ومغيب: مصدر ميمي من غاب في الشيء غِيابة وغُيوبة وغِيابا وغيبوبة: بطن فيه واستتر، والكمرة: الحشفة من حد موضع الختان لرأس الذكر، والفرج من الإنسان: عورته، وأنزل: أمنى، والإحصان في الأصل من حصن بمعنى منع، ومنه الحصن والتحصن، والمحصنة تطلق على المتزوجة، وعلى الحرة، وعلى العفيفة، والإحصان في الاصطلاح: معنى يجب به على المتصف به إذا زنى حد الرجم، والحد: العقوبة المفروضة التي تمنع المذنب من المعاودة، وتطهره من الذنب، وتردع غيره عنه، والعهر - بفتح العين -: البغاء، والمبت: اسم فاعل من أبت المتعدي لغة في بت: المطلق ثلاثا.
أشار بقوله: والمني ماء دافق ... البيت، إلى أن المني هو الماء الأبيض الخاثر الذي يأتي بتدفق عند اللذة الكبرى، التي يعقبها الفتور والاسترخاء، قوله: وريحه كالطلع، أشار به إلى أن من مميزات المني أن له رائحة كرائحة الطلع الذي تقدم بيانه.
وأشار بقوله: وماء مرأة رقيق أصفر، إلى أن ماء المرأة يختلف عن ماء الرجل في قوامه فهو رقيق، وفي لونه فهو أصفر، وقد جاء وصفه بذلك في حديث أم سليم - رضي الله تعالى عنها - في الاحتلام، ومذي المرأة: بلة تعلو فرجها، ونقل في التهذيب عن إمام الحرمين أن المذي أكثر في النساء.
قوله: وهو للاغتسال ذو إلزام ... البيت، يعني به أن خروج المني موجب للاغتسال إذا كان بلذة معتادة، سواء كان خروجه في يقظة أو نوم، فإن خرج بلا لذة كمن لدغته عقرب فأمنى فالمشهور أنه لا يجب عليه غسل ولا وضوء، كمن خرجت منه حصاة، وإن خرج بلذة غير معتادة للإمناء كحك جرب فالمشهور أيضا أنه لا يجب عليه غسل، ولكن يجب عليه الوضوء، وقيل لا وضوء عليه.
стр. 37
ولا فرق في المحتلم الذي وجد ماء بين من يتذكر القصة ومن لا يتذكرها، وأما إذا لم يجد ماء فلا غسل عليه، تذكر القصة أو لا، ولا فرق في هذا بين الرجل والمرأة، لحديث أم سليم - رضي الله تعالى عنها - قالت: يا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟
قال:" نعم إذا رأت الماء " ثم قال: " ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر " (١)
ومن رأى في ثوبه منيا ولم يدر متى أصابه اغتسل وأعاد من آخر نومة نامها فيه، وقيل من أول نومة نامها فيه، وقد نقل القرافي - رحمه الله تعالى - الإجماع على وجوب الغسل عليه، وروى أبو داود والترمذي أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - سئل عن الرجل يجد البلل ولم يذكر احتلاما، فقال: " يغتسل " وعن الرجل يرى أنه قد احتلم ولا يجد البلل، قال: " لا غسل عليه " (٢) ووجه المشهور من أنه يعيد من آخر نومة، طرح الشك عملا بالاستصحاب، والفرق بين الوضوء والغسل في ذلك أن موجبه أظهر، فخفاؤه في غاية الندور، واحتج مالك في الموطإ بما روى عن عمر - رضي الله تعالى عنه - أنه خرج إلى أرضه بالجُرُف وهو أمير المؤمنين، فنظر فإذا هو احتلم وصلى ولم يغتسل، فقال: والله ما أراني إلا احتلمت وما شَعَرْت، وصليت وما اغتسلت، فاغتسل وغسل ما رأى في ثوبه ونضح ما لم ير وصلى بعد أن طلعت الشمس.
ووجه مقابله الاحتياط، وأن الذمة عامرة بيقين، فلا تبرأ إلا بيقين والمشهور الأول والله أعلم.
стр. 38
هذا ولا يشترط في اللذة أن تكون مقارنة لخروج الماء، فإذا لاعب زوجته والتذ ثم خرج منه مني بعد ذلك ببعض من الوقت لأجل تلك الملاعبة، وجب عليه الغسل على المشهور، لأنه تبين بذلك أن المني انفصل عن مقره بالملاعبة، لكن اختلف هل يعتبر جنبا منذ وقت الملاعبة، فيعيد ما كان صلاه بعد الملاعبة و قبل الإنزال، أو لا يكون جنبا إلا بالإنزال، فلا يعيد ذلك، فيه روايتان، ورجح الثانية ابن المواز - رحمه الله تعالى - محتجا بأنه إنما صار جنبا بخروج المني، قال الباجي - رحمه الله تعالى ـ: وهو أظهر بدليل أنه لو اغتسل قبل خروج الماء لم يجزه نقله في المواهب.
ويكفي في خروج مني المرأة وصوله إلى محل تراه فيه إن جلست جِلستها للبول، وإنما اشترط خروجه لحديث أم سليم - رضي الله تعالى عنها - المتقدم، وذلك أنه إذا اشترطت رؤيتها إياه في الاحتلام فأولى أن يشترط في اليقظة، وإذا اشترط في حق المرأة فأولى أن يشترط في حق الرجل فأمره أظهر، هذا مع عموم مفهوم قوله - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " إنما الماء من الماء " (١) فهو - وإن خرج من مفهومه الجماع بحديث " إذا مس الختان الختان فقد وجب الغسل " (٢) بألفاظه المختلفة - يبقى معتبرا في ما سوى ذلك من الفتور ونحوه، والله أعلم.
стр. 39
قوله: ويجب الغسل كذاك بانقطاع حيض، وبالنفاس أيضا، أشار به إلى أن الغسل واجب أيضا من انقطاع دم الحيض، وكذلك دم النفاس، ووقع للشيخ هنا ذكر الاستحاضة، وحمله سيدي زروق - رحمه الله تعالى - على المستحاضة التي تميز إذا انقطع تمييزها، واستدل لذلك بمآ سيأتي له في باب جامع من الاقتصار في إيجاب الغسل على الجنابة والحيض والنفاس، وقد تقدم أن المشهور أن الاستحاضة لا يجب بها غسل، ولكن يستحب لانقطاعها، وإنما لم يجب بها غسل عند مالك - رحمه الله تعالى - لحديث فاطمة بنت أبي حبيش - رضي الله تعالى عنها - حيث قالت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم - إني لا أطهر، أفأدع الصلاة؟ فقال لها رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " إنما ذلك عرق وليست بالحيضة، فإذا أقبلت الحيضة فاتركي الصلاة فإذا ذهب قدرها فاغسلي الدم عنك وصلي (١) " قال مالك - رحمه الله تعالى -: الأمر عندنا في المستحاضة على حديث هشام بن عروة عن أبيه وهو أحب ما سمعت إلي في ذلك.
ووجوب الغسل من الحيض والنفاس مجمع عليه بين أهل العلم مع ظاهر الآية، وظواهر الأخبار.
واختلف في النفاس دون دم هل يجب به غسل أو لا؟ الأول رواه أشهب، وقال ابن رشد: مراده دون دم كثير، إذ خروجه بلا دم محال عادة، والثاني للخمي ونصه: وقال مالك - رحمه الله تعالى - في العتبية في التي تلد ولا ترى دما: تغتسل أو في ذلك شك؟ لا يأتي الغسل إلا بخير.
وهذا استحسان لأن اغتسال النفساء لم يكن لأجل خروج الولد، وإنما كان للطهر من الحيض، ولو نوت الاغتسال لخروج الولد دون الطهر من الحيض ما أجزأها ذلك.
стр. 40
وأشار بقوله: والجماع وهو مغيب كمرة في الفرج، إلى أن الغسل يجب بمغيب الحشفة من بالغ في فرج، ويجب أيضأ على المولج فيه إن كان بالغا، قال ابن شعبان - رحمه الله تعالى ـ: جاءت السنة بوجوب الغسل إذا التقى الختانان، وذلك إذا غابت الحشفة وإن لم ينزلا جميعا، إذا كانا بالغين مسلمين، كان ذلك في قبل أو دبر، نائمين أو مستيقظين، طائعين أو مكرهين، أو رجلين أو رجلا ومن قعد عن المحيض من النساء، أو كان ذلك الفعل في ميتة أو فرج بهيمة، أو امرأة استعملت ذلك من ذكر بهيمة، ثم قال: المرأتان يفعلان ما يفعل شرار النساء يغتسلان بالإنزال لا بالفعل، ويؤدبان أدبا بليغا يبلغ مائة سوط، وهو أدنى الحدين، وقيل مائة سوط غيرَ سوط، كي لا يبلغ بهما الحد في ما لم يأت فيه أثر مرفوع، وقد كان مالك - رحمه الله تعالى - يأمر بالأدب المجاوز للحد في ما لا يوجب الحد، كي يتناهى عن مواقعة حدود الله ، نقله في المواهب.
وحكيت عن مالك - رحمه الله تعالى - رواية بعدم إيجاب الغسل من مغيب الحشفة في الدبر، ولا يشترط في تغييب الحشفة أن يكون مع انتشار على ظاهر ما نقله في النوادر عن ابن شعبان في امرأة العنين، وقال الشيخ: أعرف فيه اختلافا، ولا بد من تغييب جميع الكمرة، لقوله - صلى الله تعالى عليه وسلم ـ: " وجاوز الختان الختان (١) " فتغييب بعضها لغو، واختلف في تغييبها ملفوفة هل يوجب الغسل؟ ثالثها إن كان الحائل رقيقا، وجعله ابن العربي الأشبه، كما في مختصر ابن عرفة - رحمهم الله تعالى جميعا - قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى -: قال بعض الشيوخ: وهذا إذا غابت في المنكح لا في المبال، وقال ابن العربي - رحمه الله تعالى -أرانا فلان من شيوخه فرج المرأة بأن عقد خمسا وثلاثين، وأشار بأن المعتبر الوسط لا الدائرة، فانظر ذلك.
стр. 41
قوله: لا بقيد أن يكون منه أنزلا، يعني به أن الجماع يوجب الغسل وإن لم يقع فيه إنزال، وقد وقع التصريح بذلك في بعض روايات حديث إيجاب الغسل بالجماع (١) وهو صريح حديث الغسل من الجماع مع الإعياء. (٢)
стр. 42
قوله: وذا هو الذي به الزوجان ... إلخ، أشار به إلى أن الجماع الذي هو تغييب الحشفة سبب لأحكام أخرى غير وجوب الغسل، منها وصف الإحصان، فمن حصل منه ذلك على وجه مباح في نكاح صحيح، وهو حر مسلم صار محصنا، بمعنى أنه إذا زنى يرجم، وقد يتحصن أحد الزوجين دون صاحبه لاستكماله الشروط، ككون أحدهما حرا دون الآخر، وككونها كتابية، ومنها وجوب حد الفاحشة بنوعيها الزنى واللواط، ومنها استحقاق الصداق أو نصفه الثاني، واختلف هل يقع ذلك بجماعها في دبرها، ومنها حلية المبتوتة للذي كان قد طلقها ثلاثا إذآ طلقت لحديث الصحيح " حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته " (١)
стр. 43
ويفسد به الحج والعمرة والصوم، وقد ذكر القرافي في الذخيرة نحوا من ستين حكما، ونصه: يوجب التقاء الختانين نحو ستين حكما وهي تحريم الصلاة، والطواف، وسجود القرآن، وسجود السهو، ومس المصحف، وحمله، وقراءة القرآن، والإقامة في المسجد، ويفسد الصوم، ويوجب فسق متعمده، والكفارة كذلك، والتعزير عليه، وفساد الاعتكاف، والتعزير عليه، وفسق متعمده إذا تكرر، أو وقع في المسجد، وفساد الحج والعمرة، وفسق متعمده، والتعزير عليه، والهدي، وأما المضي في الفاسد فمسبب عن الإحرام، وتحليل المبتوتة، وتقرير المهر المسمى في الصحيح، والمثل في الفاسد ووطء الشبهة والتفويض، والعدة، والاستبراء في المملوكة قبل الملك وبعده، والمستكرهة، والجلد والتعزير في الزنى أو الرجم، والتفسيق، وتحريم المظاهرة في الحلال والحرام، ولحوق الولد في الحلال والإماء المشتركات، ووطء الشبهات، وجعل الأمة فراشا، وإزالة ولاية الإجبار عن الكبيرة، وتحصين الزوجين، والفيئة في الإيلاء، والعود في الظهار على الخلاف، وتحريم أم الزوجة وجداتها، وبنت الزوجة وبناتها وبنات أبنائها، وفسق المتعمد لارتكاب الممنوع من ذلك، وتحريم الجمع بين الأختين في الإماء، وتفسيق فاعله، وتحريم وطء الزوج في استبراء وطء الشبهة، والتعزير لمن فعل، وكل موضع حرم على الرجل المباشرة حرم على المرأة التمكين إذا علمت بالتحريم أو ظنته ظنا معتبرا، نقله أبو الحسن في الشفاء.
قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى - وأنهاها بعضهم لزائد على المائة، ونقل المواق عن المتيطي أنه قال: مغيب الحشفة يوجب نيفا على مائتي حكم، والله أعلم.
стр. 44
هذا وبعض هذه الأمور يكون تغييب الحشفة سببا له مطلقا، وبعضها لا يكون سببا له إلا إذا كان على صفات معينة، فمنها ما يشترط فيه كونه في القبل خاصة، كفيئة المولي وتحليل المبتوتة، ومنها ما يشترط فيه الانتشار، ومنها ما يشترط فيه كونه مباحا، ومنها ما يشترط فيه كونه في نكاح خاصة، ومنها ما يشترط فيه العلم، كالمبتوتة لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم: " حتى يذوق عُسَيْلَتَكِ وتذوقي عسيلته " على ما ياتي بيانه ـ إن شاء الله إلى غير ذلك، وسيأتي ذكر كثير من ذلك - إن شاء الله في موضعه، والحمد لله رب العالمين.
стр. 45
فصل في الحيض والنفاس
الفصل لغة: الحاجز بين الشيئين، واصطلاحا: اسم لطائفة من مسائل الباب يجمعها معنى مشترك بينها، تختص به عن بقية مسائله، والحيض قال المطرزي: حاضت المرأة حيضا ومحيضا: خرج الدم من رحمها، وهي حائض وحائضة، وهن حوائض وحُيَّض، وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم ": لا يقبل الله تعالى صلاة حائض إلا بخمار (١) " أراد البالغة مبلغ النساء، واستُحِيضت - بضم التاء - وتَحَيَّضتْ: قعدت وفعلت ما تفعل الحُيض، ومنه " تَحَيَّضي في علم الله تعالى ستا أو سبعا (٢) " استمر بها الدم، ويقال للخرقة: حِيضَة، ومنه قول عائشة - رضي الله تعالى عنها -: ليتني كنتُ حِيضة مُلقاة، والحَيضة - بفتح الحاء -: المرة، وهي الدفعة الواحدة من دفعات دم الحيض، وعند الفقهاء: اسم للأيام المعتادة، إلى أن قال: والحِيضة - بالكسر -: الحالة من تجنب الصلاة والصوم ونحوه، ومنه " ليست حِيضتكِ في يدك " (٣) وقيل في قوله : (ويسألونك عن المحيض (هو موضع الحيض وهو الفرج، وقيل هو مصدر وهو الصحيح، نقله أبو الحسن في الشفاء.
стр. 46
قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -: ودرجات الحيض في قوامه ولونه ونحوهما ستة، أوله أسود غليظ منتن، ثم يصير أحمر، ثم صفرة كماء العصفر، ثم كدرة كغسالة اللحم، ثم ترية، وهي أفتح منها، ثم قصة، وكلها علامة للحيض، فيجب فيها ما يجب فيه، إلا الأخير فإنه علامة الطهر، انتهى
والترية كقضية.
وأما النفاس فقال في التنبيه: النفاس- بالكسر -: ولادة المرأة إذا وضعت، يقال: نَفِسَت المرأة -بفتح النون وكسر الفاء -ونُفِسَت المرأة غلاما على ما لم يسم فاعله، والولد منفوس، وهي نُفْساء -بضم النون وإسكان الفاء - عن اللحياني في نوادره، ونِسوة نُفاس، قال الجوهري: وليس في كلام العرب فُعَلاء يجمع على فعال غير نفساء، وناقة عشراء، ويجمع أيضا على نُفَساوات وعُشَراوات، وامرأتان نُفساوان أبدلوا من همزة التأنيث واوا، نقله أبو الحسن في الشفاء.
٥٦ - بقَصَّةٍ وبالجفوف الحُيَضُ ... تطهر، والقصة ماء أبيض
٥٧ - أما الجفوف فخُلُوُّ ذا المكان ... عما من الدم به من قبلُ كان
٥٨ - والحيض قد تعْروه طورا صفرة ... وربما شابته أيضا كدرة
٥٩ - ومن تحض يوما ونحوا وانقطع ... فاغتسلت وبعد ذلك رجع
٦٠ - فلتجلسنْ وذاك حيض اتحد ... من حيث الاستبرا ومن حيث العِدد
٦١ - ما لم يك العَود ورا ثمان ... أو عشرةٍ، فذاك حيض ثان
٦٢ - وإن تمادى الدم خمسة عشر ... فهْو وراء ذاك ليس يعتبر
٦٣ - فلْتتطهرْ ولْتُصَلِّ ولْتَصُم ... ولِتَطُفْ، ووطؤها ما إن حَرُم
٦٤ - وأكثر النفاس ستون، ولا ... حد لأدناه كأدنى ما خلا
القصة قال عياض - رحمه الله تعالى ـ: بفتح القاف ماء أبيض يكون آخر الحيض، وبه يستبين نقاء الرحم، قال علي عن مالك -رحمهما الله تعالى -هو شبه المني، وروى ابن وهب عنه: شبه البول، وقيل هو كالخيط الأبيض، يخرج بعد انقطاع الدم كله، وسميت قصة لشبهها بالقصة، وهي الجير لبياضها انتهى
стр. 47
قال في الطراز: يجوز أن يكون ذلك يختلف، إلا أن الذي يذكره بعض النساء أنه شبه المني، نقله في المواهب.
والحيض -بضم الحاء - جمع حائض كما تقدم، والعِدد -قال في التنبيه -: جمع عدة بكسر العين فيهما، سميت بذلك لاشتمالها على العدد، وقال ابن راشد: هي تربص المرأة زمانا معلوما، قدره الشرع علامة على براءة رحمها، مع ضرب من التعبد.
والاستبراء كالعدة، إلا أن العدة تختص بالنكاح، والاستبراء يختص بالملك والمياه الفاسدة، من استبرأ من الشيء إذا استنقى منه، أشار بالبيتين الأولين إلى أن الحائض تطهر من حيضها بأحد أمرين، القصة أو الجفوف، ولو بعد ساعة من حيضتها أو أقل من ذلك، فأقل الحيض بالنسبة للعبادة لا حد له على المشهور، وقال ابن الماجشون والمغيرة أقل الحيض خمسة أيام، وقيل ثلاثة أيام، واختلف هل القصة أبلغ في الدلالة على الطهر وهو قول ابن القاسم، وهو المشهور، أو الجفوف أبلغ، وهو قول ابن عبد الحكم، أو هما سواء، قال اللخمي في التبصرة: قيل الجفوف أبرأ من القصة، فتبرأ به من عادتها القصة، ولا تبرأ بالقصة من عادتها الجفوف، وقيل عكس ذلك، أن القصة أبرأ وهو أحسن، نقله في المواهب، قال ابن عرفة في مختصره: وثمرته انتظار الأقوى معتادته إن رأت الآخر ما لم يضق الوقت، وفي كونه الضروري أو الاختياري قولا شيوخ عبد الحق انتهى
وأما المبتدأة فقال ابن القاسم إذا رأت الجفوف تطهر به ثم تراعي بعد ما يظهر من أمرها نقله القاضي عبد الوهاب.
стр. 48
وإنما يعتبر الدم النازل من قبل المرأة حيضا إذا كانت في سن من تحمل عادة، وكان خروجه بنفسه، قال صاحب الطراز: كلامه في المدونة يقتضي أنه لا يحكم للدم بأنه حيض إلا إذا كان في أوان البلوغ بمقدمات وأمارات، من نفور الثدي ونبات شعر العانة، وعرق الإبط وشبهه، فأما بنت خمس وشبهها إذا رأت دما فإنما يكون من بواسير وشبهها، وليس بحيض، وسن النساء قد يختلف في البلوغ، قال الشافعي - رحمه الله تعالى -: أعجل من سمعت النساء يحضن، نساء تهامة يحضن لتسع سنين، ورأيت جدة لها إحدى وعشرون سنة، فالواجب أن يرجع في ذلك إلى ما يعرفه النساء، فهن على الفروج مؤتمنات، فإن شككن أخذ في ذلك بالأحوط نقله في المواهب.
وكذلك ما تراه الآيسة أيضا فهو غير حيض، واختلف في سن اليأس فقال ابن شعبان: خمسون، قال ابن عرفة: ولم يحك الباجي غيره، إلى أن قال: وقال ابن شاس: سبعون. وقال في التوضيح: وقال ابن رشد: والستون، وقال ابن حبيب: يسأل النساء، وروي عن مالك، وقال الأبي: وفي المدونة: بنت السبعين آيس، وغيرها يسأل النساء، نقله في المواهب.
ومما تختلف النساء لأجله في سن اليأس الولادة وعدمها، وقلتها وكثرتها، والله أعلم.
стр. 49
وأما الدم الخارج لعلاج، فإن كان استعمال العلاج لأجل تأخره عن وقته فالخارج لأجله حيض، على ما استظهره الحطاب، وهو بين جدا، قال: لأن تأخر الحيض إذا لم يكن حمل، إنما يكون لمرض، فإذا جعل الدواء لرفع المرض لم يخرجه عن كونه حيضا، وإن كان استعمال العلاج لتعجيله عن زمنه المعتاد، فقد سئل عن ذلك المنوفي هل تحصل به البراءة من العدة، فأجاب بأن الظاهر أنها لا تحل به، وتوقف عن ترك الصلاة والصيام، واستظهر خليل عدم تركهما على بحثه، وذلك أنه اعتبره مشكوكا، فلم يعتد به في الاعتداد، لأن الشك في السبب لغو، وكذلك الشك في المانع، فلا تسقط به الصلاة، ولم أقف على شيء في وطئها، ولو قيل بسؤال أهل المعرفة والعمل بقولهم في ذلك كله لم يكن بعيدا، وأما إن كان استعمال العلاج لتأخيره عن وقته فقد سئل عن ذلك مالك - رحمه الله تعالى - فقال: ليس ذلك بصواب وكرهه، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى -: إنما كرهه مخافة أن تدخل على نفسها ضررا بذلك في جسمها، وكذلك الحال أيضا في شرابها علاجا تستعجل به الطهر، قال ابن كنانة: يكره ما بلغني أن يصنعنه يتعجلن به الطهر من الحيض من شراب الشجر، والتعالج بها وبغيره، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى: - المعنى في كراهة ذلك ما يخشى أن تدخل على نفسها من الضرر بجسمها بشرب الدواء الذي قد يضرها، قال الحطاب: فعلم من كلام ابن رشد أنه ليس في ذلك إلا الكراهة خوف ضرر جسمها، ولو كان ذلك لا يحصل به الطهر لبينه ابن رشد رحمه الله تعالى.
وقوله: والحيض قد تعروه البيت، أشار به إلى أن الكدرة والصفرة والترية حيض، وفي المدونة قال ابن القاسم: وإذا رأت صفرة أو كدرة في أيام حيضتها أو في غيرها فهو حيض، وإن لم تر معه دما انتهى
стр. 50
وذلك لما في الموطإ عن علقمة بن أبي علقمة عن أمه مولاة عائشة أم المؤمنين - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - أنها قالت كان النساء يبعثن إلى عائشة - رضي الله تعالى عنها - بالدَّرَجة فيها الكُرْسُف فيه الصفرة من دم الحيضة يسألنها عن الصلاة فتقول لهن: لا تعجلن حتى ترين القصة البيضاء، تريد بذلك الطهر من الحيضة، وفرق ابن الماجشون بين أن ترى ذلك عقيب الطهر فلا يكون حيضا، لحديث أم عطية - رضي الله تعالى عنها - كنا لا نعد الصفرة والكدرة بعد الطهر شيئا، وأن تراه قبله فيكون حيضا، ونسب هذا لأكثر أهل العلم.
والمعول قول ابن القاسم، وأما خبر أم عطية ـ رضي الله تعالى عنها ـ فالمتجه أن موضوعه التي يقع لها ذلك لبرد الماء ونحوه، وقد عرف عن كثير من النساء أنهن إذا تطهرن قرب طهرهن عاودهن بعض الدم للاغتسال، فيكون المراد بالطهر في كلامها الغسل، فيكون قولها بعد الطهر إيماء لسبب عدم الاعتبار، وإلا فما وجه اختصاص عدم الاعتداد بكون ذلك واقعا بعد الغسل، وقد وقع الخبر عند الدارمي بإسناد صحيح بلفظ " كنا لا نعتد بالصفرة والكدرة بعد الغسل " وإذا ثبت كون الصفرة والكدرة من جنس الحيض كما في خبر علقمة - رحمه الله تعالى - فما وجه اختصاص ذلك بأول الحيض وآخره عما كان بعد الطهر.
فإن قيل إذا كان هذا هو المراد في خبر أم عطية -رضي الله تعالى عنها -فلم خصت الصفرة والكدرة؟
أجيب بأنها خصت ذلك بالذكر جريا على ما هو الشأن، فإن شأن الدم الذي ليس بحيض أن يكون مفتوح اللون كما دل عليه حديث الصحيح في المستحاضة والله أعلم.
стр. 51
قوله: ومن تحض يوما، إلى قوله حيض ثان، أشار به إلى حكم التي يتقطع طهرها، وهو أنها تغتسل كل ما انقطع الدم، ويكون لها حكم الطاهر في الصوم والصلاة والوطء وغير ذلك، فإن عاودها جلست وتجنبت ما تتجنبه الحائض، وتلفق أيام الدم دون أيام الطهر حتى تتم خمسة عشر على ما يأتي أنه أكثر الحيض، ثم إذا استمر لها الأمر كذلك كانت مستحاضة لها حكم الطاهر، إلا أن ترى ما لا تشك في كونه حيضا للونه أو رائحته أو نحو ذلك، بعد مضي أقل الطهر على حكم الاستحاضة، وقال ابن الماجشون وابن مسلمة: إنما تلفق التي يتقطع طهرها أيام الدم فقط إذا كانت أيام الدم أكثر، وإلا جمعت أيام الطهر طهرا، وأيام الحيض حيضا، فتكون طاهرا حائضا على قولهما، ولو بقيت كذلك طول عمرها، والمراد بيوم الدم اليوم الذي حصل فيه دم، ولو في جزء يسير منه.
وقول ابن مسلمة وابن الماجشون هو ظاهر الشيخ - رحمه الله تعالى - في العبادة، وظاهره في العدة والاستبراء بل صريحه أنه لا بد من توالي أقل الطهر، وهو المشهور، لكن ذكر أن أقل الطهر ثمانية أو عشرة، وكونه ثمانية قول سحنون، قال المواق: قال سيدي ابن سراج: بهذا ينبغي أن تكون الفتوى وقد استقرأه الشيخ أبو محمد من المدونة، وكونه عشرة قول ابن حبيب، وقال مالك في المدونة: لا حد لأقل الطهر إلا ما تعلم النساء أن ذلك طهر، وقال في غير المدونة: أقل الطهر خمسة أيام قاله ابن يونس في جامعه، وقال ابن مسلمة: أقله خمسة عشر يوما، قال ابن عرفة في مختصره: واعتمده القاضي وجعله ابن شاس المشهور.
стр. 52
وقال ابن يونس في جامعه: وقال القاضي: اتفق العلماء إلا من شذ منهم أن أقل الطهر خمسة عشر يوما، وقال ابن العربي في القبس: والدليل على صحة ذلك أن الله جعل عدة الحائض ثلاثة أقراء، وجعل عدة اليائس ثلاثة أشهر، فقابل كل قرء بشهر، ولا يخلو أن يقابله بأكثر الحيض وأكثر الطهر، وذلك محال لأن أكثر الطهر لا حد له أو بأقلهما، وذلك أيضا محال، لأن أقل الحيض لا حد له فلم يبق إلا أنه قابله بأقل الطهر وأكثر الحيض، وذلك خمسة عشر يوما، وعلى هذه الأصول التي بينا تتفرع جميع مسائل الحيض.
стр. 53
قوله: وإن تمادى الدم ... البيت، أشار به إلى أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما، وظاهره أنه لا فرق في ذلك بين المبتدأة والمعتادة، ولا بين الحامل وغيرها، - إن كان يرى حيضها - وهو كذلك على خلاف، أما المبتدأة فقال في الجامع: قال ابن القاسم: وما رأته المرأة من الدم أول بلوغها فهو حيض في قول مالك تترك له الصلاة، فإن تمادى بها قعدت عن الصلاة خمسة عشر يوما، ورواه عن مالك، ثم هي مستحاضة تغتسل وتصلي وتصوم وتوطأ، إلا أن ترى دما لا تشك أنه دم حيض فتدع له الصلاة وتعتد به من الطلاق، والنساء يعرفن ذلك بريحه ولونه، وروى علي بن زياد عن مالك في غير المدونة أنها تقعد بقدر لداتها - يعني أترابها في السن - قال ابن المواز: لا تستظهر على أيام لداتها، وقال ابن عبد الحكم وابن كنانة وأصبغ: تستظهر على أيام لداتها، قال ابن القصار: ما لم تزد على خمسة عشر يوما، قال: وإنما استحسن مالك - رحمه الله تعالى - هذا القول احتياطا للصلاة، قال عبد الوهاب: ولأن الحيض يزيد وينقص فكان الأولى ردها إلى عادة أترابها، قال ابن القصار: والقياس رواية ابن القاسم، والدليل على ذلك قوله : (ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض) وهذا يدل على أن كل دم وجد في الفرج فهو حيض حتى يقوم دليل على أنه استحاضة، قال ابن يونس - رحمه الله تعالى - فالحكم له ما لم يجاوز خمسة عشر يوما.
стр. 54
وأما المعتادة فكان مالك - رحمه الله تعالى - يقول أكثر دهره إذا تمادى بها الدم جلست خمسة عشر يوما من أيام الدم، وما لم تر فيه دما من الأيام ألغته، فإذا استكملت خمسة عشر يوما من أيام الدم اغتسلت وصنعت ما تصنع المستحاضة، ثم رجع وقال: أرى أن تستظهر بثلاثة أيام بعد أيام حيضتها، ما لم تجاوز خمسة عشر يوما، قال عنه ابن وهب: ورأيت أن أحتاط لها فتستظهر وتصلي، قال الأبهري: فهذه علة مالك في الاحتياط للصلاة، وأما القياس فهو أن تترك الصلاة إلى خمسة عشر يوما، لثبوت حكم الحيض فلا تنتقل عنه إلا بيقين، وليس الاحتياط في صلاة الحائض مع جواز أن تكون غير حائض أولى بترك صلاتها مع جواز أن تكون حائضا، لأن صلاة الحائض ممنوعة بالشرع، كما أن ترك صلاة الطاهر ممنوعة بالشرع، وإذا تساوى هذان الأمران جميعا رجعنا إلى أصل الحيض وحصوله فعلمناه، فهذا هو أصل قول مالك المعول عليه، والقول الآخر استظهار على ما فسرنا نقله في الجامع بأطول من هذا.
واختلف فيها -على ما رجع إليه مالك رحمه الله تعالى من الاستظهار -في ما بين الاستظهار وبين خمسة عشر يوما، فقيل هي طاهر حقيقة، وهو مذهب المدونة، وقيل: تحتاط، فتصوم وتصلي ولا يأتيها زوجها، فإذا أتمت خمسة عشر يوما اغتسلت وقضت صيامها، وعلى هذا القول فهم الأبهري وابن الجهم واللخمي وغيرهم رواية ابن وهب التي في المدونة كما في التوضيح.
стр. 55
وأما الحامل فقد اختلف في ما تراه هل هو حيض، وهو المشهور في المذهب، وهو قول مالك -رحمه الله تعالى -وروى في الموطإ عن عائشة -رضي الله تعالى عنها -أنها كانت تُفتيهن بذلك، أو ليس بحيض، وهو لابن لبابة، وفُهم من قول ابن القاسم في من اعتدت بحيض ثم ظهر حملها: لو علمته حيضا مستقيما لرجمتها، والوجه فيه ما ورد من النصوص في الاستبراء بالحيض، وقال الداودي: لو أخذ فيها بالأحوط تصلي وتصوم وتقضي ولا توطأ لكان أحوط، نقله ابن عرفة رحمه الله تعالى في مختصره.
واختلف على المشهور من أنها تحيض إذا استرسل عليها، فقال مالك -رحمه الله تعالى - في المدونة: تمسك عن الصلاة قدر ما يجتهد لها، وليس في ذلك حد، وليس أول الحمل كآخره، وقال ابن القاسم: إن رأته في الثلاثة أشهر ونحوها تركت الصلاة خمسة عشر يوما ونحوها، وإن رأته بعد ستة أشهر من حملها تركت الصلاة ما بين العشرين ونحوها، قال ابن ناجي: واختلف أصحابنا من التونسيين هل هو خلاف لقول مالك السابق، أو هو تفسير له انتهى
وروى أشهب -رحمه الله تعالى -أنها كالحائل تمسك أيام حيضتها -يريد والاستظهار ـ قال: أرأيت من قعدت عن الحيض سنة وهي ممن تحيض، ثم أتاها الحيض بعد ذلك أليس هذا دما قد احتبس واجتمع أفتريد هذه أيضا أن تقعد مقدار ذلك الحيض كله؟! إلى أن قال: ولقد سمعت مالكا يقول واستفتته امرأة وهي في خمسة أشهر أو ستة، فقالت له: كانت أيام حيضتي ستة أيام، واليوم لي سبعة أيام، فقال لها: أقيمي يومين آخرين استظهارا، ثم اغتسلي وصلي، وقال ابن حبيب عن ابن الماجشون: تجلس خمسة عشر يوما كان في أول الحمل أو في آخره، للاختلاف فيه، فإن بعض السلف لا يراه حيضا، انظر الجامع.
стр. 56
قوله: فلتتطهر ... البيت، أشار به إلى أن المستحاضة لها حكم الطاهر، فيجب عليها ما يجب عليها من الصلاة والصوم ونحوهما، ويحل لها ما يحل لها من جماع ونحوه على المشهور، حتى تميز بعد مضي أقل الطهر، خلافا لأبي حنيفة حيث قال تَتَحيَّض أيام عادتها من كل شهر، وخلافا للشافعي حيث فرق بين المميزة وغيرها، فوافق في الأولى مالكا، وفي الثانية أبا حنيفة - رحمهم الله تعالى جميعا -، قال المازري في شرح التلقين: ودليلنا أنه صلى الله تعالى عليه وسلم وصف دم الحيض بأنه أسود ثخين، وهذا يقتضي اعتبار هذا الوصف، فمتى حصل حكم أنه حيض ما لم يمنع منه مانع انتهى
وتعتبر في عدم التمييز ممن قعدت عن الحيض، كما يقع مع عدم الدم، وأما أخبار المستحاضة فقد تقدم قول مالك -رحمه الله تعالى ـ: الأمر عندنا في المستحاضة على حديث هشام بن عروة عن أبيه، وهو أحب ما سمعت إلي في ذلك، يعني على المختار من أن مراده حديث فاطمة بنت أبي حبيش، والله أعلم بالصواب.
وفي هذا البيت إشارة إلى بعض ما يمنعه الحيض، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى ـ: ويمنع الحيض الصلاة والصوم، وتقضيه دونها، ودخول المسجد، إلى أن قال: ومس المصحف، وروى ابن العربي جوازه كقراءتها، والطلاق والطواف والوطء في الفرج، وفي منعه بعد طهرها قبل غسلها، ثالثها يكره، للمشهور والمبسوطة عن ابن نافع مع عياض عن تأويل بعض البغداديين قول مالك عليه وابن بكير، وفي منعه بتيمم صحيح قولان لها ولابن شعبان، إلى أن قال: عياض: وقراءتها في المصحف دون مسها إياه كقراءة حفظها انتهى
وقال في التوضيح: والخلاف في قراءة الحائض إنما هو قبل أن تطهر، وإلا فهي بعد النقاء من الدم كالجنب.
стр. 57
تنبيهات:
الأول: قال ابن القاسم - رحمه الله تعالى ـ في امرأة رأت في ثوبها دم حيض وقد لبسته نقيا ولا تدري متى حاضت، وهل حاضت أم لا، فإن كانت لا تنزعه اغتسلت وصلت من يوم لبسته، وتعيد الصوم الواجب، قال أبو محمد: يريد ما لم تجاوز أقصى أيام الحيض، قال: وإن كانت تنزعه وتلبسه أعادت من أحدث لَبْسة لبسته، وقال ابن حبيب في الصوم: إنما تعيد يوما واحدا لأنه دم حيض انقطع مكانه، قال ابن يونس: وهو أي قول ابن حبيب أبين عندي، لأنه لو كان الدم بها أياما لشعرت به ولظهر في ثوبها بقعا، وإنما كانت دفعة ثم انقطعت انظر الجامع، ونقل ابن عرفة في مختصره عن اللخمي أنها تقضي من الصوم عدد نقط الدم، وإن شك الرجل في الخارج منه أمذي هو أو مني، فقال ابن عرفة: روى علي: لا أدري، ابن نافع: يغتسل، ونقل ابن شاس: يغسل ذكره ويتوضأ، لا أعرفه نصا، اللخمي: شك الجنابة كالحدث، وتجويز جنابته دون شك لغو، لو اغتسل له ثم تيقن لم يجزه.
قال ابن عرفة: قال ابن القاسم وقال عيسى يجزئه انتهى
ومحل وجوب الغسل على من يجد في ثوبه منيا إذا كان لا يلبسه غيره، وأما إذا كان يلبسه هو وغيره ممن يحتلم، فلا يجب عليه الغسل، ولكنه يستحب، لجواز أن يكون هو المحتلم، نقله في المواهب عن العارضة، وصرح في لوامع الدرر بجريان هذا القيد أيضا في ثوب المرأة تجد به أثر الحيض، وهو بين، والله أعلم.
الثاني: روى الشيخان ومالك في الموطإ عن بنت زيد بن ثابت -رضي الله تعالى عنهما -أنه بلغها أن نساء كن يدعون بالمصابيح من جوف الليل ينظرن إلى الطهر، فكانت تعيب عليهن، وتقول: ما كان النساء يصنعن هذا.
стр. 58
وقال مالك في تفقد الحائض أمرها إنما يلزمها ذلك إذا أرادت النوم أو قامت لصلاة الصبح، وعليهن أن ينظرن في أوقات الصلاة، قال ابن رشد - رحمه الله تعالى ـ: كان القياس أن يجب عليها أن تنظر قبل الفجر بقدر ما يمكنها إن رأت الطهر أن تغتسل وتصلي المغرب والعشاء قبل طلوع الفجر، إذ لا اختلاف في أن الصلاة تتعين في آخر الوقت، فسقط ذلك عنها من ناحية المشقة، فإن استيقظت بعد الفجر وهي طاهر فلم تدر لعل طهرها كان من اليل حملت في تلك الصلاة على ما قامت عليه، ولم يجب عليها قضاء صلاة اليل، حتى توقن أنها طهرت قبل الفجر، وأمرت في رمضان بصيام ذلك اليوم، وتقضيه احتياطا، نقله في التاج.
الثالث: نقل في المواهب عن الطراز أنه يستحب للحائض والنفساء والمستحاضة أن يطيبن فروجهن إذا طهرن.
قوله: وأكثر النفاس ... البيت، أشار به إلى أكثر زمن النفاس وأقله، أما أكثره فستون يوما، فإن زاد عليها كان استحاضة، وقد تقدم الكلام عليها، وهذا هو قول مالك المرجوع عنه وهو المشهور، واقتصر عليه القاضي عبد الوهاب في التلقين، وقد رجع عنه مالك وقال: أكره أن أحد فيه حدا، ولكن تسأل النساء عن ذلك وأهل المعرفة فتجلس أبعد ذلك فإن تمادى الدم على ذلك كانت مستحاضة، انظر الجامع.
وقال ابن عرفة في مختصره: النفاس دم إلقاء حمل، فيدخل دم إلقاء الدم المجتمع على المشهور، عياض: قيل ما خرج قبل الولد غير نفاس، وما بعده نفاس، وفي ما معه قول الأكثر والقاضي، إلى أن قال: وفيها إن دام جلست شهرين، ثم قال: قدر ما يراه النساء، ابن الماجشون: الستون أحب إلى من السبعين، والقول بالأربعين لا عمل عليه، إلى أن قال: ولو وضعت ولدا وبقي آخر ففيها دم الأول نفاس، وقيل دم حامل، وعليها إضافة دم الثاني للأول واستقلاله انتهى
وأما أقله فلا حد له، وقد تقدم الكلام على الغسل من النفاس بلا دم، والنفاس كالحيض في التلفيق إذا تقطع، وفي ما يمنع، وما في مختصر ابن الحاجب من منع القراءة على النفساء رده خليل وغير واحد.
قوله: كأدنى ما خلا، يعني الحيض، فالحيض لا حد لأقله، وقد تقدم الكلام على ذلك، والبيت مضمن من نظم سيدي محمد مولود ابن أحمد فال -رحمهما الله تعالى -المسمى بالكفاف، والحمد لله رب العالمين.
стр. 59
باب طهارة الماء والبقعة وما يجزئ من اللباس في الصلاة
الطهارة في اللغة: النظافة، والتنزه عن الأدناس، وشرعا عرفها ابن عرفة -رحمه الله تعالى -بقوله: صفة حكمية توجب لموصوفها جواز الصلاة به، أو فيه، أو له، فالأوليان من خبث، والأخيرة من حدث.
وعرفها أبو عبد الله المازري - رحمه الله تعالى - وغيره بأنها: إزالة النجس أو ما في معناه، بالماء أو ما في معناه، وهذا خاص بالطهارة التي هي حكم تكليفي، والأول يعم الطهارة التي هي حكم وضعي، والماء معروف، والهمزة فيه بدل من الهاء، بدليل وجودها في تصاريف الكلمة كذلك، يقال: بئر ماهة، أي: كثيرة الماء، وماهت تموه وتميه وبئر ميّهة وماهة، أي كثيرة الماء، والبقعة: المراد بها المكان، وهي في الأصل القطعة من الأرض تخالف هيئة الأرض التي حولها، ويجزئ معناه يكفي ويغني، واللباس ما يستر الإنسان به جسده، جمعه ألبسة ولبس، والصلاة سيأتي الكلام عليها إن شاء الله .
٦٥ - وإنما يُجزي التطهر بما ... من التغير بشيء سلما
٦٦ - لا بالذي يكون ذا تغير ... بغير ما لازمه في الاكثر
٦٧ - كمَغْرةٍ، واحكم لما تغيرا ... بحكم ما كان له قد غيرا
٦٨ - وينجس الماء الذي قد قلا ... بما من النجَس فيه حلّا
٦٩ - غيَّره أو لا، على ما ذَكَرا ... ألشيخ، والكره بثانٍ شُهِّرا
стр. 60
يعني أن الطهارة لا تصح إلا بالماء الطهور سواء كانت من حدث أو خبث أو غيرهما، وهو الماء الذي ليس بمتغير بشيء، في لونه، أو طعمه، أو رائحته، سواء كان نازلا من السماء، أو نابعا من الأرض، جاريا أو راكدا، في بحر أو نهر أو بئر أو غيرها، ملحا أو عذبا، وإلى هذا الإشارة بالبيت الأول.
وأما الماء المتغير فإما أن يكون مغيره طاهرا أو لا، فإن كان مغيره طاهرا فإن كان مما ينفك عنه غالبا ولم يكن متولدا منه، كدهن ولبن، فهو غير طهور، لأن الشيء مع غيره غيره لا مع غيره، وقد قال : فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدا طيبا) ولا فرق في ذلك بين تغير الريح وغيره، خلافا لابن الماجشون حيث ألغى تغير الرائحة مطلقا، ولسحنون حيث ألغى خفيفها، وأما المتغير بقراره كالسبخة والمغرة - بفتح الميم وسكون الغين وفتحها وهي: الطين الأحمر - أو بما تولد منه، أو بطول مكثه، ونحو ذلك فطهور، لأن المياه لا تنفك عن ذلك غالبا، فكان ذلك من مفهوم الماء عرفا، وإلى هذين القسمين الإشارة بالبيت الثاني، وأشار بقوله: واحكم لما تغيرا ... البيت إلى أن الماء المتغير بما يسلب طهوريته يحكم له من حيث الطهارة والنجاسة بحكم مغيره، فإذا كان مغيره طاهرا كان طاهرا، وإذا كان مغيره نجسا كان نجسا، ومحل هذا إذا كان تغييره له عن مخالطة، وأما إذا كان عن مجاورة فلا يضر بلا خلاف كما في التوضيح، لأن ذلك لا ينقل الماء عن اسمه كما قال أبو عبد الله المازري في شرح التلقين.
стр. 61
وأشار بقوله: وينجس الماء الذي قد قلا ... البيتين، إلى أن الماء القليل ينجس بما وقع فيه من النجاسة تغير أو لم يتغير، أما المتغير فنجس بإجماع، وأما الذي لم يتغير فالمشهور من المذهب أنه طهور، وهو رواية المدنيين عن مالك، لكن يكره التطهر به مع وجود غيره، للخلاف فيه، فإن لم يجد غيره تعين، وقيل: إنه طهور من غير كراهة، وقال ابن القاسم: إنه نجس، وقيل: إنه ماء مشكوك فيه، فيجمع بينه وبين التيمم، ووجه القول بطهوريته عموم حديث بئر بضاعة، (١) وأما حديث القلتين (٢) الذي تعلق به القائلون بالتنجس فقد أجيب عنه بوجوه: أحدها أنه شاذ، وبيان ذلك أنه يتعلق بأمر عظيم الموقع في الدين، لتكرر مورده في اليوم واليلة في حق كل مسلم، وتعلقه بأعظم القرب والطاعات، فكانت الدواعي إلى نقله نقلا متواترا متوفرة، والحديث لم يروه غير ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - ولم يروه عن ابن عمر غير عبد الله وعبيد الله - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - قال ابن القيم: فأين نافع وسالم وأيوب وسعيد بن جبير - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - وأين أهل المدينة وعلماؤهم عن هذه السنة التي مخرجها من عندهم، وهم إليها أحوج الخلق، لعزة الماء عندهم، إلى أن قال: فأي شذوذ أبلغ من هذا.
стр. 62
ومنها أنه مضطرب سندا ومتنا، ومنها عدم حد القلتين شرعا حدا معروفا، ومنها ترجيح عموم حديث بئر بضاعة، وما جاء من أخذهم الماء من مزادة مشركة، (١) وما جاء من توضإ عمر -رضي الله تعالى عنه -من جرة نصرانية، (٢) وما جاء من إصغاء أبي قتادة ـ رضي الله تعالى عنه ـ إناء وضوئه للهرة، (٣) وبموافقته عمل أهل المدينة قديما وحديثا، قال ابن القيم: وعملهم بترك التحديد في المياه عمل نقلي خلفا عن سلف، فجرى مجرى نقلهم الصاع والمد.
وقال الغزالي -رحمه الله تعالى -في الإحياء بعد أن ذكر وجوها مرجحة لعموم خبر بئر بضاعة: وترك المفهوم بأقل من الأدلة التي ذكرناها ممكن.
وأما الماء الكثير فلا خلاف بين أهل العلم أنه لا ينجسه إلا ما غيّره، ولكن اختلف في حد القليل، فقيل قدر آنية الوضوء والغسل، ونقل ابن العربي - رحمه الله تعالى -عن المجموعة أنه الذي إن حرك أحد طرفيه تحرك الآخر، وقال في التوضيح: وفي كلام عبد الوهاب أنه الجب والجرة، وقال بعض المتأخرين إنه القلتان على ما جاء في الحديث، والقلتان: خمسمائة رطل بالبغدادي، وقال بعضهم ليس له حد بمقدار بل بالعادة.
ووجه التحديد بالقلتين مراعاة الخلاف، ووجه التحديد بالعرف كأنه كراهية النفس لشائبة القذر.
وقال في التوضيح: وأورد ابن راشد سؤالا وهو أن المكروه ليس في فعله ثواب، وقد صح الوضوء به والصحة تستلزم الثواب فكيف يجمع بينهما؟
стр. 63
والجواب عن هذا السؤال أن الكراهة المذكورة هنا كراهة اجتهادية على أصل مراعاة الخلاف، وهي غير منافية للصحة والثواب، لأن معناها استحباب سلوك المتفق عليه، المعلوم في الشرع، والأخذ بالاحتياط، مع ترجيح عدم توجه النهي، ولو نافت الثواب للزم أن يكون من شروط الثواب الإتيان بالقربة على وجه لا يختلف فيه، فالكراهة المنافية للصحة والثواب هي الكراهة التي ورد بها النص، ولا يتصور حصولها في ما هو عبادة، لأن العبادة تستلزم الأمر، وهو نقيض النهي، وهذا إذا تعلقت الكراهة بجملة الماهية كالتنفل في وقوت النهي، فهو غير عبادة، وإن تعلق بهيئة فيها نقص الأجر بسببها كالذي يقعي في صلاته عند من يكره ذلك، والله أعلم.
وفهم من كلام الشيخ -رحمه الله تعالى -أن مخالطة الطاهر القليل لا تسلبه الطهورية حيث لم يتغير، وهو كذلك بالأولى، خلافا لما روي عن الشيخ أبي الحسن القابسي في مخالطة المائع الطاهر اليسير، والله أعلم.
واختلف في تغيره بالطاهر الذي يضطر إليه كحبل السانية، فقيل: لا يضر ذلك مطلقا، وقيل يسلب مطلقا، وفصل ابن رشد -رحمه الله تعالى -بين البين والخفيف، وفي معنى هذا تغيره بما يجعل فيه تعقيما له، والمعول من الأقوال قول ابن رشد -رحمه الله تعالى - والله أعلم.
стр. 64
٧٠ - وسنةٌ تقليلُ ماً، لكن معا ... الاِتقانِ، والمسرف فيه ابتدعا
٧١ - توضأ النبي بمد، واغتسل ... بأربعٍ، صلى عليه الله جل
السنة -بضم السين -لغة: الطريق، وفي الاصطلاح: أقوال النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -وأفعاله الاختيارية، وتطلق عند المالكية على ما فعله -صلى الله تعالى عليه وسلم - وداوم عليه وأظهره في الجماعة ولم يدل دليل على وجوبه، وتطلق في مقابلة البدعة، وهي المراد هنا، والبدعة قال في المغرب: اسم من ابتدع الأمر إذا ابتدأه وأحدثه، كالرفعة اسم من الارتفاع، والخلفة من الاختلاف، ثم غلبت على ما هو زيادة في الدين أو نقصان منه، نقله عنه في شفاء الغليل.
стр. 65
والسرف الزيادة على الحد المطلوب، والمد: المراد به مد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - وهو ملء يدي الرجل الذى ليس بعظيم الكفين ولا صغيرهما، وهو رطل وثلث، والأربعة منه صاع، والصاع يذكر ويؤنث ويقال فيه: صُوع كفول، وصُواع كفؤاد ونكاح، جمعه: آصُع وأَصْوُع كأفلس، وصِيعان كقيعان، ومعنى البيتين أن تقليل الماء مع إتقان غسل العضو هو السنة وحكمه الندب، والسرف منه غلو وبدعة، وحكمه الكراهة، وقد جاء في الصحيح عنه صلى الله تعالى عليه وسلم أنه كان يغتسل بالصاع إلى خمسة أمداد، ويتوضأ بالمد، (١) والمراد على ما جاء عن ابن العربي أن الماء يبلغ في الآنية مبلغ مد الطعام فيها أو صاعه، ولا يراد بمد الماء ملء اليدين منه، وقد أنكر مالك - رحمه الله تعالى - التحديد بأن يسيل الماء أو يقطر، وقال: رأيت عباس بن عبد الله - وكان رجلا صالحا من أهل الفقه والفضل - يأخذ القدح فيجعل فيه قدر ثلث مد هشام فيتوضأ به ويفضل منه، ثم يقوم فيصلي بالناس، وظاهر كلامه يشهد لتفسير ابن العربي المد المتقدم، وقال فضل بن مسلمة: إنما أنكر مالك - رحمه الله تعالى - التحديد لا السيلان، إذ لو لم يسل لكان مسحا، ونحوه لابن محرز، وفسر ابن راشد على ابن الحاجب السيلان الذي أنكر مالك - رحمه الله تعالى - بالسيلان عن العضو لا السيلان عليه، وذهب ابن شعبان والباجي وأبو إسحاق التونسي وابن العربي إلى أنه لا يجزئ في الوضوء أقل من المد، ولا في الغسل أقل من الصاع، والصواب الأول وقد جاء في حديث عبد الله بن زيد - رضى الله تعالى عنه - أن النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - توضأ فأُتِي بإناء فيه ماء قدر ثلثي المد (٢)
стр. 66
وقول الشيخ: إن السرف فيه بدعة، يريد في حق من فعله على أنه شرع وكمال، كما قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى -قال: فأما من يعتريه ذلك من وسوسة يعتقد نقصها، وأن ما يفعله من ذلك مخالف لأصل السنة، فلا يصح كونه بدعة.
٧٢ - طهارة البُقعة والثياب ... كل لدى الصلاة ذو إيجاب
٧٣ - وهل وجوبَ سُننٍ، أو الفرا ... ئض، خلاف طرفاه اشتهرا
قال في التبصرة: على المصلي أن يتقرب إلي الله بجسد طاهر وثوب طاهر في موضع طاهر، ولا خلاف في ذلك وقد ثبتت الأحاديث عن النبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -بمثل ذلك، فأمر بغسل المذي لحديث المقداد (١) وبغسل المني لحديث عمر -رضي الله تعالى عنه - أنه ذكر للنبي -صلى الله تعالى عليه وسلم -أنه تصيبه الجنابة من اليل؟ فقال له: " توضأ واغسل ذكرك ثم نم " (٢) وبغسل دم الحيض من الثوب بحديث أسماء، (٣) ومر صلى الله تعالى عليه وسلم بقبرين فقال: " إنهما ليعذبان، وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، وأما الآخر فكان لا يستبرئ من البول " (٤)
وأشار الناظم بالبيتين إلى الاختلاف في ذلك هل هو واجب وجوب الفرائض، أو وجوب السنن المؤكدة، قال ابن عرفة: اللخمي: في وجوبها ثالثها مع الذكر والقدرة، لسماع ابن وهب: يعيد الناسي أبدا، وأشهب لقوله: يعيد هو والعامد في الوقت، ولها لإيجابها إعادة القادر الذاكر أبدا، وغيره في الوقت.
стр. 67
قال سيدي زروق - رحمه الله تعالى ـ: وطريقة اللخمي تدل لأنه ـ يعني الوجوب مع الذكر والقدرة ـ المشهور، خليل: وقد صرح بذلك غير واحد، قال: وذكر في البيان أن المشهور في المذهب قول ابن القاسم عن مالك أن رفع النجاسة من الثياب والأبدان سنة، لا فريضة، فمن صلى بثوب نجس على مذهبه ناسيا أو جاهلا بنجاسته أو مضطرا إلى الصلاة فيه أعاد الصلاة في الوقت انتهى
قال: ولهذا القول ولمن قال به، قصد الشيخ بقوله: وقيل وجوب السنن المؤكدة، يعني التي فعلها حسنة، وتركها إلى غيرها خطيئة، فطريقة الرسالة أن المذهب على قولين الوجوب والسنة انتهى.
ومثل البقعة والثياب البدن، بل هو أولى.
والمراد ببقعة المصلي محل قيامه وسجوده وقعوده وموضع كفيه، قال الحطاب: قاله غير واحد.
والمراد بثيابه كل ما يحمله، وأما البدن فيراد به ظاهره، وما في حكمه كداخل الفم والأنف والعين والأذن، واختلف في ما يصيب باطن الجسد، كالذي يشرب نجاسة، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى ـ: وفي كون نجاسة أدخلت باطن الجسد كما بظاهره، ولغوها، نقل اللخمي عن رواية محمد: يعيد شارب قليل خمر لا يسكره في صلاته أبدا، مدة ما يرى بقاءه ببطنه، وقول التونسي: ما بداخل الجسم من طهارة أو نجاسة لغو انتهى.
стр. 68
وعلى المشهور الذي هو مذهب المدونة فإن صلى بالنجاسة عامدا أعاد أبدا، وناسيا أو عاجزا أعاد الظهرين للاصفرار، والعشاءين للفجر، والصبح لطلوع الشمس على المشهور، وقيل: يعيد الظهرين للغروب، وروي عن مالك، وقيل: يعيد العاجز للغروب، والناسي للاصفرار، واختاره ابن يونس، وروي في الصبح أنها إنما تعاد للإسفار، واختلف في الجمعة فقيل يخرج وقتها بالفراغ منها، وعزاه في النوادر لاختيار سحنون فلا تعاد، وعزاه ابن عرفة لرواية سحنون وابن الماجشون عن مالك، ونسب لهما أن وقتها يخرج بخروج مختار الظهر، فلا تعاد بعده، وقيل: تعاد ما لم تغرب الشمس، وعزاه في النوادر لابن حبيب نقله في المواهب، ومحل الإعادة الفرض الحاضر خاصة، وأما النافلة فلا تعاد إلا ركعتي الطواف فتعادان بالقرب، وأما الفائتة فلا تعاد على المشهور الذي هو قول مالك وعامة أصحابه خلافا لابن وهب، ومحل إعادة الفرض الحاضر إذا بقي من الوقت ما يسعه كله على ما نقله في المواهب عن ابن بشير، ونقل ابن عرفة في مختصره عن الباجي خلافه، ونصه: الباجي: إدراك ركعة من وقت الإعادة كإدراكه انتهى.
واعلم أن محل ما تقدم النجاسة المأمور بتطهيرها، وأما المعفو عنها فلغو بالأولى من الحدث الذي تقدم بيان ذلك فيه، ولا فرق في ذلك بين الفريضة والنافلة كما لا فرق بينهما في الحدث، ومحله أيضا النجاسة المحققة أو المظنونة ظنا قويا، وأما المشكوكة أو المظنونة ظنا ضعيفا فالمطلوب فيهما النضح لحديث الحصير الذي قد اسود من طول ما لبس (١) وغيره، وهو واجب على المشهور، وقيل مندوب، فإن صلى من غير نضح أعاد في الوقت، سواء تركه سهوا أو عمدا على المشهور، وقيل يعيد العامد أبدا، والساهي في الوقت، كترك غسل النجاسة، وقيل لا إعادة عليه مطلقا، وهذا مع تحقق النجاسة، فإن شك في نجاسة المصيب لم يجب عليه شيء، لا نضح ولا غسل، لأن الأصل في الأشياء الطهارة، مع غلبتها.
стр. 69
أماكن تمنع الصلاة فيها
٧٤ - ولا تصلينْ على البيت العتيق ... ولا تصل بمَحَجَّة الطريق
٧٥ - ومعطنِ الإبل والحمام ما ... لم يك طهره به قد جُزِما
٧٦ - ولا بمزبلة أو مقبرة ... كُفَّار أو كنيسة مجزرة
تمنع صلاة الفرض على ظهر الكعبة، فإن فعل أعاد أبدا كما قال مالك -رحمه الله تعالى -في المختصر، وذلك لعدم الاستقبال، وقال أشهب تجوز صلاة الفريضة عليها، وبه أخذ محمد بن عبد الحكم، قال: وهو كمن صلى على أبي قبيس فإنما يصلي إلى حيال الكعبة من السماء إلى الأرض، قال أبو الحسن اللخمي: وليس هذا بحسن، وإنما ورد الخطاب في الصلاة إلى الكعبة، ومن صلى عليها لم يصل إليها، والمصلي على أبي قبيس يصلي إليها، وكذلك ينوي من غاب عنها، ولو نوى الصلاة إلى ما فوق خاصة لم تجزه الصلاة.
الجلاب: ولا بأس بنفله عليها، وقال ابن حبيب: النفل عليها ممنوع، وأما الصلاة في جوفها فهي جائزة في النفل الذي ليس بمؤكد اتفاقا، لصلاته -صلى الله تعالى عليه وسلم - فيها، (١) بخلاف الفرض والنفل المؤكد على المشهور، قال مالك في المدونة: لا يصلي في الكعبة ولا في الحجر فريضة، ولا ركعتا الطواف الواجب، ولا الوتر، ولا ركعتا الفجر، وأما غير ذلك من ركوع الطواف والنوافل فلا بأس به انتهى.
فإن صلى فيها فرضا أعاد في الوقت على المشهور وهو الذي لمالك -رحمه الله تعالى - في المدونة، وقال أصبغ يعيد أبدا، ولم ير أشهب عليه إعادة، واختار اللخمي جواز ذلك ابتداء مستبعدا الفرق بين الفرض والنفل.
стр. 70
وإذا صلى فيها نفلا فليجعل الباب خلفه، كما رجع إليه مالك - رحمه الله تعالى- وتكره الصلاة في معاطن الإبل وإن بسط فيها شيئا طاهرا كما روى ابن حبيب، وزاد ابن عبدوس في رواية ابن القاسم: ولو لم يجد غيره، فإن صلى فيها أعاد العامد والجاهل أبدا، عند ابن حبيب، والناسي في الوقت، وقال أصبغ: يعيد في الوقت مطلقا، وسمع يحيى ابن القاسم: إن سلم المعطن من نجاسة الناس فلا بأس نقله ابن عرفة، ومعطن الإبل قال المازري: مبركها عند الماء، وأما مرابض الغنم والبقر فلا كراهة في الصلاة فيها إن لم تعلم نجاستها، وقد جاء أنه صلى الله تعالى عليه وسلم سئل عن الصلاة في مبارك الإبل؟ فقال: " لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين " وسئل عن الصلاة في مرابض الغنم؟ فقال: " صلوا فيها فإنها بركة (١) " وهذا الحديث بين في طهارة فضلة الإبل والغنم، وتكره الصلاة في محجة الطريق والمزبلة والمجزرة لغلبة النجاسة فيها، قال في المدونة: أكرهها لما يقع بها من روث الدواب وبولها، وصلاة من صلى بها تامة ولو كانا بها انتهى.
وهذا مراعاة للأصل، وقال ابن حبيب: يعيد أبدا إن تعمد أو جهل، وإن نسي ففي الوقت، وهذا مراعاة للغالب، والمشهور إعادة الكل في الوقت، وهذا إذا صلى بها اختيارا، وأما المضطر كالمسافر ومن يضيق بهم الجامع في الجمعة فلا، وللعلة المتقدمة قال في الطراز: والطريق القليلة الخاطر في الصحاري تخالف ذلك، وكذلك لو كان في الطريق مكان مرتفع لا تصل إليه الدواب نقله في المواهب، وقال سيدي زروق -رحمه الله تعالى ـ: ولا خلاف في طهارة الدارسة العافية من آثار أهلها مزبلة كانت أو مجزرة أو كنيسة انتهى.
وأما ما علمت طهارته من ذلك أو نجاسته فحكمه واضح.
стр. 71
وتكره الصلاة في الحمام حيث لا تستيقن طهارته، وكرهها القاضي عبد الوهاب فيه مطلقا، وتكره الصلاة بمقبرة المشركين وظاهر تقييد الشيخ بكونها للمشركين جوازها في مقابر المسلمين، وهو قول ابن حبيب معللا بأن مقبرة المشركين حفرة من حفر النار، وألحقت بها مقابر المسلمين إذا نبشت لأجل النجاسة، وقيل تكره الصلاة بالمقبرة مطلقا، ووجهه حديث " الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام " (١) وقيل تجوز مطلقا، ووجهه التعلق بعموم " جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا (٢) " وقال القاضي عبد الوهاب تكره في الجديدة، ولا تجوز في القديمة إن نبشت إلا ببساط طاهر عليها.
وينهى عن الصلاة في الكنيسة للنجاسة والصور، فإن وقعت الصلاة في الكنيسة العامرة فإن تحققت نجاستها فواضح، وإن لم تتحقق فاختلف في إعادة الصلاة على ثلاثة أقوال، فقيل تعاد وقتا قاله سحنون، وقيل وقتا ما لم يضطر فلا يعيد، وهو سماع أشهب، وعزاه ابن رشد للمدونة أيضا، وقيل يعيد العامد والجاهل أبدا، والمضطر والناسي في الوقت، قاله ابن حبيب، والصلاة في الكنيسة الداثرة من آثار أهلها جائزة باتفاق إن اضطر إلى النزول فيها وإلا كره، وهو ظاهر قول ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - ونقل المازري عن ابن حبيب أن من صلى ببيت كافر، أو مسلم لا يتنزه من نجاسة يعيد أبدا.
وينهى عن الصلاة على الثلج على ما في المواهب عن سند، قال لفرط برودته المانعة من التمكن من السجود كالمكان الحرج انتهى.
وهذه العلة تقتضي الكراهة في الرمضاء الشديدة الحر، والظاهر أن هذا حيث لم يخف من ذلك مرضا، وإلا اتجه أن يكون كالخضخاض والله أعلم.
стр. 72
٧٧ - ويلبس الرجل ثوبا سترا ... رداء اَو درعا اَوَ اَمرا آخرا
٧٨ - وكرهوا صلاتَه بغير ... ثوبٍ للاكتاف يُرى ذا سَتر
٧٩ - وتلبس المرأة ثوبا كثُفا ... سَتَر ظهرَ القدمين وضَفا
٨٠ - مع القناع، وبكفيها بلا ... سَترٍ عليهما تباشر الملا
الرداء: ثوب يُلْتَحف به، والدرع: ما يسلك في العنق، وكثُف الشيء كثافة: غلظ وكثر والتف، وضفا الثوب: سبغ، يستعمل لازما ومتعديا، والقناع: ما تغطي به المرأة رأسها، والملا المراد به الأرض.
أشار بهذه الأبيات إلى طلب ستر العورة في الصلاة، وقد اختلف في شرطيته لصحة الصلاة مع العلم والقدرة وعدمها، كما اختلف على الثاني في وجوبه وسنيته، قال ابن عطاء الله تعالى: والمعروف من المذهب أن ستر العورة المغلظة من واجبات الصلاة، وشرط فيها مع العلم والقدرة.
وفي الحديث " لا يقبل الله تعالى صلاة من حائض إلا بخمار " قال اللخمي في التبصرة: وإذا لم تجزها الصلاة إذا لم تخمر رأسها كان أحرى أن لا تجزئها إذا بدا شيء من جسدها.
وأشار في البيت الأول إلى أن الرجل يؤمر أن يلبس ثوبا ساترا من غير تحديد درعا أو رداء أو غيرهما، وقد اختلف في ما يجب عليه ستره، قال ابن شاس في جواهره: أجمعت الأمة على أن السوأتين منهم -يعني الرجال -عورة، واختلفوا في ما عدا ذلك، وفي المذهب ثلاثة أقوال أحدها أن لا عورة إلا السوأتان، الثاني أن العورة من السرة إلى الركبة وهما داخلتان في ذلك، والثالث هذا التحديد لكنهما غير داخلتين، وروى القاضي أبو الفرج ما ظاهره إيجاب ستر جميع بدن الرجل في الصلاة.
وأشار بقوله: وكرهوا صلاته بغير ... البيت، إلى أنه يكره للرجل أن يصلي بثوب ليس على أكتافه منه شيء مختارا، قال سيدي زروق -رحمه الله تعالى ـ: وإنما يكره على الخلاف وعدم التجمل فقد قال ابن عمر -رضي الله تعالى عنهما -لنافع: أليس قد كسوتك ثوبين؟ قال: نعم، قال: أتريد أن تخرج للسوق دونهما؟ قال: لا، قال: فالله أحق أن يتجمل له انتهى.
стр. 73
وقد قال صلى الله تعالى عليه وسلم: " لا يصلين أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه شيء " (١) قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى ـ: وفي إعادة مصل بسراويل فقط اختيارا قولان لها ولأشهب، ابن حارث: والإزار كذلك.
وقال في التبصرة: وإن صلى الصبي في مئزر فواسع، وأن يعم ستر جميع جسده أحسن.
وإن صلى عريانا أعاد في الوقت، وإن صلى بلا وضوء - ذكرا كان أو أنثى - فقال أشهب يعيد أبدا، وقال سحنون يعيد في ما قرب كاليومين والثلاثة، قال ابن ناجي: وقول أشهب بعيد، لأنه قلب النفل فرضا، للاتفاق على أن من لم يبلغ إنما يؤمر بالصلاة تمرينا، فكيف يعيدها بعد بلوغه على ظاهر قوله يعيد أبدا؟ أرأيت إن كان لا يصلي أيقول: يعيد أبدا؟!
والأوجه أنه إنما أراد نحو قول سحنون وعدم اختصاص الإعادة في ذلك بالوقت والله أعلم.
وأشار بالبيت الثالث إلى أن المرأة الحرة تؤمر أن تلبس ثوبا كثيفا سابغا، يستر بدنها حتى ظهور قدميها، إلا وجهها وكفيها، وقد روى في الموطإ عن محمد بن زيد بن قنفذ عن أمه أنها سألت أم سلمة -رضي الله تعالى عنها -ما ذا تصلي فيه المرأة من الثياب؟ فقالت: تصلي في الخمار والدرع السابغ إذا غَيّبَ ظهور قدميها.
وفي الجامع قال مالك: وإذا صلت المرأة بادية الشعر، أو الصدر، أو ظهر القدمين، أعادت في الوقت، قال ابن حبيب: قال أصبغ: وإنما أعادت في الوقت لأن الإعادة لم تكن في ذلك بالقوية عند أهل العلم، وسواء كانت جاهلة، أو عامدة، أو ناسية.
قال في التبصرة: وقال مالك في الجارية بنت إحدى عشرة، أو اثنتي عشرة سنة: تستر من نفسها ما تستره الحرة البالغة في الصلاة.
قال اللخمي: ولو كانت بنت ثمان سنين ونحوها لكان الأمر فيها أخف.
стр. 74
وفهم من وصف الثياب بأن تكون كثيفة ضافية، النهي عن الثوب الذي يشف، أو يصف، قال ابن رشد -رحمه الله تعالى ـ: ساوى ابن القاسم -رحمه الله تعالى ـ: بين صلاة المرأة دون خمار وبين صلاتها بخمار رقيق يبين قرطها أو عنقها، أو في درع رقيق يصف جسدها، للحديث " نساء كاسيات عاريات (١) " أي: كاسيات في الاسم والفعل، عاريات في الحكم والمعنى، وقال إنها تعيد إلى الإصفرار لا إلى الغروب، لأن الإعادة مستحبة فأشبهت النافلة، ولذا لم ير أن تصلي في وقت لا تصلى فيه نافلة، نقله في التاج.
وقال الباجي عن مالك: من صلى في ثوب خفيف يشف، أو رقيق يصف، أعاد، رجلا كان أو امرأة، ابن حبيب: إلا أن يكون رقيقا صفيقا لا يصف إلا عند ريح فلا يعيد.
وأشار بقوله: وبكفيها بلا ... البيت، إلى أنها تؤمر أن تباشر بيديها الأرض عند السجود بلا حائل كالرجل، قال ابن عرفة - رحمه الله تعالى - ابن حبيب: يستحب مباشرة الأرض بوجهه ويديه، ولا بأس بحائل لحر أو برد، وفي الجامع قال مالك - رحمه الله تعالى ـ: وأكره أن يسجد على الطنافس، وبسط الشعر والأدم، وثياب القطن والكتان، واللبود وأحلاس الدواب، ولا يضع كفيه عليها، ولا شيء على من صلى على ذلك، والصلاة على التراب والحصير أحب إلي. قال مالك: ولا بأس أن يقوم عليها وعلى غيرها من المصليات، ويركع ويجلس ويسجد على الأرض. قال ابن حبيب: وهو أقرب للتقوى، ولولا ذلك ما مضى الأمر على تحصيب المسجد، وتحصير غيرها، ويفرشها أهل الطول بأفضل من ذلك. ومن المدونة قال مالك: ولا بأس أن يسجد على الخمرة والحصير وما ينبت من الأرض، ويضع كفيه عليها.
قال عنه علي: والخمرة إنما تتخذ من الجريد وتظفر بالشراك.
стр. 75
باب صفة الوضوء ومسنونه ومفروضه وذكر الاستنجاء والاستجمار
٨١ - ووصْل الاستنجا بأعمال الوضو ... ليس من الأمر الذي يفترض
٨٢ - وهو من باب انحتام الطهر ... من النجاسات جميعا يجري
٨٣ - ومثله بذاك الاستجمار ... فما له لقصد افتقار
الاستنجاء - قال القاضي في التنبيهات ـ: غسل موضع الحدث بالماء، وأصله: إزالة النجو، وهو الحدث، وسمي نجوا لاستتار من يفعله بنجوة من الأرض عن أعين الناس، وهو: ما ارتفع من الأرض، وقد يقال أيضا في إزالة ذلك بالأحجار، وجاء في الحديث، وقيل سمي استنجاء من قولهم: نَجَوْتَ العودَ إذا قشرته، وقيل من النجا، وهو الخلاص من الشيء، وإذا زال عنه فقد تخلص منه، وسمي استجمارا من الجمار وهي الحجارة الصغار التي يزال بها، وقيل من الاستجمار بالبخور والحجر، لأنه يطيب الموضع كما يطيبه البخور نقله أبو الحسن في الشفاء.
وقد أشار في هذه الأبيات إلى أن الاستنجاء والاستجمار من الأخبثين لا يطلب اتصالهما بالوضوء، لا وجوبا ولا ندبا، فالخطاب بذلك خطاب مستقل عن الخطاب بالوضوء، فالخطاب به من قبيل الخطاب بإزالة النجاسة التي تقدم ذكر الخلاف فيها هل تجب وجوب الفرائض أو وجوب السنن المؤكدة، وأما الوضوء فلا خلاف بين المسلمين في وجوبه وجوب الفرائض، وأنه شرط في صحة الصلاة، والآية الكريمة والأحاديث الصحيحة الصريحة المتضافرة مانعة من الخلاف في ذلك.
وقد أشار الشيخ -رحمه الله تعالى -بهذا إلى رد ما تعتقده العامة من أن الاستنجاء من الوضوء.
قوله: فما له لقصد افتقار، هو مفرع على كونه من قبيل إزالة النجاسة، فتطهير النجاسة لا يتوقف على نية، لأنها من باب التروك، والتروك يخرج المكلف من عهدة الخطاب فيها مع عدم العلم أصلا، وقد حكى جماعة الإجماع على عدم اشتراط النية في طهارة الخبث، منهم ابن القصار وابن الصلاح من الشافعية كما في المواهب، قال ابن عرفة -رحمه الله تعالى -ونقل القرافي عن التلخيص شرط النية في إزالتها لا أعرفه، بل نقل ابن القطان الإجماع على لغوها.