← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5963

فتح المغيث بشرح ألفية الحديث

السخاوي

Полный текст (1 419 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

مُعْجَبٍ خَطَا فَيَسْتَفِيدَ مِنْكَ عِلْمًا، وَيَتَّخِذَكَ بِهِ عَدُوًّا. وَقَدْ قِيلَ فِيمَا يُرْوَى عَنْهُ ﷺ : ( «إِنَّ مِنَ الْقَوْلِ عِيَالًا» ) ، هُوَ عَرْضُكَ كَلَامَكَ وَحَدِيثَكَ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ وَلَا يُرِيدُهُ. وَإِذَا أَفَادَكَ أَحَدٌ مِنْ رُفَقَائِكَ وَنَحْوِهِمْ شَيْئًا فَاعْزُ ذَلِكَ إِلَيْهِ، وَلَا تُوهِمُ النَّاسَ أَنَّهُ مِنْ قِبَلِ نَفْسِكَ، فَقَدْ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِيمَا رُوِّينَاهُ فِي (الْمَدْخَلِ) لِلْبَيْهَقِيِّ وَ (الْجَامِعِ) لِلْخَطِيبِ: إِنَّ مِنْ شُكْرِ الْعِلْمِ أَنْ تَجْلِسَ مَعَ الرَّجُلِ فَتُذَاكِرَهُ بِشَيْءٍ لَا تَعْرِفُهُ فَيَذْكُرُهُ لَكَ، ثُمَّ تَرْوِيهِ وَتَقُولُ: إِنَّهُ وَاللَّهِ مَا كَانَ عِنْدِي فِي هَذَا شَيْءٌ حَتَّى سَمِعْتُ فُلَانًا يَقُولُ فِيهِ كَذَا وَكَذَا، فَتَعَلَّمْتُهُ، فَإِذَا فَعَلْتَ ذَلِكَ فَقَدْ شَكَرْتَ الْعِلْمَ. وَسَأَلَ إِنْسَانٌ يُونُسَ بْنَ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : ( «أَقِرُّوا الطَّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا» ) ، فَقَالَ: إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْحَقَّ، إِنَّ الشَّافِعِيَّ كَانَ صَاحِبَ ذَا، سَمِعْتُهُ يَقُولُ فِي تَفْسِيرِهِ: يُقَالُ، وَذَكَرَهُ. وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ رَغْبَةُ مَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي مُجَرَّدِ الْإِرْشَادِ بِالْعِلْمِ مِنْ غَيْرِ مُلَاحَظَةٍ لِعَزْوِهِ إِلَيْهِمْ ; كَالشَّافِعِيِّ

стр. 947

حَيْثُ قَالَ: وَدِدْتُ أَنَّ النَّاسَ تَعَلَّمُوا هَذَا الْعِلْمَ، وَلَا يُنْسَبُ إِلَيَّ مِنْهُ شَيْءٌ. [الْأَخْذُ عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ وَدُونَهُ وَمِثْلُهُ] : (وَاكْتُبِ) حَيْثُ لَزِمْتَ تَرْكَ التَّكَبُّرِ بِالسَّنَدِ عَمَّنْ لَقِيتَهُ (مَا تَسْتَفِيدُهُ) ; أَيِ: الَّذِي تَحْصُلُ لَكَ بِهِ فَائِدَةٌ مِنَ الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ، (عَالِيًا) كَانَ سَنَدُهُ (أَوْ نَازِلًا) عَنْ شَيْخِكَ أَوْ رَفِيقِكَ أَوْ مَنْ دُونَكَ فِي الرِّوَايَةِ أَوِ الدِّرَايَةِ أَوِ السِّنِّ أَوْ فِيهِمَا جَمِيعًا، فَالْفَائِدَةُ ضَالَّةُ الْمُؤْمِنِ حَيْثُمَا وَجَدَهَا الْتَقَطَهَا، بَلْ قَالَ وَكِيعٌ وَسُفْيَانُ: إِنَّهُ لَا يَنْبُلُ الْمُحَدِّثُ حَتَّى يَكْتُبَ عَمَّنْ هُوَ فَوْقَهُ وَمِثْلَهُ وَدُونَهُ. وَكَانَ ابْنُ الْمُبَارَكِ يَكْتُبُ عَمَّنْ دُونَهُ، فَيُقَالُ لَهُ، فَيَقُولُ: لَعَلَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي فِيهَا نَجَاتِي لَمْ تَقَعْ لِي. وَهَكَذَا كَانَتْ سِيرَةُ السَّلَفِ الصَّالِحِ، فَكَمْ مِنْ كَبِيرٍ رَوَى عَنْ صَغِيرٍ كَمَا سَيَأْتِي فِي بَابِهِ، وَأَوْرَدْتُ فِي تَرْجَمَةِ شَيْخِنَا مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ جَمْعٍ مِنْ رُفَقَائِهِ، بَلْ وَتَلَامِذَتِهِ، جُمْلَةً. وَفِي (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كُنْتُ أُقْرِئُ رِجَالًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ; مِنْهُمْ: عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ. وَكَذَا كَانَ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ يَقْرَأُ عَلَى مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ، وَقِيلَ لَهُ: أَتُقْرَأُ عَلَى هَذَا الْغُلَامِ الْخَزْرَجِيِّ؟ فَقَالَ: إِنَّمَا أَهْلَكَنَا التَّكَبُّرُ. وَالْأَصْلُ فِي هَذَا قِرَاءَتُهُ ﷺ مَعَ عَظِيمِ مَنْزِلَتِهِ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ، وَقَالُوا: إِنَّمَا قَرَأَ

стр. 948

عَلَيْهِ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَسْتَذْكِرْ مِنْهُ بِذَلِكَ الْعَرْضِ شَيْئًا ; لِيَتَوَاضَعَ النَّاسُ، وَلَا يَسْتَنْكِفَ الْكَبِيرُ أَنْ يَأْخُذَ الْعِلْمَ عَمَّنْ هُوَ دُونَهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ تَرْغِيبِ الصَّغِيرِ فِي الِازْدِيَادِ إِذَا رَأَى الْكَبِيرَ يَأْخُذُ عَنْهُ، كَمَا يُحْكَى أَنَّ بَعْضَهُمْ سَمِعَ صَبِيًّا فِي مَجْلِسِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ يَذْكُرُ شَيْئًا، فَطَلَبَ الْقَلَمَ وَكَتَبَهُ عَنْهُ، فَلَمْا فَارَقَهُ قَالَ: وَاللَّهِ إِنِّي لِأَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ، وَلَكِنْ أَرَدْتُ أَنْ أُذِيقَهُ حَلَاوَةَ رِيَاسَةِ الْعِلْمِ ; لِيَبْعَثَهُ عَلَى الِاسْتِكْثَارِ. وَوَقَفَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْبَاقِي الْأَنْصَارِيُّ عَلَى جُزْءٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْفَضْلِ الْخُزَاعِيِّ فِيهِ حِكَايَاتٌ مَلِيحَةٌ مِمَّا قَرَأَهُ أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ أَحَدُ تَلَامِذَتِهِ بِالْكُوفَةِ عَلَى الشَّرِيفِ عُمَرِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْحَسَنِيِّ بِإِجَازَتِهِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَلَوِيِّ، فَكَتَبَهُ بِخَطِّهِ ثُمَّ أَمَرَهُ بِإِسْمَاعِهِ لَهُ، فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ هَذَا يَا سَيِّدِي وَأَنَا أَفْتَخِرُ بِالسَّمَاعِ مِنْكَ؟ فَقَالَ لَهُ: ذَاكَ بِحَالَةٍ. قَالَ أَبُو سَعْدٍ: فَقَرَأْتُهُ وَسَمِعَهُ الْقَاضِي مِنِّي مَعَ جَمَاعَةٍ، وَأَمَرَ بِكِتَابَةِ اسْمِهِ فَفَعَلُوا، وَكَتَبَ هُوَ بِخَطِّهِ أَوَّلَ الْجُزْءِ: ثَنَا أَبُو سَعْدٍ السَّمْعَانِيُّ. وَلَا تَأْنَفْ مِنْ تَحْدِيثِكَ عَمَّنْ دُونَكَ، فَقَدَ رُوِّينَا فِي (الْوَصِيَّةِ) لِأَبِي الْقَاسِمِ بْنِ مَنْدَهْ مِنْ طَرِيقِ خَارِجَةَ بْنَ مُصْعَبٍ أَنَّهُ قَالَ: مَنْ سَمِعَ حَدِيثَ مَنْ هُوَ دُونَهُ فَلَمْ يَرْوِهِ فَهُوَ مُرَاءٍ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ فَعَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ. وَفِي رِوَايَةِ الْأَكَابِرِ عَنِ الْأَصَاغِرِ وَالْآبَاءِ عَنِ الْأَبْنَاءِ وَالْأَقْرَانِ لِذَلِكَ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ.

стр. 949

وَتَوَسَّطَ جَمَاعَةٌ فَرَوَوْا عَمَّنْ دُونَهُمْ مَعَ تَغْطِيَتِهِمْ بِنَوْعٍ مِنَ التَّدْلِيسِ، بِحَيْثُ لَا يُمَيِّزُهُمْ إِلَّا الْحَاذِقُ. [غَرَضُ الأخْذِ الْفَائِدَةُ لَا كَثْرَةَ الشُّيُوخِ] وَلْتَكُنَ الْفَائِدَةُ قَصْدَكَ (لَا كَثْرَةَ الشُّيُوخِ) حَالَ كَوْنِهَا (صِيتًا عَاطِلًا) مِنَ الْفَائِدَةِ، بِحَيْثُ تَكُونُ كَمَنْ حَكَى عَنْهُ الْخَطِيبُ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: ضَيِّعْ وَرَقَةً، وَلَا تُضَيِّعَنَّ شَيْخًا. وَهِيَ الطَّرِيقَةُ الَّتِي سَلَكَهَا جُلُّ أَصْحَابِنَا مِنْ طَلَبَةِ شَيْخِنَا فَضْلًا عَمَّنْ دُونَهُمْ ; فَإِنَّهُمُ اعْتَنَوْا بِالتَّكْثِيرِ مِنَ الشُّيُوخِ بِحَيْثُ يَقُولُ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ: أَخَذْتُ عَنْ سِتِّمِائَةٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، دُونَ التَّكْثِيرِ مِنَ الْمَسْمُوعِ، حَتَّى إِنَّهُ يُفَوِّتُ بَعْضَ الْكُتُبِ السِّتَّةِ أُصُولِ الْإِسْلَامِ فَضْلًا عَنْ غَيْرِهَا، هَذَا مَعَ تَصْرِيحِ شَيْخِنَا بِأَنَّ عَكْسَهُ أَوْلَى. وَقَدْ قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ: كَتَبْتُ عَنْ قَيْسِ بْنِ الرَّبِيعِ سِتَّةَ آلَافِ حَدِيثٍ هِيَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ سِتَّةِ آلَافِ دِينَارٍ. وَإِلَيْهِ يُشِيرُ قَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ: وَلَيْسَ بِمُوَفَّقٍ مَنْ ضَيَّعَ شَيْئًا مِنْ وَقْتِهِ فِي الِاسْتِكْثَارِ لِمُجَرَّدِ الْكَثْرَةِ وَصِيتِهَا، عَلَى احْتِمَالِ كَلَامِهِ أَيْضًا غَيْرَ هَذَا، اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَصْدُ الْمُحَدِّثِ تَكْثِيرَ طُرُقِ الْحَدِيثِ، وَجَمْعَ أَطْرَافِهِ، فَيَكْثُرُ شُيُوخُهُ لِذَلِكَ، فَهَذَا لَا بَأْسَ بِهِ. وَمِنْ هُنَا وُصِفَ بِالْإِكْثَارِ مِنَ الشُّيُوخِ خَلْقٌ مِنَ الْحُفَّاظِ ; كَالثَّوْرِيِّ، وَابْنِ الْمُبَارَكِ، وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ، وَيُونُسَ بْنِ مُحَمَّدٍ

стр. 950

الْمُؤَدِّبِ، وَمُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ الْكُدَيْمِيِّ، وَالْبُخَارِيِّ، وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَنْدَهْ، وَكَالْقَاسِمِ بْنِ دَاوُدَ الْبَغْدَادِيِّ قَالَ: كَتَبْتُ عَنْ سِتَّةِ آلَافِ شَيْخٍ. وَمِمَّنْ زَادَتْ شُيُوخُهُ عَلَى أَلْفٍ سِوَى هَؤُلَاءِ: أَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيُّ، وَيَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ، وَالطَّبَرَانِيُّ، وَابْنُ عَدِيٍّ، وَابْنُ حِبَّانَ، وَالْوَلِيدُ بْنُ بَكْرٍ، وَأَبُو الْفِتْيَانِ، وَأَبُو صَالِحٍ الْمُؤَذِّنُ، وَأَبُو سَعْدٍ السَّمَّانُ، كَانَ لَهُ ثَلَاثَةَ آلَافِ شَيْخٍ وَسِتُّمِائَةٍ، وَابْنُ عَسَاكِرَ، وَابْنُ السَّمْعَانِيِّ، وَابْنُ النَّجَّارِ، وَابْنُ الْحَاجِبِ، وَالدِّمْيَاطِيُّ، وَالْقُطْبُ الْحَلَبِيُّ، وَالْبِرْزَالِيُّ، فَشُيُوخُهُ ثَلَاثَةُ آلَافِ شَيْخٍ مِنْهَا أَلْفٌ بِالْإِجَازَةِ، وَعَتِيقُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعُمَرِيُّ الْمِصْرِيُّ، ذَكَرَ أَنَّ شُيُوخَهُ نَيَّفُوا عَنِ الْأَلْفِ، وَالْفَخْرُ، وَعُثْمَانُ التَّوْزَرِيُّ بَلَغَتْ

стр. 951

شُيُوخُهُ نَحْوَ الْأَلْفِ، وَالذَّهَبِيُّ، وَابْنُ رَافِعٍ، وَالْعِزُّ أَبُو عُمَرَ ابْنُ جُمَاعَةَ، وَمَنْ لَا يُحْصَى كَثْرَةً. وَكَمْ فِي جَمْعِ طُرُقِ الْحَدِيثِ مِنْ فَائِدَةٍ أَشَرْتُ لِجُمْلَةٍ مِنْهَا فِي الْبَابِ قَبْلَهُ، وَلِذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: لَوْ لَمْ نَكْتُبِ الْحَدِيثَ مِنْ سِتِّينَ وَجْهًا مَا عَقَلْنَاهُ. وَعَنِ ابْنِ مَعِينٍ مِثْلُهُ، لَكِنْ بِلَفْظِ: ثَلَاثِينَ. وَقَالَ غَيْرُهُمَا: الْبَابُ إِذَا لَمْ تُجْمَعْ طُرُقُهُ لَا يُوقَفُ عَلَى صِحَّةِ الْحَدِيثِ وَلَا عَلَى سَقَمِهِ. وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي ثَالِثِ أَحَادِيثِ (الْعُمْدَةِ) مِنْ شَرْحِهَا: إِذَا اجْتَمَعَتْ طُرُقُ الْحَدِيثِ يُسْتَدَلُّ بِبَعْضِهَا إِلَى بَعْضٍ، وَيُجْمَعُ بَيْنَ مَا يُمْكِنُ جَمْعُهُ، وَيَظْهَرُ بِهِ الْمُرَادُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَسْلَفْتُ شَيْئًا مِنْهُ فِي أَوَاخِرَ الْمُعَلَّلِ. [التقميش ثم التفتيش] (وَمَنْ يَقُلْ) كَأَبِي حَاتِمٍ الرَّازِيِّ، وَكَذَا ابْنُ مَعِينٍ، فِيمَا قَرَأْتُهُ بِخَطِ السِّلَفِيِّ فِي جُزْءٍ لَهُ فِي شَرْطِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الشُّيُوخِ: (إِذَا كَتَبْتَ قَمِّشْ) ; أَيِ: اجْمَعْ مِنْ هَاهُنَا وَمِنْ هَاهُنَا، وَمِنْهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ: قَمَّاشٌ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ: مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَجْمَعُ الْقُمَاشَ، وَهُوَ الْكُنَاسَةَ ; أَيْ: يَرْوِي عَمَّنْ لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا يَسْتَحِقُّ. (ثُمَّ إِذَا رَوَيْتَهُ فَفَتِّشِ فَلَيْسَ) هُوَ (مِنْ ذَا) ; أَيْ: مِنَ الِاسْتِكْثَارِ الْعَاطِلِ، وَلَمْ يُبَيِّنْ مَا الْمُرَادُ بِهِ، وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِأَنْ يَكُونَ أَرَادَ مَا رَوَاهُ السِّلَفِيُّ فِي جُزْءِهِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ قَرِيبًا عَنِ ابْنِ صَاعِدٍ قَالَ: قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ أُورَمَةَ الْأَصْبَهَانِيُّ:

стр. 952

اكْتُبْ عَنْ كُلِّ إِنْسَانٍ، فَإِذَا حَدَّثْتَ فَأَنْتَ بِالْخِيَارِ. وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: حَمَلْتُ عَنْ أَرْبَعَةِ آلَافٍ، وَرَوَيْتُ عَنِ أَلْفٍ. وَصَرَّحَ شَيْخُنَا فِي بَعْضِ مَنْ يَحْمِلُ عَنْهُ مِنْ شُيُوخِهِ بِأَنَّهُ لَا يَسْتَبِيحُ الْأَدَاءَ عَنْهُ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّارِحُ بِقَوْلِهِ: وَكَأَنَّهُ أَرَادَ: اكْتُبِ الْفَائِدَةَ مِمَّنْ سَمِعْتَهَا، وَلَا تُؤَخِّرْ ذَلِكَ حَتَّى تَنْظُرَ فِيمَنْ حَدَّثَكَ أَهْوَ أَهْلٌ أَنْ يُؤْخَذَ عَنْهُ أَمْ لَا، فَرُبَّمَا فَاتَ ذَلِكَ بِمَوْتِ الشَّيْخِ أَوْ سَفَرِهِ أَوْ سَفَرِكَ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُ الرِّوَايَةِ عَنْهُ أَوْ وَقْتُ الْعَمَلِ بِالْمَرْوِيِّ فَفَتِّشْ حِينَئِذٍ. قَالَ: وَقَدْ تَرْجَمَ عَلَيْهِ الْخَطِيبُ: (بَابُ مَنْ قَالَ: يَكْتُبُ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ) ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ اسْتِيعَابَ الْكِتَابِ الْمَسْمُوعِ وَتَرْكَ انْتِخَابِهِ، أَوِ اسْتِيعَابَ مَا عِنْدَ الشَّيْخِ وَقْتَ التَّحَمُّلِ، فَإِذَا كَانَ وَقْتُ الرِّوَايَةِ أَوِ الْعَمَلِ نَظَرَ فِيهِ وَتَأَمَّلَهُ. وَوَقَعَ فِي كَلَامِ ابْنِ مَهْدِيٍّ مَا يُشِيرُ إِلَى الِاحْتِمَالَيْنِ ; فَإِنَّهُ قَالَ: لَا يَكُونُ إِمَامًا مَنْ حَدَّثَ عَنْ كُلِّ مَنْ رَأَى وَلَا بِكُلِّ مَا سَمِعَ. [الِانْتِخَابِ عِنْدَ الضَّرُورَةَ] وَيَشْهَدُ لِلثَّانِي النَّهْيُ عَنِ الِانْتِخَابِ ; لِقَوْلِ ابْنِ الصَّلَاحِ: (وَالْكِتَابَ) ، أَوِ الْجُزْءَ، بِالنَّصْبِ (تَمِّمْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ (سَمَاعَهُ) وَكِتَابَتَهُ، وَ (لَا تَنْتَخِبْهُ تَنْدَمِ) ; فَإِنَّكَ قَدْ تَحْتَاجُ بَعْدَ ذَلِكَ إِلَى رِوَايَةِ شَيْءٍ مِنْهُ، فَلَا تَجِدُهُ فِيمَا انْتَخَبْتَهُ مِنْهُ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: مَا انْتَخَبْتُ عَلَى عَالِمٍ قَطُّ إِلَّا نَدِمْتُ. وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ: مَا جَاءَ مِنْ مُنْتَقٍ خَيْرٌ قَطُّ. وَعَنِ ابْنِ مَعِينٍ قَالَ: سَيَنْدَمُ الْمُنْتَخِبُ فِي الْحَدِيثِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ النَّدَمُ. وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ: صَاحِبُ الِانْتِخَابِ يَنْدَمُ، وَصَاحِبُ النَّسْخِ لَا يَنْدَمُ.

стр. 953

وَقَالَ الْمَجْدُ الصُّرْجَكِيُّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: مَا قَرْمَطْنَا نَدِمْنَا، وَمَا انَتَخَبْنَا نَدِمْنَا، وَمَا لَمْ نُقَابِلْ نَدِمْنَا. وَقَدْ أَشَرْتُ إِلَيْهِ فِي الْمُقَابَلَةِ. وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ: كُنَّا نَكْتُبُ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ، وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يَكْتُبُ كُلَّ مَا سَمِعَ، فَلَمَّا احْتِيجَ إِلَيْهِ عَلِمْتُ أَنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ. وَلَمْ يَقْنَعِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِانْتِخَابِ كُتُبِ غُنْدَرٍ كَمَا فَعَلَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرِهِ، بَلْ قَالَ: مَا أَعْلَمُ أَحَدًا نَسَخَ كُتُبَهُ غَيْرَنَا. (وَ) لَكِنْ (إِنْ يَضِقْ حَالٌ) كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ الْخَطِيبُ (عَنِ اسْتِيعَابِهِ) ; أَيِ: الْكِتَابِ أَوِ الْجُزْءِ ; لِعُسْرِ الشَّيْخِ، أَوْ لِكَوْنِهِ أَوِ الطَّالِبِ وَارِدًا غَيْرَ مُقِيمٍ، فَلَا يَتَّسِعُ الْوَقْتُ لَهُ، أَوْ لِضَيِّقِ يَدِ الطَّالِبِ وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَكَذَا إِنِ اتَّسَعَ مَسْمُوعُهُ بِحَيْثُ تَكُونُ كِتَابَةُ الْكُتُبِ أَوِ الْأَجْزَاءِ كَامِلَةً كَالتِّكْرَارِ، وَاتَّفَقَ شَيْءٌ مِنْهَا (لِعَارِفٍ) ; أَيْ: بِجَوْدَةِ الِانْتِخَابِ، اجْتَهَدَ (وَأَجَادَ فِي انْتِخَابِهِ) بِنَفْسِهِ، فَقَدْ كَانَ النَّاسُ عَلَى ذَلِكَ. (أَوْ) اتَّفَقَ ذَلِكَ لِمَنْ (قَصُرَ) عَنْ مَعْرِفَةِ الِانْتِخَابِ (اسْتَعَانَ) فِي انْتِخَابِ مَا لَهُ فِيهِ غَرَضٌ (ذَا) ; أَيْ: صَاحِبَ، (حِفْظٍ) وَمَعْرِفَةٍ ; (فَقَدْ كَانَ مِنَ الْحُفَّاظِ مَنْ لَهُ) ; أَيْ: لِلِانْتِخَابِ لِرِفَاقِهِ الْمُتَمَيِّزِينَ فَضْلًا عَنِ الْقَاصِرِينَ، (يُعِدْ) ; أَيْ: يُهَيِّئُ بِحَيْثُ يُوَجِّهُ إِلَيْهِ وَيَتَصَدَّى لِفِعْلِهِ ; كَأَبِي زُرْعَةَ الرَّازِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ أُورَمَةَ وَعُبَيْدٍ الْعِجْلِ

стр. 954

وَالْجِعَابِيِّ وَعُمَرَ بْنِ الْحَاجِبِ الْبَصْرِيِّ وَابْنِ الْمُظَفَّرِ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَابْنِ أَبِي الْفَوَارِسِ وَاللَّالِكَائِيِّ ; فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَخِبُونَ عَلَى الشُّيُوخِ، وَالطَّلَبَةُ تَسْمَعُ وَتَكْتُبُ بِانْتِخَابِهِمْ. وَاقْتَفَى مَنْ بَعْدَهُمْ أَثَرَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَى النَّاظِمِ وَتَلَامِذَتِهِ ; كَوَلَدِهِ وَالصَّلَاحِ الْأَقْفَهْسِيِّ وَشَيْخِنَا، ثُمَّ طَلَبَتِهِ ; كَالْجَمَّالِ بْنِ مُوسَى وَمُسْتَمْلِيهِ وَصَاحِبِنَا النَّجْمِ الْهَاشِمِيِّ. وَتَوَسَّعَا فِي ذَلِكَ إِلَى حَدٍّ لَمْ أَرْتَضِهِ مِنْهُمَا، وَإِنْ كُنْتُ سَلَكْتُهُ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِلَّا فَمَتَى لَمْ يَكُنْ عَارِفًا وَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ أَخَلَّ، كَمَا وَقَعَ لِابْنِ مَعِينٍ فِي ابْتِدَاءِ أَمْرِهِ مِمَّا حَكَاهُ عَنْ نَفْسِهِ، قَالَ: دَفَعَ إِلَيَّ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ خَمْسَمِائَةٍ أَوْ سِتَّمِائَةِ حَدِيثٍ، فَانْتَقَيْتُ شِرَارَهَا لِكَوْنِي لَمْ يَكُنْ لِي بِهَا حِينَئِذٍ مَعْرِفَةٌ. وَقَدْ رَأَيْتَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ شَرْطَ الِانْتِخَابِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا لَيْسَ عِنْدَهُ وَعِنْدَ مَنْ يَنْتَخِبُ لَهُمْ، فَذَكَرَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ عُقْدَةَ قَالَ: كُنَّا نَحْضُرُ مَعَ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَعْرُوفِ بِعُبَيْدٍ، وَيُلَقَّبُ أَيْضًا (الْعِجْلَ) ، عِنْدَ الشُّيُوخِ وَهُوَ شَابٌّ، فَيَنْتَخِبُ لَنَا، فَكَانَ إِذَا أَخَذَ الْكِتَابَ كَلَّمْنَاهُ فَلَا يُجِيبُنَا حَتَّى يَفْرَغَ، فَسَأَلْنَاهُ

стр. 955

عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: إِنَّهُ إِذَا مَرَّ حَدِيثُ الصَّحَابِيِّ أَحْتَاجُ أَتَفَكَّرُ فِي مُسْنَدِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، هَلِ الْحَدِيثُ فِيهِ أَمْ لَا؟ فَلَوْ أَجَبْتُكُمْ خَشِيتُ أَنْ أَزِلَ، فَتَقُولُونَ لِي: لِمَ انْتَخَبْتَ هَذَا وَقَدْ حَدَّثَنَا بِهِ فُلَانٌ. (وَعَلَّمُوا) ; أَيْ: مَنِ انْتَخَبَ مِنَ الْأَئِمَّةِ، (فِي الْأَصْلِ) الْمُنْتَخَبِ مِنْهُ مَا انْتَخَبُوهُ ; لِأَجْلِ تَيَسُّرِ مُعَارَضَةِ مَا كَتَبُوهُ بِهِ، أَوْ لِإِمْسَاكِ الشَّيْخِ أَصْلَهُ بِيَدِهِ، أَوْ لِلتَّحْدِيثِ مِنْهُ، أَوْ لِكِتَابَةِ فَرْعٍ آخَرَ مِنْهُ ; حَيْثُ فُقِدَ الْأَوَّلُ، وَاخْتَلَفَ اخْتِيَارُهُمْ فِي كَيْفِيَّتِهِ لِكَوْنِهِ لَا حَجْرَ فِيهِ، فَعَلَّمُوا (إِمَّا خَطَّا) بِالْحُمْرَةِ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ عَرِيضًا فِي الْحَاشِيَةِ الْيُسْرَى كَالدَّارَقُطْنِيِّ، أَوْ صَغِيرًا فِي أَوَّلِ إِسْنَادِ الْحَدِيثِ كَاللَّالَكَائِيِّ. (أَوْ) عَلَّمُوا بِصُورَةِ (هَمْزَتَيْنِ) بِحِبْرٍ فِي الْحَاشِيَةِ الْيُمْنَى ; كَأَبِي الْفَضْلِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ الْفَلَكِيِّ، (أَوْ بِصَادٍ) مَمْدُودَةٍ بِحِبْرٍ فِي الْحَاشِيَةِ أَيْضًا ; كَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ النُّعَيْمِيِّ، (أَوْ بِطَا) مُهْمَلَةٍ مَمْدُودَةٍ كَذَلِكَ ; كَأَبِي مُحَمَّدٍ الْخَلَّالِ، أَوْ بِحَائَيْنِ إِحْدَاهُمَا إِلَى جَنْبِ الْأُخْرَى كَذَلِكَ ; كَمُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ النِّعَالِيِّ، أَوْ بِجِيمٍ فِي الْحَاشِيَةِ الْيُمْنَى كَالْجَمَاعَةِ، أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ. [الِاقْتِصَارُ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ دُونَ فَهْمِهِ] : (وَلَا تَكُنْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ (مُقْتَصِرًا أَنْ تَسْمَعَا) الْحَدِيثَ وَنَحْوَهُ، (وَكَتْبَهُ) بِالنَّصْبِ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّ أَنَّ الْمَصْدَرِيَّةَ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ ; أَيْ: لَا تَقْتَصِرْ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَكَتْبِهِ (مِنْ دُونِ فَهْمٍ) لِمَا

стр. 956

فِي سَنَدِهِ وَمَتْنِهِ (نَفَعَا) ; أَيْ: نَافِعٍ، فَتَكُونَ كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: قَدْ أَتْعَبْتَ نَفْسَكَ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَظْفَرَ بِطَائِلٍ، وَلَا تَحْصُلَ بِذَلِكَ فِي عِدَادِ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْأَمَاثِلِ، بَلْ لَمْ تَزِدْ عَلَى أَنْ صِرْتَ مِنَ الْمُتَشَبِّهِينَ الْمَنْقُوصِينَ الْمُتَحَلِّينَ بِمَا هُمْ مِنْهُ عَاطِلُونَ. وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ غَيْرِهِمْ: إِنَّ الَّذِي يَرْوِي وَلَكِنَّهُ ... يَجْهَلُ مَا يَرْوِي وَمَا يَكْتُبُ كَصَخْرَةٍ تَنْبُعُ أَمْوَاهُهَا ... تَسْقِي الْأَرَاضِيَ وَهْيَ لَا تَشْرَبُ وَقَدْ قَالَ أَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ: الرِّيَاسَةُ فِي الْحَدِيثِ بِلَا دِرَايَةٍ رِيَاسَةُ نَزْلَةٍ. قَالَ: الْخَطِيبُ: هِيَ اجْتِمَاعُ الطَّلَبَةِ عَلَى الرَّاوِي لِلسَّمَاعِ عِنْدَ عُلُوِّ سِنِّهِ، يَعْنِي فَإِنَّ سَنَدَهُ لَا يَعْلُو وَلَا تَقَعُ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ غَالِبًا إِلَّا حِينَ تَقَدُّمِهِ فِي السِّنِّ، قَالَ: فَإِذَا تَمَيَّزَ الطَّالِبُ بِفَهْمِ الْحَدِيثِ وَمَعْرِفَتِهِ تَعَجَّلَ بَرَكَةَ ذَلِكَ فِي شَبِيبِهِ. قَالَ: وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الِاقْتِصَارِ عَلَى سَمَاعِ الْحَدِيثِ وَتَخْلِيدِهِ الصُّحُفَ دُونَ التَّمْيِيزِ بِمَعْرِفَةِ صَحِيحِهِ مِنْ فَاسِدِهِ، وَالْوُقُوفِ عَلَى اخْتِلَافِ وُجُوهِهِ، وَالتَّصَرُّفِ فِي أَنْوَاعِ عُلُومِهِ إِلَّا تَلْقِيبَ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَدَرِيَّةِ مَنْ سَلَكَ تِلْكَ الطَّرِيقَةَ بِالْحَشْوِيَّةِ - يَعْنِي بِإِسْكَانِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِهَا، فَالْأَوَّلُ عَلَى أَنَّهُمْ مِنْ حَشْوِ الطَّلَبَةِ فَلَا يُنْتَفَعُ بِهِمْ، وَالثَّانِي عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُحَشُّونَ فِي حَاشِيَةِ حَلْقَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ - لَوَجَبَ عَلَى الطَّالِبِ الْأَنَفَةُ لِنَفْسِهِ، وَدَفْعُ ذَلِكَ

стр. 957

عَنْهُ وَعَنْ أَبْنَاءِ جِنْسِهِ. انْتَهَى. وَيُرْوَى كَمَا لِأَبِي نُعَيْمٍ فِي (تَارِيخِ أَصْبَهَانَ) مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ آبَائِهِ مَرْفُوعًا: ( «كُونُوا دُرَاةً وَلَا تَكُونُوا رُوَاةً، حَدِيثٌ تَعْرِفُونَ فِقْهَهُ خَيْرٌ مِنْ أَلْفٍ تَرْوُونَهُ» ) . وَأَخْرَجَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي (الْحِلْيَةِ) عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَفَعَهُ أَيْضًا بِلَفْظِ: ( «كُونُوا لِلْعِلْمِ رُعَاةً» ) . وَكَذَا أَخْرَجَهُ غَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَلِلَّهِ دَرُّ الْأَدِيبِ الْفَاضِلِ فَارِسِ بْنِ الْحُسَيْنِ حَيْثُ قَالَ فِيمَا رُوِّينَاهُ مِنْ طَرِيقِهِ: يَا طَالِبَ الْعِلْمِ الَّذِي ... ذَهَبَتْ بِمُدَّتِهِ الرِّوَايَهْ كُنْ فِي الرِّوَايَةِ ذَا الْعِنَايَهْ ... بِالرِّوَايَةِ وَالدِّرَايَهْ وَارْوِ الْقَلِيلَ وَرَاعِهِ ... فَالْعِلْمُ لَيْسَ لَهُ نِهَايَهْ وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِيمَا رُوِّينَاهُ عَنْهُ: وَاظِبْ عَلَى جَمْعِ الْحَدِيثِ وَكَتْبِهِ ... وَاجْهَدْ عَلَى تَصْحِيحِهِ فِي كُتْبِهْ وَاسْمَعْهُ مِنْ أَرْبَابِهِ نَقْلًا كَمَا ... سَمِعُوهُ مِنْ أَشْيَاخِهِمْ تَسْعَدْ بِهِ وَاعْرِفْ ثِقَاتَ رُوَاتِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ ... كَيْمَا تُمَيِّزَ صِدْقَهُ مِنْ كِذْبِهِ فَهُوَ الْمُفَسِّرُ لِلْكِتَابِ وَإِنَّمَا ... نَطَقَ النَّبِيُّ لَنَا بِهِ عَنْ رَبِّهِ وَتَفَهَّمِ الْأَخْبَارَ تَعْرِفْ حِلَّهُ ... مِنْ حُرْمِهِ مَعَ فَرْضِهِ مِنْ نَدْبِهِ وَهُوَ الْمُبَيِّنُ لِلْعِبَادِ بِشَرْحِهِ ... سِيَرَ النَّبِيِّ الْمُصْطَفَى مَعَ صَحْبِهِ

стр. 958

وَتَتَبَّعِ الْعَالِيَ الصَّحِيحَ فَإِنَّهُ ... قُرَبٌ إِلَى الرَّحْمَنِ تَحْظَ بِقُرْبِهِ. وَتَجَنَّبِ التَّصْحِيفَ فِيهِ فَرُبَّمَا ... أَدَّى إِلَى تَحْرِيفِهِ بَلْ قَلْبِهِ وَاتْرُكْ مَقَالَةَ مَنْ لَحَاكَ بِجَهْلِهِ ... عَنْ كَتْبِهِ أَوْ بِدْعَةٍ فِي قَلْبِهِ فَكَفَى الْمُحَدِّثَ رِفْعَةً أَنْ يُرْتَضَى ... وَيُعَدُّ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَحِزْبِهِ [الِاعْتِنَاءُ بِمَعْرِفَةِ عِلْمِ الْحَدِيثِ وَأُصُولِهِ] (٧٢٥) وَاقْرَأْ كِتَابًا فِي عُلُومِ الْأَثَرِ ... كَابْنِ الصَّلَاحِ أَوْ كَذَا الْمُخْتَصَرِ (٧٢٦) وَبِالصَّحِيحَيْنِ ابْدَأَنْ ثُمَّ السُّنَنْ ... وَالْبَيْهَقِي ضَبْطًا وَفَهْمًا ثُمَّ ثَنْ (٧٢٧) بِمَا اقْتَضَتْهُ حَاجَةٌ مِنْ مُسْنَدِ ... أَحْمَدَ وَالْمُوَطَّأِ الْمُمَهَّدِ (٧٢٨) وَعِلَلٍ وَخَيْرُهَا لَأَحْمَدَا ... وَالدَّارَقُطْنِي وَالتَّوَارِيخُ غَدَا (٧٢٩) مِنْ خَيْرِهَا الْكَبِيرُ لِلْجُعْفِيِّ ... وَالْجُرْحُ وَالتَّعْدِيلُ لِلْرَازِيِّ (٧٣٠) وَكُتُبِ الْمُؤْتَلِفِ الْمَشْهُورِ ... وَالْأَكْمَلُ الْإِكْمَالُ لِلْأَمِيرِ (٧٣١) وَاحْفَظْهُ بِالتَّدْرِيجِ ثُمَّ ذَاكِرِ ... بِهِ وَالِاتْقَانَ اصْحَبَنْ وَبَادِرِ (٧٣٢) إِذَا تَأَهَّلْتَ إِلَى التَّأْلِيفِ ... تَمْهَرْ وَتُذْكَرْ وَهْوَ فِي التَّصْنِيفِ (٧٣٣) طَرِيقَتَانِ جَمْعُهُ أَبْوَابَا ... أَوْ مُسْنَدًا تُفْرِدُهُ صِحَابَا (٧٣٤) وَجَمْعُهُ مُعَلَّلَا كَمَا فَعَلْ ... يَعْقُوبُ أَعْلَى رُتْبَةً وَمَا كَمُلْ (٧٣٥) وَجَمَعُوا أَبْوَابًا اوْ شُيُوخًا اوْ ... تَرَاجِمًا أَوْ طُرُقًا وَقَدْ رَأَوْا (٧٣٦) كَرَاهَةَ الْجَمْعِ لِذِي تَقْصِيرِ ... كَذَاكَ الْإِخْرَاجُ بِلَا تَحْرِيرِ [الِاعْتِنَاءُ بِمَعْرِفَةِ عِلْمِ الْحَدِيثِ وَأُصُولِهِ] : (وَاقْرَأْ) أَيُّهَا الطَّالِبُ عِنْدَ شُرُوعِكَ فِي الطَّلَبِ لِهَذَا الشَّأْنِ (كِتَابًا فِي) مَعْرِفَةِ (عُلُومِ الْأَثَرِ) تَعْرِفُ بِهِ أَدَبَ التَّحَمُّلِ، وَكَيْفِيَّةَ الْأَخْذِ وَالطَّلَبِ، وَمَنْ يُؤْخَذُ عَنْهُ، وَسَائِرَ مُصْطَلَحِ أَهْلِهِ، (كَـ) كِتَابِ عُلُومِ الْحَدِيثِ لِلْحَافِظِ الْكَبِيرِ أَبِي عَمْرٍو (ابْنِ الصَّلَاحِ) ، الَّذِي قَالَ فِيهِ مُؤَلِّفُهُ: إِنَّهُ مَدْخَلٌ إِلَى هَذَا

стр. 959

الشَّأْنِ مُفْصِحٌ عَنْ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ، شَارِحٌ لِمُصَنَّفَاتِ أَهْلِهِ وَمَقَاصِدِهِمْ وَمُهِمَّاتِهِمُ الَّتِي يَنْقُصُ الْمُحَدِّثُ بِالْجَهْلِ بِهَا نَقْصًا فَاحِشًا، قَالَ: فَهُوَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ جَدِيرٌ بِأَنْ تُقَدِّمَ الْعِنَايَةُ بِهِ، وَعَلَيْهِ مُعَوَّلُ كُلِّ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ. (أَوْ كَذَا) النَّظْمِ (الْمُخْتَصَرِ) مِنْهُ، الْمُلَخَّصِ فِيهِ مَقَاصِدُهُ مَعَ زِيَادَةِ مَا يُسْتَعْذَبُ كَمَا سَلَفَ فِي الْخُطْبَةِ. وَعَوِّلْ عَلَى شَرْحِهِ هَذَا وَاعْتَمِدْهُ، فَلَا تَرَى نَظِيرَهُ فِي الْإِتْقَانِ وَالْجَمْعِ مَعَ التَّلْخِيصِ وَالتَّحْقِيقِ، نَفَعَ اللَّهُ بِهِ وَصَرَفَ عَنْهُ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ مَعْنَاهُ، وَلَمْ يَلْحَظْ مَغْزَاهُ مِنْ صَالِحٍ وَطَالِحٍ، وَحَاسِدٍ وَنَاصِحٍ، وَصَبِيٍّ جَهُولٍ وَغَبِيٍّ لَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ، مُتَفَهِّمًا لِمَا يَلِيقُ بِخَاطِرِكَ مِنْهَا مِمَّنْ يَكُونُ مُمَارِسًا لِلْفَنِّ مَطْبُوعًا فِيهِ عَامِلًا بِهِ، وَأَلَّا تَكُنْ كَخَابِطِ عَشْوَاءَ رَكِبَ مَتْنَ عَمْيَاءَ. وَذَلِكَ وَاجِبٌ ; لِكَوْنِهِ طَرِيقًا إِلَى مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ. وَإِذَا عَلِمْتَ كَيْفِيَّةَ الطَّلَبِ وَمَا يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ فَلْيَكُنْ مِنْ أَوَّلِ مَا يَنْبَغِي أَنْ تَسْتَعِمَلَهُ شِدَّةُ الْحِرْصِ عَلَى السَّمَاعِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَيْهِ، وَالْمُلَازَمَةِ لِلشُّيُوخِ، وَتَبْتَدِئُ بِسَمَاعِ الْأُمَّهَاتِ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْأَثَرِ وَالْأُصُولِ الْجَامِعَةِ لِلسُّنَنِ كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ. وَهِيَ عَلَى الْأَبْوَابِ وَالْمَسَانِيدِ وَالْمُبَوَّبَةِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ مُتَفَاوِتَةٌ، أَنْفَعُهَا بِالنَّظَرِ ; لِسُرْعَةِ اسْتِخْرَاجِ الْفَائِدَةِ مِنْهَا، فَقَدِّمْهَا، (وَبِالصَّحِيحَيْنِ) لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْهَا (ابْدَأَنْ) ، وَقَدِّمْ أَوَّلَهُمَا لِشِدَّةِ اعْتِنَائِهِ بِاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الَّتِي هِيَ الْقَصْدُ الْأَعْظَمُ، مَعَ تَقَدِّمِهِ وَرُجْحَانِهِ كَمَا سَبَقَ فِي مَحَلِّهِ. إِلَّا إِنْ دَعَتْ ضَرُورَةٌ، كَأَنْ يَكُونَ الرَّاوِي لِ (صَحِيحِ مُسْلِمٍ) انْفَرَدَ بِهِ،

стр. 960

وَيُخْشَى فَوْتُهُ، وَرُوَاةُ (الْبُخَارِيِّ) فِيهِمْ كَثْرَةٌ، كَمَا اتَّفَقَ فِي عَصْرِنَا لِلزَّيْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الزَّرْكَشِيِّ الْحَنْبَلِيِّ آخِرِ مَنْ سَمِعَ (صَحِيحَ مُسْلِمٍ) عَلَى الْبَيَانِيِّ ; فَإِنَّهُ لَوْ حَصَلَ التَّشَاغُلُ عَنْهُ بِـ (صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ) الَّذِي اسْتَمَرَّ بَعْدَهُ فِي الدَّرَجَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا فِي حَيَاتِهِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَرُبَّمَا فَاتَ وَلَا يُوجَدُ مِثْلُهُ. (ثُمَّ) أَرْدِفْهُمَا بِكُتُبِ (السُّنَنْ) الْمُرَاعِي مُصَنِّفُوهَا فِيهَا الِاتِّصَالَ غَالِبًا، وَالْمُقَدَّمُ مِنْهَا كِتَابُ أَبِي دَاوُدَ ; لِكَثْرَةِ مَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ، ثُمَّ كِتَابُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيِّ ; لِيَتَمَرَّنَ فِي كَيْفِيَّةِ الْمَشْيِ فِي الْعِلَلِ، ثُمَّ كِتَابُ أَبِي عِيسَى التِّرْمِذِيِّ ; لِاعْتِنَائِهِ بِالْإِشَارَةِ لِمَا فِي الْبَابِ مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَبَيَانِهِ لِحُكْمِ مَا يُورِدُهُ مِنْ صِحَّةٍ وَحُسْنٍ وَغَيْرِهِمَا. (وَ) يَلِيهَا كِتَابُ (السُّنَنِ) لِلْحَافِظِ الْفَقِيهِ أَبِي بَكْرٍ (الْبَيْهَقِي) ، فَلَا تَحِدْ عَنْهُ ; لِاسْتِيعَابِهِ لِأَكْثَرِ أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ، بَلْ لَا نَعْلَمُ - كَمَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ - فِي بَابِهِ مِثْلَهُ. وَلِذَا كَانَ حَقُّهُ التَّقْدِيمَ عَلَى سَائِرِ كُتُبِ السُّنَنِ، وَلَكِنْ قَدَّمْتُ تِلْكَ لِتَقَدُّمِ مُصَنِّفِيهَا فِي الْوَفَاةِ وَمَزِيدِ جَلَالَتِهِمْ، (ضَبْطًا وَفَهْمًا) ; أَيْ: بِالضَّبْطِ فِي سَمَاعِكَ لِمُشْكِلِهَا، وَالْفَهْمِ لِخَفِيِ مَعَانِيهَا، بِحَيْثُ إِنَّكَ كُلَّمَا مَرَّ بِكَ اسْمٌ مُشْكِلٌ أَوْ كَلِمَةٌ مِنْ حَدِيثٍ مُشْكِلَةٍ تَبْحَثُ عَنْهَا، وَتُودِعُهَا قَلْبَكَ، فَبِذَلِكَ يَجْتَمِعُ لَكَ عِلْمٌ كَثِيرٌ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ.

стр. 961

وَكَذَا اعْتَنِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُبَوَّبَةِ بِسَمَاعِ الصِّحَاحِ لِابْنِ خُزَيْمَةَ، وَلَمْ يُوجَدْ تَامَّا، وَلِابْنِ حِبَّانَ، وَلِأَبِي عَوَانَةَ، وَبِسَمَاعِ الْجَامِعِ الْمَشْهُورِ بِـ (الْمُسْنَدِ) لِلدَّارِمِيِّ (وَالسُّنَنِ) لِإِمَامِنَا الشَّافِعِيِّ مَعَ مُسْنَدِهِ، وَهُوَ عَلَى الْأَبْوَابِ، وَ (السُّنَنِ الْكُبْرَى) لِلنَّسَائِيِّ ; لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنَ الزِّيَادَاتِ عَلَى تِلْكَ، وَ (السُّنَنِ) لِابْنِ مَاجَهْ وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ، وَبِـ (شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ) لِلطَّحَاوِيِّ. (ثُمَّ ثَنْ بِـ) سَمَاعِ (مَا اقْتَضَتْهُ حَاجَةٌ مِنْ) كُتُبِ الْمَسَانِيدِ كَبِيرِهَا وَصَغِيرِهَا ; كَـ (مُسْنَدِ) الْإِمَامِ (أَحْمَدَ) وَأَبِي دَاوُدَ الطَّيَالِسِيِّ وَعَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَالْحُمَيْدِيِّ وَالْعَدَنِيِّ وَمُسَدَّدٍ وَأَبِي يَعْلَى وَالْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ، وَالْأَحَادِيثُ فِيهَا أَعْلَى مِنْهَا فِي الَّتِي قَبِلَهَا غَالِبًا. وَكَذَا بِمَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إِلَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ عَلَى الْأَبْوَابِ أَيْضًا، لَكِنْ كَثُرَ فِيهَا الْإِيرَادُ لِغَيْرِ الْمُسْنَدِ، كَالْمُرْسَلِ وَشِبْهِهِ، مَعَ كَوْنِهَا سَابِقَةً لِتِلْكَ فِي الْوَضْعِ ; (كَمُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ) وَ (السُّنَنِ لِسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ) وَ (الْمُوَطَّأِ الْمُمَهَّدِ) لِمُقْتَفِي السُّنَّةِ لِلْإِمَامِ مَالِكٍ الَّذِي قَالَ أَبُو خُلَيْدٍ عُتْبَةُ بْنُ حَمَّادٍ: إِنَّهُ لَمَّا عَرَضَهُ عَلَى مُؤَلِّفِهِ فِي أَرْبَعَةِ أَيْامٍ قَالَ لَهُ: عِلْمٌ جَمَعْتُهُ فِي سِتِّينَ سَنَةً أَخَذْتُمُوهُ فِي أَرْبَعَةِ أَيْامٍ، وَاللَّهِ لَا يَنْفَعُكُمُ اللَّهُ بِهِ أَبَدًا، وَفِي لَفْظٍ: لَا فَقِهْتُمْ أَبَدًا. رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي (الْحِلْيَةِ) . وَكَكُتُبِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَسَعِيدِ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَهُشَيْمٍ وَابْنِ وَهْبٍ وَالْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَوَكِيعٍ، وَ (الْمُوَطَّأُ) قَالَ فِيهِ الشَّافِعِيُّ مَا قَدَّمْنَا فِي أَصَحِ كُتُبِ الْحَدِيثِ، وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْخَطِيبِ: إِنَّهُ الْمُقَدَّمُ فِي هَذَا النَّوْعِ، فَيَجِبُ الِابْتِدَاءُ بِهِ.

стр. 962

قُلْتُ: وَإِنَّمَا سَمَّاهُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَرَضَهُ عَلَى بِضْعَةَ عَشَرَ تَابِعِيًّا، فَكُلُّهُمْ وَاطَأَهُ عَلَى صِحَّتِهِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الطَّحَّانِ فِي (تَارِيخِ الْمِصْرِيِّينَ) لَهُ نَقْلًا عَنِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْ غَيْرِهِ مِمَّا جُرِّبَ أَنَّ الْحَامِلَ إِذَا أَمْسَكَتْهُ بِيَدِهَا تَضَعُ فِي الْحَالِ. ثُمَّ بِالْمُحْتَاجِ إِلَيْهِ مِنَ التَّصَانِيفِ الْمُفْرَدَةِ فِي أَبْوَابٍ مَخْصُوصَةٍ ; كَالطَّهَارَةِ وَالزَّكَاةِ وَالزُّهْدِ وَالرَّقَائِقِ وَالْأَدَبِ وَالْفَضَائِلِ وَالسِّيَرِ، وَذَلِكَ لَا يَنْحَصِرُ كَثْرَةً، وَكَذَا مِنَ الْمَعَاجِمِ الَّتِي عَلَى الصَّحَابَةِ وَالَّتِي عَلَى الشُّيُوخِ، وَالْفَوَائِدِ النَّثْرِيَّةِ، وَالْأَجْزَاءِ الْحَدِيثِيَّةِ، وَالْأَرْبَعِينِيَّاتِ، وَقَدِّمْ مِنْهُ الْأَعْلَى فَالْأَعْلَى، وَذَلِكَ لَا يُمَيِّزُهُ إِلَّا النُّبَهَاءُ، وَمَا أَكْثَرَ مَا يَقَعُ فِيهِ مِنَ الْفَوَائِدِ وَالزَّوَائِدِ، وَكُلُّ مَا سَمَّيْتُهُ فَأَكْثَرُهُ بِحَمْدِ اللَّهِ لِي مَسْمُوعٌ، وَمَا لَمْ أُسَمِّهِ فَعِنْدِي بِالسَّمَاعِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنْهُ مَا يَفُوقُ الْوَصْفَ. [كُتُبُ الْعِلَلَ وَأَهَمَّهَا] : (وَ) اعْتَنِ بِمَا اقْتَضَتْهُ الْحَاجَةُ مِنْ كُتُبِ (عِلَلٍ) ; كَـ (الْعِلَلِ) عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ رِوَايَةَ ابْنِ الْمَدِينِيِّ عَنْهُ، وَلِأَحْمَدَ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَابْنِ أَبِي حَاتِمٍ وَالتِّرْمِذِيِّ، وَشَرَحَهَا ابْنُ رَجَبٍ، وَ (عِلَلِ الْخَلَّالِ) وَأَبِي بَكْرٍ الْأَثْرَمِ، مَعَ ضَمِّهِ لِذَلِكَ مَعْرِفَةَ الرِّجَالِ، وَأَبِي بِشْرٍ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَالدَّارَقُطْنِيِّ وَأَبِي عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيِّ، وَ (التَّمْيِيزِ) لِمُسْلِمٍ، (وَخَيْرُهَا لِأَحْمَدَا) وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، وَكِتَابُهُ فِي مُجَلَّدٍ ضَخْمٍ مُرَتَّبٍ عَلَى الْأَبْوَابِ، وَقَدْ شَرَعَ الْحَافِظُ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي فِي شَرْحِهِ، فَاخْتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ بَعْدَ أَنْ كَتَبَ مِنْهُ مُجَلَّدًا عَلَى يَسِيرٍ مِنْهُ. (وَ) لِأَبِي الْحَسَنِ (الدَّارَقُطْنِي) ، وَهُوَ عَلَى الْمَسَانِيدِ مَعَ أَنَّهُ أَجْمَعُهَا، وَلَيْسَ مِنْ جَمْعِهِ، بَلِ الْجَامِعُ لَهُ تِلْمِيذُهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ ; لِأَنَّهُ كَانَ يَسْأَلُهُ عَنْ عِلَلِ

стр. 963

الْأَحَادِيثِ، فَيُجِيبُهُ عَنْهَا بِمَا يُقَيِّدُهُ عَنْهُ بِالْكِتَابَةِ، فَلَمَّا مَاتَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَجَدَ الْبَرْقَانِيُّ قِمَطْرَهُ امْتَلَأَ مِنْ صُكُوكٍ تِلْكَ الْأَجْوِبَةِ، فَاسْتَخْرَجَهَا وَجَمَعَهَا فِي تَأْلِيفٍ نَسَبَهُ لِشَيْخِهِ. ذَكَرَ ذَلِكَ الْحَافِظُ أَبُو الْوَلِيدِ بْنُ خِيَرَةَ فِي تَرْجَمَةِ أُسْتَاذِهِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ مِنْ بِرْنَامِجِ شُيُوخِهِ، قَالَ: وَمِثْلُ هَذَا يُذْكَرُ فِي (الْبَارِعِ) فِي اللُّغَةِ لِأَبِي عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيِّ ; فَإِنَّهُ جَمَعَهُ بِخَطِّهِ مِنْ صُكُوكٍ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ أَخْرَجَهُ أَصْحَابُهُ وَنَسَبُوهُ إِلَيْهِ. عَلَى أَنَّ الْحَافِظَ أَبَا الْفَضْلِ بْنِ طَاهِرٍ قَالَ فِي (فَوَائِدِ الرِّحْلَةِ) لَهُ: سَمِعْتُ الْإِمَامَ أَبِي (٢) الْفَتْحِ نَصْرَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْمَقْدِسِيَّ يَقُولُ: إِنَّ كِتَابَ (الْعِلَلَ) الَّذِي خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ إِنَّمَا اسْتَخْرَجَهُ مِنْ كِتَابِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ، يَعْنِي الْآتِي ذِكْرُهُ، وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِعَدَمِ وُجُودِ مُسْنَدِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِيهِمَا. لَكِنْ قَدْ تَعَقَّبَ شَيْخُنَا ﵀ هَذَا بِقَوْلِهِ: هَذَا الِاسْتِدْلَالُ لَا يُثْبِتُ الْمُدَّعَى، وَمَنْ تَأَمَّلَ (الْعِلَلَ) عَرَفَ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ الشَّيْخُ نَصْرٌ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ، بَلْ يُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ نَظَرَ فِي عِلَلِ يَعْقُوبَ أَصْلًا، قَالَ: وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا قُلْتُهُ أَنَّهُ يَذْكُرُ كَثِيرًا مِنَ الِاخْتِلَافِ إِلَى شُيُوخِهِ أَوْ شُيُوخِ شُيُوخِهِ الَّذِينَ

стр. 964

لَمْ يُدْرِكْهُمْ يَعْقُوبُ، وَيَسُوقُ كَثِيرًا بِأَسَانِيدِهِ. قُلْتُ: وَلَيْسَ ذَلِكَ بِلَازِمٍ أَيْضًا. وَقَدْ أَفْرَدَ شَيْخُنَا مِنْ هَذَا الْكِتَابِ مَا لَهُ لَقَبٌ خَاصٌّ ; كَالْمَقْلُوبِ وَالْمُدْرَجِ وَالْمَوْقُوفِ، فَجَعَلَ كُلًّا مِنْهَا فِي تَصْنِيفٍ مُفْرَدٍ، وَجَعَلَ الْعِلَلَ الْمُجَرَّدَةَ فِي تَصْنِيفٍ مُسْتَقِلٍّ. وَأَمَّا أَنَا فَشَرَعْتُ فِي تَلْخِيصِ جَمِيعِ الْكِتَابِ مَعَ زِيَادَاتٍ وَعَزْوٍ، فَانْتَهَى مِنْهُ الرُّبْعُ، يَسَّرَ اللَّهُ إِكْمَالَهُ. هَذَا كُلُّهُ مَعَ عَدَمِ وُقُوعِهِ هُوَ وَغَيْرِهِ مِنْ كُتُبِ الْعِلَلِ لِي بِالسَّمَاعِ، بَلْ وَلَا لِشَيْخِي مِنْ قَبْلِي، بَلَى أَرْوِي كِتَابَ الدَّارَقُطْنِيِّ بِسَنَدٍ عَالٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْخَلِيلِيِّ عَنِ الصَّدْرِ الْمَيْدُومِيِّ عَنْ أَبِي عِيسَى بْنِ عَلَّاقٍ عَنْ فَاطِمَةَ ابْنَةِ سَعْدِ الْخَيْرِ الْأَنْصَارِيِّ قَالَتْ: أَنَا بِهِ أَبِي وَأَنَا فِي الْخَامِسَةِ، أَنَا بِهِ أَبُو غَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَاقِلَّانِيُّ عَنِ الْبَرْقَانِيِّ وَأَبِي الْقَاسِمِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الصَّيْرَفِيِّ ; لِسَمَاعِهِمَا مِنَ الدَّارَقُطْنِيِّ. [ذِكْرُ أَفْضَلِ كُتُبِ التَّارِيخِ] : (وَ) كَذَا اعْتَنِ بِمَا اقْتَضَتْهُ حَاجَةٌ مِنْ كُتُبِ (التَّوَارِيخُ) لِلْمُحَدِّثِينَ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْكَلَامِ فِي أَحْوَالِ الرُّوَاةِ كَابْنِ مَعِينٍ رِوَايَةَ كُلٍّ مِنْ

стр. 965

الْحُسَيْنِ بْنِ حِبَّانَ وَعَبَاسٍ الدُّورِيِّ وَالْمُفَضَّلِ بْنِ غَسَّانَ الْغَلَّابِيِّ عَنْهُ، وَكَأَبِي خَلِيفَةَ وَأَبِي حَسَّانَ الزِّيَادِيِّ وَيَعْقُوبَ الْفَسَوِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ وَأَبِي زُرْعَةَ الدِّمِشْقِيِّ وَحَنْبَلِ بْنِ إِسْحَاقَ وَالسَّرَّاجِ، الَّتِي (غَدَا مِنْ خَيْرِهَا) التَّارِيخُ (الْكَبِيرُ) بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَوْسَطَ وَصَغِيرٍ (لِلْجُعْفِيِّ) بِضَمِ الْجِيمِ ; نِسْبَةً لِجَدِّ أَبِيهِ الْمُغِيرَةِ ; لِكَوْنِهِ كَانَ مَوْلًى لِيَمَانٍ الْجُعْفِيِّ، وَإِلَى بُخَارَى هُوَ إِمَامُ الصَّنْعَةِ الْبُخَارِيُّ ; فَإِنَّهُ كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ: يُرْبِي عَلَى هَذِهِ الْكُتُبِ كُلِّهَا. وَقَدْ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عُقْدَةَ: لَوْ أَنَّ رَجُلًا كَتَبَ ثَلَاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ لَمَا اسْتَغْنَى عَنْ (تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ) ، وَكَـ (تَارِيخِ مِصْرَ) لِابْنِ يُونُسَ، وَالذَّيْلِ عَلَيْهِ، وَبَغْدَادَ لِلْخَطِيبِ وَالذُّيُولِ عَلَيْهِ، وَدِمَشْقَ لِابْنِ عَسَاكِرَ، وَنَيْسَابُورَ لِلْحَاكِمِ، وَالذَّيْلِ عَلَيْهِ، وَأَصْبَهَانَ لِأَبِي نُعَيْمٍ، وَهِيَ مِنْ مُهِمَّاتِ التَّوَارِيخِ ; لِمَا يَقَعُ فِيهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالنَّوَادِرِ. (وَ) مِنْ خَيْرِهَا أَيْضًا (الْجَرْحُ وَالتَّعْدِيلُ لِلرَّازِيِّ) ، هُوَ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ الَّذِي اقْتَفَى فِيهِ أَثَرَ الْبُخَارِيِّ، كَمَا حَكَاهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ فِي تَرْجَمَةِ شَيْخِهِ الْحَاكِمِ أَبِي أَحْمَدَ مِنْ (تَارِيخِ نَيْسَابُورَ) ، أَنَّ أَبَا أَحْمَدَ قَالَ: كُنْتُ بِالرَّيِّ وَهُمْ يَقرَؤُونَ عَلَى ابْنِ أَبِي حَاتِمٍ، يَعْنِي كِتَابَهُ هَذَا، فَقُلْتُ لِابْنِ عَبْدَوَيْهِ الْوَرَّاقِ: هَذِهِ ضَحْكَةٌ، أَرَاكُمْ تَقْرَؤُونَ عَلَى شَيْخِكُمْ كِتَابَ (التَّارِيخِ لِلْبُخَارِيِّ) عَلَى الْوَجْهِ، وَقَدْ نَسَبْتُمُوهُ إِلَى أَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي حَاتِمٍ، فَقَالَ: يَا أَبَا أَحْمَدَ، اعْلَمْ أَنَّ أَبَا زُرْعَةَ وَأَبَا حَاتِمٍ لَمَّا حُمِلَ إِلَيْهِمَا (تَارِيخُ الْبُخَارِيِّ) قَالَا: هَذَا عِلْمٌ لَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ، وَلَا يَحْسُنُ بِنَا أَنْ نَذْكُرَهُ عَنْ غَيْرِنَا، فَأَقْعَدَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، يَعْنِي ابْنَ أَبِي حَاتِمٍ، فَصَارَ يَسْأَلُهُمَا عَنْ

стр. 966

رَجُلٍ بَعْدَ رَجُلٍ، وَهُمَا يُجِيبَانِهِ، وَزَادَا فِيهِ وَنَقَصَا، انْتَهَى، وَالْبَلَاءُ قَدِيمٌ. [ذِكْرُ أَجْوَدَ كُتُبِ ضَبْطِ الْمُشَكَّلِ] : (وَ) كَذَا اعْتَنِ بِمَا يَقْتَضِيهِ الْحَاجَةُ مِنْ (كُتُبِ الْمُؤْتَلِفِ) وَالْمُخْتَلِفِ النَّوْعِ (الْمَشْهُورِ) مِنَ الْمُحَدِّثِينَ الْآتِي فِي مَحَلِّهِ مَعَ بَيَانِ التَّصَانِيفِ الَّتِي فِيهِ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ، (وَالْأَكْمَلُ) مِنْهَا بِالنِّسْبَةِ لِمَنْ تَقَدَّمَهُ (الْإِكْمَالُ لِلْأَمِيرِ) الْمُلَقَّبِ بِذَلِكَ، وَبِالْوَزِيرِ سَعْدِ الْمُلْكِ ; لِكَوْنِ أَبِيهِ كَانَ وَزَرَ لِلْخَلِيفَةِ الْقَائِمِ، وَوَلِيَ عَمُّهُ قَضَاءَ الْقُضَاةِ، وَتَوَجَّهَ هُوَ رَسُولًا عَنِ الْمُقْتَدِي بِأَمْرِ اللَّهِ إِلَى سَمَرْقَنْدَ وَبُخَارَى لِأَخْذِ الْبَيْعَةِ لَهُ عَلَى مَلِكِهَا، وَاسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَلِيٍّ أَبُو نَصْرِ بْنِ مَاكُولَا، قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: عَلَى إِعْوَازٍ فِيهِ. كُلُّ ذَلِكَ مَعَ الضَّبْطِ وَالْفَهْمِ كَمَا تَقَدَّمَ. [حِفْظُ الْكُتُبِ وَالْمُذَاكَرَةِ بَعْدَهُ] : (وَاحْفَظْهُ) ; أَيِ: الْحَدِيثَ، (بِالتَّدْرِيجِ) قَلِيلًا قَلِيلًا مَعَ الْأَيْامِ وَاللَّيَالِي، فَذَلِكَ أَحْرَى بِأَنْ تُمَتَّعَ بِمَحْفُوظِكَ، أَوْ أَدْعَى لِعَدَمِ نِسْيَانِهِ، وَلَا تَنْشُرْهُ فِي كَثْرَةِ كَمِّيَّةِ الْمَحْفُوظِ مَعَ قِلَّةِ مَرَّاتِ الدَّرْسِ وَقِلَّةِ الزَّمَانِ الَّذِي هُوَ ظَرْفُ الْمَحْفُوظِ. وَكَذَا لَا تَأْخُذْ نَفْسَكَ بِمَا لَا طَاقَةَ لَكَ بِهِ، بَلِ اقْتَصِرْ عَلَى الْيَسِيرِ الَّذِي تَضْبِطُهُ وَتُحْكِمُ حِفْظَهُ وَإِتْقَانَهُ ; لِقَوْلِهِ ﷺ : ( «خُذُوا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا تُطِيقُونَ» ) . وَلِذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ: كُنْتُ آتِي الْأَعْمَشَ وَمَنْصُورًا فَأَسْمَعُ أَرْبَعَةَ

стр. 967

أَحَادِيثَ خَمْسَةً، ثُمَّ أَنْصَرِفُ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَكْثُرَ وَتُفْلِتَ. رُوِّينَاهُ فِي (الْجَامِعِ) لِلْخَطِيبِ. وَعِنْدَهُ عَنْ شُعْبَةَ وَابْنِ عُلَيَّةَ وَمَعْمَرٍ نَحْوُهُ. وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ جُمْلَةً فَاتَهُ جُمْلَةً، وَإِنَّمَا يُدْرِكُ الْعِلْمُ حَدِيثٌ وَحَدِيثَانِ. وَعَنْهُ أَيْضًا قَالَ: إِنَّ هَذَا الْعِلْمَ إِنْ أَخَذْتَهُ بِالْمُكَاثَرَةِ لَهُ غَلَبَكَ، وَلَكِنْ خُذْهُ مَعَ الْأَيْامِ وَاللَّيَالِي أَخْذًا رَفِيقًا تَظْفَرْ بِهِ. (ثُمَّ) بَعْدَ حِفْظِكَ لَهُ (ذَاكِرْ بِهِ) الطَّلَبَةَ وَنَحْوَهُمْ، فَإِنْ لَمْ تَجِدْ مَنْ تُذَاكِرُهُ فَذَاكِرْ مَعَ نَفْسِكَ، وَكَرِّرْهُ عَلَى قَلْبِكَ، فَالْمُذَاكَرَةُ تُعِينُكَ عَلَى ثُبُوتِ الْمَحْفُوظِ، وَهِيَ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ الِانْتِفَاعِ بِهِ. وَالْأَصْلُ فِيهَا مُعَارَضَةُ جِبْرِيلَ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ رَمَضَانَ، وَيُرْوَى عَنْ أَنَسٍ قَالَ: ( «كُنَّا نَكُونُ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَسْمَعُ مِنْهُ الْحَدِيثَ، فَإِذَا قُمْنَا تَذَاكَرْنَاهُ فِيمَا بَيْنَنَا حَتَّى نَحْفَظَهُ» ) . وَفِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ: ( «أَنَّ الْمُؤْمِنَ نَسَّاءٌ إِذَا ذُكِّرَ ذَكَرَ» ) . وَقَالَ عَلِيٌّ: (تَذَاكَرُوا هَذَا الْحَدِيثَ، إِنْ لَا تَفْعَلُوا يَدْرُسْ) ، وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: (تَذَاكَرُوا الْحَدِيثَ ; فَإِنَّ حَيَاتَهُ مُذَاكَرَتُهُ) ، وَنَحْوُهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ

стр. 968

الْخُدْرِيِّ وَابْنِ عَبَّاسٍ. وَقَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ: ذَاكِرْ بِعِلْمِكَ تَذْكُرُ مَا عِنْدَكَ، وَتَسْتَفِيدُ مَا لَيْسَ عِنْدَكَ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُعْتَزِّ: مَنْ أَكْثَرَ مُذَاكَرَةَ الْعُلَمَاءِ لَمْ يَنْسَ مَا عَلِمَ، وَاسْتَفَادَ مَا لَمْ يَعْلَمْ. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ: مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَحْفَظَ الْحَدِيثَ فَلْيُحَدِّثْ بِهِ، وَلَوْ أَنْ يُحَدِّثَ بِهِ مَنْ لَا يَشْتَهِيهِ. وَقَدْ كَانَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ رَجَاءٍ يَجْمَعُ صِبْيَانَ الْكِتَابِ، وَيُحَدِّثُهُمْ كَيْ لَا يَنْسَى حَدِيثَهُ. وَنَحْوُهُ مَا اعْتَذَرَ بِهِ ابْنُ الْمَجْدِيِّ عَنِ الْقَايَاتِيِّ فِي إِقْرَائِهِ مُشْكِلَ الْكُتُبِ لِلْمُبْتَدِئِينَ، أَنَّ ذَلِكَ لِئَلَّا يَنْفَكَّ إِدْمَانُهُ فِي تَقْرِيرِهَا. وَقِيلَ: حُبُّ التَّذَاكُرِ أَنْفَعُ مِنْ حُبِ الْبَلَاذِرِ. وَقِيلَ أَيْضًا: حِفْظُ سَطْرَيْنِ خَيْرٌ مِنْ كِتَابَةِ وِقْرَيْنِ، وَخَيْرٌ مِنْهُمَا مُذَاكَرَةُ اثْنَيْنِ. وَلِبَعْضِهِمْ: مَنْ حَازَ الْعِلْمَ وَذَاكَرَهُ ... صَلَحَتْ دُنْيَاهُ وَآخِرَتُهْ فَأَدِمْ لِلْعِلْمِ مُذَاكَرَةً ... فَحَيَاةُ الْعِلْمِ مُذَاكَرَتُهْ

стр. 969

(وَ) لَا تَتَسَاهَلَنَّ فِي الْمُذَاكَرَةِ، بَلْ (الِاتْقَانَ) بِالنَّصْبِ مَفْعُولٌ مُقَدَّمٌ، فِيهَا وَفِي شَأْنِكَ كُلِّهِ (اصْحَبَنْ) بِنُونِ التَّأْكِيدِ الْخَفِيفَةِ، فَالْحِفْظُ - كَمَا قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ - الْإِتْقَانُ. [مَعْنَى التَّأْلِيفِ وَفَوَائِدِهِ] : (وَبَادِرْ إِذَا تَأَهَّلْتَ) وَاسْتَعْدَدْتَ (إِلَى التَّألِيفِ) الَّذِي هُوَ أَعَمُّ مِنَ التَّخْرِيجِ وَالتَّصْنِيفِ وَالِانْتِقَاءِ ; إِذِ التَّأْلِيفُ مُطْلَقُ الضَّمِّ، وَالتَّخْرِيجُ إِخْرَاجُ الْمُحَدِّثِ الْأَحَادِيثَ مِنْ بُطُونِ الْأَجْزَاءِ وَالْمَشْيَخَاتِ وَالْكُتُبِ وَنَحْوِهَا، وَسِيَاقُهَا مِنْ مَرْوِيَّاتِ نَفْسِهِ أَوْ بَعْضِ شُيُوخِهِ أَوْ أَقْرَانِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، وَالْكَلَامُ عَلَيْهَا وَعَزْوُهَا لِمَنْ رَوَاهَا مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ وَالدَّوَاوِينِ مَعَ بَيَانِ الْبَدَلِ وَالْمُوَافَقَةِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا سَيَأْتِي تَعْرِيفُهُ، وَقَدْ يُتَوَسَّعُ فِي إِطْلَاقِهِ عَلَى مُجَرَّدِ الْإِخْرَاجِ وَالْعَزْوِ. وَالتَّصْنِيفُ جَعْلُ كُلِّ صِنْفٍ عَلَى حِدَةٍ، وَالِانْتِقَاءُ الْتِقَاطُ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنَ الْكُتُبِ وَالْمَسَانِيدِ وَنَحْوِهَا مَعَ اسْتِعْمَالِ كُلٍّ مِنْهَا عُرْفًا مَكَانَ الْآخَرِ، فَبِاشْتِغَالِكَ بِالتَّأْلِيفِ (تَمْهَرْ) - بِالْجَزْمِ مَعَ مَا بَعْدَهُ جَوَابًا لِلشَّرْطِ الْمَنْوِيِّ فِي الْأَمْرِ - فِي الصِّنَاعَةِ، وَتَقِفْ عَلَى غَوَامِضِهَا، وَتَسْتَبِنْ لَكَ الْخَفِيَّ مِنْ فَوَائِدِهَا، (وَتُذْكَرْ) بِذَلِكَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَالْمُحَصِّلِينَ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ، وَيُرْجَى لَكَ بِالنِّيَّةِ الصَّادِقَةِ الرُّقِيُّ إِلَى أَوْجِ الْمَنَافِعِ الْعَظِيمَةِ وَالدَّرَجَاتِ الْعَلِيَّةِ الْجَسِيمَةِ. وَقَدْ قَالَ الْخَطِيبُ، كَمَا رُوِّينَاهُ فِي جَامِعِهِ: قَلَّمَا يَتَمَهَّرُ فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ، وَيَقِفُ عَلَى غَوَامِضِهِ، وَيَسْتَبِينُ الْخَفِيَّ مِنْ فَوَائِدِهِ إِلَّا مَنْ جَمَعَ مُتَفَرِّقَهُ، وَأَلَّفَ

стр. 970

مُشَتَّتَهُ، وَضَمَّ بَعْضَهُ إِلَى بَعْضٍ، وَاشْتَغَلَ بِتَصْنِيفِ أَبْوَابِهِ وَتَرْتِيبِ أَصْنَافِهِ ; فَإِنَّ ذَلِكَ الْفِعْلَ مِمَّا يُقَوِّي النَّفْسَ، وَيُثَبِّتُ الْحِفْظَ، وَيُذَكِّي الْقَلْبَ، وَيُشْحِذُ الطَّبْعَ، وَيَبْسُطُ اللِّسَانَ، وَيُجِيدُ الْبَنَانَ، وَيَكْشِفُ الْمُشْتَبِهَ، وَيُوَضِّحُ الْمُلْتَبِسَ، وَيُكْسِبُ أَيْضًا جَمِيلَ الذِّكْرِ، وَتَخْلِيدَهُ إِلَى آخِرِ الدَّهْرِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: يَمُوتُ قَوْمٌ فَيُحْيِي الْعِلْمُ ذِكْرَهُمُ ... وَالْجَهْلُ يُلْحِقُ أَحْيَاءً بِأَمْوَاتِ انْتَهَى. وَنَحْوُهُ قَوْلُ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَصْرِيِّ: الْعِلْمُ أَفْضَلُ شَيْءٍ أَنْتَ كَاسِبُهُ ... فَكُنْ لَهُ طَالِبًا مَا عِشْتَ مُكْتَسِبَا وَالْجَاهِلُ الْحَيُّ مَيْتٌ حِينَ تَنْسُبُهُ وَالْعَالِمُ الْمَيِّتُ حَيٌّ كُلَّمَا نُسِبَا وَمَا أَحْسَنَ قَوْلَ التَّاجِ السُّبْكِيِّ: الْعَالِمُ وَإِنِ امْتَدَّ بَاعُهُ، وَاشْتَدَّ فِي مَيَادِينِ الْجِدَالِ دِفَاعُهُ، وَاسْتَدَّ سَاعِدُهُ حَتَّى خَرَقَ بِهِ كُلَّ سَدٍّ سَدَّ بَابَهُ، وَأَحْكَمَ امْتِنَاعَهُ، فَنَفْعُهُ قَاصِرٌ عَلَى مُدَّةِ حَيَاتِهِ، مَا لَمْ يُصَنِّفْ كِتَابًا يَخْلُدُ بَعْدَهُ، أَوْ يُورِقْ عِلْمًا يَنْقُلُهُ عَنْهُ تِلْمِيذٌ إِذَا وَجَدَ النَّاسُ فَقْدَهُ، أَوْ تَهْتَدِي بِهِ فِئَةٌ مَاتَ عَنْهَا وَقَدْ أَلْبَسَهَا بِهِ الرَّشَادَ بُرْدُهُ، وَلَعَمْرِي إِنَّ التَّصْنِيفَ لَأَرْفَعُهَا مَكَانًا ; لِأَنَّهُ أَطْوَلُهَا زَمَانًا، وَأَدْوَمُهَا إِذَا مَاتَ أَحْيَانًا. وَلِذَلِكَ لَا يَخْلُو لَنَا وَقْتٌ يَمُرُّ بِنَا خَالِيًا عَنِ التَّصْنِيفِ، وَلَا يَخْلُو لَنَا زَمَنٌ إِلَّا وَقَدْ تَقَلَّدَ عُقَدُهُ جَوَاهِرَ التَّأْلِيفِ، وَلَا يَجْلُو عَلَيْنَا الدَّهْرُ سَاعَةَ فَرَاغٍ إِلَّا وَنُعْمِلُ فِيهَا الْقَلَمَ بِالتَّرْتِيبِ وَالتَّرْصِيفِ. قَالَ الْخَطِيبُ: وَيَنْبَغِي أَنْ يُفَرِّغَ الْمُصَنِّفُ لِلتَّصْنِيفِ قَلْبَهُ، وَيَجْمَعَ لَهُ هَمَّهُ، وَيَصْرِفَ إِلَيْهِ شُغْلَهُ، وَيَقْطَعَ بِهِ وَقْتَهُ، وَقَدْ كَانَ بَعْضُ شُيُوخِنَا يَقُولُ: مَنْ أَرَادَ الْفَائِدَةَ فَلْيَكْسِرْ قَلَمَ النَّسْخِ، وَلْيَأْخُذْ قَلَمَ التَّخْرِيجِ. وَحَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ

стр. 971

الصُّورِيُّ قَالَ: رَأَيْتُ أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الْغَنِيِّ بْنِ سَعِيدٍ الْحَافِظَ فِي الْمَنَامِ فِي سَنَةِ إِحْدَى عَشَرَةٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، فَقَالَ لِي: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ، خَرِّجْ وَصَنِّفْ قَبْلَ أَنْ يُحَالَ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ، هَذَا أَنَا تَرَانِي قَدْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَ ذَلِكَ، ثُمَّ انْتَبَهْتُ. وَسَاقَ قَبْلَ يَسِيرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُعْتَزِّ أَنَّهُ قَالَ: عِلْمُ الْإِنْسَانِ وَلَدُهُ الْمُخَلَّدُ. وَعَنْ أَبِي الْفَتْحِ الْبَسْتِيِّ الشَّاعِرِ أَنَّهُ أَنْشَدَ مِنْ نَظْمِهِ: يَقُولُونَ: ذِكْرُ الْمَرْءِ يَبْقَى بِنَسْلِهِ ... وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَسْلُ فَقُلْتُ لَهُمْ: نَسْلِي بَدَائِعُ حِكْمَتِي فَمَنْ سَرَّهُ نَسْلٌ فَإِنَّا بِذَا نَسَلُوا وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ ﷺ : ( «إِذَا مَاتَ الْإِنْسَانُ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إِلَّا مِنْ ثَلَاثٍ: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أَوْ عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدٍ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ» ) . [التَّصْنِيفُ عَلَى الْأَبْوَابِ وَالْمَسَانِيدِ] : (وَهْوَ) التَّأْلِيفُ الْأَعَمُّ (فِي التَّصْنِيفِ) فِي الْحَدِيثِ (طَرِيقَتَانِ) مَأْلُوفَتَانِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ: الْأُولَى: (جَمْعُهُ) ; أَيِ: التَّصْنِيفِ بِالسَّنَدِ، (أَبْوَابَا) ; أَيْ: عَلَى الْأَبْوَابِ الْفِقْهِيَّةِ وَغَيْرِهَا، وَتَنْوِيعُهُ أَنْوَاعًا، وَجَمْعُ مَا وَرَدَ فِي كُلِّ حُكْمٍ وَكُلِّ نَوْعٍ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا فِي بَابٍ فَبَابٍ، بِحَيْثُ يَتَمَيَّزُ مَا يَدْخُلُ فِي الْجِهَادِ مَثَلًا عَمَّا يَتَعَلَّقُ بِالصِّيَامِ. وَأَهْلُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مِنْهُمْ مَنْ يَتَقَيَّدُ بِالصَّحِيحِ ; كَالشَّيْخَيْنِ وَغَيْرِهِمَا، وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يَتَقَيَّدْ بِذَلِكَ ; كَبَاقِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ وَغَيْرِهَا مِمَّا ذُكِرَ قَرِيبًا، وَمَا لَا يَنْحَصِرُ كَالِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَحَادِيثِ الْمُتَضَمِّنَةِ لِلتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ.

стр. 972

وَرُبَّمَا لَمْ يُذْكَرِ الْإِسْنَادُ وَاقْتُصِرَ عَلَى الْمَتْنِ فَقَطْ ; كَـ (الْمَصَابِيحِ) لِلْبَغَوِيِّ، ثُمَّ (الْمِشْكَاةِ) ، وَزَادَ عَلَى الْأَوَّلِ عَزْوَ الْمَتْنِ، وَهُمَا نَافِعَانِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ الْمُقَصِّرِ أَهْلُهَا، ثُمَّ مِنَ الْمُبَوِّبِينَ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى بَابٍ وَاحِدٍ أَوْ مَسْأَلَةٍ وَاحِدَةٍ كَمَا سَيَأْتِي قَرِيبًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَحْكُمُ عَلَى الْحَدِيثِ صَرِيحًا ; كَالتِّرْمِذِيِّ أَوْ إِجْمَالًا كَأَبِي دَاوُدَ. (أَوْ) جَمْعُهُ (مُسْنَدًا) ; أَيْ: عَلَى الْمَسَانِيدِ، (تُفْرِدُهُ صِحَابَا) ; أَيْ: لِلصَّحَابَةِ وَاحِدًا فَوَاحِدًا، وَإِنِ اخْتَلَفَ أَنْوَاعُ أَحَادِيثِهِ، وَذَلِكَ كَـ (مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ) وَغَيْرِهِ مِمَّا ذُكِرَ قَرِيبًا، وَكَذَا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ ; كَـ (مُسْنَدِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى الْعَبْسِيِّ) ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهُوَيْهِ، وَأَبِي بَكْرِ بْنِ شَيْبَةَ، وَأَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ، وَأَبِي خَيْثَمَةَ، وَأَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ، وَالْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ، وَأَبِي بَكْرٍ الْبَزَّارِ، وَمَا يُوجَدُ مِنْ (مُسْنَدِ يَعْقُوبَ بْنِ شَيْبَةَ) ، وَالْمَوْجُودُ مِنْهُ - كَمَا سَيَأْتِي - الْقَلِيلُ، وَ (مُسْنَدِ إِسْمَاعِيلَ الْقَاضِي) ، وَمُحَمَّدِ بْنِ أَيُّوبَ الرَّازِيِّ، وَلَيْسَ هُوَ بِمَوْجُودٍ الْآنَ، وَنُعَيْمِ بْنِ حَمَّادٍ. وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: (إِنَّهُ أَوَّلُ مَنْ صَنَّفَ مُسْنَدًا وَتَتَبَّعَهُ، وَأَسَدِ بْنِ مُوسَى، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ أَكْبَرَ مِنْ نُعَيْمٍ سِنًّا، وَأَقْدَمَ سَمَاعًا، فَيُحْتَمَلُ - كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ - أَنْ يَكُونَ تَصْنِيفُ نُعَيْمٍ لَهُ فِي حَدَاثَتِهِ، وَتَصْنِيفُ أَسَدٍ بَعْدَهُ فِي كِبَرِهِ) . انْتَهَى. وَلَوْلَا أَنَّ الْجَامِعَ لِـ (مُسْنَدِ الطَّيَالِسِيِّ) غَيْرُهُ بِحَسَبِ مَا وَقَعَ لَهُ بِخُصُوصِهِ مِنْ حَدِيثِهِ إِلَّا بِالنَّظَرِ لِجَمِيعِ مَا رَوَاهُ الطَّيَالِسِيُّ ; فَإِنَّهُ مُكْثِرٌ جِدًّا، لَكَانَ أَوَّلَ مُسْنَدٍ ; فَإِنَّ الطَّيَالِسِيَّ مُتَقَدِّمٌ عَلَى هَؤُلَاءِ. وَهَذِهِ هِيَ الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ، وَالْقَصْدُ مِنْهَا - كَمَا قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ - تَدْوِينُ الْحَدِيثِ مُطْلَقًا ; لِيُحْفَظَ لَفْظُهُ وَيُسْتَنْبَطَ مِنْهُ الْحُكْمُ، يَعْنِي فِي الْجُمْلَةِ. وَأَهْلُهَا مِنْهُمْ مَنْ يُرَتِّبُ أَسْمَاءَ الصَّحَابَةِ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ بِأَنْ يَجْعَلَ أُبَيَّ بْنَ

стр. 973

كَعْبٍ وَأُسَامَةَ فِي الْهَمْزَةِ ; كَالطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ، ثُمَّ الضِّيَاءِ فِي مُخْتَارَاتِهِ الَّتِي لَمْ تَكْمُلْ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَتِّبُ عَلَى الْقَبَائِلِ، فَيُقَدِّمُ بَنِي هَاشِمٍ ثُمَّ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي النَّسَبِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَتِّبُ عَلَى السَّابِقَةِ فِي الْإِسْلَامِ، فَيُقَدِّمُ الْعَشَرَةَ، ثُمَّ أَهْلَ بَدْرٍ، ثُمَّ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ، ثُمَّ مَنْ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ بَيْنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالْفَتْحِ، ثُمَّ مَنْ أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ، ثُمَّ الْأَصَاغِرَ الْأَسْنَانِ كَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِي الطُّفَيْلِ، ثُمَّ بِالنِّسَاءِ، وَيَبْدَأُ مِنْهُنَّ بِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ. قَالَ الْخَطِيبُ: (وَهِيَ أَحَبُّ إِلَيْنَا، وَكَذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: إِنَّهَا أَحْسَنُ، يَعْنِي لِتَقْدِيمِ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى، وَاللَّتَانِ قَبْلَهَا أَسْهَلُ تَنَاوُلًا مِنْهَا، وَأَسْهَلُهُمَا أَوْلَاهُمَا) . ثُمَّ مِنْ أَهْلِهَا مَنْ يَجْمَعُ فِي تَرْجَمَةِ كُلِّ صَحَابِيٍّ مَا عِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِهِ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِصِحَّةٍ وَغَيْرِهَا، وَهُمُ الْأَكْثَرُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى الصَّالِحِ لِلْحُجَّةِ ; كَالضِّيَاءِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى صَحَابِيٍّ وَاحِدٍ ; كَمُسْنَدٍ أَبِي بَكْرٍ مَثَلًا، أَوْ مُسْنَدِ عُمَرَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقْتَصِرُ عَلَى طَرَفِ الْحَدِيثِ الدَّالِّ عَلَى بَقِيَّتِهِ، وَيَجْمَعُ أَسَانِيدَهُ إِمَّا مُسْتَوْعِبًا، وَإِمَّا مُقَيِّدًا بِكُتُبٍ مَخْصُوصَةٍ شِبْهَ مَا فَعَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ ثَابِتٍ الطَّرَقِيُّ - بِفَتْحِ الْمُهْمَلَةِ وَقَافٍ - فِي (أَطْرَافِ الْخَمْسَةِ) ، وَالْمِزِّيُّ فِي (أَطْرَافِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ) ، وَشَيْخُنَا فِي (أَطْرَافِ الْكُتُبِ الْعَشَرَةِ) . وَطَرِيقَةُ الْمِزِّيِّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الصَّحَابِيُّ مِنَ الْمُكْثِرِينَ رَتَّبَ حَدِيثَهُ عَلَى الْحُرُوفِ

стр. 974

أَيْضًا فِي الرُّوَاةِ عَنْهُ، وَكَذَا يَفْعَلُ فِي التَّابِعِينَ حَيْثُ يَكُونُ مِنَ الْمُكْثِرِينَ عَنْ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ، وَهَكَذَا. وَقَدْ طَرَّفَ ابْنُ طَاهِرٍ أَحَادِيثَ الْأَفْرَادِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ، وَسَلَكَ ابْنُ حِبَّانَ طَرِيقَةً ثَالِثَةً، فَرَتَّبَ صَحِيحَهُ عَلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ، وَهِيَ: الْأَوَامِرُ، وَالنَّوَاهِي، وَالْإِخْبَارُ عَمَّا احْتِيجَ لِمَعْرِفَتِهِ ; كَبَدْءِ الْوَحْيِ، وَالْإِسْرَاءِ، وَمَا فُضِّلَ بِهِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ، وَالْإِبَاحَاتِ، وَأَفْعَالِهِ ﷺ الَّتِي انْفَرَدَ بِفِعْلِهَا مِمَّا اخْتُصَّ بِهِ وَشَبَهُهُ، وَنَوَّعَ كُلَّ قِسْمٍ مِنْهَا أَنْوَاعًا، وَلَعَمْرِي إِنَّهُ وَعْرُ الْمَسْلَكِ، صَعْبُ الْمُرْتَقَى، بِحَيْثُ سَمِعْتُ شَيْخَنَا يَقُولُ: إِنَّهُ رَامَ تَقْرِيبَهُ فَبَعَّدَهُ. [تَصْنِيفُ الْحَدِيثِ مُعَلِّلًا] : (وَجَمْعُهُ) ; أَيِ: الْحَدِيثِ فِي الطَّرِيقَيْنِ أَوِ الطُّرُقِ، (مُعَلَّلَا) يَعْنِي عَلَى الْعِلَلِ بِأَنْ يَجْمَعَ فِي كُلِّ مَتْنٍ طُرُقَهُ، وَاخْتِلَافَ الرُّوَاةِ فِيهِ، بِحَيْثُ يَتَّضِحُ إِرْسَالُ مَا يَكُونُ مُتَّصِلًا، أَوْ وَقْفُ مَا يَكُونُ مَرْفُوعًا، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ كَمَا قُرِّرَ فِي بَابِهِ. فَفِي الْأَبْوَابِ كَمَا فَعَلَ أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ، وَهُوَ أَحْسَنُ لِسُهُولَةِ تَنَاوُلِهِ، وَفِي الْمَسَانِيدِ (كَمَا فَعَلْ) الْحَافِظُ الْكَبِيرُ الْفَقِيهُ الْمَالِكِيُّ أَبُو يُوسُفَ (يَعْقُوبُ) بْنُ شَيْبَةَ بْنِ الصَّلْتِ بْنِ عُصْفُورٍ السَّدُوسِيُّ الْبَصْرِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ، وَتِلْمِيذُ أَحْمَدَ وَابْنِ الْمَدِينِيِّ وَابْنِ مَعِينٍ الْمُتَوَفَّى فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ (٢٦٢) ، وَأَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمَاسَرْجِسِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ، فَلَهُ مُسْنَدٌ مُعَلَّلٌ فِي أَلْفٍ وَثَلَاثِمِائَةِ جُزْءٍ،

стр. 975

وَالدَّارَقُطْنِيُّ طَرِيقَةً ثَانِيَةً فِي الطَّرِيقَتَيْنِ. وَهِيَ (أَعْلَى رُتْبَةً) مِنْهُ فِيهِمَا، أَوْ فِيهَا بِدُونِهَا ; فَإِنَّ مَعْرِفَةَ الْعِلَلِ أَجَلُّ أَنْوَاعِ الْحَدِيثِ، حَتَّى قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ: لَأَنْ أَعْرِفَ عِلَّةَ حَدِيثٍ هُوَ عِنْدِي أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَكْتُبَ عِشْرِينَ حَدِيثًا لَيْسَ عِنْدِي. (وَ) لَكِنْ مُسْنَدُ يَعْقُوبَ حَسْبَمَا زَادَهُ النَّاظِمُ (مَا كَمُلْ) ، بَلِ الَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ - كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ فِي تَارِيخِهِ - مُسْنَدُ الْعَشَرَةِ، وَالْعَبَّاسِ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعُتْبَةَ بْنِ غَزْوَانَ، وَبَعْضِ الْمَوَالِي، وَعَمَّارٍ، وَاتَّصَلَ الْأَوَّلُ مِنْ عَمَّارٍ، خَاصَّةً لِلذَّهَبِيِّ وَشَيْخِنَا وَمُؤَلِّفِهِ، وَرَأَيْتُ بَعْضَ الْأَجْزَاءِ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ. قَالَ الذَّهَبِيُّ: (وَبَلَغَنِي أَنَّ مُسْنَدَ عَلِيٍّ مِنْهُ فِي خَمْسِ مُجَلَّدَاتٍ. قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: وَقِيلَ لِي: إِنَّ نُسْخَةً لِمُسْنَدِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْهُ شُوهِدَتْ بِمِصْرَ، فَكَانَتْ مِائَتَيْ جُزْءٍ، قَالَ: وَبَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ فِي مَنْزِلِهِ أَرْبَعُونَ لِحَافًا أَعَدَّهَا لِمَنْ كَانَ يَبِيتُ عِنْدَهُ مِنَ الْوَرَّاقِينَ الَّذِينَ يُبَيِّضُونَ الْمُسْنَدَ، وَلَزِمَهُ عَلَى مَا خَرَجَ مِنْهُ عَشَرَةُ آلَافِ دِينَارٍ، يَعْنِي لِمَنْ يُبَيِّضُهُ) . وَقَالَ غَيْرُهُ: إِنَّهُ لَوْ تَمَّ لَكَانَ فِي مِائَتَيْ مُجَلَّدٍ، وَلِنَفَاسَتِهِ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: لَوْ كَانَ مَسْطُورًا عَلَى حَمَامٍ لَوَجَبَ أَنْ يُكْتَبَ، يَعْنِي: لَا يَحْتَاجُ إِلَى سَمَاعٍ. وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ: سَمِعْتُ الشُّيُوخَ يَقُولُونَ: إِنَّهُ لَمْ يَتْمُمْ مُسْنَدٌ مُعَلَّلٌ.

стр. 976

وَلَهُمْ طَرِيقَةٌ أُخْرَى فِي جَمْعِ الْحَدِيثِ، وَهِيَ جَمْعُهُ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ، فَيَجْعَلُ حَدِيثَ: ( «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ» ) فِي الْهَمْزَةِ، كَأَبِي مَنْصُورٍ الدَّيْلَمِيِّ فِي (مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ) ، كَذَا عَمِلَ ابْنُ طَاهِرٍ فِي أَحَادِيثِ (الْكَامِلِ) لِابْنِ عَدِيٍّ، وَسَلَكْتُ ذَلِكَ فِي مَا اشْتَهَرَ عَلَى الْأَلْسِنَةِ. وَمِنْهُمْ مَنْ يُرَتِّبُ عَلَى الْكَلِمَاتِ، لَكِنْ غَيْرُ مُتَقَيِّدٍ بِحُرُوفِ الْمُعْجَمِ، مُقْتَصِرًا عَلَى أَلْفَاظِ النُّبُوَّةِ فَقَطْ، (كَالشِّهَابِ) وَ (الْمَشَارِقِ) لِلصَّغَانِيِّ، وَهُوَ أَحْسَنُهُمَا وَأَجْمَعُهُمَا مَعَ اقْتِصَارِهِ عَلَى الصَّحِيحِ خَاصَّةً. ثُمَّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُلِمُّ بِغَرِيبِ الْحَدِيثِ وَإِعْرَابِهِ أَوْ أَحْكَامِهِ وَآرَاءِ الْفُقَهَاءِ فِيهِ كَمَا سَيَأْتِي بَسْطُهُ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ. [جَمْعُ الْأَبْوَابِ وَالشُّيُوخِ] : (وَجَمَعُوا) أَيْضًا (أَبْوَابًا) مِنْ أَبْوَابِ الْكُتُبِ الْمُصَنَّفَةِ الْجَامِعَةِ لِلْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا، فَأَفْرَدُوهَا بِالتَّأْلِيفِ بِحَيْثُ يَصِيرُ ذَاكَ الْكِتَابُ كِتَابًا مُفْرَدًا ; كَكِتَابٍ (التَّصْدِيقِ بِالنَّظَرِ لِلَّهِ تَعَالَى) لِلْآجُرِّيِّ، وَ (الْإِخْلَاصِ) لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا، وَ (الطَّهُورِ) لِأَبِي عُبَيْدٍ وَلِابْنِ أَبِي دَاوُدَ، وَ (الصَّلَاةِ) لِأَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ. وَ (الْآذَانِ وَالْمَوَاقِيتِ) فِي تَصْنِيفَيْنِ لِأَبِي الشَّيْخِ، وَ (الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ وَرَفْعِ الْيَدَيْنِ) فِي تَصْنِيفَيْنِ لِلْبُخَارِيِّ، وَ (الْبَسْمَلَةِ) لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِ، وَ (الْقُنُوتِ) لِابْنِ مَنْدَهْ، وَ (سَجَدَاتِ الْقُرْآنِ) لِلْحَرْبِيِّ، وَ (التَّهَجُّدِ) لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا، وَ (الْعِيدَيْنِ) لَهُ، وَ (الْجَنَائِزِ) لِعُمَرَ بْنِ شَاهِينَ، وَ (ذِكْرِ الْمَوْتِ) لِلْمَرَنْدِيِّ وَابْنِ أَبِي الدُّنْيَا، وَ (الْعَزَاءِ) لَهُ،

стр. 977

وَ (الْمُحْتَضَرِينَ) لَهُ. وَ (الزَّكَاةِ) لِيُوسُفَ الْقَاضِي، وَ (الْأَمْوَالِ) لِأَبِي عُبَيْدٍ، وَ (الصِّيَامِ) لِجَعْفَرٍ الْفِرْيَابِيِّ وَلِيُوسُفَ الْقَاضِي، وَ (الْمَنَاسِكِ) لِلْحَرْبِيِّ وَلِلطَّبَرَانِيِّ، وَمَا يَفُوقُ الْوَصْفَ كَ (الْقَضَاءِ بِالْيَمِينِ مَعَ الشَّاهِدِ) لِلدَّارَقُطْنِيِّ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَكَثِيرٌ مِنْ أَنْوَاعِ كِتَابِنَا هَذَا قَدْ أَفْرَدُوا أَحَادِيثَهُ بِالْجَمْعِ وَالتَّصْنِيفِ. (اوْ) جَمَعُوا (شُيُوخًا) مَخْصُوصِينَ مِنَ الْمُكْثِرِينَ ; كَالْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَشِ، وَالنَّسَائِيِّ فِي الْفُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، وَالطَّبَرَانِيِّ فِي مُحَمَّدِ بْنِ جُحَادَةَ. قَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ: يُقَالُ: (مَنْ لَمْ يَجْمَعْ حَدِيثَ هَؤُلَاءِ الْخَمْسَةُ فَهُوَ مُفْلِسٌ فِي الْحَدِيثِ: الثَّوْرِيِّ، وَشُعْبَةَ، وَمَالِكٍ، وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، وَابْنِ عُيَيْنَةَ، وَهُمْ أُصُولُ الدِّينِ) . قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: (وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ يَجْمَعُونَ حَدِيثَ خَلْقٍ كَثِيرٍ سِوَاهُمْ، مِنْهُمْ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ) . قُلْتُ: قَدْ سَرَدَ مِنْهُمُ الْخَطِيبُ فِي جَامِعِهِ جُمْلَةً، وَهَذَا غَيْرُ جَمْعِ الرَّاوِي شُيُوخَ نَفْسِهِ ; كَالطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ الْمُرَتَّبِ عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ فِي شُيُوخِهِ، وَكَذَا لَهُ الْمُعْجَمُ الصَّغِيرُ، لَكِنَّهُ يَقْتَصِرُ غَالِبًا عَلَى حَدِيثٍ فِي كُلِّ شَيْخٍ. [جَمْعُ التَّرَاجِمِ وَالطَّرْقِ] : (اوْ) جَمَعُوا (تَرَاجِمًا) مَخْصُوصَةً كَمَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَهُشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ.

стр. 978

(أَوْ) جَمَعُوا (طُرُقًا) لِحَدِيثٍ وَاحِدٍ ; كَطُرُقِ حَدِيثِ قَبْضِ الْعِلْمِ لِلطُّوسِيِّ وَنَصْرٍ الْمَقْدِسِيِّ وَغَيْرِهِمَا، وَطُرُقِ حَدِيثِ ( «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ» ) لِبَعْضِهِمْ، وَطُرُقِ حَدِيثِ ( «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ» ) لِلطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ فِي مَقَاصِدَ لَهُمْ فِي التَّصْنِيفِ يَطُولُ شَرْحُهَا. وَإِذَا جَمَعْتَ عَلَى الْمَسَانِيدِ فَمَيِّزِ الْمَرْفُوعَ مِنَ الْمَوْقُوفِ، وَتَحَرَّزْ مِنْ إِدْخَالِ الْمَرَاسِيلِ لِظَنِّكَ صُحْبَةَ الْمُرْسَلِ، أَوْ عَلَى الْأَبْوَابِ الَّذِي هُوَ أَسْهَلُ مُطْلَقًا كَمَا صَرَّحَ بِهِ جَمَاعَةٌ، مِنْهُمُ الْخَطِيبُ كَمَا قَدَّمْتُهُ، وَابْنُ الْأَثِيرِ وَقَالَ: لِكَوْنِ الْمَرْءِ غَالِبًا قَدْ يَعْرِفُ الْمَعْنَى الَّذِي يَطْلُبُ الْحَدِيثَ لِأَجْلِهِ دُونَ رَاوِيهِ، وَلِكِفَايَتِهِ الْمَؤُونَةَ فِي اسْتِنْبَاطِ ذَاكَ الْحُكْمِ الْمُتَرْجَمِ بِهِ، فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى تَفَكُّرٍ فِيهِ. وَمَدَحَهُ وَكِيعٌ بِقَوْلِهِ: إِنْ أَرَدْتَ الْآخِرَةَ فَصَنِّفِ الْأَبْوَابَ. وَقَالَ فِيهِ الشَّعْبِيُّ: بَابٌ مِنَ الطَّلَاقِ جَسِيمٌ. وَكَانَ الثَّوْرِيُّ صَاحِبَ أَبْوَابٍ، فَقَدَّمَ مِنْهَا - كَمَا قَالَ الْخَطِيبُ - الْأَحَادِيثَ الْمُسْنَدَاتِ، ثُمَّ الْمَرَاسِيلَ وَالْمَوْقُوفَاتِ وَمَذَاهِبَ الْقُدَمَاءِ مِنْ مَشْهُورِي الْفُقَهَاءِ. وَقَدْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ: الْأَبْوَابُ تُبْنَى عَلَى أَرْبَعِ طَبَقَاتٍ ; فَطَبَقَةِ الْمُسْنَدِ، وَطَبَقَةِ الصَّحَابَةِ، وَطَبَقَةِ التَّابِعِينَ، وَيُقَدِّمُ قَوْمٌ الْكِبَارَ مِنْهُمْ ; مِثْلَ شُرَيْحٍ وَعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَالشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ وَمَكْحُولٍ وَالْحَسَنِ، وَبَعْدَهُمْ مَنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُمْ، وَبَعْدَ هَؤُلَاءِ أَتْبَاعَ التَّابِعِينَ ; مِثْلَ الثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ وَرَبِيعَةَ وَابْنِ هُرْمُزٍ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَالْأَوْزَاعِيِّ. قَالَ الْخَطِيبُ: (وَلَا تُورِدْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا مَا ثَبَتَتْ عَدَالَةُ رِجَالِهِ، وَاسْتَقَامَتْ أَحْوَالُ

стр. 979

رُوَاتِهِ، يَعْنِي فَإِنَّكَ بِصَدَدِ الِاحْتِجَاجِ وَالِاسْتِدْلَالِ الْمَطْلُوبِ فِيهِ الِاحْتِيَاطُ بِخِلَافِ الْمَسَانِيدِ، وَمِنْ هُنَا كَانَتْ أَعْلَى رُتْبَةً كَمَا سَبَقَ قُبَيْلِ الضَّعِيفِ) . قَالَ الْخَطِيبُ: (فَإِنْ لَمْ يَصِحْ فِي الْبَابِ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ فَاقْتَصِرْ عَلَى إِيرَادِ الْمَوْقُوفِ وَالْمُرْسَلِ، قَالَ: وَهَذَانَ النَّوْعَانِ أَكْثَرُ مَا فِي كُتُبِ الْمُتَقَدِّمِينَ ; إِذْ كَانُوا لِلْكَثِيرِ مِنَ الْمُسْنَدَاتِ مُسْتَنْكِرِينَ) . وَقَدْ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ لِمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ: (سَلْنِي وَلَا تَسْأَلْنِي عَنِ الطَّوِيلِ وَلَا الْمُسْنَدِ، أَمَّا الطَّوِيلُ فَكُنَّا لَا نَحْفَظُ، وَأَمَّا الْمُسْنَدُ فَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا وَالَى بَيْنَ حَدِيثَيْنِ مُسْنَدَيْنِ رَفَعْنَا إِلَيْهِ رُؤُوسَنَا اسْتِنْكَارًا لِمَا جَاءَ بِهِ) . انْتَهَى. وَالِاقْتِصَارُ فِي الْأَبْوَابِ عَلَى مَا ثَبَتَتْ عَدَالَةُ رُوَاتِهِ هُوَ الْأَوْلَى، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ شَيْخُنَا، فَقَالَ: وَالْأَوْلَى أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى مَا صَحَّ أَوْ حَسُنَ، فَإِنْ جَمَعَ الْجَمِيعَ فَلْيُبَيِّنْ عِلَّةَ الضَّعِيفِ. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَلْتَكُنْ عِنَايَتُهُ بِالْأَوْلَى فَالْأَوْلَى، وَنَحْنُ نَرَى أَنَّ أَهَمَّهَا مَا يُؤَدِّي إِلَى مَعْرِفَةِ صَحِيحِ الْحَدِيثِ، قَالَ: وَمِنَ الْخَطَأِ الِاشْتِغَالُ بِالتَّتِمَّاتِ وَالتَّكْمِيلَاتِ مَعَ تَضْيِيعِ الْمُهِمَّاتِ. وَلْيَتَحَرَّ الْعِبَارَاتِ الْوَاضِحَةَ وَالِاصْطِلَاحَاتِ الْمُسْتَعْمَلَةَ، وَلَا يَقْصِدْ بِشَيْءٍ مِنْهُ الْمُكَاثَرَةَ. قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ: وَعَلَيْهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ تَصْحِيحُ الْقَصْدِ، وَالْحَذَرُ مِنْ قَصْدِ الْمُكَاثَرَةِ وَنَحْوِهِ، وَقَدْ بَلَغَنَا عَنْ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيِّ أَنَّهُ خَرَّجَ حَدِيثًا وَاحِدًا مِنْ نَحْوِ مِائَتَيْ طَرِيقٍ، فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ، فَرَأَى يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ فِي مَنَامِهِ، فَذَكَرَ لَهُ

стр. 980

ذَلِكَ، فَقَالَ لَهُ: أَخْشَى أَنْ يَدْخُلَ هَذَا تَحْتَ ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ [التكاثر: ١] . [كَرَاهَةُ التَّأْلِيفِ لِلْقَاصِرِ] (وَقَدْ رَأَوْا) ; أَيِ: الْأَئِمَّةُ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ وَغَيْرِهِمْ، (كَرَاهَةَ الْجَمْعِ) وَالتَّأْلِيفِ (لِذِي تَقْصِيرِ) عَنْ بُلُوغِ مَرْتَبَتِهِ ; لِأَنَّهُ إِمَّا أَنْ يَتَشَاغَلَ بِمَا سَبَقَ بِهِ، أَوْ بِمَا غَيْرُهُ أَوْلَى، أَوْ بِمَا لَمْ يَتَأَهَّلْ بَعْدُ لِاجْتِنَاءِ ثَمَرَتِهِ، وَاقْتِنَاصِ فَائِدَةِ جَمْعِهِ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ: إِذَا رَأَيْتَ الْحَدَثَ، أَوَّلَ مَا يَكْتُبُ الْحَدِيثَ، يَجْمَعُ حَدِيثَ الْغُسْلِ وَحَدِيثَ ( «مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ» ) فَاكْتُبْ عَلَى قَفَاهُ: (لَا يُفْلِحُ) . وَنَحْوُهُ قَوْلُ الذَّهَبِيِّ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْبَابِ الَّذِي يَلِيهِ: إِذَا رَأَيْتَ الْمُحَدِّثَ يَفْرَحُ بِعَوَالِي أَبِي هُدْبَةَ، وَيَعْلَى بْنَ الْأَشْدَقِ - وَسَمَّى غَيْرَهُمَا - فَاعْلَمْ أَنَّهُ عَامِّيٌّ بَعْدُ. وَلِلَّهِ دَرُّ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ حَيْثُ قَالَ: وَلَا يَنْبَغِي لِحَصِيفٍ يَتَصَدَّى إِلَى تَصْنِيفٍ أَنْ يَعْدِلَ عَنْ غَرَضَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَخْتَرِعَ مَعْنًى، أَوْ يُبْدِعَ وَضْعًا وَمَبْنًى، وَمَا سِوَى هَذَيْنَ الْوَجْهَيْنِ فَهُوَ تَسْوِيدُ الْوَرَقِ، وَالتَّحَلِّي بِحِلْيَةِ السَّرَقِ. [كَرَاهَةُ الْإِخْرَاجِ بِدُونِ التَّحْرِيرِ] : وَ (كَذَاكَ) رَأَى الْأَئِمَّةُ كَرَاهَةً (الْإِخْرَاجِ) مِمَّنْ يُصَنِّفُ لِشَيْءٍ مِنْ تَصْنِيفِهِ إِلَى النَّاسِ (بِلَا تَحْرِيرِ) وَتَهْذِيبٍ وَتَكْرِيرٍ لِنَظَرٍ فِيهِ وَتَنْقِيبٍ. قَالَ ابْنُ الْمُعْتَزِّ: لَحْظَةُ الْقَلْبِ أَسْرَعُ خُطْوَةً مِنْ لَحْظَةِ الْعَيْنِ، وَأَبْعَدُ غَايَةً، وَأَوْسَعُ مَجَالًا، وَهِيَ الْغَائِصَةُ فِي أَعْمَاقِ أَوْدِيَةِ الْفِكْرِ، وَالْمُتَأَمِّلَةُ لِوُجُوهِ الْعَوَاقِبِ، وَالْجَامِعَةِ بَيْنَ مَا غَابَ وَحَضَرَ، وَالْمِيزَانُ الشَّاهِدُ عَلَى مَا نَفَعَ وَضَرَّ،

стр. 981

وَالْقَلْبُ كَالْمُمْلِي لِلْكَلَامِ عَلَى اللِّسَانِ إِذَا نَطَقَ، وَالْيَدِ إِذَا كَتَبَتْ، فَالْعَاقِلُ يَكْسُو الْمَعَانِيَ وَشْيَ الْكَلَامِ فِي قَلْبِهِ، ثُمَّ يُبْدِيهَا بِأَلْفَاظٍ كَوَاشٍ فِي أَحْسَنِ زِينَةٍ، وَالْجَاهِلُ يَسْتَعْجِلُ بِإِظْهَارِ الْمَعَانِي قَبْلَ الْعِنَايَةِ بِتَزْيِينِ مَعَارِضِهَا، وَاسْتِكْمَالِ مَحَاسِنِهَا. وَلْيَعْلَمْ كَمَا قَالَ هِلَالُ بْنُ الْعَلَاءِ: إِنَّهُ يُسْتَدَلُّ عَلَى عَقْلِ الْمَرْءِ بَعْدَ مَوْتِهِ بِتَصْنِيفِهِ، أَوْ شِعْرِهِ، أَوْ رِسَالَتِهِ. وَكَمَا قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: (إِنَّ الْإِنْسَانَ فِي سَلَامَةٍ مِنْ أَفْوَاهِ النَّاسِ مَا لَمْ يَضَعْ كِتَابًا أَوْ يَقُلْ شِعْرًا) . وَكَمَا قَالَ الْعَتَّابِيُّ: (إِنَّ مَنْ صَنَّفَ فَقَدِ اسْتَشْرَفَ الْمَدِيحَ وَالذَّمَّ، فَإِنْ أَحْسَنَ فَقَدِ اسْتَهْدَفَ لِلْحَسَدِ وَالْغِيبَةِ، وَإِنْ أَسَاءَ فَقَدْ تَعَرَّضَ لِلشَّتْمِ، وَاسْتَقْذَفَ بِكُلِّ لِسَانٍ) . وَنَحْوُهُ مَا نَقَلَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى بْنُ الْفَرَّاءِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُقَفَّعِ أَنَّهُ قَالَ: (مَنْ صَنَّفَ فَقَدِ اسْتَهْدَفَ، فَإِنْ أَحْسَنَ فَقَدِ اسْتَعْطَفَ، وَإِنْ أَسَاءَ فَقَدَ اسْتَقْذَفَ) . [الْعَالِي وَالنَّازِلُ] [الْإِسْنَادُ خَصِّيصَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ] الْعَالِي وَالنَّازِلُ. (٧٣٧) وَطَلَبُ الْعُلُوِّ سُنَّةٌ وَقَدْ ... فَضَّلَ بَعْضٌ النُّزُولَ وَهْوَ رَدْ (٧٣٨) وَقَسَّمُوهُ خَمْسَةً، فَالْأَوَّلُ ... قُرْبٌ مِنَ الرَّسُولِ وَهْوَ الْأَفْضَلُ (٧٣٩) إِنْ صَحَّ الْإِسْنَادُ وَقِسْمُ الْقُرْبِ ... إِلَى إِمَامٍ وَعُلُوٍّ نِسْبِي (٧٤٠) بِنِسْبَةٍ لِلْكُتُبِ السِّتَّةِ إِذْ ... يَنْزِلُ مَتْنٌ مِنْ طَرِيقِهَا أُخِذْ [الْإِسْنَادُ خَصِّيصَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ] أَقْسَامُ (الْعَالِي) مِنَ السَّنَدِ (وَالنَّازِلُ) ، وَبَيَانُ أَفْضَلِهِمَا، وَمَا يَلْتَحِقُ بِذَلِكَ مِنْ بَيَانِ الْمُوَافَقَةِ وَالْبَدَلِ وَالْمُصَافَحَةِ وَالْمُسَاوَاةِ. أَصْلُ الْإِسْنَادِ أوَّلًا خِصِّيصَةٌ فَاضِلَةٌ مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ، وَسُنَّةٌ بَالِغَةٌ مِنَ السُّنَنِ

стр. 982

الْمُؤَكَّدَةِ كَمَا أَشَرْتُ إِلَيْهِ قُبَيْلَ مَرَاتِبَ التَّعْدِيلِ. وَقَدْ رُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الْعَبَّاسِ الدَّغُولِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ مُحَمَّدَ بْنَ حَاتِمِ بْنِ الْمُظَفَّرِ يَقُولُ: إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَكْرَمَ هَذِهِ الْأُمَّةَ وَشَرَّفَهَا وَفَضَّلَهَا بِالْإِسْنَادِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ مِنَ الْأُمَمِ كُلِّهَا قَدِيمِهَا وَحَدِيثِهَا إِسْنَادٌ، إِنَّمَا هُوَ صُحُفٌ فِي أَيْدِيهِمْ، وَقَدْ خَلَطُوا بِكُتُبِهِمْ أَخْبَارَهُمْ، فَلَيْسَ عِنْدَهُمْ تَمْيِيزٌ بَيْنَ مَا نَزَلَ مِنَ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَبَيْنَ مَا أَلْحَقُوهُ بِكُتُبِهِمْ مِنَ الْأَخْبَارِ الَّتِي أَخَذُوهَا عَنْ غَيْرِ الثِّقَاتِ. وَهَذِهِ الْأُمَّةُ إِنَّمَا تَنُصُّ الْحَدِيثَ عَنِ الثِّقَةِ الْمَعْرُوفِ فِي زَمَانِهِ الْمَشْهُورِ بِالصِّدْقِ وَالْأَمَانَةِ عَنْ مِثْلِهِ، حَتَّى تَتَنَاهَى أَخْبَارُهُمْ، ثُمَّ يَبْحَثُونَ أَشَدَّ الْبَحْثِ حَتَّى يَعْرِفُوا الْأَحْفَظَ فَالْأَحْفَظَ، وَالْأَضْبَطَ فَالْأَضْبَطَ، وَالْأَطْوَلَ مُجَالَسَةً لِمَنْ فَوْقَهُ مِمَّنْ كَانَ أَقَلَّ مُجَالَسَةً، ثُمَّ يَكْتُبُونَ الْحَدِيثَ مِنْ عِشْرِينَ وَجْهًا أَوْ أَكْثَرَ حَتَّى يُهَذِّبُوهُ مِنَ الْغَلَطِ وَالزَّلَلِ، وَيَضْبِطُوا حُرُوفَهُ، وَيَعُدُّوهُ عَدًّا، فَهَذَا مِنْ أَفْضَلِ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ، فَنَسْتَوْزِعُ اللَّهَ شُكْرَ هَذِهِ النِّعْمَةِ. وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيُّ: لَمْ يَكُنْ فِي أُمَّةٍ مِنَ الْأُمَمِ مُنْذُ خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أُمَنَاءَ يَحْفَظُونَ آثَارَ الرَّسُولِ إِلَّا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ: بَلَغَنِي أَنَّ اللَّهَ خَصَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ بِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ لَمْ يُعْطِهَا مَنْ قَبْلَهَا: الْإِسْنَادِ وَالْأَنْسَابِ وَالْإِعْرَابِ. وَعِنْدَ الْحَاكِمِ فِي تَرْجَمَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاهِرٍ مِنْ تَارِيخِهِ بِسَنَدِهِ إِلَى إِسْحَاقَ بْنِ

стр. 983

إِبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيِّ قَالَ: كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ طَاهِرٍ إِذَا سَأَلَنِي عَنْ حَدِيثٍ فَذَكَرْتُهُ لَهُ بِلَا إِسْنَادٍ سَأَلَنِي عَنْ إِسْنَادِهِ، وَيَقُولُ: رِوَايَةُ الْحَدِيثِ بِلَا إِسْنَادٍ مِنْ عَمَلِ الزَّمْنَى ; فَإِنَّ إِسْنَادَ الْحَدِيثِ كَرَامَةٌ مِنَ اللَّهِ لِأُمَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: (الْإِسْنَادُ مِنَ الدِّينِ، لَوْلَا الْإِسْنَادُ لَقَالَ مَنْ شَاءَ مَا شَاءَ) . وَفِي رِوَايَةٍ: مَثَلُ الَّذِي يَطْلُبُ أَمْرَ دِينِهِ بِلَا إِسْنَادٍ كَمَثَلِ الَّذِي يَرْتَقِي السَّطْحَ بِلَا سُلَّمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ كَمَا فِي مُقَدِّمَةِ مُسْلِمٍ: (بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْقَوَائِمُ) يَعْنِي الْإِسْنَادَ. وَقَالَ أَيْضًا لِمَنْ سَأَلَهُ عَنْ حَدِيثٍ عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ كَمَا فِي الْمُقَدِّمَةِ أَيْضًا: ( «إِنَّ بَيْنَ الْحَجَّاجِ وَبَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ مَفَاوِزَ تَنْقَطِعُ فِيهَا أَعْنَاقُ الْمَطِيِّ» ) . وَعَنِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: (مَثَلُ الَّذِي يَطْلُبُ الْحَدِيثَ بِلَا إِسْنَادٍ كَمَثَلِ حَاطِبِ لَيْلٍ) . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ قَالَ: (الْإِسْنَادُ سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ سِلَاحٌ فَبِأَيِ شَيْءٍ يُقَاتِلُ؟) . وَقَالَ بَقِيَّةُ: (ذَاكَرْتُ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ بِأَحَادِيثَ، فَقَالَ: مَا أَجْوَدَهَا لَوْ كَانَ لَهَا أَجْنِحَةٌ؟ يَعْنِي الْأَسَانِيدَ) . وَقَالَ مَطَرٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ [الأحقاف: ٤] ، قَالَ: (إِسْنَادُ الْحَدِيثِ) .

стр. 984

[طَلَبُ الْعُلُوِّ فِي الْحَدِيثِ سُنَّةٌ] : (وَطَلَبُ الْعُلُوِّ) الَّذِي هُوَ قِلَّةُ الْوَسَائِطِ فِي السَّنَدِ أَوْ قِدَمُ سَمَاعِ الرَّاوِي أَوْ وَفَاتِهِ (سُنَّةٌ) عَمَّنْ سَلَفَ كَمَا قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ، بَلْ قَالَ الْحَاكِمُ: إِنَّهُ سُنَّةٌ صَحِيحَةٌ، مُتَمَسِّكًا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي مَجِيءِ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ لِيَسْمَعَ مِنْهُ مُشَافَهَةً مَا سَلَفَ سَمَاعُهُ لَهُ مِنْ رَسُولِهِ إِلَيْهِمْ ; إِذْ لَوْ كَانَ الْعُلُوُّ غَيْرَ مُسْتَحَبٍّ لَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ﷺ سُؤَالَهُ عَمَّا أَخْبَرَهُ بِهِ رَسُولُهُ عَنْهُ، وَتَرْكَ اقْتِصَارِهِ عَلَى خَبَرِهِ لَهُ. وَلَكِنْ إِنَّمَا يَتِمُّ الِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ عَلَى اخْتِيَارِ الْبُخَارِيِّ فِي أَنَّ قَوْلَ ضِمَامٍ: (آمَنْتُ بِمَا جِئْتَ بِهِ) إِخْبَارٌ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ عِيَاضٌ، وَلَكِنَّهُ قَالَ: إِنَّهُ حَضَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ مُسْتَثْبِتًا مِنَ الرَّسُولِ ﷺ لِمَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُهُ إِلَيْهِمْ ; لِأَنَّهُ قَالَ فِي حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ: (فَإِنَّ رَسُولَكَ زَعَمَ) ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ كُرَيْبٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ: ( «أَتَتْنَا كُتُبُكَ، وَأَتَتْنَا رُسُلُكَ» ) . أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ قَوْلَهُ: (آمَنْتُ) إِنْشَاءٌ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى صَنِيعِ أَبِي دَاوُدَ حَيْثُ ذَكَرَهُ فِي بَابٍ مَا جَاءَ فِي الْمُشْرِكِ يَدْخُلُ الْمَسْجِدَ، وَرَجَّحَهُ الْقُرْطُبِيُّ مُتَمَسِّكًا فِيهِ بِقَوْلِهِ: (زَعَمَ) ; فَإِنَّ الزَّعْمَ الْقَوْلُ الَّذِي لَا يُوثَقُ بِهِ فِيمَا قَالَهُ ابْنُ السِّكِّيتِ وَغَيْرُهُ، فَلَا ; فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ إِنَّمَا يَكُونُ مَجِيئُهُ وَهُوَ شَاكٌّ لِكَوْنِهِ لَمْ يُصَدِّقْهُ، وَأَرْسَلَهُ قَوْمُهُ لِيَسْأَلَ لَهُمْ. قَالَ شَيْخُنَا: (وَفِيهِ نَظَرٌ، أَمَّا أَوَّلًا: فَالزَّعْمُ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْقَوْلِ الْمُحَقَّقِ كَمَا نَقَلَهُ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ فِي شَرْحِ فَصِيحِ شَيْخِهِ ثَعْلَبٍ، وَأَكْثَرَ سِيبَوَيْهَ مِنْ قَوْلِهِ: زَعَمَ الْخَلِيلُ فِي مَقَامِ الِاحْتِجَاجِ. وَأَمَّا ثَانِيًا: فَلَوْ كَانَ إِنْشَاءً لَكَانَ طَلَبَ مُعْجِزَةً تُوجِبُ لَهُ التَّصْدِيقَ، عَلَى أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ إِيمَانِ الْمُقَلِّدِ لِلرَّسُولِ ﷺ وَلَوْ

стр. 985

لَمْ تَظْهَرْ لَهُ مُعْجِزَةٌ) ، وَكَذَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ. وَبِالْجُمْلَةِ، فَطَرَقَهُ الِاحْتِمَالُ، وَلَمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يَكُونَ ضِمَامٌ قَصَدَ الْعُلُوَّ، وَكَذَا نَازَعَ بَعْضُهُمْ فِي كَوْنِهِ قَصَدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي بَاقِي الْخَبَرِ: ( «وَأَنَا رَسُولُ مَنْ وَرَائِي» ) . وَعَلَى تَقْدِيرِ تَحَتُّمِ قَصْدِ الْعُلُوِّ فَعَدَمُ الْإِنْكَارِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِكَوْنِهِ جَائِزًا، وَلَكِنْ قَدِ اسْتَدَلَّ لَهُ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ لِتَمِيمٍ الدَّارِيِّ لَمَّا رَآهُ كَمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِهِ فِي الْجَسَّاسَةِ: ( «يَا تَمِيمُ، حَدِّثِ النَّاسَ بِمَا حَدَّثْتَنِي» ) . وَبِقَوْلِهِ أَيْضًا: ( «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي» ) الْحَدِيثَ ; فَإِنَّ الْعُلُوَّ يُقَرِّبُهُ مِنَ الْقُرُونِ الْفَاضِلَةِ. وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ: مَنْ أَدْرَكَ إِسْنَادًا عَالِيًا فِي الصِّغَرِ رَجَا عِنْدَ الشَّيْخُوخَةِ وَالْكِبَرِ أَنْ يَكُونَ مِنْ قَرْنٍ أَفْضَلَ مِنَ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَالَّذِي بَعْدَهُ وَيَلِيهِ. وَيُشِيرُ إِلَيْهِ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ الطُّوسِيِّ: قُرْبُ الْإِسْنَادِ قُرَبٌ، أَوْ قَالَ: قُرْبَةٌ إِلَى اللَّهِ ; فَإِنَّ الْقُرْبَ مِنَ الرَّسُولِ بِلَا شَكٍّ قُرْبٌ إِلَى اللَّهِ. وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي حَفْصِ بْنِ شَاهِينَ فِي جُزْءِ (مَا قَرُبَ سَنَدُهُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنْ تَخْرِيجِهِ: نَرْجُو بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنْ نَكُونَ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ( «خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ» ) . ثُمَّ أَسْنَدَ إِلَى زُرَارَةَ بْنِ أَوْفَى قَالَ: الْقَرْنُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ عَامًا. قُلْتُ: وَهَذَا أَقْصَى مَا قِيلَ فِي تَحْدِيدِهِ، وَلَكِنَّ أَشْهَرَهُ مَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ
следующие страницы →