Полный текст (661 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
على صبي وَمَجْنُون لنفي الْإِيذَاء بقذفهما لعدم تكليفهما لَكِن يعزران إِذا كَانَ لَهما نوع تَمْيِيز
(و) الثَّالِث (أَن لَا يكون والدا) أَي أصلا (للمقذوف) فَلَا يحد أصل بِقَذْف فَرعه وَإِن سفل
وَالرَّابِع كَونه مُخْتَارًا فَلَا حد على مكره بِفَتْح الرَّاء فِي الْقَذْف
وَالْخَامِس كَونه مُلْتَزما للْأَحْكَام فَلَا حد على حَرْبِيّ لعدم الْتِزَامه وَالسَّادِس كَونه مَمْنُوعًا مِنْهُ ليخرج مَا لَو أذن مُحصن لغيره فِي قذفه فَلَا حد كَمَا صرح بِهِ فِي الزَّوَائِد
تَنْبِيه قد علم من الِاقْتِصَار على هَذِه الشُّرُوط فِي الْقَاذِف عدم اشْتِرَاط إِسْلَامه وحريته وَهُوَ كَذَلِك
(وَخَمْسَة) مِنْهَا (فِي الْمَقْذُوف وَهُوَ أَن يكون مُسلما بَالغا عَاقِلا حرا عفيفا) عَن وَطْء يحد بِهِ بِأَن لم يطَأ أصلا أَو وطىء وطئا لَا يجد بِهِ كَوَطْء الشَّرِيك الْأمة الْمُشْتَركَة لِأَن أضداد ذَلِك نقص
وَفِي الْخَبَر من أشرك بِاللَّه فَلَيْسَ بمحصن وَإِنَّمَا جعل الْكَافِر مُحصنا فِي حد الزِّنَا لِأَن حَده إهانة لَهُ وَالْحَد بقذفه إكرام لَهُ واعتبرت الْعِفَّة عَن الزِّنَا لِأَن من زنا لَا يتعير بِهِ
تَنْبِيه يرد على مَا ذكر وَطْء زَوجته فِي دبرهَا فَإِنَّهُ تبطل لَهُ حصانته على الْأَصَح مَعَ أَنه لَا يحد بِهِ وَيتَصَوَّر الْحَد بِقَذْف الْكَافِر بِأَن يقذف مُرْتَدا بزنا يضيفه إِلَى حَال إِسْلَامه
وبقذف الْمَجْنُون بِأَن يقذفه بزنا يضيفه إِلَى حَال إِفَاقَته
وبقذف العَبْد بِأَن يقذفه بزنا يضيفه إِلَى حَال حُرِّيَّته إِذا طَرَأَ عَلَيْهِ الرّقّ
وَصورته فِيمَا إِذا أسلم الْأَسير ثمَّ اخْتَار الإِمَام فِيهِ الرّقّ
القَوْل فِيمَا تبطل بِهِ الْعِفَّة وَتبطل الْعِفَّة الْمُعْتَبرَة فِي الْإِحْصَان بِوَطْء شخص وطئا حَرَامًا وَإِن لم يحد بِهِ كَوَطْء مُحرمَة برضاع أَو نسب كأخت مَمْلُوكَة لَهُ مَعَ علمه بِالتَّحْرِيمِ لدلالته على قلَّة مبالاته بِالزِّنَا بل غشيان الْمَحَارِم أَشد من غشيان الأجنبيات
وَلَا تبطل الْعِفَّة بِوَطْء حرَام فِي نِكَاح صَحِيح كَوَطْء زَوجته فِي عدَّة شُبْهَة لِأَن التَّحْرِيم عَارض يَزُول وَلَا بِوَطْء أمة وَلَده لثُبُوت النّسَب حَيْثُ حصل علوق من ذَلِك الْوَطْء
مَعَ انْتِفَاء الْحَد وَلَا بِوَطْء فِي نِكَاح فَاسد كَوَطْء منكوحته بِلَا ولي أَو بِلَا شُهُود لقُوَّة الشُّبْهَة
وَلَا تبطل الْعِفَّة بِوَطْء زَوجته أَو أمته فِي حيض أَو نِفَاس أَو إِحْرَام أَو صَوْم أَو اعْتِكَاف
وَلَا بِوَطْء زَوجته الرَّجْعِيَّة وَلَا بِوَطْء مَمْلُوكَة لَهُ مرتدة أَو مُزَوّجَة أَو قبل الِاسْتِبْرَاء أَو مُكَاتبَة وَلَا بزنا صبي وَمَجْنُون وَلَا بِوَطْء جَاهِل بِتَحْرِيم الْوَطْء لقرب عَهده بِالْإِسْلَامِ
أَو نَشأ ببادية بعيدَة عَن الْعلمَاء وَلَا بِوَطْء مكره
وَلَا بِوَطْء مَجُوسِيّ محرما لَهُ كَأُمِّهِ بِنِكَاح أَو ملك لِأَنَّهُ لَا يعْتَقد تَحْرِيمه وَلَا بمقدمات الْوَطْء فِي الْأَجْنَبِيَّة
القَوْل فِي سُقُوط وَاحِد الْقَذْف بعد ثُبُوته فروع لَو زنى مقذوف قبل أَن يحد قَاذفه سقط الْحَد عَن قَاذفه لِأَن الْإِحْصَان لَا يتَيَقَّن بل يظنّ وَظُهُور الزِّنَا يخدشه
стр. 527
كالشاهد ظَاهره الْعَدَالَة شهد بِشَيْء ثمَّ ظهر فسقه قبل الحكم
وَلَو ارْتَدَّ لم يسْقط الْحَد عَن قَاذفه وَالْفرق بَين الرِّدَّة وَالزِّنَا أَنه يكتم مَا أمكن فَإِذا ظهر أشعر بسبق مثله
لِأَن الله تَعَالَى كريم لَا يهتك السّتْر أول مرّة
كَمَا قَالَه عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
وَالرِّدَّة عقيدة والعقائد لَا تخفى غَالِبا فإظهارها لَا يدل على سبق الْإخْفَاء وكالردة السّرقَة وَالْقَتْل لِأَن مَا صدر مِنْهُ لَيْسَ من جنس مَا قذف بِهِ
وَمن زنى مرّة ثمَّ صلح بِأَن تَابَ وَصلح حَاله لم يعد مُحصنا أبدا وَلَو لزم الْعَدَالَة وَصَارَ من أورع خلق الله تَعَالَى وأزهدهم لِأَن الْعرض إِذا انخرم بِالزِّنَا لم يزل خلله بِمَا يطْرَأ من الْعِفَّة
فَإِن قيل قد ورد التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ أُجِيب بِأَن هَذَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْآخِرَة
مِقْدَار الْحَد فِي الْقَاذِف (وَيحد الْحر) فِي الْقَذْف (ثَمَانِينَ) جلدَة لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات﴾ اي الْآيَة واستفيد كَونهَا فِي الْأَحْرَار من قَوْله تَعَالَى ﴿وَلَا تقبلُوا لَهُم شَهَادَة أبدا﴾ اي
(و) يحد (الرَّقِيق) فِيهِ وَلَو مبعضا (أَرْبَعِينَ) جلدَة بالاجماع وحد الْقَذْف أَو تعزيره يُورث كَسَائِر حُقُوق الْآدَمِيّين وَلَو مَاتَ الْمَقْذُوف مُرْتَدا قبل اسْتِيفَاء الْحَد فَالْأَوْجه أَنه لَا يسْقط بل يَسْتَوْفِيه وَارثه لَوْلَا الرِّدَّة للتشفي كَمَا فِي نَظِيره من قصاص الطّرف
القَوْل فِي الْأُمُور الَّتِي يسْقط بهَا الْقَذْف (وَيسْقط حد الْقَذْف) عَن الْقَاذِف (بِثَلَاثَة) بل بِخَمْسَة (أَشْيَاء) الأول (إِقَامَة الْبَيِّنَة) على زنا الْمَقْذُوف وَتقدم أَنَّهَا أَرْبَعَة وَأَنَّهَا تكون مفصلة فَلَو شهد بِهِ دون أَرْبَعَة حدوا
كَمَا فعله عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
وَالثَّانِي مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (أَو عَفْو الْمَقْذُوف) عَن الْقَاذِف عَن جَمِيع الْحَد فَلَو عَفا عَن بعضه لم يسْقط مِنْهُ شَيْء كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ فِي الشُّفْعَة وَألْحق فِي الرَّوْضَة التَّعْزِير بِالْحَدِّ فَقَالَ إِنَّه يسْقط بِعَفْو أَيْضا وَلَو عَفا وَارِث الْمَقْذُوف على مَال سقط وَلم يجب المَال كَمَا فِي فَتَاوَى الحناطي وَلَو قذفه فَعَفَا عَنهُ ثمَّ قذفه
لم يحد كَمَا بَحثه الزَّرْكَشِيّ بل يُعَزّر وَالثَّالِث مَا أَشَارَ إِلَيْهِ بقوله (أَو اللّعان) أَي لعان الزَّوْج الْقَاذِف
(فِي حق الزَّوْجَة) المقذوفة وَلَو مَعَ قدرته على إِقَامَة الْبَيِّنَة كَمَا تقدم تَوْجِيهه فِي اللّعان
وَالرَّابِع إِقْرَار الْمَقْذُوف بِالزِّنَا
وَالْخَامِس مَا لَو ورث الْقَاذِف الْحَد
تَتِمَّة يَرث الْحَد جَمِيع الْوَرَثَة الخاصين حَتَّى الزَّوْجَيْنِ ثمَّ من بعدهمْ للسُّلْطَان كَالْمَالِ وَالْقصاص وَلَو قذف بعد مَوته
هَل للزوجين حق أَو لَا وَجْهَان أوجههمَا الْمَنْع لانْقِطَاع الوصلة حَالَة الْقَذْف وَلَو عَفا بعض الْوَرَثَة عَن حَقه مِمَّا وَرثهُ من الْحَد فللباقين
стр. 528
مِنْهُم اسْتِيفَاء جَمِيعه لِأَنَّهُ عَار
والعار يلْزم الْوَاحِد كَمَا يلْزم الْجَمِيع وَفرق بَينه وَبَين الْقود فَإِنَّهُ إِذا عَفا بعض الْوَرَثَة عَنهُ سقط بِأَن لَهُ بَدَلا يعدل إِلَيْهِ وَهُوَ الدِّيَة بِخِلَافِهِ هَذَا إِذا كَانَ الْمَقْذُوف حرا
فَلَو كَانَ رَقِيقا وَاسْتحق التَّعْزِير على غير سَيّده ثمَّ مَاتَ فَهَل يَسْتَوْفِيه سَيّده أَو عصبته الْأَحْرَار أَو السُّلْطَان وُجُوه أَصَحهَا أَولهَا وللقاذف تَحْلِيف الْمَقْذُوف على عدم زِنَاهُ وَلَو مَعَ قدرته على الْبَيِّنَة عِنْد الْأَكْثَرين
فَإِن حلف حد الْقَاذِف وَإِلَّا سقط عَنهُ
فصل فِي حد شَارِب السكر من خمر وَغَيره
فِي حد شَارِب الْمُسكر من خمر وَغَيره وشربه من كَبَائِر الْمُحرمَات
وَالْأَصْل فِي تَحْرِيمه قَوْله تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْخمر وَالْميسر﴾ الْآيَة
وانعقد الْإِجْمَاع على تَحْرِيم الْخمر وَكَانَ الْمُسلمُونَ يشربونها فِي صدر الْإِسْلَام
وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِي أَن ذَلِك كَانَ استصحابا مِنْهُم لحكم الْجَاهِلِيَّة أَو بشرع فِي إباحتها على وَجْهَيْن رجح الْمَاوَرْدِيّ الأول وَالنَّوَوِيّ الثَّانِي
وَكَانَ تَحْرِيمهَا فِي السّنة الثَّانِيَة من الْهِجْرَة بعد أحد
وَقيل بل كَانَ الْمُبَاح الشّرْب لَا مَا يَنْتَهِي إِلَى السكر المزيل لِلْعَقْلِ
فَإِنَّهُ حرَام فِي كل مِلَّة
حَكَاهُ الْقشيرِي فِي تَفْسِيره عَن الْقفال الشَّاشِي
قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم وَهُوَ بَاطِل لَا أصل لَهُ وَالْخمر الْمُسكر من عصير الْعِنَب وَاخْتلف أَصْحَابنَا فِي وُقُوع اسْم الْخمر على الأنبذة هَل هُوَ حَقِيقَة قَالَ الْمُزنِيّ وَجَمَاعَة نعم لِأَن الِاشْتِرَاك بِالصّفةِ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاك فِي الِاسْم
وَهُوَ قِيَاس فِي اللُّغَة وَهُوَ جَائِز عِنْد الْأَكْثَرين وَهُوَ ظَاهر الْأَحَادِيث وَنسب الرَّافِعِيّ إِلَى الْأَكْثَر أَنه لَا يَقع عَلَيْهَا إِلَّا مجَازًا أما فِي التَّحْرِيم وَالْحَد فكالخمر كَمَا يُؤْخَذ من قَول المُصَنّف
شُرُوط الْحَد فِي شرب الْخمر
стр. 529
(وَمن شرب) أَي من الْمُكَلّفين الْمُلْتَزم للْأَحْكَام مُخْتَارًا لغير ضَرُورَة عَالما بِالتَّحْرِيمِ
(خمرًا) وَهِي المتخذة من عصير الْعِنَب كَمَا مر
(أَو) شرب (شرابًا مُسكرا) غير الْخمر كالأنبذة المتخذة من تمر أَو رطب أَو زبيب أَو شعير أَو ذرة أَو نَحْو ذَلِك
(يحد) الْحر (أَرْبَعِينَ) جلدَة لما فِي مُسلم عَن أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ كَانَ النَّبِي ﷺ يضْرب فِي الْخمر بِالْجَرِيدِ وَالنعال أَرْبَعِينَ وَيحد الرَّقِيق وَلَو مبعضا عشْرين لِأَنَّهُ حد يَتَبَعَّض فتنصف على الرَّقِيق كَحَد الزِّنَا
تَنْبِيه لَو تعدد الشّرْب كفي مَا ذكر
وَحَدِيث الْأَمر بقتل الشَّارِب فِي الرَّابِعَة مَنْسُوخ بِالْإِجْمَاع
القَوْل فِي ضَابِط معنى الْخمر تَنْبِيه كل شراب أسكر كَثِيره حرم هُوَ وقليله وحد شَاربه
لما فِي الصَّحِيحَيْنِ عَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَنه ﷺ قَالَ كل شراب أسكرع فَهُوَ حرَام وروى مُسلم خبر كل مُسكر خمر وكل خمر حرَام وَإِنَّمَا حرم الْقَلِيل وحد شَاربه إِن كَانَ لَا يسكر حسما لمادة الْفساد
كَمَا حرم تَقْبِيل الْأَجْنَبِيَّة وَالْخلْوَة بهَا لافضائه إِلَى الْوَطْء الْمحرم
وَلِحَدِيث رَوَاهُ الْحَاكِم من شرب الْخمر فاجلدوه وَقيس بِهِ شرب النَّبِيذ وَخرج بالشرب الحقنة بِهِ بِأَن أدخلهُ دبره
والسعوط بِأَن أدخلهُ أَنفه
فَلَا حد بذلك لِأَن الْحَد للزجر وَلَا حَاجَة إِلَيْهِ هُنَا وبالشراب الْمَفْهُوم من شرب النَّبَات قَالَ الدَّمِيرِيّ كالحشيشة الَّتِي يأكلها الحرافيش
وَنقل الشَّيْخَانِ فِي بَاب الْأَطْعِمَة عَن الرَّوْيَانِيّ أَن أكلهَا حرَام وَلَا حد فِيهَا وبالمكلف الصَّبِي وَالْمَجْنُون لرفع المقلم عَنْهُمَا وبالملتزم الْحَرْبِيّ لعدم الْتِزَامه وَالذِّمِّيّ لِأَنَّهُ لَا يلْتَزم بِالذِّمةِ مَا لَا يَعْتَقِدهُ وبالمختار المصبوب فِي حلقه قهرا وَالْمكْره على شربه لحَدِيث رفع عَن أمتِي الْخَطَأ وَالنِّسْيَان وَمَا اسْتكْرهُوا عَلَيْهِ وَبِغير ضَرُورَة مَا لَو غص أَي شَرق بلقمة وَلم يجد غير الْخمر فأساغها بهَا فَلَا حد عَلَيْهِ لوُجُوب شربهَا إنقاذا للنَّفس من الْهَلَاك والسلامة بذلك قَطْعِيَّة بِخِلَاف الدَّوَاء وَهُوَ رخصَة وَاجِبَة
فَلَو وجد غَيرهَا وَلَو بولا حرم إساغتها بِالْخمرِ
وَوَجَب حَده وبعالم بِالتَّحْرِيمِ من جهل كَونهَا خمرًا فَشربهَا ظَانّا كَونهَا شرابًا لَا يسكر لم يحد للْعُذْر وَلَا يلْزمه قَضَاء الصَّلَوَات الْفَائِتَة مُدَّة السكر كالمغمى عَلَيْهِ وَلَو قَالَ السَّكْرَان بعد الإصحاء كنت مكْرها أَو لم أعلم أَن الَّذِي شربته مُسكرا صدق بِيَمِينِهِ قَالَه فِي الْبَحْر فِي كتاب الطَّلَاق وَلَو قرب إِسْلَامه فَقَالَ جهلت تَحْرِيمهَا لم يحد لِأَنَّهُ قد يخفى عَلَيْهِ ذَلِك
وَالْحَد يدْرَأ بِالشُّبُهَاتِ وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين
стр. 530
من نَشأ فِي بِلَاد الْإِسْلَام أَو لَا وَلَو قَالَ علمت تَحْرِيمهَا وَلَكِن جهلت الْحَد بشربها حد لِأَن من حَقه إِذا علم التَّحْرِيم أَن يمْتَنع
وَيحد بدردي مُسكر وَلَا يحد بشربه فِيمَا اسْتهْلك فِيهِ
وَلَا بِخبْز عجن دقيقه بِهِ لِأَن عين الْمُسكر أَكلته النَّار وَبَقِي الْخبز متنجسا وَلَا معجون هُوَ فِيهِ لاستهلاكه وَلَا بِأَكْل لحم طبخ بِهِ بِخِلَاف مرقه إِذا شربه أَو غمس فِيهِ أَو ثرد بِهِ فَإِنَّهُ يحد لبَقَاء عينه
القَوْل فِي حُرْمَة التدواي بِالْخمرِ وَيحرم تنَاول الْخمر لدواء وعطش أما تَحْرِيم الدَّوَاء بهَا فَلِأَنَّهُ ﷺ لما سُئِلَ عَن التَّدَاوِي بهَا قَالَ إِنَّه لَيْسَ بدواء وَلكنه دَاء وَالْمعْنَى أَن الله سلب الْخمر مَنَافِعهَا حِين حرمهَا
وَمَا دلّ عَلَيْهِ الْقُرْآن من أَن فِيهَا مَنَافِع للنَّاس إِنَّمَا هُوَ قبل تَحْرِيمهَا وَإِن سلم بَقَاء الْمَنْفَعَة
فتحريمها مَقْطُوع بِهِ وَحُصُول الشِّفَاء بهَا مظنون فَلَا يقوى على إِزَالَة الْمَقْطُوع بِهِ
وَأما تَحْرِيمهَا للعطش فَلِأَنَّهُ لَا يُزِيلهُ بل يزِيدهُ لِأَن طبعها حَار يَابِس
كَمَا قَالَه أهل الطِّبّ وشربها لدفع الْجُوع كشربها لدفع الْعَطش هَذَا إِذا تداوى بصرفها
أما الترياق المعجون بهَا وَنَحْوه مِمَّا تستهلك فِيهِ فَيجوز التَّدَاوِي بِهِ عِنْد فقد مَا يقوم مقَامه مِمَّا يحصل بِهِ التَّدَاوِي من الطاهرات كالتداوي بِنَجس كلحم حَيَّة وَبَوْل
وَلَو كَانَ التَّدَاوِي بذلك لتعجيل شِفَاء بِشَرْط إِخْبَار طَبِيب مُسلم عدل بذلك أَو مَعْرفَته للتداوي بِهِ والند بِالْفَتْح المعجون بِخَمْر لَا يجوز بَيْعه لنجاسته
وَيجوز تنَاول مَا يزِيل الْعقل من غير الْأَشْرِبَة لقطع عُضْو متآكل أما الْأَشْرِبَة فَلَا يجوز تعاطيها لذَلِك وأصل الْجلد أَن يكون بِسَوْط أَو يَد أَو نعال أَو أَطْرَاف ثِيَاب لما روى الشَّيْخَانِ أَنه ﷺ كَانَ يضْرب بِالْجَرِيدِ وَالنعال وَفِي البُخَارِيّ عَن أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ أُتِي النَّبِي ﷺ بسكران فَأمر بضربه فمنا من ضربه بِيَدِهِ وَمنا من ضربه بنعله وَمنا من ضربه بِثَوْبِهِ
القَوْل فِي جَوَاز الزِّيَادَة عَن أَرْبَعِينَ (وَيجوز) للْإِمَام (أَن يبلغ بِهِ) أَي الشَّارِب الْحر (ثَمَانِينَ) على الْأَصَح الْمَنْصُوص لما رُوِيَ عَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ جلد النَّبِي ﷺ أَرْبَعِينَ وَجلد أَبُو بكر أَرْبَعِينَ وَعمر ثَمَانِينَ وكل سنة وَهَذَا أحب إِلَيّ لِأَنَّهُ إِذا شرب سكر وَإِذا سكر هذى وَإِذا
стр. 531
هذى افترى وحد الافتراء ثَمَانُون وَالزِّيَادَة على الْأَرْبَعين فِي الْحر وعَلى الْعشْرين فِي غَيره
(على وَجه التَّعْزِير) لِأَنَّهَا لَو كَانَت حدا لما جَازَ تَركهَا
وَقيل حد لِأَن التَّعْزِير لَا يكون إِلَّا عَن جِنَايَة مُحَققَة وَاعْترض الأول
بِأَن وضع التَّعْزِير النَّقْص عَن الْحَد فَكيف يُسَاوِيه
وَأجِيب بِأَنَّهُ لجنايات تولدت من الشَّارِب وَلِهَذَا اسْتحْسنَ تَعْبِير الْمِنْهَاج بتعزيرات على تَعْبِير الْمُحَرر بتعزير
قَالَ الرَّافِعِيّ وَلَيْسَ هَذَا الْجَواب شافيا
فَإِن الْجِنَايَات لم تتَحَقَّق حَتَّى يُعَزّر والجنايات الَّتِي تتولد من الْخمر لَا تَنْحَصِر فلتجز الزِّيَادَة على الثَّمَانِينَ وَقد منعوها قَالَ وَفِي قصَّة تَبْلِيغ الصَّحَابَة الضَّرْب ثَمَانِينَ أَلْفَاظ مشعرة بِأَن الْكل حد وَعَلِيهِ فحد الشَّارِب مَخْصُوص من بَين سَائِر الْحُدُود
بِأَن يتحتم بعضه وَيتَعَلَّق بعضه بِاجْتِهَاد الإِمَام
اه
وَالْمُعْتَمد أَنَّهَا تعزيرات وَإِنَّمَا لم تجز الزِّيَادَة اقتصارا على مَا ورد
بِمَ يجب حد الْخمر (وَيجب عَلَيْهِ) أَي الشَّارِب الْمُقَيد بِمَا تقدم (الْحَد بِأحد أَمريْن) إِمَّا (بِالْبَيِّنَةِ) وَهِي شَهَادَة رجلَيْنِ أَنه شرب خمرًا أَو شرب مِمَّا شرب مِنْهُ غَيره فَسَكِرَ مِنْهُ
(أَو الْإِقْرَار) بِمَا ذكر لِأَن كلا من الْبَيِّنَة وَالْإِقْرَار حجَّة شَرْعِيَّة فَلَا يحد بِشَهَادَة رجل وَامْرَأَتَيْنِ لِأَن الْبَيِّنَة نَاقِصَة وَالْأَصْل بَرَاءَة الذِّمَّة وَلَا بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَة لما مر فِي قطع السّرقَة وَلَا برِيح خمر وسكر وقيء لاحْتِمَال أَن يكون شرب غالطا أَو مكْرها
وَالْحَد يدْرَأ بِالشُّبُهَاتِ وَلَا يَسْتَوْفِيه القَاضِي بِعِلْمِهِ على الصَّحِيح بِنَاء على أَنه لَا يقْضِي بِعِلْمِهِ فِي حُدُود الله تَعَالَى
نعم سيد العَبْد يَسْتَوْفِيه بِعِلْمِهِ لإِصْلَاح ملكه وَلَا يشْتَرط فِي الْإِقْرَار وَالشَّهَادَة تَفْصِيل بل يَكْفِي الْإِطْلَاق فِي إِقْرَار من شخص بِأَنَّهُ شرب خمرًا وَفِي شَهَادَة بِشرب مُسكر
شرب فلَان خمرًا وَلَا يحْتَاج أَن يَقُول وَهُوَ مُخْتَار عَالم لِأَن الأَصْل عدم الْإِكْرَاه
وَالْغَالِب من حَال الشَّارِب علمه بِمَا يشربه فَنزل الْإِقْرَار وَالشَّهَادَة عَلَيْهِ وَيقبل رُجُوعه عَن الْإِقْرَار لِأَن كل مَا لَيْسَ من حق آدَمِيّ يقبل الرُّجُوع فِيهِ
القَوْل فِي وَقت حد السَّكْرَان تَتِمَّة لَا يحد حَال سكره
لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ الردع والزجر والتنكيل وَذَلِكَ لَا يحصل مَعَ السكر بل يُؤَخر وجوبا إِلَى إِفَاقَته ليرتدع فَإِن حد قبلهَا فَفِي الِاعْتِدَاد بِهِ وَجْهَان أصَحهمَا كَمَا قَالَه البُلْقِينِيّ الِاعْتِدَاد بِهِ وسوط الْحُدُود أَو التعازير بَين قضيب وَهُوَ الْغُصْن وعصا غير معتدلة وَبَين رطب ويابس بِأَن يكون معتدل الجرم والرطوبة لِلِاتِّبَاعِ وَلم يصرحوا بِوُجُوب هَذَا وَلَا بندبه وَقَضِيَّة كَلَامهم الْوُجُوب كَمَا قَالَه الزَّرْكَشِيّ وَيفرق الضَّرْب على الْأَعْضَاء فَلَا يجمعه فِي مَوضِع وَاحِد لِأَنَّهُ قد يُؤَدِّي إِلَى الْهَلَاك ويجتنب الْمقَاتل وَهِي مَوَاضِع يسْرع الْقَتْل إِلَيْهَا بِالضَّرْبِ كقلب وثغرة نحر وَفرج ويجتنب الْوَجْه أَيْضا فَلَا يضْربهُ لخَبر مُسلم إِذا ضرب أحدكُم فليتق الْوَجْه
وَلِأَنَّهُ مجمع المحاسن فيعظم أثر شينه بِخِلَاف الرَّأْس فَإِنَّهَا مغطاة غَالِبا فَلَا يخَاف تشويهه بِالضَّرْبِ بِخِلَاف الْوَجْه
وروى ابْن أبي شيبَة عَن أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ للجلاد اضْرِب الرَّأْس فَإِن الشَّيْطَان فِي الرَّأْس
وَلَا تشد يَد
стр. 532
المجلود وَلَا تجرد ثِيَابه الْخَفِيفَة
أما مَا يمْنَع كالجبة المحشوة فتنزع عَنهُ مُرَاعَاة لمقصود الْحَد
ويوالي الضَّرْب عَلَيْهِ بِحَيْثُ يحصل زجر وتنكيل فَلَا يجوز أَن يفرق على الْأَيَّام والساعات لعدم الإيلام الْمَقْصُود فِي الْحُدُود وَبِمَ يضْبط التَّفْرِيق الْجَائِز وَغَيره قَالَ الإِمَام إِن لم يحصل فِي كل دفْعَة ألم لَهُ وَقع كسوط أَو سوطين فِي كل يَوْم فَهَذَا لَيْسَ بِحَدّ وَإِن آلم أَو أثر لما لَهُ وَقع فَإِن لم يَتَخَلَّل زمن يَزُول فِيهِ الْأَلَم الأول كفى وَإِن تخَلّل لم يكف على الْأَصَح وَيكرهُ إِقَامَة الْحُدُود والتعازير فِي الْمَسْجِد كَمَا صرح بِهِ الشَّيْخَانِ فِي أدب الْقَضَاء
فصل فِي حد السّرقَة
الْوَاجِب بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاع
وَهِي لُغَة أَخذ المَال خُفْيَة وَشرعا أَخذه خُفْيَة ظلما من حرز مثله بِشُرُوط تَأتي وَلما نظم أَبُو الْعَلَاء المعري الْبَيْت الَّذِي شكك بِهِ على أهل الشَّرِيعَة فِي الْفرق بَين الدِّيَة وَالْقطع فِي السّرقَة
وَهُوَ يَد بِخمْس مئين عسجد وديت مَا بالها قطعت فِي ربع دِينَار أَجَابَهُ القَاضِي عبد الْوَهَّاب الْمَالِكِي بقوله وقاية النَّفس أغلاها وأرخصها وقاية المَال فَافْهَم حِكْمَة الْبَارِي وَقَالَ ابْن الْجَوْزِيّ لما سُئِلَ عَن هَذَا لما كَانَت أمينة كَانَت ثمنية فَلَمَّا خانت هَانَتْ وأركان الْقطع ثَلَاثَة مَسْرُوق وسرقة وسارق
وَالْمُصَنّف اقْتصر على السَّارِق والمسروق فَقَالَ (وتقطع يَد السَّارِق) والسارقة وَلَو ذميين ورقيقين (بِسِتَّة) بل بِعشْرَة (شَرَائِط) كَمَا ستعرفه وَمرَاده بِالشّرطِ هُنَا مَا لَا بُد مِنْهُ الشَّامِل للركن وَغَيره لِأَنَّهُ ذكر من جُمْلَتهَا الْمَسْرُوق
وَهُوَ أحد الْأَركان كَمَا مر الأول (أَن يكون) السَّارِق (بَالغا) فَلَا يقطع صبي لعدم تَكْلِيفه
(و) الثَّانِي أَن يكون (عَاقِلا) فَلَا يقطع مَجْنُون لما ذكر (و) الثَّالِث وَهُوَ الْمشَار إِلَيْهِ أَنه من الْأَركان
(أَن يسرق نِصَابا) وَهُوَ ربع دِينَار فَأكْثر وَلَو كَانَ الرّبع لجَماعَة اتَّحد حرزهم لخَبر مُسلم لَا تقطع يَد سَارِق إِلَّا فِي ربع دِينَار فَصَاعِدا وَأَن يكون خَالِصا لِأَن الرّبع
стр. 533
الْمَغْشُوش لَيْسَ بِربع دِينَار حَقِيقَة فَإِن كَانَ فِي الْمَغْشُوش بِربع خَالص وَجب الْقطع
وَمثل ربع الدِّينَار مَا قِيمَته ربع دِينَار لِأَن الأَصْل فِي التَّقْوِيم هُوَ الذَّهَب الْخَالِص حَتَّى لَو سرق دَرَاهِم أَو غَيرهَا قومت بِهِ وَتعْتَبر (قِيمَته ربع دِينَار) وَقت الْإِخْرَاج من الْحِرْز فَلَو نقصت قِيمَته بعد ذَلِك لم يسْقط الْقطع وعَلى أَن التَّقْوِيم يعْتَبر بالمضروب لَو سرق ربع دِينَار مسبوكا أَو حليا أَو نَحوه كقراضة لَا تَسَاوِي ربعا مَضْرُوبا فَلَا قطع بِهِ وَإِن ساواه غير مَضْرُوب لِأَن الْمَذْكُور فِي الْخَبَر
لفظ الدِّينَار وَهُوَ اسْم للمضروب
وَلَا يقطع بِخَاتم وَزنه دون ربع
وَقِيمَته بالصنعة ربع نظرا إِلَى الْوَزْن الَّذِي لَا بُد مِنْهُ فِي الذَّهَب وَلَا بِمَا نقص قبل إِخْرَاجه من الْحِرْز عَن نِصَاب بِأَكْل أَو غَيره كإحراق لانْتِفَاء كَون الْمخْرج نِصَابا وَلَا بِمَا دون نصابين اشْترك اثْنَان فِي إِخْرَاجه لِأَن كلا مِنْهُمَا لم يسرق نِصَابا وَيقطع بِثَوْب رث فِي جيبه تَمام نِصَاب وَإِن جَهله السَّارِق لِأَنَّهُ أخرج نِصَابا من حرز بِقصد السّرقَة وَالْجهل بِجِنْسِهِ لَا يُؤثر كالجهل بِصفتِهِ وبنصاب ظَنّه فَلَو مَالا يُسَاوِيه لذَلِك وَلَا أثر لظَنّه وَالرَّابِع أَن يَأْخُذهُ
(من حرز مثله) فَلَا قطع بِسَرِقَة مَا لَيْسَ محرزا لخَبر أبي دَاوُد لَا قطع فِي شَيْء من الْمَاشِيَة إِلَّا فِيمَا آواه المراح وَلِأَن الْجِنَايَة تعظم بمخاطرة أَخذه من الْحِرْز فَحكم بِالْقطعِ زجرا بِخِلَاف مَا إِذا جرأه الْمَالِك ومكنه بتضييعه
والإحراز يكون بلحاظ لَهُ بِكَسْر اللَّام دَائِما أَو حصانة مَوْضِعه مَعَ لحاظ لَهُ والمحكم فِي الْحِرْز الْعرف فَإِنَّهُ لم يحد فِي الشَّرْع وَلَا اللُّغَة فَرجع فِيهِ إِلَى الْعرف كَالْقَبْضِ والإحياء وَلَا شكّ أَنه يخْتَلف باخْتلَاف الْأَمْوَال وَالْأَحْوَال والأوقات فقد يكون الشَّيْء حرْزا فِي وَقت دون وَقت
بِحَسب صَلَاح أَحْوَال النَّاس وفسادها وَقُوَّة السُّلْطَان وَضَعفه
وَضَبطه الْغَزالِيّ بِمَا لَا يعد صَاحبه مضيعا لَهُ فعرصة دَار وصفتها حرز خسيس آنِية وَثيَاب أما نفيسها فحرزه بيُوت الدّور والخانات والأسواق المنيعة ومخزن حرز حلي وَنقد وَنَحْوهمَا
ونوم بِنَحْوِ
стр. 534
صحراء كمسجد وشارع على مَتَاع وَلَو توسده حرز لَهُ
وَمحله فِي توسده فِيمَا يعد التوسد حرْزا لَهُ وَإِلَّا كَأَن توسد كيسا فِيهِ نقد أَو جَوْهَر فَلَا يكون حرْزا لَهُ كَمَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ وَيقطع بنصاب انصب من وعَاء بنقبه لَهُ وَإِن انصب شَيْئا فَشَيْئًا لِأَنَّهُ سرق نِصَابا من حرزه وبنصاب أخرجه دفعتين بِأَن تمّ فِي الثَّانِيَة لذَلِك
فَإِن تخَلّل بَينهمَا علم الْمَالِك
وإعادة الْحِرْز فالثانية سَرقَة أُخْرَى فَلَا قطع فِيهَا إِن كَانَ الْمخْرج فِيهَا دون نِصَاب وَالْخَامِس كَون السَّارِق (لَا ملك لَهُ فِيهِ) أَي الْمَسْرُوق
فَلَا قطع بِسَرِقَة مَاله الَّذِي بيد غَيره
وَإِن كَانَ مَرْهُونا أَو مؤجرا وَلَو سرق مَا اشْتَرَاهُ من يَد غَيره وَلَو قبل تَسْلِيم الثّمن أَو فِي زمن الْخِيَار أَو سرق مَا اتهبه قبل قَبضه لم يقطع فيهمَا وَلَو سرق مَعَ مَا اشْتَرَاهُ مَالا آخر بعد تَسْلِيم الثّمن لم يقطع كَمَا فِي الرَّوْضَة
وَلَو سرق الْمُوصى لَهُ بِهِ قبل موت الْمُوصي أَو بعده وَقبل الْقبُول قطع فِي الصُّورَتَيْنِ
أما الأولى فَلِأَن الْقبُول لم يقْتَرن بِالْوَصِيَّةِ
وَأما فِي الثَّانِيَة فبناء على أَن الْملك فِيهَا لَا يحصل بِالْمَوْتِ
فَإِن قيل قد مر أَنه لَا يقطع بِالْهبةِ بعد الْقبُول وَقبل الْقَبْض
فَهَلا كَانَ هُنَا كَذَلِك
أُجِيب بِأَن الْمُوصي لَهُ مقصر بِعَدَمِ الْقبُول مَعَ تمكنه مِنْهُ بِخِلَافِهِ فِي الْهِبَة فَإِنَّهُ قد لَا يتَمَكَّن من الْقَبْض وَأَيْضًا الْقبُول وجد ثمَّ وَلم يُوجد هُنَا
وَلَو سرق الْمُوصي بِهِ فَقير بعد موت الْمُوصي وَالْوَصِيَّة للْفُقَرَاء لم يقطع كسرقة المَال الْمُشْتَرك بِخِلَاف مَا لَو سَرقه الْغَنِيّ
تَنْبِيه لَو ملك السَّارِق الْمَسْرُوق أَو بعضه بِإِرْث أَو غَيره كَشِرَاء قبل إِخْرَاجه من الْحِرْز أَو نقص فِي الْحِرْز عَن نِصَاب بِأَكْل بعضه أَو غَيره كإحراقه لم يقطع أما فِي الأولى فَلِأَنَّهُ مَا أخرج إِلَّا ملكه
وَأما فِي الثَّانِيَة فَلِأَنَّهُ لم يخرج من الْحِرْز نِصَابا وَلَو ادّعى السَّارِق ملك الْمَسْرُوق أَو بعضه لم يقطع على النَّص لاحْتِمَال صدقه فَصَارَ شُبْهَة دارئة للْقطع ويروى عَن الإِمَام الشَّافِعِي ﵁ أَنه سَمَّاهُ السَّارِق الظريف أَي الْفَقِيه
وَلَو سرق اثْنَان مثلا نصابين وَادّعى الْمَسْرُوق أَحدهمَا أَنه لَهُ أَولهمَا فكذبه الآخر لم يقطع الْمُدَّعِي لما مر وَقطع الآخر فِي الْأَصَح لِأَنَّهُ أقرّ بِسَرِقَة نِصَاب لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ وَإِن سرق من حرز شَرِيكه مَالا مُشْتَركا بَينهمَا فَلَا قطع بِهِ
وَإِن قل نصِيبه لِأَن لَهُ فِي كل جُزْء حَقًا شَائِعا وَذَلِكَ شُبْهَة فَأشبه من وطىء الْجَارِيَة الْمُشْتَركَة
(و) السَّادِس كَون السَّارِق (لَا شُبْهَة لَهُ فِي مَال الْمَسْرُوق مِنْهُ) لحَدِيث
стр. 535
ادرؤوا الْحُدُود عَن الْمُسلمين مَا اسْتَطَعْتُم صحّح الْحَاكِم إِسْنَاده سَوَاء فِي ذَلِك شُبْهَة الْملك
كمن سرق مُشْتَركا بَينه وَبَين غَيره كَمَا مر أَو شُبْهَة الْفَاعِل كمن أَخذ مَالا على صُورَة السّرقَة يظنّ أَنه ملكه أَو ملك أَصله أَو فَرعه أَو شُبْهَة الْمحل كسرقة الابْن مَال أحد أُصُوله أَو أحد الْأُصُول مَال فَرعه وَإِن سفل لما بَينهمَا من الِاتِّحَاد وَإِن اخْتلف دينهما
كَمَا بَحثه بعض الْمُتَأَخِّرين وَلِأَن مَال كل مِنْهُمَا مرصد لحَاجَة الآخر وَمِنْهَا أَن لَا تقطع يَده بِسَرِقَة ذَلِك المَال بِخِلَاف سَائِر الْأَقَارِب وَسَوَاء أَكَانَ السَّارِق مِنْهُمَا حرا أم رَقِيقا كَمَا صرح بِهِ الزَّرْكَشِيّ تفقها مؤيدا لَهُ بِمَا ذَكرُوهُ من أَنه لَو وطىء الرَّقِيق أمة فَرعه لم يحد للشُّبْهَة وَلَا قطع أَيْضا بِسَرِقَة رَقِيق مَال سَيّده بِالْإِجْمَاع كَمَا حَكَاهُ ابْن الْمُنْذر ولشبهة اسْتِحْقَاق النَّفَقَة وَيَده كيد سَيّده والمبعض كالقن وَكَذَا الْمكَاتب لِأَنَّهُ قد يعجز فَيصير كَمَا كَانَ
لَا يقطع العَبْد بِمَال لَا يقطع بِهِ سَيّده قَاعِدَة من لَا يقطع بِمَال لَا يقطع بِهِ رَقِيقه فَكَمَا لَا يقطع الأَصْل بِسَرِقَة مَال الْفَرْع بِالْعَكْسِ لَا يقطع أَحدهمَا بِسَرِقَة مَال الآخر
لَا يقطع السَّيِّد بِسَرِقَة مَال مكَاتبه لما مر
لَا بِمَال ملكه الْمبعض بِبَعْضِه الْحر كَمَا جزم بِهِ الْمَاوَرْدِيّ لِأَن ملكه بِالْحُرِّيَّةِ فِي الْحَقِيقَة لجَمِيع بدنه فَصَارَ شُبْهَة
لَا يقطع بِطَعَام سَرقَة زمن الْقَحْط فروع لَو سرق طَعَاما زمن الْقَحْط وَلم يقدر عَلَيْهِ لم يقطع وَكَذَا من أذن لَهُ فِي الدُّخُول إِلَى دَار أَو حَانُوت لشراء أَو غَيره فَسرق كَمَا رَجحه ابْن الْمقري
وَيقطع بِسَرِقَة حطب وحشيش وَنَحْوهمَا كصيد لعُمُوم الْأَدِلَّة وَلَا أثر لكَونهَا مُبَاحَة الأَصْل
وَيقطع بِسَرِقَة معرض للتلف كهريسة وفواكه وَبقول لذَلِك وبماء وتراب ومصحف وَكتب علم شَرْعِي مَا يتَعَلَّق بِهِ وَكتب شعر نَافِع مُبَاح
لما مر فَإِن لم يكن نَافِعًا مُبَاحا قوم الْوَرق وَالْجَلد فَإِن بلغا نِصَابا قطع وَإِلَّا فَلَا
لَا يقطع المكرة على السّرقَة وَالسَّابِع كَونه مُخْتَارًا فَلَا يقطع الْمُكْره بِفَتْح الرَّاء على السّرقَة لرفع الْقَلَم عَنهُ كَالصَّبِيِّ وَالْمَجْنُون وَلَا يقطع الْمُكْره بِكَسْرِهَا أَيْضا نعم لَو كَانَ الْمُكْره بِالْفَتْح غير مُمَيّز لعجمة أَو غَيرهَا قطع الْمُكْره لَهُ
وَالثَّامِن كَونه مُلْتَزما للْأَحْكَام فَلَا يقطع حَرْبِيّ لعدم الْتِزَامه وَيقطع مُسلم وذمي بِمَال مُسلم وذمي
أما قطع الْمُسلم بِمَال الْمُسلم فبالاجماع
وَأما قطعه بِمَال الذِّمِّيّ فعلى الْمَشْهُور لِأَنَّهُ مَعْصُوم بِذِمَّتِهِ
وَلَا يقطع مُسلم وَلَا ذمِّي بِمَال معاهد وَمُؤمن كَمَا لَا يقطع الْمعَاهد وَالْمُؤمن بِسَرِقَة مَال ذمِّي أَو مُسلم لِأَنَّهُ لم يلْتَزم الْأَحْكَام فَأشبه الْحَرْبِيّ
وَالتَّاسِع كَونه مُحْتَرما فَلَو أخرج مُسلم أَو ذمِّي خمرًا وَلَو مُحْتَرمَة وخنزيرا وكلبا وَلَو مقتنى وَجلد ميت بِلَا دبغ فَلَا قطع لِأَن مَا ذكر لَيْسَ بِمَال أما المدبوغ فَيقطع بِهِ حَتَّى لَو دبغه السَّارِق فِي الْحِرْز ثمَّ أَخّرهُ وَهُوَ يُسَاوِي نِصَاب سَرقَة فَإِنَّهُ يقطع بِهِ إِذا قُلْنَا بِأَنَّهُ للْمَغْصُوب مِنْهُ إِذا دبغه الْغَاصِب وَهُوَ الْأَصَح وَمثله كَمَا قَالَ البُلْقِينِيّ إِذا صَار الْخمر خلا بعد وضع السَّارِق يَده عَلَيْهِ وَقبل إِخْرَاجه من الْحِرْز فَإِن بلغ إِنَاء الْخمر نِصَابا قطع بِهِ لِأَنَّهُ سرق نِصَابا من حرز لَا شُبْهَة لَهُ فِيهِ كَمَا إِذا سرق إِنَاء فِيهِ بَوْل فَإِنَّهُ يقطع بِاتِّفَاق كَمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره
هَذَا إِذا قصد بِإِخْرَاج ذَلِك السّرقَة أما إِذا قصد تغييرها بِدُخُولِهِ أَو بإخراجها فَلَا قطع وَسَوَاء
стр. 536
أخرجهَا فِي الأولى أَو دخل فِي الثَّانِيَة بِقصد السّرقَة أم لَا كَمَا هُوَ قَضِيَّة كَلَام الرَّوْض فيهمَا وَكَلَام أَصله فِي الثَّانِيَة
وَلَا قطع فِي أَخذ مَا سلط الشَّرْع على كَسره كمزمار وصنم وصليب وطنبور لِأَن التَّوَصُّل إِلَى إِزَالَة الْمعْصِيَة مَنْدُوب إِلَيْهِ فَصَارَ شُبْهَة كإراقة الْخمر فَإِن بلغ مكسره نِصَابا قطع لِأَنَّهُ سرق نِصَابا من حرزه هَذَا إِذا لم يقْصد التَّغْيِير كَمَا فِي الرَّوْضَة فَإِن قصد بِإِخْرَاجِهِ تيَسّر تَغْيِير فَلَا قطع وَلَا فرق بَين أَن يكون لمُسلم أَو ذمِّي وَيقطع بِسَرِقَة مَا لَا يحل الِانْتِفَاع بِهِ من الْكتب إِذا كَانَ الْجلد والقرطاس يبلغ نِصَابا وبسرقة إِنَاء النَّقْد لِأَن اسْتِعْمَاله يُبَاح عِنْد الضَّرُورَة إِلَّا إِن أخرجه من الْحِرْز ليشهره بِالْكَسْرِ وَلَو كسر إِنَاء الْخمر والطنبور وَنَحْوه أَو إِنَاء النَّقْد فِي الْحِرْز ثمَّ أخرجه قطع إِن بلغ نِصَابا كَحكم الصَّحِيح
والعاشر كَون الْملك فِي النّصاب تَاما قَوِيا كَمَا قَالَه فِي الرَّوْضَة فَلَا يقطع مُسلم بِسَرِقَة حصر الْمَسْجِد الْمعدة للاستعمال وَلَا سَائِر مَا يفرش فِيهِ وَلَا قناديل تسرج فِيهِ لِأَن ذَلِك لمصْلحَة الْمُسلمين فَلهُ فِيهِ حق كَمَال بَيت المَال وَخرج بالمعدة حصر الزِّينَة فَيقطع فِيهَا كَمَا قَالَه ابْن الْمقري وبالمسلم الذِّمِّيّ فَيقطع لعدم الشُّبْهَة وَيَنْبَغِي أَن يكون بلاط الْمَسْجِد كحصره الْمعدة للاستعمال وَيقطع الْمُسلم بِسَرِقَة بَاب الْمَسْجِد وجذعه وتأزيره وسواريه وسقوفه وقناديل زِينَة فِيهِ لِأَن الْبَاب للتحصين والجذع وَنَحْوه للعمارة وَلعدم الشُّبْهَة فِي الْقَنَادِيل وَيلْحق بِهَذَا ستر الْكَعْبَة إِن خيط عَلَيْهَا لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُحرز وَيَنْبَغِي أَن يكون ستر الْمِنْبَر
كَذَلِك إِن خيط عَلَيْهِ وَلَو سرق الْمُسلم من مَال بَيت المَال شَيْئا نظر إِن أفرز لطائفة كذوي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِين وَكَانَ مِنْهُم أَو أَصله أَو فَرعه فَلَا قطع وَإِن أفرز لطائفة لَيْسَ هُوَ مِنْهُم وَلَا أَصله وَلَا فَرعه قطع إِذْ لَا شُبْهَة لَهُ فِي ذَلِك وَإِن لم يفرز لطائفة فَإِن كَانَ لَهُ حق فِي الْمَسْرُوق كَمَال الْمصَالح سَوَاء أَكَانَ فَقِيرا أم غَنِيا
وكصدقة وَهُوَ فَقير أَو غَارِم لذات الْبَين أَو غاز فَلَا يقطع فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ أما فِي الأولى فَلِأَن لَهُ حَقًا وَإِن كَانَ غَنِيا كَمَا مر لِأَن ذَلِك قد يصرف فِي عمَارَة الْمَسَاجِد والرباطات والقناطر
فينتفع بِهِ الْغَنِيّ وَالْفَقِير من الْمُسلمين
لِأَن ذَلِك مَخْصُوص بهم بِخِلَاف الذِّمِّيّ يقطع بذلك وَلَا نظر إِلَى إِنْفَاق الإِمَام عَلَيْهِ عِنْد الْحَاجة لِأَنَّهُ إِنَّمَا ينْفق عَلَيْهِ للضَّرُورَة وبشرط الضَّمَان كَمَا ينْفق على الْمُضْطَر بِشَرْط الضَّمَان وانتفاعه بالقناطر والرباطات بالتبعية من حَيْثُ إِنَّه قاطن بدار
стр. 537
الْإِسْلَام لَا لاختصاصه بِحَق فِيهَا
وَأما فِي الثَّانِيَة فلاستحقاقه بِخِلَاف الْغَنِيّ
فَإِنَّهُ يقطع لعدم اسْتِحْقَاقه إِلَّا إِذا كَانَ غازيا أَو غارما لذات الْبَين فَلَا يقطع لما مر فَإِن لم يكن لَهُ فِي بَيت المَال حق قطع لانْتِفَاء التّبعِيَّة
فرع لَو سرق شخص الْمُصحف الْمَوْقُوف عَن الْقِرَاءَة لم يقطع إِذا كَانَ قَارِئًا لِأَن لَهُ فِيهِ حَقًا
وَكَذَا إِن كَانَ غير قارىء لِأَنَّهُ رُبمَا تعلم مِنْهُ قَالَ الزَّرْكَشِيّ أَو يَدْفَعهُ إِلَى من يقْرَأ فِيهِ لاستماع الْحَاضِرين وَيقطع بموقوف على غَيره لِأَنَّهُ مَال مُحرز وَلَو سرق مَالا مَوْقُوفا على الْجِهَات الْعَامَّة أَو على وُجُوه الْخَيْر لم يقطع
وَإِن كَانَ السَّارِق ذِمِّيا لِأَنَّهُ تبع للْمُسلمين
تَعْرِيف السّرقَة تَنْبِيه قد تقدم أَن المُصَنّف ترك الرُّكْن الثَّالِث وَهُوَ السّرقَة وَهِي أَخذ المَال خُفْيَة
كَمَا مر وَحِينَئِذٍ لَا يقطع مختلس وَهُوَ من يعْتَمد الْهَرَب من غير غَلَبَة مَعَ مُعَاينَة الْمَالِك وَلَا منتهب وَهُوَ من يَأْخُذ عيَانًا مُعْتَمدًا على الْقُوَّة
وَالْغَلَبَة وَلَا مُنكر وَدِيعَة وعارية لحَدِيث لَيْسَ على المختلس والمنتهب والخائن قطع صَححهُ التِّرْمِذِيّ وَفرق من حَيْثُ الْمَعْنى بَينهم وَبَين السَّارِق بِأَن السَّارِق يَأْخُذ المَال خُفْيَة وَلَا يَتَأَتَّى مَنعه
فشرع الْقطع زجرا لَهُ وَهَؤُلَاء يقصدونه عيَانًا فَيمكن مَنعهم بالسلطان وَغَيره
كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَغَيره
وَلَعَلَّ هَذَا حكم على الْأَغْلَب وَإِلَّا فالجاحد لَا يقْصد الْأَخْذ عِنْد جحوده عيَانًا فَلَا يُمكن مَنعه بسُلْطَان وَلَا بِغَيْرِهِ وفروع الْبَاب كَثِيرَة وَمحل ذكرهَا المبسوطات وَفِيمَا ذَكرْنَاهُ كِفَايَة لقارىء هَذَا الْكتاب (وتقطع يَده) أَي السَّارِق (الْيُمْنَى) قَالَ تَعَالَى ﴿فَاقْطَعُوا أَيْدِيهِمَا﴾ اي وقرىء شاذا فَاقْطَعُوا أيمانهما وَالْقِرَاءَة الشاذة كَخَبَر الْوَاحِد فِي الِاحْتِجَاج بهَا
ويكتفي بِالْقطعِ وَلَو كَانَت مَعِيبَة كفاقدة الْأَصَابِع أَو زائدتها لعُمُوم الْآيَة
وَلِأَن الْغَرَض التنكيل بِخِلَاف الْقود فَإِنَّهُ مَبْنِيّ على الْمُمَاثلَة كَمَا مر أَو سرق مرَارًا قبل قطعهَا لِاتِّحَاد السَّبَب
стр. 538
كَمَا لَو زنى أَو شرب مرَارًا يَكْتَفِي بِحَدّ وَاحِد
وكاليد الْيُمْنَى فِي ذَلِك غَيرهَا كَمَا هُوَ ظَاهر وانعقد الْإِجْمَاع على قطعهَا
(من مفصل الْكُوع) بِضَم الْكَاف وَهُوَ الْعظم الَّذِي فِي مفصل الْكَفّ مِمَّا يَلِي الْإِبْهَام وَمَا يَلِي الْخِنْصر اسْمه الكرسوع
والبوع هُوَ الْعظم الَّذِي عِنْد أصل إِبْهَام الرجل وَمِنْه قَوْلهم الغبي من لَا يعرف كوعه من بوعه
أَي مَا يدْرِي لغباوته مَا اسْم الْعظم الَّذِي عِنْد كل إِبْهَام من أصْبع يَدَيْهِ من الْعظم الَّذِي عِنْد كل إِبْهَام من رجلَيْهِ
(فَإِن سرق ثَانِيًا) بعد قطع يمناه (قطعت رجله الْيُسْرَى) بعد اندمال يَده الْيُمْنَى لِئَلَّا يُفْضِي التوالي إِلَى الْهَلَاك وتقطع من الْمفصل الَّذِي بَين السَّاق والقدم لِلِاتِّبَاعِ فِي ذَلِك
(فَإِن سرق ثَالِثا) بعد قطع رجله الْيُسْرَى
(قطعت يَده الْيُسْرَى) بعد اندمال رجله الْيُسْرَى لما مر
(فَإِن سرق رَابِعا) بعد قطع يَده الْيُسْرَى
(قطعت رجله الْيُمْنَى) بعد اندمال يَده الْيُسْرَى لما مر وَإِنَّمَا قطع من خلاف لما روى الشَّافِعِي أَن السَّارِق إِن سرق فَاقْطَعُوا يَده ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا رجله ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا يَده ثمَّ إِن سرق فَاقْطَعُوا رجله
وحكمته لِئَلَّا يفوت جنس الْمَنْفَعَة عَلَيْهِ فتضعف حركته كَمَا فِي قطع الطَّرِيق
لَو سرق بعد قطع أَعْضَائِهِ (فَإِن سرق بعد ذَلِك) أَي بعد قطع أَعْضَائِهِ الْأَرْبَعَة
(عزّر) على الْمَشْهُور لِأَنَّهُ لم يبْق فِي نكاله بعد مَا ذكر إِلَّا التَّعْزِير كَمَا لَو سَقَطت أَطْرَافه أَولا
(وَقيل) لَا يزجره حِينَئِذٍ تَعْزِير بل (يقتل) وَهَذَا مَا حَكَاهُ الإِمَام عَن الْقَدِيم لوروده فِي حَدِيث رَوَاهُ الْأَرْبَعَة
قَالَ فِي الرَّوْضَة إِنَّه مَنْسُوخ أَو مؤول على أَنه ﷺ قَتله لاستحلاله أَو لسَبَب آخر اه
وَالْإِمَام أطلق حِكَايَة هَذَا القَوْل عَن الْقَدِيم كَمَا ترَاهُ وَقَيده المُصَنّف بِكَوْنِهِ (صبرا) قَالَ بعض شارحيه وَلم أره بعد التتبع فِي كَلَام وَاحِد من الْأَئِمَّة الحاكين لَهُ بل أطلقهُ من وقفت على كَلَامه مِنْهُم
فَلَعَلَّ مَا قيد بِهِ المُصَنّف من تصرفه أَو لَهُ فِيهِ سلف لم أظفر بِهِ وعَلى كلا الْأَمريْنِ هُوَ مَنْصُوب على الْمصدر اه
قَالَ النَّوَوِيّ فِي تهذيبه الصَّبْر فِي اللُّغَة الْحَبْس وَقَتله صبرا حَبسه للْقَتْل
اه وَيُوَافِقهُ قَول الْجَوْهَرِي فِي صحاحه يُقَال قتل فلَان صبرا إِذا حبس على الْقَتْل حَتَّى يقتل اه
مُلَخصا
القَوْل فِي حكم الْيَمين الْمَرْدُودَة تَتِمَّة هَل يثبت الْقطع فِي السّرقَة بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَة أَو لَا كَأَن يَدعِي على شخص سَرقَة نِصَاب فينكل عَن الْيَمين فَترد على الْمُدَّعِي فَيحلف جرى فِي الْمِنْهَاج على أَنه يثبت بهَا فَيجب الْقطع
لِأَن الْيَمين الْمَرْدُودَة كَالْإِقْرَارِ أَو الْبَيِّنَة وَالْقطع يجب بِكُل مِنْهُمَا وَالَّذِي جزم فِي الرَّوْضَة كَأَصْلِهَا فِي الْبَاب الثَّالِث فِي الْيَمين من الدَّعَاوَى وَمَشى عَلَيْهِ فِي الْحَاوِي الصَّغِير هُنَا أَنه لَا يقطع بهَا وَهُوَ الْمُعْتَمد لِأَن الْقطع فِي السّرقَة حق الله تَعَالَى بل قَالَ الْأَذْرَعِيّ إِنَّه الْمَذْهَب وَالصَّوَاب الَّذِي قطع بِهِ جُمْهُور الْأَصْحَاب وَهَذَا الْخلاف بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقطع
وَأما المَال فَيثبت قطعا
القَوْل فِيمَا يثبت بِهِ السّرقَة وَيثبت قطع السّرقَة بِإِقْرَار السَّارِق مُؤَاخذَة لَهُ بقوله وَلَا يشْتَرط تكْرَار الْإِقْرَار
كَمَا فِي سَائِر الْحُقُوق وَذَلِكَ بِشَرْطَيْنِ الأول أَن يكون بعد الدَّعْوَى عَلَيْهِ فَلَو أقرّ قبلهَا لم يثبت الْقطع فِي الْحَال بل يُوقف على حُضُور الْمَالِك وَطَلَبه
وَالثَّانِي أَن يفصل الْإِقْرَار فيبين السّرقَة والمسروق مِنْهُ
وَقدر الْمَسْرُوق والحرز بِتَعْيِين أَو وصف بِخِلَاف مَا إِذا لم يبين ذَلِك لِأَنَّهُ قد يظنّ غير السّرقَة الْمُوجبَة للْقطع سَرقَة مُوجبَة لَهُ
وَيقبل رُجُوعه عَن الْإِقْرَار بِالسَّرقَةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْقطع وَلَو فِي أَثْنَائِهِ لِأَنَّهُ حق الله تَعَالَى
وَمن أقرّ بِمُقْتَضى عُقُوبَة الله تَعَالَى كَالزِّنَا وَالسَّرِقَة وَشرب الْخمر كَانَ
стр. 539
للْقَاضِي أَن يعرض لَهُ بِالرُّجُوعِ عَمَّا أقرّ بِهِ
كَأَن يَقُول لَهُ فِي الزِّنَا لَعَلَّك فَأخذت أَو لمست أَو باشرت وَفِي السّرقَة لَعَلَّك أخذت من غير حرز
وَفِي الشّرْب لَعَلَّك لم تعلم أَن مَا شربته مُسكرا لِأَنَّهُ ﷺ قَالَ لمن أقرّ عِنْده بِالسَّرقَةِ مَا إخالك سرقت قَالَ بلَى فَأَعَادَ عَلَيْهِ مرَّتَيْنِ أَو ثَلَاثًا فَأمر بِهِ فَقطع وَقَالَ لماعز لَعَلَّك قبلت أَو غمزت أَو نظرت رَوَاهُ البُخَارِيّ
وَلَا يَقُول لَهُ ارْجع عَنهُ لِأَنَّهُ يكون أمرا بِالْكَذِبِ
وَتثبت أَيْضا بِشَهَادَة رجلَيْنِ كَسَائِر الْعُقُوبَات غير الزِّنَا
فَلَو شهد رجل وَامْرَأَتَانِ ثَبت المَال وَلَا قطع
وَيشْتَرط ذكر الشَّاهِد شُرُوط السّرقَة الْمُوجبَة للْقطع كَمَا مر فِي الْإِقْرَار
وَيجب على السَّارِق رد مَا أَخذه إِن كَانَ بَاقِيا لخَبر أبي دَاوُد على الْيَد مَا أخذت حَتَّى تُؤَدِّيه فَإِن تلف ضمنه بِبَدَلِهِ جبرا لما فَاتَ
فصل فِي قَاطع الطَّرِيق
الأَصْل فِيهِ آيَة ﴿إِنَّمَا جَزَاء الَّذين يُحَاربُونَ الله وَرَسُوله﴾ وَقطع الطَّرِيق هُوَ البروز لأخذ مَال أَو لقتل أَو لإرعاب مُكَابَرَة واعتمادا على الْقُوَّة مَعَ الْبعد عَن الْغَوْث
وَيثبت برجلَيْن لَا بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ
وقاطع الطَّرِيق مُلْزم للْأَحْكَام وَلَو سكرانا أَو ذِمِّيا مُخْتَار مخيف للطريق يُقَاوم من يبرز هوله بِأَن يُسَاوِيه أَو يغلبه بِحَيْثُ يبعد مَعَه غوث لبعد عَن الْعِمَارَة أَو ضعف فِي أَهلهَا
وَإِن كَانَ البارز وَاحِدًا أَو أُنْثَى أَو بِلَا سلَاح
وَخرج بالقيود الْمَذْكُورَة أضدادها فَلَيْسَ المتصف بهَا أَو بِشَيْء مِنْهَا من حَرْبِيّ وَلَو معاهدا وَصبي وَمَجْنُون ومكره ومختلس ومنتهب قَاطع طَرِيق
وَقد علم مِمَّا تقرر أَنه لَا يشْتَرط فِيهِ إِسْلَام وَإِن شَرطه فِي الْمِنْهَاج كَأَصْلِهِ وَلَو دخل جمع بِاللَّيْلِ دَارا وَمنعُوا أَهلهَا من الِاسْتِعَانَة مَعَ قُوَّة السُّلْطَان وحضوره فقطاع
(وقطاع الطَّرِيق على أَرْبَعَة أَقسَام) فَقَط لِأَن الْمَوْجُود مِنْهُم إِمَّا الِاقْتِصَار على الْقَتْل أَو الْجمع بَينه وَبَين أَخذ المَال أَو الِاقْتِصَار على أَخذ المَال أَو على الإخافة ورتبها المُصَنّف على هَذَا مبتدئا بِالْأولِ فَقَالَ (إِن قتلوا) مَعْصُوما مكافئا لَهُم عمدا
(وَلم يَأْخُذُوا المَال قتلوا) حتما لِلْآيَةِ السَّابِقَة
وَلِأَنَّهُم ضمُّوا إِلَى جنايتهم إخافة سَبِيل الْمُقْتَضِيَة زِيَادَة الْعقُوبَة
وَلَا زِيَادَة هُنَا إِلَّا تحتم الْقَتْل فَلَا يسْقط
قَالَ الْبَنْدَنِيجِيّ وَمحل تحتمه إِذا قتلوا لأخذ المَال وَإِلَّا فَلَا تحتم
стр. 540
ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْقسم الثَّانِي بقوله (فَإِن قتلوا وَأخذُوا المَال) الْمُقدر بنصاب السّرقَة وَقِيَاس مَا سبق اعْتِبَار الْحِرْز وَعدم الشُّبْهَة
(قتلوا) حتما (وصلبوا) زِيَادَة فِي التنكيل وَيكون صلبهم بعد غسلهم وتكفينهم وَالصَّلَاة عَلَيْهِم
وَالْغَرَض من صلبهم بعد قَتلهمْ التنكيل بهم وزجر غَيرهم ويصلب على خَشَبَة وَنَحْوهَا ثَلَاثَة أَيَّام ليشتهر الْحَال
وَيتم النكال وَلِأَن لَهَا اعْتِبَارا فِي الشَّرْع وَلَيْسَ لما زَاد عَلَيْهَا غَايَة ثمَّ ينزل هَذَا إِذا لم يخف التَّغَيُّر
فَإِن خيف قبل الثَّلَاثَة أنزل على الْأَصَح وَحمل النَّص فِي الثَّلَاث على زمن الْبرد والاعتدال ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْقسم الثَّالِث بقوله (وَإِن أخذُوا المَال) الْمُقدر بنصاب سَرقَة بِلَا شُبْهَة من حرز مِمَّا مر بَيَانه فِي السّرقَة
(وَلم يقتلُوا قطعت) بِطَلَب من الْمَالِك (أَيْديهم وأرجلهم من خلاف) بِأَن تقطع الْيَد الْيُمْنَى وَالرجل الْيُسْرَى دفْعَة أَو على الْوَلَاء لِأَنَّهُ حد وَاحِد فَإِن عَادوا بعد قطعهمَا ثَانِيًا قطعت الْيَد الْيُسْرَى وَالرجل الْيُمْنَى لقَوْله تَعَالَى ﴿أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف﴾ وَإِنَّمَا قطع من خلاف لما مر فِي السّرقَة وَقطعت الْيَد الْيُمْنَى لِلْمَالِ كالسرقة وَقيل للمحاربة وَالرجل قيل لِلْمَالِ وَقيل للمجاهرة تَنْزِيلا لذَلِك منزلَة سَرقَة ثَانِيَة وَقيل للمحاربة قَالَ العمراني وَهُوَ أشبه
ثمَّ أَشَارَ إِلَى الْقسم الرَّابِع بقوله (فَإِن أخافوا السَّبِيل) أَي الطَّرِيق بوقوفهم فِيهَا (وَلم يَأْخُذُوا مَالا) من الْمَارَّة (وَلم يقتلُوا) مِنْهُم أحدا (حبسوا) فِي غير موضعهم لِأَنَّهُ أحوط وأبلغ فِي الزّجر والإيحاش
كَمَا هُوَ فِي الرَّوْضَة حِكَايَة عَن ابْن سُرَيج
وَأقرهُ (وعزروا) بِمَا يرَاهُ الإِمَام من ضرب وَغَيره لارتكابهم مَعْصِيّة لَا حد فِيهَا وَلَا كَفَّارَة
تَنْبِيه عطف المُصَنّف التَّعْزِير على الْحَبْس من عطف الْعَام على الْخَاص إِذْ الْحَبْس من جنس التَّعْزِير وَللْإِمَام تَركه إِن رَآهُ مصلحَة وَبِمَا تقرر فسر ابْن عَبَّاس الْآيَة الْكَرِيمَة فَقَالَ الْمَعْنى أَن يقتلُوا إِن قتلوا أَو يصلبوا مَعَ ذَلِك إِن قتلوا وَأخذُوا المَال أَو تقطع أَيْديهم وأرجلهم من خلاف إِن اقتصروا على أَخذ المَال أَو ينفوا من الأَرْض إِن أرعبوا وَلم يَأْخُذُوا شَيْئا فَحمل كلمة أَو على التنويع لَا التَّخْيِير كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿وَقَالُوا كونُوا هودا أَو نَصَارَى﴾ أَي قَالَت الْيَهُود كونُوا هودا وَقَالَت النَّصَارَى كونُوا نَصَارَى
إِذْ لم يُخَيّر أحد مِنْهُم بَين الْيَهُودِيَّة والنصرانية وَقتل الْقَاطِع يغلب فِيهِ معنى الْقصاص لَا الْحَد لِأَن الأَصْل فِيمَا اجْتمع فِيهِ حق الله تَعَالَى وَحقّ الْآدَمِيّ يغلب فِيهِ حق الْآدَمِيّ لبنائه على التَّضْيِيق وَلِأَنَّهُ لَو قتل بِلَا محاربة ثَبت لَهُ الْقود فَكيف يحبط حَقه بقتْله فِيهَا
فَلَا يقتل بِغَيْر كُفْء كولده وَلَو مَاتَ بِغَيْر قتل فديَة تجب فِي تركته فِي الْحر
أما فِي الرَّقِيق فَتجب قِيمَته مُطلقًا وَيقتل بِوَاحِد مِمَّن قَتلهمْ وللباقين ديات فَإِن قَتلهمْ مُرَتبا قتل بِالْأولِ مِنْهُم
وَلَو عَفا ولي الْقَتِيل بِمَال وَجب المَال وَقتل الْقَاتِل حدا لتحتيم قَتله وتراعى الْمُمَاثلَة فِيمَا قتل بِهِ وَلَا يتحتم غير قتل وصلب كَأَن قطع يَده فاندمل لِأَن التحتم تَغْلِيظ لحق الله تَعَالَى
فاختص بِالنَّفسِ كالكفارة
الظفر بِهِ (سقط عَنهُ الْحُدُود) أَي الْعُقُوبَات الَّتِي تخص الْقَاطِع من تحتم الْقَتْل والصلب وَقطع الْيَد وَالرجل لآيَة ﴿إِلَّا الَّذين تَابُوا من قبل أَن﴾
стр. 541
القَوْل فِي حكم من تَابَ مِنْهُم (وَمن تَابَ مِنْهُم قبل الْقُدْرَة عَلَيْهِ) أَي قبل تقدروا عَلَيْهِم ﴿وَأخذُوا﴾ من الْمُؤَاخَذَة مَبْنِيّ للْمَفْعُول بِمَعْنى طُولِبَ
(بالحقوق) أَي بباقيها فَلَا يسْقط عَنهُ وَلَا عَن غَيره بِالتَّوْبَةِ قَود وَلَا مَال وَلَا بَاقِي الْحُدُود من حد زنا وسرقة وَشرب خمر وَقذف لِأَن العمومات الْوَارِدَة فِيهَا لم تفصل بَين مَا قبل التَّوْبَة وَمَا بعْدهَا بِخِلَاف قَاطع الطَّرِيق نعم تَارِك الصَّلَاة كسلا يقتل حدا على الصَّحِيح
وَمَعَ ذَلِك لَو تَابَ سقط الْقَتْل قطعا وَالْكَافِر إِذا زنى ثمَّ أسلم فَإِنَّهُ يسْقط عَنهُ الْحَد كَمَا نَقله فِي الرَّوْضَة عَن النَّص وَلَا يرد الْمُرْتَد إِذا تَابَ حَيْثُ تقبل تَوْبَته وَيسْقط الْقَتْل لِأَنَّهُ إِذا أصر يقتل كفرا لَا حدا وَمحل عدم سُقُوط بَاقِي الْحُدُود بِالتَّوْبَةِ فِي الظَّاهِر أما فِيمَا بَينه وَبَين الله تَعَالَى فَيسْقط قطعا لِأَن التَّوْبَة تسْقط أثر الْمعْصِيَة كَمَا نبه عَلَيْهِ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة فِي بَاب السّرقَة
وَقد قَالَ ﷺ التَّوْبَة تجب مَا قبلهَا وَورد التائب من الذَّنب كمن لَا ذَنْب لَهُ
تَتِمَّة التَّوْبَة لُغَة الرُّجُوع وَلَا يلْزم أَن تكون عَن ذَنْب وَعَلِيهِ حمل قَوْله ﷺ إِنِّي لأتوب إِلَى الله تَعَالَى فِي الْيَوْم سبعين مرّة فَإِنَّهُ ﷺ رَجَعَ عَن الِاشْتِغَال بمصالح الْخلق إِلَى الْحق
قَالَ تَعَالَى ﴿فَإِذا فرغت فانصب﴾ وَإِنَّمَا فعل ﷺ ذَلِك تشريعا وليفتح بَاب التَّوْبَة للْأمة ليعلمهم كَيفَ الطَّرِيق إِلَى الله تَعَالَى وَقد سُئِلَ بعض أكَابِر الْقَوْم عَن قَوْله تَعَالَى ﴿لقد تَابَ الله على النَّبِي﴾ من أَي شَيْء فَقَالَ نبه بتوبة من لم يُذنب على تَوْبَة من أذْنب يَعْنِي بذلك أَنه لَا يدْخل أحد مقَاما من المقامات الصَّالِحَة إِلَّا تَابعا لَهُ ﷺ فلولا تَوْبَته ﷺ مَا حصل لأحد تَوْبَة
وأصل هَذِه التَّوْبَة أَخذ الْعلقَة من صَدره الْكَرِيم ﷺ وَقيل هَذِه حَظّ الشَّيْطَان مِنْك وَشرعا لرجوع عَن التعويج إِلَى سنَن الطَّرِيق الْمُسْتَقيم
وشروطها إِن كَانَت من حق الله تَعَالَى النَّدَم والإقلاع والعزم على أَن لَا يعود
وَإِن كَانَت من حُقُوق الْآدَمِيّين زيد على ذَلِك رَابِع وَهُوَ الْخُرُوج من الْمَظَالِم وَقد بسطت الْكَلَام على التَّوْبَة مَعَ ذكر جمل من النفائس الْمُتَعَلّقَة بهَا فِي شرح الْمِنْهَاج وَغَيره
فصل فِي حكم الصيال وَمَا تتلفه الْبَهَائِم
والصيال هُوَ الاستطالة والوثوب
وَالْأَصْل فِيهِ قَوْله تَعَالَى ﴿فَمن اعْتدى عَلَيْكُم فاعتدوا عَلَيْهِ بِمثل مَا اعْتدى عَلَيْكُم﴾
стр. 542
وَخبر البُخَارِيّ انصر أَخَاك ظَالِما أَو مَظْلُوما
والصائل ظَالِم فَيمْنَع من ظلمه لِأَن ذَلِك نصر
ثمَّ شرع فِي الْقسم الأول وَهُوَ حكم الصَّائِل فَقَالَ (وَمن قصد) بِضَم أَوله على الْبناء للْمَفْعُول
بِمَعْنى قَصده صائل من آدَمِيّ مُسلما كَانَ أَو كَافِرًا عَاقِلا أَو مَجْنُونا بَالغا أَو صَغِيرا قَرِيبا أَو أَجْنَبِيّا أَو بَهِيمَة
(بأذى) بتنوين الْمُعْجَمَة أَي بِمَا يُؤْذِيه (فِي نَفسه) كَقَتل وَقطع طرف وَإِبْطَال مَنْفَعَة عُضْو (أَو) فِي (مَاله) وَلَو قَلِيلا كدرهم (أَو) فِي (حريمه فقاتل عَن ذَلِك) ليندفع عَنهُ (فَقتل) المصول عَلَيْهِ الصَّائِل
(فَلَا ضَمَان عَلَيْهِ) من قصاص وَلَا دِيَة وَلَا كَفَّارَة وَلَا قيمَة بَهِيمَة وَغَيرهَا لخَبر من قتل دون دَمه فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون مَاله فَهُوَ شَهِيد وَمن قتل دون أَهله فَهُوَ شَهِيد رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيّ وَصَححهُ
وَجه الدّلَالَة أَنه لما جعله شَهِيدا دلّ على أَن لَهُ الْقَتْل والقتال كَمَا أَن من قَتله أهل الْحَرْب لما كَانَ شَهِيدا كَانَ لَهُ الْقَتْل والقتال وَلَا إِثْم عَلَيْهِ أَيْضا لِأَنَّهُ مَأْمُور بِدَفْعِهِ وَفِي الْأَمر بِالْقِتَالِ وَالضَّمان مُنَافَاة حَتَّى لَو صال العَبْد الْمَغْصُوب أَو الْمُسْتَعَار على مَالِكه فَقتله دفعا لم يبرأ الْغَاصِب وَلَا الْمُسْتَعِير وَيسْتَثْنى من عدم الضَّمَان الْمُضْطَر إِذا قَتله صَاحب الطَّعَام دفعا فَإِن عَلَيْهِ الْقود كَمَا قَالَه الزبيلي فِي آدَاب الْقَضَاء وَلَو صال مكْرها على إِتْلَاف مَال غَيره لم يجز دَفعه بل يلْزم الْمَالِك أَن يقي روحه بِمَالِه
كَمَا يتَنَاوَل الْمُضْطَر طَعَامه وَلكُل مِنْهُمَا دفع الْمُكْره
تَنْبِيه تَعْبِير المُصَنّف بِالْمَالِ قد يخرج مَا لَيْسَ بِمَال كَالْكَلْبِ المقتنى والسرجين وَقَضِيَّة كَلَام الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره إِلْحَاقه بِهِ
وَهُوَ الظَّاهِر وَله دفع مُسلم عَن ذمِّي ووالد عَن وَلَده وَسيد عَن عَبده
لأَنهم معصومون وَلَا يجب الدّفع عَن مَال لَا روح فِيهِ لِأَنَّهُ تجوز إِبَاحَته للْغَيْر أما مَا فِيهِ روح فَيجب الدّفع عَنهُ
إِذا قصد إِتْلَافه مَا لم يخْش على نَفسه لحُرْمَة الرّوح
وَيجب الدّفع عَن بضع لِأَنَّهُ لَا السَّبِيل إِلَى إِبَاحَته وَسَوَاء بضع أَهله وَغَيرهم وَمثل الْبضْع مقدماته وَعَن نَفسه إِذا قَصدهَا كَافِر وَلَو مَعْصُوما إِذْ غير الْمَعْصُوم لَا حُرْمَة لَهُ والمعصوم بطلت حرمته بصياله وَلِأَن الاستسلام للْكَافِرِ ذل فِي الدّين أَو قَصدهَا بَهِيمَة لِأَنَّهَا تذبح لاستبقاء الْآدَمِيّ فَلَا وَجه
стр. 543
للإستسلام لَهَا وَظَاهره أَن عضوه ومنفعته كنفسه وَلَا يجب الدّفع إِذا قَصدهَا مُسلم وَلَو مَجْنُونا بل يجوز الاستسلام لَهُ بل يسن كَمَا أفهمهُ كَلَام الرَّوْضَة لخَبر أبي دَاوُد كن خير ابْني آدَمِيّ يَعْنِي قابيل وهابيل
وَالدَّفْع عَن نفس غَيره إِذا كَانَ آدَمِيًّا مُحْتَرما كالدفع عَن نَفسه فَيجب حَيْثُ يجب وينتفي حَيْثُ يَنْتَفِي وَفِي مُسْند الإِمَام أَحْمد من أذلّ عِنْده مُسلم فَلم ينصره وَهُوَ قَادر أَن ينصره أذله الله على رُؤُوس الْخَلَائق يَوْم الْقِيَامَة وَيدْفَع الصَّائِل بالأخف فالأخف
فَإِن أمكن دَفعه بِكَلَام أَو استغاثة حرم الدّفع بِالضَّرْبِ أَو بِضَرْب بيد حرم بِسَوْط أَو بِسَوْط حرم بعصا أَو بعصا حرم بِقطع عُضْو أَو بِقطع عُضْو حرم قتل لِأَن ذَلِك جوز للضَّرُورَة وَلَا ضَرُورَة فِي الأثقل مَعَ إِمْكَان تَحْصِيل الْمَقْصُود بالأسهل وَفَائِدَة هَذَا التَّرْتِيب أَنه مَتى خَالف وَعدل إِلَى رُتْبَة مَعَ إِمْكَان الِاكْتِفَاء بِمَا دونهَا ضمن وَيسْتَثْنى من التَّرْتِيب مَا لَو التحم الْقِتَال بَينهمَا وَاشْتَدَّ الْأَمر عَن الضَّبْط سقط مُرَاعَاة التَّرْتِيب كَمَا ذكره الإِمَام فِي قتال الْبُغَاة
وَمَا لَو كَانَ الصَّائِل ينْدَفع بِالسَّوْطِ والعصا والمصول عَلَيْهِ لَا يجد إِلَّا السَّيْف فَالصَّحِيح أَن لَهُ الضَّرْب بِهِ لِأَنَّهُ لَا يُمكنهُ الدّفع إِلَّا بِهِ وَلَيْسَ بمقصر فِي ترك اسْتِصْحَاب السَّوْط وَنَحْوه
وعَلى التَّرْتِيب إِن أمكن المصول عَلَيْهِ هرب أَو التجاء لحصن أَو جمَاعَة فَالْمَذْهَب وُجُوبه وَتَحْرِيم قتال لِأَنَّهُ مَأْمُور بتخليص نَفسه بالأهون
فالأهون وَمَا ذكره أسهل من غَيره فَلَا يعدل إِلَى الأشد
القَوْل فِي حكم مَا تتلفه الْبَهَائِم ثمَّ شرع فِي الْقسم الثَّانِي وَهُوَ مَا تتلفه الْبَهَائِم بقوله (وعَلى رَاكب الدَّابَّة) وسائقها وقائدها سَوَاء أَكَانَ مَالِكًا أم مُسْتَأْجرًا أم مودعا أم مستعيرا أم غَاصبا
(ضَمَان مَا أتلفته دَابَّته) أَي الَّتِي يَده عَلَيْهَا بِيَدِهَا أَو رجلهَا أَو غير ذَلِك نفسا أَو مَالا لَيْلًا أَو نَهَارا لِأَنَّهَا فِي يَده وَعَلِيهِ تعهدها وحفظها وَلِأَنَّهُ إِذا كَانَ فعلهَا مَنْسُوبا إِلَيْهِ
وَإِلَّا نسب إِلَيْهَا كَالْكَلْبِ إِذا أرْسلهُ صَاحبه وَقتل الصَّيْد حل وَإِن استرسل بِنَفسِهِ فَلَا فجنايتها كجنايته وَلَو كَانَ مَعهَا سائق وقائد فَالضَّمَان عَلَيْهِمَا نِصْفَيْنِ وَلَو كَانَ مَعهَا سائق وقائد مَعَ رَاكب فَهَل يخْتَص الضَّمَان بالراكب أَو يجب أَثلَاثًا وَجْهَان أرجحهما الأول
وَلَو كَانَ عَلَيْهَا راكبان فَهَل يجب الضَّمَان عَلَيْهِمَا أَو يخْتَص بِالْأولِ دون الرديف وَجْهَان أوجههمَا الأول لِأَن الْيَد لَهما
стр. 544
تَنْبِيه حَيْثُ أطلق ضَمَان النَّفس فِي هَذَا الْبَاب فَهُوَ على الْعَاقِلَة كحفر الْبِئْر وَيسْتَثْنى من إِطْلَاقه صور الأولى لَو أركبها أَجْنَبِي بِغَيْر إِذن الْوَلِيّ صَبيا أَو مَجْنُونا فأتلفت شَيْئا فَالضَّمَان على الْأَجْنَبِيّ
الثَّانِيَة لَو ركب الدَّابَّة فنخسها إِنْسَان بِغَيْر إِذْنه كَمَا قَيده الْبَغَوِيّ
فرمحت فأتلفت شَيْئا فَالضَّمَان على الناخس فَإِن أذن الرَّاكِب فِي النخس فَالضَّمَان عَلَيْهِ الثَّالِثَة لَو غلبته دَابَّته فَاسْتَقْبلهَا إِنْسَان فَردهَا فأتلفت فِي انصرافها شَيْئا ضمنه الرَّاد
الرَّابِعَة لَو سَقَطت الدَّابَّة ميتَة فَتلف بهَا شَيْء لم يضمنهُ
وَكَذَا لَو سقط هُوَ مَيتا على شَيْء وأتلفه لَا ضَمَان عَلَيْهِ قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَيَنْبَغِي أَن يلْحق بسقوطها ميتَة سُقُوطهَا بِمَرَض أَو عَارض ريح شَدِيد وَنَحْوه
الْخَامِسَة لَو كَانَ مَعَ الدَّوَابّ رَاع فهاجت ريح وأظلم النَّهَار فتفرقت الدَّوَابّ فَوَقَعت فِي زرع فأفسدته فَلَا ضَمَان على الرَّاعِي فِي الْأَظْهر للغلبة كَمَا لَو ند بعيره أَو انفلتت دَابَّته من يَده فأفسدت شَيْئا بِخِلَاف مَا لَو تَفَرَّقت الْغنم لنومه فَيضمن وَلَو انتفخ ميت فتكسر بِسَبَبِهِ شَيْء لم يضمنهُ بِخِلَاف طِفْل سقط على شَيْء لِأَن لَهُ فعلا بِخِلَاف الْمَيِّت وَلَو بَالَتْ دَابَّته أَو راثت بمثلثة بطرِيق وَلَو واقفة فَتلفت بِهِ نفس أَو مَال فَلَا ضَمَان كَمَا فِي الْمِنْهَاج كَأَصْلِهِ لِأَن الطَّرِيق لَا تَخْلُو عَن ذَلِك وَالْمَنْع من الطروق لَا سَبِيل إِلَيْهِ
وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد وَإِن نَازع فِي ذَلِك أَكثر الْمُتَأَخِّرين وَإِنَّمَا يضمن صَاحب الدَّابَّة مَا أتلفته دَابَّته إِذا لم يقصر صَاحب المَال فِيهِ فَإِن قصر بِأَن وضع المَال بطرِيق أَو عرضه للدابة فَلَا يضمنهُ لِأَنَّهُ المضيع لمَاله وَإِن كَانَت الدَّابَّة وَحدهَا فأتلفت زرعا أَو غَيره نَهَارا لم يضمن صَاحبهَا أَو لَيْلًا ضمن لتَقْصِيره بإرسالها لَيْلًا بِخِلَافِهِ نَهَارا للْخَبَر الصَّحِيح فِي ذَلِك رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره
وَهُوَ على وفْق الْعَادة فِي حفظ الزَّرْع وَنَحْوه نَهَارا وَالدَّابَّة لَيْلًا وَلَو تعود أهل الْبَلَد إرْسَال الدَّوَابّ أَو حفظ الزَّرْع لَيْلًا دون النَّهَار
انعكس الحكم فَيضمن مرسلها مَا أتلفته نَهَارا دون اللَّيْل اتبَاعا لِمَعْنى الْخَبَر وَالْعَادَة وَمن ذَلِك يُؤْخَذ مَا بَحثه البُلْقِينِيّ أَنه لَو جرت عَادَة بحفظها لَيْلًا وَنَهَارًا ضمن مرسلها مَا أتلفته مُطلقًا
تَتِمَّة يسْتَثْنى من الدَّوَابّ الْحمام وَغَيره من الطُّيُور فَلَا ضَمَان بإتلافها مُطلقًا كَمَا حَكَاهُ فِي أصل الرَّوْضَة عَن ابْن الصّباغ
стр. 545
وَعلله بِأَن الْعَادة إرسالها وَيدخل فِي ذَلِك النَّحْل
وَقد أفتى البُلْقِينِيّ فِي نحل لإِنْسَان قتل جملا لآخر بِعَدَمِ الضَّمَان
وَعلله بِأَن صَاحب النَّحْل لَا يُمكنهُ ضَبطه وَالتَّقْصِير من صَاحب الْجمل وَلَو أتلفت الْهِرَّة طيرا أَو طَعَاما أَو غَيره إِن عهد ذَلِك مِنْهَا ضمن مَالِكهَا أَو صَاحبهَا الَّذِي يَأْوِيهَا مَا أتلفته لَيْلًا كَانَ أَو نَهَارا وَكَذَا كل حَيَوَان مولع بِالتَّعَدِّي كَالْجمَلِ وَالْحمار اللَّذين عرفا بعقر الدَّوَابّ وإتلافها
أما إِذا لم يعْهَد مِنْهَا إِتْلَاف مَا ذكر فَلَا ضَمَان لِأَن الْعَادة حفظ مَا ذكر عَنْهَا لَا ربطها
فَائِدَة سُئِلَ الْقفال عَن حبس الطُّيُور فِي أقفاص لسَمَاع أصواتها أَو غير ذَلِك فَأجَاب بِالْجَوَازِ إِذا تعهدها صَاحبهَا بِمَا يحْتَاج إِلَيْهِ
كالبهيمة ترْبط وَلَو كَانَ بداره كلب عقور أَو دَابَّة جموح ودخلها شخص بِإِذْنِهِ وَلم يُعلمهُ بِالْحَال فعضه الْكَلْب أَو رمحته الدَّابَّة ضمن وَإِن كَانَ الدَّاخِل بَصيرًا أَو دَخلهَا بِلَا إِذن أَو أعلمهُ بِالْحَال
فَلَا ضَمَان لِأَنَّهُ المتسبب فِي هَلَاك نَفسه
فصل فِي قتال الْبُغَاة
جمع بَاغ وَالْبَغي الظُّلم ومجاوزة الْحَد سموا بذلك لظلمهم وعدولهم عَن الْحق وَالْأَصْل فِيهِ آيَة ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ من الْمُؤمنِينَ اقْتَتَلُوا﴾ وَلَيْسَ فِيهَا ذكر الْخُرُوج على الإِمَام صَرِيحًا لَكِنَّهَا تشمله بعمومها أَو تَقْتَضِيه لِأَنَّهُ إِذا طلب الْقِتَال لبغي طَائِفَة على طَائِفَة فللبغي على الإِمَام أولى وهم مُسلمُونَ مخالفو إِمَام وَلَو جائرا بِأَن خَرجُوا عَن طَاعَته بِعَدَمِ انقيادهم لَهُ أَو منع حق توجه عَلَيْهِم كَزَكَاة بِالشُّرُوطِ الْآتِيَة (وَيُقَاتل أهل الْبَغي) وجوبا كَمَا اسْتُفِيدَ من الْآيَة الْمُتَقَدّمَة
وَعَلَيْهَا عول عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي قتال صفّين والنهروان
(بِثَلَاثَة شَرَائِط) الأول (أَن يَكُونُوا فِي مَنْعَة) بِفَتْح النُّون وَالْعين الْمُهْملَة أَي شَوْكَة بِكَثْرَة أَو قُوَّة وَلَو بحصن بِحَيْثُ يُمكن مَعهَا مقاومة الإِمَام فَيحْتَاج فِي ردهم إِلَى الطَّاعَة لكلفة من بذل مَال وَتَحْصِيل رجال وَهِي لَا تحصل إِلَّا بمطاع أَي متبوع يحصل بِهِ قُوَّة لشوكتهم يصدرون عَن رَأْيه
إِذْ لَا قُوَّة لمن لَا تجمع كلمتهم بمطاع فالمطاع شَرط لحُصُول الشَّوْكَة لَا أَنه شَرط آخر غير الشَّوْكَة كَمَا تَقْتَضِيه عبارَة الْمِنْهَاج وَلَا يشْتَرط أَن يكون فيهم إِمَام مَنْصُوب لِأَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَاتل أهل الْجمل وَلَا إِمَام لَهُم وَأهل صفّين قبل نصب إمَامهمْ
стр. 546
(و) الثَّانِي (أَن يخرجُوا عَن قَبْضَة الإِمَام) أَي عَن طَاعَته بانفرادهم ببلدة أَو قَرْيَة أَو مَوضِع من الصَّحرَاء كَمَا نَقله فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا عَن جمع وَحكى الْمَاوَرْدِيّ الِاتِّفَاق عَلَيْهِ
(و) الثَّالِث (أَن يكون لَهُم) فِي خُرُوجهمْ عَن طَاعَة الإِمَام (تَأْوِيل سَائِغ) أَي مُحْتَمل من الْكتاب أَو السّنة ليستندوا إِلَيْهِ لِأَن من خَالف بِغَيْر تَأْوِيل كَانَ معاندا للحق
تَنْبِيه يشْتَرط فِي التَّأْوِيل أَن يكون فَاسِدا لَا يقطع بفساده بل يَعْتَقِدُونَ بِهِ جَوَاز الْخُرُوج كتأويل الخارجين من أهل الْجمل وصفين على عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِأَنَّهُ يعرف قتلة عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَلَا يقْتَصّ مِنْهُم لمواطأته إيَّاهُم وَتَأْويل بعض مانعي الزَّكَاة من أبي بكر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ بِأَنَّهُم لَا يدْفَعُونَ الزَّكَاة إِلَّا لمن صلَاته سكن لَهُم أَي دعاؤه رَحْمَة لَهُم وَهُوَ النَّبِي ﷺ فَمن فقدت فِيهِ الشُّرُوط الْمَذْكُورَة بِأَن خَرجُوا بِلَا تَأْوِيل
كمانعي حق الشَّرْع كَالزَّكَاةِ عنادا أَو بِتَأْوِيل يقطع بِبُطْلَانِهِ كتأويل الْمُرْتَدين أَو لم تكن لَهُم شَوْكَة بِأَن كَانُوا أفرادا يسهل الظفر بهم أَو لَيْسَ فيهم مُطَاع
فليسوا بغاة لانتقاء حرمتهم فيترتب على أفعالهم مقتضاها على تَفْصِيل فِي ذِي الشَّوْكَة يعلم مِمَّا يَأْتِي حَتَّى لَو تأولوا بِلَا شَوْكَة وأتلفوا شَيْئا ضمنوه مُطلقًا كقاطع الطَّرِيق وَأما الْخَوَارِج وهم قوم يكفرون مرتكب كَبِيرَة ويتركون الْجَمَاعَات فَلَا يُقَاتلُون وَلَا يفسقون مَا لم يقاتلوا وهم فِي قبضتنا نعم إِن تضررنا بهم
تعرضنا لَهُم حَتَّى يَزُول الضَّرَر فَإِن قَاتلُوا أَو لم يَكُونُوا فِي قبضتنا قوتلوا وَلَا يتحتم قتل الْقَاتِل مِنْهُم وَإِن كَانُوا كقطاع الطَّرِيق فِي شهر السِّلَاح لأَنهم لم يقصدوا إخافة الطَّرِيق وَهَذَا مَا فِي الرَّوْضَة وَأَصلهَا عَن الْجُمْهُور وَفِيهِمَا عَن الْبَغَوِيّ أَن حكمهم كَحكم قطاع الطَّرِيق وَبِه جزم فِي الْمِنْهَاج وَالْمُعْتَمد الأول فَإِن قيد بهَا إِذا قصدُوا إخافة الطَّرِيق فَلَا خلاف
القَوْل فِي حكم شَهَادَة الْبُغَاة وَتقبل شَهَادَة الْبُغَاة لأَنهم لَيْسُوا بفسقة لتأويلهم قَالَ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ إِلَّا أَن يَكُونُوا مِمَّن يشْهدُونَ لموافقيهم بتصديقهم كالخطابية وهم صنف من الرافضة يشْهدُونَ بالزور ويقضون لموافقيهم بتصديقهم فَلَا تقبل شَهَادَتهم وَلَا ينفذ حكم قاضيهم وَلَا يخْتَص هَذَا بالبغاة نعم إِن بينوا السَّبَب قبلت شَهَادَتهم لانْتِفَاء التُّهْمَة حِينَئِذٍ وَيقبل قَضَاء قاضيهم بعد اعْتِبَار صِفَات القَاضِي فِيهِ فِيمَا يقبل فِيهِ قَضَاء قاضينا لِأَن لَهُم تَأْوِيلا يسوغ فِيهِ الِاجْتِهَاد إِلَّا أَن يسْتَحل شَاهد الْبُغَاة أَو قاضيهم دماءنا وَأَمْوَالنَا فَلَا تقبل شَهَادَته وَلَا قَضَاؤُهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِعدْل وَشرط الشَّاهِد وَالْقَاضِي الْعَدَالَة هَذَا مَا نَقله الشَّيْخَانِ فِي الرَّوْضَة
وَأَصلهَا هُنَا عَن الْمُعْتَبر وَجرى عَلَيْهِ النَّوَوِيّ فِي الْمِنْهَاج وَلَا يُنَافِي ذَلِك مَا ذكره فِي زِيَادَة الرَّوْضَة فِي كتاب الشَّهَادَات من أَنه لَا فرق فِي قبُول شَهَادَة أهل الْأَهْوَاء وَقَضَاء قاضيهم بَين من يسْتَحل الدِّمَاء وَالْأَمْوَال أم لَا لِأَن مَا هُنَا مَحْمُول على من اسْتحلَّ ذَلِك بِلَا تَأْوِيل
وَمَا هُنَاكَ على من استحله بِتَأْوِيل
стр. 547
القَوْل فِي حكم مَا أتْلفه الْبُغَاة وَمَا أتْلفه بَاغ من نفس أَو مَال على عَادل وَعَكسه
إِن لم يكن فِي قتال لضرورته بِأَن كَانَ فِي غير الْقِتَال أَو فِيهِ لَا لضرورته ضمن كل مِنْهُمَا مَا أتْلفه من نفس أَو مَال جَريا على الأَصْل فِي الاتلافيات نعم إِن قصد أهل الْعدْل إِتْلَاف المَال إضعافهم وهزيمتهم لم يضمنوا كَمَا قَالَ الْمَاوَرْدِيّ
فَإِن كَانَ الْإِتْلَاف فِي قتال لضرورته فَلَا ضَمَان اقْتِدَاء بالسلف لِأَن الوقائع الَّتِي جرت فِي عصر الصَّحَابَة كوقعة الْجمل وصفين لم يُطَالب بَعضهم بَعْضًا بِضَمَان نفس وَلَا مَال وَهَذَا عِنْد اجْتِمَاع الشَّوْكَة والتأويل فَإِن فقد أَحدهمَا فَلهُ حالان الأول الْبَاغِي المتأول بِلَا شَوْكَة يضمن النَّفس وَالْمَال وَلَو حَال الْقِتَال كقاطع الطَّرِيق
وَالثَّانِي لَهُ شَوْكَة بِلَا تَأْوِيل وَهَذَا كباغ فِي الضَّمَان وَعَدَمه
لِأَن سُقُوط الضَّمَان فِي الباغين لقطع الْفِتْنَة واجتماع الْكَلِمَة وَهُوَ مَوْجُود هُنَا
وَلَا يُقَاتل الإِمَام الْبُغَاة حَتَّى يبْعَث لَهُم أَمينا فطنا إِن كَانَ الْبَعْث للمناظرة ناصحا لَهُم يسألهم عَمَّا يكْرهُونَ اقْتِدَاء ب عَليّ ﵁ فَإِنَّهُ بعث ابْن عَبَّاس إِلَى أهل النهروان فَرجع بَعضهم وأبى بَعضهم فَإِن ذكرُوا مظْلمَة أَو شُبْهَة أزالها لِأَن الْمَقْصُود بقتالهم ردهم إِلَى الطَّاعَة فَإِن أصروا نصحهمْ ووعظهم فَإِن أصروا أعلمهم بِالْقِتَالِ لِأَن الله تَعَالَى أَمر أَولا بالإصلاح ثمَّ بِالْقِتَالِ فَلَا يجوز تَقْدِيم مَا أَخّرهُ الله تَعَالَى فَإِن طلبُوا من الإِمَام الْإِمْهَال اجْتهد وَفعل مَا رَآهُ صَوَابا
القَوْل فِي أَسِير الْبُغَاة ومالهم (وَلَا يقتل) مدبرهم وَلَا من ألْقى سلاحه وَأعْرض عَن الْقِتَال وَلَا (أسيرهم وَلَا يذفف) بِالْمُعْجَمَةِ أَي لَا يسْرع (على جريحهم) بِالْقَتْلِ (وَلَا يغنم مَالهم) لقَوْله تَعَالَى ﴿حَتَّى تفيء إِلَى أَمر الله﴾ والفيئة الرُّجُوع عَن الْقِتَال بالهزيمة وروى ابْن أبي شيبَة أَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَمر مناديه يَوْم الْجمل فَنَادَى لَا يتبع مُدبر وَلَا يذفف على جريح وَلَا يقتل أَسِير وَمن أغلق بَابه فَهُوَ آمن وَمن ألْقى سلاحه فَهُوَ آمن وَلِأَن قِتَالهمْ شرع للدَّفْع عَن منع الطَّاعَة وَقد زَالَ
تَنْبِيه قد يفهم من منع قتل هَؤُلَاءِ وجوب الْقصاص بِقَتْلِهِم
وَالأَصَح أَنه لَا قصاص لشُبْهَة أبي حنيفَة وَلَا يُطلق أسيرهم وَلَو كَانَ صَبيا أَو امْرَأَة أَو عبدا حَتَّى يَنْقَضِي الْحَرْب
ويتفرق جمعهم وَلَا يتَوَقَّع عودهم إِلَّا أَن يُطِيع الْأَسير بِاخْتِيَارِهِ
فيطلق قبل ذَلِك وَهَذَا فِي الرجل الْحر
وَكَذَا فِي الصَّبِي وَالْمَرْأَة وَالْعَبْد إِن كَانُوا مقاتلين وَإِلَّا أطْلقُوا بِمُجَرَّد انْقِضَاء الْحَرْب وَيرد لَهُم بعد أَمن شرهم بعودهم إِلَى الطَّاعَة أَو تفرقهم وَعدم توقع عودهم مَا أَخذ مِنْهُم من سلَاح وخيل وَغير ذَلِك
وَيحرم اسْتِعْمَال شَيْء من سِلَاحهمْ وخيلهم وَغَيرهم من أَمْوَالهم لعُمُوم قَوْله ﷺ لَا يحل مَال امرىء مُسلم إِلَّا بِطيب نفس مِنْهُ إِلَّا لضَرُورَة كَمَا إِذا خفنا انهزام أهل الْعدْل وَلم نجد غير خيولهم فَيجوز لأهل الْعدْل ركُوبهَا وَلَا يُقَاتلُون بِمَا يعم كنار ومنجنيق وَلَا يستعان عَلَيْهِم بِكَافِر لِأَنَّهُ يحرم تسليطه على الْمُسلم إِلَّا لضَرُورَة بِأَن كَثُرُوا وَأَحَاطُوا بِنَا فيقاتلون بِمَا يعم كنار ومنجنيق وَلَا بِمن يرى قَتلهمْ مُدبرين لعداوة أَو اعْتِقَاد كالحنفي وَالْإِمَام لَا يرى ذَلِك إبْقَاء عَلَيْهِم
стр. 548
القَوْل فِي إحصار الْبُغَاة وَلَا يجوز إحصارهم بِمَنْع طَعَام وشراب إِلَّا على رَأْي الإِمَام فِي أهل قلعة وَلَا يجوز عقر خيولهم إِلَّا إِذا قَاتلُوا عَلَيْهَا وَلَا قطع أَشْجَارهم أَو زُرُوعهمْ
القَوْل فِي مقاومة أهل الْبَغي وَيلْزم الْوَاحِد كَمَا قَالَ الْمُتَوَلِي من أهل الْعدْل مصابرة اثْنَيْنِ من الْبُغَاة كَمَا يجب على الْمُسلم أَن يصبر لكافرين فَلَا يولي إِلَّا متحرفا لقِتَال أَو متحيزا إِلَى فِئَة قَالَ الشَّافِعِي يكره للعادل أَن يعمد إِلَى قتل ذِي رَحمَه من أهل الْبَغي وَحكم دَار الْبَغي كَحكم دَار الْإِسْلَام
فَإِذا جرى فِيهَا مَا يُوجب إِقَامَة حد أَقَامَهُ الإِمَام المستولي عَلَيْهَا وَلَو سبى الْمُشْركُونَ طَائِفَة من الْبُغَاة وَقدر أهل الْعدْل على استنقاذهم لَزِمَهُم ذَلِك
االقول فِي شُرُوط الإِمَام الْأَعْظَم تَتِمَّة فِي شُرُوط الإِمَام الْأَعْظَم وَفِي بَيَان طرق انْعِقَاد الْإِمَامَة وَهِي فرض كِفَايَة
كالقضاء فَشرط الإِمَام كَونه أَهلا للْقَضَاء قرشيا لخَبر الْأَئِمَّة من قُرَيْش شجاعا ليغزو بِنَفسِهِ وَتعْتَبر سَلَامَته من نقص يمْنَع اسْتِيفَاء الْحَرَكَة وَسُرْعَة النهوض كَمَا دخل فِي الشجَاعَة
القَوْل فِيمَا تَنْعَقِد بِهِ الْإِمَامَة وتنعقد الْإِمَامَة بِثَلَاثَة طرق الأولى ببيعة أهل الْحل وَالْعقد من الْعلمَاء
ووجوه النَّاس المتيسر اجْتِمَاعهم فَلَا يعْتَبر فِيهَا عدد وَيعْتَبر اتصاف المبايع بِصفة الشُّهُود
وَالثَّانيَِة باستخلاف الإِمَام من عينه فِي حَيَاته كَمَا عهد أَبُو بكر لعمر ﵄ وَيشْتَرط الْقبُول فِي حَيَاته
كجعله الْأَمر فِي الْخلَافَة تشاورا بَين جمع
كَمَا جعل عمر الْأَمر شُورَى بَين سِتَّة عَليّ وَالزُّبَيْر وَعُثْمَان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَسعد بن أبي وَقاص وَطَلْحَة فاتفقوا على عُثْمَان
وَالثَّالِثَة باستيلاء شخص متغلب على الْإِمَامَة وَلَو غير أهل لَهَا نعم الْكَافِر إِذا تغلب لَا تَنْعَقِد إِمَامَته لقَوْله تَعَالَى ﴿وَلنْ يَجْعَل الله للْكَافِرِينَ على الْمُؤمنِينَ سَبِيلا﴾ وَتجب طَاعَة الإِمَام وَإِن كَانَ جائرا فِيمَا يجوز من أمره وَنَهْيه لخَبر اسمعوا وَأَطيعُوا وَإِن أَمر عَلَيْكُم عبد حبشِي مجدع الْأَطْرَاف وَلِأَن الْمَقْصُود من نَصبه اتِّحَاد الْكَلِمَة وَلَا يحصل ذَلِك إِلَّا بِوُجُوب الطَّاعَة
فصل فِي الرِّدَّة
أعاذنا الله تَعَالَى مِنْهَا هِيَ لُغَة الرُّجُوع عَن الشَّيْء إِلَى غَيره وَهِي من أفحش الْكفْر وأغلظه حكما محبطة للْعَمَل إِن اتَّصَلت بِالْمَوْتِ وَإِلَّا حَبط ثَوَابه كَمَا نَقله فِي الْمُهِمَّات عَن نَص الشَّافِعِي وَشرعا قطع من
أَو قَول مكفر سَوَاء أقاله استهزاء أم اعتقادا أم عنادا لقَوْله تَعَالَى ﴿قل أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزؤون لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ﴾ بعد يَصح طَلَاقه اسْتِمْرَار الْإِسْلَام وَيحصل قطعه بِأُمُور بنية كفر أَو فعل
стр. 549
مكفر إيمَانكُمْ
القَوْل فِيمَا يُوجب الرِّدَّة فَمن نفى الصَّانِع وَهُوَ الله وهم الدهريون الزاعمون أَن الْعَالم لم يزل مَوْجُودا كَذَلِك بِلَا صانع أَو نفى الرُّسُل بِأَن قَالَ لم يرسلهم الله تَعَالَى أَو نفى نبوة نَبِي أَو كذب رَسُولا أَو نَبيا أَو سبه أَو استخف بِهِ أَو باسمه
أَو باسم الله أَو بأَمْره أَو وعده أَو جحد آيَة من الْقُرْآن مجمعا على ثُبُوتهَا أَو زَاد فِيهِ آيَة مُعْتَقدًا أَنَّهَا مِنْهُ أَو استخف بِسنة كَمَا لَو قيل لَهُ قلم أظفارك فَإِنَّهُ سنة فَقَالَ لَا أفعل وَإِن كَانَ سنة وَقصد الِاسْتِهْزَاء بذلك
أَو قَالَ لَو أَمرنِي الله وَرَسُوله بِكَذَا مَا فعلته
أَو قَالَ إِن كَانَ مَا قَالَه الْأَنْبِيَاء صدقا نجونا أَو قَالَ لَا أَدْرِي النَّبِي إنسي أَو جني
أَو قَالَ لَا أَدْرِي مَا الْإِيمَان احتقارا أَو قَالَ لمن حول لَا حول لَا تغني من جوع
أَو قَالَ الْمَظْلُوم هَذَا بِتَقْدِير الله تَعَالَى
فَقَالَ الظَّالِم أَنا أفعل بِغَيْر تَقْدِيره أَو أَشَارَ بالْكفْر على مُسلم أَو على كَافِر أَرَادَ الْإِسْلَام أَو لم يلقن الْإِسْلَام طَالبه مِنْهُ أَو كفر مُسلما بِلَا تَأْوِيل للمكفر بِكفْر النِّعْمَة كَمَا نَقله فِي الرَّوْضَة عَن الْمُتَوَلِي
وَأقرهُ أَو حلل محرما بِالْإِجْمَاع كَالزِّنَا واللواط وَالظُّلم وَشرب الْخمر أَو حرم حَلَالا بِالْإِجْمَاع كَالنِّكَاحِ وَالْبيع أَو نفى وجوب مجمع عَلَيْهِ كَأَن نفى رَكْعَة من الصَّلَوَات الْخمس أَو اعْتقد وجوب مَا لَيْسَ بِوَاجِب بِالْإِجْمَاع كزيادة رَكْعَة فِي الصَّلَوَات الْخمس أَو عزم على الْكفْر غَدا أَو تردد فِيهِ حَالا كفر فِي جَمِيع هَذِه الْمسَائِل الْمَذْكُورَة وَهَذَا بَاب لَا سَاحل لَهُ وَالْفِعْل الْمُكَفّر مَا تَعَمّده صَاحبه استهزاء صَرِيحًا بِالدّينِ أَو جحُودًا لَهُ كإلقاء مصحف وَهُوَ اسْم للمكتوب بَين الدفتين بقاذورة وَسُجُود لمخلوق كصنم وشمس وَخرج بقولنَا قطع من يَصح طَلَاقه الصَّبِي وَلَو مُمَيّزا وَالْمَجْنُون فَلَا تصح ردتهما لعدم تكليفهما وَالْمكْره لقَوْله تَعَالَى ﴿إِلَّا من أكره وَقَلبه مطمئن بِالْإِيمَان﴾ وَدخل فِيهِ السَّكْرَان الْمُتَعَدِّي بسكره فَتَصِح ردته كطلاقه وَسَائِر تَصَرُّفَاته وإسلامه عَن ردته
القَوْل فِيمَا يفعل بالمرتد (وَمن ارْتَدَّ) من رجل أَو امْرَأَة عَن دين (الْإِسْلَام) بِشَيْء مِمَّا تقدم بَيَانه أَو بِغَيْرِهِ مِمَّا تقرر فِي المبسوطات وَغَيرهَا (استتيب) وجوبا قبل قَتله لِأَنَّهُ كَانَ مُحْتَرما بِالْإِسْلَامِ فَرُبمَا عرضت لَهُ شُبْهَة
فيسعى فِي إِزَالَتهَا لِأَن الْغَالِب أَن الرِّدَّة تكون عَن شُبْهَة عرضت
стр. 550
وَثَبت وجوب الاستتابة عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
وروى الدَّارَقُطْنِيّ عَن جَابر أَن امْرَأَة يُقَال لَهَا أم رُومَان ارْتَدَّت
فَأمر النَّبِي ﷺ أَن يعرض عَلَيْهَا الْإِسْلَام فَإِن تابت وَإِلَّا قتلت وَلَا يُعَارض هَذَا النَّهْي عَن قتل النِّسَاء الَّذِي اسْتدلَّ بِهِ أَبُو حنيفَة
لِأَن ذَلِك مَحْمُول على الحربيات وَهَذَا على المرتدات والاستتابة تكون حَالا
لِأَن قَتله الْمُرَتّب عَلَيْهَا حد فَلَا يُؤَخر كَسَائِر الْحُدُود
نعم إِن كَانَ سَكرَان سنّ التَّأْخِير إِلَى الصحو وَفِي قَول يُمْهل فِيهَا (ثَلَاثًا) أَي ثَلَاثَة أَيَّام لأثر عَن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي ذَلِك وَأخذ بِهِ الإِمَام مَالك
وَقَالَ الزُّهْرِيّ يدعى إِلَى الْإِسْلَام ثَلَاث مَرَّات فَإِن أَبى قتل وَحمل بَعضهم كَلَام الْمَتْن على هَذَا
وعَلى كل حَال هُوَ ضَعِيف وَعَن عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه يُسْتَتَاب شَهْرَيْن (فَإِن تَابَ) بِالْعودِ إِلَى الْإِسْلَام (صَحَّ) إِسْلَامه وَترك وَلَو كَانَ زنديقا أَو تكَرر مِنْهُ ذَلِك لآيَة ﴿قل للَّذين كفرُوا إِن ينْتَهوا يغْفر لَهُم مَا قد سلف﴾ وَخبر فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَق الْإِسْلَام والزنديق من يخفي الْكفْر وَيظْهر الْإِسْلَام كَمَا قَالَه الشَّيْخَانِ فِي هَذَا الْبَاب وبابي صفة الْأَئِمَّة والفرائض هُوَ أَو من لَا ينتحل دينا كَمَا قَالَاه فِي اللّعان وَصَوَابه فِي الْمُهِمَّات ثمَّ (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتب فِي الْحَال (قتل) وجوبا لخَبر البُخَارِيّ من بدل دينه فَاقْتُلُوهُ أَي بِضَرْب عُنُقه دون الإحراق وَغَيره كَمَا جزم بِهِ فِي الرَّوْضَة لِلْأَمْرِ بِإِحْسَان القتلة
(وَلم يغسل) أَي لَا يجب غسله لِخُرُوجِهِ عَن أَهْلِيَّة الْوُجُوب بِالرّدَّةِ
لَكِن يجوز لَهُ كَمَا قَالَه فِي الرَّوْضَة فِي الْجَنَائِز (وَلم يصل عَلَيْهِ) لتحريمها على الْكَافِر قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا﴾
تَنْبِيه سكت المُصَنّف عَن تكفينه وَحكمه الْجَوَاز كغسله
(وَلم يدْفن) أَي لَا يجوز دَفنه (فِي مَقَابِر الْمُسلمين) لِخُرُوجِهِ مِنْهُم بِالرّدَّةِ وَيجوز دَفنه فِي مَقَابِر الْكفَّار
وَلَا يجب كالحربي كَمَا قَالَه فِي الرَّوْضَة
وَمَا اقْتَضَاهُ كَلَام الدَّمِيرِيّ من دَفنه بَين مَقَابِر الْمُسلمين وَالْكفَّار لما تقدم لَهُ من حُرْمَة الْإِسْلَام لَا أصل لَهُ لقَوْله تَعَالَى ﴿وَمن يرتدد مِنْكُم عَن دينه فيمت وَهُوَ كَافِر﴾ الْآيَة وَيجب تَفْصِيل الشَّهَادَة بِالرّدَّةِ
لاخْتِلَاف النَّاس فِيمَا يُوجِبهَا وَلَو ادّعى مدعى عَلَيْهِ بردة إِكْرَاها وَقد شهِدت بَيِّنَة بِلَفْظ كفر أَو فعله حلف فَيصدق وَلَو بِلَا قرينَة لِأَنَّهُ لم يكذب الشُّهُود أَو شهِدت بردته وأطلقت لم تقبل لما مر وَلَو قَالَ أحد ابْنَيْنِ مُسلمين مَاتَ أبي مُرْتَدا فَإِن بَين سَبَب ردته كسجود لصنم فَنصِيبه فَيْء لبيت المَال
وَإِن أطلق استفصل فَإِن ذكر مَا هُوَ ردة كَانَ فَيْئا أَو غَيرهَا كَقَوْلِه كَانَ يشرب الْخمر
صرف إِلَيْهِ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر فِي أصل الرَّوْضَة
وَمَا فِي الْمِنْهَاج من أَن الْأَظْهر أَنه فَيْء أَيْضا ضَعِيف
تَتِمَّة فرع الْمُرْتَد إِن انْعَقَد قبل الرِّدَّة أَو فِيهَا وَأحد أُصُوله مُسلم فَمُسلم تبعا لَهُ وَالْإِسْلَام يَعْلُو أَو أُصُوله مرتدون فمرتد تبعا لَا
стр. 551
مُسلم وَلَا كَافِر أُصَلِّي فَلَا يسترق وَلَا يقتل حَتَّى يبلغ ويستتاب فَإِن لم يتب قتل
وَاخْتلف فِي الْمَيِّت من أَوْلَاد الْكفَّار قبل بُلُوغه
وَالصَّحِيح كَمَا فِي الْمَجْمُوع فِي بَاب صَلَاة الاسْتِسْقَاء تبعا للمحققين أَنهم فِي الْجنَّة وَالْأَكْثَرُونَ على أَنهم فِي النَّار وَقيل على الْأَعْرَاف
وَلَو كَانَ أحد أَبَوَيْهِ مُرْتَدا وَالْآخر كَافِرًا أَصْلِيًّا فكافر أُصَلِّي قَالَه الْبَغَوِيّ
وَملك الْمُرْتَد مَوْقُوف إِن مَاتَ مُرْتَدا بَان زَوَاله بِالرّدَّةِ وَيَقْضِي مِنْهُ دين لزمَه قبلهَا وَبدل مَا أتْلفه فِيهَا ويمان مِنْهُ ممونه من نَفسه وَبَعضه وَمَاله وزوجاته لِأَنَّهَا حُقُوق مُتَعَلقَة بِهِ وتصرفه إِن لم يحْتَمل الْوَقْف بِأَن لم يقبل التَّعْلِيق كَبيع وَكِتَابَة بَاطِل لعدم احْتِمَال الْوَقْف وَإِن احتمله بِأَن قبل التَّعْلِيق كعتق وَوَصِيَّة
فموقوف إِن أسلم نفذ
وَإِلَّا فَلَا وَيجْعَل مَاله عِنْد عدل وَأمته عِنْد نَحْو محرم كامرأة ثِقَة وَيُؤَدِّي مكَاتبه النُّجُوم للْقَاضِي حفظا لَهَا
وَيعتق بذلك أَيْضا وَإِنَّمَا لم يقبضهَا الْمُرْتَد لِأَن قَبضه غير مُعْتَبر
فصل فِي تَارِك الصَّلَاة
الْمَفْرُوضَة على الْأَعْيَان أَصَالَة جحدا أَو غَيره
وَبَيَان حكمه وَذكره المُصَنّف عقب الرِّدَّة لاشْتِمَاله على شَيْء من أَحْكَامهَا فَفِيهِ مُنَاسبَة وَإِن كَانَ مُخَالفا لغيره من المصنفين فِيمَا علمت فَإِن الْغَزالِيّ ذكره بعد الْجَنَائِز
وَذكره جمَاعَة قبل الْأَذَان وَذكره الْمُزنِيّ وَالْجُمْهُور قبل الْجَنَائِز وتبعهم الْمِنْهَاج كَأَصْلِهِ
قَالَ الرَّافِعِيّ وَلَعَلَّه أليق
(و) الْمُكَلف (تَارِك الصَّلَاة) الْمَعْهُودَة شرعا الصادقة بِإِحْدَى الْخمس
(على ضَرْبَيْنِ) إِذْ التّرْك سَببه جحد أَو كسل
(أَحدهمَا أَن يَتْرُكهَا غير مُعْتَقد لوُجُوبهَا) عَلَيْهِ جحدا بِأَن أنكرها بعد علمه بِهِ أَو عنادا كَمَا هُوَ فِي الْقُوت عَن الدَّارمِيّ
(فَحكمه) فِي وجوب استتابته وَقَتله وَجَوَاز غسله وتكفينه وَدَفنه فِي مَقَابِر الْمُشْركين
(حكم الْمُرْتَد) على مَا سبق بَيَان فِي مَوْضِعه من غير فرق وكفره بجحده فَقَط لَا بِهِ من التّرْك وَإِنَّمَا ذكره المُصَنّف لأجل التَّقْسِيم لِأَن الْجحْد لَو انْفَرد كَمَا لَو صلى جاحدا للْوُجُوب كَانَ مقتضيا للكفر لإنكاره مَا هُوَ مَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ
فَلَو اقْتصر المُصَنّف على الْجحْد كَانَ أولى لِأَن ذَلِك تَكْذِيب لله وَلِرَسُولِهِ فيكفر بِهِ وَالْعِيَاذ بِاللَّه تَعَالَى
وَنقل الْمَاوَرْدِيّ الْإِجْمَاع على ذَلِك وَذَلِكَ جَار فِي جحود كل مجمع عَلَيْهِ مَعْلُوم من الدّين بِالضَّرُورَةِ
أما من أنكرهُ جَاهِلا لقرب عَهده بِالْإِسْلَامِ أَو نَحوه
مِمَّن يجوز أَن يخفى عَلَيْهِ كمن بلغ مَجْنُونا ثمَّ أَفَاق أَو نَشأ بَعيدا عَن الْعلمَاء فَلَيْسَ مُرْتَدا بل يعرف الْوُجُوب فَإِن عَاد بعد ذَلِك صَار مُرْتَدا
стр. 552
القَوْل فِي تَارِك الصَّلَاة كسلا (و) الضَّرْب (الثَّانِي أَن يَتْرُكهَا) كسلا أَو تهاونا (مُعْتَقدًا لوُجُوبهَا) عَلَيْهِ (فيستتاب) قبل الْقَتْل لِأَنَّهُ لَيْسَ أَسْوَأ حَالا من الْمُرْتَد
وَهِي مَنْدُوبَة كَمَا صَححهُ فِي التَّحْقِيق وَإِن كَانَ قَضِيَّة كَلَام الرَّوْضَة وَالْمَجْمُوع أَنَّهَا وَاجِبَة كاستتابة الْمُرْتَد وَالْفرق على الأول أَن جريمة الْمُرْتَد تَقْتَضِي الخلود فِي النَّار فَوَجَبت الاستتابة رَجَاء نجاته من ذَلِك بِخِلَاف تَارِك الصَّلَاة فَإِن عُقُوبَته أخف لكَونه يقتل حدا بل مُقْتَضى مَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ من كَون الْحُدُود تسْقط الْإِثْم أَنه لَا يبْقى عَلَيْهِ شَيْء بِالْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ قد حد على هَذَا الجريمة والمستقبل لم يُخَاطب بِهِ وتوبته على الْفَوْر لِأَن الْإِمْهَال يُؤَدِّي إِلَى تَأْخِير صلوَات
(فَإِن تَابَ) بِأَن امتثل الْأَمر (وَصلى) خلي سَبيله من غير قتل
فَإِن قيل هَذَا الْقَتْل حد وَالْحُدُود لَا تسْقط بِالتَّوْبَةِ
أُجِيب أَن هَذَا الْقَتْل لَا يضاهي الْحُدُود الَّتِي وضعت عُقُوبَة على مَعْصِيّة سَابِقَة بل حملا على مَا توجه عَلَيْهِ من الْحق وَلِهَذَا لَا خلاف فِي سُقُوطه بِالْفِعْلِ الَّذِي هُوَ تَوْبَة وَلَا يتَخَرَّج على الْخلاف فِي سُقُوط الْحَد بِالتَّوْبَةِ على الصَّوَاب (وَإِلَّا) أَي وَإِن لم يتب (قتل) بِالسَّيْفِ إِن لم يبد عذرا (حدا) لَا كفرا لخَبر الصَّحِيحَيْنِ أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يشْهدُوا أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَن مُحَمَّدًا رَسُول الله ويقيموا الصَّلَاة ويؤتوا الزَّكَاة
فَإِذا فعلوا ذَلِك عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالهمْ إِلَّا بِحَق الْإِسْلَام وحسابهم على الله فَإِن أبدى عذرا كَأَن قَالَ تركتهَا نَاسِيا أَو للبرد أَو نَحْو ذَلِك من الْأَعْذَار صَحِيحَة كَانَت فِي نفس الْأَمر أَو بَاطِلَة لم يقتل لِأَنَّهُ لم يتَحَقَّق مِنْهُ تعمد تَأْخِيرهَا عَن الْوَقْت بِغَيْر عذر لَكِن نأمره بهَا بعد ذكر الْعذر وجوبا فِي الْعذر الْبَاطِل وندبا فِي الصَّحِيح بِأَن نقُول لَهُ صل فَإِن امْتنع لم يقتل لذَلِك
فَإِن قَالَ تَعَمّدت تَركهَا بِلَا عذر قتل سَوَاء قَالَ وَلم أَصْلهَا
أَو سكت لتحَقّق جِنَايَته بتعمد التَّأْخِير وَيقتل تَارِك الطَّهَارَة للصَّلَاة لِأَنَّهُ ترك لَهَا وَيُقَاس بِالطَّهَارَةِ الْأَركان وَسَائِر الشُّرُوط وَمحله فِيمَا لَا خلاف فِيهِ أَو فِيهِ خلاف
стр. 553
واه بِخِلَاف الْقوي فَفِي فَتَاوَى الْقفال لَو ترك فَاقِد الطهُورَيْنِ الصَّلَاة مُتَعَمدا أَو مس شَافِعِيّ الذّكر أَو لمس الْمَرْأَة أَو تَوَضَّأ وَلم ينْو وَصلى مُتَعَمدا لَا يقتل لِأَن جَوَاز صلَاته مُخْتَلف فِيهِ وَالصَّحِيح قَتله وجوبا بِصَلَاة فَقَط لظَاهِر الْخَبَر بِشَرْط إخْرَاجهَا عَن وَقت الضَّرُورَة فِيمَا لَهُ وَقت ضَرُورَة بِأَن تجمع مَعَ الثَّانِيَة فِي وَقتهَا فَلَا يقتل بترك الظّهْر حَتَّى تغرب الشَّمْس وَلَا بترك الْمغرب حَتَّى يطلع الْفجْر وَيقتل فِي الصُّبْح بِطُلُوع الشَّمْس وَفِي الْعَصْر بغروبها وَفِي الْعشَاء بِطُلُوع الْفجْر فَيُطَالب بأدائها إِذا ضَاقَ وَقتهَا ويتوعد بِالْقَتْلِ إِن أخرجهَا عَن الْوَقْت فَإِن أصر وَأخرج اسْتوْجبَ الْقَتْل فَقَوْل الرَّوْضَة يقتل بِتَرْكِهَا إِذا ضَاقَ وَقتهَا مَحْمُول على مُقَدمَات الْقَتْل بِقَرِينَة
كَلَامهَا بعد وَمَا قيل من أَنه لَا يقتل بل يُعَزّر وَيحبس حَتَّى يُصَلِّي كَتَرْكِ الصَّوْم وَالزَّكَاة وَالْحج وَلخَبَر لَا يحل دمخ امرىءه مسلمه إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاث الثّيّب الزَّانِي وَالنَّفس بِالنَّفسِ والتارك لدينِهِ المفارق للْجَمَاعَة وَلِأَنَّهُ لَا يقتل بترك الْقَضَاء مَرْدُود بِأَن الْقيَاس مَتْرُوك بالنصوص وَالْخَبَر عَام مَخْصُوص بِمَا ذكر
وَقَتله خَارج الْوَقْت إِنَّمَا هُوَ للترك بِلَا عذر على أَنا نمْنَع أَنه لَا يقتل بترك الْقَضَاء مُطلقًا بل فِيهِ تَفْصِيل يَأْتِي فِي خَاتِمَة الْفَصْل وَيقتل بترك الْجُمُعَة وَإِن قَالَ أصليها ظهرا كَمَا فِي زِيَادَة الرَّوْضَة عَن الشَّاشِي لتركها بِلَا قَضَاء إِذْ الظّهْر لَيْسَ قَضَاء عَنْهَا وَيقتل بِخُرُوج وَقتهَا بِحَيْثُ لَا يتَمَكَّن من فعلهَا إِن لم يتب
فَإِن تَابَ لم يقتل وتوبته أَن يَقُول لَا أتركها بعد ذَلِك كسلا وَهَذَا فِيمَن تلْزمهُ الْجُمُعَة إِجْمَاعًا
فَإِن أَبَا حنيفَة يَقُول لَا جُمُعَة إِلَّا على أهل مصر
جَامع وَقَوله جَامع صفة لمصر (وَحكمه) بعد قَتله (حكم الْمُسلمين فِي) وجوب (الدّفن) فِي مَقَابِر الْمُسلمين
(و) فِي وجوب (الْغسْل وَالصَّلَاة) عَلَيْهِ وَلَا يطمس قَبره كَسَائِر أَصْحَاب الْكَبَائِر من الْمُسلمين
خَاتِمَة من ترك الصَّلَاة بِعُذْر كنوم أَو نِسْيَان لم يلْزمه قَضَاؤُهَا فَوْرًا لَكِن يسن لَهُ الْمُبَادرَة بهَا أَو بِلَا عذر لزمَه قَضَاؤُهَا فَوْرًا لتَقْصِيره لَكِن لَا يقتل بفائتة فَاتَتْهُ بِعُذْر لِأَن وَقتهَا موسع أَو بِلَا عذر وَقَالَ أصليها لم يقتل لتوبته بِخِلَاف مَا إِذا لم يقل ذَلِك كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ وَلَو ترك منذورة مُؤَقَّتَة لم يقتل كَمَا علم من تَقْيِيد الصَّلَاة بِإِحْدَى الْخمس لِأَنَّهُ الَّذِي أوجبهَا على نَفسه قَالَ الْغَزالِيّ وَلَو زعم زاعم أَن بَينه وَبَين الله تَعَالَى حَالَة أسقطت عَنهُ الصَّلَاة وَأحلت لَهُ شرب الْخمر وَأكل مَال السُّلْطَان كَمَا زَعمه بعض من ادّعى التصوف
فَلَا شكّ فِي وجوب قَتله وَإِن كَانَ فِي خلوده فِي النَّار نظر
стр. 554
= كتاب أَحْكَام الْجِهَاد = أَي الْقِتَال فِي سَبِيل الله وَمَا يتَعَلَّق بِبَعْض أَحْكَامه وَالْأَصْل فِيهِ قبل الْإِجْمَاع آيَات كَقَوْلِه تَعَالَى ﴿كتب عَلَيْكُم الْقِتَال﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وقاتلوا الْمُشْركين كَافَّة﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿واقتلوهم حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ وأخبار كَخَبَر الصَّحِيحَيْنِ أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله وَخبر مُسلم لغدوة أَو رَوْحَة فِي سَبِيل الله خير من الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا
وَقد جرت عَادَة الْأَصْحَاب تبعا لإمامهم الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن يذكرُوا مُقَدّمَة فِي صدر هَذَا الْكتاب
فلنذكر نبذة مِنْهَا على سَبِيل التَّبَرُّك فَنَقُول بعث رَسُول الله ﷺ يَوْم الِاثْنَيْنِ فِي رَمَضَان وَهُوَ ابْن أَرْبَعِينَ سنة وَقيل ثَلَاث وَأَرْبَعين سنة
وَآمَنت بِهِ خَدِيجَة ثمَّ بعْدهَا قيل عَليّ وَهُوَ ابْن تسع سِنِين
وَقيل عشر وَقيل أَبُو بكر
وَقيل زيد بن حَارِثَة
ثمَّ أَمر بتبليغ قومه بعد ثَلَاث سِنِين من مبعثه ﷺ
وَأول مَا فرض عَلَيْهِ بعد الْإِنْذَار وَالدُّعَاء إِلَى التَّوْحِيد من قيام اللَّيْل مَا ذكر فِي أول سُورَة المزمل ثمَّ نسخ بِمَا فِي آخرهَا
ثمَّ نسخ بالصلوات الْخمس لَيْلَة الْإِسْرَاء إِلَى بَيت الْمُقَدّس بِمَكَّة بعد النُّبُوَّة بِعشر سِنِين وَثَلَاثَة أشهر لَيْلَة سبع وَعشْرين من رَجَب وَقيل بعد النُّبُوَّة بِخمْس أَو سِتّ
وَقيل غير ذَلِك
ثمَّ أَمر باستقبال الْكَعْبَة ثمَّ فرض الصَّوْم بعد الْهِجْرَة بِسنتَيْنِ تَقْرِيبًا وفرضت الزَّكَاة بعد الصَّوْم وَقيل قبله وَفِي السّنة الثَّانِيَة
قيل فِي نصف شعْبَان
وَقيل فِي رَجَب من الْهِجْرَة حولت الْقبْلَة وفيهَا فرضت صَدَقَة الْفطر وفيهَا ابْتَدَأَ النَّبِي ﷺ صَلَاة عيد الْفطر ثمَّ عيد الْأَضْحَى ثمَّ فرض الْحَج سنة سِتّ وَقيل سنة خمس وَلم يحجّ ﷺ بعد الْهِجْرَة إِلَّا حجَّة الْوَدَاع سنة عشر وَاعْتمر أَرْبعا وَكَانَ الْجِهَاد فِي عَهده ﷺ بعد الْهِجْرَة فرض كِفَايَة وَأما بعده ﷺ فللكفار كِفَايَة سقط الْحَرج عَن البَاقِينَ لِأَن هَذَا شَأْن فروض الْكِفَايَة
(وشرائط وجوب الْجِهَاد) حِينَئِذٍ (سبع خِصَال) الأولى (الْإِسْلَام) لقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا الَّذين آمنُوا قَاتلُوا الَّذين يلونكم من الْكفَّار﴾ الْآيَة
стр. 555
حالان الْحَال الأول أَن يَكُونُوا ببلادهم فَفرض كِفَايَة إِذا فعله من فيهم فخوطب بِهِ الْمُؤْمِنُونَ فَلَا يجب على الْكَافِر وَلَو ذِمِّيا لِأَنَّهُ يبْذل الْجِزْيَة لنذب عَنهُ لَا ليذب عَنَّا
(و) الثَّانِيَة (الْبلُوغ و) الثَّالِثَة (الْعقل) فَلَا جِهَاد على صبي وَمَجْنُون لعدم تكليفهما
وَلقَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ على الضُّعَفَاء﴾ الْآيَة قيل هم الصّبيان لضعف أبدانهم وَقيل المجانين لضعف عُقُولهمْ وَلِأَن النَّبِي ﷺ رد ابْن عمر يَوْم أحد وَأَجَازَهُ فِي الخَنْدَق
(و) الرَّابِعَة (الْحُرِّيَّة) فَلَا جِهَاد على رَقِيق وَلَو مبعضا أَو مكَاتبا لقَوْله تَعَالَى ﴿وتجاهدون فِي سَبِيل الله بأموالكم وَأَنْفُسكُمْ﴾ وَلَا مَال للْعَبد وَلَا نفس يملكهَا فَلم يَشْمَلهُ الْخطاب حَتَّى لَو أمره سَيّده لم يلْزمه كَمَا قَالَه الإِمَام لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل هَذَا الشَّأْن وَلَيْسَ الْقِتَال من الِاسْتِخْدَام الْمُسْتَحق للسَّيِّد لِأَن الْملك لَا يَقْتَضِي التَّعَرُّض للهلاك
(و) الْخَامِسَة (الذُّكُورَة) فَلَا جِهَاد على امْرَأَة لِضعْفِهَا
وَلقَوْله تَعَالَى ﴿يَا أَيهَا النَّبِي حرض الْمُؤمنِينَ على الْقِتَال﴾ وَإِطْلَاق لفظ الْمُؤمنِينَ ينْصَرف للرِّجَال دون النِّسَاء وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ وَلقَوْله ﷺ لعَائِشَة وَقد سَأَلته فِي الْجِهَاد لَكِن أفضل الْجِهَاد حج مبرور
(و) السَّادِسَة (الصِّحَّة) فَلَا جِهَاد على مَرِيض يتَعَذَّر قِتَاله أَو تعظم مشقته
(و) السَّابِعَة (الطَّاقَة على الْقِتَال) بِالْبدنِ وَالْمَال فَلَا جِهَاد على أعمى وَلَا على ذِي عرج بَين وَلَو فِي رجل وَاحِدَة لقَوْله تَعَالَى ﴿لَيْسَ على الْأَعْمَى حرج وَلَا على الْأَعْرَج حرج وَلَا على الْمَرِيض حرج﴾ النُّور ٦١ فَلَا عِبْرَة بصداع ووجع ضرس وَضعف بصر إِن كَانَ يدْرك الشَّخْص ويمكنه اتقاء السِّلَاح
وَلَا عرج يسير لَا يمْنَع الْمَشْي والعدو والهرب وَلَا على أقطع يَد بكاملها أَو مُعظم أصابعها بِخِلَاف فَاقِد الْأَقَل أَو أَصَابِع الرجلَيْن إِن أمكنه الْمَشْي بِغَيْر عرج بَين وَلَا على أشل يَد أَو مُعظم أصابعها لِأَن مَقْصُود الْجِهَاد الْبَطْش
والنكاية وَهُوَ مَفْقُود فيهمَا لِأَن كلا مِنْهُمَا لَا يتَمَكَّن من الضَّرْب وَلَا عادم أهبة قتال من نَفَقَة وَلَا سلَاح
وَكَذَا مركوب إِن كَانَ سفر قصر فَإِن كَانَ دونه لزمَه إِن كَانَ قَادِرًا على الْمَشْي
فَاضل ذَلِك عَن مُؤنَة من تلْزمهُ مُؤْنَته كَمَا فِي الْحَج وَلَو مرض بعد مَا خرج أَو فنى زَاده أَو هَلَكت دَابَّته فَهُوَ بِالْخِيَارِ بَين أَن ينْصَرف أَو يمْضِي فَإِن حضر الْوَقْعَة جَازَ لَهُ الرُّجُوع على الصَّحِيح إِذا لم يُمكنهُ الْقِتَال فَإِن أمكنه الرَّمْي بِالْحِجَارَةِ فَالْأَصَحّ فِي زَوَائِد الرَّوْضَة الرَّمْي بهَا على تنَاقض وَقع لَهُ فِيهِ
وَلَو كَانَ الْقِتَال على بَاب دَاره أَو حوله سقط اعْتِبَار الْمُؤَن كَمَا ذكره القَاضِي أَبُو الطّيب وَغَيره
وَالضَّابِط الَّذِي يعم مَا سبق وَغَيره كل عذر منع وجوب حج كفقد زَاد وراحلة منع وجوب الْجِهَاد إِلَّا فِي خوف طَرِيق من كفار أَو من لصوص مُسلمين فَلَا يمْنَع وُجُوبه لِأَن الْخَوْف يحْتَمل فِي هَذَا السّفر لبِنَاء الْجِهَاد على مصادمة المخاوف وَالدّين الْحَال على مُوسر يحرم على رجل سفر جِهَاد وسفر غَيره إِلَّا بِإِذن
стр. 556
غَرِيمه وَالدّين الْمُؤَجل لَا يحرم السّفر وَإِن قرب الْأَجَل وَيحرم على رجل جِهَاد بسفر وَغَيره إِلَّا بِإِذن أَبَوَيْهِ إِن كَانَا مُسلمين وَلَو كَانَ الْحَيّ أَحدهمَا فَقَط لم يجز إِلَّا بِإِذْنِهِ وَجَمِيع أُصُوله الْمُسلمين
كَذَلِك وَلَو وجد الْأَقْرَب مِنْهُم وَأذن بِخِلَاف الْكَافِر مِنْهُم لَا يجب اسْتِئْذَانه وَلَا يحرم عَلَيْهِ سفر لتعلم فرض وَلَو كِفَايَة
كَطَلَب دَرَجَة الافتاء بِغَيْر إِذن أَصله وَلَو أذن أَصله أَو رب الدّين فِي الْجِهَاد ثمَّ رَجَعَ بعد خُرُوجه وَعلم بِالرُّجُوعِ وَجب رُجُوعه إِن لم يحضر الصَّفّ وَإِلَّا حرم انْصِرَافه لقَوْله تَعَالَى ﴿إِذا لَقِيتُم فِئَة فاثبتوا﴾ وَيشْتَرط لوُجُوب الرُّجُوع أَيْضا أَن يَأْمَن على نَفسه وَمَاله
وَلم تنكسر قُلُوب الْمُسلمين
وَإِلَّا فَلَا يجب الرُّجُوع بل لَا يجوز
وَالْحَال الثَّانِي من حَال الْكفَّار أَن يدخلُوا بَلْدَة لنا مثلا فَيلْزم أَهلهَا الدّفع بالممكن مِنْهُم
وَيكون الْجِهَاد حِينَئِذٍ فرض عين سَوَاء أمكن تأهبهم لقِتَال أم لم يُمكن علم كل من قصد أَنه إِن أَخذ قتل أَو لم يعلم أَنه إِن امْتنع من الاستسلام قتل أَو لم تأمن الْمَرْأَة فَاحِشَة إِن أخذت
وَمن هُوَ دون مَسَافَة الْقصر من الْبَلدة الَّتِي دَخلهَا الْكفَّار حكمه كأهلها وَإِن كَانَ فِي أَهلهَا كِفَايَة لِأَنَّهُ كالحاضر مَعَهم فَيجب ذَلِك على كل مِمَّن ذكر حَتَّى على فَقير وَولد ومدين ورقيق بِلَا إِذن من الأَصْل وَرب الدّين وَالسَّيِّد وَيلْزم الَّذين على مَسَافَة الْقصر الْمُضِيّ إِلَيْهِم عِنْد الْحَاجة بِقدر الْكِفَايَة دفعا لَهُم وإنقاذا من الهلكة
فَيصير فرض عين فِي حق من قرب وَفرض كِفَايَة فِي حق من بعد
وَإِذا لم يُمكن من قصد تأهب لقِتَال وَجوز أسرا وقتلا فَلهُ استسلام وقتال إِن علم أَنه إِن امْتنع مِنْهُ قتل وَأمنت الْمَرْأَة فَاحِشَة
ثمَّ شرع فِي أَحْكَام الْجِهَاد بقوله (وَمن أسر من الْكفَّار فعلى ضَرْبَيْنِ ضرب يكون رَقِيقا بِنَفس) أَي بِمُجَرَّد (السَّبي) بِفَتْح الْمُهْملَة وَإِسْكَان الْمُوَحدَة وَهُوَ الْأسر كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي تحريره (وهم النِّسَاء وَالصبيان) والمجانين وَالْعَبِيد وَلَو مُسلمين
كَمَا يرق حَرْبِيّ مقهور لحربي بالقهر أَي يصيرون بالأسر أرقاء لنا وَيَكُونُونَ كَسَائِر أَمْوَال الْغَنِيمَة الْخمس لأَهله وَالْبَاقِي للغانمين لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يقسم السَّبي كَمَا يقسم المَال
وَالْمرَاد برق العبيد استمراره لَا تجدده وَمثلهمْ فِيمَا ذكر المبعضون تَغْلِيبًا لحقن الدَّم
стр. 557
تَنْبِيه لَا يقتل من ذكر للنَّهْي عَن قتل النِّسَاء وَالصبيان وَالْبَاقِي فِي مَعْنَاهُمَا فَإِن قَتلهمْ الإِمَام وَلَو لشرهم وقوتهم ضمن قيمتهم للغانمين كَسَائِر الْأَمْوَال
(وَضرب لَا يرق بِنَفس السَّبي) وَإِنَّمَا يرق بِالِاخْتِيَارِ كَمَا سَيَأْتِي إِن شَاءَ الله تَعَالَى
(وهم الرِّجَال) الْأَحْرَار (البالغون) الْعُقَلَاء (وَالْإِمَام) أَو أَمِير الْجَيْش (مُخَيّر فيهم) بِفعل الأحظ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمين
(بَين أَرْبَعَة أَشْيَاء) وَهِي (الْقَتْل) بِضَرْب رَقَبَة لَا بتحريق وتغريق
(والاسترقاق) وَلَو لونثي أَو عَرَبِيّ أَو بعض شخص على الْمُصَحح فِي الرَّوْضَة إِذا رَآهَا مصلحَة
(والمن) عَلَيْهِم بتخلية سبيلهم (والفدية بِالْمَالِ) أَي يَأْخُذهُ مِنْهُم سَوَاء أَكَانَ من مَالهم أَو من مالنا الَّذِي فِي أَيْديهم (أَو بِالرِّجَالِ) أَي برد أسرى مُسلمين كَمَا نَص عَلَيْهِ وَمثل الرِّجَال غَيرهم أَو أهل ذمَّة كَمَا بَحثه بَعضهم وَهُوَ ظَاهر فَيرد مُشْرك بِمُسلم أَو مُسلمين أَو مُشْرِكين بِمُسلم أَو بذمي وَيجوز أَن يفديهم بأسلحتنا الَّتِي فِي أَيْديهم وَلَا يجوز أَن نرد أسلحتهم الَّتِي فِي أَيْدِينَا بِمَال يبذلونه
كَمَا لَا يجوز أَن نبيعهم السِّلَاح (يفعل الإِمَام) أَو أَمِير الْجَيْش (من ذَلِك) بِالِاجْتِهَادِ لَا بالتشهي (مَا فِيهِ الْمصلحَة للْمُسلمين) وَالْإِسْلَام فَإِن خَفِي على الإِمَام أَو أَمِير الْجَيْش
الأحظ حَبسهم حَتَّى يظْهر لَهُ لِأَنَّهُ رَاجع إِلَى الِاجْتِهَاد لَا إِلَى التشهي كَمَا مر
فيؤخر لظُهُور الصَّوَاب وَلَو أسلم أَسِير مُكَلّف لم يخْتَر الإِمَام فِيهِ قبل إِسْلَامه منا وَلَا فدَاء عصم الْإِسْلَام دَمه فَيحرم قَتله لخَبر الصَّحِيحَيْنِ أمرت أَن أقَاتل النَّاس حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَه إِلَّا الله إِلَى أَن قَالَ فَإِذا قالوها عصموا مني دِمَاءَهُمْ وَقَوله وَأَمْوَالهمْ مَحْمُول على مَا قبل الْأسر بِدَلِيل قَوْله إِلَّا بِحَقِّهَا وَمن حَقّهَا أَن مَاله الْمَقْدُور عَلَيْهِ بعد الْأسر غنيمَة
وَبَقِي الْخِيَار فِي الْبَاقِي من خِصَال التَّخْيِير السَّابِقَة لِأَن الْمُخَير بَين أَشْيَاء إِذا سقط بَعْضهَا لتعذره لَا يسْقط الْخِيَار فِي الْبَاقِي كالعجز عَن الْعتْق فِي الْكَفَّارَة
(وَمن أسلم) من رجل أَو امْرَأَة فِي دَار حَرْب أَو إِسْلَام
(قبل الْأسر) أَي قبل الظفر بِهِ (أحرز) أَي عصم بِإِسْلَامِهِ (مَاله) من غنيمَة (وَدَمه) من سفكه للْخَبَر الْمَار (وصغار أَوْلَاده) الْأَحْرَار عَن السَّبي لأَنهم يتبعونه فِي الْإِسْلَام وَالْجد كَذَلِك فِي الْأَصَح وَلَو كَانَ الْأَب حَيا لما مر وَولده أَو ولد وَلَده الْمَجْنُون كالصغير وَلَو طَرَأَ الْجُنُون بعد الْبلُوغ لما مر أَيْضا ويعصم الْحمل تبعا لَهُ لَا إِن استرقت أمه قبل إِسْلَام الْأَب فَلَا يبطل إِسْلَامه رقّه كالمنفصل وَإِن حكم بِإِسْلَامِهِ
تَنْبِيه سكت المُصَنّف عَن سبي الزَّوْجَة والمذاهب كَمَا فِي الْمِنْهَاج أَن إِسْلَام الزَّوْج لَا يَعْصِمهَا عَن الاسترقاق لاستقلالها وَلَو كَانَت حَامِلا مِنْهُ فِي الْأَصَح
فَإِن قيل لَو بذل مِنْهُ فِي الْجِزْيَة منع إرقاق زَوجته وَابْنَته الْبَالِغَة فَكَانَ الْإِسْلَام أولى
أُجِيب بِأَن مَا يُمكن اسْتِقْلَال الشَّخْص بِهِ لَا يَجْعَل فِيهِ تَابعا لغيره
والبالغة تستقل بِالْإِسْلَامِ وَلَا تستقل ببذل الْجِزْيَة
فَإِن استرقت انْقَطع نِكَاحه فِي حَال السَّبي سَوَاء أَكَانَ قبل الدُّخُول بهَا أم لَا لِامْتِنَاع إمْسَاك الْأمة الْكَافِرَة للنِّكَاح كَمَا يمْتَنع ابْتِدَاء نِكَاحهَا
وَلقَوْله ﷺ فِي سَبَايَا أَوْطَاس أَلا لَا تُوطأ حَامِل حَتَّى تضع وَلَا حَائِل حَتَّى تحيض وَلم يسْأَل عَن ذَات زوج وَلَا غَيرهَا
وَمَعْلُوم أَنه كَانَ فيهم من لَهَا زوج وترق زَوْجَة الذِّمِّيّ
стр. 558
بِنَفس الْأسر وَيقطع بِهِ نِكَاحه
فَإِن قيل هَذَا يُخَالف قَوْلهم إِن الْحَرْبِيّ إِذا بذل الْجِزْيَة عصم نَفسه وَزَوجته من الاسترقاق
أُجِيب بِأَن المُرَاد هُنَاكَ الزَّوْجَة الْمَوْجُودَة حِين العقد
فيتناولها العقد على جِهَة التّبعِيَّة وَالْمرَاد هُنَا الزَّوْجَة المتجددة بعد العقد لِأَن العقد لم يَتَنَاوَلهَا وَيجوز إرقاق عَتيق الذِّمِّيّ إِذا كَانَ حَرْبِيّا لِأَن الذِّمِّيّ لَو الْتحق بدار الْحَرْب اسْترق فعتيقه أولى لَا عَتيق مُسلم الْتحق بدار الْحَرْب
فَلَا يسترق لِأَن الْوَلَاء بعد ثُبُوته لَا يرفع وَلَا تسْتَرق زَوْجَة الْمُسلم الحربية إِذا سبيت كَمَا صَححهُ فِي الْمِنْهَاج وَأَصله وَهُوَ الْمُعْتَمد
وَإِن كَانَ مُقْتَضى كَلَام الرَّوْضَة والشرحين الْجَوَاز فَإِنَّهُمَا سويا فِي جَرَيَان الْخلاف بَينهمَا وَبَين زَوْجَة الْحَرْبِيّ إِذا أسلم لِأَن الْإِسْلَام الْأَصْلِيّ أقوى من الْإِسْلَام الطارىء وَلَو سبيت زَوْجَة حرَّة أَو زوج حر ورق انْفَسَخ النِّكَاح لحدوث الرّقّ فَإِن كَانَا رقيقين لم يَنْفَسِخ النِّكَاح إِذْ لم يحدث رق وَإِنَّمَا انْتقل الْملك من شخص إِلَى آخر وَذَلِكَ لَا يقطع النِّكَاح كَالْبيع
وَإِذا رق الْحَرْبِيّ وَعَلِيهِ دين لغير حَرْبِيّ كمسلم وذمي لم يسْقط فيفضي من مَاله إِن غنم بعد رقّه
فَإِن كَانَ لحربي على حَرْبِيّ ورق من عَلَيْهِ الدّين بل أَو رب الدّين فَيسْقط
وَلَو رق رب الدّين وَهُوَ على غير حَرْبِيّ لم يسْقط وَمَا أَخذ من أهل الْحَرْب بِلَا رضَا من عقار أَو غَيره بِسَرِقَة أَو غَيرهَا غنيمَة مخمسة إِلَّا السَّلب خمسها لأَهله وَالْبَاقِي للآخذ وَكَذَا مَا وجد كلقطة مِمَّا يظنّ أَنه لَهُم فَإِن أمكن كَونه لمُسلم وَجب تَعْرِيفه
وَيعرف سنة إِلَّا أَن يكون حَقِيرًا كَسَائِر اللقطات
(وَيحكم للصَّبِيّ) أَي للصَّغِير ذكرا كَانَ أَو أُنْثَى أَو خُنْثَى (بِالْإِسْلَامِ عِنْد وجود) أحد (ثَلَاثَة أَسبَاب) أَولهَا مَا ذكره بقوله (أَن يسلم أحد أَبَوَيْهِ)
وَالْمَجْنُون وَإِن جن بعد بُلُوغه كالصغير بِأَن يعلق بَين كَافِرين ثمَّ يسلم أَحدهمَا قبل بُلُوغه فَإِنَّهُ يحكم بِإِسْلَامِهِ حَالا سَوَاء أسلم أَحدهمَا قبل وَضعه أم بعده قبل تَمْيِيزه وَقبل بُلُوغه لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين آمنُوا وَاتَّبَعتهمْ ذُرِّيتهمْ بِإِيمَان ألحقنا بهم ذُرِّيتهمْ﴾
تَنْبِيه قَول المُصَنّف أَن يسلم أحد أَبَوَيْهِ يُوهم قصره على الْأَبَوَيْنِ
وَلَيْسَ مرَادا بل فِي معنى الْأَبَوَيْنِ الأجداد والجدات وَإِن لم يَكُونُوا وارثين وَكَانَ الْأَقْرَب حَيا
فَإِن قيل إِطْلَاق ذَلِك يَقْتَضِي إِسْلَام جَمِيع الْأَطْفَال بِإِسْلَام أَبِيهِم آدم ﵊
أُجِيب بِأَن الْكَلَام فِي جد يعرف النّسَب إِلَيْهِ بِحَيْثُ يحصل بَينهمَا التَّوَارُث وَبِأَن التّبعِيَّة فِي الْيَهُودِيَّة والنصرانية حكم جَدِيد وَإِنَّمَا أَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ أَو ينصرَانِهِ
стр. 559
وَالْمَجْنُون الْمَحْكُوم بِكُفْرِهِ كالصغير فِي تَبَعِيَّة أحد أُصُوله فِي الْإِسْلَام إِن بلغ مَجْنُونا
وَكَذَا إِن بلغ عَاقِلا ثمَّ جن فِي الْأَصَح وَإِذا حدث للْأَب ولد بعد موت الْجد مُسلما تبعه فِي أحد احْتِمَالَيْنِ رَجحه السُّبْكِيّ وَهُوَ الظَّاهِر
فَإِن بلغ الصَّغِير وَوصف كفرا بعد بُلُوغه أَو أَفَاق الْمَجْنُون وَوصف كفرا بعد إِفَاقَته فمرتد على الْأَظْهر لسبق الحكم بِإِسْلَامِهِ
فَأشبه من أسلم بِنَفسِهِ ثمَّ ارْتَدَّ وَإِن كَانَ أحد أَبَوي الصَّغِير مُسلما وَقت علوقه
فَهُوَ مُسلم بِإِجْمَاع وتغليبا لِلْإِسْلَامِ وَلَا يضر مَا يطْرَأ بعد الْعلُوق مِنْهُمَا من ردة
فَإِن بلغ وَوصف كفرا بِأَن أعرب بِهِ عَن نَفسه كَمَا فِي الْمُحَرر فمرتد قطعا لِأَنَّهُ مُسلم ظَاهرا وَبَاطنا وَثَانِيها مَا ذكره بقوله (أَو يسبيه) أَي الصَّغِير أَو الْمَجْنُون (مُسلم) وَقَوله (مُنْفَردا) حَال من ضمير الْمَفْعُول أَي حَال انْفِرَاده
(عَن أَبَوَيْهِ) فَيحكم بِإِسْلَامِهِ ظَاهرا وَبَاطنا تبعا لسابيه لِأَن لَهُ عَلَيْهِ ولَايَة وَلَيْسَ مَعَه من هُوَ أقرب إِلَيْهِ مِنْهُ فيتبعه كَالْأَبِ قَالَ الإِمَام وَكَأن السابي لما أبطل حُرِّيَّته قلبه قلبا كليا
فَعدم عَمَّا كَانَ وافتتح لَهُ وجود تَحت يَد السابي وَولَايَة فَأشبه تولده بَين الْأَبَوَيْنِ الْمُسلمين
وَسَوَاء أَكَانَ السابي بَالغا عَاقِلا أم لَا أما إِذا سبي مَعَ أحد أَبَوَيْهِ فَإِنَّهُ لَا يتبع السابي جزما وَمعنى كَون أحد أَبَوي الصَّغِير مَعَه أَن يَكُونَا فِي جَيش وَاحِد وغنيمة وَاحِدَة وَإِن اخْتلف سابيهما لِأَن تَبَعِيَّة الأَصْل أقوى من تَبَعِيَّة السابي فَكَانَ أولى بالاستتباع وَلَا يُؤثر موت الأَصْل بعد لِأَن التّبعِيَّة إِنَّمَا تثبت فِي ابْتِدَاء السَّبي وَخرج بِالْمُسلمِ الْكَافِر فَلَو سباه ذمِّي وَحمله إِلَى دَار الْإِسْلَام أَو مستأمن كَمَا قَالَه الدَّارمِيّ لم يحكم بِإِسْلَامِهِ فِي الْأَصَح
لِأَن كَونه من أهل دَار الْإِسْلَام لم يُؤثر فِيهِ وَلَا فِي أَوْلَاده
فَكيف يُؤثر فِي مسبيه وَلِأَن تَبَعِيَّة الدَّار إِنَّمَا تُؤثر فِي حق من لَا يعرف حَاله وَلَا نسبه
نعم هُوَ على دين سابيه كَمَا ذكره الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره
ثَالِثهَا مَا ذكره بقوله (أَو يُوجد لقيطا فِي دَار الْإِسْلَام) فَيحكم بِإِسْلَامِهِ تبعا للدَّار وَمَا ألحق بهَا وَإِن اسْتَلْحقهُ كَافِر بِلَا بَيِّنَة بنسبه هَذَا إِن وجد بِمحل وَلَو بدار كفر بِهِ مُسلم يُمكن كَونه مِنْهُ وَلَو أَسِيرًا منتشرا أَو تَاجِرًا أَو مجتازا تَغْلِيبًا لِلْإِسْلَامِ
وَلِأَنَّهُ قد حكم بِإِسْلَامِهِ فَلَا يُغير بِمُجَرَّد دَعْوَى الِاسْتِلْحَاق وَلَكِن لَا يَكْفِي اجتيازه بدار كفر
بِخِلَافِهِ بِدَارِنَا لحرمتها وَلَو نَفَاهُ مُسلم
قبل فِي نفي نسبه لَا فِي نفي إسْلَامهَا اتِّفَاقًا لِأَن نطقه بِالشَّهَادَتَيْنِ إِمَّا خبر وَإِمَّا إنْشَاء فَإِن كَانَ خَبرا للْكَافِرِ لَيْسَ بِهِ مُسلم فَهُوَ كَافِر أما إِذا اسْتَلْحقهُ الْكَافِر بِبَيِّنَة أَو وجد اللَّقِيط بِمحل مَنْسُوب للْكفَّار لَيْسَ بِهِ مُسلم فَهُوَ كَافِر
تَنْبِيه اقْتِصَاره كَغَيْرِهِ على هَذِه الثَّلَاثَة الْمَذْكُورَة يدل على عدم الحكم بِإِسْلَام الصَّغِير الْمُمَيز وَهُوَ الصَّحِيح الْمَنْصُوص
فِي
стр. 560
الْقَدِيم والجديد كَمَا قَالَه الإِمَام لِأَنَّهُ غير مُكَلّف فَأشبه غير الْمُمَيز وَالْمَجْنُون وهما لَا يَصح إسلامهما اتِّفَاقًا وَلِأَن نطقه بِالشَّهَادَتَيْنِ إِمَّا خبر وَإِمَّا إنْشَاء فَإِن كَانَ خَبرا فخبره غير مَقْبُول وَإِن كَانَ إنْشَاء فَهُوَ كعقوده وَهِي بَاطِلَة وَأما إِسْلَام سيدنَا عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فقد اخْتلف فِي وقته فَقيل إِنَّه كَانَ بَالغا حِين أسلم كَمَا نَقله القَاضِي أَبُو الطّيب عَن الإِمَام أَحْمد وَقيل إِنَّه أسلم قبل بُلُوغه وَعَلِيهِ الْأَكْثَرُونَ
وَأجَاب عَنهُ الْبَيْهَقِيّ بِأَن الْأَحْكَام إِنَّمَا صَارَت معلقَة بِالْبُلُوغِ بعد الْهِجْرَة
قَالَ السُّبْكِيّ وَهُوَ صَحِيح لِأَن الْأَحْكَام إِنَّمَا نيطت بِخَمْسَة عشر عَام الخَنْدَق فقد تكون منوطة قبل ذَلِك بسن التَّمْيِيز وَالْقِيَاس على الصَّلَاة
وَنَحْوهَا لَا يَصح لِأَن الْإِسْلَام لَا يتَنَفَّل بِهِ وعَلى هَذَا يُحَال بَينه وَبَين أَبَوَيْهِ الْكَافرين لِئَلَّا يفتنانه
وَهَذِه الْحَيْلُولَة مُسْتَحبَّة على الصَّحِيح فِي الشَّرْح وَالرَّوْضَة فيتلطف بِوَالِديهِ ليؤخذ مِنْهُمَا فَإِن أَبَيَا فَلَا حيلولة
تَتِمَّة فِي أَطْفَال الْكفَّار إِذا مَاتُوا وَلم يتلفظوا بِالْإِسْلَامِ خلاف منتشر وَالأَصَح أَنهم يدْخلُونَ الْجنَّة لِأَن كل مَوْلُود يُولد على الْفطْرَة فحكمهم حكم الْكفَّار فِي الدُّنْيَا فَلَا يصلى عَلَيْهِم وَلَا يدفنون فِي مَقَابِر الْمُسلمين
وحكمهم حكم الْمُسلمين فِي الْآخِرَة لما مر
فصل فِي قسم الْغَنِيمَة
وَهِي لُغَة الرِّبْح وَشرعا مَال أَو مَا ألحق بِهِ كخمر مُحْتَرمَة حصل لنا من كفار أصليين حربيين مِمَّا هُوَ لَهُم بِقِتَال منا أَو إيجَاف خيل أَو ركاب وَنَحْو ذَلِك
وَلَو بعد انهزامهم فِي الْقِتَال أَو قبل شهر السِّلَاح حِين التقى الصفان وَمن الْغَنِيمَة مَا أَخذ من دَارهم سَرقَة أَو اختلاسا أَو لقطَة أَو مَا أهدوه لنا أَو صالحونا عَلَيْهِ
وَالْحَرب قَائِمَة وَخرج بِمَا ذكره مَا حصله أهل الذِّمَّة من أهل الْحَرْب بِقِتَال
فالنص أَنه لَيْسَ بغنيمة فَلَا ينْزع مِنْهُم وَمَا أَخذ من تَرِكَة الْمُرْتَد فَإِنَّهُ فَيْء لَا غنيمَة وَمَا أَخذ من ذمِّي كجزية فَإِنَّهُ فَيْء أَيْضا وَلَو أَخذنَا من الْحَرْبِيين مَا أَخَذُوهُ من مُسلم أَو ذمِّي أَو نَحوه بِغَيْر حق لم نملكه وَلَو غنم ذمِّي وَمُسلم غنيمَة فَهَل يُخَمّس الْجَمِيع أَو نصيب الْمُسلم فَقَط وَجْهَان أظهرهمَا الثَّانِي كَمَا رَجحه بعض الْمُتَأَخِّرين
وَلما كَانَ يقدم من أصل مَال الْغَنِيمَة السَّلب بَدَأَ بِهِ فَقَالَ (وَمن) أَي إِذا (قتل) الْمُسلم سَوَاء أَكَانَ حرا أم لَا ذكرا أم لَا بَالغا أم لَا فَارِسًا أم لَا (قَتِيلا أعْطى سلبه) سَوَاء أشرطه لَهُ الإِمَام أم لَا لخَبر الشَّيْخَيْنِ من قتل قَتِيلا فَلهُ سلبه وروى أَبُو دَاوُد أَن أَبَا طَلْحَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قتل يَوْم خَيْبَر عشْرين قَتِيلا وَأخذ سلبهم
تَنْبِيه يسْتَثْنى من إِطْلَاقه الذِّمِّيّ فَإِنَّهُ لَا يسْتَحق السَّلب سَوَاء أحضر بِإِذن الإِمَام أم لَا والمخذل والمرجف والخائن
стр. 561
وَنَحْوهم مِمَّن لَا سهم لَهُ وَلَا رضخ
قَالَ الْأَذْرَعِيّ وأطلقوا اسْتِحْقَاق العَبْد الْمُسلم السَّلب وَيجب تقيده بِكَوْنِهِ لمُسلم على الْمَذْهَب
وَيشْتَرط فِي الْمَقْتُول أَن لَا يكون مَنْهِيّا عَن قَتله
فَلَو قتل صَبيا أَو امْرَأَة لم يقاتلا فَلَا سلب لَهُ فَإِن قَاتلا اسْتَحَقَّه فِي الْأَصَح
وَلَو أعرض مُسْتَحقّ السَّلب عَنهُ لم يسْقط حَقه مِنْهُ على الْأَصَح لِأَنَّهُ مُتَعَيّن لَهُ إِنَّمَا يسْتَحق الْقَاتِل السَّلب بركوب غرر يَكْفِي بِهِ شَرّ كَافِر فِي حَال الْحَرْب وكفاية شَره أَن يزِيل امْتِنَاعه كَأَن يفقأ عَيْنَيْهِ أَو يقطع يَدَيْهِ وَرجلَيْهِ وَكَذَا لَو أسره أَو قطع يَدَيْهِ أَو رجلَيْهِ
وَكَذَا لَو قطع يدا ورجلا فَلَو رمي من حصن أَو من صف الْمُسلمين أَو قتل كَافِرًا نَائِما أَو أَسِيرًا أَو قَتله وَقد انهزم الْكفَّار فَلَا سلب لَهُ لِأَنَّهُ فِي مُقَابلَة الْخطر والتغرير بِالنَّفسِ وَهُوَ مُنْتَفٍ هَا هُنَا
وسلب ثِيَاب الْقَتِيل الَّتِي عَلَيْهِ والخف وَآلَة الْحَرْب كدرع وَسلَاح ومركوب وآلته نَحْو سرج ولجام وَكَذَا سوار ومنطقة وَخَاتم وَنَفَقَة مَعَه وَكَذَا جنيبة تقاد مَعَه
فِي الْأَظْهر لَا حقيبة وَهِي وعَاء يجمع فِيهِ الْمَتَاع وَيجْعَل على حقو الْبَعِير مشدودة على الْفرس فَلَا يَأْخُذهَا
وَلَا مَا فِيهَا من الدَّرَاهِم والأمتعة لِأَنَّهَا لَيست من لِبَاسه وَلَا من حليته وَلَا من حلية فرسه
وَلَا يُخَمّس السَّلب على الْمَشْهُور لِأَنَّهُ ﷺ قضى بِهِ للْقَاتِل وَبعد السَّلب تخرج مُؤنَة الْحِفْظ وَالنَّقْل وَغَيرهمَا من الْمُؤَن اللَّازِمَة كَأُجْرَة جمال وراع
(وتقسم الْغَنِيمَة) وجوبا (بعد ذَلِك) أَي بعد إِعْطَاء السَّلب وَإِخْرَاج الْمُؤَن خَمْسَة أَخْمَاس مُتَسَاوِيَة
(فَيعْطى أَرْبَعَة أخماسها) من عقار ومنقول (لمن شهد الْوَقْعَة) بنية الْقِتَال وهم الغانمون لإِطْلَاق الْآيَة الْكَرِيمَة وَعَملا بِفِعْلِهِ ﵊ بِأَرْض خَيْبَر سَوَاء أقَاتل من حضر بنية الْقِتَال مَعَ الْجَيْش أم لَا لِأَن الْمَقْصُود تهيؤه للْجِهَاد وحصوله هُنَاكَ
فَإِن تِلْكَ الْحَالة باعثة على الْقِتَال
وَلَا يتَأَخَّر عَنهُ فِي الْغَالِب إِلَّا لعدم الْحَاجة إِلَيْهِ مَعَ تكثيره سَواد الْمُسلمين
وَكَذَا من حضر لَا بنية الْقِتَال وَقَاتل فِي الْأَظْهر فَمن لم يحضر أَو حضر لَا بنية الْقِتَال وَلم يُقَاتل لم يسْتَحق شَيْئا وَيسْتَثْنى من ذَلِك مسَائِل الأولى مَا لَو بعث الإِمَام جاسوسا فغنم الْجَيْش قبل رُجُوعه فَإِنَّهُ يشاركهم فِي الْأَصَح
الثَّانِيَة لَو طلب الإِمَام بعض الْعَسْكَر ليحرس من هجوم الْعَدو وأفرد من الْجَيْش كمينا فَإِنَّهُ يُسهم لَهُم وَإِن لم يحضروا الْوَقْعَة لأَنهم فِي حكمهم ذكره الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره
الثَّالِثَة لَو دخل الإِمَام أَو نَائِبه دَار الْحَرْب فَبعث سَرِيَّة فِي نَاحيَة فَغنِمت شاركها جَيش الإِمَام وَبِالْعَكْسِ لاستظهار كل مِنْهُمَا بِالْآخرِ وَلَو بعث سريتين إِلَى جِهَة اشْترك
الْجَمِيع فِيمَا تغنم كل وَاحِدَة مِنْهُمَا
وَكَذَا لَو بعثهما إِلَى جِهَتَيْنِ وَإِن تباعدتا على الْأَصَح
وَلَا شي لمن حضر بعد انْقِضَاء الْقِتَال وَلَو قبل حِيَازَة المَال
وَلَو مَاتَ بَعضهم بعد انْقِضَاء الْقِتَال وَلَو قبل حِيَازَة المَال فحقه لوَارِثه كَسَائِر الْحُقُوق
وَلَو مَاتَ فِي أثْنَاء الْقِتَال فالمنصوص أَنه لَا شَيْء لَهُ فَلَا يخلفه وَارثه فِيهِ وَنَصّ فِي موت الْفرس حِينَئِذٍ أَنه يسْتَحق سهميها وَالأَصَح تَقْرِير النَّصِيبَيْنِ لِأَن الْفَارِس متبوع
فَإِذا مَاتَ فَاتَ الأَصْل وَالْفرس تَابع فَإِذا مَاتَ جَازَ أَن يبْقى سَهْمه للمتبوع وَالْأَظْهَر أَن الْأَجِير الَّذِي وَردت الْإِجَارَة على عينه مُدَّة مُعينَة لَا لجهاده بل لسياسة دَوَاب وَحفظ أَمْتعَة وَنَحْوهَا
والتاجر
стр. 562
والمحترف كالخياط والبقال يُسهم لَهُم إِذا قَاتلُوا لشهودهم الْوَقْعَة وقتالهم أما من وَردت الْإِجَارَة على ذمَّته أَو بِغَيْر مُدَّة كخياطة ثوب فَيعْطى وَإِن لم يُقَاتل وَأما الْأَجِير للْجِهَاد فَإِن كَانَ مُسلما فَلَا أُجْرَة لَهُ لبُطْلَان إِجَارَته لِأَنَّهُ بِحُضُور الصَّفّ تعين عَلَيْهِ وَلم يسْتَحق السهْم فِي أحد وَجْهَيْن قطع بِهِ الْبَغَوِيّ وَاقْتضى كَلَام الرَّافِعِيّ تَرْجِيحه لإعراضه عَنهُ بِالْإِجَارَة وَلم يحضر مُجَاهدًا وَيدْفَع
(للفارس ثَلَاثَة أسْهم) لَهُ سهم ولفرسه سَهْمَان لِلِاتِّبَاعِ فيهمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَمن حضر بفرس يركبه يُسهم لَهُ وَإِن لم يُقَاتل عَلَيْهِ
إِذا كَانَ يُمكنهُ ركُوبه لَا إِن حضر وَلم يعلم بِهِ فَلَا يُسهم لَهُ وَلَا يعْطى إِلَّا لفرس وَاحِد
وَإِن كَانَ مَعَه أَكثر مِنْهَا لِأَنَّهُ ﷺ لم يُعْط الزبير إِلَّا لفرس وَاحِد
وَكَانَ مَعَه يَوْم خَيْبَر أَفْرَاس عَرَبيا كَانَ الْفرس أَو غَيره كالبرذون وَهُوَ مَا أَبَوَاهُ عجميان والهجين وَهُوَ مَا أَبوهُ عَرَبِيّ دون أمه
والمقرف بِضَم الْمِيم وَسُكُون الْقَاف وَكسر الرَّاء عَكسه لِأَن الْكر والفر يحصل من كل مِنْهُمَا وَلَا يضر تفاوتهما كالرجال
وَلَا يعْطى لفرس أعجف أَي مهزول بَين الهزال وَلَا مَا لَا نفع فِيهِ كالهرم وَالْكَبِير لعدم فَائِدَته
وَلَا لبعير وَغَيره كالفيل والبغل وَالْحمار لِأَنَّهَا لَا تصلح للحرب صَلَاحِية الْخَيل لَهُ وَلَكِن يرْضخ لَهَا ويتفاوت بَينهَا بِحَسب النَّفْع
(و) يدْفع (للراجل سهم) وَاحِد لفعله ﷺ ذَلِك يَوْم خَيْبَر مُتَّفق عَلَيْهِ وَلَا يرد إِعْطَاء النَّبِي ﷺ سَلمَة بن الْأَكْوَع رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ فِي وقْعَة سَهْمَيْنِ كَمَا صَحَّ فِي مُسلم لِأَنَّهُ ﷺ رأى مِنْهُ خُصُوصِيَّة اقْتَضَت ذَلِك
(وَلَا يُسهم) من الْغَنِيمَة (إِلَّا لمن استكملت فِيهِ خمس) بل سِتّ (شَرَائِط الْإِسْلَام وَالْبُلُوغ وَالْعقل وَالْحريَّة والذكورة)
وَالصِّحَّة (فَإِن اخْتَلَّ شَرط من ذَلِك)
أَي مِمَّا ذكر كالكافر وَالصَّبِيّ وَالْمَجْنُون وَالرَّقِيق وَالْمَرْأَة وَالْخُنْثَى والزمن (رضخ لَهُ وَلم يُسهم) لوَاحِد مِنْهُم لأَنهم لَيْسُوا من أهل فرض الْجِهَاد
والرضخ بالضاد وَالْخَاء المعجمتين لُغَة الْعَطاء الْقَلِيل وَشرعا اسْم لما دون السهْم ويجتهد الإِمَام أَو أَمِير الْجَيْش فِي قدره لِأَنَّهُ لم يرد فِيهِ تَحْدِيد
فَيرجع إِلَى رَأْيه ويتفاوت على قدر نفع المرضخ لَهُ فَيرجع الْمقَاتل وَمن قِتَاله أَكثر على غَيره والفارس على الراجل وَالْمَرْأَة الَّتِي تداوي الْجَرْحى وتسقي العطاشى على الَّتِي تحفظ الرِّجَال بِخِلَاف سهم الْغَنِيمَة فَإِنَّهُ يَسْتَوِي فِيهِ الْمقَاتل وَغَيره لِأَنَّهُ مَنْصُوص عَلَيْهِ
والرضخ بِالِاجْتِهَادِ لَكِن لَا يبلغ بِهِ سهم راجل وَلَو كَانَ الرضخ لفارس لِأَنَّهُ تبع للسهام فينقص بِهِ من قدرهَا كالحكومة مَعَ الأروش الْمقدرَة وَمحل الرضخ الْأَخْمَاس الْأَرْبَعَة لِأَنَّهُ سهم من الْغَنِيمَة يسْتَحق بِحُضُور الْوَقْعَة إِلَّا أَنه نَاقص وَإِنَّمَا يرْضخ لذِمِّيّ وَمَا ألحق بِهِ من الْكفَّار حضر بِلَا أُجْرَة وَكَانَ حُضُوره بِإِذن الإِمَام أَو أَمِير الْجَيْش وَبلا إِكْرَاه مِنْهُ
وَلَا أثر لإذن الْآحَاد فَإِن حضر بِأُجْرَة فَلهُ الْأُجْرَة وَلَا شَيْء لَهُ سواهَا وَإِن حضر بِلَا إِذن الإِمَام أَو الْأَمِير فَلَا رضخ لَهُ بل يعزره الإِمَام إِن رَآهُ وَإِن أكرهه الإِمَام على الْخُرُوج اسْتحق أُجْرَة مثله من غير سهم وَلَا رضخ لاستهلاك عمله عَلَيْهِ كَمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ
(وَيقسم الْخمس) الْخَامِس بعد ذَلِك (على خَمْسَة أسْهم) فالقسمة من خَمْسَة وَعشْرين لقَوْله تَعَالَى ﴿وَاعْلَمُوا أَنما غَنِمْتُم من شَيْء فَأن لله خمسه﴾ الْآيَة
الأول (سهم لرَسُول الله ﷺ لِلْآيَةِ وَلَا يسْقط بوفاته ﷺ بل (يصرف بعده صلى الله عَلَيْهِ وَسلم
стр. 563
للْمصَالح) أَي لمصَالح الْمُسلمين فَلَا يصرف مِنْهُ لكَافِر فَمن الْمصَالح سد الثغور وشحنها بِالْعدَدِ والمقاتلة وَهِي مَوَاضِع الْخَوْف من أَطْرَاف بِلَاد الْإِسْلَام الَّتِي تَلِيهَا بِلَاد الْمُشْركين فيخاف أَهلهَا مِنْهُم
وَعمارَة الْمَسَاجِد والقناطر والحصون وأرزاق الْقُضَاة وَالْأَئِمَّة وَالْعُلَمَاء بعلوم تتَعَلَّق بمصالح الْمُسلمين كتفسير وَحَدِيث وَفقه ومعلمي الْقُرْآن والمؤذنين لِأَن بالثغور حفظ الْمُسلمين وَلِئَلَّا يتعطل من ذكر بالاكتساب عَن الِاشْتِغَال بِهَذِهِ الْعُلُوم وَعَن تَنْفِيذ الْأَحْكَام وَعَن التَّعْلِيم والتعلم فيرزقون مَا يكفيهم ليتفرغوا لذَلِك
قَالَ الزَّرْكَشِيّ نقلا عَن الْغَزالِيّ يعْطى الْعلمَاء والقضاة مَعَ الْغَنِيّ وَقدر الْمُعْطى إِلَى رَأْي الإِمَام بِالْمَصْلَحَةِ وَيخْتَلف بِضيق المَال وسعته
وَقَالَ الْغَزالِيّ وَيُعْطى أَيْضا من ذَلِك الْعَاجِز عَن الْكسْب لَا مَعَ الْغَنِيّ وَالْمرَاد بالقضاة غير قُضَاة الْعَسْكَر أما قُضَاة الْعَسْكَر وهم الَّذين يحكمون لأهل الْفَيْء فِي مغزاهم فيرزقون من الْأَخْمَاس الْأَرْبَعَة لَا من خمس الْخمس
كَمَا قَالَه الْمَاوَرْدِيّ وَكَذَا أئمتهم ومؤذنوهم وعمالهم
يقدم الأهم فالأهم مِنْهَا وجوبا وأهمها
كَمَا قَالَه فِي التَّنْبِيه سد الثغور لِأَن فِيهِ حفظا للْمُسلمين
تَنْبِيه قَالَ فِي الْإِحْيَاء لَو لم يدْفع الإِمَام إِلَى الْمُسْتَحقّين حُقُوقهم من بَيت المَال فَهَل يجوز لأحد أَخذ شَيْء من بَيت المَال وَفِيه أَرْبَعَة مَذَاهِب أَحدهَا لَا يجوز أَخذ شَيْء أصلا لِأَنَّهُ مُشْتَرك وَلَا يدْرِي قدر حِصَّته مِنْهُ
قَالَ وَهَذَا غلُول
وَالثَّانِي يَأْخُذ كل يَوْم قوت يَوْم
وَالثَّالِث يَأْخُذ كِفَايَة سنة
وَالرَّابِع يَأْخُذ مَا يعْطى وَهُوَ قدر حِصَّته
قَالَ وَهَذَا هُوَ الْقيَاس لِأَن المَال لَيْسَ مُشْتَركا بَين الْمُسلمين كالغنيمة بَين الْغَانِمين وَالْمِيرَاث بَين الْوَارِثين لِأَن ذَلِك ملك لَهُم حَتَّى لَو مَاتُوا تقسم بَين ورثتهم وَهَذَا لَو مَاتَ لم يسْتَحق وَارثه شَيْئا انْتهى
وَأقرهُ فِي الْمَجْمُوع على هَذَا الرَّابِع وَهُوَ الظَّاهِر
(و) الثَّانِي (سهم لِذَوي الْقُرْبَى) لِلْآيَةِ الْكَرِيمَة (وهم) آله ﷺ (بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب) وَمِنْهُم إمامنا الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ دون بني عبد شمس وَبني نَوْفَل وَإِن كَانَ الْأَرْبَعَة أَوْلَاد عبد منَاف لاقتصاره ﷺ فِي الْقسم على بني الْأَوَّلين مَعَ سُؤال بني الآخرين لَهُ رَوَاهُ البُخَارِيّ
وَلِأَنَّهُم لم يفارقوه فِي الْجَاهِلِيَّة وَلَا الْإِسْلَام حَتَّى إِنَّه لما بعث ﷺ بالرسالة نصروه وذبوا عَنهُ بِخِلَاف بني الآخرين بل كَانُوا يؤذونه وَالثَّلَاثَة الأول أشقاء وَنَوْفَل أخوهم لأبيهم وَعبد شمس جد عُثْمَان بن عَفَّان وَالْعبْرَة بالانتساب إِلَى الْآبَاء أما من انتسب مِنْهُم إِلَى الْأُمَّهَات فَلَا
ويشترك فِي هَذَا الْغَنِيّ وَالْفَقِير وَالنِّسَاء ويفضل الذّكر كَالْإِرْثِ
وَحكى
стр. 564
الإِمَام فِيهِ إِجْمَاع الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم
(و) الثَّالِث (سهم لِلْيَتَامَى) لِلْآيَةِ جمع يَتِيم وَهُوَ صَغِير ذكر أَو خُنْثَى أَو أُنْثَى لَا أَب لَهُ أما كَونه صَغِيرا فلخبر لَا يتم بعد احْتِلَام وَأما كَونه لَا أَب لَهُ فللوضع وَالْعرْف سَوَاء أَكَانَ من أَوْلَاد المرتزقة أم لَا قتل أَبوهُ فِي الْجِهَاد أم لَا لَهُ جد أم لَا
تَنْبِيه كَانَ الأولى للْمُصَنف أَن يُقيد الْيَتِيم بِالْمُسلمِ لِأَن أَيْتَام الْكفَّار لَا يُعْطون من سهم الْيَتَامَى شَيْئا لِأَنَّهُ مَال أَخذ من الْكفَّار فَلَا يرجع إِلَيْهِم
وَكَذَا يشْتَرط الْإِسْلَام فِي ذَوي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِين وَابْن السَّبِيل لذَلِك ويندرج فِي تفسيرهم الْيَتِيم ولد الزِّنَا واللقيط والمنفي بِلعان وَلَا يسمون أيتاما لِأَن ولد الزِّنَا لَا أَب لَهُ شرعا فَلَا يُوصف باليتيم
واللقيط قد يظْهر أَبوهُ والمنفي بِاللّعانِ قد يستلحقه نافيه وَلَكِن الْقيَاس أَنهم يُعْطون من سهم الْيَتَامَى
فَائِدَة يُقَال لمن فقد أمه دون أَبِيه مُنْقَطع
واليتيم فِي الْبَهَائِم من فقد أمه وَفِي الطير من فقد أَبَاهُ وَأمه وَيشْتَرط فِي إِعْطَاء الْيَتِيم لَا فِي تَسْمِيَته يَتِيما فقره أَو مسكنته لإشعار لفظ الْيَتِيم بذلك وَلِأَن اغتناءه بِمَال أَبِيه
إِذا منع اسْتِحْقَاقه فاغتناؤه بِمَالِه أولى بِمَنْعه (و) الرَّابِع (سهم للْمَسَاكِين) لِلْآيَةِ
وَيدخل فِي هَذَا الِاسْم هُنَا الْفُقَرَاء كَمَا قَالَه فِي الرَّوْضَة
(و) الْخَامِس (سهم لِابْنِ السَّبِيل) أَي الطَّرِيق لِلْآيَةِ وَابْن السَّبِيل منشىء سفر مُبَاح من مَحل الزَّكَاة كَمَا فِي قسم الصَّدقَات أَو مجتاز بِهِ فِي سفر وَاحِدًا كَانَ أَو أَكثر ذكرا أَو غَيره سمي بذلك لملازمته السَّبِيل وَهِي الطَّرِيق وَشرط فِي إِعْطَائِهِ لَا فِي تَسْمِيَته الْحَاجة بِأَن لَا يجد مَا يَكْفِيهِ غير الصَّدَقَة وَإِن كَانَ لَهُ مَال فِي مَكَان آخر أَو كَانَ كسوبا أَو كَانَ سَفَره لنزهة
لعُمُوم الْآيَة
تَتِمَّة يجوز للْإِمَام أَن يجمع للْمَسَاكِين بَين سهمهم من الزَّكَاة وسهمهم من الْخمس وحقهم من الْكَفَّارَات فَيصير لَهُم ثَلَاثَة أَمْوَال قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَإِذا وجد فِي وَاحِد مِنْهُم يتم ومسكنة أعْطى باليتم دون المسكنة لِأَن الْيُتْم وصف لَازم والمسكنة زائلة وَاعْترض بِأَن الْيُتْم لَا بُد فِيهِ من فقر أَو مسكنة
وَقَضِيَّة كَلَام الْمَاوَرْدِيّ أَنه إِذا كَانَ الْغَازِي من ذَوي الْقُرْبَى لَا يَأْخُذ بالغزو بل بِالْقَرَابَةِ فَقَط
لَكِن ذكر الرَّافِعِيّ فِي قسم الصَّدقَات أَنه يَأْخُذ بهما
وَاقْتضى كَلَامه أَنه لَا خلاف فِيهِ وَهُوَ ظَاهر
وَالْفرق بَين الْغَزْو والمسكنة أَن الْأَخْذ بالغزو لحاجتنا بالمسكنة لحَاجَة صَاحبهَا
وَمن فقد من الْأَصْنَاف أعْطى الْبَاقُونَ نصِيبه كَمَا فِي الزَّكَاة إِلَّا سهم رَسُول
стр. 565
الله ﷺ فَإِنَّهُ للْمصَالح كَمَا مر وَيصدق مدعي المسكنة والفقر بِلَا بَيِّنَة وَإِن اتهمَ وَلَا يصدق مدعي الْيُتْم وَلَا مدعي الْقَرَابَة إِلَّا بِبَيِّنَة
فصل فِي قسم الْفَيْء
وَهُوَ مَال أَو نَحوه
ككلب ينْتَفع بِهِ حصل لنا من كفار مِمَّا هُوَ لَهُم بِلَا قتال
وَبلا إيجَاف أَي إسراع خيل وَلَا سير ركاب أَي إبل وَنَحْوهَا
كبغال وحمير وسفن ورجالة فَخرج بلنا مَا حصله أهل الذِّمَّة من أهل الْحَرْب
فَإِنَّهُ لَا ينْزع مِنْهُم وَمِمَّا هُوَ لَهُم مَا أَخَذُوهُ من مُسلم أَو ذمِّي أَو نَحوه بِغَيْر حق
فإننا لم نملكه بل نرده على مَالِكه إِن عرف وَإِلَّا فيحفظ وَمن الْفَيْء الْجِزْيَة وَعشر تِجَارَة من كفار شرطت عَلَيْهِم إِذا دخلُوا دَارنَا وخراج ضرب عَلَيْهِم على اسْم الْجِزْيَة وَمَا جلوا أَي تفَرقُوا عَنهُ وَلَو لغير خوف كضر أَصَابَهُم وَمن قتل أَو مَاتَ على الرِّدَّة أَو ذمِّي أَو نَحوه مَاتَ بِلَا وَارِث أَو ترك وَارِثا غير جَائِز ثمَّ شرع فِي قسمته بقوله (وَيقسم مَال الْفَيْء)
وَمَا ألحق بِهِ من الاختصاصات (على خمس)
لقَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله من أهل الْقرى﴾ الْآيَة (يصرف خمسه) وجوبا (على من يصرف عَلَيْهِم خمس الْغَنِيمَة) فيخمس جَمِيعه خَمْسَة أَخْمَاس مُتَسَاوِيَة كالغنيمة خلافًا للأئمة الثَّلَاثَة
حَيْثُ قَالُوا لَا يُخَمّس بل جَمِيعه لمصَالح الْمُسلمين وَدَلِيلنَا قَوْله تَعَالَى ﴿مَا أَفَاء الله على رَسُوله﴾ الْآيَة فَأطلق هَا هُنَا وَقيد فِي الْغَنِيمَة فَحمل الْمُطلق على الْمُقَيد جمعهَا بَينهمَا لِاتِّحَاد الحكم فَإِن الحكم وَاحِد وَهُوَ رُجُوع المَال من الْمُشْركين للْمُسلمين وَإِن اخْتلف السَّبَب بِالْقِتَالِ وَعَدَمه
كَمَا حملنَا الرَّقَبَة فِي الظِّهَار على المؤمنة فِي كَفَّارَة الْقَتْل وَكَانَ ﷺ يقسم لَهُ أَرْبَعَة أخماسه وَخمْس خمسه
وَلكُل من الْأَرْبَعَة الْمَذْكُورين مَعَه فِي الْآيَة خمس الْخمس كَمَا مر فِي الْفَصْل قبله
وَأما بعده ﷺ فَيصْرف مَا كَانَ لَهُ من خمس الْخمس لمصالحنا كَمَا مر أَيْضا فِي الْفَصْل قبله
(وَيُعْطى أَرْبَعَة أخماسها) الَّتِي كَانَت لَهُ ﷺ فِي حَيَاته (للمقاتلة) أَي المرتزقة لعمل الْأَوَّلين بِهِ
لِأَنَّهَا كَانَت رَسُول الله ﷺ لحُصُول النُّصْرَة بِهِ
следующие страницы →