← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 5975

المختصر في علم الأثر

الكافيجي

Полный текст (73 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله الَّذِي نزل أحسن الحَدِيث وفضله وَبَين أفضل السّنَن وفصله وَبعث فِي الأمِيِين رَسُولا مِنْهُم يَتْلُو آيَاته ويخرجهم من الظُّلُمَات إِلَى النُّور بِإِظْهَار حججه ومعجزاته ﷺ وعَلى آله وَأَصْحَابه نُجُوم الْهِدَايَة فِي مَشَارِق التَّحْقِيق وبدور الدِراية فِي مطالع التَّوْفِيق مَا فرغ مرجوم بِنَجْم شهَاب ورفِع مكسور صِحَاح فِي كل حِسَاب وَبعد: فَإِن من أعظم الْعُلُوم على الْإِطْلَاق وأعلاها بِالِاسْتِحْقَاقِ عِلم الحَدِيث الباحث عَن أَقْوَال سيد الْمُرْسلين وأفعاله الكاشف عَن سيرته وأحواله الْحَاوِي على آثَار أَئِمَّة الْهدى وسماتهم الْمُشْتَمل على مَذَاهِب أَرْبَاب التقى وصفاتهم إِذْ بِهِ تعرف حقائق التَّنْزِيل وأنواره وَبِه تكشف دقائق التَّأْوِيل وأسراره. وَإِن الْأَئِمَّة الْكِرَام البررة قد صنفوا فِيهِ كتبا مُعْتَبرَة لَكِن لما ظهر تقاصر اللَّهُمَّ عَن فحص مَا دونوا وَعَن الإطلاع على مَا بينوا وَصَارَ قصارى أَمر النَّاس فِي هَذِه الْأَيَّام وَغَايَة الِاشْتِغَال بَين الْأَنَام أَن يحوموا حول المختصرات ويقتصروا على ظواهر الْعبارَات ألفت هَذَا الْمُخْتَصر فِي علم الْأَثر منبع الدُّرَر المتضمن لما يحْتَاج إِلَيْهِ على وَجه مُعْتَبر المشتل على مُقَدّمَة فِيهَا تصفية للفكر وعَلى بَابَيْنِ وخاتمة بهَا تدقيق للنَّظَر

стр. 2

راجياً من الله بِهِ الزلفى يَوْم الْحساب مبتغياً بذلك جميل الذِكرِ وجزيل الثَّوَاب إِنَّه هُوَ الرؤوف وَإِلَيْهِ المآب وَإنَّهُ هُوَ الْكَرِيم الْوَهَّاب أما الْمُقدمَة وَهِي مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الشُّرُوع فِي الْعلم فَفِيهَا ثَلَاثَة أُمُور الأول فِي تَعْرِيف علم الحَدِيث وَمَا يتَعَلَّق بِهِ فَالْحَدِيث فِي اللُّغَة هُوَ الْخَبَر يُقَال على الْقَلِيل وَالْكثير وَالْمرَاد من الْخَبَر هَهُنَا هُوَ اللَّفْظ سَوَاء كَانَ مركبا أَو غَيره فَعلم من هَذَا فَسَاد قَول من قَالَ المُرَاد مِنْهُ هَهُنَا كَلَام يحْتَمل الصدْق وَالْكذب والْحَدِيث نقيض الْقَدِيم أَيْضا يُقَال أَخَذَنِي مَا قدم وَمَا حدث وَهَذَا أَعم من الأول لَكِن الْمُنَاسب لما نَحن بصدده هُوَ الأول فَظهر من هَذَا أَن الْأَعَمّ يجوز أَن يكون هُوَ الأَصْل فَيكون مَنْقُولًا إِلَى الْأَخَص نقل الدَّابَّة إِلَى ذَات القوائم الْأَرْبَع لتحَقّق معنى الْحُدُوث فِيهِ فَإِن مَعْنَاهُ هُوَ كَون شَيْء لم يكن والْحَدِيث فِي الِاصْطِلَاح هُوَ خبرٌ نسب إِلَى الرَّسُول ﷺ قولا أَو فعلا أَو سكُوتًا مِنْهُ عِنْد أَمر يعاينه وَأما علم الحَدِيث فَهُوَ علم يقتدر بِهِ على معرفَة أَحْوَال أَقْوَال الرَّسُول وأفعاله على وَجه مَخْصُوص كالاتصال والإرسال وَنَحْوهمَا وَيُطلق أَيْضا على مَعْلُومَات وقواعد مَخْصُوصَة كَمَا تَقول فلَان يعلم علم الحَدِيث تُرِيدُ بِهِ معلوماته وقواعده وَتطلق أَيْضا على التَّصْدِيق بقواعده ثمَّ إِن هَذَا الْفَنّ حسن مَقْبُول وَإنَّهُ واحب علمه كَسَائِر الْعُلُوم أما الأول فلاتفاق على حسنه وَقَوله وَمَا رَآهُ الْمُسلمُونَ حسنا فَهُوَ عِنْد الله

стр. 3

حسنٌ على أَنه يُسْتَفَاد مِنْهُ أَمر حسن وكل مَا هُوَ كَذَلِك فَهُوَ حسن وَأما الثَّانِي فَلِأَن ضبط الشَّرِيعَة وإتقانها لَا يتم إِلَّا بِهِ هَذَا ثمَّ إِنَّه من أشرف الْعُلُوم وأفضلها لِأَن حَدِيث الرَّسُول ﷺ من جملَة أساس عُلُوم الْإِسْلَام وَالْأَحْكَام رُوِيَ عَن الرَّسُول ﷺ إِنِّي خلفت فِيكُم شَيْئَيْنِ لن تضلوا أبدا مَا أَخَذْتُم بهما وعمِلتم بِمَا فيهمَا كتاب الله وسنتي الْأَمر الثَّانِي فِي شَأْن الْحَاجة إِلَيْهِ وَذَلِكَ لِأَن من الْأَحْكَام مَالا يتم بَيَانه إِلَّا بِالْحَدِيثِ وَلَا يتم الْوُقُوف عَلَيْهِ إِلَّا بِهَذَا الْفَنّ الشريف أَو لِأَن للْحَدِيث أصولاً وفروعا وأنواعاً وأقساماً لَيْسَ كل وَاحِد مِنْهَا مَعْلُوما بِالضَّرُورَةِ وَلَا مُمَيّزا بَعْضهَا عَن بعض كَذَلِك وَلَيْسَ الْعقل بِنَفسِهِ بكاف فِي ذَلِك وَلِهَذَا يعرض لَهُ التَّوَقُّف والغلط كثيرا فاحتيج فِي صون الذِّهْن عَن وُقُوع الْغَلَط فِيهِ وَفِي تَمْيِيز شَرط رعايته وَذَلِكَ الأَصْل هُوَ هَذَا الْفَنّ تَنْبِيه فَائِدَته معرفَة السّنة على مَا يَنْبَغِي بِحَيْثُ يحصل بهما الإطلاع على مَعْنَاهَا المفضي إِلَى تَصْدِيق الرَّسُول ﷺ فِي جَمِيع مَا جَاءَ بِهِ وَهُوَ وَسِيلَة إِلَى الْفَوْز بسعادة الدَّاريْنِ وَهُوَ غَايَته

стр. 4

الْأَمر الثَّالِث فِي بَيَان مَفْهُوم مَوْضُوعه وَفِي تَصْدِيق موضوعية مَوْضُوعه فموضوعه مَا يبْحَث فِيهِ من أعراضه الذاتية كأقوال الرَّسُول وأفعاله وَأما بَيَان موضوعية مَوْضُوعه فبأن نقُول إِن أَقْوَاله وأفعاله مَوْضُوع هَذَا الْفَنّ من حَيْثُ إِنَّهَا مُتَّصِلَة فِي مُسْنده إِلَيْهِ إِلَى غير ذَلِك من الْأَمر الَّتِي يبْحَث عَنْهَا فِيهِ وَإِنَّمَا قيدتها بِهَذِهِ الْحَيْثِيَّة لِأَنَّهَا دَاخِلَة إِن لم يُقيد بهَا تَحت مَوْضُوع الْأُصُول من حَيْثُ إِنَّهَا يُسْتَفَاد مِنْهَا الْأَحْكَام إِجْمَالا وتندرج أَيْضا تَحت مَوْضُوعَات عُلُوم أخر بِحَسب اختلافات مُخْتَلفَة فَظهر من هَذَا فَسَاد قَول من قَالَ إِن مَوْضُوعه ذَات الرَّسُول ﷺ من حَيْثُ إِنَّه رَسُول الله وَحده فَإِن المباحث الْوَاقِعَة فِي هَذَا الْفَنّ رَاجِعَة إِلَى أَقْوَاله وأفعاله لَا إِلَى ذَات الرَّسُول ﷺ وَإِن كَانَت الْأَقْوَال وَالْأَفْعَال مُتَعَلقَة بِهِ أَلا ترى أَن مَوْضُوع الْفِقْه أَفعَال الْمُكَلّفين من حَيْثُ إِنَّهَا تحل وَتحرم لَا المكلفون وَإِن كَانَت أفعالهم قَائِمَة بهم الْبَاب الأول فِي مصطلحات الْمُحدثين وَهِي جمع مصطلح من بَاب الافتعال قلبت تاؤها طاءاً وَأُرِيد بهَا هَهُنَا ألفاظٌ مَخْصُوصَة مَوْضُوعَة لمعان يمتاز بَعْضهَا عَن بعض بِاعْتِبَار قيد يميزه عَنهُ وَسبب إِطْلَاقهَا عَلَيْهَا هُوَ الِاتِّفَاق على وَضعهَا لتِلْك الْمعَانِي لتحصل عِنْد اسْتِعْمَالهَا مَعَ أداتها اصْطِلَاح الْمعَانِي وَدفع فَسَاد التباسها بَعْضهَا بِبَعْض

стр. 5

فَمن جملَة الْأَلْفَاظ المصطلحة الصَّحِيح وَهُوَ فِي اللُّغَة ضد السقيم نقل عِنْد أهل الحَدِيث إِلَى معنى آخر مُنَاسِب فَالصَّحِيح هُوَ مَا اتَّصل سَنَده إِلَى النَّبِي ﷺ عدل ضَابِط عَن عدل مثله بِلَا شذوذ ضار وَلَا عِلّة قادحة فَخرج عَنهُ الْمُنْقَطع والمرسل والضعيف والشاذ والمعلل وَالْمَوْقُوف كَحَدِيث بني الْإِسْلَام على خمس شَهَادَة أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله وَإِقَامَة الصَّلَاة وإيتاء الزَّكَاة وَالْحج وَصَوْم رَمَضَان ثمَّ إِن الصَّحِيح مقول على مَا تحه بالتفاوت والتشكيك وَلذَلِك قَالُوا أقسامه سَبْعَة متفاوته أَولهَا وَهُوَ أَعْلَاهَا مَا أخرجه الشَّيْخَانِ البُخَارِيّ وَمُسلم جَمِيعًا بِبَيَان شَرط الصِّحَّة وَهُوَ الْمُتَّفق عَلَيْهِ وَالثَّانِي مَا انْفَرد بِهِ البُخَارِيّ وَالثَّالِث مَا انْفَرد بِهِ مُسلم وَالرَّابِع مَا صَحَّ على شَرطهمَا وَلم يخرجَاهُ وَالْخَامِس مَا صَحَّ على شَرط البُخَارِيّ وَلم يُخرجهُ

стр. 6

وَالسَّادِس مَا صَحَّ على شَرط مُسلم وَلم يُخرجهُ وسابعها مَا صَححهُ غَيرهمَا وَلَيْسَ على شَرط وَاحِد مِنْهُمَا فَهَذِهِ هِيَ الْأُمَّهَات وَيدل على ذَلِك أَيْضا انقسامه إِلَى متواتر وآحاد فالتواتر فِي اللُّغَة تتَابع أُمُور وَاحِدًا بعد وَاحِد بفترة من الْوتر قَالَ الله تَعَالَى (ثمَّ أرسلنَا رسلنَا تترى) . فالمتواتر خبر جمَاعَة يُفِيد بِنَفسِهِ الْعلم بصدقه وَخبر الْوَاحِد هُوَ خبر لم ينْتَه إِلَى حدِ التَّوَاتُر سَوَاء كثرت رُوَاته أَو قلت ثمَّ إِن تَقْسِيم الْبَغَوِيّ حَدِيث المصابيح إِلَى صِحَاح وَحسان تَقْسِيم يسْتَحق الْقبُول لَا الرَّد وغن كَانَ مُخَالفا لما اشْتهر عِنْدهم فَإِن ذَلِك اصْطِلَاح وَلَا مشاحة فِيهِ فَلهُ ذَلِك بل لكل أحدٍ إِن يصطلح على مَا يَشَاء وَلَا سِيمَا إِذا تضمن فَائِدَة لَا تتمّ إِلَّا بِهِ وَهَهُنَا الْأَمر كَذَلِك فَإِنَّهُ قد قصد بذلك أَن يكون مَا أخرجه الشَّيْخَانِ أَو أَحدهمَا منتظماً فِي سلك على حِدة ممتازاً عَمَّا أخرجه غَيرهمَا من غير أَن يقْصد انحصار الْمخْرج فيهمَا سَوَاء كَانَ الْمخْرج مخرج الشَّيْخَيْنِ أَو أَحدهمَا أَو مخرج غَيرهَا بحث إِن الناظرين فِيهِ يحصلون مقاصدهم مِنْهُ كَمَا يُرِيدُونَ على أضبط

стр. 7

وجهٍ وَأحسنه فَيكون ذَلِك أدعى وأعول علت مَا عَم فِيهِ من الطَّاعَة وَقد صرح فِيهِ بذلك وَيشْهد لما قُلْنَا قَوْله وَمَا كَانَ فِيهَا من ضَعِيف وغريب أَشرت إِلَيْهِ ثمَّ إِنَّهَا إِذا قَالُوا هَذَا حَدِيث صحيحٌ فقد أَرَادوا بذلك أَن سَنَده مُتَّصِل ظَاهرا مَعَ سَائِر شُرُوطه إِلَّا أَنه مَقْطُوع بِهِ فِي نفس الْأَمر إِذْ يجوز أَن يكون راوية عدلا وَاحِدًا وَيجوز عَلَيْهِ الْخَطَأ وَالنِّسْيَان كَمَا أَنه يجوز أَن لَا يكون من الْأَخْبَار الَّتِي اجْتمعت الْأمة على تلقيها بِالْقبُولِ فَعلم من هَذَا فَسَاد قَول من قَالَ إِن خبر الْوَاحِد يُفِيد بِسنة الْعلم كَمَا علم مِنْهُ أَنه يجز أَن يكون مقطعوا بِهِ إِذا كَانَ متواتراً فَيكون المُرَاد من سلب الْقطع هَهُنَا سلب الْقطع إِذا لم يصل إِلَى حد التَّوَاتُر وَكَذَا إِذا قَالُوا هَذَا حَدِيث غير صَحِيح فَالْمُرَاد بِهِ أَنه لم يَصح إِسْنَاده على الشَّرْط الْمُعْتَبر فِي الصِّحَّة لَا أَنه مَقْطُوع بِأَنَّهُ كذب فِي نفس الْأَمر لجَوَاز أَن يكون صَادِقا إِلَّا إِذا علم أَنه مَوْضُوع قطعا فَعلم من هَذَا أَن وظيفتهم وأبحاثهم فِي أَمْثَال هَذَا إِنَّمَا هِيَ بِحَسب اعْتِبَار السَّنَد لَا بِحَسب نفس الْأَمر فَإِن ذَلِك صَعب مَعَ أَنه لَيْسَ بوظيفة الْمُحدث وَمِنْهَا الْحسن وَهُوَ فِي اللُّغَة نقيض الْقَبِيح نقِل عَنهُ إِلَى معنى آخر فَاخْتلف فِيهِ على أَقْوَال أَصَحهَا هُوَ الَّذِي يكون رَاوِيه مَشْهُورا بِالصّدقِ وَالْأَمَانَة مَعَ قُصُور فِي حفظه وإتقانه أَو مَسْتُور الْحَال مَعَ أَن لَا يكون كثير الْخَطَأ وَلَا مُتَّهمًا بِالْكَذِبِ بحي لَا يكون فِيهِ عِلّة قادحة لَا

стр. 8

إنكاز وشذوذ يضر فَخرج عَنهُ الصَّحِيح والضعيف وَبَعض الْمُعَلل والشاذ وَالْمُنكر كَحَدِيث لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة وَكَذَا مَا رَوَت عَائِشَة ﵂ من أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ إِذا خرج من الْخَلَاء قَالَ غفرانك فعلِم من هَذَا أَن النِّسْبَة بَين الْحسن وَالصَّحِيح نِسْبَة تبَاين كَمَا أَن بَينهمَا وَبَين الضَّعِيف كَذَلِك هَذَا وَأما عِنْد الْبَعْض فَالصَّحِيح أَعم كَمَا عِنْد الآخر أَن الْحسن أَعم وَلِهَذَا يُقَال هَذَا حَدِيث صَحِيح حسن وَحَدِيث حسن صَحِيح كَحَدِيث إِذا بَقِي نصف شعْبَان فَلَا تَصُومُوا قَالَ التِّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح

стр. 9

وَالْأَمر فِيهِ وَفِي أَمْثَاله سهل إِذا كل ذَلِك يرجع إِلَى الِاصْطِلَاح وَلَا مشاحة فِي لَكِن القَوْل الَّذِي قَدمته هُوَ الأولى هَذَا ثمَّ إِن الْحسن يسْتَعْمل فِي الْإِسْنَاد كَمَا يسْتَعْمل فِي الحَدِيث وَقَوْلهمْ هَذَا حَدِيث حسن إِسْنَاده أَعم تحققاً من قَوْلهم هَذَا حَدِيث حسنٌ فَإِن حسن الْإِسْنَاد قد يتَحَقَّق لثقة رِجَاله وَلَا يتَحَقَّق حسن الحَدِيث لوُجُود علية قادحة فِيهِ وَكَذَا الحاف فِي الصَّحِيح فَعلم من هَذَا أَنه مقول على مَا تَحْتَهُ بالتفاوت فِي التَّحْقِيق أَيْضا وَمِنْهَا الضَّعِيف وَهُوَ لُغَة خلاف الْقوي وَاصْطِلَاحا هُوَ الَّذِي لم يبلغ دَرَجَته دَرَجَة الصَّحِيح وَلَا الْحسن مِثَاله م مَا رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ قَالَت إِن رَسُول الله ﷺ قَالَ كلوا البلح بِالتَّمْرِ فَإِن الشَّيْطَان إِذا رأى ذَلِك غاضه وَقَالَ النَّسَائِيّ هَذَا حَدِيث مُنكر وَالْمُنكر من أَقسَام الضَّعِيف وَمن أقسامه الْمَوْضُوع والمقلوب والمعلل وَقَالَ الْبَعْض يرتقي عدد أقسامه إِلَى خمسين قسما إِلَّا وَاحِدًا

стр. 10

وَمن الضَّعِيف بعض الْأَحَادِيث الَّتِي رويت فِي فَضَائِل سور الْقُرْآن ثمَّ إِن درجاته تَتَفَاوَت فِي الضعْف كَمَا تَتَفَاوَت دَرَجَات الصَّحِيح فِي الْقُوَّة وَالْمرَاد من قَوْلهم هَذَا حَدِيث ضَعِيف من غير بَيَان وَجه الضعْف أَن إِسْنَاده ضَعِيف لَا أَن مَتنه ضَعِيف لاحْتِمَال أَن يَجِيء بِإِسْنَاد آخر صَحِيح أَلا يرى أَن حَدِيث لَا يَرث الْمُسلم الْكَافِر وَلَا الْكَافِر الْمُسلم حَدِيث صَحِيح الْمَتْن وَإِن كَانَ إِسْنَاده مُنْكرا والمسند هُوَ مَأْخُوذ من قَوْلك أسندت غَيْرِي إِلَى شَيْء فَيُقَال فِي الِاصْطِلَاح على الثَّلَاثَة معَان بَعْضهَا أَعم من بعض قَالَ أَبُو بكر الْخَطِيب هُوَ الَّذِي اتَّصل إِسْنَاده من رَاوِيه إِلَى منتهاه سَوَاء رفع إِلَى النَّبِي ﷺ أَو لَا إِلَّا أَن الرّفْع أَكثر وَلِهَذَا قَالَ أَبُو عمر بن عبد الْبر الْمسند هُوَ الْمَرْفُوع إِلَى النَّبِي خَاصَّة سَوَاء كَانَ مُتَّصِلا أَو مُنْقَطِعًا وَقَالَ الْحَاكِم أَبُو عبد اله الْحَافِظ هُوَ الْمَرْفُوع الْمُتَّصِل إِلَى

стр. 11

النَّبِي ﷺ كَحَدِيث الْمُسلم من سلم الْمُسلمُونَ من لِسَانه وَيَده وَالْمُهَاجِر من هجر مَا نهى الله عَنهُ والمتصل والموصول هُوَ مَا اتَّصل إِسْنَاده إِلَى منتهاه سَوَاء كَانَ مَرْفُوعا إِلَى النَّبِي ﷺ أَو مَوْقُوفا على غَيره مِثَال الْمُتَّصِل الْمَرْفُوع إِلَيْهِ قَوْله ﷺ إِذا مَاتَ الْإِنْسَان انْقَطع عمله إِلَّا من ثَلَاث من صَدَقَة جَارِيَة أَو علم ينْتَفع بِهِ أَو ولد صَالح يَدْعُو لَهُ وَمِثَال الْمُتَّصِل الْمَوْقُوف على غَيره نَحْو مَا رُوِيَ عَن عمر ﵁ وَيدخل فِيهِ الصَّحِيح وَالْحسن والضعيف فَيكون أَعم والمتصل يُسَاوِي الْمسند بِالْمَعْنَى الْأَعَمّ وأعم من الْمسند بِالْمَعْنَى الْأَخَص وَالْمَرْفُوع يُقَال عِنْدهم على مَعْنيين أَحدهمَا أَعم من الآخر وَهُوَ الَّذِي أضيف إِلَى النَّبِي ﷺ سواءك أَن قولا أَو فعلا وَسَوَاء أَضَافَهُ إِلَيْهِ صَحَابِيّ أَو تَابِعِيّ أَو من بعدهمَا وَسَوَاء اتَّصل إِسْنَاده أَو لَا فَدخل فِيهِ الْمُتَّصِل والمرسل والمنقطع

стр. 12

مِثَاله مَا رُوِيَ عَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة قَالَ كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ يقرعون بَابه بالأظافير وَالثَّانِي من أخبر بِهِ الصَّحَابَة عَنهُ سَوَاء كَانَ قَولَانِ أَو فعلا كَحَدِيث تبلغ الْحِلْية من الْمُؤمن حَيْثُ يبلغ الْوضُوء وكما رُوِيَ عَن عَائِشَة ﵂ أَنَّهَا قَالَت كَانَ النَّبِي ﷺ يُصَلِّي من اللَّيْل ثَلَاث عشرَة رَكْعَة مِنْهَا الْوتر وركعتا الْفجْر هَذَا وَإِن الْمَرْفُوع بِالْمَعْنَى الأول أَعم مِنْهُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي وَأَنه أخص من الْمسند بِالْمَعْنَى الأول ومساوٍ لَهُ بِالْمَعْنَى الثَّانِي وأعم مِنْهُ بِالْمَعْنَى الثَّالِث وَأَن الْمَرْفُوع بِالْمَعْنَى الثَّانِي أخص من الْمسند بِأَيّ معنى كَانَ وَالْمَشْهُور والمستفيض هُوَ مَا اشْتهر بالتواتر بعد الْقرن الأول كَحَدِيث الْإِيمَان وَالصَّلَاة وَالزَّكَاة وَالصَّوْم وَالْحج والمعراج وَالتَّوْبَة والشفاعة والقبر والحشر وكحديث لَا وضوء لمن لم يسم الله وكحديث بَرِيرَة فَيكون آحَاد الأَصْل متواتر الْفَرْع فَيكون غير الْمُتَوَاتر وَغير آحَاد الأَصْل وَالْفرع وَقيل هُوَ مَا اشْتهر بالتواتر مُطلقًا سَوَاء كَانَ متواتراً فِي جَمِيع الْقُرُون

стр. 13

أَو فِي بَعْضهَا كَحَدِيث من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار فقد قيل رَاه اثْنَان وَسِتُّونَ صحابياً وَفِيهِمْ الْعشْرَة المبشرة وَقيل رَوَاهُ مِائَتَان وَلَا يعرف حَدِيث اجْتمع الْعشْرَة على رُوَاته وَلَا حَدِيث رَوَاهُ أَكثر من سِتِّينَ صحابياً غير هَذَا الحَدِيث وكحديث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فَإِنَّهُ قد تَوَاتر بعد الْقرن الأول وَإِن لم يتواتر فِيهِ فعلى هَذَا يكون أَعم من الْمُتَوَاتر لكنه مَا بَين الْآحَاد الأَصْل وَالْفرع أَيْضا والعزيز والفرد مَا انْفَرد راو وَاحِد بروايته أَو بِرِوَايَة زِيَادَة كَحَدِيث النَّهْي عَن بيع الْوَلَاء وهبته تفرد بِهِ عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر وكحديث فرض رَسُول الله ﷺ زَكَاة الْفطر من رَمَضَان على كل حر أَو عبد ذكر أَو أُنْثَى من الْمُسلمين تفرد مَالك من الثِّقَات بِزِيَادَة قَوْله من الْمُسلمين ثمَّ الْغَرِيب إِمَّا فَرد مُطلق وَإِمَّا فَرد نسبي كَحَدِيث شعب

стр. 14

الْإِيمَان تفرد بِهِ أَبُو صَالح عَن أبي هُرَيْرَة وكحديث مسح رَسُول الله ﷺ رَأسه بِمَاء غير فضل يَده تفرد بِهِ أهل مصر وَقد يُقَال أَيْضا الْغَرِيب إِمَّا غَرِيب متْنا وسنداً وَإِمَّا غَرِيب سنداً لَا متْنا وَإِمَّا غَرِيب متْنا كَحَدِيث إِن هَذَا الدّين متين فأوغل فِيهِ بِرِفْق

стр. 15

وَلَا تبغض إِلَى نَفسك عبَادَة الله تفرد بِهِ مُحَمَّد بن الْمُنْكَدر عَن جَابر وَتفرد بِهِ من بَين الصَّحَابَة قَالُوا هَذَا غَرِيب غير صَحِيح وكحديث لَا يَبِيع حَاضر لبادٍ وَقد رَوَاهُ جمَاعَة من الصَّحَابَة لَكِن تفرد بِهِ الشَّافِعِي عَن مَالك وكحديث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فَإِنَّهُ غَرِيب الأَصْل ومشهور الْفَرْع والقريب من الْغَرِيب الْعَزِيز هُوَ مَا انْفَرد بروايته اثْنَان أَو ثَلَاثَة بِلَا انْتِهَاء إِلَى حد الشُّهْرَة كَحَدِيث لَا يُؤمن أحدكُم حَتَّى أكون أحب إِلَيْهِ من وَالِده وَولده وَالنَّاس أَجْمَعِينَ

стр. 16

والشاذ قد اخْتلف فِيهِ فَقَالَ الشَّافِعِي هُوَ مَا رَوَاهُ الثِّقَة مُخَالفا لما رَوَاهُ النَّاس وَقَالَ الْبَعْض هُوَ مَا لَيْسَ لَهُ إِلَّا إِسْنَاد وَاحِد يسْتَند بِهِ شيخ ثِقَة كَانَ أَو غير ثِقَة كَمَا قَالَ الآخر هُوَ مَا انْفَرد بِهِ ثِقَة لَيْسَ لَهَا مَا يجْبر تفرده بِهِ كَحَدِيث كلوا البلح بِالتَّمْرِ وَلأَجل ذَلِك الِاخْتِلَاف قيل الشاذ إِمَّا شَاذ صَحِيح وَإِمَّا شَاذ حسن وَإِمَّا شَاذ مُنكر مَوْجُود تَنْبِيه يقرب من الشاذ زِيَادَة الثِّقَة كَحَدِيث جعلت لنا الأَرْض مَسْجِدا أَو جعلت تربَتهَا لنا طهُورا زِيَادَة بهَا

стр. 17

أَبُو مَالك سعد بن طَارق الْأَشْجَعِيّ وَسَائِر الرِّوَايَات لَفظهَا وَجعلت لنا الأَرْض مَسْجِدا أَو طهُورا والمستتر هُوَ الحَدِيث الَّذِي لم يُقَابل برد وَلَا قبُول كبعض الْأَحَادِيث المروية فِي فَضَائِل الْأَعْمَال وَالْمُنكر هُوَ الحَدِيث الَّذِي يتفرد بِهِ شخص وَلَا يعرف مَتنه عَن غير رَاوِيه من الْوَجْه الَّذِي رَوَاهُ وَلَا من وَجه وَهُوَ إِمَّا مَا خُولِفَ فِيهِ الثِّقَات أَو لَا بِشَرْط أَن لَيْسَ فِي رِوَايَة الثِّقَات يجْبر تفرده كَحَدِيث لَا يَرث الْمُسلم الْكَافِر وَلَا الْكَافِر الْمُسلم فَإِن مَالِكًا رَوَاهُ عَن الزُّهْرِيّ عَن عَليّ بن حُسَيْن عَن عمر بن عُثْمَان عَن أُسَامَة بن زيد عَن رَسُول الله صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 18

وَخَالف غَيره من الثِّقَات لِأَنَّهُ قَالَ عمر بن عُثْمَان بِضَم الْعين وَغَيره يَقُول عَمْرو بن عُثْمَان بِفَتْح الْعين وَعمر عَمْرو كِلَاهُمَا من ولد عُثْمَان وَصرح مُسلم صَاحب الصَّحِيح فِي كتاب التَّمْيِيز أَن غَيره من أَصْحَاب الزُّهْرِيّ قَالَ فِيهِ عَمْرو بن عُثْمَان بِفَتْح الْعين لَكِن لَا يخفى عَلَيْك أَن الْمُنكر هَهُنَا هُوَ السَّنَد لَا الْمَتْن فانه صَحِيح وَغير مُنكر بالِاتِّفَاقِ وكحديث كلوا البلح بِالتَّمْرِ تفرد بِهِ أَبُو زُكَيْرٍ بِضَم الزَّاي الْمُعْجَمَة وَهُوَ شيخ صَالح غير أَنه لم يبلغ مبلغ من يحْتَمل تفرده والمسلسل هُوَ مَا تَابع رجال سَنَده وَاحِدًا بعد وَاحِد على صفة واحدةٍ كالتسلسل بسمعت أَبُو بحدثني أَو بِغَيْر ذَلِك كَقَوْل الرَّاوِي سَمِعت فلَانا يَقُول سَمِعت فلَانا إِلَى آخر الْإِسْنَاد مثلا وَأظْهر فَوَائده وَزِيَادَة الضَّبْط وقلما يسلم عَن خلل فِي تسلسله وَقد يَنْقَطِع تسلسله فِي أَوَاخِر سَنَده كالمسلسل بِالْأولِ وَهُوَ الراحمون يرحمهم الرَّحْمَن ارحموا من فِي الأَرْض يَرْحَمكُمْ من فِي السَّمَاء فَإِن تسلسله بِهِ قد انْتهى فِيهِ

стр. 19

إِلَى سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَمن رَوَاهُ مسلسلاً بِهِ قد انْتهى فِيهِ إِلَى سُفْيَان بن عُيَيْنَة وَمن رَوَاهُ مسلسلاً بِهِ إِلَى منتهاه فقد وهم قلت أَنْشدني الْبَعْض فِي هَذَا الْمَعْنى قَالَ أَنْشدني ناظم هَذَا النّظم الْحبّ فِيك مسلسل بِالْأولِ فاحنن وَلَا تسمع ملا العذل ... وَارْحَمْ عبد الله يَا من قد علا من يرحم السُّفْلى يرحمه العلى والمعنعن هُوَ مَا يرويهِ شخص عَن شَيْخه بِلَفْظَة عَن بِلَا تعرض للتحديث والإخبار وَالسَّمَاع نَحْو مَا روى مَالك عَن هِشَام بن عُرْوَة عَن أَبِيه عَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول إِن الله لَا يقبض الْعلم انتزاعاً ينتزعه من الْعباد وَلَكِن يقبض الْعلم بِقَبض الْعلمَاء حَتَّى إِذا لم يبْق عَالم اتخذ النَّاس رُؤَسَاء جُهَّالًا فسئلوا فأفتوا بِغَيْر علم فضلوا وأضلوا

стр. 20

هَذَا ثمَّ إِنَّهُم قد اخْتلفُوا فِي أَن إِمْكَان اللِّقَاء هَل يَكْفِي فِيهِ أم لَا فَقَالَ بعض الْمُحَقِّقين يَكْفِي فِيهِ إِمْكَان اللِّقَاء وَادّعى مُسلم فِي مُقَدّمَة صَحِيحه الْإِجْمَاع على ذَلِك وَقَالَ البُخَارِيّ وَأَبُو بكر الصَّيْرَفِي لَا يَكْفِي فِيهِ إِمْكَان اللِّقَاء بل لَا بُد من ثُبُوت اللِّقَاء وَهُوَ الْأَصَح عِنْد الْمُتَأَخِّرين وَقَالَ أَبُو المظفر السَّمْعَانِيّ بل لَا بُد مَعَ ذَلِك من طول صحبته لَهُ وَقَالَ أَبُو عمر الْمقري لَا يَكْفِي فِيهِ هَذَا الْقدر بل لَا بُد مَعَه من أَن يكون الرَّاوِي مَعْرُوفا بالرواية عَنهُ والمرسل مقول على معَان فَنَقُول هُوَ مَا رَفعه التَّابِعِيّ إِلَى النَّبِي ﷺ سَوَاء كَانَ من كبار التَّابِعين أَو من صغارهم كسعيد بن الْمسيب وَالزهْرِيّ وَسَوَاء كَانَ الْمَرْفُوع قولا أَو فعلا صورته أَن يَقُول التَّابِعِيّ قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا أَو فعل كَذَا أَو فعل بِحَضْرَتِهِ كَذَا أَو نَحْو ذَلِك وَقيل هُوَ مَا رَفعه التَّابِعِيّ الْكَبِير إِلَيْهِ صلى الله عَلَيْهِ وَسلم

стр. 21

وَكِلَاهُمَا شَائِع عِنْد أهل الحَدِيث، إِلَّا أَن الأول أشهر. وَقيل: هُوَ مَا رَفعه التَّابِعِيّ وَمن بعده إِلَيْهِ ﵊ وَهَذَا هُوَ الْمَعْرُوف فِي الْفِقْه وَالْأُصُول. هَذَا، ثمَّ إِن مَا يرويهِ الصَّحَابَة الْأَحْدَاث وَلم يسمعوه من النَّبِي ﵊ كالحسن بن عَليّ وَابْن عَبَّاس وَابْن الزبير وَأنس بن مَالك وَنَحْوهم، فَالْأَصَحّ أَنه لَا يُسمى مُرْسلا، بل هُوَ كالمتصل فِي الحكم لِأَن الظَّاهِر رِوَايَة أَمْثَال هَؤُلَاءِ عَن الصَّحَابَة، والجهالة بالصحابة لَيست بقادحة، لِأَن الصَّحَابَة كلهم عدُول. فعلهم من هَذَا مَا رَفعه كبار الصَّحَابَة إِلَيْهِ _ ﵊ _ لَا يُسمى مُرْسلا: عِنْدهم بِالطَّرِيقِ الأولى، وَإِن وَقع ذَلِك عِنْد أهل الْأُصُول، وَلِهَذَا يُقَال: مَا رَفعه الصَّحَابِيّ إِلَيْهِ ﵊ مَحْمُول على السماع، ثمَّ عَن بعض الْأَحَادِيث: " لَا نِكَاح إِلَّا بولِي " ... . .

стр. 22

و (الْمُعَلق) : هُوَ مَا حذف فِيهِ بعض رِجَاله من أول إِسْنَاده، سَوَاء كَانَ الْمَحْذُوف وَاحِدًا أَو مُتَعَددًا، كَقَوْل نَافِع: قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا، وكقول مَالك: قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا. قَالَ تَقِيّ الدّين بن الصّلاح، وَلم أجد لفظ (التَّعْلِيق) مُسْتَعْملا فِيمَا سقط فِيهِ بعض رجال الْإِسْنَاد من وَسطه أَو من آخِره. قلت: يحمل هَذَا على أَنه لم يجده مُسْتَعْملا فِيمَا ذكره عِنْد الْأَكْثَر، فَإِن شرذمة قد استعملته فِيمَا حذف فِيهِ كل رجال إِسْنَاده، كَقَوْل الرَّاوِي: قَالَ رَسُول الله ﷺ كَذَا وَكَذَا. وَقد صرح بهَا فِي كِتَابه أَيْضا. وَقد اسْتعْمل الْبَعْض الآخر الْمُعَلق: فِيمَا حذف فِيهِ بعض رِجَاله من غير أول سَنَده، كَحَدِيث اللَّيْث فِي التميم، فَإِن مُسلما صَاحب الصَّحِيح قَالَ: وروى اللَّيْث بن سعد. وَلم يُوصل مُسلم إِسْنَاده إِلَى اللَّيْث. وَقد أسْندهُ

стр. 23

البُخَارِيّ عَن يحيى بن بكير عَن اللَّيْث بن سعد عَن جَعْفَر إِلَى آخِره. وَالْحَاصِل أَن أَمْثَال مَا ذكر اصْطِلَاحَات لَا حجر مِنْهَا. و (الْمَقْطُوع) : هُوَ مَا أضيف إِلَى تَابِعِيّ مَوْقُوفا عَلَيْهِ، سَوَاء كَانَ قَوْله أَو فعله، كَقَوْل الرَّاوِي: قَالَ الزُّهْرِيّ كَذَا أَو فعل كَذَا. وَقد اسْتعْمل الْبَعْض الْمُنْقَطع فِي القَوْل الْمَوْقُوف على التَّابِعِيّ أَيْضا و (الْمُنْقَطع) مقول على معَان: فَقَالَ جمع من الْمُحدثين وَأكْثر الْفُقَهَاء هُوَ كل مَا لَا يتَّصل إِسْنَاده على أَي وَجه كَانَ انْقِطَاعه، كَحَدِيث " إِن وليتموها أَبَا بكر فقوي، أَمِين لَا تَأْخُذهُ فِي الله لومة لائم، وَإِن وليتموها عليا فهاد مهْدي يقيمكم على صِرَاط مُسْتَقِيم " فَإِن صورته صُورَة الْمُتَّصِل لكنه مُنْقَطع معنى، فَإِن الثَّوْريّ رَوَاهُ عَن أبي إِسْحَاق، وَبَين الثَّوْريّ وَأبي إِسْحَاق شريك، فَيكون الْمُنْقَطع بِهَذَا الْمَعْنى

стр. 24

مُسَاوِيا للمرسل بِالْمَعْنَى الثَّالِث، وَيكون أَعم من الْمُنْقَطع، وَلِهَذَا قَالَ ابْن الصّلاح: المعضل: لقب لنَوْع خَاص من الْمُنْقَطع. وَقيل هُوَ مَا سقط من رُوَاته شخص وَاحِد غير الصَّحَابِيّ، فَيكون الْمُنْقَطع - بِهَذَا الْمَعْنى - غير المعضل: هُوَ بِفَتْح الضَّاد من: أعضله الْأَمر، (لَا من: أعضل الْأَمر) . فَصَارَ شَأْن الْمَرْوِيّ مُشكلا فِي كَونه حَدِيثا مروياً عَن النَّبِي ﷺ . و (المعضل) : هُوَ مت يسْقط فِيهِ اثْنَان فَصَاعِدا على أَي وَجه كَانَ، كَحَدِيث " للمملوك طَعَامه وَكسوته بِالْمَعْرُوفِ وَلَا يُكَلف من الْعَمَل إِلَّا مَا يُطيق "، فَإِن مَالك بن أنس أعضله فِي كتاب الْمُوَطَّأ حَيْثُ رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة، وَبَينه وَبَين أبي هُرَيْرَة - رضى الله عَنْهُمَا - مُحَمَّد بن عجلَان وَأَبوهُ. و (المدلس) : هُوَ مَا حصل اشْتِبَاه فِي إِسْنَاده أَو فِي رِجَاله، فَالْأول: أ، يروي الرَّاوِي عَمَّن لقِيه مَا لم يسمعهُ مِنْهُ موهما أَنه سَمعه مِنْهُ، أَو عَمَّن عاصره وَلم يَله موهماً أَنه لقِيه وسَمعه مِنْهُ. وَالثَّانِي: أَن يروي عَن شيخ حَدِيثا سَمعه مِنْهُ إِلَّا أَنه لَا يذكرهُ باسمه الْمَشْهُور لغَرَض من الْأَغْرَاض، بل بِغَيْر مَشْهُور

стр. 25

كنسبة أَو كنيته أَو غير ذَلِك. وَأما المدلس تَدْلِيس التَّسْوِيَة فَلَيْسَ خَارِجا عَن الْقسمَيْنِ الْمَذْكُورين فِي التَّحْقِيق، وَإِن عده بعض الْمُتَأَخِّرين قسما ثَالِثا نظرا إِلَى الظَّاهِر. وَصورته أَن يروي حَدِيثا عَن ثِقَة، وَذَلِكَ الثِّقَة عَن ضَعِيف فَيسْقط الضَّعِيف من الْبَين ويروي الحَدِيث عَن شَيْخه الثِّقَة عَن الثِّقَة بِلَفْظ مُحْتَمل فَيرى كل رجال الْإِسْنَاد ثِقَات. وَكَانَ الْوَلِيد بن مُسلم يفعل ذَلِك كثيرا، وَكَذَا بَقِيَّة بن الْوَلِيد، روى بَقِيَّة بن الْوَلِيد عَن أبي وهب الْأَسدي عَن نَافِع عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ قَالَ: " لَا تحمدوا إِسْلَام الْمَرْء حَتَّى تعرفوا عقدَة رَأْيه " وَقد ذكر بَقِيَّة عبيد الله بن عَمْرو، وَبَين نَافِع (وَعبيد الله) إِسْحَاق بن أبي فَرْوَة على مَا رَوَاهُ أَبُو حَاتِم.

стр. 26

هَذَا، ثمَّ إِن مَا وَقع مدلساً ب (عَن) فِي الْكتب الصَّحِيحَة مَحْمُول على ثُبُوت سَمَاعه من جِهَة أُخْرَى. و (الْمُعَلل) : هُوَ مَا اطلع فِيهِ على عِلّة قادحة وَظَاهره السَّلامَة مِنْهَا. وَهُوَ إِمَّا مُعَلل إِسْنَاده، أَو مُعَلل مَتنه، أَو كِلَاهُمَا، كَحَدِيث " البيعان بِالْخِيَارِ " فَإِن يعلى بن عبيد الله قد روى هَذَا الحَدِيث عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن عَمْرو بن دِينَار عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ فقد دخلت عَن سُفْيَان الثَّوْريّ عَن سَنَده، فَإِن غَيره من أَصْحَاب سُفْيَان رَوَوْهُ عَن سُفْيَان عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ ، فَوَهم يعلى بن عبيد الله وَعدل بن عبد الله بن دِينَار إِلَى عَمْرو بن دِينَار، مَعَ أ، كليهمَا ثِقَة، فَيكون سَنَده معلولاً من جِهَة قَوْله: عَن عَمْرو بن دِينَار، والمتن صَحِيحا على كل حَال. وَمِثَال الْعلَّة القادحة فِي الْمَتْن مَا رُوِيَ فِي حَدِيث أنس من اللَّفْظ الْمُصَرّح بِنَفْي قِرَاءَة (بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم) ، فَإِن قَوْله: " فَكَانُوا يستفتحون الْقِرَاءَة بِالْحَمْد بِاللَّه رب الْعَالمين " لم يتَعَرَّض لذكر الْبَسْمَلَة أصلا، لَا بِالنَّفْيِ، وَلَا بالإثبات، لَكِن الرَّاوِي قد فهم من قَوْله: " وَكَانُوا يستفتحون بِالْحَمْد ".

стр. 27

أَنهم كَانُوا لَا يبسملون، فَرَوَاهُ على حسب مَا فهمه، وَأَخْطَأ فِيهِ لِأَن مَعْنَاهُ أَن السُّورَة الَّتِي يستفتحون بهَا من السُّورَة هِيَ الْفَاتِحَة وَلَا تعرض فه لذكر الْبَسْمَلَة أصلا كَمَا ترى، وَقد ثَبت عَن أنس أَنه سُئِلَ عَن الِافْتِتَاح بالبسملة فَذكر أَنه لَا يحفظ فِيهِ شَيْئا عَن رَسُول الله ﷺ وَالتَّحْقِيق أَن الْبَسْمَلَة إِن ثَبت أَنَّهَا جُزْء من الْفَاتِحَة فقد علم قطعا أَنه أَخطَأ فِيمَا رَوَاهُ، وَإِلَّا فَلَا سَبِيل إِلَى الْقطع بخطأه فِي ذَلِك وَمِثَال الثَّالِث الْمُعَلل بِالْإِرْسَال وَالْوَقْف. وَقد يُطلق الْمُعَلل على مَا لَيْسَ فِيهِ عِلّة قادحة، كالحديث الْمُرْسل الَّذِي أسْندهُ الثِّقَة الضَّابِط، وَلِهَذَا قَالَ بَعضهم: من أَقسَام الصَّحِيح مَا هُوَ صَحِيح مَعْلُول، كَمَا قَالَ الآخر: من الصَّحِيح مَا هُوَ صَحِيح شَاذ، وَيُطلق (الْمَعْلُول) على مَا يُطلق عَلَيْهِ (الْمُعَلل) عِنْدهم، فَإِن غرضهم بَيَان طرق أَدَاء الْمَعْنى بِأَيّ وَجه كَانَ، لَا بَيَان اللُّغَة على سَبِيل النَّقْل عَن أَهلهَا، أَلا ترى أَنهم يَقُولُونَ من جملَة طَرِيق الْأَخْذ والتحمل الوجادة مَعَ ا، امولدة، وَنَظِير ذَلِك أَكثر من أَن يُحْصى، كالمعربات، والمولدات وَأكْثر عِبَارَات المؤلفين، فَإِذن لَا يضرهم عدم ثُبُوت ذَلِك عِنْد أهل اللُّغَة. و (الْمُخْتَصر) : هُوَ مَا ذكر بعضه وَطرح بعضه عِنْد الرِّوَايَة، كَمَا روى حُذَيْفَة بن الْيَمَان قَالَ: " كنت مَعَ النَّبِي ﷺ فَبَال وَتَوَضَّأ وَمسح على خفيه " فَإِنَّهُ مُخْتَصر من حَدِيث مطول.

стр. 28

فَاخْتلف فِي ذَلِك، فَالصَّحِيح أَن الِاخْتِصَار يجوز للْعَالم الْعَارِف، بِحَيْثُ أَن مَا اخْتَصَرَهُ لَا يكون مختل الْبَيَان بترك مَا تَركه، وَيكون مَا تَركه متميزاً عَمَّا اخْتَصَرَهُ غير مُتَعَلق بِهِ، فيكونان بِمَنْزِلَة خبرين منفصلين. وَالأَصَح - أَيْضا - أَن الرواي يجوز لَهُ أَن يروي مَا سَمعه بِاللَّفْظِ دون الْمَعْنى إِذا كَانَ عَالما بمدلات الْأَلْفَاظ ومقاصدها، خَبِيرا بِمَا يحِيل مَعَانِيهَا، بَصيرًا بمقادير التَّفَاوُت بَينهَا. حُكيَ أَن رجلا قَالَ: يَا رَسُول الله إِنِّي أسمع مِنْك الحَدِيث لَا أَسْتَطِيع أَن أؤذيه كَمَا أسمع مِنْك، نزي حرفا، أَو ننقص حرفا، فَقَالَ: " إِذا لم تحلوا حاماً وَلم تحروموا حَلَالا وأصبتهم الْمَعْنى فَلَا بَأْس " فَذكر ذَلِك لِلْحسنِ فَقَالَ: لَوْلَا هَذَا مَا حَدثنَا. ثمَّ إِن مَا تضمنته بطُون الْكتب والأوراق، فقد قيل فِيهِ لَيْسَ لأحد أَن يُغير لفظ شَيْء من كتاب مُصَنف وَيثبت بدله فِيهِ لفظا بِمَعْنَاهُ، فَإِنَّهُ لَا يملك تَغْيِير تصنيع غَيره، على أَن الْمَعْنى الباغعث على الرُّخْصَة فِي الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى غير مَوْجُودَة هَهُنَا. و (المقلوب) : هُوَ مَا اشْتهر عَن راو ثمَّ جعل عَن راو آخر فِي طبقته ليصبر غَرِيبا مرغوباً فِيهِ، كَمَا أَن الحَدِيث الْمَشْهُور عَن سَالم جعل عَن نَافِع

стр. 29

للاستغراب، وَقد يُؤْخَذ سَنَد مَتنه فَيجْعَل على متن آخر وَيجْعَل مَتنه بِإِسْنَاد آخر لغَرَض من الْأَغْرَاض. رُوِيَ أَن البُخَارِيّ قدم بَغْدَاد فَسمع بِهِ أَصْحَاب الحَدِيث فَاجْتمع قبل مَجْلِسه قوم مِنْهُم وعمدوا إِلَى مائَة حَدِيث فقبلوا متونها وأسانيدها، وَجعلُوا متن هَذَا الْإِسْنَاد لإسناد آخر، وَإسْنَاد هَذَا الْمَتْن لمتن آخر، ثمَّ حَضَرُوا مَجْلِسه وألقوها عَلَيْهِ، فَلَمَّا فرغوا من إِلْقَاء تِلْكَ الْأَحَادِيث المقلوبة الْتفت إِلَيْهِم فَرد كل متن إِلَى إِسْنَاده، وكل إِسْنَاد إِلَى مَتنه، فأقروا لَهُ بِالْحِفْظِ وأذعنوا لَهُ بِالْفَضْلِ. وَمن أَقسَام المقلوب: مَا انْقَلب على رِوَايَة وَلَك يقْصد قلبه، كَحَدِيث " إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا تقوموا حَتَّى تروني " فَإِنَّهُ حَدِيث مَشْهُور عَن يحيى ابْن أبي كثير عَن عبد الله بن أبي قَتَادَة عَن أَبِيه عَن النَّبِي ﷺ فَوَهم جرير ابْن حَازِم وَجعله عَن ثَابت البناتي عَن أنس عَن النَّبِي ﷺ .

стр. 30

و (مُخْتَلف الحَدِيث) : هُوَ مَا خَالفه حَدِيث آخر مثله فِي مضمونه بِحَيْثُ يُمكن الْجمع بَينهمَا، كَحَدِيث " فر من المجذوم فرارك من الْأسد "، وَحَدِيث " لَا يُورد ممرض على مصح " فَإِن كلا مِنْهُمَا يُخَالف حَدِيث " لَا عدوى وَلَا طيرة " فَهَذَا الحَدِيث إِشَارَة إِلَى حسم مَادَّة الْوَهم وَالْفساد، وَإِلَى سد بَاب الذرائع، وَإِلَى نفي مَا كَانَ عَلَيْهِ يَعْتَقِدهُ أهل الْجَاهِلِيَّة وَبَعض الْحُكَمَاء من أَن مثل هَذِه الْأَمْرَاض يعدي بطبعه، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِي ﷺ " فَمن أعدى الأول " يَعْنِي أَن الله وَهُوَ الْخَالِق لكل شَيْء،

стр. 31

سَوَاء كَانَ ذَلِك مُقَارنًا بِسَبَب أَو لَا. وَذَلِكَ الحَدِيث، أَعنِي قَوْله " فر من المجذوم ... " إِلَى آخِره تَنْبِيه على أَن الله يخلق بعض الْأَمْرَاض بِخلق سَببه عِنْد المخالطة وَقد يتَخَلَّف ذَلِك الْمَرَض عَن سَببه، وَهَذَا مَذْهَب أهل السّنة فَإِنَّهُم قَالُوا: إِن النَّار لَا تحرق بطبعها وَلَا الطَّعَام يشْبع بطبعه وَلَا وَالْمَاء يروي بطبعه، وَإِنَّمَا الطَّبْع سَبَب بِلَا تَأْثِير وكل ذَلِك إِنَّمَا يكون بقدرة الله وإرادته وخلقه. هَذَا إِذا أمكن الْجمع بَينهمَا، وَإِلَّا فَإِن علم التأريخ وَثَبت أَن أَحدهمَا مُتَأَخّر: فَهُوَ النَّاسِخ، وَالْآخر: مَنْسُوخ.

стр. 32

كَحَدِيث بَرِيرَة فِي صَحِيح مُسلم: " كنت نَهَيْتُكُمْ عَن زِيَارَة الْقُبُور فزوروها فَإِنَّهَا تذكر الْآخِرَة ". وَإِن لم يعلم تأريخها وَأمكن تَرْجِيح أَحدهمَا على الآخر يكون الْمُرَجح مقدما، وَإِلَّا فَتعين التَّوَقُّف عَن الْعَمَل بِأحد الْحَدِيثين، وَالتَّعْبِير بالتساقط لجَوَاز أَن يظْهر تَرْجِيح أَحدهمَا بعد الْحَالة الراهنة. و (المضرب) : هُوَ مَا اخْتلف فِيهِ رِوَايَتَانِ أَو أَكثر بِحَيْثُ تَسَاوَت الرِّوَايَتَانِ أَو الْأَكْثَر، وَلذَلِك سمي مضطرباً. وَالِاضْطِرَاب يَقع كثيرا فِي السَّنَد، وَقد يَقع فِي الْمَتْن، كَحَدِيث " الْمُصَلِّي إِذا لم يجد عَصا ينصبها بَين يَدَيْهِ فليخط خطا "، فَإِن مدَار هَذَا

стр. 33

الحَدِيث على إِسْمَاعِيل بن أُميَّة فَاخْتلف الروَاة، فَرَوَاهُ بشر بن الْمفضل عَن إِسْمَاعِيل عَن أبي عَمْرو بن مُحَمَّد بن حُرَيْث عَن جده حُرَيْث عَن أبي هُرَيْرَة عَن رَسُول الله ﷺ وَرَوَاهُ سُفْيَان الثَّوْريّ عَن إِسْمَاعِيل عَن ابي عَمْرو بن حُرَيْث بن سليم عَن ابيه عَن أبي هُرَيْرَة، إِلَى غير ذَلِك من الِاضْطِرَاب فِيهِ. وكحديث فَاطِمَة بنت قيس، قَالَت: سَأَلت أَو سُئِلَ النَّبِي ﷺ عَن الزَّكَاة فَقَالَ: " إِن فِي المَال لَحقا سوى الزَّكَاة "، فَإِن هَذَا الحَدِيث قد اضْطربَ لَفظه وَمَعْنَاهُ، فَإِن التِّرْمِذِيّ رَوَاهُ هَكَذَا: عَن شريك عَن أبي حَمْزَة عَن الشّعبِيّ عَن فَاطِمَة، وَرَوَاهُ ابْن مَاجَه من هَذَا الْوَجْه بِلَفْظ:

стр. 34

" لَيْسَ فِي المَال حق سوى الزَّكَاة ". و (الِاعْتِبَار والمتابعات والشواهد) : هَذِه الْأَلْفَاظ متداولة بَين أهل الحَدِيث يتعرفون بهَا أَحْوَال الْأَحَادِيث: فالاعتبار: من العبور. وَالْمرَاد مِنْهُ - هَهُنَا - رد الحَدِيث إِلَى أصل يرجع إِلَيْهِ. قَالَ الله - تَعَالَى - ﴿فاعتبروا يَا أولي الْأَبْصَار﴾ . مِثَال الِاعْتِبَار: أَن يروي حَمَّاد بن سَلمَة - مثلا - حَدِيثا عَن ايوب عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ﷺ فَينْظر هلى روى ذَلِك الحَدِيث ثِقَة غير أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين؟ فَإِن وجد علم أَن للْخَبَر أصلا يرجع إِلَيْهِ، وَإِن لم يُوجد ذَلِك فَثِقَة غير ابْن سِيرِين رَوَاهُ عَن أبي هُرَيْرَة، وَإِلَّا فصحابي غير أبي هُرَيْرَة رَوَاهُ عَن النَّبِي ﷺ فَأَي ذَلِك وجد يعلم بِهِ أَن للْحَدِيث أصلا يرجع إِلَيْهِ، وَإِلَّا فَلَا. فَهَذَا هُوَ الِاعْتِبَار، وَمَعْلُوم أَنه غير الْمُتَابَعَة، فَمن قَالَ: أَنه لَيْسَ خَارِجا عَنْهَا فقد بعد عَن المرام. وَأما المتابعات فَهِيَ: جمع مُتَابعَة، مَأْخُوذَة من قَوْلهم:

стр. 35

تَابع الرجل عمله: إِذا أتقنه وأحكمه. وَالْمرَاد مِنْهَا - هنها -: هُوَ أَن يروي راويان أَو أَكثر فِي طبقَة وَاحِدَة حَدِيثا وَاحِدًا. وَأما سَبَب اخْتِيَار الْمَزِيد على الثلاثي مَعَ أَنه أخصر يدل على معنى التّبعِيَّة أَيْضا فَهُوَ الْإِشَارَة إِلَى زِيَادَة الضَّبْط والإتقان مَعَ الرَّمْز إِلَى دفع توهم التحكم بِلَا برهَان. وَأما مِثَال الْمُتَابَعَة: فَهُوَ أَن يروي ذَلِك الحَدِيث بِعَيْنِه غير حَمَّاد عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة. ثمَّ الْمُتَابَعَة إِمَّا تَامَّة إِن حصلت الْمُشَاركَة من جِهَة الرواي، وَأما قَاصِرَة إِن حصلت من جَانب شَيْخه أَو مِمَّن فَوْقه، وَذَلِكَ قَوْله - عَلَيْهِ لاصلاة وَالسَّلَام - " الشَّهْر تسع وَعِشْرُونَ فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تروا الْهلَال، وَلَا تفطروا حَتَّى تروه فَإِن غم عَلَيْكُم فأكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ فَإِن الشَّافِعِي رَوَاهُ فِي (الْأُم) عَن مَالك عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ﷺ تَابعه عبد الله بن مسلمة القعْنبِي عَن مَالك عَن عبد الله بن دِينَار عَن ابْن

стр. 36

عمر. قيل فِيهِ: (مُتَابعَة قَاصِرَة) أَيْضا، فَإِن عَاصِمًا بن مُحَمَّد عَن أَبِيه مُحَمَّد بن زيد عَن جده عبد الله بن عمر بِلَفْظ: " فَكَلَّمُوا ثَلَاثِينَ ". ثمَّ إِن الحَدِيث الَّذِي يرويهِ المتابع - بِكَسْر الْبَاء الْمُوَحدَة - إِن كَانَ غير الحَدِيث الَّذِي يرويهِ - بِفَتْح الْبَاء - وَكَانَت الْمُشَاركَة فِي الْمُتَابَعَة التَّامَّة يُسمى (تَابعا) . وَإِن كَانَت الْمُشَاركَة فِي الْمُتَابَعَة - بِالْفَتْح - فيسمى (مُتَابعًا عَلَيْهِ) ، وَقد مر مثالهما آنِفا. وَقد يُطلق (المتابع عَلَيْهِ) على الشَّيْخ الَّذِي يروي عَنهُ راويان أَو أَكثر. وَأما الحَدِيث الَّذِي يرويهِ أحد الروايين إِن كَانَ مُوَافقا لحَدِيث الرَّاوِي الآخر معنى لَا لفظا يُسمى (شَاهدا) ، كَحَدِيث " أَيّمَا إهَاب دبغ فقد طهر ". فَإِنَّهُ شَاهد لحَدِيث " أَلا نزعتم إهابها، فدبغتموه فانتفعتم بِهِ ". وَأما الحَدِيث الَّذِي عدمت فِيهِ المتابعات والشواهد فيسمى (فَردا) مِثَاله مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ من رِوَايَة حَمَّاد بن سَلمَة عَن أَيُّوب عَن ابْن سِيرِين عَن أبي هُرَيْرَة - أرَاهُ رَفعه: " أحبب حَبِيبك هونا مَا " ... الحَدِيث. ثمَّ إِن الْفَرد إِمَّا مَقْبُول وَإِمَّا مَرْدُود، وَقد مرت إِلَيْهِ الْإِشَارَة

стр. 37

فِي بحث الْغَرِيب و (الْمَوْقُوف) : هُوَ مَا روى عَن الصَّحَابِيّ مُقْتَصرا عَلَيْهِ، من قَوْله وَفعله وَنَحْوهمَا، سَوَاء اتَّصل إِسْنَاده إِلَيْهِ أَو لم يتَّصل، على حسب مَا عرف مثله فِي الموفوع إِلَى الرَّسُول ﵊ مِثَاله: قَول الصَّحَابِيّ كُنَّا نَفْعل كَذَا أَو تَقول كَذَا، من غير إِضَافَته إِلَى زمَان النَّبِي ﷺ . وَأما إِذا قَالَ: كُنَّا نَفْعل كَذَا، أَو تَقول كَذَا فِي حَيَاته وَهُوَ فِينَا، أَو أمرنَا بِكَذَا، أَو نهينَا عَن كَذَا، أَو من السّنة كَذَا سَوَاء قَالَ فِي زمَان الرَّسُول أَو بعده، فَالصَّحِيح أَنه مَرْفُوع مُسْند خلافًا لبَعض، كَمَا إِذا قَالَ: أمرنَا رَسُول الله ﷺ بِكَذَا، فَإِنَّهُ مَرْفُوع مُسْند بالِاتِّفَاقِ. ثمَّ إِن قصر الْمَوْقُوف على الصَّحَابِيّ إِذا كَانَ مُطلقًا، وَأما إِذا كَانَ مُقَيّدا فيستعمل فِي غَيره، فَيُقَال: هَذَا مَوْقُوف على عَطاء، أَو على مَالك. هَذَا عِنْد أهل الْحَدث. وَأما الْفُقَهَاء فَيَقُولُونَ: الْخَبَر: مَا يرْوى عَن النَّبِي ﷺ والأثر: مَا يرْوى عَن الصَّحَابَة - رضى الله عَنهُ -. و (المدرج) : هُوَ مَا انتظم فِي سلك غَيره وَدخل تَحْتَهُ، وَله أَقسَام، وأشهرها: هُوَ مَا أدرج فِي الحَدِيث من كَلَام روايه لغَرَض من الْأَغْرَاض، من غير أَن يقْصد أَنه من الحَدِيث، سَوَاء كَانَ صحابياً أَو غَيره، وَسَوَاء أدرج فِي أول الحَدِيث أَو وَسطه أَو آخِره. مِثَال الأول: نَحْو " أَسْبغُوا الْوضُوء، ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار "، فَإِن

стр. 38

أَسْبغُوا الْوضُوء من كَلَام أبي هُرَيْرَة وَمِثَال الثَّانِي نَحْو من مس ذكره أَو أنثييه أَو رَفعه فَليَتَوَضَّأ فَإِن

стр. 39

قَوْله أَو أنثييه أَو رَفعه من كَلَام عُرْوَة بن الزبير وَمِثَال الثَّالِث كَأُمّ روى زُهَيْر بن مُعَاوِيَة عَن السحن بن الْحر عَن الْقَاسِم بن مخيمرة قَالَ أَخذ عَلْقَمَة بيَدي وحَدثني أَن عبد الله بن مَسْعُود أَخذ بِيَدِهِ وحدثه أَن رَسُول الله ﷺ أَخذ بيد عبد الله بن مَسْعُود فَقَالَ فَإِذا قلت هَذَا فقد قضيت صَلَاتك إِن شِئْت أَن تقوم فَقُمْ وَإِن شِئْت أَن تقعد فَاقْعُدْ فَإِن قَوْله إِذا قلت هَذَا إِلَى آخِره مدرج فِي

стр. 40

الحَدِيث من كَلَام عبد الله بن مَسْعُود قَالَ النَّوَوِيّ فِي الْخُلَاصَة اتّفق الْحفاظ على أَنه مدرجة انْتهى وَأما قَول الْخطابِيّ فِي الْعَالم اخْتلفُوا فِيهِ هَل هُوَ من قَول النَّبِي ﷺ أَو من قَول ابْن مَسْعُود فقد قَالَ الْبَعْض فِي تَوْجِيهه المُرَاد مِنْهُ اخْتِلَاف الروَاة فِي وَصله وفصله لَا اخْتِلَاف الْحفاظ فَإِنَّهُم متفقون على أَنَّهَا مدرجة والمصحف والمحرف وَهُوَ مَا غَيره شخص عَن أَصله ظَانّا أَنه هُوَ الْوَاقِع سَوَاء كَانَ المغيير متْنا أَو سنداً وَسَوَاء كَانَ لفظا أَو معنى أَو غير ذَلِك وَذَلِكَ فِي نحول النَّبِي ﷺ من صَامَ رَمَضَان وَأتبعهُ سِتا من شَوَّال فَإِن أَبَا بكر الصولي صحفه فَقَالَ شَيْئا وَفِي الْعَوام بن مراجم بالراء والحاء
следующие страницы →