Полный текст (3 585 стр.). Показаны 3536–3575 · переход к 3541.
стр. 3536
وَلَو مَاتَ الأبوان ثمَّ اتت إِحْدَى الْأُخْتَيْنِ فَنصف مِيرَاثهَا لأختها بِالنّسَبِ وَالنّصف الآخر بَين الْأَجْنَبِيّ وَالأُم لَو كَانَت حَيَّة لِأَنَّهُمَا معتقا الْأَب والآن فالأم ميتَة فنصيبها وَهُوَ الرّبع يجب أَن يكون لمعتقيها وهما الْأخْتَان الْحَيَّة وَالْميتَة فَيصْرف النّصْف إِلَى الْحَيَّة وَيبقى نصفه وَهُوَ الثّمن للميتة
وَالْقِيَاس أَن يصرف إِلَى من لَهُ وَلَاء الْميتَة وَهُوَ الْأَجْنَبِيّ وَالأُم ثمَّ قدر وَلَاء الْأُم يرجع إِلَى الْحَيَّة وَالْميتَة
ثمَّ قدر وَلَاء الْميتَة من الْأُم يرجع إِلَى الْأَجْنَبِيّ وَالأُم فيدور بنيهما الثّمن لَا ينْفَصل بل لَا يزَال يرجع مِنْهُ شَيْء إِلَى الْميتَة فَالصَّوَاب أَن يقسم المَال من سِتَّة ثَلَاثَة للْأُخْت بِالنّسَبِ وَالْبَاقِي بَين الْأَجْنَبِيّ وَبَينهمَا بِالْوَلَاءِ أَثلَاثًا للْأَجْنَبِيّ سَهْمَان وَلها سهم فَتحصل الْأُخْت على أَرْبَعَة أسْهم وَالْأَجْنَبِيّ على سَهْمَيْنِ وَغلط ابْن الْحداد فَقَالَ يصرف الثّمن إِلَى بَيت المَال لتعذر مصرفه وَهُوَ فَاسد لِأَنَّهُ كلما دَار رَجَعَ إِلَى الْأَجْنَبِيّ ضعف مَا يرجع إِلَى الْأُخْت فَيقسم كَذَلِك وَالله أعلم وَأحكم
стр. 3537
= كتاب التَّدْبِير=
стр. 3538
وَالنَّظَر فِي أَرْكَانه وَأَحْكَامه
الأول فِي الْأَركان وَهُوَ اثْنَان الصِّيغَة والأهل أما الْمحل فَلَا يخفى
الرُّكْن الأول الصِّيغَة وَهِي أَن يَقُول إِذا مت فَأَنت حر أَو دبرتك أَو أَنْت مُدبر وَحكمه أَنه يعْتق إِن وَفِي الثُّلُث بِهِ بعد قَضَاء الدُّيُون وَفِيه مسَائِل
الأولى أَن لفظ التَّدْبِير صَرِيح نَص عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مَشْهُور فِي اللُّغَة لهَذَا الْمَعْنى وَورد الشَّرْع بتقريره وَلَفظ الْكِتَابَة يفْتَقر إِلَى النِّيَّة لِأَن اللُّغَة لَا تجعلها صَرِيحًا فِي حكمهَا الشَّرْعِيّ وَقيل فِيهَا قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج وَهُوَ ضَعِيف
الثَّانِيَة التَّدْبِير الْمُقَيد كالمطلق وَهُوَ أَن يَقُول إِن مت من مرضِي هَذَا أَو قتلت فَأَنت حر وَلَو قَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت مُدبر لَا يصير مُدبرا مَا لم يدْخل الدَّار وَقد علق الْعتْق بصفتين وَلَو قَالَ إِن مت فَأَنت حر بعد موتِي بِيَوْم عتق بعد مَوته بِيَوْم وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ صَار وَصِيَّة فتحتاج إِلَى الْإِنْشَاء بعد الْمَوْت
فَلَو قَالَ شريكان إِذا متْنا فَأَنت حر فَإِذا مَاتَ أَحدهمَا لم يعْتق نصِيبه لِأَنَّهُ مُعَلّق بموتهما جَمِيعًا لَكِن صَار نصيب الآخر مُدبرا عِنْد موت صَاحبه وَقيل ذَلِك لِأَن تَدْبِير الثَّانِي مُعَلّق بِمَوْت صَاحبه والآن لم يبْق إِلَّا موت الْمَالِك وَلَكِن لَيْسَ للْوَارِث التَّصَرُّف فِي نصيب من مَاتَ أَولا لِأَنَّهُ ينْتَظر الْعتْق بِمَوْت الثَّانِي فَهُوَ كَمَا لَو قَالَ إِن دخلت الدَّار بعد موتِي فَأَنت حر لم يجز للْوَارِث بَيْعه بعد الْمَوْت كَمَا لَا يَبِيع مَال الْوَصِيَّة قبل قبُول الْمُوصى لَهُ وَلَيْسَ للْوَارِث رفع تَعْلِيق الْمَيِّت كَمَا لَيْسَ لَهُ رفع عاريته الَّتِي أضافها إِلَى مَا بعد الْمَوْت
стр. 3539
الثَّالِثَة إِذا قَالَ أَنْت مُدبر إِن شِئْت فَالْمَشْهُور أَنه لَا بُد من مَشِيئَته على الْفَوْر وَفِيه وَجه آخر أَنه لَا يجب على الْفَوْر لَا هَا هُنَا وَلَا فِي تَعْلِيق الطَّلَاق إِلَّا أَن يكون الطَّلَاق على عوض
أما إِذا قَالَ أَنْت مُدبر مَتى شِئْت فَلَا يجب على الْفَوْر أصلا لَكِن يَقْتَضِي مَشِيئَته فِي حَيَاة السَّيِّد وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِن دخلت الدَّار فَأَنت حر لم يعْتق بِالدُّخُولِ بعد موت السَّيِّد بل مُطلق تَعْلِيقه ينزل على حَيَاته إِلَّا أَن يُصَرح وَيَقُول إِن دخلت الدَّار بعد موتِي فَأَنت حر وَكَذَلِكَ لَو قَالَ إِن شِئْت بعد موتِي فَأَنت حر فشاء بعد مَوته عتق وَلم يجب الْفَوْر بعد الْمَوْت إِلَّا أَن يرتب بفاء التعقي بفيقول إِن مت فشئت فَأَنت حر فَفِي الْفَوْر وَجْهَان يجريان فِي كل تَعْلِيق بِهَذِهِ الصِّيغَة
فرع
لَو قَالَ إِذا مت فَأَنت حر إِن شِئْت فَفِيهِ ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا أَنه تَكْفِي الْمَشِيئَة فِي الْحَيَاة
وَالثَّانِي أَنه يحمل على الْمَشِيئَة بعد الْمَوْت
وَالثَّالِث أَنه لَا بُد من مَشِيئَته فِي الْحَال وَأُخْرَى بعد الْمَوْت حَتَّى يحصل الْيَقِين وَلَا يعْتق بِأَحَدِهِمَا
стр. 3540
وَلَو قَالَ إِن رَأَيْت الْعين فَأَنت حر وَالْعين اسْم مُشْتَرك لِأَشْيَاء فَالظَّاهِر أَنه إِذا رأى وَاحِدًا يسما عينا عتق
الرُّكْن الثَّانِي الْأَهْل وَيصِح التَّدْبِير من كل مُكَلّف مَالك غير مَحْجُور فَهَذِهِ ثَلَاثَة قيود
أما الْمُكَلف فنعني بِهِ أَنه لَا ينفذ من الْمَجْنُون وَالصَّبِيّ الَّذِي لَا تَمْيِيز لَهُ وَفِي الْمُمَيز قَولَانِ وَكَذَا فِي وَصيته لِأَنَّهُ قربَة وَلَا ضَرَر عَلَيْهِ فِيهِ
وَأما الْمَالِك فَيخرج عَلَيْهِ أَنه لَو دبر نصيب نَفسه من عبد مُشْتَرك لَا يسري إِلَى الآخر وَذكر صَاحب التَّقْرِيب فِي سرايته وَجْهَيْن وَهُوَ بعيد لِأَنَّهُ تَعْلِيق أَو وَصِيَّة لَا تلِيق بِهِ السَّرَايَة بل لَو دبر نصف عَبده لم يسر إل الْبَاقِي لَا فِي الْحَال وَلَا إِذا عتق بعد الْمَوْت لِأَنَّهُ بعد الْمَوْت مُعسر
وَأما الْمَحْجُور فَيخرج عَلَيْهِ السَّفِيه وَفِيه طَرِيقَانِ
أَحدهمَا الْقطع بنفوذه مِنْهُ
وَالثَّانِي أَنه كالمميز
وَأما الْمُرْتَد فَإِن قُلْنَا لَا يَزُول ملكه وَقد حجر عَلَيْهِ فَيخرج تَدْبيره على تَدْبِير الْمُفلس الْمَحْجُور وَإِن قُلْنَا يَزُول ملكه لم ينفذ وَإِن قُلْنَا إِنَّه مَوْقُوف فَهُوَ مَوْقُوف
стр. 3541
وَلَو دبر ثمَّ ارْتَدَّ فطريقان
أَحدهمَا أَنه يخرج بُطْلَانه على أَقْوَال الْملك
وَالثَّانِي الْقطع بِأَنَّهُ لَا يبطل لِأَنَّهُ حق العَبْد مُتَعَلق بِهِ فَلَا يُمكن إِبْطَاله كَمَا لَا يبطل حق الْغُرَمَاء وَنَفَقَة الْأَقَارِب عَن مَاله
وَإِن قُلْنَا يبطل فَلَو عَاد إِلَى الْإِسْلَام فَفِي عود التَّدْبِير طَرِيقَانِ
أَحدهمَا أَنه يعود كَمَا لَو اسْتَحَالَ الْعصير الْمَرْهُون خمرًا ثمَّ صَار خلا
وَالثَّانِي أَنه يخرج على قولي عود الْحِنْث
أما إِذا مَاتَ مُرْتَدا وَقُلْنَا لَا يبطل التَّدْبِير فَينفذ إِن وفى بِهِ الثلثه وَفِيه وَجه أَنه لَا ينفذ لِأَن الْوَارِث لَا شي لَهُ من مَاله وَإِنَّمَا تنفذ الْوَصِيَّة فِي مَال يُورث وَمَاله فَيْء وَهَذَا ضَعِيف لِأَن الْفَيْء مصرفه بَيت المَال فَيعْتَبر الثُّلُث لأَجله
أما الْكَافِر الْأَصْلِيّ فَيصح تَدْبيره فَإِن نقض الْعَهْد مكن من اسْتِصْحَاب مدبره لِأَنَّهُ قن وَلَا يُمكن من مكَاتبه وَلَو أسلم مدبره فَهَل يُبَاع عَلَيْهِ فِيهِ قَولَانِ
стр. 3542
أَحدهمَا نعم كالقن
وَالثَّانِي لَا نظرا للْعَبد وَلَكِن يُحَال بَينهمَا ويستكسب لَهُ كالمستولدة
وَفِي الْمكَاتب إِذا أسلم طَرِيقَانِ
أَحدهمَا أَنه كالمستولدة لَا تتباع عَلَيْهِ
وَالثَّانِي أَنه كالمدبر فَيخرج على الْقَوْلَيْنِ
النّظر الثَّانِي فِي أَحْكَامه
وَالنَّظَر فِي حكمين ارْتِفَاع التَّدْبِير وسرايته إِلَى الْوَلَد وَيرْفَع التَّدْبِير بِأُمُور خَمْسَة
الأول إِزَالَة الْملك بِبيع وَهبة جَائِر ويرتفع التَّدْبِير فِي الْحَال فَإِن عَاد إِلَى الْملك وَقُلْنَا إِن التَّدْبِير وَصِيَّة لم يعد وَإِن قُلْنَا تَعْلِيق فَيخرج على قولي عود الحنق وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ لَا يجوز إِزَالَة الْملك عَنهُ كَالْمكَاتبِ
الثَّانِي صَرِيح الرُّجُوع وَهُوَ جَائِز إِن قَالَ أعتقوه عني بعد موتِي لِأَنَّهُ وَصِيَّة وَإِن قَالَ إِذا مت فَدخلت الدَّار فَأَنت حر لم يجز صَرِيح الرُّجُوع لَكِن يجوز ازالة الْملك لِأَنَّهُ تَعْلِيق مَحْض أما إِذا قَالَ دبرتك أَو أَنْت حر بعد موتِي فَفِيهِ معنى التَّعْلِيق وَالْوَصِيَّة فَإِنَّهُ إِثْبَات حق للْعَبد فَأَيّهمَا يغلب فِيهِ قَولَانِ وَاخْتِيَار الْمُزنِيّ تَرْجِيح معنى الْوَصِيَّة وتجويز الرُّجُوع
فَإِن قُلْنَا إِنَّه وَصِيَّة حصل الرُّجُوع عَنهُ بِمَا يحصل بِهِ الرُّجُوع عَن الْوَصِيَّة حَتَّى الْعرض
стр. 3543
على البيع إِلَّا الإستيلاد فَإِنَّهُ يُوَافق مُوجب التَّدْبِير فَلَا يرفعهُ وَيرْفَع الْوَصِيَّة وَلَو قَالَ بعد التَّدْبِير الْمُطلق إِذا مت فَدخلت الدَّار فَأَنت حر كَانَ رُجُوعا عَن التَّدْبِير الْمُطلق وَلَو قَالَ إِن دخلت فَأَنت حر فقد زَاده سَببا آخر للحرية فَلَا رُجُوع فَلَو كَاتبه أَو رَهنه هَل يكون رُجُوعا فِيهِ وَجْهَان وَلَو رَجَعَ عَن التَّدْبِير فِي نصفه فالباقي مُدبر وَلَو رَجَعَ عَن تَدْبِير الْحمل لم يسر الرُّجُوع إِلَى الْأُم وَلَا بِالْعَكْسِ بل يقْتَصر
الثَّالِث إِنْكَار السَّيِّد التَّدْبِير وَقد قَالَ الشَّافِعِي ﵁ القَوْل قَول السَّيِّد وَهَذَا مُشكل لوَجْهَيْنِ
أَحدهمَا أَن الْإِنْكَار رُجُوع فَأَي معنى للتحليف فَمنهمْ من قَالَ فرع الشَّافِعِي على معنى الرُّجُوع الصَّحِيح وَمِنْهُم من قَالَ الْإِنْكَار لَيْسَ بِرُجُوع بل هُوَ رفع الأَصْل فَعَلَيهِ أَن يحلف أَو يرجع فقد تحصلنا على وَجْهَيْن فِي الْإِنْكَار هَل يكون رُجُوعا وَيجْرِي فِي إِنْكَار الْوَصِيَّة أَيْضا وَأما إِنْكَار الْمُوكل فَهُوَ عزل قطعا وَمِنْهُم من طرد الْوَجْهَيْنِ وإنكار البَائِع بِشَرْط الْخِيَار لَيْسَ فسخا وَفِيه احْتِمَال وإنكارالزوج الطَّلَاق الرَّجْعِيّ لَا يكون رَجْعَة قطعا لِأَنَّهُ فِي حكم عقد فيحتاط بِاللَّفْظِ
الْإِشْكَال الثَّانِي أَن الشَّافِعِي ﵁ نَص على أَن الدَّعْوَى بِالدّينِ الْمُؤَجل لَا تقبل إِذْ لَا لُزُوم فِي الْحَال فَكيف تقبل دَعْوَى العَبْد فِي التَّدْبِير وَاتفقَ الْأَصْحَاب على آخر الْخلاف فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ بِالنَّقْلِ والتخريج فَإِن قُلْنَا تقبل دَعْوَى التَّدْبِير فَلَا يَكْفِي فِيهِ شَاهد وَامْرَأَتَانِ لِأَن مَقْصُوده الْعتْق
стр. 3544
الرَّابِع مُجَاوزَة الثُّلُث فَلَو كَانَ استوفى ثلثه بتبرع قبل التَّدْبِير لم ينفذ تَدْبيره وَلَو لم يَفِ الثُّلُث إِلَّا بِبَعْضِه اقْتصر على ذَلِك الْقدر وَالتَّدْبِير وَإِن كَانَ فِي الصِّحَّة فيحسب من الثُّلُث كَالْوَصِيَّةِ لِأَنَّهُ مُضَاف إِلَى الْمَوْت أما إِذا علق على صفة فِي الصِّحَّة فَوجدت الصّفة فِي الْمَرَض فَهَل ينْحَصر فِي الثُّلُث فِيهِ قَولَانِ
فرع
لَو لم يملك إِلَّا عبدا فدبره عتق ثلثه عِنْد الْمَوْت فَلَو كَانَ لَهُ مَال غَائِب فَهَل ينجز الْعتْق فِي الثُّلُث فِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا نعم لِأَن الْغَائِب لَا يزِيد على الْمَعْدُوم فَقدر الثُّلُث مستيقن بِكُل حَال
وَالثَّانِي لَا لِأَن العَبْد لَو تسلط على ثلث نَفسه للَزِمَ تسليط الْوَرَثَة على ثُلثَيْهِ فَكيف يُسَلط ويتوقع عتق الثُّلثَيْنِ بِرُجُوع المَال وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوص وَالْأول مخرج وَالْقَوْلَان جاريان فِي الْوَصِيَّة بِمَال إِذا كَانَ لَهُ مَال غَائِب أَن الْمُوصى لَهُ هَل يسلم إِلَيْهِ الثُّلُث الْحَاضِر فِي الْحَال وَكَذَلِكَ لَو كَانَ لَهُ دين على أحد ابنيه لَا مَال لَهُ غَيره فَهَل يبرأ عَن نصيب نَفسه قبل تَسْلِيم نصيب أَخِيه فِيهِ قَولَانِ
الْخَامِس إِذا جنى الْمُدبر بيع فِيهِ فَإِن فدَاه السَّيِّد بَقِي التَّدْبِير وَإِن بَاعَ بعضه فالباقي مُدبر وَإِن مَاتَ قبل الْفِدَاء وَالثلث واف بِالْأَرْشِ وَالْعِتْق وَجب على الْوَارِث فداؤه ليعتق وَفِيه قَول أَنه لَا يجب بِنَاء على أَن أرش الْجِنَايَة يمْنَع نُفُوذ الْعتْق وَفِيه خلاف
النّظر الثَّانِي فِي الْوَلَد وَفِيه مسَائِل
الأولى ولد الْمُدبرَة من زنا أَو نِكَاح هَل يسري إِلَيْهِ التَّدْبِير فِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا أَنه يسري كالإستيلاد
стр. 3545
وَالثَّانِي لَا كَالْوَصِيَّةِ
لَو علق عتقهَا بِالدُّخُولِ فَفِي سرَايَة التَّعْلِيق إِلَى وَلَدهَا قَولَانِ نَص عَلَيْهِمَا فِي الْكَبِير فَإِن قُلْنَا يسري فَمَعْنَاه أَنه إِن دخل أَيْضا عتق وَلَا يعْتق بِدُخُول الْأُم لِأَن هَذَا سرَايَة عتق لَا سرَايَة تَعْلِيق وَمِنْهُم من قَالَ مَعْنَاهُ أَن يعْتق بِدُخُول الْأُم
ثمَّ إِذا سرينا التَّدْبِير كَانَ كَمَا لَو دبرهما مَعًا حَتَّى لَا يكون الرُّجُوع عَن أَحدهمَا رُجُوعا عَن الآخر وَلَو لم يَفِ الثُّلُث بهما أَقرع بَينهمَا وَفِيه وَجه أَنه يقسم الْعتْق عَلَيْهِمَا إِذْ يبعد أَن تخرج الْقرعَة على الْوَلَد فَيعتق دون الأَصْل وَهَذَا ضَعِيف فَإِنَّهُ صَار مُسْتقِلّا بعد السَّرَايَة وَكَذَلِكَ لَو مَاتَت الْأُم بَقِي مُدبرا أما ولد الْمُدبر فَلَا يتبعهُ بل يتبع الْأُم الرقيقة أَو الْحرَّة
الثَّانِيَة إِذا مَاتَ السَّيِّد وَهِي حَامِل عتق مَعهَا الْجَنِين بِالسّرَايَةِ وَلَو كَانَت حَامِلا حَال التَّدْبِير فَهَل يسري التَّدْبِير الْمُضَاف إِلَى الْأُم إِلَى الْجَنِين فِيهِ وَجْهَان فعلى هَذَا لَو تبرع الْوَارِث بِالْفِدَاءِ وَعتق فَالْولَاء للْمَيت إِن قُلْنَا إِن إجَازَة الْوَرَثَة لَيْسَ بابتداء عَطِيَّة
فرع
الْمُدبر الْمُشْتَرك إِذا أعتق أَحدهمَا نصِيبه هَل يسري إِلَى الآخر فِيهِ قَولَانِ أقيسهما أَنه يسري
وَالثَّانِي لَا لِأَن الثَّانِي اسْتحق الْعتَاقَة من نَفسه
وَهَذَا يضاهي قَوْلنَا إِذا أصدقهَا عبدا فدبرته لم ينشطر بِالطَّلَاق كَيْلا يبطل غرضها من التَّدْبِير
فَإِن قُلْنَا لَا يسري فَرجع عَن التَّدْبِير فَهَل يسري الْآن وَجْهَان وَجه قَوْلنَا لَا يسري أَنه لم يسر فِي الْحَال فَلَا يسري بعده كَمَا لَو ظن الْيَسَار فَإِن قُلْنَا يسري فيسري فِي الْوَقْت أَو تتبين السَّرَايَة من الأَصْل فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا نعم كَمَا يسري إِلَيْهِ البيع
стр. 3546
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ أدرج فِي البيع لِأَن استثناءه يبطل البيع
فرع لَو دبر الْحمل دون الْأُم صَحَّ وَاقْتصر عَلَيْهِ فَلَو بَاعَ الْأُم وَنوى الرُّجُوع صَحَّ البيع وَدخل فِيهِ الْجَنِين وَإِن لم ينْو الرُّجُوع فَكَأَنَّهُ اسْتثْنى الْحمل
الثَّالِثَة لَو تنَازعا فَقَالَت ولدت بعد التَّدْبِير فَتَبِعَنِي على قَول السَّرَايَة وَقَالَ السَّيِّد بل قبله فَالْقَوْل قَول السَّيِّد لِأَن الأَصْل بَقَاء ملكه
وعَلى قَوْلنَا لَا يسري لَو نازعت الْوَارِث وَقَالَت ولدت بعد الْمَوْت فَهُوَ حر وَقَالَ الْوَارِث بل قبله فَالْقَوْل قَول الْوَارِث
وَلَو كَانَ فِي يَد الْمُدبر مَال فَقَالَ الْوَارِث هُوَ من كسبك قبل الْمَوْت وَقَالَ بل بعده فَالْقَوْل قَول الْمُدبر لِأَن الْملك فِي يَده بِخِلَاف الْوَلَد فَإِنَّهُ لَا يَد لَهَا عَلَيْهِ وَهِي تَدعِي حُرِّيَّته
стр. 3547
= كتاب الْكِتَابَة=
стр. 3548
اعْلَم أَن الْكِتَابَة عبارَة عَن الْجمع وَلذَلِك سمي اجْتِمَاع الْحُرُوف كِتَابَة واجتماع الْعَسْكَر كَتِيبَة واجتماع النُّجُوم فِي هَذَا العقد كِتَابَة وَهَذَا عقد مَنْدُوب إِلَيْهِ وَهُوَ مُشْتَمل على أُمُور غَرِيبَة كمقابلة الْملك بِالْملكِ أَعنِي الْكسْب والرقبة وَكِلَاهُمَا ملك للسَّيِّد وَإِثْبَات الْملك للملوك لِأَن الْمكَاتب عبد وَيملك فَكَأَنَّهُ إِثْبَات رُتْبَة بَين الرّقّ وَالْحريَّة إِذْ الْمكَاتب يسْتَقلّ من وَجه دون وَجه لَكِن الْمصلحَة تَدْعُو إِلَيْهِ إِذْ السَّيِّد قد لَا يسمح بِالْعِتْقِ مجَّانا وَالْعَبْد يتشمر للكسب إِذا علق بِهِ عتقه فَاحْتمل لتَحْصِيل مَقْصُوده مَا يَلِيق بِهِ عتقه وَإِن خَالف قِيَاس سَائِر الْعُقُود كَمَا احتملت الْجَهَالَة فِي عمل الْجعَالَة وَربح الْقَرَاض وَغَيره
وَإِنَّمَا يسْتَحبّ إِذا جمع العَبْد الْقُوَّة وَالْأَمَانَة فَإِن لم يكن أَمينا فمعاملته لَا تُفْضِي إِلَى الْعتْق غَالِبا فَلَا يسْتَحبّ تَنْجِيز الْحَيْلُولَة لأَجله لَا كَالْعِتْقِ فَإِنَّهُ يسْتَحبّ بِكُل حَال لِأَنَّهُ تَنْجِيز خلاص وَإِن كَانَ أَمينا غير كسوب فَفِي الإستحباب وَجْهَان وَظَاهر الْكتاب لم يشْتَرط إِلَّا الْأَمَانَة إِذْ قَالَ تَعَالَى ﴿فكاتبوهم إِن علمْتُم فيهم خيرا﴾ وَحكى صَاحب التَّقْرِيب
стр. 3549
قولا بَعيدا أَن الْكِتَابَة وَاجِبَة وَلَا وَجه لَهُ وَإِن ذهب إِلَيْهِ دَاوُد لِأَنَّهُ إبِْطَال سلطنة الْملك فَحمل الْأَمر على الإستحباب أولى ثمَّ النّظر يتَعَلَّق بأركان الْكِتَابَة وأحكامها أما الْأَركان فَهِيَ أَرْبَعَة الصِّيغَة والعوض والعاقدان
الرُّكْن الأول الصِّيغَة وَهُوَ أَن يَقُول مثلا كاتبتك على ألف تُؤَدِّيه فِي نجمين فَإِذا أديته فَأَنت حر فَيَقُول العَبْد قبلت فَإِن لم يُصَرح بتعليق الْحُرِّيَّة وَلَكِن نَوَاه بِلَفْظ الْكِتَابَة كفى وَفِيه قَول مخرج أَن لفظ الْكِتَابَة صَرِيح كالتدبير وَهُوَ ضَعِيف بل الصَّحِيح الْفرق
ثمَّ وَإِن صرح بِالتَّعْلِيقِ فالعتق يحصل بِالْإِبْرَاءِ والإعتياض تَغْلِيبًا لحكم الْمُعَاوضَة لَكِن فِي صَحِيح الْكِتَابَة أما فِي فاسدها فيغلب حكم التَّعْلِيق وَلَو اقْتصر على قَوْله أَنْت حر على ألف فَقبل عتق فِي الْحَال وَكَانَ الْألف فِي ذمَّته وَهُوَ نَظِير الْخلْع وَقد ذكرنَا أَحْكَامه
وَلَو بَاعَ العَبْد من نَفسه صَحَّ وَالْوَلَاء للسَّيِّد وَكَأَنَّهُ إِعْتَاق على مَال لَيْسَ فِيهِ حَقِيقَة البيع وَخرج الرّبيع قولا أَنه لَا يَصح إِذْ هُوَ تمْلِيك وَكَيف يملك العَبْد نَفسه وَفِيه وَجه أَنه لَا يَصح وَلَا وَلَاء للسَّيِّد بل عتق على نَفسه كَمَا لَو اشْترى قَرِيبه
أما إِذا قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي ألفا فَأَنت حر فَلَا يُمكنهُ أَن يُعْطِيهِ من ملكه إِذْ لَا ملك لَهُ فَيكون كَمَا لَو قَالَ لزوجته إِن أَعْطَيْتنِي ألفا فَأَنت طَالِق فَأَتَت بِأَلف مَغْصُوبَة فَفِي وُقُوع الطَّلَاق خلاف وَكَذَلِكَ فِي الْعتْق
стр. 3550
الرُّكْن الثَّانِي الْعِوَض وَشَرطه أَن يكون دينا مُؤَجّلا منجما مَعْلُوم الْقدر وَالْأَجَل والنجم فَهَذِهِ أَرْبَعَة شُرُوط
الأول كَونه دينا إِذْ لَو كَانَ عينا لَكَانَ ملك الْغَيْر فَيفْسد الْعتْق ثمَّ لَا يخفى أَن الدّين يَنْبَغِي أَن يكون مَعْلُوما كَمَا فِي السّلم وَالْإِجَارَة
الثَّانِي الْأَجَل فَلَا تصح الْكِتَابَة الْحَالة عندنَا خلافًا لأبي حنيفَة ﵀ لعلتين
إِحْدَاهمَا اتِّبَاع السّلف
وَالْأُخْرَى أَن العَبْد عقيب العقد عَاجز فَكيف يجوز لَهُ لُزُوم مَا لَا يقدر عَلَيْهِ إِذْ لَو كَانَ على ملاحة وكاتبه على ملح فَلَا بُد من لَحْظَة لأخذ الْملح حَتَّى يملك وَلَا بُد من لَحْظَة لقبُول الْهِبَة إِن قدر ذَلِك نعم يرد عَلَيْهِ أَربع مسَائِل لَا تَخْلُو وَاحِدَة عَن خلاف
إِحْدَاهَا من نصفه حر وَنصفه عبد قد يملك مَالا فَفِي الْكِتَابَة الْحَالة مِنْهُ فِيهِ وَجْهَان لتعارض معنى الإتباع وَالْعجز
الثَّانِيَة إِذا كَاتبه على مَال عَظِيم ونجمه بلحظتين فِيهِ أَيْضا وَجْهَان
الثَّالِثَة البيع من الْمُفلس صَحِيح لِأَنَّهُ يقدر بِالْمَبِيعِ وَإِن زَاد الثّمن على قيمَة الْمَبِيع فَلَا يبعد وجود زبون يَشْتَرِي الْمَبِيع مِنْهُ وَمَعَ ذَلِك فقد ذكر وَجه أَنه لَا يَصح العقد
الرَّابِعَة إِذا أسلم إِلَى مكَاتب عقيب العقد فِيهِ وَجْهَان وَجه التجويز أَنه يملك رَأس المَال
الشَّرْط الثَّالِث التنجيم بنجمين فَصَاعِدا إِذْ سَبَب اشْتِرَاطه الإتباع الْمَحْض فَمَا كَاتب أحد من السّلف على نجم وَاحِد ثمَّ نَص الشَّافِعِي ﵁ على أَنه لَو كَاتبه على
стр. 3551
خدمَة شهر ودينار بعده جَازَ إِذْ حصل التنجيم لَكِن النَّجْم الأول حَال إِذْ يتنجز اسْتِحْقَاق الْمَنَافِع عقيب العقد وَإِنَّمَا التَّأْخِير للتوفية وَلذَلِك قَالَ الْأَصْحَاب لَيْسَ يشْتَرط أَن يكون الدِّينَار بعده بل لَو كَانَ بعد العقد بِيَوْم جَازَ وَقَالَ أَبُو إِسْحَاق الْمروزِي ﵀ لَا يجوز كَأَنَّهُ تخيل الْخدمَة مُؤَجّلا وَلَا شكّ أَنه لَو لم يُؤَجل الدِّينَار لم يجز إِذْ يكون جَمِيع الْعِوَض حَالا وَلَو كَاتب على خدمَة شَهْرَيْن وَجعل كل نجم شهرا لم يجز لِأَن الْكل يتنجز اسْتِحْقَاقه بِالْعقدِ فَإِن صرح بِإِضَافَة الإستحقاق إِلَى الشَّهْر الْقَابِل خرج على مثل هَذِه الْإِجَارَة فِي الشَّهْر الْقَابِل وَفِيه وَجْهَان
أما إِذا أعتق عَبده على أَن يَخْدمه شهرا عتق فِي الْحَال وَيجب الْوَفَاء فَإِن تعذر فَيرجع السَّيِّد إِلَى قيمَة الْأُجْرَة أَو قيمَة الرَّقَبَة قَولَانِ كَمَا فِي بدل الصَدَاق وَالْخلْع
الشَّرْط الرَّابِع الْإِعْلَام وَذَلِكَ قد ذَكرْنَاهُ فِي البيع وَمعنى إِعْلَام النَّجْم أَن يُمَيّز الْمحل لكل نجم ومقداره فَلَو كَانَ على مائَة يُؤَدِّيه فِي عشر سِنِين لم يجز حَتَّى يبين قدر كل نجم وَمحله وَلَا يشْتَرط تَسَاوِي النُّجُوم وَلَا تَسَاوِي الْمدَّة وَقد تنشأ الْجَهَالَة من تَفْرِيق الصَّفْقَة فلنذكر مَسْأَلَتَيْنِ
إِحْدَاهمَا لَو كَاتبه بِشَرْط أَن يَبِيعهُ شَيْئا فَهُوَ فَاسد لِأَنَّهُ شَرط عقدا فِي عقد أما إِذا بَاعه شَيْئا وكاتبه على عوض وَاحِد منجم فسد البيع لِأَن إِيجَابه يسْبق على قبُول الْكِتَابَة وَهُوَ لَيْسَ أَهلا للشراء قبله إِذْ صيغته أَن يَقُول بِعْتُك هَذَا الثَّوْب وكاتبتك بِأَلف إِلَى نجمين فيتقدم الْإِيجَاب على الْقبُول وَفِيه قَول مخرج أَنه يَصح أخذا من نَص الشَّافِعِي ﵁ على أَنه لَو قَالَ اشْتريت عَبدك بِأَلف ورهنت بِالْألف دَارا فَأجَاب إِلَيْهِمَا صَحَّ الرَّهْن مَعَ تقدم إِيجَابه على لُزُوم الدّين إِلَّا أَن الرَّهْن من مصَالح البيع فَلَا يبعد مزجه بِهِ وَذَلِكَ فِي الْكِتَابَة يبعد
فَإِن أفسدنا البيع فَفِي صِحَة الْكِتَابَة قولا تَفْرِيق الصَّفْقَة وَإِن صححنا البيع فَيخرج على قولي الْجمع بَين صفقتين مختلفتين وَلَا يجْرِي ذَلِك فِي الرَّهْن وَالْبيع لِأَن الرَّهْن تَابع للْبيع ومؤكد لَهُ
стр. 3552
الثَّانِيَة لَو كَاتب ثَلَاثَة أعبد على ألف فِي صَفْقَة وَاحِدَة وَلم يُمَيّز نُجُوم كل وَاحِد فالنص صِحَة الْكِتَابَة وَالنَّص فِي شِرَاء ثَلَاثَة أعبد من ثَلَاثَة ملاك بعوض وَاحِد الْفساد وَالنَّص فِي خلع نسْوَة أَو نِكَاحهنَّ بعوض وَاحِد أَنه على قَوْلَيْنِ فَمن الْأَصْحَاب من طرد الْقَوْلَيْنِ فِي الْكل وَهُوَ الْأَصَح لِأَن الْعِوَض مَعْلُوم الْجُمْلَة لَكِن مَجْهُول التَّفْصِيل وَمِنْهُم من قَالَ العبيد فِي الْكِتَابَة يجمعهُمْ مَالك وَاحِد والعوض فِيهِ غير مَقْصُود فَكَأَنَّهُ كعقد وَاحِد وغرض الشِّرَاء مَقْصُود فيخالفه وَالْخلْع وَالنِّكَاح على رُتْبَة بَين الرتبتين فَفِيهِ قَولَانِ وَهَذَا ضَعِيف وَلِأَن جملَة هَذِه الأعواض تفْسد بالجهالة وَإِن كَانَت الْعُقُود لَا تبطل
ثمَّ إِن صححنا فَالْقَوْل الصَّحِيح أَنه يوزع الْألف على قدر قيم العبيد لَا على عدد الرُّءُوس وَفِيه قَول أَنه يوزع على عدد الرؤس ثمَّ إِن اعتقدنا التَّوْزِيع على الْعدَد فتنتفي الْجَهَالَة فَيصح لَا محَالة
ثمَّ كَيفَ كَانَ فَإِذا أدّى كل عبد نصِيبه عتق وَلم يقف على أَدَاء رَفِيقه وَلَا ينظر إِلَى التَّعْلِيق على أَدَاء الْجَمِيع وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ لَا يعْتق وَاحِد مَا لم يؤد الْجَمِيع نظرا إِلَى التَّعْلِيق
الرُّكْن الثَّالِث السَّيِّد الْمكَاتب وَشَرطه أَن يكون مَالِكًا مُكَلّفا أَهلا للتبرع غير دَافع بِالْكِتَابَةِ حَقًا لَازِما
أما شَرط الْملك والتكليف فَلَا يخفى فَلَا يَصح كِتَابَة الصَّبِي وَالْمَجْنُون وَغير الْمَالِك
أما أَهْلِيَّة التَّبَرُّع فَيخرج عَلَيْهِ منع ولي الطِّفْل من كِتَابَة عَبده وَلَو بأضعاف ثمنه فَإِنَّهُ مَمْنُوع لِأَن مَا يكسبه يكون ملكا للطفل وَكَذَا الْمَرِيض تحسب كِتَابَته من الثُّلُث
стр. 3553
وَلَو كَاتب فِي الصِّحَّة وَوضع النُّجُوم عَنهُ فِي الْمَرَض أَو أعْتقهُ اعْتبرنَا خُرُوج الْأَقَل من الثُّلُث فَإِن كَانَت الرَّقَبَة أقل اعْتبرنَا خُرُوجهَا لِأَنَّهُ لَو عجز لم يكن للْوَرَثَة إِلَّا الرَّقَبَة وَإِن كَانَ النُّجُوم أقل فَكَذَلِك وَكَذَا لَو أوصى بإعتاقه أَو بِوَضْع النُّجُوم عَنهُ
وَلَو كَاتب فِي الصِّحَّة وَأقر فِي الْمَرَض بِأَنَّهُ كَانَ قبض النُّجُوم صَحَّ إِقْرَاره لِأَنَّهُ حجَّة
وَأما قَوْلنَا لَا يرفع بهَا حَقًا لَازِما فَيخرج عَلَيْهِ كِتَابَة الْمَرْهُون فَإِنَّهُ لَا يَصح وَكِتَابَة الْكَافِر لعَبْدِهِ الْمُسلم بعد أَن توجه عَلَيْهِ الْأَمر بِالْبيعِ فِي صِحَّته وَجْهَان
أَحدهمَا الْمَنْع إِذْ البيع لَازم عَلَيْهِ
وَالثَّانِي الْجَوَاز نظرا إِلَى العَبْد فَذَلِك أصلح لَهُ ثمَّ إِن عجز بعناه
وَلَو كَاتب ثمَّ أسلم وَقُلْنَا لَا يَصح استبراؤه فَفِي دَوَامه وَجْهَان لقُوَّة الدَّوَام وَلَو دبر ثمَّ أسلم فَيُبَاع عَلَيْهِ أم تضرب الْحَيْلُولَة فِيهِ خلاف أَيْضا
أما الْمُرْتَد فكتابته بعد الْحجر وَقَبله تخرج على أَقْوَال الْملك فِي تصرف الْمَحْجُور
وَأما الْحَرْبِيّ فَتَصِح كِتَابَته للْعَبد الْكَافِر لَكِن لَا يظْهر أَثَره فَإِنَّهُ لَو قهره بعد أَدَاء النُّجُوم ملكه فَكيف قبله لَكِن لَو أدّى النُّجُوم ثمَّ أسلما قبل الْقَهْر فَلَا رق عَلَيْهِ وَإِن كَانَ بعض النُّجُوم خمرًا وَقد بَقِي مِنْهُ شَيْء وَقبض الْبَاقِي بعد الْإِسْلَام عتق لَكِن يرجع السَّيِّد على العَبْد بِقِيمَتِه كلهَا وَلَا توزع على مَا بَقِي وعَلى مَا قبض وَقد ذكرنَا نَظِير ذَلِك فِي الْخلْع فَلَا نعيده
الرُّكْن الرَّابِع العَبْد الْقَابِل وَله شَرْطَانِ
الأول كَونه مُكَلّفا فَلَا يَصح كِتَابَة الصَّغِير الْمُمَيز نعم إِن علق صَرِيحًا على الْأَدَاء عتق لَكِن لَا يرجع السَّيِّد بِقِيمَتِه بِخِلَاف الْكِتَابَة الْفَاسِدَة لِأَن هَذِه الْكِتَابَة بَاطِلَة
стр. 3554
الشَّرْط الثَّانِي أَن يُورد الْكِتَابَة على كُله ليستفيد عقيبها اسْتِقْلَالا فَلَو كَاتب بِنصْف عَبده فَالْمَذْهَب أَن الْكِتَابَة فَاسِدَة وَلَو كَاتب النّصْف الرَّقِيق مِمَّن نصفه حر صحت لحصور الإستلال وَلَو كَاتب أحد الشَّرِيكَيْنِ دون إِذن صَاحبه فَالْمَذْهَب أَنَّهَا فَاسِدَة وَإِن كَانَ بِإِذْنِهِ فَفِيهِ قَولَانِ وَالْأَظْهَر فَسَاده لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيد الإستقلال بالمسافرة وَأخذ الزَّكَاة وَالصَّدَََقَة لَا تصرف إِلَى من نصفه رَقِيق وَنصفه حر فَأَي فَائِدَة لإذن وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ فِيهِ قَولَانِ أما المسافرة فقد نقُول لَا يسْتَقلّ بهَا الْمكَاتب كُله وَأما الصَّدَقَة فَيجوز صرفهَا إِلَيْهِ على رَأْي فَمن هَاهُنَا خَرجُوا طرد الْقَوْلَيْنِ فِيمَا لَو كَاتب بِغَيْر إِذْنه أَيْضا وَخَرجُوا قولا قيمًا لَو كَاتب نصف عبد نَفسه
وَلَا خلاف أَنَّهُمَا لَو كَاتبا على مَال وَاحِد صَحَّ وانقسمت النُّجُوم على قدر الحصتين فَلَو شرطا تَفَاوتا على قدر الحصص فقد انْفَرد كل عقد عَن صَاحبه فَيخرج على الْقَوْلَيْنِ فِي كِتَابَة أَحدهمَا بِإِذن شَرِيكه
فرع
لَو كاتباه ثمَّ عَجزه أَحدهمَا وَأَرَادَ الثَّانِي إنظاره وإبقاء الْكِتَابَة فِي نصفه فَفِيهِ
стр. 3555
ثَلَاثَة طرق
أَحدهَا الْقطع بِالْمَنْعِ إِذْ يُرِيد إبْقَاء الْكِتَابَة بِغَيْر رِضَاء صَاحبه
وَالثَّانِي تَخْرِيجه على قَوْلَيْنِ إِذْ الشَّرِيك لما وَافق فِي ابْتِدَاء العقد فقد رَضِي بلوازم وتوابع وَهَذَا مِنْهَا
وَالثَّالِث الْقطع بِالْجَوَازِ لِأَن الدَّوَام يحْتَمل مَا لَا يحْتَملهُ الإبتداء
стр. 3556
وَلَو كَاتب وَاحِد عبدا ثمَّ مَاتَ وَخلف ابْنَيْنِ وعجزه أَحدهمَا فَفِي إنظار الآخر هَذِه الطّرق وَأولى بامتناع التَّبْعِيض لِأَن العقد ابْتِدَاء وجد من وَاحِد
هَذَا مَا يَصح من الْكِتَابَة ثمَّ مَا لَا يَصح يَنْقَسِم إِلَى بَاطِن وفاسد وَالْبَاطِل لَا حكم لَهُ إِلَّا مُوجب التَّعْلِيق إِن كَانَ قد صرح بِهِ وَالْفَاسِد لَهُ حكم وَمهما تطرق الْخلَل إِلَى أصل الْأَركان الْأَرْبَعَة فَبَاطِل كَمَا لَو كَانَ السَّيِّد صَغِيرا أَو مَجْنُونا أَو مكْرها والقابل كَذَلِك أَو صدر من ولي الطِّفْل وَمن لَيْسَ بِمَالك أَو عدم أصل الْعِوَض أَو شرطا شَيْئا لَا تقصد مَالِيَّته كالحشرات أَو اختلت الصِّيَغ بِأَن لم تنتظم أَو فقد الْإِيجَاب أَو الْقبُول أَو صدر من غير أَهله نعم اخْتلفُوا فِي مَسْأَلَتَيْنِ
إِحْدَاهمَا أَن الْبعد لَو كَانَ مَجْنُونا نقل الرّبيع أَنه عتق بِالْأَدَاءِ وَرجع السَّيِّد بِالْقيمَةِ وَالرُّجُوع من حكم الْفَاسِد فَكَأَنَّهُ جعل قبُول الْمَجْنُون فَاسِدا وَقد نقل الْمُزنِيّ ﵀ ضِدّه وَهُوَ الصَّحِيح فَإِن قبُول الْمَجْنُون وَالصَّبِيّ فكلا قبُول فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ
الثَّانِيَة لَو ترك لفظ الْكِتَابَة وَاقْتصر على قَوْله إِن أَعْطَيْتنِي ألفا فَأَنت حر فقد ذكرنَا خلافًا فِي أَنه لَو أعْطى هَل يعْتق لِأَن مَا يُعْطِيهِ فِي حكم الْمَغْصُوب فَإِن قُلْنَا يعْتق فَهَل يرجع السَّيِّد عَلَيْهِ بِقِيمَة الرَّقَبَة فِيهِ وَجْهَان وَالظَّاهِر أَنه لَا يرجع
فَإِن قُلْنَا يرجع فَهَل يستتبع الْكسْب وَالْولد فِيهِ خلاف وَالظَّاهِر أَنه لَا يستتبع وَمن رأى الرُّجُوع والإستتباع فقد ألحقهُ بالفاسد فقد حصل من هَذَا أَن الْفَاسِد مَا امْتنع صِحَّته بِشَرْط فَاسد أَو لفَوَات شَرط فِي الْعِوَض كالإعلام أَو فِي العَبْد ككتابة نصفه أَو كَتَرْكِ الْأَجَل والنجوم
فَإِن قيل فَمَا حكم الْفَاسِد قُلْنَا الْفَاسِد يُسَاوِي الصَّحِيح فِي ثَلَاثَة أَحْكَام ويفارقه فِي
стр. 3557
حكمين يُسَاوِيه فِي الْعتْق عِنْد أَدَاء مَا علق عَلَيْهِ وَذَلِكَ بِحكم التَّعْلِيق حَتَّى لَا يحصل بِالْإِبْرَاءِ والإعتياض فيغلب التَّعْلِيق على الْفَاسِد ويساويه فِي استتباع الْكسْب وَالْولد أَعنِي وَلَده من جَارِيَته لِأَنَّهُ فِي حكم كَسبه
أما ولد الْمُكَاتبَة فَفِي سرَايَة الْكِتَابَة الْفَاسِدَة إِلَيْهِ قَولَانِ كالقولين فِي سرَايَة التَّدْبِير وَتَعْلِيق الْعتْق وَمِنْهُم من قطع بِأَنَّهُ يتبعهُ ويسري إِلَيْهِ ويساويه أَيْضا فِي اسْتِقْلَال العَبْد عَقِيبه بالإكتساب وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ سُقُوط نَفَقَته عَن مَوْلَاهُ وَجَوَاز مُعَامَلَته إِيَّاه وَاخْتلفُوا فِيمَا يتَعَلَّق باستقلاله فِي شَيْئَيْنِ
أَحدهمَا فِي مسافرته وَفِيه وَجْهَان إِن رَأينَا أَن الْمكَاتب كِتَابَته صَحِيحَة يُسَافر وَكَذَلِكَ فِي صرف الزَّكَاة إِلَيْهِ وَجْهَان وَجه الْمَنْع أَن الْكِتَابَة غير لَازِمَة من جِهَة السَّيِّد فَلَا يوثق بانصرافه إِلَى الْعتْق أما مَا يفْتَرق فِيهِ فأمران
أَحدهمَا أَن مَا يقبضهُ وَيحصل الْعتْق بِهِ يجب رده وَالرُّجُوع إِلَى قيمَة الرَّقَبَة كَمَا فِي الْخلْع الْفَاسِد
وَالثَّانِي أَنَّهَا لَا تلْزم من جِهَة السَّيِّد بل لَهُ أَن يفْسخ وَمهما فسخ أَو قضى القَاضِي بردهَا انْفَسَخ حَتَّى لَا يعْتق بأَدَاء النُّجُوم ويرتفع التَّعْلِيق أَيْضا لِأَن معنى قَوْله إِن أدّيت إِلَيّ فِي ضمن مُعَاوضَة فَأَنت حر وَالْفَسْخ يرفع الْمُعَاوضَة
ثمَّ يبتني على هَذَا اعني على عدم لُزُومه لَو مَاتَ السَّيِّد فَأدى إِلَى الْوَارِث لم يعْتق لِأَنَّهُ لَيْسَ هُوَ الْقَاتِل إِن أدّيت إِلَيّ فَأَنت حر وَالتَّعْلِيق غَالب على الْفَاسِد وَيتَفَرَّع مِنْهُ أَنه لَو
стр. 3558
أعْتقهُ عَن كَفَّارَته صَحَّ وَيكون كَأَنَّهُ فسخ الْكِتَابَة وَلَا يستتبع الْكسْب وَالْولد بِخِلَاف مَا لَو أعتق الْمكَاتب كِتَابَة صَحِيحَة فَإِنَّهُ يَقع عَن الْكِتَابَة وَلَا يبرأ عَن الْكَفَّارَة ويتبعه الْكسْب وَالْولد
وَلم تخَالف الْكِتَابَة الْفَاسِدَة قِيَاس الشَّافِعِي ﵁ إِلَّا فِي شي وَاحِد وَهُوَ إِثْبَات الإستقلال فِي الإكتساب وَحُصُول الْعتْق بِالْأَدَاءِ تشوفا إِلَيْهِ فَوَجَبَ السَّعْي فِي تَحْصِيل الْعتْق فَلَا يُمكن إِلَّا بِإِثْبَات الإستقلال بِالْكَسْبِ فَأصل الْكسْب يسلم لَهُ مهما اسْتَقل وَيَنْبَنِي عَلَيْهِ سُقُوط نَفَقَته وَصِحَّته مُعَامَلَته
أما إِلْزَامه من جهد السَّيِّد وَتَصْحِيح الْمُسَمّى حَتَّى لَا يرجع إِلَى الْقيمَة فَلَا ضَرُورَة فِيهِ فأجري على الْقيَاس
стр. 3559
النّظر الثَّانِي فِي أَحْكَام الْكِتَابَة
وَحكمهَا الْعتْق عِنْد بَرَاءَة الذِّمَّة بأَدَاء أَو إِبْرَاء أَو اعتياض واستقلال العَبْد بالإكتساب عقيب العقد وَيتَفَرَّع عَنهُ تَبَعِيَّة الْكسْب وَالْولد وَوُجُوب الْأَرْش وَالْمهْر على السَّيِّد عِنْد الْوَطْء وَالْجِنَايَة وَالْكِتَابَة تَقْتَضِي نُفُوذ تَصَرُّفَات الْمكَاتب بِمَا لَا ينْزع فِيهِ وَامْتِنَاع تصرف السَّيِّد فِي رقبته ومجموع هَذِه التفاصيل ترجع إِلَى خَمْسَة أَحْكَام
الحكم الأول فِيمَا لَا يحصل بِهِ الْعتْق وَفِيه مسَائِل
الأولى إِذا أَبْرَأ عَن بعض النُّجُوم أَو قبض بعضه لم يعْتق مِنْهُ شَيْء بل هُوَ عبد مَا بَقِي عَلَيْهِ دِرْهَم وَقَالَ عَليّ ﵁ يعْتق بِكُل جُزْء من النُّجُوم جُزْء من رقبته وَأما الْإِبْرَاء فِي الْكِتَابَة الْفَاسِدَة فَلَا توجب الْعتْق
الثَّانِيَة إِذا جن السَّيِّد فَقبض النُّجُوم لم يعْتق لِأَن قَبضه فَاسد حَتَّى يقبض وليه وللمكاتب اسْتِرْدَاده وَإِن تلف فَلَا ضَمَان لِأَنَّهُ المضيع بِتَسْلِيمِهِ إِلَيْهِ وَلَو جن الْمكَاتب فَقبض السَّيِّد مِنْهُ عتق لِأَن فعل العَبْد لَيْسَ بِشَرْط بل إِذا تعذر فعله فللسيد أَخذه هَكَذَا أطلقهُ الْأَصْحَاب وَفِيه نظر إِذْ لَا يبعد لُزُوم رَفعه إِلَى القَاضِي حَتَّى يُوفي النُّجُوم إِن رأى الْمصلحَة
أما اسْتِقْلَال السَّيِّد فمشكل عِنْد إِمْكَان مُرَاجعَة القَاضِي
أما الْكِتَابَة الْفَاسِدَة فَظَاهر النَّص أَنَّهَا تَنْفَسِخ بجنون السَّيِّد كَمَا تَنْفَسِخ بِمَوْتِهِ وَلَا تَنْفَسِخ بجنون العَبْد فَاخْتَلَفُوا فِي النصين وَحَاصِل مَا ذكر نقلا وتخريجا ثَلَاثَة أوجه
стр. 3560
أَحدهَا وَهُوَ الأقيس أَنه لَا تَنْفَسِخ لِأَنَّهُ وَإِن كَانَ جَائِزا فمصيره إِلَى اللُّزُوم كَالْبيع فِي زمَان الْخِيَار
وَالثَّانِي أَنه يَنْفَسِخ لضعف الْفساد الثَّالِث أَنه يَنْفَسِخ بجنون الْمولى دون العَبْد فَإِن الْكِتَابَة أبدا جَائِزَة من جَانب العَبْد فَلم يُؤثر الْفساد فِي جَانِبه
وَلَا خلاف أَن موت العَبْد يُوجب فسخ الْكِتَابَة الصَّحِيحَة أَيْضا وَقَالَ أَبُو حنيفَة ﵀ إِن خلف وَفَاء فللوارث أَدَاء نجومه وَأخذ الْفَاضِل بالوراثة
فَإِن قُلْنَا لَا تَنْفَسِخ بجنون العَبْد فأفاق وَأدّى عتق وَإِن قُلْنَا تَنْفَسِخ بجنون العَبْد فأفاق وَأدّى فَهَل يحصل الْعتْق بِمُجَرَّد التَّعْلِيق فِيهِ وَجْهَان وَالْأَظْهَر أَنه لَا يحصل كَمَا لَو فسخ السَّيِّد لِأَن هَذَا تَعْلِيق فِي ضمن مُعَاوضَة
وَالثَّالِثَة إِذا كَاتبا عبدا ثمَّ أعتق أَحدهمَا نصِيبه نفذ وسرى إِلَى نصيب شَرِيكه إِن كَانَ مُوسِرًا لَكِن يسري فِي الْحَال أَو يتَأَخَّر إِلَى أَن يعجز الْمكَاتب فِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا التَّأْخِير إِلَى أَن يعجز إِذْ السَّيِّد قد نصب سَبَب الْعتْق لنَفسِهِ بِالْكِتَابَةِ فَكيف يجوز إِبْطَاله
وَالثَّانِي أَنه يسري فِي الْحَال وَيقدر انْتِقَاله إِلَى الْمُعْتق من غير انْفِسَاخ فِي الْكِتَابَة بل يعْتق عَن جِهَة الْكِتَابَة عَن الْمُعْتق حَتَّى يكون الْوَلَاء للشَّرِيك وَلَا يُؤَدِّي إِلَى بطلَان الْكِتَابَة وَمِنْهُم من قَالَ ينْتَقل وتنفسخ الْكِتَابَة إِذْ الْعتْق أقوى من الْكِتَابَة فَيعتق كُله على الشَّرِيك الْمُعْتق وَمن هَذَا الْإِشْكَال حكى صَاحب التقري بوجها أَن الْكِتَابَة تمنع الْعتْق أصلا فَلَا يسري
فَإِذا فرعنا على الصَّحِيح وَهُوَ أَنه يسري فإبراؤه عَن نصِيبه وَقبض نصِيبه حَيْثُ
стр. 3561
يجوز الْقَبْض على مَا سَيَأْتِي كإعتاقه فِي اقْتِضَاء السَّرَايَة وَلَا نقُول إِنَّه مجبر على الْقَبْض فَلَا يسري لِأَنَّهُ مُخْتَار فِي إنْشَاء الْكِتَابَة الَّتِي اقْتَضَت إِجْبَاره على الْقَبْض نعم إِذا مَاتَ وَخلف مكَاتبا فبض أحد الِابْنَيْنِ نصِيبه عتق نصِيبه وَلم يسر لِأَنَّهُ مجبر على الْقبُول وَلم يصدر العقد مِنْهُ
أما إِذا ادّعى العَبْد على الشَّرِيكَيْنِ أَنه وفى نجومهما فَصدق أَحدهمَا وَكذبه الآخر عتق نصيب الْمُصدق وَهل يسري إِلَى الْبَاقِي فِيهِ قَولَانِ وَجه قَوْلنَا إِنَّه لَا يسري مَعَ أَنه مُخْتَار فِي التَّصْدِيق أَن مُقْتَضى إِقْرَاره عتق الْكل فَكيف يعْمل بِخِلَاف مُوجبه وَيقدر عتق الْبَعْض حَتَّى يسري
الرَّابِعَة أحد الإبنين الْوَارِثين إِذا أعتق نصِيبه من الْمكَاتب نفذ وَهل يقوم عَلَيْهِ الْبَاقِي إِن قَومنَا على أحد الشَّرِيكَيْنِ فِيهِ قَولَانِ وَجه الْفرق أَن عتقه يَقع عَن الْمَيِّت وَلذَلِك يكون الْوَلَاء للْمَيت وَيُمكن بِنَاء الْقَوْلَيْنِ على أَن الْوَارِث هَل يملك الْمكَاتب وَيحْتَمل أَن لَا يملك بِنَاء على أَن الدّين الْمُسْتَغْرق يمْنَع الْملك وَكَذَا الْخلاف فِي السَّرَايَة عِنْد إبرائه أما عِنْد قَبضه نصِيبه فَلَا سرَايَة لِأَنَّهُ مجبر
التَّفْرِيع
إِن قُلْنَا إِنَّه لَا يسري ورق النَّصِيب الآخر بِالْعَجزِ فَفِي وَلَاء النّصْف الأول وَجْهَان
أَحدهمَا أَنه بَين الْإِثْنَيْنِ لِأَن الْعتْق وَقع عَن الْمَيِّت فَلهُ الْوَلَاء وَلَهُمَا عصوبته
وَالثَّانِي أَنه للْمُعْتق وكأنا بِالآخِرَة تَبينا أَن الْعتْق وَقع عَن الْمُعْتق وتضمن انْفِسَاخ الْكِتَابَة لِأَن الْكِتَابَة لَا تقبل التَّبْعِيض وَقد انْفَسَخ فِي الْبَاقِي وَهَكَذَا الْخلاف إِن فرعنا على أَن الْعتْق يسري وَلَكِن يتَضَمَّن انْفِسَاخ الْكِتَابَة فِي مَحل السَّرَايَة لِأَنَّهُ قد انْفَسَخ فِي الْبَعْض
أما الْوَلَاء فِي مَحل السَّرَايَة فينبني على انْفِسَاخ الْكِتَابَة فَإِن رَأينَا أَنَّهَا تَنْفَسِخ بِالسّرَايَةِ
стр. 3562
فَالْولَاء فِيهِ لمن سرى عَلَيْهِ وَإِن قُلْنَا لَا تَنْفَسِخ فقد عتق العَبْد كُله عَن جِهَة كِتَابَة الْمَيِّت فَالْولَاء لَهما بعصوبته
فرع إِذا خلف ابْنَيْنِ وعبدا فَادّعى العَبْد أَن الْمُورث كَاتبه فَصدقهُ أَحدهمَا وَكذبه الآخر وَحلف صَار نصيب الْمُصدق مكَاتبا فيستقل العَبْد بِنصْف كَسبه ليصرفه إِلَى النُّجُوم ثمَّ إِن عتق نصيب الْمُصدق بِقَبْضِهِ النُّجُوم لم يسر لِأَنَّهُ مجبر عَلَيْهِ وَإِن عتق بِإِعْتَاق سرى وَلم يُمكن تَخْرِيجه على الْخلاف فِي السَّرَايَة إِلَى الْمكَاتب لِأَن الشَّرِيك يزْعم أَن نصِيبه رَقِيق فَلَا بُد وَأَن يسري إِلَيْهِ وَإِن عتق بِالْإِبْرَاءِ لم يسر فَإِن الشَّرِيك المكذب يَقُول الْإِبْرَاء لاغ إِذْ لَا كِتَابَة فَلَا يسري حَتَّى يُصَرح الْمُصدق بِلَفْظ يُوجب الْإِعْتَاق ثمَّ الصَّحِيح أَن الْمُصدق يشْهد مَعَ غَيره على المكذب فَيجوز لِأَن نصِيبه من النُّجُوم قد سلم بِإِقْرَار العَبْد فَلَا تُهْمَة فِيهِ
الْخَامِسَة إِذا قبض النُّجُوم ثمَّ وجدهَا نَاقِصَة فِي الْوَصْف فَإِن رَضِي اسْتمرّ الْعتْق وَيكون حُصُول الْعتْق عِنْد الْقَبْض أَو عِنْد الرِّضَا فِيهِ خلاف يَنْبَنِي على أَن الدّين النَّاقِص يملك عِنْد الْقَبْض أَو عِنْد الرِّضَا وَإِن أَرَادَ الرَّد فَلهُ ذَلِك ويرتد الْعتْق على معنى أَنه يتَبَيَّن أَنه لم يحصل لعدم الْقَبْض فِي الْمُسْتَحق وَهُوَ ظَاهر إِذا قُلْنَا لَا يحصل الْملك بِالْقَبْضِ وَإِن قُلْنَا يحصل فَيحصل الْعتْق أَيْضا بِحَسبِهِ حصولا غير مُسْتَقر بل ينْدَفع عِنْد الرَّد
فَلَو اطلع على النُّقْصَان بعد تلف النُّجُوم فَلهُ طلب الْأَرْش ويتبين أَن لَا عتق حَتَّى يُؤَدِّي الْأَرْش فَإِن عَجزه السَّيِّد وأرقه جَازَ كَمَا فِي نفس النُّجُوم ثمَّ الْأَرْش قدر قيمَة
стр. 3563
نُقْصَان النُّجُوم أَو مَا يُقَابله من الرَّقَبَة فِيهِ خلاف يجْرِي مثله فِي الْمُعَاوَضَات الْمُتَعَلّقَة بالديون
السَّادِسَة إِذا خرج النَّجْم مُسْتَحقّا تبين أَن لَا عتق وَلَيْسَ هُوَ كَمَا لَو قَالَ إِن أَعْطَيْتنِي ألفا فَأَنت حر فجَاء بمغصوب فَيحصل الْعتْق أَو الطَّلَاق فِي مثله على وَجه لتجرد حكم التَّعْلِيق وَوُجُوب صُورَة الْإِعْطَاء أما هَا هُنَا إِذا صحت الْمُعَامَلَة فَلَا يعْتق إِلَّا بِبَرَاءَة الذِّمَّة نعم يجْرِي الْخلاف فِي الْكِتَابَة الْفَاسِدَة إِذا صرح بِالتَّعْلِيقِ على أَدَاء الْألف
فرع
لَو قَالَ لَهُ عِنْد أَدَاء النُّجُوم اذْهَبْ فَإنَّك حر أَو عتقت فَلهُ رد الْعتْق وَلَا يؤاخد بِهِ فَإِنَّهُ قَالَ بِنَاء على ظَاهر الْحَال كالمشتري فَإِنَّهُ يرجع بِالثّمن إِذا خرج الْمَبِيع مُسْتَحقّا وَإِن كَانَ قد قَالَ هُوَ ملكي وَملك بائعي وَقد ذكرنَا فِيهِ وَجها أَنه لَا يرجع وَيجْرِي هَا هُنَا أَيْضا إِذْ لَا فرق أما إِذا أقرّ بِعِتْق أَو طَلَاق ثمَّ قَالَ كنت أطلقت لَفْظَة ظننتها نَافِذَة فراجعت الْمُفْتِي فَأفْتى بِأَنَّهُ لَا ينفذ قَالَ الصيدلاني يقبل قِيَاسا على هَذِه الْمَسْأَلَة وَهَذَا بعيد لِأَن الْإِقْرَار حجَّة صَرِيحَة وَفتح هَذَا الْبَاب يمْنَع الأقارير إِلَّا أَن قَوْله بعد قبض النُّجُوم أَنْت حر أَو عتقت هُوَ إِقْرَار وَلَا فرق بَين أَن يَقُوله جَوَابا إِذا سُئِلَ عَن حُرِّيَّته أَو ابْتِدَاء وَبَين أَن يَقُوله مُتَّصِلا بِقَبض النُّجُوم أَو بعده فَإِنَّهُ مَعْذُور فِي الْأَحْوَال كلهَا لظَنّه فَإِذا عذر هَا هُنَا فَلَا يبعد أَن يفتح هَذَا الْبَاب فِي كَلَام يجْرِي مجْرَاه
الحكم الثَّانِي مَا يتَعَلَّق بأَدَاء النُّجُوم وَفِيه سبع مسَائِل
الأولى أَنه يجب الإيتاء لقَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ من مَال الله﴾ وَلِأَنَّهُ مَا كَاتب أحد من السّلف إِلَّا وضع شَيْئا وَلنْ الْمُطلقَة تنْتَظر مهْرا فَإِذا لم تسلم تأذت فَوَجَبت الْمُتْعَة دفعا للأذى فَكَذَا العَبْد ينْتَظر الْعتْق مجَّانا فَإِذا كَانَ بعوض فَيَتَأَذَّى فَلَا بُد من إمتاعه
стр. 3564
ثمَّ النّظر فِي مَحَله وَوَقته وجنسه وَقدره
أما الْمحل فَهُوَ الْكِتَابَة الصَّحِيحَة وَفِي الْفَاسِدَة وَجْهَان بِنَاء على أَن الأَصْل فِي الإيتاء حط شَيْء من وَاجِب النُّجُوم أَو بذل شَيْء مَعَ أَنه لَا خلاف أَن الْوُجُوب يتَأَدَّى بِكُل وَاحِد مِنْهُمَا فَإِذا قُلْنَا الأَصْل هُوَ حط الْوَاجِب فَلَا يجب فِي الْفَاسِد النُّجُوم بل يجب قيمَة الرَّقَبَة بعد الْعتْق أما لَو بَاعَ العَبْد من نَفسه أَو أعْتقهُ على مَال فَالْمَشْهُور أَنه لَا يجب الإيتاء وَفِيه وَجه أَنه يجب لأجل الْعِوَض وَلَا خلاف أَن الْعتْق مجَّانا لَا يُوجب شَيْئا فَإِنَّهُ عين الإيتاء والإمتاع
أما الْوَقْت فَلَا يجب البدار عقيب العقد وَهل يجوز التَّأْخِير عَن الْعتْق فِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا نعم لِأَن مَقْصُوده أَن يكون بلغَة بعد الْعتْق
وَالثَّانِي لَا لِأَن مَقْصُوده أَن يكون مَعُونَة على الْعتْق
وَأما مِقْدَاره فَوَجْهَانِ
أَحدهمَا أَنه أقل مَا يتمول إِذْ ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الإيتاء بِخِلَاف الْمُتْعَة فَإِنَّهُ قدر بِالْمَعْرُوفِ
وَالثَّانِي أَنه لَا يَكْفِي ذَلِك إِذْ الْحبَّة لَا يحصل بهَا لَا بلغَة وَلَا مَعُونَة بل لَا بُد من قدر يَلِيق بِحَال السَّيِّد وَالْعَبْد وَقدر النُّجُوم
وَيظْهر لَهُ أثر فِي التَّيْسِير وَالتَّخْفِيف وَقد كَاتب ابْن عمر ﵁ عبدا لَهُ بِخَمْسَة
стр. 3565
وَثَلَاثِينَ ألف دِرْهَم ثمَّ حط عَنهُ خَمْسَة آلَاف وَهُوَ تسع المَال وَإِن كَانَ السَّبع إِلَى الْعشْر لائقا وَلَكِن لَا يتَقَدَّر بِهِ بل يجْتَهد القَاضِي عِنْد النزاع فَإِن شكّ فِي مِقْدَاره فيتقابل فِيهِ أصلان بَرَاءَة ذمَّة السَّيِّد وَبَقَاء الْأَمر بالإيتاء فليرجح
فرع
لَو بَقِي من النُّجُوم قدر لَا يقبل فِي الإيتاء أقل مِنْهُ فَلَيْسَ للسَّيِّد تعجيزه أصلا بل يرفعهُ إِلَى القَاضِي ليرى فِيهِ رَأْيه
أما الْجِنْس فليبرىء من بعض النُّجُوم أَو ليرد عَلَيْهِ مِمَّا أَخذ مِنْهُ أَو من جنسه فَإِن عدل إِلَى غير جنسه فَوَجْهَانِ وَجه الْمَنْع أَنه تعبد فهم من قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتُوهُمْ من مَال الله الَّذِي آتَاكُم﴾ وعنى بِهِ النُّجُوم فضاهى قَوْله تَعَالَى ﴿وَآتوا حَقه يَوْم حَصَاده﴾ وَالأَصَح أَن هَذِه مُعَاملَة فيتطرق الْعِوَض إِلَيْهَا
فرع
لَو مَاتَ السَّيِّد قبل الإيتاء فَهُوَ فِي تركته لَكِن النَّص أَنه يضارب بِهِ الْوَصَايَا وَهُوَ مُشكل لِأَن حق الدّين أَن يقدم فَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ مَا إِذا قدر زِيَادَة على الْوَاجِب فَمَاتَ وَمِنْهُم من قَالَ وجوب الإيتاء ضَعِيف فينقلب اسْتِحْبَابا بِالْمَوْتِ وَمِنْهُم من قَالَ أقل مَا يتمول دين وَالزِّيَادَة إِذا أوجبناها إِنَّمَا أَوجَبْنَا لِأَنَّهَا لائقة بِالْحَال وَلَا تلِيق بِمَا
стр. 3566
بعد الْمَوْت فَهُوَ الَّذِي أَرَادَ بِهِ الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وأرضاه
الْمَسْأَلَة الثَّانِيَة إِذا عجل النُّجُوم قبل الْمحل أجبر السَّيِّد على الْقبُول لأجل فك الرَّقَبَة كَمَا يجْبر فِي الدّين الَّذِي بِهِ رهن أما فِي سَائِر الدُّيُون المؤجلة فَوَجْهَانِ
ثمَّ إِنَّمَا يجْبر على قبُول النَّجْم إِذا لم يكن على السَّيِّد ضَرَر وَمؤنَة وَلم يكن وَقت نهب وغارة فَإِذا كَانَ عَلَيْهِ ضَرَر لم يلْزمه فَإِن كَانَ النهب مَقْرُونا بِوَقْت العقد فَفِي الْإِجْبَار وَجْهَان
وَحَيْثُ يجْبر فَلَو كَانَ غَائِبا أَو امْتنع قبض القَاضِي عَنهُ وَعتق وَيقبض النَّجْم الأول وَإِن لم يكن فِيهِ عتق أَيْضا لِأَنَّهُ تمهيد سَبَب لِلْعِتْقِ
وَلَو قَالَ لَا آخذه فَإِنَّهُ حرَام فَالْقَوْل قَول الْمكَاتب وَيجب أَخذه وَيعتق بِهِ
ثمَّ يجب عَلَيْهِ رده إِلَى مَالِكه إِن أَضَافَهُ إِلَى مَالك فَإِن لم يضف فَهَل ينتزع من يَده فِيهِ وَجْهَان فَإِن قُلْنَا لَا ينتزع فَلَو كذب نَفسه فَالظَّاهِر قبُوله وَيعود تصرفه فِيهِ
стр. 3567
فرع
إِذا قَالَ السَّيِّد عدل لي بعض النُّجُوم لأبرئك عَن الْبَعْض فقد نقل الْمُزنِيّ ﵀ فِي ذَلِك ترددا وَجعل الْمَسْأَلَة على قَوْلَيْنِ وَمحل الْقَوْلَيْنِ مُشكل لِأَن السَّيِّد إِن قَالَ إِذا عجلت فقد أَبْرَأتك فَهُوَ تَعْلِيق إِبْرَاء فَاسد وَإِن قَالَ العَبْد خُذ هَذَا بِشَرْط أَن تبرئني فأداؤه بِالشّرطِ فَاسد فَلَعَلَّ مَحل التَّرَدُّد أَن يبتدىء العَبْد الْأَدَاء بِالشّرطِ فأداؤه فَاسد لَكِن لَو أَبْرَأ السَّيِّد واستأنف العَبْد رضَا فِي دوَام الْقَبْض صَار الْقَبْض صَحِيحا فَلَو لم يسْتَأْنف فَهَل نقُول رِضَاهُ الأول كَانَ رِضَاء بِالْإِضَافَة إِلَى حَالَة الْإِبْرَاء وَقد تحقق فَهَل يَكْتَفِي بِهِ يحْتَمل فِيهِ تردد
الْمَسْأَلَة الثَّالِثَة فِي تعذر النُّجُوم وَله خَمْسَة أَسبَاب
الأول الإفلاس عِنْد الْمحل وَللسَّيِّد مبادرة الْفَسْخ فَإِن لم يُبَادر فَلهُ الْفَسْخ مَتى شَاءَ وَلَيْسَ هَذَا على الْفَوْر وَلَو استمهل الْمكَاتب لم يلْزمه إِلَّا بِقدر مَا يخرج المَال من المخزن فَإِن كَانَ مَاله غَائِبا فَلهُ الْفَسْخ وَلَو كَانَ لَهُ عرُوض لَا تشترى إِلَّا بعد زمَان فَلهُ الْفَسْخ وَقَالَ الصيدلاني لَا يفْسخ وَهُوَ بعيد وَإِذا عجز عَن الْبَعْض فَلهُ الْفَسْخ وَالْبَاقِي سلم للسَّيِّد إِلَّا مَا كَانَ من الزكوات فَإِنَّهَا ترد إِلَى أَصْحَابهَا
الثَّانِي إِذا غَابَ وَقت الْمحل فَلهُ الْفَسْخ وَلَا يحْتَاج إِلَى الرّفْع إِلَى القَاضِي على الصَّحِيح وَلَو كَانَ أذن لَهُ فِي السّفر فَلهُ أَن يرجع وَلَكِن لَا يُبَادر الْفَسْخ حَتَّى يعرفهُ الرُّجُوع عَن الْإِذْن فَإِن قصر بعد ذَلِك فِي الإياب وَالْأَدَاء فسخ
الثَّالِث أَن يمْنَع مَعَ الْقُدْرَة فَلهُ ذَلِك إِذْ لَيْسَ النُّجُوم لَازِما على العَبْد بل الْكِتَابَة جَائِزَة فِي جَانِبه لَكِن للسَّيِّد الْفَسْخ وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ لَيْسَ للْعَبد الْفَسْخ لَكِن لَهُ أَن لَا يُؤَدِّي مَعَ الْقُدْرَة حَتَّى يفْسخ السَّيِّد وَهُوَ متناقض لِأَن العقد إِن كَانَ لَازِما فليجب الْوَفَاء بِهِ
стр. 3568
الرَّابِع إِذا جن العَبْد وَقُلْنَا لَا يَنْفَسِخ على الْأَصَح فَالْقَاضِي إِن علم لَهُ مَالا وَرَأى مصْلحَته فِي الْعتْق أدّى عَنهُ وَإِن رأى أَنه يضيع إِن عتق فَلهُ أَن لَا يُؤَدِّي عَنهُ وَكَلَام الْأَصْحَاب يُشِير إِلَى أَن السَّيِّد يسْتَقلّ بِالْأَخْذِ إِذْ ذكرُوا أَن الْقَبْض من العَبْد الْمَجْنُون يُوجب الْعتْق وَفِيه نظر إِذْ رُبمَا لم يرضى بِالْعِتْقِ وَالْأَدَاء إِذا أَفَاق إِلَّا أَن هَذَا لَا فَائِدَة فِيهِ فَإِن السَّيِّد يقدر على إِعْتَاقه بِكُل حَال فَأَي فرق بَين أَن يَأْخُذ كَسبه عَن جِهَة النُّجُوم أَو عَن جِهَة رالرق
الْخَامِس الْمَوْت وَذَلِكَ يُوجب انْفِسَاخ الْكِتَابَة وَإِن خلف وَفَاء لتعذر الْعتْق بعد الْمَوْت
فرع
لَو استسخر الْمكَاتب شهرا وَغرم لَهُ أُجْرَة الْمثل فَإِذا حل النَّجْم وَعجز فَلهُ الْفَسْخ وَفِيه وَجه أَنه يلْزمه أَن ينظره مثل مُدَّة الإستسخار لِأَنَّهُ كَانَ يتَوَقَّع اتِّفَاق فتوح فِي ذَلِك الشَّهْر فيعوضه بِمثل تِلْكَ الْمدَّة فَلَعَلَّهُ يتَحَقَّق توقعه
الْمَسْأَلَة الرَّابِعَة فِي ازدحام الدُّيُون وَلها صور
الأولى أَن يكون الدّين للسَّيِّد فَإِذا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دين مُعَاملَة ونجوم وَفِي يَده مَا يَفِي بِأَحَدِهِمَا فَلَو تطوع السَّيِّد وَأخذ عَن النُّجُوم عتق وَدين الْمُعَامَلَة يبْقى فِي ذمَّته وَله أَن يَأْخُذ عَن جِهَة الْمُعَامَلَة ويعجزه وَلَو أَرَادَ تعجيزه قبل أَن يَأْخُذ مَاله عَن جِهَة الدّين فَفِيهِ وَجْهَان
أَحدهمَا لَهُ ذَلِك لَان لَهُ طلبهما جَمِيعًا ويتضمن ذَلِك عَجزه عَن بعض النُّجُوم لَا محَالة
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ قَادر على النُّجُوم وَإِنَّمَا تَزُول الْقُدْرَة بإخلاء يَده عَن المَال
فرع
لَو قبض المَال مُطلقًا وَقصد السَّيِّد الدّين وَقصد العَبْد النُّجُوم فالإعتبار بِأَيّ قصد فِيهِ وَجْهَان وَتظهر فَائِدَته فِي التَّحْلِيف عِنْد النزاع فَإِن القَوْل قَول من تعتمد نِيَّته
الثَّانِيَة أَن يكون عَلَيْهِ دين مُعَاملَة وَأرش لأَجْنَبِيّ وَلَيْسَ عَلَيْهِ للسَّيِّد إِلَّا النُّجُوم فَإِن لم يحْجر القَاضِي بعد عَلَيْهِ فَلهُ أَن يقدم أَي دين شَاءَ وَإِن حجر بالتماس الْغَيْر فالنص أَنه يوزع
стр. 3569
على الدُّيُون لِأَن كل وَاحِد لَو انْفَرد لاستغرق تَمام حَقه وَالَّذِي ذهب إِلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ أَن الْمُقدم دين مُعَاملَة الْأَجْنَبِيّ لِأَنَّهُ لَا يجد مُتَعَلقا من الرَّقَبَة بِخِلَاف الْأَرْش والنجم ثمَّ أرش الْأَجْنَبِيّ يقدم على النَّجْم لِأَنَّهُ يقدم على حق الْمَالِك حَتَّى يُبَاع فِيهِ العَبْد
الثَّالِثَة أَن يعجز الْمكَاتب نَفسه فَتسقط عَنهُ النُّجُوم وَيبقى للأجانب الْأَرْش وَدين الْمُعَامَلَة وَفِيه ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا وَهُوَ الصَّحِيح أَنه يقسم مَا فِي يَده عَلَيْهِمَا بِالسَّوِيَّةِ
وَالثَّانِي أَنه يقدم دين الْمُعَامَلَة لتَعلق صَاحب الْأَرْش بِالرَّقَبَةِ
وَالثَّالِث وَهُوَ غَرِيب أَن يقدم الْأَرْش وَيُقَال لصَاحب الْمُعَامَلَة قد قنعت بذمية فَاتبعهُ إِذا عتق وَهَذَا يلْزم طرده فِي الصُّورَة الثَّانِيَة وَهُوَ بعيد جدا
التَّفْرِيع
إِن قُلْنَا يقدم الْمُعَامَلَة فَلَو مَاتَ الْمكَاتب وَخلف شَيْئا فَالصَّحِيح أَنه يسوى بَينه وَبَين الْأَرْش إِذْ لم يبْق طمع فِي الرَّقَبَة ليتعلق بهَا الْأَرْش وَمِنْهُم من استصحب دين الْمُعَامَلَة
فرعان
أَحدهمَا أَن لمستحق الْأَرْش تعجيز الْمكَاتب حَتَّى يفْسخ الْكِتَابَة وَيبِيع الرَّقَبَة فَلَو أَرَادَ السَّيِّد فداءه لتستمر الْكِتَابَة لم يجب على الْمَجْنِي عَلَيْهِ قبُوله لِأَنَّهُ إِنَّمَا يتَعَلَّق بِالرَّقَبَةِ بعد انْفِسَاخ الْكِتَابَة وَإِنَّمَا لَهُ الْفِدَاء عِنْد التَّعْلِيق وَفِيه وَجه أَنه يجب قبُوله لغَرَض السَّيِّد فِي دوَام الْكِتَابَة
стр. 3570
وَأما صَاحب دين الْمُعَامَلَة فَلَيْسَ لَهُ التَّعْجِيز على الْمَذْهَب إِذْ لَيْسَ لَهُ طمع فِي الرَّقَبَة فَلَا فَائِدَة لَهُ فِي التَّعْجِيز
الْ فَرْع الثَّانِي لَو كَانَ للسَّيِّد دين مُعَاملَة وَنجم فَلَا يضارب الْغُرَمَاء بِالنَّجْمِ ويضارب بدين الْمُعَامَلَة لِأَنَّهُ لَا يقْضِي من الرَّقَبَة وَفِيه وَجه أَنه لَا يضارب لِأَن حَقه على عَبده ضَعِيف وعرضة للسقوط
الْمَسْأَلَة الْخَامِسَة إِذا كَاتبا عبدا فَلَيْسَ للْعَبد أَن يقْضِي نصيب أَحدهمَا وَحده لِأَن كل مَا فِي يَده كالمشترك بَين السيدين لَكِن لَو وكل أَحدهمَا صَاحبه بِقَبض نصِيبه فَإِذا قبض الْجَمِيع عتق العَبْد وَلَو استبد بِتَسْلِيم الْجَمِيع إِلَى أَحدهمَا لم يعْتق مِنْهُ شَيْء لِأَن الْقَابِض لَا يملك مِنْهُ شَيْئا مَا لم يملك شَرِيكه مثله وَفِيه وَجه أَنه يعْتق نصِيبه إِذْ لَيْسَ عَلَيْهِ رفع الْيَد إِلَّا عَن النّصْف
وَلَو رَضِي أَحدهمَا بِتَقْدِيم الآخر بِنَصِيبِهِ فَهَل يَصح الْأَدَاء فِيهِ وَجْهَان ينبنيان على نُفُوذ التَّبَرُّع بِإِذن السَّيِّد وَقيل يَنْبَنِي على أَن كِتَابَة أَحدهمَا بِإِذن صَاحبه هَل تصح فِي نصِيبه وَحده لِأَن هَذَا يُؤَدِّي إِلَى أَن يعْتق الْبَعْض وَتبقى الْكِتَابَة فِي الْبَاقِي
التَّفْرِيع
إِن قضينا بِفساد الْأَدَاء فَهُوَ رَقِيق وَيسْتَرد مِنْهُ وَإِن قُلْنَا صَحِيح فَلَا نقُول بِعِتْق نصِيبه ويسري بل إِن كَانَ فِي يَده وَفَاء أدّى نصيب الثَّانِي وَعتق كُله عَلَيْهِمَا وَإِن عجز عَن نصيب الثَّانِي قَالَ ابْن سُرَيج لَا يُشَارك الأول فِيمَا قبض بِإِذْنِهِ وَلَكِن عتق على الأول نصِيبه وَهل يقوم عَلَيْهِ الْبَاقِي فِيهِ الْخلاف الْمَذْكُور فِي سرَايَة عتق الشَّرِيك فِي الْمكَاتب وَقَالَ غَيره بل يُشَارِكهُ فِيمَا قبض لِأَنَّهُ أذن فِي التَّقْدِيم لَا فِي التَّكْمِيل ثمَّ إِذا شَارك فَلَهُمَا التَّعْجِيز بِسَبَب الْبَاقِي ويرق العَبْد
فرع
لَو ادّعى أَنه وفاه النُّجُوم فَصدقهُ أَحدهمَا وَكذبه الآخر فَلهُ أَن يُشَارك الْمُصدق فِيمَا أقرّ بِقَبْضِهِ وَله أَن يُطَالب الْمكَاتب بِتمَام نصِيبه إِن شَاءَ ثمَّ لَا تراجع بَين الْمكَاتب والمصدق فِيمَا يَأْخُذهُ المكذب مِنْهُمَا إِذْ مُوجب قَوْلهمَا أَن المكذب ظَالِم وَلَا يرجع الْمَظْلُوم إِلَّا على ظَالِم
стр. 3571
الْمَسْأَلَة السَّادِسَة إِذا كَاتب عَبْدَيْنِ فجَاء أَحدهمَا بِمَال ليتبرع بأَدَاء نُجُوم الثَّانِي وَقُلْنَا لَا ينفذ تبرعه بِالْإِذْنِ فَالْمَال للمؤدي لَكِن قد نَص الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن الْمُؤَدِّي لَو عتق بِمَال آخر لم يرجع إِلَى ذَلِك المَال وَنَصّ على أَن الْمكَاتب لَو عَفا عَن أرش جِنَايَة ثَبت لَهُ على سَيّده فَإِذا عتق رَجَعَ فِيهِ فَقيل قَولَانِ بِالنَّقْلِ والتخريج بِنَاء على أَن تصرف الْمُفلس إِذا رد للحجر فَإِذا انْقَضتْ دُيُونه فَهَل ينفذ بعده
وَلَا خلاف أَنه لَو اسْتردَّ قبل الْعتْق ثمَّ عتق لم يكن للسَّيِّد اسْتِرْدَاده فَإِنَّمَا إِنَّمَا ينفذ بعد الْعتْق إِذا لم يقبضهُ قبل الْعتْق
أما إِذا تكفل أحد الْعَبْدَيْنِ بنجوم الآخر لم يَصح لِأَن النُّجُوم لَيْسَ بِلَازِم على العَبْد فَلَا يَصح ضَمَانه وَلَو شَرط ضَمَان أَحدهمَا للْآخر فسد العقد
فرع
لَو كَانَا متفاوتي الْقيمَة وَجَاء المَال ثمَّ ادّعى الخسيس أَنَّهُمَا أديا على عدد الرؤس وَقَالَ الآخر بل على قدر النُّجُوم فَفِيهِ نصان مُخْتَلِفَانِ فَقيل قَولَانِ
أَحدهمَا أَن القَوْل قَول من يَدعِي الإستواء لِأَنَّهُ كَانَ فِي يدهما وَهُوَ الصَّحِيح
وَالثَّانِي القَوْل قَول الآخر لِأَن قرينَة التَّفَاوُت فِي النُّجُوم تشهد لَهُ وَقيل بل الْمَسْأَلَة على حَالين فَالْقَوْل قَول من يَدعِي الإستواء إِلَى أَن يَقْتَضِي ذَلِك فِي النَّجْم الْأَخير اسْتِرْدَاد شَيْء من السَّيِّد فَالْقَوْل قَول من يُنكره
الْمَسْأَلَة السَّابِعَة فِي النزاع وَله صور
الأولى إِذا اخْتلف السَّيِّد وَالْمكَاتب فِي قدر النُّجُوم أَو فِي جنسه أَو فِي مِقْدَار الْأَجَل تحَالفا وتفاسخا وَإِن كَانَ بعد حُصُول الْعتْق بالإتفاق وَفَائِدَة الْفَسْخ الرُّجُوع إِلَى قيمَة الرَّقَبَة
стр. 3572
أما رد الْعتْق فَغير مُمكن وَصورته أَن يقبض مِنْهُ أَلفَيْنِ وَيَدعِي العَبْد أَن بعضه وَدِيعَة وَقَالَ السَّيِّد بل النُّجُوم أَلفَانِ
الثَّانِيَة أَن يختلفا فِي أصل الْأَدَاء أَو فِي أصل الْكِتَابَة فَالْقَوْل قَول السَّيِّد فَلَو قَالَ العَبْد لي بَيِّنَة على الْأَدَاء أمْهل ثَلَاثَة أَيَّام فَإِن أَتَى بِرَجُل وَامْرَأَتَيْنِ قبل إِلَّا فِي النَّجْم الْأَخير فَفِيهِ وَجْهَان لتعليق الْعتْق بِهِ
الثَّالِثَة لَو مَاتَ الْمكَاتب وَله ولد من مُعْتقه كَانَ وَلَاؤُه لموَالِي الْمُعتقَة فَلَو قَالَ السَّيِّد عتق قبل الْمَوْت وجر إِلَيّ وَلَاء أَوْلَاده فَالْقَوْل قَول مولى الْأُم إِنَّه مَاتَ قبل الْعتْق لِأَن الأَصْل عدم الْقَبْض واستمرار الْوَلَاء
الرَّابِعَة كَاتب عَبْدَيْنِ وَأقر بِأَنَّهُ قبض نُجُوم أَحدهمَا فَلِكُل وَاحِد أَن يَدعِي فَإِن أقرّ لأَحَدهمَا وَنكل عَن يَمِين الآخر حَتَّى حلف الْمُدَّعِي عتق هَذَا بِالْيَمِينِ الْمَرْدُودَة وَعتق الأول بِالْإِقْرَارِ وَإِن مَاتَ قبل الْبَيَان فللوارث أَن يحلف على نفي الْعلم بِمَا عناه الْمُورث وَإِذا حلف استبهم فَهَل يقرع بَينهمَا فِيهِ قَولَانِ
أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ عتق استبهم
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ دين استبهم من عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ عتق عبد معِين من عَبْدَيْنِ وَإِنَّمَا تجْرِي الْقرعَة عِنْد إِعْتَاق الْعَبْدَيْنِ جَمِيعًا وقصور الثُّلُث عَن الْوَفَاء وإبهام الْعتْق بَينهمَا
لَكِن إِذا قُلْنَا لَا يقرع فللوارث أَن يعجزهما ليحصل تعجيز الرّقّ مِنْهُمَا وَبعد ذَلِك يستبهم عتق بَين عَبْدَيْنِ فَلَا تبعد الْقرعَة
стр. 3573
الحكم الثَّالِث حكم التَّصَرُّفَات
أما تَصَرُّفَات السَّيِّد فَفِيهَا خمس مسَائِل
الأولى بيع الْمكَاتب كِتَابَة فَاسِدَة صَحِيح وَهُوَ رُجُوع وَإِن كَانَت الْكِتَابَة صَحِيحَة فَهُوَ بَاطِل على القَوْل الْجَدِيد لِأَن العَبْد اسْتحق عتقا عَلَيْهِ وَفِي بيع العَبْد نقل الْوَلَاء إِلَى غَيره وَالْقَوْل الْقَدِيم أَنه يَصح وَيكون مكَاتبا على المُشْتَرِي إِن أدّى إِلَيْهِ النُّجُوم عتق وَله الْوَلَاء وَإِن عجز رق لَهُ
الثَّانِيَة بيع نُجُوم الْكِتَابَة بَاطِل لِأَن ضَمَانه أَيْضا بَاطِل لعدم لُزُومه وَفِي الإستبدال عَنهُ وَجْهَان وَخرج ابْن سُرَيج قولا أَنه يَصح بَيْعه
ثمَّ إِذا منعنَا بَيْعه فَقبض المُشْتَرِي النُّجُوم لم يعْتق وَيرد على الْمكَاتب وَفِيه وَجه أَنه يعْتق لِأَنَّهُ مَأْذُون فِي الْقَبْض من البَائِع فَكَأَنَّهُ وَكيله فعلى هَذَا ترد النُّجُوم على السَّيِّد إِذا عتق عَلَيْهِ
الثَّالِثَة للسَّيِّد مُعَامَلَته بِالْبيعِ وَالشِّرَاء وَيَأْخُذ الشُّفْعَة مِنْهُ وَيَأْخُذ هُوَ من السَّيِّد ويلتزم كل وَاحِد الْأَرْش عِنْد الْجِنَايَة على صَاحبه فَلَو ثَبت لَهُ على السَّيِّد دين مثل النُّجُوم فِي قدره وجنسه عتق حَيْثُ نوى وُقُوع التَّقَاصّ وَفِي أصل التَّقَاصّ عِنْد تَسَاوِي الدينَيْنِ أَرْبَعَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنه لَا يَقع مَعَ الرِّضَا لإنه إِبْدَال دين بدين
وَالثَّانِي يَقع إِن رَضِينَا جَمِيعًا وَكَأَنَّهُ يشبه الْحِوَالَة
وَالثَّالِث أَنه يَقع إِن رَضِي أَحدهمَا كَمَا يجْبر أحد الشَّرِيكَيْنِ على الْقِسْمَة عِنْد طلب أَحدهمَا
وَالرَّابِع أَنه يَقع التَّقَاصّ لِأَن طلبه مِنْهُ إِذا كَانَ هُوَ مطالبا بِمثلِهِ عنت وَلَعَلَّه الْأَصَح وَقَالَ صَاحب التَّقْرِيب إِن أجرينا التَّقَاصّ فِي النَّقْدَيْنِ فَفِي ذَوَات الْأَمْثَال
стр. 3574
وَجْهَان فَإِن أجرينا فَفِي الْعرُوض المتساوية وَجْهَان وَلَا شكّ فِي أَنه لَا يجوز التَّقَاصّ بَين المكسر وَالصَّحِيح وَالْحَال والمؤجل
الرَّابِعَة لَو أوصى بِرَقَبَة الْمكَاتب لم يَصح وَإِن عجز إِلَّا أَن يضيف إِلَى الْعَجز فَيَقُول إِن عجز فقد أوصيت بِهِ لفُلَان فَفِيهِ وَجْهَان مرتبان على مَا لَو قَالَ إِن ملكت ذَلِك العَبْد فقد أوصيت بِهِ لفُلَان وَهَذَا أولى بِالصِّحَّةِ لقِيَام أصل الْملك
وَلَو أوصى بالنجوم لإِنْسَان جَازَ فِيمَا يخرج من الثُّلُث فَإِن عجز فللوارث التَّعْجِيز وَإِن أنظر الْمُوصى لَهُ وَحَيْثُ تصح الْوَصِيَّة بِرَقَبَتِهِ إِذا عجز فللموصى لَهُ تعجيزه وَإِن أنظر الْوَارِث وَإِنَّمَا يتعاطى القَاضِي تعجيزه إِذا تحقق ذَلِك عِنْده
الْخَامِسَة إِذا قَالَ ضَعُوا عَن الْمكَاتب أَكثر مَا عَلَيْهِ وَمثل نصفه والنجوم ثَمَانِيَة مثلا فَيُوضَع لأجل الْأَكْثَر أَربع وَشَيْء وَلقَوْله مثل نصفه نصف الْأَرْبَعَة وَالشَّيْء فَيجوز أَن يبْقى عَلَيْهِ دِرْهَمَانِ إِلَّا شَيْئَيْنِ
وَلَو قَالَ ضَعُوا عَنهُ مَا شَاءَ فشاء الْكل لم يوضع بل لَا بُد من إبْقَاء شَيْء وَإِن قل وَفِيه وَجه أَنه يوضع الْكل بِخِلَاف مَا لَو قَالَ ضَعُوا من نجومه مَا شَاءَ فَإِن من تَقْتَضِي التَّبْعِيض
أما تَصَرُّفَات الْمكَاتب فَهُوَ فِيهِ كَالْحرِّ إِلَّا مَا فِيهِ تبرع أَو خطر فَوَات
أما التَّبَرُّع كَالْهِبَةِ وَالْعِتْق وَالشِّرَاء بِالْعينِ وَالْبيع بالمحاباة والضيافة والتوسع فِي المطاعم والملابس
وَأما الْخطر فَهُوَ كَالْبيع بِالنَّسِيئَةِ وَإِن استوثق بِالرَّهْنِ فَإِنَّهُ لَا يدْرِي عاقبته وَقد يجوز مثل ذَلِك فِي مَال الطِّفْل بِالْمَصْلَحَةِ وَلَكِن هَا هُنَا لَا تطلب مصلحَة الْمكَاتب بل مصلحَة الْعتْق وَالْيَد وَلذَلِك لَا ترفع يَد السَّيِّد عَن الْمَبِيع قبل قبض الثّمن وَلَا يهب بِثَوَاب مَجْهُول وَلَا يُكَاتب وَلَا يتَزَوَّج لِأَنَّهُ يتَعَرَّض للنَّفَقَة وَالْمهْر وَلَا يتسرى إِذْ تتعرض الْجَارِيَة للهلاك بالطلق
стр. 3575
وَلَا يَشْتَرِي من يعْتق عَلَيْهِ وَلَا يتهب أَيْضا من يعْتق عَلَيْهِ إِلَّا إِذا كَانَ كسوبا لَا تجب نَفَقَته
وَأما إِقْرَاره فَيقبل كَالْمَرِيضِ وكل مَا منع إِذا اسْتَقل فَلَو أذن فِيهِ السَّيِّد فَقَوْلَانِ
أَحدهمَا الْجَوَاز لِأَن الْحق لَا يعدوهما
وَالثَّانِي الْمَنْع لِأَن حق الْعتْق ملحوظ أَيْضا وَإِذن السَّيِّد لَا أثر لَهُ وَقد اسْتَقل الْمكَاتب بِنَفسِهِ
فروع
الأول نِكَاحه بِإِذْنِهِ فِيهِ الْقَوْلَانِ وَقيل إِنَّه يَصح قولا وَاحِدًا لِأَنَّهُ من حَاجته وَهُوَ ضَعِيف إِذْ لَو كَانَ كَذَلِك لاستقل بِهِ ولجاز التَّسَرِّي وَلِأَن للكتابة آخرا فَإِن الصَّبْر إِلَيْهِ مُمكن
الثَّانِي فِي تَزْوِيج الْمُكَاتبَة طَرِيقَانِ
أَحدهمَا التَّخْرِيج على الْقَوْلَيْنِ
وَالثَّانِي الْجَوَاز قطعا إِذْ تسْتَحقّ المه روالنفقة وَلَا يلْزمهَا تَسْلِيم نَفسهَا نَهَارا بل تكتسب كالأمة لَا كَالْحرَّةِ وَقيل إِنَّه لَا يجوز قولا وَاحِدًا وَهُوَ ضَعِيف
الثَّالِث ذكر الْعِرَاقِيُّونَ فِي مسافرة الْمكَاتب دون الْإِذْن وَجْهَيْن ثمَّ مِنْهُم من طرد فِي كل سفر وَمِنْهُم من خصص بِالسَّفرِ الطَّوِيل وَقَالَ هُوَ انسلال عَن لحاظ السَّيِّد بِالْكُلِّيَّةِ
الرَّابِع لَو وهب من السَّيِّد شَيْئا خرج على الْقَوْلَيْنِ وَقيل يَصح قطعا كَمَا يعجل النَّجْم الأول إِلَيْهِ وَلَا يعجل الدّين إِلَى غَيره
الْخَامِس لَو اتهب الْمكَاتب نصف من يعْتق عَلَيْهِ فكاتب عَلَيْهِ حَتَّى يعْتق بِعِتْقِهِ ويرق برقه فَإِن عتق فَعتق النّصْف قَالَ ابْن الْحداد يقوم عَلَيْهِ الْبَاقِي إِن كَانَ مُوسِرًا عِنْد الْعتْق لِأَنَّهُ مُخْتَار فِيهِ وَقَالَ الْقفال لَا يسري لِأَنَّهُ لم يسر عِنْد حُصُول الْملك فَلَا يسري بعده وَهُوَ الْأَصَح
السَّادِس لَو اشْترى من يعْتق على سَيّده صَحَّ ثمَّ إِن عجز وانقلب إِلَى السَّيِّد عتق عَلَيْهِ وَلَو اتهب العَبْد الْقِنّ دون إِذن السَّيِّد فَفِيهِ وَجْهَان فَإِن جَوَّزنَا فاتهب من يعْتق عَلَيْهِ وَهُوَ غير كسوب لم يجز إِلَّا بِالْإِذْنِ لأجل النَّفَقَة
следующие страницы →