المباركة على لسانِك في كلِّ أحوالك، واحذرْ أن تَنْبِسَ (١) بها بشفتيك، وقلبُك مِن الاعتراف بها خالٍ، فإنَّ حقيقةَ الصدق أنْ يُواطِئ القلبُ ما يجري به اللسان.
стр. 37
السِّمةُ التاسعة
الإقبالُ على اللهِ بُمداومةِ الذِّكر
إنَّ استدامةَ ذكرِ الله واستغفارِه والثناءِ عليه مشهدٌ من مشاهد عكوفِ القلب وصحته وصفائه وبلوغه معالي الدرجات الإيمانية ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: ٢٨].
إنَّ ذكر الله تعالى يَعمُرُ القلب ويملؤه نورًا وسرورًا، بل إنَّ القلبَ بفقده يكون في ظلامٍ وظُلمة؛ لأنَّ «في القلبِ خلة وفاقة لا يسدها شيء البَتَّة إلا ذكر الله ، فإذا صار شعار القلب، بحيث يكون هو الذاكر بطريق الأصالة واللسان تبع له، فهذا هو الذِّكر الذي يسد الخلة ويفني الفاقة، فيكون صاحبه غنيًّا بلا مال، عزيزًا بلا عشيرة، مهيبًا بلا سلطان، فإذا كان غافلًا عنْ ذِكر الله فهو
стр. 38
بضد ذلك، فقير مع كثرة جِدَتِه، ذليل مع سلطانه، حقير مع كثرة عشيرته» (١).
وقلبُ المؤمن لا يسكنُ ولا يلتذ ولا يجد للحياة مذاقًا وأُنسًا إلا بذكر الله، ولقد وصف الله أهل الإيمان وأولي الألباب بأنهم: ﴿يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [آل عمران:١٩١].
فهذا هِجِّيراهُم: اللهج بذكر الله وهم قيام، واللهج بذكره وهم قعود، واللهج بذكره وهم على فرشهم وعلى جنوبهم، تعلقت قلوبهم بالله فاستداموا الذكر في جميع الأحوال.
يا الله، كم هي لفتة قرآنية مؤثرة!! ﴿وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾؛ فهم مِن شدة تعلقهم بالله يذكرونه في هذه الحال التي هي مَظِنَّة شرود أو غفلة أو نَصَب، لكنْ هؤلاء قومٌ وصل بهم التعلق الشديد بالله سبحانه ألَّا ينسوه في هذه الحال التي يستحكم فيها الذهول غالبًا.
стр. 39
إنه قلب رسخ فيه الإيمان واستمكن، فأحدث ذلك أثرًا في اللسان بحركة دائبة في الذِّكر، حين القيام، والاضطجاع، والقعود، وحين الدخول والخروج، وحين الأكل والشرب، وحين اليقظة وعند النوم، وفي الحضر والسفر، وفي الليل والنهار، فهو دائم الافتقار إلى الله والتعلق به لا يغفل ساعة ولا أدنى من ذلك، فإنْ غفل أو توانى وَجَدَ ثقلًا في النفس، وشعورًا بالنقص لا يَسدُّه إلا مراجعة المسار، وعود القلب إلى مَعينِه ونَعيمِه، ومِنْ ثَمَّ تسطع أنواره، وتتهلل سبحات وجهه.
قال النبي ﷺ : «يَا أَيُّهَا النَّاسُ تُوبُوا إِلَى اللهِ، فَإِنِّي أَتُوبُ فِي الْيَوْمِ إِلَيْهِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (١)، وفي رواية: «إِنَّهُ لَيُغَانُ (٢) عَلَى قَلْبِي، وَإِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ
стр. 40
اللهَ، فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرَّةٍ» (١).
وقال ﷺ : «وَالله إِنِّي لَأَسْتَغْفِرُ الله وَأَتُوبُ إِلَيْهِ فِي اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّةً» (٢).
وعن علي بن أبي طالب ﵁ أَنَّ فَاطِمَةَ ? أَتَتِ النَّبِيَّ ﷺ تَسْأَلُهُ خَادِمًا، فَقَالَ: «أَلَا أُخْبِرُكِ مَا هُوَ خَيْرٌ لَكِ مِنْهُ؟ تُسَبِّحِينَ الله عِنْدَ مَنَامِكِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتَحْمَدِينَ الله ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَتُكَبِّرِينَ الله أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ»، قَالَ عَلِيٌّ: «مَا تَرَكْتُهُ مُنْذُ سَمِعْتُهُ مِنَ النَّبِيِّ ﷺ ، قِيلَ لَهُ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ؟ قَالَ: وَلَا لَيْلَةَ صِفِّينَ» (٣).
وعن أبي هريرة ﵁، قال: «إِنِّي لَأُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ مَرَّةً أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ، قَدْرَ دِيَتِي» (٤).
وذكر الحافظ عبد الغني في «الكمال» في ترجمة أبي الدرداء ﵁، أنه كان يُسبح في اليوم مائة ألف تسبيحة (٥).
стр. 41
إنَّ الله لم يأمرْ أهل الإيمان بالذِّكر فحسب، بل أمرهم بالإكثارِ منه، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: ٤١، ٤٢]، وقال : ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الجمعة: ١٠]، وأبان النَّبيُّ ﷺ أنَّ المكثرين مِن ذِكرِ الله هم أسبق الناس إلى الأجور، فقال ﷺ : «سَبَقَ الْمُفَرِّدُونَ» قَالُوا: وَمَا الْمُفَرِّدُونَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «الذَّاكِرُونَ اللهَ كَثِيرًا، وَالذَّاكِرَاتُ» (١)، والمُفرِّدُون جمع: مُفرِّد، والمراد به المنفرد والمنقطع إلى الله بقلبه ولسانه لكثرة ذكره.
ولجلالة منزلة الذِّكر وعظيم أثره، كان روحَ الأعمال وأكبرها كما قال تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَصْنَعُونَ﴾ [العنكبوت: ٤٥] (٢).
ولا شيء يُذَلِّل اللسانَ ويُرطبه، ويَصقل الإيمان ويَرفعه؛ كذكر الله ، ولا سِيما مَن حَافَظَ على أورادٍ مِن الأذكار يَعْمُر بها اللحظات، ويُحيي بها القلب، وقد توارد الصالحون وتوافقوا على
стр. 42
أنَّ ذلك هو سلاح المؤمن الذي يَخرق حُجُب الغفلة، ويفتح أقفال القلب في كل عصر، فكيف بعصرٍ تشابكت فيه عاديات الزمان وصوراف الأيام؟!.
تلوحُ في ليالي العشر -عبر نسمات الأسحار، وعبق الاستغفار- فرصةٌ ثمينةٌ لإصلاحِ القلب: حيث الصَّفاء والسَّكينة ولحظات التنزل الإلهي.
إنَّ هذا الصفاء كما يُجدد الإيمان، فإنَّه يُجددُ البراءةَ مِن النفاق، فأهلُ النِّفاق هم أكثر الناس غفلةً وأقلهم ذِكرًا لله، ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ١٤٢] والواجبُ على المؤمن أنْ يخالفَ المنافقين بكثرةِ ذكر الله، قال أبو هريرة ﵁: «مَن أكثر مِن ذكر الله؛ بَرِئ من النِّفَاق» (١).
فرطِّبْ لسانَك -أيها المُبارك- بذكر الله، فلا شيء أصلح للقلب من ذلك، ولا شيء يُثقِّل الميزان يوم القيامة كالذِّكر.
стр. 43
السِّمةُ العاشرة
الإقبالُ على اللهِ بكثرةِ الدُّعاء
إنَّ مِن أَجَلِّ العبادات التي يظهر فيها ذُلُّ العبد بين يدي ربِّه: الدعاء، قال الله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ [الأعراف: ٥٥]، وقال: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء:٩٠].
إنَّ عبادةَ الدعاء في العشرِ الأخير مِن رمضان حينما يكون العبد عاكفًا، لها مذاق يعرفه المتضرعون المنكسرون بين يدي الله، الباكُون المتباكون، حيث يستشعرون القرب مِن مولاهم والوعد بالإجابة، ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: ١٨٦]،
стр. 44
وفي مجيء هذه الآية الكريمة في سياق الصيام مُتَخَلِّلة بينه وبين ذكر الاعتكاف، لفتة عظيمة إلى بيان منزلة عبادة الدعاء حينما يكون العبد صائمًا عاكفًا.
إنها عبادة تتألق في هذه الليالي التي ينكسر فيها العبد، فيَرِقُّ القلب، وتَرِفُّ الروح، فتجف الشهوات وتنكسر النفس، ويكون ذلك تأهيلًا للعبد لأن يكون مُستجيبًا لله، ﴿ ... فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾ فيستجيب الله له، فإجابة الدعاء تقترن دائمًا بانكسار القلب وضعف النفس وتَحَرُّرِها من ضغوط الشهوات، وهذا لا يتوافر في حال مِن أحوال الإنسان بقدر توافره في حال الصيام والاعتكاف (١).
وهذا الموطن كبقية المواطن التي يُستحبُ فيها استكانة العبد وانكساره بين يدي ربه، أخرج الطبراني مِن حديث ابن عباس ? قال: «رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَدْعُو بِعَرَفَةَ، وَيَدَاهُ إِلَى صَدْرِهِ كَاسْتِطْعَامِ الْمِسْكِينِ» (٢).
стр. 45
وقد كان بعض الصالحين يجلس بالليل ساكنًا مُطرِقًا برأسِه، يَمُدُّ يديه كحالِ السائل، وهذه من أكمل هيئات الذل والسكينة، والافتقار إلى الله.
وافتقار القلب في الدعاء، وانكساره لله ، واستشعاره شدة الفاقة إليه والحاجة لديه مظنة إجابة، وعلى قدر هذه الحرقة والفاقة تكون الإجابة.
جاء في «جامع الترمذي» وغيره عن النبي ﷺ قال: «إِنَّ الله لَا يَسْتَجِيبُ دُعَاءً مِنْ قَلْبٍ غَافِلٍ لَاهٍ» (١).
ومِن جميلِ أحوال الدعاء: إظهار الذُّل باللسان في نفس السؤال مع الإلحاح فيه، قال الأوزاعي ﵀: «يُقَالُ أَفْضَلُ الدُّعَاءِ الْإِلْحَاحُ عَلَى الله وَالتَّضَرُّعُ إِلَيْهِ» (٢).
стр. 46
وعند الطبراني بسندٍ فيه اختلاف عن ابن عباس ﵄ أنَّ النبي ﷺ دعا يوم عرفة فقال: «اللَّهُمَّ إِنَّكَ تَسْمَعُ كَلَامِي، وَتَرَى مَكَانِي، وَتَعْلَمُ سِرِّي وَعَلَانِيَتِي، لَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِي، أَنَا الْبَائِسُ الْفَقِيرُ الْمُسْتَغِيثُ الْمُسْتَجِيرُ الْوَجِلُ الْمُشْفِقُ الْمُقِرُّ الْمُعْتَرِفُ بِذَنْبِهِ، أَسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ الْمِسْكِينِ، وَأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ ابْتِهَالَ الْمُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الْخَائِفِ الضَّرِيرِ، مَنْ خَشَعَتْ لَكَ رَقَبَتُهُ، وَفَاضَتْ لَكَ عَيْنَاهُ، وَذَلَّ لَكَ جَسَدُهُ وَرَغِمَ أَنْفُهُ لَكَ، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي بِدُعَائِكَ شَقِيًّا، وَكُنْ بِي رَءُوفًا رَحِيمًا، يَا خَيْرَ الْمَسْئُولِينَ وَيَا خَيْرَ الْمُعْطِينَ» (١).
إذنْ فالدعاءُ هو لُب التَّعبد، وخالص العِبادة؛ لما ينطوي عليه مِن الافتقار التام لله، والذُّل بين يديه، وهو أنفع عبوديات القلب وأكثرها تأثيرًا فيه، ولا سيما إذا حضر قلب الداعي، واستحضر معاني ما يدعو به، فإذا كانت تلك الدعوات والابتهالات مما أخبر الله به مِن أدعيةِ صفوةِ خلقه كانت أنجع شيءٍ للقلب؛ لما تشتمل عليه مِن مجامع الدعاء، وصدق التذلل، واستحضار معاني
стр. 47
الربوبية؛ ولهذا كان الأنبياء يُصدِّرون أدعيتَهم بقولهِم: «ربَّنا».
وأكثر أدعية القرآن كذلك، تأتي مُصدَّرة بالتوسل إلى الله بربوبيته، والدَّاعي حينما يدعو الله مُتوسلًا بربوبيته يَحسن له استحضار معنى تربية الله العامة، وهي: الخلق والتدبير، ومعنى التربية الخاصة، وهي: ولايته لخيار خلقه، ولطفه بهم وإصلاحه لدينهم ودنياهم، وذلك لإقبالهم على ربهم، وضراعتهم بين يديه.
ويُستحبُّ له أنْ يدعو بأدعيةِ الأنبياء؛ فإنها أدعيةٌ جامعةٌ، ويَحْسنُ بالداعي أنْ يدعو بدعاء الراسخين في العلم؛ لأنه سبحانه حينما أثنى عليهم ذكر دعوتهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨]. فتوسلوا إلى الله بربوبيته أنْ يمنحَهم استقامة القلوب وثباتها على مراضي الله، وحفظها مِن الزيغ، والنكوص عن الهداية (١).
стр. 48
السِّمة الحادية عشرة
الإخباتُ والخشوع (١)
إنَّ الله مدحَ في كتابِه المُخبتين له، والمنكسرين لعظمته، والخاضعين لكبريائه، فقال سبحانه: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الحج: ٣٤، ٣٥]، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: ٩٠].
وقال تعالى: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ إلى أنْ قال: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٣٥].
ووصفَ المؤمنين بالخشوع له في أشرف عباداتهم التي هم عليها
стр. 49
يحافظون، فقال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١ - ٢].
وأثنى على أهل الخشية المشفقين من عذاب الله فقال : ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٧]، وقال ﷻ : ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: ٤٩].
إِذَا مَا اللَّيْلُ أَظْلَمَ كَابَدُوهُ ... فَيُسْفِرُ عَنْهُمُ وَهُمُ رُكُوعُ
أَطَارَ الْخَوْفُ نَوْمَهُمْ وَقَامُوا ... وَأَهْلُ الأَمْنِ فِي الدُّنْيَا هُجُوعُ
•••
وَمَا فُرْشُهُمْ إِلا أَيَامِنُ أُزْرِهِمْ ... وَمَا وُسْدُهُمْ إِلا مُلاءٌ وَأَذْرُعُ
وَمَا لَيْلُهُمْ فِيهِنَّ إِلا تَحَوُّبٌ ... وَمَا نَوْمُهُمْ إِلا عِشَاشٌ مُرَوَّعُ
وَأَلْوَانُهُمْ صُفْرٌ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ ... عَلَيْهَا جِسَادٌ هِيَّ بِالْوَرْسِ مُشْبَعُ
وأصلُ الخشوع: لين القلب ورقته وسكونه وخضوعه، فإذا خشع القلب تبعه خشوع جميع الجوارح والأعضاء؛ لأنها تابعة له، كما قال ﷺ : «أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً، إِذَا صَلَحَتْ، صَلَحَ
стр. 50
الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ، فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ» (١).
فإذا خشعَ القلبُ خشعَ السمع والبصر والوجه وسائر الأعضاء، وما ينشأ منها حتى الكلام، ولهذا كان النبي ﷺ يقول في ركوعه في الصلاة: «خَشَعَ لَكَ سَمْعِي، وَبَصَرِي، وَمُخِّي، وَعَظْمِي، وَعَصَبِي» (٢).
ورأى بعض السلف رجلًا يعبث بيده في الصلاة، فقال: «لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا؛ لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ» (٣).
وقد وصف الله تعالى في كتابه الكريم الأرض بالخشوع فقال: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ [فُصِّلَت: ٣٩]، فاهتزازها ورُبُوُّها -وهو ارتفاعها- مزيل لخشوعها، فدلَّ عَلَى أنَّ الخشوعَ الَّذِي كانت عليه هو سكونها
стр. 51
وانخفاضُها، فكذلك القلب إذا خشع فإنه تسكن خواطره وإراداته الرديئة، التي تنشأ من اتباع الهوى فينكسر ويخضع لله .
فيزول بذلك ما كان فيه من البَأْو (١) والترفع والتكبر والتعاظم، ومتى حصل ذلك في القلب خشعت الأعضاء والجوارح والحركات كلها حتى الصوت، وقد وصف الله تعالى الأصوات بالخشوع في قوله: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا﴾ [طه: ١٠٨]، وخشوع الأصوات هو سكونها وانخفاضها بعد ارتفاعها.
وينبغي أنْ يكونَ الخشوعُ حقيقةً لا تكلفًا، ومتى تكلَّف الإنسان تعاطِيَ الخشوع في جوارحه وأطرافه -مع فراغ قلبه مِن الخشوع وخُلوِّه منه- كان ذلك خشوعَ نفاقٍ، وهو الَّذِي كان السلف يستعيذون منه كما قال بعضهم: «اسْتَعِيذُوا بِاللهِ مِنْ خُشُوعِ النِّفَاقِ. قَالُوا: وَمَا خُشُوعُ النِّفَاقِ؟ قَالَ: أَنْ تَرَى الْجَسَدَ
стр. 52
خَاشِعًا وَالْقَلْبُ لَيْسَ بِخَاشِعٍ» (١).
والخشوعُ الحق هو ما أحدثَ أثرًا وتأثيرًا، ورقة في القلب، كما ذكر الله في وصف العُلَمَاء مِن أهلِ الكتاب قبلنا، فقال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الإسراء: ١٠٧ - ١٠٩].
وهذه الآيات تضمنت امتداح مَن أوجبَ لهم سماعُ آيات الله تأثرًا وخشوعًا وبكاءً، وبالضد من ذلك توعد سبحانه قساة القلوب، فقال : ﴿فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٢) اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ
стр. 53
يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَر: ٢٢ - ٢٣]، ولين القلوب هو زوال قسوتها لحدوث الخشوع فيها والرقة.
وقد عاتب الله مَن لا يخشع قلبه لسماع كتابه، فقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ﴾ [الحديد: ١٦].
قال ابن مسعود ﵁: «مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبَنَا اللهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ» (١)، وفي رواية: «فَأَقْبَلَ بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ: أَيُّ شَيْءٍ أَحْدَثْنَا؟! أَيُّ شَيْءٍ صَنَعْنَا؟!» (٢) أي: جعل يُعَاتِب بَعضُهُم بعضًا.
أَمَّا عظمة القرآن وسطوة أثره على نفوس المؤمنين الخاشعين فشيءٌ قد شهد به السلفُ (، قال أبو عمران الجوني ﵀: «والله لقد صَرَّفَ إلينا ربُّنا في هذا القرآن ما لو صَرَّفه إِلَى
стр. 54
الجبال لمحاها وحناها» (١).
وكان مالك بن دينار ﵀ يقرأ هذه الآية ثم يقول: «أُقْسِمُ لَكُمْ لَا يُؤْمِنُ عَبْدٌ بِهَذَا الْقُرْآنِ إِلَّا صُدِعَ قَلْبُهُ» (٢).
ورُوي عن الحسن ﵀ أنه قال: «يا ابن آدم إذا وسوس لك الشيطان بخطيئة، أو حَدَّثْت بها نفسَك، فاذكر عند ذلك ما حمَّلك الله من كتابه، مما لو حَمَلَته الجبال الرواسي لخشعت وتصدعت، أما سمعته يقول: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الحشر: ٢١]» (٣).
والله سبحانه إنَّما ضرب لك الأمثال لتتفكر فيها، وتعتبر بها وتزدجر عن معاصيه ، وأنت يا ابن آدم أحق أنْ تخشعَ لذكرِ
стр. 55
الله، وما حمَّلك مِن كتابِه وآتاك مِن حكمة؛ لأنَّ عليك الحساب ولك الجنَّة أو النار.
وقد كان النبيُّ ﷺ يستعيذُ باللهِ مِن قلبٍ لا يخشع، كما في حديث زيد بن أرقم ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: «اللهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا» (١).
ولذلك شرع الله تعالى لعبادِه مِن أنواع العبادات ما يَظهر فيه خشوع الأبدان، الناشئ عن خشوعِ القلب وذله وانكساره، ومن أعظم ما يظهر فيه خشوع الأبدان لله تعالى مِن العبادات الصلاة، وقد مدح الله تعالى الخاشعين فيها بقوله : ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [المؤمنون: ١، ٢].
ومِن مواضع الخشوع: السجود، وهو أعظم ما يَظهر فيه ذُلُّ العبد لربِّه ، حيث يجعل العبد أشرف ما له مِن الأعضاء، وأعزها
стр. 56
عليه وأعلاها أوضع ما يمكنه، فيضعه في التراب مُتَعَفِّرًا، ويتبع ذلك انكسار القلب وتواضعه وخشوعه لله .
ولهذا كان جزاء المؤمن إذا فعل ذلك أن يُقربه الله إِلَيْهِ، قال الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، وقال ﷺ : «أَقْرَبُ مَا يَكُونُ الْعَبْدُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ» (١).
والسجود كان مما يأنف منه المشركون المستكبرون عن عِبادةِ الله ، وكان بعضُهم يقول: أكره أنْ أسجدَ فتعلوني استي، وكان بعضُهم يأخذُ كفًّا مِن حصى، فيرفعه إلى وجهه، ويكتفي بذلك عنْ السجود (٢).
وإبليسُ إِنَّمَا طردَه الله لما استكبرَ عن السجود لِمَنْ أمره الله بالسجودِ له؛ ولهذا يبكي إذا سجدَ المؤمن ويقول: أُمِرَ ابن آدم
стр. 57
بالسجود ففعل فله الجنة، وأُمرتُ بالسجود فعصيتُ فلي النار (١).
ومِن تمامِ خشوع العبد لله وتواضعه له في ركوعِه وسجوده، أنه إذا ذَلَّ لربِّه بالركوع والسجود وصفَ رَبَّه حينئذ بصفات العِزِّ والكبرياء والعظمة والعلو، فكأنه يقول: الذلُّ والتواضع وصفي، والعلو والعظمة والكبرياء وصفك، فلهذا شُرع للعبد في ركوعِه أنْ يقول: سبحان ربي العظيم، وفي سجودِه: سبحان ربي الأعلى.
فمتى امتلأَ قلبُ العبدِ خشوعًا وإخباتًا، وخضوعًا وانكسارًا، وصلَ إلى لُبِّ العبادة، وحقق مقصودها، ونالَ غايتها.
стр. 58
وختامًا:
فهذه إحدى عشرة سِمة، مِن خلالها يتوصل المُوفق إلى روح الاعتكاف ولُبِّه ومقصودِه، وهذه الغاية ليستْ في الاعتكافِ فحسب، بل في العباداتِ أجمع.
وهبني الله وإياك دوام الصدق، وامتنَّ عليَّ وعليك بلزوم الافتقار إليه، والانكسار بين يديه، ووفقنا لدوامِ عُكوفِ القلوبِ والإقبالِ عليه، نعوذُ باللهِ مِن الذلِّ إلا له، ومِن الانكسارِ إلا بين يديه، ومِن الالتجاءِ إلا إليه، ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هود: ٨٨].
د/ عبدالرحمن بن عبدالعزيز العقل
بريدة - القصيم
٥/ ٩/١٤٣٥ هـ
للتواصل:
جوال: ٠٥٠٤٨٨٣٩٨٨ - ٠٥٩١١٠٠١١٣ - ٠٥٣٥٦٠٠٠١٣
بريد إلكتروني:al.agal@hotmail.comal_khaleefa@hotmail.com