Полный текст (855 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
يَقُول هَذَا حَدِيث فِيهِ وهم وَإِنَّمَا هُوَ عَن عبد الرَّحْمَن بن عبد الله بن دِينَار عَن أَبِيه عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ص =
٥١ - سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ الْفضل بن دُكَيْن عَن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن مجمع عَن الزُّهْرِيّ عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي هُرَيْرَة قَالَ إِذا أُقِيمَت الصَّلَاة فَلَا صَلَاة إِلَّا الْمَكْتُوبَة
فَقَالَ هَذَا خطأ إِنَّمَا هُوَ إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل بن عَمْرو بن دِينَار عَن عَطاء بن يسَار عَن أبي هُرَيْرَة لَيْسَ لِلزهْرِيِّ معنى كَذَا رَوَاهُ الدَّرَاورْدِي وَهَذَا الصَّحِيح مَوْقُوف قيل قد رَفعه عبيد الله بن مُوسَى عَن إِبْرَاهِيم بن إِسْمَاعِيل فَقَالَ هُوَ خطأ إِنَّمَا هُوَ مَوْقُوف
٥٢ - سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ أَبُو الرّبيع الزهْرَانِي عَن حَمَّاد بن زيد عَن عَمْرو بن دِينَار عَن جَابر عَن النَّبِي ص = بَين العَبْد وَالْكفْر ترك الصَّلَاة
فَقَالَ أَبُو زرْعَة هَذَا خطأ رَوَاهُ بعض الثِّقَات من أَصْحَاب حَمَّاد فَقَالَ حَدثنَا حَمَّاد قَالَ حَدثنَا عَمْرو بن دِينَار أَو حدثت عَنهُ عَن جَابر
مَوْقُوف
قلت لأبي زرْعَة الْوَهم مِمَّن هُوَ قَالَ مَا أَدْرِي يحْتَمل أَن يكون حدث حَمَّاد مرّة كَذَا وَمرَّة كَذَا
قلت فبلغك أَنه توبع أَبُو الرّبيع فِي هَذَا الحَدِيث فَقَالَ مَا بَلغنِي أَن أحدا تَابعه
وَقَالَ أبي رَوَاهُ بَعضهم مَرْفُوعا بِلَا شكّ وَهُوَ أَبُو الرّبيع وَبَعْضهمْ بِالشَّكِّ غير مَرْفُوع وَكَأن بِالشَّكِّ غير مَرْفُوع أشبه
٥٣ - سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ سُفْيَان وَإِسْرَائِيل عَن أبي إِسْحَاق عَن أبي ليلى الْكِنْدِيّ عَن سلمَان قَالَ لَا نؤمكم وَلَا ننكح نساءكم
قلت وَرَوَاهُ شُعْبَة عَن أبي إِسْحَاق عَن أَوْس بن ضمعج عَن سلمَان قلت أَيهمَا الصَّحِيح فَقَالَا سُفْيَان أحفظ من شُعْبَة وَحَدِيث الثَّوْريّ أصح
٥٤ - سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ الْمُعْتَمِر بن سُلَيْمَان عَن أَبِيه عَن قَتَادَة عَن أنس قَالَ كَانَت عَامَّة وَصِيَّة رَسُول الله ص = حِين
стр. 597
حَضْرَة الْمَوْت الصَّلَاة وَمَا ملكت أَيْمَانكُم
قَالَ أبي نرى أَن هَذَا خطأ وَالصَّحِيح حَدِيث همام عَن قَتَادَة عَن صَالح أبي الْخَلِيل عَن سفينة عَن أم سَلمَة عَن النَّبِي ص =
قَالَ أَبُو زرْعَة رَوَاهُ سعيد بن أبي عرُوبَة فَقَالَ عَن قَتَادَة عَن سفينة عَن أم سَلمَة عَن النَّبِي ص =
وَقَالَ وَابْن أبي عُرْوَة أحفظ وَحَدِيث همام أشبه زَاد همام رجلا
٥٥ - سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ أَبُو الطَّاهِر بن السَّرْح قَالَ حَدثنَا أَشْعَث بن شُعْبَة عَن حَنش بن الْحَارِث عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن أَبِيه عَن عَائِشَة قَالَت رَأَيْت الطّيب فِي مفرق رَسُول الله ص = وَهُوَ محرم
فَقَالَ حَدثنَا أَبُو نعيم قَالَ لنا حَنش عَن عبد الرَّحْمَن بن الْأسود عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ص = وَلم يقل عَن أَبِيه
قلت لأبي أَيهمَا أشبه قَالَ أَبُو نعيم أثبت وَلَا أبعد أَن يكون قَالَ لَهُم مرّة عَن أَبِيه عَن عَائِشَة عَن النَّبِي ص =
٥٦ - سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ سعيد بن خثيم عَن حَنْظَلَة عَن سَالم عَن أَبِيه أَنه كَانَ إِذا نظر إِلَى رجل يُرِيد السّفر يَقُول أودعك كَمَا كَانَ رَسُول الله ص = يودع ثمَّ يَقُول أستودع الله دينك وأمانتك وخواتم عَمَلك
قَالَا وهم سعيد فِي هَذَا الحَدِيث
وروى هَذَا الحَدِيث الْوَلِيد بن مُسلم فَوَهم فِيهِ أَيْضا فَقَالَ عَن حَنْظَلَة عَن سَالم عَن الْقَاسِم عَن ابْن عمر وَالصَّحِيح عندنَا وَالله أعلم عَن حَنْظَلَة عَن عبد الْعَزِيز بن عمر عَن يحيى بن إِسْمَاعِيل بن جرير عَن قزعة عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ص =
قَالَ أَبُو زرْعَة حَدثنَا أَبُو نعيم قَالَ لنا عبد الْعَزِيز بن عمر عَن يحيى بن
стр. 598
إِسْمَاعِيل بن جرير عَن قزعة عَن ابْن عمر عَن النَّبِي ص = أَنه كَانَ إِذا ودع رجلا قَالَ أستودع الله دينك وأمانتك
ذاكرت بِهِ أبي قَالَ حَدثنَا أَبُو نعيم عَن عبد الْعَزِيز هَذَا الحَدِيث
٥٧ - سُئِلَ أبي عَن حَدِيث أبي إِسْحَاق عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس قَالَ أَبُو بكر للنَّبِي ص = مَا شيبك قَالَ شيبتني هود
الحَدِيث مُتَّصِل أصح كَمَا رَوَاهُ شَيبَان أَو مُرْسل كَمَا رَوَاهُ أَبُو الْأَحْوَص قَالَ مُرْسل أصح
قلت لأبي روى بَقِيَّة عَن أبي الْأَحْوَص عَن أبي إِسْحَاق عَن عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس عَن أبي بكر عَن النَّبِي ص =
فَقَالَ هَذَا خطأ لَيْسَ فِيهِ ابْن عَبَّاس
٥٨ - سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ رواد بن الْجراح قَالَ حَدثنَا أَبُو سعد السَّاعِدِيّ قَالَ سَمِعت أنس بن مَالك قَالَ سَمِعت رَسُول الله ص = يَقُول النَّاس مستوون كأسنان الْمشْط لَيْسَ لأحد على أحد فضل إِلَّا بتقوى الله
قَالَ أبي هَذَا حَدِيث مُنكر وَأَبُو سعد مَجْهُول
٥٩ - سَمِعت أبي وَذكر حَدِيثا حَدثنَا بِهِ عَن زَكَرِيَّاء بن يحيى الْوَقَّاد قَالَ قرئَ على عبد الله بن وهب قَالَ قَالَ الثَّوْريّ قَالَ مجَالد قَالَ أَبُو الوداك قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ قَالَ عمر بن الْخطاب قَالَ رَسُول الله ص =
قَالَ أخي مُوسَى يَا رب أَرِنِي الَّذِي كنت أريتني فِي السَّفِينَة فَأوحى الله ﵎ إِلَيْهِ يَا مُوسَى إِنَّك ستراه فَلم يلبث إِلَّا يَسِيرا حَتَّى أَتَاهُ الْخضر وَهُوَ فَتى طيب الرّيح حسن بَيَاض الثِّيَاب مشمرها فَقَالَ سَلام عَلَيْك وَرَحْمَة الله
стр. 599
يَا مُوسَى بن عمرَان إِن رَبك يقْرَأ عَلَيْك السَّلَام وَرَحْمَة الله فَقَالَ مُوسَى هُوَ السَّلَام وَمِنْه السَّلَام وَإِلَيْهِ السَّلَام وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين الَّذِي لَا أحصي نعمه وَلَا أقدر على أَدَاء شكره إِلَّا بمعونته
فَقَالَ مُوسَى ﵇ أُرِيد أَن توصيني بِوَصِيَّة يَنْفَعنِي الله بهَا بعْدك فَقَالَ الْخضر يَا طَالب الْعلم إِن الْقَائِل أقل ملالة من المستمع فَلَا تلم جلساءك إِذا حدثتهم وَاعْلَم أَن قَلْبك وعَاء فَانْظُر مَاذَا تحشو بِهِ وعاءك واعزف عَن الدُّنْيَا فانبذها وَرَاءَك فَإِنَّهَا لَيست لَك بدار وَلَا لَك فِيهَا مَحل قَرَار وَإِنَّمَا جعلت بلغَة للعباد ليتزودوا مِنْهَا للمعاد وَذكر الحَدِيث
قَالَ أبي هَذَا حَدِيث بَاطِل كذب
قلت وَذكرت هَذَا الحَدِيث لأبي الْجُنَيْد الْحَافِظ فَقَالَ هُوَ مَوْضُوع
٦٠ - سَأَلت أبي وَأَبا زرْعَة عَن حَدِيث رَوَاهُ بَقِيَّة عَن مُعَاوِيَة بن يحيى الطرابلسي عَن أبي الزِّنَاد عَن الْأَعْرَج عَن أبي هُرَيْرَة عَن النَّبِي ص = قَالَ إِن المعونة تنزل من الله على قدر المؤونة وَإِن الصَّبْر ينزل من الله بِقدر الشُّكْر
قَالَ أبي كنت معجبا بِهَذَا الحَدِيث حَتَّى ظَهرت لي عَوْرَته فَإِذا هُوَ مُعَاوِيَة عَن عباد بن كثير عَن أبي الزِّنَاد
قَالَ أَبُو زرْعَة الصَّحِيح مَا رَوَاهُ الدَّرَاورْدِي عَن عباد بن كثير عَن أبي الزِّنَاد فَبين مُعَاوِيَة بن يحيى وَأبي الزِّنَاد عباد بن كثير وَعباد لَيْسَ بِالْقَوِيّ
٦١ - سَأَلت أبي عَن حَدِيث رَوَاهُ إِسْحَاق بن خَالِد الأعسم عَن إِبْرَاهِيم بن رستم قَالَ حَدثنَا أَبُو حَفْص الْعَبْدي عَن إِسْمَاعِيل بن سميع عَن
стр. 600
أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ص = الْعلمَاء أُمَنَاء الرُّسُل على عباد الله مَا لم يخالطوا السُّلْطَان ويدخلوا فِي الدُّنْيَا فَإِذا خالطوا السُّلْطَان ودخلوا فِي الدُّنْيَا فقد خانوا الرُّسُل فاحذروهم واجتنبوهم
فَقَالَ أبي هَذَا حَدِيث مُنكر يشبه أَن يكون فِي الْإِسْنَاد رجل لم يسم وَأسْقط ذَلِك الرجل
وَهنا انْتهى مَا أردنَا إِيرَاده من كتاب علل الحَدِيث لِابْنِ أبي حَاتِم الرَّازِيّ وَهُوَ من الْأَئِمَّة الْمَشْهُورين قَالَ الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان عبد الرَّحْمَن بن أبي حَاتِم مُحَمَّد بن إِدْرِيس الرَّازِيّ الْحَافِظ الثبت ابْن الْحَافِظ الثبت يروي عَن أبي سعيد الْأَشَج وَيُونُس بن عبد الْأَعْلَى وطبقتهما وَكَانَ مِمَّن جمع بَين علو الرِّوَايَة وَمَعْرِفَة الْفَنّ وَله الْكتب النافعة ككتاب الْجرْح وَالتَّعْدِيل وَالتَّفْسِير الْكَبِير وَكتاب الْعِلَل
وَمَا ذكرته لَوْلَا ذكر أبي الْفضل السُّلَيْمَانِي لَهُ وَبئسَ مَا صنع فَإِنَّهُ قَالَ ذكر أسامي الشِّيعَة من الْمُحدثين الَّذين يقدمُونَ عليا على عُثْمَان الْأَعْمَش النُّعْمَان شُعْبَة بن الْحجَّاج عبد الرَّزَّاق عبيد الله بن مُوسَى عبد الرَّحْمَن بِي أبي حَاتِم
وَكَانَ وَالِده أَبُو حَاتِم من كبار الْحفاظ البارعين فِي معرفَة الْعِلَل وَيظْهر لَك ذَلِك من هَذَا الْكتاب فَإِن مَا ذكر فِيهِ إِلَّا قَلِيلا مَأْخُوذ عَنهُ ومقتبس مِنْهُ وَكَانَ جَارِيا فِي مضمار أبي زرْعَة وَالْبُخَارِيّ
وَذكر بعض أهل الْأَثر أَن بعض الأجلاء من أهل الرَّأْي سَأَلَ أَبَا حَاتِم عَن أَحَادِيث فَقَالَ فِي بَعْضهَا هَذَا خطأ دخل لصَاحبه حَدِيث فِي حَدِيث وَهَذَا
стр. 601
بَاطِل وَهَذَا مُنكر وَهَذَا صَحِيح
فَسَأَلَهُ من أَيْن علمت هَذَا هَل أخْبرك الرَّاوِي بِأَنَّهُ غلط أَو كذب فَقَالَ لَا وَلَكِنِّي علمت ذَلِك
فَقَالَ لَهُ الرجل أتدعي الْغَيْب فَقَالَ مَا هَذَا ادِّعَاء غيب قَالَ فَمَا الدَّلِيل على قَوْلك فَقَالَ أَن تسْأَل غَيْرِي من أَصْحَابنَا فَإِن اتفقنا علمت أَنا لم نجازف
فَذهب الرجل إِلَى أبي زرْعَة وَسَأَلَهُ عَن تِلْكَ الْأَحَادِيث بِعَينهَا فاتفقا فتعجب السَّائِل من اتِّفَاقهمَا من غير مواطأة فَقَالَ أَبُو حَاتِم أفعلمت أَنا لم نجازف ثمَّ قَالَ وَالدَّلِيل على صِحَة قَوْلنَا أَنَّك تحمل دِينَارا بهرجا إِلَى صيرفي فَإِن أخْبرك أَنه يهرج وَقلت لَهُ أَكنت حَاضرا حِين بهرج أَو هَل أخْبرك الَّذِي بهرجه بذلك يَقُول لَك لَا وَلَكِن علم رزقنا مَعْرفَته
وَكَذَلِكَ إِذا حملت إِلَى جوهري فص ياقوت وفص زجاج يعرف ذَا من ذَا
وَنحن نعلم صِحَة الحَدِيث بعدالة ناقليه وَأَن يكون كلَاما يصلح أَن يكون كَلَام النُّبُوَّة ونعرف سقمه ونكارته بتفرد من لم تصح عَدَالَته
وَهَذِه الْمَسْأَلَة لَيست من الْمسَائِل الغامضة فَإِن كل من اشْتغل بفن من الْفُنُون وتفرغ لَهُ وسلك مَسْلَك أَهله وَصرف عنايته إِلَيْهِ قد يحكم فِي مسَائِله بِحكم لَا يَتَيَسَّر لَهُ إِقَامَة الدَّلِيل الظَّاهِر عَلَيْهِ وَإِن كَانَ لَهُ فِي نفس الْأَمر دَلِيل رُبمَا كَانَ أقوى من الْأَدِلَّة الظَّاهِرَة إِلَّا أَن الْعبارَة تقصر عَنهُ وَلذَلِك ترى المشاركين لَهُ فِي تِلْكَ الْحَال يحكمون بِمثل حكمه فِي الْغَالِب
وَمن ثمَّ اتّفق الجهابذة من الْعلمَاء على أَنه يرجع فِي مسَائِل كل فن إِلَى أَهله الْمَعْنيين بأَمْره
وعَلى ذَلِك فَلَا يستغرب أَن يُقَال إِنَّه يجب فِي الحَدِيث أَن يرجع فِيهِ إِلَى أَئِمَّة الْمَشْهُورين الَّذين تفرغوا لَهُ وصرفوا أعمارهم فِي تَحْصِيله والبحث عَن غوامضه وَعلله وأحوال رِجَاله فَإِذا ثَبت اتِّفَاقهم على شَيْء ثبوتا بَينا لم يسغْ الْعُدُول عَنهُ وَمن سلك مسلكهم تبين لَهُ مثل مَا تبين لَهُم
(لَا تقل قد ذهبت أربابه ... كل من سَار على الدَّرْب وصل)
стр. 602
صلَة تتَعَلَّق بالضعيف وَهِي تشْتَمل على ثَلَاث مسَائِل
الْمَسْأَلَة الأولى اتّفق الْعلمَاء على أَنه لَا يجوز ذكر الْمَوْضُوع إِلَّا مَعَ بَيَان فِي أَي نوع كَانَ وَأما غير الْمَوْضُوع من الضَّعِيف فقد اخْتلفُوا فِيهِ
١ - فَذهب قوم إِلَى جَوَاز الْأَخْذ بِهِ والتساهل فِي أسانيده وَرِوَايَته من غير بَيَان لضَعْفه إِذا كَانَ من غير الْأَحْكَام والعقائد مثل فَضَائِل الْأَعْمَال والقصص
وَمِمَّنْ نقل عَنهُ جَوَاز التساهل فِي ذَلِك عبد الرَّحْمَن بن مهْدي وَأحمد بن حَنْبَل
أما ابْن مهْدي فَإِنَّهُ نقل عَنهُ أَنه قَالَ إِذا روينَا عَن رَسُول الله ص = فِي الْحَلَال وَالْحرَام وَالْأَحْكَام شددنا فِي الْأَسَانِيد وانتقدنا فِي الرِّجَال وَإِذا روينَا فِي الْفَضَائِل وَالثَّوَاب وَالْعِقَاب تساهلنا فِي الْأَسَانِيد وتسامحنا فِي الرِّجَال
وَأما أَحْمد بن حَنْبَل فقد نقل عَنهُ قَالَ الْأَحَادِيث الرَّقَائِق يحْتَمل أَن يتساهل فِيهَا حَتَّى تَجِيء شَيْء فِيهِ حكم وَقَالَ ابْن إِسْحَاق رجل تكْتب عَنهُ هَذِه الْأَحَادِيث يَعْنِي الْمَغَازِي وَنَحْوهَا وَإِذا جَاءَ الْحَلَال وَالْحرَام أردنَا قوما هَكَذَا وَقبض أَصَابِع يَدَيْهِ الْأَرْبَع
وَقد ذكر الْحَافِظ ابْن حجر أَن للأخذ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف فِي الْفَضَائِل وَنَحْوهَا عِنْد من سوغ ذَلِك ثَلَاثَة شُرُوط
أَحدهَا أَن يكون الضَّعِيف غير شَدِيد الضعْف فَيخرج من انْفَرد من الْكَذَّابين والمتهمين بِالْكَذِبِ وَمن فحش غلطه
وَقد نقل بَعضهم الِاتِّفَاق على ذَلِك
الثَّانِي أَن ينْدَرج تَحت أصل مَعْمُول بِهِ
الثَّالِث أَن لَا يعْتَقد عِنْد الْعَمَل بِهِ ثُبُوته بل يعْتَقد الِاحْتِيَاط
وَقد ذكر هذَيْن الشَّرْطَيْنِ ابْن عبد السَّلَام وَابْن دَقِيق الْعِيد
стр. 603
وَيظْهر من الشَّرْط الثَّالِث أَنه يلْزم بَيَان ضعف الضَّعِيف الْوَارِد فِي الْفَضَائِل وَنَحْوهَا كي لَا يعْتَقد ثُبُوته فِي نفس الْأَمر مَعَ أَنه رُبمَا كَانَ غير ثَابت فِي نفس الْأَمر
وَمن نظر فِي الْأَحَادِيث الضعيفة نظر إمعان وتدبر تبين لَهُ أَنَّهَا إِلَّا الْقَلِيل مِنْهَا يغلب على الظَّن أَنَّهَا غير ثَابِتَة فِي نفس الْأَمر
وَقد ذكر ابْن حزم مَا يقرب من ذَلِك حَيْثُ قَالَ إننا قد أمنا وَللَّه الْحَمد أَن تكون شَرِيعَة أَمر بهَا رَسُول الله ص = أَو ندب إِلَيْهَا أَو فعلهَا ﵊ فتضيع وَلم تبلغ إِلَى أحد من أمته إِمَّا بتواتر أَو بِنَقْل الثِّقَة عَن الثِّقَة حَتَّى تبلغ إِلَيْهِ وَأمنا أَيْضا قطعا أَن يكون الله تَعَالَى يفرج بنقلها من لَا تقوم الْحجَّة بنقله من الْعُدُول وَأمنا أَيْضا قطعا أَن تكون شَرِيعَة يُخطئ فِيهَا راويها الثِّقَة وَلَا يَأْتِي بَيَان جلي وَاضح بِصِحَّة خطئه فِيهِ
وَأمنا أَيْضا قطعا أَن يُطلق الله من قد وَجَبت الْحجَّة علينا بنقله على وضع حَدِيث فِيهِ شرع يسْندهُ إِلَى من تجب الْحجَّة بنقله حَتَّى يبلغ بِهِ إِلَى رَسُول الله ص =
وَكَذَلِكَ نقطع وَنبت بِأَن كل خبر لم يَأْتِ قطّ إِلَّا مُرْسلا أَو لم يروه قطّ إِلَّا مَجْهُول أَو مَجْرُوح ثَابت الجرحة فَإِنَّهُ خبر بالك بِلَا شكّ مَوْضُوع لم يقلهُ رَسُول الله ص = إِذْ لَو جَازَ أَن يكون حَقًا لَكَانَ ذَلِك شرعا صَحِيحا غير لَازم لنا لعدم قيام الْحجَّة علينا فِيهِ
قَالَ عَليّ وَهَذَا الحكم الَّذِي قدمنَا إِنَّمَا هُوَ فِيمَا نَقله من اتّفق على عَدَالَته كالصحابة وثقات التَّابِعين ثمَّ كشعبة وسُفْيَان وَمَالك وَغَيرهم من الْأَئِمَّة فِي عصرهم وبعدهم إِلَيْنَا وَإِلَى يَوْم الْقِيَامَة وَفِي كل من ثبتَتْ جرحته كالحسن بن عمَارَة
стр. 604
وَجَابِر الْجعْفِيّ وَسَائِر الْمَجْرُوحين الثَّابِتَة جرحتهم
وَأما من اخْتلف فِيهِ فعدله قوم وجرحه آخَرُونَ فَإِن ثبتَتْ عندنَا عَدَالَته قَطعنَا على صِحَة خَبره وَإِن ثبتَتْ عندنَا جرحته قَطعنَا على بطلَان خَبره وَإِن لم يثبت عندنَا شَيْء من ذَلِك وقفنا فِي ذَلِك وقطعنا وَلَا بُد حتما على أَن غَيرنَا لَا بُد أَن يثبت عِنْده أحد الْأَمريْنِ فِيهِ وَلَيْسَ خطؤنا نَحن إِن أَخْطَأنَا وجهلنا إِن جهلنا حجَّة على وجوب ضيَاع دين الله تَعَالَى بل الْحق ثَابت ومعروف عِنْد طَائِفَة وَإِن جهلته أُخْرَى وَالْبَاطِل كَذَلِك أَيْضا كَمَا يجهل قوم مَا نعلمهُ نَحن أَيْضا
وَالْفضل بيد الله يؤتيه من يَشَاء
وَلَا يَصح الْخَطَأ فِي خبر الثِّقَة إِلَّا بِأحد ثَلَاثَة أوجه إِمَّا تبين الرَّاوِي واعترافه بِأَنَّهُ أَخطَأ فِيهِ
وَإِمَّا شَهَادَة عدل على أَنه سمع الْخَبَر مَعَ رَاوِيه فَوَهم فِيهِ
وَإِمَّا بِأَن توجب الْمُشَاهدَة بِأَنَّهُ خطأ
هَذَا وَجزم ابْن حزم بِجرح الراويين الْمَذْكُورين إِنَّمَا هُوَ مَبْنِيّ على الْمَشْهُور من أَمرهمَا عِنْد جُمْهُور الْمُحدثين وَقد ترْجم كلا مِنْهُمَا الذَّهَبِيّ فِي الْمِيزَان
فَقَالَ فِي تَرْجَمَة الأول مِنْهُمَا الْحسن بن عمَارَة ت ق الْكُوفِي الْفَقِيه مولى بجيلة عَن ابْن أبي مليكَة وَعَمْرو بن مرّة وَخلق وَعنهُ السُّفْيانَانِ وَيحيى الْقطَّان وشبابة وَعبد الرَّزَّاق
قَالَ ابْن عُيَيْنَة كَانَ لَهُ فضل وَغَيره أحفظ مِنْهُ
وَقَالَ شُعْبَة روى الْحسن بن عمَارَة أَحَادِيث عَن الحكم فسألنا الحكم عَنْهَا فَقَالَ مَا سَمِعت مِنْهَا شَيْئا
وَقَالَ النَّضر بَين شُمَيْل قَالَ الْحسن بن عمَارَة إِن النَّاس كلهم فِي حل مني مَا خلا شُعْبَة
وَقَالَ الدولابي أَبُو بشر حَدثنِي أَبُو صَالح بن عِصَام بن رواد بن الْجراح الْعَسْقَلَانِي حَدثنَا أبي وَسَأَلته عَن قصَّة شُعْبَة وَالْحسن بن عمَارَة فَقَالَ كَانَ ابْن عمَارَة مُوسِرًا وَكَانَ الحكم بن عتيبة مقلا فضمه إِلَى نَفسه فَكَانَ الحكم يحدثه وَلَا يمنعهُ فحدثه بقريب من عشرَة آلَاف قَضِيَّة عَن شُرَيْح وَغَيره وَسمع شُعْبَة عَن
стр. 605
الحكم شَيْئا يَسِيرا فَلَمَّا توفّي الحكم قَالَ شُعْبَة لِلْحسنِ من رَأْيك أَن تحدث عَن الحكم بِكُل مَا سمعته قَالَ نعم مَا أكتم شَيْئا قَالَ فَقَالَ من أَرَادَ أَن ينظر إِلَى أكذب النَّاس فَلْينْظر إِلَى الْحسن بن عمَارَة فَقبل النَّاس مِنْهُ وَتركُوا الْحسن بن عمَارَة
قَالَ ابْن أبي رواد دخلت أَنا وَشعْبَة على الْحسن نعوده فِي مَرضه فدار شُعْبَة فَقعدَ وَرَاء الْحسن من حَيْثُ لَا يرَاهُ فَجعل الْحسن يَقُول النَّاس كلهم من قبلي فِي حل مَا خلا شُعْبَة ويومئ إِلَيْهِ
توفّي سنة ثَلَاث وَخمسين ومئة وَكَانَ من كبار الْفُقَهَاء فِي زَمَانه ولي قَضَاء بَغْدَاد
وَقَالَ فِي تَرْجَمَة الثَّانِي مِنْهُمَا جَابر بن يزِيد د ت ق ابْن الْحَارِث الْجعْفِيّ الْكُوفِي أحد عُلَمَاء الشِّيعَة لَهُ عَن أبي الطُّفَيْل وَالشعْبِيّ وَخلق وَعنهُ شُعْبَة وَأَبُو عوانه وعدة قَالَ ابْن مهْدي عَن سُفْيَان كَانَ جَابر الْجعْفِيّ ورعا فِي الحَدِيث مَا رَأَيْت أورع مِنْهُ فِي الحَدِيث
وَقَالَ شُعْبَة صَدُوق
وَقَالَ يحيى بن أبي كثير عَن شعب كَانَ جَابر إِذا قَالَ أَنبأَنَا وَحدثنَا وَسمعت فَهُوَ من أوثق النَّاس
وَقَالَ وَكِيع مَا شَكَكْتُمْ فِي شَيْء فَلَا تَشكوا أَن جَابِرا الْجعْفِيّ ثِقَة
وَقَالَ ابْن عبد الحكم سَمِعت الشَّافِعِي يَقُول قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ لشعبة لَئِن تَكَلَّمت فِي جَابر الْجعْفِيّ لأتكلمن فِيك
وَقَالَ جرير بن عبد الحميد لَا أستحل أَن يحدث عَن جَابر الْجعْفِيّ كَانَ مِمَّن يُؤمن بالرجعة
وَقَالَ يحيى بن يعلى الْمحَاربي طرح زَائِدَة حَدِيث جَابر الْجعْفِيّ وَقَالَ هُوَ كَذَّاب يُؤمن بالرجعة
وَقَالَ عُثْمَان بن أبي شيبَة أَنبأَنَا أبي عَن جدي قَالَ إِن كنت لآتي جَابِرا الْجعْفِيّ فِي وَقت لَيْسَ فِيهِ خِيَار وَلَا قثاء فيحول حول خوخة ثمَّ يخرج إِلَيّ بِخِيَار أَو ثقاء فَيَقُول هَذَا من بستاني
وَقَالَ ابْن حبَان كَانَ جَابر سبئيا من أَصْحَاب عبد الله بن سبأ كَانَ يَقُول إِن عليا يرجع إِلَى الدُّنْيَا
وَقَالَ ابْن عدي حَدثنَا عَليّ بن الْحسن بن فديد أَنبأَنَا عبيد الله بن يزِيد بن الْعَوام سَمِعت إِسْحَاق بن مطهر سَمِعت الْحميدِي سَمِعت سُفْيَان سَمِعت جَابِرا الْجعْفِيّ يَقُول انْتقل الْعلم الَّذِي كَانَ فِي النَّبِي ص = إِلَى عَليّ ثمَّ انْتقل من عَليّ إِلَى الْحسن ثمَّ لم يزل حَتَّى بلغ جعفرا
قَالَ
стр. 606
ابْن عدي وَعَامة مَا قَذَفُوهُ بِهِ أَنه كَانَ يُؤمن بالرجعة
٢ - وَذهب قوم إِلَى عدم جَوَاز الْأَخْذ بِالْحَدِيثِ الضَّعِيف فِي أَي نوع كَانَ وَقد أَشَارَ إِلَى ذَلِك الْعَلامَة عبد الرَّحْمَن الْمَعْرُوف بِأبي شامة فِي كتاب الْبَاعِث على إِنْكَار الْبدع والحوادث حَيْثُ قَالَ وَقد أمْلى فِي فضل رَجَب الشَّيْخ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم عَليّ بن الْحسن يَعْنِي ابْن عَسَاكِر مَجْلِسا وَهُوَ السَّادِس بعد الْأَرْبَع مئة من أَمَالِيهِ وَقد سمعناه من غير وَاحِد مِمَّن سَمعه عَلَيْهِ ذكر فِيهِ ثَلَاثَة أَحَادِيث كلهَا مُنكرَة
أَحدهَا حَدِيث صَلَاة الرغائب الَّذِي بَينا حَاله
وَالثَّانِي حَدِيث زَائِدَة بن أبي الرقاد قَالَ حَدثنَا زِيَاد النميري عَن أنس قَالَ كَانَ رَسُول الله ص = إِذا دخل رَجَب قَالَ اللَّهُمَّ بَارك لنا فِي رَجَب وَشَعْبَان وبلغنا رَمَضَان
قَالَ الْحَافِظ تفرد بِهِ زَائِدَة عَن زِيَاد بن مَأْمُون الْبَصْرِيّ عَن أنس
قلت وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو عبد الرَّحْمَن النَّسَائِيّ زَائِدَة بن أبي الرقاد مُنكر الحَدِيث وَزِيَاد بن مَيْمُون الْبَصْرِيّ أَبُو عمار مَتْرُوك الحَدِيث
وَقَالَ أَبُو عبد الله البُخَارِيّ الإِمَام زِيَاد بن مَيْمُون أَبُو عمار الْبَصْرِيّ صَاحب الْفَاكِه عَن أنس تَرَكُوهُ
الحَدِيث الثَّالِث حَدِيث مَنْصُور بن زيد بن زَائِدَة بن قدامَة الْأَسدي عَن مُوسَى بن عمرَان عَن أنس قَالَ قَالَ رَسُول الله ص = إِن فِي الْجنَّة عينا أَو قَالَ نَهرا يُقَال لَهُ رَجَب مَاؤُهُ أحلى من الْعَسَل وأبيض من اللَّبن فَمن صَامَ يَوْمًا من رَجَب شرب من ذَلِك النَّهر
قَالَ الْحَافِظ أَبُو الْقَاسِم تفرد بِهِ مَنْصُور عَن مُوسَى
ثمَّ قَالَ منتقدا على الْحَافِظ الْمَذْكُور وَكنت أود أَن الْحَافِظ لم يذكر ذَلِك فَإِن فِيهِ تقريرا لما فِيهِ من الْأَحَادِيث الْمُنكرَة فقدره كَانَ أجل من أَن يحدث عَن رَسُول الله ص = بِحَدِيث يرى أَنه كذب وَلكنه جرى فِي ذَلِك على عَادَة جمَاعَة من أهل الحَدِيث يتساهلون فِي أَحَادِيث فَضَائِل الْأَعْمَال وَهَذَا عِنْد الْمُحَقِّقين من أهل الحَدِيث وَعند عُلَمَاء الْأُصُول وَالْفِقْه خطأ بل يَنْبَغِي أَن يبين أمره إِن علم وَإِلَّا
стр. 607
دخل تَحت الْوَعيد فق قَوْله ص = من حدث عني بِحَدِيث يرى أَنه كذب فَهُوَ أحد الْكَاذِبين
٣ - وَقد نقل فِي حكم الحَدِيث الضَّعِيف قَول ثَالِث وَهُوَ أَنه يُؤْخَذ بِهِ فِي الْأَحْكَام أَيْضا إِذا لم يُوجد فِي الْبَاب غَيره وَقد نسب ذَلِك إِلَى أَحْمد بن حَنْبَل واشتهر عَنهُ غَايَة الاشتهار
وَقد كَانَ أنَاس من الْمُتَكَلِّمين يتعجبون من هَذَا القَوْل غَايَة التَّعَجُّب بِنَاء على أَن أَحْكَام الدّين يَنْبَغِي أَن تكون مَبْنِيَّة على أساس متين
وَكَانَ أنَاس من غَيرهم يعْجبُونَ بِهَذَا القَوْل ويعدونه أَمارَة على فرط الِاتِّبَاع والتباعد عَن الابتداع وَكَانَ بَينهمَا فريق آخر الْتزم فِي ذَلِك الصمت متمثلا بقول من قَالَ
(فبعضنا قَائِل مَا قَالَه حسن ... وبعضنا سَاكِت لم يُؤْت من حصر)
وَقد حاول الْعَلامَة ابْن تَيْمِية إِزَالَة الْإِشْكَال من أَصله فَقَالَ فِي كتاب منهاج السّنة النَّبَوِيَّة إِن قَوْلنَا إِن الحَدِيث الضَّعِيف خير من الرَّأْي لَيْسَ المُرَاد بِهِ الضَّعِيف الْمَتْرُوك لَكِن المُرَاد بِهِ الْحسن كَحَدِيث عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده وَحَدِيث إِبْرَاهِيم الهجري مِمَّن يحسن التِّرْمِذِيّ حَدِيثه أَو يُصَحِّحهُ
وَكَانَ الحَدِيث فِي اصْطِلَاح من قبل التِّرْمِذِيّ إِمَّا صَحِيح وَإِمَّا ضَعِيف والضعيف نَوْعَانِ ضَعِيف مَتْرُوك وَضَعِيف لَيْسَ بمتروك فَتكلم أَئِمَّة الحَدِيث بذلك الِاصْطِلَاح فجَاء من لَا يعرف اصْطِلَاح التِّرْمِذِيّ فَسمع قَول بعض أَئِمَّة الحَدِيث الضَّعِيف أحب إِلَيّ من الْقيَاس فَظن انه يحْتَج بِالْحَدِيثِ الَّذِي يُضعفهُ مثل التِّرْمِذِيّ وَأخذ يرجح طَريقَة من يرى أَنه أتبع للْحَدِيث الصَّحِيح
وَهُوَ فِي ذَلِك من المتناقضين الَّذين يرجحون الشَّيْء على مَا هُوَ أولى بالرجحان مِنْهُ
стр. 608
وَقد ذكر كثير من المؤلفين مِمَّن كَانَ بعد الْعَلامَة الْمَذْكُور قَول الإِمَام أَحْمد من غير أَن يفسروه بِمَا فسره بِهِ فكأنهم لم يطلعوا على مَا قَالَه أَو لم يظْهر لَهُم ذَلِك فَإِن بَعضهم كَانَ يمِيل إِلَى إِثْبَات كل مَا رُوِيَ على أَي وَجه كَانَ
ويدلك على ذَلِك قَول بَعضهم إِن الحَدِيث الضَّعِيف إِذا تلته الْأمة بِالْقبُولِ ينزل منزلَة الْمُتَوَاتر حَتَّى إِنَّه ينْسَخ بِهِ الْقُرْآن
وَاسْتدلَّ على ذَلِك بِأَن حَدِيث لَا وَصِيَّة لوَارث قد جَعَلُوهُ نَاسِخا لآيَة الْوَصِيَّة مَعَ أَن بعض الْأَئِمَّة قَالَ إِن أهل الحَدِيث لَا تثبته لَكِن لما تَلَقَّتْهُ الْأمة بِالْقبُولِ صَار فِي حكم الْمُتَوَاتر
وَلَا يخفى أَن هَذَا قَول مستغرب جدا
وَقد ذكرنَا فِيمَا مضى أَن بعض الْعلمَاء الْأَعْلَام قَالَ إِن الْوَصِيَّة للْوَالِدين والأقربين إِنَّمَا نسختها آيَة الْمَوَارِيث كَمَا اتّفق على ذَلِك السّلف فَإِن الله تَعَالَى قَالَ بعد ذكر الْفَرَائِض ﴿تِلْكَ حُدُود الله﴾ الْآيَة
فأبان أَنه لَا يجوز أَن يُزَاد أحد على مَا فرض الله لَهُ
وَهَذَا معنى قَول النَّبِي ﵊ إِن الله قد أعْطى كل ذِي حق حَقه فَلَا وَصِيَّة لوَارث
وَإِلَّا فَهَذَا الحَدِيث إِنَّمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَنَحْوه من أَصْحَاب السّنَن وَلَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ
وَإِذ كَانَ من أَخْبَار الْآحَاد فَلَا يجوز أَن يَجْعَل نَاسِخا لِلْقُرْآنِ
وَبِالْجُمْلَةِ فَلم يثبت أَن شَيْئا من الْقُرْآن نسخ بِسنة بِلَا قُرْآن
وَذكرنَا أَيْضا أَن ابْن حزم ذهب إِلَى أَن ذَلِك الحَدِيث متواتر فَإِنَّهُ قَالَ قد يرد خبر مُرْسل إِلَّا أَن الْإِجْمَاع قد صَحَّ بِمَا فِيهِ متيقنا مَنْقُولًا جيلا فجيلا فَإِذا كَانَ ذَلِك علمنَا أَنه مَنْقُول نقل كَافَّة كنقل الْقُرْآن فاستغني عَن ذكر السَّنَد فِيهِ وَكَانَ وُرُود ذَلِك الْمُرْسل وَعدم وُرُوده سَوَاء وَلَا فرق وَذَلِكَ نَحْو لَا وَصِيَّة لوَارث
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة قد نَشأ من رِوَايَة الْأَحَادِيث الضعيفة من غير بَيَان لِضعْفِهَا ضَرَر عَظِيم عرفه من عرفه وجهله من جَهله
وَقد شدد النكير مُسلم فِي مُقَدّمَة صَحِيحه على من فعل ذَلِك وَذَلِكَ حَيْثُ قَالَ وَأَشْبَاه مَا ذكرنَا من كَلَام أهل الْعلم فِي متهمي رَوَاهُ الحَدِيث وإخبارهم عَن معايبهم كثير يطول الْكتاب بِذكرِهِ
стр. 609
على اسْتِقْصَائِهِ وَفِيمَا ذكرنَا كِفَايَة لمن تفهم وعقل مَذْهَب الْقَوْم فِيمَا قَالُوا من ذَلِك وبينوا
وَإِنَّمَا ألزموا أنفسهم الْكَشْف عَن معايب رُوَاة الحَدِيث وناقلي الْأَخْبَار وأفتوا بذلك حِين سئلوا لما فِيهِ من عَظِيم الْخطر إِذْ الْأَخْبَار فِي أَمر الدّين إِنَّمَا تَأتي بتحليل أَو تَحْرِيم أَو أَمر أَو نهي أَو ترغيب أَو ترهيب
فَإِذا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيْسَ بمعدن للصدق وَالْأَمَانَة ثمَّ أقدم على الرِّوَايَة عَنهُ من قد عرفه وَلم يبين مَا فِيهِ لغيره مِمَّن جهل مَعْرفَته كَانَ آثِما بِفِعْلِهِ ذَلِك عاشا لعوام الْمُسلمين إِذْ لَا يُؤمن على بعض من سمع تِلْكَ الْأَخْبَار أَن يستعملها أَو يسْتَعْمل بَعْضهَا ولعلها أَو أَكْثَرهَا أكاذيب لَا أصل لَهَا
مَعَ أَن الْأَخْبَار الصَّحِيحَة من رِوَايَة الثِّقَات وَأهل القناعة أَكثر من أَن يضْطَر إِلَى نقل من لَيْسَ بِثِقَة وَلَا مقنع
وَلَا أَحسب كثيرا مِمَّن يعرج من النَّاس على مَا وَصفنَا من هَذِه الْأَحَادِيث الضِّعَاف والأسانيد المجهولة ويعتد بروايتها بعد مَعْرفَته بِمَا فِيهَا من التوهن والضعيف إِلَّا أَن الَّذِي يحملهُ على رِوَايَتهَا والاعتداد بهَا إِرَادَة التكثر بذلك عِنْد الْعَوام وَلِأَن يُقَال مَا أَكثر مَا جمع فلَان من الحَدِيث وَألف من الْعدَد
وَمن ذهب فِي الْعلم هَذَا الْمَذْهَب وسلك هَذَا الطَّرِيق لَا نصيب لَهُ فِيهِ وَكَانَ بِأَن يُسمى جَاهِلا أولى من أَن ينْسب إِلَى علم
انْتهى كَلَام الإِمَام مُسلم
وَإِنَّمَا قصر مُسلم غشهم على عوام الْمُسلمين مَعَ أَن كثيرا من خواصهم قد لحقهم من ذَلِك مَا لحق عوامهم لِأَن الْخَواص كَانَ يُمكنهُم أَن يقفوا على حَقِيقَة الْأَمر وَلَكنهُمْ قصروا فَكَأَنَّهُ جعلهم هم الغاشين لأَنْفُسِهِمْ فَإِن كثيرا مِنْهُم كَانَ إِذا رأى حَدِيثا قد ذكره أحد أُولَئِكَ الغاشين للْأمة فِي دينهَا من غير بَيَان لحاله فَإِن كَانَ مُوَافقا لرأيه أَو لرأي من يهوى أَن ينتصر لَهُ كَيفَ مَا كَانَ الْحَال بَادر لنقله ونشره والاستشهاد بِهِ من غير بحث عَنهُ مَعَ مَعْرفَته بِأَن فِي كثير مِمَّا يرْوى الْمَوْضُوع والضعيف الَّذِي اشْتَدَّ ضعفه
стр. 610
وَإِن كَانَ مُخَالفا لرأيه من يحب أَن ينتصر لَهُ فَإِن وجده غير قَابل للتأويل على وَجه يُوَافق مَا يذهب إِلَيْهِ تَركه وَكَثِيرًا مَا يخْطر فِي باله أَن مخالفه رُبمَا وقف عَلَيْهِ واستند إِلَيْهِ فيعد لَهُ حِينَئِذٍ تَأْوِيلا رُبمَا كَانَ هُوَ أول الضاحكين على نَفسه مِنْهُ وَذَلِكَ اسْتِعْدَادًا لهجوم الْخصم قبل أَن يهجم عَلَيْهِ
وَإِن وجده قَابلا للتأويل على وَجه يُوَافق مَا يهواه تساوى عِنْده الْحَالَات وسكنت نَفسه
وَمن نظر فِي الْكتب الْمُؤَلّفَة فِي تخرج الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة فِي كثير من كتب الْكَلَام أَو الْفِقْه أَو الْأُصُول أَو التَّفْسِير رأى من كَثْرَة الْأَحَادِيث الضعيفة الْوَاهِيَة الَّتِي يوردونها للاحتجاج أمرا هائلا وَقد حكم أهل البصيرة من الْعلمَاء الْأَعْلَام بِأَن هَؤُلَاءِ الَّذين يوردونها للاستشهاد بهَا لَا يعذرُونَ إِلَّا من لم يقصر مِنْهُم فِي الْبَحْث وَالِاجْتِهَاد فَإِنَّهُ إِذا أَخطَأ بعد ذَلِك لم يكن ملوما
وَقد تعرض كثير من الْعلمَاء الَّذين وقفُوا على الضَّرَر الَّذِي نَشأ من نشر الْأَحَادِيث الضعيفة فِي الْأمة من غير إِشَارَة إِلَى ضعفها لبَيَان ذَلِك وَقد أَحْبَبْت أَن أورد شَيْئا من ذَلِك على طَرِيق التَّلْخِيص
قَالَ الْحَكِيم الْمُحَقق أَبُو الريحان البيروني فِي الْكتاب الَّذِي أَلفه فِي تَحْقِيق مَا ينْسب لأهل الْهِنْد من مقَالَة فِي مَبْحَث صُورَة السَّمَاء وَالْأَرْض إِن الْقُرْآن لم ينْطق فِي هَذَا الْبَاب وَفِي كل شَيْء ضَرُورِيّ بِمَا يحوج إِلَى تعسف فِي تَأْوِيل وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْأَشْيَاء الضرورية مَعهَا حَذْو القذة بالقذة وبإحكام من غير تشابه وَلم يشْتَمل أَيْضا على شَيْء مِمَّا اخْتلف فِيهِ وأيس من الْوُصُول إِلَيْهِ
وَإِن كَانَ الْإِسْلَام مكيدا فِي مبادئه بِقوم من مناوئيه أظهروه بانتحال وحكوا لِذَوي السَّلامَة فِي الْقُلُوب من كتبهمْ مَا لم يخلق الله مِنْهُ فِيهَا شَيْئا لَا قَلِيلا وَلَا كثيرا فصدقوهم وكتبوها عَنْهُم مغترين بنفاقهم وَتركُوا مَا عِنْدهم من الْكتاب الْحق لِأَن قُلُوب الْعَامَّة إِلَى الخرافات أميل فتشوشت الْأَخْبَار لذَلِك
ثمَّ جَاءَت طامة أُخْرَى من جِهَة الزَّنَادِقَة كأصحاب ماني كَعبد الْكَرِيم بن أبي العوجاء وَأَمْثَاله فشككوا ضِعَاف الغرائز فِي الْوَاحِد الأول من جِهَة التَّعْدِيل
стр. 611
والتجوير وأمالوهم إِلَى التَّثْنِيَة وزينوا عِنْدهم سيرة ماني حَتَّى اعتصموا بحبله
وَهُوَ رجل غير مقتصر على جهالاته فِي مذْهبه دون الْكَلَام فِي هَيْئَة الْعَالم بِمَا يُنبئ عَن تمويهاته وانتشر ذَلِك فِي الْأَلْسِنَة وانضاف إِلَى مَا تقدم من المكايد الْيَهُودِيَّة فَصَارَ رَأيا مَنْسُوبا إِلَى الْإِسْلَام سُبْحَانَ الله عَن مثله وَالَّذِي يُخَالِفهُ ويتمسك بِالْحَقِّ المطابق لِلْقُرْآنِ فِيهِ موسوما بالْكفْر والإلحاد مَحْكُومًا على دَمه بالإراقة غير مرخص فِي سَماع كَلَامه وَهُوَ دون مَا يسمع من كَلَام فِرْعَوْن ﴿أَنا ربكُم الْأَعْلَى﴾ ﴿مَا علمت لكم من إِلَه غَيْرِي﴾ وتطاول العصبية رُبمَا يمِيل عَن الطَّرِيقَة المثلى للحمية وَالله يثبت قدم من يَقْصِدهُ ويقصد الْحق فِيهِ
وَقَالَ الْحَافِظ ابْن حزم فِي كتاب الْفَصْل فِي الْملَل والأهواء والنحل ذكر فُصُول يعْتَرض بهَا جهلة الْمُلْحِدِينَ على ضعفاء الْمُسلمين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد إِنَّا لما تدبرنا أَمر طائفتين مِمَّن شاهدنا فِي زَمَاننَا هَذَا وجدناهما قد تفاقم الدَّاء بهما فإمَّا إِحْدَاهمَا فقد جلت الْمُصِيبَة فِيهَا وَبهَا وهم قوم افتتحوا عنفوان فهمهم وابتدؤا دُخُولهمْ إِلَى المعارف بِطَلَب علم الْعدَد وبرهانه وطبائعه ثمَّ تدرجوا إِلَى تَعْدِيل الْكَوَاكِب وهيئة الأفلاك وَفِيمَا دون ذَلِك من الطبيعيات وعوارض الجو ومطالعة شَيْء من كتب الْأَوَائِل وحدودها الَّتِي نصبت فِي الْكَلَام وَمَا مازج بعض مَا ذكرنَا من آراء الفلاسفة فِي الْقَضَاء بالنجوم وَأَنَّهَا ناطقة مُدبرَة وَكَذَلِكَ الْفلك
فأشرقت هَذِه الطَّائِفَة من أَكثر مَا طالعت مِمَّا ذكرنَا على أَشْيَاء صِحَاح يراهنها ضَرُورِيَّة لائحة وَلم يكن مَعهَا من جودة القريحة وصفاء النّظر مَا تعلم بِهِ أَن من أصَاب فِي عشرَة آلَاف مَسْأَلَة مثلا جَائِز أَن يُخطئ فِي مَسْأَلَة وَاحِدَة لَعَلَّهَا أسهل من الْمسَائِل الَّتِي أصَاب فِيهَا فَلم تفرق هَذِه الطَّائِفَة بَين مَا صَحَّ مِمَّا طالعوه بِحجَّة برهانية وَبَين مَا فِي أثْنَاء ذَلِك وتضاعيفه مِمَّا لم يَأْتِ عَلَيْهِ من ذكره من الْأَوَائِل إِلَّا بإقناع أَو بشغب أَو بتقليد لَيْسَ مَعَه شَيْء مِمَّا ذكرنَا
стр. 612
فحملوا كل مَا أشرفوا عَلَيْهِ محملًا وَاحِدًا وقبلوه قبولا مستويا فسرى فيهم الْعجب وتداخلهم الزهو وظنوا أَنهم قد حصلوا على مباينة الْعَالم فِي ذَلِك وللشيطان موالج خُفْيَة ومداخل لَطِيفَة فتوصل إِلَيْهِم من بَاب غامض وَهُوَ إصغار كل شَيْء من عُلُوم الدّيانَة الَّتِي هِيَ الْغَرَض الْمَقْصُود من كل ذِي لب وَالَّتِي هِيَ نتيجة الْعُلُوم الَّتِي طالعوا لَو عقلوا سبلها ومقاصدها
فَلم يعبأوا بِآيَة من كتاب الله الَّذِي هُوَ جَامع عُلُوم الْأَوَّلين والآخرين وَالَّذِي لم يفرط فِيهِ من شَيْء وَالَّذِي من فهمه كَفاهُ وَلَا بِسنة من سنَن رَسُول الله ص = الَّتِي هِيَ بَيَان الْحق وَنور الْأَلْبَاب
وَلم تلق هَذِه الطَّائِفَة من حَملَة الدّين إِلَّا أَقْوَامًا لَا عناية عِنْدهم بِشَيْء مِمَّا قدمْنَاهُ
وَإِنَّمَا عنيت من الشَّرِيعَة بِأحد ثَلَاثَة أوجه إِمَّا بِأَلْفَاظ ينقلون ظَاهرهَا وَلَا يعْرفُونَ مَعَانِيهَا وَلَا يهتمون بفهمها وَإِمَّا بمسائل من الْأَحْكَام لَا يشتغلون بدلائلها ومنبعثها وَإِنَّمَا حسبهم مِنْهَا مَا أَقَامُوا بِهِ ٨ جاههم وحالهم وَإِمَّا بخرافات منقولة عَن كل ضَعِيف وَكَذَّاب وساقط لم يهتبلوا قطّ بِمَعْرِِفَة صَحِيح مِنْهَا من سقيم وَلَا مُرْسل من مُسْند وَلَا مَا نقل عَن النَّبِي ص = مِمَّا نقل عَن كَعْب الْأَحْبَار ووهب بن مُنَبّه عَن أهل الْكتاب
فَنَظَرت الطَّائِفَة الأولى إِلَى هَذِه الْآخِرَة بِعَين الاستهجان والاحتقار والاستجهال فَتمكن الشَّيْطَان مِنْهُم وَحل فيهم حَيْثُ أحب فهلكوا وَضَلُّوا واعتقدوا أَن دين الله لَا يَصح مِنْهُ شَيْء وَلَا يقوم عَلَيْهِ دَلِيل فَاعْتقد أَكْثَرهم الْإِلْحَاد وَاسْتِعْمَال الْفَرَائِض والعبادات وآثروا الراحات وركوب اللَّذَّات وقصدوا كسب المَال كَيفَ تيَسّر وظلم الْعباد وَتَدين الْأَقَل مِنْهُم بتعظيم الْكَوَاكِب فأسفت نفس الْمُسلم الناصح لهَذِهِ الْملَّة وَأَهْلهَا على هَلَاك هَؤُلَاءِ الْمَسَاكِين وخروجهم عَن جملَة الْمُؤمنِينَ بعد أَن غذوا بلبان الْإِسْلَام ونشئوا فِي حجور أَهله
стр. 613
وَأما الطَّائِفَة الثَّانِيَة فهم قوم ابتدؤا الطّلب بِحَدِيث النَّبِي ص = فَلم يزِيدُوا على طلب علو الْإِسْنَاد وَجمع الغرائب دون أَن يهتموا بِشَيْء مِمَّا كتبُوا ويعملوا بِهِ وَإِنَّمَا تَحملُوهُ حملا لَا يزِيد عَن قِرَاءَته دون تدبر مَعَانِيه وَدون أَن يعلمُوا أَنهم المخاطبون بِهِ وَأَنه لم يَأْتِي هملا وَلم يقلهُ رَسُول الله ص = عَبَثا بل أمرنَا بالتفقه فِيهِ وَالْعَمَل بِهِ بل أَكثر هَذِه الطَّائِفَة لَا يعْمل عِنْدهم إِلَّا بِمَا جَاءَ من طَرِيق مقَاتل بن سُلَيْمَان وَالضَّحَّاك بن مُزَاحم وَتَفْسِير الْكَلْبِيّ وَتلك الطَّبَقَة وَكتب البدء الَّتِي إِنَّمَا هِيَ خرافات مَوْضُوعَات وَلَدهَا الزَّنَادِقَة تدليسا على الْإِسْلَام وَأَهله
فأطلقت هَذِه الطَّائِفَة كل اخْتِلَاط لَا يَصح مثل أَن الأَرْض على حوت والحوت على قرن ثَوْر والثور على الصَّخْرَة والصخرة على عاتق ملك وَالْملك على الظلمَة والظلمة على مَا لَا يُعلمهُ إِلَّا الله
فنافرت هَذِه الطَّائِفَة كل برهَان وَلم يكن عِنْدهم أَكثر من قَوْلهم نهينَا عَن الْجِدَال
وليت شعري من نَهَاهُم عَنهُ وَالله يَقُول فِي كِتَابه الْمنزل على نبيه الْمُرْسل ﴿وجادلهم بِالَّتِي هِيَ أحسن﴾ وَأخْبر تَعَالَى عَن قوم نوح أَنهم قَالُوا ﴿يَا نوح قد جادلتنا فَأَكْثَرت جدالنا﴾
وَقد نَص الله تَعَالَى فِي غير مَوضِع من كِتَابه على أصُول الْبَرَاهِين وَقد نبهنا عَلَيْهَا فِي غير مَا مَوضِع من كتَابنَا هَذَا
وحض تَعَالَى على التفكر فِي خلق السَّمَوَات وَالْأَرْض وَلَا يَصح الِاعْتِبَار فِي خلقهما إِلَّا بِمَعْرِِفَة هيآتهما وانتقال الْكَوَاكِب فِي أفلاكهما وَاخْتِلَاف حركاتها فِي التَّغْرِيب والتشريق وَنَحْو ذَلِك
وَكَذَلِكَ معرفَة الطبائع وامتزاج العناصر وعوارضها وتركيب أَعْضَاء الْحَيَوَان من عصبه وعضله وعظامه وعروقه وشرايينه واتصال أَعْضَائِهِ بَعْضهَا بِبَعْض وَقواهُ المركبة
فَمن أشرف على ذَلِك وَعلمه رأى عَظِيم الْقُدْرَة وتيقن أَن كل ذَلِك صَنْعَة ظَاهِرَة وَإِرَادَة خَالق مُخْتَار
стр. 614
ثمَّ زَاد قوم مِنْهُم فَأتوا بالأفيكة الَّتِي يقشعر مِنْهَا وَهِي أَن أطْلقُوا أَن الدّين لَا يُؤْخَذ بِحجَّة فأقروا عُيُون الْمُلْحِدِينَ وشهدوا أَن الدّين لَا يثبت إِلَّا بالدعاوي وَالْغَلَبَة
وَهَذَا خلاف قَول الله ﴿قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين﴾
هَذَا قَول الله وَمَا جَاءَ بِهِ نبيه ص = وَفِي تِلْكَ الْكِفَايَة والغناء عَن قَول كل قَائِل
وَقد حَاج ابْن عَبَّاس الْخَوَارِج وَمَا علمنَا أحدا من الصَّحَابَة نهى عَن الِاحْتِجَاج فَلَا معنى لرأي من جَاءَ بعدهمْ فَكَانَ كَلَام هَذِه الطَّائِفَة مغريا للطائفة الأولى بكفرها إِذْ لم يرَوا فِي خصومهم فِي الْأَغْلَب إِلَّا من هَذِه صفته
ثمَّ زَادَت هَذِه الثَّانِيَة غلوا فِي الْجُنُون فعابوا كتبا لَا علم لَهُم بهَا وَلَا طالعوها وَلَا رَأَوْا مِنْهَا كلمة وَلَا قرؤوها وَلَا أخْبرهُم عَمَّا فِيهَا ثِقَة كالكتب الَّتِي فِيهَا هَيْئَة الأفلاك ومجاري النُّجُوم والكتب الَّتِي جمعهَا أرسطاطاليس فِي حُدُود الْكَلَام
قَالَ أَبُو مُحَمَّد وَهَذِه الْكتب كلهَا سَالِمَة مفيدة دَالَّة على تَوْحِيد الله وَقدرته عَظِيمَة الْمَنْفَعَة فِي انتقاد جَمِيع الْعُلُوم وعزم مَنْفَعَة الْكتب الَّتِي ذكرنَا فِي الْحُدُود فَفِي مسَائِل الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة بهَا يعْتَرف كَيفَ التَّوَصُّل إِلَى الاستنباط وَكَيف تُؤْخَذ الْأَلْفَاظ على مقتضاها وَكَيف يعرف الْخَاص من الْعَام والمجمل من الْمُفَسّر وَبِنَاء الْأَلْفَاظ بَعْضهَا على بعض وَكَيف تَقْدِيم الْمُقدمَات وإنتاج النتائج وَمَا يَصح من ذَلِك صِحَة ضَرُورِيَّة أبدا وَمَا يَصح مرّة وَيبْطل أُخْرَى وَمَا لَا يَصح الْبَتَّةَ وَضرب الْحُدُود الَّتِي من شَذَّ عَنْهَا كَانَ خَارِجا عَن أَصله وَدَلِيل الْخطاب وَدَلِيل الاستقراء وَغير ذَلِك مِمَّا لَا غناء بالفقيه الْمُجْتَهد لنَفسِهِ وَلأَهل مِلَّته عَنهُ
قَالَ أَبُو مُحَمَّد فَلَمَّا رَأينَا عظم المحنة فِيمَا تولد فِي الطَّائِفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذكرنَا رَأينَا من عَظِيم الْأجر وَأفضل الْعَمَل بَيَان هَذَا الْبَاب الْمُشكل بحول الله تَعَالَى وَقدرته وتأييده فَنَقُول وَبِه نتأيد ونستعين إِن كل مَا صَحَّ ببرهان أَي شَيْء كَانَ فَهُوَ فِي الْقُرْآن وَكَلَام النَّبِي ﵊ مَنْصُوص مسطور يُعلمهُ كل
стр. 615
من أَحْكَام النّظر وأيده الله تَعَالَى بفهم وَأما كل مَا عدا ذَلِك مِمَّا لَا يَصح ببرهان وَإِنَّمَا هُوَ إقناع أَو شغب فالقرآن وَكَلَام النَّبِي ﵊ مِنْهُ خاليان وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
قَالَ أَبُو مُحَمَّد ومعاذ الله أَن يَأْتِي كَلَام الله أَو كَلَام نبيه ﵊ بِمَا يُبطلهُ عيان أَو برهَان إِنَّمَا ينْسب هَذَا إِلَى الْقُرْآن وَالسّنة من لَا يُؤمن بهما وَيسْعَى فِي إبطالهما ﴿ويأبى الله إِلَّا أَن يتم نوره وَلَو كره الْكَافِرُونَ﴾
ولسنا من تَفْسِير الْكَلْبِيّ وَمن جرى مجْرَاه فِي شَيْء وَلَا نَحن من نقل المتهمين فِي شَأْن إِنَّمَا نحتج بِمَا نَقله الْأَئِمَّة الثِّقَات الْأَثْبَات من رُؤَسَاء الْمُحدثين مُسْندًا فَمن فتش الحَدِيث الصَّحِيح وجد فِيهِ كل مَا قُلْنَا وَالْحَمْد لله رب الْعَالمين
انْتهى مَا تعلق الْغَرَض بإيراده
وَقد تعرض حجَّة الْإِسْلَام أَبُو حَامِد الْغَزالِيّ لبَيَان عظم الضَّرَر الَّذِي نَشأ من هَاتين الطَّائِفَتَيْنِ فِي كتاب المنقذ من الضلال ونحا فِي كَلَامه قَرِيبا من منحى ابْن حزم فِي ذَلِك فَارْجِع إِلَيْهِ إِن شِئْت
هَذَا وَمن شدد النكير على أُولَئِكَ الْمُحدثين الَّذين يروون الْأَحَادِيث الضعيفة من غير بَيَان ضعفها حَتَّى حصل من الضَّرَر مَا حصل جُمْهُور الْمُتَكَلِّمين على الِاخْتِلَاف فرقهم
وَقد ذكر ابْن قُتَيْبَة فِي مُقَدّمَة كتاب تَأْوِيل مُخْتَلف الحَدِيث مَا قَالَه المتكلمون من الْقَدَرِيَّة فِي ذَلِك
فَإِن قيل إِن هَؤُلَاءِ لَا يَقُولُونَ بِالْحَدِيثِ فيكف يسمع كَلَامهم فِي أَهله وهم أَشد النَّاس عَدَاوَة لَهُم يُقَال بِأَن هَؤُلَاءِ لَا يتوقعون فِي وجوب الْأَخْذ بِالْحَدِيثِ إِذا كَانَ متواترا أَو كَانَ غير متواتر إِلَّا أَنه احتف بِهِ من الْقَرَائِن مَا يدل على صِحَّته وَإِنَّمَا يتوقفون فِي الْأَخْذ بِالْحَدِيثِ إِذا كَانَ مرويا من طَرِيق الْآحَاد وَلم تقم قرينَة على صِحَّته وَأما الْأَحَادِيث الضعيفة فَلَا يَقُولُونَ بهَا أصلا وَقد نحا منحاهم المتكلمون
стр. 616
منا وَمن نظر فِي كتب الْكَلَام أَو الْأُصُول تبين لَهُ أَنهم لَا يُنكرُونَ الْأَخْذ بِالْحَدِيثِ مُطلقًا كَمَا توهمه عبارَة أنَاس يُرِيدُونَ التنفير مِنْهُم مَعَ أَن التنفير مِنْهُم يُمكن أَن يحصل بِغَيْر الافتراء عَلَيْهِم وَنسبَة مَا لَا يَقُولُونَ بهم إِلَيْهِم
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة قد عرفت أَن الْعلمَاء الْأَعْلَام قد أَنْكَرُوا إنكارا شَدِيدا على الَّذين يروون الْأَحَادِيث الضعيفة من غير بَيَان لِضعْفِهَا وَأما من رَوَاهَا مَعَ بَيَان ضعفها فَلم ينكروا عَلَيْهِ وَذَلِكَ لِأَن رِوَايَة كثير من عُلَمَاء الحَدِيث للأحاديث الضعيفة لم تكن تَخْلُو عَن فَائِدَة مهمة
قَالَ الْعَلامَة النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم قد ذكر مُسلم فِي هَذَا الْبَاب أَن الشّعبِيّ روى عَن الْحَارِث الْأَعْوَر وَشهد أَنه كَاذِب وَعَن غَيره حَدثنِي فلَان وَكَانَ مُتَّهمًا وَعَن غَيره الرِّوَايَة عَن المغفلين والضعفاء والمتروكين فقد يُقَال لم حدث هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة عَن هَؤُلَاءِ مَعَ علمهمْ بِأَنَّهُم لَا يحْتَج بهم
وَيُجَاب عَنهُ بأجوبة أَحدهَا أَنهم رووها ليعرفوها وليبينوا ضعفها لِئَلَّا يلتبس فِي وَقت عَلَيْهِم أَو على غَيرهم أَو يتشككوا فِي أمرهَا
الثَّانِي أَن الضَّعِيف يكْتب حَدِيثه ليعتبر بِهِ أَو يستشهد كَمَا قدمْنَاهُ فِي فصل المتابعات وَلَا يحْتَج بِهِ على انْفِرَاده
الثَّالِث أَن رِوَايَات الرَّاوِي الضَّعِيف يكون فِيهَا الصَّحِيح والضعيف وَالْبَاطِل فيكتبونها ثمَّ يُمَيّز أهل الحَدِيث والإتقان بعض ذَلِك من بعض وَذَلِكَ سهل عَلَيْهِم مَعْرُوف عِنْدهم وَبِهَذَا احْتج سُفْيَان الثَّوْريّ حِين نهى عَن الرِّوَايَة عَن الْكَلْبِيّ فَقيل لَهُ أَنْت تروي عَنهُ فَقَالَ أَنا أعلم صدقه من كذبه
الرَّابِع أَنهم قد يروون عَنْهُم أَحَادِيث التَّرْغِيب والترهيب وفضائل الْأَعْمَال والقصص والزهد وَمَكَارِم الْأَخْلَاق وَنَحْو ذَلِك مِمَّا لَا يتَعَلَّق بالحلال وَالْحرَام وَسَائِر
стр. 617
الْأَحْكَام
وَهَذَا الضَّرْب من الحَدِيث يجوز عِنْد أهل الحَدِيث وَغَيرهم التساهل فِيهِ وَرِوَايَة مَا سوى الْمَوْضُوع مِنْهُ وَالْعَمَل بِهِ لِأَن أصُول ذَلِك صَحِيحَة مقررة فِي الشَّرْع مَعْرُوفَة عِنْد أَهله وعَلى كل حَال فَإِن الْأَئِمَّة لَا يروون عَن الضُّعَفَاء شَيْئا يحتجون بِهِ على انْفِرَاده فِي الْأَحْكَام فَإِن هَذَا شَيْء لَا يَفْعَله إِمَام من أَئِمَّة الْمُحدثين وَلَا مُحَقّق من غَيرهم من الْعلمَاء
وَأما فعل كثيرين من الْفُقَهَاء أَو أَكْثَرهم ذَلِك واعتمادهم عَلَيْهِ فَلَيْسَ بصواب بل قَبِيح جدا وَذَلِكَ لِأَنَّهُ إِن كَانَ يعرف ضعفه لم يحل لَهُ أَن يحْتَج بِهِ فَإِنَّهُم متفقون على أَنه لَا يحْتَج بالضعيف فِي الْأَحْكَام وَإِن كَانَ لَا يعرف ضعفه لم يحل لَهُ أَن يهجم على الِاحْتِجَاج بِهِ من غير بحث عَلَيْهِ بالتفتيش عَنهُ إِن كَانَ عَارِفًا أَو بسؤال أهل الْعلم بِهِ إِن لم يكن عَارِفًا وَالله أعلم
تَنْبِيه إِذا أردْت نقل الحَدِيث الضَّعِيف بِغَيْر إِسْنَاد فَلَا تقل فِيهِ قَالَ رَسُول الله كَذَا أَو فعل كَذَا لإشعار ذَلِك بِالْجَزْمِ بل قل فِيهِ رُوِيَ عَن رَسُول الله ص = أَنه قَالَ كَذَا أَو فعل كَذَا أَو بلغنَا عَنهُ كَذَا أَو جَاءَ عَنهُ كَذَا أَو روى بَعضهم عَنهُ كَذَا وَمَا أشبه ذَلِك من الصِّيَغ الَّتِي لَا تشعر بِالْجَزْمِ
وَمثل الضَّعِيف مَا يشك فِي صِحَّته وَضَعفه وَخلاف ذَلِك مُنكر عِنْد الْقَوْم يسْتَحق صَاحبه اللوم
قَالَ النَّوَوِيّ فِي مُقَدّمَة شرح صَحِيح البُخَارِيّ قَالَ الْعلمَاء الْمُحَقِّقُونَ من الْمُحدثين وَغَيرهم إِذا كَانَ الحَدِيث ضَعِيفا لَا يُقَال فِيهِ قَالَ رَسُول الله ص = أَو فعل أَو أَمر أَو نهى أَو حكم وَشبه ذَلِك من صِيغ الْجَزْم
وَكَذَا لَا يُقَال روى أَبُو هُرَيْرَة أَو قَالَ أَو ذكر أَو أخبر أَو حدث أَو نقل أَو أفتى وَشبه ذَلِك وَكَذَا لَا يُقَال ذَلِك فِي التَّابِعين فَمن بعدهمْ
فَمَا كَانَ ضَعِيفا فَلَا يُقَال فِيهِ شَيْء من ذَلِك بِصِيغَة الْجَزْم وَإِنَّمَا يُقَال فِي
стр. 618
الضَّعِيف بِصِيغَة التمريض فَيُقَال رُوِيَ عَنهُ أَو نقل أَو ذكر أَو حُكيَ أَو يُقَال أَو يرْوى أَو يحْكى أَو يعزى أَو جَاءَ عَنهُ أَو بلغنَا عَنهُ
قَالُوا وَإِذا كَانَ الحَدِيث أَو غَيره صَحِيحا أَو حسنا عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ فَيُقَال بِصِيغَة الْجَزْم وَدَلِيل هَذَا كُله أَن صِيغَة الْجَزْم تَقْتَضِي صِحَّته عَن الْمُضَاف إِلَيْهِ فَلَا يُطلق إِلَّا فِيمَا صَحَّ وَإِلَّا فَيكون فِي معنى الْكَاذِب عَلَيْهِ وَهَذَا التَّفْصِيل مِمَّا تَركه كثير من النَّاس من المصنفين فِي الْفِقْه والْحَدِيث وَغَيرهمَا وَمن غَيرهم
وَقد اشْتَدَّ إِنْكَار الإِمَام الْحَافِظ أبي بكر أَحْمد بن الْحُسَيْن بن عَليّ الْبَيْهَقِيّ على من خَالف هَذَا من الْعلمَاء وَهَذَا التساهل من فَاعله قَبِيح جدا فَإِنَّهُم يَقُولُونَ فِي الصَّحِيح بِصِيغَة التمريض وَفِي الضَّعِيف بِالْجَزْمِ وَهَذَا خُرُوج عَن الصَّوَاب وقلب للمعاني وَالله الْمُسْتَعَان
وَقد اعتنى البُخَارِيّ ﵁ بِهَذَا التَّفْصِيل فِي صَحِيحه فَيَقُول فِي التَّرْجَمَة الْوَاحِدَة بعض الْكَلَام بتمريض وَبَعضه بجزم مراعيا مَا ذكرنَا وَهَذَا مَا يزيدك اعتقادا فِي جلالته وتحريه وروع واطلاعه وتحقيقه وإتقانه
стр. 619
الْفَصْل السَّابِع فِي رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى وَمَا يتَعَلَّق بذلك
اخْتلف الْعلمَاء فِي رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى فَذهب قوم إِلَى عدم جَوَاز ذَلِك مُطلقًا مِنْهُم ابْن سِيرِين وثعلب وَأَبُو بكر الرَّازِيّ وَغَيرهم ويروى ذَلِك عَن ابْن عمر وَذهب الْأَكْثَرُونَ إِلَى جَوَاز ذَلِك إِذا كَانَ الرَّاوِي عَارِفًا بدقائق الْأَلْفَاظ بَصيرًا بِمِقْدَار التَّفَاوُت بَينهَا خَبِيرا بِمَا يحِيل مَعَانِيهَا فَإِذا أبدل اللَّفْظ الَّذِي بلغه بِلَفْظ آخر يقوم مقَامه بِحَيْثُ يكون مَعْنَاهُ مطابقا لِمَعْنى اللَّفْظ الَّذِي بلغه جَازَ ذَلِك
وَقد تعرض لهَذِهِ الْمَسْأَلَة عُلَمَاء الْأُصُول وَلما كَانَت من الْمسَائِل المهمة جدا أَحْبَبْت أَن أورد من عباراتهم هُنَا مَا يكون فِيهِ كِفَايَة لمطالع كتَابنَا قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ فِي اللمع بَاب القَوْل فِي حَقِيقَة الرِّوَايَة وَمَا يتَّصل بهَا وَالِاخْتِيَار فِي الرِّوَايَة أَن يروي الْخَبَر بِلَفْظِهِ لقَوْله ص = نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها ثمَّ أَدَّاهَا كَمَا سمع قرب حَامِل فقه إِلَى مَا هُوَ أفقه مِنْهُ
فَإِن أورد الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى نظر فَإِن كَانَ مِمَّن لَا يعرف معنى الحَدِيث لم يجز لِأَنَّهُ لَا يُؤمن أَن يُغير معنى الحَدِيث
وَإِن كَانَ مِمَّن يعرف معنى الحَدِيث نظر فَإِن كَانَ ذَلِك فِي خبر مُحْتَمل لم يجز أَن يروي بِالْمَعْنَى لِأَنَّهُ رُبمَا نَقله بِلَفْظ لَا يُؤَدِّي مُرَاد الرَّسُول ص = فَلَا يجوز أَن يتَصَرَّف فِيهِ وَإِن كَانَ خَبرا ظَاهرا فَفِيهِ وَجْهَان من أَصْحَابنَا من قَالَ لَا يجوز لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ التَّعَبُّد بِاللَّفْظِ كتكبير الصَّلَاة وَالثَّانِي أَنه يجوز وَهُوَ الْأَظْهر
стр. 620
لِأَنَّهُ يُؤَدِّي مَعْنَاهُ فَقَامَ مقَامه وَلِهَذَا رُوِيَ عَن النَّبِي ص = أَنه قَالَ إِذا أصبت الْمَعْنى فَلَا بَأْس
وَهَذَا الحَدِيث قد رَوَاهُ ابْن مَنْدَه فِي معرفَة الصَّحَابَة وَالطَّبَرَانِيّ فِي المعجم الْكَبِير من حَدِيث عبد الله بن سُلَيْمَان بن أكيمَة اللَّيْثِيّ قَالَ قلت يَا رَسُول الله إِنِّي أسمع مِنْك الحَدِيث لَا أَسْتَطِيع أَن أوديه كَمَا أسمعهُ مِنْك يزِيد حرفا أَو ينقص حرفا فَقَالَ إِذا لم تحلوا حَرَامًا وَلم تحرموا حَلَال وأصبتم الْمَعْنى فَلَا بَأْس
فَذكر ذَلِك لِلْحسنِ فَقَالَ لَوْلَا هَذَا مَا حَدثنَا
وَذكر بعض أهل الْأَثر أَن أُنَاسًا من المجوزين للرواية بِالْمَعْنَى استأنسوا بِحَدِيث مَرْفُوع فِيهِ قُلْنَا يَا رَسُول الله إِنَّا نسْمع مِنْك الحَدِيث فَلَا نقدر أَن نؤديه فَقَالَ إِذا لم تحلوا حَرَامًا وَلم تحرموا حَلَالا وأصبتم الْمَعْنى لَا بَأْس
قَالَ وَهُوَ حَدِيث مُضْطَرب لَا يَصح بل ذكره الجوزقاني وَابْن الْجَوْزِيّ فِي الموضوعات وَفِي ذَلِك نظر
وَقَالَ الْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى دون اللَّفْظ حرَام على الْجَاهِل بمواقع الْخطاب ودقائق الْأَلْفَاظ أما الْعَالم بِالْفرقِ بَين الْمُحْتَمل وَغير الْمُحْتَمل وَالظَّاهِر وَالْأَظْهَر وَالْعَام والأعم فقد جوز لَهُ الشَّافِعِي وَمَالك وَأَبُو حنيفَة وجماهير الْفُقَهَاء أَن يَنْقُلهُ على الْمَعْنى إِذا فهمه
وَقَالَ فريق لَا يجوز لَهُ إِلَّا إِبْدَال اللَّفْظ بِمَا يرادفه ويساويه فِي الْمَعْنى كَمَا يُبدل الْقعُود بِالْجُلُوسِ وَالْعلم بالمعرفة والاستطاعة بِالْقُدْرَةِ والإبصار بالإحساس بالبصر والحظر بِالتَّحْرِيمِ وَسَائِر مَا لَا يشك فِيهِ وعَلى الْجُمْلَة مَا لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ
стр. 621
تفَاوت بالاستنباط والفهم وَإِنَّمَا ذَلِك فِيمَا فهمه قطعا لَا فِيمَا فهمه بِنَوْع استلال يخْتَلف فِيهِ الناظرون
وَيدل على جَوَاز ذَلِك للْعَالم الْإِجْمَاع على جَوَاز شرح الشَّرْع للعجم بلسانهم إِذا جَازَ إِبْدَال الْعَرَبيَّة بعجمية ترادفها فَلِأَن يجوز إِبْدَال عَرَبِيَّة بعربية ترادفها وتساويها أولى وَكَانَ سفراء رَسُول الله ص = فِي الْبِلَاد يبلغونهم أوامره بلغتهم وَكَذَلِكَ من سمع شَهَادَة الرَّسُول ص = فَلهُ أَن يشْهد على شَهَادَته بلغَة أُخْرَى وَهَذَا لأَنا نعلم أَنه لَا تعبد فِي اللَّفْظ وَإِنَّمَا الْمَقْصُود فهم الْمَعْنى وإيصاله إِلَى الْحق وَلَيْسَ فِي ذَلِك كالتشهد وَالتَّكْبِير وَمَا تعبد فِيهِ بِاللَّفْظِ
فَإِن قيل فقد قَالَ ص = نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها فأداها كَمَا سَمعهَا فَرب مبلغ أوعى من سامع وَرب حَامِل فقد لَيْسَ بفقيه وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ
قُلْنَا هَذَا هُوَ الْحجَّة لِأَنَّهُ ذكر الْعلَّة وَهُوَ اخْتِلَاف النَّاس فِي الْفِقْه فَمَا لَا يخْتَلف النَّاس فِيهِ من الْأَلْفَاظ المترادفة فَلَا يمْنَع مِنْهُ
وَهَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه قد نقل بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة وَالْمعْنَى وَاحِد وَإِن أمكن أَن تكون جَمِيع تِلْكَ الْأَلْفَاظ قَول رَسُول الله ص = فِي أَوْقَات مُخْتَلفَة لَكِن الْأَغْلَب أَنه حَدِيث وَاحِد وَنقل بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة فَإِنَّهُ رُوِيَ رجم الله امْرأ ونضر الله امْرأ
وَرُوِيَ وَرب حَامِل فقه لَا فقه لَهُ وَرب حَامِل فقه غير فَقِيه وَكَذَلِكَ الْخطب المتحدة والوقائع المتحدة رَوَاهَا الصَّحَابَة ﵃ بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة فَدلَّ ذَلِك على الْجَوَاز
وَقَالَ الْفَخر الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُول يجوز نقل الْخَبَر بِالْمَعْنَى وَهُوَ مَذْهَب الْحسن الْبَصْرِيّ وَأبي حنيفَة خلافًا لِابْنِ سِيرِين وَبَعض الْمُحدثين وَلَكِن بشرائط ثَلَاث إِحْدَاهَا أَن لَا تكون التَّرْجَمَة قَاصِرَة عَن الأَصْل فِي إِفَادَة الْمَعْنى
وَثَانِيها أَن لَا يكون فِيهَا زِيَادَة وَلَا نُقْصَان
وَثَالِثهَا أَن تكون التَّرْجَمَة مُسَاوِيَة للْأَصْل فِي الْجلاء
стр. 622
والخفاء لِأَن الْخطاب يَقع تَارَة بالمحكم وَتارَة بالمتشابه لحكم وأسرار اسْتَأْثر الله بعلمها فَلَا يجوز تغييرها عَن وصفهَا
لنا وُجُوه الأول أَن الصَّحَابَة نقلوا قصَّة وَاحِدَة بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة مَذْكُورَة فِي مجْلِس وَاحِد وَلم يُنكر بَعضهم على بعض فِيهِ وَذَلِكَ يدل على قَوْلنَا
الثَّانِي أَنه يجوز شرح الشَّرْع للعجم بلسانهم فَإِذا جَازَ إِبْدَال الْعَرَبيَّة بالعجمية فبأن يجوز إبدالها بعربية أُخْرَى أولى وَمن أنصف علم أَن التَّفَاوُت بَين الْعَرَبيَّة وترجمتها بِالْعَرَبِيَّةِ أقل مِمَّا بَينهَا وَبَين العجمية
الثَّالِث أَنه رُوِيَ عَنهُ ﵇ أَنه قَالَ إِذا أصبْتُم الْمَعْنى فَلَا بَأْس
وَعَن ابْن مَسْعُود أَنه كَانَ إِذا حَدِيث قَالَ قَالَ رَسُول الله كَذَا أَو نَحوه
الرَّابِع وَهُوَ الْأَقْوَى أَنا نعلم بِالضَّرُورَةِ أَن الصَّحَابَة الَّذين رووا عَن رَسُول الله ص = فِي ذَلِك الْمجْلس بل كَمَا سمعوها يذكرونها وَمَا ذكروها إِلَّا بعد الْأَعْصَار والسنين وَذَلِكَ يُوجب الْقطع بتعذر رِوَايَتهَا على تِلْكَ الْأَلْفَاظ
احْتج الْمُخَالف بِالنَّصِّ والمعقول
أما النَّص فَقَوله ﵊ رحم الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها ثمَّ أَدَّاهَا كَمَا سَمعهَا
قَالُوا وأداؤه كَمَا سمع هُوَ أَدَاء اللَّفْظ المسموع
وَنقل الْفَقِيه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ مَعْنَاهُ وَالله أعلم أَن الأفطن رُبمَا فطن بِفضل فقهه من فَوَائِد اللَّفْظ بِمَا لم يفْطن لَهُ الرَّاوِي لِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ دونه فِي الْفِقْه
وَأما الْمَعْقُول فِيمَن وَجْهَيْن
الأول أَنا لما جربنَا رَأينَا أَن الْمُتَأَخر رُبمَا استنبط من فَوَائِد بِآيَة أَو خبر مَا لم يتَنَبَّه لَهُ أهل الْأَعْصَار السالفة من الْعلمَاء الْمُحَقِّقين فَعلمنَا أَنه لَا يجب فِي كل مَا كَانَ من فَوَائِد اللَّفْظ أَن يتبنه لَهُ السَّامع فِي الْحَال وَإِن كَانَ فَقِيها ذكيا نَفسه فَلَو جَوَّزنَا النَّقْل بِالْمَعْنَى فَرُبمَا حصل التَّفَاوُت الْعَظِيم مَعَ أَن الرَّاوِي يظنّ أَن لَا تفَاوت
стр. 623
الثَّانِي أَنه لَو جَازَ للراوي تَبْدِيل لفظ الرَّسُول بِلَفْظ نَفسه كَانَ للراوي الثَّانِي تَبْدِيل اللَّفْظ الَّذِي سَمعه بِلَفْظ نَفسه بل هَذَا أولى لِأَن تَبْدِيل لفظ الرَّاوِي أولى بِالْجَوَازِ من تَبْدِيل لفظ الشَّارِع وَإِن كَانَ ذَلِك فِي الطَّبَقَة الثَّالِثَة وَالرَّابِعَة فَذَلِك يقْضِي إِلَى سُقُوط الْكَلَام الأول لِأَن الْإِنْسَان وَإِن اجْتهد فِي تطبيق التَّرْجَمَة لَكِن لَا يَنْفَكّ عَن تفَاوت وَإِن قل فَإِذا توالت هَذِه التفاوتات كَانَ التَّفَاوُت الْأَخير تَفَاوتا فَاحِشا بِحَيْثُ لَا يبْقى بَين الْكَلَام الْأَخير وَبَين الأول نوع مُنَاسبَة
وَالْجَوَاب عَن الأول أَن من أدّى كَلَام الرجل فَإِنَّهُ يُوصف بِأَنَّهُ أدّى كَمَا سمع وَإِن اخْتلف الْأَلْفَاظ وَهَكَذَا الشَّاهِد والترجمان يَقع عَلَيْهِمَا الْوَصْف بِأَنَّهُمَا أديا كَمَا سمعا وَإِن كَانَ لفظ الشَّاهِد خلاف لفظ الْمَشْهُود عَلَيْهِ ولغة المترجم غير لُغَة المترجم عَنهُ
وَعَن الثَّانِي وَالثَّالِث مَا تقدم قبل
وَقَالَ الْقَرَافِيّ فِي شرح تَنْقِيح الْفُصُول فِي الْأُصُول وَنقل الْخَبَر بِالْمَعْنَى عِنْد أبي الْحُسَيْن وَأبي حنيفَة وَالشَّافِعِيّ جَائِز خلافًا لِابْنِ سِيرِين وَبَعض الْمُحدثين بِشُرُوط أَن لَا تزيد التَّرْجَمَة وَلَا تنقص وَلَا تكون أخْفى وَلَا أجلى لِأَن الْمَقْصُود إِنَّمَا هُوَ إِيصَال الْمعَانِي فَلَا يضر فَوَات غَيرهَا
وَمَتى زَادَت عبارَة الرَّاوِي أَو نقصت فقد زَاد فِي الشَّرْع أَو نقص وَذَلِكَ حرَام إِجْمَاعًا وَمَتى كَانَت عبارَة الحَدِيث جلية فغيرها بِعِبَارَة خُفْيَة فقد أوقع فِي الحَدِيث وهنأ يُوجب تَقْدِيم غَيره عَلَيْهِ بِسَبَب خفائه فَإِن الْأَحَادِيث إِذا تَعَارَضَت فِي الحكم الْوَاحِد يقدم أجلاها على أخفاها فَإِذا كَانَ أصل الحَدِيث جليا فأبدله بخفي فقد أبطل مِنْهُ مزية حَسَنَة تخل بِهِ عِنْد التَّعَارُض
وَكَذَلِكَ إِذا كَانَ الحَدِيث خَفِي الْعبارَة فأبدلها بأجلى مِنْهَا فقد أوجب لَهُ حكم التَّقْدِيم على غَيره وَحكم الله لَا يقدم غَيره عَلَيْهِ عِنْد التَّعَارُض فقد تسبب بِهَذَا التَّغْيِير فِي الْعبارَة إِلَى تَغْيِير حكم الله تَعَالَى وَذَلِكَ لَا يجوز
فَهَذَا هُوَ مُسْتَند هَذِه
стр. 624
الشُّرُوط فَإِذا حصلت هَذِه الشُّرُوط فَحِينَئِذٍ يجْرِي الْخلاف فِي الْجَوَاز أما عِنْد عدمهَا فَلَا يجوز إِجْمَاعًا
حجَّة الْجَوَاز أَن الصَّحَابَة ﵃ كَانُوا يسمعُونَ الْأَحَادِيث وَلَا يكتبونها وَلَا يكررون عَلَيْهَا ثمَّ يروونها بعد السنين الْكَثِيرَة وَمثل هَذَا يجْزم الْإِنْسَان فِيهِ بِأَن نفس الْعبارَة لَا تنضبط بل الْمَعْنى فَقَط وَلِأَن أَحَادِيث كَثِيرَة وَقعت بعبارات مُخْتَلفَة وَذَلِكَ مَعَ اتِّحَاد الْقِصَّة وَهُوَ دَلِيل جَوَاز النَّقْل بِالْمَعْنَى وَلِأَن لفظ السّنة لَيْسَ متعبدا بِهِ بِخِلَاف لفظ الْقُرْآن فَإِذا ضبط الْمَعْنى فَلَا يضر فَوَات مَا لَيْسَ بمقصود
حجَّة الْمَنْع قَوْله ﵊ رحم الله أَو نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فأداها كَمَا سَمعهَا فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ وَرب حَامِل فقه إِلَى من لَيْسَ بفقيه
فَقَوله فأداها كَمَا سَمعهَا يَقْتَضِي أَن يكون اللَّفْظ الْمُؤَدى كاللفظ المسموع عملا بكاف التَّشْبِيه
والمسموع فِي الْحَقِيقَة إِنَّمَا هُوَ اللَّفْظ وَسَمَاع الْمَعْنى تبع لَهُ والتشبيه وَقع بالمسموع فَلَا يُشبههُ حِينَئِذٍ إِلَّا المسموع أما الْمَعْنى فَلَا وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنه ﵊ أوجب نقل مثل مَا سَمعه لَا خِلَافه وَهُوَ الْمَطْلُوب
قَالَ صَاحب ميزَان الْعُقُول فِي الْأُصُول مَسْأَلَة نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى هَل يجوز أم لَا أَجمعُوا أَنه إِذا كَانَ لفظا مُشْتَركا أَو مُجملا أَو مُشكلا فَإِنَّهُ لَا يجوز إِقَامَة لفظ آخر مقَامه
أما إِذا كَانَ لفظا ظَاهرا مُفَسرًا فإقامة لفظ آخر مثله بِأَن قَالَ قعد رَسُول الله ص = على رَأس الرَّكْعَتَيْنِ فِي صَلَاة الظّهْر مَكَان مَا رُوِيَ أَنه جلس على رَأس الرَّكْعَتَيْنِ هَل يجوز فَعِنْدَ أَصْحَابنَا يجوز وَهُوَ ظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي وَقد رُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ كَذَلِك
وَقَالَ بعض أَصْحَاب الحَدِيث إِنَّه لَا يجوز
وَقيل هُوَ اخْتِيَار ثَعْلَب من أَئِمَّة اللُّغَة وَحجَّة هَؤُلَاءِ حَدِيث رَسُول الله ص = فَإِنَّهُ قَالَ نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها وأداها كَمَا سَمعهَا
وَلِأَن النَّبِي ﵊ مَخْصُوص بِكَمَال الفصاحة والبلاغة كَمَا رُوِيَ أَنه قَالَ أَنا أفْصح الْعَرَب وَلَا فَخر
وَرُوِيَ
стр. 625
عَنهُ أَنه قَالَ أُوتيت خمْسا لم يُؤْتَهُنَّ أحدا قبلي وَذَلِكَ مِنْهَا وَأُوتِيت جَوَامِع الْكَلم
وَإِذا كَانَ الْأَمر كَذَلِك فَلَا شكّ أَن فِي النَّقْل إِلَى لفظ آخر احْتِمَال الاختلال فِي الْمَعْنى فَيجب الِاقْتِصَار على اللَّفْظ الْمَنْصُوص عَلَيْهِ وَلِهَذَا الطَّرِيق لَا يجوز نقل الْقُرْآن بِالْمَعْنَى فَكَذَا هَذَا
وَوجه قَول الْعَامَّة مَا رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود وَغَيره أَن النَّبِي ﵊ قَالَ هَكَذَا أَو نَحوا مِنْهُ أَو قَرِيبا مِنْهُ
وَهَذَا نقل بِالْمَعْنَى وَقد اشْتهر عَن الصَّحَابَة أَنهم قَالُوا أمرنَا رَسُول الله ص = بِكَذَا ونهانا عَن كَذَا
وَهَذَا نقل من حَيْثُ الْمَعْنى وَإِجْمَاع الصَّحَابَة حجَّة
وَالْمعْنَى فِي الْمَسْأَلَة هُوَ أَن الِامْتِنَاع إِمَّا أَن يكون لأجل اللَّفْظ أَو لأجل الْمَعْنى وَالْأول فَاسد فَإِن سنة النَّبِي ﵊ وضعت لبَيَان الْأَحْكَام وَهُوَ الْغَرَض وَهَذَا لَا يخْتَص بِلَفْظ دون لفظ وَلِأَنَّهُ لم يتَعَلَّق شَيْء من الْغَرَض بِلَفْظ الحَدِيث لِأَنَّهُ لَيْسَ بمعجز وَلَا يتَعَلَّق الثَّوَاب وَجَوَاز الصَّلَاة بِهِ بِخِلَاف الْقُرْآن فَإِنَّهُ معجز وَقد تعلق بتلاوته الثَّوَاب وَجَوَاز الصَّلَاة
فلئن كَانَ لَا يجوز نقل الْقُرْآن من لفظ إِلَى لفظ فَلم ذَا لَا يجوز فِي الحَدِيث مَعَ أَن ثمَّ جَاءَ النَّقْل بطرِيق الرُّخْصَة أَيْضا كَمَا رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه سمع رجلا يَقُول طَعَام الْيَتِيم
وَلم يُمكنهُ أَن يَقُول طَعَام الأثيم
فَقَالَ لَهُ قل طَعَام الْفَاجِر فَلِأَن يجوز فِي الحَدِيث أولى
وَإِن كَانَ لأجل الْمَعْنى فَالْمَعْنى لَا يخْتَلف وَلَا يخْتل بِالنَّقْلِ إِلَى لفظ مثله فِي الْمَعْنى نَحْو قَوْلهم قعد مَكَان جلس وَلِهَذَا كَانَ نقل كلمة الشَّهَادَة من اللَّفْظ الْمَرْوِيّ بِالْعَرَبِيَّةِ إِلَى كل لِسَان جَائِز لما كَانَ الْغَرَض هُوَ الْمَعْنى دون اللَّفْظ فَكَذَا هَذَا بِخِلَاف الْأَذَان وَالتَّشَهُّد حَيْثُ لَا يجوز النَّقْل عَن ألفاظهما إِلَى غَيرهمَا لِأَن الشَّرْع جَاءَ بِتِلَاوَة ألفاظهما وعلق بهما الثَّوَاب الْخَاص على أَن الْأَذَان شرع للإعلام وَإنَّهُ لَا يحصل إِلَّا بالألفاظ الْمَعْرُوفَة وَلِهَذَا لم يجوزوا النَّقْل من اللَّفْظ الْمُشْتَرك والمجمل إِلَى لفظ آخر لما فِيهِ من احْتِمَال الْإِخْلَال بِالْمَعْنَى
стр. 626
وَأما الحَدِيث فَنَقُول لَا حجَّة فِي الحَدِيث لِأَن من نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى من كل وَجه يُقَال إِنَّه أدّى كَمَا سمع فَإِنَّهُ يُقَال للمترجم من لُغَة إِلَى لُغَة قد أدّى كَمَا سمع
على أَن المُرَاد بِالْحَدِيثِ إِذا كَانَ لفظ الحَدِيث مُشْتَركا أَو مُشكلا أَو مُجملا يُمكن احْتِمَال الْخلَل فِيهِ بِالنَّقْلِ إِلَى لفظ آخر وَنحن نمْنَع النَّقْل فِي مثل هَذَا الْموضع لهَذَا الْوَهم وَفِي الحَدِيث مَا يدل عَلَيْهِ فَإِنَّهُ قَالَ فَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ وَرب حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه
وَمَا لَا يشْتَبه من الْأَلْفَاظ وَلَا يخْتَلف اجْتِهَاد الْمُجْتَهدين فِيهِ يَسْتَوِي فِيهِ الْفَقِيه وَغير الْفَقِيه والكامل فِي الْفَقِيه والناقص
وَقَالَ بعض عُلَمَاء الْحَنَابِلَة تجوز رِوَايَة الحَدِيث بِالْمَعْنَى المطابق للفظ للعارف بمقتضيات الْأَلْفَاظ الْفَارِق بَينهَا وَمنع مِنْهُ ابْن سِيرِين لقَوْله ﵊ فأداها كَمَا سَمعهَا وَلقَوْله ﵊ للبراء حِين قَالَ وَرَسُولك الَّذِي أرْسلت
قَالَ قل وَنَبِيك الَّذِي أرْسلت
وَلنَا جَوَاز شرح الحَدِيث وَالشَّهَادَة على الشَّهَادَة الْعَرَبيَّة بالعجمية وَعَكسه فَهَذَا أولى وَلِأَن التَّعَبُّد بِالْمَعْنَى لَا بِاللَّفْظِ بِخِلَاف الْقُرْآن وَلِأَنَّهُ جَائِز فِي غير السّنة فَكَذَا فِيهَا إِذْ الْكَذِب حرَام فيهمَا والراوي بِالْمَعْنَى المطابق مؤد كَمَا سمع
ثمَّ المُرَاد مِنْهُ من لَا يفرق وَلَيْسَ الْكَلَام فِيهِ
وَفَائِدَة قَوْله ﵊ للبراء مَا ذكر عدم الالتباس بِجِبْرِيل أَو الْجمع بَين لفظتي النُّبُوَّة والرسالة
قَالَ أَبُو الْخطاب وَلَا يُبدل لفظا بأظهر مِنْهُ إِذْ الشَّارِع رُبمَا قصد إِيصَال الحكم بِاللَّفْظِ الْجَلِيّ تَارَة وبالخفي أُخْرَى
قلت وَكَذَا بِالْعَكْسِ وَهُوَ أولى
وَقد فهم هَذَا من قَوْلنَا الْمَعْنى المطابق
وَالله أعلم
وَقَالَ ابْن حزم فصل قَالَ عَليّ وَحكم الْخَبَر عَن النَّبِي ص = أَن يُورد بِنَصّ لَفظه لَا يُبدل وَلَا يُغير إِلَّا فِي حَال وَاحِدَة وَهِي أَن يكون الْمَرْء
стр. 627
قد تثبت فِيهِ وَعرف مَعْنَاهُ يَقِينا فَيسْأَل فيفتي بِمَعْنَاهُ وموجبه فَيَقُول حكم رَسُول الله بِكَذَا وَنهى عَن كَذَا وَحرم كَذَا وَالْوَاجِب فِي هَذِه الْقَضِيَّة مَا صَحَّ عَن النَّبِي ص = وَهُوَ كَذَا وَكَذَلِكَ الحكم فِيمَا جَاءَ من الحكم فِي الْقُرْآن وَلَا فرق
وَجَائِز أَن يخبر الْمَرْء بِمُوجب الْآيَة وبحكمها بِغَيْر لَفظهَا وَهَذَا مَا لَا خلاف فِيهِ من أحد فِي أَن ذَلِك مُبَاح كَمَا ذكرنَا
وَأما من حدث وَأسْندَ القَوْل إِلَى النَّبِي ص = وَقصد التَّبْلِيغ لما بلغه عَن النَّبِي ص = فَلَا يحل لَهُ إِلَّا تحري الْأَلْفَاظ كَمَا سَمعهَا لَا يُبدل حرفا مَكَان آخر وَإِن كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا وَلَا يقدم حرفا وَلَا يُؤَخر آخر وَكَذَلِكَ من قصد تِلَاوَة آيَة أَو تعلمهَا وَلَا فرق
وبرهان ذَلِك أَن النَّبِي ص = علم الْبَراء بن عَازِب دُعَاء وَفِيه وَنَبِيك الَّذِي أرْسلت
فَلَمَّا أَرَادَ الْبَراء أَن يعرض ذَلِك الدُّعَاء على النَّبِي ص = قَالَ وبرسولك الَّذِي أرْسلت فَقَالَ النَّبِي ص = لَا وبنبيك الَّذِي أرْسلت
فَأمره ﵊ أَن لَا يضع لَفْظَة رَسُول فِي مَوضِع لَفْظَة نَبِي وَذَلِكَ حق لَا يحِيل معنى وَهُوَ ﵇ رَسُول وَنَبِي
فَكيف يسوغ للجهال المغفلين أَن يَقُولُوا إِنَّه ﵊ كَانَ يُجِيز أَن يوضع فِي الْقُرْآن مَكَان عَزِيز حَكِيم غَفُور رَحِيم أَو سميع عليم
وَهُوَ يمْنَع من ذَلِك فِي دُعَاء لَيْسَ قُرْآنًا وَالله يَقُول مخبرا عَن نبيه ﴿مَا يكون لي أَن أبدله من تِلْقَاء نَفسِي﴾ وَلَا تَبْدِيل أَكثر من وضع كلمة مَكَان أُخْرَى
أم كَيفَ يسوغ إِبَاحَة الْقِرَاءَة الْمَفْرُوضَة فِي الصَّلَاة بالأعجمية مَعَ مَا ذكرنَا وَمَعَ إِجْمَاع الْأمة أَن إنْسَانا لَو قَرَأَ أم الْقُرْآن فَقدم آيَة على أُخْرَى أَو قَالَ الشُّكْر للصمد مولى الْخَلَائق وَزعم أَن ذَلِك فِي الْقُرْآن لعد مِمَّن يفتري على الله الْكَذِب وَمَعَ قَوْله تَعَالَى ﴿لِسَان الَّذِي يلحدون إِلَيْهِ أعجمي وَهَذَا لِسَان عَرَبِيّ مُبين﴾
فَفرق تَعَالَى
стр. 628
بَينهمَا وَأخْبر أَن الْقُرْآن إِنَّمَا هُوَ بِاللَّفْظِ الْعَرَبِيّ لَا العجمي وَأمر بِقِرَاءَة الْقُرْآن فِي الصَّلَاة فَمن قَرَأَ بالأعجمية فَلم يقْرَأ الْقُرْآن بِلَا شكّ
وَاحْتج بَعضهم فِي ذَلِك بقوله تَعَالَى ﴿وَإنَّهُ لفي زبر الْأَوَّلين﴾ وبخطابه تَعَالَى لنا بِالْعَرَبِيَّةِ حاكيا كَلَام مُوسَى ﵇
قَالَ عَليّ وَهَذَا لَا حجَّة لَهُم فِيهِ لِأَن الَّذِي فِي زبر الْأَوَّلين إِنَّمَا هُوَ معنى الْقُرْآن لَا الْقُرْآن وَلَو كَانَ الْقُرْآن فِي زبر الْأَوَّلين لما كَانَ مُحَمَّد ص = مَخْصُوصًا بِهِ وَلَا كَانَت لَهُ فِيهِ آيَة
وَهَذَا خلاف النَّص
وَأما حكايته تَعَالَى لنا كَلَام مُوسَى وَغَيره بلغتنا فَلم يلْزمنَا تَعَالَى بِقِرَاءَة ألفاظهم بنصها وَلَا نمْنَع نَحن تَفْسِير الْقُرْآن بالأعجمية لمن يترجم لَهُ وَإِنَّمَا نمْنَع من تِلَاوَته فِي الصَّلَاة أَو على سَبِيل التَّقَرُّب بتلاوته إِلَى الله تَعَالَى بِغَيْر اللَّفْظ الَّذِي أنزل بِهِ لَا بِكَلَام أعجمي وَلَا بِغَيْر تِلْكَ الْأَلْفَاظ وَإِن وافقتها فِي الْعَرَبيَّة وَلَا بِتَقْدِيم تِلْكَ الْأَلْفَاظ بِعَينهَا وَلَا بتأخيرها وَإِنَّمَا نجيز التَّرْجَمَة الَّتِي أجازها النَّص على سَبِيل التَّعْلِيم والإفهام فَقَط لَا على سَبِيل التِّلَاوَة الَّتِي يقْصد بهَا الْقرْبَة وَبِاللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيق
وَمن حدث بِحَدِيث فَبَلغهُ إِلَى غَيره كَمَا بلغه إِيَّاه غَيره وَأخذ عَنهُ فَلَيْسَ أَن يكرره أبدا فقد أدّى مَا عَلَيْهِ بتبليغه
وَأما اللّحن فِي الحَدِيث فَإِن كَانَ شَيْئا لَهُ وَجه فِي لُغَة بعض الْعَرَب فليروه كَمَا سَمعه وَلَا يُبدلهُ وَلَا يردهُ إِلَى أفْصح مِنْهُ وَلَا إِلَى غَيره وَإِن كَانَ شَيْئا لَا وَجه لَهُ فِي لُغَة الْعَرَب الْبَتَّةَ فَحَرَام على كل مُسلم أَن يحدث باللحن عَن رَسُول الله ص = فَإِن فعل فَهُوَ كَاذِب عَلَيْهِ لأَنا قد أيقنا أَنه ﵇ لم يلحن قطّ وَفرض عَلَيْهِ أَن يصلحه ويبشره يكشطه من كِتَابه ويكتبه معربا وَيحدث بِهِ معربا وَلَا يلْتَفت إِلَى مَا وجد فِي كِتَابه من لحن وَلَا إِلَى مَا حَدثهُ بِهِ شُيُوخه ملحونا
وَلِهَذَا لزم من طلب الْفِقْه أَن يتَعَلَّم النَّحْو واللغة وَإِلَّا فَهُوَ نَاقص منحط
стр. 629
لَا تجوز لَهُ الْفتيا فِي دين الله وَكَانَ ابْن عمر يضْرب وَلَده على اللّحن
وَقد رُوِيَ عَن شُعْبَة أَو عَن حَمَّاد بن سَلمَة الشَّك مني أَنه قَالَ من حدث عني بلحن فقد كذب عَليّ
وَكَانَ شُعْبَة وَحَمَّاد وخَالِد بن الْحَارِث وَبشر بن الْمفضل وَالْحسن الْبَصْرِيّ لَا يلحنون الْبَتَّةَ
وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق
وَقَالَ ابْن المطهر الْحلِيّ فِي نِهَايَة الْوُصُول فِي الْبَحْث الْحَادِي عشر فِي نقل الحَدِيث بِالْمَعْنَى اخْتلف النَّاس فِي أَنه هَل يجوز نقل الحَدِيث الْمَرْوِيّ عَن النَّبِي ﵊ بِالْمَعْنَى فجوزه الشَّافِعِي وَأَبُو حنيفَة وَمَالك وَأحمد وَالْحسن الْبَصْرِيّ وَأكْثر الْفُقَهَاء وَبَعض الْمُحدثين
والمجوزون شرطُوا أمورا ثَلَاثَة الأول أَن لَا تكون التَّرْجَمَة قَاصِرَة عَن الأَصْل فِي إِفَادَة الْمَعْنى
الثَّانِي أَن لَا يكون فِيهَا زِيَادَة وَلَا نُقْصَان
الثَّالِث أَن تكون التَّرْجَمَة مُسَاوِيَة للْأَصْل فِي الْجلاء والخفاء لِأَن الْخطاب قد يَقع بالمحكم والمتشابه لحكمة خُفْيَة فَلَا يجوز تغييرها عَن وصفهَا
والمانعون جوزوا إِبْدَال اللَّفْظ بمرادفه ومساويه فِي الْمَعْنى كَمَا يُبدل الْقعُود بِالْجُلُوسِ وَالْعلم بالمعرفة والاستطاعة بِالْقُدْرَةِ والحظر بِالتَّحْرِيمِ
وَبِالْجُمْلَةِ مَا لَا يتَطَرَّق إِلَيْهِ تفَاوت فِي الاستنباط والفهم وَإِنَّمَا ذَلِك فِيمَا فهم قطعا لَا فِيمَا فهم بِنَوْع من الِاسْتِدْلَال الَّذِي يخْتَلف فِيهِ الناظرون
وَاتَّفَقُوا على منع الْجَاهِل بمواقع الْخطاب ودقائق الْأَلْفَاظ وَإِنَّمَا الْخلاف فِي الْعَالم الْفَارِق بَين الْمُحْتَمل وَغَيره وَالظَّاهِر وَالْأَظْهَر وَالْعَام والأعم
وَالْوَجْه الْجَوَاز لنا وُجُوه الأول الصَّحَابَة نقلوا قصَّة وَاحِدَة مَذْكُورَة فِي مجْلِس وَاحِد بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة وَلم يُنكر بَعضهم على بعض فِيهِ وَهُوَ يدل على قبُوله وَفِيه نظر لِأَنَّهُ حِكَايَة حَال فلعلهم عرفُوا أَن الرَّاوِي قصد نقل الْمَعْنى وَنبهَ بِمَا يدل عَلَيْهِ
الثَّانِي يجوز شرح الشَّرْع للعجمي بِلِسَانِهِ وَهُوَ إِبْدَال الْعَرَبيَّة بالعجمية فبالعربية أولى وَمَعْلُوم أَن التَّفَاوُت بَين الْعَرَبيَّة وترجمتها أقل مِمَّا بَينهَا وَبَين العجمية
стр. 630
وَفِيه نظر فَإِن السَّامع للتَّرْجَمَة يعلم أَن المسموع لَيْسَ كَلَام النَّبِي ﵊
الثَّالِث رُوِيَ عَنهُ ﵊ إِذا أصبْتُم الْمَعْنى فَلَا بَأْس
وَفِيه نظر إِذْ المُرَاد نفي الْبَأْس فِي الْعَمَل بِمُقْتَضى مَا دلّ عَلَيْهِ الحَدِيث لَا النَّقْل عَنهُ
الرَّابِع كَانَ ابْن مَسْعُود إِذا حدث قَالَ قَالَ رَسُول الله كَذَا أَو نَحوه
وَفِيه نظر إِذْ الْفرق وَاقع بَين مَا إِذا أطلق أَو قَالَ كَذَا أَو نَحوه فَإِن فِيهِ تَصْرِيحًا بِنَقْل الْمَعْنى وَأَن اللَّفْظ مِنْهُ
الْخَامِس نعلم قطعا أَن الصَّحَابَة لم يكتبوا مَا نقلوه وَلَا كرروا عَلَيْهِ بل كَمَا سمعُوا أهملوا إِلَى وَقت الْحَاجة بعد مدد متباعدة وَذَلِكَ يُوجب الْقطع بِأَنَّهُم لم ينقلوا نقس اللَّفْظ بل الْمَعْنى
السَّادِس اللَّفْظ غير مَقْصُود لذاته وَإِنَّمَا الْقَصْد الْمَعْنى وَاللَّفْظ أَدَاة فِي استعلامه فَلَا فرق لإِثْبَات ذَلِك الْمَعْنى بِأَيّ لفظ اتّفق
وَاحْتج الْمُخَالف بِوُجُوه الأول قَوْله ﵊ نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها فأداها كَمَا سَمعهَا فَرب مبلغ أوعى من سامع وَرب حَامِل فقه لَيْسَ بفقيه وَرب حَامِل فقه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ
وأداؤه كَمَا سمع هُوَ أَدَاء اللَّفْظ المسموع وَنقل الْفِقْه إِلَى من هُوَ أفقه مِنْهُ مَعْنَاهُ أَن الأفقه قد يتفطن بِفضل مَعْرفَته من فَوَائِد اللَّفْظ لما لَا يتفطن إِلَيْهِ غير الْفَقِيه الَّذِي رَوَاهُ
الثَّانِي التجربة دلّت على أَن الْمُتَأَخر يسْتَخْرج من فَوَائِد أَلْفَاظ النَّبِي ﵊ مَا لم يسْبقهُ الْمُتَقَدّم إِلَيْهِ فَعرفنَا أَن السَّامع لَا يجب أَن يتَنَبَّه لفوائد اللَّفْظ فِي الْحَال وَإِن كَانَ فَقِيها ذكيا فَجَاز أَن يتَوَهَّم فِي اللَّفْظ الْمُبدل أَنه مسَاوٍ للْآخر وَبَينهمَا تفَاوت لم يتفطن لَهُ
الثَّالِث لَو جَازَ للراوي تَبْدِيل لفظ الرَّسُول بِلَفْظ من عِنْده لجَاز للراوي عَن الرَّاوِي تَبْدِيل لفظ الأَصْل بل هُوَ أولى فَإِن تَبْدِيل لفظ الرَّاوِي أولى من تَبْدِيل
стр. 631
لفظ الشَّارِع وَلَو جَازَ ذَلِك لجَاز للثَّالِث الرَّاوِي عَن الثَّانِي وللرابع الرَّاوِي عَن الثَّالِث وَهَكَذَا وَذَلِكَ يسْتَلْزم سُقُوط الْكَلَام الأول بِالْكُلِّيَّةِ فَإِن الْمعبر إِذا ترْجم وَبَالغ فِي الْمُطَابقَة تعذر عَلَيْهِ الْإِتْيَان بِلَفْظ لَيْسَ بَينه وَبَين اللَّفْظ الأول تفَاوت بِالْكُلِّيَّةِ فتنتفي الْمُنَاسبَة بَين كَلَام النَّبِي ﵊ وَكَلَام الرَّاوِي الْأَخير
وَالْجَوَاب أَن من أدّى الْمَعْنى بِتَمَامِهِ يُوصف بِأَنَّهُ أدّى كَمَا سمع وَإِن اخْتلفت الْأَلْفَاظ وَلِهَذَا يُوصف الشَّاهِد والمترجم بأَدَاء مَا سمعا وَإِن عبرا بِلَفْظ مرادف على أَن هَذَا الحَدِيث حجَّة لنا فَإِنَّهُ ﵊ ذكر الْعلَّة وَهِي اخْتِلَاف النَّاس فِي الْفِقْه فَمَا لَا يخْتَلف فِيهِ النَّاس كالألفاظ المترادفة لَا يمْنَع مِنْهُ
على أَن هَذَا الحَدِيث بِعَيْنِه قد نقل بِأَلْفَاظ مُخْتَلفَة وَالْمعْنَى وَاحِد يرْوى رحم الله امْرأ ونضر الله امْرأ وَرب حَامِل فقه لَا فقه لَهُ وَغير فَقِيه
وَهَذِه الْأَلْفَاظ وَإِن أمكن أَن يكون جَمِيعهَا قَول الرَّسُول فِي أَوْقَات مُخْتَلفَة لَكِن الْأَغْلَب أَنه حَدِيث وَاحِد
وَقد رَأَيْت بعض من ألف فِي أصُول الحَدِيث أَو أصُول الْفِقْه قد أَطَالَ فِي بَيَان مَا قيل فِي هَذِه الْمَسْأَلَة فَأَحْبَبْت أَن أورد من كَلَامهم هُنَا مَا يزِيد الْمَسْأَلَة جلاء فَأَقُول
ذهبت طَائِفَة من الْعلمَاء إِلَى أَنه لَا تجوز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى مُطلقًا وَنقل ذَلِك عَن كثير من الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء وَأهل الْأُصُول وَهُوَ مَذْهَب الظَّاهِرِيَّة وَنقل عَن عبد الله بن عمر وَجَمَاعَة من التَّابِعين مِنْهُم ابْن سِيرِين وَبِه قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرائيني وَأَبُو بكر الرَّازِيّ
قَالَ الْقُرْطُبِيّ وَهُوَ الصَّحِيح من مَذْهَب مَالك وَيدل على ذَلِك قَوْله لَا أكتب إِلَّا على رجل يعرف مَا يخرج من رَأسه وَذَلِكَ فِي جَوَاب من قَالَ لَهُ لم لم تكْتب عَن النَّاس وَقد أدركتهم متوافرين وَكَذَلِكَ تَركه الْأَخْذ عَمَّن لَهُم فضل وَصَلَاح إِذا كَانُوا لَا يعْرفُونَ مَا يحدثُونَ بِهِ
قَالَ بعض الْعلمَاء وَفِي هَذَا إِشَارَة إِلَى انتشار الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فِي عصره وَقد
стр. 632
كَانَ الحَدِيث فِي الصُّدُور فخشي مَالك أَن يخلطوا فِيمَا يحدثُونَ بِهِ فَترك الرِّوَايَة عَنْهُم لذَلِك وَلَو كَانُوا يحفظون لفظ الحَدِيث لم يتْرك الْأَخْذ عَنْهُم
وَنقل الْبَيْهَقِيّ والخطيب وَغَيرهمَا عَن مَالك أَنه منع الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فِي الحَدِيث وَأَجَازَ ذَلِك فِي غَيره
وَقد شدد بعض المانعين من الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى أعظم تَشْدِيد حَتَّى لم يجيزوا أَن يُبدل حرف بآخر وَإِن كَانَ مَعْنَاهُمَا وَاحِدًا وَلَا أَن تقدم كلمة على أُخْرَى وَإِن كَانَ الْمَعْنى لَا يخْتَلف فِي ذَلِك بل زَاد بَعضهم فِي التَّشْدِيد فَمنع من تثقيل خَفِيف أَو تَخْفيف ثقيل وَنَحْو ذَلِك وَلَو خَالف اللُّغَة الفصحى
وَذَلِكَ لما فِي تَبْدِيل اللَّفْظ الْمَرْوِيّ من خوف الدُّخُول فِي الْوَعيد حَيْثُ نسب إِلَى النَّبِي ص = لفظا لم يقلهُ وَلِأَن النَّبِي ﵊ قد أُوتِيَ جَوَامِع الْكَلم وَاخْتصرَ لَهُ الْكَلَام اختصارا وَغَيره وَلَو كَانَ من أَرْبَاب الفصاحة والبلاغة لَا يبلغ دَرَجَته
وَكَثِيرًا مَا يظنّ الرَّاوِي بِالْمَعْنَى أَنه قد أَتَى بِلَفْظ يقوم مقَام الآخر وَلَا يكون كَذَلِك فِي نفس الْأَمر كَمَا ظهر ذَلِك فِي كثير من الْأَحَادِيث
وَانْظُر إِلَى مَا وَقع لشعبة مَعَ جلالته وإتقانه فَإِنَّهُ سمع عَن إِسْمَاعِيل بن علية حَدِيث النَّهْي عَن أَن يتزعفر الرجل فَرَوَاهُ عَنهُ بِالْمَعْنَى بِلَفْظ نهي عَن التزعفر
فَأنْكر إِسْمَاعِيل ذَلِك عَلَيْهِ لدلَالَة رِوَايَته على الْعُمُوم مَعَ أَن الرِّوَايَة فِي الأَصْل إِنَّمَا تدل على اخْتِصَاص النَّهْي بِالرِّجَالِ فانتبه إِسْمَاعِيل لما لم يتَنَبَّه لَهُ شُعْبَة مَعَ أَن رِوَايَة شُعْبَة عَنهُ إِنَّمَا هِيَ من قبيل رِوَايَة الأكابر عَن الأصاغر
وَلِأَنَّهُ ﵊ قد رد على من علمه مَا يَقُول إِذا أَخذ مضجعه إِذْ قَالَ وَرَسُولك فَقَالَ ﵊ لَا وَنَبِيك
وَلِأَنَّهُ ﵊ قَالَ نضر الله امْرأ سمع منا حَدِيثا فأداه كَمَا سَمعه
وَقد اعتنى مُسلم فِي صَحِيحه بِبَيَان اخْتِلَاف الروَاة حَتَّى فِي حرف من الْمَتْن رُبمَا لَا يتَغَيَّر بِهِ الْمَعْنى بِخِلَاف البُخَارِيّ
وَقَالَ بَعضهم كَانَ يَنْبَغِي أَن يكون هَذَا الْمَذْهَب هُوَ الْوَاقِع وَلَكِن لم يتَّفق ذَلِك
стр. 633
وَذهب جُمْهُور الْعلمَاء إِلَى جَوَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى لمن يحسن ذَلِك بِشَرْط أَن يكون جَازِمًا بِأَنَّهُ أدّى معنى اللَّفْظ الَّذِي بلغه
وَهَؤُلَاء المجيزون
مِنْهُم من شَرط أَن يَأْتِي بِلَفْظ مرادف كالجلوس مَكَان الْقعُود أَو الْعَكْس
وَمِنْهُم من شَرط أَن يكون مَا جَاءَ بِهِ مُسَاوِيا للْأَصْل فِي الْجلاء والخفاء
وَقَالَ أَبُو بكر الصَّيْرَفِي إِذا كَانَ الْمَعْنى مودعا فِي جملَة لَا يفهمها الْعَاميّ إِلَّا بأَدَاء تِلْكَ الْجُمْلَة فَلَا تجوز رِوَايَة تِلْكَ الْجُمْلَة إِلَّا بلفظها
وَمِنْهُم من شَرط أَن لَا يكون الحَدِيث من قبيل الْمُتَشَابه كأحاديث الصِّفَات وَقد حكى بَعضهم الْإِجْمَاع على هَذَا وَذَلِكَ لِأَن اللَّفْظ الَّذِي تكلم بِهِ النَّبِي ص = لَا يدْرِي هَل يُسَاوِيه اللَّفْظ الَّذِي تكلم بِهِ الرَّاوِي وَيحْتَمل مَا يحْتَملهُ من وُجُوه التَّأْوِيل أم لَا
وَمِنْهُم من شَرط أَن لَا يكون الحَدِيث من جَوَامِع الْكَلم كَقَوْلِه ﵊ إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ
وَقَوله من حسن إِسْلَام الْمَرْء تَركه مَا لَا يعنيه
وَقَوله الْبَيِّنَة على الْمُدَّعِي وَنَحْو ذَلِك
وَقَالَ بعض الْعلمَاء للرواية بِالْمَعْنَى ثَلَاث صور أَحدهَا أَن يُبدل اللَّفْظ بمرادفه كالجلوس بالقعود وَهَذَا جَائِز بِلَا خلاف
وَثَانِيها أَن يظنّ دلَالَته على مثل مَا دلّ عَلَيْهِ الأول من غير أَن يقطع بذلك فَهَذَا لَا خلاف فِي عدم جَوَاز التبديل فِيهِ
وَثَالِثهَا أَن يقطع بفهم الْمَعْنى ويعبر عَمَّا فهم بِعِبَارَة يقطع بِأَنَّهَا تدل على ذَلِك الْمَعْنى الَّذِي فهمه من غير أَن تكون الْأَلْفَاظ مترادفة
فَهَذَا مَوضِع الْخلاف وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه مَتى حصل الْقطع بفهم الْمَعْنى مُسْتَندا إِلَى اللَّفْظ إِمَّا بِمُجَرَّدِهِ أَو إِلَيْهِ مَعَ الْقَرَائِن الْتحق بالمترادف
стр. 634
وَقد تبين من الْبَحْث فِي هَذِه الْمَسْأَلَة والتتبع لما قيل فِيهَا أَن للمجيزين للرواية بِالْمَعْنَى ثَمَانِيَة أَقْوَال
القَوْل الأول قَول من فرق بَين الْأَلْفَاظ الَّتِي لَا مجَال للتأويل فِيهَا وَبَين الْأَلْفَاظ الَّتِي للتأويل فِيهَا مجَال فَأجَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فِي الأولى دون الثَّانِيَة نقل ذَلِك أَبُو الْحُسَيْن الْقطَّان عَن بعض أَصْحَاب الشَّافِعِي
وَيقرب من هَذَا القَوْل قَول من فرق بَين الْمُحكم وَغَيره كالمجمل والمشترك فَأجَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فِي الأول دون الثَّانِي
القَوْل الثَّانِي قَول من فرق بَين الْأَوَامِر والنواهي وَبَين غَيرهمَا فَأجَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فِي الأولى دون الثَّانِيَة
قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ وَشرط الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى أَن يكون مَا جَاءَ بِهِ مُسَاوِيا للْأَصْل فِي الْجلاء والخفاء وَإِلَّا فَيمْتَنع كَقَوْلِه ص = لَا طَلَاق فِي إغلاق
فَلَا يجوز التَّعْبِير عَن الإغلاق بِالْإِكْرَاهِ وَإِن كَانَ هُوَ مَعْنَاهُ لِأَن الشَّارِع لم يذكرهُ كَذَلِك إِلَّا لمصْلحَة
وَجعلا مَحل الْخلاف فِي غير الْأَوَامِر والنواهي وجزما بِالْجَوَازِ فيهمَا ومثلا الْأَمر بقوله ﵊ اقْتُلُوا الأسودين الْحَيَّة وَالْعَقْرَب
فَيجوز أَن يُقَال أَمر بِقَتْلِهِمَا وَالنَّهْي بقوله ﵊ لَا تَبِيعُوا الذَّهَب بِالذَّهَب إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء
فَيجوز أَن يُقَال نهي عَن بيع الذَّهَب بِالذَّهَب إِلَّا سَوَاء بِسَوَاء
القَوْل الثَّالِث قَول من فرق بَين من يستحضر لفظ الحَدِيث وَبَين من لَا يستحضر لَفظه بل نَسيَه وَإِنَّمَا بَقِي فِي ذهنه مَعْنَاهُ فَأجَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى للثَّانِي دون الأول وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مَأْمُورا بأَدَاء الحَدِيث كَمَا سَمعه وَذَلِكَ إِنَّمَا يكون بروايته بِاللَّفْظِ فَلَمَّا عجز عَن ذَلِك بِسَبَب نسيانه لم يبْق فِي وَسعه إِلَّا رِوَايَته بِالْمَعْنَى فَإِذا أَتَى بِلَفْظ يُؤَدِّي ذَلِك الْمَعْنى فقد أَتَى بِمَا فِي وَسعه قَالَ تَعَالَى ﴿لَا يُكَلف الله نفسا إِلَّا وسعهَا﴾
وَهَذَا القَوْل أقوى الْأَقْوَال لِأَن الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى إِنَّمَا أجازها من أجازها من الْعلمَاء الْأَعْلَام للضَّرُورَة وَلَا ضَرُورَة إِلَّا فِي هَذِه الصُّورَة وَإِلَّا فَلَا يظنّ بِذِي كَمَال
стр. 635
فِي الْعقل وَالدّين أَن يُجِيز تَبْدِيل الْأَلْفَاظ الْوَاقِعَة فِي كَلَام النَّبِي ص = مَعَ استحضاره لَهَا بِأَلْفَاظ من عِنْده ثمَّ ينسبها إِلَى النَّبِي ص = بِلَفْظ صَرِيح فِي صدورها مِنْهُ
قَالَ الْمَاوَرْدِيّ فِي الْحَاوِي لَا تجوز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى لمن يحفظ اللَّفْظ لزوَال الْعلَّة الَّتِي رخص فِيهَا بِسَبَبِهَا وَتجوز لغيره لِأَنَّهُ تحمل اللَّفْظ وَالْمعْنَى وَعجز عَن أَحدهمَا فَلَزِمَهُ أَدَاء الآخر لَا سِيمَا إِن كَانَ فِي تَركه كتم للْأَحْكَام فَإِن لم ينسه لم يجز أَن يُورِدهُ بِغَيْرِهِ لِأَن فِي كَلَام النَّبِي ص = من الفصاحة مَا لَيْسَ فِي غَيره
القَوْل الرَّابِع قَول من فرق بَينهمَا غير أَنه عكس الحكم فَأجَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى لمن يستحضر اللَّفْظ لتمكنه حِينَئِذٍ من التَّصَرُّف فِيهِ بإيراد أَلْفَاظ تقوم مقَام تِلْكَ الْأَلْفَاظ فِي الْمَعْنى وَلم يجزها لمن لَا يستحضر اللَّفْظ لعدم تمكنه من ذَلِك وَلم يكتف بِوُجُود الْمَعْنى فِي الذِّهْن لاحْتِمَال أَن يكون ذَلِك الْمَعْنى أَزِيد مِمَّا يدل عَلَيْهِ اللَّفْظ الَّذِي نَسيَه أَو أنقص مِنْهُ وَلذَا منع الْعلمَاء من وضع الْعَام فِي مَوضِع الْخَاص وَالْمُطلق فِي مَوضِع الْمُقَيد وَمن الْعَكْس وَذَلِكَ لاشتراطهم أَن يكون مَا جَاءَ الرَّاوِي مُسَاوِيا للْأَصْل
القَوْل الْخَامِس قَول من أجَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى بِشَرْط أَن يقْتَصر فِي ذَلِك على إِبْدَال اللَّفْظ بمرادفه مَعَ بَقَاء تركيب الْكَلَام على حَاله وَذَلِكَ لِأَن تَغْيِير تركيب الْكَلَام كثيرا مَا يخل بالمرام بِخِلَاف إِبْدَال اللَّفْظ بمرادفه فَإِنَّهُ يَفِي بِالْمَقْصُودِ من غير مَحْذُور فِيهِ وَهُوَ قَول قوي وَقد ادّعى بعض الْعلمَاء أَن هَذَا جَائِز بِلَا خلاف
وَمِثَال ذَلِك إِبْدَال القَتَّات بالنمام وَالْعَكْس
قَالَ مُسلم فِي صَحِيحه حَدثنَا شَيبَان بن فروخ وَعبد الله بن مُحَمَّد بن أَسمَاء الضبعِي قَالَا حَدثنَا مهْدي وَهُوَ ابْن مَيْمُون قَالَ حَدثنَا وَاصل الأحدب عَن أبي وَائِل عَن حُذَيْفَة أَنه بلغه أَن رجلا ينم الحَدِيث فَقَالَ حُذَيْفَة سَمِعت رَسُول الله ص = يَقُول لَا يدْخل الْجنَّة نمام
следующие страницы →