَاعَةٌ مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ يَقُولُ كُلٌّ مِنْهُمْ: ثَنَا.
وَفِي التَّسْوِيَةِ نَظَرٌ، وَإِنْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: إِنَّهُ قِيَاسٌ ظَاهِرٌ، عَلَى أَنَّ السِّلَفِيَّ قَدْ كَانَ يَأْتِي بِالْجَمْعِ فِيمَا يَقْرَؤُهُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ غَيْرُهُ، فَيَكْتُبُ أَوَّلَ الْجُزْءِ: أَنَا فُلَانٌ بِقِرَاءَتِي، ثُمَّ يَكْتُبُ الطَّبَقَةَ بِآخِرِهِ، وَلَا يُثْبِتُ مَعَهُ غَيْرَهُ. وَقَدْ جَاءَ عَنْ أَحْمَدَ: إِذَا كُنْتَ وَحْدَكَ فَقُلْ: حَدَّثَنِي، أَوْ فِي مَلَأٍ فَقُلْ: ثَنَا، أَوْ قَرَأْتَ فَقُلْ: قَرَأْتُ عَلَيْهِ، أَوْ سَمِعْتَ فَقُلْ: قُرِئَ عَلَيْهِ وَأَنَا أَسْمَعُ. وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الْحَاجِّ، وَقَالَ: إِنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّحَرِّي.
وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ: كَانَ ابْنُ سِيرِينَ يَقُولُ تَارَةً: حَدَّثَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ، وَتَارَةً: ثَنَا، فَقُلْتُ لَهُ: كَيْفَ هَذَا يَا أَبَا بَكْرٍ؟ قَالَ: أَكُونُ وَحْدِي فَأَقُولُ: حَدَّثَنِي، وَأَكُونُ مَعَ غَيْرِي فَأَقُولُ: ثَنَا. أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ.
وَقَالَ شُعْبَةُ: أَخْبَرَنِي سَلَمَةُ بْنُ كُهَيْلٍ، أَوْ أَخْبَرَ الْقَوْمَ وَأَنَا فِيهِمْ، قَالَ: سَمِعْتُ سُوَيْدَ بْنَ غَفَلَةَ قَالَ: خَرَجْتُ مَعَ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ وَسَلْمَانَ بْنِ رَبِيعَةَ فَوَجَدْتُ سَوْطًا، وَذَكَرَ حَدِيثًا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي اللُّقَطَةِ مِنْ صَحِيحِهِ. (وَلَيْسَ) مَا تَقَدَّمَ مِنَ التَّفْصِيلِ (بِالْوَاجِبِ) عِنْدَهُمْ، وَ (لَكِنْ رُضِيَا) بِالْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ; أَيِ: اسْتُحِبَّ عِنْدَ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطِيبُ ; لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ أَحْوَالِ التَّحَمُّلِ.
стр. 529
وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ، وَسُئِلَ عَنِ الرَّجُلِ يُحَدِّثُ الرَّجُلَ وَحْدَهُ: أَيَقُولُ: ثَنَا؟ قَالَ: نَعَمْ، جَائِزٌ هَذَا فِي كَلَامِ الْعَرَبِ، " فَعَلْنَا " وَإِنَّمَا هُوَ وَحْدَهُ.
وَكَذَا قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: اصْطَلَحُوا لِلْمُنْفَرِدِ: حَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ، وَإِنْ جَازَ فِيهِ لُغَةً: " ثَنَا " بِالْجَمْعِ.
وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ: لَا بَأْسَ بِهِ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْقَطَّانُ: إِذَا كَانَ أَصْلُ الْحَدِيثِ عَلَى السَّمَاعِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُولَ: حَدَّثَنِي وَثَنَا وَسَمِعْتُ وَأَخْبَرَنِي وَأَنَا، فِي آخَرِينَ مُصَرِّحِينَ بِأَنَّهُ جَائِزٌ لِمَنْ سَمِعَ وَحْدَهُ أَنْ يَقُولَ: نَا وَثَنَا، وَلِمَنْ سَمِعَ مَعَ غَيْرِهِ أَنْ يَقُولَ: أَخْبَرَنِي وَحَدَّثَنِي وَنَحْوَ ذَلِكَ ; لِأَنَّ الْمُحَدِّثَ حَدَّثَهُ وَحَدَّثَ غَيْرَهُ.
عَلَى أَنَّ نِسْبَةَ الْخَطِيبِ مَا تَقَدَّمَ لِكَافَّةِ الْعُلَمَاءِ وَهُمُ الْجَمِيعُ، يُنَازِعُ فِيهَا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ فَارِسٍ مِنْ أَنَّ جَمَاعَةً ذَهَبُوا إِلَى أَنَّهُ إِذَا حَدَّثَ الْمُحَدِّثُ جَازَ أَنْ يُقَالَ: ثَنَا، وَإِنْ قُرِئَ عَلَيْهِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: ثَنَا وَلَا أَنَا، وَإِنْ حَدَّثَ جَمَاعَةً لَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَالَ: حَدَّثَنِي، أَوْ حَدَّثَ بِلَفْظٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَعَدَّاهُ، وَقَالَ: إِنَّهُ تَشْدِيدٌ لَا وَجْهَ لَهُ، وَكَأَنَّهُ لِذَلِكَ لَمْ يَعْتَبِرْهُ الْخَطِيبُ خِلَافًا.
ثُمَّ إِنَّ الِاسْتِحْبَابَ الْمُشَارَ إِلَيْهِ هُوَ فِيمَا إِذَا تَحَقَّقَ حِينَ التَّحَمُّلِ صُورَةُ الْحَالِ (وَ) أَمَّا إِنْ وَقَعَ (الشَّكُّ فِي الْأَخْذِ) وَالتَّحَمُّلِ ; أَيْ: مِنْ لَفْظِ الشَّيْخِ (أَكَانَ وَحْدَهْ) ، فَيَأْتِي بِحَدَّثَنِي بِالْإِفْرَادِ (أَوْ) كَانَ (مَعْ) بِالْإِسْكَانِ (سِوَاهُ) ، فَيَأْتِي بِالْجَمْعِ (فَاعْتِبَارُ الْوَحْدَهْ مُحْتَمَلٌ) أَيِ: الْقَوْلُ بِهِ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ غَيْرِهِ، وَكَذَا لَوْ شَكَّ فِي تَحَمُّلِهِ أَهُوَ مِنْ قَبِيلِ " أَنَا " ; لِكَوْنِهِ بِقِرَاءَةِ غَيْرِهِ، أَوْ أَخْبَرَنِي ; لِكَوْنِهِ بِقِرَاءَتِهِ ; حَيْثُ مَشَيْنَا عَلَى اخْتِيَارِ الْحَاكِمِ وَمَنْ مَعَهُ فِي إِفْرَادِ الضَّمِيرِ: إِذَا قَرَأَ
стр. 530
يَأْتِي بِالْجَمْعِ ; لِأَنَّ سَمَاعَ نَفْسِهِ مُتَحَقِّقٌ، وَقِرَاءَتَهُ شَاكٌّ فِيهَا، وَالْأَصْلُ أَنَّهُ لَمْ يَقْرَأْ، وَإِنْ سَوَّى ابْنُ الصَّلَاحِ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فِي الْإِتْيَانِ بِالْإِفْرَادِ.
عَلَى أَنَّ الْخَطِيبَ حَكَى فِي الْكِفَايَةِ عَنِ الْبَرْقَانِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ: قَرَأْنَا، وَهُوَ - كَمَا قَالَ الشَّارِحُ - حَسَنٌ ; فَإِنَّ إِفْرَادَ الضَّمِيرِ يَقْتَضِي قِرَاءَتَهُ بِنَفْسِهِ، وَجَمْعَهُ يُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى قِرَاءَةِ بَعْضِ مَنْ حَضَرَ السَّمَاعَ ; فَإِنَّهُ لَوْ تَحَقَّقَ أَنَّ الَّذِي قَرَأَ غَيْرُهُ لَا بَأْسَ بِهِ أَنْ يَقُولَ: قَرَأْنَا، قَالَهُ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حِينَ سُئِلَ عَنْهُ.
وَقَالَ النُّفَيْلِيُّ: قَرَأْنَا عَلَى مَالِكٍ، مَعَ كَوْنِهِ إِنَّمَا قُرِئَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَسْمَعُ (لَكِنْ رَأَى) يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ (الْقَطَّانُ) فِيمَا نَقَلَهُ عَنْهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ (الْجَمْعَ) بِحَدَّثَنَا فِي مَسْأَلَةٍ تُشْبِهُ الْأُولَى، وَهِيَ (فِيمَا) إِذَا (أَوْهَمَ) أَيْ: وَهِمَ بِمَعْنَى شَكَّ (الْإِنْسَانُ فِي) لَفْظِ (شَيْخِهِ مَا) الَّذِي (قَالَ) : حَدَّثَنِي أَوْ حَدَّثَنَا.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَمُقْتَضَاهُ الْجَمْعُ هُنَاكَ أَيْضًا، وَهُوَ عِنْدِي هُنَا يَتَوَجَّهُ بِأَنَّ حَدَّثَنِي أَكْمَلُ مَرْتَبَةً، فَيُقْتَصَرُ فِي حَالَةِ الشَّكِّ عَلَى النَّاقِصِ احْتِيَاطًا ; لِأَنَّ عَدَمَ الزَّائِدِ هُوَ الْأَصْلُ، قَالَ: وَهَذَا لَطِيفٌ (وَالْوَحْدَةَ) مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ ; أَيْ: صِيغَةُ
следующие страницы →