← Нахв и сарф

Нахв и сарф · id 613

نتائج الفكر في النحو

السهيلي

Полный текст (315 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

غيره لمعنى جامع بينهما جائز، فذلك الوجه هو المجاز، إذ بسببه انتقل اللفظ عن أصل موضوعه، وجاز أن يسمى به غيره، والله أعلم. * * * مسألة (في الحرف) قوله: " والحرف: ما دل على معنى في غيره ". وذلك الغير إما اسم وإما فعل، وليس للحرف معنى في نفسه، وأما الذي له معنى على الحقيقة هو الاسم، ومن ثم وجب أن لا يكون عاملاً في غيره على الحقيقة، ووجب أن يكون الحرف عاملاً في كل ما دل على معنى فيه، لأن الألفاظ تابعة للمعاني، فكما تشبث الحرف بما دخل عليه معنى، وجب أن يتشبث به لفظاً، وذلك هو العمل. فاصل كل كل حرف أن يكون عاملاً، فإذا وجدت حرفاً غير عامل فسبيلك أن تسأل، وأما الفعل فلا بد أن يكون عاملاً في الاسم لما بين في المسألة قبل هذا. فإن قيل: فما بال حروف كثيرة لا تعمل؟ قلنا: لا نجد حرفاً لا يعمل إلا حرفا دخل على جملة قد عمل بعضها في بعض، وسبق إليها عمل الابتداء أو نحوه، وكان الحرف داخلاً لمعنى في الجملة لا لمعنى في اسم مفرد فاكتفى بالعامل السابق قبل هذا الحرف، وهو الابتداء ونحوه. وذلك نحو: هل زيد قائم؟ ونحو: أعمرو خارج؟ في الاستفهام. فإن الحرف دخل لمعنى في الجملة، ولايمكن الوقوف (عليه) ولا يتوهم انقطاع الجملة عنه، لأنه حرف مفرد لا يوقف عليه، ولو توهم ذلك فيه لعمل في الجملة ليؤكدوا

стр. 37

بظهور أثره فيه تعلقه بها ودخوله عليها، كما فعلوا في " إنَّ " وأخواتها حيث كانت كلمات من ثلاثة أحرف فصاعداً يجوز الوقف على كل واحدة منهن. تقول: إنه، وليته، ولعله، فأعملوها في الجملة إظهاراً لتشبثهن بالحديث الواقع بعدهن. وسيأتي بيان ذلك - إن شاء الله تعالى - بأكثر من هذا. نعم وربما أرادوا توكيد تعلق الحرف بالجملة إذا كان الحرف مؤلفاً من حرفين، نحو " هل "، فربما يوهم الوقف عليه، أو خيف ذهول السامع عنه فادخل في الجملة حرف زائد ينبه السامع عليه، وقام ذلك الحرف مقام العمل، نحو قولك: هل زيد بقائم وما زيد بقائم، فإذا سمع المخاطب " الباء " وهي لا تدخل في الوجوب، تأكد عنده ذكر النفي والاستفهام وأن الجملة غيو منفصلة عنه، ولذلك أعمل أهل الحجاز " ما " النافية تأكيداً لتشبثها بالجملة. ومن العرب من اكتفى في التأكيد بإدخال الباء ورآها نائبة (في الثأثير) عن العمل الذي هو النصب. وإنما اختلفوا في " ما " ولم يختلفوا في " هل "، لمشاركة " ما " لـ ليس في النفي، فحين أرادوا أن يكون لها أثر في الجملة (يؤكد) تشبثها بها جعلوا ذلك الأثر كأثر (ليس) وهو النصب، والعمل في باب " ليس " أقوى، لأنها كلمة كليت و " لعل " و " كان "، والوهم إلى انفصال الجملة عنها أسرع منه إلى توهم انفصال الجملة عن " ما " و " هل " فلم يكن بد من إعمال " ليس "، وإبطال معنى الابتداء السابق. ولذلك إذا قلت: ما زيد إلا قائم، لم يعملها أحد منهم، لأنه لا يتوهم انقطع " زيد " عن " ما " لأن " إلا " لا يكون إيجاباً إلا بعد نفي، فلم يتوهم انفصال الجملة عن " ما "، وكذلك لم يعملوها عند تقدم الخبر نحو: " ما قائم زيد " لأنه ليس من رتبة النكرة أن يكون مبدوءاً بها مخبراً عنها إلا مع الاعتماد على ما قبلها، فلم يتوهم المخاطب انقطاع الجملة عن " ما " قبلها لهذا السبب، فلم يحتج إلى إعمالها وإظهار أثرها، وبقي الحديث كما كان قبل دخولها، مستغنياً عن تأثيرها فيه. وأما حرف " لا " فإنه إن كان عاطفاً فحكمه حكم حروف العطف، وليس من حروف العطف شيء عامل، وإن لم يكن " لا " حرف عطف نحو: " لا زيد قائم ولا عمرو "، فلا حاجة إلى إعمالها في الجملة لأنه " لا " يتوهم انفصال الجملة بقوله

стр. 38

" ولا عمرو "، ولأن الواو مع لا الثانية تشعر بالأولى لا محالة، وتربط الكلام فيها، فلم يحتج إلى إعمالها، وبقيت الجملة عاملاً فيها الابتداء كما كانت قبل دخول " لا ". فإن قلت: فإن لم تعطف على الجملة بحرف عطف وقلت: " لا زيد قائم ". فما حكم لا؟ قلت: هذا لا يجوز، لأن " لا " ينفى بها في أكثر الكلام ما قبلها، تقول: هل قام زيد؟ فيقال: لا. وقال سبحانه: (لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ) ، وليست " لا " هاهنا نفياً لما بعدها، كما لو قلت: " ما أقسم "، ألا ترى أن " ما " لا تكون أبداً لا نفياً لما بعدها، فلذلك قالوا: " ما زيد قائم " ولم يخشوا توهم انقطاع الجملة عنها، ولو قالوا: لا زيد قائم لخيف أن يتوهم أن الجملة موجبة وأن " لا " كنحو " ما " هي في " لاأقسم " إلا أن تعطف فتقول: " لا زيد في الدار ولا عمرو "، وكذلك في النكرات نحو: (لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) إلا أنهم في النكرات قد أدخلوها على المبتدأ والخبر تشبيهاً لها بليس لأن النكرة أبعد في باب الابتداء من المعرفة، والمعرفة أشد استبداداً بأول الكلام. وأما التي للتبرئة فللنحويين فيها اختلاف، أهي عاملة أم لا؟ فإن كانت عاملة فكما أعملوا " أن " حرصاً على إظهار تشبثها بالحديث، وإن كانت غير عاملة - كما ذهب إليه سيبويه، والاسم بعدها مركب معها مبني على الفتح - فليس كلامنا في المبنيات. وأما حروف النداء فعاملة في المنادى عند بعضهم. والذي يظهر لي الآن أن (يا) تصويت بالمنادى، نحو " جوت "، و " ها "، ونحو ذلك، والمنادى منصوب بالقصد إليه وإلى ذكره، كما تقدم من قولنا في كل مقصود إلى ذكره مجرداً عن الإخبار عنه: أنه منصوب. ويدلك على أن حرف النداء ليس بعامل وجود العمل في الاسم دونه نحو: " صاحب زيد أقبل "، و (يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا) . وإن كان مبنياً عندهم

стр. 39

فإنه بناء كالعمل، ألا تراه ينعت على اللفظ كما ينعت المعرب، ولو كان حرف النداء عاملاً لما جاز حذفه وبقاء العمل. * * * فصل (في الحروف الناصبة والجازمة للمضارع) فإن قيل: ما بال الحروف الناصبة للأفعال المضارعة والجازمة لها قد عملت في الأفعال، والفعل مع فاعله جملة قد عمل بعضها في بعض؟ ثم إن الفعل المضارع قبل دخول العامل عليه كان مرفوعاً، ورفعه - لا شك - بعامل، وذلك العامل - في قولهم - هو وقوعه موقع الاسم، فهلا منع هذا العامل هذه الحروف الداخلة من العمل، كما منع العامل - الذي هو الابئداء - الحروف الداخلة على الجملة من العمل، إلا أن يخشى انقطاع الجملة كما خيف في " أن " وأخواتها؟ فالجواب من وجهين: أحدهما أن العامل في المبتدأ - وإن كان معنوياَ - كما أن الرافع للفعل المضارع معنوي، لكنه أقوى منه، لأن حق كل مخبر عنه أن يكون مرفوعاَ لفظاً وحسًّا كما أنه مرفوع معنى وعقلاً، ولذلك استحق الفاعل الرفع دون المفعول، لأنه المحدث عنه بالفعل، فهو أرفع رتبة من المفعول في المعنى، فوجب أن يكون في اللفظ كذلك، لأن تابع للمعنى. وأما رفع الفعل المضارع فلوقوعه موقع الاسم المخبر به والاسم التابع له فلم يقو قوته في استحقاق الرفع، فلم يمنع شيئاً من الحروف اللفظية عن العمل، إذ اللفظي أقوى من المعنوي، وامتنع ذلك في

стр. 40

بعض الأسماء المبتدأة لضعف الحروف، وقوة العامل السابق للمبتدأ، كما تقدم بيانه. والجواب الآخر: أن هذه الحروف لم تدخل في معنى الجملة، إنما دخلت لمعنى في الفعل المتضمن للحدث من نفي أو إمكان أو نهي أو جزاء، وذلك كله يتعلق بالفعل خاصة لا بالجملة، فوجب عملها فيه كما وجب عمل حروف الجر في الأسماء من حيث دلت على معنى فيها، ولم تكن داخلة على جملة قد سبق إليها عامل معنوي ولا لفظي، وهذا الجواب أولى أن يتمسك به. * * * مسألة ومما يجب الوقوف عليه هاهنا أيضا أن النواصب والجوازم لا تدخل على الفعل الواقع موقع الاسم لحصوله في موضع الأسماء، فلا سبيل لنواصب الأفعال وجوازمها أن تدخل على الأسماء، ولا على ما هو واقع موقعها، فهي إذا دخلت على الفعل خلصته للاستقبال ونفت عنه معنى الحال، وهذا معنى يختص بالفعل لا بالجملة. * * * فصل وأما " إلا " في الاستثناء فقد زعم بعضهم أنها عاملة. وقد نقض ذلك عليه بما لا قبل له به من قولهم: " ما قام أحد إلا زيد " و" ما جاءني إلا عمرو ". والصحيح أنها موصلة الفعل إلى العمل في الاسم بعدها، كتوصيل واو المفعول معه الفعل إلى العمل فيما بعدها. وليس هذا بكسر الأصل الذي قدمناه،

стр. 41

وهو استحقاق جميع الحروف للعمل فيما دخلت عليه عن الأسماء المفردة والأفعال، لأنها إذا كانت موصلة للفعل، والفعل عامل، فكأنها هي العاملة، فأنت إذا قلت: " ما قام إلا زيد " فقد أعملت الفعل على معنى الإيجاب، كما (لو) قلت: " قام زيد لا عمرو،، وقامت " لا " مقام نفي الفعل عن عمرو، فكذلك قامت " إلا " مقام (إيجاب الفعل لزيد إذا قلت: ما جاءني إلا زيد، فكأنها هي العاملة) ، فاستغنوا عن إعمالها عملاً آخر. وكذلك حروف العطف، وإن لم تكن عوامل، فإنما جاءت " الواو " الجامعة منها تجمع بين الاسمين في الإخبار عنهما، فقد أوصلت الفعل إلى العمل في الثاني، وسائر حروف العطف يتقدر بعدها العامل، فنكون في حكم الحروف الداخلة على الجمل، فإذا قلت: " قام بعدها العامل " فتكون في حكم الحروف الداخلة على الجمل، فإذا قلت: " قام زيد وعمرو " فكأنك قلت: " قام زيد وقام عمرو ". وإذا قلت: " زيد وعمرو في الدار "، فكأنك قلت: " زيد في الدار وعمرو فيها أيضاً ". فصارت هذه الحروف كالداخلة على الجمل. وقد تقدم في الحروف الداخلة على الجمل أنها لا تستحق من العمل فيها ما تستحق الحروف الداخلة على الأسماء المفردة والأفعال. ونقيس على ما تقدم لام التوكيد، وتركهم لإعمالها في الجملة، مع أنها لا تدخل لمعنى في الجطه فقط، بل لتربط ما قبلها من القسم بما بعدها. هذا هو الأصل فيها، حتى إنهم ليذكرونها دون القسم فتشعر عند المخطاب باليمين، كما قال الشاعر: إني لأمنحك الصدود وإنني ... قسماً إليك مع الصدود لأميل

стр. 42

لأنه حين قال: " لأمنحك " علم أنه قد أقسم، فلذلك قال: " قسماً ". وهذا الأصل محيط بجميع أصول أعمال حروف الجر وغيرها من العوامل. وكاشف عن أسرار العمل للأفعال وغيرها من الحروف في الأسماء، ومنبهة على سر امتناع الأسماء من أن تكون عوامل في غيرها، والحمد لله على ما علم.

стр. 43

باب الإعراب مسألة الإعراب الذي هو الرفع والنصب والخفض محله أواخر الكلم، ولبعض النحويين في تعليل ذلك كلام يرغب عنه! والحكمة فيه عندي - والله أعلم - أن الإعراب دليل على المعاني التي تلحق الاسم نحو كونه فاعلًا أو مفعولًا وغير ذلك. وتلك المعاني لا تلحق الاسم إلا بعد حصول العلم بحقيقته ومعناه. فوجب أن لا يتقدم الإعراب الاسم ولا يتوسطه في الوجود، وأن يترتب بعده كما ترتب مدلوله - وهو الوصف - بعد مدلول الاسم، وهو المسمى الموصوف بذلك الوصف، والله أعلم. * * * مسألة في الحركة والحرف الحركة عبارة عن تحريك العضو الذي هو الشفتان عند النطق بالصوت الذي هو الحرف، والحرف عبارة عن جزء من الصوت.

стр. 44

ومحال أن تقوم الحركة بالحرف حتى يقال: حرف متحرك، حقيقة، لأن الحرف الذي هو جزء من الصوت عرض عند جميع العقلاء إلا النَّظَّام. وقوله لا ينسق مع الصواب في نظام فإذا ثبت أن الصوت عرض والحركة عرض آخر، فقولنا: (حرف) متحرك أو ساكن، مجاز لأن السكون أيضاً ضد الحركة ومحله محلها. وهو العضو، إذ لا تقوم الحركة والسكون إلا بجسم أو جوهر، فإذا ثبت ذلك فالضمة عبارة عن تحريك الشفتين بالضم عند النطق بالحرف، فيحدث عن ذلك صوت خفي مقارن للحرف، وإن امتد كان " واواً " وإن قصر كاناً ضمة ". وصورتها عند حذاق الكتاب صورة " واو " صغيرة لأنها بعض واو. والفتحة عبارة عن فتح الشفتين عند النطق بالحرف وحدوث الصوت الخفي الذي يسمى فتحة أو نصبة، وإن امتدت كانت ألفاً، وإن قصرت فهي بعض ألف. وصورتها كصورة ألف صغيرة. وكذلك القول في الكسرة والياء أن إحداهما بعض الأخرى، وحدوثهما عند تحريك العضو بالكسر مع مقارنة الحرف. والسكون عبارة عن خلو العضو من الحركات عند النطق بالحرف، فلا يحدث بعد الحرف صوت فينجزم عند ذلك، أي: ينقطع، فتسميه جزما، اعتباراً بالصوت وانجزامه، وتسميه سكونا، اعتباراً بالعضو الساكن. فقولنا إذاً: فتح، وضم، وكسر، وسكون، هو من صفة العضو، وإذا سميناها رفعاً ونصباً وخفضاً وجزما، فهي من صفة الصوت، لأنه يرتفع عند ضم الشفتين، وينتصب عند فتحهما، وينخفض عند كسرهما، وينجزم عند سكونهما.

стр. 45

ولهذه الحكمة عبر أرباب الصنعة بالرفع والنصب والجزم والخفض عن حركات الإعراب، إذ الإعراب لا يكون إلا بعامل وسبب، كما أن هذه الصفات التي تضاف إلى الصوت من رفع ونصب وخفض إنما يكون بسبب وهو تحرك العضو فاقتضت الحكمة اللطيفة والصنعة البديعة أن يعبر بما يكون عن سبب عما يكون لسبب وهو الإعراب، وأن يعبر بالفتح والضم والكسر والسكون عن أحوال البناء، فإن البناء لا يكون بسبب، أعني بالسبب العامل. فاقتضت الحكمة أن يعبر عن تلك الأحوال بما يكون وجوده بغير آلة، إذ الحركات الموجودة في العضو لا تكون بآلة، كما تكون الصفات المضافة إلى الصوت. فمن تأمل هذه الحكمة من أرباب الصناعة، رأى من بعد غورهم، ودقة أذهانهم، ورجاحة أحلامهم، وثقابة أفهامهم، ما يستدل به على أنهم مؤيدون بالحكمة في جميع أغراضهم وكلامهم. ولعلنا أن نعطف عنان الكلام بعد هذا إلى الخفض وتسميتهم إياه جرًّا. والتكلم على صورته في الخط، إلى غير ذلك مما يليق ذكره بذلك المقام، والله المستعان. * * * مسألة (في بعض علامات الأسماء) قوله: " تنفرد الأسماء بالخفض والتنوين ". قال بعضهم في حد التنوين: التنوين نون ساكنة تلحق أواخر الأسماء المتمكنة. وتصحيح هذه العبارة عندي أن يقال: " التنوبن: إلحاق الاسم نوناً ساكنة! ، لأن التنوين مصدر " نونت الحرف "، أي: ألحقته نوناً، كما أن التنعيل مصدر

стр. 46

" نعلت الرجل ": إذا جعلت له نعلاً، وليس التنعيل هو النعل، وكذلك التنوين ليس هو النون بمجردها، وهذا يطرد في الحروف، تقول: " سينت الكلمة "، أي: ألحقت بها سينا، و " كوفتها " أي: ألحقت بها كافا، ومن الزاي: زينتها - في قول بعضهم - والصحيح: " زويتها " حكي عن بعض الأعراب أنه قال: (إنها زاي فزوها،. فإن قيل: ما الحكمة في إلحاق هذه النون الأسماء، وسقوطها في الوقف. وإبدالها ألفاً في حال النصب، وغير ذلك من أحوالها؟ فالجواب: أن أكثر مسائل هذا الباب قد تكلم الناس فيه بحكمة وصواب، إلا أشياء أغفلوها منها مسائل كثيرة من باب ما ينصرف وما لا ينصرف ونُتَفٌ في أبواب أخر، لعلنا - إن شاء الله تعالى - أن نكشف عنها، ويشفى منها، ونقدم لها هاهنا أصلاً فنقول: التنوين فائدته التفرقة بين المنفصل والمتصل، فلا يدخل في الاسم إلا علامة لانفصاله مما بعده، ولذلك يكثر في النكرات لفرط احتياجها إلى التخصيص بالإضافة، فإذا لم تضف احتاجت إلى التنوين تنبيهاً على أنها غير مضافة، ولا تكاد المعارف تحتاج إلى ذلك إلا فيما قل من الكلام، لاستغنائها في أكثره عن زيادة نخصيص، وما لا يتصور فيه الإضافة بحال لا ينون بحال كالمضمر والمبهم، وكذلك ما دخلته الألف واللام لا يحتاج إلى التنوين في شيء من الكلام. وهذه علة عدمه في الوقف، لأن الوقوف عليه لا يكون مضافاً إلى غيره، إذ المضاف والمضاف إليه كالشيء الواحد، ولا يوقف على بعض الاسم دون بعض، وبالله التوفيق.

стр. 47

فإن قيل: ما الحكمة في اختيار " النون " الساكنة لهذا المعنى دون سائر الحروف؟ فالجواب: أن الأصل في الدلالة على المعاني الطارئة على الأسماء حروف المد واللين، وأبعاضها - وهي الحركات - متى قدر عليها فهي أخف من غيرها، ومتى لم يمكن كان أشبه الحروف بها وأقربها إليها أولى بذلك مما هو أبعد منها. وأواخر الأسماء المعربة قد لحقتها حركات الإعراب فلا يصح أن يلحقها علامة للانفصال إلا غير الحركات وغير حروف المد واللين، لأن حروف المد واللين هي أنفس الحركات، إلا أنها مدت وطول بها الصوت، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. فإذا لم يمكن الحركة، ولا ما هي بعضها من الحروف، فأشبه الحروف بحروف المد واللين " النون " الساكنة لخفائها وسكونها، وأنها من حروف الزيادة، وأنهم قد جعلوها من علامات الإعراب في الأمثلة الخمسة، واختيرت علامة لتمكن الاسم، وتنبيها على انفصاله، ولذلك لا نجد فعلاً منونا أبداً، لاتصاله بفاعله واحتياجه إلى ما بعده. * * * مسألة (في التصغير) قوله: " تنفرد الأسماء بالتصغير ". والتصغير عبارة عن تغيير الاسم ليدل على صغر المسمى وقلة أجزائه، إذ الكبير ما كثرت أجزاؤه، والصغير بعكس ذلك. فإن قيل: وما الحكمة في أن ضم أوله، وفتح ثانيه، وزيدت فيه ياء ثالثة، وقد كان يمكن في لفظ التصغير دروب من التغيير غير هذا؟

стр. 48

فالجواب: أن التصغير هو تقليل أجزاء المصغر بخلاف الجمع، فهو مقابل لما جمع على " فعالل " لأنه ضده، وقد زيد في جمع " فعالل " ألف ثالثة، فزيد في التصغير " ياء " ثالثة في أضعاف الكلمة، ولم تكن آخراً مثل علامة التأنيث، لأن الزيادة في اللفظ إنما تكون على حسب الزيادة في المعنى، والصفة التي هي صغر الجسم لا يختص بجزء منه دون جز لخلاف صفة التأنيث فإنها مختصة في جميع الحيوانات بطرف يقع به الفرق بين الأنثى والذكر، فكانت العلامة في اللفظ (المنبئة عن معنى التأنيث طرفاً في اللفظ) . بخلاف " الياء " في التصغير فإنها منبئة عن صفة واقعة على جملة المصغر، وكانت " ياء " ولم تكن ألفاً لأن الألف قد اختصت بجمع التكثير، وكانت به أولى كما كانت الفتحة التي هي أختها بذلك أولى، لأن الفتح ينبئ عن الكثرة ويشار به إلى السعة، ولذلك تجد الأخرس والأعجم بطبعه إذا أخبر عن شيء كثير، فتح شفتيه، وباعد ما بين يديه. وإذا كان الفتح ينبئ عن السعة والكثرة، فالضم الذي هو ضده ينبئ عن القلة والحقارة، ولذلك تجد المقلل للشيء يشير إليه بضم فم أو يد، كما فعل رسول الله ﷺ حين ذكر الساعة التي في يوم الجمعة، وأشار بيده يقللها، لأنه ضم بين إبهامه وأصبعه ﷺ . وهذا بين في الحكمة لمن تأمله، ونافع في التعليل لمن حصله. وأما " الواو " فلا معنى لها في التصغير لوجهين: أحدهما: دخولها في درب من الجموع نحو " الفعول "، فلم يكونوا ليجعلوها علامة في التصغير، فيلتبس التقليل بالتكثير. والثاني: أنه لا بد من كسر ما بعد علامة التصغير إذا لم يكن حرف إعراب. كما كسر ما بعد علامة التكثير في نحو " مفاعل "، ليتقابل اللفظان كما تقابل المعنيان. وكثيراً ما تفعل العرب ذلك، توازن ما بين اللفظين، إذا كان معناهما

стр. 49

متضادين، ألا ترى أن " علماً على وزن " جهل ". و" روى " على وزن " عطش "، وشرف فهو شريف، على وزن وضع فهو وضيع؟ وهذا كثير في كلامهم من أن يحصى، فلم يمكن إدخال " الواو " مكان " الياء " لئلا يخرج منها إلى الكسر الذي هو ضدها. فإذا امتنعت الواو - والألف قد اختص بها الجمع - فلم يبق إلا الياء. و (قد) جعلت مفتوحاً ما قبلها من أجل الضمة التي هي في أول الكلمة، لئلا يخرج من ضم إلى كسر، والله أعلم. * * * مسألة (الجزم خاص بالأفعال والخفض بالأسماء) سؤالهم عن امتناع دخول الجزم في الأسماء والخفض في الأفعال، سؤال غير لازم عند شيخنا (أبي الحسين) (رحمه الله تعالى) ، لأن المعاني المدلول عليها في الأسماء ثلاثة أفسام: مخبر عنه، وداخل في حديث غيره، ومضاف إليه - فلا يحتاج إلى إعراب رابع، لأنه لا مدلول له. وكذلك الأفعال، المعاني المدلول عليها ثلاثة أقسام: فعل واقع موفع الاسم فله الرفع، وفعل في تأويل اسم فله النصب، لأن الرفع والنصب من إعراب الأسماء، فاستحقه من الأفعال ما هوفي تأويل الاسم أو واقع موقع اسم، (وفعل لا في تأويل اسم ولا واقع موقع اسم) فله الجزم، لأن الجزم ليس من إعراب الأسماء. وليست هذه عبارة الشيخ (أبي الحسين) في الأفعال، ولكنه قال: " الأفعال واجب وممكن ومنتف، أو في حكم المنتفى، فالرفع للواجب، والنصب للممكن. والجزم الذي هو عدم الحركة وانتفاؤُها للمنفي أو ما هو في حكمه. وكل ما قاله صحيح إلا أن قوله: " لا يحتاج في الأسماء إلى رابع، ولا في الأفعال "، فإن للسائل أن يقول: لم أرد إعرابا رابعا، وإنما أردت أن يكون الجزم بدلاً من الخفض، والخفض بدلاً من الجزم. فيجاب حينئذ بما اعتل به النحويون

стр. 50

من اختلال الأسماء عند ذهاب الحركة والتنوين، مع أن الأسماء أخف، فكانت أحمل لثقل الحركة، والأفعال بعكس ذلك. * * * مسألة (في الإضافة) قوله: (ولم تخفض الأفعال لأن الخفض لا يكون إلا بالإضافة ". هذا لا يلزم، لأن نصب الأفعال ورفعها لم يكن بعوامل الأسماء، فلزم مثل ذلك في خفضها لو خفضت، ولكن العلة ما قدمناه. وقوله: " ولا معنى للإضافة إلى الأفعال، لأنها لا تملك شيئاً ولا تستحقه ". صحيح من وجه الخبر ساقط من جهة التعليل، لأن عدم الملك والاستحقاق ليس علة في وجوب انتفاء الإضافة، وإنما العلة في ذلك أن الأفعال عبارات عن وقوع أحداث، وإنما الإضافة إلى المعبر عنه لا إلى أنفس العبارات، والإخبار عن المشار إليه لا عن التلويحات والإشارات. فاستحالت إضافة الأسماء إلى الأفعال. فإن قيل: إن ظروف الزمان أسماء وقد أضيفت إلى الأفعال؟ نعم، وأضيفت إليها أسماء أخر كحيث، وريث، وذي من ذي تسلم، وآية من قوله: بآية ما يحبون الطعاما

стр. 51

فالجواب: أنه ما أضيف إلى الأفعال في الحقيقة شيء، وإنما أضيفت هذه وما هو في معناها من الأسماء التي تقدم ذكرها إلى الاسم الذي اشتق منه الفعل، وهو الحدث، وذلك أن ظروف الزمان إنما تذكر من أجل الأحداث الواقعة فيها، فتضاف إليها إذ هي أوقات لها. وربما أضيفت إلى الحدث وليست بوقت له، لاتصالها بوقته، فتضاف إليه لتخصص وتعرف بالإضافة إليه، وإن لم يكن واقعا فيها، نحو قوله تعالى: (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ) فالليلة من ظروف الزمان، وقد أضيفت إلى الصيام وليس بواقع فيها فلما كان جائزاً في بعض الكلام أن يضاف الظرف إلى الاسم الذي هو الحدث - وإن لم يكن واقعا فيه - أضافوه إلى الفعل لفظاً، وهو مضاف إلى الحدث معنى، وأقحم لفظ الفعل إحرازاً للمعنى، وتحصينا للغرض، ورفعا لشوائب الاحتمال، حتى إذا سمع المخاطب قولك: " يوم قام زيد "، علم أنك تريد: اليوم الدي قام فيه زيد. ولو قلت مكان قولك " ليلة الصيام "؟ ليلة صيام زيد، ما كان له معنى إلا وقوع الصيام في الليل. فهذا الذي حملهم على إقحام لفظ الفعل عند إرادتهم إضافة الظروف إلى الأحداث، وقس على ذلك المبتدأ والخبر. وأما (ريث) فبمنزلة الظرف وقد صارت في معناه. وكذلك (حيث) و (ذي تسلم) لأن المعنى في قول بعضهم: " اذهب لوقت ذي تسلم "، أي: ذي سلامتك. فلما حذفت المنعوت وأقمت النعت مقامه، أضفته إلى ما كنت تضيف إليه المنعوت وهو الوقت هذا أحد قولي السيرافي، وهو عندي على الحكاية، حكوا قول الداعي " تسلم " كلما تقول: " تعيش " و " تبقى "، فقولهم: اذهب بذي تسلم، أي: اذهب بهذا القول مني، ولم يقولوا: اذهب بتسلم، لئلا يكون اقتصاراً على دعوة واحدة، ولكن قالوا: بذي تسلم، أي: بقول يقال فيه: " تسلم "، أو يجمع معانيه

стр. 52

" تسلم "، فوصفوا القول بذي تسلم، يريدون هذا المعنى، وحذفوا القول المنعوت بذي، اكتفاء بدلالة الحال عليه. ونحو من هذا قول كثير: وإن تامريني بالذي فيه أفعل أي: بالأمر أو بالقول الذي فيه هذا الكلام. وأما " آية ما تحبون الطعاما "، فالآية هي العلامة، وهي هاهنا بمعنى الوقت. لأن الوقت علامة للمؤقت، وبالله التوفيق. وليس جميع ظروف الزمان يجوز إضافته إلى الفعل، بل ذلك يختص ببعضها. فما كان منها مفرداً متمكناً جاز إضافته إليها، وما كان مثنى نحو " يومين " و " ساعتين " لم يجز إضافته إلى الفعل، لأن الحدث إنما يقع مضافاً لظرفه الذي هو وقت له، فلا معنى لذكر وقت آخر. ووجه آخر وهو أن الجملة المضاف إليها (هي) نعت للظرف في المعنى. فقولك: " يوم قام زيد "، كقولك: " يوم قام زيد فيه " في المعنى، والفعل لا يدخله التثنية فلا يصح أن يضاف إليه الاثنان، كما لا يصح أن ينعت الاثنان بالواحد. ووجه ثالث، وهو أن قولك: قام زيد يوم قام عمرو لا يصح إلا أن يكون جواباً لمتى، واليومان جواب لكم، وما هو جواب لكم لا يكون جواباً لمتى أصلاً، فإن أضفت اليومين إلى الفعل صرت مناقضا، لجمعك بين الكمية وبين ما لا يكون إلا لمتى. فأما الجمع نحو الأيام فإنما جاز إضافتها إلى الفعل، لأنها قد يراد بها معنى المفرد كالشهر والأسبوع والحول وغير ذلك. وكذلك إن كان غير متمكن كقبل وبعد، فإنك لو أضفتها إلى الفعل لاقتضت إضافتها إليه ما يقتضيه قولك: " يوم قام زيد "، أي: اليوم الذي قام فيه، وذلك محال في " قبل " و " بعد "، لأنه يؤول إلى إبطال معنى القبلية والبعدية.

стр. 53

وأما سحر - ليوم بعينه - فيمنع من إضافنه إلى الفعل ما فيه من معنى الألف واللام. فقس على هذا الأصل ما يضارعه من الكلام. * * * مسألة (من باب معرفة علامات الإعراب) قوله: " الواو: علامة الرفع في خمسة أسماء معتلة ". اعتلال هذه الأسماء على غير قياس، إذا كان قياس " الواو " إذا تحركت وانفتح - ما قبلها إن انقلبت ألفاً، فيكون الاسم مقصوراً، وهذه الأسماء حذفت أواخرها في حال الإفراد والانفصال عن الإضافة. قال لي بعض أشياخنا في تعليل الحذف: إن التنوين لما أوجب حذف الألف المنقلبة لالتقاء الساكنين، حذفوها رأساً، كما قال الأول: رأي الأمر يفضي إلى آخر ... فصير آخره أولا فإذا أضيفت وزالت علة التنوين، رجعت الحروف المحذوفة، وكان الإعراب فيها مقدراً كما هو مقدر في الأسماء المقصورة. وقد قال بهذا القول طائفة من النحويين.

стр. 54

الأمر فيها عندي أنها علامات إعراب، وليست حروف إعراب، والمحذوف منها لا يعود إليها في الإضافة، كما لا يعود المحذوف من " يد " و " دم "، وبرهان ذلك أنك تقول: أخي وأبي إذا أضفت إلى نفسك، كما تقول: يدي ودمي، لأن حركات الإعراب لا تجتمع مع ياء المتكلم، كما لا تجتمع معها واو الجمع، فلو كانت الواو في " أخوك " حرف إعراب لقلت في الإضافة إلى نفسك: هذا أخي، كما تقول: هؤلاء مسلمي، فتدغم الواو في الياء لأنها حرف إعراب عند سيبويه، وهي عند غيره علامات إعراب، فإذا كانت " واو " الجمع ثبتت مع " ياء " المتكلم وهي زائدة علامة إعراب عند بعض النحويين، فكيف يحذف ما هو " لام " الفعل وأحق بالثبات منها؟ فقد وضح لك أنها ليست الحروف المحذوفة الأصلية. فإن قيل: فلم كان إعرابها بالحروف دون الحركات؟ ولم أعلت بالحذف دون القلب خلافاً لنظائرها مما علته كعلتها، وهي الأسماء المقصورة؟ قلنا: في ذلك جواب فلسفي لطيف، وهو أن اللفظ جسد والمعنى روح، فهو تبع له في صحته واعتلاله، والزيادة فيه والنقصان منه، كما أن الجسد مع الروح كذلك، فجميع ما يعتري اللفظ من زيادة فيه أو حذف، فإنما هو بحسب ما يكون في المعنى، اللهم إلا أن يكثر استعمال كلمة فيحذف منها تخفيفا على اللسان لكثرة

стр. 55

دورها فيه، ولعلم المخاطب بمعناها، كقولهم: " أيش؟ "، و " لم أبل ". وهذه الأسماء الخمسة مضافة في المعنى، فإذا قطعت عن الإضافة وأفردت. نقص المعنى فنقص اللفظ تبعاً له، مع أن أواخرها حروف علة، فلا بد من تغييرها إما بقلب وإما بحذف، وكان الحذف فيها أولى لما قدمنا. وكان بنبغي على هذا أن يتم لفظها في حال الإضافة كما تم معناها، إلا أنهم كرهوا أن يخلو " الخاء " من أخ، و " الباء " من أب من الإعراب الحاصل فيها، إذ ليس في الكلام ما يكون حرف إعراب في حال الإفراد ولا يكون حرف إعراب في حال الإضافة، فجمعوا بين الغرضين ولم يبطلوا أحد القياسين، فمكنوا الحركات التي هي علامات الإعراب في حال الإفراد فصارت حروف مد ولين في الإضافة. وقد تقدم أن الحركة بعض الحرف الذي هو حرف المد، فالضمة التي هي علامة الوفع في قولك " أخ "، هي بعينها علامة الوفع في " أخوك "، إلا أن الصوت بها مد، ليتمموا اللفظ كما تمموا المعنى بالإضافة إلى ما بعد الاسم، ولم يحتاجوا مع تطويل حركات الإعراب إلى إعادة ما فد حذف من الكلمة رأسا، كما لا يعاد ما حذف من (يد) و (دم) . وأما التثنية فإنهم صححوا اللفظ فيها بإعادة المحذوف تنبيهاً على الأصل الذي هو الانقلاب إلى الألف، فقالوا: " أخوان " و " أبوان " كما قالوا: " عصوان " و " رجوان " لأن قياسه في الأصل كقياسه، بخلاف " يد " و " دم " فإن الأصل فيهما يدي ودمي فلم يكن بابهما كباب " عصا " و " رجا "، فاستمر الحذف فيهما في التثنية والإفراد فإن قيل: فما بال " ابن " وهو اسم إضافي، ووزنه في الأصل " فعل "، كما

стр. 56

كان (أخ) و (أب) كذلك، ثم لم يعد إليه ما حذف منه في تثنية ولا إضافة؟ قلنا: إنهم قد عوضوا من المحذوف ألف الوصل في ابن واسم، فلم يكونوا ليجمعوا بين العوض والمعوض منه، بخلاف " أخ " و " أب " ومنعهم أن يعوضوا من المحذوف في " أخ " و " أب " الهمزة التي في أولهما، فراراً من اجتماع همزتين. وأما " حم " فقد كان الأصل فيها " حمأ " بالهمزة، فلم يكونوا ليعوضوا من الهمزة همزاً آخر، فجعلوه كأب وأخ. فإن قيل: فما بالهم يقولون في جمع ابن: (بنون) ، وهو جمع على حد التثنية. فلم لم يقولوا: (ابنون) كما قالوا: (ابنان) ؟ ْقلنا: إن الجمع قد يلحقه التغييرات (بالتكسير وغيره) ، بخلاف التثنية فإنها لا يتغير فيها لفظ الواحد بحال، مع أنهم رأوا أن جمع السلامة لا بد فيه من " واو " في الرفع و " ياء " مكسور ما قبلها في النصب والخفض، فأشبهت حاله حال ما لم يحذف منه شيء إذ المحذوف منه " ياء " أو " واو "، ففتحوا أوله كما كانوا يفعلون لو لم يحذف منه شيء وليست هذه العلة في التثنية إذا تأملتها. وأما قولهم في المؤنث " بنات " - بفتح الباء - ولم يقولوا: (ابنات) كما قالوا: (ابنتان) فإنهم حملوا جمع المؤنث على جمع المذكر، لئلا يختلف، والله أعلم. وأما " أخت " و " بنت " فالتاء من " أخت " مبدلة من " الواو " وكما أبدلت منها في " تراث " و " تخمة "، وإنما حملهم على ذلك هاهنا أنهم رأوا المذكر قد حذفت لامه في الإفراد فقالوا: أخ، وكان القياس أن يقولوا في المؤنث: " أخته "، بهاء في الوقف، فلو فعلوا ذلك لكانت تلك التاء حرف إعراب في الإضافة والإفراد، ولم يمكنهم أن يعيدوا المحذوف في الإضافة تتميماً للفظ فيخالف لفظه لفظ المذكر، ولا أمكنهم من تطويل الصوت بالحركات ما أمكنهم في التذكير، لأن ما قبل (تاء) التأنيث ليس بحرف إعراب، ولا أمكنهم نقصان اللفظ في الموطن الذي تم فيه المعنى، فجمعوا بين الأغراض بإبدالها تاء، لتكون في حال الإفراد علماً للتأنيث،

стр. 57

وفي حال الإضافة من تمام الاسم كالحرف الأصلي، إذ هو موطن تتميم كما تقدم، وسكنوا ما قبلها لتكون بمنزلة الحرف الأصلي، وضموا أول الكلمة إشعاراً بالواو، وكسروها في " بيت " إشعاراً بالياء، لأنها من (بنيت) . وقالوا في تأنيث ابن: ابنة وبنت، ولم يقولوا في تأنيث أخ إلا أخت، والعلة في ذلك مستقرأة مما تقدم من الكلام، والله أعلم. وأما قولهم: " فوك " في الرفع، و " فاك " في النصب، و " فيك " في الخفض. فحروف المد فيها حروف إعراب بخلاف ما تقدم في " أخيك "، و " أبيك " و" حميك " والفرق بينهما وبين أخواتها أن " الفاء " لم تكن قط حرف إعراب لانفرادها، فلم يلزم فيها ما لزم في " الخاء " و " الباء " ألا تراهم يقولون: " هذا في ". و" جعلته في " كما يقولون: " هؤلاء مسلمي "، فيثبتونها مع ياء المتكلم. وهذا يدلك على أنها حرف إعراب بخلاف أخواتها، ألا تراهم في حال الإفراد كيف أبدلوا من الواو ميماً ليتعاقب عليها حركات الإعراب ويدخلها التنوين، إذ لو لم يبدلوها ميما لأذهبها التنوين في الإفراد وبقيت الكلمة على حرف واحد، فإذا أضيفت زالت العلة حيث أمنوا التنوين، فلم يحتاجوا إلى قلبها ميماً. فإن قيل: فأين علامات الإعراب في حال الإضافة؟ قلنا: الإعراب مقدر فيها، وإن شئت قلت تغير صيغتها في الأحوال الثلاثة هو الإعراب، والمتغير هو حرف الإعراب. فإن قيل: فلم لم تثبت الألف في حال النصب إذا أضيفت إلى ضمير المتكلم فتقول: " فتحت فاي "، كما تقول: " عصاي "؟ قلنا: الفرق بينهما أن الألف من عصاي ثابتة في جميع أحوال الكلمة، وهذه لا تكون إلا في حال النصب، وقد قلبت تلك " ياء " في لغة طيء فقالوا: عصي وقفي، فهذه أحرى بالقلب وأولى، والله الموفق لما يرضى. وأما " ذو مال " فكان الأظهر فيه أن يكون حرف العلة حرف إعراب، وأن

стр. 58

يكون الاسم على حرفين كما هو في بعض الأسماء المبهمة كذلك، يدلك على (ذلك) قولهم في الجمع: " ذو مال "، و " ذوات مال "، إلا إنه قد جاء في القرآن: (ذَوَاتَا أَفْنَانٍ) و (ذَوَاتَيْ أُكُلٍ) ، وهذا ينبئ أن الاسم ثلاثي ولاماه ياء، انقلبت ألفاً في تثنية المؤنث خاصة. وقولهم في التثنية: " ذواتي " ليس هو القياس، وإنما القياس " ذاتي " وفي الجمع: " ذويات "، والجمع كان أحق بالرد إلى الأصل من التثنية، لأن التثنية أقرب إلى لفظ الواحد، لأنها أقرب إليه في المعنى، ألا تراهم يقولون: " أخت وأختان "، ويقولون في الجمع: " أخوات " وكذلك: " ابنة وابنتان " ولا يقولون في الجمع: " ابنات "، فكذلك كان القياس حين قالوا: " ذوات "، فلم يردوا لام الكلمة ألا يردوا في التثنية، وإنما يكون منها أبعد، والحمد لله. والعلة في ذلك أن " ذات " وإن كان ألفها منقلبة عن واو، فإن انقلابها ليس بلازم، وإنما هو عارض لدخول التأنيث، ولولا التأنيث لكانت " واواً " في حال الرفع غير منقلبة، و " ياء " في حال الخفض. والتثنية أقرب إلى الواحد لفظاً ومعنى، فلذلك حين ثنوها جعلوها " واواً " كما هي في الواحد إذا كان مرفوعا ومثنى ومجموعاً، فكان حكم " الواو " أغلب عليها من حكم " الياء " و " الألف ". ثم ردوا لام الفعل لأنهم لو لم يردوها لقالوا: " ذوتا مال " في حال الرفع. فيلتبس بالفعل نحو: " رمتا "، و " قضتا "، إذا أخبرت عن امرأتين. وكذلك: " ذوتا " من (الذوي) ، إذا أخبرت عن روضتين أو شجرتين، فكان في رد اللام رفع لهذا اللبس، وفرق بين ما يصح عينه في المذكر نحو " ذات "، و " ذو "، وبين ما لا يصح عينه في مذكر ولا في جمع نحو " شاة "، فإنك تقول في تثنيته: شاتان

стр. 59

كما كان القياس في " ذات "، وليس في جمع ذات ما يوجب رد لامها كما في تثنيتهما كما تقدم. وأما " سنتان "، و " شفتان، (فليس) يلزم فيهما من الالتباس بالفعل ما لزم في " ذوتا "، لو قيل، لأن " نون " الاثنين لا تحذف منهما حذفا لازماً، لأنهما غير مضافين في أكثر الكلام، بخلاف " ذواتا " فإن " النون " لا توجد فيها ألبتَّة، لأنها لا تنفك عن الإضافة. * * * مسألة (في المثني والجمع السالم) الواو والألف في " يفعلون " و " يفعلان "، أصل للواو والألف في " الزيدون " و" الزيدان " و " المسلمون " و " المسلمان "، وإنما جعلنا ما هو في الأفعال أصلاً لما هو في الأسماء، لأنها إذا كانت في الأفعال كانت اسماً وعلامة جمع، وإذا كانت في الأسماء كانت حرفاً علامة جمع، وما يكون اسماً وعلامة في حال هو الأصل لما يكون حرفاً في موضع آخر، أذا كان اللفظ واحداً، كما تقول في كاف الإضمار وكاف المخاطبة وهذا الأصل أولى بنا من أن نجعل الحرف أصلاً والاسم فزعا له. يدلك على ذلك أنهم لم يجمعوا بالواو والنون من الأسماء إِلا ما كان فيه معنى الفعل، كقولنا: " المسلمون " و " الصالحون "، ولم يقولوا في جمع رجل وكلام: (رجلون) و (غلامون) ، فقد وضح لك أن الفعل في هذه المسألة هو الأصل، وإن لم تقل ذلك دخل عليك ما هو أشنع مما تفرضه، وهو أن تجعل ما هو حرف أصلاً لما هو اسم، فتقول في الواو التي هي حرف وعلامة جمع في " الزيدون ": إنها الأصل، وفي الواو التي في " يفعلون ": إنها الفرع. فإن قيل: فالأسماء الأعلام ليس فيها معنى الفعل، وقد جمعوها كما تجمع المشتقة من الفعل؟ فالجواب: أن الأسماء الأعلام لا تجمع هذا الجمع إلا وفيها الألف واللام. لا يقال: جاءني زيدون، ولا: رأيت زيدين، فدلَّ ذلك أن على أنهم أرادوا معنى

стр. 60

الفعل، أي: الملقبون بهذا الاسم، والمعروفون بهذه العلامة، فعاد الأمر إلى ما ذكرنا. وأما التثنية فمن حيث قالوا في الفعل: " فعلا " و " صنعا " فيما يعقل وفيما لا يعقل ولما لم يقولوا: " فعلوا " و " صنعوا " إلا فيما يعقل، لم يجعلوا " الواو " علامة للجمع في الأسماء إلا فيما يعقل، إذ كان فيه معنى الفعل، ومن حيث اتفق معنى التثنية ولم يختلف، اتفق لفظها كذلك في جميع أحوالها ولم يختلف، واستوى فيها ما يعقل وما لا يعقل. ومن حيث اختلفت معاني الجموع بالكثرة والقلة اختلفت ألفاظها. ولما كان الإخبار عن جمع ما لا يعقل يجري مجرى الجملة والأمة والثُّلَّة، لا يقصد به في الغالب إلا الأعيان المجتمعة على التخصيص، لا كل واحد منها على التعيين، كان الإخبار عنها بالفعل كالإخبار عن الأسماء المؤنثة، إذ الجملة والأمة وما هو في معنى ذلك أسماء مؤنثة، ولذلك قالوا في جموع ما لا يعقل: " الجمال ذهبت "، و " الثياب بيعت "، و " الدور اشتريت "، وما أشبه ذلك، إذ لا يتعين في قصد الضمير كل واحد منها في غالب الكلام والتفاهم بين الأنام. ولما كان الإخبار عن جمع ما يعقل بخلاف ذلك، وكان كل واحد من الجمع فيه يتعين غالباً في القصد إليه والإشارة، وكان اجتماعهم في الغالب عن ملأ منهم وتدبير وأغراض عقلية، جعلت لهم علامة تختص بهم تنبئ عن الجمع المعنوي كما هي في ذاتها جمع لفظي، وهي " الواو "، لأنها ضامة بين الشفتين أو جامعة لهما، وكل محسوس يعبر به عن معقول فينبغي أن يكون مشاكلاً له، فما خلق الله - تعالى - الأجساد في صفاتها المحسوسة إلا مطابقة للأرواح في صفاتها المعقولة. ولا وضع الألفاظ في لسان آدم ﵇ وذريته إلا موازنة للمعاني التي هي أرواحها، فهذا سر " الواو " في اختصاصها بالجمع لمن يعقل، وعلى نحو ذلك خصت بالعطف لأنه جمع في معناه، وبالقسم لأن واوه في معنى واو العطف، على ما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى. وأما اختصاص (الألف) بالتثنية، فلقرب التثنية من الواحد في المعنى وجب أن

стр. 61

يقرب لفظها من لفظه، ولذلك لا يتغير بناء الواحد فيها كما يتغير في أكثر الجموع. وفعل الواحد مبني على الفتح فوجما أن يكون فعل الاثنين كذلك، وذلك لا يمكن مع غير " الألف "، فلما ثبتت " الألف " بهذه العلة ضميراً للاثنين كانت علامة للاثنين في الأسماء، كما فعلوا في " الواو " حين كانت ضميراً للجماعة في الفعل جعلت علامة للجمع في الأسماء، والحمد لله. وأما إلحاق " النون " بعد حروف المد في هذه الأفعال الخمسة، فحملت على الأسماء التي في معناها المجموعة جمع السلامة والمثناة، نحو: " مسلمون " و" مسلمان "، وهي في تثنية الأسماء وجمعها عوض من التنوين كما ذكروا، ثم شبهوا بها هذه الأمثلة الخمسة، فألحقوا النون فيها في حال الرفع، لأنها إذا كانت مرفوعة كانت واقعة موقع الاسم، فاجتمع فيها وقوعها موقع الاسم ومضارعتها له في اللفظ، لأن آخرها حرف مد ولين، ومشاركتها له في المعنى، فألحق فيها النون عوضاً من حركة الإعراب حملاً على الأسماء كما حملت الأسماء عليها فجمعت بالواو والياء. وقد ققدم ذكر ذلك. فالنون في تثنية الأسماء وجمعها أصل للنون في تثنية الأفعال وجمعها. وحروف المد في تثنية الأفعال وجمعها - أعني علامة الإضمار - هي أصل لحروف المد في ثثنية الأسماء وجمعها، التي هي علامات إعراب، أو حروف إعراب كما تقدم.

стр. 62

فإن قيل: فلم لم يثبتوا هذه النون في حال النصب والجزم من الأمثلة الخمسة؟ قلنا: لعدم العلة المتقدمة وهي وقوعها موقع الاسم، وأنت إذا أدخلت النواصب والجوازم لم تقع موقع الأسماء، لأن الأسماء لا تكون بعد عوامل الأفعال، فبعدت عن الأسماء، ولم يبق فيها إلا مضارعتها لها في اتصال حروف المد بها، مع الاشتراك في معنى الفعل. فإن قيل: فأين الإعراب فيها في حال النصب والجزم؟ قلنا: مقدر، كما هو في كل اسم وفعل آخره حرف مد ولين، سواء كان حرف المد زائداً أو أصلياً، ضميراً أو غير ضمير، فالأصلي نحو: يرمي والقاضي، ونحو: عصا ورحى، والزائد نحو: سكرى، والضمير نحو: غلامي وصاحبي، إلا أنه مع هذه الياء مقدر قبلها - أعني الإعراب - وهو في (يرمي) و (يخشى) و (سكرى) ونحو ذلك مقدر في نفس الحرف لا قبله، لأنه لا يتقدر إعراب اسم في غيره، وإذا ثبت ذلك فقولك: " لن يفعلوا " و " لن تفعلي " إعرابه مقدر قبل الضمير في لام الفعل،

стр. 63

كما هو كذلك في غلامي، وليس زوال النون وحذفها هو الإعراب، لأنه مستحيل أن يحول بين حرف الإعراب وبين إعرابه اسم فاعل أو غير فاعل، مع أن العدم ليس بشيء فيكون إعراباً وعلامة لشيء في أصل الكلام ومعقوله، والله أعلم. وأما فعل جماعة النساء فكذلك أيضاً إعرابه مقدر قبل علامة الإضمار كما هو مقدر قبل الياء في غلامي. فعلامة الإضمار منعت من ظهوره لاتصالها بالفعل وأنها كبعض حروفه، فلا يمكن تعاقب الحركات على لام الفعل معها، كما لم يمكن ذلك مع ضمائر الفاعلين المذكورين، ولا مع الياء من غلامي، ولا يمكن أيضاً أن يكون الإعراب في نفس النون لأنها ضمير الفاعل، فهي غير الفعل، ولا يكون إعراب شيء في غيره، ولا يمكن أيضاً بعدها، فإنه مستحيل في الحركات وبعيد كل البعد في غير الحركات أن بكون إعراباً وبينه وبين (حرف) الإعراب اسم أو فعل، فثبت أنه مقدر كما هو في جميع الأسماء والأفعال المعربة (التي) لا يقدر على ظهور الإعراب فيها لعلة مانعة على نحوما تقدم. فإن قيل: فقد أثبتم أن فعل جماعة المؤنث معرب، وهذا خلاف لسيبويه ومن وافقه من النحويين، فإنهم زعموا أنه مبني وإن اختلفوا في علة بنائه! .

стр. 64

قلنا: بل هو وفاق لهم، لأنهم علمونا وأصلوا لنا أصلاً صحيحاً فلا ينبغي لنا أن ننقضه ونكسره عليهم، وهو وجود المضارعة الموجبة للإعراب، وهو موجود في " يفعلن " و " تفعلن "، فمتى وجدت الزوائد الأربع وجدت المضارعة، وإذا وجدت المضارعة وجد الإعراب. فإن قيل: فهلا عوضوا من حركة الإعراب في حال رفعه نونا، كما فعلوا في (يفعلون) لأنه أيضاً واقع موضع الاسم؟ قلنا: تقدم ما في " يفعلون "، و " يفعلان " من وجوه الشبه بينه وبين جمع السلامة في الأسماء، فمنها الوقوع موقع الاسم، ومنها المضارعة في اللفظ من جهة حروف المد واللين. وهذا الشبه معدوم في " يفعلن " من جهة اللفظ، لأنه ليس مثل لفظ " فاعلين " ولا " فاعلات "، وإن كان واقعاً موقعه في حال الرفع، والله المستعان. مسألة (في علامات الإعراب) قوله في هذا الباب: " وجميع ما يعرب به الكلام تسعة أشياء ". وذكر الحروف والحركات والحذف والسكون. وكلها أشياء في الحقيقة إلا الجزم والحذف، فإنهما عبارتان عن معدوم، والمعدوم ليس بشيء، وهو معلوم. وأما الحركات فأعراض، لأنها لحروف المد أبعاض، والحروف أصوات. وهي عند جميع المحققين من المتكلمين أعراض إلا (إبراهيم النَّظَّام) ، وقد تقدم ذكرمذهبه فيما مضى. والعرض شيء لأنه موجود، وكل موجود شيء، وكل شيء موجود، بخلاف المعدوم. ولم نقصد التعقيب على أبي القاسم في عبارته، لأن التسامح من شأنهم في هذه الصناعة والله المستعان.

стр. 65

باب الأفعال مسألة (في أمس وغد واليوم) القول في " أمس " و " غد " و " اليوم " أن الأيام لما كانت متماثلة من حيث كان كل واحد منها عبارة عن جملة من حركات الفلك، والحركات متماثلة بأنفسها لا يتميز يوم من يوم بصفة نفسية، إذ المثلان مشتركان في جميع صفات النفس، ولا بصفة معنوية لأن الصفة المعنوية لا تقوم بالحركة ولا بعرض من الأعراض، لأن المعنى لا يقوم بالمعنى، لم يبق إلا تمييزها بالأعداد، ولذلك جعلوا أسماء أيام الأسبوع مأخذوة من العدد، كقولهم: الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، ونحو ذلك، أو بالأحداث الكائنة فيها نحو قولك: " اليوم (الذي خرج فيه زيد) ، فخصصته بما قارنه من الفعل) الذي هو حركة للفاعلين، كما أن الزمان حركة للفلك، وكل واحد منهما حادث يتخصص بمقارنة صاحبه، أيهما كان أعرف عند المخاطب كان وقتاً للآخر مخصصا له، فإذا ثبت ذلك فأقرب الأيام إليك يومك الذي أنت فيه، فيقال: " فعلته في اليوم الذي فرط قبل هذا اليوم الذي نحن فيه ". ويقال في غد نحو ذلك. فاقتضى إيثار الإيجاز والاختصار أن يوضع له اسم، وأن يشتق له من أقرب ساعة منه إلى يومك، ثم ينسحب معناه على اليوم كله، كما يقال في العبد: (رقبة) فينسحب معنى الرقبة على الجملة، وهو في الأصل عبارة عن البعض، ورب شيء هكذا. وكذلك (غد) جعل له اسم يترجم به عن جميعه، وهو مشتق من أقرب ساعة

стр. 66

منه إلى يومك، إلا أن " أمس " مبني و " غد " معرب، فعل بكل واحد منهما ما فعل بالفعل الذي في معناه، ولذلك (جاء) " أمس " بلفظ الأمر حين أرادوا بناءه كما بني الفعل الماضي الذي صيغ من أجله، ولم يجئ بلفظ الفعل لئلا يلتبس بالفعل الماضي، ولعله قد جاء، وليس ببعيد أن يكون قول الراجز: لقد رأيت عجبا مذ أمساً أراد به: أفعل. وهذه العملية التي في " أمس " بمنزلة " أطْرِقَا " اسم علم لمكان بالحجاز جاء بلفظ الأمر يقول الرجل فيه لصاحبه حين استبطن خوفا وتوجس حساً، فلذلك هو الاسم في المكان كهذا في الزمان، لعله سمي لقولهم فيه: " أمس بخير "، و " أمس معنا "، أو نحو هذا، كما سمي ذلك المكان بقولهم فيه: " أطرقا ". والعملية فيه عندي ليست كهي في " زيد " و " عمرو "، ولكنها كهي في " أسامة " و " ثعالة "، اسم علم لا يختص به واحد من الجنس، أي الجنس كان فهو المسمى بذلك الاسم، كما أن " أمس " أي الأيام كان إذا ولي يومك ماضياً فهو (أمس) .

стр. 67

فأما حذف لام الفعل من " غد "، فكل ما كان على وزن " فعل " معتل اللام، ثم عبر به عن غير ما وضع له، فإنه وضع عن الحدث، فإذا زحزح عن أصل موضوعه وبقي فيه من المعنى الأول ما يعلم به أنه مشتق منه - فإن حذف لامه مطرد، ليكون النقص في اللفظ موازناً للنقص في المعنى، فلا يستوفي حروف الكلمة بأسرها إلا عند حصول المعنى بأسره. وتأمل ذلك تجده في " غد " و " دم " و " يد " و " سم ". وعلى ذلك كل هذه الأسماء نقص من لفظها بحسب ما نقص من المعنى الذي عبر عنه بجملة حروف الكلمة. فهذا ما في " أمس " و " غد ". فأما اليوم إذا كان ظروفاً فهو كالآن، استغنوا بلزوم الألف واللام له عن أن يصفوه أو يضيفوه أو يسموه باسم علم غير هذا اللفظ، كما فعلوا (ذلك) بالنجم - أعني: الثريا -، وفي المدينة - أعني: مدينة رسول الله ﷺ ، وفىِ غير ذلك مما ألزم الألف واللام عرفا واستحقاقاً، فكذلك اليوم (إذا أردت اليوم) الذي أنت فيه. وكذلك الساعة والليلة، استغنوا بالمشاهدة ولزوم الألف واللام عن إلحاقهما بالأسماء الأعلام. وهذا الصواب لا ما ذهب إليه من علل البناء في " أمس " بتضمن الحرف أو مشابهته الحرف، فإن ذلك ينكسر عليهم في " غد " بما ليس لهم عنه مندوحة ولا صرف.

стр. 68

مسألة (في أحرف المضارعة) قال أبو القاسم: " أوكانت في أوله إحدى الزوائد الأربع ". دخول الزوائد على الحروف الأصلية منبئة على معان زائدة على معنى الكلمة التي وضعت الحروف الأصلية عبارة عنه، فإن كان المعنى الزائد آخراً كانت الزيادة آخراً، كنحو " التاء " في " فعلت " لأنها تنبئ عما رتبه بعد الفعل. فإن كان المعنى الزائد أولًا كانت الزيادة المنبئة عنه (أولا) مسبقة على حروف الكلمة كهذه الزوائد الأربع، فإنها تنبئ أن الفعل لم يحصل بعد لفاعله، وأن بينه وبين تحصيله جزءاً من الزمان، فكان الحرف الزائد السابق للفظ الفعل مشيراً في اللسان إلى ذلك الجزء من الزمان، مرتباً في البيان على حسب ترتب المعنى في الجنان. وكذلك حكم جميع ما يرد عليك من كلامهم هذا الأصل آخذ بآفاق الباب، ومشرف بك إن شاء الله تعالى على العسر والكتاب. فإن قيل: فهلا اكتفي بزائدة واحدة من هذه الأربع؟ وإن كان ذلك للفرق بين مخاطب وغائب، فهلا كانت الياء مكان التاء أو الهمزة؟ وما الحكمة في اختصاص كل واحدة منها بما اختصت به؟. فالجواب: أن الأصل في هذه الزوائد الياء، بدليل كونها في الموضع الذي لا يحتاج فيه إلى الفرق بين مذكر ومؤنث، وهو فعل جماعة النساء. دليل آخر، وهو: أن أصل الزيادة لحروف المد واللين، والواو لا تزاد أولاً كيلا تشبه " واو " العطف،

стр. 69

ولعلة أخرى تذكر في باب التصريف، والألف لا تزاد أولاً لسكونها، فلم تبق إلا " الياء " فهي أصل هذا الباب. فلما أرادوا الفرق كانت الهمزة بفعل المتكلم أولى، لإشعارها بالضمير المستتر في الفعل، إذ هي أول حروف ذلك الضمير إذا برز فلتكن مشيرة إليه إذا أبرز. وكانت النون بة هل المتكلمين أولى بوجودها في أول لفظ الضمير الكامن في الفعل إذا ظهر فلتكن دالة عليه إذا خفي واستتر. وكانت التاء من " تفعل " للمخاطب لوجودها في ضميره المستتر فيه، وإن لم تكن في أول لفظ الضمير أعني " أنت " ولكنها في آخره، ولم يخصوا بالدلالة عليه ما هو في أول لفظه - أعني الهمزة - لمشاركته للمتكلم فيها وفي النون، فلم يبق من لفظ الضمير إلا التاء، فجعلوها في أول الفعل علماً عليه، وإيماء إليه. فإن قيل: فكان يلزم على هذا أن تكون الزيادة في فعل الغائب هاء، لوجودها في لفظ ضمير الغائب إذا أبرز؟. فالجواب: إنه لا ضمير في فعل الغائب في أصل الكلام وأكثر موضوعه، لأن الاسم الظاهر يغني عنه، ولا يستتر ضمير الغائب حتى يتقدمه مذكور يعود علبه. وليس كذلك فعل المتكلم والمخاطب والمخبرين عن أنفسهم، فإنه لا يخلو أبداً من ضمير ولا يجيء بعده اسم ظاهر يكون فاعلاً به ولا مضمر أيضاً، إلا مضمراً يكون توكيداً للضمير المنطوي عليه الفعل، فتأمل ما ذكرناه، والْمَحْ ما قاله النحويون في تعليل هذه المسألة تجد طبعك يعافه، وسمعك يمجه، وعقلك لا يستسيغه، وتجد هذه الأغراض المذكورة ها هنا يدعوك إلى قبولها الحس، ويشهد بصحتها الحدس، والله المستعان ومن ها هنا ضارعت الأسماء حتى أعربت، وجرت مجرى الأسماء في دخول لام التوكيد عليها وغير ذلك، لأنها تضمنت معنى الأسماء بالحروف التي في أوائلها، فهي من حيث دلت على الحدث والزمان فعل محض، ومن حيث دلت بأوائلها على المتكلم والمخاطب ونحو ذلك متضمنة معنى الاسم، فاستحقت الإعراب الذي هو من خواص الأسماء، كما استحق الاسم المتضمن معنى الحرف البناء.

стр. 70

مسألة (في دلالة المضارع على الزمان) فعل الحال لا يكون مستقبلاً وإن حسن فيه " غد "، كما لا يكون الفعل المستقبل حالاً أبداً، ولا الحال ماضياً، هذا هو اختيار شيخنا رحمة الله عليه. فإن قلت: كيف يكون حالاً: " يقوم زيد غداً " وهو واقع في زمان مستقبل؟. قلنا: إنما ذلك على تقدير الحكاية له إذا وقع، والإشارة إلى صورة الفعل إذا جاء وقته، كما قال الله : (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا) . والوقوف مستقبل لا محالة، ولكن جاء بلفظ الماضي حكاية لحال يوم الحساب فيه، لا مرتب على وقوف قد ثبت. وكذلك قوله تعالى: قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ) ، (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ) . وهذا كثير في القرآن، الوقت مستقبل والفعل بلفظ الماضي. ونحو منه قوله تعالى: (فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ) . وهذا كله حكاية للحال، إذ ليس شيء منه حاضراً فكذلك: " يقوم زيد غداً "، و " يذهب بعد غد "، هو حال على التقدير والتصوير لهيئته إذا وقع. وما أرى هذا الذي ذكره الشيخ إلا صحيحاً، إذ الأصل ألا يحكم للفظين متغايرين بمعنى واحد إلا بدليل، ولا للفظ واحد بمعنيين إلا بدليل، وقف على هذا الأصل تهتد إلى سواء السبيل. * * * مسألة وحروف المضارعة - وإن كانت زوائد - فقد صارت كأنها من أنفس الكلم، وليست كذلك " السين "، و " سوف " وإن كانوا قد شبهوها بحروف المضارعة والحروف الملحقة بالأصول في مسألة (نذكرها) بعد إن شاء الله تعالى، ولذلك تقول: " غداً يقول زيد " و " يوم الجمعة يذهب عمرو "، بتقديم الظرف على الفعل، كما يفعل ذلك

стр. 71

في الماضي الذي لا زيادة فيه فتقول: " أمس قام زيد "، و " يوم الجمعة ذهب عمرو ". ولا يستقيم هذا في المستقبل من أجل " السين " أو " سوف "، لا تقول: " غداً سيقوم زيد "، لوجوه منها: أن " السين " تنبئ عن معنى الاستئناف والاستقبال للفعل، وإنما يكون مستقبلاً بالإضافة إلى ما قبله، فإن كان قبله ظرف أخرجته " السين " عن الوقوع في الظرف، فبقي الظرف لا عامل فيه، فبطل الكلام. فإذا قلت: " سيقوم زيد غداً "، دلت " السين " على أن الفعل مستقبل بالإضافة إلى ما قبله، وليس قبله إلا حالة المتكلم، ودل لفظ " غداً " على استقبال اليوم فتطابقا، وصار ظرفاً له. ووجه ثان ماء من التقديم في الظرف وغيره، وهو أن " السين " و " سوف " من حروف المعاني الداخلة على الجمل، ومعناها في نفس المتكلم وإليه يسند لا إلى الاسم المخبر عنه، فوجب أن يكون له صدر الكلام كحروف الاستفهام والنفي والتمني وغير ذلك، ولذلك قبح: " زيداً سأضرب ". و" زيد سيقوم " مع أن الخبر عن " زيد " إنما هو بالفعل لا بالمعنى الذي دلت عليه " السين "، فإن ذلك المعنى مسند إلى المتكلم لا إلى " زيد " فلا يجوز أن يخلط بالخبر عن " زيد " فتقول: " زيد سيفعل ". فإن أدخلت " إن " على الاسم المبتدأ جاز دخول " السين " في الخبر، لاعتماد الاسم على " إن "، ومضارعتها للفعل، فصارت في اللفظ مع اسمها كالجملة التامة، فصلح دخول " السين " فيما بعد، فأما مع عدم " أن " فيقبح ذلك. وهذا مذهب الشيخ أبي الحسين ﵀ إلا التعليل فإنه بخلاف تعليله وقد قلت له كالمحتج عليه: أليس قد قال الله : (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) فجاء بالسين في خبر المبتدأ؟ فقال لي: اقراً ما قبل الآية. فقرأت (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) الآية. . . فضحك وقال قد كنت أفزعتني، أليست هذه " إن " في الجملة المتقدمة، وهذه الأخرى معطوفة بالواو عليها، والواو تنوب مناب تكرار العامل؟ فسلمت له وسكت.

стр. 72

ونظير هذه المسألة مسألة " اللام " في " إن "، تقول: " إن زيداً لقائماً، ولا تقول: " إن زيداً لقائم ". والصحيح لتقديم الظرف على الفعل الماضي أن معنى المضي مستفاد من لفظه، لا من حرف زائد على الجملة، منفصل من الفعل كالسين و" قد " إلا فعل الحال فإن زوائده ملحقة بالأصل، فإن أدخلت على الماضي " قد " التي للتوقع كانت بمنزلة " السين " التي للاستئناف، وقبح حينئذ: " أمس قام زيد "، كما قبح: " غد سيقوم عمرو ". والعلة كالعلة، حذوك النعل بالنعل. وأما المسألة الموعود بها في أول الفصل التي شبهت فيها " السين " بالحروف الملحقة بالأصل، فهو أن يقال: لم لم تعمل " السين " و " سوف " في الفعل المستقبل وقد استبدت به دون الاسم، وشأن الحروف المستبدة بالأفعال، أو بالأسماء دون الأفعال، أن تكون عاملة؟. فإن الجواب أنها فاصلة لهذا الفعل عن فعل الحال، كما فصلت الزوائد الأربع فعل الحال عن الماضي فأشبهتها، وإن لم تكن مثلها في اتصالها ولحوقها بالأصل، كما أشبهت حال الألف واللام التي للتعريف حال العلمية لاتصالها اتصالها وتعرف الاسم بها، وإن لم تكن ملحقة بحروف الأصل. فلما لم تعمل تلك الأسماء مع اختصاصها بها، لم تعمل هذه الأفعال مع استبدادها بها، والله أعلم. وقد رأيت هذا التعليل للفارسي في بعض كتبه، ولابن السراج أيضاً.

стр. 73

وأما " سوف " فحرف، ولكنه على لفظ السوف الذي هو الشم لرائحة ما ليس بحاضر وقد وجدت رائحته، كما أن " سوف " هذه - التي هي حرف - تدل على أن ما بعدها ليس بحاضر وقد علم وقوعه وانتظر أبانه. ولا غرو أن يتقارب معنى الحرف من معنى الاسم المشتق المتمكن في الكلام، فهذه " ثم " حرف عطف، ولفظها كلفظ الثم، والثم هو: رم الشيء بعضه إلى بعض، كما قال: " كنا أهل ثمة ورمة "، ويروي " أهل ثمة ورمة "، وأصله من: ثممت البيت: إذا كانت فيه فرج فسد بالثمام. وقال الشاعر: وأما الرياح فقد غادرت ... رواكد واستمتعت بالثمام والمعنى الذي في " ثم " العاطفة قريب من هذا، لأنه ضم الشيء إلى شيء بينهما مهلة، كما أن ثم البيت: (ضم بين شيئين بينهما فرجة) . ومن تأمل هذا المعنى في الحروف والأسماء المضارعة لها، ألفاه كثيراً، والله - تعالى - المستعان. * * * مسألة (في أن ولن) (قوله) : " فالناصب (أن) و (لن) .

стр. 74

أما " أن " فهو مع الفعل بتأويل المصدر. فإن قيل: فهلا اكتفي بالمصدر واستغني به عن " أن " لأنه أخصر؟. فالجواب: أن في دخول " أن " ثلاث فوائد: إحداها: أن الحدث قد يكون فيما مضى، وفيما هو آت، وليس في صيغة ما يدل على مضي ولا استقبال، فجاؤوا بلفظ الفعل المشتق منه مع " أن " ليجتمع لهم الإخبار عن الحدث مع الدلالة على الزمان. الثانية: أن " أن " تدل على إمكان الفعل دون الوجود والاستحالة. الثالثة: أنها تدل على مجرد معنى الحدث دون احتمال زائد عليه، ففيها تحصين للمعنى من الإشكال، وتخليص من شوائب الاحتمال، وذلك أنك اذا قلت: " كرهت خروجك "، أو: " أعجبني قدومك ". احتمل الكلام معاني منها: أن يكون نفس القدوم هو العجب لك دون صفة من صفاته وهيآته، وإن كان لا يوصف في الحقيقة بصفات ولكنها عبارة عن الكيفيات. واحتمل أيضاً أن تريد أنك أعجبتك سرعته أو بطؤه أو حالة من حالاته، فإذا قلت: " أعجبني أن قدمت "، كانت على الفعل " أن " بمنزلة الطابع والعنوان من عوارض الاحتمالات المتصورة في الأذهان. ولذلك زادوا " أن " بعد " لما " في قولهم: " لما أن جاء زيد أكرمتك " ولم يزيدوها بعد ظرف سوى " لما " وذلك أن " لما " ليست في الحقيقة ظرف زمان، ولكنه حرف يدل على ارتباط الفعل الثاني بالأول وأن

стр. 75

أحدهما كالعلة للآخر، بخلاف الظرف من الزمان إذا قلت: " حين قام زيد قام عمرو " فجعلت أحدهما وقتاً للآخر على اتفاق لا على ارتباط، فلذلك زادوا " أن " بعدها صيانة لهذا المعنى، وتخليصاً له من الاحتمال العارض في الظرف، إذ ليس الظرف من الزمان بحرف فيكون قد جاء لمعنى كما هو في " لما ". وقد زعم الفارسي أنها مركبة من " لم " و " ما " وما أدري ما وجه قوله، وهو عندي من الحروف التي في لفظها شبه من الاشتقاق، وإشارة إلى مادة هي مأخوذة منها نحو ما تقدم في " سوف " و " ثم "، لأنك تقول: " لممت الشيء لمًّا " إذا ضممت بعضه إلى بعض، وهذا نحو من المعنى الذي سبقت إليه " لما "، لأنه ربط فعل بفعل على جهة التسبيب أو التعقيب، فإذا كان التسبيب حسن إدخال أن بعدها زائدة إشعاراً بمعنى المفعول من أجله، وإن لم يكن مفعولاً من أجله، نحو قوله تعالى: (وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا) و (فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ) ، ونحوه. وإذا كان التعقيب مجرداً من التسبيب لم يحسن زيادة " أن " بعد " لمَّا " وتأمله في القرآن تعرف الحكمة، إن شاء الله تعالى. وأما " أن " التي للتفسير فليست مع ما بعدها في تأويل المصدر، ولكنها تشارك " أن " التي تقدم ذكرها في بعض معانيها، لأنها تحصين لما بعدها من الاحتمالات، وتفسير لما قبلها من المصادر المجملات، التي في معنى المقالات والإشارات، ولا يكون تفسيراً إلا لفعل في معنى التراجم الخمس الكاشفة عن كلام النفس، لأن الكلام القائم في النفس والغائب عن الحواس في الأفئدة، تكشفه للمخاطبين خمسة أشياء: اللفظ، والخط، والإشارة، والعقد، والنصب، وهي لسان الحال، وهي أصدق من لسان المقال. فلا تكون (أن) المفسرة إلا تفسيراً لما أجمل من هذه الأشياء، كقولك: " كتبت إليه أن أخرج "، و " أشرت إليه أن اذهب ". و (نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ)
следующие страницы →