Полный текст (1 419 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.
стр. 736
(وَقَالَ يَحْيَى) بْنُ مَعِينٍ كَمَا رَوَاهُ الْخَطِيبُ فِي (الْكِفَايَةِ) مِنْ طَرِيقِهِ بِسَنَدٍ فِيهِ وِجَادَةٌ، وَأَوْرَدَهُ لِذَلِكَ ابْنُ الصَّلَاحِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ (يَجِبُ) النَّظَرُ، وَذَلِكَ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ لَم يَنْظُرْ فِي الْكِتَابِ وَالْمُحَدِّثُ يَقْرَأُ: أَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُحَدِّثَ بِذَلِكَ عَنْهُ؟ فَقَالَ: أَمَّا عِنْدِي فَلَا، وَلَكِنَّ عَامَّةَ الشُّيُوخِ هَكَذَا سَمَاعُهُمْ. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ يُحَدِّثُ مِنَ الْكِتَابِ ثُمَّ يُلْقِيهِ إِلَيْهِمْ فَيَكْتُبُونَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا قَدْ نَظَرُوا فِيهِ. وَلَمْ يَنْفَرِدِ ابْنُ مَعِينٍ بِهَذَا، فَقَدْ أَوْرَدَ الْخَطِيبُ أَيْضًا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ وَارَةَ أَنَّهُ قَالَ: أَنْتُمْ أَهْلُ بَلَدٍ يُنْظَرُ إِلَيْكُمْ، يَجِيءُ رَجُلٌ يَسْأَلُنِي فِي أَحَادِيثَ وَأَنْتُمْ لَا تَنْظُرُونَ فِيهَا ثُمَّ تَكْتُبُونَهَا، لَا أُحِلُّ لِمَنْ لَمْ يَنْظُرْ فِي الْكِتَابِ أَنْ يَنْسَخَ مِنْهَا شَيْئًا.
وَنَحْوُهُ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا الثَّوْرِيُّ قَالَ: ائْتُونِي بِرَجُلٍ يَكْتُبُ، خَفِيفِ الْكِتَابِ. قَالَ: فَأَتَيْنَا بِهِشَامِ بْنِ يُوسُفَ فَكَانَ هُوَ يَكْتُبُ وَنَحْنُ نَنْظُرُ فِي الْكِتَابِ، فَإِذَا فَرَغَ خَتَمْنَا الْكِتَابَ حَتَّى نَنْسَخَهُ. لَكِنْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّ هَذَا مِنْ مَذَاهِبِ الْمُتَشَدِّدِينَ فِي الرِّوَايَةِ، وَالصَّحِيحُ عَدَمُ اشْتِرَاطِهِ وَصِحَّةُ السَّمَاعِ وَلَوْ لَمْ يُنْظَرْ أَصْلًا فِي الْكِتَابِ حَالَةَ السَّمَاعِ. انْتَهَى.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُخَصَّ الِاشْتَرَاطُ بِمَا إِذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبُ النُّسْخَةِ مَأْمُونًا مَوْثُوقًا
стр. 737
بِضَبْطِهِ، وَلَمْ يَكُنْ تَقَدَّمَ الْعَرْضُ بِأَصْلِ الرَّاوِي، فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ، كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ الْخَطِيبِ، لَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ، وَعِبَارَتُهُ: (وَإِذَا كَانَ صَاحِبُ النُّسْخَةِ مَأْمُونًا فِي نَفْسِهِ، مَوْثُوقًا بِضَبْطِهِ، جَازَ لِمَنْ حَضَرَ الْمَجْلِسَ أَنْ يَتْرُكَ النَّظَرَ مَعَهُ اعْتِمَادًا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ، بَلْ وَيَجُوزُ تَرْكُ النَّظَرِ حِينَ الْقِرَاءَةِ إِذَا كَانَ الْعَرْضُ قَدْ سَبَقَ بِالْأَصْلِ) .
ثُمَّ مَا تَقَدَّمَ مِنَ اشْتِرَاطِ الْخَطِيبِ الْمُقَابَلَةَ فِي صِحَّةِ الرِّوَايَةِ هُوَ الْمُعْتَمَدُ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَبِهِ صَرَّحَ عِيَاضٌ أَيْضًا فَقَالَ: (لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ التَّقِيِّ الرِّوَايَةُ مِمَّا لَمْ يُقَابِلْ، وَلَا يَنْخَدِعُ فِي الِاعْتِمَادِ عَلَى نَسْخِ الثِّقَةِ الْعَارِفِ، وَلَا عَلَى نَسْخِهِ هُوَ بِيَدِهِ بِدُونِ مُقَابَلَةٍ وَتَصْحِيحٍ ; فَإِنَّ الْفِكْرَ يَذْهَبُ، وَالْقَلْبَ يَسْهُو، وَالْبَصَرَ يَزِيغُ، وَالْقَلَمَ يَطْغَى. بَلْ وَاخْتَارَهُ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ، فَقَالَ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَرْوِيَ عَنْ شَيْخِهِ شَيْئًا سَمِعَهُ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ لَا يَعْلَمُ هَلْ هُوَ كُلُّ الَّذِي سَمِعَهُ أَوْ بَعْضُهُ؟ وَهَلْ هُوَ عَلَى وَجْهِهِ أَوْ لَا؟) .
[الشُّرُوطُ لِجَوَازِ الرِّوَايَةِ مِنْ كِتَابٍ غَيْرِ مُعَارَضٍ] :
(وَجَوَّزَ الْأُسْتَاذُ) أَبُو إِسْحَاقَ الْإِسْفِرَائِينِيُّ (أنْ يَرْوِيَ) الْمُحَدِّثُ (مِنْ) فَرْعٍ (غَيْرِ مُقَابَلٍ) ، بَلْ (وَ) نَسَبَ الْجَوَازَ أَيْضًا (لِلْخَطِيبِ) كَمَا فِي (كِفَايَتِهِ) ، لَكِنْ (إِنْ بَيَّنَ) عِنْدَ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ لَمْ يُعَارِضْ، (وَ) كَانَ (النَّسْخُ) لِذَلِكَ الْفَرْعِ (مِنْ أَصْلٍ) بِالنَّقْلِ مُعْتَمَدٍ. وَسَبَقَهُ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إِلَى اشْتِرَاطِ أَوَّلِهِمَا، فَقَالَ: إِنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّهُ لَمْ يُعَارِضْ، لِمَا
стр. 738
عَسَى يَقَعُ مِنْ زَلَّةٍ أَوْ سُقُوطٍ. وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ شَيْخُ الْخَطِيبِ، كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ فَقَالَ: إِنَّهُ رَوَى لَنَا أَحَادِيثَ كَثِيرَةً قَالَ فِيهَا: أَنَا فُلَانٌ. وَلَمْ أُعَارِضْ بِالْأَصْلِ.
(وَلْيُزَدْ) وَهُوَ شَرْطٌ ثَالِثٌ (صِحَّةُ مَا نَقَلَ نَاسِخٌ) لِذَلِكَ الْفَرْعِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ سَقِيمَ النَّقْلِ كَثِيرَ السَّقْطِ، (فَالشَّيْخُ) ابْنُ الصَّلَاحِ قَدْ (شَرَطَهُ) .
كُلُّ ذَلِكَ مَعَ مُلَاحَظَةِ بَرَاعَةِ الْقَارِئِ أَوِ الشَّيْخِ أَوْ بَعْضِ السَّامِعِينَ ; لِأَنَّ بِمَجْمُوعِهِ يَخْرُجُ مِنَ الْعُهْدَةِ، وَلَا يُتَّهَمُ عِنْدَ ظُهُورِ الْأَمْرِ بِخِلَافِ مَا رَوَى، لَا سِيَّمَا بَعْدَ اصْطِلَاحِ الِاسْتِجَازَةِ الَّتِي بِهَا يَنْجَبِرُ مَا لَعَلَّهُ يَتَّفِقُ مِنْ خَلَلٍ، وَكَوْنِ الْمَلْحُوظِ أَيْضًا كَمَا أُشِيرَ إِلَيْهِ قُبَيْلَ مَرَاتِبِ التَّعْدِيلِ بَقَاءَ سِلْسِلَةِ الْإِسْنَادِ خَاصَّةً، بِخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَإِنْ مَنَعَ ابْنُ أَبِي الدَّمِ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ.
(ثُمَّ اعْتَبِرْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ (مَا ذُكِرَا) مِنَ الشُّرُوطِ (فِي أَصْلِ الْأَصْلِ) بِالنَّقْلِ، وَ (لَا تَكُنْ) لِقِلَّةِ مُبَالَاتِكَ بِمَا يَتَضَمَّنُ عَدَمَ الضَّبْطِ وَالْإِتْقَانِ (مُهَوِّرَا) كَمَنْ يَكْتَفِي بِمُجَرَّدِ الِاطِّلَاعِ عَلَى سَمَاعِ شَيْخِهِ بِذَاكَ الْكِتَابِ وَيَقْرَؤُهُ مِنْ أَيِ نُسْخَةٍ اتَّفَقَتْ بِدُونِ مُبَالَاةٍ.
[تَخْرِيجُ السَّاقِطِ]
(٥٨٤) وَيُكْتَبُ السَّاقِطُ وَهْوَ اللَّحَقُ ... حَاشِيَةً إِلَى الْيَمِينِ يُلْحَقُ
(٥٨٥) مَا لَمْ يَكُنْ آخِرَ سَطْرٍ وَلْيَكُنْ ... لِفَوْقُ وَالسُّطُورُ أَعْلَى فَحَسَنْ
стр. 739
(٥٨٦) وَخَرِّجَنْ لِلسَّقْطِ مِنْ حَيْثُ سَقَطْ
مُنْعَطِفًا لَهُ وَقِيلَ صِلْ بِخَطْ ... (٥٨٧) وَبَعْدَهُ اكْتُبْ صَحَّ أَوْ زِدْ رَجَعَا
أَوْ كَرِّرِ الْكِلْمَةَ لَمْ تَسْقُطْ مَعَا ... (٥٨٨) وَفِيهِ لَبْسٌ وَلِغَيْرِ الْأَصْلِ
خَرِّجْ بِوَسْطِ كِلْمَةِ الْمَحَلِّ ... (٥٨٩) وَلِعِيَاضٍ لَا تُخَرِّجْ ضَبِّبِ
أَوْ صَحِّحَنْ لِخَوْفِ لَبْسٍ وَأُبِي
[تَخْرِيجُ السَّاقِطِ وَأَصْلُهُ] :
(تَخْرِيجُ السَّاقِطِ) أَيْ: كَيْفِيَّةُ التَّخْرِيجِ لَهُ وَمَا أُلْحِقَ بِهِ مِنَ التَّخْرِيجِ لِلْحَوَاشِي وَنَحْوِهَا، وَكَيْفِيَّةُ كِتَابَةِ ذَلِكَ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْبَابِ قَوْلُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي نُزُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ [النساء: ٩٥] بَعْدَ نُزُولِ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ: (فَأَلْحَقْتُهَا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى مُلْحَقِهَا عِنْدَ صَدْعٍ فِي كَتِفٍ) .
[كَيْفِيَّةُ إِلْحَاقِ السَّاقِطِ] :
(وَيُكْتَبُ السَّاقِطُ) غَلَطًا مِنْ أَصْلِ الْكِتَابِ (وَهْوَ) أَيِ: الْمَكْتُوبُ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ وَالْكُتَّابِ (اللَّحَقُ) بِفَتْحِ اللَّامِ وَالْمُهْمَلَةِ، وَقَدْ أَنْشَدَ الْمُبَرِّدُ:
كَأَنَّهُ بَيْنَ أَسْطُرٍ لَحَقٌ.
مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِلْحَاقِ، (حَاشِيَةً) أَيْ: فِي حَاشِيَةِ الْكِتَابِ أَوْ بَيْنَ سُطُورِهِ إِنْ كَانَتْ مُتَّسِعَةً لَكِنَّهُ فِي الْحَاشِيَةِ أَوْلَى لِسَلَامَتِهِ مِنْ تَغْلِيسٍ مَا يَقْرَأُ، لَا سِيَّمَا إِنْ كَانَتِ السُّطُورُ ضَيِّقَةً مُتَلَاصِقَةً، وَلْيَكُنِ السَّاقِطُ فِي جَمِيعِ السَّطْرِ إِنْ لَمْ يَتَكَرَّرْ (إِلَى) جِهَةٍ (الْيَمِينِ) مِنْ جَانِبَيِ الْوَرَقَةِ لِشَرَفِهِ (يَلْحَقُ مَا لَمْ يَكُنْ) السَّاقِطُ (آخِرَ سَطْرٍ) فَإِنَّهُ يُلْحَقُ إِلَى جِهَةِ الْيَسَارِ لِلْأَمْنِ حِينَئِذٍ مِنْ نَقْصٍ فِيهِ بَعْدَهُ، وَلِيَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْأَصْلِ، وَإِنَ أَلْحَقَ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ هَذَا أَيْضًا لِجِهَةِ
стр. 740
الْيَمِينِ، فَالْيَسَارُ أَوْلَى.
فَإِنْ تَكَرَّرَ أُلْحِقَ الثَّانِي لِجِهَةِ الْيَسَارِ أَيْضًا ; لِأَنَّهُمَا لَوْ جُمِعَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَعَ الِاشْتِبَاهُ، وَإِنَ أُلْحِقَ الْأَوَّلُ فِي الْيَسَارِ وَالثَّانِي فِي الْيَمِينِ لَقَابَلَ طَرَفَا التَّخْرِيجَتَيْنِ، وَصَارَ يُتَوَهَّمُ بِذَلِكَ الضَّرْبُ عَلَى مَا بَيْنَهُمَا، لِكَوْنِهِ أَحَدَ طُرُقِ الضَّرْبِ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يُقَالَ: يُبْعِدُ التَّوَهُّمَ رُؤْيَةُ اللَّحَقِ مَكْتُوبًا بِالْجَانِبَيْنِ مُقَابِلَ التَّخْرِيجَتَيْنِ.
وَلْيَكُنِ السَّاقِطُ فِي السَّطْرِ مِنَ الْجَانِبَيْنِ إِنْ لَمْ يَزِدْ عَلَى سَطْرٍ مُلَاصِقًا لِأَصْلِ الْكِتَابِ صَاعِدًا (لِفَوْقُ) بِضَمِ الْقَافِ، إِلَى أَعَلَى الْوَرَقَةِ لَا نَازِلًا إِلَى أَسْفَلِهَا لِاحْتِمَالِ وُقُوعِ سَقْطٍ آخَرَ فِيهِ أَوْ بَعْدَهُ فَلَا يَجِدُ لَهُ مُقَابِلَهُ مَوْضِعًا، أَوْ كَتَبَ الْأَوَّلَ إِلَى أَسْفَلَ.
(وَ) إِنَّ زَادَ عَلَى سَطْرٍ فَلْتَكُنِ (السُّطُورُ أَعْلَى) الطُّرَّةِ الْمُقَابِلُ لِمَحَلِّهِ نَازِلًا بِهَا إِلَى أَسْفَلَ بِحَيْثُ تَنْتَهِي سُطُورُهُ إِلَى أَصْلِ الْكِتَابِ إِنْ كَانَ اللَّحَقُ فِي جِهَةِ الْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَ فِي جِهَةِ الشِّمَالِ ابْتَدَأَ سُطُورَهُ مِنْ جَانِبٍ إِلَى أَصْلِ الْكِتَابِ بِحَيْثُ تَنْتَهِي سُطُورُهُ إِلَى جِهَةِ طَرَفِ الْوَرَقَةِ، هَذَا فِيمَا يُكْتَبُ صَاعِدًا، فَإِنْ كَانَ اللَّحَقُ نَازِلًا حَيْثُ كَانَ فِي السَّقْطِ الثَّانِي أَوْ خَالَفَ فِي الْأَوَّلِ، انْعَكَسَ الْحَالُ، ثُمَّ إِنِ اتَّفَقَ انْتِهَاءُ الْهَامِشِ قَبْلَ فَرَاغِ السَّقْطِ اسْتَعَانَ بِأَعْلَى الْوَرَقَةِ أَوْ بِأَسْفَلِهَا حَسْبَمَا يَكُونُ اللَّحَقُ مِنْ كِلَا الْجِهَتَيْنِ (فَ) هَذَا الِاصْطِلَاحُ قَدْ (حَسُنَ) مِمَّنْ يَفْعَلُهُ، كُلُّ هَذَا إِنِ اتَّسَعَ الْمَحَلُّ بِعَدَمِ لَحَقٍ قَبْلَهُ فِي السَّطْرِ نَفْسِهِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ.
وَكَذَا إِنْ كَانَ الْهَامِشُ مِنَ الْجِهَتَيْنِ عَرِيضًا كَمَا هُوَ صَنِيعُ أَكْثَرِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ وَلَمْ يَضِقْ أَحَدُهُمَا مَعَ ذَلِكَ بِالْحَبْكِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ تَحَرَّى فِيمَا يَزُولُ مَعَهُ الْإِلْبَاسُ، وَلَا يُظْلِمُ بِهِ الْقِرْطَاسُ مَعَ الْحِرْصِ عَلَى عَدَمِ إِيصَالِ الْكِتَابَةِ بِطَرَفِ الْوَرَقَةِ،
стр. 741
بَلْ يَدَعُ مَا يَحْتَمِلُ الْحَكَّ مِرَارًا فَقَدْ تَعَطَّلَ بِسَبَبِ إِغْفَالِ ذَلِكَ الْكَثِيرُ.
(وَخَرِّجَنْ) بِنُونِ التَّأْكِيدِ الْخَفِيفَةِ (لِلسَّقْطِ) أَيِ: السَّاقِطِ الَّذِي كَتَبْتَهُ أَوْ سَتَكْتُبُهُ مِمَّا هُوَ ثَابِتٌ فِي أَصْلِ الْكِتَابِ مِنْ (حَيْثُ سَقَطْ) خَطًّا صَاعِدًا إِلَى تَحْتِ السَّطْرِ الَّذِي فَوْقَهُ يَكُونُ (مُنْعَطِفًا لَهُ) أَيْ: لِجِهَةِ السَّقْطِ مِنَ الْحَاشِيَةِ يَسِيرًا لِيَكُونَ إِشَارَةً إِلَيْهِ.
(وَقِيلَ) : لَا تَكْفِي الْإِشَارَةُ بِالِانْعِطَافِ بَلْ (صِلْ) بَيْنَ الْخَطِّ وَأَوَّلِ اللَّحَقِ بِخَطٍّ مُمْتَدٍّ بَيْنَهُمَا، وَهَذَا وَإِنْ قَالَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ: إِنَّهُ أَجْوَدُ ; لِمَا فِيهِ مِنْ مَزِيدِ الْبَيَانِ.
فَهُوَ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: غَيْرُ مَرَضِيٍّ. بَلْ قَالَ عِيَاضٌ: إِنَّهُ تَسْخِيمٌ لِلْكِتَابِ وَتَسْوِيدٌ لَهُ، وَإِنْ رَأَيْتُهُ فِي بَعْضِ الْأُصُولِ لَا سِيَّمَا إِنْ كَثُرَ التَّخْرِيجُ. قَالَ: وَالْأَوَّلُ أَحْسَنُ، وَعَلَيْهِ اسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عِنْدَنَا. وَلِذَا اخْتَارَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ.
نَعَمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يُقَابِلُ النَّقْصَ خَالِيًا، وَاضْطُرَّ لِكِتَابَتِهِ بِمَوْضِعٍ آخَرَ، مَدَّ حِينَئِذٍ الْخَطَّ إِلَى أَوَّلِ اللَّحَقِ كَمَا فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ.
وَذَلِكَ كَمَا قَالَ الْمُصَنِّفُ: جَيِّدٌ حَسَنٌ. وَلَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ، بَلْ يَقُومُ مَقَامَهُ أَنْ يَكْتُبَ قُبَالَهُ إِنِ اتَّسَعَ الْمَحَلُّ: يَتْلُوهُ كَذَا فِي الْمَوْضِعِ الْفُلَانِيِّ. أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ رَمْزٌ وَغَيْرُهُ مِمَّا يَزُولُ بِهِ اللَّبْسُ.
(وَبَعْدَهُ) أَيْ: بَعْدَ انْتِهَاءِ السَّاقِطِ وَلَوْ كَلِمَةً (اكْتُبْ) إِشَارَةً إِلَى انْتِهَائِهِ وَثُبُوتِهِ فِي الْأَصْلِ (صَحَّ) صَغِيرَةً كَمَا صَرَّحَ بِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ، مُقْتَصِرًا عَلَيْهَا، (أَوْ زِدْ)
стр. 742
مَعَهَا كَمَا حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ (رَجَعَا أَوْ) لَا تَكْتُبْ وَاحِدَةً مِنْهُمَا، بَلِ اكْتُبِ: انْتَهَى اللَّحَقُ. كَمَا حَكَّاهُ عِيَاضٌ أَيْضًا عَنْ بَعْضِهِمْ، وَفِيهِمَا تَطْوِيلٌ، أَوِ اقْتَصِرْ عَلَى (رَجْعٍ) كَمَا أَفَادَهُ شَيْخُنَا.
أَوْ (كَرِّرِ الْكِلْمَةَ) بِسُكُونِ اللَّامِ، الَّتِي (لَمْ تَسْقُطْ) مِنْ أَصْلِ الْكِتَابِ وَهِيَ تَالِيَةٌ لِلْمُلْحَقِ بِأَنْ تَكْتُبَهَا بِالْهَامِشِ أَيْضًا (مَعَا وَ) هَذَا وَإِنْ حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنِ اخْتِيَارِ بَعْضِ أَهْلِ الصَّنْعَةِ مِنَ الْمَغَارِبَةِ، وَقَالَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ: إِنَّهُ أَجْوَدُ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ لَيْسَ بِمَرَضِيٍّ. وَقَالَ عِيَاضٌ - وَتَبِعَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ -: (إِنَّهُ لَيْسَ بِحَسَنٍ) . (وَفِيهِ لَبْسٌ) فَرُبَّ كَلِمَةٍ تَجِيءُ فِي الْكَلَامِ مَرَّتَيْنِ بَلْ ثَلَاثًا لِمَعْنًى صَحِيحٍ، فَإِذَا كَرَّرْنَا الْكَلِمَةَ لَمْ نَأْمَنْ أَنْ تُوَافِقَ مَا لَا يَمْتَنِعُ تَكْرِيرُهُ ; إِمَّا جَزْمًا فَتَكُونُ زِيَادَةً مُوَجَّهَةً، أَوِ احْتِمَالًا فَتُوجِبُ ارْتِيَابًا وَزِيَادَةَ إِشْكَالٍ. قَالَ: وَالصَّوَابُ التَّصْحِيحُ. لَكِنْ قَدْ نُسِبَ لِشَيْخِنَا: إِنْ صَحَّ أَيْضًا رُبَّمَا انْتَظَمَ الْكَلَامُ بَعْدَهَا بِهَا فَيُظَنُّ أَنَّهَا مِنَ الْكِتَابِ. انْتَهَى.
وَلَكِنَّهُ نَادِرٌ بِالنِّسْبَةِ لِلَّذِي قَبْلَهُ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: يُبْعِدُهُ فِيهِمَا مَعًا الْإِحَاطَةُ بِسُلُوكِ الْمُقَابِلِ لَهُ دَائِمًا فِيمَا يَحْسُنُ مَعَهُ الْإِثْبَاتُ وَمِمَّا لَا يَحْسُنُ.
وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْأَحْسَنُ الرَّمْزُ بِمَا لَا يُقْرَأُ، كَأَنْ لَا تُجَوَّدَ الْحَاءُ مَنْ صَحَّ كَمَا هُوَ صَنِيعُ كَثِيرِينَ، وَكَأَنَّ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ اسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ تَصْغِيرَهَا.
(وَلِ) مَا يَكُونُ مِنْ (غَيْرِ الْأَصْلِ) مِمَّا يُكْتَبُ فِي حَاشِيَةِ الْكِتَابِ مِنْ شَرْحٍ أَوْ فَائِدَةٍ أَوْ تَنْبِيهٍ عَلَى غَلَطٍ أَوِ اخْتِلَافِ رِوَايَةٍ أَوْ نُسْخَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، (خَرِّجْ) لَهُ (بِوَسْطِ) بِإِسْكَانِ الْمُهْمَلَةِ (كِلْمَةِ) بِسُكُونِ اللَّامِ (الْمَحَلِّ) الَّتِي تَشْرَحُ، أَوْ يُنَبِّهُ عَلَى مَا فِيهَا لَا بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ لِيَفْتَرِقَ بِذَلِكَ عَنِ الْأَوَّلِ، (وَ) لَكِنْ (لِعِيَاضٍ لَا تُخَرِّجْ) بَلْ (ضَبِّبِ) عَلَى تِلْكَ الْكَلِمَةِ (أَوْ صَحِّحَنْ) بِنُونِ التَّأْكِيدِ الْخَفِيفَةِ، أَيِ: اكْتُبْ (صَحَّ) عَلَيْهَا
стр. 743
(لِخَوْفِ) دُخُولِ (لَبْسٍ) فِيهِ حَيْثُ يُظَنُّ أَنَّهُ مِنَ الْأَصْلِ لِكَوْنِ ذَاكَ هُوَ الْمُخْتَصَّ بِالتَّخْرِيجِ لَهُ.
(وَ) قَدْ (أُبِي) ; أَيْ: مُنِعَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ عِيَاضٌ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنَ الضَّبَّةِ وَالتَّصْحِيحِ اصْطُلِحَ بِهِ لِغَيْرِ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، فَخَوْفُ اللَّبْسِ أَيْضًا حَاصِلٌ، بَلْ هُوَ فِيهِ أَقْرَبُ لِافْتِرَاقِ صُورَتَيِ التَّخْرِيجِ فِي الْأَوَّلِ، وَاخْتِصَاصِ السَّاقِطِ بِقَدْرٍ زَائِدٍ وَهُوَ الْإِشَارَةُ فِي آخِرِهِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِنَ الْأَصْلِ، بَلْ رُبَّمَا أُشِيرَ لِلْحَاشِيَةِ بِحَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَمْدُودَةٍ، وَلِلنُّسْخَةِ بِخَاءٍ مُعْجَمَةٍ إِنْ لَمْ يُرْمَزْ لَهَا.
وَلِذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: (إِنَّ التَّخْرِيجَ أَوْلَى وَأَدَلُّ) . قَالَ: (وَفِي نَفْسِ هَذَا التَّخْرِيجِ مَا يَمْنَعُ الْإِلْبَاسَ، وَهُوَ حَسَنٌ. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ شَيْخِنَا: مَحَلُّ قَوْلِ عِيَاضٍ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ عَلَامَةٌ تُمَيِّزُهُ، كَلَوْنِ الْحُمْرَةِ أَوْ دِقَّةِ الْقَلَمِ) . انْتَهَى.
وَلْيُلَاحَظْ فِي الْحَوَاشِي وَنَحْوِهَا عَدَمُ الْكِتَابَةِ بَيْنَ السُّطُورِ، وَتَرْكُ مَا يَحْتَمِلُ الْحَكَّ مِنْ جَوَانِبِ الْوَرَقَةِ، وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمَّا قَرَّرْنَاهُ، وَلَا يَضْجَرُ مِنَ الْإِصْلَاحِ وَالتَّحْقِيقِ لَهُ.
وَقَدْ أَنْشَدَ الشَّرِيفُ أَبُو عَلِيٍّ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيُّ لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ:
مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ وَالْحَدِيثَ فَلَا ... يَضْجَرُ مِنْ خَمْسَةٍ يُقَاسِيهَا
دَرَاهِمَ لِلْعُلُومِ يَجْمَعُهَا ... وَعِنْدَ نَشْرِ الْحَدِيثِ يُفْنِيهَا
يُضْجِرُهُ الضَّرْبُ فِي دَفَاتِرِهِ ... وَكَثْرَةُ اللَّحْقِ فِي حَوَاشِيهَا
стр. 744
يَغْسِلُ أَثْوَابَهُ وَبِزَّتَهُ
مِنْ أَثَرِ الْحِبْرِ لَيْسَ يُنْقِيهَا
وَاللَّحَقُ فِي النَّظْمِ بِإِسْكَانِ الْحَاءِ وَكَأَنَّهُ خَفَّفَهَا لِضَرُورَةِ الشِّعْرِ.
وَقَالَ غَيْرُهُ:
خَيْرُ مَا يَقْتَنِي اللَّبِيبُ كِتَابٌ ... مُحْكَمُ النَّقْلِ مُتْقَنُ التَّقْيِيدِ
خَطَّهُ عَارِفٌ نَبِيلٌ وَعَانَاهُ ... فَصَحَّ التَّبْيِيضُ بِالتَّسْوِيدِ
لَمْ يَخُنْهُ إِتْقَانُ نَقْطٍ وَشَكْلٍ ... لَا وَلَا عَابَهُ لِحَاقُ الْمَزِيدِ
وَكَأَنَّ التَّخْرِيجَ فِي طُرَّتَيْهِ ... طُرَرٌ صَفَّقَتْ بِيضَ الْخُدُودِ
فَيُنَاجِيكَ شَخْصُهُ مِنْ قَرِيبٍ ... وَيُنَادِيكَ نَصُّهُ مِنْ بَعِيدٍ
فَاصْحَبَنَّهُ تَجِدْهُ خَيْرَ جَلِيسٍ ... وَاخْتَبِرْهُ تَجِدْهُ آنَسَ الْمُرِيدِ
وَلَا يَكْتُبُ الْحَوَاشِيَ فِي كِتَابٍ لَا يَمْلِكُهُ إِلَّا بِإِذْنِ مَالِكِهِ، وَأَمَّا الْإِصْلَاحُ فِيهِ فَجَوَّزَهُ بَعْضُهُمْ بِدُونِهِ فِي الْحَدِيثِ قِياسًا عَلَى الْقُرْآنِ.
[التَّصْحِيحُ وَالتَّمْرِيضُ]
(٥٩٠) وَكَتَبُوا صَحَّ عَلَى الْمُعَرَّضِ ... لِلشَّكِّ إِنْ نَقْلًا وَمَعْنًى ارْتُضِيَ
(٥٩١) وَمَرَّضُوا فَضَبَّبُوا صَادًا تُمَدْ ... فَوْقَ الَّذِي صَحَّ وُرُودًا وَفَسَدْ
(٥٩٢) وَضَبَّبُوا فِي الْقَطْعِ وَالْإِرْسَالِ ... وَبَعْضُهُمْ فِي الْأَعْصُرِ الْخَوَالِي
(٥٩٣) يَكْتُبُ صَادًا عِنْدَ عَطْفِ الِاسْمَا ... تُوهِمُ تَضْبِيبًا كَذَاكَ إِذْ مَا
(٥٩٤) يَخْتَصِرُ التَّصْحِيحَ بَعْضٌ يُوهِمُ ... وَإِنَّمَا يَمِيزُهُ مَنْ يَفْهَمُ
[التَّصْحِيحُ] : (التَّصْحِيحُ) وَهُوَ كِتَابَةُ (صَحَّ) (وَالتَّمْرِيضُ) وَهُوَ التَّضْبِيبُ
стр. 745
(وَكَتَبُوا) أَيْ: مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ أَهْلِ التَّقْيِيدِ وَمَنْ تَأَسَّى بِهِمْ: (صَحَّ) تَامَّةً كَبِيرَةً، أَوْ صَغِيرَةً وَهُوَ أَحْسَنُ (عَلَى) أَيْ: فَوْقَ (الْمُعَرَّضِ) مِنْ حَرْفٍ فَأَكْثَرَ (لِلشَّكِّ) أَوِ الْخِلَافِ فِيهِ لِأَجْلِ تَكْرِيرٍ أَوْ غَيْرِهِ (إِنْ نَقَلَا) أَيْ: رِوَايَةً (وَمَعْنًى ارْتُضِي) الْمُصَحَّحُ عَلَيْهِ إِشَارَةً بِهَا إِلَى أَنَّهُ لَمْ يَغْفُلْ عَنْهُ، وَأَنَّهُ قَدْ ضُبِطَ وَصَحَّ عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ لِئَلَّا يُبَادِرَ الْوَاقِفَ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْ إِلَى تَخْطِئَتِهِ. وَقَالَ يَاقُوتٌ الرُّومِيُّ ثُمَّ الْحَمَوِيُّ الْكَاتِبُ: بَلْ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ كَانَ شَاكًّا فِيهِ فَبَحَثَ فِيهِ إِلَى أَنْ صَحَّ فَخَشِيَ أَنْ يُعَاوِدَهُ الشَّكُّ فَكَتَبَهَا لِيَزُولَ عَنْهُ الشَّكُّ فِيمَا بَعْدُ.
ثُمَّ إِنَّ كَوْنَهَا تُكْتَبُ أَعْلَى الْحَرْفِ هُوَ الْأَشْهَرُ الْأَحْسَنُ، وَإِلَّا فَلَوْ كُتِبَتْ عِنْدَهُ بِالْحَاشِيَةِ مَثَلًا لَا بِجَانِبِهِ لِئَلَّا يُلْتَبَسَ، كَفَى، لِقَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ: كِتَابَةُ (صَحٍّ) عَلَى الْكَلَامِ أَوْ عِنْدَهُ، كَمَا أَنَّ كِتَابَتَهَا عَلَى الْمُكَرَّرِ مِنَ الْمُعَرَّضِ هُوَ الْأَشْهَرُ أَيْضًا. وَإِلَّا فَقَدْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ إِذَا تَكَرَّرَتْ كَلِمَاتٌ أَوْ كَلِمَةٌ يَكْتُبُ عَدَدَهَا فِي الْحَاشِيَةِ بِحُرُوفِ الْجُمَلِ.
[التَّمْرِيضُ] : (وَ) كَذَا (مَرَّضُوا فَضَبَّبُوا) مَا مَرَّضُوهُ حَيْثُ جَعَلُوا (صَادًا) مُهْمَلَةً مُخْتَصَرَةً مِنْ " صَحَّ "، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مُعْجَمَةً مِنْ (ضَبَّهُ) (تُمَدْ) بِدُونِ تَجْوِيفٍ لِلْمَدِّ بَلْ هَكَذَا " صَـ " (فَوْقَ الَّذِي صَحَّ) مِنْ حَرْفٍ فَأَكْثَرَ، (وُرُودًا) أَيْ: مِنْ جِهَةِ الْوُرُودِ فِي الرِّوَايَةِ، (وَ) لَكِنْ (فَسَدْ) مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى بِأَنْ يَكُونَ غَيْرَ جَائِزٍ مِنْ حَيْثُ الْعَرَبِيَّةِ، أَوْ شَاذًّا عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِهَا، أَوْ مُصَحَّفًا أَوْ نَاقِصًا لِكَلِمَةٍ فَأَكْثَرَ، أَوْ مُقَدَّمًا أَوْ مُؤَخَّرًا، أَوْ أَشْبَاهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خَلْطٍ لِلْإِشَارَةِ بِالْمُمَرَّضِ ; لِئَلَّا يَلْتَبِسَ بِخَطِّ الضَّرْبِ الْآتِي، لَا سِيَّمَا عِنْدَ صِغَرِ فَتْحَتِهَا إِشَارَةً بِنِصْفِ " صَحَّ " إِلَى أَنَّ الصِّحَّةِ لَمْ تَكْمُلْ فِي
стр. 746
ذَاكَ الْمَحَلِّ مَعَ صِحَّةِ نَقْلِهِ وَرِوَايَتِهِ كَذَلِكَ، وَتَنْبِيهًا بِهِ لِمَنْ يَنْظُرُ فِيهِ عَلَى أَنَّهُ مُتَثَبِّتٌ فِي نَقْلِهِ غَيْرُ غَافِلٍ، وَإِنَّمَا اخْتُصَّ التَّمْرِيضُ بِهَذِهِ الصُّورَةِ فِيمَا يَظْهَرُ لِعَدَمِ تَحَتُّمِ الْخَطَأِ فِي الْمُعَلَّمِ عَلَيْهِ، بَلْ لَعَلَّ غَيْرَهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ مِمَّنْ يَقِفُ عَلَيْهِ يُخَرِّجُ لَهُ وَجْهًا صَحِيحًا.
يَعْنِي: وَيَتَّجِهُ الْمَعْنَى كَمَا وَقَعَ لِابْنِ مَالِكٍ فِي كَثِيرٍ مِنْ رِوَايَاتِ " الصَّحِيحِ "، أَوْ يَظْهَرُ لَهُ هُوَ بَعْدُ فِي تَوْجِيهِ صِحَّتِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْآنَ، فَيَسْهُلُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ تَكْمِيلُهَا (صَحَّ) الَّتِي هِيَ عَلَامَةُ الْمُعَرَّضِ لِلشَّكِّ.
وَوَجَدْتُ فِي كَلَامِ يَاقُوتٍ مَا يَشْهَدُ لَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: الضَّبَّةُ - وَهِيَ بَعْضُ (صَحَّ) - تُكْتَبُ عَلَى شَيْءٍ فِيهِ شَكٌّ ; لِيُبْحَثَ فِيهِ، فَإِذَا تَحَرَّرَ لَهُ أَتَمَّهَا بِالْحَاءِ فَتَصِيرُ (صَحَّ) ، وَلَوْ جَعَلَ لَهَا عَلَامَةً غَيْرَهَا لَتَكَلَّفَ الْكَشْطَ لَهَا، وَكَتَبَ (صَحَّ) مَكَانَهَا. انْتَهَى.
وَكَوْنُ الضَّبَّةِ لَيْسَتْ لِلْجَزْمِ بِالْخَطَأِ مِمَّا يَتَأَيَّدُ بِهِ الصَّوَابُ مِنْ سَدِّ بَابِ الْإِصْلَاحِ خَوْفًا مِنْ ظُهُورِ تَوْجِيهِ مَا ظُنَّ خَطَؤُهُ، وَقَدْ تَجَاسَرَ بَعْضُهُمْ - وَأَكْثَرُهُمْ مِنْ مُتَأَخِّرِي الْمُحَدِّثِينَ كَمَا أَفَادَهُ عِيَاضٌ - كَأَبِي الْوَلِيدِ هِشَامِ بْنِ أَحْمَدَ الْوَقْشِيِّ أَحَدِ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ اللُّغَةِ.
فَكَانَ كَمَا قَالَ تِلْمِيذُهُ عِيَاضٌ: إِذَا مَرَّ بِهِ شَيْءٌ لَمْ يَتَّجِهْ لَهُ وَجْهُهُ أَصْلَحَهُ بِمَا يَظُنُّ اعْتِمَادًا عَلَى وُثُوقِهِ بِعِلْمِهِ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَاللُّغَةِ وَغَيْرِهِمَا، ثُمَّ يَظْهَرُ أَنَّ الصَّوَابَ مَا كَانَ فِي الْكِتَابِ، وَتَبَيَّنَ وَجْهُهُ، وَأَنَّ مَا غَيَّرَهُ إِلَيْهِ خَطَأٌ فَاسِدٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي إِصْلَاحِ اللَّحْنِ وَالْخَطَأِ. وَإِنْ كَانَ مَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ خَطَأً مَحْضًا عِنْدَ كُلِّ وَاقِفٍ عَلَيْهِ، كَتَبَ فَوْقَهُ (كَذَا) صَغِيرَةً، كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْجَزَرِيِّ وَتَبِعَهُ غَيْرُهُ، وَبَيَّنَ
стр. 747
الصَّوَابَ بِالْهَامِشِ كَمَا سَيَأْتِي فِي إِصْلَاحِ اللَّحْنِ.
وَاسْتُعِيرَ اسْمُ الضَّبَّةِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ إِمَّا مِنْ ضَبَّةِ الْقَدَحِ الَّتِي تُجْعَلُ لِمَا يَكُونُ بِهِ مِنْ كَسْرٍ أَوْ خَلَلٍ، أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَلَا يُخْدَشُ فِيهِ بِأَنَّ ضَبَّةَ الْقَدَحِ لِلْجَبْرِ وَهِيَ هُنَا لَيْسَتْ جَابِرَةً، فَالتَّشْبِيهُ فِي كَوْنِهَا جُعِلَتْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ عَلَى مَا فِيهِ خَلَلٌ.
وَإِمَّا مِنْ ضَبَّةِ الْبَابِ لِكَوْنِ الْحَرْفِ مُقْفَلًا لَا يَتَّجِهُ لِقِرَاءَةٍ، كَمَا أَنَّ الضَّبَّةَ يُقْفَلُ بِهَا، أَشَارَ إِلَيْهِ أَبُو الْقَاسِمِ إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زَكَرِيَّا الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ النَّحْوِيُّ اللُّغَوِيُّ، عُرِفَ بِابْنِ الْإِفْلِيلِيِّ بِكَسْرَةِ الْهَمْزَةِ وَفَاءٍ، نِسْبَةً إِلَى إِفْلِيلَ قَرْيَةٍ بِرَأْسِ عَيْنٍ مِنْ أَرْضِ الْجَزِيرَةِ، لِكَوْنِ سَلَفِهِ نَزَلُوا بِهَا، يَرْوِي عَنِ الْأُصَيْلِيِّ وَغَيْرِهِ، وَعَنْهُ أَبُو مَرْوَانَ الطُّبْنِيُّ، مَاتَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ٤٤١ هـ عَنْ تِسْعِينَ سَنَةً.
قَالَ التِّبْرِيزِيُّ فِي (مُخْتَصَرِهِ) : وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ إِشَارَةً إِلَى صُورَةِ ضَبَّةٍ لِيُوَافِقَ صُورَتُهَا مَعْنَاهَا. وَقَرَأْتُ بِخَطِّ شَيْخِنَا مَا حَاصِلُهُ: مُقْتَضَى تَسْمِيَتِهَا ضَبَّةً أَنْ تَكُونَ ضَادُهَا مُعْجَمَةً، وَمُقْتَضَى تَتْمِيمِهَا بِحَاءِ (صَحَّ) أَنْ تَكُونَ مُهْمَلَةً. قَالَ: لَكِنْ لَا يَمْتَنِعُ مَعَ هَذَا أَنْ تَكُونَ مُعْجَمَةً، (وَ) لَمْ يَخُصُّوا الضَّبَّةَ بِمَا تَقَدَّمَ، بَلْ (ضَبَّبُوا) أَيْضًا (فِي) مَوْضِعِ (الْقَطْعِ وَالْإِرْسَالِ) لِيَشْتَرِكَ فِي مَعْرِفَةِ مَحَلِّ السَّقْطِ الْعَارِفُ وَغَيْرُهُ، بَلْ رُبَّمَا يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَمَاكِنِ لَا يُدْرِكُهُ الْعَارِفُ إِلَّا بِالنَّظَرِ، فَيُكْفَى بِمَا يَثِقُ بِهِ مِنْ
стр. 748
ذَلِكَ مُؤْنَةَ التَّعَبِ بِالتَّفْتِيشِ.
(وَبَعْضُهُمْ فِي الْأَعْصُرِ الْخَوَالِي) حَسْبَمَا وُجِدَ فِي الْأُصُولِ الْقَدِيمَةِ (يَكْتُبُ) أَيْضًا (صَادًا عِنْدَ عَطْفِ الِاسْمَا) بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ حَيْثُ يُقَالُ مَثَلًا: حَدَّثَنَا فُلَانٌ وَفُلَانٌ وَفُلَانٌ.
فَ (تُوهِمُ) مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ كَوْنَهَا (تَضْبِيبًا) وَلَيْسَتْ بِضَبَّةٍ، بَلْ كَأَنَّهَا كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: عَلَامَةُ وَصْلٍ فِيمَا بَيْنَهُمَا أُثْبِتَتْ تَأْكِيدًا لِلْعَطْفِ خَوْفًا مِنْ أَنْ يَجْعَلَ غَيْرَ الْخَبِيرِ مَكَانَ الْوَاوِ عَنْ، (كَذَاكَ إِذْ) أَيْ: حَيْثُ (مَا يَخْتَصِرُ التَّصْحِيحَ بَعْضٌ) مِنَ الْمُحَدِّثِينَ، فَيَقْتَصِرُ عَلَى الصَّادِ.
(يُوهِمُ) أَيْضًا كَوْنَهُ تَضْبِيبًا، بَلْ هُوَ أَقْرَبُ إِلَى الْإِيهَامِ مِمَّا قَبْلَهُ، (وَإِنَّمَا يُمَيِّزُهُ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ فِي الصُّورَتَيْنِ (مَنْ يَفْهَمُ) فَالْفِطْنَةُ وَالْإِتْقَانُ مِنْ خَيْرِ مَا أُوتِيَهُ الْإِنْسَانُ.
[الْكَشْطُ وَالْمَحْوُ وَالضَّرْبُ]
(٥٩٥) وَمَا يَزِيدُ فِي الْكِتَابِ يُبْعَدُ ... كَشْطًا وَمَحْوًا وَبِضَرْبٍ أَجْوَدُ
(٥٩٦) وَصِلْهُ بِالْحُرُوفِ خَطًّا أَوْ لَا ... مِعْ عَطْفِهِ أَوْ كَتْبِ لَا ثُمَّ إِلَى
(٥٩٧) أَوْ نِصْفَ دَارَةٍ وَإِلَّا صِفْرَا ... فِي كُلِّ جَانِبٍ وَعَلِّمْ سَطْرَا
(٥٩٨) سَطْرًا إِذَا مَا كَثُرَتْ سُطُورُهْ ... أَوْ لَا وَإِنْ حَرْفٌ أَتَى تَكْرِيرُهْ
(٥٩٩) فَأَبْقِ مَا أَوَّلُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا ... آخِرُ سَطْرٍ ثُمَّ مَا تَقَدَّمَا
(٦٠٠) أَوِ اسْتَجِدْ قَوْلَانِ مَا لَمْ يُضَفِ ... أَوْ يُوصَفْ أَوْ نَحْوُهُمَا فَأَلِّفِ
(الْكَشْطُ وَالْمَحْوُ وَالضَّرْبُ) وَغَيْرُهَا مِمَّا يُشَارُ بِهِ لِإِبْطَالِ الزَّائِدِ وَنَحْوِهِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِإِلْحَاقِ السَّاقِطِ ظَاهِرَةٌ.
(وَمَا يَزِيدُ فِي الْكِتَابِ) أَيْ: يُكْتَبُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ، (يُبْعَدُ) عَنْهُ بِأَحَدِ أُمُورٍ مِمَّا سَلَكَهُ الْأَئِمَّةُ:
[مَعْنَى الْكَشْطِ وَالْمَحْوِ] : إِمَّا كَشْطًا ; أَيْ بِالْكَشْطِ - وَهُوَ بِالْكَافِ وَالْقَافِ - سَلْخُ الْقِرْطَاسِ بِالسِّكِّينِ وَنَحْوِهَا، تَقُولُ: كَشَطْتُ الْبَعِيرَ كَشْطًا، نَزَعْتَ جِلْدَهُ، وَكَشَطْتُ الْجُلَّ عَنْ ظَهْرِ الْفَرَسِ، وَالْغِطَاءَ عَنِ الشَّيْءِ، إِذَا كَشَفْتُ عَنْهُ. وَقَدْ يُعَبَّرُ عَنِ الْكَشْطِ
стр. 749
بِالْبَشْرِ تَارَةً، وَبِالْحَكِّ أُخْرَى، إِشَارَةً إِلَى الرِّفْقِ بِالْقِرْطَاسِ.
[طُرُقُ الْمَحْوِ] : (وَ) إِمَّا (مَحْوًا) ; أَيْ: بِالْمَحْوِ، وَهُوَ الْإِزَالَةُ بِدُونِ سَلْخٍ حَيْثُ أَمْكَنَ، بِأَنْ تَكُونَ الْكِتَابَةُ فِي لَوْحٍ أَوْ رَقٍّ أَوْ وَرَقٍ صَقِيلٍ جِدًّا فِي حَالِ طَرَاوَةِ الْمَكْتُوبِ، وَأَمْنِ نُفُوذِ الْحِبْرِ بِحَيْثُ يَسْوَدُّ الْقِرْطَاسُ.
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَيَتَنَوَّعُ طُرُقُ الْمَحْوِ. يَعْنِي: فَتَارَةً يَكُونُ بِالْإِصْبَعِ أَوْ بِخِرْقَةٍ. قَالَ: وَمِنْ أَغْرَبِهَا مَعَ أَنَّهُ أسْلَمُهَا مَا رُوِيَ عَنْ سَحْنُونٍ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ مِنْ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ كَانَ رُبَّمَا كَتَبَ الشَّيْءَ ثُمَّ لَعِقَهُ. قَالَ: وَإِلَى هَذَا يُومِئُ مَا رُوِّينَا. يَعْنِي مِمَّا أَسْنَدَهُ عِيَاضٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: مِنَ الْمُرُوءَةِ أَنْ يُرَى فِي ثَوْبِ الرَّجُلِ وَشَفَتَيْهِ مِدَادٌ. يَعْنِي: لِدَلَالَةِ ذَلِكَ عَلَى اشْتِغَالِهِ بِالتَّحْصِيلِ.
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ: وَهَكَذَا أَخْبَرَنِي أَصْحَابُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ أَنَّ ثِيَابَهُ كَأَنَّمَا أُمْطِرَتْ مِدَادٌ. وَلَا يَأْنَفُ مِنْ ذَلِكَ، فَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي (الْأَدَبِ) أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ سُلَيْمَانَ رَأَى عَلَى ثَوْبِهِ أَثَرَ صُفْرَةٍ فَأَخَذَ مِنْ مِدَادِ الدَّوَاةِ وَطَلَاهُ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: الْمِدَادُ بِنَا أَحْسَنُ مِنَ الزَّعْفَرَانِ. وَأَنْشَدَ:
إِنَّمَا الزَّعْفَرَانُ عِطْرُ الْعَذَارَى ... وَمِدَادُ الدُّويِ عِطْرُ الرِّجَالِ
وَنَحْوُهُ أَنَّ بَعْضَ الْفُضَلَاءِ كَانَ يَأْكُلُ طَعَامًا فَوَقَعَ مِنْهُ عَلَى ثَوْبِهِ فَكَسَاهُ حِبْرًا، وَقَالَ: هَذَا أَثَرُ عِلْمٍ، وَذَلِكَ أَثَرُ شَرَهٍ. وَلِلْأَدِيبِ أَبِي الْحَسَنِ الْفَنْجُكِرْدِيِّ:
стр. 750
مِدَادُ الْفَقِيهِ عَلَى ثَوْبِهِ ... أَحَبُّ إِلَيْنَا مِنَ الْغَالِيهْ
وَمَنْ طَلَبَ الْفِقْهَ ثُمَّ الْحَدِيثَ ... فَإِنَّ لَهُ هِمًّةً عَالِيَهْ
وَلَوْ تَشْتَرِي النَّاسُ هَذِي الْعُلُومَ ... بِأَرْوَاحِهِمْ لَمْ تَكُنْ غَالِيَهْ
رُوَاةُ الْأَحَادِيثِ فِي عَصْرِنَا ... نُجُومٌ وَفِي الْعُصُرِ الْخَالِيَهْ
وَعَنِ ابْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ: إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وُزِنَ حِبْرُ الْعُلَمَاءِ وَدَمُ الشُّهَدَاءِ، فَيَرْجَحُ حِبْرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى دَمِ الشُّهَدَاءِ.
بَلْ يُرْوَى فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ عِنْدَ النُّمَيْرِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَنَسٍ رَفَعَهُ: ( «يَحْشُرُ اللَّهُ أَصْحَابَ الْحَدِيثِ وَأَهْلَ الْعِلْمِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَحِبْرُهُمْ خَلُوقٌ يَفُوحُ» ) الْحَدِيثَ.
[مَعْنَى الضَّرْبِ وَتَجْوِيدِهِ عَلَى الْأَوَّلِينَ] : وَإِمَّا (بِضَرْبٍ) عَلَى الزَّائِدِ وَهُوَ (أَجْوَدُ) مِنَ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ، وَقَالَ الْخَطِيبُ: إِنَّهُ الْمُسْتَحَبُّ لِقَوْلِ الرَّامَهُرْمُزِيِّ: قَالَ أَصْحَابُنَا: الْحَكُّ تُهْمَةٌ. يَعْنِي: بِإِسْكَانِ الْهَاءِ فِي الْأَكْثَرِ، وَقَدْ تُحَرَّكُ مِنَ الِاتِّهَامِ بِمَعْنَى الظَّنِّ، حَيْثُ يَتَرَدَّدُ الْوَاقِفُ عَلَيْهِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - أَكَانَ الْكَشْطُ لِكِتَابَةِ شَيْءٍ بَدَلَهُ ثُمَّ لَمْ يَتَيَسَّرْ، أَوْ لَا.
وَلَكِنْ قَدْ يَزُولُ الِارْتِيَابُ حِينَئِذٍ بِكِتَابَةِ (صَحَّ) فِي الْبَيَاضِ كَمَا رَأَيْتُ بَعْضَهُمْ يَفْعَلُهُ، نَعَمْ رُبَّمَا يَثْبُتُ مَا كُشِطَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى صَحِيحَةٍ، فَيَشُقُّ عَلَى مَنْ رَامَ الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ عَوْدُ كِتَابَتِهِ ثَانِيًا، فَإِذَا كَانَ قَدْ خَطَّ عَلَيْهِ أَوَّلًا اكْتَفَى بِعَلَامَةِ الرَّاوِي الْآخَرِ عَلَيْهِ كَمَا رَوَاهُ عِيَاضٌ عَنْ أَبِي بَحْرٍ سُفْيَانَ بْنِ الْعَاصِ
стр. 751
الْأَسَدِيِّ حِكَايَةً عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ - قَالَ: أَعْنِي هَذَا الْمُبْهَمَ - وَكَانَ الشُّيُوخُ يَكْرَهُونَ حُضُورَ السِّكِّينِ مَجْلِسَ السَّمَاعِ حَتَّى لَا يُبْشَرَ شَيْءٌ.
وَلَكِنْ قَدِ اخْتَارَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ تَفْصِيلًا نَشَأَ لَهُ عَنْ هَذَا التَّعْلِيلِ فَقَالَ: إِنْ تَحَقَّقَ كَوْنُهُ غَلَطًا سَبَقَ إِلَيْهِ الْقَلَمُ فَالْكَشْطُ أَوْلَى ; لِئَلَّا يُوهِمَ بِالضَّرْبِ أَنَّ لَهُ أَصْلًا، وَإِلَّا فَلَا. عَلَى أَنَّهُ لَا انْحِصَارَ لِتَعْلِيلِ الْأَجْوَدِيَّةِ فِيمَا ذَكَرَ، فَقَدْ رَأَيْتُ مَنْ قَالَ: لِمَا فِي الْكَشْطِ مِنْ مَزِيدِ تَعَبٍ يَضِيعُ بِهِ الْوَقْتُ، وَرُبَّمَا أَفْسَدَ الْوَرَقَةَ وَمَا يَنْفُذُ إِلَيْهِ، بَلْ لَيْسَ يَخْلُو بَعْضُ الْوَرَقِ عَنْ ذَلِكَ، وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ الْقَائِلِ:
حَدْقُكَ فِي الْكَشْطِ دَلِيلٌ عَلَى ... أَنَّكَ فِي الْخَطِّ كَثِيرُ الْغَلَطِ
وَالْمَحْوُ غَالِبًا مُسَوِّدٌ لِلْقِرْطَاسِ، وَأَنْكَرَ أَبُو إِسْحَاقَ الْحَبَّالُ الْحَافِظُ الْمِصْرِيُّ الْحَكَّ فِي الْكِتَابِ مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُضْعِفُ الْكِتَابَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُوهِمُ، فَإِذَا ضُرِبَ عَلَيْهِ يُفْهَمُ الْمَكْتُوبُ، وَيَسْلَمُ صَاحِبُ الْكِتَابِ مِنَ التُّهْمَةِ.
ثُمَّ إِنَّ لِكَوْنِ الضَّرْبِ عَلَامَةً بَيِّنَةً فِي إِلْغَاءِ الْمَضْرُوبِ عَلَيْهِ رُوِّينَا فِي (الْجَامِعِ) لِلْخَطِيبِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَزِّ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ قَرَأَ سَطْرًا ضُرِبَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ فَقَدْ خَانَ ; لِأَنَّ الْخَطَّ يَخْزُنُ مَا تَحْتَهُ) . وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْحَافِظُ الْيَغْمُورِيُّ فَقَالَ: قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ: (قِرَاءَةُ السَّطْرِ الْمَضْرُوبِ خِيَانَةٌ) .
[الْأَقْوَالُ الْخَمْسَةُ فِي كَيْفِيَّةِ الضَّرْبِ] :
(وَصِلْهُ) أَيِ: الضَّرْبَ (بِالْحُرُوفِ)
стр. 752
الْمَضْرُوبِ عَلَيْهَا بِحَيْثُ يَكُونُ مُخْتَلِطًا بِهَا حَالَ كَوْنِهِ (خَطًّا) كَمَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الضَّابِطِينَ. قَالَ: وَيُسَمَّى أَيْضًا - يَعْنِي: عِنْدَ الْمَغَارِبَةِ - الشَّقَّ. انْتَهَى.
وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الشَّقِّ، وَهُوَ الصَّدْعُ فِي الْإِنَاءِ، زُجَاجًا أَوْ غَيْرَهُ، لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الصَّدْعِ، لَا سِيَّمَا وَالْحَرْفُ صَارَ بِالْخَطِّ فَوْقَهُ كَأَنَّهُ شَقٌّ، أَوْ مِنْ شَقِّ الْعَصَى وَهُوَ التَّفْرِيقُ، لِكَوْنِهِ فَرَّقَ بَيْنَ الثَّابِتِ وَالزَّائَدِ.
قَالَ الْمُصَنِّفُ: وَيُوجَدُ فِي بَعْضِ النُّسَخِ مِنَ ابْنِ الصَّلَاحِ: النَّشْقُ. بِزِيَادَةِ نُونٍ مَفْتُوحَةٍ فِي أَوَّلِهِ وَسُكُونِ الْمُعْجَمَةِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَصْحِيفًا وَتَغْيِيرًا مِنَ النُّسَّاخِ فَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ نَشْقِ الظَّبْيِ فِي الْحِبَالَةِ وَهِيَ الَّتِي يُصَادُ بِهَا ; أَيْ: عَلِقَ فِيهَا مِنْ جِهَةِ إِبْطَالِ حَرَكَةِ الْكَلِمَةِ بِالْخَطِّ وَإِهْمَالِهَا حَيْثُ جُعِلَتْ فِي صُورَةِ وَثَاقٍ يَمْنَعُهَا مِنَ التَّصَرُّفِ. انْتَهَى.
وَمِنْهُ: رَجُلٌ نَشَقٌ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يَدْخُلُ فِي أُمُورٍ لَا يَكَادُ يَتَخَلَّصُ مِنْهَا. وَنَحْوُ مَا نَقَلَهُ عِيَاضٌ قَوْلُ الرَّامَهُرْمُزِيِّ، وَتَبِعَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ: أَجْوَدُ الضَّرْبِ أَلَّا يُطْمَسَ الْحَرْفُ الْمَضْرُوبُ عَلَيْهِ، بَلْ يُخَطُّ مِنْ فَوْقِهِ خَطًّا جَيِّدًا بَيِّنًا يَدُلُّ عَلَى إِبْطَالِهِ، وَلَا يَمْنَعُ قِرَاءَتَهُ. يَعْنِي لِلْأَمْنِ مِنَ الِارْتِيَابِ (أَوْ لَا) تَصِلُ خَطَّ الضَّرْبِ بِالْمَضْرُوبِ عَلَيْهِ، بَلِ اجْعَلْهُ أَعْلَاهُ كَالْأَوَّلِ أَيْضًا لَكِنْ مُنْفَصِلًا عَنْهُ (مَعَ عَطْفِهِ) ; أَيِ: الْخَطَّ مِنْ طَرَفَيِ الْمَضْرُوبِ عَلَيْهِ بِحَيْثُ يَكُونُ كَالنُّونِ الْمُنْقَلِبَةِ.
أَشَارَ إِلَيْهِ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ وَقَالَ - وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ -: (إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَقْبِحُ هَذَا الضَّرْبَ بِقِسْمَيْهِ وَيَرَاهُ تَسْوِيدًا وَتَغْلِيسًا وَيَقْتَصِرُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا
стр. 753
سَيَأْتِي) (أَوْ كَتْبِ) ; أَيْ: وَيُبْعِدُ الزَّائِدَ أَيْضًا بِكَتْبِ (لَا) أَوْ (مِنْ) فِي أَوَّلِهِ (ثُمَّ إِلَى) فِي آخِرِهِ، وَذَلِكَ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فِيمَا يُجَوِّزُونَ أَنَّ نَفْيَهُ أَوْ إِثْبَاتَهُ غَيْرُ مُتَّفَقٍ عَلَيْهِ فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ، وَلِذَا يُضَافُ إِلَيْهِ بِبَعْضِ الْأُصُولِ الرَّمْزُ لِمَنْ وَقَعَ عِنْدَهُ أَوْ نُفِيَ عَنْهُ مِنَ الرُّوَاةِ، وَقَدْ يُقْتَصَرُ عَلَى الرَّمْزِ لَكِنْ حَيْثُ يَكُونُ الزَّائِدُ كَلِمَةً أَوْ نَحْوَهَا.
وَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ تَبَعًا لِعِيَاضٍ: (إِنَّ مِثْلَ هَذِهِ الْعَلَامَةِ تَحْسُنُ فِيمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ وَسَقَطَ مِنْ أُخْرَى) ، (أَوْ نِصْفَ) ; أَيْ: يُبْعَدُ الزَّائِدُ أَيْضًا بِتَحْوِيقِ نِصْفِ (دَارَةٍ) كَالْهِلَالِ، حَكَاهُمَا عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ، وَاسْتَقْبَحَ غَيْرُهُ ثَانِيَهُمَا كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ، (وَإِلَّا صِفْرَا) ; أَيْ: يُبْعَدُ بِتَحْوِيقِ صِفْرٍ، وَهُوَ (دَائِرَةٌ) مُنْطَبِقَةٌ صَغِيرَةٌ، حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْأَشْيَاخِ الْمُحَسِّنِينَ لِكُتُبِهِمْ.
قَالَ: وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِخُلُوِّ مَا أُشِيرَ إِلَيْهِ بِهَا عَنِ الصِّحَّةِ، كَتَسْمِيَةِ الْحِسَابِ لَهَا بِذَلِكَ لِخُلُوِ مَوْضِعِهَا مِنْ عَدَدٍ.
ثُمَّ إِذَا أُشِيرَ لِلزَّائِدِ بِوَاحِدٍ مِنَ الصِّفْرِ وَنِصْفِ الدَّائِرَةِ فَلْيَكُنْ فِي كُلِّ جَانِبٍ بِأَصْلِ الْكِتَابِ إِنِ اتَّسَعَ الْمَحَلُّ وَلَمْ يَلْتَبِسْ بِالدَّارَةِ الَّتِي تُجْعَلُ فَصْلًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَإِلَّا فَأَعْلَى الزَّائِدِ كَالْعَلَامَةِ قَبْلَهُمَا.
(وَعَلِّمْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ لِمَا تُبْعِدُهُ بِأَحَدِ مَا تَقَدَّمَ.
(سَطْرًا) سَطْرًا إِذَا مَا كَثُرَتْ سُطُورُهُ) ; أَيِ: الزَّائِدُ، بِأَنْ تُكَرِّرَ تِلْكَ الْعَلَامَةَ فِي أَوَّلِ كُلِّ سَطْرٍ وَآخِرِهِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ وَالْإِيضَاحِ.
(أَوْ لَا) تُكَرِّرْهَا بَلِ اكْتَفِ بِهَا فِي طَرْفَيِ الزَّائِدِ فَقَطْ. حَكَاهُ عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ.
(وَإِنْ حَرْفٌ) يَعْنِي كَلِمَةً أَوْ غَيْرَهَا (أَتَى تَكْرِيرُهْ) غَلَطًا (فَابْقِ) عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ (مَا) هُوَ (أَوَّلُ سَطْرٍ) سَوَاءٌ كَانَ الْأَوَّلُ مِنَ الْمُكَرَّرِ أَوِ الثَّانِي (ثُمَّ) إِنْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا بِأَوَّلِهِ، فَأَبْقِ (مَا) هُوَ (آخِرُ سَطْرٍ)
стр. 754
بِحَيْثُ يَكُونُ الْمَضْرُوبُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ هُوَ الْأَوَّلُ مُرَاعَاةً لِأَوَائِلِ السُّطُورِ ثُمَّ أَوَاخِرِهَا أَنْ تُطْمَسَ وَتُشَوَّهَ، ثُمَّ إِنْ كَانَ التَّكْرَارُ لَهُمَا وَسَطَ السَّطْرِ (فَابْقِ مَا تَقَدَّمَا) مِنْهُمَا لِأَنَّهُ قَدْ كُتِبَ عَلَى الصَّوَابِ، وَالثَّانِي خَطَأٌ، فَهُوَ أَوْلَى بِالْإِبْطَالِ.
(أَوِ اسْتَجِدْ) ; أَيْ: أَبْقِ أَجْوَدَهُمَا صُورَةً وَأَدَلَّهُمَا عَلَى قِرَاءَتِهِ.
وَهَذَانَ (قَوْلَانِ) أَطْلَقَ الرَّامَهُرْمُزِيُّ وَغَيْرُهُ حِكَايَتَهُمَا فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةٍ لِأَوَائِلِ السُّطُورِ، وَمَحَلُّهُمَا عِنْدَ عِيَاضٍ مَا إِذَا كَانَا فِي وَسَطِ السَّطْرِ كَمَا بَيَّنَّاهُ.
(وَمَا لَمْ يُضَفِ) الْمُكَرَّرُ (أَوْ يُوصَفَ أَوْ نَحْوُهُمَا) بِالنَّقْلِ كَالْعَطْفِ عَلَيْهِ وَالْخَبَرِ عَنْهُ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ (فَأَلِّفِ) بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إِلَيْهِ، وَبَيْنَ الصِّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ، وَبَيْنَ الْمُبْتَدَأِ وَالْخَبَرِ، بِأَنْ تَضْرِبَ عَلَى الْحَرْفِ الْمُتَطَرِّفِ مِنَ الْمُتَكَرِّرِ دُونَ الْمُتَوَسِّطِ، وَلَا تَفْصِلْ بِالضَّرْبِ بَيْنَ ذَلِكَ مُرَاعِيًا بِالْفَصْلِ لَا أَوَّلَ وَلَا أَجْوَدَ ; إِذْ مُرَاعَاةُ الْمَعَانِي الْمُقَرَّبَةِ لِلْفَهْمِ أَوْلَى مِنْ ذَلِكَ. وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ.
[التَّنْبِيهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ] :
وَمِمَّا يُنَبَّهُ عَلَيْهِ أُمُورٌ ; أَحَدُهَا: إِذَا وَقَعَ فِي الْكِتَابِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ; فَمِنْهُمْ مَنْ يَكْتُبُ أَوَّلَ الْمُتَقَدِّمِ كِتَابَةً: يُؤَخَّرُ. وَأَوَّلَ الْمُتَأَخِّرِ: يُقَدَّمُ. وَآخِرَهُ (إِلَى) كُلِّ ذَلِكَ بِأَصْلِ الْكِتَابِ إِنِ اتَّسَعَ الْمَحَلُّ، أَوْ بِالْهَامِشِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْمُزُ لِذَلِكَ بِصُورَةِ (مِيمٍ) ، وَهَذَا حَسَنٌ بِأَنْ لَمْ يَكُنِ الْمَحَلُّ قَابِلًا لِتَوَهُّمِ أَنَّ الْمِيمَ رَقْمٌ لِكِتَابِ مُسْلِمٍ، ثُمَّ إِنَّ مَحَلَّهُ فِي أَكْثَرَ مِنْ كَلِمَةٍ لِكَوْنِ شَيْخِنَا كَانَ يَرَى فِي الْكَلِمَةِ الْوَاحِدَةِ الضَّرْبَ عَلَيْهَا وَكِتَابَتَهَا فِي مَحَلِّهَا.
ثَانِيهَا: إِذَا أَصْلَحَ شَيْئًا نَشَرَهُ حَتَّى يَجِفَّ لِئَلَّا يُطْبِقَهُ فَيَنْطَمِسَ فَيَفْسُدَ الْمُصْلَحُ وَمَا
стр. 755
يُقَابِلُهُ، فَإِنْ أَحَبَّ الْإِسْرَاعَ تَرَّبَهُ بِنُحَاتَةِ السَّاجِ، وَيَتَّقِي اسْتِعْمَالَ الرَّمْلِ، إِلَّا أَنْ يُزِيلَ أَثَرَهُ بَعْدَ جَفَافِهِ، فَقَدْ كَانَ بَعْضُ الشُّيُوخِ يَقُولُ: إِنَّهُ سَبَبٌ لِلْأَرَضَةِ. وَكَذَا يَتَّقِي التُّرَابَ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطِيبُ فِي (الْجَامِعِ) .
وَسَاقَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْحَجَبِيِّ قَالَ: كُنْتُ فِي مَجْلِسِ بَعْضِ الْمُحَدِّثِينَ، وَابْنُ مَعِينٍ بِجَانِبِي، فَكَتَبْتُ صَفْحًا ثُمَّ ذَهَبْتُ لِأُتَرِّبَهُ فَقَالَ لِي: لَا تَفْعَلْ، فَإِنَّ الْأَرَضَةَ تُسْرِعُ إِلَيْهِ، قَالَ: فَقُلْتُ لَهُ: الْحَدِيثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ( «تَرِّبُوا الْكِتَابَ فَإِنَّ التُّرَابَ مُبَارَكٌ، وَهُوَ أَنْجَحُ لِلْحَاجَةِ» ) . قَالَ: ذَاكَ إِسْنَادٌ لَا يَسْوَى فِلْسًا. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْعُقَيْلِيِّ: لَا يُحْفَظُ هَذَا الْحَدِيثُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ. بَلْ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ: إِنَّهُ مَوْضُوعٌ.
قُلْتُ: وَفِيهِ نَظَرٌ، فَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ فِي الِاسْتِئْذَانِ مِنْ (جَامِعِهِ) مِنْ طَرِيقِ حَمْزَةَ النَّصِيبِيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، عَنْ جَابِرٍ رَفَعَهُ: ( «إِذَا كَتَبَ أَحَدُكُمْ كِتَابًا فَلْيُتَرِّبْهُ، فَإِنَّهُ أَنْجَحُ لِلْحَاجَةِ» ) .
وَقَالَ عَقِبَهُ: إِنَّهُ مُنْكَرٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ. كَذَا قَالَ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي الْأَدَبِ مِنْ (سُنَنِهِ) مِنْ طَرِيقِ بَقِيَّةَ بْنَ الْوَلِيدِ، عَنْ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْكَلَاعِيِّ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ، لَكِنْ بِلَفْظِ: ( «تَرِّبُوا صُحُفَكُمْ أَنْجَحُ لَهَا ; لِأَنَّ التُّرَابَ مُبَارَكٌ» ) بَلْ فِي الْبَابِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ، وَكِلَاهُمَا عِنْدَ ابْنِ عَدِيٍّ فِي (كَامِلِهِ) ، لَفْظُ أَوَّلِهِمَا: ( «تَرِّبُوا الْكِتَابَ وَاسْحُوهُ - أَيِ: اقْشُرُوهُ مِنْ أَسْفَلِهِ - فَإِنَّهُ أَنْجَحُ لِلْحَاجَةِ» ) .
وَعَنْ هِشَامِ بْنِ زِيَادٍ أَبِي الْمِقْدَامِ، عَنِ الْحَجَّاجِ
стр. 756
بْنِ يَزِيدَ، عَنْ أَبِيهِ رَفَعَهُ: ( «تَرِّبُوا الْكِتَابَ فَإِنَّهُ أَنْجَحُ لَهُ» ) إِلَى غَيْرِهَا مِنَ الطُّرُقِ الْوَاهِيَةِ، وَيُمْكِنُ - إِنْ ثَبَتَ - حَمْلُهُ عَلَى الرَّسَائِلِ الَّتِي لَا تُقْصَدُ غَالِبًا بِالْإِبْقَاءِ.
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّ مِمَّا يَدْفَعُ الْأَرَضَةَ كِتَابَةَ: (فَارِقْ مَارِقِ احْبِسْ حَبْسًا أَوْ كَبَلِّحْ) . فَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
ثَالِثُهَا: إِذَا أَصْلَحَ شَيْئًا مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ حَذْفٍ أَوْ تَحْرِيفٍ وَنَحْوِهِ فِي كِتَابٍ قَدِيمٍ بِهِ أَسْمِعَةٌ مُؤَرَّخَةٌ، حَسُنَ، كَمَا رَأَيْتُ شَيْخَنَا، فَعَلَهُ أَنْ يُنَبِّهَ مَعَهُ عَلَى تَارِيخِ وَقْتِ إِصْلَاحِهِ لِيَكُونَ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ أَوْ قَرَأَ قَبْلُ مُقْتَصِرًا عَلَيْهِ، وَكَذَا مَنْ نَقَلَ مِنْهُ عَلَى بَصِيرَةٍ مِنْ ذَلِكَ، بَلْ كَانَ فِي كَثِيرٍ مِنْ أَوْقَاتِهِ يُمَيِّزُ مَا يَتَجَدَّدُ لَهُ فِي تَصَانِيفِهِ بِالْحُمْرَةِ لِتُيَسِّرَ إِلْحَاقَهُ لِمَنْ كَتَبَهُ قَبْلُ.
رَابِعُهَا: الضَّرْبُ وَالْإِلْحَاقُ وَنَحْوُهُمَا مِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ بَيْنَ الْمُتَقَدِّمِينَ عَلَى صِحَّةِ الْكِتَابِ، فَرَوَى الْخَطِيبُ فِي (جَامِعِهِ) عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ الْكِتَابَ فِيهِ إِلْحَاقٌ وَإِصْلَاحٌ فَاشْهَدْ لَهُ بِالصِّحَّةِ.
وَعَنْ أَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ قَالَ: إِذَا رَأَيْتَ كِتَابَ صَاحِبِ الْحَدِيثِ مُشَجَّجًا - يَعْنِي: كَثِيرَ التَّغْيِيرِ - فَأَقْرِبْ بِهِ مِنَ الصِّحَّةِ. وَأَنْشَدَ ابْنُ خَلَّادٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الزَّيَّاتِ يَصِفُ دَفْتَرًا:
وَأَرَى رُشُومًا فِي كِتَابِكَ لَمْ تَدَعْ ... شَكًّا لِمُرْتَابٍ وَلَا لِمُفَكِّرِ
نُقَطٌ وَأَشْكَالٌ تَلُوحُ كَأَنَّهَا ... نَدَبُ الْخُدُوشِ تَلُوحُ بَيْنَ الْأَسْطُرِ
تُنْبِيكَ عَنْ رَفْعِ الْكَلَامِ وَخَفْضِهِ ... وَالنَّصْبِ فِيهِ لِحَالِهِ وَالْمَصْدَرِ
стр. 757
وَتُرِيكَ مَا تَعِيَا بِهِ فَتُعِيدُهُ
كَقَرِينَةٍ وَمُقَدَّمًا كَمُؤَخَّرِ
أَمَّا مَا نَرَاهُ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ الْمُتَأَخِّرَةِ مِنْ ذَلِكَ، فَلَيْسَ غَالِبًا بِدَلِيلٍ لِلصِّحَّةِ، لِكَثْرَةِ الدَّخِيلِ وَالتَّلْبِيسِ الْمُحِيلِ.
[الْعَمَلُ فِي اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ]
(٦٠١) وَلْيَبْنِ أوَّلًا عَلَى رِوَايَهْ ... كِتَابَهُ وَيُحْسِنِ الْعِنَايَهْ
(٦٠٢) بِغَيْرِهَا بِكَتْبِ رَاوٍ سُمِّيَا ... أَوْ رَمْزٍ أَوْ بِكَتْبِهَا مُعْتَنِيَا
(٦٠٣) بِحُمْرَةٍ وَحَيْثُ زَادَ الْأَصْلُ ... حَوَّقَهُ بِحُمْرَةٍ وَيَجْلُو كَيْفَ
(الْعَمَلُ فِي) الْجَمْعِ بَيْنَ (اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ) لَمَّا مَرَّ عَنْ بَعْضِ الطُّرُقِ فِي إِبْعَادِ الزَّائِدِ أَنَّهُ يَحْسُنُ فِيمَا ثَبَتَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ دُونَ بَعْضٍ، نَاسَبَ إِرْدَافَهُ بِكَيْفِيَّةِ الْجَمْعِ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ (وَلْيَبْنِ أَوَّلًا) وَقْتَ الْكِتَابَةِ أَوِ الْمُقَابَلَةِ (عَلَى رِوَايَهْ) خَاصَّةً (كِتَابَهُ) وَلَا يَجْعَلْهُ مُلَفَّقًا مِنْ رِوَايَتَيْنِ لِمَا فِيهِ مِنَ الْإِلْبَاسِ.
(وَ) بَعْدَ هَذَا (يُحْسِنِ الْعِنَايَهْ بِغَيْرِهَا) أَيْ: بِغَيْرِ الرِّوَايَةِ الَّتِي أَصَّلَ كِتَابَهُ عَلَيْهَا، وَيُبَيِّنْ مَا وَقَعَ التَّخَالُفُ فِيهِ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ إِبْدَالِ لَفْظٍ بِلَفْظٍ أَوْ حَرَكَةٍ لِإِعْرَابٍ أَوْ نَحْوِهَا، وَذَلِكَ إِمَّا بِكَتْبِ مَا زَادَ أَوْ أُبْدِلَ أَوِ اخْتَلَفَ إِعْرَابُهُ بَيْنَ السُّطُورِ إِنِ اتَّسَعَتْ، وَإِلَّا فَبِالْحَاشِيَةِ.
أَوْ (بِكَتْبِ رَاوٍ) عَرَفَ بِذَلِكَ الزَّائِدَ أَوِ الْمَحْذُوفَ أَوِ الْمُبْدَلَ أَوِ الْإِعْرَابَ، إِنْ كَانَ الْمُخَالِفُ وَاحِدًا، وَإِلَّا فَأَكْثَرَ حَسْبَمَا يَتَّفِقُ، سَوَاءٌ (سَمَّيَا) هَذَا الرَّاوِيَ ; أَيْ: كَتَبَهُ بِاسْمِهِ، وَكَذَا بِمَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ (أَوْ) رَمَزَ لَهُ (رَمْزًا) بِحَرْفٍ أَوْ أَكْثَرَ، كَمَا مَرَّ فِي كِتَابَةِ الْحَدِيثِ وَضَبْطِهِ، مَعَ زِيَادَةِ إِيضَاحٍ مِمَّا كَانَ الْأَنْسَبُ ضَمَّهُمَا بِمَكَانٍ وَاحِدٍ.
(أَوْ) بِالنَّقْلِ (بِكَتْبِهَا) ; أَيِ: الزِّيَادَةِ وَنَحْوِهَا
стр. 758
مِنْ إِبْدَالٍ وَإِعْرَابٍ، وَهُوَ الطَّرِيقُ الثَّانِي حَالَ كَوْنِهِ (مُعْتَنِيًا) بِهِ (بِحُمْرَةٍ) كَمَا فَعَلَهُ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ مِنَ الْمَشَارِقَةِ، وَأَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ مِنَ الْمَغَارِبَةِ، وَكَثِيرٌ مِنَ الشُّيُوخِ وَالْمُقَيِّدِينَ، غَيْرَ نَاظِرِينَ لِحِكَايَةِ تِلْمِيذِ صَاحِبِ (الْهِدَايَةِ) مِنَ الْحَنَفِيَّةِ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ كَرَاهَةَ الْكِتَابَةَ بِهَا ; لِأَنَّهَا شِعَارُ الْمَجُوسِ وَطَرِيقَةُ الْقُدَمَاءِ مِنَ الْفَلَاسِفَةِ، أَوْ بِخُضْرَةٍ أَوْ صُفْرَةٍ أَوْ غَيْرِهَا مِنَ الْأَلْوَانِ الْمُبَايِنَةِ لِلْمِدَادِ الْمَكْتُوبِ بِهِ الْأَصْلُ.
(وَحَيْثُ زَادَ الْأَصْلُ) الَّذِي أَصَّلَ عَلَيْهِ شَيْئًا (حَوَّقَهُ) بِدَائِرَةٍ كَمَا شُرِحَ قَرِيبًا، أَوْ بِ (لَا) ثُمَّ (إِلَى) ، وَيَكُونُ مَا يَسْلُكُهُ مِنْ هَذَا (بِحُمْرَةٍ) أَوْ خُضْرَةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا (وَيَجْلُو) أَيْ: يُوَضِّحُ مُرَادَهُ مِنْ رَمْزٍ أَوْ لَوْنٍ، بِأَنْ يَقُولَ مَثَلًا: قَدْ رَمَزْتُ فِي كِتَابِي هَذَا لِفُلَانٍ بِكَذَا، أَوْ أَشَرْتُ لِفُلَانٍ بِالْحُمْرَةِ أَوْ بِالْخُضْرَةِ. أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بِأَوَّلِ كُلِّ مُجَلَّدٍ أَوْ آخِرِهِ عَلَى مَا سَبَقَ، وَلَا يَعْتَمِدُ حِفْظَهُ فِي ذَلِكَ وَذِكْرَهُ، فَرُبَّمَا نَسِيَ مَا اصْطَلَحَهُ فِيهِ لِطُولِ الْعَهْدِ، بَلْ وَيَتَعَطَّلُ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَقَعُ لَهُ كِتَابُهُ عَنِ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَيْثُ يَصِيرُ فِي حَيْرَةٍ وَعَمًى، وَلَا يَهْتَدِي لِلْمُرَادِ بِتِلْكَ الرُّمُوزِ أَوِ الْأَلْوَانِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْعِنَايَةَ بِاخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ مَعَ الطُّرُقِ مِنَ الْمُهِمَّاتِ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَسْبَابِ الْمُقْتَضِيَةِ لِامْتِيَازِ (شَرْحِ الْبُخَارِيِّ) لِشَيْخِنَا عَلَى سَائِرِ الشُّرُوحِ، وَلَكِنْ فِيهِ مَحْذُورٌ لِلْقَاصِرِينَ حَيْثُ يَضُمُّ حِينَ قِرَاءَتِهِ أَوْ كِتَابَتِهِ رِوَايَةً مَعَ أُخْرَى فِيمَا لَا يَصِحُّ التَّلْفِيقُ فِيهِ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلْيَكُنْ فِيمَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الرِّوَايَاتُ قَائِمًا بِضَبْطِ مَا يُخْتَلَفُ فِيهِ فِي كِتَابِهِ، جَيِّدَ التَّمْيِيزِ بَيْنَهَا، كَيْلَا تَخْتَلِطَ وَتَشْتَبِهَ فَيَفْسُدَ عَلَيْهِ أَمْرُهَا.
[الْإِشَارَةُ بِالرَّمْزِ]
(٦٠٤) وَاخْتَصَرُوا فِي كَتْبِهِمْ حَدَّثَنَا ... عَلَى ثَنَا أَوْ نَا وَقِيلَ دَثَنَا
стр. 759
(٦٠٥) وَاخْتَصَرُوا أَخْبَرَنَا عَلَى أَنَا
أَوْ أَرَنَا وَالْبَيْهَقِيُّ أَبَنَا
(الْإِشَارَةُ بِالرَّمْزِ) بِبَعْضِ حُرُوفِ صِيَغٍ مِمَّا يَتَكَرَّرُ وُقُوعُهُ كَحَدَّثَنَا، وَأَخْبَرَنَا، وَقَالَ، وَغَيْرِهَا، مَعَ مَسْأَلَتَيِ التَّلَفُّظِ بِـ (قَالَ) وَنَحْوِهَا مِمَّا يُحْذَفُ خَطًّا، وَحَاءِ الْوَاقِعَةِ بَيْنَ السَّنَدَيْنِ، وَمُنَاسَبَتُهُ لِمَا قَبِلَهُ ظَاهِرَةٌ.
[رُمُوزُ حَدَّثَنَا وَأَخْبَرَنَا] :
(وَاخْتَصَرُوا) أَيْ: أَهْلُ الْحَدِيثِ وَمَنْ تَبِعَهُمْ، (فِي كَتْبِهِمْ) دُونَ نُطْقِهِمْ (حَدَّثَنَا) بِحَيْثُ شَاعَ ذَلِكَ وَظَهَرَ حَتَّى لَا يَكَادُ يَلْتَبِسُ، وَلَا يُحْوِجُ الْوَاقِفَ عَلَيْهِ كَالَّذِي قَبْلَهُ إِلَى بَيَانٍ، وَهُمْ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفُونَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ مِنْهَا (عَلَى ثَنَا) الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ الْأَخِيرَةِ.
(أَوْ) يُلْغِي أَوَّلَ الثَّلَاثَةِ وَيَقْتَصِرُ عَلَى (نَا) الضَّمِيرِ فَقَطْ، (وَقِيلَ) يَقْتَصِرُ عَلَى (دَثَنَا) فَيَتْرُكُ مِنْهَا الْحَاءَ فَقَطْ، كَمَا وَجَدَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي خَطِّ كُلٍّ مِنَ الْحُفَّاظِ: الْحَاكِمِ، وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ، وَتِلْمِيذِهِمَا الْبَيْهَقِيِّ، (وَ) كَذَا (اخْتَصَرُوا أَخْبَرَنَا) فَمِنْهُمْ مَنْ يَحْذِفُ الْخَاءَ وَاللَّذَيْنِ بَعْدَهَا، وَهِيَ أُصُولُ الْكَلِمَةِ وَيَقْتَصِرُ (عَلَى أَنَا) الْأَلِفِ وَالضَّمِيرِ فَقَطْ، (أَوْ) يَضُمُّ إِلَى الضَّمِيرِ الرَّاءَ فَيَقْتَصِرُ عَلَى (أَرَنَا) وَفِي خَطِّ بَعْضِ الْمَغَارِبَةِ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَا عَدَا الْمُوَحَّدَةِ وَالرَّاءِ فَيَكْتُبُ " أَخْ نَا " وَلَكِنَّهُ لَمْ يُشْتَهَرْ، (وَ) كَذَا اقْتَصَرَ (الْبَيْهَقِيُّ) وَطَائِفَةٌ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى (أَبَنَا) بِتَرْكِ الْخَاءِ وَالرَّاءِ فَقَطْ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلَيْسَ هَذَا بِحَسَنٍ.
قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ فِيمَا يَظْهَرُ لِلْخَوْفِ مِنَ اشْتِبَاهِهَا " بِأَنْبَأَنَا " وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحُوا عَلَى اخْتِصَارِ " أَنْبَأَنَا " كَمَا نُشَاهِدُهُ مِنْ كَثِيرِينَ، وَكَذَا يَظْهَرُ أَنَّهُمْ إِنَّمَا لَمْ يَقْتَصِرُوا مِنْ " أَنَا "
стр. 760
عَلَى الْحَرْفِ الْأَخِيرِ مِنَ الْفِعْلِ مَعَ الضَّمِيرِ كَمَا فَعَلُوا فِي " ثَنَا " بِحَيْثُ تَصِيرُ " رَنَا " لِلْخَوْفِ مِنْ تَحْرِيفِ الرَّاءِ دَالًا، فَرُبَّمَا يَلْتَبِسُ بِأَحَدِ الطُّرُقِ الْمَاضِيَةِ فِي " حَدَّثَنَا "، وَهَذَا أَحْسَنُ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: لِئَلَّا يُحَرِّفَ الرَّاءَ زَايًا.
وَمِنَ اصْطِلَاحِهِمْ حَسْبَمَا اسْتُقْرِئَ مِنْ صَنِيعِهِمْ غَالِبًا تَحْرِيفُ الْأَلِفِ الْأَخِيرَةِ مِنْهُمُا إِلَى جِهَةِ الْيَمِينِ كَأَنَّهُ لِيَحْصُلَ التَّمْيِيزُ بِذَلِكَ عَمَّا يَقَعُ مِنَ الْكَلِمَاتِ الْمُشَابِهَةِ لَهُمَا فِي الصُّورَةِ مِنَ الْمَتْنِ وَشَبَهِهِ.
وَأَمَّا كِتَابَةُ " حَ " فِي " ثَنَا " وَ " أَخْ " فِي " أَنَا " فَقَالَ ابْنُ الْجَزَرِيِّ: (إِنَّهُ مِمَّا أَحْدَثَهُ بَعْضُ الْعَجَمِ، وَلَيَسَ مِنَ اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْحَدِيثِ) . هَذَا كُلُّهُ فِي الْمُذَكَّرِ الْمُضَافِ لِضَمِيرِ الْجَمْعِ، وَأَمَّا الْمُؤَنَّثُ الْمُضَافُ لِلْجَمْعِ أَيْضًا، وَكَذَا " حَدَّثَنِي " وَ " أَخْبَرَنِي " الْمُضَافَانِ لِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ، فَلَا يَخْتَصِرُونَهُ غَالِبًا، لَكِنْ قَالَ شَيْخُنَا: إِنَّهُمْ رُبَّمَا اقْتَصَرُوا عَلَى الْحُرُوفِ الثَّلَاثَةِ مِنْ حَدَّثَنِي أَيْضًا، بَلْ وَعَنْ خَطِّ السِّلَفِيِّ الِاقْتِصَارُ مِنْهَا عَلَى مَا عَدَا الْحَاءِ.
[رَمْزُ قَالَ وَحَذْفُهَا]
(٦٠٦) قُلْتُ وَرَمْزُ قَالَ إِسْنَادًا يَرِدْ ... قَافًا وَقَالَ الشَّيْخُ حَذْفُهَا عُهِدْ
(٦٠٧) خَطًّا وَلَا بُدَّ مِنَ النُّطْقِ كَذَا ... قِيلَ لَهُ وَيَنْبَغِي النُّطْقُ بِذَا
[رَمْزُ قَالَ وَحَذْفُهَا] (قُلْتُ) : وَأَمَّا غَيْرُ " ثَنَا " وَ " أَنَا " مِمَّا أُشِيرُ إِلَيْهِ فَ (رَمْزُ قَالَ) الْوَاقِعَةِ (إِسْنَادًا) أَيْ: فِي الْإِسْنَادِ بَيْنَ رُوَاتِهِ (يَرِدْ) حَسْبَمَا رَآهُ الْمُصَنِّفُ فِي بَعْضِ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ حَالَ كَوْنِهِ (قَافًا) مُفْرَدَةً فَيَصِيرُ هَكَذَا " قَ ثَنَا "، وَرُبَّمَا خَطَّهُمَا بَعْضُهُمْ كَالدِّمْيَاطِيِّ، بَلْ قِيلَ: إِنَّهُ تَفَرَّدَ بِذَلِكَ وَكَتَبَ بِخَطِّهِ فِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) : قَثَنَا. حَتَّى تَوَهَّمَ بَعْضُ مَنْ رَآهَا كَذَلِكَ أَنَّهَا الْوَاوُ الْفَاصِلَةُ بَيْنَ الْإِسْنَادَيْنِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ.
وَبِالْجُمْلَةِ فَالرَّمْزُ لَهَا اصْطِلَاحٌ مَتْرُوكٌ، (وَ) لَكِنْ (قَالَ الشَّيْخُ) ابْنُ الصَّلَاحِ:
стр. 761
(حَذْفُهَا) كُلِّهَا أَصْلًا وَرَأْسًا (عُهِدْ) فِيمَا جَرَى عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَدِيثِ (خَطًّا) ، حَتَّى إِنَّهُمْ يَحْذِفُونَ الْأُولَى مِنْ مِثْلِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . قَالَ: (وَلَا بُدَّ مِنَ النُّطْقِ) بِهَا حَالَ الْقِرَاءَةِ لَفْظًا.
يَعْنِي لِأَنَّ الْأَصْلَ الْفَصْلُ بَيْنَ كَلَامَيِ الْمُتَكَلِّمِينَ لِلتَّمْيِيزِ بَيْنَهُمَا، وَحَيْثُ لَمْ يُفْصَلْ فَهُوَ مُضْمَرٌ، وَالْإِضْمَارُ خِلَافُ الْأَصْلِ، إِلَّا أَنَّ هَذَا لَا يَقْتَضِي اشْتِرَاطَ التَّلَفُّظِ كَمَا أَشْعَرَ بِهِ تَعْبِيرُهُ.
نَعَمْ قَدْ صَرَّحَ فِي (فَتَاوَاهُ) بِأَنَّ عَدَمَ النُّطْقِ بِهَا لَا يُبْطِلُ السَّمَاعَ فِي الْأَظْهَرِ وَإِنْ كَانَ خَطَأٌ مِنْ فَاعِلِهِ، وَاحْتَجَّ لِذَلِكَ بِأَنَّ حَذْفَ الْقَوْلِ جَائِزٌ اخْتِصَارًا قَدْ جَاءَ بِهِ الْقُرْآنُ الْعَظِيمُ.
وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي (تَقْرِيبِهِ) فَقَالَ: تَرْكُهَا خَطَأٌ، وَالظَّاهِرُ صِحَّةُ السَّمَاعِ، بَلْ جَزَمَ بِهِ فِي مُقَدِّمَةِ (شَرْحِ مُسْلِمٍ) فَإِنَّهُ قَالَ: فَلَوْ تَرَكَ الْقَارِئُ لَفْظَ " قَالَ " فِي هَذَا كُلِّهِ فَقَدْ أَخْطَأَ، وَالسَّمَاعُ صَحِيحٌ لِلْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ، وَيَكُونُ هَذَا مِنَ الْحَذْفِ لِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ، وَصَرَّحَ الشِّهَابُ عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ الْمُرَحِّلِ النَّحْوِيُّ بِإِنْكَارِ اشْتِرَاطِ التَّلَفُّظِ بِهَا، ثُمَّ هَلْ يَكْفِي الِاقْتِصَارُ عَلَى النُّطْقِ بِالرَّمْزِ لَهَا؟ الظَّاهِرُ: نَعَمْ.
وَإِلَيْهِ أَشَارَ الْكِرْمَانِيُّ فِي " قَالَ " وَكَذَا فِي " ثَنَا " وَ " أَنَا " جَمِيعًا، وَعِبَارَتُهُ: وَيَنْبَغِي لِلْقَارِئِ أَنْ يَلْفِظَ بِكُلٍّ مِنْ " قَالَ " وَ " ثَنَا " وَ " أَنَا " صَرِيحًا، فَلَوْ تَرَكَ ذَلِكَ كَانَ
стр. 762
مُخْطِئًا، لَكِنَّ السَّمَاعَ صَحِيحٌ لِلْعِلْمِ بِالْمَقْصُودِ، وَلِدَلَالَةِ الْحَالِ عَلَى الْمَحْذُوفِ.
قَالَ شَيْخُنَا: وَفِيهِ نَظَرٌ ; لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَقُولَ: قَالَ " خ ". وَيُرِيدُ: قَالَ الْبُخَارِيُّ. أَوْ يَقُولَ: " ثَنَا خ ". وَمُرَادُهُ: ثَنَا الْبُخَارِيُّ. وَأَنْ يَقُولَ: " ثَنَا م ". وَيُرِيدُ: ثَنَا مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ بِلَازِمٍ لِكَوْنِهِ فِي الصِّيَغِ لَا فِي الْأَسْمَاءِ.
عَلَى أَنَّهُ قَدْ تَوَقَّفَ كَمَا سَلَفَ فِي أَنَّ الْأَوْلَى عَدَمُ الرَّمْزِ عَنِ الرَّاوِي بِالْكِتَابَةِ حَيْثُ قَالَ: إِنَّهُ بَعْدَ أَنْ شَاعَ وَعُرِفَ الِاصْطِلَاحُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرَّمْزِ وَغَيْرِهِ إِلَّا مِنْ جِهَةِ نَقْصِ الْأَجْرِ لِنَقْصِ الْكِتَابَةِ.
وَكَأَنَّهُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْكِتَابَةِ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ بِاصْطِلَاحِ رَمْزِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّيَغِ كِتَابَةً دُونَ رَمْزِهِمَا قِرَاءَةً، وَفِيهِ تَوَقُّفٌ إِلَّا مِنْ جِهَةِ الْخَفَاءِ بِالنُّطْقِ فِي الرَّاوِي رَمْزًا، ثُمَّ صَرَّحَ شَيْخُنَا بِمُصَادَمَةِ تَصْحِيحٍ الْكِرْمَانِيِّ السَّمَاعَ لِقَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ: إِنَّهُ لَا بُدَّ.
قَالَ: وَالَّذِي يَظْهَرُ لِي امْتِنَاعُهُ - أَيِ: الْحَذْفُ فِي " ثَنَا " وَ " أَنَا "، وَفِي مِثْلِ " ثَنَا خ "، وَ " ثَنَا م " - وَجَوَازُهُ فِي " قَالَ " يَعْنِي قَبْلَ: " ثَنَا " ; لِأَنَّ " ثَنَا " بِمَعْنَى: قَالَ لَنَا، فَاشْتِرَاطُ إِعَادَةِ " قَالَ " لَيْسَ بِشَيْءٍ. انْتَهَى.
(وَكَذَا) مِمَّا عُهِدَ حَذْفُهُ أَيْضًا لَفْظُ " أَنَّهُ " فِي مِثْلِ مَا رَوَاهُ التُّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: رَأَى رَجُلًا. الْحَدِيثَ. فَإِنَّ تَقْدِيرَهُ: قَالَ: إِنَّهُ رَأَى رَجُلًا. وَقَوْلِ الْبُخَارِيِّ: ثَنَا الْحَسَنُ بْنُ الصَّبَّاحِ، سَمِعَ جَعْفَرَ بْنَ عَوْنٍ.
وَ (كَذَا قِيلَ لَهُ) فِي مِثْلِ: قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ، قِيلَ لَهُ: أَخْبَرَكَ فُلَانٌ، (وَيَنْبَغِي) كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ مَعَ مُلَاحَظَةِ مَا قَرَّرْنَاهُ فِي " قَالَ " لِلْقَارِئِ أَيْضًا (النُّطْقُ بِذَا) ; أَيْ: قِيلَ لَهُ. وَكَذَا أَنَّهُ وَنَحْوُهُمَا. قَالَ: وَوَقَعَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ: قُرِئَ عَلَى فُلَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَانٌ. فَهَذَا يَنْطِقُ فِيهِ بِـ " قَالَ "، يَعْنِي: لَا قِيلَ لَهُ، لِكَوْنِهِ أَخْصَرَ، وَإِلَّا فَلَوْ قَالَ: قِيلَ لَهُ. قُلْتُ كَمَا عَبَّرَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدْمَةِ (شَرْحِ مُسْلِمٍ) لِمَا امْتَنَعَ.
стр. 763
[وَضْعُ " حَ " بَيْنَ الْأَسَانِيدِ وَمَعْنَاهَا]
(٦٠٨) وَكَتَبُوا عِنْدَ انْتِقَالٍ مِنْ سَنَدْ ... لِغَيْرِهِ (حَ) وَانْطِقَنْ بِهَا وَقَدْ
(٦٠٩) رَأَى الرُّهَاوِيُّ بِأَنْ لَا تُقْرَا ... وَأَنَّهَا مِنْ حَائِلٍ وَقَدْ رَأَى
(٦١٠) بَعْضُ أُولِي الْغَرْبِ بِأَنْ يَقُولَا ... مَكَانَهَا الْحَدِيثَ قَطْ وَقِيلَا
(٦١١) بَلْ حَاءُ تَحْوِيلٍ وَقَالَ قَدْ كُتِبْ ... مَكَانَهَا صَحَّ فَحًّا مِنْهَا انْتُخِبْ
[وَضْعُ " حَ " بَيْنَ الْأَسَانِيدِ وَمَعْنَاهَا] :
(وَكَتَبُوا) أَهْلُ الْحَدِيثِ فِي كُلٍّ مِنَ الْحَدِيثِ أَوِ الْكِتَابِ أَوْ نَحْوِهِمَا مِمَّا يَرُومُونَ الْجَمْعَ بَيْنَ إِسْنَادَيْهِ أَوْ أَسَانِيدِهِ، (عِنْدَ انْتِقَالٍ مِنْ سَنَدْ لِغَيْرِهِ " حَ ") بِالْقَصْرِ مُهْمَلَةً مُفْرَدَةً، وَهِيَ فِي كُتُبِ الْمُتَأَخِّرِينَ أَكْثَرُ، وَفِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) أَكْثَرُ مِنْهَا فِي (الْبُخَارِيِّ) كَمَا صَرَّحَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي مُقَدْمَةِ (شَرْحِ مُسْلِمٍ) ، وَهُوَ الْمُشَاهَدُ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا: أَهِيَ مِنَ الْحَائِلِ أَوِ التَّحْوِيلِ أَوْ صَحَّ أَوِ الْحَدِيثِ؟ وَهَلْ يُنْطَقُ بِهَا " حَا " أَوْ يُصَرَّحُ بِبَعْضِ مَا رُمِزَ بِهَا لَهُ عِنْدَ الْمُرُورِ بِهَا فِي الْقِرَاءَةِ أَوْ لَا؟ قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ (وَانْطِقَنْ بِهَا) كَمَا كُتِبَتْ مُفْرَدَةً، وَمُرَّ فِي قِرَاءَتِكَ. يَعْنِي: حَسْبَمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنَ السَّلَفِ وَتَلَقَّاهُ عَنْهُمُ الْخَلَفُ، وَعَلَيْهِ مَشَى بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَيْضًا كَمَا سَمِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْمَغَارِبَةِ عَنْهُ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ إِلَّا أَنَّهُ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: أَحْوَطُ الْوُجُوهِ وَأَعْدَلُهَا.
(وَقَدْ رَأَى) الْحَافِظُ الرَّحَّالُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ (الرُّهَاوِيُّ) نِسْبَةً إِلَى الرُّهَا بِالضَّمِّ لِلْأَكْثَرِ، الْحَنْبَلِيُّ، كَمَا سَمِعَهُ مِنْهُ ابْنُ الصَّلَاحِ (بِأَنْ) ; أَيْ: أَنْ (لَا تُقْرَا) أَوْ لَا يُلْفَظَ بِشَيْءٍ عِنْدَ الِانْتِهَاءِ إِلَيْهَا، (وَأَنَّهَا) لَيْسَتْ مِنَ الرِّوَايَةِ بَلْ هِيَ " حَا " (مِنْ حَائِلٍ) الَّذِي يَحُولُ بَيْنَ الشَّيْئَيْنِ إِذَا حَجَزَ بَيْنَهُمَا، لِكَوْنِهَا حَالَةً بَيْنَ
стр. 764
الْإِسْنَادَيْنِ، وَأَنَّهُ لَمْ يُعْرَفْ عَنْ مَشَايِخِهِ، وَفِيهِمْ عَدَدٌ كَانُوا حُفَّاظَ الْحَدِيثِ فِي وَقْتِهِ، غَيْرُهُ، وَنَحْوُهُ فِي كَوْنِهَا مِنْ حَائِلٍ لَكِنْ مَعَ النُّطْقِ بِذَلِكَ قَوْلُ الدِّمْيَاطِيِّ، وَقَدْ قَرَأَ عَلَى بَعْضِ الْمَغَارِبَةِ، فَصَارَ كُلَّمَا وَصَلَ إِلَى " حَ " قَالَ: حَاجِزٌ. وَهُوَ فِي النُّطْقِ بِمَعْنَاهَا خَاصَّةً مُوَافِقٌ لِمَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ حَيْثُ قَالَ (وَقَدْ رَأَى بَعْضُ) عُلَمَاءِ (أُولِي الْغَرْبِ) حِينَ ذَاكَرْتُهُ فِيهَا، وَحَكَاهُ عَنْ صَنِيعِ الْمَغَارِبَةِ كَافَّةً (بِأَنْ) ; أَيْ: أَنْ (يَقُولَا) مَنْ يَمُرُّ بِهَا (مَكَانَهَا الْحَدِيثَ قَطْ) أَيْ: فَقَطْ. وَحَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ عَنِ الرُّهَاوِيِّ إِنْكَارَ كَوْنِهَا مِنَ الْحَدِيثِ.
قُلْتُ: وَكَأَنَّهُ لِكَوْنِ الْحَدِيثِ لَمْ يُذْكَرْ بَعْدُ، فَإِنْ كَانَتْ مَذْكُورَةً بَعْدَ سِيَاقِ السَّنَدِ الْأَوَّلِ وَبَعْضِ الْمَتْنِ كَمَا فِي (الْبُخَارِيِّ) فَإِنَّهُ أَوْرَدَ مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: جِئْتُ أَنَا وَأَبِي حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ. ثُمَّ قَالَ: حَ، وَثَنَا. وَسَاقَ سَنَدًا آخَرَ إِلَى الزُّهْرِيِّ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الْمَذْكُورِ، أَنَّ أَبَاهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ أَخْبَرَ مَرْوَانَ «أَنَّ عَائِشَةَ وَأُمَّ سَلَمَةَ أَخْبَرَتَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ» . فَيُمْكِنُ عَدَمُ إِنْكَارِهِ.
(وَ) كَذَا (قِيلَا) مِمَّا نَقَلَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ أَيْضًا عَنْ بَعْضِ مَنْ جَمَعَتْهُ وَإِيَّاهُ الرِّحْلَةُ بِخُرَاسَانَ عَنْ بَعْضِ الْفُضَلَاءِ مِنَ الْأَصْبَهَانِيِّينَ أَنَّهَا لَيْسَتْ مِنَ الْحَدِيثِ، (بَلْ) هِيَ (حَاءُ تَحْوِيلٍ) مِنْ إِسْنَادٍ إِلَى إِسْنَادٍ آخَرَ.
(وَقَالَ) ابْنُ الصَّلَاحِ: (قَدْ كُتِبَ) فِيمَا رَأَيْتُهُ بِخَطِّ الْحَافِظَيْنِ أَبِي عُثْمَانَ الصَّابُونِيِّ وَأَبِي مُسْلِمٍ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ اللَّيْثِيِّ الْبُخَارِيِّ، وَالْفَقِيهِ الْمُحَدِّثِ أَبِي سَعْدٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَلِيلِ الْخَلِيلِيِّ (مَكَانَهَا) بَدَلًا عَنْهَا (صَحَّ) صَرِيحَةً، يَعْنِي
стр. 765
نَحْوَ مَا يُجْعَلُ بَيْنَ الرُّوَاةِ الْمَعْطُوفِ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَمَا تَقَدَّمَ. قَالَ: فَهَذَا يُشْعِرُ بِكَوْنِ الْحَاءِ رَمْزًا إِلَى صَحَّ، (فَحَا) بِالْقَصْرِ (مِنْهَا انْتُخِبَ) . أَيِ: اخْتِيرَ فِي اخْتِصَارِهَا. قَالَ: وَحَسُنَ إِثْبَاتُ " صَحَّ " هَاهُنَا لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ حَدِيثَ هَذَا الْإِسْنَادِ سَقَطَ، وَلِئَلَّا يُرَكَّبَ الْإِسْنَادُ الثَّانِي عَلَى الْأَوَّلِ فَيُجْعَلَا إِسْنَادًا وَاحِدًا. وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدِ اخْتَارَ النَّوَوِيُّ أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنَ التَّحَوُّلِ، وَأَنَّ الْقَارِئَ يَلْفِظُ بِهَا.
ثُمَّ إِنَّهُ لَمُ يَخْتَلِفْ مَنْ حَكَيْنَا عَنْهُمْ فِي كَوْنِهَا حَاءً مُهْمَلَةً، بَلْ قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: إِنَّ بَعْضَهُمْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ. قَالَ: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَوَهَّمُ أَنَّهَا خَاءٌ مُعْجَمَةٌ. أَيْ: إِسْنَادٌ آخَرُ.
وَكَذَا حَكَاهُ الدِّمْيَاطِيُّ أَيْضًا، فَقَالَ: وَبَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ يَسْتَعْمِلُهَا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ يُرِيدُ بِهَا آخِرًا وَأَخِيرًا. زَادَ غَيْرُهُ: أَوْ إِشَارَةً إِلَى الْخُرُوجِ مِنْ إِسْنَادٍ إِلَى إِسْنَادٍ. وَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ: أَنَّ ذَلِكَ اجْتِهَادٌ مِنْ أَئِمَّتِنَا فِي شَأْنِهَا مِنْ حَيْثُ إِنَّهُمْ لَمْ يَتَبَيَّنْ لَهُمْ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْمُتَقَدِّمِينَ.
قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ: وَيُقَالُ: (إِنَّ أَوَّلَ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَرْفِ ابْنُ الصَّلَاحِ، وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ صَنِيعِهِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ صَرَّحَ أَوَّلَ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: وَلَمْ يَأْتِنَا عَنْ أَحَدٍ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ بَيَانٌ لِأَمْرِهَا) .
[كِتَابَةُ التَّسْمِيعِ]
(٦١٢) وَيَكْتُبُ اسْمَ الشَّيْخِ بَعْدَ الْبَسْمَلَهْ ... وَالسَّامِعِينَ قَبْلَهَا مُكَمَّلَهْ
(٦١٣) مُؤَرَّخًا أَوْ جَنْبَهَا بِالطُّرَّهْ ... أَوْ آخِرَ الْجُزْءِ وَإِلَّا ظَهْرَهْ
(٦١٤) بِخَطٍّ مَوْثُوقٍ بِخَطٍّ عُرِفَا ... وَلَوْ بِخَطِّهِ لِنَفْسِهِ كَفَى
(٦١٥) إِنْ حَضَرَ الْكُلَّ وَإِلَّا اسْتَمْلَى ... مِنْ ثِقَةٍ صَحَّحَ شَيْخٌ أَمْ لَا
стр. 766
(٦١٦) وَلْيُعِرِ الْمُسْمَى بِهِ إِنْ يُسْتَعَرْ
وَإِنْ يَكُنْ بِخَطِّ مَالِكٍ سُطِرْ ... (٦١٧) فَقَدْ رَأَى حَفْصٌ وَإِسْمَاعِيلُ
كَذَا الزُّبَيْرِيُّ فَرْضَهَا إِذْ سِيلُوا ... (٦١٨) إِذْ خَطُّهُ عَلَى الرِّضَا بِهِ دَلْ
كَمَا عَلَى الشَّاهِدِ مَا تَحَمَّلْ ... (٦١٩) وَلْيَحْذَرِ الْمُعَارُ تَطْوِيلًا وَأَنْ
يُثْبِتَ قَبْلَ عَرْضِهِ مَا لَمْ يُبَنْ
(كِتَابَةُ التَّسْمِيعِ) وَكَيْفِيَّتُهُ، وَهُوَ الْمُسَمَّى بِالطَّبَقَةِ، وَمَا أُلْحِقَ بِذَلِكَ مِنْ إِعَارَةِ الْمَسْمُوعِ وَمُنَاسَبَتِهِ لِلْعَمَلِ فِي اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ، مِنْ جِهَةِ اشْتِرَاكِ مَحَلِّهِمَا فِي أَوَّلِ الْكِتَابِ أَوْ آخِرِهِ، وَلَكِنَّهُ وَسَّطَ بَيْنَهُمَا بِمَا هُوَ أَظْهَرُ فِي الْمُنَاسَبَةِ مَعَ الْأَوَّلِ.
[كِتَابَةُ التَّسْمِيعِ وَشُرُوطُهُ] :
(وَيَكْتُبُ) الطَّالِبُ (اسْمَ الشَّيْخِ) الَّذِي قَرَأَ أَوْ سَمِعَ عَلَيْهِ أَوْ مِنْهُ كِتَابًا أَوْ جُزْءًا أَوْ نَحْوَهُ، وَمَا يَلْتَحِقُ بِالِاسْمِ مِنْ نَسَبٍ وَنِسْبَةٍ وَكُنْيَةٍ وَلَقَبٍ وَمَذْهَبٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُعْرَفُ بِهِ، مَعَ سِيَاقِ سَنَدِهِ بِالْمَسْمُوعِ لِمُصَنِّفِهِ فِي ثَبْتِهِ الَّذِي يَخُصُّهُ بِذَلِكَ، أَوْ فِي النُّسْخَةِ الَّتِي يَرُومُ تَحْصِيلَهَا مِنَ الْمَسْمُوعِ.
(بَعْدَ الْبَسْمَلَهْ) فَيَقُولُ مَثَلًا: أَنَا أَبُو فُلَانٍ فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ الْفُلَانِيُّ، ثَنَا فُلَانٌ. وَيَسُوقُ السَّنَدَ إِلَى آخِرِهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي وَقَعَ.
(وَ) إِنْ سَمِعَ مَعَهُ غَيْرَهُ فَلْيَكْتُبْ أَسْمَاءَ (السَّامِعِينَ) إِمَّا (قَبْلَهَا) أَوِ الْبَسْمَلَةَ فَوْقَ سَطْرِهَا (مُكَمَّلَهْ) مِنْ غَيْرِ اخْتِصَارٍ لِمَا لَا يَتِمُّ تَعْرِيفُ كُلٍّ مِنَ السَّامِعِينَ بِدُونِهِ، فَضْلًا عَنْ حَذْفٍ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ.
وَالْحَذَرَ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ مِنْ إِسْقَاطِ اسْمِ أَحَدٍ مِنْهُمْ لِغَرَضٍ فَاسِدٍ، وَمِنَ الْغَرِيبِ مَا حَكَاهُ ابْنُ مُسَدًّى، عَنِ ابْنِ الْمُفَضَّلِ وَشَيْخِهِ السِّلَفِيِّ، أَنَّهُمَا كَانَا يُصَدِّرَانِ الطِّبَاقَ بِذَوِي السِّنِّ، فَإِذَا أَتَيَا عَلَى
стр. 767
ذِكْرِهِمْ تَرَكَا الشَّبَابَ وَأَدْرَجَاهُمْ فِي طَيِّ لَفْظَةِ " وَآخَرِينَ ". وَالظَّاهِرُ عَدَمُ صِحَّتِهِ عَنْ ثَانِيهِمَا.
كُلُّ ذَلِكَ حَالَ كَوْنِ الْمَكْتُوبِ (مُؤَرَّخًا) بِوَقْتِ السَّمَاعِ، مَذْكُورًا مَحَلُّهُ مِنَ الْبَلَدِ وَقَارِئُهُ، وَكَذَا عَدَدُ مَجَالِسِهِ إِنْ تَعَدَّدَتْ، مُعَيَّنَةً، وَتَمْيِيزُ الْمُكَمِّلِينَ وَالنَّاعِسِينَ وَالْمُتَحَدِّثِينَ وَالْبَاحِثِينَ وَالْكَاتِبِينَ وَالْحَاضِرِينَ مِنَ الْمُفَوِّتِينَ وَالْيَقِظِينَ وَالْمُنْصِتِينَ وَالسَّامِعِينَ.
(أَوْ) يَكْتُبُ ذَلِكَ (جَنْبَهَا) أَيِ: الْبَسْمَلَةِ فِي الْوَرَقَةِ الْأُولَى (بِالطُّرَّهْ) يَعْنِي الْحَاشِيَةَ الْمُتَّسِعَةَ لِذَلِكَ، حَسْبَمَا أَشَارَ إِلَى حِكَايَتِهِ الْخَطِيبُ عَنْ فِعْلِ شُيُوخِهِ، وَكَذَا فَعَلَهُ السِّلَفِيُّ، بَلْ رُبَّمَا يَكْتُبُ السِّلَفِيُّ السَّمَاعَ بِالْحَاشِيَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ غَيْرُهُ، أَوْ يَكْتُبُ الطَّالِبُ التَّسْمِيعَ (آخِرَ الْجُزْءِ) أَوِ الْكِتَابِ (وَإِلَّا) أَيْ: وَإِنْ لَمْ يَكْتُبْهُ فِيمَا تَقَدَّمَ فَيَكْتُبُهُ (ظَهْرَهُ) أَيْ: فِي ظَهْرِهِ، وَرُبَّمَا فَعَلَ السِّلَفِيُّ وَغَيْرُهُ نَحْوَهُ حَيْثُ يَكْتُبُونَ التَّسْمِيعَ فِيمَا يَكُونُ لِلْمَسْمُوعِ كَالْوِقَايَةِ، أَوْ يَكْتُبُهُ حَيْثُ لَا يَخْفَى مَوْضِعُهُ مِنْهُ مِنْ حَاشِيَةٍ فِي الْأَثْنَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ.
فَكُلُّ هَذَا كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَا بَأْسَ بِهِ. مَعَ تَصْرِيحِهِ بِأَنَّ مَا قَالَهُ الْخَطِيبُ أَحْوَطُ لَهُ وَأَحْرَى بِأَلَّا يَخْفَى عَلَى مَنْ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ، عَلَى أَنَّ ابْنَ الْجَزَرِيِّ قَدْ حَكَى عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَنَّ الْأَوْلَى مِنْ جِهَةِ الْأَدَبِ عَدَمُ الْكِتَابَةِ فَوْقَ الْبَسْمَلَةِ لِشَرَفِهَا، وَوَافَقَهُ عَلَيْهِ.
وَكَذَا يَحْسُنُ تَسْمِيَةُ الْمَسْمُوعِ إِنْ كَتَبَ التَّسْمِيعَ بِمَحَلٍّ غَيْرِ مُسَمًّى فِيهِ خَوْفًا مِنَ انْفِرَادِ الْوَرَقَةِ فَيَصِيرُ الْوَاقِفُ عَلَيْهَا فِي حَيْرَةٍ، وَأَنْ يُنَبِّهَ حَيْثُ كَانَتِ الْكِتَابَةُ بِالْأَثْنَاءِ عَلَى مَحَلِّهَا أَوَّلَ الْمَسْمُوعِ، فَقَدْ رَأَيْتُ شَيْخَنَا يَفْعَلُهُ فَيَقُولُ مَثَلًا: فَرَغَهُ سَمَاعًا فُلَانٌ،
стр. 768
وَالطَّبَقَةُ بِالْمَكَانِ الْفُلَانِيِّ. وَيُعَلِّمُ بِالْهَوَامِشِ عِنْدَ انْتِهَاءِ كُلِّ مَجْلِسٍ بِأَنْ يَقُولَ مَثَلًا: بَلَغَ السَّمَاعُ فِي الْأَوَّلِ عَلَى فُلَانٍ، لِأَجْلِ مَنْ يَفُوتُهُ بَعْضَهَا أَوْ يَسْمُعُ بَعْضَهَا.
وَيَنْبَغِي كَمَا لِابْنِ الصَّلَاحِ أَنْ يَكُونَ الْمَكْتُوبُ (بِخَطِّ) شَخْصٍ (مَوْثُوقٍ) بِهِ غَيْرِ مَجْهُولِ الْخَطِّ، بَلْ (بِخَطٍّ عُرِفَا) بَيْنَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ.
(وَلَوْ) كَانَ التَّسْمِيعُ (بِخَطِّهِ لِنَفْسِهِ) مَعَ اتِّصَافِهِ بِذَلِكَ (كَفَى) فَطَالَ مَا فَعَلَ الثِّقَاتُ ذَلِكَ، سَوَاءٌ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ أَمْ لَا.
وَعَلَى كَاتِبِ السَّمَاعِ التَّحَرِّي فِي تَفْصِيلِ الْأَفْوَاتِ وَبَيَانِ السَّامِعِ وَالْمُسْمِعِ وَالْمَسْمُوعِ بِعِبَارَةٍ بَيِّنَةٍ، وَكِتَابَةٍ وَاضِحَةٍ، وَإِنْزَالِ كُلٍّ مَنْزِلَتَهُ، وَيَكُونُ اعْتِمَادُهُ فِي السَّامِعِينَ وَتَمْيِيزِ فَوَاتِهِمْ ضَبْطَ نَفْسِهِ.
(إِنْ حَضَرَ الْكُلُّ وَإِلَّا اسْتَمْلَى) مَا غَابَ عَنْهُ (مِنْ ثِقَةٍ) ضَابِطٍ مِمَّنْ حَضَرَ، فَذَلِكَ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: لَا بَأْسَ بِهِ ; إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، سَوَاءٌ فِي اعْتِمَادِ الثِّقَةِ لِضَبْطِ نَفْسِهِ أَوْ ثِقَةٍ غَيْرِهِ، أَفْصَحَ بِذَلِكَ فِي خَطِّهِ، (صَحَّحَ) عَلَى التَّسْمِيعِ (شَيْخٌ) ; أَيِ: الشَّيْخُ الْمُسَمِّعُ وَاحِدًا فَأَكْثَرَ حَسْبَمَا اتَّفَقَ (أَمْ لَا) .
قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَقَدْ حَدَّثَنِي بِمَرْوَ الشَّيْخُ أَبُو الْمُظَفَّرِ بْنُ الْحَافِظِ أَبِي سَعْدٍ الْمَرْوَزِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَمَّنْ حَدَّثَهُ مِنَ الْأَصْبَهَانِيَّةِ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ قَرَأَ بِبَغْدَادَ جُزْءًا عَلَى أَبِي أَحْمَدَ الْفَرَضِيِّ، وَسَأَلَهُ خَطَّهُ لِيَكُونَ حُجَّةً لَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو أَحْمَدَ: يَا بُنَيَّ، عَلَيْكَ بِالصِّدْقِ، فَإِنَّكَ إِذَا عُرِفْتَ بِهِ لَا يُكَذِّبُكَ أَحَدٌ، وَتَصْدُقُ فِيمَا تَقُولُ وَتَنْقُلُ، وَإِذَا كُنْتَ غَيْرَ ذَلِكَ ; فَلَوْ قِيلَ لَكَ: مَا هَذَا خَطُّ أَبِي أَحْمَدَ، مَاذَا تَقُولُ لَهُمْ؟ .
وَنَحْوُهُ قَوْلُ ابْنِ الْجَزَرِيِّ: قَدَّمْتُ لِشَيْخِنَا الْحَافِظِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُحِبِّ طَبَقَةً لِيُصَحِّحَ عَلَيْهَا لِكَوْنِهِ الْمُسَمِّعَ، فَكَرِهَ ذَلِكَ مِنِّي، وَقَالَ: لَا تَعُدْ إِلَيْهِ، فَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّصْحِيحِ مَنْ يُشَكُّ فِيهِ. انْتَهَى.
стр. 769
وَمَا يُوجَدُ مِنْ تَصْحِيحِ الشُّيُوخِ الْمُسَمِّعِينَ إِنَّمَا اعْتِمَادُهُمْ فِيهِ غَالِبًا عَلَى الضَّابِطِينَ، وَرُبَّمَا أَفْصَحَ الْمُتَحَرِّي مِنْهُمْ بِذَلِكَ، وَحِينَئِذٍ فَلَا فَائِدَةَ فِيهِ، إِلَّا إِنْ كَانَ الشَّيْخُ نَفْسُهُ هُوَ الضَّابِطَ كَمَا كَانَ ابْنُ الْمُنْصِفِ يَفْعَلُهُ غَالِبًا لِقِلَّةِ الْمُتَمَيِّزِينَ فِي ذَلِكَ. نَعَمْ، رُبَّمَا اسْتَظْهَرَ بَعْضُ الْمُتَشَدِّدِينَ لِمَا يَكْتُبُ الْمُحَدِّثُ لِنَفْسِهِ أَنَّهُ سَمِعَهُ حَيْثُ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ بِشُهْرَةِ أَحَدِ السَّامِعِينَ بَيْنَ الْمُحَدِّثِينَ، وَحَيْثُ كَانَ مُنْفَرِدًا بِالْإِلْحَاقِ وَالتَّصْحِيحِ وَشِبْهِهِ، إِذِ الْكِتَابُ لَا يَخْلُو غَالِبًا عَنِ الِاحْتِيَاجِ لِذَلِكَ، بَلْ وَبِتَحْلِيفِ الرَّاوِي.
فَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِئِ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بْنِ دُحَيْمٍ الدِّمَشْقِيِّ: ثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: قَدِمَ ابْنُ مَعِينٍ عَلَيْنَا الْبَصْرَةَ ; فَكَتَبَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ مُوسَى بْنِ إِسْمَاعِيلَ التَّبُوذَكِيِّ، وَقَالَ لَهُ: يَا أَبَا سَلَمَةَ، إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَذْكُرَ لَكَ شَيْئًا فَلَا تَغْضَبْ مِنْهُ، قَالَ: هَاتِ، قَالَ: حَدِيثُ هَمَّامٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ فِي الْغَارِ، لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ، إِنَّمَا رَوَاهُ عَفَّانُ وَحِبَّانُ، وَلَمْ أَجِدْهُ فِي صَدْرِ كِتَابِكَ، إِنَّمَا وَجَدْتُهُ عَلَى ظَهْرِهِ. قَالَ: فَتَقُولُ مَاذَا؟ قَالَ: تَحْلِفُ لِي أَنَّكَ سَمِعْتَهُ مِنْ هَمَّامٍ. فَقَالَ: قَدْ ذَكَرْتَ أَنَّكَ كَتَبْتَ عَنِّي عِشْرِينَ أَلْفًا، فَإِنْ كُنْتُ عِنْدَكَ فِيهَا صَادِقًا فَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُكَذِّبَنِي فِي حَدِيثٍ، وَإِنْ كُنْتُ كَاذِبًا فِي حَدِيثٍ فَمَا يَنْبَغِي أَنْ تُصَدِّقَنِي فِيهَا، وَتَرْمِي بِهَا، بِنْتُ أَبِي عَاصِمٍ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْتُهُ مِنْ هَمَّامٍ، وَوَاللَّهِ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَدًا.
وَسَمِعَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ مِنْ رُزَيْقِ بْنِ حَيَّانَ حَدِيثًا، فَلَمَّا فَرَغَ
стр. 770
قَالَ لَهُ: آللَّهِ يَا أَبَا الْمِقْدَامِ - وَهِيَ كُنْيَتُهُ - لَحَدَّثَكَ فُلَانٌ بِهَذَا، أَوْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: فَجَثَا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَقَالَ: إِي وَاللَّهِ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ.
وَلَعَلَّ سَلَفَهُ قَوْلُ عَلِيٍّ ﵁: كُنْتُ إِذَا سَمِعْتُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ حَدِيثًا نَفَعَنِي اللَّهُ بِمَا شَاءَ أَنْ يَنْفَعَنِي مِنْهُ، وَإِذَا حَدَّثَنِي غَيْرِي اسْتَحْلَفْتُهُ، فَإِذَا حَلَفَ لِي صَدَّقْتُهُ، وَحَدَّثَنِي أَبُو بَكْرٍ ﵁ وَصَدَقَ أَبُو بَكْرٍ. وَذَكَرَ حَدِيثًا.
وَقَدْ يَبْتَدِئُ الشَّيْخُ بِالْحَلِفِ مَعَ اشْتِهَارِ ثِقَتِهِ وَصِدْقِهِ، لَكِنْ لِتَزْدَادَ طُمَأْنِينَةُ السَّامِعِينَ، كَمَا كَانَ ابْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ يَحْلِفُ فِي فَوْتَيْهِ مِنْ (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) أَنَّهُمَا أُعِيدَا لَهُ، وَفَعَلَهُ مِنَ التَّابِعِينَ زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ فَقَالَ: ثَنَا - وَاللَّهِ - أَبُو ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ. وَذَكَرَ حَدِيثًا.
[الْإِعَارَةُ عِنْدَ الْحَاجَةِ] :
(وَلْيُعِرِ) مَنْ ثَبَتَ فِي كِتَابِهِ أَوْ جُزْئِهِ أَوْ نَحْوِهِمَا تَسْمِيعٌ بِخَطِّ الْمَالِكِ أَوْ غَيْرِهِ مَا أَثْبَتَ فِيهِ السَّمَاعَ الطَّالِبُ (الْمُسْمَى بِهِ) وَاحِدًا فَأَكْثَرَ (إِنْ يُسْتَعَرْ) لِيُكْتَبَ مِنْهُ أَوْ يُقَابَلَ عَلَيْهِ أَوْ يُنْقَلَ سَمَاعُهُ أَوْ يُحَدَّثَ مِنْهُ، وَهَذِهِ الْعَارِيَّةُ - فِيمَا إِذَا كَانَ التَّسْمِيعُ بِغَيْرِ خَطِّ الْمَالِكِ - مُسْتَحَبَّةٌ، (وَإِنْ يَكُنْ) التَّسْمِيعُ (بِخَطِّ مَالِكٍ) لِلْمَسْمُوعِ (سَطَرَهُ فَقَدَ رَأَى) الْقَاضِيَانِ (حَفْصٌ) هُوَ ابْنُ غِيَاثٍ النَّخَعِيُّ الْكُوفِيُّ قَاضِيهَا، بَلْ وَقَاضِي بَغْدَادَ أَيْضًا، وَصَاحِبُ الْإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي قَالَ لَهُ فِي جَمَاعَةٍ: أَنْتُمْ مَسَارُّ قَلْبِي وَجَلَاءُ حُزْنِي.
وَكَانَ هُوَ يَقُولُ: مَا وَلِيتُ الْقَضَاءَ حَتَّى حَلَّتْ لِي الْمَيِّتَةُ، وَلَأَنْ يُدْخِلَ الرَّجُلُ إِصْبَعَهُ فِي عَيْنَيْهِ فَيَقْلَعَهُمَا فَيَرْمِي بِهِمَا خَيْرٌ مِنْ أَنْ
стр. 771
يَكُونَ قَاضِيًا. وَلَمَّا وَلِيَ قَالَ أَبُو يُوسُفَ لِأَصْحَابِهِ: تَعَالَوْا نَكْتُبُ نَوَادِرَ حَفْصٍ، فَلَمَّا وَرَدَتْ قَضَايَاهُ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ: أَيْنَ النَّوَادِرُ؟ فَقَالَ: إِنَّ حَفْصًا أَرَادَ اللَّهَ فَوَّفَقَهُ. مَاتَ عَلَى الْأَكْثَرِ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ (١٥٩ هـ) .
(وَإِسْمَاعِيلُ) بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إِسْمَاعِيلَ بْنِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدِ بْنِ دِرْهَمٍ الْأَزْدِيُّ مَوْلَاهُمُ الْبَصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ شَيْخُ مَالِكِيَّةِ الْعِرَاقِ وَعَالِمُهُمْ وَمُصَنِّفُ (أَحْكَامِ الْقُرْآنِ) وَغَيْرِهَا الْمُتَوَفَّى فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ (٢٨٢ هـ) .
وَكَذَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ الْأَسَدِيُّ الزُّبَيْرِيُّ بِالضَّمِّ نِسْبَةً لِجَدِّهِ الْمَذْكُورِ، الْبَصْرِيُّ الضَّرِيرُ، أَحَدُ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ، وَصَاحِبُ (الْكَافِي) وَ (الْمُسْكِتِ) وَغَيْرِهِمَا الْمُتَوَفَّى سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمَائَةٍ (٣١٧ هـ) .
(فَرَضَهَا) أَيِ: الْعَارِيَّةَ (إِذْ سِيلُوا) بِإِبْدَالِ الْهَمْزَةِ يَاءً سَاكِنَةً لِلضَّرُورَةِ، حَيْثُ ادُّعِيَ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْأَوَّلَيْنِ فِي زَمَنِهِ عَلَى مَنِ امْتَنَعَ مِنْ عَارِيَّةِ كِتَابِهِ، وَأَجَابَ بِإِلْزَامِهِ بِإِخْرَاجِهِ لِيُنْظَرَ فِيهِ ; فَمَا يَكُونُ مِنْ سَمَاعِ الْمُدَّعِي مُثْبَتًا بِخَطِّ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَلْزَمَهُ بِإِعَارَتِهِ، حَسْبَمَا رَوَى ذَلِكَ عَنِ الثَّانِي الْخَطِيبُ، وَعَنِ الْأَوَّلِ الرَّامَهُرْمُزِيُّ، قَالَ: إِنَّهُ سَأَلَ الثَّالِثَ عَنْهُ فَقَالَ: لَا يَجِيءُ فِي هَذَا الْبَابِ حُكْمٌ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا.
(إِذْ خَطُّهُ) ; أَيْ: صَاحِبِ الْمَسْمُوعِ فِيهِ (عَلَى الرِّضَا بِهِ) ; أَيْ: بِالِاسْمِ الْمُثْبَتِ (دَلْ) يَعْنِي: وَثَمَرَةُ رِضَاهُ بِإِثْبَاتِ اسْمِهِ بِخَطِّهِ فِي كِتَابِهِ عَدَمُ مَنْعِ عَارِيَتِهِ، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَلَمْ يَبِنْ لِي وَجْهُهُ أَوَّلًا، ثُمَّ بَانَ لِي أَنَّ ذَلِكَ (كَمَا عَلَى الشَّاهِدِ) الْمُتَحَمِّلِ.
يَعْنِي: سَوَاءٌ اسْتُدْعِيَ لَهُ أَوِ اتِّفَاقًا (مَا
стр. 772
تَحَمَّلَ) أَيْ: أَدَاءُ الَّذِي تَحَمَّلَهُ وُجُوبًا، وَإِنْ كَانَ فِيهِ بَذْلُ نَفْسِهِ بِالسَّعْيِ إِلَى مَجْلِسِ الْحُكْمِ لِأَدَائِهَا.
وَوَجَّهَ غَيْرُهُ أَيْضًا بِأَنَّ مِثْلَ هَذَا مِنَ الْمَصَالِحِ الْعَامَّةِ الْمُحْتَاجِ إِلَيْهَا مَعَ وُجُودِ عَلَقَةٍ بَيْنَهُمَا تَقْتَضِي إِلْزَامَهُ بِإِسْعَافِهِ فِي مَقْصِدِهِ.
أَصْلُهُ إِعَارَةُ الْجِدَارِ لِوَضْعِ جُذُوعِ الْجَارِ الَّذِي صَحَّ الْحَدِيثُ فِيهِ، وَأَوْجَبَهُ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ، بَلْ هُوَ أَحَدُ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ، وَإِذَا أَلْزَمْنَا الْجَارَ بِالْعَارِيَةِ مَعَ دَوَامِ الْجُذُوعِ فِي الْغَالِبِ، فَلِأَنْ تُلْزِمَ صَاحِبَ الْكِتَابِ مَعَ عَدَمِ دَوَامِ الْعَارِيَةِ أَوْلَى، وَهُوَ ظَاهِرٌ.
وَلَوْ قُلْنَا كَمَا قَالَهُ عِيَاضٌ: إِنَّ خَطَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ شَهَادَتِهِ بِصِحَّةِ سَمَاعِهِ. لِأَنَّا نَقُولُ: إِلْزَامُهُ بِإِبْرَازِهِ لِحُصُولِ ثَمَرَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْهُ فِي إِثْبَاتِ اسْمِهِ وَقْتَ السَّمَاعِ كَمَا يَلْزَمُ الشَّاهِدَ الْأَدَاءُ وَلَوْ لَمْ يُسْتَدْعَ لِلتَّحَمُّلِ.
ثُمَّ إِنَّ قِيَاسَ تَعْلِيلِ مَا كَتَبَهُ بِخَطِّهِ بِكَوْنِهِ عَلَامَةً لِلرِّضَا أَنَّهُ لَوْ كَتَبَهُ غَيْرُهُ بِرِضَاهُ ; كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ، إِذْ لَا فَرْقَ، وَكَلَامُ ابْنِ الصَّلَاحِ يَشْهَدُ لَهُ، فَإِنَّهُ قَالَ: وَيَرْجِعُ حَاصِلُ أَقْوَالِهِمْ إِلَى أَنَّ سَمَاعَ غَيْرِهِ إِذَا ثَبَتَ فِي كِتَابِهِ بِرِضَاهُ، فَيَلْزَمُهُ إِعَارَتُهُ. وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي " تَقْرِيبِهِ ".
بَلْ قَالَ الْحَاكِمُ: سَمِعْتُ أَبَا الْوَلِيدِ الْفَقِيهَ يَقُولُ: مَرَرْتُ أَنَا وَأَبُو الْحَسَنِ الصَّبَّاغُ بِمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْخَيَّاطِ، يَعْنِي الْقَاضِيَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيَّ، وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ كَاتِبِهِ، فَادَّعَيْتُ أَنَا أَوْ هُوَ أَنَّ أَحَدَنَا سَمِعَ فِي كِتَابِ الْآخَرِ، وَأَنَّهُ يَمْتَنِعُ مِنْ إِعَارَتِهِ لِرَفِيقِهِ، فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ:
стр. 773
بِإِذْنِكَ سَمِعَ فِي كِتَابِكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَأَعِرْهُ سَمَاعَهُ. وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي صُورَةِ تَسْمِيعِ الْمُدَّعِي لِنَفْسِهِ مَعَ إِمْكَانِ اعْتِقَادِ التُّهْمَةِ، فَالْغَيْرُ الْأَجْنَبِيُّ أَوْلَى وَأَحْرَى.
وَتَوَقَّفَ بَعْضُهُمْ فِي الْوُجُوبِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ، وَقَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ. وَأُيِّدَ بِأَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى الْمَالِكِ حِينَئِذٍ الرِّوَايَةُ إِذَا كَانَ يَرْوِي مِنْ كِتَابِهِ لِغَيْبَتِهِ عَنْهُ، عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ، لَا سِيَّمَا إِذَا كَانَ ضَرِيرًا، وَإِنْ كَانَ الصَّوَابُ خِلَافَهُ كَمَا سَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ قَرِيبًا.
وَقَدْ حَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِي (أَدَبِ الطَّالِبِ) عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ لِبَعْضِ مَنْ سَمِعَ مِنْهُ فِي جَمَاعَةٍ: (انْسَخْ مِنْ كِتَابِهِمْ مَا قَدْ قَرَأْتُ) . فَقَالَ: (إِنَّهُمْ لَا يُمَكِّنُونَنِي) . فَقَالَ: (إِذَنْ وَاللَّهِ لَا يُفْلِحُونَ، قَدْ رَأَيْنَا أَقْوَامًا مَنَعُوا هَذَا السَّمَاعَ، فَوَاللَّهِ مَا أَفْلَحُوا وَلَا أَنْجَحُوا) .
وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ عَقِبَهُ: (إِنَّهُ أَيْضًا رَأَى أَقْوَامًا مَنَعُوا فَمَا أَفْلَحُوا وَلَا أَنْجَحُوا) .
(وَلْيَحْذَرِ الْمُعَارُ) لَهُ الْمَسْمُوعُ (تَطْوِيلًا) أَيْ: مِنَ التَّطْوِيلِ فِي الْعَارِيَةِ وَالْإِبْطَاءِ بِمَا اسْتَعَارَهُ عَلَى مَالِكِهِ إِلَّا بِقَدْرِ الْحَاجَةِ، فَقَدَ رُوِّينَا عَنِ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ: إِيَّاكَ وَغُلُولَ الْكُتُبِ. قَالَ يُونُسُ: فَقُلْتُ: وَمَا غُلُولُهَا؟ قَالَ: حَبْسُهَا عَنْ أَصْحَابِهَا.
وَرُوِّينَا عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ مِنْ فِعْلِ أَهْلِ الْخَيْرِ وَالْوَرَعِ أَنْ يَأْخُذَ سَمَاعَ رَجُلٍ وَكِتَابَهُ فَيَحْبِسَهُ، فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ.
стр. 774
وَأَمَّا مَا رُوِّينَاهُ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ دَاوُدَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ حَازِمٍ الرَّازِيِّ مِنْ (تَارِيخِ نَيْسَابُورَ) أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي سُرَيْجٍ يَقُولُ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ: إِذَا رَدَّ صَاحِبُ الْحَدِيثِ الْكِتَابَ بَعْدَ سَنَةٍ فَقَدْ أَحْسَنَ. فَلَيْسَ عَلَى إِطْلَاقِهِ.
وَبَلَغَنَا عَنِ ابْنِ الْمُنْصِفِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: إِذَا غَابَ الْكِتَابُ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ أَكْثَرَ مِنْ عَدَدِ وَرَقِهِ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْخُذْهُ لِكِتَابَةٍ وَلَا قِرَاءَةٍ وَلَا مُقَابَلَةٍ وَلَا مُطَالَعَةٍ. أَوْ كَمَا قَالَ.
ثُمَّ إِنَّ التَّمَسُّكَ فِي الْمَنْعِ بِبُطُوءٍ وَمَا أَشْبَهَهُ لَا يَكْفِي فِي عَدَمِ الْإِلْزَامِ بِالدَّفْعِ، فَقَدْ سَاقَ ابْنُ النَّجَّارِ فِي تَرْجَمَةِ الْأَمِيرِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عُمَرَ مِنْ (ذَيْلِهِ) ، أَنَّ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِيَ الْمَالِكِيَّ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ بِمَا تَقَدَّمَ قَالَ لَهُ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ - وَهُوَ صَاحِبُ الْكِتَابِ -: إِنَّهُ يُعَذِّبُنِي فِي كُتُبِي إِذَا دَفَعْتُهَا إِلَيْهِ. فَقَالَ لَهُ: أَخْرِجْ إِلَيْهِ مَا لَزِمَكَ بِالْحُكْمِ.
ثُمَّ قَالَ لِلْمُدَّعِي: إِذَا أَعَارَكَ أَخُوكَ كُتُبَهُ لِتَنْسَخَهَا فَلَا تُعَذِّبْهُ، فَإِنَّكَ تُطْرِقُ عَلَى نَفْسِكَ مَنْعَكَ فِيمَا تَسْتَحِقُّ. فَرَضِيَا بِذَلِكَ وَطَابَا، بَلْ وَفِي لَفْظٍ عِنْدَ أَبِي بَكْرٍ الْيَزْدِيِّ فِي جُزْءِ عَارِيَةِ الْكُتُبِ لَهُ الْمَسْمُوعِ لَنَا، أَنَّ صَاحِبَ الْكِتَابِ - وَهُوَ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيُّ - قَالَ لِإِسْمَاعِيلَ: أَعَزَّ اللَّهُ الْقَاضِيَ، هَذَا رَجَلٌ غَرِيبٌ أَخَافُ أَنْ يَذْهَبَ بِكُتُبِي، فَيُوَثِّقُ لِي حَتَّى أُعْطِيَهُ. فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: فَاكْتَرِ رَجُلًا بِدِرْهَمَيْنِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وَأَقْعِدْهُ مَعَهُ حَتَّى يَفْرُغَ مِنْ نَسْخِ سَمَاعِهِ.
(وَ) كَذَا لِيَحْذَرْ إِذَا نَسَخَ مِنَ الْمَسْمُوعِ الْمُعَارِ لِنَفْسِهِ فَرْعًا (أَنْ يُثْبِتَ) سَمَاعَهُ فِيهِ (قَبْلَ عَرْضِهِ) وَمُقَابَلَتِهِ، بَلْ لَا يَنْبَغِي إِثْبَاتُ تَسْمِيعٍ عَلَى كِتَابٍ مُطْلَقًا إِلَّا بَعْدَ الْمُقَابَلَةِ، (مَا لَمْ يُبَنْ)
стр. 775
بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ، فِي كُلٍّ مِنَ الْإِثْبَاتِ وَالنَّقْلِ أَنَّ النُّسْخَةَ غَيْرُ مُقَابَلَةٍ.
[صِفَةُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَأَدَائِهِ]
[جَوَازُ الرِّوَايَةِ مِنَ الْكُتُبِ الْمَصُونَةِ]
صِفَةُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَأَدَائِهِ.
(٦٢٠) وَلْيَرْوِ مِنْ كِتَابِهِ وَإِنْ عَرِي ... مِنْ حِفْظِهِ فَجَائِزٌ لِلْأَكْثَرِ
(٦٢١) وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْمَنْعُ كَذَا ... عَنْ مَالِكٍ وَالصَّيْدَلَانِيِّ وَإِذَا
(٦٢٢) رَأَى سَمَاعَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ فَعَنْ ... نُعْمَانٍ الْمَنْعُ وَقَالَ ابْنُ الْحَسَنْ
(٦٢٣) مِعْ أَبِي يُوسُفَ ثُمَّ الشَّافِعِي ... وَالْأَكْثَرِينَ بِالْجَوَازِ الْوَاسِعِ
(٦٢٤) وَإِنْ يَغِبْ وَغَلَبَتْ سَلَامَتُهْ ... جَازَتْ لَدَى جُمْهُورِهِمْ رِوَايَتُهْ
(٦٢٥) كَذَلِكَ الضَّرِيرُ وَالْأُمِّيُّ ... لَا يَحْفَظَانِ يَضْبِطُ الْمَرْضِيُّ
(٦٢٦) مَا سَمِعَا وَالْخُلْفُ فِي الضَّرِيرِ ... أَقْوَى وَأَوْلَى مِنْهُ فِي الْبَصِيرِ
[جَوَازُ الرِّوَايَةِ مِنَ الْكُتُبِ الْمَصُونَةِ] :
(صِفَةُ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَأَدَائِهِ) سِوَى مَا تَقَدَّمَ، وَفِيهِ فُصُولٌ: الْأَوَّلُ فِي جَوَازِ اعْتِمَادِ الْمُحَدِّثِ وَلَوْ كَانَ ضَرِيرًا أَوْ أُمِّيًّا الْكِتَابَ الْمَصُونَ، وَلَوْ غَابَ عَنْهُ حَتَّى فِي أَصْلِ السَّمَاعِ وِإِنْ لَمْ يَسْتَحْضِرْهُ.
(وَلْيَرْوِ) الرَّاوِي (مِنْ كِتَابِهِ) الْمُتْقَنِ الْمُقَابَلِ الْمَصُونِ الَّذِي صَحَّ عِنْدَهُ سَمَاعُ مَا تَضَمَّنَهُ مُعْتَمِدًا عَلَيْهِ، (وَإِنْ عَرِي) ; أَيْ: خَلَا (مِنْ حِفْظِهِ) بِحَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ تَفْصِيلَ أَحَادِيثِهِ حَدِيثًا حَدِيثًا، أَوْ كَانَ يَحْفَظُهُ إِلَّا أَنَّهُ سَيِّئُ الْحِفْظِ، (فَـ) ذَاكَ (جَائِزٌ لِلْأَكْثَرِ) مِنَ الْعُلَمَاءِ ; لِأَنَّ الرِّوَايَةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الظَّنِّ الْغَالِبِ لَا الْقَطْعِ، فَإِذَا حَصَلَ كَفَى، وَلَمْ يَضُرَّهُ - كَمَا قَالَ الْحُمَيْدِيُّ - ذَلِكَ إِذَا اقْتَصَرَ عَلَى مَا فِي كِتَابِهِ وَلَمْ يَزِدْ فِيهِ وَلَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ مَا يُغَيِّرُ مَعْنَاهُ، وَلَمْ يَقْبَلِ التَّلْقِينَ إِذَا لَمْ يُرْزَقْ مِنَ الْحِفْظِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ مَا رُزِقَهُ غَيْرُهُ. قَالَ: لِأَنِّي وَجَدْتُ الشُّهُودَ يَخْتَلِفُونَ فِي الْمَعْرِفَةِ بِحَدِّ الشَّهَادَةِ وَيَتَفَاضَلُونَ فِيهَا كَتَفَاضُلِ الْمُحَدِّثِينَ، ثُمَّ لَا أَجِدُ بُدًّا مِنْ إِجَازَةِ شَهَادَتِهِمْ جَمِيعًا.
وَحِينَئِذٍ فَالْمُعَوَّلُ عَلَى الْإِتْقَانِ وَالضَّبْطِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ حَافِظًا، وَلِذَا قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: الْحِفْظُ هُوَ الْإِتْقَانُ.
وَقَالَ مَرْوَانُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَزَارِيُّ: (ثَلَاثَةٌ لَا غَنَاءَ لِلْمُحَدِّثِ عَنْهَا ; الْحِفْظُ وَالصِّدْقُ وَصِحَّةُ
следующие страницы →