Полный текст (661 стр.). Показаны 631–661 · переход к 636.
стр. 631
وَخرج بِقَيْد الْأَدَاء التَّحَمُّل فَلَا يشْتَرط عِنْده هَذِه الشُّرُوط بِدَلِيل قَوْلهم إِنَّه لَو شهد كَافِر أَو عبد أَو صبي ثمَّ أَعَادَهَا بعد كَمَاله قبلت كَمَا قَالَه الزَّرْكَشِيّ فِي خادمه قَالَ وَلَا يسْتَثْنى من ذَلِك غير شُهُود النِّكَاح فَإِنَّهُ يشْتَرط الْأَهْلِيَّة عِنْد التَّحَمُّل أَيْضا (وللعدالة) الْمُتَقَدّمَة (خمس شَرَائِط) الأول (أَن يكون مجتنبا للكبائر) أَي لكل مِنْهَا
(و) الثَّانِي أَن يكون (غير مصر على الْقَلِيل من الصَّغَائِر) من نوع أَو أَنْوَاع وَفسّر جمَاعَة الْكَبِيرَة بِأَنَّهَا مَا لحق صَاحبهَا وَعِيد شَدِيد بِنَصّ كتاب أَو سنة
وَقيل هِيَ الْمعْصِيَة الْمُوجبَة للحد وَذكر فِي أصل الرَّوْضَة أَنهم إِلَى تَرْجِيح هَذَا أميل وَأَن الَّذِي ذَكرْنَاهُ أَولا هُوَ الْمُوَافق لما ذَكرُوهُ عِنْد تَفْصِيل الْكَبَائِر انْتهى
لأَنهم عدوا الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم وَشَهَادَة الزُّور وَنَحْوهَا من الْكَبَائِر وَلَا حد فِيهَا وَقَالَ الإِمَام هِيَ كل جريمة تؤذن بقلة اكتراث مرتكبها بِالدّينِ
انْتهى وَالْمرَاد بهَا بِقَرِينَة التعاريف الْمَذْكُورَة غير الْكَبَائِر الاعتقادية الَّتِي هِيَ الْبدع فَإِن الرَّاجِح قبُول شَهَادَة أَهلهَا مَا لم نكفرهم كَمَا سَيَأْتِي بَيَانه هَذَا ضَبطهَا بِالْحَدِّ وَأما ضَبطهَا بالعد فأشياء كَثِيرَة
قَالَ ابْن عَبَّاس هِيَ إِلَى السّبْعين أقرب وَقَالَ سعيد بن جُبَير إِنَّهَا إِلَى سَبْعمِائة أقرب أَي بِاعْتِبَار أَصْنَاف أَنْوَاعهَا وَمَا عدا ذَلِك من الْمعاصِي فَمن الصَّغَائِر وَلَا بَأْس بعد شَيْء من النَّوْعَيْنِ
فَمن الأول تَقْدِيم الصَّلَاة أَو تَأْخِيرهَا عَن وَقتهَا بِلَا عذر وَمنع الزَّكَاة وَترك الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر مَعَ الْقُدْرَة ونسيان الْقُرْآن واليأس من رَحْمَة الله وَأمن مكره تَعَالَى وَأكل الرِّبَا وَأكل مَال الْيَتِيم والإفطار فِي رَمَضَان من غير عذر وعقوق الْوَالِدين وَالزِّنَا واللواط وَشَهَادَة الزُّور وَضرب الْمُسلم بِغَيْر حق والنميمة
وَأما الْغَيْبَة فَإِن كَانَت فِي أهل الْعلم وَحَملَة الْقُرْآن فَهِيَ كَبِيرَة كَمَا جرى عَلَيْهِ ابْن الْمقري وَإِلَّا فصغيرة وَمن الصَّغَائِر النّظر الْمحرم وهجر الْمُسلم فَوق ثَلَاثَة أَيَّام والنياحة وشق الجيب والتبختر فِي الْمَشْي وَإِدْخَال صبيان أَو مجانين يغلب تنجيسهم الْمَسْجِد وَاسْتِعْمَال نَجَاسَة فِي بدن أَو ثوب لغير حَاجَة فبارتكاب كَبِيرَة أَو إِصْرَار على صَغِيرَة من نوع أَو أَنْوَاع تَنْتفِي الْعَدَالَة إِلَّا إِن تغلب طَاعَته على مَعَاصيه
كَمَا قَالَه الْجُمْهُور فَلَا تَنْتفِي عَدَالَته وَإِن اقْتَضَت عبارَة المُصَنّف الانتفاء مُطلقًا
فَائِدَة فِي الْبَحْر لَو نوى الْعدْل فعل كَبِيرَة غَدا كزنا لم يصر بذلك فَاسِقًا بِخِلَاف نِيَّة الْكفْر (و) الثَّالِث أَن يكون الْعدْل (سليم السريرة) أَي العقيدة بِأَن لَا يكون مبتدعا لَا يكفر وَلَا يفسق ببدعته فَلَا تقبل شَهَادَة
стр. 632
مُبْتَدع يكفر أَو يفسق ببدعته فَالْأول كمنكري الْبَعْث وَالثَّانِي كساب الصَّحَابَة وَيسْتَثْنى من هَذَا الخطابية فَلَا تقبل شَهَادَتهم وهم فرقة يجوزون الشَّهَادَة لصَاحِبِهِمْ إِذا سَمِعُوهُ يَقُول لي على فلَان كَذَا هَذَا إِذا لم يبينوا السَّبَب كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ فَإِن بينوا السَّبَب كَأَن قَالُوا رَأَيْنَاهُ يقْرضهُ كَذَا فَتقبل حِينَئِذٍ شَهَادَتهم
(و) الرَّابِع أَن يكون الْعدْل (مَأْمُونا) مِمَّا توقع فِيهِ النَّفس الأمارة صَاحبهَا (عِنْد الْغَضَب) من ارْتِكَاب قَول الزُّور والإصرار على الْغَيْبَة وَالْكذب لقِيَام غَضَبه فَلَا عَدَالَة لمن يحملهُ غَضَبه على الْوُقُوع فِي ذَلِك
(و) الْخَامِس أَن يكون (محافظا على مُرُوءَة مثله) بِأَن يتخلق الشَّخْص بِخلق أَمْثَاله من أَبنَاء عصره مِمَّن يُرَاعِي مناهج الشَّرْع وآدابه فِي زَمَانه ومكانه لِأَن الْأُمُور الْعُرْفِيَّة قَلما تنضبط بل تخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص والأزمنة والبلدان وَهَذَا بِخِلَاف الْعَدَالَة فَإِنَّهَا تخْتَلف باخْتلَاف الْأَشْخَاص
فَإِن الْفسق يَسْتَوِي فِيهِ الشريف والوضيع بِخِلَاف الْمُرُوءَة فَإِنَّهَا تخْتَلف فَلَا تقبل شَهَادَة من لَا مُرُوءَة لَهُ كمن يَأْكُل أَو يشرب فِي سوق وَهُوَ غير سوقي كَمَا فِي الرَّوْضَة وَغير من لم يغلبه جوع أَو عَطش أَو يمشي فِي سوق مَكْشُوف الرَّأْس أَو الْبدن غير الْعَوْرَة مِمَّن لَا يَلِيق بِهِ مثله ولغير محرم بنسك أما الْعَوْرَة فكشفها حرَام أَو يقبل زَوجته أَو أمته بِحَضْرَة النَّاس وَأما تَقْبِيل ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أمته الَّتِي وَقعت فِي سَهْمه بِحَضْرَة النَّاس فَقَالَ الزَّرْكَشِيّ كَانَ تَقْبِيل اسْتِحْسَان لَا تمتّع أَو ظن أَنه لَيْسَ ثمَّ من ينظره أَو على أَن الْمرة الْوَاحِدَة لَا تضر على مَا اقْتَضَاهُ نَص الشَّافِعِي وَمد الرجل عِنْد النَّاس بِلَا ضَرُورَة كقبلة أمته بحضرتهم وَمن ذَلِك إكثار حكايات مضحكة بَين النَّاس بِحَيْثُ يصير ذَلِك عَادَة لَهُ
وَخرج بالإكثار مَا لم يكثر أَو كَانَ ذَلِك طبعا لَا تصنعا كَمَا وَقع لبَعض الصَّحَابَة وَلبس فَقِيه قبَاء أَو قلنسوة فِي مَحل لَا يعْتَاد الْفَقِيه لبس ذَلِك فِيهِ وإكباب على لعب الشطرنج بِحَيْثُ يشْغلهُ عَن مهامته وَإِن لم يقْتَرن بِهِ مَا يحرمه أَو على غناء أَو استماعه وإكثار رقص
وحرفة دنيئة مُبَاحَة كحجامة وكنس زبل وَنَحْوه ودبغ مِمَّن لَا يَلِيق ذَلِك بِهِ
وَاعْترض جعلهم الحرفة الدنيئة مِمَّا يخرم الْمُرُوءَة مَعَ قَوْلهم إِنَّهَا من فروض الكفايات وَأجِيب بِحمْل ذَلِك على من اخْتَارَهَا لنَفسِهِ مَعَ حُصُول الْكِفَايَة بِغَيْرِهِ وَأما الحرفة غير الْمُبَاحَة كالمنجم والعراف والكاهن والمصور فَلَا تقبل شَهَادَتهم قَالَ الصَّيْمَرِيّ لِأَن شعارهم التلبيس
стр. 633
تَنْبِيه هَذَا الشَّرْط الْخَامِس إِنَّمَا هُوَ شَرط فِي قبُول الشَّهَادَة لَا فِي الْعَدَالَة فَإِنَّهُ مَعَ ذَلِك لَا يخرج عَن كَونه عدلا لَكِن شَهَادَته لم تقبل لفقد مروءته
وَمن شُرُوط الْقبُول أَيْضا أَن لَا يكون مُتَّهمًا والتهمة أَن يجر إِلَيْهِ بِشَهَادَتِهِ نفعا أَو يدْفع عَنهُ بهَا ضَرَرا كَمَا سَيَأْتِي فِي كَلَامه
تَتِمَّة لَو شهد اثْنَان لاثْنَيْنِ بِوَصِيَّة من تَرِكَة فَشهد الِاثْنَان للشاهدين بِوَصِيَّة من تِلْكَ التَّرِكَة قبلت الشهادتان فِي الْأَصَح لانفصال كل شَهَادَة عَن الْأُخْرَى وَلَا تجر شَهَادَته نفعا وَلَا تدفع عَنهُ ضَرَرا وَتقبل شَهَادَة الْحِسْبَة فِي حُقُوق الله تَعَالَى المتمحضة كَالصَّلَاةِ وَالصَّوْم
وَفِيمَا فِيهِ لله تَعَالَى حق مُؤَكد وَهُوَ مَا لَا يتأثر بِرِضا الْآدَمِيّ كَطَلَاق وَعتق وعفو عَن قصاص وإبقاء عدَّة وانقضائها وحد لله تَعَالَى وَكَذَا النّسَب على الصَّحِيح
وَمَتى حكم قَاض بِشَاهِدين فبانا غير مقبولي الشَّهَادَة ككافرين نقضه هُوَ وَغَيره
وَلَو شهد كَافِر أَو عبد أَو صبي ثمَّ أَعَادَهَا بعد كَمَاله قبلت شَهَادَته لانْتِفَاء التُّهْمَة أَو فَاسق تَابَ لم تقبل للتُّهمَةِ وَتقبل من غير تِلْكَ الشَّهَادَة بِشَرْط اختباره بعد التَّوْبَة مُدَّة يظنّ فِيهَا صدق تَوْبَته وقدرها الْأَكْثَرُونَ بِسنة وَيشْتَرط فِي تَوْبَة مَعْصِيّة قولية القَوْل فَيَقُول قذفي بَاطِل وَأَنا نادم عَلَيْهِ وَلَا أَعُود إِلَيْهِ وَيَقُول فِي شَهَادَة الزُّور شهادتي بَاطِلَة وَأَنا نادم عَلَيْهَا
وَالْمَعْصِيَة غير القولية يشْتَرط فِي التَّوْبَة مِنْهَا إقلاع عَنْهَا وَنَدم عَلَيْهَا وعزم أَن لَا يعود لَهَا ورد ظلامة آدَمِيّ إِن تعلّقت بِهِ
فصل كَمَا فِي بعض النّسخ يذكر فِيهِ الْعدَد فِي الشُّهُود والذكورة
والأسباب الْمَانِعَة من الْقبُول وَأسْقط ذكر فصل فِي بَعْضهَا
(والحقوق) الْمَشْهُود بهَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَا يعْتَبر فِيهَا عددا أَو وَصفا (ضَرْبَان) أَحدهمَا (حق الله تَعَالَى و) ثَانِيهمَا (حق الْآدَمِيّ) وَبَدَأَ بِهِ فَقَالَ
(فَأَما حق الْآدَمِيّ) لِأَنَّهُ الْأَغْلَب وقوعا (فَهُوَ على ثَلَاثَة أضْرب) الأول (ضرب لَا يقبل فِيهِ إِلَّا شَاهِدَانِ ذكران) أَي رجلَانِ وَلَا مدْخل فِيهِ للإناث وَلَا للْيَمِين مَعَ الشَّاهِد (وَهُوَ مَا لَا يقْصد مِنْهُ المَال) أصلا كعقوبة لله تَعَالَى والآدمي (و) مَا (يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال) غَالِبا كَطَلَاق وَنِكَاح ورجعة وَإِقْرَار بِنَحْوِ زنا
стр. 634
وَمَوْت ووكالة ووصاية وَشركَة وقراض وكفالة وَشَهَادَة على شَهَادَة
لِأَن الله تَعَالَى نَص على الرجلَيْن فِي الطَّلَاق وَالرَّجْعَة والوصاية
وروى مَالك عَن الزُّهْرِيّ مَضَت السّنة بِأَنَّهُ لَا يجوز شَهَادَة النِّسَاء فِي الْحُدُود وَلَا فِي النِّكَاح كَالطَّلَاقِ وَقيس بالمذكورات غَيرهَا مِمَّا يشاركها فِي الْمَعْنى الْمَذْكُور وَالْوكَالَة وَالثَّلَاثَة بعْدهَا وَإِن كَانَت فِي مَال الْقَصْد مِنْهَا الْولَايَة والسلطنة
لَكِن لما ذكر ابْن الرّفْعَة اخْتلَافهمْ فِي الشّركَة والقراض قَالَ وَيَنْبَغِي أَن يُقَال إِن رام مدعيهما إِثْبَات التَّصَرُّف فَهُوَ كَالْوَكِيلِ أَو إِثْبَات حِصَّته من الرِّبْح فيثبتان بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ إِذْ الْمَقْصُود المَال وَيقرب مِنْهُ دَعْوَى الْمَرْأَة النِّكَاح لإِثْبَات الْمهْر أَو شطره أَو الْإِرْث فَيثبت بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ إِذْ الْمَقْصُود مِنْهُ المَال
وَإِن لم يثبت النِّكَاح بهما فِي غير هَذِه الصُّورَة
(و) الثَّانِي (ضرب يقبل فِيهِ شَاهِدَانِ) رجلَانِ (أَو رجل وَامْرَأَتَانِ أَو شَاهد) أَي رجل وَاحِد
(وَيَمِين الْمُدَّعِي) بعد أَدَاء شَهَادَة شَاهده وَبعد تعديله
وَيذكر حتما فِي حلفه صدق شَاهده لِأَن الْيَمين وَالشَّهَادَة حجتان مختلفتا الْجِنْس فَاعْتبر ارتباط إِحْدَاهمَا بِالْأُخْرَى ليصيرا كالنوع الْوَاحِد (وَهُوَ) أَي هَذَا الضَّرْب الثَّانِي فِي كل (مَا كَانَ) مَالا عينا كَانَ أَو دينا أَو مَنْفَعَة أَو كَانَ (الْقَصْد مِنْهُ المَال) من عقد مَالِي أَو فَسخه أَو حق مَالِي كَبيع وَمِنْه الْحِوَالَة لِأَنَّهَا بيع دين بدين وإقالة وَضَمان وَخيَار وَأجل
وَذَلِكَ لعُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فَإِن لم يَكُونَا رجلَيْنِ فَرجل وَامْرَأَتَانِ﴾ وروى مُسلم وَغَيره أَنه ﷺ قضى بِشَاهِد وَيَمِين زَاد الشَّافِعِي فِي الْأَمْوَال وَقيس بهَا مَا فِيهِ مَال
تَنْبِيه من هَذَا الضَّرْب الْوَقْف أَيْضا كَمَا قَالَه ابْن سُرَيج وَقَالَ فِي الرَّوْضَة إِنَّه أقوى من الْمَعْنى وَصَححهُ الإِمَام وَالْبَغوِيّ وَغَيرهمَا انْتهى
وَصَححهُ أَيْضا الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الصَّغِير كَمَا أَفَادَهُ فِي الْمُهِمَّات
(و) الثَّالِث (ضرب يقبل فِيهِ) شَاهِدَانِ (رجلَانِ أَو رجل وَامْرَأَتَانِ أَو أَربع نسْوَة) منفردات (وَهُوَ) أَي هَذَا الضَّرْب الثَّالِث فِي كل (مَا لَا يطلع عَلَيْهِ الرِّجَال) غَالِبا كبكارة وولادة وحيض ورضاع وعيب امْرَأَة تَحت ثوبها كجراحة على فرجهَا حرَّة كَانَت
стр. 635
أَو أمة واستهلال ولد لما روى ابْن أبي شيبَة عَن الزُّهْرِيّ مَضَت السّنة بِأَنَّهُ يجوز شَهَادَة النِّسَاء فِيمَا لَا يطلع عَلَيْهِ غَيْرهنَّ من ولادَة النِّسَاء وعيوبهن وَقيس بِمَا ذكر غَيره مِمَّا يُشَارِكهُ فِي الضَّابِط الْمَذْكُور
وَإِذا قبلت شَهَادَتهنَّ فِي ذَلِك منفردات فقبول الرجلَيْن أَو الرجل والمرأتين أولى
تَنْبِيه قيد الْقفال وَغَيره مَسْأَلَة الرَّضَاع بِمَا إِذا كَانَ الرَّضَاع من الثدي فَإِن كَانَ من إِنَاء حلب فِيهِ اللَّبن لم تقبل شَهَادَة النِّسَاء بِهِ لَكِن تقبل شَهَادَتهنَّ بِأَن هَذَا اللَّبن من هَذِه الْمَرْأَة لِأَن الرِّجَال لَا يطلعون عَلَيْهِ غَالِبا وَخرج بِعَيْب امْرَأَة تَحت ثوبها مَا نَقله فِي الرَّوْضَة عَن الْبَغَوِيّ وَأقرهُ الْعَيْب فِي وَجه الْحرَّة وكفيها فَإِنَّهُ لَا يثبت إِلَّا برجلَيْن وَفِي وَجه الْأمة وَمَا يَبْدُو عِنْد المهنة فَإِنَّهُ يثبت بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ لِأَن الْمَقْصُود مِنْهُ المَال
فَإِن قيل هَذَا وَمَا قبله إِنَّمَا يأتيان على القَوْل بِحل النّظر إِلَى ذَلِك أما على مَا صَححهُ الشَّيْخَانِ فِي الأولى وَالنَّوَوِيّ فِي الثَّانِيَة من تَحْرِيم ذَلِك فَتقبل النِّسَاء فِيهِ منفردات
أُجِيب بِأَن الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ يطلع عَلَيْهِمَا الرِّجَال غَالِبا وَإِن قُلْنَا بِحرْمَة نظر الْأَجْنَبِيّ لِأَن ذَلِك جَائِز لمحارمها وَزوجهَا وَيجوز نظر الْأَجْنَبِيّ لوجهها لتعليم ومعاملة وَتحمل شَهَادَة وَقد قَالَ الْوَلِيّ الْعِرَاقِيّ أطلق الْمَاوَرْدِيّ نقل الْإِجْمَاع على أَن عُيُوب النِّسَاء فِي الْوَجْه وَالْكَفَّيْنِ لَا يقبل فِيهِ إِلَّا الرِّجَال وَلم يفصل بَين الْأمة والحرة وَبِه صرح القَاضِي حُسَيْن فيهمَا انْتهى
أَي فَلَا تقبل النِّسَاء الخلص فِي الْأمة لما مر أَنه يقبل فِيهَا رجل وَامْرَأَتَانِ لما مر وكل مَا لَا يثبت من الْحُقُوق بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ لَا يثبت بِرَجُل وَيَمِين لِأَن الرجل وَامْرَأَتَيْنِ أقوى وَإِذا لم يثبت بالأقوى لَا يثبت بِمَا دونه وكل مَا يثبت بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ يثبت بِرَجُل وَيَمِين إِلَّا عُيُوب النِّسَاء وَنَحْوهَا
كإرضاع فَإِنَّهَا لَا تثبت بِشَاهِد وَيَمِين لِأَنَّهَا أُمُور خطرة بِخِلَاف المَال وَقد علم من تَقْسِيم المُصَنّف الْمَذْكُور أَنه لَا يثبت شَيْء بامرأتين وَيَمِين وَهُوَ كَذَلِك لعدم وُرُود ذَلِك وقيامهما مقَام رجل فِي غير ذَلِك لوروده
فرع مَا قبل فِيهِ شَهَادَة النسْوَة على فعله لَا تقبل شَهَادَتهنَّ على الْإِقْرَار بِهِ فَإِنَّهُ مِمَّا يسمعهُ الرِّجَال غَالِبا كَسَائِر الأقارير كَمَا ذكره الدَّمِيرِيّ
(وَأما حُقُوق الله تَعَالَى فَلَا تقبل فِيهَا النِّسَاء) أصلا وَالْخُنْثَى كَالْمَرْأَةِ فِي هَذَا وَفِي جَمِيع مَا مر (وَهِي) أَي حُقُوق الله تَعَالَى (على ثَلَاثَة أضْرب) أَيْضا الأول (ضرب لَا يقبل فِيهِ أقل من أَرْبَعَة) من الرِّجَال (وَهُوَ) أَي هَذَا الضَّرْب
(الزِّنَا) لقَوْله تَعَالَى ﴿وَالَّذين يرْمونَ الْمُحْصنَات ثمَّ لم يَأْتُوا بأَرْبعَة شُهَدَاء﴾ وَلما فِي صَحِيح مُسلم عَن سعد بن عبَادَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ لرَسُول الله ﷺ لَو وجدت مَعَ امْرَأَتي رجلا أمهله حَتَّى آتِي بأَرْبعَة شُهَدَاء قَالَ نعم وَلِأَنَّهُ لَا يقوم إِلَّا من اثْنَيْنِ فَصَارَ كَالشَّهَادَةِ على فعلين وَلِأَنَّهُ
стр. 636
من أغْلظ الْفَوَاحِش فغلظت الشَّهَادَة فِيهِ ليَكُون أستر وَإِنَّمَا تقبل شَهَادَتهم بِالزِّنَا إِذا قَالُوا حانت منا التفاتة فَرَأَيْنَا أَو تعمدنا النّظر لإِقَامَة الشَّهَادَة
قَالَ الْمَاوَرْدِيّ فَإِن قَالُوا تعمدنا لغير الشَّهَادَة فسقوا وَردت شَهَادَتهم انْتهى هَذَا إِذا تكَرر ذَلِك مِنْهُم وَلم تغلب طاعتهم على معاصيهم وَإِلَّا فَتقبل لِأَن ذَلِك صَغِيرَة وَيَنْبَغِي إِذا أطْلقُوا الشَّهَادَة أَن يستفسروا إِن تيَسّر وَإِلَّا فَلَا تقبل شَهَادَتهم وَلَا بُد أَن يَقُولُوا رَأَيْنَاهُ أَدخل حشفته أَو قدرهَا من فاقدها فِي فرجهَا وَإِن لم يَقُولُوا كالأصبع فِي الْخَاتم أَو كالمرود فِي المكحلة
تَنْبِيه اللواط فِي ذَلِك كَالزِّنَا وَكَذَا إتْيَان الْبَهِيمَة على الْمَذْهَب الْمَنْصُوص فِي الْأُم قَالَ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة لِأَن كلا جماع ونقصان الْعقُوبَة فِيهِ لَا يمْنَع من الْعدَد كَمَا فِي زنا الْأمة قَالَ البُلْقِينِيّ وَوَطْء الْميتَة لَا يُوجب الْحَد على الْأَصَح
وَهُوَ كإتيان الْبَهَائِم فِي أَنه لَا يثبت إِلَّا بأَرْبعَة على الْمُعْتَمد انْتهى
وَخرج بِمَا ذكر وَطْء الشُّبْهَة إِذا قصد بِالدَّعْوَى بِهِ المَال أَو شهد بِهِ حسبَة ومقدمات الزِّنَا كقبلة ومعانقة فَلَا تحْتَاج إِلَى أَرْبَعَة وَيقبل فِي الْإِقْرَار بِالزِّنَا وَمَا ألحق بِهِ رجلَانِ كَغَيْرِهِ من الأقارير
(و) الثَّانِي (ضرب يقبل فِيهِ اثْنَان) أَي رجلَانِ
(وَهُوَ) أَي هَذَا الضَّرْب الثَّانِي (مَا سوى الزِّنَا) وَمَا ألحق بِهِ (من الْحُدُود) سَوَاء أَكَانَ قتلا للمرتد أم لقاطع الطَّرِيق بِشَرْطِهِ أم لقطع فِي سَرقَة أم فِي طَرِيق أم فِي جلد لشارب مُسكر
(و) الثَّالِث (ضرب يقبل فِيهِ) رجل (وَاحِد وَهُوَ هِلَال شهر رَمَضَان) بِالنِّسْبَةِ للصَّوْم على أظهر الْقَوْلَيْنِ عِنْد الشَّيْخَيْنِ احْتِيَاطًا للصَّوْم أما بِالنِّسْبَةِ لحلول أجل أَو لوُقُوع طَلَاق فَلَا
كَمَا مر ذَلِك فِي الصّيام وَألْحق بذلك مسَائِل مِنْهَا مَا لَو نذر صَوْم رَجَب مثلا فَشهد وَاحِد بِرُؤْيَتِهِ فَهَل يجب الصَّوْم إِذا قُلْنَا يثبت بِهِ رَمَضَان
حكى ابْن الرّفْعَة فِيهِ وَجْهَيْن عَن الْبَحْر وَرجح ابْن الْمقري فِي كتاب الصّيام الْوُجُوب مِنْهَا مَا فِي الْمَجْمُوع آخر الصَّلَاة على الْمَيِّت عَن الْمُتَوَلِي أَنه لَو مَاتَ ذمِّي فَشهد عدل بِإِسْلَامِهِ لم يكف فِي الْإِرْث وَفِي الِاكْتِفَاء بِهِ فِي الصَّلَاة عَلَيْهِ وتوابعها وَجْهَان بِنَاء على الْقَوْلَيْنِ فِي هِلَال رَمَضَان وَمُقْتَضَاهُ تَرْجِيح الْقبُول وَهُوَ الظَّاهِر وَإِن أفتى القَاضِي حُسَيْن بِالْمَنْعِ وَمِنْهَا ثُبُوت شَوَّال بِشَهَادَة الْعدْل الْوَاحِد بطرِيق التّبعِيَّة فِيمَا إِذا ثَبت رَمَضَان بِشَهَادَتِهِ وَلم ير الْهلَال بعد الثَّلَاثِينَ فانفطر على الْأَصَح وَمِنْهَا المسمع للخصم كَلَام القَاضِي أَو للْقَاضِي كَلَام الْخصم يقبل فِيهِ الْوَاحِد وَهُوَ من بَاب الشَّهَادَة كَمَا ذكره الرَّافِعِيّ قبيل الْقَضَاء على الْغَائِب وَمِنْهَا صور زِيَادَة على ذَلِك ذكرتها فِي شرح المنهاح وَغَيره
(وَلَا تقبل شَهَادَة) على فعل كزنا وَشرب خمر وغصب وَإِتْلَاف وولادة ورضاع واصطياد وإحياء وَكَون الْيَد على مَال إِلَّا بإبصار لذَلِك الْفِعْل مَعَ فَاعله لِأَنَّهُ يصل بِهِ إِلَى الْعلم وَالْيَقِين فَلَا يَكْفِي فِيهِ السماع من الْغَيْر قَالَ تَعَالَى ﴿وَلَا تقف مَا لَيْسَ لَك بِهِ علم﴾ وَقَالَ ﷺ على مثلهَا فاشهد أَو دع إِلَّا أَن فِي الْحُقُوق مَا اكْتفى فِيهِ بِالظَّنِّ الْمُؤَكّد لتعذر الْيَقِين فِيهِ وَتَدْعُو الْحَاجة
стр. 637
إِلَى إثْبَاته كالملك فَإِنَّهُ لَا سَبِيل إِلَى مَعْرفَته يَقِينا وَكَذَا الْعَدَالَة والإعسار وَتقبل فِي الْفِعْل من أَصمّ لإبصاره وَيجوز تعمد النّظر لفرجي الزَّانِيَيْنِ لتحمل الشَّهَادَة كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ لِأَنَّهُمَا هتكا حُرْمَة أَنفسهمَا والأقوال كعقد وَفسخ وَطَلَاق وَإِقْرَار يشْتَرط فِي الشَّاهِد بهَا سَمعهَا وإبصار قَائِلهَا حَال تلفظه بهَا حَتَّى لَو نطق بهَا من وَرَاء حجاب وَهُوَ يتحققه لم يكف
وَمَا حَكَاهُ الرَّوْيَانِيّ عَن الْأَصْحَاب من أَنه لَو جلس بِبَاب بَيت فِيهِ اثْنَان فَقَط فَسمع تعاقدهما بِالْبيعِ وَغَيره كفى من غير رُؤْيَة زيفه الْبَنْدَنِيجِيّ بِأَنَّهُ لَا يعرف الْمُوجب من الْقَابِل
وَلَا تقبل شَهَادَة (الْأَعْمَى) فِيمَا يتَعَلَّق بالبصر لجَوَاز اشْتِبَاه الْأَصْوَات وَقد يحاكي الْإِنْسَان صَوت غَيره
(إِلَّا فِي سِتَّة) وَفِي بعض النّسخ خَمْسَة (مَوَاضِع) وَسَيَأْتِي تَوْجِيه ذَلِك الْموضع الأول (الْمَوْت) فَإِنَّهُ يثبت بِالتَّسَامُعِ لِأَن أَسبَابه كَثِيرَة مِنْهَا مَا يخفى وَمِنْهَا مَا يظْهر وَقد يعسر الإطلاع عَلَيْهَا فَجَاز أَن يعْتَمد على الاستفاضة
(و) الْموضع الثَّانِي (النّسَب) لذكر أَو أُنْثَى وَإِن لم يعرف عين الْمَنْسُوب إِلَيْهِ من أَب أَو جد فَيشْهد أَن هَذَا ابْن فلَان أَو أَن هَذِه بنت فلَان أَو قَبيلَة فَيشْهد أَنه من قَبيلَة كَذَا لِأَنَّهُ لَا مدْخل للرؤية فِيهِ فَإِن غَايَة الْمُمكن أَن يُشَاهد الْولادَة على الْفراش وَذَلِكَ لَا يُفِيد الْقطع بل الظَّاهِر فَقَط
وَالْحَاجة دَاعِيَة إِلَى إِثْبَات الْإِنْسَان إِلَى الأجداد المتوفين والقبائل الْقَدِيمَة فسومح فِيهِ قَالَ ابْن الْمُنْذر وَهَذَا مِمَّا لَا أعلم فِيهِ خلافًا وَكَذَا يثبت النّسَب بالاستفاضة إِلَى الْأُم فِي الْأَصَح
كَالْأَبِ وَإِن كَانَ النّسَب فِي الْحَقِيقَة إِلَى الْأَب
(و) الْموضع الثَّالِث (الْملك الْمُطلق) من غير إِضَافَة لمَالِك معِين إِذا لم يكن مُنَازع
تَنْبِيه هَذِه الثَّلَاثَة من الْأُمُور الَّتِي تثبت بالاستفاضة وَبَقِي من الْأُمُور الَّتِي تثبت بالاستفاضة الْعتْق وَالْوَلَاء وَالْوَقْف وَالنِّكَاح كَمَا هُوَ الْأَصَح عِنْد الْمُحَقِّقين لِأَنَّهَا أُمُور مُؤَبّدَة فَإِذا طَالَتْ مدَّتهَا عسر إِقَامَة الْبَيِّنَة على ابتدائها فمست الْحَاجة إِلَى إِثْبَاتهَا بالاستفاضة وَلَا يشك أحد أَن عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا وَعَن أَبَوَيْهَا زوج النَّبِي ﷺ وَأَن فَاطِمَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا بنت النَّبِي ﷺ وَلَا مُسْتَند غير السماع
وَمَا ذكر فِي الْوَقْف هُوَ بِالنّظرِ إِلَى أَصله
وَأما شُرُوطه فَقَالَ النَّوَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ لَا يثبت بالاستفاضة شُرُوط الْوَقْف وتفاصيله بل إِن كَانَ وَقفا على جمَاعَة مُعينين أَو جِهَات مُتعَدِّدَة قسمت الْغلَّة بَينهم بِالسَّوِيَّةِ أَو على مدرسة مثلا وتعذرت معرفَة الشُّرُوط صرف النَّاظر الْغلَّة فِيمَا يرَاهُ من مصالحها انْتهى
وَالْأَوْجه حمل هَذَا على مَا أفتى بِهِ ابْن الصّلاح شَيْخه من أَن الشُّرُوط إِن شهد بهَا مُنْفَرِدَة لم يثبت بهَا وَإِن ذكرهَا فِي شَهَادَته بِأَصْل الْوَقْف سَمِعت لِأَنَّهُ يرجع حَاصله إِلَى بَيَان كَيْفيَّة الْوَقْف وَمِمَّا يثبت بالاستفاضة الْقَضَاء وَالْجرْح وَالتَّعْدِيل والرشد وَالْإِرْث وَاسْتِحْقَاق الزَّكَاة وَالرّضَاع وَحَيْثُ يثبت النِّكَاح بالاستفاضة لَا يثبت الصَدَاق بهَا بل يرجع لمهر الْمثل وَلَا يَكْفِي الشَّاهِد بالاستفاضة أَن يَقُول سَمِعت النَّاس يَقُولُونَ كَذَا وَإِن كَانَت
стр. 638
شَهَادَته مَبْنِيَّة عَلَيْهَا بل يَقُول أشهد أَنه لَهُ أَو أَنه ابْنه مثلا لِأَنَّهُ قد يعلم خلاف مَا سمع من النَّاس وَلَو صرح بذلك لم تقبل شَهَادَته على الْأَصَح لِأَن ذكره يشْعر بِعَدَمِ جزمه بِالشَّهَادَةِ وَيُؤْخَذ من التَّعْلِيل حمل هَذَا على مَا إِذا ظهر بِذكرِهِ تردد فِي الشَّهَادَة فَإِن ذكره لتقوية أَو حِكَايَة حَال قبلت شَهَادَته
وَهُوَ ظَاهر وَلَيْسَ لَهُ أَن يَقُول أشهد أَن فُلَانَة ولدت فلَانا وَأَن فلَانا أعتق فلَانا لما مر أَنه يشْتَرط فِي الشَّهَادَة بِالْفِعْلِ الإبصار وبالقول الإبصار والسمع وَشرط الاستفاضة الَّتِي يسْتَند الشَّاهِد إِلَيْهَا فِي الْمَشْهُود بِهِ سَماع الْمَشْهُود بِهِ من جمع كثير يُؤمن توافقهم على الْكَذِب بِحَيْثُ يَقع الْعلم أَو الظَّن الْقوي بخبرهم
كَمَا ذكره الشَّيْخَانِ فِي الشَّرْح وَالرَّوْضَة لِأَن الأَصْل فِي الشَّهَادَة اعْتِمَاد الْيَقِين وَإِنَّمَا يعدل عَنهُ عِنْد عدم الْوُصُول إِلَيْهِ إِلَى ظن يقرب مِنْهُ على حسب الطَّاقَة
(و) الْموضع الرَّابِع (التَّرْجَمَة) إِذا اتَّخذهُ القَاضِي مترجما وَقُلْنَا بِجَوَازِهِ وَهُوَ الْأَصَح فَتقبل شَهَادَته فِيهَا لِأَن التَّرْجَمَة تَفْسِير للفظ فَلَا يحْتَاج إِلَى مُعَاينَة وَإِشَارَة
وَقَوله (وَمَا شهد بِهِ قبل الْعَمى) سَاقِط فِي بعض النّسخ فَمن عد الْمَوَاضِع سِتَّة عد ذَلِك وَمن عدهَا خَمْسَة لم يعد ذَلِك وَمَعْنَاهُ أَن الْأَعْمَى لَو تحمل شَهَادَة فِيمَا يحْتَاج لِلْبَصَرِ قبل عرُوض الْعَمى لَهُ ثمَّ عمي بعد ذَلِك شهد بِمَا تحمله إِن كَانَ الْمَشْهُود لَهُ وَعَلِيهِ معروفي الِاسْم وَالنّسب لِإِمْكَان الشَّهَادَة عَلَيْهِمَا فَيَقُول أشهد أَن فلَان ابْن فلَان أقرّ لفُلَان ابْن فلَان بِكَذَا بِخِلَاف مجهولهما أَو أَحدهمَا أخذا من مَفْهُوم الشَّرْط نعم لَو عمي ويدهما أَو يَد الْمَشْهُود عَلَيْهِ فِي يَده
فَشهد عَلَيْهِ فِي الأولى مُطلقًا مَعَ تَمْيِيزه لَهُ من خَصمه وَفِي الثَّانِيَة بِالْمَعْرُوفِ الِاسْم وَالنّسب قبلت شَهَادَته
كَمَا بَحثه الزَّرْكَشِيّ فِي الأولى وَصرح بِهِ فِي أصل الرَّوْضَة فِي الثَّانِيَة (و) الْموضع الْخَامِس أَو السَّادِس على مَا تقدم مَا تحمله (على المضبوط) عِنْده كَأَن يقر شخص فِي أُذُنه بِنَحْوِ طَلَاق أَو عتق أَو مَال لشخص مَعْرُوف الِاسْم وَالنّسب فَيتَعَلَّق الْأَعْمَى بِهِ ويضبطه حَتَّى يشْهد عَلَيْهِ بِمَا سمع مِنْهُ عِنْد قَاض بِهِ فَتقبل على الصَّحِيح لحُصُول الْعلم بِأَنَّهُ الْمَشْهُود عَلَيْهِ وَله أَن يطَأ زَوجته اعْتِمَادًا على صَوتهَا للضَّرُورَة وَلِأَن الْوَطْء يجوز بِالظَّنِّ
وَلَا يجوز لَهُ أَن يشْهد على زَوجته اعْتِمَادًا على صَوتهَا كَغَيْرِهَا خلافًا لما بَحثه الْأَذْرَعِيّ من قبُول شَهَادَته عَلَيْهَا اعْتِمَادًا على ذَلِك
(وَلَا تقبل شَهَادَة جَار لنَفسِهِ نفعا) فَترد شَهَادَته لعَبْدِهِ سَوَاء أَكَانَ مَأْذُونا لَهُ أم لَا
ومكاتبه لِأَن لَهُ فِيهِ علقَة نعم لَو شهد بشرَاء شقص لمشتريه وَفِيه شُفْعَة لمكاتبه قبلت
ولغريم لَهُ ميت وَإِن لم تستغرق تركته الدُّيُون أَو عَلَيْهِ حجر فلس لِأَنَّهُ إِذا أثبت للْغَرِيم شَيْئا أثبت لنَفسِهِ الْمُطَالبَة بِهِ وَترد شَهَادَته أَيْضا بِمَا هُوَ ولي أَو وَصِيّ أَو وَكيل فِيهِ وَلَو بِدُونِ جعل لِأَنَّهُ يثبت لنَفسِهِ سلطنة التَّصَرُّف وببراءة
стр. 639
من ضمنه بأَدَاء أَو إِبْرَاء لِأَنَّهُ يدْفع بِهِ الْغرم عَن نَفسه وبجراحة مُوَرِثه قبل اندمالها لِأَنَّهُ لَو مَاتَ كَانَ الْأَرْش لَهُ وَلَو شهد لموروث لَهُ مَرِيض أَو جريح بِمَال قبل الِانْدِمَال قبلت شَهَادَته
وَالْفرق بَين هَذِه وَالَّتِي قبلهَا أَن الْجراحَة سَبَب للْمَوْت النَّاقِل للحق إِلَيْهِ بِخِلَاف المَال
وَاحْتج لمنع قبُول الشَّهَادَة فِي ذَلِك وَأَمْثَاله
بقوله تَعَالَى ﴿وَأدنى أَلا ترتابوا﴾ والريبة حَاصِلَة هُنَا
وَبِقَوْلِهِ ﷺ لَا تقبل شَهَادَة خصم وَلَا ظنين والظنين الْمُتَّهم (و) لهَذَا (لَا) تقبل شَهَادَة (دَافع عَنْهَا) أَي عَن نَفسه (ضَرَرا) كَشَهَادَة عَاقِلَة بفسق شُهُود قتل يحملونه من خطأ أَو شبه عمد وَشَهَادَة غُرَمَاء مُفلس بفسق شُهُود دين آخر ظهر عَلَيْهِ لأَنهم يدْفَعُونَ بهَا ضَرَر الْمُزَاحمَة
تَتِمَّة لَا تقبل شَهَادَة مُغفل لَا يضْبط أصلا وَلَا غَالِبا لعدم الوثوق بقوله أما من لَا يضْبط نَادرا والأغلب فِيهِ الْحِفْظ والضبط فَتقبل شَهَادَته قطعا لِأَن أحدا لَا يسلم من ذَلِك وَمن تعادل غلطه وَضَبطه فَالظَّاهِر أَنه كمن غلب غلطه وَلَا شَهَادَة مبادر بِشَهَادَتِهِ قبل أَن يستشهد للتُّهمَةِ وَلخَبَر الصَّحِيحَيْنِ أَن النَّبِي ﷺ قَالَ خير الْقُرُون قَرْني ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ الَّذين يَلُونَهُمْ ثمَّ يَجِيء قوم يشْهدُونَ وَلَا يستشهدون فَإِن ذَلِك فِي مقَام الذَّم لَهُم وَأما خبر مُسلم أَلا أخْبركُم بِخَير الشُّهُود الَّذِي يَأْتِي بِشَهَادَتِهِ قبل أَن يسْأَلهَا فَمَحْمُول على شَهَادَة الْحِسْبَة
وَهِي مَأْخُوذَة من الاحتساب وَهُوَ طلب الْأجر فَتقبل سَوَاء أسبقها دَعْوَى أم لَا وَسَوَاء أَكَانَت فِي غيبَة الْمَشْهُود عَلَيْهِ أم لَا وَهِي كَغَيْرِهَا من الشَّهَادَات فِي شُرُوطهَا السَّابِقَة فِي حُقُوق الله تَعَالَى المتمحضة كَصَلَاة وَزَكَاة وَصَوْم بِأَن يشْهد بِتَرْكِهَا وَفِيمَا لله تَعَالَى فِيهِ حق مُؤَكد كَطَلَاق وَعتق وعفو عَن قصاص وَبَقَاء عدَّة وانقضائها وحد لله تَعَالَى بِأَن يشْهد بِمُوجب ذَلِك وَالْمُسْتَحب ستره إِذا رأى الْمصلحَة فِيهِ وإحصان وتعديل وَكَفَّارَة وبلوغ وَكفر وَإِسْلَام وَتَحْرِيم مصاهرة وَثُبُوت نسب وَوَصِيَّة
ووقف إِذا عَمت جهتهما وَلَو أخرت الْجِهَة الْعَامَّة فَيدْخل نَحْو مَا أفتى بِهِ الْبَغَوِيّ من أَنه لَو وقف دَارا على أَوْلَاده ثمَّ الْفُقَرَاء فاستولى عَلَيْهَا ورثته وتملكوها فَشهد شَاهِدَانِ حسبَة قبل انْقِرَاض أَوْلَاده بوقفيتها قبلت شَهَادَتهمَا لِأَن آخِره وقف على الْفُقَرَاء لَا إِن خصت جهتهما فَلَا تقبل شَهَادَتهمَا لتعلقهما بِحُقُوق خَاصَّة
وَخرج بِحُقُوق الله تَعَالَى حُقُوق الْآدَمِيّين كَالْقصاصِ وحد الْقَذْف والبيوع والأقارير لَكِن إِذا لم يعلم صَاحب الْحق بِهِ أعلمهُ الشَّاهِد بِهِ ليستشهده بعد الدَّعْوَى
وَإِنَّمَا تسمع شَهَادَة الْحِسْبَة عِنْد الْحَاجة إِلَيْهَا فَلَو شهد اثْنَان أَن فلَانا أعتق عَبده أَو أَنه أَخُو فُلَانَة من الرَّضَاع لم يكف حَتَّى يَقُولَا إِنَّه يسترقه أَو أَنه يُرِيد نِكَاحهَا وَكَيْفِيَّة شَهَادَة الْحِسْبَة أَن الشُّهُود يجيئون إِلَى القَاضِي وَيَقُولُونَ نَحن نشْهد على فلَان بِكَذَا فَأحْضرهُ لنشهد عَلَيْهِ فَإِن ابتدأوا وَقَالُوا فلَان زنى فهم قذفة
وَمَا تقبل فِيهِ شَهَادَة الْحِسْبَة هَل تسمع فِيهِ دَعْوَاهَا وَجْهَان أوجههمَا كَمَا جرى عَلَيْهِ ابْن الْمقري تبعا للإسنوي وَنسبه الإِمَام للعراقيين لَا تسمع لِأَنَّهُ لَا حق للْمُدَّعِي فِي الْمَشْهُود بِهِ وَمن لَهُ الْحق لم يَأْذَن فِي الطّلب وَالْإِثْبَات بل أَمر فِيهِ الْإِعْرَاض وَالدَّفْع مَا أمكن
وَالْوَجْه الثَّانِي وَرجحه البُلْقِينِيّ أَنَّهَا تسمع وَيجب حمله على غير حُدُود الله تَعَالَى
وَلذَا فصل بعض الْمُتَأَخِّرين فَقَالَ إِنَّهَا تسمع فِي مَحْض حُدُود الله تَعَالَى
стр. 640
كتاب الْعتْق
بِمَعْنى الْإِعْتَاق وَهُوَ لُغَة مَأْخُوذ من قَوْلهم عتق الْفرس إِذا سبق وَعتق الفرخ إِذا طَار واستقل فَكَأَن العَبْد إِذا فك من الرّقّ تخلص واستقل وَشرعا إِزَالَة ملك عَن آدَمِيّ لَا إِلَى مَالك تقربا إِلَى الله تَعَالَى وَخرج بالآدمي والبهيمة فَلَا يَصح عتقهما
كَمَا فِي زَوَايَا الخبايا عَن الرَّافِعِيّ أَو ملك طائرا وَأَرَادَ إرْسَاله فَوَجْهَانِ أصَحهمَا الْمَنْع لِأَنَّهُ فِي معنى السوائب
وَالْأَصْل فِي مشروعيته قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى ﴿فك رَقَبَة﴾ وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِذ تَقول للَّذي أنعم الله عَلَيْهِ﴾ أَي بِالْإِسْلَامِ ﴿وأنعمت عَلَيْهِ﴾ أَي بِالْعِتْقِ كَمَا قَالَه الْمُفَسِّرُونَ وَفِي غير مَوضِع فَتَحْرِير رَقَبَة
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ من أعتق رَقَبَة مُؤمنَة أعتق الله بِكُل عُضْو مِنْهَا عضوا من أَعْضَائِهِ من النَّار حَتَّى الْفرج بالفرج وَفِي سنَن أبي دَاوُد أَن النَّبِي ﷺ قَالَ من أعتق رَقَبَة مُؤمنَة كَانَت فداءه من النَّار وخصت الرَّقَبَة بِالذكر فِي هذَيْن الْخَبَرَيْنِ لِأَن ملك السَّيِّد الرَّقِيق كالغل فِي رقبته فَهُوَ محتبس بِهِ كَمَا تحبس الدَّابَّة بالحبل فِي عُنُقهَا فَإِذا أعْتقهُ أطلقهُ من ذَلِك الغل الَّذِي كَانَ فِيهِ رقبته وَقَوله حَتَّى الْفرج بالفرج خصّه بِالذكر إِمَّا لِأَن ذَنبه فَاحش وَإِمَّا لِأَنَّهُ قد يخْتَلف من الْمُعْتق وَالْمُعتق
فَائِدَة أعتق النَّبِي ﷺ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ نسمَة وعاش ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سنة وأعتقت السيدة عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا تسعا وَسِتِّينَ
стр. 641
وَعَاشَتْ كَذَلِك وَأعْتق عبد الله بن عمر ألفا وَأعْتق حَكِيم بن حزَام مائَة مطوقين بِالْفِضَّةِ وَأعْتق ذُو الكراع الْحِمْيَرِي فِي يَوْم ثَمَانِيَة آلَاف وَأعْتق عبد الرَّحْمَن بن عَوْف ثَلَاثِينَ ألفا رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم وحشرنا مَعَهم آمين
وأركانه ثَلَاثَة مُعتق وعتيق وَصِيغَة وَقد شرع فِي الرُّكْن الأول فَقَالَ (وَيصِح الْعتْق من كل مَالك) للرقبة (جَائِز التَّصَرُّف فِي ملكه) أهل للتبرع وَالْوَلَاء مُخْتَار وَمن وَكيل أَو ولي فِي كَفَّارَة لَزِمت موليه فَلَا يَصح من غير مَالك بِلَا إِذن وَلَا من غير مُطلق التَّصَرُّف من صبي وَمَجْنُون ومحجور عَلَيْهِ بِسَفَه أَو فلس وَلَا من مبعض ومكاتب ومكره بِغَيْر حق وَيتَصَوَّر الْإِكْرَاه بِحَق فِي البيع بِشَرْط الْعتْق وَيصِح من سَكرَان وَمن كَافِر وَلَو حَرْبِيّا وَيثبت وَلَاؤُه على عتيقه الْمُسلم سَوَاء أعْتقهُ مُسلما أَو كَافِرًا ثمَّ أسلم وَلَا يَصح عتق مَوْقُوف لِأَنَّهُ غير مَمْلُوك وَلِأَن ذَلِك يبطل بِهِ حق بَقِيَّة الْبُطُون وَيصِح مُعَلّقا بِصفة مُحَققَة الْوُقُوع وَغَيرهَا
كالتدبير لما فِيهِ من التَّوسعَة لتَحْصِيل الْقرْبَة وَإِذا علق الْإِعْتَاق على صفة لم يملك الرُّجُوع فِيهِ بالْقَوْل
ويملكه بِالتَّصَرُّفِ كَالْبيع وَنَحْوه
وَلَو بَاعه ثمَّ اشْتَرَاهُ لم تعد الصّفة وَلَو علقه على صفة بعد الْمَوْت ثمَّ مَاتَ السَّيِّد لم تبطل الصّفة وَيصِح مؤقتا وَيَلْغُو التَّأْقِيت
والركن الثَّانِي الْعَتِيق وَيشْتَرط فِيهِ أَن لَا يتَعَلَّق بِهِ حق لَازم غير عتق يمْنَع بَيْعه كمستولدة ومؤجر بِخِلَاف مَا تعلق بِهِ ذَلِك كرهن على تَفْصِيل مر بَيَانه
وَهَذَا الرُّكْن لم يذكرهُ المُصَنّف
ثمَّ شرع فِي الرُّكْن الثَّالِث وَهُوَ الصِّيغَة وَهِي إِمَّا صَرِيح وَإِمَّا كِنَايَة وَقد شرع فِي الْقسم الأول بقوله (وَيَقَع الْعتْق) أَي ينفذ (بِصَرِيح) لفظ (الْعتْق والتحرير) وَمَا تصرف مِنْهُمَا كَأَنْت عَتيق أَو مُعتق أَو مُحَرر أَو حررتك لورودهما فِي الْقُرْآن وَالسّنة متكررين وَيَسْتَوِي فِي ألفاظهما الهازل واللاعب لِأَن هزلهما جد كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيّ وَغَيره
وَكَذَا ﴿فك رَقَبَة﴾ وَمَا تصرف مِنْهُ كمفكوك الرَّقَبَة صَرِيح فِي الْأَصَح لوروده فِي الْقُرْآن
فروع لَو كَانَ اسْم أمته قبل إرقاقها حرَّة فسميت بِغَيْرِهِ
فَقَالَ لَهَا يَا حرَّة عتقت إِن لم يقْصد النداء باسمها الْقَدِيم فَإِن كَانَ اسْمهَا فِي الْحَال حرَّة لم تعْتق إِلَّا إِن قصد الْعتْق
وَلَو أقرّ بحريّة رَقِيقه خوفًا من أَخذ المكس عَنهُ إِذا طَالبه المكاس بِهِ وَقصد
стр. 642
الْإِخْبَار بِهِ لم يعْتق بَاطِنا وَلَو قَالَ لامْرَأَة زاحمته تأخري يَا حرَّة فَبَانَت أمته لم تعْتق وَلَو قَالَ لعَبْدِهِ افرغ من عَمَلك وَأَنت حر
وَقَالَ أردْت حرا من الْعَمَل لم يقبل ظَاهرا ويدين وَلَو قَالَ الله أعتقك عتق أَو أعتقك الله فَكَذَلِك
كَمَا هُوَ مُقْتَضى كَلَام الشَّيْخَيْنِ
وَلَو قَالَ لعَبْدِهِ أَنْت حر مثل هَذَا العَبْد وَأَشَارَ إِلَى عبد آخر لَهُ لم يعْتق ذَلِك العَبْد كَمَا بَحثه النَّوَوِيّ لِأَن وَصفه بِالْعَبدِ يمْنَع عتقه وَيعتق الْمُخَاطب فَإِن قَالَ مثل هَذَا وَلم يقل العَبْد عتقا كَمَا صَوبه النَّوَوِيّ
وَإِن قَالَ الْإِسْنَوِيّ إِنَّمَا يعْتق الأول فَقَط
وَلَو قَالَ السَّيِّد لرجل أَنْت تعلم أَن عَبدِي حر عتق بِإِقْرَارِهِ وَإِن لم يكن الْمُخَاطب عَالما بحريَّته لَا إِن قَالَ لَهُ أَنْت تظن أَو ترى والصريح لَا يحْتَاج إِلَى نِيَّة لإيقاعه كَسَائِر الصرائح لِأَنَّهُ لَا يفهم مِنْهُ غَيره عِنْد الْإِطْلَاق فَلم يحْتَج لتقويته بِالنِّيَّةِ وَلِأَن هزله جد كَمَا مر فَيَقَع الْعتْق وَإِن لم يقْصد إِيقَاعه أما قصد الصَّرِيح لمعناه فَلَا بُد مِنْهُ ليخرج أعجمي تلفظ بِالْعِتْقِ وَلم يعرف مَعْنَاهُ
ثمَّ شرع فِي الْقسم الثَّانِي وَهُوَ الْكِنَايَة بقوله
(و) يَقع الْعتْق أَيْضا بِلَفْظ (الْكِنَايَة) وَهُوَ مَا احْتمل الْعتْق وَغَيره كَقَوْلِه لَا ملك لي عَلَيْك لَا سُلْطَان لي عَلَيْك لَا سَبِيل لي عَلَيْك لَا خدمَة لي عَلَيْك أَنْت سائبة أَنْت مولَايَ وَنَحْو ذَلِك كأزلت ملكي أَو حكمي عَنْك لإشعار مَا ذكر بِإِزَالَة الْملك مَعَ احْتِمَال غَيره وَلذَلِك قَالَ المُصَنّف (مَعَ النِّيَّة) أَي لَا بُد من نِيَّة وَإِن احتف بهَا قرينَة لاحتمالها غير الْعتْق فَلَا بُد من نِيَّة الْعتْق التَّمْيِيز كالإمساك فِي الصَّوْم
تَنْبِيه يشْتَرط أَن يَأْتِي بِالنِّيَّةِ قبل فَرَاغه من لفظ الْكِنَايَة كَمَا مر ذَلِك فِي الطَّلَاق بِالْكِنَايَةِ وَلَو قَالَ لعَبْدِهِ يَا سَيِّدي هَل هُوَ كِنَايَة أَو لَا وَجْهَان رجح الإِمَام أَنه كِنَايَة وَجرى عَلَيْهِ ابْن الْمقري وَهُوَ الظَّاهِر وَرجح القَاضِي وَالْغَزالِيّ أَنه لَغْو لِأَنَّهُ من السؤدد وتدبير الْمنزل وَلَيْسَ فِيهِ مَا يَقْتَضِي الْعتْق وَصِيغَة طَلَاق أَو ظِهَار صَرِيحه كَانَت أَو كِنَايَة كِنَايَة هُنَا أَي فِيمَا هُوَ صَالح فِيهِ بِخِلَاف قَوْله للْعَبد اعْتد أَو استبرىء رَحِمك أَو لرقيقه أَنا مِنْك حر فَلَا ينفذ بِهِ الْعتْق وَلَو نَوَاه وَلَا يضر خطأ بتذكير أَو تَأْنِيث فَقَوله لعَبْدِهِ أَنْت حرَّة ولأمته أَنْت حر صَرِيح وَتَصِح إِضَافَة الْعتْق إِلَى جُزْء من الرَّقِيق كَمَا قَالَ (فَإِذا أعتق) الْمَالِك (بعض عبد) معِين كَيده أَو شَائِع مِنْهُ كربعه (عتق جَمِيعه) سرَايَة كَنَظِيرِهِ فِي الطَّلَاق وَسَوَاء الْمُوسر وَغَيره
لما روى النَّسَائِيّ أَن رجلا أعتق شِقْصا من غُلَام فَذكر ذَلِك للنَّبِي ﷺ فَأجَاز عتقه وَقَالَ لَيْسَ لله شريك هَذَا إِذا كَانَ بَاقِيه لَهُ
فَإِن كَانَ بَاقِيه لغيره فقد ذكره بقوله (وَإِن أعتق شركا) بِكَسْر الشين أَي نَصِيبا مُشْتَركا (لَهُ فِي عبد) سَوَاء كَانَ شَرِيكه مُسلما أم لَا كثر نصِيبه أم قل (وَهُوَ مُوسر يسري الْعتْق) مِنْهُ بِمُجَرَّد تلفظه بِهِ (إِلَى بَاقِيه) من غير توقف على أَدَاء الْقيمَة
تَنْبِيه المُرَاد بِكَوْنِهِ مُوسِرًا أَن يكون مُوسِرًا بِقِيمَة حِصَّة شَرِيكه فَاضلا ذَلِك عَن قوته وقوت من تلْزمهُ نَفَقَته فِي يَوْمه وَلَيْلَته
ودست ثوب يلْبسهُ وسكنى يَوْم على مَا سبق فِي الْفلس وَيصرف إِلَى ذَلِك كل مَا يُبَاع وَيصرف فِي الدُّيُون
(وَكَانَ عَلَيْهِ) بِمُجَرَّد السَّرَايَة (قيمَة نصيب شَرِيكه) يَوْم الْإِعْتَاق لِأَنَّهُ وَقت الْإِتْلَاف فَإِن أيسر بِبَعْض حِصَّته سرى إِلَى مَا أيسر بِهِ من نصيب شَرِيكه
وَالْأَصْل فِي ذَلِك خبر الصَّحِيحَيْنِ من أعتق شركا لَهُ فِي عبد وَكَانَ لَهُ مَال يبلغ ثمن العَبْد قوم العَبْد عَلَيْهِ قيمَة عدل فَأعْطى شركاءه حصصهم وَعتق عَلَيْهِ العَبْد وَإِلَّا فقد عتق عَلَيْهِ مِنْهُ مَا عتق وَفِي رِوَايَة وَمن أعتق شركا لَهُ فِي عبد وَكَانَ لَهُ مَال يبلغ قيمَة العَبْد
стр. 643
فَهُوَ عَتيق وَاحْترز بِقَيْد يسَاره عَن إِعْسَاره فَإِنَّهُ لَا يسري بل الْبَاقِي ملك لشَرِيكه وَيعتق نصِيبه فَقَط
وَالِاعْتِبَار باليسار بِحَالَة الْإِعْتَاق فَلَو أعتق وَهُوَ مُعسر ثمَّ أيسر فَلَا تَقْوِيم كَمَا قَالَه فِي الرَّوْضَة وَقَضِيَّة إِطْلَاق التَّقْوِيم شُمُوله مَا لَو كَانَ عَلَيْهِ دين بِقَدرِهِ وَهُوَ كَذَلِك على الْأَظْهر عِنْد الْأَكْثَرين كَمَا قَالَه فِي الرَّوْضَة لِأَنَّهُ مَالك لما فِي يَده نَافِذ تصرفه فِيهِ وَلِهَذَا لَو اشْترى بِهِ عبدا وَأعْتقهُ نفذ وَيسْتَثْنى من السَّرَايَة مَا لَو كَانَ نصيب الشَّرِيك مستولدا بِأَن اسْتَوْلدهَا وَهُوَ مُعسر فَلَا سرَايَة فِي الْأَصَح لِأَن السَّرَايَة تَتَضَمَّن النَّقْل وَيجْرِي الْخلاف فِيمَا لَو اسْتَوْلدهَا أَحدهمَا وَهُوَ مُعسر ثمَّ اسْتَوْلدهَا الآخر ثمَّ أعْتقهَا أَحدهمَا وَلَو كَانَت حِصَّة الَّذِي لم يعْتق مَوْقُوفَة لم يسر الْعتْق إِلَيْهَا قولا وَاحِدًا كَمَا قَالَه فِي الْكِفَايَة وَيسْتَثْنى صُورَتَانِ لَا تَقْوِيم فيهمَا على الْمُعْتق مَعَ يسَاره الأولى مَا إِذا وهب الأَصْل لفرعه شِقْصا من رَقِيق وَقَبضه ثمَّ أعتق الأَصْل مَا بَقِي فِي ملكه فَإِنَّهُ يسري إِلَى نصيب الْفَرْع مَعَ الْيَسَار وَلَا قيمَة عَلَيْهِ على الرَّاجِح
وَالثَّانيَِة مَا لَو بَاعَ شِقْصا من رَقِيق ثمَّ حجر على المُشْتَرِي بالفلس فَأعتق البَائِع نصِيبه فَإِنَّهُ يسري إِلَى الْبَاقِي الَّذِي لَهُ الرُّجُوع فِيهِ بِشَرْط الْيَسَار وَلَا قيمَة عَلَيْهِ لِأَن عتقه صَادف مَا كَانَ لَهُ أَن يرجع فِيهِ
وَلَو كَانَ رَقِيق بَين ثَلَاثَة فَأعتق اثْنَان مِنْهُم نصيبهما مَعًا وَأَحَدهمَا مُعسر وَالْآخر مُوسر قوم جَمِيع نصيب الَّذِي لم يعْتق على هَذَا الْمُوسر كَمَا قَالَه الشَّيْخَانِ وَالْمَرِيض مُعسر إِلَّا فِي ثلثه مَاله فَإِذا أعتق نصِيبه من رَقِيق مُشْتَرك فِي مرض مَوته فَإِن خرج جَمِيع العَبْد من ثلثه مَاله قوم عَلَيْهِ نصيب شَرِيكه وَعتق جَمِيعه
وَإِن لم يخرج إِلَّا نصِيبه عتق بِلَا سرَايَة وَلَا تخْتَص السَّرَايَة بِالْإِعْتَاقِ وَحِينَئِذٍ استيلاد أحد الشَّرِيكَيْنِ الْمُوسر الْأمة الْمُشْتَركَة بَينهمَا يسري إِلَى نصيب شَرِيكه كَالْعِتْقِ بل أولى مِنْهُ بالنفوذ لِأَنَّهُ فعل وَهُوَ أقوى من القَوْل وَلِهَذَا ينفذ استيلاد الْمَجْنُون والمحجور عَلَيْهِ دون عتقهما وإيلاد الْمَرِيض من رَأس المَال وإعتاقه من الثُّلُث وَخرج بالموسر الْمُعسر فَلَا يسري استيلاده كَالْعِتْقِ نعم إِن كَانَ الشَّرِيك المستولد أصلا لشَرِيكه يسري كَمَا لَو استولد الْجَارِيَة الَّتِي كلهَا لَهُ وَعَلِيهِ قيمَة نصيب شَرِيكه للإتلاف بِإِزَالَة ملكه وَعَلِيهِ أَيْضا حِصَّته من مهر مثل للاستمتاع بِملك غَيره مَعَ أرش الْبكارَة لَو كَانَت بكرا وَهَذَا إِن تَأَخّر الْإِنْزَال عَن تغييب الْحَشَفَة كَمَا هُوَ للْغَالِب وَإِلَّا فَلَا يلْزمه حِصَّة مهر لِأَن الْمُوجب لَهُ تغييب الْحَشَفَة فِي ملك غَيره وَهُوَ مُنْتَفٍ
وشروط سرَايَة الْعتْق أَرْبَعَة الأول إِعْتَاق الْمَالِك وَلَو بنائبه بِاخْتِيَارِهِ كشرائه جُزْء أَصله وَلَيْسَ المُرَاد بِالِاخْتِيَارِ مُقَابل الْإِكْرَاه بل المُرَاد السَّبَب فِي الاعتاق وَلَا يَصح الِاحْتِرَاز بِالِاخْتِيَارِ عَن الْإِكْرَاه لِأَن الْكَلَام فِيمَا يعْتق فِيهِ الشّقص وَالْإِكْرَاه لَا عتق فِيهِ وَخرج بِالِاخْتِيَارِ مَا لَو ورث بعض فَرعه أَو أَصله فَإِنَّهُ لم يسر عَلَيْهِ الْعتْق إِلَى بَاقِيه لِأَن التَّقْوِيم سَبيله سَبِيل ضَمَان الْمُتْلفَات وَعند انْتِفَاء الِاخْتِيَار لَا صنع مِنْهُ يعد إتلافا
الشَّرْط الثَّانِي أَن يكون لَهُ يَوْم الْإِعْتَاق مَال يَفِي بِقِيمَة الْبَاقِي أَو بعضه كَمَا مر
الشَّرْط الثَّالِث أَن يكون محلهَا قَابلا للنَّقْل فَلَا
стр. 644
سرَايَة فِي نصيب حكم بالاستيلاد فِيهِ وَلَا إِلَى الْحصَّة الْمَوْقُوفَة وَلَا إِلَى الْمَنْذُور إِعْتَاقه
الشَّرْط الرَّابِع أَن يعْتق نصِيبه ليعتق أَولا ثمَّ يسري الْعتْق إِلَى نصيب شَرِيكه فَلَو أعتق نصيب شَرِيكه لَغَا إِذْ لَا ملك وَلَا تَبَعِيَّة فَلَو أعتق نصِيبه بعد ذَلِك سرى إِلَى حِصَّة شَرِيكه وَلَو أعتق نصف الْمُشْتَرك وَأطلق حمل على ملكه فَقَط لِأَن الْإِنْسَان إِنَّمَا يعْتق مَا يملكهُ كَمَا جزم بِهِ صَاحب الْأَنْوَار (وَمن ملك وَاحِدًا من وَالِديهِ أَو مولوديه) من النّسَب بِكَسْر الدَّال فيهمَا ملكا قهريا كَالْإِرْثِ أَو اختياريا كالشراء وَالْهِبَة
(وَعتق عَلَيْهِ) أما الْأُصُول فَلقَوْله تَعَالَى ﴿واخفض لَهما جنَاح الذل من الرَّحْمَة﴾ وَلَا يتأنى خفض الْجنَاح مَعَ الاسترقاق وَلما فِي صَحِيح مُسلم لن يَجْزِي ولد وَالِده إِلَّا أَن يجده مَمْلُوكا فيشتريه فيعتقه أَي بِالشِّرَاءِ لَا أَن الْوَلَد هُوَ الْمُعْتق بإنشائه الْعتْق كَمَا فهمه دَاوُد الظَّاهِرِيّ بِدَلِيل رِوَايَة فَيعتق عَلَيْهِ وَأما الْفُرُوع فَلقَوْله تَعَالَى ﴿وَمَا يَنْبَغِي للرحمن أَن يتَّخذ ولدا إِن كل من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا﴾ وَقَالَ تَعَالَى ﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا سُبْحَانَهُ بل عباد مكرمون﴾ دلّ على نفي اجْتِمَاع الولدية والعبدية
تَنْبِيه شَمل قَوْله وَالِديهِ أَو مولوديه الذُّكُور مِنْهُمَا وَالْإِنَاث علوا أَو سفلوا اتَّحد دينهما أم لَا لِأَنَّهُ حكم مُتَعَلق بِالْقَرَابَةِ فَاسْتَوَى فِيهِ من ذَكرْنَاهُ وَخرج من عداهما من الْأَقَارِب كالإخوة والأعمام فَإِنَّهُم لَا يعتقون بِالْملكِ لِأَنَّهُ لم يرد فِيهِ نَص وَلَا هُوَ فِي معنى مَا ورد فِيهِ النَّص لانْتِفَاء البعضية عَنهُ وَأما خبر من ملك ذَا رحم فقد عتق عَلَيْهِ فضعيف بل قَالَ النَّسَائِيّ إِنَّه مُنكر وَخرج بقولنَا من النّسَب أَصله أَو فَرعه من الرَّضَاع فَإِنَّهُ لَا يعْتق عَلَيْهِ
تَتِمَّة لَا يَصح شِرَاء الْوَلِيّ لطفل أَو مَجْنُون أَو سَفِيه قَرِيبه الَّذِي يعْتق عَلَيْهِ لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَصَرَّف عَلَيْهِ بالغبطة وَلَا غِبْطَة لِأَنَّهُ يعْتق عَلَيْهِ وَلَو وهب لمن ذكر أَو وصّى لَهُ بِهِ وَلم تلْزمهُ نَفَقَته كَأَن كَانَ هُوَ مُعسرا أَو فَرعه كسوبا فعلى الْوَلِيّ قبُوله وَيعتق على موليه لانْتِفَاء الضَّرَر وَحُصُول الْكَمَال للْبَعْض فَإِن لَزِمته نَفَقَته لم يجز للْوَلِيّ قبُوله وَلَو ملك أَصله أَو فَرعه فِي مرض مَوته مجَّانا كَأَن وَرثهُ أَو وهب لَهُ عتق عَلَيْهِ من رَأس المَال لِأَن الشَّرْع أخرجه عَن ملكه فَكَأَنَّهُ لم يدْخل وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد
كَمَا صَححهُ فِي الرَّوْضَة كالشرحين وَإِن صحّح فِي الْمِنْهَاج أَنه يعْتق من ثلثه وَإِن ملكه بعوض بِلَا مُحَابَاة عتق من ثلثه لِأَنَّهُ فَوت على الْوَرَثَة مَا بذلوه من الثّمن وَلَا يَرِثهُ لِأَنَّهُ لَو وَرثهُ لَكَانَ عتقه تَبَرعا على الْوَرَثَة فَيبْطل لتعذر إِجَازَته لتوقفها على إِرْثه المتوقف على عتقه المتوقف عَلَيْهَا فَيتَوَقَّف كل من إِجَازَته وإرثه على الآخر فَيمْتَنع إِرْثه فَإِن كَانَ الْمَرِيض مدينا بدين مُسْتَغْرق لمَاله عِنْد مَوته بيع للدّين وَلَا يعْتق مِنْهُ شَيْء لِأَن عتقه يعْتَبر من الثُّلُث وَالدّين يمْنَع مِنْهُ وَإِن ملكه بعوض بمحاباة من البَائِع فقدرها كملكه مجَّانا فَيكون من رَأس المَال
стр. 645
وَالْبَاقِي من الثُّلُث وَلَو وهب لرقيق جُزْء بعض سَيّده فَقبل عتق قَالَ فِي الْمِنْهَاج وسرى وعَلى سَيّده قيمَة بَاقِيَة لِأَن الْهِبَة لَهُ هبة لسَيِّده
وَقَالَ فِي الرَّوْضَة يَنْبَغِي أَنه لَا يسري لِأَنَّهُ دخل فِي ملكه قهرا كَالْإِرْثِ وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر كَمَا اعْتَمدهُ البُلْقِينِيّ وَقَالَ مَا فِي الْمِنْهَاج وَجه ضَعِيف غَرِيب لَا يلْتَفت إِلَيْهِ
فصل فِي أَحْكَام الْوَلَاء
وَهُوَ بِفَتْح الْوَاو وَالْمدّ لُغَة الْقَرَابَة مَأْخُوذَة من الْمُوَالَاة وَهِي المعاونة والمقاربة وَشرعا عصوبة سَببهَا زَوَال الْملك عَن الرَّقِيق بِالْحُرِّيَّةِ وَهِي متراخية عَن عصوبة النّسَب فيرث الْمُعْتق بهَا الْمُعْتق ويلي أَمر النِّكَاح وَالصَّلَاة وَيعْقل
وَالْأَصْل فِيهِ قبل الْإِجْمَاع قَوْله تَعَالَى ﴿ادعوهُمْ لِآبَائِهِمْ﴾ إِلَى قَوْله تَعَالَى ﴿ومواليكم﴾ وَقَوله ﷺ إِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق وَقَوله ﷺ الْوَلَاء لحْمَة كلحمة النّسَب أَي اخْتِلَاط كاختلاط النّسَب لَا يُبَاع وَلَا يُوهب
واللحمة بِضَم اللَّام الْقَرَابَة
وَيجوز فتحهَا وَلَا يُورث بل يُورث بِهِ لِأَنَّهُ لَو ورث لاشترك فِيهِ الرِّجَال وَالنِّسَاء كَسَائِر الْحُقُوق (وَالْوَلَاء من حُقُوق الْعتْق) اللَّازِمَة لَهُ فَلَا يَنْتَفِي بنفيه فَلَو اعتقه على أَن لَا وَلَاء لَهُ عَلَيْهِ أَو أَنه لغيره لَغَا الشَّرْط
لقَوْله ﷺ كل شَرط لَيْسَ فِي كتاب الله فَهُوَ بَاطِل قَضَاء الله أَحَق وَشَرطه أوثق إِنَّمَا الْوَلَاء لمن أعتق وَيثبت لَهُ الْوَلَاء سَوَاء أحصل الْعتْق مُنجزا أم بِصفة أم بِكِتَابَة بأَدَاء نُجُوم أم بتدبير أم باستيلاد أم بِقرَابَة كَأَن ورث قَرِيبه الَّذِي يعْتق عَلَيْهِ أَو ملكه بِبيع أَو هبة أَو وَصِيَّة أَو بشرَاء الرَّقِيق نَفسه فَإِنَّهُ عقد عتاقة أم ضمنا كَقَوْلِه لغيره أعتق عَبدك عني فَأَجَابَهُ أما وَلَاؤُه بِالْإِعْتَاقِ فللخبر السَّابِق وَأما بِغَيْرِهِ فبالقياس عَلَيْهِ أما إِذا أعتق غَيره عَبده عَنهُ بِغَيْر إِذْنه فَإِنَّهُ يَصح أَيْضا لَكِن لَا يثبت لَهُ الْوَلَاء
وَإِنَّمَا يثبت للْمَالِك الْمُعْتق خلافًا لما وَقع فِي أصل الرَّوْضَة من أَنه يثبت لَهُ لَا للْمَالِك وَاسْتثنى من ذَلِك مَا لَو أقرّ بحريّة عبد ثمَّ اشْتَرَاهُ فَإِنَّهُ يعْتق عَلَيْهِ وَلَا يكون وَلَاؤُه لَهُ بل هُوَ مَوْقُوف لِأَن الْملك بِزَعْمِهِ لم يثبت لَهُ وَإِنَّمَا عتق مُؤَاخذَة لَهُ بقوله وَمَا لَو أعتق الْكَافِر كَافِرًا فلحق الْعَتِيق بدار الْحَرْب واسترق ثمَّ أعْتقهُ السَّيِّد الثَّانِي فولاؤه للثَّانِي وَمَا لَو أعتق الإِمَام عبدا من عبيد بَيت المَال فَإِنَّهُ يثبت الْوَلَاء عَلَيْهِ للْمُسلمين لَا للْمُعْتق
تَنْبِيه يثبت الْوَلَاء للْكَافِرِ على الْمُسلم كَعَكْسِهِ وَإِن لم يتوارثا كَمَا تثبت علقَة النِّكَاح وَالنّسب بَينهمَا وَإِن لم يتوارثا وَلَا
стр. 646
يثبت الْوَلَاء بِسَبَب آخر غير الْإِعْتَاق كلإسلام شخص على يَد غَيره وَحَدِيث من أسلم على يَد رجل فَهُوَ أَحَق النَّاس بمحياه ومماته قَالَ البُخَارِيّ اخْتلفُوا فِي صِحَّته وكالتقاطه وَحَدِيث تحوز الْمَرْأَة ثَلَاثَة مَوَارِيث عتيقها ولقيطها وَوَلدهَا الَّذِي لاعنت عَلَيْهِ ضعفه الشَّافِعِي وَغَيره (وَحكمه) أَي الْإِرْث بِالْوَلَاءِ (حكم التَّعْصِيب) بِالنّسَبِ فِي أَرْبَعَة أَحْكَام الْمُتَقَدّم فِي صَلَاة الْجِنَازَة وَالْإِرْث بِهِ وَولَايَة التَّزْوِيج وَتحمل الدِّيَة
(عِنْد عَدمه) أَي التَّعْصِيب بِالنّسَبِ وَإِنَّمَا قدم النّسَب لقُوته (وينتقل) الْوَلَاء (عَن الْمُعْتق) بعد مَوته (إِلَى الذُّكُور من عصبته) أَي الْمُعْتق المتعصبين بِأَنْفسِهِم دون سَائِر الْوَرَثَة وَمن يعصبهم العاصب لِأَنَّهُ لَا يُورث كَمَا مر فَلَو انْتقل إِلَى غَيرهم لَكَانَ موروثا
تَنْبِيه ظَاهر كَلَامه أَن الْوَلَاء لَا يثبت للعاصب مَعَ وجود الْمُعْتق وَلَيْسَ مرَادا بل يثبت لَهُم فِي حَيَاته والمتأخر لَهُم عَنهُ إِنَّمَا هُوَ فَوَائده
وَلَا تَرث امْرَأَة بولاء إِلَّا من عتيقها للْخَبَر السَّابِق أَو منتميا إِلَيْهِ بِنسَب أَو وَلَاء فَإِن عتق عَلَيْهَا أَبوهَا كَأَن اشترته ثمَّ أعتق عبدا فَمَاتَ بعد موت الْأَب بِلَا وَارِث من النّسَب للْأَب وَالْعَبْد فَمَال الْعَتِيق للْبِنْت لَا لكَونهَا بنت مُعْتقه لما مر أَنَّهَا لَا تَرث بل لِأَنَّهَا مُعتقة الْمُعْتق وَمحل مِيرَاثهَا إِذا لم يكن للْأَب عصبَة
فَإِن كَانَ كأخ أَو ابْن عَم فميراث الْعَتِيق لَهُ وَلَا شَيْء لَهَا لِأَن مُعتق الْمُعْتق مُتَأَخّر من عصوبة النّسَب
قَالَ الشَّيْخ أَبُو عَليّ سَمِعت بعض النَّاس يَقُول أَخطَأ فِي هَذِه الْمَسْأَلَة أَرْبَعمِائَة قَاض فَقَالُوا إِن الْمِيرَاث للْبِنْت لأَنهم رأوها أقرب وَهِي عصبَة لَهُ بولائها عَلَيْهِ وَوجه الْغَفْلَة أَن الْمُقدم فِي الْوَلَاء الْمُعْتق ثمَّ عصبته ثمَّ مُعْتقه ثمَّ عصباته ثمَّ مُعتق مُعْتقه ثمَّ عصباته
وَهَكَذَا ووارث العَبْد هَا هُنَا عصبته فَكَانَ مقدما على مُعتق مُعْتقه
وَلَا شَيْء لَهَا مَعَ وجوده وَنسبَة غلط الْقُضَاة فِي هَذِه الصُّورَة حَكَاهُ الشَّيْخَانِ
قَالَ الزَّرْكَشِيّ وَالَّذِي حَكَاهُ الإِمَام عَن غلطهم فِيمَا إِذا اشْترى أَخ وَأُخْت أباهما فَأعتق الْأَب عبدا وَمَات ثمَّ مَاتَ الْعَتِيق فَقَالُوا مِيرَاثه بَين الْأَخ وَالْأُخْت لِأَنَّهُمَا معتقا مُعْتقه وَهُوَ غلط وَإِنَّمَا الْمِيرَاث للْأَخ وَحده وَالْوَلَاء لأعلى الْعَصَبَات فِي الدرجَة والقرب مِثَاله ابْن الْمُعْتق مَعَ ابْن ابْنه فَلَو مَاتَ الْمُعْتق عَن ابْنَيْنِ أَو أَخَوَيْنِ فَمَاتَ أَحدهمَا وَخلف ابْنا فَالْولَاء لِعَمِّهِ دونه
وَإِن كَانَ هُوَ الْوَارِث لِأَبِيهِ فَلَو مَاتَ الآخر وَخلف تِسْعَة بَنِينَ فَالْولَاء بَين الْعشْرَة بِالسَّوِيَّةِ وَلَو أعتق عَتيق أَبَا مُعتقة فَلِكُل مِنْهُمَا الْوَلَاء على الآخر وَإِن أعتق أَجْنَبِي أُخْتَيْنِ لِأَبَوَيْنِ أَو لأَب فاشترتا أباهما فَلَا وَلَاء لوَاحِدَة مِنْهُمَا على الْأُخْرَى
وَلَو أعتق كَافِر مُسلما وَله ابْن مُسلم وَابْن كَافِر ثمَّ مَاتَ الْعَتِيق بعد موت مُعْتقه فولاؤه للْمُسلمِ فَقَط
وَلَو أسلم الآخر قبل مَوته فولاؤه لَهما وَلَو مَاتَ فِي حَيَاة مُعتقة فميراثه لبيت المَال (وَلَا يجوز بيع الْوَلَاء وَلَا هِبته) لِأَن الْوَلَاء كالنسب فَكَمَا لَا يَصح بيع النّسَب وَلَا هِبته فَكَذَلِك لَا يَصح بيع الْوَلَاء وَلَا هِبته وَلِأَنَّهُ ﷺ نهى عَن بيع الْوَلَاء وهبته مُتَّفق عَلَيْهِ
стр. 647
تَتِمَّة لَو نكح عبد مُعتقة فَأَتَت بِولد فولاؤه لموَالِي الْأُم لِأَنَّهُ الْمُنعم عَلَيْهِ فَإِنَّهُ عتق بِإِعْتَاق أمه فَإِذا عتق الْأَب انجر الْوَلَاء من موَالِي الْأُم إِلَى موَالِي الْأَب لِأَن الْوَلَاء فرع النّسَب وَالنّسب إِلَى الْآبَاء دون الإمهات وَإِنَّمَا ثَبت لموَالِي الْأُم لعدمه من جِهَة الْأَب فَإِذا أمكن عَاد إِلَى مَوْضِعه
وَمعنى الانجرار أَن يَنْقَطِع من وَقت عتق الْأَب عَن موَالِي الْأُم فَإِذا انجر إِلَى موَالِي الْأَب فَلم يبْق مِنْهُم أحد لم يرجع إِلَى موَالِي الْأُم بل يكون الْمِيرَاث لبيت المَال وَلَو مَاتَ الْأَب رَقِيقا وَعتق الْجد انجر الْوَلَاء من موَالِي الْأُم إِلَى موَالِي الْجد لِأَنَّهُ كَالْأَبِ فَإِن أعتق الْجد وَالْأَب رَقِيق انجر الْوَلَاء من موَالِي الْأُم إِلَى موَالِي الْجد أَيْضا
فَإِن أعتق الْأَب بعد الْجد انجر الْوَلَاء من موَالِي الْجد إِلَى موَالِي الْأَب لِأَن الْجد إِنَّمَا جَرّه لكَون الْأَب كَانَ رَقِيقا فَإِذا عتق كَانَ أولى بِالْجَرِّ لِأَنَّهُ أقوى من الْجد فِي النّسَب وَلَو ملك هَذَا الْوَلَد الَّذِي وَلَاؤُه لموَالِي أمه أَبَاهُ جر وَلَاء إخْوَته لِأَبِيهِ من موَالِي أمّهم إِلَيْهِ وَلَا يجر وَلَاء نَفسه لِأَنَّهُ لَا يُمكن أَن يكون لَهُ على نَفسه وَلَاء وَلِهَذَا لَو اشْترى العَبْد نَفسه أَو كَاتبه سَيّده وَأخذ النُّجُوم كَانَ الْوَلَاء عَلَيْهِ لسَيِّده كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ
فصل فِي التَّدْبِير
وَهُوَ لُغَة النّظر فِي عواقب الْأُمُور وَشرعا تَعْلِيق عتق بِالْمَوْتِ الَّذِي هُوَ دبر الْحَيَاة فَهُوَ تَعْلِيق عتق بِصفة لَا وَصِيَّة وَلِهَذَا لَا يفْتَقر إِلَى إِعْتَاق بعد الْمَوْت وَلَفظه مَأْخُوذ من الدبر لِأَن الْمَوْت دبر الْحَيَاة وَكَانَ مَعْرُوفا فِي الْجَاهِلِيَّة فأقره الشَّرْع وَالْأَصْل فِيهِ قبل الْإِجْمَاع خبر الصَّحِيحَيْنِ أَن رجلا دبر غُلَاما لَيْسَ لَهُ مَال غَيره فَبَاعَهُ النَّبِي ﷺ فتقريره ﷺ لَهُ وَعدم إِنْكَاره يدل على جَوَازه
(وأركانه ثَلَاثَة) صِيغَة وَمَالك وَمحل وَهُوَ الرَّقِيق وَشرط فِيهِ كَونه رَقِيقا غير أم ولد لِأَنَّهَا تسْتَحقّ الْعتْق بِجِهَة أقوى من التَّدْبِير
وَيشْتَرط فِي الصِّيغَة لفظ يشْعر بِهِ وَفِي مَعْنَاهُ مَا مر فِي الضَّمَان وَهُوَ إِمَّا صَرِيح كَمَا يُؤْخَذ من قَوْله (وَمن قَالَ لعَبْدِهِ إِذا مت) أَنا (فَأَنت حر) أَعتَقتك أَو حررتك بعد موتِي أَو دبرتك أَو أَنْت مُدبر وَإِمَّا كِنَايَة وَهُوَ مَا يحْتَمل التَّدْبِير وَغَيره كخليت سَبِيلك أَو حسبتك بعد موتِي نَاوِيا الْعتْق
(فَهُوَ مُدبر) وَحكمه أَنه (يعْتق) عَلَيْهِ (بعد وَفَاته) أَي السَّيِّد محسوبا (من ثلث مَاله) بعد الدّين وَإِن وَقع التَّدْبِير فِي الصِّحَّة وَلَو استغرق الدّين التَّرِكَة لم يعْتق مِنْهُ شَيْء أَو نصفهَا وَهِي هُوَ فَقَط بيع نصفه فِي الدّين وَعتق ثلث الْبَاقِي مِنْهُ وَإِن لم يكن دين وَلَا مَال غَيره عتق ثلثه
فَائِدَة الْحِيلَة فِي عتق الْجَمِيع بعد الْمَوْت وَإِن لم يكن لَهُ مَال سواهُ أَن يَقُول هَذَا الرَّقِيق حر قبل مرض موتِي بِيَوْم وَإِن مت فَجْأَة فَقبل موتِي بِيَوْم فَإِذا مَاتَ بعد التعليقين بِأَكْثَرَ من يَوْم عتق من رَأس المَال وَلَا سَبِيل لأحد عَلَيْهِ وَيصِح التَّدْبِير مُقَيّدا بِشَرْط كَأَن مَاتَ فِي هَذَا الشَّهْر أَو الْمَرَض فَأَنت حر
فَإِن مَاتَ فِيهِ عتق وَإِلَّا فَلَا ومعلقا كَإِن دخلت الدَّار فَأَنت حر بعد موتِي فَإِن وجدت الصّفة وَمَات عتق وَإِلَّا فَلَا وَلَا يصير مُدبرا حَتَّى يدْخل وَشرط لحُصُول الْعتْق الدُّخُول قبل موت سَيّده فَإِن مَاتَ السَّيِّد قبل دُخُوله فَلَا تَدْبِير فَإِن قَالَ إِن مت ثمَّ دخلت الدَّار فَأَنت حر شَرط دُخُوله بعد مَوته وَلَو متراخيا عَن الْمَوْت وللوارث كَسبه قبل الدُّخُول
وَلَيْسَ لَهُ التَّصَرُّف فِيهِ بِمَا يزِيل الْملك كَالْبيع لتَعلق حق الْعتْق بِهِ
كَقَوْلِه إِذا مت وَمضى شهر مثلا بعد موتِي فَأَنت حر فللوارث كَسبه فِي الشَّهْر وَلَيْسَ لَهُ التَّصَرُّف فِيهِ بِمَا يزِيل الْملك وَهَذَا لَيْسَ بتدبير فِي الصُّورَتَيْنِ بل تَعْلِيق بِصفة لِأَن الْمُعَلق عَلَيْهِ لَيْسَ هُوَ
стр. 648
الْمَوْت فَقَط وَلَا مَعَ شَيْء قبله
وَلَو قَالَ إِن شِئْت فَأَنت حر بعد موتِي اشْترط وُقُوع الْمَشِيئَة قبل الْمَوْت فَوْرًا فَإِن أَتَى بِصِيغَة نَحْو مَتى لم يشْتَرط الْفَوْر وَلَو قَالَا لعبدهما إِذا متْنا فَأَنت حر لم يعْتق حَتَّى يموتا مَعًا أَو مُرَتبا
فَإِن مَاتَ أَحدهمَا فَلَيْسَ لوَارِثه بيع نصِيبه لِأَنَّهُ صَار مُسْتَحقّ الْعتْق بِمَوْت الشَّرِيك وَله كَسبه ثمَّ عتقه بعد مَوْتهمَا مَعًا عتق تَعْلِيق بِصفة لَا عتق تَدْبِير لِأَن كلا مِنْهُمَا لم يعلقه بِمَوْتِهِ بل بِمَوْتِهِ وَمَوْت غَيره
وَفِي مَوْتهمَا مُرَتبا يصير نصيب الْمُتَأَخر موتا بِمَوْت الْمُتَقَدّم مُدبرا دون نصيب الْمُتَقَدّم وَيشْتَرط فِي الْمَالِك أَن يكون مُخْتَارًا وَعدم صبي وجنون فَيصح من سَفِيه ومفلس وَلَو بعد الْحجر عَلَيْهِمَا وَمن مبعض وَكَافِر وَلَو حَرْبِيّا لِأَن كلا مِنْهُم صَحِيح الْعبارَة وَالْملك وَمن سَكرَان لِأَنَّهُ كالمكلف حكما وتدبير مُرْتَد مَوْقُوف إِن أسلم بَانَتْ صِحَّته وَإِن مَاتَ مُرْتَدا بِأَن فَسَاده ولحربي حمل مدبره لداره لِأَن أَحْكَام الرّقّ بَاقِيَة وَلَو دبر كَافِر مُسلما بيع عَلَيْهِ إِن لم يزل ملكه عَنهُ أَو دبر كَافِر كَافِرًا فَأسلم نزع مِنْهُ وَجعل عِنْد عدل ولسيده كَسبه وَهُوَ بَاقٍ على تَدْبيره لَا يُبَاع عَلَيْهِ لتوقع الْحُرِّيَّة
(وَيجوز لَهُ) أَي للسَّيِّد الْجَائِز التَّصَرُّف (أَن يَبِيعهُ) أَي الْمُدبر أَو يَهبهُ ويقبضه وَنَحْو ذَلِك من أَنْوَاع التَّصَرُّفَات المزيلة للْملك
(فِي حَال حَيَاته) كَمَا قبل التَّدْبِير (وَيبْطل تَدْبيره) بإزالته ملكه عَنهُ للْخَبَر السَّابِق فَلَا يعود وَإِن ملكه بِنَاء على عدم عود الْحِنْث فِي الْيَمين وَخرج بجائز التَّصَرُّف السَّفِيه فَإِنَّهُ لَا يَصح بَيْعه وَإِن صَحَّ تَدْبيره وَيبْطل أَيْضا بإيلاد لمدبرته لِأَنَّهُ أقوى مِنْهُ بِدَلِيل أَنه لَا يعْتَبر من الثُّلُث وَلَا يمْنَع مِنْهُ الدّين بِخِلَاف التَّدْبِير فيرفعه الْأَقْوَى كَمَا يرفع ملك الْيَمين النِّكَاح وَلَا يبطل التَّدْبِير بردة السَّيِّد وَلَا الْمُدبر صِيَانة لحق الْمُدبر عَن الضّيَاع فَيعتق بِمَوْت السَّيِّد
وَإِن كَانَا مرتدين وَلَا رُجُوع عَنهُ بِاللَّفْظِ كفسخته أَو نقضته كَسَائِر التعليقات وَلَا إِنْكَار التَّدْبِير كَمَا أَن إِنْكَار الرِّدَّة لَيْسَ إسلاما وإنكار الطَّلَاق لَيْسَ رَجْعَة فَيحلف إِنَّه مَا دبره وَلَا وطىء مدبرته وَيحل وَطْؤُهَا لبَقَاء ملكه وَيصِح تَدْبِير الْمكَاتب كَمَا يَصح تَعْلِيق عتقه بِصفة وَكِتَابَة مُدبر وَصَحَّ تَعْلِيق كل مِنْهُمَا بِصفة وَيعتق بالأسبق من الوصفين
تَنْبِيه حمل من دبرت حَامِلا مُدبر تبعا لَهَا وَإِن انْفَصل قبل موت سَيِّدهَا لَا إِن بَطل قبل انْفِصَاله تدبيرها بِلَا مَوتهَا كَبيع
فَيبْطل تَدْبيره أَيْضا وَيصِح تَدْبِير حمل كَمَا يَصح إِعْتَاقه وَلَا تتبعه أمه لِأَن الأَصْل لَا يتبع الْفَرْع فَإِن بَاعهَا فرجوع عَنهُ وَلَا يتبع مُدبرا وَلَده
وَإِنَّمَا يتبع أمه فِي الرّقّ وَالْحريَّة
(وَحكم) الرَّقِيق (الْمُدبر فِي حَال حَيَاة السَّيِّد حكم العَبْد الْقِنّ) فِي سَائِر الْأَحْكَام إِلَّا فِي رَهنه فَإِنَّهُ بَاطِل على الْمَذْهَب الَّذِي قطع الْجُمْهُور بِهِ كَمَا قَالَه فِي الرَّوْضَة فِي بَابه
والقن بِكَسْر الْقَاف وَتَشْديد النُّون هُوَ من لم يتَّصل بِهِ شَيْء من أَحْكَام الْمُعْتق ومقدماته بِخِلَاف الْمُدبر وَالْمكَاتب وَالْمُعَلّق عتقه بِصفة والمستولدة سَوَاء أَكَانَ أَبَوَاهُ مملوكين أَو عتيقين أَو حُرَّيْنِ أصليين بِأَن كَانَا كَافِرين واسترق هُوَ كَمَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي تهذيبه
تَتِمَّة لَو وجد مَعَ مُدبر مَال أَو نَحوه فِي يَده بعد موت سَيّده فَتَنَازَعَ هُوَ وَالْوَارِث فِيهِ فَقَالَ الْمُدبر كسبته بعد موت سَيِّدي
وَقَالَ الْوَارِث بل قبله صدق الْمُدبر بِيَمِينِهِ
لِأَن الْيَد لَهُ فترجح وَهَذَا بِخِلَاف ولد الْمُدبرَة إِذا قَالَت وَلدته بعد موت السَّيِّد فَهُوَ حر وَقَالَ الْوَارِث بل قبله فَهُوَ قن فَإِن القَوْل قَول الْوَارِث لِأَنَّهَا تزْعم حُرِّيَّته وَالْحر لَا يدْخل تَحت الْيَد وَتقدم بَيِّنَة الْمُدبر على بَيِّنَة الْوَارِث إِذا أَقَامَا بينتين على مَا قَالَاه
لاعتضادها بِالْيَدِ وَلَو دبر رجلَانِ أمتهما وَأَتَتْ بِولد وادعاه أَحدهمَا لحقه وَضمن لشَرِيكه نصف قيمتهَا وَنصف مهرهَا وَصَارَت أم ولد لَهُ وَبَطل التَّدْبِير وَإِن لم يَأْخُذ شَرِيكه نصف قيمتهَا لِأَن السَّرَايَة لَا تتَوَقَّف على أَخذهَا وَيَلْغُو رد الْمُدبر التَّدْبِير فِي حَيَاة السَّيِّد وَبعد مَوته كَمَا فِي الْمُعَلق عتقه بِصفة وَلَو قَالَ لأمته أَنْت حرَّة بعد موتِي بِعشر سِنِين مثلا لم تعْتق
стр. 649
إِلَّا بِمُضِيِّ تِلْكَ الْمدَّة من حِين الْمَوْت وَلَا يتبعهَا وَلَدهَا فِي حكم الصّفة إِلَّا إِن أَتَت بِهِ بعد موت السَّيِّد وَلَو قبل مُضِيّ الْمدَّة فيتبعها ذَلِك فَيعتق من رَأس المَال كَوَلَد الْمُسْتَوْلدَة بِجَامِع أَن كلا مِنْهُمَا لَا يجوز إرقاقها وَيُؤْخَذ من الْقيَاس أَن مَحل ذَلِك إِذا علقت بِهِ بعد الْمَوْت وَلَو قَالَ لعَبْدِهِ إِذا قَرَأت الْقُرْآن ومت فَأَنت حر
فَإِذا قَرَأَ الْقُرْآن قبل موت السَّيِّد عتق بِمَوْتِهِ
وَإِن قَرَأَ بعضه لم يعْتق بِمَوْت السَّيِّد وَإِن قَالَ إِن قَرَأت قُرْآنًا ومت فَأَنت حر فَقَرَأَ بعض الْقُرْآن وَمَات السَّيِّد عتق وَالْفرق التَّعْرِيف والتنكير كَذَا نَقله الْبَغَوِيّ عَن النَّص قَالَ الدَّمِيرِيّ وَالصَّوَاب مَا قَالَه الإِمَام فِي الْمَحْصُول إِن الْقُرْآن يُطلق على الْقَلِيل وَالْكثير لِأَنَّهُ اسْم جنس كَالْمَاءِ وَالْعَسَل لقَوْله تَعَالَى ﴿نَحن نقص عَلَيْك أحسن الْقَصَص بِمَا أَوْحَينَا إِلَيْك هَذَا الْقُرْآن﴾ وَهَذَا الْخطاب كَانَ بِمَكَّة بِالْإِجْمَاع لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة وَبعد ذَلِك نزل كثير من الْقُرْآن وَمَا نقل عَن النَّص لَيْسَ على هَذَا الْوَجْه فَإِن الْقُرْآن بِالْهَمْز عِنْد الشَّافِعِي يَقع على الْقَلِيل وَالْكثير
وَالْقُرْآن بِغَيْر همز عِنْده اسْم جمع كَمَا أَفَادَهُ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِير سُورَة الْبَقَرَة
ولغة الشَّافِعِي بِغَيْر همز والواقف على كَلَام الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ يَظُنّهُ مهموزا وَإِنَّمَا نطق فِي ذَلِك بلغته المألوفة لَا بغَيْرهَا وَبِهَذَا اتَّضَح الْإِشْكَال
وَأجِيب عَن السُّؤَال
فصل فِي الْكِتَابَة
وَهِي بِكَسْر الْكَاف على الْأَشْهر هِيَ لُغَة الضَّم وَالْجمع لِأَن فِيهَا ضم نجم إِلَى نجم والنجم يُطلق على الْوَقْت أَيْضا الَّذِي يحل فِيهِ مَال الْكِتَابَة كَمَا سَيَأْتِي وَسميت كِتَابَة للْعُرْف الْجَارِي بِكِتَابَة ذَلِك فِي كتاب يُوَافقهُ وَشرعا عقد عتق بلفظها بعوض منجم بنجمين فَأكْثر ولفظها إسلامي لَا يعرف فِي الْجَاهِلِيَّة
وَالْأَصْل فِيهَا قبل الْإِجْمَاع آيَة ﴿وَالَّذين يَبْتَغُونَ الْكتاب مِمَّا ملكت أَيْمَانكُم فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾ وَخبر الْمكَاتب عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيره وَالْحَاجة دَاعِيَة إِلَيْهَا
(وَالْكِتَابَة مُسْتَحبَّة) لَا وَاجِبَة وَإِن طلبَهَا الرَّقِيق قِيَاسا على التَّدْبِير وَشِرَاء الْقَرِيب وَلِئَلَّا يتعطل أثر الْملك وتتحكم المماليك
стр. 650
على المالكين وَإِنَّمَا تسْتَحب
(إِذا سَأَلَهَا العَبْد) من سَيّده (وَكَانَ مَأْمُونا) أَي أَمينا فِيمَا يكسبه بِحَيْثُ لَا يضيعه فِي مَعْصِيّة
(مكتسبا) أَي قَادِرًا على الْكسْب وَبِهِمَا فسر الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الْخَيْر فِي الْآيَة
واعتبرت الْأَمَانَة لِئَلَّا يضيع مَا يحصله فَلَا يعْتق وَالْقُدْرَة على الْكسْب ليوثق بتحصيل النُّجُوم وتفارق الْإِيفَاء حَيْثُ أجري على ظَاهر الْأَمر من الْوُجُوب كَمَا سَيَأْتِي لِأَنَّهُ مواساة وأحوال الشَّرْع لَا تمنع وُجُوبهَا كَالزَّكَاةِ
تَنْبِيه قَوْله مكتسبا قد يُوهم أَنه أَي كسب كَانَ وَلَيْسَ مرَادا بل لَا بُد أَن يكون قَادِرًا على كسب يُوفي مَا الْتَزمهُ من النُّجُوم فَإِن فقد شَرط من هَذِه الثَّلَاثَة وَهِي السُّؤَال وَالْأَمَانَة وَالْقُدْرَة على الْكسْب فمباحة إِذْ لَا يقوى رَجَاء الْعتْق إِلَّا بهَا وَلَا تكره بِحَال لِأَنَّهَا عِنْد فقد مَا ذكر تُفْضِي إِلَى الْعتْق
نعم إِن كَانَ الرَّقِيق فَاسِقًا بِسَرِقَة أَو نَحْوهَا وَعلم السَّيِّد أَنه لَو كَاتبه مَعَ الْعَجز عَن الْكسْب لاكتسب بطرِيق الْفسق كرهت كَمَا قَالَه الْأَذْرَعِيّ
وأركانها أَرْبَعَة سيد ورقيق وَصِيغَة وَعوض
وَشرط فِي السَّيِّد وَهُوَ الرُّكْن الأول مَا مر فِي الْمُعْتق من كَونه مُخْتَارًا أهل تبرع وَوَلَاء لِأَنَّهَا تبرع وآيلة للولاء فَتَصِح من كَافِر أُصَلِّي وسكران لَا من مكره ومكاتب وَإِن أذن لَهُ سَيّده وَلَا من صبي وَمَجْنُون ومحجور سفه وأوليائهم وَلَا من مَحْجُور فلس وَلَا من مُرْتَد لِأَن ملكه مَوْقُوف والعقود لَا توقف على الْجَدِيد وَلَا من مبعض لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهلا للولاء وَكِتَابَة مَرِيض مرض الْمَوْت محسوبة من الثُّلُث فَإِن خلف مثلي قِيمَته صحت فِي كُله أَو مثل قِيمَته فَفِي ثُلثَيْهِ أَو لم يخلف غَيره فَفِي ثلثه وَشرط فِي الرَّقِيق وَهُوَ الرُّكْن الثَّانِي اخْتِيَار وَعدم صبا وجنون وَأَن لَا يتَعَلَّق بِهِ حق لَازم وَشرط فِي الصِّيغَة وَهُوَ الرُّكْن الثَّالِث لفظ يشْعر بِالْكِتَابَةِ وَفِي مَعْنَاهُ مَا مر فِي الضَّمَان إِيجَابا ككاتبتك أَو أَنْت مكَاتب عَليّ كَذَا كألف منجما مَعَ قَوْله إِذا أديته مثلا فَأَنت حر لفظا أَو نِيَّة وقبولا كقبلت ذَلِك وَشرط فِي الْعِوَض وَهُوَ الرُّكْن الرَّابِع كَونه مَالا كَمَا تعرض لَهُ المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى
وَلم يذكر غَيره من الْأَركان بقوله (وَلَا تصح) أَي الْكِتَابَة (إِلَّا بِمَال) فِي ذمَّة الْمكَاتب نَقْدا كَانَ أَو عرضا مَوْصُوفا بِصفة السّلم لِأَن الْأَعْيَان لَا يملكهَا حَتَّى يُورد العقد عَلَيْهَا (مَعْلُوم) عِنْدهمَا قدرا وجنسا وَصفَة ونوعا لِأَنَّهُ عوض فِي الذِّمَّة فَاشْترط فِيهِ الْعلم بذلك كَدين السّلم وَيكون (إِلَى أجل مَعْلُوم) ليحصله ويؤديه فَلَا تصح بِالْحَال
وَلَو كَانَ الْمكَاتب مبعضا لِأَن الْكِتَابَة عقد خَالف الْقيَاس فِي وَضعه فَاعْتبر فِيهِ سنَن السّلف والمأثور عَن الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَمن بعدهمْ قولا وفعلا
إِنَّمَا هُوَ التَّأْجِيل وَلم يعقدها أحد مِنْهُم حَالَة وَلَو جَازَ لم يتفقوا على تَركه مَعَ اخْتِلَاف الْأَغْرَاض خُصُوصا وَفِيه تَعْجِيل عتقه
تَنْبِيه لَو كَانَ الْعِوَض مَنْفَعَة فِي الذِّمَّة كبناء دارين فِي ذمَّته وَجعل لكل وَاحِدَة مِنْهُمَا وقتا مَعْلُوما جَازَ كَمَا يجوز أَن تجْعَل الْمَنَافِع ثمنا وَأُجْرَة أما لَو كَانَ الْعِوَض مَنْفَعَة عين فَإِنَّهُ لَا يَصح تأجيلها
لِأَن الْأَعْيَان لَا تقبل التَّأْجِيل ثمَّ إِن كَانَ الْعِوَض مَنْفَعَة عين حَالَة نَحْو كاتبتك على أَن تخدمني شهرا أَو تخيط لي ثوبا بِنَفْسِك فَلَا بُد مَعَهُمَا من ضميمة مَال كَقَوْلِه وتعطيني دِينَارا بعد انقضائه لِأَن الضميمة شَرط فَلم يجز أَن يكون الْعِوَض مَنْفَعَة فَقَط
فَلَو اقْتصر على خدمَة شَهْرَيْن وَصرح بِأَن كل شهر نجم لم
стр. 651
يَصح لِأَنَّهُمَا نجم وَاحِد وَلَا ضميمة
وَلَو كَاتبه على خدمَة شهر رَجَب ورمضان فَأولى بِالْفَسَادِ إِذْ يشْتَرط فِي الْخدمَة أَو الْمَنَافِع الْمُتَعَلّقَة بالأعيان أَن تتصل بِالْعقدِ وَلَا حد لعدد نُجُوم الْكِتَابَة
(وَأقله نجمان) لِأَنَّهُ الْمَأْثُور عَن الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم فَمن بعدهمْ وَلَو جَازَت على أقل من نجمين لفعلوه لأَنهم كَانُوا يبادرون إِلَى القربات والطاعات مَا أمكن وَلِأَنَّهَا مُشْتَقَّة من ضم النُّجُوم بَعْضهَا إِلَى بعض وَأَقل مَا يحصل بِهِ الضَّم نجمان وَالْمرَاد بِالنَّجْمِ هُنَا الْوَقْت
كَمَا فِي الصِّحَاح قَالَ النَّوَوِيّ رَحمَه الله تَعَالَى فِي تهذيبه حِكَايَة عَن الرَّافِعِيّ رَحمَه الله تَعَالَى يُقَال كَانَت الْعَرَب لَا تعرف الْحساب
ويبنون أُمُورهم على طُلُوع النَّجْم والمنازل فَيَقُول أحدهم إِذا طلع نجم الثريا أديتك حَقك فسميت الْأَوْقَات نجوما ثمَّ سمي الْمُؤَدِّي فِي الْوَقْت نجما
تَنْبِيه قَضِيَّة إِطْلَاقه أَنَّهَا تصح بنجمين قصيرين وَلَو فِي مَال كثير وَهُوَ كَذَلِك لِإِمْكَان الْقُدْرَة عَلَيْهِ كالسلم إِلَى مُعسر فِي مَال كثير إِلَى أجل قصير وَلَو كَاتب عبيدا كثلاثة صَفْقَة وَاحِدَة على عوض وَاحِد كألف منجم بنجمين مثلا وعلق عتقهم بِأَدَائِهِ صَحَّ لِاتِّحَاد الْمَالِك فَصَارَ كَمَا لَو بَاعَ عبيدا بِثمن وَاحِد ووزع الْعِوَض على قيمتهم وَقت الْكِتَابَة فَمن أدّى حِصَّته مِنْهُم عتق وَمن عجز رق وَتَصِح كِتَابَة بعض من بَاقِيه حر لِأَنَّهَا تفِيد الِاسْتِقْلَال الْمَقْصُود بِالْعقدِ وَلَا تصح كِتَابَة بعض رَقِيق وَإِن كَانَ بَاقِيه لغيره وَأذن لَهُ فِي الْكِتَابَة لِأَن الرَّقِيق لَا يسْتَقلّ فِيهَا بالتردد لِاكْتِسَابِ النُّجُوم ثمَّ لَو كَاتب فِي مَرضه بعض رَقِيق وَالْبَعْض ثلث مَاله أَو أوصى بِكِتَابَة رَقِيق فَلم يخرج من الثُّلُث إِلَّا بعضه وَلم تجز الْوَرَثَة الْوَصِيَّة صحت الْكِتَابَة فِي ذَلِك الْقدر وَعَن النَّص وَالْبَغوِيّ صِحَة الْوَصِيَّة بِكِتَابَة بعض عَبده وَلَو تعدد السَّيِّد كشريكين فِي عبد كاتباه مَعًا أَو وكلا من كَاتبه صَحَّ إِن اتّفقت النُّجُوم جِنْسا وَصفَة وعددا وآجلا وَجعلت النُّجُوم على نِسْبَة ملكيهما
فَلَو عجز العَبْد فعجزه أَحدهمَا وَفسخ الْكِتَابَة وآبداه الآخر فِيهَا لم يَصح كابتداء عقدهَا وَلَو أَبرَأَهُ أَحدهمَا من نصِيبه من النُّجُوم أَو أعتق نصِيبه من العَبْد عتق نصِيبه مِنْهُ وَقوم عَلَيْهِ الْبَاقِي إِن أيسر وَعَاد الرّقّ للْمكَاتب وَخرج بِالْإِبْرَاءِ وَالْإِعْتَاق مَا لَو قبض نصِيبه فَلَا يعْتق وَإِن رَضِي الآخر بتقديمه إِذْ لَيْسَ لَهُ تَخْصِيص أَحدهمَا بِالْقَبْضِ
(وَهِي) أَي الْكِتَابَة الصَّحِيحَة (من جِهَة) أَي جَانب (السَّيِّد لَازِمَة) لَيْسَ لَهُ فَسخهَا لِأَنَّهَا عقدت لحظ مكَاتبه لَا لحظه فَكَانَ فِيهَا كالراهن لِأَنَّهَا حق عَلَيْهِ أما الْكِتَابَة الْفَاسِدَة فَهِيَ جَائِزَة من جِهَته على الْأَصَح فَإِن عجز الْمكَاتب عِنْد الْمحل بِنَجْم أَو بعضه غير الْوَاجِب فِي الإيتاء أَو امْتنع مِنْهُ عِنْد ذَلِك مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ أَو غلب عِنْد ذَلِك
وَإِن حضر مَاله أَو كَانَت غيبَة الْمكَاتب دون مَسَافَة الْقصر على الْأَشْبَه فِي الْمطلب وقيدها فِي الْكِفَايَة بمسافة الْقصر وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر كَانَ لَهُ فَسخهَا بِنَفسِهِ وبحاكم مَتى شَاءَ لتعذر الْعِوَض عَلَيْهِ وَلَيْسَ للْحَاكِم الْأَدَاء من مَال الْمكَاتب الْغَائِب عَنهُ بل يُمكن السَّيِّد من الْفَسْخ لِأَنَّهُ رُبمَا عجز نَفسه أَو امْتنع من الْأَدَاء لَو أحضر
(و) هِيَ (من جِهَة العَبْد الْمكَاتب جَائِزَة) فَلهُ الِامْتِنَاع من الْإِعْطَاء مَعَ الْقُدْرَة (وَله تعجيز نَفسه) وَلَو مَعَ الْقُدْرَة على الْكسْب
стр. 652
وَتَحْصِيل الْعِوَض (و) لَهُ (فَسخهَا مَتى شَاءَ) وَإِن كَانَ مَعَه وَفَاء وَلَو استمهل سَيّده عِنْد الْمحل لعجز سنّ لَهُ إمهاله مساعدة لَهُ فِي تَحْصِيل الْعتْق أَو لبيع عرض وَجب إمهاله ليَبِيعهُ وَله أَن لَا يزِيد فِي المهلة على ثَلَاثَة أَيَّام سَوَاء أعرض كساد أم لَا
فَلَا فسخ فِيهَا أَو لإحضار مَاله من دون مرحلَتَيْنِ
وَجب أَيْضا إمهاله إِلَى إِحْضَاره لِأَنَّهُ كالحاضر بِخِلَاف مَا فَوق ذَلِك لطول الْمدَّة وَلَا تَنْفَسِخ الْكِتَابَة من السَّيِّد أَو الْمكَاتب بجنون وَلَا إِغْمَاء وَلَا بِحجر سفه لِأَن اللَّازِم من أحد طَرفَيْهِ لَا يَنْفَسِخ بِشَيْء من ذَلِك كَالرَّهْنِ وَيقوم ولي السَّيِّد الَّذِي جن أَو حجر عَلَيْهِ مقَامه فِي قبض وَيقوم الْحَاكِم مقَام الْمكَاتب الَّذِي جن أَو حجر عَلَيْهِ فِي أَدَاء إِن وجد لَهُ مَالا وَلم يَأْخُذهُ السَّيِّد اسْتِقْلَالا وَثبتت الْكِتَابَة وَحل النَّجْم وَحلف السَّيِّد على اسْتِحْقَاقه
قَالَ الْغَزالِيّ وَرَأى لَهُ مصلحَة فِي الْحُرِّيَّة فَإِن رأى أَنه يضيع إِذا أَفَاق لم يؤد قَالَ الشَّيْخَانِ وَهَذَا حسن فَإِن اسْتَقل السَّيِّد بِالْأَخْذِ عتق لحُصُول الْقَبْض الْمُسْتَحق وَلَو جنى الْمكَاتب على سَيّده لزمَه قَود أَو أرش بَالغا مَا بلغ لِأَن وَاجِب جِنَايَته عَلَيْهِ لَا تعلق لَهُ بِرَقَبَتِهِ مِمَّا مَعَه وَمِمَّا يكسبه لِأَنَّهُ مَعَه كَالْأَجْنَبِيِّ فَإِن لم يكن مَعَه مَا يَفِي بذلك فللسيد أَو الْوَارِث تعجيزه دفعا للضَّرَر عَنهُ أَو جنى على أَجْنَبِي لزمَه قَود أَو الْأَقَل من قِيمَته وَالْأَرْش لِأَنَّهُ يملك تعجيز نَفسه وَإِذا عجزها فَلَا مُتَعَلق إِلَّا الرَّقَبَة وَفِي إِطْلَاق الْأَرْش على دِيَة النَّفس تَغْلِيب فَإِن لم يكن مَعَه مَال يَفِي بِالْوَاجِبِ عَجزه الْحَاكِم بِطَلَب الْمُسْتَحق وَبيع بِقدر الْأَرْش إِن زَادَت قِيمَته عَلَيْهِ وَبقيت الْكِتَابَة فِيمَا بَقِي وَإِلَّا بيع كُله وَللسَّيِّد فداؤه بِأَقَلّ الْأَمريْنِ من قِيمَته وَالْأَرْش فَيبقى مكَاتبا وعَلى الْمُسْتَحق قبُول الْفِدَاء وَلَو أعْتقهُ أَو أَبرَأَهُ بعد الْجِنَايَة عتق وَلَزِمَه الْفِدَاء لِأَنَّهُ فَوت مُتَعَلق حق الْمَجْنِي عَلَيْهِ وَلَو قتل الْمكَاتب بِطَلَب الْكِتَابَة
وَمَات رَقِيقا لفَوَات محلهَا ولسيده قَود على قَاتله إِن أوجبت الْجِنَايَة قودا وَإِلَّا فَالْقيمَة لَهُ
(وللمكاتب) بِفَتْح الْمُثَنَّاة (التَّصَرُّف فِيمَا فِي يَده من المَال) الْحَاصِل من كَسبه بِمَا لَا تبرع فِيهِ وَلَا خطر كَبيع وَشِرَاء وَإِجَارَة أما مَا فِيهِ تبرع كصدقة أَو خطر كقرض وَبيع نَسِيئَة وَإِن استوثق برهن أَو كَفِيل فَلَا بُد فِيهِ من إِذن سَيّده نعم مَا تصدق بِهِ عَلَيْهِ من نَحْو لحم وخبز مِمَّا الْعَادة فِيهِ أكله وَعدم بَيْعه لَهُ إهداؤه كَغَيْرِهِ على النَّص فِي الْأُم وَله شِرَاء من يعْتق عَلَيْهِ بِإِذن سَيّده وَإِذا اشْتَرَاهُ بِإِذْنِهِ تبعه رقا وعتقا وَلَا يَصح إِعْتَاقه عَن نَفسه وكاابته وَلَو بِإِذن سَيّده لتضمنهما الْوَلَاء وَلَيْسَ من أَهله كَمَا علم مِمَّا مر
(و) يجب (على السَّيِّد أَن يضع) أَي يحط عَنهُ أَي مكَاتبه (من مَال الْكِتَابَة) الصَّحِيحَة
(مَا) أَي أقل مُتَمَوّل أَو يَدْفَعهُ لَهُ من جنس مَال الْكِتَابَة
وَإِن كَانَ من غَيره جَازَ والحط أَو الدّفع قبل الْعتْق
(يَسْتَعِين بِهِ) على الْعتْق قَالَ تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ من مَال الله الَّذِي آتَاكُم﴾ فسر الإيتاء بِمَا ذكر لِأَن الْقَصْد مِنْهُ الْإِعَانَة على الْعتْق وَخرج بالصحيحة الْفَاسِدَة فَلَا شَيْء فِيهَا من ذَلِك
وَاسْتثنى من لُزُوم الإيتاء مَا لَو كَاتبه فِي مرض مَوته وَهُوَ ثلث مَاله وَمَا لَو كَاتبه على مَنْفَعَة والحط أولى من الدّفع لِأَن الْقَصْد بالحط الْإِعَانَة على الْعتْق وَهِي مُحَققَة فِيهِ موهومة فِي الدّفع إِذْ قد يصرف الْمَدْفُوع فِي جِهَة أُخْرَى وَكَون كل من الْحَط وَالدَّفْع فِي النَّجْم الْأَخير أولى مِنْهُ
فِيمَا قبله لِأَنَّهُ أقرب إِلَى الْعتْق وَكَونه ربع النُّجُوم أولى من غَيره فَإِن لم تسمح بِهِ نَفسه فسبعة أولى
روى حط الرّبع
النَّسَائِيّ وَغَيره وَحط السَّبع مَالك عَن ابْن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا وَيحرم على السَّيِّد التَّمَتُّع بمكاتبته لاختلال ملكه فِيهَا وَيجب لَهَا بِوَطْئِهِ مهرهَا
وَلَا حد عَلَيْهِ لِأَنَّهَا ملكه وَالْولد حر وَلَا يجب عَلَيْهِ قِيمَته لانعقاده حرا وَصَارَت بِالْوَلَدِ مُسْتَوْلدَة مُكَاتبَة وَولد الْمُكَاتبَة الرَّقِيق الْحَادِث بعد الْكِتَابَة يتبعهَا رقا وعتقا وَحقّ الْملك فِيهِ للسَّيِّد فَلَو قتل فَقيمته لَهُ ويمونه من أرش
стр. 653
جِنَايَة عَلَيْهِ وَكَسبه ومهره وَمَا فضل وقف فَإِن عتق فَلهُ وَإِلَّا فلسيده وَلَو أَتَى الْمكَاتب بِمَال فَقَالَ سَيّده هَذَا حرَام وَلَا بَيِّنَة صدق الْمكَاتب بِيَمِينِهِ
وَيُقَال للسَّيِّد حِينَئِذٍ خُذْهُ أَو تبرئه عَن قدره فَإِن ابى قَبضه القَاضِي عَنهُ فَإِن نكل عَن الْحلف حلف سَيّده نعم لَو كَاتبه على لحم فجَاء بِهِ فَقَالَ السَّيِّد هَذَا غير مذكى صدق بِيَمِينِهِ
لِأَن الأَصْل عدم التذكية وللمكاتب شِرَاء الْإِمَاء للتِّجَارَة لَا تزوج إِلَّا بِإِذن سَيّده وَلَا وَطْء أمته وَإِن أذن لَهُ سَيّده
فَإِن خَالف ووطىء فَلَا حد عَلَيْهِ لشُبْهَة الْملك وَالْولد نسيب فَإِن وَلدته قبل عتق أَبِيه أَو بعده لدوّنَ سِتَّة أشهر من الْعتْق تبعه رقا وعتقا وَهُوَ مَمْلُوك لِأَبِيهِ يمْتَنع بَيْعه وَلَا تصير أمه أم ولد لِأَنَّهَا علقت بمملوك وَإِن وَلدته لسِتَّة أشهر فَأكْثر من الْعتْق وَوَطئهَا مَعَ الْعتْق مُطلقًا أَو بعده فِي صُورَة الْأَكْثَر وولدته لسِتَّة أشهر فَأكْثر من الْوَطْء فَهِيَ أم ولد وَلَو عجل الْمكَاتب النُّجُوم أَو بَعْضهَا قبل محلهَا لم يجْبر السَّيِّد على قبضهَا وَإِن امْتنع مِنْهُ لغَرَض كمؤنة حفظه وَإِلَّا أجبر على الْقَبْض
فَإِن أَبى قَبضه القَاضِي عَنهُ وَعتق الْمكَاتب وَلَو عجل بعض النُّجُوم ليبرئه من الْبَاقِي فَقبض وأبرأه بطلا وَلَا يَصح بيع النُّجُوم وَلَا الِاعْتِيَاض عَنْهَا من الْمكَاتب وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَمد وَإِن جرى بعض الْمُتَأَخِّرين على خِلَافه وَلَو بَاعَ السَّيِّد النُّجُوم وَأدّى الْمكَاتب النَّجْم إِلَى المُشْتَرِي لم يعْتق وَيُطَالب السَّيِّد الْمكَاتب وَالْمكَاتب المُشْتَرِي بِمَا أَخذه وَلَا يَصح بيع رَقَبَة الْمُكَاتبَة كِتَابَة صَحِيحَة فِي الْجَدِيد لِأَن البيع لَا يرفع الْكِتَابَة للزومها من جِهَة السَّيِّد فَيبقى مُسْتَحقّ الْعتْق فَلم يَصح بَيْعه كالمستولدة هَذَا إِذا لم يرض الْمكَاتب البيع فَإِن رَضِي بِهِ جَازَ
وَكَانَ رِضَاهُ فسخا كَمَا جزم بِهِ القَاضِي حُسَيْن فِي تعاليقه لِأَن الْحق لَهُ وَقد رَضِي بإبطاله وهبته كَبَيْعِهِ وَلَيْسَ للسَّيِّد بيع مَا فِي يَد مكَاتبه وَلَا إِعْتَاق عَبده وَلَا تَزْوِيج أمته وَلَا التَّصَرُّف فِي شَيْء مِمَّا فِي يَده لِأَنَّهُ مَعَه كَالْأَجْنَبِيِّ وَلَو قَالَ رجل مثلا للسَّيِّد أعتق مكاتبك على كَذَا كألف فَفعل عتق وَلَزِمَه مَا الْتزم كَمَا لَو قَالَ أعتق مستولدتك على كَذَا وَهُوَ بِمَنْزِلَة فك الْأَسير هَذَا إِذا قَالَ أعْتقهُ وَأطلق أما إِذا قَالَ أعْتقهُ عني على كَذَا فَإِنَّهُ لم يعْتق عَن السَّائِل وَيعتق عَن الْمُعْتق فِي الْأَصَح وَلَا يسْتَحق المَال (وَلَا يعْتق) شَيْء من الْمكَاتب (إِلَّا بعد أَدَاء جَمِيع المَال) الْبَاقِي (بعد الْقدر الْمَوْضُوع عَنهُ) فَلَو لم يضع سَيّده عَنهُ شَيْئا وَبَقِي عَلَيْهِ من النُّجُوم الْقدر الْوَاجِب حطه أَو إيتاؤه لم يعْتق مِنْهُ شَيْء لِأَن هَذَا الْقدر لم يسْقط عَنهُ وَلَا يحصل التَّقَاصّ كَمَا قَالَه فِي الرَّوْضَة
قَالَ لِأَن للسَّيِّد أَن يؤتيه من غَيره وَلَيْسَ للسَّيِّد تعجيزه لِأَن لَهُ عَلَيْهِ مثله لَكِن يرفعهُ الْمكَاتب للْحَاكِم حَتَّى يرى رَأْيه ويفصل الْأَمر بَينهمَا اه
تَنْبِيه قَضِيَّة تَقْيِيد المُصَنّف بِالْأَدَاءِ قصر الحكم عَلَيْهِ وَلَيْسَ مرَادا بل يعْتق بِالْإِبْرَاءِ من النُّجُوم أَيْضا كَمَا قَالَه فِي الرَّوْضَة وبالحوالة بِهِ وَلَا تصح الْحِوَالَة عَلَيْهِ وَعلم من تَقْيِيده بِالْجَمِيعِ أَنه لَو بَقِي من الْقدر الْبَاقِي شَيْء وَلَو درهما فَأَقل لم يعْتق مِنْهُ شَيْء وَهُوَ كَذَلِك لقَوْله ﷺ الْمكَاتب قن مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم وَالْمعْنَى فِيهِ أَنه إِن كَانَ الْمُغَلب فِيهِ الْعتْق بِالصّفةِ فَلَا يعْتق قبل استكمالها وَإِن كَانَ الْمُغَلب فِيهِ الْمُعَاوضَة فكالبيع فَلَا يجب تَسْلِيمه إِلَّا بعد قبض جَمِيع ثمنه
تَتِمَّة فِي الْفرق بَين الْكِتَابَة الْبَاطِلَة والفاسدة وَمَا تشارك فِيهِ الْفَاسِدَة الصَّحِيحَة وَمَا تخالفها فِيهِ وَغير ذَلِك الْبَاطِلَة مَا اختلت صِحَّتهَا باختلال ركن من أَرْكَانهَا ككون أحد الْمُتَعَاقدين صَبيا أَو مَجْنُونا أَو مكْرها أَو عقدت بِغَيْر مَقْصُود كَدم وَهِي ملغاة إِلَّا فِي تَعْلِيق مُعْتَبر بِأَن يَقع مِمَّن يَصح تَعْلِيقه فَلَا تلغى فِيهِ
والفاسدة مَا اختلت صِحَّتهَا بِكِتَابَة بعض رَقِيق أَو فَسَاد شَرط كَشَرط أَن يَبِيعهُ كَذَا أَو فَسَاد عوض كخمر أَو فَسَاد أجل كنجم وَاحِد وَهِي كالصحيحة فِي اسْتِقْلَال الْمكَاتب بِكَسْبِهِ وَفِي أَخذ أرش جِنَايَة عَلَيْهِ وَفِي أَنه يعْتق بِالْأَدَاءِ لسَيِّده وَفِي أَنه يتبعهُ إِذا عتق كَسبه وكالتعليق بِصفة فِي أَنه لَا يعْتق بِغَيْر أَدَاء الْمكَاتب كإبرائه أَو أَدَائِهِ غَيره عَنهُ مُتَبَرعا وَفِي أَن كِتَابَته تبطل بِمَوْت سَيّده قبل الْأَدَاء وَفِي أَنه تصح الْوَصِيَّة بِهِ وَفِي أَنه لَا يصرف لَهُ سهم المكاتبين وَفِي صِحَة إِعْتَاقه عَن الْكَفَّارَة وتمليكه وَمنعه من السّفر وَجَوَاز وَطْء الْأمة
وكل من الصَّحِيحَة والفاسدة عقد مُعَاوضَة لَكِن الْمُغَلب فِي الأولى معنى الْمُعَاوضَة وَفِي الثَّانِيَة معنى التَّعْلِيق وَالْبَاطِل وَالْفَاسِد عندنَا سَوَاء إِلَّا فِي مَوَاضِع يسير مِنْهَا الْحَج وَالْعَارِية وَالْخلْع وَالْكِتَابَة وتخالف الْكِتَابَة الْفَاسِدَة الصَّحِيحَة وَالتَّعْلِيق فِي أَن للسَّيِّد فَسخهَا بالْقَوْل وَفِي أَنَّهَا تبطل بِنَحْوِ إِغْمَاء السَّيِّد وَحجر سفه عَلَيْهِ وَفِي أَن الْمكَاتب يرجع عَلَيْهِ بِمَا أَدَّاهُ إِن بَقِي وببدله إِن تلف إِن كَانَ لَهُ قيمَة وَالسَّيِّد يرجع عَلَيْهِ بِقِيمَتِه وَقت الْعتْق
فَإِن اتَّحد وَاجِب السَّيِّد وَالْمكَاتب تقاصا وَلَو بِلَا رضَا وَيرجع صَاحب الْفضل بِهِ هَذَا إِذا كَانَا نقدين فَإِن كَانَا متقومين فَلَا تقاص أَو مثليين
стр. 654
ففيهما تَفْصِيل ذكرته فِي شرح الْمِنْهَاج وَغَيره مَعَ فَوَائِد مهمة لَا بَأْس بمراجعتها فَإِن هَذَا الْمُخْتَصر لَا يحْتَمل ذكرهَا وَلَو ادّعى رَقِيق كِتَابَة فَأنْكر سَيّده أَو وَارثه حلف الْمُنكر وَلَو اخْتلف السَّيِّد وَالْمكَاتب فِي قدر النُّجُوم أَو فِي قدر الْأَجَل وَلَا بَيِّنَة أَو لكل بَيِّنَة تحَالفا ثمَّ إِن لم يتَّفقَا على شَيْء فَسخهَا الْحَاكِم أَو المتحالفان أَو أَحدهمَا كَمَا فِي البيع وَلَو قَالَ السَّيِّد كاتبتك وَأَنا مَجْنُون أَو مَحْجُور عَليّ فَأنْكر الْمكَاتب صدق السَّيِّد بِيَمِينِهِ إِن عرف لَهُ مَا ادَّعَاهُ وَإِلَّا فالمكاتب وَلَو مَاتَ السَّيِّد وَالْمكَاتب مِمَّن يعْتق على الْوَارِث عتق عَلَيْهِ وَلَو ورث رجل زَوجته الْمُكَاتبَة أَو ورثت امْرَأَة زَوجهَا الْمكَاتب انْفَسَخ النِّكَاح لِأَن كلا مِنْهُمَا ملكه زوجه أَو بعضه
وَلَو اشْترى الْمكَاتب زَوجته أَو بِالْعَكْسِ وَانْقَضَت مُدَّة الْخِيَار أَو كَانَ الْخِيَار للْمُشْتَرِي انْفَسَخ النِّكَاح لِأَن كلا مِنْهُمَا ملك زوجه
فصل فِي أُمَّهَات الْأَوْلَاد
ختم المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى كِتَابه بِالْعِتْقِ رَجَاء أَن الله تَعَالَى يعتقهُ وقارئه وشارحه من النَّار
فنسأل الله تَعَالَى من فَضله وَكَرمه أَن يجيرنا ووالدينا ومشايخنا وَجَمِيع أهلنا ومحبينا مِنْهَا وَآخر هَذَا الْفَصْل لِأَنَّهُ عتق قهري مشوب بِقَضَاء أوطار وَأُمَّهَات بِضَم الْهمزَة وَكسرهَا مَعَ فتح الْمِيم وَكسرهَا وَأَصلهَا أمهة بِدَلِيل جمعهَا على ذَلِك قَالَه الْجَوْهَرِي
وَيُقَال فِي جمعهَا أَيْضا أمات وَقَالَ بَعضهم الْأُمَّهَات للنَّاس والأمات للبهائم وَقَالَ آخَرُونَ يُقَال فيهمَا أُمَّهَات وأمات لَكِن الأول أَكثر فِي النَّاس وَالثَّانِي أَكثر فِي غَيرهم وَيُمكن رد الأول إِلَى هَذَا
وَالْأَصْل فِي ذَلِك خبر أَيّمَا أمة ولدت من سَيِّدهَا فَهِيَ حرَّة عَن دبر مِنْهُ رَوَاهُ ابْن مَاجَه وَالْحَاكِم وَصحح إِسْنَاده
وَخبر الصَّحِيحَيْنِ عَن أبي مُوسَى قُلْنَا يَا رَسُول الله إِنَّا نأتي السبايا ونحب أَثْمَانهنَّ فَمَا ترى فِي الْعَزْل فَقَالَ مَا عَلَيْكُم أَن لَا تَفعلُوا مَا من نسمَة كائنة إِلَى يَوْم الْقِيَامَة إِلَّا وَهِي كائنة فَفِي قَوْلهم ونحب أَثْمَانهنَّ دَلِيل على أَن بيعهنَّ بالاستيلاد مُمْتَنع وَاسْتشْهدَ لذَلِك الْبَيْهَقِيّ بقول عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا لم يتْرك رَسُول الله ﷺ دِينَارا وَلَا درهما وَلَا عبدا وَلَا أمة
قَالَ فِيهِ دلَالَة على أَنه لم يتْرك أم إِبْرَاهِيم رقيقَة وَأَنَّهَا عتقت بِمَوْتِهِ
стр. 655
(وَإِذا أصَاب) أَي وطىء (السَّيِّد) الرجل الْحر كلا أَو بَعْضًا مُسلما كَانَ أَو كَافِرًا أَصْلِيًّا (أمته)
أَي بِأَن علقت مِنْهُ وَلَو سَفِيها أَو مَجْنُونا أَو مكْرها أَو أحبلها الْكَافِر حَال إسْلَامهَا قبل بيعهَا عَلَيْهِ بِوَطْء مُبَاح أَو محرم كَأَن تكون حَائِضًا أَو محرما لَهُ كأخته أَو مُزَوّجَة أَو باستدخال مَائه الْمُحْتَرَم فِي حَال حَيَاته (فَوضعت) حَيا أَو مَيتا أَو مَا يجب فِيهِ غرَّة وَهُوَ (مَا) أَي لحم (يتَبَيَّن) لكل أحد أَو لأهل الْخِبْرَة من القوابل (فِيهِ شَيْء من خلق آدَمِيّ) كمضغة فِيهَا صُورَة آدَمِيّ وَإِن لم تظهر إِلَّا لأهل الْخِبْرَة وَلَو من غير النِّسَاء وَجَوَاب إِذا (حرم عَلَيْهِ بيعهَا)
وَلَو مِمَّن تعْتق عَلَيْهِ أَو بِشَرْط الْعتْق أَو مِمَّن أقرّ بحريتها
(ورهنها وهبتها) مَعَ بطلَان ذَلِك أَيْضا لخَبر أُمَّهَات الْأَوْلَاد لَا يبعن وَلَا يوهبن وَلَا يورثن يسْتَمْتع بهَا سَيِّدهَا مَا دَامَ حَيا فَإِذا مَاتَ فَهِيَ حرَّة رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ وَقَالَ ابْن الْقطَّان رُوَاته
стр. 656
كلهم ثِقَات
وَقد قَامَ الْإِجْمَاع على عدم صِحَة بيعهَا واشتهر عَن عَليّ ﵁ أَنه خطب يَوْمًا على الْمِنْبَر فَقَالَ فِي أثْنَاء خطبَته اجْتمع رَأْي ورأي عمر على أَن أُمَّهَات الْأَوْلَاد لَا يبعن وَأَنا الْآن أرى بيعهنَّ فَقَالَ عُبَيْدَة السَّلمَانِي رَأْيك مَعَ رَأْي عمر
وَفِي رِوَايَة مَعَ الْجَمَاعَة أحب إِلَيْنَا من رَأْيك وَحدك
فَقَالَ اقضوا فِيهِ مَا أَنْتُم قاضون فَإِنِّي أكره أَن أُخَالِف الْجَمَاعَة فَلَو حكم حَاكم بِصِحَّة بيعهَا نقض حكمه لمُخَالفَته الْإِجْمَاع وَمَا كَانَ فِي بيعهَا من خلاف بَين الْقرن الأول فقد انْقَطع وَصَارَ مجمعا على مَنعه وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَن جَابر كُنَّا نبيع سرارينا أُمَّهَات الْأَوْلَاد وَالنَّبِيّ ﷺ حَيّ لَا يرى بذلك بَأْسا أُجِيب عَنهُ بِأَنَّهُ مَنْسُوخ وَبِأَنَّهُ مَنْسُوب إِلَى النَّبِي ﷺ اسْتِدْلَالا واجتهادا فَيقدم عَلَيْهِ مَا نسب إِلَيْهِ قولا ونصا وَهُوَ نَهْيه ﷺ عَن بيع أُمَّهَات الْأَوْلَاد كَمَا مر وَيسْتَثْنى من منع بيعهَا بيعهَا من نَفسهَا بِنَاء على أَنه عقد عتاقة وَهُوَ الْأَصَح وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ أَنه لَو بَاعهَا بَعْضهَا أَنه يَصح ويسري إِلَى بَاقِيهَا كَمَا لَو أعتق بعض رَقِيقه وَأَنه إِذا كَانَ السَّيِّد مبعضا أَنه لَا يَصح مِنْهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ من أهل الْوَلَاء وَهَذَا ظَاهر وَإِن لم أر من ذكره وَمحل الْمَنْع إِذا لم يرْتَفع الإيلاد فَإِن ارْتَفع بِأَن كَانَت كَافِرَة وَلَيْسَت لمُسلم وسبيت وَصَارَت قنة
فَإِنَّهُ يَصح جَمِيع التَّصَرُّفَات فِيهَا
وَكَذَا يَصح بيعهَا فِي صور مِنْهَا مُسْتَوْلدَة الرَّاهِن المقبض الْمُعسر تبَاع فِي الدّين وَمِنْهَا جَارِيَة التَّرِكَة الَّتِي تعلق بهَا دين إِذا اسْتَوْلدهَا الْوَارِث وَهُوَ مُعسر تبَاع فِي دين الْمَيِّت وَمِنْهَا مَا إِذا استولد الجانية جِنَايَة توجب مَالا مُتَعَلقا برقبتها وَهُوَ مُعسر تبَاع فِي دين الْجِنَايَة
وَمِنْهَا مَا إِذا استولد أمة العَبْد الْمَأْذُون لَهُ فِي التِّجَارَة وَهُوَ مُعسر تبَاع فِي دينه
وَقد ذكر فِي الرَّوْضَة هَذِه الصُّور الْأَرْبَع أَوَاخِر الْبَاب الْخَامِس من النِّكَاح وَقَالَ إِن الْملك إِذا عَاد فِي هَذِه الصُّور إِلَى الْمَالِك بعد البيع عَاد الِاسْتِيلَاد
اه
أما الصُّورَة الأولى وَهِي مَسْأَلَة السَّبي فَالَّذِي يظْهر فِيهَا أَنه لَا يعود الِاسْتِيلَاد إِذا عَادَتْ لمَالِكهَا بعد ذَلِك لأَنا أبطلناه بِالْكُلِّيَّةِ بِخِلَاف هَذِه الْمسَائِل وَيسْتَثْنى من نُفُوذ الِاسْتِيلَاد مَا لَو نذر التَّصَدُّق بِثمنِهَا ثمَّ اسْتَوْلدهَا فَإِنَّهُ يلْزمه بيعهَا وَالتَّصَدُّق بِثمنِهَا وَلَا ينفذ
стр. 657
استيلاده فِيهَا
وَمَا إِذا أوصى بِعِتْق جَارِيَة تخرج من الثُّلُث فالملك فِيهَا للْوَارِث
وَمَعَ ذَلِك لَو اسْتَوْلدهَا قبل إعْتَاقهَا لم ينفذ لإفضائه إِلَى إبِْطَال الْوَصِيَّة وَمَا إِذا اسْتكْمل الصَّبِي تسع سِنِين فوطىء أمته فَولدت لأكْثر من سِتَّة أشهر فَإِن الْوَلَد يلْحقهُ قَالُوا وَلَكِن لَا يحكم بِبُلُوغِهِ قَالَ البُلْقِينِيّ وَظَاهر كَلَامهم يَقْتَضِي أَنه لَا يثبت استيلاد وَالَّذِي صوبناه الحكم بِبُلُوغِهِ وَثُبُوت استيلاد أمته فعلى كَلَامهم تستثنى هَذِه الصُّورَة وعَلى مَا قُلْنَاهُ لَا اسْتثِْنَاء اه
وَالْمُعْتَمد الِاسْتِثْنَاء وَاخْتلف فِي نُفُوذ استيلاد الْمَحْجُور عَلَيْهِ بالفلس فرجح نُفُوذه ابْن الرّفْعَة وَتَبعهُ البُلْقِينِيّ وَرجح السُّبْكِيّ خِلَافه وَتَبعهُ الْأَذْرَعِيّ وَالزَّرْكَشِيّ ثمَّ قَالَ لَكِن سبق عَن الْحَاوِي وَالْغَزالِيّ النّفُوذ اه
وَكَونه كاستيلاد الرَّاهِن الْمُعسر أشبه من كَونه كَالْمَرِيضِ فَإِن من يَقُول بالنفوذ يُشبههُ بالمريض وَمن يَقُول بِعَدَمِهِ يُشبههُ بالراهن الْمُعسر وَخرج بِقَيْد الْحر كلا أَو بَعْضًا الْمكَاتب إِذا أحبل أمته ثمَّ مَاتَ رَقِيقا قبل الْعَجز أَو بعده فَلَا تعْتق بِمَوْتِهِ وبالماء الْمُحْتَرَم مَا إِذا كَانَ غير مُحْتَرم وَهُوَ الْخَارِج على وَجه محرم لَعنه كَالزِّنَا فَلَا يثبت بِهِ استيلاد وبحال الْحَيَاة مَا لَو استدخلت منيه الْمُنْفَصِل مِنْهُ فِي حَال حَيَاته بعد مَوته فَلَا يثبت بِهِ أُميَّة الْوَلَد لِأَنَّهَا بِالْمَوْتِ انْتَقَلت إِلَى ملك الْوَارِث وَيدخل فِي عِبَارَته أمته الَّتِي اشْتَرَاهَا بِشَرْط الْعتْق فَإِنَّهُ إِذا اسْتَوْلدهَا وَمَات قبل أَن يعتقها فَإِنَّهَا تعْتق بِمَوْتِهِ وَقد توهم عِبَارَته أَنه لَو أحبل الْجَارِيَة الَّتِي يملك بَعْضهَا أَنه لَا ينفذ بالاستيلاد فِيهَا وَلَيْسَ مرَادا بل يثبت الِاسْتِيلَاد فِي نصِيبه وَفِي الْكل إِن كَانَ مُوسِرًا كَمَا مر فِي الْعتْق (وَجَاز لَهُ) أَي السَّيِّد (التَّصَرُّف فِيهَا بالاستخدام) وَالْإِجَارَة والإعارة لبَقَاء ملكه عَلَيْهَا فَإِن قيل قد صرح الْأَصْحَاب بِأَنَّهُ لَا يجوز إِجَارَة الْأُضْحِية الْمعينَة كَمَا لَا يجوز بيعهَا إِلْحَاقًا للمنافع بالأعيان فَهَلا كَانَ هُنَا كَذَلِك كَمَا قَالَ بِهِ الإِمَام مَالك
أُجِيب بِأَن الْأُضْحِية خرج ملكه عَنْهَا
تَنْبِيه مَحل صِحَة إِجَارَتهَا إِذا كَانَ من غَيرهَا أما إِذا أجرهَا نَفسهَا فَإِنَّهُ لَا يَصح لِأَن الشَّخْص لَا يملك مَنْفَعَة نَفسه وَهل لَهَا أَن تستعير نَفسهَا من سَيِّدهَا قِيَاس مَا قَالُوهُ فِي الْحر إِنَّه لَو أجر نَفسه وَسلمهَا ثمَّ استعارها جَازَ أَنه هُنَا كَذَلِك وَلَو مَاتَ السَّيِّد بعد أَن أجرهَا انْفَسَخت الْإِجَارَة
فَإِن قيل لَو أعتق رَقِيقه الْمُؤَجّر لم تَنْفَسِخ فِيهِ الْإِجَارَة فَهَلا كَانَ هُنَا كَذَلِك أُجِيب بِأَن السَّيِّد فِي العَبْد لَا يملك مَنْفَعَة الْإِجَارَة فإعتاقه ينزل على مَا يملكهُ وَأم الْوَلَد ملكت نَفسهَا بِمَوْت سَيِّدهَا فانفسخت الْإِجَارَة
وَيُؤْخَذ من هَذَا أَنه لَو أجرهَا ثمَّ أحبلها ثمَّ مَاتَ لَا تَنْفَسِخ الْإِجَارَة فِي الْمُسْتَقْبل
وَهُوَ كَذَلِك وَله تَزْوِيجهَا بِغَيْر إِذْنهَا لبَقَاء ملكه عَلَيْهَا وعَلى مَنَافِعهَا
(و) لَهُ (الْوَطْء) لأم وَلَده بِالْإِجْمَاع وَلِحَدِيث الدَّارَقُطْنِيّ الْمُتَقَدّم هَذَا إِذا لم يحصل هُنَاكَ مَانع مِنْهُ والموانع كَثِيرَة فَمِنْهَا مَا لَو أحبل الْكَافِر أمته الْمسلمَة أَو أحبل الشَّخْص أمته الْمُحرمَة عَلَيْهِ بِنسَب أَو رضَاع أَو مصاهرة وَمَا لَو أولد مُكَاتبَته وَمَا لَو أولد الْمبعض أمته
(وَإِذا مَاتَ السَّيِّد) وَلَو بقتلها لَهُ بِقصد الاستعجال (عتقت) بِلَا خلاف لما مر من الْأَدِلَّة وَلما روى الْبَيْهَقِيّ عَن ابْن
стр. 658
عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه قَالَ أم الْوَلَد أعْتقهَا وَلَدهَا أَي أثبت لَهَا حق الْحُرِّيَّة وَلَو كَانَ سقطا وَهَذَا أحد الصُّور المستثناة من الْقَاعِدَة الْمَعْرُوفَة وَهِي من استعجل بِشَيْء قبل أَوَانه عُوقِبَ بحرمانه وعتقها (من رَأس مَاله) لقَوْله ﷺ أعْتقهَا وَلَدهَا وَسَوَاء أحبلها أم أعْتقهَا فِي الْمَرَض أم لَا أَو أوصى بهَا من الثُّلُث أم لَا بِخِلَاف مَا لَو أوصى بِحجَّة الْإِسْلَام فَإِن الْوَصِيَّة بهَا تحسب من الثُّلُث لِأَن هَذَا إِتْلَاف حصل بالاستمتاع فَأشبه إِنْفَاق المَال فِي اللَّذَّات والشهوات وَيبدأ بِعتْقِهَا
(قبل) قَضَاء (الدُّيُون) وَلَو لله تَعَالَى كالكفارة (والوصايا) وَلَو لجِهَة عَامَّة كالفقراء (وَوَلدهَا) الْحَاصِل قبل الِاسْتِيلَاد من زنا أَو من زوج لَا يعتقون بِمَوْت السَّيِّد وَله بَيْعه وَالتَّصَرُّف فِيهِ بِسَائِر التَّصَرُّفَات لحدوثه قبل ثُبُوت الْحُرِّيَّة للْأُم بِخِلَاف الْوَلَد الْحَاصِل بعد الِاسْتِيلَاد
(من غَيره) بِنِكَاح أَو غَيره فَإِنَّهُ (بمنزلتها) فِي منع التَّصَرُّف فِيهِ بِمَا يمْتَنع عَلَيْهِ التَّصَرُّف بِهِ فِيهَا وَيجوز لَهُ استخدامه وإجارته وإجباره على النِّكَاح إِن كَانَ أُنْثَى لَا إِن كَانَ ذكرا وعتقه بِمَوْت السَّيِّد
وَإِن كَانَت أمه قد مَاتَت فِي حَيَاة السَّيِّد كَمَا قَالَه فِي الرَّوْضَة لِأَن الْوَلَد يتبع أمه رقا وحرية فَكَذَا فِي سَببه اللَّازِم وَلِأَنَّهُ حق اسْتَقر لَهُ فِي حَيَاة أمه فَلم يسْقط بموتها وَلَو أعتق السَّيِّد مستولدته لم يعْتق وَلَدهَا
وَلَيْسَ لَهُ وَطْء بنت مستولدته
وَعلل ذَلِك بحرمتها بِوَطْء أمهَا وَهُوَ جري على الْغَالِب فَإِن استدخال الْمَنِيّ الَّذِي يثبت بِهِ الِاسْتِيلَاد كَذَلِك فَلَو وَطئهَا هَل تصير مُسْتَوْلدَة كَمَا لَو كَاتب ولد الْمُكَاتبَة فَإِنَّهُ يصير مكَاتبا أَو لَا يَنْبَغِي أَن يصير وَفَائِدَته الْحلف وَالتَّعْلِيق
تَنْبِيه سكت المُصَنّف عَن أَوْلَاد أَوْلَاد الْمُسْتَوْلدَة
وَلم أر من تعرض لَهُم وَالظَّاهِر أخذا من كَلَامهم أَنهم إِن كَانُوا من أَوْلَادهَا الْإِنَاث فحكمهم حكم أَوْلَادهَا أَو من الذكوره فَلَا لِأَن الْوَلَد يتبع الْأُم رقا وحرية وَلَو ادَّعَت الْمُسْتَوْلدَة أَن هَذَا الْوَلَد حدث بعد الِاسْتِيلَاد أَو بعد موت السَّيِّد فَهُوَ حر
وَأنكر الْوَارِث ذَلِك وَقَالَ بل حدث قبل الِاسْتِيلَاد فَهُوَ قن صدق بِيَمِينِهِ بِخِلَاف مَا لَو كَانَ فِي يَدهَا مَال وَادعت أَنَّهَا اكتسبته بعد موت السَّيِّد وَأنكر الْوَارِث فَإِنَّهَا المصدقة لِأَن الْيَد لَهَا فترجح بِخِلَافِهَا فِي الأولى فَإِنَّهَا تَدعِي حُرِّيَّته وَالْحر لَا يدْخل تَحت الْيَد (وَمن أصَاب) أَي وَطْء (أمة غَيره بِنِكَاح) لَا غرور فِيهِ بحريّة أَو زنا (فولده مِنْهَا) حِينَئِذٍ (مَمْلُوك لسَيِّدهَا) بِالْإِجْمَاع لِأَنَّهُ يتبع الْأُم فِي الرّقّ وَالْحريَّة أما إِذا غر بحريّة أمه فنكحها وأولدها فَالْوَلَد حر كَمَا ذكره الشَّيْخَانِ فِي بَاب الْخِيَار والإعفاف
وَكَذَا إِذا نَكَحَهَا بِشَرْط أَن أَوْلَادهَا الحادثين مِنْهُ أَحْرَار فَإِنَّهُ يَصح الشَّرْط وَمَا حدث لَهُ مِنْهَا من ولد فَهُوَ حر كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَام الْقُوت فِي بَاب الصَدَاق
تَنْبِيه لَو نكح حر جَارِيَة أَجْنَبِي ثمَّ ملكهَا ابْنه أَو تزوج رَقِيق جَارِيَة ابْنه ثمَّ عتق لم يَنْفَسِخ النِّكَاح لِأَن الأَصْل فِي النِّكَاح الثَّبَات والدوام فَلَو اسْتَوْلدهَا الْأَب بعد عتقه فِي الثَّانِيَة وَملك ابْنه لَهَا فِي الأولى لم ينفذ استيلادها لِأَنَّهُ رَضِي برق وَلَده حِين نَكَحَهَا
وَلِأَن النِّكَاح حَاصِل مُحَقّق فَيكون واطئا بِالنِّكَاحِ لَا بِشُبْهَة الْملك بِخِلَاف مَا إِذا لم يكن نِكَاح كَمَا جرى على ذَلِك الشَّيْخَانِ فِي بَاب النِّكَاح وَلَو ملك الْمكَاتب زَوْجَة سَيّده الْأمة انْفَسَخ نِكَاحه (فَإِن أَصَابَهَا) أَي وَطئهَا لَا بِنِكَاح بل (بِشُبْهَة) مِنْهُ كَأَن ظَنّهَا أمته أَو زَوجته الْحرَّة (فولده مِنْهَا) حِينَئِذٍ (حر نسيب) بِلَا خلاف اعْتِبَارا بظنه
(و) لَكِن (عَلَيْهِ) فِي هَذِه الْحَالة (قِيمَته) وَقت وِلَادَته بِأَن يقدر رَقِيقا فَمَا بلغت قِيمَته دَفعه (للسَّيِّد) لتفويته الرّقّ عَلَيْهِ بظنه أما إِذا ظَنّهَا زَوجته الْأمة فَالْوَلَد رَقِيق للسَّيِّد اعْتِبَارا بظنه وَإِطْلَاق المُصَنّف ينزل على هَذَا التَّفْصِيل كَمَا نزلنَا عَلَيْهِ عبارَة الْمِنْهَاج فِي شَرحه إِذْ هُوَ الْمَذْكُور فِي الرَّوْضَة وَغَيرهَا
وَلَو أفْصح بِهِ كَانَ أولى وَلَو تزوج شخص بحرة وَأمة بِشَرْطِهِ فوطىء الْأمة يَظُنهَا الْحرَّة فالأشبه أَن الْوَلَد حر كَمَا فِي أمة الْغَيْر يَظُنهَا زَوجته الْحرَّة
تَنْبِيه أطلق المُصَنّف الشُّبْهَة وَمُقْتَضى تَعْلِيلهم شُبْهَة الْفَاعِل فَتخرج شُبْهَة الطَّرِيق الَّتِي أَبَاحَ الْوَطْء بهَا عَالم فَلَا يكون الْوَلَد بهَا حرا كَأَن تزوج شَافِعِيّ أمة وَهُوَ مُوسر وَبَعض الْمذَاهب يرى بِصِحَّتِهِ فَيكون الْوَلَد رَقِيقا وَكَذَا لَو أكره على أمة الْغَيْر كَمَا قَالَه الزَّرْكَشِيّ
стр. 659
(وَإِن ملك) الواطىء بِالنِّكَاحِ (الْأمة الْمُطلقَة) مِنْهُ (بعد ذَلِك) أَي بعد وِلَادَتهَا من النِّكَاح (لم تصر أم ولد) بِمَا وَلدته مِنْهُ (بِالْوَطْءِ فِي النِّكَاح) لكَونه رَقِيقا لِأَنَّهَا علقت بِهِ فِي غير ملك الْيَمين
وَالِاسْتِيلَاد إِنَّمَا يثبت تبعا لحرية الْوَلَد كَمَا قَالَه فِي الرَّوْضَة
تَنْبِيه تَقْيِيد المُصَنّف بالمطلقة لَا معنى لَهُ بل قد يُوهم قصر الحكم عَلَيْهِ وَلَيْسَ مرَادا فَإِنَّهُ إِذا ملكهَا فِي نِكَاحه بعد الْولادَة كَانَ الحكم كَذَلِك بِلَا فرق
وَكَذَلِكَ إِذا ملكهَا فِي نِكَاحه حَامِلا لم تصر أم ولد
لَكِن يعْتق عَلَيْهِ وَلَده إِن وَضعته لدوّنَ أقل مُدَّة الْحمل من الْملك أَو دون أَكْثَره من حِين وَطْء بعد الْملك فَإِن وَضعته بعد الْملك لدوّنَ أَقَله من الْوَطْء فَيحكم بِحُصُول علوقه فِي ملكه وَإِن أمكن كَونه سَابِقًا عَلَيْهِ كَمَا قَالَه الصيدلاني وَأقرهُ فِي الرَّوْضَة
فَلَو حذف المُصَنّف لفظ الْمُطلقَة لَكَانَ أولى وأشمل
(وَصَارَت) أَي الْأمة الَّتِي ملكهَا (أم ولد) بِمَا وَلدته مِنْهُ (بِالْوَطْءِ بِالشُّبْهَةِ) المقرونة بظنه (على أحد الْقَوْلَيْنِ) وَهُوَ الْمَرْجُوح لِأَنَّهَا علقت مِنْهُ بَحر والعلوق بِالْحرِّ سَبَب للحرية بِالْمَوْتِ
وَالْقَوْل الثَّانِي وَهُوَ الْأَظْهر كَمَا فِي الْمِنْهَاج وَغَيره لَا تصير أم ولد لِأَنَّهَا علقت بِهِ فِي غير ملكه فَأشبه مَا لَو علقت بِهِ فِي النِّكَاح
تَنْبِيه مَحل الْخلاف فِي الْحر أما إِذا وطىء العَبْد جَارِيَة غَيره بِشُبْهَة ثمَّ عتق ثمَّ ملكهَا فَإِنَّهَا لَا تصير أم ولد بِلَا خلاف لِأَنَّهُ لم ينْفَصل من حر
خَاتِمَة لَو أولد السَّيِّد أمة مُكَاتبَة ثَبت فِيهَا الِاسْتِيلَاد وَلَو أولد الْأَب الْحر أمة ابْنه الَّتِي لم يستولدها ثَبت فِيهَا الِاسْتِيلَاد وَإِن كَانَ الْأَب مُعسرا أَو كَافِرًا وَإِنَّمَا لم يخْتَلف الحكم هُنَا باليسار والإعسار كَمَا فِي الْأمة الْمُشْتَركَة لِأَن الإيلاد هُنَا إِنَّمَا ثَبت لحُرْمَة الْأُبُوَّة وشبهة الْملك وَهَذَا الْمَعْنى لَا يخْتَلف بذلك وَلَو أولد الشَّرِيك الْأمة الْمُشْتَركَة فَإِن كَانَ مُعسرا ثَبت الِاسْتِيلَاد فِي نصِيبه خَاصَّة وَإِن كَانَ مُوسِرًا بِحِصَّة شَرِيكه ثَبت الِاسْتِيلَاد فِي جَمِيعهَا كَمَا مرت الْإِشَارَة إِلَيْهِ وَكَذَا الْأمة الْمُشْتَركَة بَين فرع الواطىء وأجنبي إِذا كَانَ الأَصْل مُوسِرًا وَلَو أولد الْأَب الْحر مُكَاتبَة وَلَده هَل ينفذ استيلاده لِأَن الْكِتَابَة تقبل الْفَسْخ أَو لَا لِأَن الْكِتَابَة لَا تقبل النَّقْل
وَجْهَان أوجههمَا كَمَا جزم بِهِ الْقفال الأول وَلَو أولد أمة وَلَده الْمُزَوجَة نفذ إيلاده كإيلاد السَّيِّد لَهَا وَحرمت على الزَّوْج مُدَّة الْحمل
وَجَارِيَة بَيت المَال كجارية الْأَجْنَبِيّ فَيحد واطئها وَإِن أولدها فَلَا نسب وَلَا استيلاد وَإِن ملكهَا بعد سَوَاء أَكَانَ فَقِيرا أم لَا لِأَن الإعفاف لَا يجب فِي بَيت المَال
وَلَو شهد اثْنَان على إِقْرَار سيد الْأمة بإيلادها وَحكم بِهِ ثمَّ رجعا عَن شَهَادَتهمَا لم يغرما شَيْئا لِأَن الْملك بَاقٍ فِيهَا وَلم يفوتا إِلَّا سلطنة البيع وَلَا قيمَة لَهَا بانفرادها وَلَيْسَ كإباق العَبْد من يَد غاصبه فَإِنَّهُ فِي عُهْدَة ضَمَان يَده حَتَّى يعود إِلَى مُسْتَحقّه فَإِن مَاتَ السَّيِّد غرما للْوَارِث لِأَن هَذِه الشَّهَادَة لَا تنحط عَن الشَّهَادَة بتعليق الْعتْق وَلَو شَهدا بتعليقه فَوجدت الصّفة وَحكم بِعِتْقِهِ ثمَّ رجعا غرما وَحكى الرَّافِعِيّ قبيل الصَدَاق عَن فَتَاوَى الْبَغَوِيّ وَأقرهُ أَن الزَّوْج إِذا كَانَ يظنّ أَن أم الْوَلَد
стр. 660
حرَّة فَالْوَلَد حر وَعَلِيهِ قِيمَته للسَّيِّد وَلَو عجز السَّيِّد عَن نَفَقَة أم الْوَلَد أجبر على تخليتها لتكتسب وتنفق على نَفسهَا أَو على إيجارها وَلَا يجْبر على عتقهَا وتزويجها
كَمَا لَا يرفع ملك الْيَمين بِالْعَجزِ عَن الِاسْتِمْتَاع فَإِن عجزت عَن الْكسْب فنفقتها فِي بَيت المَال وَالله أعلم
قَالَ المُصَنّف رَحمَه الله تَعَالَى هَذَا آخر مَا يسره الله من الْإِقْنَاع فِي حل أَلْفَاظ أبي شُجَاع فدونك مؤلفا موضح الْمسَائِل مُحَرر الدَّلَائِل فَلَو كَانَ لَهُ نفس ناطقة ولسان منطلقة لقَالَ بمقال صَرِيح وَكَلَام فصيح لله در مؤلف هَذَا التَّأْلِيف الرَّائِق النفيس وَلَا شلت يدا مُصَنف هَذَا التصنيف الْفَائِق النفيس وَهَذَا الْمُؤلف لَا بُد أَن يَقع لأحد رجلَيْنِ إِمَّا عَالم محب منصف فَيشْهد لي بِالْخَيرِ ويعذرني فِيمَا عَسى يجده من العثار الَّذِي هُوَ لَازم الْإِكْثَار
وَإِمَّا جَاهِل مبغض متعسف فَلَا اعْتِبَار بوعوعته وَلَا اعْتِدَاد بوسوسته وَمثله لَا يعبأ بموافقته وَلَا مُخَالفَته وَإِنَّمَا الِاعْتِبَار بِذِي النّظر الَّذِي يُعْطي كل ذِي حق حَقه
إِذا رضيت عني كرام عشيرتي فَلَا زَالَ غضبانا عَليّ لثامها فَإِن ظَفرت بفائدة شاردة فَادع لي بِحسن الخاتمة وَإِن ظَفرت بعثرة قلم فَادع لي بالتجاوز وَالْمَغْفِرَة والعذر عِنْد خِيَار النَّاس مَقْبُول واللطف من شيم السادات مأمول
стр. 661
وَأَنا أسأَل الله تَعَالَى أَن يَجعله لوجهه خَالِصا وَأَن يَنْفَعنِي بِهِ حِين يكون الظل فِي الْآخِرَة قالصا وَأَن يصب عَلَيْهِ قبُول الْقبُول فَإِنَّهُ أكْرم مسؤول وأعز مأمول ونختم هَذَا الشَّرْح بِمَا ختم بِهِ الرَّافِعِيّ كِتَابه الْمُحَرر بقوله اللَّهُمَّ كَمَا ختمنا بِالْعِتْقِ كتَابنَا نرجو أَن تعْتق من النَّار رقابنا وَأَن تجْعَل إِلَى الْجنَّة مآبنا وَأَن تسهل عِنْد سُؤال الْملكَيْنِ جَوَابنَا وَإِلَى رضوانك إيابنا اللَّهُمَّ بِفَضْلِك حقق رجاءنا وَلَا تخيب دعاءنا بِرَحْمَتك يَا أرْحم الرَّاحِمِينَ
انْتهى
وَصلى الله وعَلى سيدنَا مُحَمَّد وعَلى آله وَأَصْحَابه وأزواجه وَذريته وَأهل بَيته صَلَاة وَسلَامًا وائمين متلازمين وَسلم تَسْلِيمًا كثيرا إِلَى يَوْم الدّين
رَبنَا تقبل منا إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم وَتب علينا إِنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم وَاخْتِمْ لنا بِخَير أَجْمَعِينَ رَبنَا اغْفِر لنا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذين سبقُونَا بِالْإِيمَان وَلَا تجْعَل فِي قُلُوبنَا غلا للَّذين آمنُوا رَبنَا إِنَّك رؤوف رَحِيم وصل اللَّهُمَّ على سيدن مُحَمَّد وعَلى آله وَصَحبه وَسلم