Полный текст (855 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
تصور فِي نَفسه بِأَلْفَاظ أخر كَانَ قد حدث بِخِلَاف مَا سمع من يغر قصد مِنْهُ إِلَى ذَلِك
وَذَلِكَ أَن الْكَلَام الْوَاحِد قد يحْتَمل مَعْنيين وَثَلَاثَة وَقد يكون فِيهِ اللَّفْظَة الْمُشْتَركَة الَّتِي تقع على الشَّيْء وضده فَفِي مثل هَذَا يجوز أَن يذهب النَّبِي ص = إِلَى الْمَعْنى الْوَاحِد وَيذْهب الرَّاوِي عَنهُ إِلَى الْمَعْنى الآخر فَإِذا أدّى معنى مَا سمع دون لَفظه بِعَيْنِه كَانَ قد روى عَنهُ ضد مَا أَرَادَهُ غير عَامِد وَلَو أدّى لَفظه بِعَيْنِه لَأَوْشَكَ أَن يفهم مِنْهُ الآخر مَا لم يفهم الأول وَقد علم ص = أَن هَذَا سيعرض بعده فَقَالَ محذرا من ذَلِك (نضر الله امْرأ سمع مَقَالَتي فوعاها وأداها كَمَا سَمعهَا فَرب مبلغ أوعى من سامع)
وَإِن أَحْبَبْت أَن تعرف مِقْدَار مَا قد تُؤدِّي إِلَيْهِ الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فيكفيك أَن تنظر فِي الحَدِيث الَّذِي انْفَرد بِإِخْرَاجِهِ مُسلم فِي صَحِيحه من رِوَايَة الْوَلِيد بن مُسلم قَالَ حَدثنَا الْأَوْزَاعِيّ عَن قَتَادَة أَنه كتب إِلَيْهِ يُخبرهُ عَن أنس بن مَالك أَنه حَدثهُ فَقَالَ صليت خلف النَّبِي ص = وَأبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فَكَانُوا يستفتحون بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين لَا يذكرُونَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فِي أول قِرَاءَة وَلَا آخرهَا
ثمَّ رَوَاهُ من رِوَايَة الْوَلِيد عَن الْأَوْزَاعِيّ أَخْبرنِي إِسْحَاق بن عبد الله بن أبي طَلْحَة أَنه سمع أنسا يذكر ذَلِك
وروى مَالك فِي الْمُوَطَّأ عَن حميد عَن أنس قَالَ صليت وَرَاء أبي بكر وَعمر وَعُثْمَان فكلهم كَانَ لَا يقْرَأ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
وَزَاد فِيهِ الْوَلِيد بن مُسلم عَن مَالك صليت خلف رَسُول الله ص =
وَقد أعل بعض الْمُحدثين الحَدِيث الْمَذْكُور وَقَالُوا إِن من رَوَاهُ بِاللَّفْظِ الْمَذْكُور قد رَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي وَقع فِي نَفسه فَإِنَّهُ فهم من قَول أنس كَانُوا يستفتحون بِالْحَمْد لله رب الْعَالمين أَنهم كَانُوا لَا يذكرُونَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم فَرَوَاهُ على مَا فهم وَأَخْطَأ لِأَن مُرَاد أنس بَيَان أَن السُّورَة الَّتِي كَانُوا يفتتحون بهَا من السُّور
стр. 702
هِيَ الْفَاتِحَة وَلَيْسَ مُرَاده بذلك أَنهم كَانُوا لَا يذكرُونَ بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم
فَانْظُر إِلَى مَا أدَّت إِلَيْهِ الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى على قَول هَؤُلَاءِ حَتَّى نَشأ بذلك من الِاخْتِلَاف فِي هَذَا الْأَمر المهم مَا لَا يخفى على ناظره
وَقَالَ ابْن الصّلاح فِي الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الصَّحِيح الْمُتَعَلّقَة بِدُخُول الْجنَّة بِمُجَرَّد الشَّهَادَة مثل حَدِيث من مَاتَ وَهُوَ يعلم أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله دخل الْجنَّة
وَحَدِيث من شهد أَن لَا إِلَه إِلَى الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله حرم الله عَلَيْهِ النَّار
وَحَدِيث لَا يشْهد أحد أَنه لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنِّي رَسُول الله فَيدْخل النَّار أَو تطعمه يجوز أَن يكون ذَلِك اقتصارا من بعض الروَاة نَشأ من تَقْصِيره فِي الْحِفْظ والضبط لَا من رَسُول الله ص = بِدلَالَة مَجِيئه تَاما فِي رِوَايَة غَيره وَيجوز أَن يكون اختصارا من رَسُول الله فِيمَا خَاطب بِهِ الْكفَّار عَبدة الْأَوْثَان الَّذين كَانَ توحيدهم لله تَعَالَى مصحوبا بِسَائِر مَا يتَوَقَّف عَلَيْهِ الْإِسْلَام ومستلزما لَهُ
وَاعْلَم أَن الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى قد أحسن بضررها كثير من الْعلمَاء وَشَكوا مِنْهَا على اخْتِلَاف علومهم غير أَن مُعظم ضررها كَانَ فِي الحَدِيث وَالْفِقْه لعظم أَمرهمَا وَقد نسب لكثير من الْعلمَاء الْأَعْلَام أَقْوَال بعيدَة عَن السداد جدا اتخذها كثير من خصومهم ذَرِيعَة لِلطَّعْنِ فيهم والازدراء بهم ثمَّ تبين بعد الْبَحْث الشَّديد والتتبع أَنهم لم يَقُولُوا بهَا وَإِنَّمَا نشأت نسبتها إِلَيْهِم من أَقْوَال رَوَاهَا الرَّاوِي عَنْهُم بِالْمَعْنَى فقصر فِي التَّعْبِير عَمَّا قَالُوهُ فَكَانَ من ذَلِك مَا كَانَ
فَيَنْبَغِي لكل ذِي نباهة أَن لَا يُبَادر بالاعتراض على الْمَشْهُورين بِالْفَضْلِ والنبل بِمُجَرَّد أَن يبلغهُ قَول ينبو السّمع عَنهُ عَن أحد مِنْهُم وليتثبت فِي ذَلِك وَإِلَّا كَانَ جَدِيرًا بالملام
هَذَا وَقد تعرض الْعَلامَة النحرير نجم الدّين أَحْمد بن حمدَان الْحَرَّانِي الْحَنْبَلِيّ للضَّرَر الَّذِي نَشأ من الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى فِي مذْهبه فَقَالَ فِي آخر كتاب صفة الْمُفْتِي فِي بَاب جعله لبَيَان عُيُوب التَّأْلِيف وَغير ذَلِك ليعرف الْمُفْتِي كَيفَ يتَصَرَّف فِي الْمَنْقُول
стр. 703
وَيقف على مُرَاد الْقَائِل مَا يَقُول ليَصِح نَقله للْمَذْهَب وَعَزوه إِلَى الإِمَام أَو إِلَى بعض من إِلَيْهِ ينْسب
اعْلَم أَن أعظم المحاذير فِي التَّأْلِيف النقلي إهمال نقل الْأَلْفَاظ بِأَعْيَانِهَا والاكتفاء بِنَقْل الْمعَانِي مَعَ قُصُور النَّاقِل عَن اسْتِيفَاء مُرَاد الْمُتَكَلّم الأول بِلَفْظِهِ وَرُبمَا كَانَت بَقِيَّة الْأَسْبَاب مفرعة عَنهُ لِأَن الْقطع بِحُصُول مُرَاد الْمُتَكَلّم بِكَلَامِهِ أَو الْكَاتِب بكتابه مَعَ ثِقَة الرَّاوِي تتَوَقَّف على انْتِفَاء الْإِضْمَار والتخصيص والنسخ والتقديم وَالتَّأْخِير والاشتراك والتجوز وَالتَّقْدِير وَالنَّقْل والمعارض الْعقلِيّ
فَكل نقل لَا يُؤمن مَعَه حُصُول بعض الْأَسْبَاب لَا نقطع بانتفائها نَحن وَلَا النَّاقِل وَلَا نظن عدمهَا وَلَا قرينَة تنفيها وَلَا نجزم فِيهِ بِمُرَاد الْمُتَكَلّم بل رُبمَا ظنناه أَو توهمناه
وَلَو نقل لَفظه بِعَيْنِه وقرائنه وتاريخه وأسبابه انْتَفَى هَذَا الْمَحْذُور أَو أَكْثَره
وَهَذَا من حَيْثُ الْإِجْمَال وَإِنَّمَا يحصل الظَّن بِهِ حِينَئِذٍ بِنَقْل المتحري فيعذر تَارَة لدعوى الْحَاجة إِلَى التَّصَرُّف لأسباب ظَاهِرَة وَيَكْفِي ذَلِك فِي الْأُمُور الظنية وَأكْثر الْمسَائِل الفروعية
وَأما التَّفْصِيل فَهُوَ أَنه لما ظهر التظاهر بمذاهب الْأَئِمَّة والتناصر لَهَا من عُلَمَاء الْأمة وَصَارَ لكل مَذْهَب مِنْهَا أحزاب وأنصار وَصَارَ دأب كل فريق نصر قَول صَاحبهمْ وَقد لَا يكون أحدهم اطلع على مَأْخَذ إِمَامه فِي ذَلِك الحكم فَتَارَة يُثبتهُ بِمَا أثْبته إِمَامه وَلَا يعلم بالموافقة وَتارَة يُثبتهُ بِغَيْرِهِ وَلَا يشْعر بالمخالفة
ومحذور ذَلِك مَا يستجيزه فَاعل هَذَا من تَخْرِيج أقاويل إِمَامه فِي مَسْأَلَة إِلَى مَسْأَلَة أُخْرَى والتفريع على مَا اعتقده مذهبا لَهُ بِهَذَا التَّعْلِيل وَهُوَ لهَذَا الحكم غير دَلِيل وَنسبَة الْقَوْلَيْنِ إِلَيْهِ بتخريجه وَرُبمَا حمل كَلَام الإِمَام فِيمَا خَالف نَظِيره على مَا يُوَافقهُ استمرارا لقاعدة تَعْلِيله وسعيا فِي تَصْحِيح تَأْوِيله وَصَارَ كل مِنْهُم ينْقل عَن الإِمَام مَا سَمعه مِنْهُ أَو بلغه عَنهُ من غير ذكر سَبَب لَا تَارِيخ فَإِن الْعلم بذلك قرينَة فِي فهم مُرَاده من ذَلِك اللَّفْظ كَمَا سبق
стр. 704
فيكثر لذَلِك الْخبط لِأَن الْآتِي بعده يجد عَن الإِمَام اخْتِلَاف أَقْوَال وَاخْتِلَاف أَحْوَال فيتعذر عَلَيْهِ نِسْبَة أَحدهمَا إِلَيْهِ على أَنه مَذْهَب لَهُ يجب مصير مقلده إِلَيْهِ دون بَقِيَّة أقاويله إِن كَانَ النَّاظر مُجْتَهدا وَأما إِن كَانَ مُقَلدًا فغرضه معرفَة مَذْهَب إِمَامه بِالنَّقْلِ عَنهُ وَلَا يحصل غَرَضه من جِهَة نَفسه لِأَنَّهُ لَا يحسن الْجمع وَلَا يعلم التَّارِيخ لعدم ذكره وَلَا التَّرْجِيح عِنْد التَّعَارُض بَينهمَا لتعذره مِنْهُ
وَهَذَا الْمَحْذُور إِنَّمَا لزم من الْإِخْلَال بِمَا ذَكرْنَاهُ فَيكون محذورا
وَلَقَد اسْتمرّ كثير من المصنفين والحاكمين على قَوْلهم مَذْهَب فلَان كَذَا وَمذهب فلَان كَذَا
فَإِن أَرَادوا بذلك
أَنه نقل عَنهُ فَقَط فَلم يفتون بِهِ فِي وَقت مَا على أَنه مَذْهَب الإِمَام وَإِن أَرَادوا أَنه الْمعول عَلَيْهِ عِنْده وَيمْتَنع الْمصير إِلَى غَيره للمقلد فَلَا يَخْلُو حِينَئِذٍ إِمَّا أَن يكون التَّارِيخ مَعْلُوما أَو مَجْهُولا فَإِن كَانَ مَعْلُوما فَلَا يَخْلُو أَن يكون مَذْهَب إِمَامه أَن القَوْل الْأَخير ينْسَخ إِذا كَانَ مناقضا كالأخبار أَو لَيْسَ مذْهبه كَذَلِك بل يرى عدم نسخ الأول بِالثَّانِي
أَو لم ينْقل عَنهُ شَيْء من ذَلِك فَإِن كَانَ مذْهبه اعْتِقَاد النّسخ فالأخير مذْهبه فَلَا يجوز الْفَتْوَى بِالْأولِ للمقلد وَلَا التَّخْرِيج مِنْهُ وَلَا النَّقْض بِهِ وَإِن كَانَ مذْهبه أَنه لَا ينْسَخ الأول بِالثَّانِي عِنْد التَّنَافِي فإمَّا أَن يكون الإِمَام يرى جَوَاز الْأَخْذ بِأَيِّهِمَا شَاءَ الْمُقَلّد إِذا أفتاه الْمُفْتِي أَو يكون مذْهبه الْوَقْف أَو شَيْئا آخر فَإِن كَانَ مذْهبه القَوْل بالتخيير كَانَ الحكم وَاحِدًا وَإِلَّا تعدد مَا هُوَ خلاف الْغَرَض وَإِن كَانَ مِمَّن يرى الْوَقْف تعطل الحكم حِينَئِذٍ وَلَا يكون لَهُ فِيهَا قَول يعْمل عَلَيْهِ سوى الِامْتِنَاع من الْعَمَل بِشَيْء من أَقْوَاله
وَإِن لم ينْقل عَن إِمَامه شَيْء من ذَلِك فَهُوَ لَا يعرف حكم إِمَامه فِيهَا فَيكون شَبِيها بالْقَوْل بِالْوَقْفِ فِي أَنه يمْتَنع من الْعَمَل بِشَيْء مِنْهَا
هَذَا كُله إِن علم التَّارِيخ وَأما إِن جهل فإمَّا أَن يُمكن الْجمع بَين الْقَوْلَيْنِ باخْتلَاف حَالين أَو محلين أَو لَيْسَ يُمكن
стр. 705
فَإِن أمكن فإمَّا أَن يكون مَذْهَب إِمَامه جَوَاز الْجمع حِينَئِذٍ كَمَا فِي الْآثَار أَو وُجُوبه أَو التخير أَو الْوَقْف أَو لم ينْقل عَنهُ شَيْء من ذَلِك
فَإِن كَانَ الأول أَو الثَّانِي فَلَيْسَ لَهُ حِينَئِذٍ إِلَّا قَول وَاحِد وَهُوَ مَا اجْتمع مِنْهُمَا فَلَا يحل حِينَئِذٍ الْفتيا بِأَحَدِهِمَا على ظَاهره على وَجه لَا يُمكن الْجمع
وَإِن كَانَ الثَّالِث فمذهبه أَحدهمَا بِلَا تَرْجِيح وَهُوَ بعيد سِيمَا مَعَ تعذر تعادل الأمارات
وَإِن كَانَ الرَّابِع وَالْخَامِس فَلَا عمل إِذا
وَأما إِن لم يُمكن الْجمع مَعَ الْجَهْل بالتاريخ فإمَّا أَن يعْتَقد نسخ الأول بِالثَّانِي أَولا فَإِن كَانَ يعْتَقد ذَلِك وَجب الِامْتِنَاع عَن الْأَخْذ بِأَحَدِهِمَا لأَنا لَا نعلم أَيهمَا هُوَ الْمَنْسُوخ عِنْده وَإِن لم يعْتَقد النّسخ فإمَّا التَّخْيِير وَإِمَّا الْوَقْف أَو غَيرهمَا فَالْحكم فِي الْكل سبق
وَمَعَ هَذَا كُله فَإِنَّهُ يحْتَاج إِلَى استحضار مَا اطلع عَلَيْهِ من نُصُوص إِمَامه عِنْد حِكَايَة بَعْضهَا مذهبا لَهُ
ثمَّ لَا يَخْلُو إِمَّا أَن يكون إِمَامه يعْتَقد وجو تَجْدِيد الِاجْتِهَاد فِي ذَلِك أَولا فَإِن اعتقده وَجب عَلَيْهِ تجديده فِي كل حِين أَرَادَ حِكَايَة مذْهبه وَهَذَا يتَعَذَّر فِي مقدرَة الْبشر إِلَّا أَنِّي شَاءَ الله تَعَالَى لِأَن ذَلِك يَسْتَدْعِي الْإِحَاطَة بِمَا نقل عَن الإِمَام فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَة على جِهَته فِي كل وَقت يسْأَل
وَمن لم يصنف كتبا فِي الْمَذْهَب بل أَخذ أَكثر مذْهبه من قَوْله وفتاويه كَيفَ يُمكن حصر ذَلِك عَنهُ هَذَا بعيد عَادَة
وَإِن لم يكن مَذْهَب إِمَامه وجوب تَجْدِيد الِاجْتِهَاد عِنْد نِسْبَة بَعْضهَا إِلَيْهِ مذهبا لَهُ ينظر فَإِن قيل رُبمَا لَا يكون مَذْهَب أحد القَوْل بِشَيْء من ذَلِك فضلا عَن الإِمَام قُلْنَا نَحن لم نجزم بِحكم فِيهَا بل رددنا نقل هَذِه الْأَشْيَاء عَن الإِمَام
وَقُلْنَا إِن كَانَ كَذَا لزم مِنْهُ كَذَا وَيَكْفِي فِي إيقاف إقدام هَؤُلَاءِ تكليفهم نقل هَذِه الْأَشْيَاء عَن الإِمَام وَمَعَ ذَلِك فكثير من هَذِه الْأَقْسَام قد ذهب إِلَيْهِ كثير من الْأَئِمَّة وَلَيْسَ هَذَا مَوضِع بَيَانه فَلْينْظر من أماكنه
وَإِنَّمَا يقابلون هَذَا التَّحْقِيق بِكَثْرَة نقل الرِّوَايَات وَالْأَوْجه والاحتمالات
стр. 706
والتهجم على التَّخْرِيج والتفريع حَتَّى لقد صَار هَذَا عَادَة وفضيلة فَمن لم يَأْتِ بذلك لم يكن عِنْدهم بِمَنْزِلَة فالتزموا للحمية نقل مَا لَا يجوز نَقله لما عَلمته آنِفا
ثمَّ قد عَم أَكْثَرهم بل كلهم نقل أقاويل يجب الْإِعْرَاض عَنْهَا فِي نظرهم بِنَاء على كَونهَا قولا ثَالِثا وَهُوَ بَاطِل عِنْدهم أَو لِأَنَّهَا مُرْسلَة فِي سندها عَن قائها وَخَرجُوا مَا يكون بِمَنْزِلَة قَول ثَالِث بِنَاء على مَا يظْهر لَهُم من الدَّلِيل فَمَا هَؤُلَاءِ بمقلدين حِينَئِذٍ
وَقد يَحْكِي أحدهم فِي كِتَابه أَشْيَاء يتَوَهَّم المسترشد أَنَّهَا إِمَّا مَأْخُوذَة من نُصُوص الإِمَام أَو مِمَّا اتّفق الْأَصْحَاب على نسبتها إِلَى الإِمَام مذهبا لَهُ وَلَا يذكر الحاكي لَهُ مَا يدل على ذَلِك وَلَا أَنه اخْتِيَار لَهُ وَلَعَلَّه يكون قد استنبطه أَو رَآهُ وَجها لبَعض الْأَصْحَاب أَو احْتِمَال فَهَذَا أشبه بالتدليس فَإِن قَصده فَشبه المين وَإِن وَقع سَهوا أَو جهلا فَهُوَ أَعلَى مَرَاتِب البلادة والشين كَمَا قيل
(فَإِن كنت لَا تَدْرِي فَتلك مُصِيبَة ... وَإِن كنت تَدْرِي فالمصيبة أعظم)
وَقد يحكون فِي كتبهمْ مَا لَا يَعْتَقِدُونَ صِحَّته وَلَا يجوز عِنْدهم الْعَمَل بِهِ ويدفعهم إِلَى ذَلِك تَكْثِير الْأَقَاوِيل لِأَن من يَحْكِي عَن الإِمَام أقوالا متناقضة أَو يخرج خلاف الْمَنْقُول عَن الإِمَام فَإِنَّهُ لَا يعْتَقد الْجمع بَينهمَا على وَجه الْجمع بل إِمَّا التَّخْيِير أَو الْوَقْف أَو الْبَدَل أَو الْجمع بَينهَا على وَجه يلْزم عَنْهَا قَول وَاحِد بِاعْتِبَار حَالين أَو محلين وكل وَاحِد من هَذِه الْأَقْسَام حكمه خلاف حكم هَذِه الْحِكَايَة عِنْد تعريها عَن قرينَة مفيدة لذَلِك وَالْغَرَض كَذَلِك
وَقد يشْرَح أحدهم كتابا وَيجْعَل مَا يَقُوله صَاحب الْكتاب المشروح رِوَايَة أَو وَجها أَو اخْتِيَارا لصَاحب الْكتاب وَلم يكن ذكره عَن نَفسه أَو أَنه ظَاهر الْمَذْهَب من غير أَن يبين سَبَب شَيْء من ذَلِك وَهَذَا إِجْمَال وإهمال
وَقد يَقُول أحدهم الصَّحِيح من الْمَذْهَب أَو ظَاهر الْمَذْهَب كَذَا وَلَا يَقُول وَعِنْدِي وَيَقُول غَيره خلاف ذَلِك فَلَيْسَ يُقَلّد الْعَاميّ إِذا فَإِن كلا مِنْهُم يعْمل بِمَا يرى فالتقليد إِذا لَيْسَ للْإِمَام بل للأصحاب فِي أَن هَذَا مَذْهَب الإِمَام
стр. 707
ثمَّ إِن أَكثر المصنفين والحاكمين قد يفهمون معنى ويعبرون عَنهُ بِلَفْظ يتوهمون أَنه واف بالغرض وَلَيْسَ كَذَلِك فَإِذا نظر أحد فِيهِ وَفِي قَول من أَتَى بِلَفْظ واف بالغرض رُبمَا يتَوَهَّم أَنَّهَا مَسْأَلَة خلاف لِأَن بَعضهم قد يفهم من عبارَة من يَثِق بِهِ معنى قد يكون على وفْق مُرَاد المُصَنّف وَقد لَا يكون فيحصر ذَلِك الْمَعْنى فِي لفظ وجيز فبالضرورة يصير مَفْهُوم كل وَاحِد من اللَّفْظَيْنِ من جِهَة التَّنْبِيه وَغَيره وَغير مَفْهُوم الآخر
وَقد يذكر أحدهم فِي مَسْأَلَة إِجْمَاعًا بِنَاء على عدم علمه بقول يُخَالف مَا يُعلمهُ
وَمن تتبع حِكَايَة الإجماعات مِمَّن يحكيها وطالبه بمستنداتها علم صِحَة مَا ادعيناه
وَرُبمَا أَتَى بعض النَّاس بِلَفْظ يشبه قَول من قبله وَلم يكن أَخذه مِنْهُ فيظن أَنه قد أَخذه مِنْهُ فَيحمل كَلَامه على محمل كَلَام من قبله فَإِن رُؤِيَ مغايرا لَهُ نسب إِلَى السَّهْو أَو الْجَهْل أَو تعمد الْكَذِب أَو يكون قد أَخذ مِنْهُ وأتى بِلَفْظ يغاير مَدْلُول كَلَام من أَخذ مِنْهُ فيظن أَنه لم يَأْخُذ مِنْهُ فَيحمل كَلَامه على غير محمل كَلَام من أَخذ مِنْهُ فَيجْعَل الْخلاف فِيمَا لَا خلاف فِيهِ أَو الْوِفَاق فِيمَا فِيهِ خلاف
وَقد يقْصد أحدهم حِكَايَة معنى أَلْفَاظ الْغَيْر وَرُبمَا كَانُوا مِمَّن لَا يرى جَوَاز نقل الْمَعْنى دون اللَّفْظ
وَقد يكون فَاعل ذَلِك مِمَّن يُعلل الْمَنْع فِي صُورَة الْغَرَض بِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ من التحريف غَالِبا
وَهَذَا الْمَعْنى مَوْجُود فِي أَكثر أَلْفَاظ الْأَئِمَّة
وَمن عرف حَقِيقَة هَذِه الْأَسْبَاب رُبمَا رأى ترك التصنيف أولى إِن لم يحْتَرز عَنْهَا لما يلْزم من هَذِه المحاذير وَغَيرهَا غَالِبا
فَإِن قيل يرد هَذَا فعل القدماء وَإِلَى الْآن من غير نَكِير وَهُوَ دَلِيل الْجَوَاز وَإِلَّا امْتنع على الْأمة ترك الْإِنْكَار إِذا لقَوْله تَعَالَى ﴿وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر﴾ وَنَحْوه من الْكتاب وَالسّنة
قُلْنَا الْأَولونَ لم يَفْعَلُوا شَيْئا مِمَّا عبناه فَإِن الصَّحَابَة لم ينْقل عَن أحد مِنْهُم تأليف فضلا عَن أَن يكون على هَذِه الصّفة وفعلهم غير مُلْزم لمن لَا يَعْتَقِدهُ حجَّة
стр. 708
بل لَا يكون ملزما لبَعض الْعَوام عِنْد من لَا يرى أَن الْعَاميّ مُلْزم بِالْتِزَام مَذْهَب إِمَام معِين
فَإِن قيل إِنَّمَا فعلوا ذَلِك ليحفظوا الشَّرِيعَة من الإغفال والإهمال
قُلْنَا قد كَانَ أحسن من هَذَا فِي حفظهَا أَن يدونوا الوقائع والألفاظ النَّبَوِيَّة وفتاوى الصَّحَابَة وَمن بعدهمْ على جهاتها مَعَ ذكر أَسبَابهَا كَمَا ذكرنَا سَابِقًا حَتَّى يسهل على الْمُجْتَهد معرفَة مُرَاد كل إِنْسَان بِحَسبِهِ فيقلده على بَيَان وإيضاح
وَإِنَّمَا عبنا مَا وَقع فِي التَّأْلِيف من هَذِه المحاذير لَا مُطلق التَّأْلِيف وَكَيف يعاب مُطلقًا وَقد قَالَ النَّبِي ص = قيدوا الْعلم بِالْكِتَابَةِ
فَلَمَّا لم يميزوا فِي الْغَالِب مَا نقلوه مِمَّا خرجوه وَلَا مَا عللوه مِمَّا أهملوه وَغير ذَلِك مِمَّا سبق بَان الْفرق بَين مَا عبناه وَبَين مَا صنفناه
وَأكْثر هَذِه الْأُمُور الْمَذْكُورَة يُمكن أَن أذكرها من كتب الْمَذْهَب مَسْأَلَة مَسْأَلَة لَكِن يطول هُنَا
وَإِذا علمت عذر اعتذارنا وخيرة اختيارنا فَنَقُول الْأَحْكَام المستفادة فِي مَذْهَبنَا وَغَيره من اللَّفْظ أَقسَام كَثِيرَة
مِنْهَا أَن يكون لفظ الإِمَام بِعَيْنِه أَو إيمائه أَو تَعْلِيله أَو سِيَاق كَلَامه
وَمِنْهَا أَن يكون مستنبطا من لَفظه إِمَّا اجْتِهَادًا من الْأَصْحَاب أَو بَعضهم
وَمِنْهَا مَا قيل إِنَّه الصَّحِيح من الْمَذْهَب
وَمِنْهَا مَا قيل إِنَّه ظَاهر الْمَذْهَب
وَمِنْهَا مَا قيل إِنَّه الْمَشْهُور من الْمَذْهَب
وَمِنْهَا مَا قيل فِيهِ نَص عَلَيْهِ يَعْنِي الإِمَام أَحْمد وَلم يتَعَيَّن لَفظه
وَمِنْهَا مَا قيل إِنَّه ظَاهر كَلَام الإِمَام وَلم يعين قَائِله لفظ الإِمَام
وَمِنْهَا مَا قيل وَيحْتَمل كَذَا وَلم يذكر أَنه يُرِيد بذلك كَلَام الإِمَام أَو غَيره
стр. 709
وَمِنْهَا مَا ذكر من الْأَحْكَام سردا وَلم يُوصف بِشَيْء أصلا فيظن سامعه أَنه مَذْهَب الإِمَام وَرُبمَا كَانَ بعض الْأَقْسَام الْمَذْكُورَة آنِفا
وَمِنْهَا مَا قيل إِنَّه مَشْكُوك فِيهِ
وَمِنْهَا مَا قيل إِنَّه توقف فِيهِ الإِمَام وَلم يذكر لَفظه فِيهِ
وَمِنْهَا مَا قَالَ فِيهِ بَعضهم اخْتِيَاري وَلم يذكر لَهُ أصلا من كَلَام أَحْمد أَو غَيره
وَمِنْهَا مَا قيل إِنَّه خرج على رِوَايَة كَذَا أَو على قَول كَذَا وَلم يذكر لفظ الإِمَام فِيهِ وَلَا تَعْلِيله لَهُ
وَمِنْهَا أَن يكون مذهبا لغير الإِمَام وَلم يعين ربه
وَمِنْهَا أَن يكون لم يعْمل بِهِ أحد لَكِن القَوْل بِهِ لَا يكون خرقا لإجماعهم
وَمِنْهَا أَن يكون بِحَيْثُ يَصح تخرجه على وفْق مذاهبهم لكنه لم يتَعَرَّضُوا لَهُ بِنَفْي وَلَا إِثْبَات
ثمَّ قَالَ ثمَّ الرِّوَايَة قد تكون نصا أَو إِيمَاء أَو تخريجا من الْأَصْحَاب
وَاخْتِلَاف الْأَصْحَاب فِي ذَلِك وَنَحْوه كثير لَا طائل فِيهِ إِذْ اعْتِمَاد الْمُفْتِي على الدَّلِيل مَا لم يخرج عَن أَقْوَال الإِمَام وَصَحبه وَمَا قَالَ بهَا أَو ناسيها إِلَّا أَن يكون مُجْتَهدا مُطلقًا أَو فِي مَذْهَب إِمَامه ويروي فِي مَسْأَلَة خلاف قَول إِمَامه وَأَصْحَابه لدَلِيل ظهر لَهُ وَقَوي عِنْده وَهُوَ أهل لذَلِك
انْتهى مَا ذكره الْعَلامَة ابْن حمدَان
وَمِمَّا يُنَاسب مَا نَحن فِيهِ مَا ذكره بعض الْعلمَاء الْأَعْلَام وَهُوَ يَنْبَغِي لمن شرح الله صَدره إِذا بلغته مقَالَة عَن بعض الْأَئِمَّة أَن لَا يحكيها لمن يتقلد بهَا بل يسكت عَن ذكرهَا إِن تَيَقّن صِحَّتهَا وَإِلَّا توقف فِي قبُولهَا فَمَا أَكثر مَا يحْكى عَن الْأَئِمَّة مِمَّا لَا حَقِيقَة لَهُ وَكثير من الْمسَائِل يُخرجهَا بعض الأتباع على قَاعِدَة متبوعة مَعَ أَن ذَلِك الإِمَام لَو رأى أَنَّهَا تُفْضِي لما تُفْضِي إِلَيْهِ لما التزمها وَالشَّاهِد يرى مَا لَا يرى الْغَائِب
стр. 710
وَمن الْغَرِيب أَن بعض النَّاس ينْسب إِلَى بعض الْأَئِمَّة قَوَاعِد لم يذكرهَا وَإِنَّمَا استخرجها من بعض الْفُرُوع المنقولة عَنهُ ثمَّ يَبْنِي عَلَيْهَا مَا رَآهُ مناسبا لَهَا من الْمسَائِل وَلذَا قَالَ بعض الْعلمَاء فِي الرَّد على من نسب إِلَى بعض الْأَئِمَّة أَنهم يَقُولُونَ إِن الْخَاص لَا يلْحقهُ الْبَيَان وَإِن الْعَام قَطْعِيّ كالخاص وَإنَّهُ لَا تَرْجِيح بِكَثْرَة الروَاة وَإنَّهُ لَا عِبْرَة بِمَفْهُوم الشَّرْط وَالْوَصْف وَنَحْو ذَلِك أصلا إِن هَذِه أصُول مخرجة على كَلَامهم وَلَا تصح بهَا رِوَايَة عَنْهُم وَلَيْسَت الْمُحَافظَة عَلَيْهَا والتكلف فِي الْجَواب عَمَّا يرد عَلَيْهَا بِأَحَق من الْمُحَافظَة على من يُخَالِفهَا وَالْجَوَاب عَمَّا يرد عَلَيْهِ
وَقد اخْتلف المخرجون فِي كثير من التخريجات ورد بَعضهم على بعض فَيَنْبَغِي التَّفْرِيق بَين الْأَقْوَال الَّتِي هِيَ أَقْوَالهم فِي الْحَقِيقَة وَبَين الْأَقْوَال الَّتِي هِيَ مخرجة على أَقْوَالهم كَمَا يَفْعَله الْمُحَقِّقُونَ من الْعلمَاء وَبِذَلِك ينْحل كثير من الشبة الَّتِي تعرض فِي كثير من الْمَوَاضِع وَالله الْمُوفق
فَوَائِد شَتَّى الْفَائِدَة الأولى
قد ذكر الْحَافِظ ابْن الصّلاح طَرِيق نقل الحَدِيث من الْكتب الْمُعْتَمدَة الَّتِي صحت نسبتها إِلَى مصنفيها فَقَالَ فِي آخر النَّوْع الأول إِذا ظهر بِمَا قدمْنَاهُ انحصار طَرِيق معرفَة الصَّحِيح وَالْحسن الْآن فِي مُرَاجعَة الصَّحِيحَيْنِ وَغَيرهمَا من الْكتب الْمُعْتَمدَة فسبيل من أَرَادَ الْعَمَل أَو الِاحْتِجَاج بذلك إِذا كَانَ مِمَّن يسوغ لَهُ الْعَمَل بِالْحَدِيثِ أَو الِاحْتِجَاج بِهِ لذِي مَذْهَب أَن يرجع إِلَى أصل قد قابله هُوَ أَو ثِقَة أَو غَيره بأصول صَحِيحَة مُتعَدِّدَة مروية بروايات متنوعة ليحصل لَهُ بذلك مَعَ اشتهار هَذِه الْكتب وَبعدهَا عَن أَن تقصد بالتبديل والتحريف الثِّقَة بِصِحَّة مَا اتّفقت عَلَيْهِ تِلْكَ الْأُصُول وَالله أعلم
وَقَالَ بَعضهم وَمن أَرَادَ أَخذ الحَدِيث من كتاب من الْكتب الْمُعْتَمدَة للْعَمَل
стр. 711
بِهِ أَو الِاحْتِجَاج بِهِ إِن كَانَ أَهلا لذَلِك والأهلية فِي كل شَيْء بِحَسبِهِ فسبيله كَمَا قَالَ ابْن الصّلاح أَن يَأْخُذهُ من نُسْخَة مُعْتَمدَة قد قابلها هُوَ أَو ثِقَة أَو غَيره بأصول صَحِيحَة مُعْتَمدَة مروية بروايات متنوعة يَعْنِي فِيمَا تكْثر الرِّوَايَات فِيهِ كالفربري والنسفي وَحَمَّاد بن شَاكر بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَحِيح البُخَارِيّ أَو أصُول مُتعَدِّدَة فِيمَا مَدَاره على رِوَايَة وَاحِدَة كأكثر الْكتب
وَقد فهم جمَاعَة من عِبَارَته اشْتِرَاط التَّعَدُّد
وَقَالَ بَعضهم لَيْسَ فِي عِبَارَته مَا يَقْتَضِي ذَلِك فَيَنْبَغِي حمل كَلَامه هُنَا على كَون التَّعَدُّد مُسْتَحبا لَا وَاجِبا ليَكُون مُوَافقا لما ذكره بعد فِي مَبْحَث الْحسن حَيْثُ قَالَ وتختلف النّسخ من كتاب التِّرْمِذِيّ فِي قَوْله هَذَا حَدِيث حسن أَو هَذَا حَدِيث حسن صَحِيح وَنَحْو ذَلِك فَيَنْبَغِي أَن تصحح أصلك بِجَمَاعَة أصُول وتعتمد على مَا اتّفقت عَلَيْهِ
فَقَوله هُنَا فَيَنْبَغِي قد يُشِير إِلَى عدم اشْتِرَاط ذَلِك وَأَنه إِنَّمَا هُوَ مُسْتَحبّ وَهُوَ كَذَلِك إِلَّا أَن يُقَال إِن مَا ذكر هُنَا إِنَّمَا هُوَ فِي مُقَابلَة الْمَرْوِيّ وَمَا ذكر سَابِقًا إِنَّمَا هُوَ فِي مُقَابلَة مَا يُرَاد أَخذه للْعَمَل بِهِ أَو الِاحْتِجَاج بِهِ وَهُوَ مِمَّا يَنْبَغِي زِيَادَة الِاحْتِيَاط فِيهِ
وَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم قَالَ الشَّيْخ الإِمَام أَبُو عَمْرو بن الصّلاح اعْلَم أَن الرِّوَايَة بِالْأَسَانِيدِ الْمُتَّصِلَة لَيْسَ الْمَقْصُود مِنْهَا فِي عصرنا وَكثير من الْأَعْصَار قبله إِثْبَات مَا يرْوى إِذْ لَا يَخْلُو إِسْنَاد مِنْهَا عَن شيخ لَا يدْرِي مَا يرويهِ وَلَا يضْبط مَا فِي كِتَابه ضبطا يصلح لِأَن يعْتَمد عَلَيْهِ فِي ثُبُوته وَإِنَّمَا الْمَقْصُود بهَا بَقَاء سلسلة الْإِسْنَاد الَّتِي خصت بهَا هَذِه الْأمة زَادهَا الله كَرَامَة
وَإِذا كَانَ ذَلِك فسبيل من أَرَادَ الِاحْتِجَاج بِحَدِيث من صَحِيح مُسلم وأشباهه أَن يَنْقُلهُ من أصل مُقَابل على يَدي ثقتين بأصول صَحِيحَة مُتعَدِّدَة مروية بروايات متنوعة ليحص لَهُ بذلك مَعَ اشتهار هَذِه الْكتب وَبعدهَا عَن أَن تقصد
стр. 712
بالتحريف والتبديل الثِّقَة بِصِحَّة مَا اتّفقت عَلَيْهِ تِلْكَ الْأُصُول فقد تكْثر تِلْكَ الْأُصُول الْمُقَابل بهَا كَثْرَة تتنزل منزلَة التَّوَاتُر ومنزلة الاستفاضة
هَذَا كَلَام الشَّيْخ
وَهَذَا الَّذِي قَالَه مَحْمُول على الِاسْتِحْبَاب والاستظهار وَإِلَّا فَلَا يشْتَرط تعدد الْأُصُول وَالرِّوَايَات فَإِن الأَصْل الصَّحِيح الْمُعْتَمد يَكْفِي وتكفي الْمُقَابلَة بِهِ وَالله أعلم
ثمَّ هَل يشْتَرط فِي نقل الحَدِيث للْعَمَل بِهِ أَو للاحتجاج بِهِ أَن تكون لَهُ بِهِ رِوَايَة فَالظَّاهِر مِمَّا تقدم عدم اشْتِرَاط ذَلِك
وَذكر الْعِرَاقِيّ أَن بعض الْأَئِمَّة حكى الْإِجْمَاع على أَنه لَا يحل الْجَزْم بِنَقْل الحَدِيث إِلَّا لمن لَهُ بِهِ رِوَايَة وَهُوَ الْحَافِظ أَبُو بكر بن خير الْأمَوِي بِفَتْح الْهمزَة الإشبيلي وَهُوَ خَال أبي الْقَاسِم السُّهيْلي فَقَالَ فِي برنامجه الْمَشْهُور وَقد اتّفق الْعلمَاء على أَنه لَا يَصح لمُسلم أَن يَقُول قَالَ رَسُول الله ص = كَذَا حَتَّى يكون عِنْده ذَلِك القَوْل مرويا وَلَو على أقل وُجُوه الرِّوَايَات لقَوْل رَسُول الله ص = (من كذب عَليّ مُتَعَمدا فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار)
وَفِي بعض الرِّوَايَات من كذب عَليّ مُطلقًا دون تَقْيِيد
قَالَ فِي تدريب الرَّاوِي وَقد تعقب الزَّرْكَشِيّ فِي جُزْء لَهُ فَقَالَ فِيمَا قرأته بِخَطِّهِ نقل الْإِجْمَاع عَجِيب وإ مَا حُكيَ ذَلِك عَن بعض الْمُحدثين ثمَّ هُوَ معَارض بِنَقْل ابْن برهَان إِجْمَاع الْفُقَهَاء على الْجَوَاز فَقَالَ فِي الْأَوْسَط ذهب الْفُقَهَاء كَافَّة إِلَى أَنه لَا يتَوَقَّف الْعَمَل بِالْحَدِيثِ على سَمَاعه بل إِذا صَحَّ عِنْده النُّسْخَة جَازَ لَهُ الْعَمَل بهَا وَإِن لم يسمع
وَحكى الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإسفرائيني الْإِجْمَاع على جَوَاز النَّقْل من الْكتب الْمُعْتَمدَة وَلَا يشْتَرط اتِّصَال السَّنَد إِلَى مصنفيها وَذَلِكَ شَامِل لكتب الحَدِيث
стр. 713
وَالْفِقْه وَقَالَ إِلْكيَا الطَّبَرِيّ فِي تَعْلِيقه من وجد حَدِيثا فِي كتاب صَحِيح جَازَ لَهُ أَن يرويهِ ويحتج بِهِ
وَقَالَ قوم من أَصْحَاب الحَدِيث لَا يجوز لَهُ أَن يرويهِ لِأَنَّهُ لم يسمعهُ وَهَذَا غلط وَكَذَا حَكَاهُ إِمَام الْحَرَمَيْنِ فِي الْبُرْهَان عَن بعض الْمُحدثين وَقَالَ هم عصبَة لَا مبالاة بهم فِي حقائق الْأُصُول يَعْنِي المقتصرين على السماع لَا أَئِمَّة الحَدِيث
وَقَالَ الشَّيْخ عز الدّين بن عبد السَّلَام فِي جَوَاب سُؤال كتبه إِلَيْهِ أَبُو مُحَمَّد بن عبد الحميد وَأما الِاعْتِمَاد على كتب الْفِقْه الصَّحِيحَة الموثوق بهَا فقد اتّفق الْعلمَاء فِي هَذَا الْعَصْر على جَوَاز الِاعْتِمَاد عَلَيْهَا والاستناد إِلَيْهَا لِأَن الثِّقَة قد حصلت بهَا كَمَا تحصل بالروايات وَلذَلِك اعْتمد النَّاس على الْكتب الْمَشْهُورَة فِي النَّحْو واللغة والطب وَسَائِر الْعُلُوم لحُصُول الثِّقَة بهَا وَبعد التَّدْلِيس
وَمن اعْتقد أَن النَّاس قد اتَّفقُوا على الْخَطَأ فِي ذَلِك فَهُوَ أولى بالْخَطَأ مِنْهُم وَلَوْلَا جَوَاز الِاعْتِمَاد على ذَلِك لتعطل كثير من الْمصَالح الْمُتَعَلّقَة بهَا وَقد رَجَعَ الشَّارِع إِلَى قَول الْأَطِبَّاء فِي صور وَلَيْسَت كتبهمْ مَأْخُوذَة فِي الأَصْل إِلَى عَن قوم كفار وَلَكِن لما بعد التَّدْلِيس فِيهَا اعْتمد عَلَيْهَا كَمَا اعْتمد فِي اللُّغَة على أشعار الْعَرَب وَأَكْثَرهم كفار لبعد التَّدْلِيس
قَالَ وَكتب الحَدِيث أولى بذلك من كتب الْفِقْه وَغَيرهَا لاعتنائهم بضبط النّسخ وتحريرها فَمن قَالَ إِن شَرط التَّخْرِيج من كتاب يتَوَقَّف على اتِّصَال السَّنَد إِلَيْهِ فقد خرق الْإِجْمَاع وَغَايَة الْمخْرج أَن ينْقل الحَدِيث من أصل موثوق بِصِحَّتِهِ وينسبه إِلَى من رَوَاهُ وَيتَكَلَّم على علته وغريبه وفقهه
قَالَ وَلَيْسَ النَّاقِل للْإِجْمَاع مَشْهُورا بِالْعلمِ مثل اشتهار هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّة قَالَ بل نَص الشَّافِعِي فِي الرسَالَة على أَنه يجوز أَن يحدث بالْخبر وَإِن لم يعلم أَنه سَمعه فليت شعري أَي إِجْمَاع بعد ذَلِك
стр. 714
قَالَ واستدلاله على الْمَنْع بِالْحَدِيثِ الْمَذْكُور أعجب وأعجب إِذْ لَيْسَ فِي الحَدِيث اشْتِرَاط ذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ تَحْرِيم القَوْل بِنِسْبَة الحَدِيث إِلَيْهِ حَتَّى يتَحَقَّق أَنه قَالَه
وَهَذَا لَا يتَوَقَّف على رِوَايَته بل يَكْفِي فِي ذَلِك علمه بِوُجُودِهِ فِي كتب من خرج الصَّحِيح أَو كَونه نَص على صِحَّته إِمَام وعَلى ذَلِك عمل النَّاس
وَعبارَة الْبُرْهَان فِي هَذِه الْمَسْأَلَة هِيَ وَإِذا وجد النَّاظر حَدِيثا مُسْندًا فِي كتاب صَحِيح وَلم يسترب فِي ثُبُوته واستبان انْتِفَاء اللّبْس والريب عَنهُ وَلم يسمع الْكتاب من شيخ فَهَذَا رجل لَا يروي مَا رَآهُ وَالَّذِي أرَاهُ أَنه يتَعَيَّن عَلَيْهِ الْعَمَل بِهِ
وَلَا يتَوَقَّف وجوب الْعَمَل على الْمُجْتَهدين بموجبات الْأَخْبَار على أَن تنتظم لَهُم الْأَسَانِيد فِي جَمِيعهَا وَالْمُعْتَمد فِي ذَلِك إِن روجعنا فِيهِ الثِّقَة
وَالشَّاهِد لَهُ أَن الَّذين كَانُوا يرد عَلَيْهِم كتاب رَسُول الله ص = على أَيدي نقلة ثِقَات كَانَ يتَعَيَّن عَلَيْهِم الِانْتِهَاء إِلَيْهِ وَالْعَمَل بِمُوجبِه وَمن بلغه ذَلِك الْكتاب وَلم يكن مُخَاطبا بمضمونه وَلم يسمعهُ من مسمع كَانَ الَّذين قصدُوا بمضمون الْكتاب ومقصود الْخطاب
وَلَو قَالَ هَذَا الرجل رَأَيْته فِي صَحِيح مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ وَقد وثقت باشتمال الْكتاب عَلَيْهِ فعلى الَّذِي سَمعه يذكر ذَلِك أَن يَثِق بِهِ ويلحقه بِمَا يلقاه بِنَفسِهِ وَرَآهُ أَو رَوَاهُ من الشَّيْخ المسمع
وَلَو عرض مَا ذَكرْنَاهُ على جملَة الْمُحدثين لأبوه فَإِن فِيهِ سُقُوط منصب الرِّوَايَة عِنْد ظُهُور الثِّقَة وَصِحَّة الرِّوَايَة وهم عصبَة لَا مبالاة بهم فِي حقائق الْأُصُول
وَإِذا نظر النَّاظر فِي تفاصيل هَذِه الْمسَائِل وجدهَا جَارِيَة فِي الرَّد وَالْقَبُول على ظُهُور الثِّقَة وانخرامها
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد الأصولي فَإِذا صادفناه لزمناه وَتَركنَا وَرَاءَنَا الْمُحدثين ينقطعون فِي وضع ألقاب وترتيب أَبْوَاب
стр. 715
وَقَالَ بعض الْفُقَهَاء وَإِذا أَرَادَ الْمُفْتِي الْمُقَلّد أَن ينْقل عَن الْمُجْتَهد فَلهُ فِي ذَلِك طَرِيقَانِ أَحدهمَا أَن يكون لَهُ إِمَامه فِي ذَلِك سَنَد صَحِيح يعْتَمد عَلَيْهِ
الثَّانِي أَن يَأْخُذهُ عَن كتاب مَعْرُوف قد تداولته الْأَيْدِي لَا سِيمَا إِن كَانَ من الْكتب الَّتِي ثبتَتْ بالتواتر أَو الشُّهْرَة نسبتها إِلَى مصنفيها الَّذين يعْتَمد عَلَيْهِم فِي النَّقْل
فَإِن لم يجد إِلَّا فِي كتاب لم يشْتَهر فِي عصره أَو اشْتهر فِيهِ وَلَكِن لم يشْتَهر فِي دياره لم يسغْ لَهُ النَّقْل عَنهُ إِلَّا أَن يكون مَا يُرِيد نَقله عَنهُ قد نَقله عَنهُ كتاب مَشْهُور فَيكون التعويل فِي النَّقْل عَلَيْهِ لَا على الْكتاب الآخر الَّذِي لم يشْتَهر
وَقَالَ بَعضهم مَا يُوجد من كَلَام رجل أَو مذْهبه فِي كتاب مَشْهُور مُعْتَمد عَلَيْهِ يجوز للنَّاظِر فِيهِ أَن يَقُول قَالَ فلَان كَذَا وَإِن لم يسمعهُ من أحد لِأَن وجود ذَلِك على هَذِه الصّفة بِمَنْزِلَة الْخَبَر الْمُتَوَاتر أَو المستفيض فَلَا يحْتَاج فِي مثله إِلَى إِسْنَاد
وَقد بحث جمَاعَة فِي عبارَة ابْن خير الْمَذْكُورَة فَقَالَ بَعضهم إِنَّه لَو لم يُورد الحَدِيث الدَّال على تَحْرِيم نِسْبَة الحَدِيث إِلَى النَّبِي ص = حَتَّى يتَحَقَّق أَنه قَالَ لَكَانَ مُقْتَضى كَلَامه منع إِيرَاد مَا يكون فِي الصَّحِيحَيْنِ أَو أَحدهمَا حَيْثُ لَا رِوَايَة لَهُ بِهِ وَجَوَاز نقل مَا لَهُ بِهِ رِوَايَة وَلَو كَانَ ضَعِيفا
وَأما مَا ادَّعَاهُ من الْإِجْمَاع فَيمكن حمله على إِجْمَاع مَخْصُوص وَهُوَ إِجْمَاع الْمُحدثين وَإِن قَالَ كثير من الْعلمَاء إِنَّه لم يقل بِهِ إِلَّا بعض الْمُحدثين
وَقَالَ بَعضهم إِن كَلَامه لَيْسَ على ظَاهره وَإنَّهُ إِنَّمَا قصد بِهِ ردع الْعَامَّة وَمن لَا علم لَهُ بِالْحَدِيثِ عَن الْإِقْدَام على الرِّوَايَة عَن النَّبِي ص = بِغَيْر سَنَد وَأما جلة الْعلمَاء الَّذين يُمكنهُم مُرَاجعَة الْكتب وَالنَّقْل مِنْهَا فَلم يقْصد مَنعهم من ذَلِك وَيكون مستندهم فِي ذَلِك الوجادة وَهِي إِحْدَى وُجُوه الرِّوَايَات وَإِن كَانَت من أدناها
وَإِنَّمَا قَالَ حَتَّى يكون ذَلِك القَوْل عِنْده مرويا وَلم يقل حَتَّى يكون مرويا لَهُ لِأَن الْعبارَة الثَّانِيَة تشعر بِأَن يكون لَهُ بِهِ رِوَايَة بِخِلَاف الأولى فنه لَا تدل على
стр. 716
ذَلِك بل تدل على أَنه قد ثَبت عِنْده أهـ رُوِيَ عَن النَّبِي ص = وَإِن لم يتَّصل السَّنَد إِلَيْهِ بِأَن يرويهِ غَيره ويتحقق هُوَ ذَلِك
الْفَائِدَة الثَّانِيَة
الوجادة بِالْكَسْرِ هِيَ قسم من أَقسَام أَخذ الحَدِيث وَنَقله وَهِي ثَمَانِيَة
السماع من الشَّيْخ
وَالْقِرَاءَة على الشَّيْخ
وَالْإِجَازَة
والمناولة
وَالْمُكَاتبَة
وإعلام الشَّيْخ
وَالْوَصِيَّة الْكتاب
والوجادة
وَذكر ابْن الصّلاح الوجادة فَقَالَ الثَّامِن الوجادة وَهِي مصدر لوجد يجد مولد غير مسموع من الْعَرَب روينَا عَن الْمعَافى بن زَكَرِيَّا النهرواني الْعَلامَة فِي الْعُلُوم أَن المولدين فرعوا قَوْلهم وجادة فِيمَا أَخذ من الْعلم من صحيفَة من غير سَماع وَلَا إجَازَة وَلَا مناولة من تَفْرِيق الْعَرَب بَين مصَادر وجد للتمييز بَين الْمعَانِي الْمُخْتَلفَة
يَعْنِي قَوْلهم وجد ضالته وجدانا ومطلوبه وجودا وَفِي الْغَضَب موجدة وَفِي الْغنى وجدا وَفِي الْحبّ وجدا
وَمِثَال الوجادة أَن يقف على كتاب شخص فِيهِ أَحَادِيث يَرْوِيهَا بِخَطِّهِ وَلم يلقه أَو لقِيه وَلَكِن لم يسمع مِنْهُ ذَلِك الَّذِي وجده بِخَطِّهِ وَلَا لَهُ مِنْهُ إجَازَة وَلَا نَحْوهَا فَلهُ أَن يَقُول وجدت بِخَط فلَان أَو فِي كتاب فلَان بِخَطِّهِ أخبرنَا فلَان بن فلَان وَيذكر شَيْخه ويسوق سَائِر الْإِسْنَاد والمتن أَو يَقُول وجدت أَو قَرَأت بِخَط فلَان عَن فلَان وَيذكر الَّذِي حَدثهُ وَمن فَوْقه
وَهُوَ الَّذِي اسْتمرّ عَلَيْهِ الْعَمَل قَدِيما وحديثا وَهُوَ من بَاب الْمُنْقَطع والمرسل غير أَنه أَخذ شوبا من الِاتِّصَال لقَوْله وجدت بِخَط فلَان
وَرُبمَا دلّس بَعضهم فَذكر الَّذِي وجد خطه وَقَالَ فِيهِ عَن فلَان أَو قَالَ فلَان
وَذَلِكَ تَدْلِيس قَبِيح إِذا كَانَ بِحَيْثُ يُوهم سَمَاعه مِنْهُ على مَا سبق فِي نوع التَّدْلِيس
وجازف بَعضهم فَأطلق فِيهِ حَدثنَا وَأخْبرنَا
وانتقد ذَلِك على فَاعله
стр. 717
وَإِذا وجد حَدِيثا فِي تأليف شخص وَلَيْسَ بِخَطِّهِ فَلهُ أَن يَقُول ذكر فلَان أَو قَالَ فلَان أخبرنَا فلَان أَو ذكر فلَان عَن فلَان
وَهَذَا مُنْقَطع لم يَأْخُذ شوبا من الِاتِّصَال
وَهَذَا كُله إِذا وثق بِأَنَّهُ خطّ الْمَذْكُور أَو كِتَابه
فَإِن لم يكن كَذَلِك فَلْيقل بَلغنِي عَن فلَان أَو وجدت عَن فلَان أَو نَحْو ذَلِك من الْعبارَات
أَو ليفصح بالمستند فِيهِ بِأَن يَقُول كَمَا قَالَه بعض من تقدم قَرَأت فِي كتاب فلَان وَأَخْبرنِي فلَان أَنه بِخَطِّهِ أَو يَقُول وجدت فِي كتاب ظَنَنْت أَنه بِخَط فلَان أَو فِي كتاب ذكر كَاتبه أَنه فلَان بن فلَان أَو فِي كتاب قيل إِنَّه بِخَط فلَان
وَإِذا أَرَادَ أَن ينْقل عَن كتاب مَنْسُوب إِلَى مُصَنف فَلَا يقل قَالَ فلَان كَذَا وَكَذَا إِلَّا إِذا وثق بِصِحَّة النُّسْخَة بِأَن قابلها هُوَ أَو ثِقَة غَيره بأصول مُتعَدِّدَة كَمَا نبهنا عَلَيْهِ فِي آخر النَّوْع الأول
وَإِذا لم يُوجد ذَلِك وَنَحْوه فَلْيقل بَلغنِي عَن فلَان أَنه ذكر كَذَا وَكَذَا
وَوجدت فِي نُسْخَة من الْكتاب الْفُلَانِيّ وَمَا أشبه هَذَا من الْعبارَات
وَقد تسَامح أَكثر النَّاس فِي هَذِه الْأَزْمَان بِإِطْلَاق اللَّفْظ الْجَازِم فِي ذَلِك من غير تحر وَتثبت فيطالع أحدهم كتابا مَنْسُوبا إِلَى مُصَنف معِين وينقل مِنْهُ عَنهُ من غير أَن يَثِق بِصِحَّة النُّسْخَة قَائِلا قَالَ فلَان كَذَا وَكَذَا أَو ذكر فلَان كَذَا وَكَذَا
وَالصَّوَاب مَا قدمْنَاهُ
فَإِن كَانَ الْمطَالع عَالما فطنا بِحَيْثُ لَا يخفى عَلَيْهِ فِي الْغَالِب مَوَاضِع الْإِسْقَاط والسقط وَمَا أُحِيل من جِهَته إِلَى غَيرهَا رجونا أَن يجوز لَهُ إِطْلَاق اللَّفْظ الْجَازِم فِيمَا يحكيه من ذَلِك
وَإِلَى هَذَا فِيمَا أَحسب استروح كثير من المصنفين فِيمَا نقلوه من كتب النَّاس وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى
هَذَا كُله كَلَام فِي كَيْفيَّة النَّقْل بطرِيق الوجادة
وَأما جَوَاز الْعَمَل اعْتِمَادًا على مَا يوثق بِهِ مِنْهَا فقد روينَا عَن بعض الْمَالِكِيَّة أَن مُعظم الْمُحدثين وَالْفُقَهَاء من المالكيين وَغَيرهم لَا يرَوْنَ الْعَمَل بذلك
وَحكي عَن الشَّافِعِي وَطَائِفَة من نظار أَصْحَابه جَوَاز الْعَمَل بذلك
стр. 718
قلت قطع بعض الْمُحَقِّقين من أَصْحَابه فِي أصُول الْفِقْه بِوُجُوب الْعَمَل بِهِ عِنْد حُصُول الثِّقَة بِهِ وَقَالَ لَو عرض مَا ذَكرْنَاهُ على جملَة الْمُحدثين لأبوه
وَمَا قطع بِهِ هُوَ الَّذِي لَا يتَّجه غَيره فِي الْأَعْصَار الْمُتَأَخِّرَة فَإِنَّهُ لَو توقف الْعَمَل فِيهَا على الرِّوَايَة لانسد بَاب الْعَمَل بالمنقول لتعذر شَرط الرِّوَايَة فِيهَا على مَا تقدم فِي النَّوْع الأول وَالله أعلم
قَالَ بعض الْعلمَاء قد ذكر ابْن الصّلاح حكم الوجادة الْمُجَرَّدَة وَهِي مَا لَا يكون فِيهَا للواجد إجَازَة مِمَّن وجد ذَلِك بِخَطِّهِ وَلم يتَعَرَّض لحكم الوجادة مَعَ الْإِجَازَة وَقد اسْتعْمل ذَلِك غير وَاحِد من أهل الحَدِيث كَقَوْل بَعضهم وجدت بِخَط فلَان وَأَجَازَهُ لي وَقد لَا يُصَرح بِالْإِجَازَةِ كَقَوْل عبد الله بن أَحْمد وجدت بِخَط أبي حَدثنَا فلَان
وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ شَيْء
والمروي بالوجادة الْمُجَرَّدَة فِي حكم الْمُنْقَطع والمرسل
وَقَالَ بَعضهم الأولى جعله فِي حكم الْمُعَلق
وَأَجَازَ جمَاعَة من الْمُتَقَدِّمين الرِّوَايَة بالوجادة مِمَّا لَيْسَ لَهُم بِهِ سَماع وَلَا إجَازَة ويروى عَن ابْن عمر أَنه قَالَ إِنَّه وجد فِي قَائِم سيف أَبِيه صحيفَة فِيهَا كَذَا
وَعَن يحيى ين سعيد الْقطَّان أَنه قَالَ رَأَيْت فِي كتاب عِنْدِي عَتيق لِسُفْيَان الثَّوْريّ حَدثنِي عبد الله بن ذكْوَان وَذكر حَدِيثا
وَعَن يزِيد بن أبي حبيب أَنه قَالَ أودعني فلَان كتابا أَو كلمة تشبه هَذِه فَوجدت فِيهِ عَن الْأَعْرَج
وَكَانَ يحدث بأَشْيَاء مِمَّا فِي الْكتاب وَلَا يَقُول أخبرنَا وَلَا حَدثنَا
وَالظَّاهِر أَنهم اقتصروا فِي ذَلِك على من سمعُوا مِنْهُ فِي الْجُمْلَة وَعرفُوا حَدِيثه مَعَ إيرادهم لَهُ بوجدت أَو رَأَيْت وَنَحْوهَا
وَقد كره الرِّوَايَة عَن الصُّحُف غير المسموعة غير وَاحِد من السّلف وَمنعُوا النَّقْل وَالرِّوَايَة بالوجادة الْمُجَرَّدَة وَلذَا قَالَ بَعضهم إِن مَا وَقع من ذَلِك لَيْسَ من
стр. 719
بَاب الرِّوَايَة وَإِنَّمَا هُوَ من بَاب الْحِكَايَة عَمَّا وجده
وَقَالَ بَعضهم قَول الْقَائِل وجدت بِخَط فلَان إِذا وثق بِأَنَّهُ خطّ أقوى من قَوْله قَالَ فلَان
وَذَلِكَ لِأَن القَوْل يقبل الزِّيَادَة وَالنَّقْص والتغيير لَا سِيمَا عِنْد من يُجِيز النَّقْل بِالْمَعْنَى بِخِلَاف الْخط
وَقد اسْتدلَّ بَعضهم للْعَمَل بالوجادة بِحَدِيث أَي الْخلق أعجب إِيمَانًا قَالُوا الْمَلَائِكَة قَالَ كَيفَ لَا يُؤمنُونَ وهم عِنْد رَبهم قَالُوا الْأَنْبِيَاء قَالَ كَيفَ لَا يُؤمنُونَ وهم يَأْتِيهم الْوَحْي قَالُوا نَحن قَالَ كَيفَ لَا تؤمنون وَأَنا بَين أظْهركُم قَالُوا فَمن يَا رَسُول الله قَالَ قوم يأْتونَ من بعدكم يَجدونَ صحفا يُؤمنُونَ بِمَا فِيهَا
روى هَذَا الحَدِيث الْحسن بن عَرَفَة فِي جزئه من طَرِيق عَمْرو بن شُعَيْب عَن أَبِيه عَن جده
وَله طرق كَثِيرَة وَفِي بَعْضهَا بل قوم من بعدكم يَأْتِيهم كتاب بَين لوحين يُؤمنُونَ بِهِ ويعملون بِمَا فِيهِ أُولَئِكَ أعظم مِنْكُم أجرا
أخرجه أَحْمد والدارمي وَالْحَاكِم
وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَال نظر لِأَن تِلْكَ الصُّحُف لم يَأْخُذُوا بهَا لمُجَرّد الوجدان بل لوصولها إِلَيْهِم على وَجه يُوجب الإيقان
الْفَائِدَة الثَّالِثَة
قد ذكرنَا سَابِقًا أَن سَبِيل من أَرَادَ الْعَمَل أَو الِاحْتِجَاج بِالْحَدِيثِ أَن يرجع إِلَى أصل قد قابله هُوَ أَو ثِقَة غَيره بأصول صَحِيحَة
وَقد تعرض أهل الْفَنّ لأمر الْمُقَابلَة فِي مَبْحَث كِتَابه الحَدِيث وَضَبطه وَقد أحببنا ذكر ذَلِك فَنَقُول
ذكرُوا أَن على الطَّالِب مُقَابلَة كِتَابه بِكِتَاب شَيْخه الَّذِي يرويهِ عَنهُ سَمَاعا أَو إجَازَة أَو بِأَصْل أصل شَيْخه الْمُقَابل بِهِ أصل شَيْخه أَو بفرع مُقَابل بِأَصْل السماع الْمُقَابل بِالشُّرُوطِ أَو بفرع مُقَابل بفرع قوبل كَذَلِك
وَالْغَرَض أَن يكون كتاب الطَّالِب مطابقا لكتاب شَيْخه الَّذِي رَوَاهُ عَنهُ
стр. 720
وَإِنَّمَا قيدوا أصل الأَصْل بِكَوْنِهِ قد قوبل عَلَيْهِ الأَصْل لِأَنَّهُ قد يكون لشيخه عدَّة أصُول قد قوبل أصل شَيْخه بأحدها فَإِنَّهَا لَا تَكْفِي الْمُقَابلَة بِغَيْرِهِ لاحْتِمَال أَن تكون فِيهِ زِيَادَة أَو نقص فَيكون قد أَتَى بِشَيْء لم يروه شَيْخه لَهُ أَو حذف شَيْئا مِمَّا رَوَاهُ شَيْخه لَهُ
وَيُقَال للمقابلة الْمُعَارضَة تَقول قابلت الْكتاب بِالْكتاب مُقَابلَة إِذا جعلته قبالة الآخر وصيرت فِيهِ مثل مَا فِي الآخر
وعارضت الْكتاب بِالْكتاب مُعَارضَة إِذا عرضته على الآخر وصيرت مَا فِيهِ مثل مَا فِي الآخر
وَقد تسمى الْمُعَارضَة عرضا
والمقابلة متعينة لَا بُد مِنْهَا
قَالَ هِشَام بن عُرْوَة قَالَ لي أبي أكتبت قلت نعم قَالَ عارضت قلت لَا قَالَ لم تكْتب
وَقَالَ أَفْلح بن بسام كنت عِنْد القعْنبِي فَقَالَ لي كتبت قلت نعم قَالَ عارضت قلت لَا قَالَ لم تصنع شَيْئا
وَقَالَ الْأَخْفَش إِذا نسخ الْكتاب وَلم يُعَارض ثمَّ نسخ مِنْهُ وَلم يُعَارض خرج أعجميا
وَقَالَ بَعضهم من كتب وَلم يُقَابل فَهُوَ كمن غزا وَلم يُقَاتل
وَأفضل الْمُعَارضَة أَن يُعَارض الطَّالِب كِتَابه بِنَفسِهِ مَعَ شَيْخه بكتابه فِي حَال تحديثه بِهِ فَإِنَّهُ يحصل فِي ذَلِك غَالِبا من وُجُوه الِاحْتِيَاط من الْجَانِبَيْنِ مَا لَا يحصل فِي غَيره
هَذَا إِذا كَانَ كل مِنْهُمَا أَهلا لهَذَا الْأَمر وَذَا عناية بِهِ فَإِن لم تَجْتَمِع هَذِه الْأَوْصَاف نقص من مرتبته بِقدر مَا فَاتَهُ مِنْهَا
وَقيد ابْن دَقِيق الْعِيد الْأَفْضَلِيَّة بتمكن الطَّالِب مَعَ ذَلِك من التثبت فِي الْقِرَاءَة وَالسَّمَاع وَإِلَّا فتقديم الْمُقَابلَة حِينَئِذٍ أولى بل قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّه أولى مُطلقًا لِأَنَّهُ إِذا قوبل أَولا كَانَ فِي حَال السماع أيسر وَأَيْضًا فَإِنَّهُ إِذا وَقع إِشْكَال كشف عَنهُ وَضبط فقرئ على الصِّحَّة فكم من جُزْء قرئَ بَغْتَة فَوَقع فِيهِ أغاليط وتصحيفات لم يتَبَيَّن صوابها إِلَّا بعد الْفَرَاغ فأصلحت
وَرُبمَا كَانَ ذَلِك على خلاف مَا وَقعت الْقِرَاءَة عَلَيْهِ فَكَانَ كذبا إِن قَالَ قَرَأت لِأَنَّهُ لم يقْرَأ على ذَلِك الْوَجْه
وَقَالَ الْحَافِظ أَبُو الْفضل الجارودي أصدق الْمُعَارضَة مَعَ نَفسك
وَقَالَ
стр. 721
بَعضهم لَا تصح مُقَابلَته مَعَ أحد غير نَفسه وَلَا يُقَلّد غَيره وَلَا يكون بَينه وَبَين كتاب الشَّيْخ وَاسِطَة بل يُقَابل نسخته بِالْأَصْلِ حرفا حرفا حَتَّى يكون على ثِقَة ويقين من مطابقتها لَهُ
قَالَ ابْن الصّلاح وَهَذَا مَذْهَب مَتْرُوك وَهُوَ من مَذَاهِب أهل التَّشْدِيد المرفوضة فِي أعصارنا وَلَا يخفى أَن الْفِكر يتشعب بِالنّظرِ فِي النسختين بِخِلَاف الأول
وَقَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد هَذَا يخْتَلف باخْتلَاف النَّاس فَمن عَادَته عدم السَّهْو عِنْد النّظر فيهمَا فَهَذَا مُقَابلَته بِنَفسِهِ أولى وَمن عَادَته السَّهْو فَهَذَا مُقَابلَته مَعَ غَيره أولى
وَيسْتَحب أَن ينظر مَعَه فِي نسخته من حضر من السامعين مِمَّن لَيْسَ مَعَه نُسْخَة لَا سِيمَا إِن أَرَادَ النَّقْل مِنْهَا وَقد رُوِيَ عَن يحيى بن معِين أَنه سُئِلَ عَمَّن لم ينظر فِي الْكتاب والمحدث يقْرَأ هَل يجوز أَن يحدث بذلك عَنهُ فَقَالَ أَنا عِنْدِي فَلَا يجوز وَلَكِن عَامَّة الشُّيُوخ هَكَذَا سماعهم
وَهَذَا من مَذَاهِب أهل التَّشْدِيد فِي الرِّوَايَة وَالصَّحِيح أَن ذَلِك لَا يشْتَرط وَأَنه يَصح السماع وَإِن لم ينظر أصلا فِي الْكتاب حَالَة الْقِرَاءَة وَأَنه لَا يشْتَرط أَن يُقَابله بِنَفسِهِ بل يَكْفِيهِ مُقَابلَة نسخته بِأَصْل الرَّاوِي وَإِن لم يكن ذَلِك حَالَة الْقِرَاءَة وَإِن كَانَت الْمُقَابلَة على يَدي غَيره إِذا كَانَ ثِقَة موثوقا بضبطه
وَأما من لم يُعَارض كِتَابه بِالْأَصْلِ وَنَحْوه أصلا فقد اخْتلف فِي جَوَاز رِوَايَته مِنْهُ فَمنع من ذَلِك بَعضهم وَقَالَ لَا يحل لمُسلم التقي الرِّوَايَة مِمَّا لم يُقَابل بِأَصْل شَيْخه أَو نُسْخَة تحقق ووثق بمقابلتها بِالْأَصْلِ وَتَكون مُقَابلَته لذَلِك مَعَ الثِّقَة الْمَأْمُون على مَا ينظر فِيهِ فَإِذا وَقع مُشكل نظر مَعَه حَتَّى يتَبَيَّن ذَلِك
وَقد نحا قريا من منحاه من قَالَ لَا يجوز للراوي أَن يروي عَن شَيْخه شَيْئا سَمعه عَلَيْهِ من كتاب لَا يعلم هَل هُوَ كل الَّذِي سَمعه أَو بضعه وَهل هُوَ على وَجهه أم لَا
стр. 722
وَأَجَازَ ذَلِك الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق الإِسْفِرَايِينِيّ وَجَمَاعَة مِنْهُم أَبُو بكر الْخَطِيب غير أَن الْخَطِيب ذكر أَنه يشْتَرط أَن تكون نسخته نقلت من الأَصْل وَأَن يبين عِنْد الرِّوَايَة أَنه لم يُعَارض وَحكى عَن شَيْخه أبي بكر البرقاني أَنه سَأَلَ أَبَا بكر الْإِسْمَاعِيلِيّ هَل للرجل أَن يحدث بِمَا كتب عَن الشَّيْخ وَلم يُعَارض بِأَصْلِهِ فَقَالَ نعم وَلَكِن لَا بُد أَن يبن أَنه لم يُعَارض
قَالَ وَهَذَا هُوَ مَذْهَب أبي بكر البرقاني فَإِنَّهُ روى لنا أَحَادِيث كَثِيرَة قَالَ فِيهَا أخبرنَا فلَان وَلم أعارض بِالْأَصْلِ
قَالَ ابْن الصّلاح وَلَا بُد من شَرط ثَالِث وَهُوَ أَن يكون ناقل النُّسْخَة من الأَصْل غير سقيم النَّقْل بل صَحِيح النَّقْل قَلِيل السقط
ثمَّ إِنَّه يَنْبَغِي أَن يُرَاعِي فِي كتاب شَيْخه بِالنِّسْبَةِ إِلَى من فَوْقه مثل مَا ذكرنَا أَنه يراعيه فِي كِتَابه وَلَا يكونن كطائفة من الطّلبَة إِذا رَأَوْا سَماع شيخ لكتاب قرؤوه عَلَيْهِ من أَي نُسْخَة اتّفقت
الْفَائِدَة الرَّابِعَة
قد ذكر أهل الْفَنّ فِي مَبْحَث كِتَابَة الحَدِيث وَضَبطه أمورا مهمة لَا يسع الطَّالِب جهلها
الْأَمر الأول يَنْبَغِي لكاتب الحَدِيث أَن يَجْعَل بَين كل حديثين دارة تفصل بَينهمَا وتميز أَحدهمَا عَن الآخر
والدارة حَلقَة منفرجة أَو منطبقة وَمِمَّنْ جَاءَ عَنهُ الْفَصْل بَين الْحَدِيثين بالدارة أَو الزِّنَاد وَأحمد بن حَنْبَل وَإِبْرَاهِيم بن إِسْحَاق الْحَرْبِيّ وَمُحَمّد بن جرير الطَّبَرِيّ وَمن الْمُحدثين من لَا يقْتَصر عَلَيْهَا بل يتْرك بَقِيَّة السطر خَالِيا عَن الْكِتَابَة مُبَالغَة فِي الْفَصْل والتمييز وَكَذَا يفعل فِي التراجم ورؤوس الْمسَائِل وَمَا أشبه ذَلِك
وَاسْتحبَّ الْخَطِيب أَن تكون الدارات غفلا فَإِذا عَارض فَكل حَدِيث يفرغ من عرضه ينقط فِي الدارة الَّتِي تليه نقطة أَو يخط فِي وَسطهَا خطا قَالَ وَقد كَانَ بعض أهل الْعلم لَا يعْتد من سَمَاعه إِلَّا بِمَا كَانَ كَذَلِك أَو فِي مَعْنَاهُ
الْأَمر الثَّانِي يَنْبَغِي لِلْكَاتِبِ أَن يحافظ على كِتَابَة الثَّنَاء على الله تَعَالَى عِنْد ذكر
стр. 723
اسْمه نَحْو وتبارك وَتَعَالَى وَكَذَلِكَ كِتَابَة الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم على النَّبِي ص = عِنْد ذكره وَلَا يسأم من تكَرر ذَلِك فَأَجره عَظِيم فَإِن كَانَ الثَّنَاء وَالصَّلَاة وَالتَّسْلِيم ثَابتا فِي أصل سَمَاعه أَو أصل الشَّيْخ فَالْأَمْر وَاضح وَإِن لم يكن فِي الأَصْل فَلَا يتَقَيَّد بِهِ وليكتبه وليتلفظ بِهِ عِنْد الْقِرَاءَة لِأَنَّهُ ثَنَاء وَدُعَاء يُثبتهُ لَا كَلَام يرويهِ
قَالَ ابْن الصّلاح وَمَا وجد فِي خطّ أبي عبد الله أَحْمد بن حَنْبَل من إغفال ذَلِك عِنْد ذكر اسْم النَّبِي ص = فَلَعَلَّ سَببه أَنه كَانَ يرى التقيد فِي ذَلِك بالرواية وَعز عَلَيْهِ اتصالها فِي ذَلِك فِي جَمِيع من فَوْقه من الروَاة
قَالَ الْخَطِيب أَبُو بكر وَبَلغنِي أَنه كَانَ يُصَلِّي على النَّبِي ص = نطقا لَا خطأ قَالَ وَقد خَالفه غَيره من الْأَئِمَّة الْمُتَقَدِّمين فِي ذَلِك وَرَوَاهُ عَن عَليّ بن الْمَدِينِيّ وعباس بن عبد الْعَظِيم الْعَنْبَري قَالَا مَا تركنَا الصَّلَاة على النَّبِي ص = فِي كل حَدِيث سمعناه وَرُبمَا عجلنا فنبيض الْكتاب فِي كل حَدِيث حَتَّى يرجع إِلَيْهِ
قَالَ بَعضهم يُريدَان أَنَّهُمَا لم يتركا الصَّلَاة على النَّبِي ص = فِي كل حَدِيث سمعاه سَوَاء وَقعت الصَّلَاة فِي الرِّوَايَة أم لَا وَإِذا دعاهما الاستعجال إِلَى ترك كتَابَتهَا بيضًا لَهَا فِي الْكتاب ليتيسر لَهما كتَابَتهَا فِيمَا بعد
وَيحْتَمل أَن يكون إغفال أَحْمد بن حَنْبَل لَهُ للاستعجال إِمَّا لكَونه فِي حَال الرحلة أَو لنَحْو ذَلِك
وَالظَّاهِر مَا أَشَارَ إِلَيْهِ ابْن الصّلاح من أَنه كَانَ يرى التقيد بِمَا فِي الرِّوَايَة وَيُؤَيّد ذَلِك مَا ذكره فِي مَبْحَث صفة الرِّوَايَة حَيْثُ قَالَ ثَبت عَن عبد الله بِهِ أَحْمد بن حَنْبَل أَنه رأى أَبَاهُ إِذا كَانَ فِي الْكتاب عَن النَّبِي فَقَالَ الْمُحدث عَن رَسُول الله ضرب وَكتب عَن رَسُول الله
وَقَالَ الْخَطِيب أَبُو بكر هَذَا غير لَازم وَإِنَّمَا اسْتحبَّ أَحْمد اتِّبَاع الْمُحدث فِي لَفظه وَإِلَّا فمذهبه الترخيص فِي ذَلِك ثمَّ ذكر بِإِسْنَادِهِ عَن صَالح بن أَحْمد بن
стр. 724
حَنْبَل قَالَ قلت لأبي يكون فِي الحَدِيث قَالَ رَسُول الله فَيَجْعَلهُ الْإِنْسَان قَالَ النَّبِي فَقَالَ أَرْجُو أَن لَا يكون بِهِ بَأْس
وَذكر الْخَطِيب بِسَنَدِهِ عَن حَمَّاد بن سَلمَة أَنه كَانَ يحدث وَبَين يَدَيْهِ عَفَّان وبهز فَجعلَا يغيران النَّبِي إِلَى رَسُول الله فَقَالَ لَهما حَمَّاد أما أَنْتُمَا فَلَا تفقهان أبدا
وَمَال ابْن دَقِيق الْعِيد إِلَى مَا جرى عَلَيْهِ أَحْمد فَإِنَّهُ قَالَ فِي الاقتراح وَالَّذِي نَمِيل إِلَيْهِ أَن تتبع الْأُصُول وَالرِّوَايَات فَإِن الْعُمْدَة فِي هَذَا الْبَاب هُوَ أَن يكون الْإِخْبَار مطابقا لما فِي الْوَاقِع فَإِذا دلّ اللَّفْظ على أَن الرِّوَايَة هَكَذَا وَلم يكن الْأَمر كَذَلِك لم تكن الرِّوَايَة مُطَابقَة لما فِي الْوَاقِع وَلِهَذَا أَقُول إِذا ذكرت الصَّلَاة لفظا من غير أَن تكون فِي الأَصْل فَيَنْبَغِي أَن تصحبها قرينَة تدل على ذَلِك مثل كَونه يرفع رَأسه عَن النّظر فِي الْكتاب بعد أَن كَانَ يقْرَأ فِيهِ وَيَنْوِي بِقَلْبِه أَنه هُوَ الْمُصَلِّي لَا حاكيا عَن غَيره
وعَلى هَذَا فَمن كتبهَا وَلم تكن فِي الرِّوَايَة فَيَنْبَغِي لَهُ أَن يُنَبه على ذَلِك وَعَلِيهِ جرى الإِمَام الْحَافِظ شرف الدّين أَبُو الْحُسَيْن عَليّ بن مُحَمَّد اليونيني فِي نُسْخَة صَحِيح البُخَارِيّ الَّتِي جمع فِيهَا بَين الرِّوَايَات فَإِنَّهُ يُشِير بالرمز إِلَيْهَا إِثْبَاتًا ونفيا
وَيَنْبَغِي أَن يجْتَنب فِي أَمر الصَّلَاة وَالتَّسْلِيم شَيْئَيْنِ
أَحدهمَا أَن يجعلهما منقوصين فِي الْخط بِأَن يرمز إِلَيْهِمَا بحرفين أَو أَكثر نَحْو ص ل كَمَا يَفْعَله الْكسَائي من النساخ قَالَ بَعضهم وَقد وجد بِخَط الذَّهَبِيّ وَبَعض الْحفاظ كتابتهما هَكَذَا صلى الله علم
وَالْأولَى خِلَافه
وَقد وجدتهما بِخَطِّهِ كَمَا ذكر وَلم يكتبهما على أَصلهمَا فِي مَوضِع وَسبب ذَلِك فِيمَا يظْهر هُوَ الاستعجال والحرص على إِكْمَال مَا هُوَ بصدده
وَيُؤَيّد ذَلِك أَنه لم يكْتب عِنْد ذكر أحد من الصَّحَابَة ﵃ رَضِي الله
стр. 725
عَنهُ مَعَ أَنه من المعروفين بالحرص على ذَلِك
وَلَا يخفى أَن مثل هَذَا يُمكن تَدَارُكه فِيمَا بعد بِوَاسِطَة النَّاسِخ بِأَن يُقَال لَهُ اكْتُبْ عَلَيْهِ وَسلم على أَصلهمَا واكتب ﵁ عِنْد ذكر اسْم كل صَحَابِيّ فَإِن كَانَ ذَلِك من جِهَة الْمُؤلف لم يكن من قبيل التَّصَرُّف فِي الأَصْل أصلا
وَالثَّانِي أَن يجعلهما منقوصين فِي اللَّفْظ بِأَن يقْتَصر على أَحدهمَا كَأَن يَقُول صلى الله عَلَيْهِ أَو ﵇ فَإِن الْأَمر قد ورد بِالْأَمر بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيم مَعًا قَالَ الله ﴿إِن الله وَمَلَائِكَته يصلونَ على النَّبِي يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا صلوا عَلَيْهِ وسلموا تَسْلِيمًا﴾
وَقَالَ بعض الْعلمَاء إِنَّمَا تظهر الْكَرَاهَة فِيمَا إِذا اقْتصر الْمَرْء على أَحدهمَا دَائِما وَأما من كَانَ يَأْتِي بِالصَّلَاةِ تَارَة وبالتسليم تَارَة من غير إخلال بِوَاحِد مِنْهُمَا فَلَا تظهر الْكَرَاهَة فِيمَا أَتَى بِهِ وَلكنه خلاف الأولى إِذْ لَا يزاع فِي كَون الْجمع بَينهمَا مُسْتَحبا
وَيُؤَيّد ذَلِك وُقُوع الصَّلَاة مُفْردَة فِي رِسَالَة الإِمَام الشَّافِعِي وصحيح مُسلم والتنبيه لأبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ وَغير ذَلِك من كتب الْعلمَاء الْأَعْلَام
الْأَمر الثَّالِث يَنْبَغِي لطَالب الْعلم ضبط كِتَابه بالنقط والشكل ليؤديه كَمَا سَمعه فقد قيل إعجام الْمَكْتُوب يمْنَع من استعجامه وشكله يمْنَع من إشكاله
والإعجام هُوَ النقط تَقول أعجمت الْحَرْف إِذا أزلت عجمته وميزته عَن غَيره بالنقط
والاستعجام الاستغلاق يُقَال استعجم عَلَيْهِ الْكَلَام واستعلق واستبهم إِذا أريج عَلَيْهِ فَلم يقدر أَن يتَكَلَّم
والشكل هُوَ إِعْلَام الْحَرْف بالحركة تَقول شكلت الْكتاب شكلا إِذا أعلمته بعلامات الْإِعْرَاب
والإشكال الالتباس تَقول أشكل الْأَمر إِذا الْتبس
стр. 726
وَقد اتّفق الْعلمَاء على اسْتِحْسَان الضَّبْط إِلَّا أَنهم اخْتلفُوا فِي أَنه هَل يَنْبَغِي أَن يقْتَصر على ضبط الْمُشكل أَو يَنْبَغِي أَن يضْبط هُوَ وَغَيره
فَقَالَ بَعضهم إِنَّمَا يشكل مَا يشكل وَلَا حَاجَة إِلَى الشكل مَعَ عدم الْإِشْكَال قَالَ عَليّ بن إِبْرَاهِيم الْبَغْدَادِيّ فِي كتاب سمات الْخط ورقومه إِن أهل الْعلم يكْرهُونَ الإعجام وَالْإِعْرَاب إِلَّا فِي الملتبس
وَقَالَ بَعضهم يَنْبَغِي أَن يشكل مَا يشكل وَمَا لَا يشكل وَذَلِكَ لِأَن الْمُبْتَدِئ وَغير المتبحر فِي الْعلم لَا يُمَيّز مَا يشكل مِمَّا لَا يشكل على أَنه قد يظنّ أَن الشَّيْء غير مُشكل لوضوحه فِي بادئ الرَّأْي وَهُوَ عِنْد التَّأَمُّل وإمعان النّظر يكون مُشكلا وَكَثِيرًا مَا يتهاون الطَّالِب الواثق بمعرفته فَيتْرك الضَّبْط فِي بعض الْمَوَاضِع لاعْتِقَاده أَنَّهَا وَاضِحَة ثمَّ يَبْدُو لَهُ بعد حِين إِشْكَال فِيهَا فيندم على تفريطه
والتهاون وخيم الْعَاقِبَة وَالْإِنْسَان معرض للنسيان وَأول نَاس أول النَّاس فالاحتياط إِنَّمَا هُوَ فِي شكل مَا يشكل وَمَا لَا يشكل وَفِي ذَلِك عُمُوم النَّفْع لجَمِيع الطَّبَقَات
وَيَنْبَغِي للطَّالِب أَن لَا يغْفل عَن ضبط الْأَسْمَاء فقد قَالَ أَبُو إِسْحَاق إِبْرَاهِيم النجيرمي أولى الْأَشْيَاء بالضبط أَسمَاء الرِّجَال لِأَنَّهَا لَا يدخلهَا الْقيَاس وَلَا قبلهَا وَلَا بعْدهَا شَيْء يدل عَلَيْهَا
وَذكر أَبُو عَليّ الغساني أَن عبد الله بن إِدْرِيس قَالَ لما حَدثنِي شُعْبَة بِحَدِيث أبي الْحَوْرَاء السَّعْدِيّ عَن الْحسن بن عَليّ كتبت تَحْتَهُ ﴿وحور عين﴾ لِئَلَّا أغلط يَعْنِي فيقرأه أَبَا الجوزاء بِالْجِيم وَالزَّاي
стр. 727
وَيسْتَحب فِي الْأَلْفَاظ المشكلة أَن يُكَرر ضَبطهَا بِأَن يضبطها فِي متن الْكتاب ثمَّ يَكْتُبهَا قبالة ذَلِك فِي الْحَاشِيَة مُفْردَة مضبوطة فَإِن ذَلِك أبلغ فِي الْحَاشِيَة مُفْردَة مضبوطة فَإِن ذَلِك أبلغ فِي إبانتها وَأبْعد من التباسها لِأَن المضبوط فِي أثْنَاء الأسطر رُبمَا دَاخله نقط غَيره وشكله مِمَّا فَوْقه أَو تَحْتَهُ لَا سِيمَا عِنْد ضيقها ودقة الْخط وأوضح من ذَلِك أَن يقطع حُرُوف الْكَلِمَة المشكلة فِي الْهَامِش لِأَنَّهُ يظْهر شكل الْحَرْف بكتابته مُفردا وَذَلِكَ فِي بعض الْحُرُوف كالباء وَالْيَاء بِخِلَاف مَا إِذا كتبت الْكَلِمَة مجتمعة والحرف الْمَذْكُور فِي أَولهَا أَو وَسطهَا
قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد فِي الاقتراح وَمن عَادَة المتقنين أَن يبالغوا فِي إِيضَاح الْمُشكل فيفرقوا حُرُوف الْكَلِمَة فِي الْحَاشِيَة ويضبطوها حرفا حرفا فَلَا يبْقى بعده إِشْكَال
وَيَنْبَغِي التنبه لما يَقع من الضَّبْط نقطا أَو شكلا فِي خطّ الْعلمَاء الْأَعْلَام من جِهَة غَيرهم فَإِنَّهُ قد يخفى حَتَّى على الحذاق وَمن الْقَبِيح مَا يَفْعَله بَعضهم من ذَلِك قصدا لرفع نِسْبَة الْخَطَأ إِلَيْهِ فِيمَا وَقع مِنْهُ من قبل وأقبح من ذَلِك من يَفْعَله قصدا لنسبة الْخَطَأ إِلَيْهِم
الْأَمر الرَّابِع وكما يَنْبَغِي أَن تضبط الْحُرُوف الْمُعْجَمَة بالنقط يَنْبَغِي أَن نضبط الْحُرُوف الْمُهْملَة بعلامة تدل على عدم إعجامها
وسبيل النَّاس فِي ذَلِك مُخْتَلف فَمنهمْ من يقلب النقط فَيجْعَل النقط الَّتِي فَوق المعجمات تَحت مَا يشاكلها من المهملات فينقط تَحت الرَّاء وَالصَّاد والطاء وَالْعين وَنَحْوهَا من المهملات
وَقد اخْتلفُوا فِي كَيْفيَّة نقط السِّين الْمُهْملَة فَقَالَ بَعضهم يَنْبَغِي أَن تكون النقط الَّتِي تَحت السِّين الْمُهْملَة مبسوطة صفا وَالَّتِي فَوق الشين الْمُعْجَمَة كالأثافي هَكَذَا وَقَالَ بَعضهم يَنْبَغِي أَن تكون النقط الَّتِي تُوضَع تَحت السِّين على صُورَة النقط الَّتِي تُوضَع فَوق الشين وَالْأولَى أَن تكون مَقْلُوبَة هَكَذَا وَيسْتَثْنى من هَذَا
стр. 728
الْأَمر الْحَاء فَإِنَّهَا لَو نقطت من تَحت لالتبست بِالْجِيم
وَمن النَّاس من يَجْعَل عَلامَة الإهمال فَوق الْحُرُوف الْمُهْملَة كقلامة ظفر مضجعة على قفاها لتَكون فرجتها إِلَى فَوق
وَمِنْهُم من يَجْعَل عَلامَة الإهمال أَن يكْتب تَحت الْحَرْف المهمل مثله مُفردا فَيجْعَل تَحت الْحَاء الْمُهْملَة حاء مُهْملَة صَغِيرَة وَتَحْت الصَّاد صادا مُهْملَة صَغِيرَة وَكَذَا تَحت سَائِر الْحُرُوف الْمُهْملَة الملتبسة مثل ذَلِك فَهَذِهِ العلامات الثَّلَاثَة شائعة مَعْرُوفَة
وَهُنَاكَ من العلامات مَا هُوَ مَوْجُود فِي كثير من الْكتب الْقَدِيمَة وَلَا يفْطن لَهُ كَثِيرُونَ كعلامة من يَجْعَل فَوق الْحَرْف المهمل خطا صَغِيرا
قَالَ الْحَافِظ الْعِرَاقِيّ سَمِعت بعض أهل الحَدِيث يفتح الرَّاء من رضوَان فَقلت لَهُ فِي ذَلِك فَقَالَ لَيْسَ لَهُم رضوَان بِالْكَسْرِ فَقلت إِنَّمَا سمي بِالْمَصْدَرِ وَهُوَ بِالْكَسْرِ فَقَالَ وجدته بِخَط فلَان بِالْفَتْح وَسمي من لَا يحضرني ذكره الْآن
ثمَّ إِنِّي وجدت بعد ذَلِك فِي الْكتب الْقَدِيمَة هَذَا الِاسْم وفوقه فَتْحة فتأملت الْكتاب فَإِذا هُوَ يخط فَوق الْحَرْف المهمل خطا صَغِيرا فَعلمت أَنه عَلامَة الإهمال وَأَن الَّذِي قَالَه بِالْفَتْح من هَا هُنَا أُتِي
стр. 729
وَمن العلامات الَّتِي لم تشع عَلامَة من يَجْعَل تَحت الْحَرْف المهمل مثل النبرة والنبرة هِيَ كَمَا ذكر الْجَوْهَرِي وَابْن سَيّده الْهمزَة وَمِنْهُم من يَجْعَل ذَلِك فَوق الْحَرْف المهمل
وَمن النَّاس وهم الْأَكْثَر من يقْتَصر فِي بَيَان الْحُرُوف الْمُهْملَة على مَا هُوَ الأَصْل فِيهَا وَهُوَ إخلاؤها عَن الْعَلامَة
وَلَا يخفى أَن مخلفة مَا هُوَ الأَصْل لَا تنبغي إِلَّا إِذا دَعَا إِلَى ذَلِك دَاع وَهُوَ الْخَوْف من وُقُوع الِاشْتِبَاه فِي مَوضِع لَا يستبعد فِيهِ ذَلِك فَوضع عَلامَة الإهمال على مثل الرَّاء من رضوَان من قبيل وضع الشَّيْء فِي غير مَحَله
وَلم يتَعَرَّض أهل هَذَا الْفَنّ للكاف وَاللَّام وذكرهما المصنفون فِي الْخط فَقَالُوا إِ الْكَاف إِذا لم تكْتب مبسوطة يَجْعَل فِي وَسطهَا كَاف صَغِيرَة وَقد يختصرها بَعضهم حَتَّى تكون كالهمزة وَاللَّام يَجْعَل فِي وَسطهَا لَام أَي هَذِه الْكَلِمَة بِتَمَامِهَا لَا صُورَة ل
وَالْهَاء إِذا وَقعت فِي آخر الْكَلِمَة وَخيف اشتباهها بهاء التَّأْنِيث جعل فَوْقهَا هَاء مشقوقة
الْأَمر الْخَامِس قَالَ ابْن الصّلاح من شَأْن الحذاق المتقنين الْعِنَايَة بالتصحيح والتضبيب والتمريض
أما التَّصْحِيح فَهُوَ كِتَابَة صَحَّ على الْكَلَام أَو عِنْده وَلَا يفعل ذَلِك إِلَّا فِيمَا صَحَّ رِوَايَة وَمعنى غير أَنه عرضة للشَّكّ أَو للْخلاف فَيكْتب عَلَيْهِ صَحَّ ليعرف أَنه لم يغْفل عَنهُ وَأَنه قد ضبط وَصَحَّ على ذَلِك الْوَجْه
وَأما التضبيب وَيُسمى أَيْضا التمريض فَيجْعَل على مَا صَحَّ ورده كَذَلِك من جِهَة النَّقْل غير أَنه فَاسد لفظا أَو معنى أَو ضَعِيف أَو نَاقص مثل أَن يكون غير جَائِز من جِهَة الْعَرَبيَّة أَو يكون شاذا عِنْد أَهلهَا يأباه أَكْثَرهم أَو مُصحفا أَو ينقص
стр. 730
من جملَة الْكَلَام كلمة أَو أَكثر وَمَا أشبه ذَلِك
فيمد على مثل هَذَا خطّ أَوله مثل الصَّاد وَلَا يلزق بِالْكَلِمَةِ الْمعلم عَلَيْهَا كَيْلا يظنّ ضربا وَكَأَنَّهُ صَاد التَّصْحِيح بمدتها دون حائها كتبت كَذَلِك ليفرق بَين مَا صَحَّ مُطلقًا من جِهَة الرِّوَايَة وَغَيرهَا وَبَين مَا صَحَّ من جِهَة الرِّوَايَة دون غَيرهَا فَلم يكمل عَلَيْهِ التَّصْحِيح وَكتب حرف نَاقص على حرف نَاقص إشعارا بنقصه ومرضه مَعَ صِحَة نَقله وَرِوَايَته وتنبيها بذلك لمن ينظر فِي كِتَابه على أَنه قد وقف عَلَيْهِ وَنَقله على مَا هُوَ عَلَيْهِ وَلَعَلَّ غَيره قد يخرج لَهُ وَجها صَحِيحا أَو يظْهر لَهُ بعد ذَلِك فِي صِحَّته مَا لم يظْهر لَهُ الْآن
وَلَو غير ذَلِك وَأَصْلحهُ على مَا عِنْده لَكَانَ متعرضا لما وَقع فِيهِ غير وَاحِد من المتجاسرين الَّذين غيروا ثمَّ ظهر الصَّوَاب فِيمَا أنكروه وَالْفساد فِيمَا أصلحوه
وَأما تَسْمِيَة ذَلِك ضبة فقد بلغنَا عَن أبي الْقَاسِم إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد اللّغَوِيّ الْمَعْرُوف بِابْن الإفليلي أَن ذَلِك لكَون الْحَرْف مقفلا بهَا لَا يتَّجه لقِرَاءَة كَمَا أَن الضبة مقفل بهَا
قَالَ الْمُؤلف وَلِأَنَّهَا لما كَانَت على كَلَام فِيهِ خلل أشبهت الضبة الَّتِي تجْعَل على كسر أَو خلل فاستعير لَهَا اسْمهَا وَمثل ذَلِك غير مستنكر فِي بَاب الاستعارات
وَمن مَوَاضِع التضبيب أَن يَقع فِي الْإِسْنَاد إرْسَال أَو انْقِطَاع فَمن عَادَتهم تضبيب مَوضِع الْإِرْسَال والانقطاع وَذَلِكَ من قبيل مَا سبق ذكره من التضبيب على الْكَلَام النَّاقِص
وَيُوجد فِي بعض أصُول الحَدِيث الْقَدِيمَة فِي الْإِسْنَاد الَّذِي تَجْتَمِع فِيهِ جمَاعَة معطوفة أَسمَاؤُهُم بَعْضهَا على بعض عَلامَة تشبه الضبة فِيمَا بَين أسمائهم فيتوهم
стр. 731
من لَا خبْرَة لَهُ أَنَّهَا ضبة وَلَيْسَت بضبة وَكَأَنَّهَا عَلامَة وصل فِيمَا بَينهَا أَثْبَتَت تَأْكِيدًا للْعَطْف خوفًا أَن تجْعَل عَن مَكَان الْوَاو وَالْعلم عِنْد الله تَعَالَى
ثمَّ إِن بَعضهم رُبمَا اختصر عَلامَة التَّصْحِيح فَجَاءَت صُورَة تشبه صُورَة التضبيب والفطنة من خير مَا أوتيه الْإِنْسَان وَالله أعلم
وَقد اعْترض بَعضهم على مَا ذكره ابْن الصّلاح من أَن الضبة سميت بِهَذَا الِاسْم لِأَنَّهَا لما كَانَت على كَلَام فِيهِ خلل أشبهت الضبة الَّتِي تجْعَل على كسر أَو خلل فاستعير لَهَا اسْمهَا فَقَالَ هَذَا بعيد لِأَن ضبة الْقدح جعلت للجبر وَهَذِه لَيست جابرة وَإِنَّمَا هِيَ عَلامَة لكَون الرِّوَايَة هَكَذَا وَلم يتَّجه وَجههَا أَي عَلامَة لصِحَّة وُرُودهَا لِئَلَّا يظنّ الرَّائِي أَنَّهَا غلط فيصلحها وَقد يَأْتِي من بعد ذَلِك من يظْهر لَهُ وَجه ذَلِك وَقد غير بعض المتجاسرين مَا الصَّوَاب إبقاؤه
وَأجِيب عَن ذَلِك بِأَن وَجه الشّبَه بَينهمَا كَونهمَا مَوْضُوعَيْنِ على مَا فِيهِ خلل وَهَذَا كَاف فِي صِحَة التَّشْبِيه وَفِي صِحَة الِاسْتِعَارَة
على أَن فِي الْإِشَارَة إِلَى أَن فِي ذَلِك الْموضع خللا مَا نوعا من أَنْوَاع الْجَبْر وَإِن لم يكن خَبرا تَاما
وَقَالَ بعض الْعلمَاء التضبيب هُوَ كِتَابَة صُورَة ضَب فَوق مَا هُوَ ثَابت من جِهَة النَّقْل غير أَن فِيهِ خللا مَا
وَقد أشكل ذَلِك على بعض الباحثين فَقَالَ إِن الْمَعْرُوف أَن الضبة خطّ يكون أَوله مثل الصَّاد الْمُهْملَة وَهَذَا يَقْتَضِي أَن يكون أَوله مثل الضَّاد الْمُعْجَمَة وعَلى هَذَا يجب أَن تُوضَع نقطة فَوْقه أَوله وَلم تجر عَادَتهم بذلك
ويرتفع الْإِشْكَال إِذا علم أَن واضعي العلائم التزموا أَن يجردوها مَا لَهُ نقطة عَن نقطته اختصارا من جِهَة ودفعا للالتباس من جِهَة أُخْرَى أَلا ترى أَن النُّحَاة جعلُوا عَلامَة السّكُون الْخَاء الْمَأْخُوذَة من أول خَفِيف وَلما لم ينقطوها صَارَت هَكَذَا (ح) وعلامة الْحَرْف المشدد الشين الْمَأْخُوذَة من أول شَدِيد وَلما لم ينقطوها صَارَت
стр. 732
هَكَذَا (س) وعلامة الكسرة الْيَاء وَلما لم ينقطوها صَارَت هَكَذَا (ى)
غير أَن أَكثر العلائم يلْحقهَا فِيمَا بعد تغير حَتَّى إِنَّه رُبمَا بَعدت عَن أَصْلهَا بعدا شَدِيدا
وَقد أَشَارَ سِيبَوَيْهٍ إِلَى شَيْء من ذَلِك فِي بَاب الْوَقْف حَيْثُ قَالَ وَلِهَذَا عَلَامَات فللإشمام نقطة وللذي أجري مجْرى الْجَزْم والإسكان الْخَاء ولروم الْحَرَكَة خطّ بَين يَدي الْحَرْف وللتضعيف الشين
وَقَالَ بعض الْكتاب التَّصْحِيح هُوَ وضع صَحَّ فَوق مَا صَحَّ من جِهَة الرِّوَايَة وَغَيرهَا وَهُوَ عرضة للشَّكّ إِشَارَة إِلَى أَنه كَانَ شاكا فِيهِ فبحث عَنهُ إِلَى أَن صَحَّ فخشي أَن يعاوده الشَّك فكتبها ليزول عَنهُ الشَّك فِيمَا بعد
والتضبيب هُوَ وضع الضبة وَهِي بعض صَحَّ تكْتب على شَيْء فِيهِ شكّ ليبحث عَنهُ فَإِذا تبين لَهُ صِحَّته أتمهَا بِضَم الْحَاء إِلَيْهَا فَتَصِير صَحَّ وَلَو جعل لَهَا عَلامَة غَيرهَا لتكلف الكشط لَهَا
وَكتب صَحَّ مَكَانهَا
وَإِن وَقع فِي الرِّوَايَة خطأ مَحْض لَا شكّ فِيهِ فَيَنْبَغِي أَن يكْتب فَوْقه كَذَا بِخَط دَقِيق وَيبين الصَّوَاب فِي الْهَامِش
الْأَمر السَّادِس يَنْبَغِي الاعتناء بِأَمْر اللحق واللحق فِي اصْطِلَاح أهل الحَدِيث وَالْكِتَابَة مَا سقط من أصل الْكتاب فَألْحق بالحاشية
وَهُوَ بِفَتْح اللَّام والحاء وَيجوز بِسُكُون الْحَاء وَهُوَ فِي اللُّغَة الشَّيْء الرائد وكل شَيْء لحق شَيْئا
وَقد اسْتعْمل اللحق بِالْمَعْنَى الاصطلاحي بعض الشُّعَرَاء فَقَالَ كَأَنَّهُ بَين أسطر لحق
وَالْمُخْتَار فِي تَخْرِيج السَّاقِط فِي الْحَوَاشِي أَن يخط الْكَاتِب من مَوضِع سُقُوطه من السطر خطا صاعدا إِلَى فَوق ثمَّ يعطفه بَين السطرين عطفة يسيرَة إِلَى جِهَة الْحَاشِيَة الَّتِي يكْتب فِيهَا اللحق وَيبدأ فِي الْحَاشِيَة بكتبه اللحق مُقَابلا لِلْخَطِّ المنعطف وَليكن ذَلِك فِي الْحَاشِيَة ذَات الْيَمين وَإِن كَانَت تلِي وسط ورقة إِن اتسعت لَهُ فليكتبه صاعدا إِلَى أَعلَى الورقة لَا نازلا بِهِ إِلَى أَسْفَل
وَإِنَّمَا اختير كِتَابَة اللحق صاعدا إِلَى أَعلَى الورقة لِئَلَّا يخرج بعده نقص آخر فَلَا يجد مَا يُقَابله من الْحَاشِيَة فَارغًا لَهُ لَو كتب الأول نازلا إِلَى أَسْفَل وَإِذا كتب الأول صاعدا فَمَا يجد بعد ذَلِك من نقص يجد مَا يُقَابله من الْحَاشِيَة فَارغًا لَهُ
стр. 733
وَهَذَا إِن لم يزدْ اللحق على سطر فَإِن كَانَ اللحق سطرين أَو سطورا فَلَا يَبْتَدِئ بسطوره من أَسْفَل إِلَى أَعلَى بل يَبْتَدِئ بهَا من أَعلَى إِلَى أَسْفَل بِحَيْثُ يكون مُنْتَهَاهَا إِلَى جِهَة بَاطِن الورقة إِذا كَانَ التَّخْرِيج فِي جِهَة الْيَمين وَإِذا كَانَ فِي جِهَة الشمَال وَقع مُنْتَهَاهَا إِلَى جِهَة طرف الورقة
وَإِنَّمَا اختير تخرج اللحق فِي جِهَة الْيَمين لِأَنَّهُ لَو خرجه إِلَى جِهَة الشمَال فَرُبمَا ظهر بعده فِي السطر نَفسه نقص آخر فَإِن خرجه قدامه إِلَى جِهَة الشمَال أَيْضا وَقع بَين التخريجين إِشْكَال حَيْثُ يشْتَبه مَوضِع هَذَا السقط بِموضع ذَاك السقط وَإِن خرج الثَّانِي إِلَى جِهَة الْيَمين تقابلت عطفة التَّخْرِيج إِلَى جِهَة الشمَال وعطفة التَّخْرِيج إِلَى جِهَة الْيَمين وَرُبمَا تلاقتا فَأشبه ذَلِك الضَّرْب على مَا بَينهمَا بِخِلَاف مَا إِذا خرج الأول إِلَى جِهَة الْيَمين فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يخرج الثَّانِي إِلَى جِهَة الشمَال فَلَا يَلْتَقِيَانِ
وَلَا يلْزم إِشْكَال إِلَّا أَن يتَأَخَّر النَّقْص إِلَى آخر السطر فَلَا وَجه حِينَئِذٍ إِلَّا تَخْرِيجه إِلَى جِهَة الشمَال لقرب التَّخْرِيج من اللحق وَسُرْعَة لحاق النَّاظر بِهِ وللأمن من نقص يحدث بعده
نعم إِن ضَاقَ مَا بعد آخر السطر لقرب الْكِتَابَة من طرف الْوَرق لضيقه أَو لضيقه بالتجليد بِأَن يكون السقط فِي الصَّحِيفَة الْيُمْنَى فَلَا بَأْس حِينَئِذٍ بالتخريج إِلَى جِهَة الْيَمين وَقد وَقع ذَلِك فِي خطّ غير وَاحِد من أهل الْعلم
وَيَنْبَغِي أَن يكْتب عِنْد انْتِهَاء اللحق صَحَّ وَمِنْهُم من يكْتب مَعَ صَحَّ رَجَعَ وَمِنْهُم من يكْتب انْتهى اللحق
وَمِنْهُم من يكْتب فِي آخر اللحق الْكَلِمَة الْمُتَّصِلَة بِهِ دَاخل الْكتاب فِي مَوضِع التَّخْرِيج ليؤذن باتصال الْكَلَام
وَهَذَا اخْتِيَار بعض أهل الصَّنْعَة من أهل الْمغرب وَاخْتِيَار القَاضِي أبي مُحَمَّد بن خَلاد صَاحب كتاب الْفَاصِل بَين الرَّاوِي والواعي من أهل الْمشرق مَعَ طَائِفَة وَلَيْسَ ذَلِك بمرضى إِذْ قد يَقع فِي الْكَلَام مَا هُوَ مُكَرر مرَّتَيْنِ فَأكْثر لِمَعْنى صَحِيح فَإِذا كررت الْكَلِمَة لم يُؤمن أَن توَافق مَا يتَكَرَّر حَقِيقَة أَو يشكل
стр. 734
أمرهَا فَيحصل بذلك ارتياب وَزِيَادَة إِشْكَال فَالْأولى الِاقْتِصَار على كِتَابَة صَحَّ
وَذكر بعض أَرْبَاب النكت أَن كلمة صَحَّ قد يَنْتَظِم بهَا الْكَلَام بعْدهَا فيظن أَنَّهَا من أصل الْكتاب
وَأجِيب بِأَن هَذَا نَادِر بِالنِّسْبَةِ لما قبله على أَن الحذاق من الكتبة يكتبونها صَغِيرَة وَبَعْضهمْ يَكْتُبهَا بمداد أَحْمَر وَبَعْضهمْ لَا يتم كِتَابَة الْحَاء مِنْهَا
وَقَالَ بَعضهم الْأَحْسَن الرَّمْز لذَلِك بِشَيْء لَا يقْرَأ وَيحصل ذَلِك بطمس صَاد صَحَّ وَعدم تَعْرِيف حائها
وَاخْتَارَ ابْن خَلاد أَيْضا فِي عطفه خطّ التَّخْرِيج أَن تمد حَتَّى تلْحق بِأول اللحق فِي الْحَاشِيَة
وَهَذَا غير مرضِي لِأَن فِيهِ تسويدا للْكتاب لَا سِيمَا عِنْد كَثْرَة الإلحاقات مَعَ عدم الِاضْطِرَار لذَلِك فَإِن العطفة الْيَسِيرَة إِلَى جِهَة الْحَاشِيَة الَّتِي يكْتب فِيهَا اللحق كَافِيَة فِي رفع اللّبْس وَإِن كَانَ فِيمَا ذهب إِلَيْهِ من مدها إِلَى أول اللحق زِيَادَة فِي رَفعه
قَالَ الْعِرَاقِيّ فَإِن لم يكن اللحق قبالة مَوضِع السُّقُوط بِأَن لَا يكون مَا يُقَابله خَالِيا وَكتب اللحق بِموضع آخر فَيتَعَيَّن حِينَئِذٍ جر الْخط إِلَى أول اللحق أَو يكْتب قبالته يتلوه كَذَا وَكَذَا فِي الْموضع الْفُلَانِيّ وَنَحْو ذَلِك لزوَال اللّبْس
وَقد رَأَيْت فِي خطّ غير وَاحِد مِمَّن يعْتَمد عَلَيْهِ اتِّصَال الْخط إِذا بعد اللحق عَن مُقَابل مَوضِع النَّقْص وَهُوَ حِينَئِذٍ حسن وَالْأَصْل فِي التَّخْرِيج قَول زيد بن ثَابت فِي نزُول قَوْله تَعَالَى ﴿غير أولي الضَّرَر﴾ بعد نزُول ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ من الْمُؤمنِينَ﴾ كَمَا فِي سنَن أبي دَاوُد فَأَلْحَقْتهَا وَالَّذِي نَفسِي بِيَدِهِ ولكأني أنظر إِلَى مُلْحَقهَا عِنْد صدع فِي كتف
وَأما مَا يكْتب فِي حَاشِيَة الْكتاب من غير أصل الْكتاب فِي شرح أَو تَنْبِيه
стр. 735
على غلط أَو اخْتِلَاف رِوَايَة أَو نُسْخَة أَو نَحْو ذَلِك فَقَالَ بَعضهم إِنَّه لَا يَنْبَغِي أَن يخرج لَهُ لِئَلَّا يدْخل اللّبْس ويحسب من الأَصْل وَإنَّهُ لَا يخرج إِلَّا لما هُوَ من نفس الأَصْل لَكِن يَجْعَل على ذَلِك الْحَرْف الْمَقْصُود عَلامَة كالضبة والتصحيح لتدل عَلَيْهِ
وَاعْترض عَلَيْهِ بِأَن كلا من الضبة والتصحيح اصْطلحَ بِهِ لغير ذَلِك فخوف اللّبْس أَيْضا حَاصِل بل هُوَ فِيهِ أقرب
وَقَالَ بَعضهم يَنْبَغِي أَن يخرج لَهُ لَكِن على نفس الْكَلِمَة الَّتِي من أجلهَا كتبت الْحَاشِيَة لَا بَين الْكَلِمَتَيْنِ
قَالَ ابْن الصّلاح التَّخْرِيج أولى وأدل وَفِي نفس هَذَا الْمخْرج مَا يمْنَع الالتباس
ثمَّ هَذَا التَّخْرِيج يُخَالف التَّخْرِيج لما هُوَ من نفس الأَصْل فِي أَن خطّ ذَاك الخريج يَقع بَين الْكَلِمَتَيْنِ بَينهمَا سقط السَّاقِط وَخط هَذَا التَّخْرِيج يَقع على نفس الْكَلِمَة الَّتِي من أجلهَا خرج الْمخْرج فِي الْحَاشِيَة وَالله أعلم
وَقد جرت عَادَة كثير من الْكتاب أَن يشيروا إِلَى الْحَاشِيَة بِالْحَاء الْمُهْملَة مُفْردَة وَقد يمدونها وَقد يَكْتُبُونَ لفظ حَاشِيَة بِدُونِ نقط
وَإِلَى النُّسْخَة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة مُفْردَة ويلتزمون نقطها لِئَلَّا تشتبه بالحاشية وَقد يَكْتُبُونَ لفظ نُسْخَة وَالْأَكْثَر كتَابَتهَا على صُورَة غير وَاضِحَة مَعَ عدم النقط لتَكون كالرمز
وَيَنْبَغِي أَن يُلَاحظ فِي الْحَوَاشِي عدم كتَابَتهَا بَين السطور لَا سِيمَا إِن كَانَت ضيقَة وَترك شَيْء من جَوَانِب الورقة وَنَحْو ذَلِك وَقَالَ بعض الشُّعَرَاء فِي الْحَث على اقتناء الْكتب الجيدة الْخط والضبط
(خير مَا يقتني اللبيب كتاب ... مُحكم النَّقْل متقن التَّقْيِيد)
(خطه عَارِف نبيل وعاناه ... فصح التبييض بالتسويد)
(لم يخفه إتقان نقط وشكل ... لَا وَلَا عابه لحاق الْمَزِيد)
(فَكَأَن التَّخْرِيج فِي طرتيه ... طرر صففت ببيض الخدود)
стр. 736
القَوْل الثَّامِن قَول من أجَاز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى للصحابة وَالتَّابِعِينَ فَقَط وَمنع من ذَلِك غَيرهم
قَالَ لِأَن الحَدِيث إِذا قَيده الْإِسْنَاد وَجب أَن لَا يخْتَلف لَفظه فيدخله الْكَذِب وَذَلِكَ لِأَن الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى لَا سِيمَا إِن تعدد الراوون بهَا توجب رِوَايَة الحَدِيث على وُجُوه شَتَّى مُخْتَلفَة فِي اللَّفْظ وَالِاخْتِلَاف فِي اللَّفْظ كثيرا مَا يُوجب الِاخْتِلَاف فِي الْمَعْنى وَإِن كَانَ يَسِيرا بِحَيْثُ لَا يشْعر بِهِ إِلَّا قَلِيل من أهل الْفضل والنبل وَالِاخْتِلَاف فِي الْمَعْنى يدل على أَن ذَلِك الحَدِيث لم يرو كَمَا يَنْبَغِي بل وَقع خطأ فِي بعض رواياته أَو فِي جَمِيعهَا فَيكون فِيهَا مَا لم يقلهُ النَّبِي ص =
وَهَذَا الْمَحْذُور إِنَّمَا يظْهر بعد تدوين الحَدِيث وتقييده بِالْإِسْنَادِ فَإِذا منع أَتبَاع التَّابِعين فَمن بعدهمْ من الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى لم يظْهر ذَلِك الْمَحْذُور هَذَا فحوى كَلَامه
هَذَا وَقد كَانَ التابعون فريقين فريق يُورد الْأَحَادِيث بألفاظها وفريق يوردها بمعانيها رُوِيَ عَن ابْن عون أَنه قَالَ كَانَ الْحسن وَإِبْرَاهِيم وَالشعْبِيّ يأْتونَ بِالْحَدِيثِ على الْمعَانِي وَكَانَ الْقَاسِم بن مُحَمَّد وَابْن سِيرِين ورجاء بن حَيْوَة يعيدون الحَدِيث على حُرُوفه
وَرُوِيَ عَن سُفْيَان أَنه قَالَ كَانَ عَمْرو بن دِينَار يحدث الحَدِيث على الْمَعْنى وَكَانَ إِبْرَاهِيم بن ميسرَة لَا يحدث إِلَّا على مَا سمع
وَهنا تمت الْأَقْوَال الثَّمَانِية الَّتِي قيلت فِي أَمر الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى
وَقد ذكر بَعضهم قولا تاسعا وَهُوَ قَول من قَالَ تجوز الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى إِن كَانَ مُوجب الحَدِيث علما فَإِن كَانَ مُوجبه عملا لم تجز فِي بعض كَحَدِيث أبي دَاوُد وَغَيره مِفْتَاح الصَّلَاة الطّهُور وتحليلها التَّسْلِيم
وَحَدِيث الصَّحِيحَيْنِ خمس من الدَّوَابّ كُلهنَّ فواسق يقتلن فِي الْحل وَالْحرم الْغُرَاب والحدأة وَالْعَقْرَب والفأرة وَالْكَلب الْعَقُور
وَتجوز فِي بعض وَقد أشكل هَذَا القَوْل على كثير من الباحثين وَذَلِكَ لِأَن مُوجب الحَدِيث كَانَ علما يجب الِاحْتِيَاط فِيهِ كثيرا لِأَن الرِّوَايَة بِالْمَعْنَى كثيرا مَا لَا تكون وافية
стр. 737
(فيناجيك شخصه من قريب ... وينايك نَصه من بعيد)
(فاصحبنه تَجدهُ خير جليس ... واختبره تَجدهُ أنس الفريد)
وَقَالَ بَعضهم فِي الْحَث على نسخ الْكتب النافعة
(فَوَائِد نسخ الْكتب شَتَّى كَثِيرَة ... وكل على نهج السداد يُعينهُ)
(فَلَو لم يكن مِنْهَا سوى ترك غيبَة ... وصحبة من يردي الْفَتى ويشينه)
(لَكَانَ جَدِيرًا باللبيب الْتِزَامه ... وَإِن سئمت فِي الطرس مِنْهُ يَمِينه)
(وَمِنْهَا اكْتِسَاب الْقُوت من وَجه حلّه ... وغنيته عَن ذِي نوال يمونه)
(وَمِنْهَا اكْتِسَاب الْعلم وَهُوَ أجلهَا ... وَعلم الْفَتى يسمو بِهِ ويزينه)
(وَمِنْهَا بَقَاء الذّكر بعد وَفَاته ... إِذا نسياه إلفه وقرينه)
(وَهَذَا إِذا مَا كَانَ فِي الْخَيْر خطه ... وَإِلَّا فَفِي يَوْم الْمعَاد يخونه)
الْأَمر السَّابِع إِذا وَقع فِي الْكتاب مَا لَيْسَ مِنْهُ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي أَن ينفى عَنهُ ذَلِك إِمَّا بِالضَّرْبِ عَلَيْهِ والحك لَهُ أَو المحو وَالضَّرْب خير من الحك والمحو
قَالَ ابْن خَلاد قَالَ أَصْحَابنَا الحك تُهْمَة وَقَالَ غَيره كَانَ الشُّيُوخ يكْرهُونَ حُضُور السكين مجْلِس السماع حَتَّى لَا يبشر شَيْء لِأَن مَا يبشر مِنْهُ رُبمَا يَصح فِي رِوَايَة أُخْرَى وَقد يسمع الْكتاب مرّة أُخْرَى على شيخ آخر يكون مَا بشر وحك من رِوَايَة هَذَا صَحِيحا فِي رِوَايَة الآخر فَيحْتَاج إِلَى إِلْحَاقه بعد أَن بشر وحك وَهُوَ إِذا خطّ عَلَيْهِ من رِوَايَة الأول وَصَحَّ عِنْد الآخر اكْتفى بعلامة الآخر عَلَيْهِ بِصِحَّتِهِ
وَقَالَ بعض الْعلمَاء إِن تحقق كَون غَلطا سبق إِلَيْهِ الْقَلَم فالكشط أولى لِئَلَّا يتَوَهَّم بِالضَّرْبِ أَن لَهُ أصلا وَإِلَّا فَلَا على أَن الكشط فِيهِ مزِيد تَعب مَعَ إِضَاعَة الْوَقْت وَرُبمَا أفسد الورقة وَمَا تنفذ إِلَيْهِ وَكثير من الْوَرق يُفْسِدهُ الكشط
стр. 738
والكشط مَأْخُوذ من قَوْلهم كشط الْبَعِير إِذا نزع جلده وَلَا يُقَال فِيهِ سلخ وَإِنَّمَا يُقَال ذَلِك فِي الشَّاة تَقول سلخ الشَّاة إِذا نزع جلدهَا
ومرادهم بالكشط هُنَا الحك والبشر والبشر مَأْخُوذ من قَوْلهم بشرت الْأَدِيم إِذا قشرت وَجهه
وَالْأَكْثَر من الِاسْتِعْمَال لفظ الحك لإشعاره بالرفق بالقرطاس وَقد وَقع الكشط فِي قَول الشَّاعِر فِي ذمّ كَاتب
(حذقك فِي الكشط دَلِيل على ... أَنَّك فِي الْخط كثير الْغَلَط)
وَأما المحو فَإِنَّهُ يسود غَالِبا القرطاس وَهُوَ لَا يُمكن إِلَّا إِذا كَانَت الْكِتَابَة فِي لوح أَو رق أَو ورق صقيل جدا وَكَانَ الْمَكْتُوب فِي حَال الطراوة
وتتنوع طرق المحو فَتَارَة يكون بالإصبع وَتارَة يكون بخرقه
وَمن أغربها مَعَ أَنه أسلمها مَا رُوِيَ عَن سَحْنُون بن سعد أحد الْأَئِمَّة من فُقَهَاء الْمَالِكِيَّة أَنه كَانَ رُبمَا كتب الشَّيْء ثمَّ لعقه
وَهَذَا يُومِئ إِلَى مَا رُوِيَ عَن إِبْرَاهِيم النَّخعِيّ أَنه كَانَ يَقُول من الْمُرُوءَة أَن يرى فِي ثوب الرجل وشفتيه مداد
وَذكر عَن أبي إِسْحَاق الشِّيرَازِيّ أَن ثِيَابه كَانَت كَأَنَّمَا أمْطرت مدادا وَكَانَ لَا يأنف من ذَلِك
وَذكر عَن عبيد الله بن سُلَيْمَان أَنه رأى على ثَوْبه أثر صفرَة فَأخذ من مداد الدواة وطلاه بِهِ ثمَّ قَالَ المداد بِنَا أحسن من الزَّعْفَرَان وَأنْشد
(إِنَّمَا الزَّعْفَرَان عطر العذارى ... ومداد الدوي عطر الرِّجَال)
ويحكى عَن بعض الْفُضَلَاء أَنه كَانَ يَأْكُل طَعَاما فَوَقع مِنْهُ على ثَوْبه فَكَسَاهُ حبرًا وَقَالَ هَذَا أثر علم وَذَاكَ أثر شَره
وللأديب أبي الْحسن الفنجكردي
стр. 739
(مداد الْفَقِيه على ثَوْبه ... أحب إِلَيْنَا من الغالية)
(وَمن طلب الْفِقْه ثمَّ الحَدِيث ... فَإِن لَهُ همة عالية)
(وَلَو تشتري النَّاس هذي الْعُلُوم ... بأرواحهم لم تكن غَالِيَة)
(رُوَاة الْأَحَادِيث فِي عصرنا ... نُجُوم وَفِي الأعصر الخالية)
وَأما الضَّرْب فَلَا مَحْذُور فِيهِ وَهُوَ عَلامَة بَيِّنَة فِي إِلْغَاء الْمَضْرُوب عَلَيْهِ مَعَ السَّلامَة من التُّهْمَة لِإِمْكَان قِرَاءَته بعد الضَّرْب وَلذَلِك قَالُوا أَجود الضَّرْب أَن لَا يطمس الْمَضْرُوب عَلَيْهِ بل يخط من فَوْقه خطا جيدا بَينا يدل على إِبْطَاله وَيقْرَأ من تَحْتَهُ مَا خطّ عَلَيْهِ
وَقد اخْتلفُوا فِي الضَّرْب على خَمْسَة أَقْوَال
القَوْل الأول أَن يخط فَوق الْمَضْرُوب عَلَيْهِ خطا مختلطا بالكلمات الْمَضْرُوب عَلَيْهَا وَيُسمى هَذَا الضَّرْب عِنْد أهل الْمشرق والشق عِنْد أهل الْمغرب
وَمِثَال ذَلِك على هَذَا القَوْل
القَوْل الثَّانِي أَن يخط فَوق الْمَضْرُوب عَلَيْهِ خطا لَا يكون مختلطا بالكلمات الْمَضْرُوب عَلَيْهَا بل يكون فَوْقهَا مُنْفَصِلا عَنْهَا لكنه يعْطف طرفِي الْخط على أول الْمَضْرُوب عَلَيْهِ وَآخره بِحَيْثُ يكون كالباء المقلوبة
وَمِثَال ذَلِك على هَذَا القَوْل
القَوْل الثَّالِث أَن يكْتب فِي أول الزَّائِد لَا وَفِي آخِره إِلَى
وَقد يكْتب عوضا من لفظ لَا لفظ من أَو لفظ زَائِد وَقد يقْتَصر بَعضهم على الزَّاي مِنْهَا
قَالَ بعض الْعلمَاء وَمثل هَذَا يحسن فِيمَا صَحَّ فِي رِوَايَة وَسقط فِي رِوَايَة أُخْرَى
وَقد يُضَاف إِلَيْهِ الرَّمْز لمن أثْبته أَو لمن نَفَاهُ من الروَاة
وَقد يقْتَصر على الرَّمْز لَكِن حَيْثُ يكون الزَّائِد كلمة أَو نَحْوهَا
стр. 740
القَوْل الرَّابِع أَن يحوق على أول الْكَلَام الْمَضْرُوب عَلَيْهِ بِنصْف دَائِرَة كالهلال وَكَذَلِكَ على آخِره (وَمِثَال ذَلِك على هَذَا القَوْل)
القَوْل الْخَامِس أَن تكْتب أول الزِّيَادَة دَائِرَة صَغِيرَة وَكَذَلِكَ فِي آخرهَا وَقد سَمَّاهَا واضعها صفرا لخلو مَا أُشير إِلَيْهِ بهَا من الصِّحَّة كَمَا سَمَّاهَا الْحساب بذلك لخلو موضعهَا من الْعدَد وَمِثَال ذَلِك على هَذَا القَوْل ثمَّ إِذا أُشير إِلَى الزَّائِد بِنصْف دَائِرَة أَو بصفر فَلْيَكُن ذَلِك فِي كل جَانب فِي أصل الْكتاب فَإِن ضَاقَ الْمحل فلتجعل فِي الْأَعْلَى مِثَال ذَلِك فِي نصف الدائرة مِثَال ذَلِك فِي الصفر
وَإِذا كثرت سطور الزَّائِد فلك على هَذِه القوال الثَّلَاثَة الْأَخِيرَة أَن تكَرر عَلامَة الْإِبْطَال بِأَن تضعها فِي أول كل سطر وَآخره لما فِي ذَلِك من زِيَادَة الْبَيَان وَلَك أَن لَا تكررها بِأَن تكتفي بوضعها فِي أول الزَّائِد وَآخره
وَقد اخْتلفُوا فِي الضَّرْب على الْحَرْف المكرر
فَقَالَ بَعضهم أولاهما بالإبطال الثَّانِي لِأَن الأول كتب على الصَّوَاب وَالثَّانِي كتب على الْخَطَأ وَالْخَطَأ أولى بالإبطال
وَقَالَ بَعضهم أولاهما بالإبقاء أجودهما صُورَة وأدلهما على قِرَاءَته
وَفصل بَعضهم تَفْصِيلًا حسنا فَقَالَ إِن تكَرر الْحَرْف فِي أول السطر فَيَنْبَغِي أَن يضْرب على الثَّانِي صِيَانة لأوّل السطر عَن التسويد والتشويه وَإِن تكَرر فِي آخر السطر فَيَنْبَغِي أَن يضْرب على أَولهمَا صِيَانة لآخر السطر عَن ذَلِك فَإِن أَوَائِل السطور وأواخرها أولى بالصيانة عَن ذَلِك فَإِن اتّفق أَن يكون أَحدهمَا فِي آخر السطر وَالْآخر فِي أول السطر الآخر فَيَنْبَغِي أَن يضْرب على الَّذِي يكون فِي آخر السطر فَإِن أول السطر أولى بالمراعاة
فَإِن كَانَ التكرر فِي الْمُضَاف أَو فِي الْمُضَاف إِلَيْهِ أَو فِي الصّفة أَو فِي الْمَوْصُوف أَو نَحْو ذَلِك لم يراع حِينَئِذٍ أول السطر وَآخره بل يُرَاعى الِاتِّصَال بَين الْمُضَاف والمضاف إِلَيْهِ وَنَحْوهمَا فِي الْخط فَلَا يفصل بِالضَّرْبِ بَينهمَا وَيضْرب على الْحَرْف المتطرف من المتكرر دون الْمُتَوَسّط
وَإِذا وَقع فِي الْكتاب تَقْدِيم وَتَأْخِير فَيَنْبَغِي أَن
следующие страницы →