Полный текст (825 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
وَالْخَامِسَة: مَا أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله [و] فِي [الدامغة] بالغين الْمُعْجَمَة وَهِي الَّتِي تصل إِلَى جلدَة الدِّمَاغ وتخرقها ثلث الدِّيَة أَيْضا كالمأمومة. فِي كتاب عَمْرو بن حزم مَرْفُوعا (وَفِي المأمومة ثلث الدِّيَة) وَعَن ابْن عمر مَرْفُوعا مثله، والدامغة أولى وصاحبها لَا يسلم غَالِبا. وَالْخمس الَّتِي فِيهَا حُكُومَة إِحْدَاهَا: مَا أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله وَفِي الحارصة بِالْحَاء وَالصَّاد الْمُهْمَلَتَيْنِ أَي الَّتِي تحرص الْجلد أَي تشقه وَلَا تدميه حُكُومَة، وَالثَّانيَِة: فِي البازلة وَهِي الدامعة بِالْعينِ الْمُهْملَة أَي الَّتِي تدميه حُكُومَة، وَالثَّالِثَة: فِي الباضعة أَي الَّتِي تبضع اللَّحْم أَي تشقه بعد الْجلد حُكُومَة، وَالرَّابِعَة: فِي المتلاحمة وَهِي الَّتِي أخذت فِي اللَّحْم حُكُومَة، وَالْخَامِسَة: فِي السمحاق وَهِي الَّتِي بَينهَا وَبَين الْعظم قشرة رقيقَة تسمى السمحاق سميت الْجراحَة الْوَاصِلَة إِلَيْهَا بهَا فَفِي هَذِه الْخمس حُكُومَة لِأَنَّهُ لَا تَوْقِيف فِيهَا من الشَّرْع وَلَا قِيَاس يَقْتَضِيهِ، وَعَن مَكْحُول قَالَ: قضى النَّبِي فِي الْمُوَضّحَة بِخمْس من الْإِبِل وَلم يقْض فِيمَا دونهَا، وَفِي الْجَائِفَة ثلث الدِّيَة وَهِي كل مَا وصل إِلَى بَاطِن الْجوف كداخل بطن وَلَو لم تخرق المعا وَظهر وَصدر وَحلق ومثانة وَبَين خصيين وَنَحْو ذَلِك، وَإِن جرح جانبا فَخرج من آخر فجائفتان نصا.
стр. 702
وَفِي كسر ضلع بِكَسْر الضَّاد الْمُعْجَمَة وَفتح اللَّام وتسكينها جبر مُسْتَقِيمًا وَفِي ترقوة كَذَلِك بعير، وَفِي الترقوتين بعيران، والترقوة بِفَتْح التَّاء الْعظم المستدير حول الْعُنُق من النَّحْر إِلَى الْكَتف لكل آدَمِيّ ترقوتان. وَإِن لم يجْبر الضلع والترقوة مستقيمين فَفِي كل مِنْهُمَا حُكُومَة. وَفِي كسر كل عظم من نَحْو زند بِفَتْح الزَّاي وعضد وفخذ وسَاق وذراع وَهُوَ الساعد الْجَامِع لعظمى الزند بعيران نصا، وَفِيمَا عدا ذَلِك من نَحْو جرح وَكسر عظم ككسر خرزة صلب وعصعص وَعظم عانة حُكُومَة، وَهِي أَن يقوم مجنى عَلَيْهِ كَأَنَّهُ قن لَا جِنَايَة عَلَيْهِ ثمَّ يقوم وَهِي بِهِ قد برأت فَمَا نقص من الْقيمَة بِالْجِنَايَةِ فللمجني عَلَيْهِ على جَان كنيسته من الدِّيَة، فَيجب فِيمَن قوم صَحِيحا بِعشْرين ومجنيا عَلَيْهِ بِتِسْعَة عشر نصف عشر دِيَته.
стр. 703
٣ - (فصل)
. فِي الْعَاقِلَة وَمَا تحمله وَهِي جمع عَاقل، يُقَال عقلت فلَانا إِذا أدّيت دِيَته وعقلت عَن فلَان إِذا غرمت عَنهُ دِيَة جِنَايَته، وَأَصله من عقل الْإِبِل وَهِي الحبال الَّتِي تشد بهَا أيديها إِلَى ركبتها.
وَقيل من الْعقل وَهُوَ الْمَنْع لأَنهم يمْنَعُونَ عَن الْقَاتِل، وَقيل لأَنهم يتحملون الْعقل وَهِي الدِّيَة سميت بذلك لِأَنَّهَا تعقل لِسَان ولي الْمَقْتُول. فَقَالَ ﵀: [وعاقلة جَان] ذكرا أَو أُنْثَى [ذُكُور عصبته نسبا وَوَلَاء] حَتَّى عمودى نسبه وَمن بعد كَابْن ابْن عَم جَان لَكِن لَو عرف نسبه من قَبيلَة وَلم يعلم من أَي بطونها لم يعقلوا عَنهُ. وَيعْقل هرم وزمن وأعمى وغائب كضدهم إِذا كَانُوا أَغْنِيَاء لاستوائهم فِي التَّعْصِيب وكونهم من أهل الْمُوَاسَاة وَلَا عقل على فَقير أَي من لَا يملك نِصَابا عِنْد حُلُول الْحول فَاضلا عَنهُ كحج وَكَفَّارَة ظِهَار وَلَو معتملا وَلَا على غير مُكَلّف كصغير أَو مَجْنُون أَو مَجْنُون وَلَا على امْرَأَة وَلَو مُعتقة وَلَا خُنْثَى مُشكل وَلَا على قن وَلَا مُخَالف دين جَان لفَوَات النُّصْرَة وَلَا تعاقل بَين ذمِّي
стр. 704
وحربي، ويتعاقل أهل ذمَّة اتّحدت مللهم، فَإِن اخْتلفت فَلَا تعاقل كَمَا لَا توارث، وَلَا يعقل عَن الْمُرْتَد أحد لَا مُسلم وَلَا ذمِّي لِأَنَّهُ لَا يقر فخطؤه فِي مَاله وَخطأ إِمَام وحاكم فِي حكمهَا فِي بَيت المَال، وَفِي غير حكمهَا على عاقلتهما، وَلَا تحمل الْعَاقِلَة عمدا رَجَب بِهِ قَود أَو لَا كجائفة ومأمومة وَلَا تحمل عبدا قتل عمدا أَو خطأ وَلَا دِيَة طرفه وَلَا جِنَايَته وَلَا تحمل صلحا أَي صلح إِنْكَار وَلَا تحمل اعترافا بِأَن يقر على نَفسه بِجِنَايَة خطأ أَو شبه عمد توجب ثلث دِيَة فَأكْثر وتنكر الْعَاقِلَة، وَلَا قيمَة دَابَّة وَلَا تحمل مَا دون ثلث الدِّيَة أَي دِيَة الْحر الْمُسلم الذّكر كَامِلَة، وَلَا تحمل الْعَاقِلَة يجب مُؤَجّلا فِي ثَلَاث سِنِين فِي آخر كل سنة ثلثه إِن كَانَ دِيَة كَامِلَة كدية نفس أَو طرف كأنف، وَإِن كَانَ الثُّلُث كدية المأمومة وَجب فِي آخر السّنة الأولى، وَإِن كَانَ نصف الدِّيَة كدية الْيَد أَو الرجل أَو الْمَرْأَة أَو الْكِتَابِيّ، أَو ثلثيها كدية المنخرين وَجب الثُّلُث فِي آخر السّنة الأولى وَالثلث الثَّانِي أَو السُّدس الْبَاقِي من النّصْف فِي آخر السّنة الثَّانِيَة. وَإِن كَانَ أَكثر من دِيَة مثل إِذا أذهب سمع إِنْسَان وبصره بِجِنَايَة وَاحِدَة فَفِي سِتّ سِنِين فِي كل سنة ثلث دِيَة. وَمن قتل نفسا مُحرمَة غير عمد أَي لم يتَعَمَّد قَتلهَا بِأَن كَانَ خطأ أَو شبه عمد أَو شَارك قَاتلا فِيهِ أَي الْقَتْل وَلَو لنَفسِهِ أَو قنه أَو مستأمن أَو معاهد أَو قتل بِسَبَب فِي حَيَاته أَو بعد مَوته كحفر بِئْر وَنصب سكين وَشَهَادَة زور، وَسَوَاء كَانَ الْمَقْتُول مُسلما أَو كَافِرًا مَضْمُونا حرا أَو عبدا صَغِيرا أَو كَبِيرا ذكرا أَو أُنْثَى، وَكَانَ الْقَاتِل كَافِرًا أَو عبدا أَو صَغِيرا
стр. 705
أَو مَجْنُونا أَو أُنْثَى أَو لَا أَو ضرب بطن حَامِل فَأَلْقَت جَنِينا مَيتا أَو حَيا ثمَّ مَاتَ لِأَنَّهُ نفس مُحرمَة لَا فِي قتل عمد مَحْض وَقتل أَسِير يُمكنهُ أَن يَأْتِي بِهِ الإِمَام فَقتله قبله وَقتل نسَاء حَرْب وذريتهم وَقتل من لم تبلغه الدعْوَة إِن وجد فَعَلَيهِ الْكَفَّارَة فِي مَاله الْجُمْلَة جَوَاب الشَّرْط. وَهِي أَي الْكَفَّارَة ككفارة ظِهَار أَي عتق رَقَبَة مُؤمنَة سليمَة من الْعُيُوب الْمضرَّة بِالْعَمَلِ فَإِن لم يجد فَصِيَام شَهْرَيْن مُتَتَابعين إِلَّا أَنَّهَا لَا إطْعَام أَي لَا يَكْفِي إطْعَام فِيهَا أَي فِي كَفَّارَة قتل. وَيكفر عد وسفيه ومفلس بِالصَّوْمِ لِأَنَّهُ لَا مَال لَهُ بِعِتْق مِنْهُ. وَيكفر من مَال غير مُكَلّف وليه فَيعتق عَنهُ رَقَبَة لعدم إِمْكَان الصَّوْم مِنْهُمَا وَلَا تدخله النِّيَابَة. وتتعدد الْكَفَّارَة بِتَعَدُّد قتل.
والقسامة بِفَتْح الْقَاف اسْم الْقسم أقيم مقَام الْمصدر من، أقسم إقساما وقسامة، فَهِيَ الْإِيمَان إِذا كثرت على وَجه الْمُبَالغَة وَهِي إِيمَان مكررة فِي دَعْوَى قتل مَعْصُوم فَلَا تكون فِي طرف وَلَا جرح، وشروط صِحَّتهَا عشرَة، أَحدهَا: اللوث وَهِي الْعَدَاوَة الظَّاهِرَة، وجد مَعهَا أثر قتل أَو لَا. وَلَو كَانَت مَعَ سيد مقتول، الثَّانِي: تَكْلِيف قَاتل لتصح الدَّعْوَى، الثَّالِث: إِمْكَان الْقَتْل مِنْهُ فَلَا تصح من نَحْو زمن، الرَّابِع: وصف الْقَتْل فِي الدَّعْوَى كَأَن يَقُول جرحه بِسيف وَنَحْوه فِي مَحل كَذَا من بدنه أَو خنقه وَنَحْوه فَلَو استحلفه حَاكم قبل تَفْصِيله لم يعْتد بِهِ.
стр. 706
الْخَامِس: طلب جَمِيع الْوَرَثَة، السَّادِس: اتِّفَاقهم على الدَّعْوَى فَلَا يَكْفِي عدم تَكْذِيب بَعضهم بَعْضًا إِذْ السَّاكِت لَا ينْسب إِلَيْهِ حكم، السَّابِع: اتِّفَاقهم على الْقَتْل فَإِن أنكر بَعضهم فَلَا قسَامَة، الثَّامِن: اتِّفَاقهم على عين قَاتل نصا، فَلَو قَالَ: بَعضهم قَتله زيد، وَبَعْضهمْ: عَمْرو، فَلَا قسَامَة، التَّاسِع: كَونهم بَينهم ذُكُور مكلفون، وَلَا يقْدَح غيبَة بَعضهم وَلَا عدم تَكْلِيفه وَلَا نُكُوله، فلذكر حَاضر مُكَلّف أَن يحلف لقسطه من الْأَيْمَان وَيسْتَحق نصِيبه من الدِّيَة، وَلمن قدم أَو كلف أَن يحلف بقسط نصِيبه وَيَأْخُذهُ، الْعَاشِر: كَون الدَّعْوَى على وَاحِد معِين فَلَو قَالُوا قَتله هَذَا مَعَ آخر أَو قَتله أَحدهمَا فَلَا قسَامَة. وَلَا يشْتَرط كَونهَا بقتل عمد لِأَنَّهَا حجَّة شَرْعِيَّة فَوَجَبَ أَن يثبت بهَا الْخَطَأ كالعمد. وَإِذا تمت شُرُوطهَا أَي الْقسَامَة بديء بِالْبِنَاءِ للْمَجْهُول بِإِيمَان ذُكُور عصبته أَي الْقَتِيل [الْوَارِثين فَيحلفُونَ خمسين يَمِينا كل وَاحِد بِقدر إِرْثه] من الْقَتِيل لِأَنَّهُ حق يثبت تبعا لميراث أشبه المَال [وَيجْبر كسر] كَابْن وَزوج فَيحلف الابْن ثَمَانِيَة وَثَلَاثِينَ، وَالزَّوْج ثَلَاثَة عشر. وَإِن كَانُوا ثَلَاثَة بَنِينَ حلف كل وَاحِد مِنْهُم سَبْعَة عشر يَمِينا، وَإِن انْفَرد وَاحِد بِالْإِرْثِ حَلفهَا، وَإِن جاوزوا خمسين حلف خَمْسُونَ كل وَاحِد يَمِينا. وَالسَّيِّد كالوارث فَإِن نكلوا أَي ذُكُور الْعصبَة من أَيْمَان الْقسَامَة أَو كَانَ الْكل نسَاء أَو خناثى حَلفهَا أَي الْخمسين يَمِينا مدعى عَلَيْهِ وبريء إِن
стр. 707
رَضوا بأيمانه وَمَتى نكل لَزِمته الدِّيَة. وَإِن نكلوا وَلم يرْضوا بِيَمِينِهِ فدى الإِمَام الْقَتِيل من بَيت المَال كميت فِي زحمة جُمُعَة وَطواف، فَإِن تعذر لم يجب على الْمُدعى عَلَيْهِ شَيْء. وَإِن كَانَ فِي مَحل الْقَتْل فِي الزحمة من بَينه وَبَينه عَدَاوَة أَخذ بِهِ إِذا تمت شُرُوط الْقسَامَة، نَقله مهنأ، قَالَ القَاضِي فِي قوم ازدحموا فِي مضيق وَتَفَرَّقُوا عَن قَتِيل: إِن كَانَ فِي الْقَوْم من بَينه وَبَينه عَدَاوَة وَأمكن أَن يكون هُوَ قَتله فَهُوَ لوث. انْتهى. وَإِذا حلف الْأَوْلِيَاء استحقوا الْقود إِذا كَانَت الدَّعْوَى أَنه قَتله عمدا إِلَّا أَن يمْنَع مَانع كَعَدم الْمُكَافَأَة. وَصفَة الْيَمين أَن يَقُول الْوَارِث: وَالله الَّذِي لَا إِلَه إِلَّا هُوَ عَالم خَائِنَة الْأَعْين وَمَا تخفي الصُّدُور لقد قتل فلَان ابْن فلَان الْفُلَانِيّ وَيُشِير إِلَيْهِ فلَانا ابْني أَو أخي مُنْفَردا بقتْله مَا شَاركهُ غَيره عمدا أَو شبه عمد أَو خطأ بِسيف أَو بِمَا يقتل غَالِبا وَنَحْو ذَلِك فَإِن اقْتصر على لَفظه (وَالله) كفى، وَيكون بِالْجَرِّ فَإِن قَالَ وَالله مضموما أَو مَنْصُوبًا أَجْزَأَ قَالَ ١٦ (القَاضِي) : تَعَمّده أَو لم يتَعَمَّد، لِأَنَّهُ لحن لَا يحِيل الْمَعْنى، وَبِأَيِّ اسْم من أَسمَاء الله تَعَالَى، أَو صفة من صِفَات ذَاته حلف أَجْزَأَ إِذا كَانَ إِطْلَاقه ينْصَرف إِلَى الله تَعَالَى. وَيَقُول الْمُدعى عَلَيْهِ: وَالله مَا قتلته وَلَا شاركت فِي قَتله وَلَا فعلت شَيْئا مَاتَ مِنْهُ وَلَا كَانَ سَببا فِي مَوته وَلَا معينا عَلَيْهِ.
стр. 708
(كتاب الْحُدُود)
. جمع حد، وَهُوَ لُغَة الْمَنْع، وَمِنْه قيل للبواب حداد. وحدود الله تَعَالَى مَحَارمه لقَوْله تَعَالَى (تِلْكَ حُدُود الله فَلَا تقربوها) هِيَ أَيْضا مَا حَده وَقدره كالمواريث وتزويج الْأَرْبَع لقَوْله تَعَالَى (تِلْكَ حُدُود الله فَلَا تعتدوها) وَمَا حَده الشَّرْع لَا يجوز فِيهِ زِيَادَة وَلَا نُقْصَان، وَشرعا عُقُوبَة مقدرَة من الشَّارِع فِي مَعْصِيّة من زنا وَقذف وَشرب وَقطع طَرِيق وسرقة لتمنع من الْوُقُوع فِي مثلهَا سمى بذلك إِمَّا من الْمَنْع لمَنعه الْوُقُوع فِي مثل تِلْكَ الْمعْصِيَة، أَو من التَّقْدِير لِأَنَّهُ مُقَدّر شرعا، أَو من معنى الْمَحَارِم لِأَنَّهُ كَفَّارَة لَهَا وزواجر عَنْهَا. والجنايات الْمُوجبَة للحد خمس: الزِّنَا وَالْقَذْف وَالسَّرِقَة وَقطع الطَّرِيق وَشرب الْخمر، وَأما الْبَغي على إِمَام الْمُسلمين وَالرِّدَّة فقد عدهما قوم فِيمَا يُوجب الْحَد لِأَنَّهُ يقْصد بقتالهم الْمَنْع من ذَلِك، وَلم يعدهما قوم مِنْهَا لِأَنَّهُ لم يقْصد فِيهَا الزّجر عَمَّا سبق والعقوبة عَلَيْهِ، وَإِنَّمَا يُقَاتلُون للرُّجُوع عَمَّا هم عَلَيْهِ من ترك الطَّاعَة وَالْكفْر.
стр. 709
لَا تجب الْحُدُود إِلَّا على مُكَلّف وَهُوَ الْبَالِغ الْعَاقِل لحَدِيث (رفع الْقَلَم على ثَلَاثَة) ، وَالْحَد أولى بالسقوط من الْعِبَادَات لعدم التَّكْلِيف، لِأَنَّهُ يدْرَأ بِالشُّبْهَةِ، وَمن يخنق إِن أقرّ فِي إِقَامَته أَنه زنا فِي إِقَامَته، أَخذ بِإِقْرَارِهِ وحد، وَإِن أقرّ فِي إِقَامَته أَنه زنى وَلم يضفه إِلَى حَال أَو شهِدت بَيِّنَة أَنه زنى وَلم تضفه إِلَى حَال إِفَاقَته، فَلَا حد للاحتمال، وَكَذَا لَا حد على نَائِم ونائمة مُلْتَزم أحكامنا من مُسلم وذمى بِخِلَاف حربى ومستأمن عَالم بِالتَّحْرِيمِ لقَوْل عمر وَعُثْمَان وَعلي ﵃ وَعَن سَائِر الصَّحَابَة وعنى بهم: لَا حد إِلَّا على من علمه، فَلَا حد على من جهل تَحْرِيم الزِّنَا، أَو عين الْمَرْأَة كَأَن زفت إِلَيْهِ غير امْرَأَته فَوَطِئَهَا ظَانّا أَنَّهَا زَوجته وَنَحْو ذَلِك أَو تدفع لَهُ جَارِيَة غَيره فيتركها مَعَ جواريه ثمَّ يَطَؤُهَا ظَانّا أَنَّهَا من جواريه اللَّاتِي يملكهن لحَدِيث (ادرؤا الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُم) . وَتحرم الشَّفَاعَة فِي حد الله تَعَالَى وقبولها بعد أَن يبلغ الإِمَام، وَتجب إِقَامَة الْحَد وَلَو كَانَ مقيمه شَرِيكا فِي تِلْكَ الْمعْصِيَة قَالَه الشَّيْخ تَقِيّ الدّين وَغَيره لما ذكره الْعلمَاء من أَصْحَابنَا وَغَيرهم، أَن الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر لَا يسْقط بذلك بل عَلَيْهِ أَن يَأْمر وَينْهى وَلَا يجمع بَين معصيتين
стр. 710
وعَلى إِمَّا أَو نَائِبه إِقَامَتهَا أَي الْحُدُود، سَوَاء الْحُدُود، سَوَاء كَانَت لله كَحَد زنا أَو لآدَمِيّ كَحَد قذف، وَلِأَنَّهُ يفْتَقر إِلَى اجْتِهَاد، وَلَا يُؤمن فِيهِ الحيف فَوَجَبَ تفويضه إِلَى نَائِب الله تَعَالَى فِي خلقه. ولسيد حر مُكَلّف عَالم بِالْحَدِّ وشروطه وَلَو فَاسِقًا أَو امْرَأَة إِقَامَته بجلد وإقامته تَعْزِير على رَقِيق كُله لَا مبعض، وَلَو مكَاتبا أَو مَرْهُونا أَو مُسْتَأْجرًا وَتحرم إِقَامَته بِالْمَسْجِدِ، وأشده جلد الزِّنَا فالقذف فالشرب فالتعزير، وَيضْرب رجل الْحَد حَال كَونه قَائِما، ليعطي كل عُضْو حَقه من الضَّرْب بِسَوْط وَهُوَ مَا بَين الْقَضِيب والعصا لَا خلق نصا بِفَتْح اللَّام لِأَنَّهُ لَا يؤلم وَلَا جَدِيد لِئَلَّا يجرج، وَفِي الرِّعَايَة: بَين الْيَابِس وَالرّطب. وَعَن عَليّ: ضرب بَين ضَرْبَيْنِ وسوط بَين سوطين، وَأي لَا شَدِيد فَيقْتل وَلَا ضَعِيف فَلَا يردع. وَإِن كَانَ مَغْصُوبًا أَجْزَأَ، وَإِن رأى الإِمَام الْجلد فِي حد الْخمر بِالْجَرِيدِ وَالنعال وَالْأَيْدِي فَلهُ ذَلِك، وَلَا يمد الْمَحْدُود وَلَا يرْبط وَلَا تشد يَده وَلَا يجرد من ثِيَابه بل يكون عَلَيْهِ غير ثِيَاب شتاء قَمِيص وقميصان، وَإِن كَانَ عَلَيْهِ فرو أَو جُبَّة محشوة نزعت، ويبالغ فِي ضربه بِحَيْثُ يشق الْجلد. وَلَا يُبْدِي أَي يظْهر ضَارب إبطه فِي رفع يَده للضرب نصا وَيسن تفريقه أَي الضَّرْب على الْأَعْضَاء ليَأْخُذ كل عُضْو حَظه من الضَّرْب، وتوالي ضرب عُضْو وَاحِد يُؤَدِّي إِلَى قَتله وَهُوَ مَأْمُور بِعَدَمِهِ. قَالَ
стр. 711
فِي الشَّرْح: وَيكثر مِنْهُ فِي مَوَاضِع اللَّحْم كالأليتين والفخذين وَيضْرب من جَالس ظَهره وَمَا قاربه. وَيجب فِي الْجلد اتقاء وَجه واتقاء رَأس وَفرج واتقاء كل مقتل كفؤاد وخصيتين لِئَلَّا يُؤَدِّي ضربه فِي شَيْء من ذَلِك إِلَى قَتله وإذهاب مَنْفَعَة وَالْقَصْد أدبه وَامْرَأَة كَرجل لَكِن تضرب جالسة لقَوْل ١٩ (عَليّ ﵁ : تضرب الْمَرْأَة جالسة وَالرجل قَائِما وتشد عَلَيْهَا ثِيَابهَا وَتمسك يداها لِئَلَّا تنكشف لِأَن الْمَرْأَة عَورَة وَفعل ذَلِك أستر لَهَا، وَيعْتَبر للحد نِيَّة بِأَن ينويه لله تَعَالَى، فَإِن جلده للتشفي أَثم وَلَا يُعِيدهُ، وَلَا يُؤَخِّرهُ لمَرض وَلَو رجى زَوَاله وَلَا لحر أَو برد، فَإِن كَانَ الْحَد جلدا وَخيف من السَّوْط، لم يتَعَيَّن فيقام بِطرف ثوب وعثكول نخل بِوَزْن عُصْفُور، وَيُؤَخر لسكر حَتَّى يصحو شَارِب نصا، فَلَو خَالف سقط إِن أحس بألم الضَّرْب وَإِلَّا فَلَا، وَلَا تعْتَبر الْمُوَالَاة فِي الْحُدُود، وَقَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: وَفِيه نظر، وَاقْتصر عَلَيْهِ فِي الْفُرُوع وَغَيره، وَإِن زَاد فِي الْحَد سَوْطًا أَو أَكثر عمدا أَو خطأ أَو فِي السَّوْط أَو اعْتمد فِي ضربه مَا لَا يحْتَملهُ ضمنه بِكُل الدِّيَة كَمَا إِذا ألْقى على سفينة حجر فغرقها، فَإِن كَانَت الزِّيَادَة من الجلاد من غير أَمر فَالضَّمَان على عَاقِلَته، وَمن أَمر بِزِيَادَة فَزَاد جَاهِلا تَحْرِيمهَا ضمن الْآمِر فالضارب، وَلَو تعمد العادَّ فَقَط أَو أَخطَأ وَادّعى الضَّارِب الْجَهْل ضمنه الْعَاد وتعمد الإِمَام الزِّيَادَة شبه عمد على الْعَاقِلَة
стр. 712
[وَلَا يحْفر لمرجوم] لأَجله وَلَو أُنْثَى وَلَو ثَبت بِبَيِّنَة. وَيجب فِي إِقَامَة حد زنا حُضُور إِمَام أَو نَائِبه وَطَائِفَة من الْمُؤمنِينَ وَلَو وَاحِدًا، وَمن حُضُور من شهد بِالزِّنَا وبداءتهم بِالرَّجمِ فَلَو ثَبت بِإِقْرَار سنّ بداءة إِمَام أَو من يقيمه مقَامه، وَمَتى رَجَعَ مقرّ بِالزِّنَا أَو السّرقَة أَو الشّرْب قبل إِقَامَته وَلَو بعد الشَّهَادَة على إِقْرَاره لم يقم عَلَيْهِ، وَإِن رَجَعَ فِي أَثْنَائِهِ أَو هرب ترك، وَإِن ثَبت بِبَيِّنَة فِي الْفِعْل فهرب لم يتْرك وَيحرم بعد حد حبس وإيذاء بِكَلَام كالتعبير، وَالْحَد كَفَّارَة لذَلِك الذَّنب نَص عَلَيْهِ. وَمن أَتَى حدا ستر على نَفسه وَلم يسن أَو يقر بِهِ عِنْد الْحَاكِم. وَإِن اجْتمعت حُدُود الله تَعَالَى من جنس وَاحِد بِأَن زنى مرَارًا أَو سرق مرَارًا أَو شرب مرَارًا تداخلت، فَلَا يحد سوى مرّة فحكاه ابْن الْمُنْذر إِجْمَاع كل من يحفظ عَنهُ من أهل الْعلم لِأَن الْغَرَض الزّجر عَن إتْيَان مثل ذَلِك فِي الْمُسْتَقْبل، وَهُوَ حَاصِل بِحَدّ وَاحِد كالكفارات من جنس، وَإِن اجْتمعت من أَجنَاس كَأَن شرب وزنى وسرق فَلَا تتداخل بل يجب أَن يبْدَأ بالأخف فالأخف فَيحد لشرب أَو لَا ثمَّ لزنا ثمَّ يقطع وَإِن كَانَ فِيهَا قتل استوفى وَحده. وتستوفى حُقُوق آدَمِيّ كلهَا سَوَاء كَانَ فِيهَا قتل أَو لَا. وَيبدأ بِغَيْر قتل بالأهم وجوبا وَلَا يسْتَوْفى حد حَتَّى يبرأ مَا قبله. وَمن قتل أَو أَتَى حدا خَارج حرم مَكَّة ثمَّ لَجأ إِلَيْهِ أَو لَجأ حربى أَو مُرْتَد إِلَيْهِ، وَحرم أَن يُؤَاخذ حَتَّى بِدُونِ قتل لقَوْله تَعَالَى ١٩ ((وَمن دخله كَانَ آمنا)) لَكِن لَا يُبَايع وَلَا يشاري وَلَا يكلم حَتَّى يخرج فيقام عَلَيْهِ.
стр. 713
وَمن قتل أَو أَتَى حدا أَو قطع طرفا أَو ارْتَدَّ فِيهِ أَخذ بِهِ فِيهِ لقَوْله تَعَالَى ١٩ ((وَلَا تقاتلوهم فِي الْمَسْجِد الْحَرَام حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ)) الْآيَة وَلَا تعصم الْأَشْهر الْحرم شَيْئا من الْحُدُود والجنايات. فَلَو أَتَى شَيْئا من ذَلِك ثمَّ دخل شهر حرَام أقيم عَلَيْهِ مَا وَجب قبله. وَإِذا أَتَى حدا أَو قودا وَهُوَ بِأَرْض الْعَدو لم يُؤَاخذ بِهِ حَتَّى يرجع إِلَى دَار الْإِسْلَام لِأَنَّهُ رُبمَا تلْحقهُ حمية الشَّيْطَان فَيلْحق بالكفار وَمن مَاتَ وَعَلِيهِ حد سقط عَنهُ. وَإِذا ثَبت الزِّنَا فيرجم زَان وَهُوَ الزِّنَى بِالْقصرِ عِنْد أهل الْحجاز وبالمد عِنْد تَمِيم وَهُوَ فعل الْفَاحِشَة فِي قبل أَو دبر وَهُوَ من أكبر الْكَبَائِر الْعِظَام وَأَجْمعُوا على تَحْرِيمه لقَوْله تَعَالَى ١٩ ((وَلَا تقربُوا الزِّنَا إِنَّه كَانَ فَاحِشَة وساء سَبِيلا)) وَقَالَ تَعَالَى ١٩ ((وَالَّذين لَا يدعونَ مَعَ الله إِلَهًا آخر وَلَا يقتلُون النَّفس الَّتِي حرم الله إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يزنون وَمن يفعل ذَلِك يلق أثاما)) الْآيَة مُحصن مُكَلّف نعت بعد نعت بحجارة مُتَعَلق بيرجم متوسطة كَالْكَفِّ فَلَا يَنْبَغِي أَن يثخن بصخرة كَبِيرَة وَلَا أَن يطول عَلَيْهِ بحصيات خَفِيفَة. وَيَتَّقِي الْوَجْه حَتَّى يَمُوت وَلَا يجلد قبله وَلَا يَنْفِي. وَغَيره أَي الْمُحصن يجلد مائَة جلدَة بِلَا خلاف ويغرب إِلَى مَا يرَاهُ الإِمَام عَاما كَامِلا مُسلما كَانَ أَو كَافِرًا، وَلَو أُنْثَى بِمحرم باذل نَفسه مَعهَا وجوبا وَعَلِيهِ أجرته فَإِن تَعَذَّرَتْ مِنْهَا فَمن بَيت المَال فَإِن أَبى أَو تعذر فوحدها مَسَافَة قصر، ويغرب غَرِيب ومغرِّب إِلَى غير وطنيهما
стр. 714
ويجلد رَقِيق خمسين جلدَة لقَوْله تَعَالَى ١٩ ((فعليهن نصف مَا على الْمُحْصنَات من الْعَذَاب)) وَالْعَذَاب الْمَذْكُور فِي الْقُرْآن مائَة جلدَة فَيَنْصَرِف التنصيف إِلَيْهِ دون غَيره، وَالرَّجم لَا يتأتي تنصيفه، وَلَا يغرب، لِأَنَّهُ عُقُوبَة لسَيِّده دونه إِذْ العَبْد لَا ضَرَر عَلَيْهِ فِي تغريبه، لِأَنَّهُ غَرِيب فِي مَوْضِعه، ويترفه فِيهِ بترك الْخدمَة ويتضرر سَيّده بتفويت خدمته والإنفاق عَلَيْهِ بعده عَنهُ فَيصير الْجلد مَشْرُوعا فِي حق الزَّانِي وَالضَّرَر على غير الْجَانِي. ويجلد مبعض زنى بِحِسَابِهِ فيهمَا الْجلد والتغريب، فالمنصف يجلد خمْسا وَسبعين جلدَة ويغرب نصف عَام ويحسب زمن التَّغْرِيب عَلَيْهِ من نصِيبه الْحر. وَمن ثلثه حر لزمَه ثلثا حد الْحر سِتّ وَسِتُّونَ جلدَة وَسقط الْكسر لِأَن الْحَد مَتى دَار بَين الْوُجُوب والإسقاط أسقط، ويغرب ثلث عَام وَالْمكَاتب وَالْمُدبر وَأم الْوَلَد وَالْمُعَلّق عتقه بِصفة كالقن فِي الْجد لِأَنَّهُ رَقِيق كُله. وَإِن زنى مُحصن ببكر أَو عَكسه فَلِكُل حَده. وزان بِذَات محرم كبغيرها. ولوطى فَاعل ومفعول كزان، فَمن كَانَ مِنْهُمَا مُحصنا رجم وَغير الْمُحصن الْحر يجلد مائَة ويغرب عَاما، وَالرَّقِيق خمسين. والمبعض بِحِسَابِهِ، ومملوكه إِذا لَاطَ بِهِ كأجنبي. وَمن زنى ببهيمة عزّر وَتقتل مأكولة كَانَت أَو لَا لِئَلَّا يعير بهَا لَكِن لَا تقتل إِلَّا بِالشَّهَادَةِ على فعله بهَا إِن لم تكن ملكه لِأَنَّهُ لَا يقبل إِقْرَاره على ملك غَيره وَيَكْفِي إِقْرَاره إِن ملكهَا وَيحرم أكلهَا وَعَلِيهِ ضَمَانهَا،
стр. 715
والمحصن من وطيء زَوجته لَا سريته بِنِكَاح صَحِيح لَا بَاطِل وَلَا فَاسد، وَلَو كِتَابِيَّة فِي قبلهَا وَلَو فِي زمن حيض أَو صَوْم أَو إِحْرَام وَنَحْوه وَلَو مرّة وَاحِدَة وهما مكلفان حران وَلَو ذميين أَو مستأمنين. وشروطه أَي حد الزِّنَا ثَلَاثَة: أَحدهَا: تغييب حَشَفَة أَصْلِيَّة من مُكَلّف وَلَو خَصيا فَلَا حد على صَغِير أَو مَجْنُون، وَإِن زنى ابْن عشر أَو بنت تسع عزرا، قَالَه فِي الرَّوْضَة، وَقَالَ فِي الْمُبْدع: يُعَزّر غير الْبَالِغ مِنْهُمَا. انْتهى. أَو تغييب قدرهَا لعدمها فِي فرج أُصَلِّي لآدَمِيّ حَيّ، فَإِن وطيء ميتَة عزّر وَلَا حد وَلَو دبرا لذكر أَو أُنْثَى. وَالشّرط الثَّانِي: انْتِفَاء الشُّبْهَة لحَدِيث (ادرأوا الْحُدُود بِالشُّبُهَاتِ مَا اسْتَطَعْتُم) فَلَو وطيء زَوجته أَو سريته فِي حيض أَو فِي نِفَاس أَو فِي دبرهَا، أَو أمته الْمُحرمَة أبدا برضاع أَو غَيره لموطوءة أَبِيه وَأم زَوجته وَأمته الْمُزَوجَة أَو الْمُرْتَدَّة أَو الْمُعْتَدَّة أَو الْمَجُوسِيَّة أَو أمة لَهُ أَو لوَلَده أَو لبيت المَال فِيهَا شرك، أَو فِي نِكَاح مُخْتَلف فِيهِ يعْتَقد تَحْرِيمه كَنِكَاح مُتْعَة أَو بِلَا ولي، أَو فِي شِرَاء فَاسد بعد قبض الْمَبِيع أَو فِي ملك بِعقد فُضُولِيّ وَلَو قبل الْإِجَازَة أَو وطيء امْرَأَة على فرَاشه أَو منزله ظَنّهَا زَوجته أَو أمته ظن أَن لَهُ أَو لوَلَده فِيهَا شركا أَو جهل تَحْرِيم الزِّنَا لقرب إِسْلَامه أَو نشوئه ببادية بعيدَة عَن الْقرى، أَو جهل تَحْرِيم نِكَاح بَاطِل إِجْمَاعًا وَمثله يجهله أَو ادّعى أَنَّهَا زَوجته وَأنْكرت، فَلَا حد عَلَيْهِ فِي الْجَمِيع لِأَن دَعْوَاهُ ذَلِك شُبْهَة لاحْتِمَال صَدَقَة، ثمَّ إِن أقرَّت أَرْبعا بِأَنَّهُ زنى
стр. 716
بهَا مطاوعة عَالِمَة بِالتَّحْرِيمِ حدت وَحدهَا وَلَا مهر نصا. وَإِن وطيء فِي نِكَاح بَاطِل إِجْمَاعًا مَعَ علمه كَنِكَاح مُزَوّجَة أَو مُعْتَدَّة من غير زنا أَو خَامِسَة أَو ذَات محرم من نسب أَو رضَاع أَو زنى بحربية مستأمنة أَو بِمن اسْتَأْجرهَا لزنا أَو غَيره أَو بِمن لَهُ عَلَيْهَا قَود أَو بِامْرَأَة ثمَّ تزَوجهَا، أَو ملكهَا أَو أقرّ عَلَيْهَا فَسَكَتَتْ أَو جحدت أَو بمجنونة أَو صَغِيرَة يُوطأ مثلهَا أَو أمته الْمحرم بِنسَب أَو زنا مكْرها أَو جَاهِلا لوُجُوب الْعقُوبَة، حد فِي الْجَمِيع. وَإِن مكنت مكلفة من نَفسهَا مَجْنُونا أَو مُمَيّزا أَو من يجهله أَو حَرْبِيّا أَو مستأمنا أَو استدخلت ذكر نَائِم حدت لَا إِن أكره أكرهت أَو أكره ملوط بِهِ بِأَن غلبهما الواطىء على أَنفسهمَا أَو بتهديد أَو منع طَعَام أَو شراب مَعَ اضطرار وَنَحْوه فِي الصُّورَتَيْنِ، فَلَا حد. وَالشّرط الثَّالِث: ثُبُوته أَي الزِّنَا وَلَو صُورَتَانِ أَشَارَ للأولى بقوله بِشَهَادَة أَرْبَعَة رجال عدُول فِي مجْلِس وَاحِد وَلَو جَاءُوا مُتَفَرّقين وَاحِدًا بعد وَاحِد، وَصدقهمْ زَان بزنا وَاحِد مَعَ وَصفه أَي الزِّنَا لقَوْله تَعَالَى ١٩ ((وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء)) الْآيَة وَقَوله تَعَالَى ١٩ ((فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَة مِنْكُم)) فَيجوز لَهُم النّظر إِلَيْهَا حَالَة الْجِمَاع لإِقَامَة الشَّهَادَة عَلَيْهِمَا. وَاعْتبر كَونهم رجَالًا لِأَن الْأَرْبَعَة اسْم لعدد الذُّكُور وَلِأَن فِي شَهَادَة النِّسَاء شُبْهَة لتطرق الِاحْتِمَال إلَيْهِنَّ، وعدولا كَسَائِر الشَّهَادَات، وَكَونهَا فِي مجْلِس، لِأَن عمر ﵁ حد الثَّلَاثَة الَّذين شهدُوا على الْمُغيرَة بن شُعْبَة بِالزِّنَا لما تخلف الرَّابِع، وَلَوْلَا اعْتِبَار اتِّحَاد الْمجْلس لم يحدهم لاحْتِمَال أَن يكملوا برابع
стр. 717
فِي مجْلِس آخر، وَمعنى وَصفهم الزِّنَا أَن يَقُولُوا رَأينَا ذكره فِي فرجهَا، كالمرود فِي المكحلة والرشاء فِي الْبِئْر، فَإِن شهدُوا فِي مجلسين فَأكْثر أَو امْتنع بَعضهم من الشَّهَادَة أَو لم يكملها أَو كَانُوا كلهم أَو بَعضهم لَا تقبل شَهَادَتهم فِيهِ لعمى أَو فسق لكَون أحدهم زوجا، حدوا للقذف كَمَا لَو بِأَن مشهود عَلَيْهِ محيوبا أَو بَانَتْ رتقاء. وَلَا يحد زوج لَاعن. وَإِن عين اثْنَيْنِ زَاوِيَة من بَيت صَغِير عرفا وَعين إثنان أُخْرَى مِنْهُ، أَو قَالَ إثنان: فِي قَمِيص أَبيض أَو قَائِمَة وإثنان فِي قَمِيص أَحْمَر أَو نَائِمَة كملت شَهَادَتهم لعدم التَّنَافِي لاحْتِمَال كَونه ابْتَدَأَ الْفِعْل فِي إِحْدَى الزاويتين وكمله فِي الْأُخْرَى، أَو فِي قَمِيص أَبيض تَحْتَهُ قَمِيص أَحْمَر، ثمَّ خلع قبل الْفَرَاغ، وابتدأ بهَا الْفِعْل قَائِمَة وأتمه نَائِمَة. وَإِن كَانَ الْبَيْت كَبِيرا أَو عين إثنان بَيْتا أَو بَلْدَة أَو يَوْمًا وإثنان آخر فالأربعة قذفة وَلَو اتَّفقُوا على أَن الزِّنَا وَاحِد وَإِن شهد أَرْبَعَة بزناه بفلانة فَشهد أَرْبَعَة آخَرُونَ أَن الشُّهُود هم الزناة بهَا صدقُوا وَلم يحد مشهود عَلَيْهِ وحد الْأَولونَ فَقَط للقذف وَالزِّنَا. وكل زنا من مُسلم أَو ذمِّي أَو أوجب الْحَد لَا يقبل فِيهِ إِلَّا أَرْبَعَة شُهُود، وَيدخل فِيهِ اللواطة وَوَطْء الْمَرْأَة فِي دبرهَا. وَإِن أوجب التَّعْزِير كَوَطْء الْبَهِيمَة وَالْأمة الْمُشْتَركَة والمزوجة قبل فِيهِ رجلَانِ كشهود الْمُبَاشرَة دون الْفرج وَنَحْوهَا، وَإِن حملت من لَا زوج لَهَا وَلَا سيد لم حملت من لَا زوج لَهَا وَلَا سيد لم تحد بِمُجَرَّد ذَلِك، وتسأل اسْتِحْبَابا، وَلَا يجب سؤالها لما فِيهِ من إِشَاعَة الْفَاحِشَة وَهِي مَنْهِيّ عَنْهَا، فَإِن ادَّعَت إِكْرَاها أَو وطئا بِشُبْهَة أَو لم تقر بِالزِّنَا أَرْبعا لم تحد.
стр. 718
وَإِن شهد أَرْبَعَة فَرَجَعُوا كلهم أَو بَعضهم قبل الْحَد وَلَو بعد الحكم لم يحد مشهود عَلَيْهِ وحد الْأَرْبَعَة، وَإِن رَجَعَ بَعضهم بعد حد يجلد رَاجع فَقَط إِن ورث حد قذف بِأَن طَالب قبل مَوته وَإِلَّا فَلَا. وَالصُّورَة الثَّانِيَة: مَا أَشَارَ إِلَيْهَا بقوله أَو إقراراه أَي الزَّانِي الْمُكَلف وَلَو قِنَا حَال كَونه مُخْتَارًا أَربع مَرَّات وَلَو فِي مجَالِس لِأَن مَا عزا أقرّ عِنْد النَّبِي أَرْبعا فِي مجْلِس وَاحِد، والغامدية أقرَّت عِنْده فِي مجَالِس، مَعَ تصريحه ب [ذكر حَقِيقَة الْوَطْء] لحَدِيث ابْن عَبَّاس: لما أَتَى مَا عز بن مَالك النَّبِي قَالَ لَهُ: لَعَلَّك قبلت أَو غمزت أَو نظرت، قَالَ: لَا يَا رَسُول الله، قَالَ: أنكتها؟ لَا يكني، قَالَ: نعم، فَعِنْدَ ذَلِك أَمر برجمه رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأَبُو دَاوُد. وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة: قَالَ لِلْأَسْلَمِيِّ: أنكتها؟ قَالَ: نعم، قَالَ: كَمَا يغيب المرود فِي المكحلة والرشاء فِي الْبِئْر قَالَ نعم، قَالَ فَهَل تَدْرِي مَا الزِّنَا قَالَ: نعم أتيت مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرجل من امْرَأَته حَلَالا، قَالَ: فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا القَوْل قَالَ: أُرِيد أَن تطهروني، فَأمر برجمه. رَوَاهُ دَاوُد الدَّارَقُطْنِيّ، وَلِأَن الْحَد يدْرَأ بِالشُّبْهَةِ فَلَا يَكْفِي فِيهِ الْكِنَايَة. وَلَا يعْتَبر ذكر مَكَان الزِّنَا وَذكر الْمُزنِيّ بهَا إِن كَانَت الشَّهَادَة على رجل، وَذكر الزَّانِي إِن كَانَت الشَّهَادَة على امْرَأَة ذكره فِي الْإِقْنَاع،
стр. 719
وَقطع فِي الْمُنْتَهى فِي الشَّهَادَات بِأَنَّهُ يعْتَبر ذكرهمَا. وَيشْتَرط أَن يسْتَمر على إِقْرَار بِلَا رُجُوع عَنهُ فَإِن رَجَعَ عَنهُ أَو هرب ترك بِخِلَاف ثُبُوته بِبَيِّنَة فَإِنَّهُ لَا يتْرك، وَتقدم ذَلِك. والقاذف من الْقَذْف وَهُوَ لُغَة الرَّمْي بِالزِّنَا واللواطة أَو الشَّهَادَة بِأَحَدِهِمَا وَلم تكمل الْبَيِّنَة، وَهَذِه كَبِيرَة محرم إِجْمَاعًا إِذا كَانَ مُكَلّفا مُخْتَارًا وَلَو أخرس بِإِشَارَة مفهومة، وَقذف شخصا مُحصنا وَلَو مجبوبا أَو ذَات محرم [يجلد حر ثَمَانِينَ] جلدَة لقَوْله تَعَالَى ١٩ ((فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جلدَة)) الْآيَة ويجلد قَاذف رَقِيق وَلَو عتق عقب قذف اعْتِبَارا بِوَقْت الْوُجُوب كَالْقصاصِ نصفهَا أَرْبَعِينَ جلدَة ويجلد قَاذف مبعض بِحِسَابِهِ فَمن نصفه حر يجلد سِتِّينَ، لِأَنَّهُ حد يَتَبَعَّض فَكَانَ على الْقِنّ فِيهِ نصف مَا على الْحر سوى أَبَوَيْهِ فَلَا يجلدان بِقَذْف ولد وَإِن نزل كقود وَلَا يعزران لَهُ. وَيسْقط حد الْقَذْف بِعَفْو مقذوف وَلَو بعد طلبة، وَمن قذف غير مُحصن وَلَو قنه عزّر ردعا لَهُ عَن أَعْرَاض المعصومين وكفا لَهُ عَن إيذائهم، والمحصن هُنَا أَي فِي بَاب [الْقَذْف الْحر الْمُسلم الْعَاقِل الْعَفِيف] عَن الزِّنَا ظَاهرا وَلَو تَائِبًا وملاعنة وَوَلدهَا ولد زنا كغيرهم نصا فَيحد بِقَذْف كل مِنْهُم إِذا كَانَ مُحصنا، وَشرط كَون مُحصنا، وَشرط كَون مثله أَي الْمَقْذُوف يطَأ أَو يُوطأ وَهُوَ ابْن عشر فَأكْثر وَبنت تسع فَأكْثر للحوق الْعَار بهما، وَلَا يشْتَرط بُلُوغه أَي الْمَقْذُوف. وَلَا يحد قَاذف غير بَالغ حَتَّى يبلغ وَيُطَالب بِهِ بعد بُلُوغه إِذْ لَا أثر لطلبه قبله لعدم اعْتِبَار كَلَامه، وَلَا طلب لوَلِيِّه عَنهُ لِأَن الْغَرَض مِنْهُ التشفي
стр. 720
فَلَا يقوم غَيره مقَامه فِيهِ كالقود، وَكَذَا لَو جن أَو أُغمي عَلَيْهِ قبل طلبه فَلَا يَسْتَوْفِي حَتَّى يفِيق وَيُطَالب بِهِ وَإِن جن أَو أغمى عَلَيْهِ بعده أَي الطّلب بِهِ يُقَام لوُجُود شَرطه وَانْتِفَاء مانعه. وَمن قذف غَائِبا لم يحد حَتَّى يثبت طلبه فِي غيبته بِشَرْطِهِ أَو يحضر وَيطْلب بِنَفسِهِ. وَمن قَالَ لمحصنة: زَنَيْت وَأَنت صغيره فَإِن فسره بِدُونِ تسع عزّر وَإِلَّا حد، وَكَذَا إِن قَالَه لذكر مُحصن وَفَسرهُ بِدُونِ عشر. وَمن قَالَ لِابْنِ عشْرين سنة: زَنَيْت قبل ثَلَاثِينَ سنة لم يحد للْعلم بكذبه. وَيحرم الْقَذْف إِلَّا فِي موضِعين أَحدهمَا: أَن يرى زَوجته تَزني فِي طهر لم يَطَأهَا فِيهِ فيعتزلها ثمَّ تَلد مَا يُمكن كَونه من الزَّانِي فَيلْزمهُ قَذفهَا أَو نَفْيه، وَكَذَا إِن وَطئهَا فِي طهر زنت فِيهِ وقوى ظَنّه أَو الْوَلَد من الزَّانِي لشبهه بِهِ أَو لكَون الزَّوْج عقيما، لِأَن ذَلِك مَعَ تَحْقِيق الزِّنَا دَلِيل على أَن الْوَلَد من الزَّانِي ولقيام الظَّن مقَام التَّحْقِيق. والموضع الثَّانِي: أَن يَرَاهَا تَزني وَلم تَلد مَا يلْزمه نَفْيه، أَو يستفيض زنَاهَا أَو يُخبرهُ بِهِ ثِقَة أويرى مَعْرُوفا بِالزِّنَا عِنْدهَا فَيُبَاح لَهُ قَذفهَا بِهِ، وفراقها أولى. وَله صَرِيح وكناية، فصريحه يَا منيوكة إِن لم يفسره بِفعل زوج أَو سيد فَإِن فسره بذلك فَلَيْسَ قذفا، يَا منيوك، يَا زاني، يَا عاهر وأصل العهر إتْيَان الرجل الْمَرْأَة لَيْلًا للفجور بهَا ثمَّ غلب على الزِّنَا فَأطلق العاهر على الزَّانِي سَوَاء جاءها للفجور أَو جَاءَتْهُ هِيَ لَيْلًا أَو نَهَارا. وَقد زَنَيْت، أَو زنى فرجك، أَو يَا لوطى، فَإِن قَالَ: أردْت
стр. 721
بِقَوْلِي يَا زاني أَي الْعين أَو عاهر الْيَد أَو إِنَّك من قوم لوط أَو تعْمل عَمَلهم غير إتْيَان الذُّكُور لم يقبل مِنْهُ، وَلست لأَبِيك أَو بِولد فلَان قذف لأمه. وكنايته والتعريض بِهِ: زنت يدك أَو رجلك أَو بدنك، وَيَا خنيث بالنُّون، يَا نظيف يَا عفيف، ولامرأة: يَا قحبة يَا فاجرة، ولزوجة شخص: قد فضحت زَوجك، وغطيت ونكست رَأسه وَجعلت لَهُ قرونا وعلقت عَلَيْهِ أَوْلَادًا من غَيره وأفسدت فرَاشه، ولعربي: يَا نبطي أَو يَا فَارسي أَو يَا رومي، ولأحدهم: يَا عَرَبِيّ، وَلمن يخاصمه: يَا حَلَال يَا ابْن الْحَلَال، مَا يعرفك النَّاس بِالزِّنَا، أَو مَا أَنا بزان، أَو مَا أُمِّي بزانية، أَو يسمع من يقذف شخصا فَيَقُول لَهُ: صدقت، أَو صدقت فِيمَا قلت، أَو أَخْبرنِي أَو أشهدني فلَان بأنك زَنَيْت وَكذبه فلَان. فَإِن فسره بمحتمل كَقَوْلِه: أردْت بالنبطي نبطي اللِّسَان وبالرومي رومي الْخلقَة، وبقولي أفسدت فرَاشه أَي خرقته أَو أتلفته وبقولي علقت عَلَيْهِ أَوْلَادًا من غَيره التقطت أَوْلَادًا ونسبتهم إِلَيْهِ وَنَحْو ذَلِك قبل وعزر لارتكابه مَعْصِيّة لَا حد فِيهَا وَلَا كَفَّارَة. وَإِن قذف أهل بَلْدَة أَو جمَاعَة لَا يتَصَوَّر الزِّنَا مِنْهُم عَادَة، أَو اخْتلفَا فِي أَمر فَقَالَ أَحدهمَا: الْكَاذِب ابْن الزَّانِيَة عزّر وَلَا حد نصا. وَمن قَالَ لمكلف: اقذفني، فقذفه لم يحد وعزر، وَمن قذف مَيتا وَلَو غير مُحصن، حد بِطَلَب وَارِث مُحصن خَاصَّة، فَإِن لم يكن الْوَارِث مُحصنا، لم يحد قَاذف، وَيثبت حد قذف الْمَيِّت وَالْقَذْف الْمَوْرُوث لجَمِيع الْوَرَثَة حَتَّى الزَّوْجَيْنِ وَإِن عَفا بَعضهم حد للْبَاقِي كَامِلا.
стр. 722
وَمن قذف نَبيا أَو أمه كفر وَقتل حَتَّى وَلَو تَابَ أَو كَانَ كَافِرًا فَأسلم، وَمن قذف جمَاعَة يتَصَوَّر الزِّنَا مِنْهُم عَادَة بِكَلِمَة وَاحِدَة فطالبوه أَو أحدهم، فَعَلَيهِ حد وَاحِد، وَإِن قذفهم بِكَلِمَات أَي قذف كلا بِكَلِمَة أَي جملَة، فَعَلَيهِ لكل وَاحِد حد، وَمن حد لقذف ثمَّ أَعَادَهُ أَو قذف مقرا بِالزِّنَا وَلَو دون أَربع مَرَّات عزّر. وَيُعَزر وَالتَّعْزِير لُغَة الْمَنْع وَمِنْه التَّعْزِير بِمَعْنى النُّصْرَة كَقَوْلِه تَعَالَى (ويعزروه ويوقروه) لمنع النَّاصِر المعادي والمعاند لمن ينصره، وَاصْطِلَاحا التَّأْدِيب فَيجب بِنَحْوِ قَول يَا كَافِر أَو يَا مَلْعُون أَو يَا أَعور أَو يَا أعرج أَو يَا فَاسق، يَا فَاجر، يَا حمَار، يَا تَيْس، يَا رَافِضِي، يَا خَبِيث الْبَطن أَو الْفرج، يَا عَدو الله، يَا كَذَّاب، يَا كَاذِب، يَا خائن، يَا شَارِب الْخمر، يَا مخنث، يَا قرنان، يَا قواد، يَا ديوث، يَا قرطبان، يَا كشخان، يَا علق، يَا مأبون، يَا ظَالِم، يَا مُنَافِق، يَا سَارِق، يَا أقطع، يَا أعمى، يَا مقْعد، يَا ابْن الزَّمن الْأَعْمَى الْأَعْرَج، يَا نمام، يَا حروي، يَا مرائي، يَا جَائِر، يَا معرص، يَا عَرصَة وَنَحْو ذَلِك. قَالَ إِبْرَاهِيم الْحَرْبِيّ: الديوث الَّذِي يدْخل الرِّجَال على امْرَأَته. وَقَالَ ثَعْلَب: القرطبان الَّذِي يرضى أَن يدْخل الرِّجَال على نِسَائِهِ. وَقَالَ: القرطبان والكشخان لم أرهما فِي كَلَام الْعَرَب، ومعناهما عِنْد الْعَامَّة مثل معنى الديوث أَو قريب مِنْهُ، والقواد عِنْد الْعَامَّة السمسار فِي الزِّنَا. ومأبون قَالَ فِي الْفُنُون هُوَ لُغَة الْعَيْب يَقُولُونَ عود مأبون، وَالِابْن الْجُنُون والابنة الْعَيْب ذكره ابْن الْأَنْبَارِي فِي كتاب الزَّاهِر.
стр. 723
وَيجب التَّعْزِير فِي كل مَعْصِيّة لَا حد فِيهَا وَلَا كَفَّارَة فِيهَا كمباشرة دون الْفرج وإتيان الْمَرْأَة الْمَرْأَة وسرقة لَا قطع فِيهَا، وَجِنَايَة لَا قَود فِيهَا كصفع ووكز أَي الدّفع وَالضَّرْب بِجمع الْكَفّ وَقذف غير ولد بِغَيْر زنا ولواطه كَقَوْلِه يَا فَاسق وَنَحْوه، ولعنة وَلَيْسَ لَهُ ردهَا على من لَعنه. وَدُعَاء عَلَيْهِ، وَالله أكبر عَلَيْك وخصمك الله وَنَحْوه، قَالَ بعض ١٦ (الْأَصْحَاب) : إِلَّا إِذا شتم نَفسه أَو سبها فَلَا يُعَزّر، وَقَالَ فِي الْأَحْكَام السُّلْطَانِيَّة: إِذا تشاتم الْوَالِد وَولده لم يُعَزّر الْوَالِد لحق وَلَده وعزر الْوَلَد لحقه، وَلَا يجوز تعزيره إِلَّا بمطالبة الْوَالِد، وَلَا تحْتَاج إِقَامَة التَّعْزِير إِلَى مُطَالبَة فِي غير هَذِه، وَإِن تشاتم غَيرهمَا عزّر. وَيُعَزر من سبّ صحابيا وَلَو كَانَ وَارِثا وَلم يُطَالب بالتعزير. وَيُعَزر بِعشْرين سَوْطًا لشرب مُسكر فِي نَهَار رَمَضَان مَعَ الْحَد فَتكون جملَة الْجلد مائَة. وَإِن وطيء أمة امْرَأَته حد مَا لم تكن أحلتها لَهُ، فيجلد مائَة إِن علم التَّحْرِيم فِيهَا وَفِي الَّتِي قبلهَا وَلَا يرْجم وَلَا يغرب، وَإِن ولدت مِنْهُ لم يلْحقهُ نسبه. وَلَا يسْقط حد بِإِبَاحَة فِي غير هَذَا الْموضع وَمن وطيء أمة لَهُ فِيهَا شرك عزّر بِمِائَة سَوط إِلَّا سَوْطًا نصا لينقص عَن حد الزِّنَا. ومرجعه أَي التَّعْزِير إِلَى اجْتِهَاد الإِمَام فَلهُ نَقصه فِيمَا سبق بِحَسب اجْتِهَاده وَلَا يُزَاد على عشر فِي غير مَا تقدم نصا.
стр. 724
وَيحرم تَعْزِير بحلق لحية وَقطع طرف وجرح وَأخذ مَال وإتلافه. وَلَا بَأْس بتسويد وَجه والمناداة عَلَيْهِ بِذَنبِهِ وَيُطَاف بِهِ مَعَ ضربه.
)
وَمن قَالَ لذِمِّيّ يَا حَاج ولعنه لغير مُوجب أدب. وَمن عرف بأذى النَّاس حَتَّى بِعَيْنِه حبس حَتَّى يَمُوت أَو يَتُوب. قَالَ المنقح: لَا يبعد أَن يقتل العائن إِذا كَانَ يقتل بِعَيْنِه غَالِبا وَأما مَا أتْلفه فيغرمه. انْتهى. وَفِي شرح منَازِل السائرين لِابْنِ الْقيم: إِذا كَانَ بِغَيْر اخْتِيَاره وَغلب على نَفسه لم يقْتَصّ مِنْهُ وَعَلِيهِ الدِّيَة، وَإِن عمد ذَلِك وَقدر على رده وَعلم أَنه يقتل بِهِ سَاغَ للْوَلِيّ أَن يقْتله بِمثل مَا قتل بِهِ فيعينه إِن شَاءَ كَمَا عان هُوَ الْمَقْتُول. وَأما قَتله بِالسَّيْفِ قصاصا فَلَا، لِأَن هَذَا لَيْسَ مِمَّا يقتل غَالِبا وَلَا هُوَ مماثل للجناية، وَفرق بَينه وَبَين السَّاحر من وَجْهَيْن قَالَ: وَسَأَلت شَيخنَا عَن الْقَتْل بِالْحَال هَل يُوجب الْقصاص فَقَالَ: للْوَلِيّ ان يقْتله بِالْحَال كَمَا قتل بِهِ. انْتهى كَلَامه. وَمن استمنى رجل أَو امْرَأَة لغير حَاجَة حرم وعزر، وَإِن فعله خوفًا من الزِّنَا أَو اللواط، فَلَا شَيْء عَلَيْهِ، وَلَا يُبَاح إِلَّا إِذا لم يقدر على نِكَاح وَلَو لأمة، وَحكم الْمَرْأَة فِي ذَلِك حكم الرجل تسْتَعْمل شَيْئا مثل الذّكر. وَلَو اضْطر إِلَى جماع وَلَيْسَ من يُبَاح وَطْؤُهَا حرم الْوَطْء.
стр. 725
٣ - (فصل)
فِي حد الْمُسكر. وَهُوَ اسْم فَاعل من السكر وَهُوَ اخْتِلَاط الْعقل. قَالَ الْجَوْهَرِي: السَّكْرَان خلاف الصاحي وَالْجمع سكرى وسكارى بِضَم السِّين وَفتحهَا وَالْمَرْأَة سكرى ولغة بني أَسد سكرانة. وكل [شراب مُسكر يحرم] شربه مُطلقًا أَي سَوَاء كَانَ من الْعِنَب أَو الشّعير أَو غَيرهمَا، قَلِيلا كَانَ أَو كثيرا لقَوْله تَعَالَى ١٩ ((إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر والأنصاب والأزلام رِجْس من عمل الشَّيْطَان فَاجْتَنبُوهُ)) وَلِحَدِيث (كل مُسكر خمر وكل مُسكر حرَام) رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَأَبُو دَاوُد. وَعَن ابْن عمر مَرْفُوعا (مَا أسكر كَثِيره فقليله حرَام) رَوَاهُ الإِمَام أَحْمد وَابْن مَاجَه إِلَّا لدفع لقْمَة غص بهَا وَلم يجد غَيره وَأَن يكون مَعَ خوف تلف فَحِينَئِذٍ يجوز، لِأَنَّهُ مُضْطَر وَيقدم عَلَيْهِ أَي الْمُسكر بَوْل لوُجُوب الْحَد بِاسْتِعْمَالِهِ دون الْبَوْل، وَيقدم عَلَيْهِمَا مَاء نجس فَإِذا شربه أَي الْمُسكر
стр. 726
أَو شرب مَا خلط بِهِ وَلم يستهلك فِيهِ أَو استعط أَو احتقن بِهِ أَو أكل عجينا ملوتا بِهِ مُسلم فَاعل شربه مُكَلّف لَا صَغِير أَو مَجْنُون مُخْتَارًا لَا مكْرها حَال كَونه عَالما أَن كَثِيره أَي الْمُسكر يسكر وَيصدق إِن قَالَ: لم أعلم أَن كَثِيره يسكر، وَلَو لم يسكر الشَّارِب حد جَوَاب الشَّرْط حر وجد مِنْهُ شَيْء مِمَّا تقدم ثَمَانِينَ جلدَة وحد قن فِيمَا تقدم نصفهَا أَي أَرْبَعِينَ جلدَة ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى وَلَو مكَاتبا أَو مُدبرا أَو أم ولد، وَلَو جهل وجوب الْحَد. وَيُعَزر من وجد مِنْهُ رائحتها أَو حضر شرابها وتشبه بهم، وَلَا حد وَلَا تَعْزِير إِن جهل التَّحْرِيم، وَلَا تقبل دَعْوَى الْجَهْل مِمَّن نَشأ بَين الْمُسلمين. وَلَا حد على كَافِر شرب مُسكرا وَيثبت شرب بِإِقْرَارِهِ بِهِ مرّة كقذف لِأَن كلا مِنْهُمَا لَا يتَضَمَّن إتلافا بِخِلَاف زنا وسرقة أَو ب شَهَادَة عَدْلَيْنِ على الشّرْب وَالْإِقْرَار بِهِ وَلَو لم يَقُولَا شرب مُخْتَارًا عَالما بِتَحْرِيمِهِ، لِأَنَّهُ الأَصْل. وَحرم عصير عِنَب وَنَحْوه كعصير قصب أَو رمان أَو غَيره إِذا غلى إِلَى كغليان الْقدر بِأَن قذف بزيد نصا. وَظَاهره وَلَو لم يسكر لِأَن عِلّة التَّحْرِيم الشدَّة الْحَادِثَة وَهِي تُوجد بِوُجُود الغليان أَو أَي وَحرم عصير وَنَحْوه أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام بلياليهن وَإِن لم يغل نصا لحَدِيث (اشربوا الْعصير ثَلَاثًا مَا لم يغل) رَوَاهُ الشالنجي.
стр. 727
وَإِن طبخ قبل تَحْرِيمه حل إِن ذهب ثلاثاه فَأكْثر نصا وَوضع زبيب فِي خَرْدَل كعصير، أَي فَيحرم إِن إِلَى أَو أَتَى عَلَيْهِ ثَلَاثَة أَيَّام.
стр. 728
٣ - (فصل)
. الْقطع فِي السّرقَة أَجمعُوا عَلَيْهِ لقَوْله تَعَالَى (وَالسَّارِق والسارقة فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا) وَلِحَدِيث عَائِشَة مَرْفُوعا (تقطع الْيَد فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا) إِلَى غَيره من الْأَخْبَار. وَيقطع السَّارِق إِذا سرق بِثمَانِيَة شُرُوط: أَحدهَا السّرقَة لِأَنَّهُ تَعَالَى أوجب الْقطع على السَّارِق، فَإِذا لم تُوجد السّرقَة، لم يكن الْفَاعِل سَارِقا. وَهِي أَي السّرقَة أَخذ مَال مَعْصُوم خُفْيَة من ملك أَو نَائِبه فَيقطع الطرار من الطر بِفَتْح الطَّاء أَي الْقطع وَهُوَ من يبط جيبا أَو كَمَا أَو غَيرهمَا وَيَأْخُذ مِنْهُ نِصَابا، لَا جَاحد وَدِيعَة ومنتهب ومختطف وغاصب وخائن يُؤمن عَن الشَّيْء فيخفيه أَو بعضه أَو يجْحَد. وَالثَّانِي: كَون سَارِق مُكَلّفا لِأَن غير الْمُكَلف مَرْفُوع عَنهُ الْقَلَم،
стр. 729
مُخْتَارًا لِأَن الْمَكْر مَعْذُور، عَالما بمسروق وب [تَحْرِيمه] أَي الْمَسْرُوق عَلَيْهِ وَلَا قطع بِسَرِقَة منديل بطرفه نِصَاب مشدود لم يُعلمهُ وَلَا بجوهر يظنّ قِيمَته دون نِصَاب، وَلَا على جَاهِل تَحْرِيم سَرقَة، وَلَا تقبل دَعْوَى الْجَهْل مِمَّن نَشأ بَين الْمُسلمين كشرب. وَالثَّالِث: كَون مَسْرُوق مَالا لِأَن غير المَال لَا يُسَاوِيه فَلَا يلْحق بِهِ، مُحْتَرما لِأَن غير الْمُحْتَرَم كَمَال الْحَرْبِيّ يجوز سَرقته، وَلَو كَانَ الْمَسْرُوق من غلَّة وقف وَلَيْسَ من مستحقيه، وَلَا يقطع بِسَرِقَة مكَاتب وَأم ولد وحر وَلَو صَغِيرا وَلَا بمصحف وَلَا بِمَا مَعَ الْحر والمصحف من حلي وَنَحْوه، لِأَنَّهُ تَابع لما لَا يقطع بسرقته وَلَا بكتب بدع وتصاوير وَلَا بِآلَة لَهو أَو صَلِيب أَو صنم وَلَا بآنية فِيهَا خمر أَو مَاء. وَالرَّابِع: كَونه أَي الْمَسْرُوق نِصَابا، وَهُوَ أَي النّصاب ثَلَاثَة دَرَاهِم فضَّة خَالِصَة أَو تخلص من مغشوشة أَو ربع مِثْقَال ذَهَبا وَيَكْفِي الْوَزْن من الْفضة الْخَالِصَة أَو التبر الْخَالِص وَلَو لم يضربا، ويكمل أَحدهمَا بِالْآخرِ، فَلَو سرق درهما وَنصف دِرْهَم من خَالص الْفضة وَثمن دِينَار من خَالص الذَّهَب قطع لِأَنَّهُ سرق نِصَابا أَو مَا أَي مَتَاعا تبلغ قِيمَته أَي قيمَة الْمَتَاع أَحدهمَا أَي نِصَاب الذَّهَب وَالْفِضَّة من غَيرهمَا كَثوب وَنَحْوه يُسَاوِي ذَلِك، وَتعْتَبر الْقيمَة حَالَة الْإِخْرَاج من الْحِرْز، فَلَو نقصت بعد إِخْرَاجه قطع لَا إِن أتْلفه فِي الْحِرْز بِأَكْل أَو غَيره أَو نَقصه بِذبح أَو غَيره ثمَّ أخرجه. وَالْخَامِس: إِخْرَاجه أَي النّصاب من حرز مثله فَلَو سرق من غير حرز بِأَن وجد بَابا مَفْتُوحًا فَأخذ مِنْهُ نِصَابا فَلَا قطع، وَمن أخرج بعض
стр. 730
ثوب قِيمَته نِصَاب قطع بِهِ إِن قطعه من الثَّوْب لتحَقّق إِخْرَاجه إِذن وَإِلَّا فَلَا قطع وحرز كل مَال مَا حفظ بِهِ ذَلِك المَال عَادَة لِأَن معنى الْحِرْز الْحِفْظ وَهُوَ مُخْتَلف باخْتلَاف جنس المَال وبلده وَعدل السُّلْطَان وقوته وضدهما، فحرز جَوْهَر وَنقد وقماش فِي الْعمرَان بدار ودكان وَرَاء غلق وثيق أَي قفل خشب أَو حَدِيد، وصندوق بسوق ثمَّ حارس حرز، وحرز بقل وقدور باقلاء وطبيخ وَثمّ حارس وَرَاء الشرائج، وحرز خشب وحطب الحظائر، وماشية الصير، وَفِي مرعى براع يَرَاهَا غَالِبا، وسفن فِي شط بربطها، وإبل باركة معقولة بحافظ حَتَّى نَائِم. وحرز ثِيَاب فِي حمام وأعدال وغزل بسوق أَو خَان وَمَا كَانَ مُشْتَركا فِي دُخُول بحافظ كقعوده على مَتَاع، وَإِن فرط حَافظ فَنَامَ، أَو اشْتغل فَلَا قطع على السَّارِق وَضمن حَافظ معد للْحِفْظ وَإِن لم يستحفظه، وحرز بَاب تركيبه بِموضع وحلقة تركيبها فِيهِ، ونوم على رِدَاء أَو مجر فرس وَلم يزل عَنهُ ونعل بِرَجُل حرز. وَالسَّادِس: انْتِفَاء الشُّبْهَة فَلَا قطع بِسَرِقَة من عمودي نسبه، وَأما سَائِر أَقَاربه إِذا سرق مِنْهُم قطع، أما سَرقته من مَال وَلَده فلحديث (أَنْت وَمَالك لأَبِيك) وَأما سَرقته من مَال أَبِيه أَو جده أَو أمه أَو جدته وَإِن علوا
стр. 731
أمومة أَو من مَال ولد ابْنه أَو ولد بنته وَإِن سفلا، فلأنهم بَينهم قرَابَة تمنع من قبُول شَهَادَة بَعضهم لبَعض، وَلِأَن النَّفَقَة تجب لأَحَدهم على الآخر حفظا لَهُ فَلَا يجوز إِتْلَافه حفظا لِلْمَالِ. وَلَا بِسَرِقَة من غنيمَة لأحد مِمَّن ذكرنَا فِيهَا حق وَلَا بِسَرِقَة مُسلم من بَيت المَال إِلَّا الْقِنّ نصا ذكره فِي الْمُحَرر وَغَيره بِمَعْنَاهُ وَمَشى عَلَيْهِ فِي الْمُنْتَهى، قَالَ المنقح: وَالصَّحِيح لَا قطع. انْتهى. لِأَنَّهُ لَا يقطع بِسَرِقَة من مَال لَا يقطع بِهِ سَيّده، وسيده لَا يقطع بِالسَّرقَةِ من بَيت المَال فَكَذَا هُوَ، وَمَشى عَلَيْهِ فِي الْإِقْنَاع فَقَالَ: وَلَا يقطع مُسلم بسرقته من بَيت المَال وَلَو عبدا إِن كَانَ سَيّده مُسلما. وَلَا سَرقَة زوج أَو زَوْجَة من مَال الآخر وَلَو أحرز عَنهُ. وَالسَّابِع: ثُبُوتهَا أَي السّرقَة بِشَهَادَة عَدْلَيْنِ لقَوْله تَعَالَى ١٩ ((واستشهدوا شهيدين من رجالكم)) يصفانها أَي السّرقَة فِي شَهَادَتهمَا وَإِلَّا لم يقطع لِأَنَّهُ حد فيدرأ بِالشُّبْهَةِ كَالزِّنَا، وَلَا تسمع شَهَادَتهمَا قبل الدَّعْوَى من مَالك مَسْرُوق أَو من يقوم مقَامه أَو ثُبُوتهَا ب [إِقْرَار] السَّارِق مرَّتَيْنِ لِأَنَّهُ يتَضَمَّن إتلافا فَاعْتبر تكْرَار الْإِقْرَار فِيهِ كَالزِّنَا، أَو يُقَال: الْإِقْرَار أحد حجتي الْقطع فَاعْتبر فِيهِ التّكْرَار، وَاحْتج الإِمَام ١٦ (أَحْمد ٦ (فِي رِوَايَة مهنأ بِمَا حَكَاهُ عَن الْقَاسِم بن عبد الرَّحْمَن عَن عَليّ: لَا تقطع يَد السَّارِق حَتَّى يشْهد على نَفسه مرَّتَيْنِ مَعَ وصفهَا أَي السّرقَة أَي يصفها فِي كل مرّة لاحْتِمَال ظَنّه وجوب الْقطع عَلَيْهِ مَعَ فقد بعض الشُّرُوط ودوام عَلَيْهِ أَي الْإِقْرَار بِأَن
стр. 732
لَا يرجع عَنهُ حَتَّى يقطع فَإِن رَجَعَ ترك، وَلَا بَأْس بتلقينه الْإِنْكَار ليرْجع عَن إِقْرَاره، وَلَا بالشفاعة إِذا لم يبلغ الإِمَام فَإِذا بلغه حرمت وَلزِمَ الْقطع.)
)
١٦ - (
١٦ - (وَالثَّامِن: مطابة مَسْرُوق مِنْهُ أَو مُطَالبَة وَكيله أَو مُطَالبَة وليه إِن كَانَ مَحْجُورا عَلَيْهِ لحظه كسفيه وَنَحْوه لِأَن المَال يُبَاح بالبذل وَالْإِبَاحَة فَيحْتَمل إِبَاحَة مَالك إِيَّاه أَو إِذْنه لَهُ فِي دُخُول حرزه وَنَحْوه مِمَّا يسْقط الْقطع فَإِن طَالب رب المَال زَالَ هَذَا الِاحْتِمَال وانتفت الشُّبْهَة، فَلَو أقرّ بِسَرِقَة من مَال غَائِب أَو قَامَت بهَا بَيِّنَة انْتظر حُضُوره ودعواه لتتكامل شُرُوط الْقطع فَيحْبس السَّارِق إِلَى قدومه وَطَلَبه أَو تَركه وتعاد شَهَادَة الْبَيِّنَة بِهِ بعد دَعْوَاهُ لِأَن تَقْدِيمهَا عَلَيْهِ شَرط للاعتداد بهَا، وَإِن كذب مُدع نَفسه سقط الْقطع فَإِذا وَجب الْقطع لتوفر الشُّرُوط الْمُوجبَة لَهُ قطعت يَده أَي السَّارِق الْيُمْنَى لقِرَاءَة ابْن مَسْعُود فَاقْطَعُوا أيمانهما. وَهُوَ إِمَّا قِرَاءَة أَو تَفْسِير سَمعه من رَسُول الله إِذْ لَا يظنّ بِمثلِهِ أَن يثبت فِي الْقِرَاءَة شَيْئا بِرَأْيهِ وَلِأَنَّهُ قَول أبي بكر وَعمر وَلَا مُخَالف لَهما من الصَّحَابَة، وَلِأَن السّرقَة جِنَايَة الْيُمْنَى غَالِبا فتقطع من مفصل كَفه لقَوْل أبي بكر: تقطع يَمِين السَّارِق من الْكُوع وحسمت وغمست وجوبا فِي زَيْت مغلي، وَالْحكمَة فِي الغمس أَن الْعُضْو إِذا قطع فَغمسَ فِي زَيْت مغلي استدت أَفْوَاه الْعُرُوق فَيَنْقَطِع الدَّم إِذْ لَو ترك بِلَا غمس لنزف الدَّم فَأدى إِلَى مَوته. وَسن تَعْلِيقهَا ثَلَاثَة أَيَّام إِن رَآهُ الإِمَام فَإِن عَاد من قطعت يمناه إِلَى السّرقَة قطعت رجله الْيُسْرَى من
стр. 733
مفصل كَعبه بترك عقبَة نَص عَلَيْهِ، أما قطع الرجل فلحديث أبي هُرَيْرَة مَرْفُوعا فِي السَّارِق (إِن سرق فَاقْطَعُوا يَده ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا رجله) وَلِأَنَّهُ قَول أبي بكر وَعمر وَلَا مُخَالف لَهما من الصَّحَابَة. وَأما كَونهَا الْيُسْرَى فقياسا على الْمُحَاربَة وَلِأَنَّهُ أرْفق بِهِ لِأَن الْمَشْي على الرجل الْيُمْنَى أسهل وَأمكن لَهُ من الْيُسْرَى. وَأما كَونه من مفصل كَعبه وَترك عقبه فَلَمَّا رُوِيَ عَن عَليّ أَنه كَانَ يقطع من شطر الْقدَم وَيتْرك عَقبهَا يمشي عَلَيْهِ وحسمت كَمَا تقدم فِي الْيَد، فَإِن عَاد فَسرق بعد قطع يَده وَرجله [حبس حَتَّى يَتُوب] وَيحرم أَو يقطع. وَقَالَ فِي الْإِقْنَاع: وَإِن وَجب قطع يمناه فَقطع الْقَاطِع يسراه بَدَلا عَن يمناه أَجْزَأت وَلَا تقطع يمناه، وَأما الْقَاطِع فَإِن كَانَ قطعهَا من غير اخْتِيَار من السَّارِق أَو كَانَ أخرجهَا السَّارِق دهشة أَو ظنا مِنْهُ أَنَّهَا تُجزئه فَعَلَيهِ دِيَتهَا. وَإِن كَانَ السَّارِق أخرجهَا اخْتِيَارا عَالما بالأمرين فَلَا شَيْء على الْقَاطِع وَلَا تقطع يمنى السَّارِق. انْتهى. وَجزم بِهِ فِي التَّصْحِيح وَالنّظم وَقدمه فِي الْمُنْتَهى. وَالْوَجْه الثَّانِي: تقطع جزم بِهِ فِي الْوَجِيز والتنقيح وَهُوَ ظَاهر مَا قدمه فِي الْفُرُوع.
стр. 734
ويجتمع الْقطع وَالضَّمان فَيرد مَا سرق لمَالِكه، وَإِن تلف فَمثل مثلي وَقِيمَة غَيره ويعمر مَا خربه من الْحِرْز وَعَلِيهِ أُجْرَة قَاطع وَثمن زَيْت حسم وَمن سرق ثمرا أَو جمار نخل وَهُوَ الكثر قبل إِدْخَال الْحِرْز كأخذه من رُءُوس نخل وَشَجر من غير حرز غرم قِيمَته مرَّتَيْنِ وَلَا قطع،)
)
١٦ - (
١٦ - (أَو سرق مَاشِيَة من المرعى من غير حرز غرم قِيمَته مرَّتَيْنِ وَلَا قطع، وَمن لم يجد مَا يَشْتَرِيهِ من نَحْو قوت أَو لم يجد مَا يَشْتَرِي بِهِ الْقُوت زمن مجاعَة غلاء لم يقطع بِسَرِقَة مَا سَرقه نصا. وَإِذا سرق الضَّيْف من مَال مضيفه من الْموضع الَّذِي أنزل فِيهِ أَو مَوضِع لم يحرزه عَنهُ لم يقطع، أَو مُحرز عَنهُ فَإِن كَانَ مَنعه قراه فَسرق بِقَدرِهِ لم يقطع وَإِلَّا قطع.
стр. 735
٣ - (فصل)
فِي حد الْمُحَاربين. وهم قطاع الطَّرِيق المكلفون بالغين من الْمُسلمين وَأهل الذِّمَّة وينتقض بِهِ عَهدهم وَلَو أُنْثَى أَو رَقِيقا الَّذين يعترضون النَّاس بسلاح وَلَو عَصا أَو حجر فِي صحراء أَو بُنيان أَو بَحر فيغصبون مَالا مُحْتَرما مجاهرة، فَخرج الصَّغِير وَالْمَجْنُون وَالْحَرْبِيّ وَمن يعرض لنَحْو صيد أَو يعرض للنَّاس بِلَا سلَاح لأَنهم لَا يمْنَعُونَ من قصدهم، وَخرج أَيْضا من يغصب نَحْو كلب أَو سرجين نجس أَو مَال حَرْبِيّ وَنَحْوه وَمن يَأْخُذ خُفْيَة لِأَنَّهُ سَارِق، وَأما الْمُحَارب فيعتصم بِالْقِتَالِ دون الْخفية. وهم [أَنْوَاع] أَرْبَعَة أَشَارَ للْأولِ بقوله: فَمن قدر عَلَيْهِ مِنْهُم وَقد قتل إنْسَانا فِي الْمُحَاربَة مكافئا لَهُ كَالْحرِّ الْمُسلم يقتل مثله أَو قتل غَيره أَي غير مكافيء لَهُ كَوَلَد يقْتله أَبوهُ وقن يقْتله حر وذمي يقْتله مُسلم وَكَانَ كل مَا ذكر بِقصد مَاله وَأخذ المَال عطف على قتل [قتل] حتما لوُجُوبه لحق الله تَعَالَى كالقطع فِي السّرقَة ثمَّ صلب قَاتل [مكافيء] دون غَيره وَهُوَ من يُقَاد بِهِ لَو قَتله فِي غير محاربة لقَوْله تَعَالَى: ١٩ ((أَن يقتلُوا أَو يصلبوا))
стр. 736
حَتَّى يشْتَهر ليرتدع غَيره ثمَّ ينزل وَيغسل ويكفن وَيصلى عَلَيْهِ ويدفن، ذكره فِي الْإِقْنَاع، وَلَا يقطع مَعَ ذَلِك. وَلَو مَاتَ أَو قتل قبل قَتله للمحاربة لم يصلب، وَلَو قتل بَعضهم فَيثبت حكم الْقَتْل فِي حق جَمِيعهم. فَإِن قدر عَلَيْهِم قبل أَن يتوبوا قتل من قتل وَمن لم يقتل من الْمُكَلّفين. وَإِن قتل بعض وَأخذ المَال بعض تحتم قتل الْجَمِيع وصلبهم. وَالثَّانِي: مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَمن قتل فَقَط لقصد المَال وَلم يَأْخُذ المَال قتل حتما وَلَا صلب لِأَن جنايتهم بِالْقَتْلِ وَأخذ المَال تزيد على جنايتهم بِالْقَتْلِ وَحده فَوَجَبَ اخْتِلَاف العقوبتين. الثَّالِث: مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَمن أَخذ المَال أَي نِصَابا فَأكْثر لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ من بَين الْقَافِلَة لَا عَن مُنْفَرد عَنْهَا فَقَط أَي وَلم يقتل أحدا قطعت يَده أَي يَد كل من قطاع الطَّرِيق الْيُمْنَى ثمَّ رجله الْيُسْرَى لقَوْله تَعَالَى ١٩ ((من خلاف)) ورفقا بِهِ فِي إِمْكَان مَشْيه فِي مقَام وَاحِد حتما مُرَتبا وجوبا فَلَا ينظر بِقطع إِحْدَاهمَا اندمال الْأُخْرَى لِأَنَّهُ تَعَالَى أَمر بقطعهما بِلَا تعرض لتأخير وَالْأَمر للفور فتقطع يمنى يَدَيْهِ وتحسم ثمَّ رجله الْيُسْرَى وتحسم وحسمتا وجوبا لحَدِيث ١٩ ((اقطعوه واحسموه)) وخلى عَنهُ لِاسْتِيفَاء مَا لزمَه كمدين يُوفي دينه: فَلَو كَانَت يَده الْيُسْرَى مفقودة أَو يَمِينه شلاء مَقْطُوعَة أَو مُسْتَحقَّة فِي قَود قطعت رجله الْيُسْرَى فَقَط.
стр. 737
الرَّابِع: مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله: وَإِن أَخَاف السَّبِيل فَقَط أَي لم يقتل أحدا وَلَا أَخذ مَا يبلغ نِصَابا مِمَّا لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ من حرزه نفي وشرد وَلَو قِنَا لقَوْله تَعَالَى (أَو ينفوا من الأَرْض) فَلَا يتْرك يأوي إِلَى بلد حَتَّى تظهر تَوْبَته وتنفي الْجَمَاعَة مُتَفَرِّقَة كل إِلَى جِهَة لِئَلَّا يجتمعوا على الْمُحَاربَة ثَانِيًا. وَشرط لوُجُوب حد قطاع الطَّرِيق ثَلَاثَة شُرُوط: أَحدهَا ثُبُوت ذَلِك أَي قطع الطَّرِيق بِبَيِّنَة أَو إِقْرَار مرَّتَيْنِ، وَالثَّانِي حرز بِأَن يَأْخُذهُ عَن يَد مُسْتَحقَّة وَهُوَ بالقافلة فَلَو وجده مطروحا أَو أَخذ من سارقه أَو غاصبه أَو مُنْفَرد عَن قافلة لم يكن مُحَاربًا، وَالثَّالِث نِصَاب يقطع بِهِ السَّارِق وَهُوَ ثَلَاثَة دَرَاهِم فضَّة أَو ربع دِينَار ذَهَبا وَمن تَابَ مِنْهُم أَي قطاع الطَّرِيق قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِ سقط عَنهُ حق الله تَعَالَى من صلب وَقطع وَنفي وتحتم قتل لقَوْله تَعَالَى ١٩ ((إِلَّا الَّذين تَابُوا من قبل أَن تقدروا عَلَيْهِم فاعلموا أَن الله غَفُور رَحِيم)) ، وَكَذَا خارجي وباغ مُرْتَد تَابَ قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِ. وَأما من تَابَ مِنْهُم بعد الْقُدْرَة عَلَيْهِ فَلَا يسْقط عَنهُ شَيْء مِمَّا وَجب عَلَيْهِ لمَفْهُوم قَوْله تَعَالَى ١٩ ((من قبل أَن تقدروا عَلَيْهِم)) وَلِأَن ظَاهر حَال من تَابَ قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِ أَن تَوْبَته إخلاص وَأما بعدهمَا فَالظَّاهِر أَنَّهَا تَوْبَة تقية من إِقَامَة الْحَد عَلَيْهِ، وَإِن فِي قبُول تَوْبَته قبل الْقُدْرَة ترغيبا لَهُ بِخِلَاف مَا بعْدهَا فَإِنَّهُ لَا حَاجَة إِلَى ترغيبه فِيهَا،
стр. 738
وَأخذ بِالْبِنَاءِ للْمَفْعُول عطف على سقط بِحَق آدَمِيّ إِن طلبه ربه من قصاص فِي نفس أَو دونهَا أَو غَرَامَة مَال أَو دِيَة لَا قصاص فِيهِ وحد قذف كَمَا قبل الْإِسْلَام وَقَوله تَعَالَى ١٩ ((قل للَّذين كفرُوا أَن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف)) وَحَدِيث (الْإِسْلَام يجب مَا قبله) فِي الْحَرْبِيين أَو فِي الْكفْر جمعا بَين الْأَدِلَّة، وَمن وَجب عَلَيْهِ حد للَّه تَعَالَى كشرب وسرقة فَتَابَ عَنهُ قبل ثُبُوته عِنْد حَاكم سقط عَنهُ بِمُجَرَّد تَوْبَته قبل صَلَاح عمل. وَمن أُرِيد أَي قصد مَاله أَو أريدت نَفسه بقتل أَو بِفعل الْفَاحِشَة أَو أريدت حرمته كَأُمِّهِ وَأُخْته ونحوهن بزنا أَو قتل وَلَو لم يكافىء من أريدت نَفسه وَنَحْوهَا المريد فَلهُ دَفعه بأسهل مَا يظنّ أَن ينْدَفع بِهِ، فَإِن ظن أَنه ينْدَفع بِضَرْب عَصا لم يكن لَهُ ضربه بحديد، وَإِن ولى هَارِبا لم يكن لَهُ قَتله وَلَا اتِّبَاعه. وَإِن ضربه فعطله لم يكن لَهُ أَن يثني عَلَيْهِ، وَإِن ضربه فَقطع يَمِينه فولى هَارِبا فَضَربهُ فَقطع رجله فالرجل مَضْمُونَة بقصاص أَو دِيَة، فَإِن مَاتَ بسراية القطعين فَعَلَيهِ نصف الدِّيَة، وَإِن لم ينْدَفع المريد الْأَذَى إِلَّا بِالْقَتْلِ أَو خَافَ ابْتِدَاء أَن يبدره بِالْقَتْلِ إِن لم يعاجل بِالدفع أُبِيح قَتله وَقطع طرفه حِينَئِذٍ وَلَا ضَمَان عَلَيْهِ، وَإِن قتل المصول عَلَيْهِ فَهُوَ شَهِيد مَضْمُون. وَيجب الدّفع عَن حرمته إِن أريدت نصا، وَحُرْمَة غَيره وَكَذَا عَن نفس وَنَفس غَيره فِي غير فتْنَة وَكَذَا
стр. 739
عَن مَال غَيره، قَالَ فِي الْمُنْتَهى وَشَرحه: مَعَ ظن سلامتهما أَي الدَّافِع والمدفوع وَإِلَّا حرم. انْتهى. وَهُوَ خلاف ظَاهر الْإِقْنَاع فَإِن قَالَ: وَلَا يلْزمه الدّفع عَن مَاله وَلَا حفظه عَن الضّيَاع والهلاك كَمَال غَيره. انْتهى. وَله بذله لمن أَرَادَهُ مِنْهُ ظلما.
ثمَّ أَخذ يتَكَلَّم على قتال الْبُغَاة والبغاة جمع بَاغ من الْبَغي أَي الْجور وَالظُّلم والعدول عَن الْحق وَالْبَغي بتَشْديد الْيَاء الزَّانِيَة ذَوُو أَصْحَاب شَوْكَة يخرجُون على الإِمَام لَو غير عدل بِتَأْوِيل سَائِغ لَو لم يكن فيهم مُطَاع، سموا بغاة لعدولهم عَن الْحق وَمَا عَلَيْهِ أَئِمَّة الْمُسلمين، وَالْأَصْل فِي قِتَالهمْ قَوْله تَعَالَى ١٩ ((فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله)) وَمَتى اخْتَلَّ شَرط مِمَّا تقدم بِأَن كَانُوا جمعا يَسِيرا لَا شَوْكَة لَهُم كالعشرة أَو لم يخرجُوا على الإِمَام أَو خَرجُوا بِلَا تَأْوِيل أَو بِتَأْوِيل غير سَائِغ فهم قطاع طَرِيق. وَنصب الإِمَام فرض كِفَايَة، وَيعْتَبر كَونه قرشيا مُكَلّفا سميعا بَصيرًا ناطقا عدلا حرا ذكرا عَالما ذَا بَصِيرَة كَافِيا ابْتِدَاء ودواما للحرب والسياسة وَإِقَامَة الْحُدُود، وَلَا تلْحقهُ رأفة فِي ذَلِك وَلَا فِي الذب عَن الْأمة، وَالْإِمَام يَنْعَزِل بِفِسْقِهِ بِخِلَاف القَاضِي. فَيلْزمهُ الإِمَام مراسلتهم أَي الْبُغَاة لِأَنَّهَا طَرِيق إِلَى الصُّلْح ولرجوعهم إِلَى الْحق، وَيلْزمهُ [إِزَالَة مَا يَدعُونَهُ من شُبْهَة ومظلمة] لِأَنَّهَا وَسِيلَة إِلَى الصُّلْح الْمَأْمُور بِهِ بقوله تَعَالَى (فأصلحوا بَينهمَا) فَإِن فاءوا أَي رجعُوا عَن الْبَغي وَطلب
стр. 740
الْقِتَال تَركهم [وَإِلَّا] يفيئوا قَاتلهم إِمَام قَادر على قِتَالهمْ لُزُوما لقَوْله تَعَالَى (فَقَاتلُوا الَّتِي تبغي حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله) وعَلى رَعيته معونته، فَإِن قَالَ لَهُ الْبُغَاة: أنظرنا مُدَّة حَتَّى نرى رَأينَا، وَرَجا فيئهم أنظرهم وجوبا حفظا لدماء الْمُسلمين، وَإِن خَافَ مكيدة فَلَا وَلَو أَعْطوهُ مَالا ورهنا، وَإِن تركُوا الْقِتَال حرم قَتلهمْ وَقتل مدبرهم وجريحهم وَلَا يغنم مَا لَهُم وَلَا تسبى ذَرَارِيهمْ وَيجب رد ذَلِك إِلَيْهِم، وَلَا يضمنُون مَا أتلفوه حَالَة الْحَرْب كَمَا لَا يضمن أهل عدل مَا أتلفوه لبغاة حَالَته، ويضمنان مَا أتلفاه فِي غير حَرْب، وَمَا أَخَذُوهُ حَال امتناعهم من زَكَاة وخراج وجزية اعْتد بِهِ لمَالِكه وَتقبل بِلَا يَمِين دَعْوَى دفع زَكَاة إِلَيْهِم لَا جِزْيَة وَلَا خراج إِلَّا بِبَيِّنَة، وهم فِي شَهَادَتهم وإمضاء حكمهم كَأَهل عدل. وَمن كفر أهل الْحق وَالصَّحَابَة واستحل دِمَاء الْمُسلمين وَأَمْوَالهمْ بِتَأْوِيل فهم خوارج بغاة فسقة ذكره فِي الْمُنْتَهى عَن الْفُرُوع قَالَ الشَّيْخ تَقِيّ الدّين: نصوصه صَرِيحَة على عدم كفر الْخَوَارِج والقدرية والمرجئة وَغَيرهم وَإِنَّمَا كفر الْجَهْمِية لَا أعيانهم، قَالَ: وَطَائِفَة تحكى عَنهُ رِوَايَتَيْنِ فِي تَكْفِير أهل الْبدع مُطلقًا حَتَّى المرجئة والشيعة المفضلة لعَلي ﵁. وَعنهُ: كفار، قَالَ المنقع: وَهُوَ أظهر. انْتهى. قَالَ فِي " الْإِنْصَاف " وَهُوَ الصَّوَاب وَالَّذِي ندين الله بِهِ، انْتهى من " الْمُنْتَهى " و " شَرحه ".
следующие страницы →