← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6121

الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع

الخطيب الشربيني

Полный текст (661 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

بِالنِّيَّاتِ أَي الْأَعْمَال المعتد بهَا شرعا (القَوْل فِي مَقَاصِد النِّيَّة) وحقيقتها لُغَة الْقَصْد وَشرعا قصد الشَّيْء مقترنا بِفِعْلِهِ وَحكمهَا الْوُجُوب كَمَا علم مِمَّا مر ومحلها الْقلب وَالْمَقْصُود بهَا تَمْيِيز الْعِبَادَات عَن الْعَادَات كالجلوس فِي الْمَسْجِد للاعتكاف تَارَة وللاستراحة أُخْرَى أَو تَمْيِيز رتبتها كَالصَّلَاةِ تكون للْفَرض تَارَة وللنفل أُخْرَى وَشَرطهَا إِسْلَام الناوي وتمييزه وَعلمه بالمنوي وَعدم إِتْيَانه بِمَا ينافيها بِأَن يستصحبها حكما وَأَن لَا تكون معلقَة فَلَو قَالَ إِن شَاءَ الله فَإِن قصد التَّعْلِيق أَو أطلق لم تصح وَإِن قصد التَّبَرُّك صحت ووقتها أول الْفُرُوض كأول غسل جُزْء من الْوَجْه وَإِنَّمَا لم يوجبوا الْمُقَارنَة فِي الصَّوْم لعسر مراقبة الْفجْر وتطبيق النِّيَّة عَلَيْهِ وكيفيتها تخْتَلف بِحَسب الْأَبْوَاب فَيَكْفِي هُنَا نِيَّة رفع حدث كَمَا مر أَو نِيَّة اسْتِبَاحَة شَيْء مفتقر إِلَى وضوء كَالصَّلَاةِ وَالطّواف وَمَسّ الْمُصحف لِأَن رفع الْحَدث إِنَّمَا يطْلب لهَذِهِ الْأَشْيَاء فَإِذا نَوَاهَا فقد نوى غَايَة الْقَصْد أَو أَدَاء فرض الْوضُوء أَو فرض الْوضُوء وَإِن كَانَ المتوضىء صَبيا أَو أَدَاء الْوضُوء أَو الْوضُوء فَقَط لتعرضه للمقصود فَلَا يشْتَرط التَّعَرُّض للفرضية كَمَا لَا يشْتَرط فِي الْحَج وَالْعمْرَة وَصَوْم رَمَضَان (النِّيَّة فِي الْوضُوء المجدد) تَنْبِيه مَا تقرر من الْأُمُور السَّابِقَة مَحَله فِي الْوضُوء غير المجدد أما المجدد فَالْقِيَاس عدم الِاكْتِفَاء فِيهِ بنية الرّفْع أَو الاستباحة قَالَ الْإِسْنَوِيّ وَقد يُقَال يَكْتَفِي بهَا كَالصَّلَاةِ الْمُعَادَة غير أَن ذَلِك مُشكل خَارج عَن الْقَوَاعِد فَلَا يُقَاس عَلَيْهِ قَالَ ابْن الْعِمَاد وتخريجه على الصَّلَاة لَيْسَ بِبَعِيد لِأَن قَضِيَّة التَّجْدِيد أَن يُعِيد الشَّيْء بِصفتِهِ الأولى انْتهى وَالْأول أولى لِأَن الصَّلَاة اخْتلف فِيهَا هَل فَرْضه الأولى أَو الثَّانِيَة وَلم يقل أحد فِي الْوضُوء فِيمَا علمت بذلك وَإِنَّمَا اكْتفي بنية الْوضُوء فَقَط دون نِيَّة الْغسْل لِأَن الْوضُوء لَا يكون إِلَّا عبَادَة فَلَا يُطلق على غَيرهَا بِخِلَاف الْغسْل فَإِنَّهُ يُطلق على غسل الْجَنَابَة وَغسل النَّجَاسَة وَغَيرهمَا وَلَو نوى الطَّهَارَة عَن الْحَدث صَحَّ فَإِن لم يقل عَن الْحَدث لم يَصح على الصَّحِيح كَمَا فِي زَوَائِد الرَّوْضَة وَعلله فِي الْمَجْمُوع بِأَن الطَّهَارَة قد تكون عَن حدث وَقد تكون عَن خبث فَاعْتبر التَّمْيِيز وَمن دَامَ حَدثهُ كمستحاضة وَمن بِهِ سَلس بَوْل أَو ريح كَفاهُ نِيَّة الاستباحة الْمُتَقَدّمَة دون نِيَّة الرّفْع الْمَار لبَقَاء حَدثهُ وَينْدب لَهُ الْجمع بَينهمَا خُرُوجًا من خلاف من أوجبه لتَكون نِيَّة الرّفْع للْحَدَث السَّابِق وَنِيَّة الاستباحة أَو نَحْوهَا للاحق وَبِهَذَا ينْدَفع مَا قيل إِنَّه قد جمع فِي نِيَّته بَين مُبْطل وَغَيره ويكفيه أَيْضا نِيَّة الْوضُوء وَنَحْوهَا مِمَّا تقدم كَمَا صرح بِهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِير (القَوْل فِي نِيَّة دَائِم الْحَدث) تَنْبِيه حكم نِيَّة دَائِم الْحَدث فِيمَا يستبيحه من الصَّلَوَات الْخمس وَغَيرهَا حكم نِيَّة الْمُتَيَمم كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ هُنَا وأغفله

стр. 37

فِي الرَّوْضَة وَسَيَأْتِي بسط ذَلِك إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي التَّيَمُّم وَلَا يشْتَرط فِي النِّيَّة الْإِضَافَة إِلَى الله تَعَالَى لَكِن تسْتَحب كَمَا فِي الصَّلَاة وَغَيرهَا وَلَو تَوَضَّأ الشاك بعد وضوئِهِ فِي حَدثهُ احْتِيَاطًا فَبَان مُحدثا لم يجزه للتردد فِي النِّيَّة بِلَا ضَرُورَة كَمَا لَو قضى فَائِتَة الظّهْر مثلا شاكا فِي أَنَّهَا عَلَيْهِ ثمَّ بَان أَنَّهَا عَلَيْهِ لم يكف أما إِذا لم يتَبَيَّن حَدثهُ فَإِنَّهُ يُجزئهُ للضَّرُورَة وَلَو تَوَضَّأ الشاك وجوبا بِأَن شكّ بعد حَدثهُ فِي وضوئِهِ فَتَوَضَّأ أَجزَأَهُ وَإِن كَانَ مترددا لِأَن الأَصْل بَقَاء الْحَدث بل لَو نوى فِي هَذِه الْحَالة إِن كَانَ مُحدثا فَمن حَدثهُ وَإِلَّا فتجديد صَحَّ أَيْضا كَمَا فِي الْمَجْمُوع (القَوْل فِي حكم من نوى التبرد مَعَ الْوضُوء) وَمن نوى بوضوئه تبردا أَو شَيْئا يحصل بِدُونِ قصد كتنظيف وَلَو فِي أثْنَاء وضوئِهِ مَعَ نِيَّة مُعْتَبرَة أَي مستحضرا عِنْد نِيَّة التبرد أَو نَحوه نِيَّة الْوضُوء أَجزَأَهُ لحُصُول ذَلِك من غير نِيَّة كمصل نوى الصَّلَاة وَدفع الْغَرِيم فَإِنَّهَا تُجزئه لِأَن اشْتِغَاله عَن الْغَرِيم لَا يفْتَقر إِلَى نِيَّة فَإِن فقدت النِّيَّة الْمُعْتَبرَة كَأَن نوى التبرد وَقد غفل عَنْهَا لم يَصح غسل مَا غسله بنية التبرد وَنَحْوه وَيلْزمهُ إِعَادَته دون اسْتِئْنَاف الطَّهَارَة تَنْبِيه هَذَا بِالنِّسْبَةِ للصِّحَّة أما الثَّوَاب فَقَالَ الزَّرْكَشِيّ الظَّاهِر عدم حُصُوله وَقد اخْتَار الْغَزالِيّ فِيمَا إِذا شرك فِي الْعِبَادَة غَيرهَا من أَمر دُنْيَوِيّ اعْتِبَار الْبَاعِث على الْعَمَل فَإِن كَانَ الْقَصْد الدنيوي هُوَ الْأَغْلَب لم يكن فِيهِ أجر وَإِن كَانَ الْقَصْد الديني أغلب فَلهُ بِقَدرِهِ وَإِن تَسَاويا تساقطا وَاخْتَارَ ابْن عبد السَّلَام أَنه لَا أجر فِيهِ مُطلقًا سَوَاء تساوى القصدان أم اخْتلفَا انْتهى وَكَلَام الْغَزالِيّ هُوَ الظَّاهِر وَهُوَ الْمُعْتَمد وَإِذا بَطل وضوءه فِي أَثْنَائِهِ بِحَدَث أَو غَيره قَالَ فِي الْمَجْمُوع عَن الرَّوْيَانِيّ يحْتَمل أَن يُثَاب على الْمَاضِي كَمَا فِي الصَّلَاة أَو يُقَال إِن بَطل بِاخْتِيَارِهِ فَلَا أَو بِغَيْر اخْتِيَاره فَنعم وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ لَا ثَوَاب لَهُ بِحَال لِأَنَّهُ مُرَاد لغيره بِخِلَاف الصَّلَاة اه وَالْأَوْجه التَّفْصِيل فِي الْوضُوء وَالصَّلَاة وَيبْطل بِالرّدَّةِ التَّيَمُّم وَنِيَّة الْوضُوء وَالْغسْل وَلَو نوى قطع الْوضُوء انْقَطَعت النِّيَّة فيعيدها للْبَاقِي وَلَو نوى بوضوئه مَا ينْدب لَهُ وضوء كَقِرَاءَة الْقُرْآن أَو الحَدِيث لم يُجزئهُ لِأَنَّهُ مُبَاح مَعَ الْحَدث فَلَا يتَضَمَّن قَصده قصد رفع الْحَدث فَلَو نَوَاه مَعَ نِيَّة مُعْتَبرَة يَنْبَغِي أَنه يَكْفِي كَمَا لَو نوى التبرد مَعَ نِيَّة مُعْتَبرَة وَقد وَقعت هَذِه الْمَسْأَلَة فِي الْفَتَاوَى وَلم أر من تعرض لَهَا فروع لَو نوى أَن يُصَلِّي بوضوئه وَلَا يُصَلِّي بِهِ لم يَصح وضوءه لتلاعبه وتناقضه وَكَذَا لَو نوى بِهِ الصَّلَاة بمَكَان نجس وَلَو نسي لمْعَة فِي وضوئِهِ أَو غسله فانغسلت فِي الغسلة الثَّانِيَة أَو الثَّالِثَة بنية التَّنَفُّل أَو فِي إِعَادَة وضوء أَو غسل لنسيان لَهُ أَجزَأَهُ بِخِلَاف مَا لَو انغسلت فِي تَجْدِيد وضوء فَإِنَّهُ لَا يجزىء لِأَنَّهُ طهر مُسْتَقْبل بنية لم تتَوَجَّه لرفع الْحَدث أصلا (القَوْل فِي وَقت نِيَّة الْوضُوء) وَيجب أَن تكون (عِنْد) أول (غسل) أَي مغسول من أَجزَاء (الْوَجْه) لتقترن بِأول الْفَرْض كَالصَّلَاةِ وَغَيرهَا من الْعِبَادَات مَا عدا

стр. 38

الصَّوْم فَلَا يَكْفِي اقترانها بِمَا بعد الْوَجْه قطعا لخلو أول المغسول وجوبا عَنْهَا وَلَا بِمَا قبله من السّنَن إِذْ الْمَقْصُود من الْعِبَادَات أَرْكَانهَا وَالسّنَن تَوَابِع لَهَا هَذَا إِذْ عزبت النِّيَّة قبل غسل شَيْء من الْوَجْه فَإِن بقيت إِلَى غسل شَيْء مِنْهُ كفى بل هُوَ أفضل ليثاب على السّنَن السَّابِقَة لِأَنَّهَا إِذا خلت عَن النِّيَّة لم يحصل ثَوَابهَا وَلَو اقترنت النِّيَّة بالمضمضة أَو الِاسْتِنْشَاق وانغسل مَعَه جُزْء من الْوَجْه أَجزَأَهُ وَإِن عزبت النِّيَّة بعده سَوَاء أغسله بنية الْوَجْه وَهُوَ ظَاهر أم لَا لوُجُود غسل جُزْء من الْوَجْه مَقْرُونا بِالنِّيَّةِ لَكِن يجب إِعَادَة غسل الْجُزْء مَعَ الْوَجْه على الْأَصَح فِي الرَّوْضَة لوُجُود الصَّارِف وَلَا تجزىء الْمَضْمَضَة وَلَا الِاسْتِنْشَاق فِي الشق الأول لعدم تقدمهما على غسل الْوَجْه قَالَه القَاضِي مجلي فالنية لم تقترن بمضمضة وَلَا استنشاق حَقِيقَة وَلَو وجدت النِّيَّة فِي أثْنَاء غسل الْوَجْه دون أَوله كفت وَوَجَب إِعَادَة المغسول مِنْهُ قبلهَا فوجوبها عِنْد أول غسل جُزْء مِنْهُ ليعتد بِهِ وَيفهم مِنْهُ أَنه لَا يجب اسْتِصْحَاب النِّيَّة إِلَى آخر الْوضُوء لَكِن مَحَله فِي الِاسْتِصْحَاب الذكري أما الْحكمِي وَهُوَ أَن لَا يَنْوِي قطعهَا وَلَا يَأْتِي بِمَا ينافيها كالردة فَوَاجِب كَمَا علم مِمَّا مر وَله تَفْرِيق النِّيَّة على أَعْضَاء الْوضُوء بِأَن يَنْوِي عِنْد كل عُضْو رفع الْحَدث عَنهُ كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ لِأَنَّهُ يجوز تَفْرِيق أَفعاله فَكَذَلِك يجوز تَفْرِيق النِّيَّة على أَفعاله وَهل تَنْقَطِع النِّيَّة بنوم مُمكن وَجْهَان أوجهها لَا وَالْحَدَث الْأَصْغَر لَا يحل كل الْبدن بل أَعْضَاء الْوضُوء خَاصَّة كَمَا صَححهُ فِي التَّحْقِيق وَالْمَجْمُوع وَإِنَّمَا لم يجز مس الْمُصحف بغَيْرهَا لِأَن شَرط الماس أَن يكون مطهرا ويرتفع حدث كل عُضْو بِمُجَرَّد غسله

стр. 39

(و) الثَّانِي من الْفُرُوض (غسل) ظَاهر كل (الْوَجْه) لقَوْله تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم﴾ وللإجماع وَالْمرَاد بِالْغسْلِ الانغسال سَوَاء كَانَ بِفعل المتوضىء أم بِغَيْرِهِ وَكَذَا الحكم فِي سَائِر الْأَعْضَاء (القَوْل فِي حد الْوَجْه طولا وعرضا) الْوَجْه وحد طولا مَا بَين منابت شعر رَأسه وَتَحْت مُنْتَهى لحييْهِ وهما بِفَتْح اللَّام على الْمَشْهُور العظمان اللَّذَان تنْبت عَلَيْهِمَا الْأَسْنَان السُّفْلى وعرضا مَا بَين أُذُنَيْهِ لِأَن الْوَجْه مَا تقع بِهِ المواجهة وَهِي تقع بذلك وَخرج بِظَاهِر دَاخل الْأنف والفم وَالْعين فَإِنَّهُ لَا يجب غسل ذَلِك قطعا وَإِن انفتحا بِقطع جفن أَو شفة لِأَن ذَلِك فِي حكم الْبَاطِن وَلَا يشكل ذَلِك بِمَا لَو سلخ جلدَة الْوَجْه فَإِنَّهُ يجب غسل مَا ظهر مِنْهُ لِأَن هَذَا من مَحل مَا يجب غسله فَكَانَ بَدَلا بِخِلَاف مَا ذكره فَإِنَّهُ لَيْسَ بَدَلا عَن شَيْء مَعَ أَنه يُمكن غسله قبل إِزَالَة مَا ذكر فَلَا يجب غسله بعد إِزَالَته وَهُوَ ظَاهر وَلَا يسن غسل دَاخل الْعين وَلَكِن يجب غسل ذَلِك إِن تنجس وَالْفرق غلظ النَّجَاسَة بِدَلِيل أَنَّهَا لَا تزَال عَن الشَّهِيد إِذا كَانَت من غير دم الشَّهَادَة أما مآق الْعين فَيغسل بِلَا خلاف فَإِن كَانَ عَلَيْهِ مَا يمْنَع وُصُول المَاء إِلَى الْمحل الْوَاجِب كالرماص وَجَبت إِزَالَته وَغسل مَا تَحْتَهُ وبمنابت شعر رَأسه الأصلع وَهُوَ من انحسر الشّعْر عَن ناصيته فَإِنَّهُ لَا يلْزمه غسلهَا وَدخل مَوضِع الغمم فَإِنَّهُ من الْوَجْه لحُصُول المواجهة بِهِ وَهُوَ مَا ينْبت عَلَيْهِ الشّعْر من الْجَبْهَة والغمم أَن يسيل الشّعْر حَتَّى تضيق الْجَبْهَة والقفا يُقَال رجل أغم وَامْرَأَة غماء وَالْعرب تذم بِهِ وتمدح بالنزع لِأَن الغمم يدل على البلادة والجبن وَالْبخل والنزع بضد ذَلِك

стр. 40

تَنْبِيه مُنْتَهى اللحيين من الْوَجْه كَمَا تقرر وَأما مَوضِع التحذيف فَمن الرَّأْس لاتصال شعره بِشعر الرَّأْس وَهُوَ مَا ينْبت عَلَيْهِ الشّعْر الْخَفِيف بَين ابْتِدَاء العذار والنزعة سمي بذلك لِأَن النِّسَاء والأشراف يحذفون الشّعْر عَنهُ ليتسع الْوَجْه وضابطه كَمَا قَالَ الإِمَام أَن يضع طرف خيط على رَأس الْأذن والطرف الثَّانِي على أَعلَى الْجَبْهَة ويفرض هَذَا الْخَيط مُسْتَقِيمًا فَمَا نزل عَنهُ إِلَى جَانب الْوَجْه فَهُوَ مَوضِع التحذيف وَمن الرَّأْس أَيْضا النزعتان وهما بياضان يكتنفان الناصية وَهُوَ مقدم الرَّأْس من أَعلَى الجبين والصدغان وهما فَوق الْأُذُنَيْنِ متصلان بالعذارين لدخولهما فِي تدوير الرَّأْس وَيسن غسل مَوضِع الصلع والتحذيف والنزعتين والصدغين مَعَ الْوَجْه للْخلاف فِي وُجُوبهَا فِي غسله وَيجب غسل جُزْء من الرَّأْس وَمن الْحلق وَمن تَحت الحنك وَمن الْأُذُنَيْنِ وَمن الْوَجْه الْبيَاض الَّذِي بَين العذار وَالْأُذن لدُخُوله فِي حَده وَمَا ظهر من حمرَة الشفتين وَمن الْأنف بالجدع (القَوْل فِي الْكَلَام على شُعُور الْوَجْه) وَيجب غسل كل هدب وَهُوَ الشّعْر النَّابِت على أجفان الْعين وحاجب وَهُوَ الشّعْر النَّابِت على أَعلَى الْعين سمي بذلك لِأَنَّهُ يحجب عَن الْعين شُعَاع الشَّمْس وعذار وَهُوَ الشّعْر النَّابِت المحاذي للأذن بَين الصدغ والعارض وشارب وَهُوَ الشّعْر النَّابِت على الشّفة الْعليا سمي بذلك لملاقاته الْإِنْسَان عِنْد الشّرْب وَشعر نابت على الخد وعنفقة وَهُوَ الشّعْر النَّابِت على الشّفة السُّفْلى أَي يجب غسل ذَلِك ظَاهرا وَبَاطنا وَإِن كثف الشّعْر لِأَن كثافته نادرة فَألْحق بالغالب واللحية من الرجل وَهِي بِكَسْر اللَّام الشّعْر النَّابِت على الذقن خَاصَّة وَهِي مَجْمُوع اللحيين إِن خفت وَجب غسل ظَاهرهَا وباطنها وَإِن كثفت وَجب غسل ظَاهرهَا وَلَا يجب غسل بَاطِنهَا لعسر إِيصَال المَاء إِلَيْهِ مَعَ الكثافة غير النادرة وَلما روى البُخَارِيّ أَنه ﷺ تَوَضَّأ فغرف غرفَة غسل بهَا وَجهه وَكَانَت لحيته الْكَرِيمَة كثيفة وبالغرفة الْوَاحِدَة لَا يصل المَاء إِلَى ذَلِك غَالِبا فَإِن خف بَعْضهَا وكثف بَعْضهَا وتميز فَلِكُل حكمه فَإِن لم يتَمَيَّز بِأَن كَانَ الكثيف مُتَفَرقًا بَين أثْنَاء الْخَفِيف وَجب غسل الْكل كَمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ لِأَن إِفْرَاد الكثيف بِالْغسْلِ يشق وإمرار المَاء على الْخَفِيف لَا يجزىء وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد وَإِن قَالَ فِي الْمَجْمُوع مَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ خلاف مَا قَالَه الْأَصْحَاب وَالشعر الكثيف مَا يستر الْبشرَة عَن الْمُخَاطب بِخِلَاف الْخَفِيف والعارضان وهما المنحطان عَن الْقدر المحاذي للأذن كاللحية فِي جَمِيع مَا ذكر وَخرج بِالرجلِ الْمَرْأَة فَيجب غسل ذَلِك مِنْهَا ظَاهرا وَبَاطنا وَإِن كثف لندرة كثافتها وَمثلهَا الْخُنْثَى وَيجب غسل سلْعَة نَبتَت فِي الْوَجْه وَإِن خرجت عَن حَده لحُصُول المواجهة بهَا وَاعْلَم أَن هَذَا التَّفْصِيل الْمَذْكُور فِي شُعُور الْوَجْه إِذا كَانَ

стр. 41

فِي حَده أما الْخَارِج عَنهُ فَيجب غسل ظَاهرهَا وباطنها مُطلقًا إِن خفت كَمَا فِي الْعباب وظاهرها فَقَط مُطلقًا إِن كثفت كَمَا فِي الرَّوْضَة وَبَعْضهمْ قرر فِي هَذِه الشُّعُور خلاف ذَلِك فاحذره تَنْبِيه من لَهُ وَجْهَان وَكَانَ الثَّانِي مسامتا للْأولِ وَجب عَلَيْهِ غسلهمَا كاليدين على عُضْو وَاحِد أَو رأسان كفى مسح بعض أَحدهمَا وَالْفرق أَن الْوَاجِب فِي الْوَجْه غسل جَمِيعه فَيجب عَلَيْهِ غسل جَمِيع مَا يُسمى وَجها وَفِي الرَّأْس مسح بعض مَا يُسمى رَأْسا وَذَلِكَ يحصل بِبَعْض أَحدهمَا ذكره فِي الْمَجْمُوع (و) الثَّالِث من الْفُرُوض (غسل) جَمِيع (الْيَدَيْنِ) من كفيه وذراعيه (إِلَى) أَي مَعَ (الْمرْفقين) أَو قدرهما إِن فقدا لما رَوَاهُ مُسلم عَن أبي هُرَيْرَة فِي صفة وضوء رَسُول الله ﷺ أَنه تَوَضَّأ فَغسل وَجهه فأسبغ الْوضُوء ثمَّ غسل يَده الْيُمْنَى حَتَّى أشرع فِي الْعَضُد ثمَّ الْيُسْرَى حَتَّى أشرع فِي الْعَضُد إِلَخ وللاجماع وَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق﴾ وَإِلَى بِمَعْنى مَعَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿من أَنْصَارِي إِلَى الله﴾ أَي مَعَ الله وَقَوله تَعَالَى ﴿ويزدكم قُوَّة إِلَى قوتكم﴾ فَإِن قطع بعض مَا يجب غسله من الْيَدَيْنِ وَجب غسل مَا بَقِي مِنْهُ لِأَن الميسور لَا يسْقط بالمعسور وَلقَوْله ﷺ إِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم أَو قطع من مرفقيه بِأَن سل عظم الذِّرَاع وَبَقِي العظمان المسميان بِرَأْس الْعَضُد فَيجب غسل رَأس عظم الْعَضُد لِأَنَّهُ من الْمرْفق أَو قطع من فَوق الْمرْفق ندب غسل بَاقِي عضده كَمَا لَو كَانَ سليم الْيَد وَإِن قطع من مَنْكِبه ندب غسل مَحل الْقطع بِالْمَاءِ كَمَا نَص عَلَيْهِ وَيجب غسل شعر على الْيَدَيْنِ ظَاهرا وَبَاطنا وَإِن كثف لندرته وَغسل ظفر وَإِن طَال وَغسل بَاطِن ثقب وشقوق فيهمَا إِن لم يكن لَهُ غور فِي اللَّحْم وَإِلَّا وَجب غسل مَا ظهر مِنْهُ فَقَط وَيجْرِي هَذَا فِي سَائِر الْأَعْضَاء كَمَا يَقْتَضِيهِ كَلَام الْمَجْمُوع فِي بَاب صفة الْغسْل وَغسل يَد زَائِدَة إِن نَبتَت بِمحل الْفَرْض وَلَو من الْمرْفق كأصبع زَائِدَة وسلعة سَوَاء جَاوَزت الْأَصْلِيَّة أم لَا وَإِن نَبتَت بِغَيْر مَحل الْفَرْض وَجب غسل مَا حَاذَى مِنْهَا مَحَله لوُقُوع اسْم الْيَد عَلَيْهِ مَعَ محاذاته لمحل الْفَرْض بِخِلَاف مَا لم يحاذه فَإِن لم تتَمَيَّز الزَّائِدَة عَن الْأَصْلِيَّة بِأَن كَانَتَا أصليتين أَو إِحْدَاهمَا زَائِدَة وَلم تتَمَيَّز بِنَحْوِ فحش قصر وَنقص أَصَابِع وَضعف

стр. 42

بَطش غسلهمَا وجوبا سَوَاء أخرجتا من الْمنْكب أم من غَيره ليتَحَقَّق إتْيَان الْفَرْض بِخِلَاف نَظِيره من السّرقَة تقطع إِحْدَاهمَا فَقَط كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي بَابهَا لِأَن الْوضُوء مبناه على الِاحْتِيَاط لِأَنَّهُ عبَادَة وَالْحَد مبناه على الدرء لِأَنَّهُ عُقُوبَة وتجري هَذِه الْأَحْكَام فِي الرجلَيْن وَإِن تدلت جلدَة الْعَضُد مِنْهُ لم يجب غسل شَيْء مِنْهَا لَا المحاذي وَلَا غَيره لِأَن اسْم الْيَد لَا يَقع عَلَيْهَا مَعَ خُرُوجهَا عَن مَحل الْفَرْض أَو تقلصت جلدَة الذِّرَاع مِنْهُ وَجب غسلهَا لِأَنَّهَا مِنْهُ وَإِن تدلت جلدَة أَحدهمَا من الآخر بِأَن تقلعت من أَحدهمَا وَبلغ التقلع إِلَى الآخر ثمَّ تدلت مِنْهُ فالاعتبار بِمَا انْتهى إِلَيْهِ تقلعها لَا بِمَا مِنْهُ تقلعها فَيجب غسلهَا فِيمَا إِذا بلغ تقلعها من الْعَضُد إِلَى الذِّرَاع دون مَا إِذا بلغ من الذِّرَاع إِلَى الْعَضُد لِأَنَّهَا صَارَت جُزْءا من مَحل الْفَرْض فِي الأول دون الثَّانِي وَلَو التصقت بعد تقلعها من أَحدهمَا بِالْآخرِ وَجب غسل محاذي الْفَرْض مِنْهَا دون غَيره ثمَّ إِن تجافت عَنهُ وَجب غسل مَا تحتهَا أَيْضا لندرته وَإِن سترته اكْتفى بِغسْل ظَاهرهَا وَلَا يجب فتقها فَلَو غسله ثمَّ زَالَت عَنهُ لزمَه غسل مَا ظهر من تحتهَا لِأَن الِاقْتِصَار على ظَاهرهَا كَانَ للضَّرُورَة وَقد زَالَت وَلَو تَوَضَّأ فَقطعت يَده أَو تثقبت لم يجب غسل مَا ظهر إِلَّا لحَدث فَيجب غسله كَالظَّاهِرِ أَصَالَة وَلَو عجز عَن الْوضُوء لقطع يَده مثلا وَجب عَلَيْهِ أَن يحصل من يوضئه وَلَو بِأُجْرَة مثل وَالنِّيَّة من الْآذِن فَإِن تعذر عَلَيْهِ ذَلِك تيَمّم وَصلى وَعَاد لندرة ذَلِك (و) الرَّابِع من الْفُرُوض (مسح بعض الرَّأْس) بِمَا يُسمى مسحا وَلَو لبَعض بشرة رَأسه أَو بعض شَعْرَة وَلَو وَاحِدَة أَو بَعْضهَا فِي حد الرَّأْس بِأَن لَا يخرج بِالْمدِّ عَنهُ من جِهَة نُزُوله فَلَو خرج بِهِ عَنهُ مِنْهَا لم يكف حَتَّى لَو كَانَ متجعدا بِحَيْثُ لَو مد لخرج عَن الرَّأْس لم يكف الْمسْح عَلَيْهِ قَالَ تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وروى مُسلم أَنه ﷺ مسح بناصيته وعَلى عمَامَته وَاكْتفى بمسح الْبَعْض فِيمَا ذكر لِأَنَّهُ الْمَفْهُوم من الْمسْح عِنْد إِطْلَاقه وَلم يقل أحد بِوُجُوب خُصُوص الناصية وَهِي الشّعْر الَّذِي بَين النزعتين والاكتفاء بهَا يمْنَع وجوب الِاسْتِيعَاب وَيمْنَع وجوب التَّقْدِير بِالربعِ أَو أَكثر لِأَنَّهَا دونه وَالْبَاء إِذا دخلت على مُتَعَدد كَمَا فِي الْآيَة تكون للتَّبْعِيض أَو على غَيره كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وليطوفوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيق﴾ تكون للإلصاق فَإِن قيل لَو غسل بشرة الْوَجْه وَترك الشّعْر أَو عَكسه لم يجزه فَهَلا كَانَ هُنَا كَذَلِك أُجِيب بِأَن كلا من الشّعْر والبشرة يصدق عَلَيْهِ مُسَمّى الرَّأْس عرفا إِذْ الرَّأْس اسْم لما رُؤْس وَعلا وَالْوَجْه مَا تقع بِهِ المواجهة وَهِي تقع على الشّعْر والبشرة مَعًا فَإِن قيل هلا اكْتفى بِالْمَسْحِ على النَّازِل عَن حد الرَّأْس كَمَا اكْتفى بذلك للتقصير فِي النّسك

стр. 43

أُجِيب بِأَن الماسح عَلَيْهِ غير ماسح على الرَّأْس والمأمور بِهِ فِي التَّقْصِير إِنَّمَا هُوَ شعر الرَّأْس وَهُوَ صَادِق بالنازل وَيَكْفِي غسل بعض الرَّأْس لِأَنَّهُ مسح وَزِيَادَة وَوضع الْيَد عَلَيْهِ بِلَا مد لحُصُول الْمَقْصُود من وُصُول البلل إِلَيْهِ وَلَو قطر المَاء على رَأسه أَو تعرض للمطر وَإِن لم ينْو الْمسْح أَجزَأَهُ لما مر ويجزىء مسح بِبرد وثلج لَا يذوبان لما ذكره وَلَو حلق رَأسه بعد مَسحه لم يعد الْمسْح لما مر فِي قطع الْيَد (و) الْخَامِس من الْفُرُوض (غسل) جَمِيع (الرجلَيْن) بِإِجْمَاع من يعْتد بإجماعه (مَعَ الْكَعْبَيْنِ) من كل رجل أَو قدرهما إِن فقدا كَمَا مر فِي الْمرْفقين وهما العظمان الناتئان من الْجَانِبَيْنِ عِنْد مفصل السَّاق والقدم فَفِي كل رجل كعبان لما روى النُّعْمَان بن بشير أَنه ﷺ قَالَ أقِيمُوا صفوفكم فَرَأَيْت الرجل منا يلصق مَنْكِبه بمنكب صَاحبه وكعبه بكعبه رَوَاهُ البُخَارِيّ قَالَ تَعَالَى ﴿وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ قرىء فِي السَّبع بِالنّصب والجر عطفا على الْوُجُوه لفظا فِي الأول وَمعنى فِي الثَّانِي لجره على الْجَوَاز وَدلّ على دُخُول الْكَعْبَيْنِ فِي الْغسْل مَا دلّ على دُخُول الْمرْفقين فِيهِ وَقد مر تَنْبِيه مَا أطلقهُ الْأَصْحَاب هُنَا من أَن غسل الرجلَيْن فرض مَحْمُول كَمَا قَالَ الرَّافِعِيّ على غير لابس الْخُف أَو على أَن الأَصْل الْغسْل وَالْمسح بدل عَنهُ وَيجب إِزَالَة مَا فِي شقوق الرجلَيْن من عين كشمع وحناء وَقَالَ الْجُوَيْنِيّ لم يصل إِلَى اللَّحْم وَيحمل على مَا إِذا كَانَ فِي اللَّحْم غور أخذا مِمَّا مر عَن الْمَجْمُوع وَلَا أثر لدهن ذائب ولون نَحْو حناء وَيجب إِزَالَة مَا تَحت الْأَظْفَار من وسخ يمْنَع وُصُول المَاء وَلَو قطع بعض الْقدَم وَجب غسل الْبَاقِي وَإِن قطع فَوق الكعب فَلَا فرض عَلَيْهِ وَيسن غسل الْبَاقِي كَمَا مر فِي الْيَدَيْنِ (و) السَّادِس من الْفُرُوض (التَّرْتِيب على) حكم (مَا ذَكرْنَاهُ) من الْبدَاءَة بِغسْل الْوَجْه مَقْرُونا بِالنِّيَّةِ ثمَّ الْيَدَيْنِ ثمَّ مسح الرَّأْس ثمَّ غسل الرجلَيْن لفعله ﷺ الْمُبين للْوُضُوء الْمَأْمُور بِهِ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره وَلقَوْله ﷺ فِي حجَّة الْوَدَاع ابدأوا بِمَا بَدَأَ الله بِهِ رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد صَحِيح وَالْعبْرَة بِعُمُوم اللَّفْظ لَا بِخُصُوص السَّبَب وَلِأَنَّهُ تَعَالَى ذكر ممسوحا بَين مغسولات وتفريق المتجانس لَا ترتكبه الْعَرَب إِلَّا لفائدة وَهِي هُنَا وجوب التَّرْتِيب لَا نَدبه بِقَرِينَة الْأَمر فِي الْخَبَر وَلِأَن الْآيَة بَيَان للْوُضُوء الْوَاجِب فَلَو اسْتَعَانَ بأَرْبعَة غسلوا أعضاءه دفْعَة وَاحِدَة وَنوى حصل لَهُ غسل وَجهه فقد وَلَو اغْتسل مُحدث حَدثا أَصْغَر بنية رفع

стр. 44

الْحَدث أَو نَحوه وَلَو مُتَعَمدا أَو بنية رفع الْجَنَابَة غالطا صَحَّ وَإِن لم يمْكث قدر التَّرْتِيب لِأَنَّهُ يَكْفِي لرفع أَعلَى الحدثين فللأصغر أولى ولتقدير التَّرْتِيب فِي لحظات لَطِيفَة وَلَو أحدث وأجنب أَجزَأَهُ الْغسْل عَنْهُمَا لاندراج الْأَصْغَر وَإِن لم يُنَوّه فِي الْأَكْبَر فَلَو اغْتسل إِلَّا رجلَيْهِ أَو إِلَّا يَدَيْهِ مثلا ثمَّ أحدث ثمَّ غسلهمَا عَن الْجَنَابَة تَوَضَّأ وَلم يجب إِعَادَة غسلهَا لارْتِفَاع حَدثهمَا بغسلهما عَن الْجَنَابَة وَهَذَا وضوء خَال عَن غسل الرجلَيْن أَو الْيَدَيْنِ وهما مكشوفتان بِلَا عِلّة قَالَ ابْن الْقَاص وَعَن التَّرْتِيب وغلطه الْأَصْحَاب بِأَنَّهُ غير خَال عَنهُ بل وضوء لم يجب فِيهِ غسل الرجلَيْن أَو الْيَدَيْنِ قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَهُوَ إِنْكَار صَحِيح وَلَو غسل بدنه إِلَّا أَعْضَاء الْوضُوء ثمَّ أحدث لم يجب ترتيبها وَلَو شكّ فِي تَطْهِير عُضْو قبل فرَاغ طهره أَتَى بِهِ وَمَا بعده أَو بعد الْفَرَاغ لم يُؤثر (القَوْل فِي سنَن الْوضُوء) وَلما فرغ من فروض الْوضُوء شرع فِي سنَنه فَقَالَ (وسننه عشرَة أَشْيَاء) بِالْمدِّ غير مَصْرُوف جمع شَيْء وَالْمُصَنّف لم يحصر السّنَن فِيمَا ذكره وَسَنذكر زِيَادَة على ذَلِك (القَوْل فِي التَّسْمِيَة) الأولى (التَّسْمِيَة) أول الْوضُوء لخَبر النَّسَائِيّ بِإِسْنَاد جيد عَن أنس قَالَ طلب بعض أَصْحَاب النَّبِي ﷺ وضُوءًا فَلم يَجدوا فَقَالَ ﷺ هَل مَعَ أحد مِنْكُم مَاء فَأتي بِمَاء فَوضع يَده فِي الْإِنَاء الَّذِي فِيهِ المَاء ثمَّ قَالَ توضؤوا بِسم الله أَي قائلين ذَلِك فَرَأَيْت المَاء يفور من بَين أَصَابِعه حَتَّى تَوَضَّأ نَحْو سبعين رجلا وَلخَبَر توضؤوا بِسم الله رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْن خُزَيْمَة وَإِنَّمَا لم تجب لآيَة الْوضُوء المبينة لواجباته وَأما خبر لَا وضوء لمن لم يسم الله فضعيف وأقلها بِسم الله وأكملها كمالها ثمَّ الْحَمد لله على الْإِسْلَام وَنعمته وَالْحَمْد لله الَّذِي جعل المَاء طهُورا وَزَاد الْغَزالِيّ بعْدهَا ﴿رب أعوذ بك من همزات الشَّيَاطِين وَأَعُوذ بك رب أَن يحْضرُون﴾ وَتسن التَّسْمِيَة لكل أَمر ذِي بَال أَي حَال يهتم بِهِ من عبَادَة وَغَيرهَا كَغسْل وَتيَمّم وَذبح وجماع وتلاوة وَلَو من أثْنَاء سُورَة لَا لصَلَاة وَحج وَذكر وَتكره لمحرم أَو مَكْرُوه وَالْمرَاد بِأول الْوضُوء أول غسل الْكَفَّيْنِ فينوي الْوضُوء ويسمي الله تَعَالَى

стр. 45

عِنْده بِأَن يقرن النِّيَّة بِالتَّسْمِيَةِ عِنْد أول غسلهمَا ثمَّ يتَلَفَّظ بِالنِّيَّةِ ثمَّ يكمل غسلهمَا لِأَن التَّلَفُّظ بِالنِّيَّةِ وَالتَّسْمِيَة سنة وَلَا يُمكن أَن يتَلَفَّظ بهما فِي زمن وَاحِد فَإِن تَركهَا سَهوا أَو عمدا أَو فِي أول طَعَام كَذَلِك أَتَى بهَا فِي أَثْنَائِهِ فَيَقُول بِسم الله أَوله وَآخره لخَبر إِذا أكل أحدكُم فليذكر اسْم الله تَعَالَى فَإِن نسي أَن يذكر اسْم الله تَعَالَى فِي أَوله فَلْيقل بِسم الله أَوله وَآخره رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَقَالَ حسن صَحِيح وَيُقَاس بِالْأَكْلِ الْوضُوء وبالنسيان الْعمد وَلَا يسن أَن يَأْتِي بهَا بعد فرَاغ الْوضُوء لانقضائه كَمَا صرح بِهِ فِي الْمَجْمُوع بِخِلَافِهِ بعد فَرَاغه من الْأكل فَإِنَّهُ يَأْتِي بهَا ليتقيأ الشَّيْطَان مَا أكله وَيَنْبَغِي أَن يكون الشّرْب كَالْأَكْلِ (القَوْل فِي غسل الْكَفَّيْنِ) (و) الثَّانِيَة (غسل الْكَفَّيْنِ) إِلَى كوعيه قبل الْمَضْمَضَة وَإِن تَيَقّن طهرهما أَو تَوَضَّأ من نَحْو إبريق لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فَإِن شكّ فِي طهرهما غسلهمَا (قبل إدخالهما الْإِنَاء) الَّذِي فِيهِ مَاء قَلِيل أَو مَائِع وَإِن كثر (ثَلَاثًا) فَإِن أدخلهما قبل أَن يغسلهَا كره لقَوْله ﷺ إِذا اسْتَيْقَظَ أحدكُم من نَومه فَلَا يغمس يَده فِي الْإِنَاء حَتَّى يغسلهَا ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده مُتَّفق عَلَيْهِ إِلَّا لفظ (ثَلَاثًا) فلمسلم فَقَط أَشَارَ بِمَا علل بِهِ فِيهِ إِلَى احْتِمَال نَجَاسَة الْيَد فِي النّوم كَأَن تقع على مَحل الِاسْتِنْجَاء بِالْحجرِ لأَنهم كَانُوا يستنجون بِهِ فَيحصل لَهُم التَّرَدُّد وعَلى هَذَا حمل الحَدِيث لَا على مُطلق النّوم كَمَا ذكره النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم وَإِذا كَانَ هَذَا هُوَ المُرَاد فَمن لم ينم وَاحْتمل نَجَاسَة يَده كَانَ فِي معنى النَّائِم وَهَذِه الغسلات الثَّلَاث هِيَ المندوبة أول الْوضُوء لَكِن ندب تَقْدِيمهَا عِنْد الشَّك على غمس يَده وَلَا تَزُول الْكَرَاهِيَة إِلَّا بغسلهما ثَلَاثًا لِأَن الشَّارِع إِذا غيا حكما بغاية فَإِنَّمَا يخرج من عهدته باستيفائها فَسقط مَا قيل من أَنه يَنْبَغِي زَوَال الْكَرَاهَة بِوَاحِدَة لتيقن الطُّهْر بهَا كَمَا لَا كَرَاهَة إِذا تَيَقّن طهرهما ابْتِدَاء وَمن هُنَا يُؤْخَذ مَا بَحثه الْأَذْرَعِيّ أَن مَحل عدم الْكَرَاهَة عِنْد تَيَقّن طهرهما إِذا كَانَ مُسْتَندا ليقين غسلهمَا ثَلَاثًا فَلَو غسلهمَا فِيمَا مضى من نَجَاسَة متيقنة أَو مشكوكة مرّة أَو مرَّتَيْنِ كره غمسهما قبل إِكْمَال الثَّلَاثَة وَمثل الْمَائِع فِيمَا ذكر كل مَأْكُول رطب كَمَا فِي الْعباب فَإِن تعذر عَلَيْهِ الصب لكبر الْإِنَاء وَلم يجد مَا يغْرف بِهِ مِنْهُ اسْتَعَانَ بِغَيْرِهِ أَو أَخذه بِطرف ثوب نظيف أَو بِفِيهِ أَو نَحْو ذَلِك أما إِذا تَيَقّن نجاستهما فَإِنَّهُ يحرم عَلَيْهِ إدخالهما فِي الْإِنَاء قبل غسلهمَا لما فِي ذَلِك من التضمخ بِالنَّجَاسَةِ وَخرج بِالْمَاءِ الْقَلِيل الْكثير فَلَا يكره فِيهِ كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي دقائقه

стр. 46

(القَوْل فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق) (و) الثَّالِثَة (الْمَضْمَضَة) وَهِي جعل المَاء فِي الْفَم وَلَو من غير إدارة فِيهِ وَمَج مِنْهُ (و) الرَّابِعَة (الِاسْتِنْشَاق) بعد الْمَضْمَضَة وَهُوَ جعل المَاء فِي الْأنف وَإِن لم يصل إِلَى الخيشوم وَذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَأما خبر تمضمضوا واستنشقوا فضعيف (تَقْدِيمهَا على الْوَجْه مُسْتَحقّ) تَنْبِيه تَقْدِيم غسل الْيَدَيْنِ على الْمَضْمَضَة وَهِي على الِاسْتِنْشَاق مُسْتَحقّ لَا مُسْتَحبّ عكس تَقْدِيم الْيُمْنَى على الْيُسْرَى وَفرق الرَّوْيَانِيّ بِأَن الْيَدَيْنِ مثلا عضوان متفقان اسْما وَصُورَة بِخِلَاف الْفَم وَالْأنف فَوَجَبَ التَّرْتِيب بَينهمَا كَالْيَدِ وَالْوَجْه فَلَو أَتَى بالاستنشاق مَعَ الْمَضْمَضَة حسبت دونه وَإِن قدمه عَلَيْهَا فقضية كَلَام الْمَجْمُوع أَن الْمُؤخر يحْسب وَقَالَ فِي الرَّوْضَة لَو قدم الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق على غسل الْكَفّ لم يحْسب الْكَفّ على الْأَصَح قَالَ الْإِسْنَوِيّ وَصَوَابه ليُوَافق مَا فِي الْمَجْمُوع لم تحسب الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق على الْأَصَح انْتهى وَالْمُعْتَمد مَا فِي الرَّوْضَة لقَولهم فِي الصَّلَاة الثَّالِث عشر تَرْتِيب الْأَركان خرج السّنَن فيحسب مِنْهَا مَا أوقعه أَولا فَكَأَنَّهُ ترك غَيره فَلَا يعْتد بِفِعْلِهِ بعد ذَلِك كَمَا لَو تعوذ ثمَّ أَتَى بِدُعَاء الِافْتِتَاح وَمن فَوَائِد غسل الْكَفَّيْنِ والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق أَولا معرفَة أَوْصَاف المَاء وَهِي اللَّوْن والطعم والرائحة هَل تَغَيَّرت أَو لَا وَيسن أَخذ المَاء بِالْيَدِ الْيُمْنَى وَيسن أَن يُبَالغ فيهمَا غير الصَّائِم لقَوْله ﷺ فِي رِوَايَة صحّح ابْن الْقطَّان إسنادها إِذا تَوَضَّأت فأبلغ فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق مَا لم تكن صَائِما وَالْمُبَالغَة فِي الْمَضْمَضَة أَن يبلغ المَاء إِلَى أقْصَى الحنك ووجهي الْأَسْنَان واللثات وَيسن إدارة المَاء فِي الْفَم ومجه وإمرار أصْبع يَده الْيُسْرَى على ذَلِك وَالِاسْتِنْشَاق أَن يصعد المَاء بِالنَّفسِ إِلَى الخيشوم وَيسن الاستنثار لِلْأَمْرِ بِهِ فِي خبر الصَّحِيحَيْنِ وَهُوَ أَن يخرج بعد الِاسْتِنْشَاق مَا فِي أَنفه من مَاء وأذى بخنصر يَده الْيُسْرَى وَإِذا بَالغ فِي الِاسْتِنْشَاق فَلَا يستقصي فَيصير سعوطا لَا استنشاقا قَالَه فِي الْمَجْمُوع أما الصَّائِم فَلَا تسن لَهُ الْمُبَالغَة بل تكره لخوف الافطار كَمَا فِي الْمَجْمُوع فَإِن قيل لم لم يحرم ذَلِك كَمَا قَالُوا بِتَحْرِيم الْقبْلَة إِذا خشِي الْإِنْزَال مَعَ أَن الْعلَّة فِي كل مِنْهُمَا خوف الْفساد أُجِيب بِأَن الْقبْلَة غير مَطْلُوبَة بل دَاعِيَة لما يضاد الصَّوْم من الْإِنْزَال بِخِلَاف الْمُبَالغَة فِيمَا ذكر وَبِأَنَّهُ هُنَا يُمكنهُ إطباق الْحلق وَمَج المَاء وَهُنَاكَ لَا يمنكه رد الْمَنِيّ إِذا خرج لِأَنَّهُ مَاء دافق وَبِأَنَّهُ رُبمَا كَانَ فِي الْقبْلَة إِفْسَاد لعبادة اثْنَيْنِ (الْجمع والفصل فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق) وَالْأَظْهَر تَفْضِيل الْجمع بَين الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق على الْفَصْل بَينهمَا لصِحَّة الْأَحَادِيث الصَّرِيحَة فِي ذَلِك وَلم يثبت فِي الْفَصْل شَيْء كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي مَجْمُوعه وَكَون الْجمع بِثَلَاث غرف يتمضمض من كل ثمَّ يستنشق مرّة أفضل من الْجمع بغرفة يتمضمض مِنْهَا ثَلَاثًا ثمَّ يستنشق ثَلَاثًا أَو يتمضمض مِنْهَا ثمَّ يستنشق مرّة ثمَّ كَذَلِك ثَانِيَة وثالثة للْأَخْبَار الصَّحِيحَة فِي ذَلِك وَفِي الْفَصْل كيفيتان أفضلهما يتمضمض بغرفة ثَلَاثًا ثمَّ يستنشق بِأُخْرَى ثَلَاثًا وَالثَّانيَِة أَن يتمضمض بِثَلَاث غرفات ثمَّ يستنشق بِثَلَاث غرفات وَهَذِه أنظف الكيفيات وأضعفها وَالسّنة تتأدى بِوَاحِدَة من هَذِه الكيفيات لما علم أَن الْخلاف فِي الْأَفْضَل مِنْهَا فَائِدَة فِي الغرفة لُغَتَانِ الْفَتْح وَالضَّم فَإِن جمعت على لُغَة الْفَتْح تعين فتح الرَّاء وَإِن جمعت على لُغَة الضَّم جَازَ إسكان الرَّاء وَضمّهَا وَفتحهَا فتلخص فِي غرفات أَربع لُغَات (القَوْل فِي مسح جَمِيع الرَّأْس) (و) الْخَامِسَة (مسح جَمِيع الرَّأْس) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وخروجا من خلاف من أوجبه وَالسّنة فِي كيفيته أَن يضع يَده على مقدم رَأسه ويلصق سبابته بِالْأُخْرَى وإبهاميه على صدغيه ثمَّ يذهب بهما إِلَى قَفاهُ ثمَّ يردهما إِلَى الْمَكَان الَّذِي ذهب مِنْهُ إِن

стр. 47

كَانَ لَهُ شعر يَنْقَلِب وَحِينَئِذٍ يكون الذّهاب وَالرَّدّ مسحة وَاحِدَة لعدم تَمام المسحة بالذهاب فَإِن لم يَنْقَلِب شعره لضفره أَو لقصره أَو عَدمه لم يرد لعدم الْفَائِدَة فَإِن ردهما لم تحسب ثَانِيَة لِأَن المَاء صَار مُسْتَعْملا فَإِن قيل هَذَا مُشكل بِمن انغمس فِي مَاء قَلِيل نَاوِيا رفع الْحَدث ثمَّ أحدث وَهُوَ منغمس ثمَّ نوى رفع الْحَدث فِي حَال انغماسه فَإِن حَدثهُ يرْتَفع ثَانِيًا أُجِيب بِأَن مَاء الْمسْح تافه فَلَيْسَ لَهُ قُوَّة كقوة هَذَا وَلذَلِك لَو أعَاد مَاء غسل الذِّرَاع مثلا ثَانِيًا لم يحْسب لَهُ غسلة أُخْرَى لِأَنَّهُ تافه بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَاء الانغماس تَنْبِيه إِذا مسح كل رَأسه هَل يَقع كُله فرضا أَو مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم وَالْبَاقِي سنة وَجْهَان كَنَظِيرِهِ من تَطْوِيل الرُّكُوع وَالسُّجُود وَالْقِيَام وَإِخْرَاج الْبَعِير عَن خمس فِي الزَّكَاة وَاخْتلف كَلَام الشَّيْخَيْنِ فِي كتبهما فِي التَّرْجِيح فِي ذَلِك وَرجح صَاحب الْعباب أَن مَا يَقع عَلَيْهِ الِاسْم فِي الرَّأْس فرض وَالْبَاقِي تطوع وَمثله فِي ذَلِك مَا أمكن فِيهِ التجزي كالركوع بِخِلَاف مَا لم يُمكن كبعير الزَّكَاة وَهُوَ تَفْصِيل حسن (القَوْل فِي الْمسْح على الْعِمَامَة) فَإِن كَانَ على رَأسه نَحْو عِمَامَة كخمار وقلنسوة وَلم يرد رفع ذَلِك كمل بِالْمَسْحِ عَلَيْهَا وَإِن لبسهَا على حدث لخَبر مُسلم أَنه ﷺ تَوَضَّأ فَمسح بناصيته وعَلى عمَامَته وَسَوَاء أعْسر تنحيتها أم لَا وَيفهم من قَوْلهم كمل أَنه لَا يَكْفِي الِاقْتِصَار على الْعِمَامَة وَنَحْوهَا وَهُوَ كَذَلِك (القَوْل فِي مسح الْأُذُنَيْنِ وكيفيته) (و) السَّادِسَة (مسح) جَمِيع (أُذُنَيْهِ ظاهرهما وباطنهما بِمَاء جَدِيد) لِأَنَّهُ ﷺ مسح فِي وضوئِهِ بِرَأْسِهِ وَأُذُنَيْهِ ظاهرهما وباطنهما وَأدْخل أصبعيه فِي صماخي أُذُنَيْهِ وَيَأْخُذ لصماخيه أَيْضا مَاء جَدِيدا وَكَيْفِيَّة الْمسْح أَن يدْخل مسبحتيه فِي صماخيه ويديرهما فِي المعاطف ويمر إبهاميه على ظَاهر أُذُنَيْهِ ثمَّ يلصق كفيه وهما مبلولتان بالأذنين استظهارا والصماخ بِكَسْر الصَّاد وَيُقَال بِالسِّين هُوَ خرق الْأذن وَتَأْخِير مسح الْأُذُنَيْنِ عَن الرَّأْس مُسْتَحقّ كَمَا هُوَ الْأَصَح فِي الرَّوْضَة وَلَو أَخذ بأصابعه مَاء لرأسه فَلم يمسحه بِمَاء بَعْضهَا وَمسح بِهِ الْأُذُنَيْنِ كفى لِأَنَّهُ مَاء جَدِيد فَائِدَة روى الدَّارَقُطْنِيّ وَغَيره عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنَّهَا قَالَت قَالَ رَسُول الله ﷺ إِن الله أَعْطَانِي نَهرا يُقَال لَهُ الْكَوْثَر فِي الْجنَّة لَا يدْخل أحدكُم أصبعيه فِي أُذُنَيْهِ إِلَّا سمع خرير ذَلِك النَّهر قَالَت فَقلت يَا رَسُول الله وَكَيف ذَلِك قَالَ أدخلي أصبعيك فِي أذنيك وسدي فَالَّذِي تسمعين فيهمَا من خرير الْكَوْثَر وَهَذَا النَّهر يتشعب مِنْهُ أَنهَار الْجنَّة وَهُوَ مُخْتَصّ بنبينا ﷺ نسْأَل الله تَعَالَى من فَضله وَكَرمه أَن يمن علينا وعَلى محبينا بالشرب مِنْهُ فَإِن من شرب مِنْهُ شربة لَا يظمأ بعْدهَا أبدا (الْكَلَام على تَخْلِيل اللِّحْيَة) (و) السَّابِعَة (تَخْلِيل اللِّحْيَة الكثة) وكل شعر يَكْفِي غسل ظَاهره بالأصابع من أَسْفَله لما روى التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ أَنه

стр. 48

صلى الله عَلَيْهِ وَسلم كَانَ يخلل لحيته الْكَرِيمَة وَلما روى أَبُو دَاوُد أَنه ﷺ كَانَ إِذا تَوَضَّأ أَخذ كفا من مَاء فَأدْخلهُ تَحت حنكه فخلل بِهِ لحيته وَقَالَ هَكَذَا أَمرنِي رَبِّي أما مَا يجب غسله من ذَلِك كالخفيف والكثيف الَّذِي فِي حد الْوَجْه من لحية غير الرجل وعارضيه فَيجب إِيصَال المَاء إِلَى ظَاهره وباطنه ومنابته بتخليل أَو غَيره تَنْبِيه ظَاهر كَلَام المُصَنّف فِي سنّ التَّخْلِيل أَنه لَا فرق بَين الْمحرم وَغَيره وَهُوَ الْمُعْتَمد كَمَا اعْتَمدهُ الزَّرْكَشِيّ فِي خادمه خلافًا لِابْنِ الْمقري فِي رَوْضَة تبعا للمتولي لَكِن الْمحرم يخلل بِرِفْق لِئَلَّا يتساقط مِنْهُ شعره كَمَا قَالُوهُ فِي تَخْلِيل شعر الْمَيِّت (القَوْل فِي تَخْلِيل الْأَصَابِع) (و) من السَّابِعَة (تَخْلِيل أَصَابِع الرجلَيْن وَالْيَدَيْنِ) أَيْضا لخَبر لَقِيط بن صبرَة أَسْبغ الْوضُوء وخلل بَين الْأَصَابِع رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وصححوه والتخليل فِي أَصَابِع الْيَدَيْنِ بالتشبيك بَينهمَا فِي أَصَابِع الرجلَيْن يبْدَأ بخنصر الرجل الْيُمْنَى وَيخْتم بخنصر الرجل الْيُسْرَى ويخلل بخنصر يَده الْيُسْرَى أَو الْيُمْنَى كَمَا رَجحه فِي الْمَجْمُوع من أَسْفَل الرجلَيْن وإيصال المَاء إِلَى مَا بَين الْأَصَابِع وَاجِب بتخليل أَو غَيره إِذا كَانَت ملتفة لَا يصل المَاء إِلَيْهَا إِلَّا بالتخليل أَو نَحوه فَإِن كَانَت ملتحمة لم يجز فتقها قَالَ الْإِسْنَوِيّ وَلم يتَعَرَّض النَّوَوِيّ وَلَا غَيره إِلَى تثليث التَّخْلِيل وَقد روى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَاد جيد كَمَا قَالَه فِي شرح الْمُهَذّب عَن عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه تَوَضَّأ فخلل بَين أَصَابِع قَدَمَيْهِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَقَالَ رَأَيْت رَسُول الله ﷺ فعل كَمَا فعلت وَمُقْتَضى هَذَا اسْتِحْبَاب تثليث التَّخْلِيل انْتهى وَهَذَا ظَاهر (القَوْل فِي تَقْدِيم الْيُمْنَى على الْيُسْرَى) (و) الثَّامِنَة (تَقْدِيم) غسل (الْيُمْنَى على) غسل (الْيُسْرَى) من كل عضوين لَا يسن غسلهمَا مَعًا كاليدين وَالرّجلَيْنِ لخَبر وَإِذا توضأتم فابدأوا بميامنكم رَوَاهُ ابْنا خُزَيْمَة وحبان فِي صَحِيحَيْهِمَا وَلِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يحب التَّيَامُن فِي شَأْنه كُله أَي مِمَّا هُوَ للتكريم كالغسل واللبس والاكتحال والتقليم وقص الشَّارِب ونتف الْإِبِط وَحلق الرَّأْس والسواك وَدخُول الْمَسْجِد وَتَحْلِيل الصَّلَاة ومفارقة الْخَلَاء وَالْأكل وَالشرب والمصافحة واستلام الْحجر الْأسود والركن الْيَمَانِيّ وَالْأَخْذ والإعطاء والتياسر فِي ضِدّه كدخول الْخَلَاء والاستنجاء والامتخاط وخلع اللبَاس وَإِزَالَة القذر وَكره عَكسه أما مَا يسن غسلهمَا مَعًا كالخدين وَالْكَفَّيْنِ والأذنين فَلَا يسن تَقْدِيم الْيُمْنَى فيهمَا نعم من بِهِ عِلّة لَا يُمكنهُ مَعهَا ذَلِك كَأَن قطعت إِحْدَى يَدَيْهِ فَيسنّ لَهُ تَقْدِيم الْيُمْنَى (القَوْل فِي التَّثْلِيث فِي الطَّهَارَة) (و) التَّاسِعَة (الطَّهَارَة ثَلَاثًا ثَلَاثًا) وَيَسْتَوِي فِي ذَلِك المغسول والممسوح والتخليل الْمَنْدُوب والمفروض لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ مُسلم وَغَيره وَإِنَّمَا لم يجب التَّثْلِيث لِأَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأ مرّة مرّة وَتَوَضَّأ مرَّتَيْنِ مرَّتَيْنِ تَنْبِيه سكت المُصَنّف عَن تثليث القَوْل كالتسمية وَالتَّشَهُّد آخر الْوضُوء مَعَ أَن ذَلِك سنة فقد روى التَّثْلِيث فِي القَوْل فِي التَّشَهُّد أَحْمد وَابْن ماجة وَصرح بِهِ الرَّوْيَانِيّ وَظَاهر أَن غير التَّشَهُّد مِمَّا فِي مَعْنَاهُ كالتسمية مثله وَسَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَنه يكره تثليث مسح الْخُف قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَالظَّاهِر إِلْحَاق الْجَبِيرَة والعمامة إِذا كمل بِالْمَسْحِ عَلَيْهِمَا بالخف وَتكره الزِّيَادَة على الثَّلَاث وَالنَّقْص عَنْهَا إِلَّا لعذر كَمَا سَيَأْتِي لِأَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ثمَّ قَالَ هَكَذَا الْوضُوء فَمن زَاد على هَذَا أَو نقص فقد أَسَاءَ وظلم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَقَالَ فِي الْمَجْمُوع إِنَّه صَحِيح قَالَ نقلا عَن الْأَصْحَاب وَغَيرهم فَمن زَاد على الثَّلَاث أَو نقص عَنْهَا فقد أَسَاءَ وظلم فِي كل من الزِّيَادَة وَالنَّقْص فَإِن قيل كَيفَ يكون إساءة وظلما وَقد ثَبت أَنه ﷺ تَوَضَّأ مرّة مرّة ومرتين مرَّتَيْنِ أُجِيب بِأَن ذَلِك كُله كَانَ لبَيَان الْجَوَاز فَكَانَ فِي ذَلِك الْحَال أفضل لِأَن الْبَيَان فِي حَقه ﷺ وَاجِب قَالَ ابْن دَقِيق الْعِيد وَمحل الْكَرَاهَة فِي الزِّيَادَة إِذا أَتَى بهَا على قصد نِيَّة الْوضُوء أَي أَو أطلق فَلَو زَاد عَلَيْهَا بنية التبرد أَو مَعَ قطع نِيَّة الْوضُوء عَنْهَا لم يكره وَقَالَ الزَّرْكَشِيّ يَنْبَغِي أَن يكون مَوضِع الْخلاف فَمَا إِذا تَوَضَّأ مَاء مُبَاح أَو مَمْلُوك لَهُ فَإِن تَوَضَّأ بِمَاء مَوْقُوف على من يتَطَهَّر مِنْهُ أَو يتَوَضَّأ مِنْهُ كالمدارس والربط حرمت عَلَيْهِ الزِّيَادَة بِلَا خلاف لِأَنَّهَا غير مَأْذُون فِيهَا انْتهى

стр. 49

(القَوْل فِي طلب ترك التَّثْلِيث) تَنْبِيه قد يطْلب ترك التَّثْلِيث كَأَن ضَاقَ الْوَقْت بِحَيْثُ لَو اشْتغل بِهِ لخرج الْوَقْت فَإِنَّهُ يحرم عَلَيْهِ التَّثْلِيث أَو قل المَاء بِحَيْثُ لَا يَكْفِيهِ إِلَّا للْفَرض فَتحرم الزِّيَادَة لِأَنَّهَا تحوجه إِلَى التَّيَمُّم مَعَ الْقُدْرَة على المَاء كَمَا ذكره الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ وَجرى عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي التُّحْفَة أَو احْتَاجَ إِلَى الْفَاضِل عَنهُ لعطش بِأَن كَانَ مَعَه من المَاء مَا يَكْفِيهِ للشُّرْب لَو تَوَضَّأ بِهِ مرّة مرّة وَلَو ثلث لم يفضل للشُّرْب شَيْء فَإِنَّهُ يحرم عَلَيْهِ التَّثْلِيث كَمَا قَالَه الجيلي فِي الإعجاز وَإِدْرَاك الْجَمَاعَة أفضل من تثليث الْوضُوء وَسَائِر آدابه وَلَا يجزىء تعدد قبل إتْمَام الْعُضْو نعم لَو مسح بعض رَأسه ثَلَاثًا حصل التَّثْلِيث لِأَن قَوْلهم من سنَن الْوضُوء تثليث الْمَمْسُوح شَامِل لذَلِك وَأما مَا تقدم فمحله فِي عُضْو يجب استيعابه بالتطهير وَلَا بعد تَمام الْوضُوء فَلَو تَوَضَّأ مرّة مرّة ثمَّ تَوَضَّأ ثَانِيًا وثالثا كَذَلِك لم يحصل التَّثْلِيث كَمَا جزم بِهِ ابْن الْمقري فِي روضه وَفِي فروق الْجُوَيْنِيّ مَا يَقْتَضِيهِ وَإِن أفهم كَلَام الإِمَام خِلَافه فَإِن قيل قد مر فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق أَن التَّثْلِيث يحصل بذلك أُجِيب بِأَن الْفَم وَالْأنف كعضو وَاحِد فَجَاز فيهمَا كاليدين بِخِلَاف الْوَجْه وَالْيَد مثلا لتباعدهما فَيَنْبَغِي أَن يفرغ من أَحدهمَا ثمَّ ينْتَقل إِلَى الآخر وَيَأْخُذ الشاك بِالْيَقِينِ فِي الْمَفْرُوض وجوبا وَفِي الْمَنْدُوب ندبا لِأَن الأَصْل عدم مَا زَاد كَمَا لَو شكّ فِي عدد الرَّكْعَات فَإِذا شكّ هَل غسل ثَلَاثًا أَو مرَّتَيْنِ أَخذ بِالْأَقَلِّ وَغسل أُخْرَى (القَوْل فِي الْمُوَالَاة وضابطها) (و) الْعَاشِرَة (الْمُوَالَاة) بَين الْأَعْضَاء فِي التَّطْهِير بِحَيْثُ لَا يجِف الأول قبل الشُّرُوع فِي الثَّانِي مَعَ اعْتِدَال الْهَوَاء ومزاج الشَّخْص نَفسه وَالزَّمَان وَالْمَكَان وَيقدر الْمَمْسُوح مغسولا هَذَا فِي غير وضوء صَاحب الضَّرُورَة كَمَا تقدم وَمَا لم يضق الْوَقْت وَإِلَّا فَتجب وَالِاعْتِبَار بالغسلة الْأَخِيرَة وَلَا يحْتَاج التَّفْرِيق الْكثير إِلَى تَجْدِيد نِيَّة عِنْد عزوبها لِأَن حكمهَا بَاقٍ (القَوْل فِي السّنَن الزَّائِدَة على الْعشْر) وَقد قدمنَا أَن المُصَنّف لم يحصر سنَن الْوضُوء فِيمَا ذكره فلنذكر مِنْهَا شَيْئا مِمَّا تَركه فَمن السّنَن ترك الِاسْتِعَانَة فِي الصب عَلَيْهِ لغير عذر لِأَنَّهُ الْأَكْثَر من فعله ﷺ وَلِأَنَّهَا نوع من التنعم والتكبر وَذَلِكَ لَا يَلِيق بالمتعبد وَالْأَجْر على قدر النصب وَهِي خلاف الأولى أما إِذا كَانَ ذَلِك لعذر كَمَرَض أَو نَحوه فَلَا يكون خلاف الأولى دفعا للْمَشَقَّة بل قد تجب الِاسْتِعَانَة إِذا لم يُمكنهُ التَّطْهِير إِلَّا بهَا وَلَو ببذل أُجْرَة مثل وَالْمرَاد بترك الِاسْتِعَانَة الِاسْتِقْلَال بالأفعال لَا طلب الْإِعَانَة فَقَط حَتَّى لَو أَعَانَهُ غَيره وَهُوَ سَاكِت كَانَ الحكم كَذَلِك وَمِنْهَا ترك نفض المَاء لِأَنَّهُ كالتبري من الْعِبَادَة فَهُوَ خلاف الأولى كَمَا جزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي التَّحْقِيق وَإِن رجح فِي زِيَادَة الرَّوْضَة أَنه مُبَاح وَمِنْهَا ترك تنشيف الْأَعْضَاء بِلَا عذر لِأَنَّهُ يزِيل أثر الْعِبَادَة وَلِأَنَّهُ ﷺ بعد غسله من الْجَنَابَة أَتَتْهُ مَيْمُونَة بمنديل فَرده وَجعل يَقُول بِالْمَاءِ هَكَذَا ينفضه رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَلَا دَلِيل فِي ذَلِك لإباحة النفض فقد يكون فعله ﷺ لبَيَان الْجَوَاز أما إِذا كَانَ هُنَاكَ عذر كحر أَو برد أَو التصاق نَجَاسَة فَلَا كَرَاهَة قطعا أَو كَانَ يتَيَمَّم عقب الْوضُوء لِئَلَّا يمْنَع البلل فِي وَجهه وَيَديه التَّيَمُّم وَإِذا نشف فَالْأولى أَن لَا يكون بذيله وطرف ثَوْبه وَنَحْوهمَا قَالَ فِي الذَّخَائِر فقد قيل إِن ذَلِك يُورث الْفقر وَمِنْهَا أَن يضع المتوضىء إِنَاء المَاء عَن يَمِينه إِن كَانَ يغترف مِنْهُ وَعَن يسَاره إِن كَانَ يصب مِنْهُ على يَدَيْهِ كإبريق لِأَن ذَلِك أمكن فيهمَا قَالَه فِي الْمَجْمُوع وَمِنْهَا تَقْدِيم النِّيَّة مَعَ أول السّنَن الْمُتَقَدّمَة على الْوَجْه ليحصل لَهُ ثَوَابهَا كَمَا مر

стр. 50

وَمِنْهَا التَّلَفُّظ بالمنوي قَالَ ابْن الْمقري سرا مَعَ النِّيَّة بِالْقَلْبِ فَإِن اقْتصر على الْقلب كفى أَو التَّلَفُّظ فَلَا أَو التَّلَفُّظ بِخِلَاف مَا نوى فَالْعِبْرَة بِالنِّيَّةِ وَمِنْهَا اسْتِصْحَاب النِّيَّة ذكرا إِلَى آخر الْوضُوء وَمِنْهَا التَّوَجُّه للْقبْلَة وَمِنْهَا دلك أَعْضَاء الْوضُوء ويبالغ فِي الْعقب خُصُوصا فِي الشتَاء فقد ورد ويل لِلْأَعْقَابِ من النَّار وَمِنْهَا الْبدَاءَة بِأَعْلَى الْوَجْه وَأَن يَأْخُذ مَاءَهُ بكفيه مَعًا وَمِنْهَا أَن يبْدَأ فِي غسل يَدَيْهِ بأطراف أَصَابِعه وَإِن صب عَلَيْهِ غَيره كَمَا جرى عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي تَحْقِيقه خلافًا لما قَالَه الصَّيْمَرِيّ من أَنه يبْدَأ بالمرفق إِذا صب عَلَيْهِ غَيره وَمِنْهَا أَن يقتصد فِي المَاء فَيكْرَه السَّرف فِيهِ وَمِنْهَا أَن لَا يتَكَلَّم بِلَا حَاجَة وَأَن لَا يلطم وَجهه بِالْمَاءِ وَمِنْهَا أَن يتعهد موقه وَهُوَ طرف الْعين الَّذِي يَلِي الْأنف بالسبابة الْأَيْمن باليمنى والأيسر باليسرى وَمثله اللحاظ وَهُوَ الطّرف الآخر وَمحل سنّ غسلهمَا إِذا لم يكن فيهمَا رمص يمْنَع وُصُول المَاء إِلَى مَحَله وَإِلَّا فغسلهما وَاجِب كَمَا ذكره فِي الْمَجْمُوع وَمَرَّتْ الْإِشَارَة إِلَيْهِ وَكَذَا كل مَا يخَاف إغفاله كالغضون وَمِنْهَا أَن يُحَرك خَاتمًا يصل المَاء تَحْتَهُ وَمِنْهَا أَن يتوقى الرشاش وَمِنْهَا أَن يَقُول بعد فرَاغ الْوضُوء وَهُوَ مُسْتَقْبل الْقبْلَة رَافعا يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاء كَمَا قَالَه فِي الْعباب أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله لخَبر مُسلم من تَوَضَّأ فَقَالَ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله إِلَى آخِره فتحت لَهُ أَبْوَاب الْجنَّة الثَّمَانِية يدْخل من أَيهَا شَاءَ اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين زَاده التِّرْمِذِيّ على مُسلم سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت استغفرك وَأَتُوب إِلَيْك لخَبر الْحَاكِم وَصَححهُ من تَوَضَّأ ثمَّ قَالَ سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت إِلَى آخرهَا كتب فِي رق ثمَّ طبع بِطَابع وَهُوَ بِكَسْر الْبَاء وَفتحهَا الْخَاتم فَلم يكسر إِلَى يَوْم الْقِيَامَة أَي لم يتَطَرَّق إِلَيْهِ إبِْطَال وَيسن أَن يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ عقب الْفَرَاغ من الْوضُوء تَتِمَّة ينْدب إدامة الْوضُوء وَيسن لقِرَاءَة الْقُرْآن أَو سَمَاعه أَو الحَدِيث أَو سَمَاعه أَو رِوَايَته أَو حمل كتب التَّفْسِير إِذا كَانَ التَّفْسِير أَكثر أَو الحَدِيث أَو الْفِقْه وكتابتهما ولقراءة علم شَرْعِي أَو إقرائه ولأذان وجلوس فِي الْمَسْجِد أَو دُخُوله وللوقوف بِعَرَفَة للسعي ولزيارة قَبره ﵊ أَو غَيره ولنوم أَو يقظة وَيسن من حمل ميت ومسه وَمن فصد وحجم وقيء وَأكل لحم جزور وقهقهة مصل وَمن لمس الرجل أَو الْمَرْأَة بدن الْخُنْثَى أَو أحد قبليه وَعند الْغَضَب وكل كلمة قبيحة وَلمن قصّ شَاربه أَو حلق رَأسه ولخطبة غير الْجُمُعَة وَالْمرَاد بِالْوضُوءِ الْوضُوء الشَّرْعِيّ لَا اللّغَوِيّ وَلَا ينْدب للبس ثوب وَصَوْم وَعقد نِكَاح وَخُرُوج لسفر ولقاء قادم وزيارة وَالِد وصديق وعيادة مَرِيض وتشييع جَنَازَة وَلَا لدُخُول سوق وَلَا لدُخُول على نَحْو أَمِير

стр. 51

(فصل فِي الِاسْتِنْجَاء) وَهُوَ طَهَارَة مُسْتَقلَّة على الْأَصَح وأخره المُصَنّف عَن الْوضُوء إعلاما بِجَوَاز تَقْدِيم الْوضُوء عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِك بِخِلَاف التَّيَمُّم لِأَن الْوضُوء يرفع الْحَدث وارتفاعه يحصل مَعَ قيام الْمَانِع وَمُقْتَضَاهُ كَمَا قَالَ الأسنوي عدم صِحَة وضوء دَائِم الْحَدث قبل الِاسْتِنْجَاء لكَونه لَا يرفع الْحَدث وَهُوَ الظَّاهِر وَإِن قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين إِن المَاء أصل فِي رفع الْحَدث فَكَانَ أقوى من التُّرَاب الَّذِي لَا يرفعهُ أصلا (القَوْل فِي حكم الِاسْتِنْجَاء) (والاستنجاء) استفعال من طلب النَّجَاء وَهُوَ الْخَلَاص من الشَّيْء وَهُوَ مَأْخُوذ من نجوت الشَّجَرَة وأنجيتها إِذا قطعتها لِأَن المستنجي يقطع بِهِ الْأَذَى عَن نَفسه وَقد يترجم هَذَا الْفَصْل بالاستطابة وَلَا شكّ أَن الاستطابة طلب الطّيب فَكَأَن قَاضِي الْحَاجة يطْلب طيب نَفسه بِإِخْرَاج الْأَذَى وَقد يعبر عَنهُ بالاستجمار من الْجمار وَهُوَ الْحَصَى الصغار وَتطلق الثَّلَاثَة على إِزَالَة مَا على المنفذ لَكِن الْأَوَّلَانِ يعمان الْحجر وَالْمَاء وَالثَّالِث يخْتَص بِالْحجرِ (وَاجِب وَمن) خُرُوج (الْبَوْل وَالْغَائِط) وَغَيرهمَا من كل خَارج ملوث وَلَو نَادرا كَدم ومذي وودي إِزَالَة للنَّجَاسَة لَا على الْفَوْر بل عِنْد الْحَاجة إِلَيْهِ (القَوْل فِي الافضل فِي الِاسْتِنْجَاء) (وَالْأَفْضَل أَن يستنجي بالأحجار) أَو مَا فِي مَعْنَاهَا (ثمَّ يتبعهَا بِالْمَاءِ) لِأَن الْعين تَزُول بِالْحجرِ أَو مَا فِي مَعْنَاهُ والأثر يَزُول بِالْمَاءِ من غير حَاجَة إِلَى مخامرة النَّجَاسَة وَقَضِيَّة التَّعْلِيل أَنه لَا يشْتَرط فِي حُصُول فَضِيلَة الْجمع طَهَارَة الْحجر وَأَنه يَكْتَفِي بِدُونِ الثَّلَاث مَعَ الإنقاء وبالأول صرح الجيلي نقلا عَن الْغَزالِيّ وَقَالَ الأسنوي فِي الثَّانِي الْمَعْنى وَسِيَاق كَلَامهم يدلان عَلَيْهِ انْتهى وَالظَّاهِر أَن بِهَذَا يحصل أصل فَضِيلَة الْجمع وَأما كمالها فَلَا بُد من بَقِيَّة شُرُوط الِاسْتِنْجَاء بِالْحجرِ وَقَضِيَّة كَلَامهم أَن أفضيلة الْجمع لَا فرق فِيهَا بَين الْبَوْل وَالْغَائِط وَبِه صرح سليم وَغَيره وَهُوَ الْمُعْتَمد وَإِن جزم الْقفال باختصاصه بالغائط وَصَوَّبَهُ الأسنوي وَشَمل إِطْلَاقه حِجَارَة الذَّهَب وَالْفِضَّة إِذا كَانَ كل مِنْهُمَا قالعا وحجارة الْحرم فَيجوز الِاسْتِنْجَاء بهَا وَهُوَ الْأَصَح (وَيجوز) لَهُ (أَن يقْتَصر) فِيهِ (على المَاء) فَقَط لِأَنَّهُ الأَصْل فِي إِزَالَة النَّجَاسَة (أَو) يقْتَصر (على ثَلَاثَة أَحْجَار) لِأَنَّهُ ﷺ جوزه بهَا حَيْثُ فعله كَمَا

стр. 52

رَوَاهُ البُخَارِيّ وَأمر بِفِعْلِهِ بقوله فِيمَا رَوَاهُ الشَّافِعِي وليستنج بِثَلَاثَة أَحْجَار الْمُوَافق لَهُ مَا رَوَاهُ مُسلم وَغَيره من نَهْيه ﷺ عَن الِاسْتِنْجَاء بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أَحْجَار (القَوْل فِي شُرُوط الِاسْتِنْجَاء بِالْحجرِ) وَيجب فِي الِاسْتِنْجَاء بِالْحجرِ أَمْرَانِ أَحدهمَا ثَلَاث مسحات بِأَن يعم بِكُل مسحة الْمحل وَلَو كَانَت بأطراف حجر لخَبر مُسلم عَن سلمَان نَهَانَا رَسُول الله ﷺ أَن نستنجي بِأَقَلّ من ثَلَاثَة أَحْجَار وَفِي مَعْنَاهَا ثَلَاثَة أَطْرَاف حجر بِخِلَاف رمي الْجمار فَلَا يَكْفِي حجر لَهُ ثَلَاثَة أَطْرَاف عَن ثَلَاث رميات لِأَن الْقَصْد ثمَّ عدد الرَّمْي وَهنا عدد المسحات وَلَو غسل الْحجر وجف جَازَ لَهُ اسْتِعْمَاله ثَانِيًا كدواء دبغ بِهِ ثَانِيهمَا نقاء الْمحل كَمَا قَالَ (ينقي بِهن) أَي بالأحجار أَو مَا فِي مَعْنَاهَا (الْمحل) فَإِن لم ينق بِالثلَاثِ وَجب الإنقاء برابع فَأكْثر إِلَى أَن لَا يبْقى إِلَّا أثر لَا يُزِيلهُ إِلَّا المَاء أَو صغَار الخزف وَيسن بعد الإنقاء إِن لم يحصل بِوتْر الإيتار بِوَاحِدَة كَأَن حصل برابعة فَيَأْتِي بخامسة لما روى الشَّيْخَانِ عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ إِذا استجمر أحدكُم فليستجمر وترا وَصَرفه عَن الْوُجُوب رِوَايَة أبي دَاوُد وَهِي قَوْله ﷺ من استجمر فليوتر من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج عَلَيْهِ (القَوْل فِي شُرُوط الْحجر) وَفِي معنى الْحجر الْوَارِد كل جامد طَاهِر قالع غير مُحْتَرم كخشب وخزف لحُصُول الْغَرَض بِهِ كالحجر فَخرج بالجامد الْمَائِع غير المَاء الطّهُور كَمَاء الْورْد والخل وبالطاهر النَّجس كالبعر والمتنجس كَالْمَاءِ الْقَلِيل الَّذِي وَقعت فِيهِ نَجَاسَة وبالقالع نَحْو الزّجاج والقصب الأملس وَبِغير مُحْتَرم الْمُحْتَرَم كمطعوم آدَمِيّ كالخبز أَو جني كالعظم لما روى مُسلم أَنه ﷺ نهى عَن الِاسْتِنْجَاء بالعظم وَقَالَ إِنَّه زَاد إخْوَانكُمْ أَي من الْجِنّ فمطعوم الْآدَمِيّ أولى وَلِأَن الْمسْح بِالْحجرِ رخصَة وَهِي لَا تناط بِالْمَعَاصِي وَأما مطعوم الْبَهَائِم كالحشيش فَيجوز والمطعوم لَهَا وللآدمي يعْتَبر فِيهِ الْأَغْلَب فَإِن اسْتَويَا فَوَجْهَانِ بِنَاء على ثُبُوت الرِّبَا فِيهِ وَالأَصَح الثُّبُوت قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ وَإِنَّمَا جَازَ بِالْمَاءِ مَعَ أَنه مطعوم لِأَنَّهُ يدْفع النَّجس عَن نَفسه بِخِلَاف غَيره وَأما الثِّمَار والفواكه فَفِيهَا تَفْصِيل ذكرته فِي شرح الْمِنْهَاج وَغَيره وَمن الْمُحْتَرَم مَا كتب عَلَيْهِ اسْم مُعظم أَو علم كَحَدِيث أَو فقه قَالَ فِي الْمُهِمَّات وَلَا بُد من تَقْيِيد الْعلم بالمحترم سَوَاء كَانَ شَرْعِيًّا كَمَا مر أم لَا كحساب وَنَحْوه وطب وعروض فَإِنَّهَا تَنْفَع فِي الْعُلُوم الشَّرْعِيَّة أما غير الْمُحْتَرَم كفلسفة ومنطق مُشْتَمل عَلَيْهَا فَلَا كَمَا قَالَه بعض الْمُتَأَخِّرين أما غير الْمُشْتَمل عَلَيْهَا فَلَا يجوز وعَلى هَذَا التَّفْصِيل يحمل إِطْلَاق من جوزه وَجوزهُ القَاضِي بورق التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل وَهُوَ مَحْمُول على مَا علم تبديله مِنْهُمَا وخلا عَن اسْم الله تَعَالَى وَنَحْوه وَألْحق بِمَا فِيهِ علم مُحْتَرم جلده الْمُتَّصِل بِهِ دون الْمُنْفَصِل عَنهُ بِخِلَاف جلد الْمُصحف فَإِنَّهُ يمْتَنع الِاسْتِنْجَاء بِهِ مُطلقًا

стр. 53

(القَوْل فِي بَقِيَّة شُرُوط الِاسْتِنْجَاء بِالْحجرِ) وَشرط الِاسْتِنْجَاء بِالْحجرِ وَمَا ألحق بِهِ لِأَن يجزىء أَن لَا يجِف النَّجس الْخَارِج فَإِن جف تعين المَاء نعم لَو بَال ثَانِيًا بعد جفاف بَوْله الأول وَوصل إِلَى مَا وصل إِلَيْهِ الأول كفى فِيهِ الْحجر وَحكم الْغَائِط الْمَائِع كالبول فِي ذَلِك وَأَن لَا ينْتَقل عَن الْمحل الَّذِي أَصَابَهُ عِنْد خُرُوجه وَاسْتقر فِيهِ وَأَن لَا يطْرَأ عَلَيْهِ أَجْنَبِي نجسا كَانَ أَو طَاهِرا رطبا وَلَو ببلل الْحجر أما الجاف الطَّاهِر فَلَا يُؤثر فَإِن طَرَأَ عَلَيْهِ مَا ذكر تعين المَاء نعم البلل بعرق الْمحل لَا يضر لِأَنَّهُ ضَرُورِيّ وَأَن يكون الْخَارِج الْمَذْكُور من فرج مُعْتَاد فَلَا يجزىء فِي الْخَارِج من غَيره كالخارج بالفصد وَلَا فِي منفتح تَحت الْمعدة وَلَو كَانَ الْأَصْلِيّ مُفْسِدا لِأَن الِاسْتِنْجَاء بِهِ على خلاف الْقيَاس وَلَا فِي بَوْل خُنْثَى مُشكل وَإِن كَانَ الْخَارِج من أحد قبليه لاحْتِمَال زِيَادَته نعم إِن كَانَ لَهُ آلَة فَقَط لَا تشبه آلَة الرِّجَال وَلَا آلَة النِّسَاء أَجْزَأَ الْحجر فِيهَا وَلَا فِي بَوْل ثيب تيقنته دخل مدْخل الذّكر لانتشاره عَن مخرجه بِخِلَاف الْبكر لِأَن الْبكارَة تمنع دُخُول الْبَوْل مدْخل الذّكر وَلَا فِي بَوْل الأقلف إِذا وصل الْبَوْل إِلَى الْجلْدَة ويجزىء فِي دم حيض أَو نِفَاس وَفَائِدَته فِيمَن انْقَطع دَمهَا وعجزت عَن اسْتِعْمَال المَاء فاستنجت بِالْحجرِ ثمَّ تيممت لنَحْو مرض فَإِنَّهَا تصلي وَلَا إِعَادَة عَلَيْهَا وَلَو ندر الْخَارِج كَالدَّمِ والودي والمذي أَو انْتَشَر فَوق عَادَة النَّاس وَقيل عَادَة نَفسه وَلم يُجَاوز فِي الْغَائِط صفحته وَهِي مَا انْضَمَّ من الأليين عِنْد الْقيام وَفِي الْبَوْل حشفته وَهِي مَا فَوق الْخِتَان أَو قدرهَا من مقطوعها كَمَا قَالَه الأسنوي جَازَ الْحجر وَمَا فِي مَعْنَاهُ أما النَّادِر فَلِأَن انقسام الْخَارِج إِلَى مُعْتَاد ونادر مِمَّا يتَكَرَّر ويعسر الْبَحْث عَنهُ فنيط الحكم بالمخرج وَأما الْمُنْتَشِر فَوق الْعَادة فلعسر الِاحْتِرَاز عَنهُ وَلما صَحَّ أَن الْمُهَاجِرين أكلُوا التَّمْر لما هَاجرُوا وَلم يكن ذَلِك عَادَتهم وَهُوَ مِمَّا يرق الْبُطُون وَمن رق بَطْنه انْتَشَر مَا يخرج مِنْهُ وَمَعَ ذَلِك لم يؤمروا بالاستنجاء بِالْمَاءِ وَلِأَن ذَلِك يتَعَذَّر ضَبطه فنيط الحكم بالصفحة والحشفة أَو مَا يقوم مقَامهَا فَإِن جَاوز الْخَارِج مَا ذكر مَعَ الِاتِّصَال لم يجز الْحجر لَا فِي المجاوز وَلَا فِي غَيره لِخُرُوجِهِ عَمَّا تعم بِهِ الْبلوى وَلَا يجب الِاسْتِنْجَاء لدود وبعر بِلَا لوث لفَوَات مَقْصُود الِاسْتِنْجَاء من إِزَالَة النَّجَاسَة أَو تخفيفها وَلَكِن يسن خُرُوجًا من الْخلاف وَالْوَاجِب فِي الِاسْتِنْجَاء أَن يغلب على ظَنّه زَوَال النَّجَاسَة وَلَا يضر شم رِيحهَا بِيَدِهِ فَلَا يدل على بَقَائِهَا على الْمحل وَإِن حكمنَا على يَده بِالنَّجَاسَةِ لأَنا لم نتحقق أَن مَحل الرّيح بَاطِن الْأصْبع الَّذِي كَانَ ملاصقا للمحل لاحْتِمَال أَنه من جوانبه فَلَا ننجس بِالشَّكِّ وَلِأَن هَذَا الْمحل خفف فِيهِ بالاستنجاء بِالْحجرِ فَخفف فِيهِ هُنَا فَاكْتفى فِيهِ بِغَلَبَة ظن زَوَال النَّجَاسَة (فَإِذا أَرَادَ) المستنجي (الِاقْتِصَار على أَحدهمَا) أَي المَاء وَالْحجر (فالماء أفضل) من الِاقْتِصَار على الْحجر لِأَنَّهُ يزِيل الْعين والأثر بِخِلَاف الْحجر وَلَا استنجاء من غير مَا ذكر فقد نقل الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره الْإِجْمَاع على أَنه لَا يجب الِاسْتِنْجَاء من النّوم وَالرِّيح قَالَ ابْن الرّفْعَة وَلم يفرق الْأَصْحَاب بَين أَن يكون الْمحل رطبا أَو يَابسا وَلَو قيل بِوُجُوبِهِ إِذا كَانَ الْمحل رطبا لم يبعد كَمَا قيل بِهِ فِي دُخان النَّجَاسَة وَهَذَا مَرْدُود فقد قَالَ الْجِرْجَانِيّ إِن ذَلِك مَكْرُوه وَصرح الشَّيْخ نصر الدّين الْمَقْدِسِي بتأثيم فَاعله وَالظَّاهِر كَلَام الْجِرْجَانِيّ وَقَالَ فِي الْإِحْيَاء يَقُول بعد فَرَاغه من الِاسْتِنْجَاء اللَّهُمَّ طهر قلبِي من النِّفَاق وحصن فَرجي من الْفَوَاحِش

стр. 54

القَوْل فِي آدَاب قَاضِي الْحَاجة ندبا (ويجتنب) قَاضِي الْحَاجة (اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها) ندبا إِذا كَانَ فِي غير الْمعد لذَلِك مَعَ سَاتِر مُرْتَفع ثُلثي ذِرَاع تَقْرِيبًا فَأكْثر بَينه وَبَينه ثَلَاثَة أَذْرع فَأَقل بِذِرَاع الْآدَمِيّ وإرخاء ذيله كَاف فِي ذَلِك فهما حِينَئِذٍ خلاف الأولى ويحرمان فِي الْبناء غير الْمعد لقَضَاء الْحَاجة و (فِي الصَّحرَاء) بِدُونِ السَّاتِر الْمُتَقَدّم وَالْأَصْل فِي ذَلِك مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ قَالَ إِذا أتيتم الْغَائِط فَلَا تستقبلوا الْقبْلَة وَلَا تستدبروها ببول وَلَا غَائِط وَلَكِن شرقوا أَو غربوا وَفِيهِمَا أَنه ﷺ قضى حَاجته فِي بَيت حَفْصَة مُسْتَقْبل الشَّام مستدبر الْكَعْبَة وَقَالَ جَابر نهى النَّبِي ﷺ أَن تسْتَقْبل الْقبْلَة ببول فرأيته ﷺ قبل أَن يقبض بعام يستقبلها رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه فحملوا الْخَبَر الأول الْمُفِيد للْحُرْمَة على الْقَضَاء وَمَا ألحق بِهِ لسُهُولَة اجْتِنَاب الْمُحَاذَاة فِيهِ بِخِلَاف الْبناء غير الْمَذْكُور مَعَ الصَّحرَاء فَيجوز فِيهِ ذَلِك كَمَا فعله ﷺ بَيَانا للْجُوَاز وَإِن كَانَ الأولى لنا تَركه كَمَا مر وَأما فِي الْمعد لذَلِك فَلَا حُرْمَة فِيهِ وَلَا كَرَاهَة وَلَا خلاف الأولى قَالَه فِي الْمَجْمُوع وَيسْتَثْنى من الْحُرْمَة مَا لَو كَانَت الرّيح تهب عَن يَمِين الْقبْلَة وشمالها فَإِنَّهُمَا لَا يحرمان للضَّرُورَة كَمَا سَيَأْتِي وَإِذا تعَارض الِاسْتِقْبَال والاستدبار تعين الاستدبار وَلَا يحرم وَلَا يكره اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها حَال الِاسْتِنْجَاء أَو الْجِمَاع أَو إِخْرَاج الرّيح إِذْ النَّهْي عَن استقبالها واستدبارها مُقَيّد بِحَالَة الْبَوْل وَالْغَائِط وَذَلِكَ مُنْتَفٍ فِي الثَّلَاثَة القَوْل فِي آدَاب قَاضِي الْحَاجة (ويجتنب) ندبا (الْبَوْل) وَالْغَائِط (فِي المَاء الراكد) للنَّهْي عَن الْبَوْل فِيهِ فِي حَدِيث مُسلم وَمثله الْغَائِط بل أولى وَالنَّهْي

стр. 55

فِي ذَلِك للكراهة وَإِن كَانَ المَاء قَلِيلا لِإِمْكَان طهره بِالْكَثْرَةِ وَفِي اللَّيْل أَشد كَرَاهَة لِأَن المَاء بِاللَّيْلِ مأوى الْجِنّ أما الْجَارِي فَفِي الْمَجْمُوع عَن جمَاعَة الْكَرَاهَة فِي الْقَلِيل مِنْهُ دون الْكثير وَلَكِن يكره فِي اللَّيْل لما مر ثمَّ قَالَ وَيَنْبَغِي أَن يحرم فِي الْقَلِيل مُطلقًا لِأَن فِيهِ إتلافا عَلَيْهِ وعَلى غَيره ورد بِمَا تقدم من التَّعْلِيل وَبِأَنَّهُ مُخَالف للنَّص وَسَائِر الْأَصْحَاب فَهُوَ كالاستنجاء بِخرقَة وَلم يقل أحد بِتَحْرِيمِهِ وَلَكِن يشكل بِمَا مر من أَنه يحرم اسْتِعْمَال الْإِنَاء النَّجس فِي المَاء الْقَلِيل وَأجِيب بِأَن هُنَاكَ اسْتِعْمَالا بِخِلَافِهِ هُنَا تَنْبِيه مَحل عدم التَّحْرِيم إِذا كَانَ المَاء لَهُ وَلم يتَعَيَّن عَلَيْهِ الطُّهْر بِهِ بِأَن وجد غَيره أما إِذا لم يكن لَهُ كمملوك لغيره أَو مُسبل أَو لَهُ وَتعين للطَّهَارَة بِأَن دخل الْوَقْت وَلم يجد غَيره فَإِنَّهُ يحرم عَلَيْهِ فَإِن قيل المَاء العذب رِبَوِيّ لِأَنَّهُ مطعوم فَلَا يحل الْبَوْل فِيهِ أُجِيب بِمَا تقدم وَيكرهُ أَيْضا قَضَاء الْحَاجة بِقرب المَاء الَّذِي يكره قَضَاؤُهَا فِيهِ لعُمُوم النَّهْي عَن الْبَوْل فِي الْمَوَارِد وصب الْبَوْل فِي المَاء كالبول فِيهِ (و) يجْتَنب ذَلِك ندبا (تَحت الشَّجَرَة المثمرة) وَلَو كَانَ التَّمْر مُبَاحا وَفِي غير وَقت الثَّمَرَة صِيَانة لَهَا عَن التلويث عِنْد الْوُقُوع فتعافها النَّفس وَلم يحرموه لِأَن التَّنْجِيس غير مُتَيَقن نعم إِذا لم يكن عَلَيْهَا ثَمَر وَكَانَ يجْرِي عَلَيْهَا المَاء من مطر أَو غَيره قبل أَن تثمر لم يكره كَمَا لَو بَال تحتهَا ثمَّ أورد عَلَيْهِ مَاء طهُورا وَلَا فرق فِي هَذَا وَفِي غَيره مِمَّا تقدم بَين الْبَوْل وَالْغَائِط (و) يجْتَنب ذَلِك ندبا (فِي الطَّرِيق) المسلوك لقَوْله ﷺ (اتقو اللعانين) قَالُوا وَمَا اللعانان يَا رَسُول الله قَالَ الَّذِي يتخلى فِي طَرِيق النَّاس أَو فِي ظلهم تسببا بذلك فِي لعن النَّاس لَهما كثيرا عَادَة فنسب إِلَيْهِمَا بِصِيغَة الْمُبَالغَة إِذْ أَصله اللاعنان فحول الْإِسْنَاد للْمُبَالَغَة وَالْمعْنَى احْذَرُوا سَبَب اللَّعْن الْمَذْكُور وَلخَبَر أبي دَاوُد بِإِسْنَاد جيد اتَّقوا الْملَاعن الثَّلَاث البرَاز فِي الْمَوَارِد وقارعة الطَّرِيق والظل والملاعن مَوَاضِع اللَّعْن والموارد طرق المَاء والتخلي التغوط وَكَذَا البرَاز وَهُوَ بِكَسْر الْبَاء على الْمُخْتَار وَقيس بالغائط الْبَوْل كَمَا صرح فِي الْمُهَذّب وَغَيره بِكَرَاهَة ذَلِك فِي الْمَوَاضِع الثَّلَاثَة وَفِي الْمَجْمُوع ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب كَرَاهَته وَيَنْبَغِي حرمته للْأَخْبَار الصَّحِيحَة ولإيذاء الْمُسلمين انْتهى وَالْمُعْتَمد ظَاهر كَلَام الْأَصْحَاب وقارعة الطَّرِيق أَعْلَاهُ وَقيل صَدره وَقيل مَا برز مِنْهُ أما الطَّرِيق المهجور فَلَا كَرَاهَة فِيهِ (و) يتَجَنَّب ذَلِك ندبا فِي (الظل) للنَّهْي عَن التخلي فِي ظلهم أَي فِي الصَّيف وَمثله مَوَاضِع اجْتِمَاعهم فِي الشَّمْس فِي الشتَاء (و) فِي الثقب وَهُوَ بِضَم الْمُثَلَّثَة المستدير النَّازِل للنَّهْي عَنهُ فِي خبر أبي دَاوُد وَغَيره لما قيل إِنَّه مسكن الْجِنّ وَلِأَنَّهُ قد يكون فِيهِ حَيَوَان ضَعِيف فَيَتَأَذَّى أَو قوي فيؤذيه أَو يُنجسهُ وَمثله السرب وَهُوَ بِفَتْح السِّين وَالرَّاء الشق المستطيل قَالَ فِي الْمَجْمُوع يَنْبَغِي تَحْرِيم ذَلِك للنَّهْي عَنهُ إِلَّا أَن يعد لذَلِك أَي لقَضَاء الْحَاجة فَلَا تَحْرِيم وَلَا كَرَاهَة وَالْمُعْتَمد مَا مر من عدم التَّحْرِيم (وَلَا يتَكَلَّم على الْبَوْل وَالْغَائِط) أَي يسكت حَال قَضَاء الْحَاجة فَلَا يتَكَلَّم بِذكر وَلَا غَيره أَي يكره لَهُ ذَلِك إِلَّا لضَرُورَة كإنذار أعمى فَلَا يكره بل قد يجب لخَبر لَا يخرج الرّجلَانِ يضربان الْغَائِط كاشفين عَن عورتهما يتحدثان فَإِن الله يمقت على ذَلِك رَوَاهُ الْحَاكِم وَصَححهُ وَمعنى يضربان يأتيان والمقت البغض وَهُوَ إِن كَانَ على الْمَجْمُوع فبعض موجباته مَكْرُوه فَلَو عطس حمد الله تَعَالَى بِقَلْبِه وَلَا يُحَرك لِسَانه أَي بِكَلَام يسمع بِهِ نَفسه إِذْ لَا يكره الهمس وَلَا التنحنح وَظَاهر كَلَامهم أَن الْقِرَاءَة لَا تحرم حِينَئِذٍ وَقَول ابْن كج إِنَّهَا لَا تجوز أَي جَوَازًا مستوي الطَّرفَيْنِ فتكره وَأَن قَالَ الْأَذْرَعِيّ اللَّائِق بالتعظيم الْمَنْع وَيسن أَن لَا

стр. 56

ينظر إِلَى فرجه وَلَا إِلَى الْخَارِج مِنْهُ وَلَا إِلَى السَّمَاء وَلَا يعبث بِيَدِهِ وَلَا يلْتَفت يَمِينا وَلَا شمالا (وَلَا يسْتَقْبل الشَّمْس) وَلَا (الْقَمَر) ببول وَلَا غَائِط أَي يكره لَهُ ذَلِك (وَلَا يستدبرهما) وَهَذَا مَا جرى عَلَيْهِ ابْن الْمقري فِي روضه وَالَّذِي نَقله النَّوَوِيّ فِي أصل الرَّوْضَة عَن الْجُمْهُور أَنه يكره الِاسْتِقْبَال دون الاستدبار وَقَالَ فِي الْمَجْمُوع وَهُوَ الصَّحِيح الْمَشْهُور وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد وَإِن قَالَ فِي التَّحْقِيق إِنَّه لَا أصل للكراهة فالمختار إِبَاحَته وَحكم اسْتِقْبَال بَيت الْمُقَدّس واستدباره حكم اسْتِقْبَال الشَّمْس وَالْقَمَر واستدبارهما وَيسن أَن يبعد عَن النَّاس فِي الصَّحرَاء وَمَا ألحق بهَا من الْبُنيان إِلَى حَيْثُ لَا يسمع للْخَارِج مِنْهُ صَوت وَلَا يشم لَهُ ريح فَإِن تعذر عَلَيْهِ الإبعاد عَنْهُم سنّ لَهُم الإبعاد عَنهُ كَذَلِك ويستتر عَن أَعينهم بمرتفع ثُلثي ذِرَاع فَأكْثر بَينه وَبَينه ثَلَاثَة أَذْرع فَأَقل لقَوْله ﷺ من أَتَى الْغَائِط فليستتر فَإِن لم يجد إِلَّا أَن يجمع كثيبا من رمل فليستتر بِهِ فَإِن الشَّيْطَان يلْعَب بمقاعد بني آدم من فعل فقد أحسن وَمن لَا فَلَا حرج عَلَيْهِ وَيحصل السّتْر براحلة أَو وهدة أَو إرخاء ذيله هَذَا إِذا كَانَ بصحراء أَو بُنيان لَا يُمكن تسقيفه كَأَن جلس فِي وسط مَكَان وَاسع فَإِن كَانَ فِي بِنَاء يُمكن تسقيفه أَي عَادَة كفى كَمَا فِي أصل الرَّوْضَة قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَهَذَا الْأَدَب مُتَّفق على اسْتِحْبَابه وَمحله إِذا لم يكن ثمَّ من لَا يغض بَصَره عَن نظر عَوْرَته مِمَّن يحرم عَلَيْهِ نظرها وَإِلَّا وَجب الاستتار وَعَلِيهِ يحمل قَول النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم يجوز كشف الْعَوْرَة فِي مَحل الْحَاجة فِي الْخلْوَة كحالة الِاغْتِسَال وَالْبَوْل ومعاشرة الزَّوْجَة أما بِحَضْرَة النَّاس فَيحرم كشفها وَلَا يَبُول فِي مَوضِع هبوب الرّيح وَإِن لم تكن هابة إِذْ قد تهب بعد شُرُوعه فِي الْبَوْل فَترد عَلَيْهِ الرشاش وَلَا فِي مَكَان صلب لما ذكر وَلَا يَبُول قَائِما لخَبر التِّرْمِذِيّ وَغَيره بِإِسْنَاد جيد أَن عَائِشَة ﵂ قَالَت من حَدثكُمْ أَن النَّبِي ﷺ كَانَ يَبُول قَائِما فَلَا تُصَدِّقُوهُ أَي يكره لَهُ ذَلِك إِلَّا لعذر فَلَا يكره وَلَا خلاف الأولى وَفِي الْإِحْيَاء عَن الْأَطِبَّاء أَو بولة فِي الْحمام فِي الشتَاء قَائِما خير من شربة دَوَاء وَلَا يدْخل الْخَلَاء حافيا وَلَا مَكْشُوف الرَّأْس لِلِاتِّبَاعِ ويعتمد فِي قَضَاء الْحَاجة على يسَاره لِأَن ذَلِك أسهل لخُرُوج الْخَارِج وَينْدب أَن يرفع لقَضَاء الْحَاجة ثَوْبه عَن عَوْرَته شَيْئا فَشَيْئًا إِلَّا أَن يخَاف تنجس ثَوْبه فيرفع بِقدر حَاجته ويسبله شَيْئا فَشَيْئًا قبل انْقِضَاء قِيَامه وَلَا يستنجي بِمَاء فِي مَجْلِسه إِن لم يكن معدا لذَلِك أَي يكره لَهُ ذَلِك لِئَلَّا يعود عَلَيْهِ الرشاش فينجسه بِخِلَاف المستنجي بِالْحجرِ والمعد لذَلِك وللمشقة فِي الْمعد لذَلِك ولفقد الْعلَّة فِي الِاسْتِنْجَاء بِالْحجرِ وَيكرهُ أَن يَبُول فِي المغتسل لقَوْله ﷺ وَلَا يبولن أحدكُم فِي مستحمه ثمَّ يتَوَضَّأ فِيهِ فَإِن عَامَّة الوسواس مِنْهُ وَمحله إِذا لم يكن ثمَّ منفذ ينفذ مِنْهُ الْبَوْل وَالْمَاء وَعند قبر مُحْتَرم احتراما لَهُ قَالَ

стр. 57

الْأَذْرَعِيّ وَيَنْبَغِي أَن يحرم عِنْد قُبُور الْأَنْبِيَاء وتشتد الْكَرَاهَة عِنْد قُبُور الْأَوْلِيَاء وَالشُّهَدَاء قَالَ وَالظَّاهِر تَحْرِيمه بَين الْقُبُور المتكرر نبشها لاختلاط ترابها بأجزاء الْمَيِّت انْتهى وَهُوَ حسن وَيحرم على الْقَبْر وَكَذَا فِي إِنَاء فِي الْمَسْجِد على الْأَصَح وَيسن أَن يستبرىء من الْبَوْل عِنْد انْقِطَاعه بِنَحْوِ تنحنح ونثر ذكر قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَالْمُخْتَار أَن ذَلِك يخْتَلف باخْتلَاف النَّاس وَالْقَصْد أَن يظنّ أَنه لم يبْق بمجرى الْبَوْل شَيْء يخَاف خُرُوجه فَمنهمْ من يحصل هَذَا بِأَدْنَى عصر وَمِنْهُم من يحْتَاج إِلَى تكرره وَمِنْهُم من يحْتَاج إِلَى تنحنح وَمِنْهُم من لَا يحْتَاج إِلَى شَيْء من هَذَا وَيَنْبَغِي لكل أحد أَن لَا يَنْتَهِي إِلَى حد الوسوسة وَإِنَّمَا لم يجب الِاسْتِبْرَاء كَمَا قَالَ بِهِ القَاضِي وَالْبَغوِيّ وَجرى عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم لقَوْله ﷺ تنزهوا من الْبَوْل فَإِن عَامَّة عَذَاب الْقَبْر مِنْهُ لِأَن الظَّاهِر من انْقِطَاع الْبَوْل عدم عوده وَيحمل الحَدِيث على مَا إِذا تحقق أَو غلب على ظَنّه بِمُقْتَضى عَادَته أَنه لَو لم يستبرىء خرج مِنْهُ وَيكرهُ حَشْو مخرج الْبَوْل من الذّكر بِنَحْوِ الْقطن وإطالة الْمكْث فِي مَحل قَضَاء الْحَاجة لما رُوِيَ عَن لُقْمَان أَنه يُورث وجعا للكبد وَينْدب أَن يَقُول عِنْد وُصُوله إِلَى مَكَان قَضَاء الْحَاجة باسم الله أَي أتحصن من الشَّيْطَان اللَّهُمَّ أَي يَا الله إِنِّي أعوذ بك أَي أَعْتَصِم بك من الْخبث بِضَم الْخَاء وَالْبَاء جمع خَبِيث والخبائث جمع خبيثة وَالْمرَاد ذُكُور الشَّيَاطِين وإناثهم وَذَلِكَ لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ والاستعاذة مِنْهُم فِي الْبناء الْمعد لقَضَاء الْحَاجة لِأَنَّهُ مأواهم وَفِي غَيره لِأَنَّهُ سيصير مأوى لَهُم بِخُرُوج الْخَارِج وَيَقُول ندبا عقب انْصِرَافه غفرانك الْحَمد الله الَّذِي أذهب عني الْأَذَى وعافاني من الْبلَاء لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَفِي مُصَنف عبد الرَّزَّاق وَابْن أبي شيبَة أَن نوحًا ﵇ كَانَ يَقُول الْحَمد لله الَّذِي أذاقني لذته وَأبقى فِي منفعَته وأذهب عني أَذَاهُ فصل فِي بَيَان مَا يَنْتَهِي بِهِ الْوضُوء وَتسَمى الْأَحْدَاث (وَالَّذِي ينْقض الْوضُوء) أَي يَنْتَهِي بِهِ (خَمْسَة أَشْيَاء) فَقَط وَلَا يُخَالف من جعلهَا أَرْبَعَة كالمنهاج لِأَن مَفْهُوم قَول الْمِنْهَاج إِلَّا نوم مُمكن مَقْعَده هُوَ مَنْطُوق الثَّانِي هُنَا فتوافقا فَتَأَمّله وَعلة النَّقْض بهَا غير معقولة الْمَعْنى فَلَا يُقَاس عَلَيْهَا غَيرهَا فَلَا نقض بِالْبُلُوغِ بِالسِّنِّ وَلَا بِمَسّ الْأَمْرَد الْحسن وَلَا بِمَسّ فرج الْبَهِيمَة وَلَا بِأَكْل لحم الْجَزُور على الْمَذْهَب فِي الْأَرْبَعَة وَإِن صحّح النَّوَوِيّ الْأَخير مِنْهَا من جِهَة الدَّلِيل ثمَّ أجَاب من جِهَة الْمَذْهَب فَقَالَ أقرب مَا يستروح إِلَيْهِ فِي ذَلِك قَول الْخُلَفَاء الرَّاشِدين وجماهير الصَّحَابَة وَمِمَّا يضعف النَّقْض بِهِ أَن الْقَائِل بِهِ لَا يعديه إِلَى شحمه وسنامه مَعَ أَنه لَا فرق وَلَا بالقهقهة فِي الصَّلَاة وَإِلَّا لما اخْتصَّ النَّقْض بهَا كَسَائِر النواقض وَمَا رُوِيَ من أَنَّهَا تنقض فضعيف وَلَا بِالنَّجَاسَةِ الْخَارِجَة من غير الْفرج كالفصد والحجامة لما روى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَاد صَحِيح أَن رجلَيْنِ من أَصْحَاب النَّبِي ﷺ حرسا الْمُسلمين فِي غَزْوَة ذَات الرّقاع فَقَامَ أَحدهمَا يُصَلِّي فَرَمَاهُ رجل من الْكفَّار بِسَهْم فَنَزَعَهُ وَصلى وَدَمه يجْرِي وَعلم النَّبِي ﷺ بِهِ وَلم يُنكره وَأما صلَاته مَعَ الدَّم فلقلة مَا أَصَابَهُ مِنْهُ وَلَا بشفاء دَائِم الْحَدث لِأَن حَدثهُ لم يرْتَفع فَكيف يَصح عد الشِّفَاء سَببا للْحَدَث مَعَ أَنه لم يزل وَلَا بِنَزْع الْخُف لِأَن نَزعه يُوجب غسل الرجلَيْن فَقَط على الْأَصَح أَحدهمَا (مَا) أَي شَيْء (خرج) من أحد (السَّبِيلَيْنِ) أَي من قبل المتوضىء الْحَيّ الْوَاضِح وَلَو من مخرج الْوَلَد أَو أحد ذكرين يَبُول بهما أَو أحد فرجين تبول بِأَحَدِهِمَا وتحيض بِالْآخرِ فَإِن

стр. 58

بَال بِأَحَدِهِمَا أَو حَاضَت بِهِ فقد اخْتصَّ الحكم بِهِ أما الْمُشكل فَإِن خرج الْخَارِج من فرجيه جَمِيعًا فَهُوَ مُحدث وَإِن خرج من أَحدهمَا فَلَا نقض أَو من دبر المتوضىء الْحَيّ سَوَاء أَكَانَ الْخَارِج عينا أم ريحًا طَاهِرا أم نجسا جافا أم رطبا مُعْتَادا كبول أَو نَادرا كَدم انْفَصل أم لَا قَلِيلا أم كثيرا طَوْعًا أم كرها وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط﴾ الْآيَة وَالْغَائِط الْمَكَان المطمئن من الأَرْض تقضى فِيهِ الْحَاجة سمي بِهِ الْخَارِج للمجاورة وَحَدِيث الصَّحِيحَيْنِ أَنه ﷺ قَالَ فِي الْمَذْي يغسل ذكره وَيتَوَضَّأ وَفِيهِمَا اشْتَكَى إِلَى النَّبِي ﷺ الَّذِي يخيل إِلَيْهِ أَنه يجد الشَّيْء فِي الصَّلَاة قَالَ لَا ينْصَرف حَتَّى يسمع صَوتا أَو يجد ريحًا وَالْمرَاد الْعلم بِخُرُوجِهِ لَا سَمعه وَلَا شمه وَلَيْسَ المُرَاد حصر الناقض فِي الصَّوْت وَالرِّيح بل نفي وجوب الْوضُوء بِالشَّكِّ فِي خُرُوج الرّيح وَيُقَاس بِمَا فِي الْآيَة وَالْأَخْبَار كل خَارج مِمَّا ذكر وَإِن لم تَدْفَعهُ الطبيعة كعود خرج من الْفرج بعد أَن دخل فِيهِ تَنْبِيه التَّعْبِير بالسبيلين جرى على الْغَالِب إِذْ للْمَرْأَة ثَلَاثَة مخارج اثْنَان من قبلهَا وَوَاحِد من دبرهَا وَلِأَنَّهُ لَو خلق للرجل ذكران فَإِنَّهُ ينْتَقض بالخارج من كل مِنْهُمَا كَمَا مر وَكَذَا لَو خلق للْمَرْأَة فرجان كَمَا ذكره فِي الْمَجْمُوع وَيسْتَثْنى من ذَلِك خُرُوج مني الشَّخْص نَفسه الْخَارِج مِنْهُ أَولا كَأَن أمنى بِمُجَرَّد نظر أَو احْتِلَام مُمكنا مَقْعَده فَلَا ينْتَقض وضوءه بذلك لِأَنَّهُ أوجب أعظم الْأَمريْنِ وَهُوَ الْغسْل بِخُصُوصِهِ فَلَا يُوجب أدونهما وَهُوَ الْوضُوء بِعُمُومِهِ كزنا الْمُحصن لما أوجب أعظم الحدين لكَونه زنا الْمُحصن فَلَا يُوجب أدونهما لكَونه زنا وَإِنَّمَا أوجبه الْحيض وَالنّفاس مَعَ إيجابهما الْغسْل لِأَنَّهُمَا يمنعان صِحَة الْوضُوء فَلَا يجامعانه بِخِلَاف خُرُوج الْمَنِيّ يَصح مَعَه الْوضُوء فِي صُورَة سَلس الْمَنِيّ فيجامعه أما مني غَيره أَو منيه إِذا عَاد فينقض خُرُوجه لفقد الْعلَّة نعم لَو ولدت ولدا جافا انْتقض وضوءها لِأَن الْوَلَد مُنْعَقد من منيها ومني غَيرهَا وَأما خُرُوج بعض الْوَلَد فَالَّذِي يظْهر أَنَّهَا تخير بَين الْوضُوء وَالْغسْل لِأَنَّهُ يحْتَمل أَن يكون من منيها فَقَط أَو من منيه فَقَط

стр. 59

(القَوْل فِي حكم الْخَارِج من الثقب) وَلَو انسد مخرجه الْأَصْلِيّ من قبل أَو دبر بِأَن لم يخرج مِنْهُ شَيْء وَإِن لم يلتحم وَانْفَتح مخرج بدله تَحت معدته وَهِي بِفَتْح الْمِيم وَكسر الْعين على الْأَفْصَح مُسْتَقر الطَّعَام وَهِي من السُّرَّة إِلَى الصَّدْر كَمَا قَالَه الْأَطِبَّاء وَالْفُقَهَاء واللغويون هَذَا حَقِيقَتهَا وَالْمرَاد بهَا هُنَا السُّرَّة فَخرج مِنْهُ الْمُعْتَاد خُرُوجه كبول أَو النَّادِر كدود وَدم نقض لقِيَامه مقَام الْأَصْلِيّ فَكَمَا ينْقض الْخَارِج مِنْهُ الْمُعْتَاد والنادر فَكَذَلِك هَذَا أَيْضا وَإِن انْفَتح فِي السُّرَّة أَو فَوْقهَا أَو محاذيها والأصلي منسد أَو تحتهَا والأصلي منفتح فَلَا ينْقض الْخَارِج مِنْهُ أما فِي الأولى فَلِأَن مَا يخرج من الْمعدة أَو فَوْقهَا لَا يكون مِمَّا أحالته الطبيعة لِأَن مَا تحيله تلقيه إِلَى أَسْفَل فَهُوَ بالقيء أشبه وَأما فِي الثَّانِيَة فَلَا ضَرُورَة إِلَى جعل الْحَادِث مخرجا مَعَ انفتاح الْأَصْلِيّ وَحَيْثُ أَقَمْنَا المنفتح كالأصلي إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ للنقض بالخراج فَلَا يجزىء فِيهِ الْحجر وَلَا ينْتَقض الْوضُوء بمسه وَلَا يجب الْغسْل وَلَا غَيره من أَحْكَام الْوَطْء بالإيلاج فِيهِ وَلَا يحرم النّظر إِلَيْهِ حَيْثُ كَانَ فَوق الْعَوْرَة قَالَ الْمَاوَرْدِيّ هَذَا فِي الانسداد الْعَارِض أما الخلقي فينقض مَعَه الْخَارِج من المنفتح مُطلقًا والمنسد حِينَئِذٍ كعضو زَائِد من الْخُنْثَى لَا وضوء بمسه وَلَا غسل بإيلاجه والإيلاج فِيهِ قَالَ النَّوَوِيّ فِي نكته على التَّنْبِيه أَن تعبيرهم بالانسداد يشْعر بِمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَخرج بالمنفتح مَا لَو خرج شَيْء من المنافذ الْأَصْلِيَّة كالفم وَالْأُذن فَإِنَّهُ لَا ينْقض بذلك كَمَا هُوَ ظَاهر كَلَامهم (و) الثَّانِي من نواقض الْوضُوء (النّوم) وَهُوَ استرخاء أعصاب الدِّمَاغ بِسَبَب رطوبات الأبخرة الصاعدة من الْمعدة وَإِنَّمَا ينْقض إِذا كَانَ (على غير هَيْئَة المتمكن) من الأَرْض مَقْعَده أَي ألييه وَذَلِكَ لقَوْله ﷺ العينان وكاء السه فَمن نَام فَليَتَوَضَّأ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره والسه بسين مُهْملَة مُشَدّدَة مَفْتُوحَة وهاء حَلقَة الدبر والوكاء بِكَسْر الْوَاو وَالْمدّ الْخَيط الَّذِي يرْبط الَّذِي يرْبط بِهِ الشَّيْء وَالْمعْنَى فِيهِ أَن الْيَقَظَة هِيَ الْحَافِظ لما يخرج والنائم قد يخرج مِنْهُ شَيْء وَلَا يشْعر بِهِ فَإِن قيل الأَصْل عدم خُرُوج شَيْء فَكيف عدل عَنهُ وَقيل بِالنَّقْضِ أُجِيب بِأَنَّهُ لما جعل مَظَنَّة لِخُرُوجِهِ من غير شُعُور بِهِ أقيم مقَام الْيَقِين كَمَا أُقِيمَت الشَّهَادَة المفيدة للظن مقَام الْيَقِين فِي شغل الذِّمَّة أما إِذا نَام وَهُوَ مُمكن ألييه من مقره من أَرض أَو غَيرهَا فَلَا ينْتَقض وضوءه وَلَو كَانَ مُسْتَندا إِلَى مَا لَو زَالَ لسقط للأمن من خُرُوج شَيْء حِينَئِذٍ من دبره وَلَا عِبْرَة بِاحْتِمَال خُرُوج ريح من قبله لِأَنَّهُ نَادِر وَلقَوْل أنس ﵁ كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ينامون ثمَّ يصلونَ وَلَا يتوضؤون رَوَاهُ مُسلم وَفِي رِوَايَة لأبي دَاوُد ينامون حَتَّى تخفق رؤوسهم الأَرْض فَحمل على نوم الْمُمكن جمعا بَين الْحَدِيثين فَدخل فِي ذَلِك مَا لَو نَام مُحْتَبِيًا وَأَنه لَا فرق بَين النحيف وَغَيره وَهُوَ مَا صرح بِهِ فِي الرَّوْضَة وَغَيرهَا نعم إِن كَانَ بَين مَقْعَده ومقره تجاف نقض كَمَا نَقله فِي الشَّرْح الصَّغِير عَن الرَّوْيَانِيّ وَأقرهُ وَلَا تَمْكِين لمن نَام على قَفاهُ مُلْصقًا مَقْعَده بمقره وَمن خَصَائِصه ﷺ أَنه لَا ينْتَقض وضوءه بنومه مُضْطَجعا وَيسن الْوضُوء من النّوم مُمكنا خُرُوجًا من الْخلاف

стр. 60

(و) الثَّالِث من نواقض الْوضُوء (زَوَال الْعقل) الغريزي بجنون (أَو بسكر) وَإِن لم يَأْثَم بِهِ (أَو) بِعَارِض (مرض) كإغماء أَو بتناول داوء لِأَن ذَلِك أبلغ من النّوم وَلَا فرق بَين أَن يكون مُتَمَكنًا أم لَا فَائِدَة قَالَ الْغَزالِيّ الْجُنُون يزِيل الْعقل وَالْإِغْمَاء يغمره وَالنَّوْم يستره تَنْبِيه علم من كَلَام المُصَنّف أَن أَوَائِل السكر الَّذِي لَا يَزُول بِهِ الشُّعُور لَا ينْقض وَهُوَ كَذَلِك القَوْل فِي النَّقْض باللمس وشروطه (و) الرَّابِع من نواقض الْوضُوء (لمس الرجل) ببشرته (الْمَرْأَة الْأَجْنَبِيَّة) أَي بَشرَتهَا من غير حَائِل لقَوْله تَعَالَى ﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾ أَي لمستم كَمَا قرىء بِهِ فعطف اللَّمْس على الْمَجِيء من الْغَائِط ورتب عَلَيْهِمَا الْأَمر بِالتَّيَمُّمِ عِنْد فقد المَاء فَدلَّ على أَنه حدث لَا جامعتم لِأَنَّهُ خلاف الظَّاهِر إِذْ اللَّمْس لَا يخْتَص بِالْجِمَاعِ قَالَ تَعَالَى ﴿فلمسوه بِأَيْدِيهِم﴾ وَقَالَ ﷺ لَعَلَّك لمست وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين أَن يكون بِشَهْوَة أَو إِكْرَاها أَو نِسْيَان أَو يكون الرجل ممسوحا أَو خَصيا أَو عنينا أَو الْمَرْأَة عجوزا شوهاء أَو كَافِرَة بتمجس أَو غَيره أَو حرَّة أَو رقيقَة أَو أَحدهمَا مَيتا لَكِن لَا ينْتَقض وضوء الْمَيِّت واللمس الجس بِالْيَدِ وَالْمعْنَى فِيهِ أَنه مَظَنَّة ثوران الشَّهْوَة وَمثله فِي ذَلِك بَاقِي صُورَة الالتقاء فَألْحق بِهِ بِخِلَاف النَّقْض بِمَسّ الْفرج كَمَا سَيَأْتِي فَإِنَّهُ مُخْتَصّ بِبَطن الْكَفّ لِأَن الْمس إِنَّمَا يثير الشَّهْوَة بِبَطن الْكَفّ واللمس يثيرها بِهِ وَبِغَيْرِهِ والبشرة ظَاهر الْجلد وَفِي مَعْنَاهَا كلحم الْأَسْنَان وَاللِّسَان واللثة وبطن الْعين وَخرج مَا إِذا كَانَ على الْبشرَة حَائِل وَلَو رَقِيقا نعم لَو كثر الْوَسخ على الْبشرَة من الْعرق فَإِن لمسه ينْقض لِأَنَّهُ صَار كالجزء من الْبدن بِخِلَاف مَا إِذا كَانَ من غُبَار وَالسّن وَالشعر وَالظفر كَمَا سَيَأْتِي وَبِالرجلِ وَالْمَرْأَة الرّجلَانِ والمرأتان والخنثيان وَالْخُنْثَى مَعَ الرجل أَو الْمَرْأَة وَلَو بِشَهْوَة لانْتِفَاء مظنتها ولاحتمال التوافق فِي صُورَة الْخُنْثَى وَالْمرَاد بِالرجلِ الذّكر إِذا بلغ حدا يشتهى لَا الْبَالِغ وبالمرأة الْأُنْثَى إِذا بلغت حدا يشتهى كَذَلِك لَا الْبَالِغَة تَنْبِيه لَو لمست الْمَرْأَة رجلا أَجْنَبِيّا أَو الرجل مرأة أَجْنَبِيَّة هَل ينْتَقض وضوء الْآدَمِيّ أم لَا يَنْبَغِي أَن يبْنى ذَلِك على صِحَة مناكحتهم وَفِي ذَلِك خلاف يَأْتِي فِي النِّكَاح إِن شَاءَ الله تَعَالَى وَلَا ينْقض لمس محرم لَهُ بِنسَب أَو رضَاع أَو مصاهرة وَلَو بِشَهْوَة لِأَنَّهَا لَيست مَظَنَّة للشهوة بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ كَرجل وَلَو شكّ فِي الْمَحْرَمِيَّة لم ينْتَقض وضوءه لِأَن الأَصْل الطَّهَارَة وَظَاهر كَلَامهم أَن الحكم كَذَلِك وَإِن اخْتلطت محرمه بأجنبيات غير محصورات وَهُوَ كَذَلِك لِأَن الطُّهْر لَا يرفع بِالشَّكِّ نعم إِن تزوج بِوَاحِدَة مِنْهُنَّ انْتقض وضوءه بلمسها لِأَن الحكم لَا يَتَبَعَّض

стр. 61

لوإن قَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين يَنْبَغِي عدم النَّقْض كَمَا لَو تزوج بصغيرة لَا تشْتَهى وَمثل ذَلِك مَا لَو تزوج بِامْرَأَة مَجْهُولَة النّسَب واستلحقها أَبوهُ وَلم يصدقهُ فَإِن النّسَب يثبت وَتصير أُخْتا لَهُ وَلَا يَنْفَسِخ نِكَاحه وينتقض وضوءه بلمسها لما تقدم قَالَ بَعضهم وَلَيْسَ لنا من ينْكح أُخْته فِي الْإِسْلَام إِلَّا هَذَا وَلَا تنقض صَغِيرَة السن وَلَا صَغِير لم يبلغ كل مِنْهُمَا حدا يشتهى عرفا لانْتِفَاء مَظَنَّة الشَّهْوَة بِخِلَاف مَا إِذا بلغاها وَإِن انْتَفَت بعد ذَلِك لنَحْو هرم كَمَا تقدّمت الْإِشَارَة إِلَيْهِ وَلَا شعر وَسن وظفر وَعظم لِأَن مُعظم الالتذاذ فِي هَذَا إِنَّمَا هُوَ بِالنّظرِ دون اللَّمْس وَلَا ينْقض الْعُضْو المبان غير الْفرج وَلَو قطعت الْمَرْأَة نِصْفَيْنِ هَل ينْقض كل مِنْهُمَا أَو لَا وَجْهَان وَالْأَقْرَب عدم الانتقاض قَالَ النَّاشِرِيّ وَلَو كَانَ أحد الجزأين أعظم نقض دون غَيره انْتهى وَالَّذِي يظْهر أَنه إِن كَانَ بِحَيْثُ يُطلق عَلَيْهِ اسْم امْرَأَة نقض وَإِلَّا فَلَا وَتقدم أَنه ينْتَقض الْوضُوء بلمس الْميتَة وَالْمَيِّت وَوَقع للنووي فِي رُؤُوس الْمسَائِل أَنه رجح عدم النَّقْض بلمس الْميتَة وَالْمَيِّت وعد من السَّهْو القَوْل فِي النَّقْض بالمس وشروطه (و) الْخَامِس وَهُوَ آخر النواقض (مس) شَيْء من (فرج الْآدَمِيّ) من نَفسه أَو غَيره ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى مُتَّصِلا أَو مُنْفَصِلا بِبَطن الْكَفّ من غير حَائِل لخَبر من مس فرجه فَليَتَوَضَّأ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَصَححهُ وَلخَبَر ابْن حبَان إِذا أفْضى أحدكُم بِيَدِهِ إِلَى فرجه وَلَيْسَ بَينهمَا ستر وَلَا حجاب فَليَتَوَضَّأ والإفضاء لُغَة الْمس بِبَطن الْكَفّ فَثَبت النَّقْض فِي فرج نَفسه بِالنَّصِّ فَيكون فِي فرج غَيره أولى لِأَنَّهُ أفحش لهتك حُرْمَة غَيره بل ثَبت أَيْضا فِي رِوَايَة من مس ذكرا فَليَتَوَضَّأ وَهُوَ شَامِل لنَفسِهِ وَلغيره وَأما خبر عدم النَّقْض بِمَسّ الْفرج فَقَالَ ابْن حبَان وَغَيره إِنَّه مَنْسُوخ وَالْمرَاد بِبَطن الْكَفّ الرَّاحَة مَعَ بطُون الْأَصَابِع الْأصْبع الزَّائِدَة إِن كَانَت على سنَن الْأَصَابِع انْتقض الْوضُوء بالمس بهَا وَإِلَّا فَلَا وَسميت كفا لِأَنَّهَا تكف الْأَذَى عَن الْبدن وبفرج الْمَرْأَة ملتقى الشرفين على المنفذ فَلَا نقض بِمَسّ الْأُنْثَيَيْنِ وَلَا الأليين وَلَا بِمَا بَين الْقبل والدبر وَلَا بالعانة (و) ينْقض (مس حَلقَة دبره) أَي الْآدَمِيّ (على الْجَدِيد) لِأَنَّهُ فرج وَقِيَاسًا على الْقبل بِجَامِع النَّقْض بالخارج مِنْهُمَا وَالْمرَاد بهَا ملتقى المنفذ لَا مَا وَرَاءه وَلَام حَلقَة سَاكِنة وَحكي فتحهَا وينقض مس بعض الذّكر المبان كمس كُله وَإِلَّا مَا قطع فِي الْخِتَان إِذْ لَا يَقع عَلَيْهِ اسْم الذّكر قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَأما قبل الْمَرْأَة والدبر فَالْمُتَّجه إِن بَقِي اسمهما بعد قطعهمَا نقض مسهما وَإِلَّا فَلَا لِأَن الحكم مَنُوط بِالِاسْمِ وَمن لَهُ ذكران نقض الْمس بِكُل مِنْهُمَا سَوَاء كَانَا عاملين أم غير عاملين لَا زَائِد مَعَ عَامل وَمحله كَمَا قَالَ الْإِسْنَوِيّ نقلا عَن الفوراني إِذا لم يكن مسامتا لِلْعَامِلِ وَإِلَّا فَهُوَ كأصبع زَائِدَة مسامتة للبقية فينقض وَمن لَهُ كفان نقضتا بالمس سَوَاء أكانتا عاملتين أم غير عاملتين لَا زَائِدَة مَعَ عاملة فَلَا نقض إِذا كَانَ الكفان على معصمين بِخِلَاف مَا إِذا كَانَتَا على معصم وَاحِد وَكَانَت على سمت الْأَصْلِيَّة كالأصبع الزَّائِدَة فَإِنَّهَا ينْقض الْمس بهَا وينقض فرج الْمَيِّت وَالصَّغِير وَمحل الْجب وَالذكر الأشل وباليد الشلاء وَخرج بِبَطن الْكَفّ رُؤُوس الْأَصَابِع وَمَا بَينهَا وحرفها وحرف الْكَفّ فَلَا نقض بذلك لخروجها عَن سمت الْكَفّ وَضَابِط مَا ينْقض مَا يسْتَتر عِنْد وضع إِحْدَى الْيَدَيْنِ على الْأُخْرَى مَعَ تحامل يسير وبفرج الْآدَمِيّ فرج بَهِيمَة أَو طير فَلَا نقض بمسه قِيَاسا على عدم وجوب ستره وَعدم تَحْرِيم النّظر إِلَيْهِ قَاعِدَة فقهية يَنْبَنِي عَلَيْهَا كثير من الْأَحْكَام تَتِمَّة من الْقَوَاعِد المقررة الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا كثير من الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة اسْتِصْحَاب الأَصْل وَطرح الشَّك وإبقاء مَا كَانَ على مَا كَانَ وَقد أجمع النَّاس على أَن الشَّخْص لَو شكّ هَل طلق زَوجته أم لَا أَنه يجوز لَهُ وَطْؤُهَا وَأَنه لَو شكّ فِي امْرَأَة هَل تزَوجهَا أم لَا لَا يجوز لَهُ وَطْؤُهَا وَمن ذَلِك أَنه لَا يرْتَفع يَقِين طهر أَو حدث بِظَنّ ضِدّه فَلَو تَيَقّن الطُّهْر وَالْحَدَث كَأَن وجدا مِنْهُ بعد الْفجْر وَجَهل السَّابِق مِنْهُمَا أَخذ بضد مَا قبلهمَا فَإِن كَانَ قبلهمَا مُحدثا فَهُوَ الْآن متطهر سَوَاء اعْتَادَ تَجْدِيد الطُّهْر أم لَا لِأَنَّهُ تَيَقّن الطُّهْر

стр. 62

وَشك فِي رافعه وَالْأَصْل عَدمه أَو متطهرا فَهُوَ الْآن مُحدث إِن اعْتَادَ التَّجْدِيد لِأَنَّهُ تَيَقّن الْحَدث وَشك فِي رافعه وَالْأَصْل عَدمه بِخِلَاف مَا إِذا لم يعتده فَلَا يَأْخُذ بِهِ بل يَأْخُذ بِالطُّهْرِ لِأَن الظَّاهِر تَأَخّر طهره عَن حَدثهُ بِخِلَاف من اعتاده فَإِن لم يتَذَكَّر مَا قبلهمَا فَإِن اعْتَادَ التَّجْدِيد لزمَه الْوضُوء لتعارض الِاحْتِمَالَيْنِ بِلَا مُرَجّح وَلَا سَبِيل إِلَى الصَّلَاة مَعَ التَّرَدُّد الْمَحْض فِي الطُّهْر وَإِلَّا أَخذ بِالطُّهْرِ وَمن هَذِه الْقَاعِدَة مَا إِذا شكّ من نَام قَاعِدا مُتَمَكنًا ثمَّ مَال وانتبه وَشك فِي أَيهمَا أسبق أَو شكّ هَل مَا رَآهُ رُؤْيا أَو حَدِيث نفس أَو هَل لمس الشّعْر أَو الْبشرَة فَلَا نقض بِشَيْء من ذَلِك فصل فِي مُوجب الْغسْل وَهُوَ بِفَتْح الْغَيْن وَضمّهَا لُغَة سيلان المَاء على الشَّيْء مُطلقًا وَالْفَتْح أشهر كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي التَّهْذِيب وَلَكِن الْفُقَهَاء أَو أَكْثَرهم إِنَّمَا تستعمله بِالضَّمِّ وَشرعا سيلانه على جَمِيع الْبدن مَعَ النِّيَّة وَالْغسْل بِالْكَسْرِ مَا يغسل بِهِ الرَّأْس من نَحْو سدر وخطمي القَوْل فِي مَا يشْتَرك فِيهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء (وَالَّذِي يُوجب الْغسْل سِتَّة أَشْيَاء) مِنْهَا (ثَلَاثَة تشترك فِيهَا الرِّجَال وَالنِّسَاء) مَعًا (وَهِي) أَي الأولى (التقاء الختانين) بِإِدْخَال الْحَشَفَة وَلَا بِلَا قصد أَو كَانَ الذّكر أشل أَو غير منتشر أَو قدرهَا من مقطوعها (فرجا) من امْرَأَة وَلَو ميتَة أَو كَانَ على الذّكر خرفة ملفوفة وَلَو غَلِيظَة لقَوْله ﷺ إِذا التقى الختانان فقد وَجب الْغسْل أَي وَإِن لم ينزل رَوَاهُ مُسلم وَأما الْأَخْبَار الدَّالَّة على اعْتِبَار الْإِنْزَال كَخَبَر إِنَّمَا المَاء من المَاء فمنسوخة وَأجَاب ابْن عَبَّاس بِأَن مَعْنَاهُ أَنه لَا يجب الْغسْل بالاحتلام إِلَّا أَن ينزل وَذكر الختانين جري على الْغَالِب فَلَو أَدخل حشفته أَو قدرهَا من مقطوعها فِي فرج بَهِيمَة أَو فِي دبر كَانَ الحكم كَذَلِك لِأَنَّهُ جماع فِي فرج وَلَيْسَ المُرَاد بالتقاء الختانين انضمامهما لعدم إِيجَابه الْغسْل بِالْإِجْمَاع بل تحاذيهما يُقَال التقى الفارسان إِذا تحاذيا وَإِن لم ينضما وَذَلِكَ إِنَّمَا يحصل بِإِدْخَال الْحَشَفَة فِي الْفرج إِذْ الْخِتَان مَحل الْقطع فِي الْخِتَان وختان الْمَرْأَة فَوق مخرج الْبَوْل ومخرج الْبَوْل فَوق مدْخل الذّكر وَلَو أولج حَيَوَان قردا أَو غَيره فِي آدَمِيّ وَلَا حَشَفَة لَهُ فَهَل يعْتَبر إيلاج كل ذكره أَو إيلاج قدر حَشَفَة معتدلة قَالَ الإِمَام فِيهِ نظر موكول إِلَى رَأْي الْفَقِيه انْتهى وَيَنْبَغِي اعْتِمَاد الثَّانِي ويجنب صبي مَجْنُون أولجا أَو أولج فيهمَا وَيجب عَلَيْهِمَا الْغسْل بعد الْكَمَال وَصَحَّ من مُمَيّز ويجزيه وَيُؤمر بِهِ كَالْوضُوءِ وإيلاج الْخُنْثَى وَمَا دون الْحَشَفَة لَا أثر لَهُ فِي الْغسْل وَأما

стр. 63

الْوضُوء فَيجب على المولج فِيهِ بالنزع من دبره وَمن قبل أثنى وإيلاج الْحَشَفَة بالحائل جَار فِي سَائِر الْأَحْكَام كإفساد الصَّوْم وَالْحج القَوْل فِي حكم الْخُنْثَى وَيُخَير الْخُنْثَى بَين الْوضُوء وَالْغسْل بإيلاجه فِي دبر ذكر لَا مَانع من النَّقْض بلمسه أَو فِي دبر خُنْثَى أولج ذكره فِي قبل المولج لِأَنَّهُ إِمَّا جنب بِتَقْدِير ذكورته فيهمَا أَو أنوثته وذكورة الآخر فِي الثَّانِيَة أَو مُحدث بِتَقْدِير أنوثته فيهمَا مَعَ أنوثة الآخر فِي الثَّانِيَة فَيُخَير بَينهمَا كَمَا سَيَأْتِي فِيمَن اشْتبهَ عَلَيْهِ الْمَنِيّ بِغَيْرِهِ وَكَذَا يُخَيّر الذّكر إِذا أولج الْخُنْثَى فِي دبر وَلَا مَانع من النَّقْض كَمَا هُوَ مُقْتَضى كَلَام الشَّيْخَيْنِ فِي بَاب الْوضُوء أما إيلاجه فِي قبل خُنْثَى أَو فِي دبره وَلم يولج الآخر فِي قبله فَلَا يُوجب عَلَيْهِ شَيْئا وَلَو أولج رجل فِي قبل خُنْثَى فَلَا يجب عَلَيْهِمَا غسل وَلَا وضوء لاحْتِمَال أَنه رجل فَإِن أولج ذَلِك الْخُنْثَى فِي وَاضح آخر أجنب يَقِينا وَحده لِأَنَّهُ جَامع أَو جومع بِخِلَاف الآخرين لَا جَنَابَة عَلَيْهِمَا وأحدث الْوَاضِح الآخر بالنزع مِنْهُ أما إِذا أولج الْخُنْثَى فِي الرجل المولج فَإِن كلا مِنْهُمَا يجنب وَمن أولج أحد ذكريه أجنب إِن كَانَ يَبُول بِهِ وَحده وَلَا أثر للْآخر فِي نقض الطَّهَارَة إِذا لم يكن على سنَنه فَإِن كَانَ على سنَنه أَو كَانَ يَبُول بِكُل مِنْهُمَا أَو لَا يَبُول بِوَاحِد مِنْهُمَا أَو كَانَ الانسداد عارضا أجنب بِكُل مِنْهُمَا (و) الثَّانِيَة (إِنْزَال) أَي خُرُوج (الْمَنِيّ) بتَشْديد الْيَاء وَسمع تخفيفها أَي مني الشَّخْص نَفسه الْخَارِج مِنْهُ أول مرّة وَإِن لم يُجَاوز فرج الثّيّب بل وصل إِلَى مَا يجب غسله فِي الِاسْتِنْجَاء أما الْبكر فَلَا بُد من بروزه إِلَى الظَّاهِر كَمَا أَنه فِي حق الرجل لَا بُد من بروزه عَن الْحَشَفَة وَالْأَصْل فِي ذَلِك خبر مُسلم إِنَّمَا المَاء من المَاء وَخبر الصَّحِيحَيْنِ عَن أم سَلمَة قَالَت جَاءَت أم سليم إِلَى رَسُول الله ﷺ فَقَالَت إِن الله لَا يستحيي من الْحق هَل على الْمَرْأَة من غسل إِذا هِيَ احْتَلَمت قَالَ نعم إِذا رَأَتْ المَاء أما الْخُنْثَى الْمُشكل إِذا خرج الْمَنِيّ من أحد فرجيه فَلَا غسل عَلَيْهِ لاحْتِمَال أَن يكون زَائِدا مَعَ انفتاح الْأَصْلِيّ فَإِن أمنى مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا وحاض من الآخر وَجب عَلَيْهِ الْغسْل القَوْل فِي خُرُوج الْمَنِيّ من غير طَرِيقه الْمُعْتَاد وَلَا فرق فِي وجوب الْغسْل بِخُرُوج الْمَنِيّ بَين أَن يخرج من طَرِيقه الْمُعْتَاد وَإِن لم يكن مستحكما أَو من غَيره إِذا كَانَ مستحكما مَعَ انسداد الْأَصْلِيّ وَخرج من تَحت الصلب فالصلب هُنَا كالمعدة فِي فصل الْحَدث فَيُفَرق بَين الانسداد الْعَارِض والخلقي كَمَا فرق هُنَاكَ كَمَا صَوبه فِي الْمَجْمُوع والصلب إِنَّمَا يعْتَبر للرجل كَمَا قَالَه فِي الْمُهِمَّات أما الْمَرْأَة فَمَا بَين ترائبها والصلب عِظَام الظّهْر كُله والترائب عِظَام الصَّدْر قَالَ تَعَالَى ﴿يخرج من بَين الصلب والترائب﴾ أَي صلب الرجل وترائب الْمَرْأَة فَإِن خرج غير المستحكم من غير الْمُعْتَاد كَأَن خرج لمَرض فَلَا يجب الْغسْل بِهِ بِلَا خلاف كَمَا قَالَه فِي الْمَجْمُوع عَن الْأَصْحَاب وَلَا يجب بِخُرُوج مني غَيره مِنْهُ وَلَا بِخُرُوج منيه بعد استدخاله وَيعرف الْمَنِيّ بتدفقه بِأَن يخرج بدفعات قَالَ تَعَالَى ﴿من مَاء دافق﴾ وَسمي منيا لِأَنَّهُ يمنى أَي يصب أَو لَذَّة بِخُرُوجِهِ مَعَ فتور الذّكر وانكسار الشَّهْوَة عقبه وَإِن لم يتدفق

стр. 64

لقلته أَو خرج على لون الدَّم أَو ريح عجين حِنْطَة أَو نَحْوهَا أَو ريح طلع رطبا أَو ريح بَيَاض بيض دَجَاج أَو نَحوه جافا وَإِن لم يتلذ بِهِ وَلم يتدفق لقلته كَأَن خرج بَاقِي منيه بعد غسله أما إِذا خرج من قبل الْمَرْأَة مني جِمَاعهَا بعد غسلهَا فَلَا تعيد الْغسْل إِلَّا إِن قَضَت شهوتها فَإِن لم يكن لَهَا شَهْوَة كصغيرة أَو كَانَت وَلم تقض كنائمة لَا إِعَادَة عَلَيْهَا فَإِن قيل إِذا قَضَت شهوتها لم تتيقن خُرُوج منيها ويقين الطَّهَارَة لَا يرفع بِظَنّ الْحَدث إِذْ حدثها وَهُوَ خُرُوج منيها غير مُتَيَقن وَقَضَاء شهوتها لَا يَسْتَدْعِي خُرُوج شَيْء من منيها كَمَا قَالَه فِي التوشيح أُجِيب بِأَن قَضَاء شهوتها منزل منزلَة نومها فِي خُرُوج الْحَدث فنزلوا المظنة منزلَة المئنة وَخرج بقبل الْمَرْأَة مَا لَو وطِئت فِي دبرهَا فاغتسلت ثمَّ خرج مِنْهَا مني الرجل لم يجب عَلَيْهَا إِعَادَة الْغسْل كَمَا علم مِمَّا مر فَإِن فقدت الصِّفَات الْمَذْكُورَة فِي الْخَارِج فَلَا غسل عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمني إِذا شكّ هَل هُوَ مني أَو غَيره فَإِن احْتمل كَون الْخَارِج منيا أَو غَيره كودي أَو مذي تخير بَينهمَا على الْمُعْتَمد فَإِن جعله منيا اغْتسل أَو غَيره تَوَضَّأ وَغسل مَا أَصَابَهُ لِأَنَّهُ إِذا أَتَى بِمُقْتَضى أَحدهمَا برىء مِنْهُ يَقِينا وَالْأَصْل بَرَاءَته من الآخر وَلَا معَارض لَهُ بِخِلَاف من نسي صَلَاة من صَلَاتَيْنِ حَيْثُ يلْزمه فعلهمَا لاشتغال ذمَّته بهما جَمِيعًا وَالْأَصْل بَقَاء كل مِنْهُمَا وَإِذا اخْتَار أَحدهمَا وَفعله اعْتد بِهِ فَإِن لم يَفْعَله كَانَ لَهُ الرُّجُوع عَنهُ وَفعل الآخر إِذْ لَا يتَعَيَّن عَلَيْهِ شَيْء بِاخْتِيَارِهِ وَلَو استدخلت الْمَرْأَة ذكرا مَقْطُوعًا أَو قدر الْحَشَفَة مِنْهُ لَزِمَهَا الْغسْل كَمَا فِي الرَّوْضَة وَمُقْتَضَاهُ أَنه لَا فرق بَين استدخاله من رَأسه أَو أَصله أَو وَسطه بِجمع طَرفَيْهِ قَالَ الْإِسْنَوِيّ وَفِي ذَلِك نظر انْتهى وَالظَّاهِر أَن الْمعول على الْحَشَفَة حَيْثُ وجدت وَظَاهر كَلَام الْمِنْهَاج أَن مني الْمَرْأَة يعرف بالخواص الْمَذْكُورَة وَهُوَ قَول الْأَكْثَر وَقَالَ الإِمَام الْغَزالِيّ لَا يعرف إِلَّا بالتلذذ وَقَالَ ابْن صَلَاح لَا يعرف إِلَّا بالتلذذ وَالرِّيح وَجزم بِهِ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم وَالْأول هُوَ الظَّاهِر وَيُؤَيِّدهُ كَمَا قَالَ ابْن الرّفْعَة قَول الْمُخْتَصر وَإِذا رَأَتْ الْمَرْأَة المَاء الدافق فرع لَو رأى فِي فرَاشه أَو ثَوْبه وَلَو بِظَاهِرِهِ منيا لَا يحْتَمل أَنه من غَيره لزمَه الْغسْل وإعادة كل صَلَاة لَا يحْتَمل خلوها عَنهُ وَيسن إِعَادَة كل صَلَاة احْتمل خلوها عَنهُ وَإِن احْتمل كَونه من آخر نَام مَعَه فِي فرَاشه مثلا فَإِنَّهُ يسن لَهما الْغسْل والإعادة وَلَو أحس بنزول الْمَنِيّ فَأمْسك ذكره فَلم يخرج مِنْهُ شَيْء فَلَا غسل عَلَيْهِ كَمَا علم مِمَّا مر وَصرح بِهِ فِي الرَّوْضَة (و) الثَّالِثَة (الْمَوْت) لمُسلم غير شَهِيد كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى فِي الْجَنَائِز لحَدِيث الْمحرم الَّذِي وقصته نَاقَته فَقَالَ اغسلوه بِمَاء وَسدر رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَظَاهره الْوُجُوب وَهُوَ من فروض الْكِفَايَة والوقص كسر الْعُنُق القَوْل فِي مَا يخْتَص بِهِ النِّسَاء (وَثَلَاثَة) مِنْهَا (تخْتَص بهَا النِّسَاء وَهِي) أَي الأولى (الْحيض) لقَوْله تَعَالَى ﴿فاعتزلوا النِّسَاء فِي الْمَحِيض﴾ أَي الْحيض وَلخَبَر البُخَارِيّ أَنه ﷺ قَالَ لفاطمة بنت أبي حُبَيْش إِذا أَقبلت الْحَيْضَة فدعي الصَّلَاة وَإِذا أَدْبَرت فاغتسلي وَصلي

стр. 65

(و) الثَّانِيَة (النّفاس) لِأَنَّهُ دم حيض مُجْتَمع وَيعْتَبر مَعَ خُرُوج كل مِنْهُمَا وانقطاعه الْقيام إِلَى الصَّلَاة أَو نَحْوهَا كَمَا فِي الرَّافِعِيّ وَالتَّحْقِيق وَإِن صحّح فِي الْمَجْمُوع أَن مُوجبه الِانْقِطَاع فَقَط (و) الثَّالِثَة (الْولادَة) وَلَو علقَة أَو مُضْغَة وَلَو بِلَا بَلل لِأَنَّهُ مني مُنْعَقد وَلِأَنَّهُ لَا يَخْلُو عَن بَلل غَالِبا فأقيم مقَامه كالنوم مَعَ الْخَارِج وتفطر بِهِ الْمَرْأَة على الْأَصَح فِي التَّحْقِيق وَغَيره القَوْل فِي مَا يحرم على الْحَائِض وَالْجنب تَتِمَّة يحرم على الْجنب وَالْحَائِض وَالنُّفَسَاء مَا حرم بِالْحَدَثِ الْأَصْغَر لِأَنَّهَا أغْلظ مِنْهُ وشيئان آخرَانِ أَحدهمَا الْمكْث لمُسلم غير النَّبِي ﷺ بِالْمَسْجِدِ أَو التَّرَدُّد فِيهِ لغير عذر لقَوْله تَعَالَى ﴿لَا تقربُوا الصَّلَاة وَأَنْتُم سكارى حَتَّى تعلمُوا مَا تَقولُونَ وَلَا جنبا إِلَّا عابري سَبِيل حَتَّى تغتسلوا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس وَغَيره لَا تقربُوا مَوَاضِع الصَّلَاة لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا عبور سَبِيل بل موَاضعهَا وَهُوَ الْمَسْجِد وَنَظِيره قَوْله تَعَالَى ﴿لهدمت صوامع وَبيع وصلوات ومساجد﴾ وَلقَوْله ﵊ لَا أحل الْمَسْجِد لحائض وَلَا جنب رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن عَائِشَة ﵂ وَعَن أَبَوَيْهَا وَقَالَ ابْن الْقطَّان إِنَّه حسن وَخرج بالمكث والتردد العبور لِلْآيَةِ الْمَذْكُورَة وكما لَا يحرم لَا يكره إِن كَانَ لَهُ فِيهِ غَرَض مثل أَن يكون الْمَسْجِد أقرب طريقيه فَإِن لم يكن لَهُ غَرَض كره كَمَا فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا وَحَيْثُ عبر لَا يُكَلف الْإِسْرَاع فِي الْمَشْي بل يمشي على الْعَادة وبالمسلم الْكَافِر فَإِنَّهُ يُمكن من الْمكْث فِي الْمَسْجِد على الْأَصَح فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا وَبِغير النَّبِي ﷺ هُوَ فَلَا يحرم عَلَيْهِ قَالَ صَاحب التَّلْخِيص ذكر من خَصَائِصه ﷺ دُخُوله الْمَسْجِد جنبا وبالمسجد الْمدَارِس والربط ومصلى الْعِيد وَنَحْو ذَلِك وَبلا عذر مَا إِذا حصل لَهُ عذر كَأَن احْتَلَمَ فِي الْمَسْجِد وَتعذر عَلَيْهِ الْخُرُوج لإغلاق بَابه أَو خوف على نَفسه أَو عضوه أَو مَنْفَعَة ذَلِك أَو على مَاله فَلَا يحرم عَلَيْهِ الْمكْث وَلَكِن يجب عَلَيْهِ كَمَا فِي الرَّوْضَة أَن يتَيَمَّم إِن وجد غير تُرَاب الْمَسْجِد فَإِن لم يجد غَيره لَا يجوز لَهُ أَن يتَيَمَّم بِهِ فَلَو خَالف وَتيَمّم بِهِ صَحَّ تيَمّمه كالتيمم بِتُرَاب مَغْصُوب وَالْمرَاد بِتُرَاب الْمَسْجِد الدَّاخِل فِي وَقفه لَا الْمَجْمُوع من ريح وَنَحْوه وَثَانِيهمَا يحرم على من ذكر قِرَاءَة الْقُرْآن بِاللَّفْظِ فِي حق النَّاطِق وبالإشارة فِي حق الْأَخْرَس كَمَا قَالَه القَاضِي فِي فَتَاوِيهِ فَإِنَّهَا منزلَة النُّطْق هُنَا وَذَلِكَ لحَدِيث التِّرْمِذِيّ وَغَيره لَا يقْرَأ الْجنب وَلَا الْحَائِض شَيْئا من الْقُرْآن وَيجوز لمن بِهِ حدث أكبر إِجْرَاء الْقُرْآن على قلبه وَنظر فِي الْمُصحف وَقِرَاءَة مَا نسخت تِلَاوَته وتحريك لِسَانه وهمسه بِحَيْثُ لَا يسمع نَفسه لِأَنَّهَا لَيست بِقِرَاءَة قُرْآن وفاقد الطهُورَيْنِ يقْرَأ الْفَاتِحَة وجوبا فَقَط للصَّلَاة لِأَنَّهُ مُضْطَر إِلَيْهَا أما خَارج الصَّلَاة فَلَا يجوز لَهُ أَن يقْرَأ شَيْئا وَلَا أَن تُوطأ الْحَائِض أَو النُّفَسَاء إِذا انْقَطع دَمهَا وَيحل لمن ذكر أذكار الْقُرْآن وَغَيرهَا كمواعظه وأخباره وَأَحْكَامه لَا بِقصد قُرْآن كَقَوْلِه عِنْد الرّكُوب ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سخر لنا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقرنين﴾ أَي مطيقين وَعند الْمُصِيبَة ﴿إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُون﴾ فَإِن قصد الْقُرْآن وَحده أَو مَعَ الذّكر حرم وَإِن أطلق فَلَا كَمَا نبه عَلَيْهِ فِي الدقائق لعدم الْإِخْلَال بحرمته لِأَنَّهُ لَا يكون قُرْآنًا إِلَّا بِالْقَصْدِ قَالَه النَّوَوِيّ وَغَيره وَيسن للْجنب غسل الْفرج وَالْوُضُوء للْأَكْل وَالشرب وَالنَّوْم وَالْجِمَاع وللحائض وَالنُّفَسَاء بعد انْقِطَاع دمهما

стр. 66

(فصل فِي أَحْكَام الْغسْل) (وفرائض الْغسْل) وَلَو مسنونا (ثَلَاثَة أَشْيَاء) على مَا صَححهُ الرَّافِعِيّ من عدم الِاكْتِفَاء بغسلة عَن الْحَدث والخبث وفرضان على مَا صَححهُ النَّوَوِيّ فِي كتبه من الِاكْتِفَاء لَهما بغسلة وَهُوَ الْمَذْهَب الأول (النِّيَّة) لحَدِيث إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ فينوي رفع الْجَنَابَة أَي رفع حكمهَا إِن كَانَ جنبا وَرفع حدث الْحيض إِن كَانَت حَائِضًا أَو لتوطأ كَمَا فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا أَو الْغسْل من الْحيض كَمَا قَالَه ابْن الْمقري فَلَو نوى شخص رفع الْجَنَابَة وحدثه الْحيض أَو عَكسه أَو نوى رفع جَنَابَة الْجِمَاع وجنابته باحتلام أَو عَكسه صَحَّ مَعَ الْغَلَط دون الْعمد كَنَظِيرِهِ فِي الْوضُوء ذكر ذَلِك فِي الْمَجْمُوع وَقَضِيَّة تَعْلِيلهم إِيجَاب الْغسْل فِي النّفاس بِكَوْنِهِ دم حيض مُجْتَمع أَنه يَصح أَحدهمَا بِالْآخرِ وَبِه جزم فِي الْبَيَان وَيَكْفِي نِيَّة رفع الْحَدث عَن كل الْبدن وَكَذَا مُطلقًا فِي الْأَصَح لاستلزام رفع الْمُطلق رفع الْمُقَيد وَلِأَنَّهُ ينْصَرف إِلَى حَدثهُ لوُجُود الْقَرِينَة الحالية فَلَو نوى الْأَكْبَر كَانَ تَأْكِيدًا أَو لَو نوى رفع الْحَدث الْأَصْغَر عمدا لم ترْتَفع جنابته لتلاعبه أَو غَلطا ارْتَفَعت جنابته عَن أَعْضَاء الْأَصْغَر لِأَن غسلهَا وَاجِب فِي الحدثين وَقد غسلهَا بنيته إِلَّا الرَّأْس فَلَا ترْتَفع عَنهُ لِأَن غسله وَقع عَن مَسحه الَّذِي هُوَ فرض فِي الْأَصْغَر وَهُوَ إِنَّمَا نوى الْمسْح وَهُوَ لَا يُغني عَن الْغسْل بِخِلَاف بَاطِن لحية الرجل الكثيفة فَإِنَّهُ يَكْفِي لِأَن غسل الْوَجْه هُوَ الأَصْل فَإِذا غسله فقد أَتَى الأَصْل أما غير أَعْضَاء الْأَصْغَر فَلَا ترْتَفع جنابته لِأَنَّهُ لم يُنَوّه قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَلَو اجْتمع على الْمَرْأَة غسل حيض وجنابة كفت نِيَّة أَحدهمَا قطعا أَو يَنْوِي اسْتِبَاحَة مفتقر إِلَى غسل كَأَن يَنْوِي اسْتِبَاحَة الصَّلَاة أَو الطّواف مِمَّا يتَوَقَّف على غسل فَإِن نوى مَا لَا يفْتَقر إِلَيْهِ كالغسل ليَوْم الْعِيد لم يَصح أَو يَنْوِي أَدَاء فرض الْغسْل أَو فرض الْغسْل أَو الْغسْل الْمَفْرُوض أَو أَدَاء الْغسْل وَكَذَا الطَّهَارَة للصَّلَاة أما إِذا نوى الْغسْل فَقَط فَإِنَّهُ لَا يَكْفِي وَتقدم الْفرق بَينه وَبَين الْوضُوء فِي فَصله وَتَكون النِّيَّة مقرونة بِأول مَا يغسل من الْبدن سَوَاء أَكَانَ من أَعْلَاهُ أم من أَسْفَله إِذْ لَا تَرْتِيب فِيهِ فَلَو نوى بعد غسل جُزْء مِنْهُ وَجب إِعَادَة غسله قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَإِذا اغْتسل من إِنَاء كإبريق يَنْبَغِي لَهُ أَن يَنْوِي عِنْد غسل مَحل الِاسْتِنْجَاء بعد فَرَاغه مِنْهُ

стр. 67

لِأَنَّهُ قد يغْفل عَنهُ أَو يحْتَاج إِلَى الْمس فينتقض وضوءه أَو إِلَى كلفة فِي لف خرقَة على يَده القَوْل فِي حكم إِزَالَة النَّجَاسَة الَّتِي على بدن المغتسل (و) الثَّانِي (إِزَالَة النَّجَاسَة إِن كَانَت على شَيْء من بدنه) على الْمُصَحح عِنْد الرَّافِعِيّ وَقد عرفت فِيمَا تقدم ضعفه وَأَن الْأَصَح أَنه يَكْفِي لَهما غسلة وَاحِدَة كَمَا لَو اغْتَسَلت من جَنَابَة وحيض وَلِأَن واجبهما غسل الْعُضْو وَقد حصل وَمحل الْخلاف إِذا كَانَ النَّجس حكميا كَمَا فِي الْمَجْمُوع ويرفعهما المَاء مَعًا وللسابعة فِي الْمُغَلَّظَة حكم هَذِه الغسلة فَإِن كَانَ النَّجس عينيا وَلم يزل بَقِي الْحَدث أما غير السَّابِعَة فِي النَّجَاسَة الْمُغَلَّظَة فَلَا يرْتَفع حدث ذَلِك الْمحل لبَقَاء نَجَاسَته (و) الثَّالِث (إِيصَال المَاء إِلَى جَمِيع) أَجزَاء (الشّعْر) ظَاهرا وَبَاطنا وَإِن كثف وَيجب نقض الضفائر إِن لم يصل المَاء إِلَى بَاطِنهَا إِلَّا بِالنَّقْضِ لَكِن يُعْفَى عَن بَاطِن الشّعْر الْمَعْقُود وَلَا يجب غسل الشّعْر النَّابِت فِي الْعين أَو الْأنف وَإِن كَانَ يجب غسله من النَّجَاسَة لغلظها (و) إِلَى جَمِيع أَجزَاء (الْبشرَة) حَتَّى الْأَظْفَار وَمَا يظْهر من صماخي الْأُذُنَيْنِ وَمن فرج الْمَرْأَة عِنْد قعودها لقَضَاء الْحَاجة وَمَا تَحت القلفة وَمَوْضِع شعر نتفه قبل غسله قَالَ الْبَغَوِيّ وَمن بَاطِن جدري اتَّضَح فَائِدَة لَو اتخذ لَهُ أُنْمُلَة أَو أنفًا من ذهب أَو فضَّة وَجب عَلَيْهِ غسله من حدث أَصْغَر أَو أكبر وَمن نَجَاسَة غير مَعْفُو عَنْهَا لِأَنَّهُ وَجب عَلَيْهِ غسل مَا ظهر من الْأصْبع وَالْأنف بِالْقطعِ وَقد تعذر للْعُذْر فَصَارَت الْأُنْمُلَة وَالْأنف كالأصليين وَلَا يجب فِي الْغسْل مضمضة وَلَا استنشاق بل يسن كَمَا فِي الْوضُوء وَغسل الْمَيِّت القَوْل فِي سنَن الْغسْل (وسننه) أَي الْغسْل كَثِيرَة الْمَذْكُور مِنْهَا هُنَا (خَمْسَة أَشْيَاء) وَسَنذكر مِنْهَا أَشْيَاء بعد ذَلِك الأولى (التَّسْمِيَة) مقرونة بِالنِّيَّةِ كَمَا صرح بِهِ فِي الْمَجْمُوع هُنَا وَقد تقدم فِي الْوضُوء بَيَان أكملها (و) الثَّانِيَة (الْوضُوء) كَامِلا (قبله) لِلِاتِّبَاعِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَقَالَ فِي الْمَجْمُوع نقلا عَن الْأَصْحَاب وَسَوَاء أقدم الْوضُوء كُله أَو بعضه أم أَخّرهُ أم فعله فِي أثْنَاء الْغسْل فَهُوَ مُحَصل للسّنة لَكِن الْأَفْضَل تَقْدِيمه ثمَّ إِن تجردت الْجَنَابَة عَن الْحَدث الْأَصْغَر كَأَن احْتَلَمَ وَهُوَ جَالس مُتَمَكن نوى سنة الْغسْل وَإِلَّا نوى رفع الْحَدث الْأَصْغَر وَإِن قُلْنَا ينْدَرج خُرُوجًا من خلاف من أوجبه فَإِن ترك الْوضُوء أَو الْمَضْمَضَة أَو الِاسْتِنْشَاق كره لَهُ وَيسن لَهُ أَن يتدارك ذَلِك (و) الثَّالِثَة (إمرار الْيَد) فِي كل مرّة من الثَّلَاث (على) مَا أمكنه من (الْجَسَد) فيدلك مَا وصلت إِلَيْهِ يَده من بدنه احْتِيَاطًا وخروجا من خلاف من أوجبه وَإِنَّمَا لم يجب عندنَا لِأَن الْآيَة وَالْأَحَادِيث لَيْسَ فيهمَا تعرض لوُجُوبه ويتعهد معاطفه كَأَن يَأْخُذ المَاء بكفه فَيَجْعَلهُ على الْمَوَاضِع الَّتِي فِيهَا انعطاف والتواء كالإبط والأذنين وطبقات الْبَطن وداخل السُّرَّة لِأَنَّهُ أقرب إِلَى الثِّقَة بوصول المَاء ويتأكد فِي الْأذن فَيَأْخُذ كفا من مَاء وَيَضَع الْأذن عَلَيْهِ بِرِفْق ليصل المَاء إِلَى معاطفه وزواياه (و) الرَّابِعَة (الْمُوَالَاة) وَهِي غسل الْعُضْو قبل جفاف مَا قبله كَمَا مر فِي الْوضُوء (و) الْخَامِسَة (تَقْدِيم) غسل جِهَة (الْيُمْنَى) من جسده ظهرا وبطنا (على) غسل جِهَة (الْيُسْرَى) بِأَن يفِيض المَاء على شقَّه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يحب التَّيَامُن فِي طهوره مُتَّفق عَلَيْهِ

стр. 68

وَقدمنَا أَن سنَن الْغسْل كَثِيرَة فَمِنْهَا التَّثْلِيث تأسيا بِهِ ﷺ كَمَا فِي الْوضُوء وَكَيْفِيَّة ذَلِك أَن يتعهد مَا ذكر ثمَّ يغسل رَأسه ويدلكه ثَلَاثًا ثمَّ بَاقِي جسده كَذَلِك بِأَن يغسل ويدلك شقة الْأَيْمن الْمُقدم ثمَّ الْمُؤخر ثمَّ الْأَيْسَر كَذَلِك مرّة ثمَّ ثَانِيَة ثمَّ ثَالِثَة كَذَلِك للْأَخْبَار الصَّحِيحَة الدَّالَّة على ذَلِك وَلَو انغمس فِي مَاء فَإِن كَانَ جَارِيا كفى فِي التَّثْلِيث أَن يمر عَلَيْهِ ثَلَاث جريات لَكِن قد يفوتهُ الدَّلْك لِأَنَّهُ لَا يتَمَكَّن مِنْهُ غَالِبا تَحت المَاء إِذْ رُبمَا يضيق نَفسه وَإِن كَانَ راكدا انغمس فِيهِ ثَلَاثًا بِأَن يرفع رَأسه مِنْهُ أَو ينْقل قَدَمَيْهِ أَو ينْتَقل فِيهِ من مقَامه إِلَى آخر ثَلَاثًا لَا يحْتَاج إِلَى انْفِصَال جملَته وَلَا رَأسه كَمَا فِي التسبيع من نَجَاسَة الْكَلْب فَإِن حركته تَحت المَاء كجري المَاء عَلَيْهِ وَلَا يسن تَجْدِيد الْغسْل لِأَنَّهُ لم ينْقل وَلما فِيهِ من الْمَشَقَّة بِخِلَاف الْوضُوء فَيسنّ تجديده إِذا صلى بِالْأولِ صَلَاة مَا كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي بَاب النّذر من زَوَائِد الرَّوْضَة لما روى أَبُو دَاوُد وَغَيره أَنه ﷺ قَالَ من تَوَضَّأ على طهر كتب الله لَهُ عشر حَسَنَات وَلِأَنَّهُ كَانَ فِي أول الْإِسْلَام يجب الْوضُوء لكل صَلَاة فنسخ الْوُجُوب وَبَقِي أصل الطّلب وَيسن أَن تتبع الْمَرْأَة غير الْمُحرمَة والمحدة لحيض أَو نِفَاس أثر الدَّم مسكا فتجعله فِي قطنة وَتدْخلهَا الْفرج بعد غسلهَا وَهُوَ المُرَاد بالأثر وَيكرهُ تَركه بِلَا عذر كَمَا فِي التَّنْقِيح والمسك فَارسي مُعرب الطّيب الْمَعْرُوف فَإِن لم تَجِد الْمسك أَو لم تمسح بِهِ فنحوه مِمَّا فِيهِ حرارة كالقسط والأظفار فَإِن لم تَجِد طيبا فطينا فَإِن لم تَجدهُ كفى المَاء أما الْمُحرمَة فَيحرم عَلَيْهَا الطّيب بأنواعه والمحدة تسْتَعْمل قَلِيل قسط أَو أظفار وَيسن أَن لَا ينقص مَاء الْوضُوء فِي معتدل الْجَسَد عَن مد تَقْرِيبًا وَهُوَ رَطْل وَثلث بغدادي وَالْغسْل عَن صَاع تَقْرِيبًا وَهُوَ أَرْبَعَة أَمْدَاد لحَدِيث مُسلم عَن سفينة أَنه ﷺ كَانَ يغسلهُ الصَّاع ويوضئه الْمَدّ وَيكرهُ أَن يغْتَسل فِي المَاء الراكد وَإِن كثر أَو بِئْر مُعينَة كَمَا فِي الْمَجْمُوع وَيَنْبَغِي أَن يكون ذَلِك فِي غير المستبحر فَائِدَة قَالَ فِي الْإِحْيَاء لَا يَنْبَغِي أَن يحلق أَو يقلم أَو يستحد أَو يخرج دَمًا أَو يبين من نَفسه جُزْءا وَهُوَ جنب إِذْ ترد إِلَيْهِ سَائِر أَجْزَائِهِ فِي الْآخِرَة فَيَعُود جنبا وَيُقَال إِن كل شَعْرَة تطالب بجنابتها وَيجوز أَن ينْكَشف للْغسْل فِي خلْوَة أَو بِحَضْرَة من يجوز لَهُ نظره إِلَى عَوْرَته والستر أفضل القَوْل فِي حكم من اجْتمع عَلَيْهِ أغسال وَمن اغْتسل لجنابة وَنَحْوهَا كحيض وجمعة وَنَحْوهَا كعيد حصل غسلهمَا كَمَا لَو نوى الْفَرْض وتحية الْمَسْجِد أَو نوى أَحدهمَا حصل فَقَط اعْتِبَارا بِمَا نَوَاه وَإِنَّمَا لم ينْدَرج النَّفْل فِي الْفَرْض لِأَنَّهُ مَقْصُود فَأشبه سنة الظّهْر مَعَ فَرْضه فَإِن قيل لَو نوى بِصَلَاتِهِ الْفَرْض دون التَّحِيَّة حصلت التَّحِيَّة وَإِن لم ينوها أُجِيب بِأَن الْقَصْد ثمَّ إشغال الْبقْعَة بِصَلَاة وَقد حصل وَلَيْسَ الْقَصْد هُنَا النَّظَافَة فَقَط بِدَلِيل أَنه يتَيَمَّم عِنْد عَجزه عَن المَاء وَمن وَجب عَلَيْهِ فرضان كغسلي جَنَابَة وحيض كَفاهُ الْغسْل لأَحَدهمَا وَكَذَا لَو سنّ فِي حَقه سنتَانِ كغسلي عيد وجمعة وَلَا يضر التَّشْرِيك بِخِلَاف نَحْو الظّهْر مَعَ سنته لِأَن مبْنى الطهارات على التَّدَاخُل بِخِلَاف الصَّلَاة وَلَو أحدث ثمَّ أجنب أَو أجنب ثمَّ أحدث أَو أجنب وأحدث وأحدث مَعًا كفى الْغسْل لاندراج الْوضُوء فِي الْغسْل تَتِمَّة يُبَاح للرِّجَال دُخُول الْحمام وَيجب عَلَيْهِم غض الْبَصَر عَمَّا لَا يحل لَهُم وصون عَوْرَاتهمْ عَن الْكَشْف بِحَضْرَة من لَا يحل لَهُم النّظر إِلَيْهَا وَقد رُوِيَ أَن الرجل إِذا دخل الْحمام عَارِيا لَعنه ملكاه رَوَاهُ الْقُرْطُبِيّ فِي تَفْسِيره عِنْد قَوْله تَعَالَى ﴿كراما كاتبين يعلمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ وروى الْحَاكِم عَن جَابر أَن النَّبِي ﷺ قَالَ حرَام على الرِّجَال دُخُول الْحمام إِلَّا بمئزر أما النِّسَاء فَيكْرَه لَهُنَّ بِلَا عذر لخَبر مَا من امْرَأَة تخلع ثِيَابهَا فِي غير بَيتهَا إِلَّا هتكت مَا بَينهَا وَبَين الله رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَلِأَن أمرهن مَبْنِيّ على الْمُبَالغَة فِي السّتْر وَلما فِي خروجهن واجتماعهن من الْفِتْنَة وَالشَّر وَيَنْبَغِي أَن يكون الخناثى كالنساء وَيجب أَن لَا يزِيد

стр. 69

فِي المَاء على قدر الْحَاجة وَلَا الْعَادة (وآدابه) أَن يقْصد التَّطْهِير والتنظيف لَا الترفه والتنعم وَأَن يسلم الْأُجْرَة قبل دُخُوله وَأَن يُسَمِّي للدخول ثمَّ يتَعَوَّذ كَمَا فِي دُخُول الْخَلَاء وَأَن يذكر بحرارته حرارة نَار جَهَنَّم لشبهه بهَا قَالَ فِي الْمَجْمُوع وَلَا بَأْس بقوله لغيره عافاك الله وَلَا بالمصافحة وَيَنْبَغِي لمن يخالط النَّاس التَّنْظِيف والسواك وَإِزَالَة الشّعْر وَإِزَالَة ريح كريهة وَحسن الْأَدَب مَعَهم وَالله أعلم فصل فِي الأغسال المسنونة (والاغتسالات المسنونة) كَثِيرَة الْمَذْكُور مِنْهَا هُنَا (سَبْعَة عشر غسلا) بِتَقْدِيم السِّين على الْمُوَحدَة وسأذكر زِيَادَة على ذَلِك الأول من السَّبْعَة عشر (غسل الْجُمُعَة) لمن يُرِيد حُضُورهَا وَإِن لم تجب عَلَيْهِ الْجُمُعَة لحَدِيث إِذا جَاءَ أحدكُم الْجُمُعَة فليغتسل وَلخَبَر الْبَيْهَقِيّ بِسَنَد صَحِيح من أَتَى الْجُمُعَة من الرِّجَال وَالنِّسَاء فليغتسل وَمن لم يأتها فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْء وَرُوِيَ غسل الْجُمُعَة وَاجِب على كل محتلم أَي متأكد وَصرف هَذَا عَن الْوُجُوب خبر من تَوَضَّأ يَوْم الْجُمُعَة فبها ونعمت وَمن اغْتسل فالغسل أفضل رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَوَقته من الْفجْر الصَّادِق لِأَن الْأَخْبَار علقته بِالْيَوْمِ كَقَوْلِه ﷺ من اغْتسل يَوْم الْجُمُعَة ثمَّ رَاح فِي السَّاعَة الأولى الحَدِيث وتقريبه من ذَهَابه إِلَى الْجُمُعَة أفضل لِأَنَّهُ أبلغ فِي الْمَقْصُود من انْتِفَاء الرَّائِحَة الكريهة لولو تعَارض الْغسْل والتبكير فمراعاة الْغسْل أولى لِأَنَّهُ مُخْتَلف فِي وُجُوبه وَلَا يبطل غسل الْجُمُعَة بِالْحَدَثِ وَلَا بالجنابة فيغتسل وَيكرهُ تَركه بِلَا عذر على الْأَصَح (و) الثَّانِي وَالثَّالِث (غسل الْيَدَيْنِ) الْفطر والأضحى لكل أحد وَإِن لم يحضر الصَّلَاة لِأَنَّهُ يَوْم زِينَة فالغسل لَهُ بِخِلَاف الْجُمُعَة وَيدخل وَقت غسلهمَا بِنصْف اللَّيْل وَإِن كَانَ الْمُسْتَحبّ فعله بعد الْفجْر لِأَن أهل السوَاد يبكرون إِلَيْهِمَا من قراهم فَلَو لم يكف الْغسْل لَهما قبل الْفجْر لشق عَلَيْهِم فعلق بِالنِّصْفِ الثَّانِي لقُرْبه من الْيَوْم كَمَا قيل فِي أَذَان الْفجْر (و) الرَّابِع غسل صَلَاة (الاسْتِسْقَاء) عِنْد الْخُرُوج لَهَا (و) الْخَامِس غسل صَلَاة (الخسوف) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة للقمر (و) السَّادِس غسل صَلَاة (الْكُسُوف) بِالْكَاف للشمس وَتَخْصِيص الخسوف بالقمر والكسوف بالشمس هُوَ الْأَفْصَح كَمَا فِي الصِّحَاح وَحكي عَكسه وَقيل الْكُسُوف بِالْكَاف أَوله فيهمَا والخسوف آخِره وَقيل غير ذَلِك (و) السَّابِع (الْغسْل من غسل الْمَيِّت) سَوَاء أَكَانَ الْمَيِّت مُسلما أم لَا وَسَوَاء أَكَانَ الْغَاسِل طَاهِرا أم لَا كحائض لقَوْله ﷺ من غسل مَيتا فليغتسل وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَحسنه وَإِنَّمَا لم يجب قَوْله ﷺ لَيْسَ عَلَيْكُم فِي غسل ميتكم غسل إِذا غسلتموه رَوَاهُ الْحَاكِم وَيسن الْوضُوء من مَسّه (و) الثَّامِن (غسل الْكَافِر) وَلَو مُرْتَدا (إِذا أسلم) تَعْظِيمًا لِلْإِسْلَامِ وَقد أَمر ﷺ قيس بن عَاصِم بِهِ لما أسلم وَإِنَّمَا لم يجب لِأَن جمَاعَة أَسْلمُوا وَلم يَأْمُرهُم ﷺ بِالْغسْلِ هَذَا إِن لم يعرض لَهُ فِي كفره مَا يُوجب الْغسْل وَإِلَّا وَجب على الْأَصَح وَلَا عِبْرَة بِالْغسْلِ فِي الْكفْر على الْأَصَح تنيبه قد علم من كَلَامه أَن وَقت الْغسْل بعد إِسْلَامه لتصح النِّيَّة وَلِأَنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى تَأْخِير الْإِسْلَام بعده بل الْمُصَرّح بِهِ فِي

стр. 70

كَلَامهم تَكْفِير من قَالَ لكَافِر جَاءَهُ ليسلم اذْهَبْ فاغتسل ثمَّ أسلم لرضاه بِبَقَائِهِ على الْكفْر تِلْكَ اللحظة (و) التَّاسِع غسل (الْمَجْنُون) وَإِن تقطع جُنُونه (و) الْعَاشِر غسل (الْمغمى عَلَيْهِ) وَلَو لَحْظَة (إِذا أفاقا) وَلم يتَحَقَّق مِنْهُمَا إِنْزَال لِلِاتِّبَاعِ فِي الْإِغْمَاء رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَفِي مَعْنَاهُ الْجُنُون بل أولى لِأَنَّهُ يُقَال كَمَا قَالَ الشَّافِعِي ﵁ قل من جن إِلَّا وَأنزل (و) الْحَادِي عشر (الْغسْل عِنْد الْإِحْرَام) بِحَجّ أَو عمْرَة أَو بهما وَلَو حَال حيض الْمَرْأَة ونفاسها (و) الثَّانِي عشر الْغسْل (لدُخُول مَكَّة) المشرفة وَلَو كَانَ حَلَالا على الْمَنْصُوص فِي الْأُم قَالَ السُّبْكِيّ وَحِينَئِذٍ لَا يكون هَذَا من أغسال الْحَج إِلَّا من جِهَة أَنه يَقع فِيهِ وَيسْتَثْنى من إِطْلَاق المُصَنّف مَا لَو أحرم الْمَكِّيّ بِعُمْرَة من مَحل قريب كالتنعيم واغتسل لم ينْدب لَهُ الْغسْل لدُخُول مَكَّة (و) الثَّالِث عشر الْغسْل (للوقوف بِعَرَفَة) وَالْأَفْضَل كَونه بنمرة وَيحصل أصل السّنة فِي غَيرهَا وَقبل الزَّوَال بعد الْفجْر لَكِن تقريبه للزوال أفضل كتقريبه من ذَهَابه فِي غسل الْجُمُعَة (و) الرَّابِع عشر الْغسْل (للْمَيت بِمُزْدَلِفَة) على طَريقَة ضَعِيفَة لبَعض الْعِرَاقِيّين وَالْمذهب فِي الرَّوْضَة وَحَكَاهُ فِي الزَّوَائِد عَن الْجُمْهُور وَنَصّ الْأُم اسْتِحْبَابه للوقوف بِمُزْدَلِفَة بعد صبح يَوْم النَّحْر وَهُوَ الْوُقُوف بالمشعر الْحَرَام (و) الْخَامِس عشر الْغسْل (لرمي الْجمار الثَّلَاث) فِي كل يَوْم من أَيَّام التَّشْرِيق فَلَا غسل لرمي جَمْرَة الْعقبَة يَوْم النَّحْر قَالَ فِي الرَّوْضَة اكْتِفَاء بِغسْل الْعِيد وَلِأَن وقته متسع بِخِلَاف رمي أَيَّام التَّشْرِيق (و) السَّادِس عشر وَالسَّابِع عشر (الْغسْل للطَّواف) أَي لكل من طواف الْإِفَاضَة والوداع وَهَذَا مَا جرى عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي منسكه الْكَبِير وَقَالَ فِيهِ أَيْضا إِن الِاغْتِسَال للحلق مسنون لكنه فِي الرَّوْضَة تبعا لكثير قَالَ وَزَاد فِي الْقَدِيم ثَلَاثَة أغسال لطواف الْإِفَاضَة والوداع وللحلق قَالَ فِي الْمُهِمَّات وَحَاصِله أَن الْجَدِيد عدم الِاسْتِحْبَاب لهَذِهِ الْأُمُور الثَّلَاثَة وَهُوَ مُقْتَضى كَلَام الْمِنْهَاج انْتهى وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد وَقد قدمنَا أَن الأغسال المسنونة لَا تَنْحَصِر فِيمَا قَالَه المُصَنّف بل مِنْهَا الْغسْل من الْحجامَة وَمن الْخُرُوج فِي الْحمام عِنْد إِرَادَة الْخُرُوج وللاعتكاف وَلكُل لَيْلَة من رَمَضَان وَقَيده الْأَذْرَعِيّ بِمن يحضر الْجَمَاعَة وَهُوَ ظَاهر ولدخول الْحرم ولحلق الْعَانَة ولبلوغ الصَّبِي بِالسِّنِّ ولدخول الْمَدِينَة المشرفة وَهِي مَوْجُودَة فِي بعض النّسخ فَيكون هُوَ السَّابِع عشر وَعند سيلان الْوَادي ولتغيير رَائِحَة الْبدن وَعند كل اجْتِمَاع من مجامع الْخَيْر أما الْغسْل للصلوات الْخمس فَلَا يسن لَهَا لما فِي ذَلِك من الْمَشَقَّة وآكد هَذِه الاغتسالات غسل الْجُمُعَة ثمَّ غسل غاسل الْمَيِّت تَنْبِيه قَالَ الزَّرْكَشِيّ قَالَ بَعضهم إِذا أَرَادَ الْغسْل للمسنونات نوى أَسبَابهَا إِلَّا الْغسْل من الْجُنُون فَإِنَّهُ يَنْوِي الْجَنَابَة وَكَذَا الْمغمى عَلَيْهِ ذكره صَاحب الْفُرُوع انْتهى وَمحل هَذَا إِذا جن أَو أُغمي عَلَيْهِ بعد بُلُوغه لقَوْل الشَّافِعِي قل من جن إِلَّا وَأنزل أما إِذا جن أَو أُغمي عَلَيْهِ قبل بُلُوغه ثمَّ أَفَاق قبله فَإِنَّهُ يَنْوِي السَّبَب كَغَيْرِهِ

стр. 71

فصل فِي الْمسْح على الْخُفَّيْنِ وأخباره كَثِيرَة كَخَبَر ابْني خُزَيْمَة وحبان فِي صَحِيحهمَا عَن أبي بكرَة أَن النَّبِي ﷺ أرخص للْمُسَافِر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن وللمقيم يَوْمًا وَلَيْلَة إِذا تطهر فَلبس خفيه أَن يمسح عَلَيْهِمَا وروى ابْن الْمُنْذر عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ حَدثنِي سَبْعُونَ من الصَّحَابَة أَن النَّبِي ﷺ مسح على الْخُفَّيْنِ وَقَالَ بعض الْمُفَسّرين إِن قِرَاءَة الْجَرّ فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وأرجلكم﴾ للمسح على الْخُفَّيْنِ القَوْل فِي حكم الْمسْح (وَالْمسح على الْخُفَّيْنِ جَائِز) فِي الْوضُوء بَدَلا عَن غسل الرجلَيْن فَالْوَاجِب على لابسه الْغسْل أَو الْمسْح وَالْغسْل أفضل كَمَا قَالَه فِي الرَّوْضَة فِي آخر بَاب صَلَاة الْمُسَافِر نعم إِن ترك الْمسْح رَغْبَة عَن السّنة أَو شكا فِي جَوَازه أَي لم تطمئِن نَفسه إِلَيْهِ لَا أَنه شكّ هَل يجوز لَهُ فعله أَو لَا أَو خَافَ فَوت الْجَمَاعَة أَو عَرَفَة أَو إنقاذ أَسِير أَو نَحْو ذَلِك فالمسح أفضل بل يكره تَركه فِي الأولى وَكَذَا القَوْل فِي سَائِر الرُّخص واللائق فِي الْأَخِيرَتَيْنِ الْوُجُوب وَخرج بِالْوضُوءِ إِزَالَة النَّجَاسَة وَالْغسْل وَلَو مَنْدُوبًا فَلَا مسح فيهمَا وبالمسح على الْخُفَّيْنِ مسح خف رجل مَعَ غسل الْأُخْرَى فَلَا يجوز وللأقطع لبس خف فِي السالمة إِلَّا إِن بَقِي بعض المقطوعة فَلَا يَكْفِي ذَلِك حَتَّى يلبس ذَلِك الْبَعْض خفا وَلَو كَانَت إِحْدَى رجلَيْهِ عليلة لم يجز إلباس الْأُخْرَى الْخُف للمسح عَلَيْهِ إِذا يجب التَّيَمُّم عَن العليلة فَهِيَ كالصحيحة القَوْل فِي شُرُوط الْمسْح وَإِنَّمَا يَصح الْمسْح هُنَا (بِثَلَاثَة شَرَائِط) وَترك رَابِعا كَمَا ستعرفه الأول (أَن يبتدىء) مُرِيد الْمسْح على الْخُفَّيْنِ (لبسهما بعد كَمَال) أَي تَمام (الطَّهَارَة) من الحدثين للْحَدِيث السَّابِق فَلَو لبسهما قبل غسل رجلَيْهِ وغسلهما فِي الْخُفَّيْنِ لم يجز الْمسْح إِلَّا أَن ينزعهما من مَوضِع الْقدَم ثمَّ يدخلهما فِي الْخُفَّيْنِ وَلَو أَدخل إِحْدَاهمَا بعد غسلهَا ثمَّ غسل الْأُخْرَى وأدخلها لم يجز الْمسْح إِلَّا أَن ينْزع الأولى من مَوضِع الْقدَم ثمَّ يدخلهَا فِي الْخُف وَلَو غسلهمَا فِي سَاق الْخُفَّيْنِ ثمَّ أدخلهما مَوضِع الْقدَم جَازَ الْمسْح وَلَو ابْتَدَأَ اللّبْس بعد غسلهمَا ثمَّ أحدث قبل وصولهما إِلَى مَوضِع الْقدَم لم يجز الْمسْح وَلَو كَانَ عَلَيْهِ الْحدثَان فَغسل أَعْضَاء الْوضُوء عَنْهُمَا وَلبس الْخُف قبل غسل بَاقِي بدنه لم يمسح عَلَيْهِ لِأَنَّهُ لبسه قبل كَمَال الطَّهَارَة فَإِن قيل لَفْظَة كَمَال لَا حَاجَة إِلَيْهَا لِأَن حَقِيقَة الطُّهْر أَن يكون كَامِلا وَلذَلِك اعْترض الرَّافِعِيّ على الْوَجِيز بِأَنَّهُ لَا حَاجَة إِلَى قيد التَّمام لِأَن من لم يغسل رجلَيْهِ أَو إِحْدَاهمَا يَنْتَظِم أَن يُقَال إِنَّه لَيْسَ على طهر وَأجِيب بِأَن ذَلِك ذكر تَأْكِيدًا أَو لاحْتِمَال توهم إِرَادَة الْبَعْض حَقِيقَة السّتْر فِي الْخُفَّيْنِ (و) الثَّانِي من الشُّرُوط (أَن يَكُونَا) أَي الخفان (ساترين لمحل غسل الْفَرْض من الْقَدَمَيْنِ) فِي الْوضُوء وَهُوَ الْقدَم بكعبيه من سَائِر الجوانب لَا من الْأَعْلَى فَلَو رئي الْقدَم من أَعْلَاهُ كَأَن كَانَ وَاسع الرَّأْس لم يضر عكس سَاتِر الْعَوْرَة فَإِنَّهُ من الْأَعْلَى والجوانب لَا من الْأَسْفَل لِأَن الْقَمِيص مثلا فِي ستر الْعَوْرَة يتَّخذ لستر أَعلَى الْبدن والخف يتَّخذ لستر أَسْفَل الرجل فَإِن قصر عَن مَحل الْفَرْض أَو كَانَ بِهِ تخرق فِي مَحل الْفَرْض ضرّ وَلَو تخرقت البطانة أَو الطَّهَارَة وَالْبَاقِي صفيق لم يضر وَإِلَّا ضرّ وَلَو تخرقتا من موضِعين غير متحاذيين لم يضر وَالْمرَاد بالستر هُنَا الْحَيْلُولَة لَا مَا يمْنَع الرُّؤْيَة فَيَكْفِي الشفاف عكس سَاتِر الْعَوْرَة لِأَن الْقَصْد هُنَا منع نُفُوذ المَاء وَثمّ منع الرُّؤْيَة وَقَالَ فِي الْمَجْمُوع إِن الْمُعْتَبر فِي الْخُف عشر غسل الرجل بِسَبَب السَّاتِر وَقد حصل وَالْمَقْصُود بستر الْعَوْرَة سترهَا بجرم عَن الْعُيُون وَلم يحصل وَلَا يجزىء منسوج لَا يمْنَع نُفُوذ المَاء إِلَى الرجل من غير مَحل الخرز لَو صب عَلَيْهِ لعدم صفاقته لِأَن الْغَالِب من الْخفاف أَنَّهَا تمنع النّفُوذ فتنصرف إِلَيْهَا النُّصُوص الدَّالَّة على الترخيص فَيبقى الْغسْل وَاجِبا فِيمَا عَداهَا

стр. 72

(و) الثَّالِث من الشُّرُوط (أَن يَكُونَا) مَعًا (مِمَّا يُمكن تتَابع الْمَشْي عَلَيْهِمَا) لتردد مُسَافر لِحَاجَتِهِ عِنْد الْحَط والترحال وَغَيرهمَا مِمَّا جرت بِهِ الْعَادة وَلَو كَانَ لابسه مقْعدا وَاخْتلف فِي قدر الْمدَّة المتردد فِيهَا فضبطه الْمحَامِلِي بِثَلَاث لَيَال فَصَاعِدا وَقَالَ فِي الْمُهِمَّات الْمُعْتَمد مَا ضَبطه الشَّيْخ أَبُو حَامِد بمسافة الْقصر تَقْرِيبًا انْتهى وَالْأَقْرَب إِلَى كَلَام الْأَكْثَرين كَمَا قَالَه ابْن الْعِمَاد أَن الْمُعْتَبر التَّرَدُّد فِيهِ لحوائج سفر يَوْم وَلَيْلَة للمقيم وَنَحْوه وسفر ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن للْمُسَافِر سفر قصر لِأَنَّهُ بعد انْقِضَاء الْمدَّة يحب نَزعه فقوته تعْتَبر بِأَن يُمكن التَّرَدُّد فِيهِ لذَلِك وَسَوَاء فِي ذَلِك الْمُتَّخذ من جلد أَو غَيره كلبد وخرق مطبقة بِخِلَاف مَا لَا يُمكن الْمَشْي فِيهِ لما ذكر لثقله كالحديد أَو لتحديد رَأسه الْمَانِع لَهُ من الثُّبُوت أَو ضعفه كجورب الصُّوفِيَّة والمتخذ من جلد ضَعِيف أَو لغلظه كالخشبة الْعَظِيمَة أَو لفرط سعته أَو ضيقه أَو نَحْو ذَلِك فَلَا يَكْفِي الْمسْح عَلَيْهِ إِذْ لَا حَاجَة لمثل ذَلِك وَلَا فَائِدَة فِي إدامته قَالَ فِي الْمَجْمُوع إِلَّا أَن يكون الضّيق يَتَّسِع بِالْمَشْيِ فِيهِ وَقَالَ فِي الْكَافِي عَن قرب كفى الْمسْح عَلَيْهِ بِلَا خلاف وَالشّرط الرَّابِع الَّذِي أسْقطه المُصَنّف أَن يَكُونَا طاهرين فَلَا يَكْفِي الْمسْح على خف اتخذ من جلد ميتَة قبل الدّباغ لعدم إِمْكَان الصَّلَاة فِيهِ وَفَائِدَة الْمسْح وَإِن لم تَنْحَصِر فِيهَا فالقصد الْأَصْلِيّ مِنْهُ الصَّلَاة وَغَيرهَا تبع لَهَا وَلِأَن الْخُف بدل عَن الرجل وَهُوَ نجس الْعين وَهِي لَا تطهر عَن الْحَدث مَا لم تزل نجاستها فَكيف يمسح عَن الْبَدَل وَهُوَ نجس الْعين والمتنجس كالنجس كَمَا فِي الْمَجْمُوع لِأَن الصَّلَاة هِيَ الْمَقْصُود الْأَصْلِيّ من الْمسْح وَمَا عَداهَا من مس الْمُصحف وَغَيره كالتابع لَهَا كَمَا مر نعم لَو كَانَ على الْخُف نَجَاسَة مَعْفُو عَنْهَا وَمسح من أَعْلَاهُ مَا لَا نَجَاسَة عَلَيْهِ صَحَّ مَسحه فَإِن مسح على النَّجَاسَة زَاد التلويث وَلَزِمَه حِينَئِذٍ غسله وَغسل يَده ذكره فِي الْمَجْمُوع فرع لَو خرز خفه بِشعر نجس والخف أَو الشّعْر رطب طهر بِالْغسْلِ ظَاهره دون مَحل الخرز ويعفى عَنهُ فَلَا ينجس الرجل المبتلة وَيُصلي فِيهِ الْفَرَائِض والنوافل لعُمُوم الْبلوى بِهِ كَمَا فِي الرَّوْضَة فِي الْأَطْعِمَة خلافًا لما فِي التَّحْقِيق من أَنه لَا يُصَلِّي فِيهِ القَوْل فِي مُدَّة الْمسْح (وَيمْسَح الْمُقِيم) وَلَو عَاصِيا بإقامته وَالْمُسَافر سفرا قَصِيرا أَو طَويلا وَهُوَ عَاص بِسَفَرِهِ وَكَذَا كل سفر يمْتَنع فِيهِ الْقصر (يَوْمًا وَلَيْلَة) كَامِلين فيستبيح بِالْمَسْحِ مَا يستبيحه بِالْوضُوءِ فِي هَذِه الْمدَّة (و) يمسح (الْمُسَافِر) سفر قصر (ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن) فيستبيح بِالْمَسْحِ مَا يستبيحه بِالْوضُوءِ فِي هَذِه الْمدَّة وَدَلِيل ذَلِك الْخَبَر السَّابِق أول الْفَصْل وَخبر مُسلم عَن شُرَيْح بن هانىء سَأَلت عَليّ بن أبي طَالب عَن الْمسْح على الْخُفَّيْنِ فَقَالَ جعل رَسُول الله ﷺ ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن للْمُسَافِر وَيَوْما وَلَيْلَة للمقيم وَالْمرَاد بلياليهن ثَلَاثَة لَيَال مُتَّصِلَة بهَا سَوَاء أسبق الْيَوْم الأول لَيْلَة أم لَا فَلَو أحدث فِي أثْنَاء اللَّيْل أَو الْيَوْم اعْتبر قدر الْمَاضِي مِنْهُ من اللَّيْلَة الرَّابِعَة أَو الْيَوْم الرَّابِع وعَلى قِيَاس ذَلِك يُقَال فِي مُدَّة الْمُقِيم وَمَا ألحق بِهِ القَوْل فِي مَا يستبيحه دَائِم الْحَدث بِالْمَسْحِ تَنْبِيه شَمل إِطْلَاقه دَائِم الْحَدث كالمستحاضة فَيجوز لَهُ الْمسْح على الْخُف على الصَّحِيح لِأَنَّهُ يحْتَاج إِلَى لبسه

стр. 73

والارتفاق بِهِ كَغَيْرِهِ وَلِأَنَّهُ يَسْتَفِيد الصَّلَاة بِطَهَارَتِهِ فيستفيد الْمسْح أَيْضا لَكِن لَو أحدث بعد لبسه غير حَدثهُ الدَّائِم قبل أَن يُصَلِّي بِوضُوء اللّبْس فرضا مسح لفريضة فَقَط ولنوافل وَإِن أحدث وَقد صلى بِوضُوء اللّبْس فرضا لم يمسح إِلَّا لنفل فَقَط لِأَن مَسحه مُرَتّب على طهره وَهُوَ لَا يُفِيد أَكثر من ذَلِك فَإِن أَرَادَ فَرِيضَة أُخْرَى وَجب نزع الْخُف وَالطُّهْر الْكَامِل لِأَنَّهُ مُحدث بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا زَاد على فَرِيضَة ونوافل فَكَأَنَّهُ لبس على حدث حَقِيقَة فَإِن طهره لَا يرفع الْحَدث على الْمَذْهَب أما حَدثهُ الدَّائِم فَلَا يحْتَاج مَعَه إِلَى اسْتِئْنَاف طهر نعم إِن آخر الدُّخُول فِي الصَّلَاة بعد الطُّهْر لغير مصلحتها وحدثه يجْرِي بَطل طهره القَوْل فِي ابْتِدَاء مُدَّة الْمسْح (وَابْتِدَاء الْمدَّة) للمسح فِي حق الْمُقِيم وَالْمُسَافر (من حِين) انْقِضَاء الزَّمن الَّذِي (يحدث) فِيهِ (بعد لبس الْخُفَّيْنِ) لِأَن وَقت جَوَاز الْمسْح يدْخل بذلك فاعتبرت مدَّته مِنْهُ فَإِذا أحدث وَلم يمسح حَتَّى انْقَضتْ الْمدَّة لم يجز الْمسْح حَتَّى يسْتَأْنف لبسا على طَهَارَة أَو لم يحدث لم تحسب الْمدَّة وَلَو بَقِي شهرا مثلا لِأَنَّهَا عبَادَة مُؤَقَّتَة فَكَانَ ابْتِدَاء وَقتهَا من حِين جَوَاز فعلهَا كَالصَّلَاةِ وَعلم مِمَّا تقرر أَن الْمدَّة لَا تحسب من ابْتِدَاء الْحَدث لِأَنَّهُ رُبمَا يسْتَغْرق غَالب الْمدَّة وَشَمل إِطْلَاقهم الْحَدث الْحَدث بِالنَّوْمِ واللمس والمس وَهُوَ كَذَلِك (فَإِن مسح) بعد الْحَدث الْمُقِيم (فِي الْحَضَر) على خفيه (ثمَّ سَافر) سفر قصر (أَو مسح) الْمُسَافِر على خفيه (فِي السّفر ثمَّ أَقَامَ) قبل اسْتِيفَاء مُدَّة الْمُقِيم (أتم) كل مِنْهُمَا (مسح مُقيم) تَغْلِيبًا للحضر لأصالته فَيقْتَصر فِي الأول على مُدَّة حضر وَكَذَا فِي الثَّانِي إِن أَقَامَ قبل مدَّته كَمَا مر وَإِلَّا وَجب النزع ويجزيه مَا زَاد على مُدَّة الْمُقِيم وَلَو مسح إِحْدَى رجلَيْهِ حضرا ثمَّ سَافر وَمسح الْأُخْرَى سفرا أتم مسح مُقيم كَمَا صَححهُ النَّوَوِيّ تَغْلِيبًا للحضر خلافًا للرافعي وَمثل ذَلِك مَا لَو مسح إِحْدَى رجلَيْهِ وَهُوَ عَاص ثمَّ الْأُخْرَى بعد تَوْبَته فِيمَا يظْهر تَنْبِيه قد علم من اعْتِبَار الْمسْح أَنه لَا عِبْرَة بِالْحَدَثِ حضرا وَإِن تلبس بالمدة وَلَا بِمُضِيِّ وَقت الصَّلَاة حضرا وعصيانه إِنَّمَا هُوَ بِالتَّأْخِيرِ لَا بِالسَّفرِ الَّذِي بِهِ الرُّخْصَة وَلَا يشْتَرط فِي الْخُف أَن يكون حَلَالا لِأَن الْخُف تستوفى بِهِ الرُّخْصَة لَا أَنه المجوز للرخصة بِخِلَاف منع الْقصر فِي سفر الْمعْصِيَة إِذْ المجوز لَهُ السّفر فَيَكْفِي الْمسْح على الْمَغْصُوب والديباج الصفيق والمتخذ من فضَّة وَذهب للرجل كالتيمم بِتُرَاب مَغْصُوب وَاسْتثنى فِي الْعباب مَا لَو كَانَ اللابس للخف محرما بنسك وَوَجهه ظَاهر وَالْفرق

стр. 74

بَينه وَبَين الْمَغْصُوب أَن الْمحرم مَنْهِيّ عَن اللّبْس من حَيْثُ هُوَ لبس فَصَارَ كالخف الَّذِي لَا يُمكن تتَابع الْمَشْي فِيهِ وَالنَّهْي عَن لبس الْمَغْصُوب من حَيْثُ إِنَّه مُتَعَدٍّ فِي اسْتِعْمَال مَال الْغَيْر وَاسْتثنى غَيره جلد الْآدَمِيّ إِذا اتخذ مِنْهُ خفا وَالظَّاهِر أَنه كالمغصوب حكم الْمسْح على الجرموق وَلَا يجزىء الْمسْح على جرموق وَهُوَ خف فَوق خف إِن كَانَ فَوق قوي ضَعِيفا كَانَ أوقويا لوُرُود الرُّخْصَة فِي الْخُف لعُمُوم الْحَاجة إِلَيْهِ والجرموق لَا تعم الْحَاجة إِلَيْهِ وَإِن دعت إِلَيْهِ حَاجَة أمكنه أَن يدْخل يَده بَينهمَا وَيمْسَح الْأَسْفَل فَإِن كَانَ فَوق ضَعِيف كفى إِن كَانَ قَوِيا لِأَنَّهُ الْخُف والأسفل كاللفافة وَإِلَّا فَلَا كالأسفل إِلَّا أَن يصل إِلَى الْأَسْفَل الْقوي مَاء فَيَكْفِي إِن كَانَ بِقصد مسح الْأَسْفَل فَقَط أَو بِقصد مسحهما مَعًا أَو لَا بِقصد مسح شَيْء مِنْهُمَا لِأَنَّهُ قصد إِسْقَاط الْفَرْض بِالْمَسْحِ وَقد وصل المَاء إِلَيْهِ لَا بِقصد مسح الجرموق فَقَط فَلَا يَكْفِي لقصده مَا لَا يَكْفِي الْمسْح عَلَيْهِ فَقَط وَيتَصَوَّر وُصُول المَاء إِلَى الْأَسْفَل فِي القويين بصبه فِي مَحل الخرز فرع لَو لبس الْخُف على جبيرَة لم يجز الْمسْح عَلَيْهِ على الْأَصَح فِي الرَّوْضَة لِأَنَّهُ ملبوس فَوق مَمْسُوح كالمسح على الْعِمَامَة كَيْفيَّة الْمسْح ومجزىء الْمسْح وَسن مسح أَعْلَاهُ وأسفله وعقبه وحرفه خُطُوطًا بِأَن يضع يَده الْيُسْرَى تَحت الْعقب واليمنى على ظهر الْأَصَابِع ثمَّ يمر الْيُمْنَى إِلَى آخر سَاقه واليسرى إِلَى أَطْرَاف الْأَصَابِع من تَحت مفرجا بَين أَصَابِع يَدَيْهِ فاستيعابه بِالْمَسْحِ خلاف الأولى وَعَلِيهِ يحمل قَول الرَّوْضَة لَا ينْدب استيعابه وَيكرهُ تكراره وَغسل الْخُف وَيَكْفِي مُسَمّى مسح كمسح الرَّأْس فِي مَحل الْفَرْض بِظَاهِر أَعلَى الْخُف لَا بأسفله وباطنه وعقبه وحرفه إِذْ لم يرد الِاقْتِصَار على شَيْء مِنْهَا كَمَا ورد الِاقْتِصَار على الْأَعْلَى فَيقْتَصر عَلَيْهِ وقوفا على مَحل الرُّخْصَة وَلَو وضع يَده المبتلة عَلَيْهِ وَلم يمرها أَو قطر عَلَيْهِ أَجزَأَهُ وَلَا مسح لشاك فِي بَقَاء الْمدَّة كَأَن نسي ابتداءها أَو أَنه مسح حضرا أَو سفرا لِأَن الْمسْح رخصَة بِشُرُوط مِنْهَا الْمدَّة فَإِذا شكّ فِيهَا رَجَعَ للْأَصْل وَهُوَ الْغسْل القَوْل فِي مبطلات الْمسْح (وَيبْطل) حكم (الْمسْح) فِي حق لابس الْخُف (بِثَلَاثَة أَشْيَاء) الأول (بخلعهما) أَو أَحدهمَا أَو بِظُهُور بعض الرجل وَشَيْء مِمَّا ستر بِهِ من رجل ولفافة وَغَيرهمَا (و) الثَّانِي (انْقِضَاء الْمدَّة) المحدودة فِي حَقّهمَا فَلَيْسَ لأَحَدهمَا أَن يُصَلِّي بعد انْقِضَاء مدَّته وَهُوَ بطهر الْمسْح فِي الْحَالين (و) الثَّالِث (مَا يُوجب الْغسْل) من جَنَابَة أَو حيض أَو نِفَاس أَو ولادَة فينزع ويتطهر ثمَّ يلبس حَتَّى لَو اغْتسل لابسا لَا يمسح بَقِيَّة الْمدَّة كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَام الرَّافِعِيّ وَذَلِكَ لخَبر صَفْوَان قَالَ كَانَ رَسُول الله ﷺ يَأْمُرنَا إِذا كُنَّا مسافرين أَو سفرا أَلا ننزع خفافنا ثَلَاثَة أَيَّام ولياليهن إِلَّا من جَنَابَة رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره وصححوه وَقيس بالجنابة مَا فِي مَعْنَاهَا وَلِأَن ذَلِك لَا يتَكَرَّر تكْرَار الْحَدث الْأَصْغَر وَفَارق الْجَبِيرَة مَعَ أَن فِي كل مِنْهُمَا مسحا بِأَعْلَى سَاتِر لحَاجَة مَوْضُوعَة على طهر بِأَن الْحَاجة ثمَّ أَشد والنزع أشق وَمن فسد خفه أَو ظهر شَيْء مِمَّا ستر بِهِ من رجل ولفافة وَغَيرهمَا أَو انْقَضتْ الْمدَّة وَهُوَ بطهر الْمسْح فِي الثَّلَاث لزمَه غسل قَدَمَيْهِ فَقَط لبُطْلَان طهرهما دون غَيرهمَا بذلك وَخرج بطهر الْمسْح طهر الْغسْل فَلَا حَاجَة إِلَى غسل قَدَمَيْهِ تَتِمَّة لَو تنجست رجله فِي الْخُف بِدَم أَو بِغَيْر بِنَجَاسَة غير مَعْفُو عَنْهَا وَأمكنهُ غسلهَا فِي الْخُف غسلهَا وَلم يبطل مَسحه وَإِن لم يُمكن وَجب النزع وَغسل النَّجَاسَة وَبَطل مَسحه وَلَو بَقِي من مُدَّة الْمسْح مَا يسع رَكْعَة أَو اعْتقد طريان حدث غَالب فَأحْرم بِرَكْعَتَيْنِ فَأكْثر انْعَقَدت صلَاته لِأَنَّهُ على طَهَارَة فِي الْحَال وَصَحَّ الِاقْتِدَاء بِهِ وَلَو علم الْمُقْتَدِي بِحَالهِ ويفارقه عِنْد عرُوض الْمُبْطل

стр. 75

قَالَ فِي الْإِحْيَاء يسْتَحبّ لمن أَرَادَ أَن يلبس الْخُف أَن ينفضه لِئَلَّا يكون فِيهِ حَيَّة أَو عقرب أَو شَوْكَة أَو نَحْو ذَلِك وَاسْتدلَّ لذَلِك لما رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ عَن أبي أُمَامَة أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من كَانَ يُؤمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر فَلَا يلبس خفيه حَتَّى ينفضهما فصل فِي التَّيَمُّم هُوَ لُغَة الْقَصْد يُقَال تيممت فلَانا ويممته وتأممته وأممته أَي قصدته وَمِنْه قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تيمموا الْخَبيث مِنْهُ تنفقون﴾ وَشرعا إِيصَال التُّرَاب إِلَى الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ بشرائط مَخْصُوصَة وخصت بِهِ هَذِه الْأمة وَالْأَكْثَرُونَ على أَنه فرض سنة سِتّ من الْهِجْرَة وَهُوَ رخصَة وعَلى الْأَصَح وَأَجْمعُوا على أَنه مُخْتَصّ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ وَإِن كَانَ الْحَدث أكبر وَالْأَصْل فِيهِ قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن كُنْتُم مرضى أَو على سفر﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدا طيبا﴾ أَي تُرَابا طهُورا وَخبر مُسلم جعلت لنا الأَرْض كلهَا مَسْجِدا وتربتها طهُورا (وشرائط التَّيَمُّم) جمع شريطة كَمَا قَالَه الْجَوْهَرِي (خَمْسَة أَشْيَاء) كَذَا فِي أَكثر النّسخ والمعدود فِي كَلَامه سِتَّة كَمَا ستعرفه الأول (وجود الْعذر) وَهُوَ الْعَجز عَن اسْتِعْمَال المَاء أَسبَاب الْعَجز عَن اسْتِعْمَال المَاء الْمُبِيح للتيمم وللعجز ثَلَاثَة أَسبَاب أَحدهَا فَقده (ب) سَبَب (سفر) وللمسافر أَرْبَعَة أَحْوَال الْحَالة الأولى أَن يتَيَقَّن عدم المَاء فيتيمم حِينَئِذٍ بِلَا طلب إِذْ لَا فَائِدَة فِيهِ سَوَاء أَكَانَ مُسَافِرًا أم لَا وفقده فِي السّفر جرى على الْغَالِب
следующие страницы →