Полный текст (3 585 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
وَذكر بعض الْأَصْحَاب فِي كَونه أصلا قَوْلَيْنِ
وَهل يتَعَيَّن أحد الْأَجْنَاس فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنه يتَخَيَّر بَينهمَا لوُرُود الْخَبَر بِلَفْظ التَّخْيِير وَهُوَ ضَعِيف لِأَن المُرَاد بِهِ التنويع
وَالثَّانِي أَن الْمُعْتَبر قوته كَمَا يعْتَبر فِي الزَّكَاة مَاشِيَته
وَالثَّالِث وَهُوَ الْأَصَح أَنه يعْتَبر الْغَالِب من قوت الْبَلَد فِي وَقت وجوب الْفطْرَة لَا فِي جَمِيع السّنة
ثمَّ إِذا تعين جنس تفرع عَنهُ ثَلَاثَة فروع
الأول أَنه لَو أخرج جِنْسا أشرف مِمَّا عَلَيْهِ كالبر بدل الشّعير يُجزئهُ وَلَو أخرج الأردأ لَا يُجزئهُ وَالْبر أشرف من التَّمْر فِي غَرَض الاقتيات فَلَا ينظر إِلَى الْقيمَة وَالتَّمْر أشرف من الزَّبِيب وَفِي الزَّبِيب مَعَ الشّعير تردد وَلَو وَجب الشّعير فَأخْرج نصف صَاع من الشّعير وَنصف صَاع من الْبر لم يجز على أحد الْوَجْهَيْنِ لما فِيهِ من التنويع
الثَّانِي لَو كَانَ يَلِيق الْبر بِحَالهِ فَكَانَ يتَنَاوَل الشّعير بخلا لزمَه الْبر وَلَو كَانَ يَلِيق بِهِ الشّعير وَكَانَ يتَنَاوَل الْبر توسعا فَفِي أَخذ الشّعير وَجْهَان أصَحهمَا أَنه يُؤْخَذ نظرا إِلَى اللَّائِق بِهِ
الثَّالِث إِذا اخْتلف قوت السيدين فِي العَبْد الْمُشْتَرك قَالَ ابْن سُرَيج يُكَلف من قوته أردأ أَن يُوَافق الآخر ليتحد النَّوْع فَإِن العَبْد مُتحد
وَقَالَ ابْن الْحداد لَا يُبَالِي بالتنويع لأجل الضَّرُورَة
стр. 842
وَلَا خلاف فِي أَن الْكَفَّارَات لَا يركب آحادها من الصّيام وَالْإِطْعَام إِلَّا كَفَّارَة الصَّيْد فَإِن الْجَمَاعَة إِذا اشْتَركُوا لَزِمَهُم جَزَاء وَاحِد وَلَا يلْزمهُم التوافق فِي الطَّعَام أَو الصّيام نعم لَو اتَّحد الْقَاتِل والمقتول فَفِي جَوَاز التنويع وَجْهَان وَوجه الْجَوَاز أَن هَذِه الْكَفَّارَة متبعضة بِالْجِنَايَةِ على أَطْرَاف الصَّيْد
стр. 843
= كتاب الصّيام = وَلَا خَفَاء بِكَوْنِهِ من أَرْكَان الشَّرْع وَالنَّظَر فِيهِ يحصره قِسْمَانِ الأول فِي نفس الصَّوْم وَالثَّانِي فِي مُوجبَات الْإِفْطَار ومبيحاته
стр. 844
الْقسم الأول فِي نفس الصَّوْم وَالنَّظَر فِي سَببه وركنه وَشَرطه وسننه
القَوْل فِي السَّبَب
قَالَ رَسُول الله ﷺ صُومُوا لرُؤْيَته وأفطروا لرُؤْيَته وَإِن غم عَلَيْكُم فاستكملوا الْعدة ثَلَاثِينَ يَوْمًا فرؤية الْهلَال سَبَب الْوُجُوب
وَالنَّظَر فِي ثَلَاثَة أُمُور
الأول فِي طَريقَة مَعْرفَته
وأقصاه بعد العيان شَهَادَة عَدْلَيْنِ سَوَاء كَانَت السَّمَاء مضحية أَو لم تكن
стр. 845
وَهل يقبل قَول وَاحِد فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال
أَحدهَا أَنه لَا يقبل كَمَا فِي هِلَال شَوَّال
وَالثَّانِي يقبل إِن كَانَ على صِفَات الشُّهُود لما رُوِيَ عَن ابْن عمر أَنه قَالَ ترَاءى النَّاس الْهلَال فرأيته وحدي فَشَهِدت عِنْد النَّبِي ﷺ فَأمر النَّاس بِالصَّوْمِ
وَلِأَن فِيهِ احْتِيَاطًا لأمر الْعِبَادَة بِخِلَاف شَوَّال وعَلى هَذَا لَو شهد وَاحِد
стр. 846
واستكملنا ثَلَاثِينَ فَلم ير هِلَال شَوَّال فَفِي الْإِفْطَار وَجْهَان وَوجه الْجَوَاز أَن أول الشَّهْر إِذا ثَبت بقوله فالآخر ثَبت ضمنا لَا قصدا فَكَانَ كالنسب الذى يثبت ضمنا للولادة بقول مُجَرّد النِّسَاء
وَلَو شهد عَدْلَانِ وَكَانَت السَّمَاء مضحية لَيْلَة الْحَادِي وَالثَّلَاثِينَ وَلم ير لم نجز الْإِفْطَار على أحد الْوَجْهَيْنِ إِذْ قَول العدلين اجْتِهَاد وَهَذَا يَقِين فَلَا يعْمل مَعَه
وَالثَّالِث أَنه يَكْفِي صفة الروَاة فَلَا يشْتَرط الْحُرِّيَّة وَكَانَ هَذَا من قبيل الْإِخْبَار
فرع
هَل يثبت الْهلَال بِالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة إِن قُلْنَا إِنَّه من قبيل الْإِخْبَار يثبت وَإِن قُلْنَا شَهَادَة تبنى على أَن حق الله هُوَ يثبت بِالشَّهَادَةِ على الشَّهَادَة وَفِيه خلاف
الْأَمر الثَّانِي عُمُوم حكم الْهلَال
فَإِذا رأى فِي مَوضِع فَهَل يتَعَدَّى حكمه إِلَى سَائِر الْبِلَاد فِيهِ وَجْهَان
стр. 847
أَحدهمَا نعم لِأَن منَاط التَّعَبُّد أَن يصير مرئيا ببعده عَن الشَّمْس وَلَو فِي مَوضِع وَاحِد
وَالثَّانِي لَا بل مناطه أَن يصير مرئيا فِي قطر الْمُكَلّفين وَذَلِكَ يخْتَلف بالبلاد
وعَلى هَذَا لَا ضبط إِلَّا مَسَافَة الْقصر فَإِن تحكم المنجم قَبِيح شرعا
فرع
لَو رأى الْهلَال ببلدة وسافر إِلَى بَلْدَة أُخْرَى واستكمل الثَّلَاثِينَ وَلم ير النَّاس الْهلَال
стр. 848
فَإِن قُلْنَا الحكم يعم فَلهُ الْإِفْطَار وعَلى النَّاس مُوَافَقَته إِن ثَبت عِنْدهم عَدَالَته وَإِن قُلْنَا لكل بقْعَة حكمهَا فَعَلَيهِ مُوَافقَة الْقَوْم
وَلَو أصبح معيدا مُفطرا فجرت بِهِ السَّفِينَة إِلَى قطر لم ير بِهِ الْهلَال قَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد يلْزمه الِامْتِثَال تشبها إِن لم نعمم الحكم وَفِيه بعد لما فِيهِ من تبعيض الْيَوْم الْوَاحِد
الْأَمر الثَّالِث وَقت تَأْثِير الْهلَال اللَّيْل
فَلَو رأى هِلَال شَوَّال نَهَارا لم يفْطر إِلَى الْغُرُوب سَوَاء رأى قبل الزَّوَال أَو بعده
وَقَالَ أَبُو حنيفَة إِن رأى قبل الزَّوَال أفطر
стр. 849
القَوْل فِي ركن الصَّوْم وَهُوَ النِّيَّة والإمساك
الرُّكْن الأول النِّيَّة
فَيجب على الصَّائِم فِي رَمَضَان أَن يَنْوِي لكل يَوْم نِيَّة مُعينَة مبيتة جازمة وَفِي الرابطة قيود فَلْيتَأَمَّل
أما قَوْلنَا يَنْوِي خَالَفنَا فِيهِ زفر
وَقَوْلنَا لكل يَوْم خَالَفنَا فِيهِ مَالك إِذا اكْتفى فِي رَمَضَان بنية وَاحِدَة
وَأما قَوْلنَا مُعينَة خَالَفنَا فِيهِ أَبُو حنيفَة إِذْ قَالَ لَو نرى قَضَاء أَو نذرا أَو تَطَوّعا انْعَقَد عَن رَمَضَان
وَعِنْدنَا يلْزمه أَن يَقُول بِقَلْبِه أؤدي اإذا فرض صَوْم رَمَضَان فالتعرض للْأَدَاء لَا بُد مِنْهُ وَفِي الْفَرْضِيَّة خلاف وَمِنْهُم من زَاد أَن يَقُول رَمَضَان هَذِه السّنة وَهُوَ
стр. 850
فَاسد فَإِن فِي الْأَدَاء غنية عَنهُ وَالْمرَاد من النِّيَّة قصد الْقلب إِلَى الصَّوْم الْمَوْصُوف بِهَذِهِ الصِّفَات بعد كَونه حَاضرا فِي الذِّهْن وَأما اللَّفْظ فَلَا أثر لَهُ
وَأما قَوْلنَا مبيتة خَالَفنَا فِيهِ أَيْضا أَبُو حنيفَة
وَيَعْنِي بِهِ أَنه يَنْوِي لَيْلًا وَلَا يتَعَيَّن لَهُ النّصْف الْأَخير على الْمَذْهَب وَلَا يبطل بِالْأَكْلِ بعده وَلَا يجب تَجْدِيد النِّيَّة إِن تنبه من النّوم على الْمَذْهَب وَلَو بِصُورَة الْقُدْرَة على أَن تقترن النِّيَّة بِأول جُزْء من الْيَوْم وَفِي صِحَّته وَجْهَان لوُرُود لفظ التبييت
стр. 851
أما التَّطَوُّع فَيصح بنية قبل الزَّوَال للْخَبَر وَفِيمَا بعد الزَّوَال قَولَانِ
أَحدهمَا نعم ترغيبا فِي تَكْثِير النَّوَافِل
وَالثَّانِي لَا لِأَنَّهُ ورد الْخَبَر فِيمَا قبل الزَّوَال والمعظم بَاقٍ فَلَا يكون مَا بعده فِي مَعْنَاهُ وَلَا مرد للتنصيف إِلَّا الزَّوَال وَإِن كَانَ مَا قبل الزَّوَال أَكثر ثمَّ قيل إِن الْعِبَادَة تحصل من وَقت النِّيَّة وَلَكِن الْإِمْسَاك فِيمَا قبله شَرط
стр. 852
وَلَو تقدم الْكفْر وَالْحيض ثمَّ زَالا ففى صِحَة الصَّوْم خلاف لِأَن ذَلِك لَا يبطل مَقْصُود الصَّوْم من الخواء لِأَن مَقْصُوده الخوى والطوى
فرع
لَا يبطل الصَّوْم بِمُجَرَّد نِيَّة الْخُرُوج على أحد الْوَجْهَيْنِ إِذْ لَيْسَ لَهُ عقد وَحل يرتبط بِالْقَصْدِ فَلَو كَانَ صَائِما قَضَاء فَنوى أَن يقبله نذرا وَقُلْنَا إِن نِيَّة الْخُرُوج تُؤثر بَطل الْقَضَاء وَلم يحصل النّذر وَهل يبْقى تَطَوّعا فِيهِ وَجْهَان
أما قَوْلنَا جازمة أردنَا أَن النِّيَّة المرددة بَاطِلَة إِلَّا إِذا كَانَ لَهَا مُسْتَند والمردد أَن يَقُول لَيْلَة الشَّك أَصوم غَدا إِن كَانَ من رَمَضَان وَكَانَ من رَمَضَان لم يعْتد بصومه وَلَو كَانَ لَهُ مُسْتَند وَهُوَ مَعَ ذَلِك شَاك جَازَ والمستندات ثَلَاثَة
الأول عَلامَة صَحِيحَة شرعا كَقَوْل شَاهِدين عَدْلَيْنِ أَو شَاهد وَاحِد إِن حكمنَا بِهِ أَو معرفَة تسيير الْأَهِلّة
стр. 853
وَأما قَول الصبية وَالْعَبْد وَإِن أبان ظنا فَهُوَ كَالْمَعْدُومِ شرعا
وَإِن كَانَ الْغَيْم مطبقا وَاقْتضى الْحساب الرُّؤْيَة فَفِي وُجُوبه على من عرف الْحساب وَجْهَان
الثَّانِي الِاسْتِصْحَاب وَهُوَ أَن يَنْوِي كَذَلِك لَيْلَة الثَّلَاثِينَ من رَمَضَان صَحَّ لِأَن الأَصْل بَقَاء الشَّهْر واستصحاب الْأُصُول من الْقَوَاعِد
الثَّالِث الِاجْتِهَاد فِي حق الْمَجُوس فِي مطمورة بإجراء الْفِكر فِي التواريخ
стр. 854
الْمَعْلُومَة فَإِذا غلب على ظَنّه نوى وَلم يضرّهُ التَّرَدُّد
ثمَّ إِن وَقع شَوَّال وَمَا بعده لم يلْزمه الْقَضَاء بل أَجزَأَهُ مَا جَاءَ بِهِ وَلَكِن كَانَ أَدَاء لَهُ وَكَأن الشَّهْر بدل فِي حَقه للضَّرُورَة أَو هُوَ قَضَاء فِيهِ قَولَانِ
وَفَائِدَة كَونه أَدَاء أَن ذَلِك الشَّهْر لَو خرج تسعا وَعشْرين وَكَانَ رَمَضَان ثَلَاثِينَ فيكفيه ذَلِك
وَإِن وَقع فِي شعْبَان فَمَا قبله فَإِن قُلْنَا إِن الْمُؤخر أَدَاء فَهَذَا يُجزئهُ
وَإِن قُلْنَا قَضَاء فَلَا يعقل الْقَضَاء قبل الْوَقْت وَهَذَا إِذا لم يدْرك رَمَضَان فَإِن أدْرك وانكشف الْحَال لزمَه مَا أدْرك من رَمَضَان بِكُل حَال
стр. 855
الرُّكْن الثَّانِي الْإِمْسَاك عَن المفطرات
والمفطرات ثَلَاثَة دُخُول دَاخل وَخُرُوج خَارج وجماع
أما الْجِمَاع فحده مَعْلُوم
وَأما الْخَارِج فالاستمناء قصدا والاستقاء قصدا
وَقيل إِن الاستقاء من قبيل دُخُول دَاخل لِأَنَّهُ لَا يخلوا من رُجُوع شئ إِلَى الْبَاطِن وَقد قَالَ ﷺ من قاء أفطر أَي استقاء وَمن ذرعه الْقَيْء لم يفْطر
أما دُخُول الدَّاخِل فالضبط فِيهِ أَن كل عين وصل من الظَّاهِر إِلَى الْبَاطِن فِي منفذ مَفْتُوح عَن قصد مَعَ ذكر الصَّوْم فَهُوَ مفطر وَفِي الرابطة قيود
أما قَوْلنَا كل عين جَمعنَا بِهِ مَا يعْتَاد أكله ومالا يعْتَاد أكله كالحصاة وَالْبرد وَخَالف فِي ذَلِك بعض الْعلمَاء
стр. 856
وَقُلْنَا وصل جَمعنَا بِهِ مَا ينْفَصل عَن الظَّاهِر وَمَا يبْقى طرفه باديا كَمَا لَو وجأ بالسكين الْبَطن وإرسال خيط فِي الْحلق مَعَ الاستمساك بطرفه
وَقَالَ أَبُو حنيفَة لَا يحصل الْإِفْطَار بِهِ
وَأما الْبَاطِن عنينا بِهِ كل مَوضِع مجوف فِيهِ قُوَّة محيلة للدواء والغذاء كداخل القحف والخريطة وداخل الْبَطن والأمعاء والمثانة
والسعوط والحقنة مفطران والاكتحال لَا يفْطر وَفِيمَا يصل إِلَى الإحليل وَجْهَان وَالصَّحِيح أَن تقطير الدّهن فِي الْأذن لَا يضر والاحتجام والفصد والوجاء بالسكين فِي الفخد لَا يفْطر إِذْ لم يصل إِلَى الْجوف
وَأما قَوْلنَا فِي منفذ مَفْتُوح احترزنا بِهِ عَمَّا يصل إِلَى الدِّمَاغ أَو الْبَطن إِذا
стр. 857
طلي بالدهن فَإِن ذَلِك يشرب بالمسام فَلَا يفْطر إِلَّا أَن يكون جِرَاحَة شاقة فَإِذا نزل عين الدَّوَاء إِلَى الْجوف أفطر
أما قَوْلنَا عَن قصد المعني بِهِ أَن من طارت ذُبَابَة إِلَى جَوْفه أَو وجئ بالسكين دون رِضَاهُ أَو ضبطت الْمَرْأَة وجومعت أَو وصل غُبَار الطَّرِيق وغربلة الدَّقِيق إِلَى بَاطِنه أَو أوجر وَهُوَ مكره أَو نَائِم أَو مغمى عَلَيْهِ فَلَا يفْطر إِلَّا أَن يقْصد معالجة الْمغمى عَلَيْهِ فِي إيجاره فَفِيهِ وَجْهَان من حَيْثُ إِنَّه روعي مصلحَة فَنزل منزلَة تعاطيه وَيخرج عَن رِعَايَة الْقَصْد
النّظر فِي الرِّيق وَمَاء الْمَضْمَضَة والنخامة وَبَقِيَّة الطَّعَام فِي خلال الْأَسْنَان وَسبق الْمَنِيّ والقيء
أما الرِّيق فَهُوَ مَعْفُو عَنهُ إِلَّا إِذا أخرج من الْفَم وَأعَاد إِلَيْهِ وَلَو جمع قصدا ثمَّ ابتلعه فَوَجْهَانِ
стр. 858
قَالَ الشَّافِعِي وأكره العلك فَإِنَّهُ يحلب الْفَم فَأَشَارَ إِلَى جمع الرِّيق
والخياط إِذا بَلل الْخَيط ثمَّ رده إِلَى فِيهِ قَالَ الْأَصْحَاب أفطر وَقَالَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد لَا أثر لذَلِك فَإِنَّهُ ينقص عَمَّا يبْقى فِي الْفَم بعد الْمَضْمَضَة
وَلَو أخرج لسنه من فِيهِ وعَلى طرفه ريق ثمَّ أعَاد فَلَا بَأْس قطعا وَلَو خرج من اللثة دم فابتلع أَو ابتلع سنا يسْقط أفطر
أما النخامة فَإِنَّهَا تبرز من ثقبة نَافِذَة من الدِّمَاغ إِلَى أقْصَى الْفَم فَإِن جرى إِلَى الْبَاطِن بِغَيْر اخْتِيَاره لم يفْطر وَإِن رده إِلَى فضاء الْفَم ثمَّ ازْدَردهُ قصدا أفطر
وَإِن قدر على قِطْعَة من مجْرَاه وَدفعه عَن الجريان وَتَركه حَتَّى جرى بِنَفسِهِ فَفِيهِ وَجْهَان مِنْهُم من لم يكلفه ذَلِك وَمِنْهُم من كلفه لقدرته
стр. 859
وَأما سبق المَاء فِي الْمَضْمَضَة فَفِيهِ قَولَانِ أَحدهمَا لَا يفْطر كسبق الذُّبَاب عِنْد فتح الْفَم وَالثَّانِي يفْطر لِأَن التحفظ فِيهِ مُمكن
وَلَو بَالغ فَقَوْلَانِ مرتبان وَالظَّاهِر الْإِفْطَار لِأَن وُصُول المَاء فِيهِ لَيْسَ بنادر
أما بَقِيَّة الطَّعَام فِي خلل الْأَسْنَان فَإِن قصر فِي تَخْلِيل الْأَسْنَان فَهُوَ كصورة الْمُبَالغَة وَإِن لم يقصر فَهُوَ كغبار الطَّرِيق
أما الْمَنِيّ فَإِن خرج بالاستمناء فَهُوَ مفطر وَإِن خرج بِمُجَرَّد الْفِكر وَالنَّظَر فَلَا لِأَن الْحجر فِيهِ عسر فَإِن خرج بالقبلة والمعانقة مَعَ حَائِل فَهُوَ كالمضمضة وَإِن كَانَ غير حَائِل وَخرج بالمضاجعة فَهُوَ كالمبالغة
ثمَّ قَالَ الْعلمَاء لَا تكره الْقبْلَة فِي الصَّوْم لمن يملك إربه كالشيخ الْهم وَيكرهُ للشاب كَانَ رَسُول الله ﷺ يقبل نِسَاءَهُ وَهُوَ صَائِم
стр. 860
وَأما الْقَيْء وَسَبقه فَهُوَ كالمني إِلَّا إِذا قُلْنَا إِنَّه إِنَّمَا يفْطر لرجوع شَيْء مِنْهُ إِلَى الْبَاطِن فَعِنْدَ ذَلِك لَو يحفظ لم يفْطر
وَلَو اقتلع نحامة من بَاطِنه فَهَل يلْحق بالاستقاء فِيهِ وَجْهَان أَحدهمَا نعم لِأَنَّهُ مشبه بِهِ وَالثَّانِي لَا لِأَن الاستقاء إِخْرَاج طَعَام عَن مقرة
ثمَّ أقرب ضبط فِي الْفرق بَين الظَّاهِر وَالْبَاطِن أَن يُقَال المقتلع من مخرج الْخُلُو ظَاهر والمقتلع من مخرج الْحَاء بَاطِن
هَذَا بَيَان فقد الْقَصْد حسا فَإِن فقد شرعا كَمَا فِي الْمُكْره على الْأكل فَقَوْلَانِ
стр. 861
أَحدهمَا لَا يفْطر لسُقُوط قَصده شرعا وَالثَّانِي يفْطر لِأَن أثر الْإِكْرَاه فِي دَرْء المأثم
وَأما قَوْلنَا مَعَ ذكر الصَّوْم احترزنا بِهِ عَن النَّاسِي للصَّوْم فَإِنَّهُ إِذا أكل مرّة أَو مرَارًا كثيرا أَو قَلِيلا لم يفْطر لوُرُود الحَدِيث
وَفِي جماع النَّاسِي خلاف سَيَأْتِي
وَأما الغالط فَيلْزمهُ الْقَضَاء كمن ظن أَن الشَّمْس غاربة وَأَن الصُّبْح غير طالع فَأكل ثمَّ بَان خِلَافه لِأَنَّهُ ذَاكر الصَّوْم
وَمن أَصْحَابنَا من قَالَ إِذا غلط فِي أول النَّهَار لم يقْض لِأَنَّهُ مَعْذُور فِي اسْتِصْحَاب حكم اللَّيْل
فَإِن قيل فَمَتَى يحل الْأكل قُلْنَا أما فِي آخر النَّهَار فَعِنْدَ الْيَقِين للغروب أَو عِنْد اعْتِقَاد قَطْعِيّ فِي حق الصَّائِم فَإِن ظن الْغُرُوب بأمارة وَهُوَ مَعَ ذَلِك يجوز خِلَافه
стр. 862
قَالَ الْأُسْتَاذ أَبُو إِسْحَاق لَا يحل لَهُ الْأكل وَلَو أكل وَاسْتمرّ الْإِشْكَال لزمَه الْقَضَاء لِأَن دَرك الْيَقِين مُمكن فَلَا يتَغَيَّر الِاسْتِصْحَاب بِالِاجْتِهَادِ
وَمن أَصْحَابنَا من جوز الْأكل بِالِاجْتِهَادِ أما فِي ابْتِدَاء النَّهَار فَيجوز بِالظَّنِّ وَلَا يجوز هجوما وَلَكِن لَو اسْتمرّ الْإِشْكَال فَلَا قَضَاء لِأَن الأَصْل بَقَاء اللَّيْل
стр. 863
فرع
إِذا طلع الصُّبْح وَهُوَ مجامع فَنزع انْعَقَد صَوْمه خلافًا للمزني وَزفر لِأَنَّهُ بالنزع تَارِك للجماع وَلَو اسْتمرّ فسد الصَّوْم وَلَو أحرم مجامعا ثمَّ نزع فَفِي انْعِقَاد إِحْرَامه وَجْهَان من حَيْثُ إِن الْإِحْرَام دَاخل تَحت اخْتِيَاره فَإِن قيل وَكَيف يتَصَوَّر اتِّصَال النزع بالصبح وَلَا يحسن بالصبح إِلَّا بعد زمَان من طلوعه قُلْنَا مَا قبل إِمْكَان الإحساس لَا يتَعَلَّق بِهِ الحكم كالزوال عِنْد زِيَادَة الظل
стр. 864
القَوْل فِي شَرَائِط الصَّوْم
وَهِي أَرْبَعَة ثَلَاثَة فِي الصَّائِم وَهُوَ
الْإِسْلَام وَالْعقل والنقاء عَن الْحيض
فَلَا يَصح صَوْم كَافِر وَلَا مَجْنُون وَلَا حَائِض فِي بعض النَّهَار أَو كُله
ثمَّ الْعقل زَوَاله بالجنون بانغماره بالإغماء واستتاره بِالنَّوْمِ أما النّوم فَلَا يضر وَإِن استغرق جَمِيع النَّهَار لِأَنَّهُ فِي حكم عقله يَزُول بالتنبه وَفِي إِلْحَاق مُسْتَغْرق النّوم بمستغرق الْإِغْمَاء وَجه بعيد
وَأما الْجُنُون فَيفْسد طارئه ومقارنه وَفِي إِلْحَاق طارئه بطارئ الْإِغْمَاء وَجه بعيد
وَأما الْإِغْمَاء فَفِيهِ طَرِيقَانِ
أَحدهمَا إِجْرَاء خَمْسَة أَقْوَال ثَلَاثَة منصوصة وَاثْنَانِ مخرجان أَحدهَا وَعَلِيهِ نَص هَاهُنَا أَن الْمُسْتَغْرق يفْسد فَإِن أَفَاق فِي جُزْء من النَّهَار لم يفْسد وَالثَّانِي وَعَلِيهِ نَص فِي الظِّهَار أَنه إِن كَانَ فِي أول النَّهَار مفيقا صَحَّ وَإِلَّا فَلَا وَالثَّالِث أَن الْإِغْمَاء كالحيض وَالرَّابِع مَذْهَب الْمُزنِيّ وَهُوَ أَن الْإِغْمَاء كالنوم فَلَا يضر وَإِن
стр. 865
استغرق وَالْخَامِس شَرط الْإِفَاقَة فِي طرفِي النَّهَار مُرَاعَاة لأوّل الْعِبَادَة وَآخِرهَا
الطَّرِيقَة الثَّانِيَة الْقطع بِمَا نَص الشَّافِعِي ﵁ عَلَيْهِ فِي الصَّوْم وَهُوَ اشْتِرَاط الْإِفَاقَة فِي لَحْظَة كَانَت وَتَأْويل بَقِيَّة النُّصُوص
الشَّرْط الرَّابِع الْوَقْت الْقَابِل للصَّوْم وَهُوَ جَمِيع الدَّهْر إِلَّا يَوْم الْعِيدَيْنِ وَأَيَّام التَّشْرِيق وَفِي الْقَدِيم قَول أَن الْمُتَمَتّع يَصُوم الْأَيَّام الثَّلَاثَة فِي أَيَّام التَّشْرِيق فَقيل إِنَّه لَا يقبل غَيره وَقيل إِنَّه كَيَوْم الشَّك أما يَوْم الشَّك فصومه
стр. 866
صَحِيح إِن وَافق وردا أَو قَضَاء وَإِن لم يكن لَهُ سَبَب فَهُوَ مَنْهِيّ عَنهُ وَفِي صِحَّته وَجْهَان كَالصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَات الْمَكْرُوهَة وَيَعْنِي بِيَوْم الشَّك أَن يتحدث النَّاس بِرُؤْيَة الْهلَال وَلَا يثبت عِنْد القَاضِي وَإِن كَانَ على مَحل الْهلَال قزع سَحَاب وَلم يتحدث بِالرُّؤْيَةِ فَلَيْسَ بشك فِي الْبِلَاد الْكَبِيرَة وَأما فِي حق الرّفْقَة فِي السّفر والقرى الصَّغِيرَة فَلَا يبعد أَن يَجْعَل يَوْم الشَّك وَإِن كَانَ الْغَيْم مطبقا فَلَيْسَ بِيَوْم الشَّك
стр. 867
القَوْل فِي السّنَن وَهِي ثَمَانِيَة
الأول تَعْجِيل الْفطر بعد تَيَقّن الْغُرُوب بِتَمْر أَو مَاء مُسْتَحبّ وَيَقُول عِنْد ذَلِك اللَّهُمَّ لَك صمت وعَلى رزقك أفطرت
الثَّانِي تَأْخِير السّحُور مَعَ الِاسْتِظْهَار بِالْيَقِينِ وَقد كَانَ بَين تسحر رَسُول الله ﷺ وَصَلَاة الصُّبْح قدر خمسين آيَة
الثَّالِث إكثار الصَّدقَات وَتَقْدِيم الطَّعَام لإفطار الصائمين
стр. 868
الرَّابِع الِاعْتِكَاف لَا سِيمَا فِي الْعشْر الْأَخير لطلب لَيْلَة الْقدر
الْخَامِس كَثْرَة تِلَاوَة الْقُرْآن فِي هَذَا الشَّهْر مَعَ كف اللِّسَان عَن أَنْوَاع الهذيان وَكَذَا كف النَّفس عَن جَمِيع الشَّهَوَات فَهُوَ معنى الصَّوْم قَالَ ﷺ الصَّوْم جنَّة وحصن حُصَيْن فَإِذا كَانَ يَوْم صَوْم أحدكُم فَلَا يرْفث وَلَا يفسق فَإِذا شاتمه رجل فَلْيقل إِنِّي صَائِم
السَّادِس ترك السِّوَاك بعد الزَّوَال فَإِنَّهُ يزِيل خلوف فَم الصَّائِم وَهُوَ أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك
السَّابِع تَقْدِيم غسل الْجَنَابَة على الصُّبْح وَلَو أصبح جنبا فَلَا بَأْس كَانَ رَسُول
стр. 869
الله ﷺ يصبح جنبا من جماع أَهله
الثَّامِن ترك الْوِصَال وَلَا تَزُول الْكَرَاهِيَة إِلَّا بِأَن يَأْكُل شَيْئا بِاللَّيْلِ وَإِن قل فقد نهى رَسُول الله ﷺ فَإِنَّهُ وَاصل فِي الْعشْر الْأَخير فواصل عمر وَغَيره فنهاهم وَقَالَ وددت لَو مد لي الشَّهْر مدا ليَدع المتعمقون تعمقهم أيقوى أحدكُم على مَا أقوى عَلَيْهِ إِنِّي أَبيت عِنْد رَبِّي يطعمني ويسقيني
стр. 870
الْقسم الثَّانِي فِي مبيحات الْإِفْطَار وموجباته
أما الْمُبِيح
فالمرض وَالسّفر الطَّوِيل وَقد ذكرنَا حدهما فِي التَّيَمُّم وَالصَّلَاة
ثمَّ الْمَرَض إِن طَرَأَ أَبَاحَ الْفطر وَإِن زَالَ قبل الْإِفْطَار لم يجز الْإِفْطَار بعده وَقيل إِنَّه يجوز
أما السّفر إِذا طَرَأَ فِي أثْنَاء النَّهَار لم يفْطر خلافًا لمزني وَأحمد وَإِن قدم الرجل غير مفطر لم يجز لَهُ الْإِفْطَار وَإِن أصبح الْمُسَافِر على نِيَّة الصَّوْم فَلهُ الْإِفْطَار بِخِلَاف مَا إِذا شرع فِي الْإِتْمَام حَيْثُ لَا يجوز الْقصر
وَالصَّوْم أولى من الْفطر فِي السّفر بِخِلَاف الْإِتْمَام فَإِن فِيهِ خلافًا لِأَن فِي
стр. 871
الْقصر خُرُوجًا عَن الْخلاف مَعَ بَرَاءَة الذِّمَّة وَالْفطر يبقي الذِّمَّة مَشْغُولَة بِالْقضَاءِ
وَأما خلاف دَاوُد فِي إِيجَاب الْفطر فَلَا يعْتد بِهِ
وَمَا ورد من الْأَخْبَار فِي النَّهْي عَن الصّيام فِي السّفر أُرِيد بِهِ من يتَضَرَّر بِالصَّوْمِ
стр. 872
بِدَلِيل مَا رُوِيَ عَن أنس أَنه قَالَ خرجنَا مَعَ رَسُول الله ﷺ فمنا الصَّائِم وَمنا الْمُفطر وَمنا الْقَاصِر وَمنا المتمم وَلم يعب بَعْضًا بَعْضًا
стр. 873
أما مُوجبَات الْإِفْطَار فَأَرْبَعَة
الْقَضَاء والإمساك تشبها وَالْكَفَّارَة والفدية
أما الْقَضَاء فَوَاجِب على كل مفطر وتارك بردة أَو سفر أَو مرض أَو إِغْمَاء أَو حيض وَلَا يجب على من ترك بجنون أَو صبي أَو كفر أُصَلِّي
وَلَا فرق فِي الْجُنُون بَين مَا طبق الشَّهْر وَبَين مَا قصر عَنهُ فَمَا فَاتَ فِي أَيَّام الْجُنُون لَا يقْضى وَلَو أَفَاق فِي أثْنَاء النَّهَار فَفِي قَضَاء ذَلِك الْيَوْم وَجْهَان
وَمن لزمَه قَضَاء الشَّهْر فِي يلْزمه التَّتَابُع خلاف لمَالِك
أما الْإِمْسَاك تشبها بالصائمين فَوَاجِب على كل مُتَعَدٍّ بالإفطار فِي شهر رَمَضَان وَلَا يجب فِي غير رَمَضَان وَلَا على من أُبِيح لَهُ الْفطر إِبَاحَة حَقِيقِيَّة
стр. 874
كالمسافر وَالْمَرِيض وَإِن زَالَ عُذْرهمَا فِي بَقِيَّة النَّهَار خلافًا لأبي حنيفَة لِأَن الْإِمْسَاك نوع مُؤَاخذَة
وَإِن أصبحا من غير نِيَّة فَزَالَ الْعذر قبل اتِّفَاق الْأكل فَفِي وجوب الْإِمْسَاك وَجْهَان فَالظَّاهِر أَنه لَا يجب إِذْ لَا فرق بَين الْأكل وَترك النِّيَّة كَمَا فِي الْحَائِض
فَأَما من أصبح يَوْم الشَّك مُفطرا ثمَّ بَان أَنه من رَمَضَان فَالْمَذْهَب وجوب الْإِمْسَاك لِأَنَّهُ مُخطئ وَالْكَفَّارَة تتَعَلَّق بِالْقَتْلِ الْخَطَأ
وَحكى الْبُوَيْطِيّ قولا أَنه لَا إمْسَاك وَكَأن الْإِمْسَاك نتيجة المأثم أما الصَّبِي وَالْجُنُون وَالْكفْر إِذا زَالَ فِي أثْنَاء النَّهَار فَفِي وجوب الْإِمْسَاك بَقِيَّة النَّهَار أَرْبَعَة أوجه
أَحدهَا أَنه يلْزمهُم لأَنهم أدركوا وَقت التَّشَبُّه إِن لم يدركوا وَقت الصَّوْم
стр. 875
لَا كالمسافر فَإِنَّهُ مترخص مَعَ كَمَال حَاله على بَصِيرَة
وَالثَّانِي لَا يلْزم لِأَن وجوب الْإِمْسَاك يَنْفِي لُزُوم الصَّوْم وهولاء لم يلتزموا إِذْ لم يدركوا وَقت الْأَدَاء
وَالثَّالِث أَن الْكَافِر يلْزمه دون الصَّبِي وَالْمَجْنُون فَإِنَّهُ مُعْتَد بترك الصَّوْم مَعَ الْقُدْرَة عَلَيْهِ بتقدم الْإِسْلَام
وَالرَّابِع أَن الصَّبِي مَعَ الْكَافِر يلْزمهُمَا لِأَن الصَّبِي مَأْمُور بِالصَّوْمِ وَهُوَ ابْن سبع ومضروب عَلَيْهِ وَهُوَ ابْن عشر
ثمَّ قَالَ الْأَصْحَاب قَضَاء هَذَا الْيَوْم فِي حَقهم يبتنى على الْإِمْسَاك فَمن ألزم الْإِمْسَاك ألزم الْقَضَاء وَمن لَا فَلَا
قَالَ الصيدلاني من أوجب الْإِمْسَاك اكْتفى بِهِ وَمن لَا يُوجب أوجب الْقَضَاء
فرع
من نوى التَّطَوُّع فِي رَمَضَان لم ينْعَقد تطوعه وَإِن كَانَ مُسَافِرًا أَو كَانَ قد أصبح لَيْلَة الشَّك غير ناو لِأَن الْوَقْت مُتَعَيّن للإمساك الْمَفْرُوض فِي حق من لَيْسَ مترخصا وَفِيه وَجه أَنه ينْعَقد
أما الْكَفَّارَة فواجبة على كل من أفسد صَوْم يَوْم من رَمَضَان بجماع تَامّ أَثم بِهِ لأجل الصَّوْم وَفِي الْحَد قيود
أما قَوْلنَا أفسد احترزنا بِهِ عَن النَّاسِي إِذا جَامع فَإِنَّهُ لَا يفْطر على الْمَذْهَب الظَّاهِر فَلَا يكفر وَمِنْهُم من خرج الْفطر على الْقَوْلَيْنِ فِي فَسَاد الْإِحْرَام بجماع النَّاسِي وَهُوَ
стр. 876
بعيد إِذْ إِلْحَاق الْجِمَاع بِالْأَكْلِ أولى من إِلْحَاقه باستهلاكات الْحَج
ثمَّ إِن قُلْنَا الْفطر حَاصِل فَالظَّاهِر أَن الْكَفَّارَة لَا تجب لانْتِفَاء الْإِثْم وَفِيه وَجه لانتسابه إِلَى التَّقْصِير
أما تقييدنا بِصَوْم رَمَضَان احترزنا عَن التَّطَوُّع وَالْقَضَاء وَالنّذر فَلَا كَفَّارَة فِيهَا أَثم الْمُفطر أَو لم يَأْثَم
أما إضافتنا الْإِفْطَار إِلَى الْجِمَاع احترزنا بِهِ عَن الْمَرْأَة إِذا جومعت فَلَا كَفَّارَة عَلَيْهَا خلافًا لأبي حنيفَة لِأَنَّهَا أفطرت قبل الْجِمَاع بوصول أول جُزْء من الْحَشَفَة إِلَى بَاطِنهَا ولقصة الْأَعرَابِي وَنَصّ فِي الْإِمْلَاء على وجوب الْكَفَّارَة عَلَيْهَا
ثمَّ اخْتلفُوا على قَول سُقُوط الْكَفَّارَة وَقيل إِن الْوُجُوب لَا يلاقيها أصلا
стр. 877
وَقيل يلاقيها وَلَكِن تندرج تَحت كَفَّارَة الزَّوْج فعلى هَذَا لَا ينْدَرج تَحت كَفَّارَة الزَّانِي لِأَن رابطة التَّحَمُّل الزَّوْجِيَّة فَيجب الْكَفَّارَة على الزَّانِيَة
وَلَو كَانَ الزَّوْج مَجْنُونا لزمتها الْكَفَّارَة إِذْ لَا كَفَّارَة على الزَّوْج وَقيل يجب على الْمَجْنُون لِأَن مَاله يصلح للتحمل وَلَو كَانَت معسرة وواجبها الصَّوْم فَلَا سَبِيل للتحمل فيلزمها إِذْ الصَّوْم عبَادَة مَحْضَة وَلَو لَزِمَهَا الْإِطْعَام وَلزِمَ الزَّوْج الْإِعْتَاق فَفِي تَقْدِير الإدراج وَجْهَان لما بَينهمَا من اخْتِلَاف النَّوْع مَعَ اتِّحَاد جنس الْمَالِيَّة وَالْأمة إِذا وَطئهَا السَّيِّد فواجبها الصَّوْم فَهِيَ كالمعسرة وَالزَّوْج إِذا كَانَ مُسَافِرًا وَالْمَرْأَة حَاضِرَة فَلَا إدراج إِذْ لَا كَفَّارَة عَلَيْهِ مهما قصد التَّرَخُّص بالإفطار فَإِن لم يقْصد فَفِي وجوب
стр. 878
الْكَفَّارَة وَجْهَان الْأَصَح أَنَّهَا لَا تلْزم
أما تقييدنا بِالْجِمَاعِ احترزنا بِهِ عَن الْأكل وَالشرب والاستمناء والإنزال بالتقبيل ومقدمات الْجِمَاع فَلَا كَفَّارَة فِيهَا
وَقَالَ مَالك تجب بِكُل مفطر
وَقَالَ أَبُو حنيفَة بِكُل مَقْصُود فِي جنسه
وَقد أدرجنا تَحْتَهُ الزِّنَا وجماع الْأمة أما وَطْء الْبَهِيمَة والإتيان فِي غير المأتى فَالظَّاهِر تعلق الْكَفَّارَة بِهِ لِأَنَّهُ فِي معنى الْجِمَاع
أما قَوْلنَا أَثم بِهِ لأجل الصَّوْم احترزنا بِهِ عَن الزَّانِي نَاسِيا إِذا قُلْنَا يفْطر وَمن أصبح مجامعا أَهله على ظن أَن الصُّبْح غير طالع إِذْ لَا كَفَّارَة إِلَّا على وَجه إِيجَابه على النَّاسِي وَكَذَا لَو أكل نَاسِيا فَظن فَسَاد صَوْمه فجامع لزمَه الْقَضَاء وَلَا كَفَّارَة للظن
وَقد جَمعنَا بِهَذَا الْحَد مَا إِذا جَامع الْمُنْفَرد الْهلَال بعد رد شَهَادَته وَمَا إِذا جَامع فِي أَيَّام مرَارًا وَمَا إِذا جَامع ثمَّ أنشأ السّفر فالكفارة تجب فِي هَذِه الصُّور خلافًا لأبي حنيفَة
فَأَما إِذا طَرَأَ بعد الْجِمَاع مرض أَو جُنُون أَو حيض فَفِي الْكَفَّارَة ثَلَاثَة أَقْوَال
стр. 879
أَحدهَا أَنه يسْقط إِذْ بَان بِالآخِرَة أَن الصَّوْم لم يكن وَاجِبا
وَالثَّانِي يجب لِأَنَّهَا طرأت بعد فَسَاد الصَّوْم بِالْجِمَاعِ
وَالثَّالِث أَنه يسْقط بطريان الْجُنُون وَالْحيض لِأَنَّهُمَا ينافيان الصِّحَّة وَفِي مَعْنَاهُمَا الْمَوْت بِخِلَاف الْمَرَض فَإِنَّهُ لَا يُنَافِي الصِّحَّة وَقد حُكيَ طرد هَذِه الْأَقْوَال فِي طريان السّفر وَهُوَ بعيد فَإِنَّهُ غير مُبِيح
أما كَيْفيَّة هَذِه الْكَفَّارَة فَهِيَ مرتبَة ككفارة الظِّهَار على مَا اشْتَمَل عَلَيْهِ الْقُرْآن
وَفِي وجوب قَضَاء الصَّوْم مَعَ الْكَفَّارَة ثَلَاثَة أوجه
أَحدهَا يجب وَهُوَ الْقيَاس
وَالثَّانِي لَا لقصة الْأَعرَابِي فَلَيْسَ فِيهَا أَمر بِالْقضَاءِ
وَالثَّالِث إِن كفر بِالصَّوْمِ اندرج وَإِلَّا لزمَه الْقَضَاء
وعمدة الْكَفَّارَة حَدِيث الْأَعرَابِي إِذْ جَاءَ إِلَى رَسُول الله ﷺ وَهُوَ ينتف شعره وَيضْرب نَحره وَيَقُول هَلَكت وأهلكت واقعت أَهلِي فِي نَهَار رَمَضَان فَقَالَ ﵇ أعتق رَقَبَة فَوضع يَده على سالفتيه وَقَالَ لَا أملك رَقَبَة غير هَذِه
стр. 880
فَقَالَ صم شَهْرَيْن مُتَتَابعين فَقَالَ وَهل أتيت هَذَا إِلَّا من الصَّوْم فَقَالَ أطْعم سِتِّينَ مِسْكينا فَقَالَ وَالله مَا بَين لابتيها أفقر مني فَأتى رَسُول الله ﷺ بعرق من التَّمْر يسع خَمْسَة عشر صَاعا وَقَالَ تصدق بِهِ على الْفُقَرَاء قَالَ على أهل بَيت أفقر من أهل بَيْتِي فَأخذ الْأَعرَابِي التَّمْر وَولى وَرَسُول الله ﷺ يبتسم
следующие страницы →