Полный текст (576 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
عَطاء الذّكر هُوَ مجَالِس الْحَلَال وَالْحرَام. كَيفَ تشتري كَيفَ تبيع وَتصلي، وتصوم وتحج، وَتنْكح وَتطلق وَأَشْبَاه ذَلِك، وَقَالَ سُفْيَان بن عُيَيْنَة. لم يُعْط أحد بعد النُّبُوَّة أفضل من الْعلم وَالْفِقْه فِي الدّين وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَأَبُو ذَر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا بَاب من الْعلم نتعلمه أحب إِلَيْنَا من ألف رَكْعَة تَطَوّعا، وَقَالَ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ: لمَوْت ألف عَابِد قَائِم اللَّيْل صَائِم النَّهَار أَهْون من موت الْعَالم الْبَصِير بحلال الله تَعَالَى وَحَرَامه، والآيات وَالْأَخْبَار والْآثَار فِي ذَلِك كَثِيرَة.
فَإِذا كَانَ الْفِقْه بِهَذِهِ الْمرتبَة الشَّرِيفَة. والمزايا المنيفه. كَانَ الاهتمام بِهِ فِي الدرجَة الأولى. وَصرف الْأَوْقَات النفيسة بل كل الْعُمر فِيهِ أولى، لِأَن سَبيله سَبِيل الْجنَّة. وَالْعَمَل بِهِ حرز من الْمنَار وجنة، وَهَذَا لمن طلبه للتفقه فِي الدّين على سَبِيل النجَاة لقصد الترفع على الأقران وَالْمَال والجاه، قَالَ رَسُول الله ﷺ : " من تعلم علما مِمَّا يبتغى بِهِ وَجه الله تَعَالَى لَا يتعلمه إِلَّا ليصيب بِهِ غَرضا من الدُّنْيَا لم يجد عرف الْجنَّة يَوْم الْقِيَامَة "، وَقَالَ عَلَيْهِ أفضل الصَّلَاة وَالسَّلَام: " من طلب الْعلم ليماري بِهِ السُّفَهَاء أَو يكاثر بِهِ الْعلمَاء أَو يصرف وُجُوه النَّاس إِلَيْهِ فَليَتَبَوَّأ مَقْعَده من النَّار " ورد من رِوَايَة كَعْب بن مَالك وَقَالَ: " أدخلهُ الله النَّار " عَافَانَا الله الْكَرِيم من ذَلِك.
اعْلَم أَن طلاب الْعلم مُخْتَلفُونَ باخْتلَاف مقاصدهم، وهممهم مُخْتَلفَة باخْتلَاف مَرَاتِبهمْ فَهَذَا يطْلب الغوص فِي الْبَحْر وَنَحْوه لنيل الدُّرَر الْكِبَار، وَهَذَا يقنع بِمَا يجد فِي غَايَة الِاخْتِصَار، ثمَّ هَذَا القانع صنفان: أَحدهمَا ذُو عِيَال قد غَلبه الكد، وَالْآخر مُتَوَجّه إِلَى الله تَعَالَى بِصدق وجد. فَلَا الأول يقدر على مُلَازمَة الْخلق، والسالك مَشْغُول بِمَا هُوَ بصدده لَيْلَة ونهاره مَعَ نَفسه فِي قلق، فَأَرَدْت رَاحَة كل مِنْهُمَا بِبَقَاء مَا هُوَ عَلَيْهِ وَترك سعى كل مِنْهُمَا فِيمَا تَدْعُو الْحَاجة إِلَيْهِ وَأَرْجُو من الله الْعَزِيز الْقَدِير. تسهيل مَا يحصل بِعْ الْإِيضَاح والتيسير. فَإِنَّهُ رَجَاء الراجين. وَجَابِر الضُّعَفَاء والمنكسرين، ووسمت كتابي هَذَا ب (كِفَايَة الأخيار، فِي حل غَايَة الإختصار) وأسأل الله الْعَظِيم الْغفار. الْعَفو عني وَعَن أحبابي من مكره وغضبه وَعَذَاب النَّار، إِن على مَا يَشَاء قدير، وبالإيجابة جدير. قَالَ الشَّيْخ ﴿بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم الْحَمد لله رب الْعَالمين﴾ [الْحَمد] هُوَ الثَّنَاء على الله تَعَالَى بجميل صِفَاته الذاتية وَغَيرهَا، وَالشَّر هُوَ الثَّنَاء عَلَيْهِ بإنعامه، وَلِهَذَا يحسن أَن تَقول حمدت فلَانا على علمه وسخائه وَلَا تَقول شكرته على علمه، فَكل شكر حمد وَلَيْسَ كل حمد شكرا، وَقيل غير ذَلِك (لله) اللَّام فِي الِاسْم الْكَرِيم للاستحقاق مَا تَقول الدَّار لزيد، وأضيف الْحَمد إِلَى هَذَا الِاسْم الْكَرِيم دون بَقِيَّة الْأَسْمَاء لِأَنَّهُ اسْم ذَات وَلَيْسَ بمشتق، والمحققون على أَنه مُشْتَقّ [رب الْعَالمين] الرب يكون
стр. 2
بِمَعْنى الْمَالِك وَيكون بِمَعْنى التربية والإصلاح، لهَذَا يُقَال ربى فلَان الضَّيْعَة: أَي أصلحها فَالله تَعَالَى مَالك الْعَالمين ومربيهم ، وَالْعَالمِينَ جمع عَالم لَا وَاحِد لَهُ من لفظ، وَاخْتلف الْعلمَاء فيهم فَقيل هم الْإِنْس وَالْجِنّ قَالَه ابْن عَبَّاس، وَقيل جَمِيع المخلوقين. قَالَه قَتَادَة وَالْحسن وَمُجاهد. قَالَ: (وَصلى الله على مُحَمَّد خَاتم النَّبِيين وعَلى آله وَأَصْحَابه أَجْمَعِينَ)
الصَّلَاة من الله الرَّحْمَة، وَمن الْمَلَائِكَة الاسْتِغْفَار وَمن الْآدَمِيّ تضرع وَدُعَاء، وَسمي رَسُول الله ﷺ مُحَمَّدًا لِكَثْرَة خصاله المحمودة، وَاخْتلف فِي الْآل فَقيل هم بَنو هَاشم وَبَنُو الْمطلب وَهَذَا مَا اخْتَارَهُ الشَّافِعِي وَأَصْحَابه، وَقيل هم عترته وَأهل بَيته، وَقيل آله جَمِيع أمته وَاخْتَارَهُ جمع من الْمُحَقِّقين وَمِنْهُم الْأَزْهَرِي [وَالْأَصْحَاب] جمع صَاحب، وَهُوَ كل مُسلم رأى النَّبِي ﷺ وَصَحبه وَلَو سَاعَة، وَقيل من طَالَتْ صحبته ومجالسته، وَالْأول هُوَ الرَّاجِح عِنْد الْمُحدثين، وَالثَّانِي هُوَ الرَّاجِح عِنْد الأصولين. قَالَ الشَّيْخ: (سَأَلَني بعض أصدقائي حفظهم الله تَعَالَى أَن أعمل مُخْتَصرا فِي الْفِقْه على مَذْهَب الإِمَام الشَّافِعِي فِي غَايَة الإختصار وَنِهَايَة الإيجاز يخف على الطَّالِب فهمه ويسهل على الْمُبْتَدِئ حفظه وَأَن أَكثر فِيهِ من التقسيمات وَحصر الْخِصَال فأجبته إِلَى ذَلِك طَالبا للثَّواب. رَاغِبًا إِلَى الله سُبْحَانَهُ فِي التَّوْفِيق للصَّوَاب. إِنَّه على مَا يَشَاء قدير. وبعبادة خَبِير بَصِير) [الْمُخْتَصر] مَا قل لَفظه وَكَثُرت مَعَانِيه، و [مَذْهَب الشَّافِعِي] طَرِيقَته، وَالشَّافِعِيّ مَنْسُوب إِلَى جده شَافِع، وكنيته أَبُو عبد الله، واسْمه مُحَمَّد بن إِدْرِيس بن الْعَبَّاس بن عُثْمَان بن شَافِع بن السَّائِب بن عبيد بن يزِيد بن هَاشم بن الْمطلب بن عبد منَاف، ويلتقي مَعَ رَسُول الله ﷺ فِي عبد منَاف، فَإِنَّهُ ﵊ مُحَمَّد بن عبد الله بن عبد الْمطلب بن هَاشم بن عبد منَاف، وَالنِّسْبَة الصَّحِيحَة إِلَيْهِ شَافِعِيّ، وشفعوي لحن، وَغَايَة الشَّيْء مَعْنَاهَا ترَتّب الْأَثر على ذَلِك الشَّيْء كَمَا تَقول غَايَة البيع الصَّحِيح حل الِانْتِفَاع بِالْمَبِيعِ، و [غَايَة] الصَّلَاة الصَّحِيحَة إجزاؤها وَعدم الْقَضَاء، وَالْمرَاد هُنَا نِهَايَة وجازة اللَّفْظ، و [التَّوْفِيق] هُوَ خلق قدرَة الطَّاعَة بِخِلَاف الخذلان فَإِنَّهُ خلق قدرَة الْمعْصِيَة، و [الصَّوَاب] ضد الْخَطَأ وَالله أعلم.
стр. 3
كتاب الطَّهَارَة الْكتاب مُشْتَقّ من الْكتب وَهُوَ الضَّم وَالْجمع يُقَال تكْتب بَنو فلَان إِذا اجْتَمعُوا وَمِنْه كَتِيبَة الرمل وَالطَّهَارَة فِي اللُّغَة النَّظَافَة تَقول طهرت الثَّوْب أَي نظفته وَفِي الشَّرْع عبارَة عَن رفع الْحَدث أَو إِزَالَة النَّجس أَو مَا فِي مَعْنَاهُمَا أَو على صورتهما كالغسلة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة والأغسال المسنونة وتجديد الْوضُوء وَالتَّيَمُّم وَغير ذَلِك مِمَّا لَا يرفع حَدثا وَلَا يزِيل نجسا وَلكنه فِي مَعْنَاهُ قَالَ
أَنْوَاع الْمِيَاه
(الْمِيَاه الَّتِي يجوز بهَا التَّطْهِير سبع مياه مَاء السَّمَاء وَمَاء الْبَحْر وَمَاء النَّهر وَمَاء الْبِئْر وَمَاء الْعين وَمَاء الثَّلج وَمَاء الْبرد) الأَصْل فِي مَاء السَّمَاء قَوْله تَعَالَى ﴿وَينزل عَلَيْكُم من السَّمَاء مَاء ليطهركم بِهِ﴾ وَغَيرهَا وَفِي مَاء الْبَحْر قَوْله ﷺ لما سُئِلَ عَن مَاء الْبَحْر فَقَالَ
(هُوَ الطّهُور مَاؤُهُ الْحل ميتَته) وَفِي مَاء الْبِئْر حَدِيث سهل ﵁ (قَالُوا يَا رَسُول الله إِنَّك تتوضأ من بِئْر بضَاعَة وفيهَا مَا يُنجي النَّاس وَالْحَائِض وَالْجنب فَقَالَ رَسُول الله ﷺ (المَاء طهُور لَا يُنجسهُ شىء) وَمَاء
стр. 4
النَّهر وَمَاء الْعين فِي مَعْنَاهُ وَأما مَاء الثَّلج وَمَاء الْبرد فَالْأَصْل فِيهِ حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ واسْمه عبد الرَّحْمَن بن صَخْر على الْأَصَح قَالَ
(كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا كبر فِي الصَّلَاة سكت هنيه قبل أَن يقْرَأ فَقلت يَا رَسُول الله مَا تَقول قَالَ أَقُول اللَّهُمَّ باعد بيني وَبَين خطاياي كَمَا باعدت بَين الْمشرق وَالْمغْرب اللَّهُمَّ نقني من خطاياي كَمَا ينقى الثَّوْب الْأَبْيَض من الدنس اللَّهُمَّ اغسلني من خطاياي بِمَاء الثَّلج وَالْبرد) قَالَ
بَاب أَقسَام الْمِيَاه
(ثمَّ الْمِيَاه على أَرْبَعَة أَقسَام طَاهِر مطهر غير مَكْرُوه وَهُوَ المَاء الْمُطلق) المَاء الَّذِي يرفع الْحَدث ويزيل النَّجس هُوَ المَاء الْمُطلق وَاخْتلف فِي حَده فَقيل هُوَ العاري عَن الْقُيُود وَالْإِضَافَة اللَّازِمَة وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي الرَّوْضَة وَالْمُحَرر وَنَصّ عَلَيْهِ الشَّافِعِي فَقَوله عَن الْقُيُود خرج بِهِ مثل قَوْله تَعَالَى ﴿من مَاء مهين﴾ ﴿من مَاء دافق﴾ وَقَوله الْإِضَافَة اللَّازِمَة خرج بِهِ مثل مَاء الْورْد وَنَحْوه وَاحْترز بِالْإِضَافَة الْإِضَافَة غير اللَّازِمَة كَمَاء النَّهر وَنَحْوه فَإِنَّهُ لَا تخرجه هَذِه الْإِضَافَة عَن كَونه يرفع الْحَدث ويزيل النَّجس لبَقَاء الْإِطْلَاق عَلَيْهِ وَقيل المَاء الْمُطلق هُوَ الْبَاقِي على وصف خلقته وَقيل مَا يُسمى مَاء وَسمي مُطلقًا لِأَن المَاء إِذا أطلق انْصَرف إِلَيْهِ وَهَذَا مَا ذكره ابْن الصّلاح وَتَبعهُ النَّوَوِيّ عَلَيْهِ فِي شرح الْمُهَذّب قَالَ
(وطاهر مطهر مَكْرُوه وَهُوَ المَاء المشمس) هَذَا هُوَ الْقسم الثَّانِي من أَقسَام المَاء وَهُوَ المشمس وَهُوَ طَاهِر فِي نَفسه لم يلق نَجَاسَة ومطهر أَي يرفع الْحَدث ويزيل النَّجس لبَقَاء إِطْلَاق اسْم المَاء عَلَيْهِ وَهل يكره فِيهِ الْخلاف الْأَصَح عِنْد الرَّافِعِيّ أَنه يكره وَهُوَ الَّذِي جزم بِهِ المُصَنّف وَاحْتج لَهُ الرَّافِعِيّ بِأَن رَسُول الله ﷺ
(نهى عَائِشَة ﵂ عَن المشمس وَقَالَ إِنَّه يُورث البرص وَعَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
(من اغْتسل بِمَاء مشمس فَأَصَابَهُ وضح فَلَا يَلُومن إِلَّا نَفسه) وَكَرِهَهُ عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَقَالَ إِنَّه يُورث البرص فعلى هَذَا إِنَّمَا يكره المشمس بِشَرْطَيْنِ
стр. 5
أَحدهمَا أَن يكون التشميس فِي الْأَوَانِي المنطبعة كالنحاس وَالْحَدِيد والرصاص لِأَن الشَّمْس إِذا أثرت فِيهَا خرج مِنْهَا زهومة تعلو على وَجه المَاء وَمِنْهَا يتَوَلَّد البرص وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِك فِي إِنَاء الذَّهَب وَالْفِضَّة لصفاء جوهرهما لكنه يحرم استعمالهما على مَا يَأْتِي ذكره فَلَو صب المَاء المشمس من إِنَاء الذَّهَب وَالْفِضَّة فِي إِنَاء مُبَاح لَا يكره لفقد الزهومة وَكَذَا لَا يكره فِي أواني الخزف وَغَيرهَا لفقد الْعلَّة الشَّرْط الثَّانِي أَن يَقع التشميس فِي الْبِلَاد الشَّدِيدَة الْحَرَارَة دون الْبَارِدَة والمعتدلة فَإِن تَأْثِير الشَّمْس فيهمَا ضَعِيف وَلَا فرق بَين أَن يقْصد التشميس أم لَا لوُجُود الْمَحْذُور وَلَا يكره المشمس فِي الْحِيَاض والبرك بِلَا خلاف وَهل الْكَرَاهَة شَرْعِيَّة أَو إرشادية فِيهَا وَجْهَان أصَحهمَا فِي شرح الْمُهَذّب أَنَّهَا شَرْعِيَّة فعلى هَذَا يُثَاب على ترك اسْتِعْمَاله وعَلى الثَّانِي وَهِي أَنَّهَا إرشادية لَا يُثَاب فِيهَا لِأَنَّهَا من وجهة الطِّبّ وَقيل إِن المشمس لَا يكره مُطلقًا وَعَزاهُ الرَّافِعِيّ إِلَى الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة قَالَ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة وَهُوَ الرَّاجِع من حَيْثُ الدَّلِيل وَهُوَ مَذْهَب أَكثر الْعلمَاء وَلَيْسَ للكراهية دَلِيل يعْتَمد وَإِذا قُلْنَا بِالْكَرَاهَةِ فَهِيَ كَرَاهَة تَنْزِيه لَا تمنع صِحَة الطَّهَارَة وَيخْتَص اسْتِعْمَاله بِالْبدنِ وتزول بالتبريد على الْأَصَح وَفِي الثَّالِث يُرَاجع الْأَطِبَّاء وَالله أعلم انْتهى وَمَا صَححهُ من زَوَال الْكَرَاهِيَة بالتبريد قد صحّح الرَّافِعِيّ فِي الشَّرْح الصَّغِير بقاءها وَقَالَ فِي شرح الْمُهَذّب الصَّوَاب أَنه لَا يكره وَحَدِيث عَائِشَة هَذَا ضَعِيف بِاتِّفَاق الْمُحدثين وَمِنْهُم من جعله مَوْضُوعا وَكَذَا مَا رَوَاهُ الشَّافِعِي عَن عَمْرو الْخطاب أَنه يُورث البرص ضَعِيف لِاتِّفَاق الْمُحدثين على تَضْعِيف إِبْرَاهِيم بن مُحَمَّد وَحَدِيث ابْن عَبَّاس غير مَعْرُوف وَالله أعلم وَمَا ذكره من أثر عمر ﵁ فَمَمْنُوع ودعواه الِاتِّفَاق على تَضْعِيف إِبْرَاهِيم أحد الروَاة غير مُسلم فَإِن الشَّافِعِي وَثَّقَهُ وَفِي تَوْثِيق الشَّافِعِي كِفَايَة وَقد وَثَّقَهُ غير وَاحِد من الْحفاظ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيّ بِإِسْنَاد آخر صَحِيح قَالَ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة وَيكرهُ شَدِيد الْحَرَارَة والبرودة وَالله أعلم وَالْعلَّة فِيهِ عدم الإسباغ وَقَالَ فِي آبار ثَمُود إِنَّه مَنْهِيّ عَنْهَا فَأَقل الْمَرَاتِب أَنه يكره اسْتِعْمَالهَا قَالَ
(وطاهر غير مطهر وَهُوَ المَاء الْمُسْتَعْمل)
стр. 6
هَذَا هُوَ الْقسم الثَّالِث من أَقسَام المَاء وَهُوَ المَاء الْمُسْتَعْمل فِي رفع الْحَدث أَو إِزَالَة النَّجس إِذا لم يتَغَيَّر وَلَا زَاد وَزنه فَهُوَ طَاهِر لقَوْله ﵊
(خلق الله المَاء طهُورا لاينجسه شَيْء إِلَّا مَا غير طعمه أَو رِيحه) وَفِي رِوَايَة
(أَو لَونه) وَهُوَ ضَعِيف وَالثَّابِت
(طعمه أَو رِيحه) فَقَط وَهل هُوَ طهُور يرفع الْحَدث ويزيل النَّجس أَيْضا فِيهِ خلاف الْمَذْهَب أَنه غير طهُور لِأَن الصَّحَابَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُم مَعَ شدَّة اعتنائهم بِالدّينِ مَا كَانُوا يجمعونه ليتوضؤوا بِهِ ثَانِيًا وَلَو كَانَ ذَلِك سائغاً لفعلوه وَاخْتلف الْأَصْحَاب فِي عِلّة منع اسْتِعْمَاله ثَانِيًا وَالصَّحِيح أَنه تأدى بِهِ فرض وَقيل إِنَّه تأدى بِهِ عبَادَة وَتظهر فَائِدَة الْخلاف فِي صُورَتَيْنِ الأولى فِيمَا اسْتعْمل فِي نفل الطَّهَارَة كتجديد الْوضُوء والأغسال المسنونة والغسلة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة فعلى الصَّحِيح يكون المَاء طهُورا لِأَنَّهُ لم يتأد بِهِ فرض وعَلى الضَّعِيف لَا يكون طهُورا لِأَنَّهُ تأدى بِهِ عبَادَة وَلَا خلاف أَن مَاء الرَّابِعَة طهُور على العلتين لِأَنَّهُ لم يتأد بِهِ فرض وَلَا هِيَ مَشْرُوعَة والغسلة الأولى غير طهُور على العلتين لتأدى الْفَرْض وَالْعِبَادَة بِمَائِهَا الصُّورَة الثَّانِيَة المَاء الَّذِي اغْتَسَلت بِهِ الْكِتَابِيَّة عَن الْحيض لتحل لزَوجهَا الْمُسلم هَل هُوَ طهُور يَنْبَنِي على أَنَّهَا لَو أسلمت هَل يلْزمهَا إِعَادَة الْغسْل فِيهِ خلاف إِن قُلْنَا لَا يلْزمهَا فَهُوَ غير طهُور وَإِن قُلْنَا يلْزمهَا إِعَادَة الْغسْل وَهُوَ الصَّحِيح فَفِي المَاء الَّذِي استعملته حَال الْكفْر وَجْهَان بينان على العلتين إِن قُلْنَا إِن الْعلَّة تأدى الْفَرْض فالماء غير طهُور وَإِن قُلْنَا إِن الْعلَّة تأدى الْعِبَادَة فَهُوَ طهُور لِأَن الْكَافِرَة لَيست من أهل الْعِبَادَة وَاعْلَم أَن الزَّوْجَة الْمَجْنُونَة إِذا حَاضَت وغسلها زَوجهَا حكمهَا حكم الْكَافِرَة فِيمَا ذَكرْنَاهُ وَهِي مَسْأَلَة حَسَنَة ذكرهَا الرَّافِعِيّ فِي صفة الْوضُوء وأسقطها النَّوَوِيّ من الرَّوْضَة وَاعْلَم أَن المَاء الَّذِي تَوَضَّأ بِهِ الصَّبِي غير طهُور وَكَذَا المَاء الَّذِي يتَوَضَّأ بِهِ المنتفل وَكَذَا من لَا يعْتَقد وجوب النِّيَّة على الصَّحِيح فِي الْجَمِيع ثمَّ مَا دَامَ المَاء متردداً على الْعُضْو لَا يثبت لَهُ حكم الِاسْتِعْمَال وَلَو جرى المَاء من عُضْو المتوضيء إِلَى عُضْو آخر صَار مُسْتَعْملا حَتَّى لَو انْتقل من إِحْدَى الْيَدَيْنِ إِلَى الْأُخْرَى صَار مُسْتَعْملا وَلَو انْتقل المَاء الَّذِي يغلب فِيهِ الِانْتِقَال من عُضْو إِلَى مَوضِع آخر من ذَلِك الْعُضْو كالحاصل عِنْد نَقله من الْكَفّ إِلَى الساعد ورده إِلَى الْكَفّ وَنَحْوه لَا يضر انْتِقَاله وَإِن خرقه الْهَوَاء وَهِي مَسْأَلَة حَسَنَة ذكرهَا الرَّافِعِيّ فِي آخر الْبَاب الثَّانِي من أَبْوَاب التَّيَمُّم وأهملها النَّوَوِيّ إِلَّا أَنه ذكر هُنَا من زِيَادَة الرَّوْضَة أَنه لَو انْفَصل المَاء من بعض أَعْضَاء الْجنب إِلَى بَعْضهَا وَجْهَيْن الْأَصَح عِنْد
стр. 7
الْمَاوَرْدِيّ وَالرُّويَانِيّ أَنه لَا يضر وَلَا يصير مُسْتَعْملا وَالرَّاجِح عِنْد الخراسانيين أَنه يصير مُسْتَعْملا وَقَالَ الإِمَام إِن نَقله قصدا صَار مُسْتَعْملا وَإِلَّا فَلَا وَصحح النَّوَوِيّ فِي التَّحْقِيق أَنه يصير مُسْتَعْملا وَصحح ابْن الرّفْعَة أَنه لَا يصير مُسْتَعْملا وَلَو انغمس جنب فِي مَاء دون قُلَّتَيْنِ وَعم جَمِيع بجدنه ثمَّ نوى ارْتَفَعت جنابته بِلَا خلاف وَصَارَ المَاء مُسْتَعْملا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَيره وَلَا يصير مُسْتَعْملا بِالنِّسْبَةِ إِلَيْهِ صرح بِهِ الْخَوَارِزْمِيّ حَتَّى إِنَّه قَالَ لَو أحدث حَدثا ثَانِيًا حَال انغماسه جَازَ ارتفاعه بِهِ وَإِن نوى الْجنب قبل تَمام الانغماس ارْتَفَعت جنابته عَن الْجُزْء الملاقى للْمَاء بِلَا خلاف وَلَا يصير المَاء مُسْتَعْملا بل لَهُ أَن يتم الانغماس وترتفع عَنهُ الْجَنَابَة عَن الْبَاقِي على الصَّحِيح الْمَنْصُوص وَالله أعلم قَالَ
(والمتغير بِمَا خالطه من الطاهرات) هَذَا من تَتِمَّة الْقسم الثَّالِث وَتَقْدِير الْكَلَام وَالْمَاء الْمُتَغَيّر بِشَيْء من الطاهرات طَاهِر فِي نَفسه غير مطهر كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمل وضابطه أَن كل تغير يمْنَع اسْم المَاء الْمُطلق يسلب الطّهُورِيَّة وَإِلَّا فَلَا فَلَو تغير تغيراً يَسِيرا فَالْأَصَحّ أَنه طهُور لبَقَاء الِاسْم وَقَوله بِمَا خالطه احْتِرَازًا عَمَّا إِذا تغير بِمَا يجاوره وَلَو كَانَ تغيراً كثيرا فَإِنَّهُ بَاقٍ على طهوريته كَمَا إِذا تغير بدهن أَو شمع وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح لبَقَاء اسْم المَاء وَلَا بُد أَن يكون الْوَاقِع فِي المَاء مِمَّا يسْتَغْنى عَنهُ كالزعفران والجص وَنَحْوهمَا أما إِذا كَانَ التَّغَيُّر بِمَا لَا يَسْتَغْنِي المَاء عَنهُ كالطين والطحلب والنورة والزرنيخ وَغَيرهمَا فِي مقرّ المَاء وممره والمتغير بطول الْمكْث فَإِنَّهُ طهُور للعسر وَبَقَاء اسْم المَاء وَيَكْفِي فِي التَّغَيُّر أحد الْأَوْصَاف الثَّلَاثَة الطّعْم أَو اللَّوْن أَو الرَّائِحَة على الصَّحِيح وَفِي وَجه ضَعِيف يشْتَرط اجتماعها وَلَا فرق بَين التَّغَيُّر الْمشَاهد أَو التَّغَيُّر الْمَعْنَوِيّ كَمَا إِذا اخْتَلَط بِالْمَاءِ مَا يُوَافقهُ فِي صِفَاته مَاء الْورْد الْمُنْقَطع الرَّائِحَة وَمَاء الشّجر وَالْمَاء الْمُسْتَعْمل فَإنَّا نقدر أَن لَو كَانَ الْوَاقِع يُغَيِّرهُ بِمَا يدْرك بالحواس ويسلبه الطّهُورِيَّة فَإنَّا نحكم بسلب طهورية هَذَا المَاء الَّذِي وَقع فِيهِ من الْمَائِع مَا يُوَافقهُ فِي صِفَاته وَإِلَّا فَلَا يسلبه الطّهُورِيَّة وَلَو تغير المَاء بِالتُّرَابِ الْمَطْرُوح فِيهِ قصدا فَهُوَ طهُور على الصَّحِيح والمتغير بالملح فِيهِ أوجه أَصَحهَا يسلب طهوريته الْجبلي دون المائي وَلَو تغير المَاء بأوراق الْأَشْجَار المتناثرة بِنَفسِهَا إِن لم تتفتت فِي المَاء فَهُوَ طهُور على الْأَظْهر وَإِن تفتتت واختلطت فأوجه الْأَصَح أَنه بَاقٍ على طهوريته لعسر الِاحْتِرَاز عَنْهَا فَلَو طرحت الأوراق فِي المَاء قصدا وَتغَير بهَا فَالْمَذْهَب أَنه غير طهُور سَوَاء طرحها فِي المَاء صَحِيحَة أَو مدقوقة وَالله أعلم قَالَ
(وَمَاء نجس وَهُوَ الَّذِي حلت فِيهِ نجاسه وَهُوَ دون الْقلَّتَيْنِ أَو كَانَ قُلَّتَيْنِ فَتغير)
هَذَا هُوَ الْقسم الرَّابِع من الْمِيَاه وَهُوَ كَمَا ذكر يَنْقَسِم إِلَى قَلِيل وَكثير فَأَما الْقَلِيل فينجس بملاقاة لنجاسة المؤثرة سَوَاء تغير أم لَا كَمَا أطلقهُ الشَّيْخ لمَفْهُوم قَوْله ﵊
(إِذا بلغ المَاء
стр. 8
قُلَّتَيْنِ لم يجمل خبثاً) وَفِي رِوَايَة
(نجسا) فَدلَّ الحَدِيث بمفهومه على أَنه إِذا كَانَ دون قُلَّتَيْنِ يتأثر بِالنَّجَاسَةِ وَاحْترز بِالنَّجَاسَةِ المؤثرة عَن غير المؤثرة قَالَ النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة كالميتة الَّتِي لَا نفس لَهَا سَائِلَة مثل الذُّبَاب والخنافس وَنَحْوهَا وكالنجاسة الَّتِي لَا يُدْرِكهَا الطّرف لعُمُوم الْبلوى بِهِ وكما إِذا وَقع الذُّبَاب على نَجَاسَة ثمَّ سقط فِي المَاء ورشاش الْبَوْل الَّذِي لَا يُدْرِكهُ الطّرف فيعفى عَنهُ وكما إِذا ولغت الْهِرَّة الَّتِي تنجس فمها ثمَّ غَابَتْ وَاحْتمل طَهَارَة فمها فَإِن المَاء الْقَلِيل لَا ينجس فِي هَذِه الصُّور وَيسْتَثْنى أَيْضا الْيَسِير من الشّعْر النَّجس فَلَا ينجس المَاء الْقَلِيل صرح بِهِ النَّوَوِيّ فِي بَاب الْأَوَانِي من زِيَادَته وَنَقله عَن الْأَصْحَاب قَالَ
(وَلَا يخْتَص بِشعر الْآدَمِيّ فِي الْأَصَح) أَي تَفْرِيعا على نَجَاسَة شعر الْآدَمِيّ ثمَّ قَالَ
(وَيعرف الْيَسِير بِالْعرْفِ)
قَالَ الإِمَام لَعَلَّه الَّذِي يغلب انتتافه لكنه قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب يُعْفَى عَن الشعرة والشعرتين وَالثَّلَاث وَيسْتَثْنى أَيْضا الْحَيَوَان إِذا كَانَ على منفذه نَجَاسَة ثمَّ وَقع فِي المَاء فَإِنَّهُ لَا يُنجسهُ على الْأَصَح لمَشَقَّة صونه ذكره الرَّافِعِيّ فِي شُرُوط الصَّلَاة بِخِلَاف لَو كَانَ مستجمراً بِحجر فَإِنَّهُ يُنجسهُ بِلَا خلاف كَمَا قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب فَإِن المستجمر بِالْحجرِ وَنَحْوه يُمكنهُ الِاحْتِرَاز وَيسْتَثْنى أَيْضا مَا إِذا أكل الصَّبِي شَيْئا نجسا ثمَّ غَابَ وَاحْتمل طَهَارَة فَمه كالهرة فَإِنَّهُ لَا ينجس المَاء الْقَلِيل ذكر ذَلِك ابْن الصّلاح وَهِي مَسْأَلَة حَسَنَة
وَقَالَ مَالك رَحمَه الله تَعَالَى المَاء الْقَلِيل لَا ينجس إِلَّا بالتغير كالكثير وَهُوَ وَجه فِي مَذْهَبنَا وَاخْتَارَهُ الرَّوْيَانِيّ وَفِي قَول قديم أَن المَاء الْجَارِي لَا ينجس إِلَّا بالتغير وَاخْتَارَهُ جمَاعَة مِنْهُم الْغَزالِيّ والبيضاوي فِي كِتَابه غَايَة القصوى وَهُوَ قوي من حَيْثُ النّظر لِأَن دلَالَة
(خلق الله المَاء طهُورا) دلَالَة نطق وَهِي أرجح من دلَالَة الْمَفْهُوم فِي قَوْله ﵊
(إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ) الحَدِيث وَأما الْكثير وَهُوَ قلتان فَصَاعِدا فَلَا ينجس إِلَّا بالتغير بِالنَّجَاسَةِ لقَوْله ﷺ
(خلق الله المَاء طهُورا) الحَدِيث وَالْإِجْمَاع مُنْعَقد على نَجَاسَته بالتغير ثمَّ لَا فرق بَين التَّغَيُّر الْيَسِير وَالْكثير سَوَاء تغير الطّعْم أَو اللَّوْن أَو الرَّائِحَة وَهَذَا لَا اخْتِلَاف فِيهِ هُنَا بِخِلَاف مَا مر فِي التَّغَيُّر بالطاهر وَسَوَاء كَانَت
стр. 9
النَّجَاسَة الملاقية للْمَاء مُخَالطَة أَو مجاورة فِي وَجه شَاذ أَن النَّجَاسَة الْمُجَاورَة لَا تنجسه وَقَوله حلت فِيهِ نَجَاسَة احْتَرز بِهِ عَمَّا لَو تروح المَاء بجيفة ملقاة على شط المَاء فَإِنَّهُ لَا ينجس لعدم الملاقاة وَقَوله فَتغير احْتَرز بِهِ عَمَّا إِذا لم يتَغَيَّر المَاء الْكثير بِالنَّجَاسَةِ وَقد تكون قَليلَة وتستهلك فِي المَاء فَإِنَّهُ لَا ينجس وَيسْتَعْمل جَمِيع المَاء على الْمَذْهَب الصَّحِيح وَفِي وَجه يبْقى قدر النَّجَاسَة وَلَو وَقع فِي الماءالكثير نَجَاسَة توافقه فِي صِفَاته كبول مُنْقَطع الرَّائِحَة فَإنَّا نقدره على مَا تقدم فِي الطهارات وَلَو وَقع فِي المَاء الْكثير نَجَاسَة جامدة فَقَوْلَانِ الْأَظْهر أَنه يجوز لَهُ أَن يغترف من أَي مَوضِع شَاءَ وَلَا يجب التباعد لِأَنَّهُ طَاهِر كُله وَالْقَوْل الآخر أَنه يتباعد عَن النَّجَاسَة قدر قُلَّتَيْنِ وَلَو تغير بعض المَاء الْكثير فَالْأَصَحّ فِي الرَّافِعِيّ الْكَبِير نَجَاسَة جَمِيع المَاء وَالأَصَح فِي زِيَادَة الرَّوْضَة إِن كَانَ الْبَاقِي دون قُلَّتَيْنِ فنجس وَإِلَّا فطاهر وَرجحه الرِّفَاعِي فِي الشَّرْح الصَّغِير وَالله أعلم
(فرع) فِي زِيَادَة الرَّوْضَة إِذا وَقع فِي المَاء نَجَاسَة وَشك هَل هُوَ قلتان أم لَا فَالَّذِي جزم بِهِ الْمَاوَرْدِيّ وَغَيره أَنه نجس لتحَقّق النَّجَاسَة وَللْإِمَام فِيهِ احْتِمَال وَالْمُخْتَار بل الصَّوَاب الْجَزْم بِطَهَارَتِهِ لِأَن الأَصْل طَهَارَته وَلَا يلْزم من النجاية التنجس وَالله أعلم قَالَ
(والقلتان خَمْسمِائَة رَطْل بالعراقي تَقْرِيبًا فِي الْأَصَح) لما روى الْمَاوَرْدِيّ عَن عبد الله بن عمر رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُول الله ﷺ
(إِذا بلغ المَاء قُلَّتَيْنِ بقلال هجر لَا يُنجسهُ شَيْء) قَالَ الشَّافِعِي ﵁ قَالَ ابْن جريج رَأَيْت قلال هجر والقلة تسع قربتين أَو قربتين وشيئاً فاحتاط الشَّافِعِي رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَجعل الشَّيْء نصفا والقربة لَا تزيد فِي الْغَالِب على مائَة رَطْل وَحِينَئِذٍ فجملة ذَلِك خمس قرب وَهِي خَمْسمِائَة رَطْل بالعراقي وَهل ذَلِك على سَبِيل التَّقْرِيب أَو التَّحْدِيد الْأَصَح أَنه على سَبِيل التَّقْرِيب فعلى هَذَا الْأَصَح أَنه لَا يضر نُقْصَان قدر لَا يظْهر بنقصه تفَاوت فِي التَّغَيُّر بِقدر من الْمُغيرَات مِثَاله لَو وَضعنَا قدر رَطْل من الْمُغيرَات فِي خَمْسمِائَة رَطْل مَا تأثرت وَلَو نقصنا من مَاء آخر قدر رطلين مثلا أَو ثَلَاثَة وَهِي خَمْسمِائَة رَطْل ووضعنا رَطْل مَا تأثرت فَهَذَا النُّقْصَان لَا يُؤثر فَلَو وَضعنَا قدر رَطْل من الْمُغيرَات فِي خَمْسمِائَة رَطْل إِلَّا خَمْسَة أَرْطَال مثلا فأثر قُلْنَا هَذَا النَّقْص يُؤثر وعَلى قَول التَّحْدِيد يضر أَي نقص كَانَ كنصب الزَّكَاة وَقيل يُعْفَى عَن نقص رطلين وَقيل ثَلَاثَة وَنَحْوهَا وَقدر الْقلَّتَيْنِ بالمساحة ذِرَاع وَربع طولا وعرضاً وعمقاً وقدرهما بالدمشقي مائَة رَطْل وَثَمَانِية أَرْطَال وثلثي رَطْل تَقْرِيبًا على قَول الرَّافِعِيّ أَن رَطْل بَغْدَاد مائَة وَثَلَاثُونَ درهما وَالله أعلم قَالَ
стр. 10
بَاب جُلُود الْميتَة وعظمها
(فصل وجلود الْميتَة تطهر بالدباغ إِلَّا جلد الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَمَا تولد مِنْهُمَا أَو من أَحدهمَا) الْحَيَوَان الَّذِي ينجس بِالْمَوْتِ إِذا دبغ جلده يطهر بالدباغ سَوَاء فِي ذَلِك مَأْكُول اللَّحْم وَغَيره وَالْأَصْل فِي ذَلِك حَدِيث مَيْمُونَة ﵂ حَيْثُ قَالَ النَّبِي ﷺ فِي شَاتِهَا
(لَو أَخَذْتُم إهابها فَقَالُوا إِنَّهَا ميتَة فَقَالَ رَسُول الله ﷺ يطهره المَاء والقرظ) وَعَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
(إِذا دبغ الإيهاب فقد طهر) ثمَّ إِذا دبغ الْجلد طهر ظَاهره قطعا وَكَذَا بَاطِنه على الْمَشْهُور الْجَدِيد فَيصَلي عَلَيْهِ وَفِيه وَيسْتَعْمل فِي الْأَشْيَاء الْيَابِسَة والرطبة وَيجوز بَيْعه وهبته وَالْوَصِيَّة بِهِ وَهل يجوز أكله من مَأْكُول اللَّحْم رجح الرَّافِعِيّ بِالْجَوَازِ وَرجح النَّوَوِيّ التَّحْرِيم وَيكون الدّباغ بالأشياء الحريفة كالشب والشث والقرظ وقشور الرُّمَّان والعفص وَيحصل الدّباغ بالأشياء المتنجسة والنجسة كذرق الْحمام على الْأَصَح وَلَا يَكْفِي التجميد بِالتُّرَابِ وَالشَّمْس على الصَّحِيح وَيجب غسله بعد الدّباغ إِن دبغ بِنَجس قطعا وَكَذَا إِن دبغ بطاهر على الْأَصَح قَالَ الْأَصْحَاب وَيعْتَبر فِي كَونه صَار مدبة غا ثَلَاثَة أُمُور أَحدهَا نزع فضلاته الثَّانِي أَن يطيب نفس الْجلد الثَّالِث أَن يَنْتَهِي فِي الدبغ إِلَى حَالَة بِحَيْثُ لَو نقع فِي المَاء لم يعد الْفساد وَالنَّتن وَالله أعلم وَأما جلد الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَفرع أَحدهمَا فَلَا يطهر بالدباغ عندنَا بِلَا خلاف لِأَنَّهُمَا نجسان فِي حَال الْحَيَاة والدباغ إِنَّمَا يطهر جلدا نجس بِالْمَوْتِ لِأَن غَايَة الدّباغ نزع الفضلات وَدفع الاستحالات وَمَعْلُوم أَن الْحَيَاة أبلغ فِي ذَلِك من الدّباغ فَإِذا لم تفد الْحَيَاة الطَّهَارَة فَأولى أَن لَا يُفِيد الدّباغ
(وَعظم الْميتَة وشعرها نجس إِلَّا الْآدَمِيّ) الأَصْل فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿حرمت عَلَيْكُم الْميتَة﴾ وَتَحْرِيم مَا لَيْسَ بِحرَام وَلَا ضَرَر فِي
стр. 11
أكله يدل على نَجَاسَته وَلَا شكّ أَن الْعظم وَالشعر من أَجزَاء الْحَيَوَان نعم فِي الشّعْر خلاف فِي أَنه ينجس بِالْمَوْتِ أم لَا وَهُوَ قَولَانِ أَحدهمَا لَا ينجس لِأَنَّهُ لَا تحله الْحَيَاة فَلَا روح فِيهِ فَلَا ينجس بِالْمَوْتِ بِدَلِيل أَنه إِذا قطع لَا يحس وَلَا يألم وأظهرهما أَنه ينجس وَهُوَ الَّذِي جزم بِهِ الشَّيْخ لِأَنَّهُ إِن حلته الْحَيَاة فينجس إِلَّا فينجس تبعا للجملة لِأَنَّهُ من جُمْلَتهَا كَمَا يجب غسله فِي الطَّهَارَة والجنابة
وَأما الْعظم فَفِيهِ خلاف قيل إِنَّه كالشعر وَالْمذهب الْقطع بِنَجَاسَتِهِ لِأَنَّهُ يحس ويألم بِالْقطعِ وَالصُّوف والوبر والريش كالشعر فَإِذا قُلْنَا بنجاستة الشّعْر فَفِي شعر الْآدَمِيّ قَولَانِ بِنَاء على نَجَاسَته بِالْمَوْتِ إِن قُلْنَا ينجس بِالْمَوْتِ فَكَذَا ينجس شعره وَإِن قُلْنَا لَا ينجس وَهُوَ الرَّاجِح فَلَا ينجس شعره بِالْمَوْتِ على الْأَصَح وَالله أعلم
بَاب الْآنِية
(ولايجوز اسْتِعْمَال أواني الذَّهَب وَالْفِضَّة وَيجوز اسْتِعْمَال غَيرهمَا من الْأَوَانِي)
لما فِي الحَدِيث الصَّحِيح من رِوَايَة حُذَيْفَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول ﷺ يَقُول
(لاتلبسوا الْحَرِير وَلَا الديباج وَلَا تشْربُوا فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِنَّهَا لَهُم فِي الدُّنْيَا وَلكم فِي الْآخِرَة وَفِي مُسلم
(الَّذِي يشرب فِي آنِية الذَّهَب وَالْفِضَّة إِنَّمَا يجرجر فِي بَطْنه نَار جَهَنَّم) وَفِي رِوَايَة
(من شرب فِي إِنَاء من ذهب أَو فضَّة فَإِنَّمَا يجرجر فِي بَطْنه نَارا من جَهَنَّم) وَفِي رِوَايَة
(إِن الَّذِي يَأْكُل وَيشْرب) الحَدِيث وجيم يجرجر الثَّانِيَة مَكْسُورَة بِلَا خلاف قَالَه النَّوَوِيّ وَفِي الإقليد حِكَايَة الْخلاف وَأما النَّار فَيجوز فِيهَا الرّفْع وَالنّصب وَالنّصب هُوَ الصَّحِيح وَمَعْنَاهُ أَن الشَّارِب يلقِي النَّار فِي بَطْنه بتجرع متتابع يسمع لَهُ جرجرة وَهِي الصَّوْت لتردده فِي حلقه وعَلى رِوَايَة الرّفْع تكون النَّار فاعلة وَمَعْنَاهُ أَن النَّار تصوت فِي جَوْفه عَافَانَا الله تَعَالَى مِنْهَا وَمن فعل يقربنا إِلَيْهَا
قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم قَالَ أَصْحَابنَا انْعَقَد الْإِجْمَاع على تَحْرِيم الْأكل وَالشرب وَسَائِر الِاسْتِعْمَال فِي إِنَاء ذهب أَو فضَّة إِلَّا مَا حُكيَ عَن دَاوُد وَقَول الشَّافِعِي قديم للشَّافِعِيّ إِنَّه يكره والمحققون لَا يعتدون بِخِلَاف دَاوُد وَكَلَام الشَّافِعِي مؤول كَمَا قَالَه صَاحب التَّقْرِيب مَعَ أَن الشَّافِعِي رَجَعَ عَن
стр. 12
هَذَا الْقَدِيم فَحصل أَن الْإِجْمَاع مُنْعَقد على تَحْرِيم اسْتِعْمَال إِنَاء الذَّهَب وَالْفِضَّة فِي الْأكل وَالشرب وَالطَّهَارَة وَالْأكل بعلقة من أَحدهمَا والتبخر بمبخرة مِنْهَا وَجَمِيع وُجُوه الِاسْتِعْمَال وَمِنْهَا المكحلة والميل وظرف الغالية وَغير ذَلِك سَوَاء الْإِنَاء الصَّغِير وَالْكَبِير وَيَسْتَوِي فِي التَّحْرِيم الرجل وَالْمَرْأَة بِلَا خلاف وَإِنَّمَا فرق بَين الرجل وَالْمَرْأَة فِي التحلي لقصد زِينَة النِّسَاء للزَّوْج وَالسَّيِّد وَيحرم اسْتِعْمَال مَاء الْورْد والأدهان فِي قماقم الذَّهَب وَالْفِضَّة هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَفِي القناني وَكَذَا يحرم تَزْيِين الحوانيت والبيوت والمجالس بأواني الذَّهَب وَالْفِضَّة هَذَا هُوَ الصَّوَاب وَجوزهُ بعض الْأَصْحَاب وَهُوَ غلط لِأَن كل شَيْء أَصله حرَام فالنظر إِلَيْهِ حرَام وَقد نَص الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب أَنه لَو تَوَضَّأ أَو اغْتسل من إِنَاء ذهب أَو فضَّة عصى وَيحرم اتِّخَاذ هَذِه الْأَوَانِي من غير اسْتِعْمَال على الصَّحِيح لِأَن مَا حرم اسْتِعْمَاله حرم اتِّخَاذه كالآت اللَّهْو عَافَانَا الله الْكَرِيم من تعَاطِي مَا هُوَ سَبَب للنار وَيحرم على الصَّائِغ صَنعته وَلَا يسْتَحق أُجْرَة لِأَن فعله مَعْصِيّة وَلَو كسر شخص هَذِه الْأَوَانِي فَلَا أرش عَلَيْهِ وَلَا يحل لأحد أَن يُطَالِبهُ بِالْأَرْشِ وَلَا رَفعه إِلَى ظَالِم من حكام زَمَاننَا لأنعم جهلة ويتعاطون هَذِه الْأَوَانِي حَتَّى يشربون الْمُسكر مَعَ آلَات اللَّهْو وَفِي حَدِيث أبي هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
(يمسخ نَاس من أمتِي فِي آخر الزَّمَان قردة وَخَنَازِير قَالُوا يَا رَسُول الله أَلَيْسَ يشْهدُونَ أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَأَنَّك رَسُول الله قَالُوا بلَى وَلَكنهُمْ اتَّخذُوا المعازف والقينات فَبَاتُوا على لهوهم ولعبهم فَأَصْبحُوا وَقد مسخوا قردة وَخَنَازِير) وَفِي حَدِيث أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
(من جلس إِلَى قينة يستمع مِنْهَا صب فِي أُذُنَيْهِ الآنك) والآنك بِضَم النُّون وَالْمدّ هُوَ الرصاص الْمُذَاب وَالله أعلم
وَأما أواني غير الذَّهَب وَالْفِضَّة فَإِن كَانَت من الْجَوَاهِر النفيسة كالياقوت والفيروزج وَنَحْوهمَا فَهَل تحرم فِيهِ خلاف قيل تحرم لما فِيهَا من الْخُيَلَاء والسرف وَكسر قُلُوب الْفُقَرَاء وَالصَّحِيح أَنَّهَا لَا تحرم وَلَا خلاف أَنه لَا يحرم الْإِنَاء الَّذِي نفاسته فِي صَنعته وَلَا يكره كلبس الْكَتَّان وَالصُّوف النفيسين
(فرع) لَو اتخذ إِنَاء من نُحَاس وَنَحْوه وموهه بِالذَّهَب أَو الْفضة إِن حصل بِالْعرضِ على النَّار مِنْهُ شَيْء حرم على الصَّحِيح وَإِن لم يحصل بِالْعرضِ على النَّار مِنْهُ شَيْء فالمرجح فِي هَذَا الْبَاب أَنه لَا يحرم والمرجح فِي بَاب زَكَاة النَّقْدَيْنِ أَنه يحرم قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَلَو موه
стр. 13
السَّيْف وَغَيره من آلَات الْحَرْب أَو غَيرهَا بِذَهَب تمويهاً لَا يحصل مِنْهُ بِالْعرضِ على النَّار شَيْء فطريقان أصَحهمَا وَبِه قطع الْعِرَاقِيُّونَ التَّحْرِيم للْحَدِيث وَيدخل فِيهِ الْخَاتم والدواة والمرملة وَغَيرهَا فليجتنب ذَلِك وَالله أعلم قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب وتمويه سقف الْبَيْت وجداره بِالذَّهَب أَو الْفضة حرَام قطعا ثمَّ إِن حصل مِنْهُ شَيْء بِالْعرضِ على النَّار حرمت استدامته وَإِلَّا فَلَا وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة على الْجَزْم بذلك وَالله أعلم قَالَ:
بَاب السِّوَاك
(فصل السِّوَاك مُسْتَحبّ فِي كل حَال إِلَّا بعد الزَّوَال للصَّائِم وَهُوَ فِي ثَلَاثَة مَوَاضِع أَشد اسْتِحْبَابا عِنْد تغير الْفَم من أزم وَعند الْقيام من النّوم وَعند الْقيام إِلَى الصَّلَاة)
السِّوَاك سنة مُطلقًا لقَوْله صلى الله عليع وَسلم
(السِّوَاك مطهرة للفم مرضاة للرب)
و (مطهرة) بِفَتْح الْمِيم وَكسرهَا هِيَ كل إِنَاء يتَطَهَّر بِهِ فَشبه السِّوَاك بذلك لِأَنَّهُ يطهر الْفَم وَهل يكره للصَّائِم بعد الزَّوَال فِيهِ خلاف الرَّاجِح فِي الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة أَنه يكره لقَوْله ﵊
(لخلوف فَم الصَّائِم أطيب عِنْد الله من ريح الْمسك) وَفِي رِوَايَة
(يَوْم الْقِيَامَة) والخلوف بِضَم الْخَاء وَاللَّام هُوَ التَّغْيِير وَخص بِمَا بعد الزَّوَال لِأَن تغير الْفَم بِسَبَب الصَّوْم حِينَئِذٍ يظْهر فَلَو تغير فَمه بعد الزَّوَال بِسَبَب آخر كنوم أَو غَيره فاستاك لأجل ذَلِك لَا يكره وَقيل لَا يكره الاستياك مُطلقًا وَبِه قَالَ الْأَئِمَّة الثَّلَاثَة وَرجحه النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن يكره فِي الْفَرْض دون النَّفْل خوفًا من الرِّيَاء وَقَول المُصَنّف للصَّائِم يُؤْخَذ مِنْهُ أَن الْكَرَاهَة تَزُول بغروب الشَّمْس وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي شرح الْمُهَذّب وَقيل تبقى الْكَرَاهَة إِلَى الْفطر وَالله أعلم
ثمَّ السِّوَاك يتَأَكَّد اسْتِحْبَابه فِي مَوَاضِع مِنْهَا عِنْد تغير الْفَم من أزم وَغَيره والأزم قيل السُّكُوت الطَّوِيل وَقيل هُوَ ترك الْأكل وَقَوله وَغَيره يدْخل فِيهِ مَا إِذا تغير يَأْكُل مَاله رَائِحَة كريهة كالثوم والبصل وَنَحْوهمَا وَمِنْهَا عِنْد الْقيام من النّوم
(كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا اسْتَيْقَظَ من النّوم استاك) وَرُوِيَ
(يشوص فَاه بِالسِّوَاكِ) وَمعنى يشوص ينظف وَيغسل وَوجه تَأْكِيد الِاسْتِحْبَاب عِنْد الْقيام مِنْهُ أَن النّوم يسْتَلْزم ترك الْأكل وَالسُّكُوت وهما من أَسبَاب التَّغَيُّر وَمِنْهَا عِنْد الْقيام إِلَى
стр. 14
الصَّلَاة لقَوْله صلى الله عَلَيْهِ ويلم
(لَوْلَا أَن أشق على أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل صَلَاة) وَعَن عَائِشَة ﵂ عَن النَّبِي ﷺ قَالَ
(رَكْعَتَانِ بِالسِّوَاكِ أفضل من سبعين رَكْعَة بِلَا سواك) والسواك متأكد عِنْد الْقيام إِلَى الصَّلَاة وَإِن لم يكن الْفَم متغيراً وَلَا فرق بَين صَلَاة الْفَرْض وَالنَّفْل حَتَّى لَو صلى صَلَاة ذَات تسليمات كالضحى والتراويح والتجهد اسْتحبَّ لَهُ أَن يستاك لكل رَكْعَتَيْنِ وَكَذَا للجنازة وَالطّواف وَلَا فرق بَين الصَّلَاة بِالْوضُوءِ أَو التَّيَمُّم أَو عِنْد فقد الطهُورَيْنِ ويتأكد الِاسْتِحْبَاب أَيْضا عِنْد الْوضُوء وَإِن لم يصل لما ورد
(لَوْلَا أَن أشق أمتِي لأمرتهم بِالسِّوَاكِ عِنْد كل وضوء) وَيسْتَحب عِنْد قِرَاءَة الْقُرْآن وَعند اصفرار الْأَسْنَان وَإِن لم يتَغَيَّر الْفَم
وَاعْلَم أَنه يحصل الاستياك بِخرقَة وَبِكُل خشن مزيل وَالْعود أولى والأراك أولى وَالْأَفْضَل أَن يكون بيابس ندى بِالْمَاءِ وَيسْتَحب غسله ليستاك بِهِ ثَانِيًا وَلَو استاك بإصبع غَيره وَهِي خشنة أَجْزَأَ قطعا قَالَه فِي شرح الْمُهَذّب وَفِي إصبعه خلاف الرَّاجِح فِي الرَّوْضَة لَا يجزىء وَالرَّاجِح فِي شرح الْمُهَذّب الْأَجْزَاء وَبِه قطع القَاضِي حُسَيْن والمحاملي وَالْبَغوِيّ وَالشَّيْخ أَبُو حَامِد وَاخْتَارَهُ الرَّوْيَانِيّ فِي الْبَحْر وَلَا بَأْس أَن يستاك بسواك غَيره بِإِذْنِهِ وَيسْتَحب أَن يستاك بِيَمِينِهِ وبالجانب الْأَيْمن من فَمه وَأَن يمره على سقف حلق إمراراً لطيفاً وكراسي أَضْرَاسه وَيَنْوِي بِالسِّوَاكِ السّنة وَيسْتَحب عِنْد دُخُول الْمنزل وَعند إِرَادَة النّوم وَالله أعلم
فَرَائض الْوضُوء
(فصل وفرائض الْوضُوء سِتَّة النِّيَّة عِنْد غسل الْوَجْه)
اعْلَم أَن الْوضُوء لَهُ شُرُوط وفروض
فالشروط الْإِسْلَام وَالتَّمَيُّز وطهورية المَاء وَعدم الْمَانِع الْحسي كالوسخ وَعدم الْمَانِع الشَّرْعِيّ كالحيض وَالنّفاس وَدخُول الْوَقْت فِي حق ذَوي الضرورات كالمستحاضة وَمن بِهِ الرّيح الدَّائِم
وَأما الْفُرُوض فستة كَمَا ذكره الشَّيْخ أَحدهَا النِّيَّة لقَوْل ﵊
(إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ) وَهِي فرض فِي طهارات الْأَحْدَاث وَلَا تجب فِي إِزَالَة النَّجَاسَات على الصَّحِيح
стр. 15
وَالْفَرْض أَن الْمَقْصُود من النَّجَاسَات إِزَالَتهَا وَهِي تحصل بِالْغسْلِ بِخِلَاف الْأَحْدَاث فَإِن طَهَارَتهَا عبَادَة فتفتقر إِلَى نِيَّة كَسَائِر الْعِبَادَات كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَشرط صِحَّتهَا الْإِسْلَام فَلَا يَصح وضوء الْكَافِر وَلَا غسله على الصَّحِيح لِأَن النِّيَّة عبَادَة وَالْكَافِر لَيْسَ من أَهلهَا وَلَا تصح طَهَارَة الْمُرْتَد قطعا تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَوقت النِّيَّة الْوَاجِبَة عِنْد غسل أول جُزْء من الْوَجْه لِأَن أول الْعِبَادَات الْوَاجِبَة وَلَا يُثَاب على السّنَن الْمَاضِيَة وكيفيتها إِن كَانَ المتوضيء سليما لَا عِلّة بِهِ أَن يَنْوِي أحد ثَلَاثَة أُمُور
أَحدهَا رفع الْحَدث أَو الطَّهَارَة عَن الْحَدث
الثَّانِي أَن يَنْوِي اسْتِبَاحَة الصَّلَاة أَو غَيرهَا مِمَّا لَا يُبَاح إِلَّا بِالطَّهَارَةِ
الثَّالِث أَن يَنْوِي فرض الْوضُوء أَو أَدَاء الْوضُوء وَإِن كَانَ الناوي صَبيا قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَلَو نوى الطَّهَارَة للصَّلَاة أَو الطَّهَارَة لغَيْرهَا مِمَّا يتَوَقَّف على الْوضُوء كفى وَذكره فِي التَّنْبِيه وَلَو نوى الطَّهَارَة وَلم يقل عَن الْحَدث لَا يجْزِيه على الصَّحِيح لِأَن الطَّهَارَة تكون عَن الْحَدث وَعَن النَّجس فَلَا بُد من نِيَّة تميز وَلَو نوى الْوضُوء فَقَط صَحَّ على الْأَصَح فِي التَّحْقِيق وَشرح الْمُهَذّب بِخِلَاف مَا إِذا نوى الْغسْل وَهُوَ جنب فَلَا يَكْفِي وَفرق الْمَاوَرْدِيّ بِأَن الْوضُوء لَا يُطلق على غير الْعِبَادَة بِخِلَاف الْغسْل وَلَو نوى رفع الْحَدث والاستباحة فَهُوَ نِهَايَة النِّيَّة وَأما من بِهِ عِلّة كمن بِهِ سَلس الْبَوْل أَو كَانَت مُسْتَحَاضَة فينوي الاستباحة على الصَّحِيح وَلَا يَصح أَن يَنْوِي رفع الْحَدث لِأَن الْحَدث مُسْتَمر وَلَا يتَصَوَّر رَفعه وَقيل يجب أَن يجمع بَينهمَا يَكْفِي أَحدهمَا
(فرع) شَرط النِّيَّة الْجَزْم فَلَو شكّ فِي أَنه مُحدث فَتَوَضَّأ محتاطاً ثمَّ تَيَقّن أَنه مُحدث لم يعْتد بوضوئه على الْأَصَح لِأَنَّهُ تَوَضَّأ مترددا وَلَو تَيَقّن أَنه مُحدث وَشك فِي أَنه تطهر ثمَّ بَان مُحدثا أَجزَأَهُ قطعا لِأَن الأَصْل بَقَاء الْحَدث فَلَا يضر تردده مَعَه فقوي جَانب النِّيَّة بِأَصْل الْحَدث بِخِلَاف الصُّورَة الأولى وَالله أعلم
(فرع) لَو كَانَ يتَوَضَّأ فنسي لمْعَة فِي الْمرة الأولى فانغسلت فِي الغسلة الثَّانِيَة أَو الثَّالِثَة أَجزَأَهُ على الصَّحِيح بِخِلَاف مَا إِذا انغسلت اللمْعَة فِي تَجْدِيد الْوضُوء فَإِنَّهُ لَا يُجزئهُ على الصَّحِيح وَالْفرق أَن نِيَّة التَّجْدِيد لم تشْتَمل على نِيَّة فرض بِخِلَاف الغسلة الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة فَإِن نِيَّة فرض الْوضُوء شملت الثَّلَاث فَمَا لم يتمم الأولى لَا تحصل الثَّانِيَة وَالثَّالِثَة وَالْخَطَأ فِي الِاعْتِقَاد لَا يضر أَلا ترى أَن الْمُصَلِّي لَو ترك سَجْدَة من الأولى نَاسِيا وَسجد فِي الرَّكْعَة الثَّانِيَة تمت الأولى وَإِن اعْتقد خلاف ذَلِك وَالله أعلم
стр. 16
قَالَ
(وَغسل الْوَجْه) الْفَرْض الثَّانِي غسل الْوَجْه وَهُوَ أول الْأَركان الظَّاهِرَة قَالَ تَعَالَى ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهكُم﴾ وَيجب استيعابه بِالْغسْلِ وَحده من مُبْتَدأ تَسْتَطِيع الْجَبْهَة إِلَى مُنْتَهى الذقن طولا وَمن الْأذن إِلَى الْأذن عرضا وَمَوْضِع التحذيف لَيْسَ من الْوَجْه والصدغان ليسَا من الْوَجْه على الْأَصَح فِي شرح الرَّوْضَة وَرجع فِي الْمُحَرر أَنَّهُمَا من الْوَجْه ثمَّ الشّعْر النَّابِت فِي الْوَجْه قِسْمَانِ
أَحدهمَا لم يخرج عَن حد الْوَجْه
الثَّانِي خَارج عَنهُ وَالَّذِي لم يخرج عَن حد الْوَجْه قد يكون نَادِر الكثافة وَقد يكون غير نَادِر الكثافة فالنادر الكثافة كالحاجبين والأهداب والشاربين والعذارين وهما المحاذيان لللأذنين بَين الصدغ والعارض فَيجب غسل ظَاهر هَذِه الشُّعُور وباطنها مَعَ الْبشرَة تحتهَا وَإِن كثف لِأَنَّهَا من الْوَجْه وَأما شعر العارضين فَإِن كَانَ خَفِيفا وَجب غسل ظَاهره وباطنه مَعَ الْبشرَة وَإِن كَانَ كثيفاً وَجب غسل ظَاهره على الْأَظْهر وَلَو خف بعضه وكثف بعضه فالراجح أَن للخفيف حكم الْخَفِيف الْمَحْض وللكثيف حكم الكثيف الْمَحْض وَفِي ضَابِط الْخَفِيف والكثيف خلاف الصَّحِيح أَن الْخَفِيف مَا ترى الْبشرَة تَحْتَهُ فِي مجْلِس التخاطب والكثيف مَا يمْنَع الرُّؤْيَة
الْقسم الثَّانِي الشُّعُور الْخَارِجَة عَن حد الْوَجْه وَهُوَ شعر اللِّحْيَة والعارض والعذار والسبال طولا وعرضاً فالراجح وجوب غسل ظَاهرهَا فَقَط لِأَنَّهُ يحصل بِهِ المواجهة وَقيل لَا يجب لِأَنَّهَا خَارِجَة عَن حد الْوَجْه قَالَ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة يجب غسل جُزْء من رَأسه ورقبته وَمَا تَحت ذقنه مَعَ الْوَجْه ليتَحَقَّق استيعابه وَلَو قطع أَنفه أَو شفته لزمَه غسل مَا ظهر بِالْقطعِ فِي الْوضُوء وَالْغسْل على الصَّحِيح لِأَنَّهُ يبْقى وَجها وَيجب غسل مَا ظهر من حمرَة الشفتين وَيسْتَحب أَن يَأْخُذ المَاء بيدَيْهِ جَمِيعًا قَالَ
(وَغسل الْيَدَيْنِ مَعَ الْمرْفقين)
الْفَرْض الثَّالِث غسل الْيَدَيْنِ مَعَ الْمرْفقين لقَوْله تَعَالَى ﴿وَأَيْدِيكُمْ إِلَى الْمرَافِق﴾ وَلَفْظَة إِلَى ترد بعنى مَعَ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى ﴿من أَنْصَارِي إِلَى الله﴾ أَي مَعَ الله وَيدل لذَلِك مَا روى
стр. 17
جَابر ﵁ قَالَ
(رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يُدِير المَاء على الْمرَافِق) وروى أَنه أدَار المَاء على مرفقيه ى وَقَالَ هَذَا وضوء لَا يقبل الله الصَّلَاة إِلَّا بِهِ) وَيجب إِيصَال المَاء إِلَى جَمِيع الشّعْر والبشرة حَتَّى لَو كَانَ تَحت أظافره وسخ يمْنَع وُصُول المَاء إِلَى الْبشرَة لم يَصح وضوؤه وَصلَاته باطله وَالله أعلم قَالَ
(وَمسح بعض الرَّأْس)
الْفَرْض الرَّابِع مسح بعض الرَّأْس لقَوْله تَعَالَى ﴿وامسحوا برؤوسكم﴾ وَلَيْسَ المُرَاد هُنَا مسح جَمِيع الرَّأْس لحَدِيث الْمُغيرَة ﵁
(أَن النَّبِي ﷺ تَوَضَّأ وَمسح بناصيته وعَلى عمَامَته وعَلى الْخُفَّيْنِ) وَلِأَن من أَمر يَده على هَامة الْيَتِيم صَحَّ أَن يُقَال مسح بِرَأْسِهِ وَحِينَئِذٍ فَالْوَاجِب مَا ينْطَلق عَلَيْهِ اسْم الْمسْح وَلَو بعض شعره أَو قدره من الْبشرَة وَشرط الشّعْر الْمَمْسُوح أَن لَا يخرج عَن حد الرَّأْس لَو مده بأنى بِأَن كَانَ متجعداً وَلَا يضر مُجَاوزَة منبت الْمَمْسُوح على الصَّحِيح وَلَو غسل رَأسه بدل الْمسْح أَو ألْقى عَلَيْهِ قَطْرَة وَلم تسل أَو وضع يَده الَّتِي عَلَيْهَا المَاء على رَأس وَلم يمرها أَجزَأَهُ على الصَّحِيح قَالَ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة وَلَا تتَعَيَّن الْيَد للمسح بل يجوز بخشبة أَو خرقَة وَغَيرهمَا وَيجْزِي مسح غَيره لَهُ وَالْمَرْأَة كَالرّجلِ فِي الْمسْح وَالله أعلم قَالَ
(وَغسل الرجلَيْن مَعَ الْكَعْبَيْنِ)
لقَوْله تَعَالَى ﴿وأرجلكم إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ فعلى قِرَاءَة النصب يكون الْغسْل مُتَعَيّنا وَالتَّقْدِير واغسلوا أَرْجُلكُم وعَلى قِرَاءَة الْجَرّ فَالسنة بيّنت الْغسْل وَلَو كَانَ الْمسْح جَائِزا لبينه ﷺ وَلَو مرّة كَمَا فعل ﷺ فِي ذَلِك قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم وَاتفقَ الْعلمَاء على أَن المُرَاد بالكعبين العظمان الناتئان بَين السَّاق والقدم وَفِي كل رجل كعبان وشذت الرافضة قبحهم الله تَعَالَى فَقَالَت فِي كل رجل كَعْب وَهُوَ الْعظم الَّذِي فِي ظهر الْقدَم وَحكى هَذَا عَن مُحَمَّد بت الْحسن وَلَا يَصح وَحجَّة الْعلمَاء فِي ذَلِك نقل أهل اللُّغَة والاشتقاق وَهَذَا الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي نَحن فِيهِ يدل لذَلِك فَفِيهِ
(فَغسل رجله الْيُمْنَى إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَرجله الْيُسْرَى كَذَلِك) فَأثْبت فِي كل رجل كعبين وَالله أعلم
стр. 18
قلت وَحَدِيث النُّعْمَان بن بشير رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ صَرِيح فِي ذَلِك قَالَ
(قَالَ لنا رَسُول الله ﷺ أقِيمُوا صفوفكم فَرَأَيْت الرجل منا يلصق مَنْكِبه بمنكب صَاحبه وكعبه بكعبه) وَمَعْلُوم أَن هَذَا فِي كَعْب الْمفصل وَلَا يَتَأَتَّى فِي الَّذِي على ظهر الْقدَم وَالله تَعَالَى أعلم
وَاعْلَم أَن الْغسْل وَاجِب إِذا لم يمسح على الْخُف وَقِرَاءَة الْجَرّ مَحْمُولَة على مسح الْخُف وَيجب غسل جَمِيع الرجلَيْن بِالْمَاءِ وينقي الْبشرَة وَالشعر حَتَّى يجب غسل مَا ظهر بالشق وَلَو وضع فِي الشق شمعة أَو حناء وَله جرم لَا يجزيء وضوؤه وَلَا تصح صلَاته وَكَذَا يجب عَلَيْهِ إِزَالَة خرء البراغيث حَيْثُ اسْتَيْقَظَ من نَومه فليحترز عَن مثل ذَلِك فَلَو تَوَضَّأ وَنسي إِزَالَته ثمَّ علم وَجب عَلَيْهِ غسل ذَلِك الْمَكَان وَمَا بعده وإعادة الصَّلَاة وَالله أعلم
(فرع) إِذا اجْتمع على الشَّخْص حدث أَصْغَر وَهُوَ الْوضُوء وَحدث أكبر وَهُوَ الْغسْل فَفِيهِ خلاف منتشر الصَّحِيح الْمُفْتى بِهِ يَكْفِيهِ غسل جَمِيع بدنه بنية الْغسْل وَلَا يجب عَلَيْهِ الْجمع بَين الْوضُوء وَالْغسْل وَلَا تَرْتِيب فِي ذَلِك وَالله أعلم قَالَ
(والتريب على مَا ذَكرْنَاهُ)
الْفَرْض السَّادِس التَّرْتِيب وفرضيته مستفادة من الْآيَة إِذا قُلْنَا الْوَاو للتَّرْتِيب وَإِلَّا فَمن فعله وَقَوله ﵊ إِذْ لم ينْقل عَنهُ ﵊ أَنه تَوَضَّأ إِلَّا مُرَتبا وَلِأَنَّهُ ﵊ قَالَ بعد أَن تَوَضَّأ مُرَتبا
(هَذَا وضوء لَا يقبل الله الصَّلَاة إِلَّا بِهِ) أَي بِمثلِهِ وَلِأَن الْوضُوء عبَادَة يرجع فِي حَالَة الْغدر إِلَى نصفهَا فَوَجَبَ فِيهَا التَّرْتِيب كَالصَّلَاةِ فَلَو نسي التَّرْتِيب لم يجزه كَمَا لَو نسي الْفَاتِحَة فِي الصَّلَاة أَو النَّجَاسَة على بدنه
(فرع) خرج من فرجه بَلل يجوز أَن يكون منياً وَيجوز أَن يكون مذياً واشتبه عَلَيْهِ الْحَال فَمَا الَّذِي يجب عَلَيْهِ فِيهِ خلاف منتشر علقته فِي بعض الْكتب أَكثر من ثَلَاثَة عشرَة مقَالَة الرَّاجِح فِي الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة أَنه يتَخَيَّر فَإِن شَاءَ جعله منياً واغتسل وَإِن شَاءَ جعله مذياً وَغسل مَا أَصَابَهُ من بدنه وثوبه وَتَوَضَّأ لِأَنَّهُ إِذا جعله مذياً وَتَوَضَّأ فقد أَتَى بِمَا يَقْتَضِي الْوضُوء فارتفع حَدثهُ الْأَصْغَر وَبَقِي الْحَدث الْأَكْبَر مشكوكاً فِيهِ وَالْأَصْل عَدمه وَكَذَا يُقَال إِذا اغْتسل وَقيل يجب عَلَيْهِ الْأَخْذ بالإحتياط لأَنا تحققنا
стр. 19
شغل ذمَّته بِأحد الحدثين وَلَا يخرج عَن ذَلِك إِلَّا بِيَقِين بِأَن يحْتَاط كَمَا لَو لزم ذمَّته صَلَاة من صَلَاتَيْنِ وَلم يعرف عينهَا يجب عَلَيْهِ أَن يُصَلِّيهمَا وَهَذَا قوي رَجحه النَّوَوِيّ ﵀ فِي شرح ى التَّنْبِيه وَفِي رُؤُوس الْمسَائِل لَهُ وَالله أعلم قَالَ
سنَن الْوضُوء
(فصل وسننه عشر خِصَال التَّسْمِيَة) للْوُضُوء سنَن مِنْهَا التَّسْمِيَة فِي ابْتِدَائه
(رُوِيَ أَنه ﷺ وضع يَده فِي إِنَاء وَقَالَ لأَصْحَابه توضئوا باسم الله)
(كل أَمر ذِي بَال لَا يبْدَأ فِيهِ بِبسْم الله فَهُوَ أَجْذم) أَي أقطع وَهِي سنة متأكدة وَقد قَالَ الإِمَام أَحْمد بِوُجُوبِهَا فَلَو نَسِيَهَا فِي ابْتِدَاء الْوضُوء أَتَى بهَا مَتى ذكرهَا فِي الْوضُوء كَمَا فِي تَسْمِيَة الطَّعَام وَلَو تَركهَا عمدا فَهَل يشرع تداركها فِيهِ خلاف والراجع نعم وَفِي الحَدِيث
(من تَوَضَّأ وَذكر اسْم الله كَانَ طهُورا لجَمِيع بدنه وَإِن لم يذكر اسْم الله تَعَالَى كَانَ طهُورا لأعضاء وضوئِهِ)
(وَغسل الْكَفَّيْنِ قبل إدخلهما الْإِنَاء)
من سنَن الْوضُوء غسل الْكَفَّيْنِ قبل الْوَجْه وَلَهُمَا أَحْوَال
أَحدهمَا أَن يتَيَقَّن نجاستهما فَهَذَا يكره لَهُ غمس كفيه فِي الْإِنَاء قبل غسلهمَا ثَلَاثًا كَرَاهَة تَحْرِيم لِأَنَّهُ يفْسد المَاء
الْحَالة الثَّانِيَة أَن يشك فِي نجاستهما كمن نَام وَلَا يدْرِي أَيْن باتت يَده فَهَذَا يكره لَهُ أَيْضا غمس كفيه فِي الْإِنَاء قبل غسلهمَا ثَلَاثًا لقَوْل ﷺ
(إِذا قَامَ أحدكُم من نَومه فليغسل يَدَيْهِ قبل أَن يدخلهما فِي الْإِنَاء ثَلَاثًا فَإِنَّهُ لَا يدْرِي أَيْن باتت يَده) وَفِي رِوَايَة
(فَلَا يغمس يَدَيْهِ فِي الْإِنَاء قبل أَن يغسلهما ثَلَاثًا) وَهَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي وَمَالك وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى وجوب غسلهمَا قبل إدخالهما فِي الْإِنَاء عِنْد الاستيقاظ من النّوم لظَاهِر النَّهْي وَلم يفرق بَين نوم اللَّيْل وَالنَّهَار وَذهب
стр. 20
الإِمَام أَحْمد إِلَى وجوب ذَلِك من نوم اللَّيْل دون نوم النَّهَار لقَوْله ﷺ
(أَيْن باتت يَده) وَالْمَبِيت يكون بِاللَّيْلِ دون النَّهَار وَالشَّافِعِيّ ﵀ حمل النَّهْي على غير الْوُجُوب لقَرِينَة
الْحَالة الثَّالِثَة أَن يتَيَقَّن طهارتهما فَهَذَا لَا يكره لَهُ غمس كفيه فِي الْإِنَاء قبل غسلهمَا وَلَكِن يسْتَحبّ وَهَذِه الْحَالة هِيَ الَّتِي ذكرهَا الشَّيْخ ومأخذها أَنه الْوَارِد فِي صفة وضوء النَّبِي صلى الله عَلَيْهِ سلم من غير تعرض لسبق نوم وانتفت الْكَرَاهَة لفقد الْعلَّة الْوَارِدَة فِي الْخَبَر إِذْ الحكم يَدُور مَعَ الْعلَّة وجودا وعدماً وَالله أعلم قَالَ
(والمضمضة وَالِاسْتِنْشَاق)
لفعله ﷺ وَقَالَ اللإمام
أَحْمد بوجوبهما وَحجَّة الشَّافِعِي قَوْله ﷺ
(عشر من السّنة وعد مِنْهَا الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق) ثمَّ أصل السّنة يحصل بإيصال المَاء إِلَى الْفَم وَالْأنف سَوَاء أداره أم لَا وَهَذَا هُوَ الرَّاجِح لَكِن نَص الشَّافِعِي على إِرَادَته فِي الْفَم وَلَا يشْتَرط فِي تَحْصِيل السّنة أَن يمج المَاء حَتَّى لَو ابتلع تأدت السّنة قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَذهب جمَاعَة إِلَى اشْتِرَاط مج المَاء فِي تَحْصِيل السّنة وَتَقْدِيم الْمَضْمَضَة على الِاسْتِنْشَاق شَرط فِي تَحْصِيل السّنة على الرَّاجِح وَقيل مُسْتَحبّ وَالله أعلم
(فرع) يسْتَحبّ الْمُبَالغَة فِي الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق لغير الصَّائِم وَأما الصَّائِم فَقيل يحرم فِي حقة قَالَه القَاضِي أَبُو الطّيب وَقيل يكره قَالَ الْبَنْدَنِيجِيّ وَغَيره وَقيل تَركهَا مُسْتَحبّ قَالَه ابْن الصّباغ وَالله أعلم قَالَ
(واستعياب الرَّأْس بِالْمَسْحِ)
من سنَن الْوضُوء اسْتِيعَاب الرَّأْس بِالْمَسْحِ لفعله ﷺ وللخروج من الْخلاف وَالسّنة فِي كَيْفيَّة الْمسْح أَن يبْدَأ بِمقدم رَأسه ثمَّ يذهب بيدَيْهِ إِلَى قَفاهُ ثمَّ يردهما إِلَى الْمَكَان الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ روى ذَلِك عبد الله بن زيد ﵁ فِي وصف وضوء رَسُول الله ﷺ وَيَضَع إبهاميه على صدغيه ويلصق السبابتين والذهاب وَالْعود مرّة وَهَذَا فِيمَن لَهُ شعر يَنْقَلِب بالذهاب وَالرَّدّ ليصل البلل إِلَى بَاطِن الشّعْر وَظَاهره وَأما من لَا شعر لَهُ أَو لَهُ شعر لَا يَنْقَلِب فَيقْتَصر على الذّهاب فَلَو رده لم تحسب ثَانِيَة لكَون المَاء بَقِي مُسْتَعْملا وَلَو لم يرد نزع مَا على رَأسه من عِمَامَة أَو غَيرهَا مسح على جُزْء من رَأسه وتمم على الْعِمَامَة وَالْأَفْضَل أَن لَا يقْتَصر على أقل من الناصية لِأَنَّهُ ﵊ مسح بناصيته وعَلى عمَامَته وَشرط الرَّافِعِيّ أَن يعسر رفع الْعِمَامَة ذكره فِي الشرحين وَالْمُحَرر وَتَبعهُ فِي
стр. 21
الْمِنْهَاج وحذفه من الرَّوْضَة وَلَا يجوز الِاقْتِصَار على مسح الْعِمَامَة قطعا فِي الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة لِأَنَّهُ مَأْمُور بمسح الرَّأْس والماسح على الْعِمَامَة لَيْسَ بماسح لَهُ وَفِي الْبَحْر عَن مُحَمَّد بن نصر من كبار الْأَصْحَاب أَنه يَكْفِي وَالله أعلم قَالَ
(وَمسح الْأُذُنَيْنِ)
يسْتَحبّ مسح الْأُذُنَيْنِ ظَاهرهَا وباطنها بِمَاء جَدِيد وَكَذَا يسْتَحبّ مسح الصماخين بِمَاء جَدِيد قَالَ عبد الله بن زيد ﵁
(رَأَيْت رَسُول الله ﷺ يتَوَضَّأ فَأخذ لأذنيه مَاء خلاف المَاء الَّذِي أَخذه لرأسه) وَكَيْفِيَّة الْمسْح أَن يدْخل مسيحتيه فِي صماخيه ويديرهما فِي المعاطف ويمر إبهاميه على ظَاهر أُذُنَيْهِ ثمَّ يلصق كفيه وهما مبلولتان بالأذنين استظهاراً وَهَذِه الْكَيْفِيَّة ذكرهَا الرَّافِعِيّ وأسقطها النَّوَوِيّ من الرَّوْضَة قَالَ
(وتخليل اللِّحْيَة الكثة وتخليل أَصَابِع الْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ)
روى عَن ابْن عَبَّاس رَضِي الله تَعَالَى عَنْهُمَا
(أَنه ﵊ كَانَ إِذا تَوَضَّأ شَبكَ لحيته الْكَرِيمَة بأصابعه من تحتهَا) وروى ابْن عَبَّاس ﵄
(أَن رَسُول الله ﷺ كَانَ يخلل لحيته) قَالَ وَأما تَخْلِيل الْأَصَابِع فَعَن ابْن عَبَّاس ﵄
(أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ إِذا تَوَضَّأت فخلل أَصَابِع يَديك ورجليك) وَقَالَ وَكَيْفِيَّة تَخْلِيل أَصَابِع رجلَيْهِ أَن يبْدَأ بخنصر يَده الْيُسْرَى من أَسْفَل الرجل مبتدئاً بخنصر الرجل الْيُمْنَى خَاتمًا بخنصر الْيُسْرَى وَهَذِه الْكَيْفِيَّة رجحها النَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَحكى وَجها أَنه يخلل بَين كل إِصْبَع من أَصَابِع الرجلَيْن بإصبع من أَصَابِع يَده وَحكى فِي شرح الْمُهَذّب وَجها آخر أَنه يبْدَأ بخنصر الْيَد الْيُمْنَى وَأخْبر أَنَّهُمَا سَوَاء وَعَزاهُ إِلَى إِمَام الْحَرَمَيْنِ ثمَّ قَالَ إِن ماقاله الإِمَام هُوَ الرَّاجِح الْمُخْتَار وَكَذَا اخْتَارَهُ فِي التَّحْقِيق وتخليل الْأَصَابِع الْيَدَيْنِ بالتشبيك ثمَّ إِن كَانَت الْأَصَابِع ملتفة لَا يصل المَاء إِلَيْهَا بالتخليل وَجب وَإِن كَانَت ملتحمة قَالَ لَا يجب فتقها وَلَا يسْتَحبّ قَالَه فِي الزِّيَادَة الرَّوْضَة بل لَا يجوز وَالله أعلم قَالَ
(وَتَقْدِيم الْيُمْنَى على الْيُسْرَى وَالطَّهَارَة ثَلَاثًا ثَلَاثًا والموالاة)
стр. 22
عَن أبي هُرَيْرَة ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
(إِذا توضأتم فابدءوا بميامنكم)
(وَعَن عَائِشَة ﵂ قَالَت كَانَ رَسُول الله ﷺ يحب التَّيَامُن فِي تنعله وَترَجله وَطهُوره وَفِي شَأْنه كُله) وَمعنى التَّرَجُّل التسريح يبْدَأ بالشق الْأَيْمن فِي الطّهُور وَيبدأ بِالْيَدِ الْيُمْنَى وَالرجل الْيُمْنَى فِي الْوضُوء وبالشق الْأَيْمن فِي الْغسْل وَأما الأذنان والخدان فيطهران مَعًا فَإِن كَانَ أقطع قدم الْيَد الْيُمْنَى وَأما اسْتِحْبَاب كَونه ثَلَاثًا فَفِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
(أَن رَسُول الله ﷺ تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا) وَلَا فرق فِي ذَلِك بَين الرَّأْس وَغَيره وَاسْتحبَّ بعض الْأَصْحَاب مسح الرَّأْس مرّة وَاحْتج بِأَن أَحَادِيث عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ الصِّحَاح تدل على مسح الرَّأْس مرّة قَالَ وَقد جَاءَ فِي مُسلم فِي وصف عبد الله بن زيد وضوء رَسُول الله ﷺ أَنه مسح رَأسه مرّة وَاحِدَة وَقد قيل إِن التِّرْمِذِيّ حَكَاهُ عَن نَص الشَّافِعِي وَالْمَشْهُور من مَذْهَب الشَّافِعِي وَبِه جزم الْجُمْهُور أَنه يسْتَحبّ مَسحه ثَلَاثًا وَحجَّة ذَلِك حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ وَفِي رِوَايَة أبي دَاوُد فِي حَدِيث عُثْمَان رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَنه ﵊ مسح رَأسه ثَلَاثًا نعم فِي سَنَده عَامر بن شَقِيق قَالَ الْحَاكِم لَا أعلم فِي عَامر طَعنا بِوَجْه من الْوُجُوه وَفِي ابْن مَاجَه
(أَن عليا رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ تَوَضَّأ ثَلَاثًا ثَلَاثًا وَمسح رَأسه ثَلَاثًا وَقَالَ هَذَا وضوء رَسُول الله ﷺ وَالله أعلم
وأهمل المُصَنّف ﵀ سنناً مِنْهَا مسح الرَّقَبَة وَصحح الرَّافِعِيّ فِي شرح الصَّغِير أَنَّهَا سنة وَاحْتج فِي الشَّرْح الْكَبِير بِأَنَّهُ ﵊ قَالَ
(مسح الرَّقَبَة أَمَان من الغل) وَاعْترض النَّوَوِيّ فَقَالَ لَا يمسح لِأَنَّهُ لم يثبت فِيهَا شَيْء وَلِهَذَا لم يذكرهُ الشَّافِعِي ومتقدموا الْأَصْحَاب وَهُوَ الصَّوَاب قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب والْحَدِيث مَوْضُوع قَالَ الْحَمَوِيّ شَارِح التبنيه الْجَدِيد أَن مسح الرَّقَبَة لَيْسَ بِسنة وَمُقْتَضَاهُ أَن فِي ذَلِك قَوْلَيْنِ وَالله أعلم وَمِنْهَا الدَّعْوَات على أَعْضَاء الْوضُوء قَالَه الرَّافِعِيّ قَالَ النَّوَوِيّ هَذِه الْأَدْعِيَة لَا أصل لَهَا وَلم يذكرهَا إِلَّا الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور وَمِنْهَا الِاسْتِعَانَة هَل تكره وَجْهَان قَالَ النَّوَوِيّ الْوَجْهَانِ فِيمَا إِذا اسْتَعَانَ بِمن يصب عَلَيْهِ وأصحهما لَا يكره أما إِذا اسْتَعَانَ بِمن يغسل أعضاءه فمكروه قطعا وَإِن كَانَ بإختصار المَاء فَلَا بَأْس وَلَا يُقَال خلاف الأولى وَحَيْثُ كَانَ لَهُ عذر فَلَا بَأْس بالإستعانة مُطلقًا وَمِنْهَا هَل يسْتَحبّ ترك التنشيف فِيهِ أوجه الصَّحِيح أَن تَركه
стр. 23
مُسْتَحبّ كَذَا صَححهُ فِي أصل الرَّوْضَة وَقيل إِنَّه مُبَاح فعله وَتَركه سَوَاء وَاخْتَارَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَقيل مُسْتَحبّ مُطلقًا وَقيل يكره التنشيف مُطلقًا وَقيل يكره فِي الصَّيف دون الشتَاء قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب مَحل الْخلاف إِذا لم تكن حَاجَة إِلَى التنشيف لحر أَو برد أَو التصاق نَجَاسَة فَإِن كَانَ فَلَا كَرَاهَة قطعا وَلَا يُقَال إِنَّه خلاف الْمُسْتَحبّ وَمِنْهَا يسْتَحبّ أَن لَا ينفض يَدَيْهِ لقَوْله ﷺ
(إِذا توضأتم فَلَا تنفضوا أَيْدِيكُم فَإِنَّهَا مراوح الشَّيْطَان) وَغَيره فَلَو خَالف ونفض فَالَّذِي جزم بِهِ الرَّافِعِيّ أَنه يكره وَخَالف النَّوَوِيّ فرجح أَنه لَا يكره بل هُوَ مُبَاح فعله وَتَركه سَوَاء وَقَالَ فِي التَّحْقِيق لِأَنَّهُ خلاف الأولى والْحَدِيث قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب إِنَّه ضَعِيف لَا يعرف وَمِنْهَا الْمُوَالَاة وَهِي واجبه فِي الْقَدِيم وَأَن يَقُول بعد التَّسْمِيَة الْحَمد لله الَّذِي جعل المَاء طهُورا ويخلل الْخَاتم ويتعهد مَا يحْتَاج إِلَى الِاحْتِيَاط وَيبدأ بِأَعْلَى وَجهه وبمقدم الرَّأْس وَفِي الْيَد وَالرجل بأطراف الْأَصَابِع إِن صب على نَفسه وَإِن صب عَلَيْهِ غَيره بَدَأَ بالمرفقين وَالْكَفَّيْنِ وَأَن لَا ينقص مَاء الْوضُوء عَن مد وَلَا يسرف وَلَا يزِيد على ثَلَاث مَرَّات وَلَا يتَكَلَّم فِي أثْنَاء الْوضُوء وَلَا يلطم وَجهه بِالْمَاءِ وَأَن يَقُول بعد الْوضُوء
(أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله اللَّهُمَّ اجْعَلنِي من التوابين واجعلني من المتطهرين سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا أَنْت أستغفرك وَأَتُوب إِلَيْك) وَبقيت سنَن أخر مَذْكُورَة فِي الْكتب المطولة تركناها خشيَة الإطالة وَالله أعلم
(فرع) لَو شكّ فِي غسل بعض أَعْضَائِهِ فِي أثْنَاء الطَّهَارَة لم يسحب لَهُ وَبعد الْفَرَاغ لايضر الشَّك على الرَّاجِح لِكَثْرَة الشَّك مَعَ أَن الظَّاهِر كَمَال الطَّهَارَة وَيشْتَرط فِي غسل الْأَعْضَاء جَرَيَان المَاء على الْعُضْو المغسول بِلَا خلاف وَالله تَعَالَى أعلم قَالَ
بَاب الِاسْتِنْجَاء وآداب التخلي
(فصل والاستنجاء وَاجِب من الْبَوْل وَالْغَائِط) احْتج لَهُ بقوله ﷺ
(وليستنج بِثَلَاثَة أَحْجَار) وَهُوَ أَمر وَظَاهره الْوُجُوب وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
(إِذا ذهب أحدكُم إِلَى الْغَائِط فليذهب مَعَه ثَلَاثَة أَحْجَار يَسْتَطِيب
стр. 24
بِهن فَإِنَّهَا تجزيء عَنهُ) وَقَوله
(من الْبَوْل وَالْغَائِط) يُؤْخَذ مِنْهُ أَنه لَا يجب من الرّيح بل قَالَ الْأَصْحَاب لَا يسْتَحبّ بل قَالَ الْجِرْجَانِيّ إِنَّه مَكْرُوه قَالَ الشَّيْخ نصر إِنَّه بِدعَة وَيَأْثَم بِهِ قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب أما قَوْله بِدعَة فَصَحِيح وَأما الْإِثْم فَلَا إِلَّا أَن يعْتَقد وُجُوبه مَعَ علمه بِعَدَمِهِ وَقَالَ ابْن الرّفْعَة إِذا كَانَ الْمحل رطبا يَنْبَغِي أَن يَجِيء فِي وجوب الِاسْتِنْجَاء مِنْهُ خلاف بِنَاء على نَجَاسَة دُخان النَّجَاسَة كَمَا قيل بِمثلِهِ فِي تنجس الثَّوْب الَّذِي يُصِيبهُ وَهُوَ رطب ثمَّ قَالَ وَقد يُجَاب بِأَنَّهُ لايزيد على الْبَاقِي على الْمحل بعد الِاسْتِجْمَار
(وَالْأَفْضَل أَن يستجمر بالأحجار ثمَّ يتبعهَا بِالْمَاءِ وَيجوز أَن يقْتَصر على المَاء أَو على ثَلَاثَة أَحْجَار ينقي يهن الْمحل وَإِذا أَرَادَ الِاقْتِصَار على أَحدهمَا فالماء أفضل)
الْأَفْضَل فِي الِاسْتِنْجَاء أَن يجمع بَين المَاء وَالْحجر أَو مَا فِي مَعْنَاهُ لِأَن الله تَعَالَى أثنى على أهل قبَاء بذلك وَأنزل فيهم قَوْله تَعَالَى وَهُوَ أصدق الْقَائِلين ﴿فِيهِ رجال يحبونَ أَن يَتَطَهَّرُوا وَالله يحب المطهرين﴾ وَفِيه من طَرِيق الْمَعْنى أَن الْعين تَزُول بِالْحجرِ والأثر يَزُول بِالْمَاءِ فَلَا يحْتَاج إِلَى ملاطخة النَّجَاسَة لهَذَا يقدم الْحجر أَولا ثمَّ إِن قَضِيَّة التَّعْلِيل أَنه لَا يشْتَرط طَهَارَة الْحجر وَبِه صرح الْعجلِيّ وَنَقله عَن الغزالى وَاعْلَم أَن الحَدِيث ضَعَّفُوهُ وَلَفظه
(فَسَأَلَهُمْ النَّبِي ﷺ عَن ذَلِك فَقَالُوا نتبع الْحِجَارَة المَاء) وَأنكر النَّوَوِيّ هَذِه الرِّوَايَة فِي شرح الْمُهَذّب فَقَالَ كَذَا رَوَاهَا الْفُقَهَاء فِي كتبهمْ وَلَيْسَ لَهُ أصل فِي كتب الحَدِيث بل الْمَذْكُور فِيهَا
(كُنَّا نستنجي بِالْمَاءِ) وَلَيْسَ فِيهَا مَعَ الْحجر وَلَو أقتصر على المَاء أَجزَأَهُ لِأَنَّهُ يزِيل الْعين والأثر وَهُوَ الْأَفْضَل عِنْد الِاقْتِصَار على أَحدهمَا وَيجوز أَن يقْتَصر على ثَلَاثَة أَحْجَار أَو على حجر لَهُ ثَلَاثَة أحرف وَالْوَاجِب ثَلَاثَة مسحات فَإِن حصل الإنقاء بهَا وَإِلَّا وَجَبت الزِّيَادَة إِلَى الإنقاء وَيسْتَحب الإيتار
وَاعْلَم أَن كل ماهو فِي معنى الْحجر يجوز الِاسْتِنْجَاء بِهِ وَله شُرُوط أَحدهَا أَن يكون طَاهِرا فَلَو استنجى بِنَجس تعين المَاء بعده على الصَّحِيح الشَّرْط الثَّانِي أَن يكون مَا يستنجي بِهِ قالعاً للنَّجَاسَة منشفاً فَلَا يجزىء الزّجاج وَلَا الْقصب
стр. 25
وَلَا التُّرَاب المتناثر وَيجوز الصلب فَلَو استنجى بِمَا لايقلع لم يجزه وَلَو استنجى برطب من حجر أَو غَيره لم يجزه على الصَّحِيح
الشَّرْط الثَّالِث أَن يكون مُحْتَرما فَلَا يجوز الِاسْتِنْجَاء بمطعوم كالخبز والعظم وَلَا بِجُزْء مِنْهُ كَيده وَيَد غَيره وَلَا بِجُزْء حَيَوَان مُتَّصِل بِهِ كذنب الْبَعِير لِأَنَّهُ مُحْتَرم وَإِذا استنجى بمحترم عصى وَلَا يجْزِيه على الصَّحِيح نعم يجوز الْحجر بعده بِشَرْط أَن لَا تنْتَقل النَّجَاسَة وَأما الْجلد فَالْأَظْهر أَنه إِن كَانَ مدبوغاً جَازَ الِاسْتِنْجَاء بِهِ وَإِلَّا فَلَا ثمَّ يشْتَرط مَعَ ذَلِك أَن يجِف الْخَارِج فَإِن جف تعين المَاء لِأَنَّهُ لَا يُمكن إِزَالَته إِلَّا بذلك قَالَ
(ويجتنب اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها فِي الصَّحرَاء)
إِذا أَرَادَ قَضَاء الْحَاجة فِي الصَّحرَاء حرم عَلَيْهِ الِاسْتِقْبَال والاستدبار إِذا لم يسْتَتر بِشَيْء ستْرَة مُعْتَبرَة قَالَ رَسُول الله ﷺ
(إِذا أتيتم الْغَائِط فَلَا تستقبلوا الْقبْلَة وَلَا تستدبروها ببول وَلَا غَائِط وَلَكِن شرقوا أَو غربوا) نهى عَن ذَلِك وَظَاهره التَّحْرِيم وَاخْتلف فِي عِلّة ذَلِك فَقيل لِأَن الصَّحرَاء لَا تَخْلُو عَن مصل من ملك أَو جني أَو إنسي فَرُبمَا وَقع بَصَره على فرجه فَيَتَأَذَّى بِهِ قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح التَّنْبِيه هَذَا التَّعْلِيل ضَعِيف وَالتَّعْلِيل الصَّحِيح مَا ذكره القَاضِي حُسَيْن وَالْبَغوِيّ وَالرُّويَانِيّ وَغَيرهم أَن جِهَة الْقبْلَة معظمة فَوَجَبَ صيانتها فِي الصَّحرَاء وَرخّص فِي الْبُنيان للْمَشَقَّة وَالله أعلم
(قلت) وقوى هَذَا التَّعْلِيل الشَّيْخ تَقِيّ الدّين بن دَقِيق الْعِيد وَاحْتج لَهُ بِحَدِيث سراقَة بن مَالك رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول
(إِذا أَتَى أحدكُم الْبَوْل فَليُكرم قبْلَة الله فَلَا يستفبل الْقبْلَة) قَالَ وَهَذَا ظَاهر قوي فِي التَّعْلِيل بِمَا ذَكرْنَاهُ وَالله أعلم قَالَ النَّوَوِيّ إِن كَانَ بَين يَدَيْهِ سَاتِر مُرْتَفع قدر ثُلثي ذِرَاع وَقرب مِنْهُ على ثَلَاثَة أَذْرع جَازَ الِاسْتِقْبَال سَوَاء كَانَ فِي الْبُنيان أَو الصَّحرَاء هَذَا هُوَ الصَّحِيح وَمِنْهُم من جزم فِي الصَّحرَاء مُطلقًا قَالَه فِي شرح الْمُهَذّب وَالله أعلم وَقَوله فِي
(الصَّحرَاء) احْتَرز بهَا عَن غَيرهَا فَلَا يحرم اسْتِقْبَال الْقبْلَة واستدبارها فِي الْبُنيان قَالَ ابْن عمر ﵄
(ارتقيت على ظهر بَيت لنا فَرَأَيْت رَسُول الله ﷺ على لبنتين مُسْتَقْبلا بَيت الْمُقَدّس) وَفِي رِوَايَة البُخَارِيّ
(فرأيته مستدبر الْقبْلَة مُسْتَقْبل الشَّام) وَالله أعلم قَالَ
стр. 26
(وَالْبَوْل فِي المَاء الراكد)
تَقْدِير كَلَام الشَّيْخ ويجتنب الْبَوْل فِي المَاء الراكد وَقد عد الرَّافِعِيّ عدم الْبَوْل فِيهِ من الْآدَاب وَتَبعهُ فِي الرَّوْضَة وَاحْتج لذَلِك بقوله ﷺ
(لَا يبولن أحدكُم فِي المَاء الدَّائِم) وَفِي رِوَايَة
(الراكد) قَالَ الرَّافِعِيّ وَهَذَا الْمَنْع يَشْمَل الْقَلِيل وَالْكثير لما فِيهِ من الاستقذار وَالنَّهْي فِي الْقَلِيل أَشد لما فِيهِ من تنجس المَاء وَفِي اللَّيْل أَشد لما قيل إِن المَاء للجن فِي اللَّيْل فَلَا يَنْبَغِي أَن يبال فِيهِ وَلَا يغْتَسل فِيهِ خوفًا من آفَة تصيبه مِنْهُم هَذَا كُله فِي الراكد وَأما المَاء الْجَارِي فَقَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب قَالَ جمَاعَة إِن كَانَ قَلِيل كره وَإِن كَانَ كثير فَلَا وَفِيه نظر وَيَنْبَغِي أَن يحرم الْبَوْل الْقَلِيل قطعا لِأَن فِيهِ إتلافاً عَلَيْهِ وعَلى غَيره وَأما الْكثير فَالْأولى اجتنابه لَكِن جزم ابْن الرّفْعَة بِالْكَرَاهَةِ فِي المَاء الْكثير الْجَارِي لَيْلًا لأجل الجان وَالله أعلم قَالَ
(وَتَحْت الشَّجَرَة المثمرة) أَي ويجتنب الْبَوْل تَحت الشَّجَرَة المثمرة وَالْغَائِط أولى وَالْحكمَة فِي ذَلِك حَتَّى لَا تنجس الثَّمَرَة فتغسل أَو تعافها الْأَنْفس وَالْمرَاد بالثمرة الَّتِي من شَأْنهَا أَن تثمر قَالَه النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَلِهَذَا تكون الْكَرَاهَة فِي غير وَقت الثَّمَرَة أخف قَالَ
(وَفِي الطَّرِيق)
أَي ويجتنب الْبَوْل فِي الطَّرِيق وَالْغَائِط أولى لقَوْله ﷺ
(اتَّقوا اللعانين قَالُوا وَمَا اللعانان يَا رَسُول الله قَالَ الَّذِي يتخلى فِي طَرِيق النَّاس أَو فِي ظلهم) قَالَ
(والثقب)
أَي ويجتنب أَن يَبُول فِي ثقب وَهُوَ مَا اسْتَدَارَ ويعبر عَنهُ بالبخش لِأَنَّهُ ﵊
(نهى أَن يبال فِي الْجُحر لِأَنَّهَا مسَاكِن الْجِنّ) قَالَ
(والظل)
أَي ويجتنب الْبَوْل وَالْغَائِط أولى فِي ظلّ النَّاس لقَوْله ﷺ
(اتَّقوا الْملَاعن الثَّلَاث البرَاز فِي
стр. 27
الْمَوَارِد وقارعة الطَّرِيق والظل) والموارد قيل الْمَوَاضِع الَّتِي يرد النَّاس إِلَيْهَا وَقيل طرق المَاء وقارعة الطَّرِيق أَعْلَاهُ وَقيل صَدره وَقيل مَا برز مِنْهُ ومواضع الشَّمْس فِي الشتَاء كمواضع الظل فِي الصَّيف وَيحرم الْبَوْل على الْقَبْر كَمَا يحرم الْجُلُوس عَلَيْهِ وَكَذَا يحرم الْبَوْل فِي الْمَسْجِد وَإِن كَانَ فِي إِنَاء على الرَّاجِح الْمُفْتى بِهِ وَيكرهُ الْبَوْل قَائِما إِلَّا لعذر لِأَنَّهُ فعله لعذر قَالَ
(وَلَا يتَكَلَّم على الْبَوْل وَالْغَائِط)
أَي ندبا قَالَ أَبُو سعيد ﵁ سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول
(لَا يخرج الرّجلَانِ يضربان الْغَائِط كاشفي عورتيهما يتحدثان فَإِن الله تَعَالَى يمقت على ذَلِك) والمقت أَشد البغض والْحَدِيث مَكْرُوه وَلم يفض إِلَى التَّحْرِيم كَمَا فِي قَوْله ﷺ
(أبْغض الْحَلَال إِلَى الله تَعَالَى الطَّلَاق) وَفِي معنى الْكَلَام رد السَّلَام وتشميت الْعَاطِس والتحميد فَلَو عطس حمد الله تَعَالَى بِقَلْبِه وَلَا يُحَرك لِسَانه قَالَ الْمُحب الطَّبَرِيّ وَيَنْبَغِي أَن لَا يَأْكُل وَلَا يشرب وَيَنْبَغِي أَن لَا ينظر مَا يخرج مِنْهُ وَلَا إِلَى فرجه وَلَا إِلَى السَّمَاء وَلَا يعبث بِيَدِهِ وَيكرهُ إطالة الْقعُود فِي الْخَلَاء وَيكرهُ أَن يكون مَعَه شَيْء فِيهِ اسْم الله تَعَالَى كالخاتم وَالدَّرَاهِم وَكَذَا مَا كَانَ فِيهِ قُرْآن وَألْحق باسم الله تَعَالَى اسْم رَسُوله تَعْظِيمًا لَهُ (كَانَ ﵊ إِذا دخل الْخَلَاء وضع خَاتمه لِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ مُحَمَّد رَسُول الله ﷺ (وَاعْلَم أَن كل اسْم مُعظم مُلْحق بِمَا ذكرنَا فِي النزع صرح بِهِ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَتَبعهُ ابْن الرّفْعَة فَيدْخل فِيهِ أَسمَاء جَمِيع الرُّسُل والأنبياء عَلَيْهِم الصَّلَاة وَالسَّلَام قَالَ
(وَلَا يسْتَقْبل الشَّمْس وَالْقَمَر وَلَا يستدبرهما)
اسْتِقْبَال الشَّمْس وَالْقَمَر فِي حَال قَضَاء الْحَاجة مَكْرُوه سَوَاء فِي الصَّحرَاء والبنيان للأنهما من آيَات الله تَعَالَى الباهرة وَفِيه حَدِيث وَهل يكره استدبارهما قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب الصَّحِيح الْمَشْهُور وَبِه قطع الْجُمْهُور أَن لَا يكره لَكِن جزم الرَّافِعِيّ فِي التذنيب أَنه يكره كالاستقبال وَوَافَقَهُ النَّوَوِيّ عَلَيْهِ فِي مُخْتَصر التذنيب ثمَّ إِن النَّوَوِيّ خَالف الْأَمريْنِ فِي شرح الْوَسِيط فَقَالَ لم يذكر الشَّافِعِي وَالْأَكْثَرُونَ أَن قَاضِي الْحَاجة يتْرك اسْتِقْبَال الشَّمْس وَالْقَمَر وَالْمُخْتَار أَنه مُبَاح فعله
стр. 28
وَتَركه سَوَاء وَقَالَ فِي التَّحْقِيق إِن الْكَرَاهَة لَا أصل لَهَا وَالله أعلم
(فرع) قَالَ فِي التَّنْبِيه وَلَا يرفع ثَوْبه حَتَّى يدنو من الأَرْض يَعْنِي عَن عَوْرَته لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ يَفْعَله وَهُوَ ندب قَالَ ابْن الرّفْعَة وَكَونه ندبا فِيهِ نظر لِأَن الصَّحِيح أَن كشف الْعَوْرَة فِي الْخلْوَة بِلَا حَاجَة حرَام لِأَن الله تَعَالَى أَحَق أَن يستحيا مِنْهُ وَلَا حَاجَة قبل الدنو وَمَا بَحثه ابْن الرّفْعَة خرجه النَّوَوِيّ فِي شرح التَّنْبِيه على ذَلِك لكنه قَالَ فِي شرح الْمُهَذّب إِن هَذَا مُسْتَحبّ بالِاتِّفَاقِ وَلَيْسَ بِوَاجِب صرح بِهِ أَبُو حَامِد وَابْن الصّباغ وَالْمُتوَلِّيّ وَغَيرهم وَالله أعلم قَالَ الْمَاوَرْدِيّ وَيسْتَحب إِذا فرغ أَن يسبل ثَوْبه قبل انتصابه قَائِما قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَمَا قَالَه حسن إِذا لم يخف تنجيس ثَوْبه فَإِن خَافَ رَفعه قدر حَاجته وَمن آدَاب قَضَاء الْحَاجة أَن لَا يَبُول فِي مهب الرّيح وَأَن يعْتَمد على رجله الْيُسْرَى وقدمها عِنْد مَحل الْبَوْل وَأَن يهيىء أَحْجَار الِاسْتِجْمَار قبل جُلُوسه وَأَن لَا يستنجي بِالْمَاءِ فِي مَوضِع قَضَاء الْحَاجة إِلَّا فِي الميض وَأَن يَقُول عِنْد الدُّخُول بِسم الله اللَّهُمَّ إِنِّي أعوذ بك من الْخبث والخبائث وَعند الْفَرَاغ الْحَمد لله الَّذِي أذهب عني الْأَذَى وعافاني وَأَن يبعد عَن النَّاس وَأَن يتَّخذ موضعا لينًا للبول وَأَن ينضح فرجه وسراويله بعد الِاسْتِنْجَاء دفعا للوسواس وَلَو غلب على ظَنّه زَوَال النَّجَاسَة ثمَّ شم من يَده ريحًا فَهَل يدل على بَقَاء النَّجَاسَة فِي الْمحل كَالْيَدِ الْأَصَح لَا وَالله أعلم قَالَ
نواقض الْوضُوء
(فصل وَالَّذِي ينْقض الْوضُوء خَمْسَة أَشْيَاء مَا خرج من السَّبِيلَيْنِ)
وينقض الْوضُوء أَيْضا شِفَاء دَائِم الْحَدث كمن بِهِ سَلس من الْبَوْل أَو غَيره وشفاء الْمُسْتَحَاضَة وينقضه أَيْضا انْقِضَاء مُدَّة الْمسْح وَقد ذكره الشَّيْخ فِي فصل مسح الْخُف وينقضه أَيْضا أكل لحم الْجَزُور على مَا اخْتَارَهُ النَّوَوِيّ وَقواهُ وَقَالَ إِن فِيهِ حديثين صَحِيحَيْنِ لَيْسَ عَنْهُمَا جَوَاب شاف وَقد اخْتَارَهُ جمَاعَة من أَصْحَابنَا الْمُحدثين وَقَالَ وَهُوَ مِمَّا يعْتَقد رجحانه وَالله أعلم وَالصَّحِيح الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُور الْأَصْحَاب أَنه لَا ينْقض الْوضُوء وأجتبوا عَن هَذَا بِمَا روى جَابر رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ أَن آخر الْأَمريْنِ من رَسُول الله ﷺ ترك الْوضُوء مِمَّا مسته النَّار إِذا عرفت هَذَا فالخارج من السَّبِيلَيْنِ وهما
стр. 29
الْقبل والدبر نَاقض للْوُضُوء عينا كَانَ أَو ريحًا مُعْتَادا أَو نَادرا كَالدَّمِ والحصى نجس الْعين كَانَ أَو طَاهِرا كالدود وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله تَعَالَى ﴿أَو جَاءَ أحد مِنْكُم من الْغَائِط﴾ وَسُئِلَ أَبُو هُرَيْرَة رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ عَن الْحَدث فَقَالَ
(فسَاء أَو ضراط) وَحَدِيث عَليّ رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ
(كنت رجلا مذاء فَاسْتَحْيَيْت أَن أسأَل رَسُول الله ﷺ لمَكَان ابْنَته فَأمرت الْمِقْدَاد بن الْأسود الْكِنْدِيّ فَسَأَلَهُ فَقَالَ رَسُول الله ﷺ
(يغسل ذكره وَيتَوَضَّأ) وَيسْتَثْنى مِمَّا خرج من السَّبِيلَيْنِ الْمَنِيّ على الْمَذْهَب فِي الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة وَوجه بِأَن مَا أوجب أعظم الْأَمريْنِ بِخُصُوص فَلَا يُوجب أدونهما بِعُمُومِهِ كزنا الْمُحصن لما أوجب أعظم الحدين وَهُوَ الرَّجْم لكَونه زنا مُحصن لَا يُوجب أدونهما وَهُوَ الْجلد والتغريب لكَونه زنا وَقيل إِن خُرُوج الْمَنِيّ ينْقض الْوضُوء أَيْضا وَيُوجب الْغسْل كَمَا أطلقهُ الشَّيْخ وَكَذَا لفظ التَّنْبِيه وَبِه قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب وَأَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَجَمَاعَة مِنْهُم الإِمَام وَالْغَزالِيّ وَصرح بِهِ ابْن شُرَيْح بِأَنَّهُ ينْقض وَإِطْلَاق الشَّافِعِي يَقْتَضِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ دلّت السّنة على الْوضُوء من الْمَذْي وَالْبَوْل وَالرِّيح وكل مَا خرج من وَاحِد من الْفرج وسخ فَفِيهِ الْوضُوء قَالَ ابْن عطيه فِي تَفْسِيره الْإِجْمَاع على أَن الْمَنِيّ نَاقض للْوُضُوء وَمَا اسْتدلَّ بِهِ الرَّافِعِيّ من أَن الشَّيْء إِذا أوجب أعظم الْأَمريْنِ إِلَى آخِره نقضه الْمَاوَرْدِيّ بِالْحيضِ وَقَالَ إِنَّه ينْقض الْوضُوء بالإتفاق وَوَافَقَ ابْن الرّفْعَة على أَنه ينْقض الْوضُوء وَالله أعلم قلت وَرَأَيْت بِخَط الجاربردي أَن الْحيض فِي نقضه للْوُضُوء خلاف وَعَزاهُ إِلَى بعض الْعِرَاقِيّين وَقَوله
(مَا خرج من السَّبِيلَيْنِ) احْتَرز بِهِ عَمَّا إِذا خرج من غَيرهمَا كالفصد والحجامة والقيء وَنَحْو ذَلِك فَإِنَّهُ لَا ينْقض الْوضُوء لِأَنَّهُ ﷺ احْتجم وَصلى وَلم يتَوَضَّأ وَلم يزدْ على غسل محاجمه وَلِأَن النَّقْض بِمثل مَا وَردت بِهِ السّنة غير مَعْقُول الْمَعْنى فَلَا يَصح الْقيَاس عَلَيْهِ وَلِأَن الْخُرُوج من السَّبِيلَيْنِ لَهُ خُصُوصِيَّة لَا تُوجد فِي غَيرهمَا وَالله أعلم قَالَ
(وَالنَّوْم على غير هَيْئَة المتمكن من الأَرْض مقعدة وَزَوَال الْعقل بسكر أَو مرض)
الناقض الثَّانِي زَوَال الْعقل وَله أَسبَاب مِنْهَا النّوم وَحَقِيقَته استرخاء الْبدن وَزَوَال شعوره وخفاء كَلَام من عِنْده وَلَيْسَ فِي مَعْنَاهُ النعاس فَإِنَّهُ لَا ينْقض الْوضُوء بِكُل حَال وَدَلِيل النَّقْض بِالنَّوْمِ قَوْله ﷺ
(العينان وكاء السه فَإِذا نَامَتْ العينان انْطلق الوكاء فَمن نَام فَليَتَوَضَّأ)
стр. 30
وَمعنى الحَدِيث الْيَقَظَة وكاء الدبر فَإِذا نَام زَالَ الضَّبْط وَيسْتَثْنى مَا إِذا نَام مُمكنا مَقْعَده من الأَرْض على الصَّحِيح وَلَو كَانَ مُسْتَندا إِلَى شَيْء بِحَيْثُ لَو زَالَ لسقط لما روى أنس رَضِي الله تَعَالَى عَنهُ قَالَ
(كَانَ أَصْحَاب رَسُول الله ﷺ ينامون ثمَّ يصلونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ) زَاد أَبُو دَاوُد
(حَتَّى تخفق رُءُوسهم وَكَانَ ذَلِك على عهد رَسُول الله ﷺ وَمِنْهَا أَي أَسبَاب زَوَال الْعقل الْإِغْمَاء وَالْجُنُون وَالسكر وَهَذِه نواقض للْوُضُوء بِكُل حَال لِأَن النّوم إِذا كَانَ ناقضا فَهَذِهِ أولى الذهول عِنْد هَذِه الْأَسْبَاب أبلغ من النّوم
(فرع) إِذا نَام مُمكنا مَقْعَده من الأَرْض فَزَالَتْ إِحْدَى أليتيه عَن الأَرْض فَإِن كَانَ قبل انتباهه انْتقض وضوؤه وَإِن كَانَ بعده فَلَا ينْتَقض وَكَذَا إِذا كَانَ الزَّوَال مَعَه أَو شكّ فَلَا ينْتَقض وضوؤه لِأَن الأَصْل بَقَاء الطَّهَارَة وَلَو نَام على قَفاهُ مُلْصقًا مقْعد بِالْأَرْضِ انْتقض وَلَو كَانَ مستثفراً بِشَيْء أَي مستجمراً بِخرقَة كَمَا تستجمر الْمُسْتَحَاضَة بِشَيْء انْتقض أَيْضا على الْمَذْهَب وَاعْلَم أَن الشَّافِعِي وَالْأَصْحَاب قَالُوا يسْتَحبّ الْوضُوء من النّوم وَإِن كَانَ مُمكنا مَقْعَده من الأَرْض لِلْخُرُوجِ من الْخلاف وَالله أعلم قَالَ
(ولمس الرجل الْمَرْأَة من غير حَائِل بَينهمَا غير محرم فِي الْأَصَح)
من نواقض الْوضُوء لمس رجل بشرة امراءة مشتهاة غير محرم لقَوْله تَعَالَى ﴿أَو لامستم النِّسَاء﴾ عطف اللَّمْس على الْمَجِيء من الْغَائِط ورتب عَلَيْهِمَا الْأَمر بِالتَّيَمُّمِ عِنْد فقد المَاء فَدلَّ على أَنه حدث كالمجيء من الْغَائِط والبشرة ظَاهر الْجلد وَلَا فرق فِي الرجل بَين أَن يكون شَيخا فاقداً للشهوة أم لَا وَلَا بَين الْخصي والعنين فَإِنَّهُ ينْتَقض وضوؤه وَكَذَا الْمُرَاهق فَإِنَّهُ بنتقض وضوؤه وَلَا فرق فِي الْمَرْأَة بَين الشَّابَّة والعجوز الَّتِي تشْتَهى وَفِي الْميتَة خلاف صحّح النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب الْقطع بالانتقاض وَصحح فِي كِتَابه رُؤُوس الْمسَائِل عدم النَّقْض وَالْخلاف مَبْنِيّ على اللَّفْظ وَالْمعْنَى كالمحارم فعلى مَا فِي شرج الْمُهَذّب وَهُوَ النَّقْض مَا الْفرق بَين الْمَحَارِم وَالْميتَة وَفِي الْفرق عسر وَقد يفرق بِإِمْكَان عود الْحَيَاة فِي الْميتَة بِخِلَاف الْمَحَارِم وَالله أعلم
وَلَو كَانَ الْعُضْو الملموس أشل أَو زَائِدا أَو وَقع اللَّمْس بِغَيْر قصد وَبِغير شَهْوَة فينقض الْوضُوء فِي كل ذَلِك لِأَن اللَّمْس حدث لظَاهِر الْآيَة الْكَرِيمَة
وَلَا ينْقض لمس الشّعْر وَالظفر وَالسّن على الرَّاجِح لِأَن مُعظم الالتذاذ بِهَذِهِ الْأَشْيَاء بِالنّظرِ فَلَيْسَتْ فِي مَظَنَّة الشَّهْوَة باللمس وَلَو لمس عضوا مباناً من امْرَأَة أَو لمس صَغِيرَة لم تبلغ حد الشَّهْوَة لم
стр. 31
ينْتَقض الْوضُوء على الرَّاجِح لِأَن ذَلِك فِي مَظَنَّة الشَّهْوَة كالمحرم وَإِن لمس محرما بِنسَب أَو رضَاع أَو مصاهرة فَهَل ينْتَقض الْوضُوء قَولَانِ
أَحدهمَا ينْتَقض لعُمُوم الْآيَة وَالرَّاجِح أَنه لَا ينْتَقض لِأَن الْمحرم لَيست فِي مَظَنَّة الشَّهْوَة وَيجوز أَن يستنبط من النَّص معنى يخصص عُمُومه وَالْمعْنَى فِي نقض الْوضُوء كَون غير الْمحرم فِي مَظَنَّة الشَّهْوَة وَهَذَا مَفْقُود فِي الْمحرم
قَوْله ولمس الرجل الْمَرْأَة احْتَرز بِهِ عَمَّا إِذا لمس صَغِيرَة لَا تشْتَهى وَقد مر وَعَما إِذا لمس أَمْرَد لَا ينْتَقض وَهُوَ الرَّاجِح وَلنَا وَجه أَن لمسه ينْقض كَالْمَرْأَةِ قَوْله من غير حَائِل احْتَرز بِهِ عَمَّا إِذا كَانَ بَينهمَا حَائِل فَإِنَّهُ لَا ينْقض وَالله أعلم قَالَ
(وَمَسّ الْفرج بِبَطن الْكَفّ)
من نواقض الْوضُوء مس فرج الْآدَمِيّ سَوَاء كَانَ من نَفسه أَو من غَيره من ذكر أَو أُنْثَى من صَغِير أَو كَبِير من حَيّ أَو ميت قبلا كَانَ الملموس أَو دبراً لصدق الْفرج على الْكل وَمَسّ الذّكر الْمَقْطُوع والأشل واللمس بِالْيَدِ الشلاء نَاقض أَيْضا على الرَّاجِح وَلَو مس بإصبع زَائِدَة إِن كَانَت على اسْتِوَاء الْأَصَابِع نقضت وَإِلَّا فَلَا على الرَّاجِح وَهَذَا كُله فِي الْمس بباطن الْكَفّ فَإِن مس بِظهْر الْكَفّ فَلَا وَكَذَا الْمس بِحرف الْكَفّ أَو برؤوس الْأَصَابِع أَو بِمَا بَينهمَا فَلَا ينْتَقض وضؤوه على الرَّاجِح وَقَالَ الإِمَام أَحْمد تنْتَقض الطَّهَارَة بالمس بباطن الْكَفّ وَظَاهره لإِطْلَاق الْمس فِي الْأَخْبَار ورد الشَّافِعِي ذَلِك بِأَن فِي بعض الْأَخْبَار لفظ الْإِفْضَاء وَمَعْلُوم أَن المُرَاد من الْأَخْبَار وَاحِد والإفضاء فِي الْكَفّ هُوَ الْمس بِبَطن الْكَفّ وَقَول الشَّافِعِي فِي اللُّغَة حجَّة مَعَ أَن ذَلِك مَشْهُور فِي اللُّغَة قَالَ فِي الْمُجْمل الْإِفْضَاء لُغَة إِذا أضيف إِلَى الْيَد كَانَ عبارَة عَن الْمس بباطن الْكَفّ تَقول الْعَرَب أفضيت بيَدي إِلَى الْأَمِير مبايعاً وَإِلَى الأَرْض سَاجِدا إِذا مَسهَا بباطنها وَكَذَا ذكره الْجَوْهَرِي وَذهب بعض الْعلمَاء إِلَى أَن الْمس لَا ينْقض محتجاً بِحَدِيث طلق وَحجَّة الشَّافِعِيَّة حَدِيث بسرة بنت صَفْوَان ﵄ قَالَت سَمِعت رَسُول الله ﷺ يَقُول
(من مس ذكره فَليَتَوَضَّأ) وَلَا ينْقض مس دبر الْبَهِيمَة قَالَ الرَّافِعِيّ بِلَا خلاف وَفِيه خلاف وَفِي مس قبلهَا قَولَانِ الْقَدِيم أَنه ينْقض لِأَنَّهُ يجب الْغسْل بالإيلاج فِيهِ فينقض كفرج الْمَرْأَة والجديد الْأَظْهر أَنه لَا ينْقض مس لِأَنَّهُ لَا يجب ستره وَلَا يحرم النّظر إِلَيْهِ فعلى الْأَظْهر لَو أَدخل يَده فِيهِ لم ينْتَقض وضوؤه على الرَّاجِح وَالله أعلم
стр. 32
(فرع) من الْقَوَاعِد المقررة الَّتِي يَنْبَنِي عَلَيْهَا كثير من أَحْكَام الشَّرِيعَة اسْتِصْحَاب الأَصْل وَطرح الشَّك وَبَقَاء مَا كَانَ على مَا كَانَ وَقد أجمع النَّاس على أَن الشَّخْص لَو شكّ هَل طلق زوجنه أم لَا أَنه يجوز لَهُ وَطْؤُهَا كَمَا لَو شكّ فِي امْرَأَة هَل تزَوجهَا أم لَا لَا يجوز لَهُ وَطْؤُهَا وَمن ذَلِك مَا إِذا تَيَقّن الطَّهَارَة وَشك فِي الْحَدث فَالْأَصْل بَقَاء الطَّهَارَة وَعدم الْحَدث وَلَو تَيَقّن الْحَدث وَشك فِي الطَّهَارَة فَالْأَصْل بَقَاء الْحَدث وَعدم الطَّهَارَة وَلَو تَيَقّن الطَّهَارَة وَالْحَدَث جَمِيعًا بِأَن تَيَقّن أَنه بعد طُلُوع الشَّمْس مثلا أَنه تطهر وأحدث وَلم يعلم السَّابِق مِنْهُمَا فبماذا يَأْخُذ بِهِ فِيهِ خلاف الرَّاجِح فِي الرَّافِعِيّ وَالرَّوْضَة أَنه ينظر إِن كَانَ قبل طُلُوع الشَّمْس يَقِينا وَالْحَدَث بعد طُلُوع الشَّمْس يحْتَمل أَن يكون قبل الطَّهَارَة وَبعدهَا فَصَارَت الطَّهَارَة أصلا بِهَذَا الِاعْتِبَار وَإِن كَانَ قبل طُلُوع الشَّمْس متطهراً فَهُوَ الْآن مُحدث لِأَن يَقِين الطَّهَارَة قبل طُلُوع الشَّمْس رَفعه يَقِين الْحَدث بعد الطُّلُوع وَيجوز أَن تتقدم الطَّهَارَة على الْحَدث وتتأخر فَبَقيَ الْحَدث أصلا وعَلى ذَلِك جرى فِي الْمِنْهَاج وَقَالَ فِي الرَّوْضَة هَذَا يَعْنِي أَنه يَأْخُذ بضد مَا قبلهمَا إِذا كَانَ مِمَّن يعْتَاد تَجْدِيد الْوضُوء وَإِلَّا فَهُوَ الْآن متطهر لِأَن الظَّاهِر تَأَخّر طهارنه وَقيل لانظر إِلَى مَا قبل طُلُوع الشَّمْس وَيجب الْوضُوء بِكُل حَال قَالَ النَّوَوِيّ فِي شرح الْمُهَذّب وَشرح الْوَسِيط وَهَذَا هُوَ الْأَظْهر الْمُخْتَار قَالَ القَاضِي أَبُو الطّيب وَهُوَ قَول عَامَّة أَصْحَابنَا وَالله أعلم وَلَو لم يعلم مَا قبل طُلُوع الشَّمْس تَوَضَّأ بِكُل حَال وَمن هَذِه الْقَاعِدَة مَا إِذا شكّ من نَام قَاعِدا مُمكنا ثمَّ مَال وانتبه أَيهمَا أسبق أَو شكّ هَل مَا رَآهُ رُؤْيا أَو حَدِيث نفس أَو هَل لمس الشّعْر أَو الْبشرَة وَنَحْو ذَلِك فَلَا ينْتَقض الْوضُوء فِي جَمِيع ذَلِك وَالله أعلم قَالَ
مُوجبَات الْغسْل
(فصل وَالَّذِي يُوجب الْغسْل سِتَّة أَشْيَاء تشترك فِيهَا الرِّجَال وَالنِّسَاء وَهِي التقاء الختانين وإنزال الْمَنِيّ وَالْمَوْت)
الْغسْل بِفَتْح الْغَيْن وَضمّهَا قَالَه النَّوَوِيّ فِي التَّحْرِير وَقَالَ الْجَوْهَرِي هُوَ بِالْفَتْح اسْم للْفِعْل وبالضم اسْم للدلك وَالله أعلم وَأما الْوضُوء بِفَتْح الْوَاو فاسم للْمَاء وَبِضَمِّهَا اسْم للْفِعْل على الْأَكْثَر إِذا عرفت هَذَا فللغسل أَسبَاب مِنْهَا التقاء الختانين ويعبر عَنهُ أَيْضا بِالْجِمَاعِ وَهُوَ عبارَة عَن تغييب الْحَشَفَة أَو قدرهَا فِي أَي فرج كَانَ سَوَاء غيب فِي قبل امْرَأَة أَو بَهِيمَة أَو دبرهما أَو دبر رجل صَغِير أَو كَبِير حَيّ أَو ميت وَيجب أَيْضا على الْمَرْأَة بِأَيّ ذكر دخل فِي فرجهَا حَتَّى ذكر الْبَهِيمَة وَالْمَيِّت وَالصَّبِيّ وعَلى الذّكر المولج فِي دبره وَلَا يجب إِعَادَة غسل الْمَيِّت المولج فِيهِ على الْأَصَح وَيصير الصَّبِي وَالْمَجْنُون المولج فيهمَا جنبين بِلَا خلاف فَإِن اغْتسل الصَّبِي وَهُوَ مُمَيّز صَحَّ غسله
стр. 33
وَلَا يجب عَلَيْهِ إِعَادَته إِذا بلغ وعَلى الْوَلِيّ أَن يَأْمر الصَّبِي الْمُمَيز بِالْغسْلِ فِي الْحَال كَمَا يَأْمُرهُ بِالْوضُوءِ ثمَّ لَا فرق فِي ذَلِك بَين أَن ينزل مِنْهُ مني أم لَا وَالْأَصْل فِي ذَلِك حَدِيث عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
(إِذا التقى الختانان أَو مس الْخِتَان الْخِتَان وَجب الْغسْل فعلته أَنا وَرَسُول الله ﷺ فاغتسلنا) وَالْمرَاد بالإلتقاء التحاذي لِأَنَّهُ لَا يتَصَوَّر تصادمهما لِأَن ختان الْمَرْأَة أَعلَى من مدْخل الذّكر وَيُقَال التقى الفارسان إِذا تحاذيا
وَمِنْهَا إِنْزَال الْمَنِيّ فَمَتَى خرج الْمَنِيّ وَجب الْغسْل سَوَاء خرج من الْمخْرج الْمُعْتَاد أَو من ثقبه فِي الصلب أَو الخصية على الْمَذْهَب وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله ﷺ
(إِنَّمَا المَاء من المَاء) وَسَوَاء خرج فِي الْيَقَظَة أَو النّوم وَسَوَاء كَانَ بِشَهْوَة أَو غَيرهَا لإِطْلَاق الْخَبَر ثمَّ للمني ثَلَاث خَواص يتَمَيَّز بهَا عَن الْمَذْي والودي أَحدهَا لَهُ رَائِحَة كرائحة الْعَجِين والطلع مَا دَامَ رطبا فإذاجف أشبهت رائحتة رَائِحَة الْبيض الثَّانِيَة التدفق دفعات قَالَ الله تَعَالَى ﴿من مَاء دافق﴾ الثَّالِثَة التَّلَذُّذ بِخُرُوجِهِ واستعقابه فتور الذّكر وانكسار الشَّهْوَة وَلَا يشْتَرط اجْتِمَاع الْخَواص بل تَكْفِي وَاحِدَة فِي كَونه منياً بِلَا خلاف وَالْمَرْأَة كَالرّجلِ فِي ذَلِك على الرَّاجِح وَالرَّوْضَة وَقَالَ فِي شرح مُسلم لَا يشْتَرط التدفق فِي حَقّهَا وَتبع فِيهِ ابْن الصّلاح
(فرع) لَو تنبه من نَومه فَلم يجد إِلَّا الثخانة وَالْبَيَاض فَلَا غسل لِأَن الودي شَارك الْمَنِيّ فِي الثخانة وَالْبَيَاض بل يتَخَيَّر بَين جعله ودياً أَو منياً على الْمَذْهَب وَلَو اغْتسل ثمَّ خرجت مِنْهُ بَقِيَّة وَجب الْغسْل ثَانِيًا بِلَا خلاف سَوَاء خرجت قبل الْبَوْل أَو بعده وَلَو رأى الْمَنِيّ فِي ثَوْبه أَو فِي فرَاش لَا ينَام فِيهِ غَيره وَلم يذكر احتلاماً لزمَه الْغسْل على الصَّحِيح الْمَنْصُوص الَّذِي قطع بِهِ الْجُمْهُور وَقَالَ الْمَاوَرْدِيّ لهَذَا إِذا كَانَ الْمَنِيّ فِي بَاطِن الثَّوْب فَإِن كَانَ فِي ظَاهره فَلَا غسل عَلَيْهِ لاحْتِمَال إِصَابَته من غَيره وَلَو أحس بانتقال الْمَنِيّ ونزوله فَأمْسك ذكره فَلم يخرج مِنْهُ شَيْء فِي الْحَال وَلَا علم خُرُوجه بعده فَلَا غسل عَلَيْهِ وَالله أعلم وَمِنْهَا الْمَوْت وَهُوَ يجب الْغسْل لما رُوِيَ
(عَن ابْن عَبَّاس ﵄ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ فِي الْمحرم الَّذِي وقصته نَاقَته اغسلوه بِمَاء وَسدر) وَظَاهره الْوُجُوب والوقص كسر الْعُنُق قَالَ
(وَثَلَاثَة تخْتَص بهَا النِّسَاء وَهِي الْحيض وَالنّفاس والولادة)
стр. 34
من الْأَسْبَاب الْمُوجبَة للْغسْل الْحيض قَالَ الله تَعَالَى ﴿وَلَا تقربوهن حَتَّى يطهرن فَإِذا تطهرن فاتوهن من حَيْثُ أَمركُم الله﴾ نهى عَن قربانهن إِلَى الْغَايَة وَعَن عَائِشَة ﵂ أَن رَسُول الله ﷺ قَالَ
(إِذا أَقبلت الْحَيْضَة فدعي الصَّلَاة فَإِذا ذهب قدرهَا فاغسلي عَنْك الدَّم وَصلي وَفِي رِوَايَة
(ثمَّ اغْتَسِلِي وَصلي) وَالنّفاس كالحيض فِي ذَلِك وَفِي مُعظم الْأَحْكَام وَمن الْأَسْبَاب الْمُوجبَة للْغسْل الْولادَة وَله عِلَّتَانِ إحدهما أَن الْولادَة وظنة خُرُوج الدَّم وَالْحكم يتَعَلَّق بالمظان أَلا ترى أَن النّوم ينْقض الْوضُوء لِأَنَّهُ مَظَنَّة الْحَدث وَالْعلَّة الثَّانِيَة وَهِي الَّتِي قَالَهَا الْجُمْهُور أَن الْوَلَد مني مُنْعَقد وَتظهر فَائِدَة الْخلاف فِيمَا إِذا ولدت ولدا وَلم تَرَ بللاً فعلى الأول لَا يجب الْغسْل وعَلى الْعلَّة الثَّانِيَة وَهُوَ أَنه مني مُنْعَقد يجب الْغسْل وَهُوَ الرَّاجِح وَكَذَا يجب الْغسْل بِوَضْع الْعلقَة والمضغة على الرَّاجِح وَمِنْهُم من قطع بِالْوُجُوب بِوَضْع المضغة وَالله أعلم قَالَ
فَرَائض الْغسْل
(فصل
وفرائض الْغسْل ثَلَاثَة أَشْيَاء النِّيَّة وَإِزَالَة النَّجَاسَة إِن كَانَت على بدنه) نِيَّة الْغسْل وَاجِبَة كَمَا فِي الْوضُوء لعُمُوم قَوْله ﷺ
(إِنَّمَا الْأَعْمَال بِالنِّيَّاتِ) وَمحل النِّيَّة أول جُزْء مغسول من الْبدن وكيفيتها أَن يَنْوِي الْجنب رفع الْجَنَابَة أَو رفع الْحَدث الْأَكْبَر عَن جَمِيع الْبدن وَلَو نوى رفع الْحَدث وَلم يتَعَرَّض للجنابة وَلَا غَيرهَا صَحَّ غسله على الْأَصَح لِأَن الْحَدث عبارَة عَن الْمَانِع من الصَّلَاة وَغَيرهَا على أَي وَجه فرض وَقد نَوَاه وَلَو نوى رفع الْحَدث الأضغر مُتَعَمدا لم يَصح فِي الْأَصَح لتلاعبه وَإِن غلط فَظن أَن حَدثهُ أَصْغَر لم ترْتَفع الْجَنَابَة عَن غير أَعْضَاء الْوضُوء وَفِي أَعْضَاء الْوضُوء وَجْهَان الرَّاجِح ترْتَفع عَن الْوَجْه وَالْيَدَيْنِ وَالرّجلَيْنِ لِأَن غسل هَذِه الْأَعْضَاء وَاجِب فِي الحدثين فَإِذا غسلهمَا بنية غسل وَاجِب كفي دون الرَّأْس على الرَّاجِح لِأَن الَّذِي نَوَاه فِي الرَّأْس الْمسْح وَالْمسح لَا يُغني عَن الْغسْل وَلَو نوى الْجنب اسْتِبَاحَة مَا يتَوَقَّف الْغسْل عَلَيْهِ كَالصَّلَاةِ وَالطّواف وَقِرَاءَة الْقُرْآن أَجزَأَهُ وَإِن نوى مَا يسْتَحبّ لَهُ كَغسْل الْجُمُعَة وَنَحْوه لم يجزه لِأَنَّهُ لم ينْو أمرا وَاجِبا وَلَو نوى الْغسْل الْمَفْرُوض أَو فَرِيضَة الْغسْل أَجزَأَهُ قطعا قَالَه فِي الرَّوْضَة وتنوي الْحَائِض رفع حدث الْحيض فَلَو نَوَت رفع الْجَنَابَة متعمدة لم يَصح مَا لَو نوى الْجنب رفع الْحيض وَإِن غَلطت صَحَّ
стр. 35
غسلهَا ذكره فِي شرح الْمُهَذّب وتنوي النُّفَسَاء رفع حدث النّفاس فَلَو نَوَت رفع حدث الْحيض قَالَ ايْنَ الرّفْعَة لَا يَصح وَقَالَ الإسنائي يَنْبَغِي أَن يَصح
وَاعْلَم أَن تَقْدِيم إِزَالَة النَّجَاسَة شَرط لصِحَّة الْغسْل فَلَو كَانَ على بدنه نَجَاسَة فَغسل بدنه بنية رفع الْحَدث زإزالة النَّجس طهر عَن النَّجس وَهل يرْتَفع حَدثهُ أَيْضا فِيهِ خلاف الرَّاجِح عِنْد الرَّافِعِيّ أَنه لَا يرْتَفع حَدثهُ وَالرَّاجِح فِي زِيَادَة الرَّوْضَة أَنه يرْتَفع حَدثهُ ومنشأ الْخلاف أَن المَاء هَل لَهُ قُوَّة رفع الْحَدث وَإِزَالَة النَّجس مَعًا أم لَا ثمَّ إِن النَّوَوِيّ فِي شرح مُسلم وَافق الرَّافِعِيّ على أَن الغسلة لَا تَكْفِي وَالله أعلم قَالَ
(وإيصال المَاء إِلَى أصُول الشّعْر والبشرة)
يجب اسْتِيعَاب الْبدن بِالْغسْلِ شعرًا وبشراً سَوَاء قل أَو كثر وَسَوَاء خف أَو كثف وَسَوَاء شعر الرَّأْس وَالْبدن وَسَوَاء أُصُوله أَو مَا استرسل مِنْهُ قَالَ الرَّافِعِيّ لقَوْله ﷺ
(تَحت كل شَعْرَة جَنَابَة فبلوا الشُّعُور وأنقوا الْبشرَة) وَهَذَا حَدِيث ضَعِيف بِاتِّفَاق الْحفاظ مِنْهُم الشَّافِعِي وَالْبُخَارِيّ حَتَّى النَّوَوِيّ نعم يحْتَج لذَلِك بقوله ﷺ
(من ترك مَوضِع شَعْرَة من جَنَابَة لم يغسلهُ يفعل بِهِ كَذَا من النَّار قَالَ عَليّ بن أبي طَالب كرم الله وَجهه فَمن ثمَّ عاديت شعر رَأْسِي وَكَانَ يجز شعره)
وَاعْلَم أَنه يجب نقض الضفائر إِن لم يصل المَاء إِلَى بَاطِنهَا إِلَّا بِالنَّقْضِ وَلَا يجب إِن وصل وَحَدِيث أم سَلمَة ﵂ وَهُوَ فِي صَحِيح مُسلم
(قلت يَا رَسُول الله إِنِّي إمرأة أَشد ضفر رَأْسِي فأنقضه لغسل الْجَنَابَة قَالَ إِنَّمَا يَكْفِيك أَن تحثي على رَأسك ثَلَاث حثيات ثمَّ تفيضي عَلَيْهِ المَاء فتطهرين) مَحْمُول على مَا إِذا كَانَ الشّعْر خَفِيفا والشد لَا يمْنَع من وُصُول المَاء إِلَيْهِ وَإِلَى الْبشرَة جمعا بَين الْأَدِلَّة وَهل يسامح بباطن العقد على الشعرات فِيهِ خلاف الرَّاجِح عِنْد الرَّافِعِيّ أَنه يسامح بِهِ للسر وَالرَّاجِح عِنْد النَّوَوِيّ أَنه لَا يُعْفَى عَنهُ لِأَنَّهُ يُمكن قطعهَا بِلَا ضَرَر وَلَا ألم قَالَ وَهُوَ ظَاهر نَص الشَّافِعِي وَالْجُمْهُور وَالله أعلم وَأما الْبشرَة وَهِي الْجلد فَيجب غسل مَا ظهر مِنْهَا حَتَّى مَا ظهر من صماخي الْأُذُنَيْنِ قطعا والشقوق فِي الْبدن وَكَذَا يجب غسل مَا تَحت القلفة من الأقلف وَكَذَا مَا أظهر من أنف المجدوع وَكَذَا مَا يَبْدُو من الثّيّب إِذا قعدت لقَضَاء الْحَاجة على الرَّاجِح وَلَا تجب الْمَضْمَضَة وَلَا الِاسْتِنْشَاق فِي الْأَصَح وَالله أعلم قَالَ
стр. 36
سنَن الْغسْل
(وسننه خَمْسَة أَشْيَاء التَّسْمِيَة وَغسل الْيَدَيْنِ قبل إدخالهما الْإِنَاء وَالْوُضُوء قبله)
للْغسْل سنَن كَمَا فِي الْوضُوء فَمِنْهَا التَّسْمِيَة وَغسل كفيه قبل إدخالهما الْإِنَاء وَقد ذكرنَا ذَلِك وَاضحا فِي الْوضُوء وَالْغسْل مثله قَالَ فِي الرَّوْضَة وَاعْلَم أَن مُعظم السّنَن يَعْنِي فِي الْوضُوء يَجِيء مثلهَا فِي الْغسْل وَفِي وَجه أَن التَّسْمِيَة لَا تسْتَحب فِي الْغسْل وَأما الْوضُوء فَهَل هُوَ سنة أَو وَاجِب فِيهِ خلاف مَبْنِيّ على أَن خُرُوج الْمَنِيّ نَاقض أم لَا إِن قُلْنَا ينْقض الْوضُوء فَلَيْسَ من سنَن الْغسْل وعَلى هَذَا فيندرج فِي الْغسْل على الْمَذْهَب وَلَا بُد من أَفْرَاد بِالنِّيَّةِ قَالَ الرَّافِعِيّ إِذْ لَا قَائِل إِلَى أَنه يَأْتِي بِوضُوء مُفْرد وبوضوء آخر لرعاية كَمَال الْغسْل وَإِن قُلْنَا أَن الْمَنِيّ لَا ينْقض الْوضُوء وَهُوَ مَا رجح الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ فالوضوء من سنَن الْغسْل وَلَا يحْتَاج إِلَى إِفْرَاده بنية وَتحصل سنَنه سَوَاء قدمه على الْغسْل أَو أَخّرهُ أَو قدم بعضه وَأخر الْبَعْض وأيها أفضل فِيهِ قَولَانِ الرَّاجِح أَن تَقْدِيم الْوضُوء بِكَمَالِهِ أفضل لقَوْل عَائِشَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا
(كَانَ رَسُول الله ﷺ إِذا اغْتسل من الْجَنَابَة تَوَضَّأ وضوءه للصَّلَاة) وَالْقَوْل الآخر يسْتَحبّ أَن يُؤَخر غسل قَدَمَيْهِ إِلَى بعد الْفَرَاغ من الْغسْل لحَدِيث مَيْمُونَة رَضِي الله تَعَالَى عَنْهَا أَن رَسُول الله ﷺ
(كَانَ يُؤَخر غسل قَدَمَيْهِ) وَقَالَ القَاضِي حُسَيْن بتخير لصِحَّة الرِّوَايَتَيْنِ
(فَائِدَة) إِذا فرعنا على الصَّحِيح عِنْد الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ فِي أَن الْمَنِيّ لَا ينْقض الْوضُوء فيتصور تجرد الْجَنَابَة عَن الحَدِيث الْأَصْغَر فِي صور مِنْهَا إِذا لف على ذكره خرقَة وأولج وَمِنْهَا إِذْ نزل الْمَنِيّ وَهُوَ نَائِم مُمكن مَقْعَده من الأَرْض وَكَذَا إِذا نزل بِنَظَر أَو فكر لشدَّة غلمته وَمِنْهَا إِذا أولج فِي دبر بَهِيمَة أَو دبر ذكر عَافَانَا الله من ذَلِك وَالله أعلم قَالَ
(وإمرار الْيَد على الْجَسَد والموالاة وَتَقْدِيم الْيُمْنَى على الْيُسْرَى)
من سنَن الْغسْل ذَلِك الْجَسَد ليحصل إنقاء الْبشرَة وبل الشُّعُور ويتعهد مَوَاضِع الانعطاف والالتواء كالأذنين وغضون الْبَطن وكل ذَلِك قبل إفَاضَة المَاء على رَأسه وَإِنَّمَا يفعل ذَلِك ليَكُون أبعد عَن الْإِسْرَاف فِي المَاء وَأقرب إِلَى الثِّقَة بوصول المَاء وَمن سنَن الْغسْل الْمُوَالَاة وَتَقْدِيم الْيُمْنَى على الْيُسْرَى لِأَنَّهُ عبَادَة فَيُسْتَحَب ذَلِك فِيهَا كَمَا فِي الْوضُوء وَمن سنَن الْغسْل اسْتِصْحَاب النِّيَّة إِلَى آخر الْغسْل والبداءة بأعضاء الْوضُوء ثمَّ الرَّأْس ثمَّ بشقه الْأَيْمن ثمَّ الْأَيْسَر وَيكون غسل جَمِيع الْبدن ثَلَاثًا كَالْوضُوءِ فَإِن اغْتسل فِي نهر وَنَحْوه انغمس ثَلَاثًا ويدلك فِي كل مرّة وَيسْتَحب أَن
стр. 37
لَا ينقص مَاء الْغسْل عَن صَاع وَالْوُضُوء عَن مد وَالْمدّ رَطْل وَثلث بالبغدادي هَذَا على الْمَذْهَب وَقيل رطلان والصاع أَرْبَعَة أَمْدَاد وَيسْتَحب أَلا يغْتَسل فِي المَاء الراكد وَأَن يَقُول بعد الْفَرَاغ أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله وَحده لَا شريك لَهُ وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا عَبده وَرَسُوله وَالله أعلم
(فرع) يحرم على الشَّخْص أَن يغْتَسل بِحَضْرَة النَّاس مَكْشُوف الْعَوْرَة وَيُعَزر على ذَلِك تعزيراً يَلِيق بِحَالهِ وَيحرم على الْحَاضِرين إِقْرَاره على ذَلِك وَيجب عَلَيْهِم الْإِنْكَار عَلَيْهِ فَإِن سكتوا أثموا وعزروا وَيجوز ذَلِك فِي الْخلْوَة والستر أفضل لِأَن الله سُبْحَانَهُ أَحَق أَن يستحيا مِنْهُ وَلَا يجب غسل دَاخل الْعين وَلَا يسْتَحبّ تَجْدِيد الْغسْل على الرَّاجِح بِخِلَاف تَجْدِيد الْوضُوء وَالله أعلم
(فرع) لَو أحدث فِي أثْنَاء غسله جَازَ أَن يتم غسله وَلَا يمْنَع الْحَدث صِحَّته لَكِن لَا يُصَلِّي حَتَّى يتَوَضَّأ وَالله أعلم قَالَ
(الأغسال المسنونة)
(فصل والأغسال المسنونة سَبْعَة عشر غسلا الْجُمُعَة والعيدان وَالِاسْتِسْقَاء والكسوف والخسوف)
يسن الْغسْل لأمور مِنْهَا الْجُمُعَة وَاحْتج لَهُ بقوله ﷺ
(من أَتَى مِنْكُم الْجُمُعَة فليغتسل) وَاحْتج بَعضهم على وجوب الْغسْل بِهَذَا الحَدِيث وَقَالَ الْأَمر للْوُجُوب وَقد جَاءَ مُصَرحًا بِهِ فِي حَدِيث آخر وَلَفظه
(غسل الْجُمُعَة وَاجِب على كل محتلم) وبوجوبه قَالَ طَائِفَة من السّلف وحكوه عَن بعض الصَّحَابَة ﵃ وَهُوَ قَول الظَّاهِرِيَّة وَحَكَاهُ ابْن الْمُنْذر عَن مَالك والخطابي عَنهُ وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ وَمذهب الشَّافِعِي أَنه سنة وَبِه قَالَ جُمْهُور الْعلمَاء من السّلف وَالْخلف وَهُوَ الْمَعْرُوف من مَذْهَب مَالك وَحجَّة الْجُمْهُور أَحَادِيث صَحِيحَة مِنْهَا قَوْله ﷺ
(من تَوَضَّأ يَوْم الْجُمُعَة فبها ونعمت وَمن اغْتسل فالغسل أفضل) قَالَ النَّوَوِيّ حَدِيث
стр. 38
صَحِيح وَمِنْهَا قَوْله ﷺ
(لَو اغتسلتم يَوْم الْجُمُعَة) وَمِنْهَا حَدِيث عُثْمَان لما دخل وَعمر يخْطب وَقد ترك الْغسْل ذكره مُسلم فأقره عمر ﵁ وَمن حضر الْجُمُعَة وهم أهل الْحل وَالْعقد وَلَو كَانَ وَاجِبا لما تَركه لألزمه بِهِ الْحَاضِرُونَ فَإِذن يحمل الْأَمر على الِاسْتِحْبَاب جمعا بَين الْأَدِلَّة وَيحمل لَفْظَة وَاجِب على التَّأْكِيد كَمَا يُقَال حَقك وَاجِب عَليّ أَي متأكد وكيفيته كَمَا مر وَيدخل وقته بِطُلُوع الْفجْر على الْمَذْهَب وَفِي وَجه شَاذ مُنكر قبل الْفجْر كَغسْل الْعِيد وَيسْتَحب تقريبه من الرواح إِلَى الْجُمُعَة لِأَن الْمَقْصُود من الْغسْل قطع الرَّائِحَة الكريهة الَّتِي تحدث عِنْد الزحمة من وسخ غَيره وَهل يسْتَحبّ لكل أحد كَيَوْم الْعِيد أم لَا الصَّحِيح أَنه إِنَّمَا يسْتَحبّ لمن يحضر الْجُمُعَة وَسَوَاء فِي ذَلِك من تجب عَلَيْهِ الْجُمُعَة أم لَا وَلَو أجنب بجماع أَو غَيره لَا يبطل غسله فيغتسل للجنابة وَلَو عجز عَن الْغسْل لعدم المَاء أَو لقرح فِي بدنه تيَمّم وَحَازَ الفضيله قَالَ جُمْهُور الْأَصْحَاب وَهُوَ الصَّحِيح قِيَاسا على سَائِر الأغسال إِذا عجز عَنْهَا وَالله أعلم وَمِنْهَا العيدان فَيُسْتَحَب أَن يغْتَسل لَهما لقَوْل ابْن عَبَّاس ﵄
(كَانَ رَسُول الله ﷺ يغْتَسل يَوْم الْفطر وَيَوْم الْأَضْحَى) وَكَانَ عمر وَعلي ﵄ يفعلانه وَكَذَا ابْن عمر ﵄ لِأَنَّهُ أَمر يجْتَمع لَهُ النَّاس فَيُسْتَحَب أَن يغْتَسل لَهُ قِيَاسا على الْجُمُعَة وَيجوز بعد الْفجْر بِلَا خلاف وَقَبله على الرَّاجِح وَيخْتَص بِالنِّصْفِ الْأَخير على الرَّاجِح وَقيل يجوز فِي جَمِيع اللَّيْل وَالله أعلم وَمِنْهَا الاسْتِسْقَاء فَيُسْتَحَب أَن يغْتَسل لَهُ لأجل قطع الروائح لِأَنَّهُ مَحل يشرع فِيهِ الِاجْتِمَاع فَأشبه الْجُمُعَة وَمِنْهَا الْكُسُوف للشمس والخسوف وَيُقَال فيهمَا كسوف وخسوف إِذا ذهب ضوء الشَّمْس وَالْقَمَر وَقيل الْكُسُوف للشمس والخسوف للقمر قَالَه الْجَوْهَرِي مَعَ أَنه قَالَ إِن الْكُسُوف والخسوف يُطلق عَلَيْهِمَا مَعًا وَالسّنة أَن يغْتَسل لَهما لِأَنَّهُمَا صَلَاة يشرع الِاجْتِمَاع لَهَا فَيُسْتَحَب الِاغْتِسَال لَهَا كَالْجُمُعَةِ وَالله أعلم قَالَ
(وَالْغسْل من غسل الْمَيِّت وَالْكَافِر إِذا أسلم وَالْمَجْنُون إِذا أَفَاق والمغمى عَلَيْهِ إِذا أَفَاق)
الْغسْل من غسل الْمَيِّت هَل هُوَ وَاجِب أَو مُسْتَحبّ قَولَانِ الْقَدِيم أَنه وَاجِب والجديد وَهُوَ الرَّاجِح أَنه مُسْتَحبّ وَالْأَصْل فِي ذَلِك قَوْله ﷺ
(من غسل مَيتا فليغتسل وَمن حمله فَليَتَوَضَّأ) قَالَ الإِمَام أَحْمد إِنَّه مَوْقُوف على أبي هُرَيْرَة ﵁ وَلذَلِك لم يقل بِوُجُوبِهِ وَقَالَ الشَّافِعِي لَو
стр. 39
صَحَّ الحَدِيث لَقلت بِوُجُوبِهِ وَمن الأغسال المسنونة غسل الْكَافِر إِذا أسلم وَرُوِيَ أَنه ﵊ أَمر قيس بن عَاصِم وثمامة بن أَثَال أَن يغتسلا لما أسلما وَلم يُوجِبهُ لِأَن جمَاعَة أَسْلمُوا فَلم يَأْمُرهُم النَّبِي ﷺ بِهِ وَلِأَن الْإِسْلَام تَوْبَة من مَعْصِيّة فَلم يجب الْغسْل مِنْهُ كَسَائِر الْمعاصِي وَهَذَا فِي كَافِر لم يجنب فِي كفره فَإِن أجنب فَالْمَذْهَب أَنه يلْزمه الْغسْل بعد الْإِسْلَام لعدم صِحَة النِّيَّة مِنْهُ حَال كفره وَمن الأغسال المسنونة غسل الْمَجْنُون إِذا أَفَاق كَذَا الْمغمى عَلَيْهِ لِأَن ذَلِك مَظَنَّة إِنْزَال الْمَنِيّ قَالَ الشَّافِعِي مَا جن إِنْسَان إِلَّا أنزل قَالَ بَعضهم إِذا كَانَ الْمَجْنُون ينزل غَالِبا فَيَنْبَغِي أَن يجب الْغسْل كالنوم ينْقض الْوضُوء لِأَنَّهُ مَظَنَّة الْحَدث وَأجَاب الْجُمْهُور الَّذين قَالُوا بالاستحباب بِأَن النّوم مَظَنَّة لَا عَلامَة فِيهَا على الْحَدث بعد الْإِفَاقَة والمني عين يُمكن رؤيتها وَالله أعلم قَالَ
(وَالْغسْل عِنْد الْإِحْرَام وَدخُول مَكَّة وللوقوف بِعَرَفَة ولرمي الْجمار الثَّلَاث وللطواف)
يَتَعَدَّد الْغسْل الْمُتَعَلّق بِالْحَجِّ لأمور مِنْهَا الْإِحْرَام
(عَن زيد بن ثَابت ﵁ أَن رَسُول الله ﷺ تجرد لإهلاله واغتسل) وَيَسْتَوِي فِي اسْتِحْبَابه الرجل وَالصَّبِيّ وَالْمَرْأَة وَإِن كَانَت حَائِضًا أَو نفسَاء لِأَن أَسمَاء بنت عُمَيْس زَوْجَة الصّديق ﵄ نفست بِذِي الحليفة فَأمرهَا رَسُول الله ﷺ
(أَن تَغْتَسِل للْإِحْرَام) وَلَا فرق فِي الرجل بَين الْعَاقِل وَالْمَجْنُون ة لَا بَين الصَّبِي الْمُمَيز وَغَيره فَإِن لم يجد الْمحرم المَاء تيَمّم فَإِن وجد مَاء يَكْفِيهِ تَوَضَّأ بِهِ قَالَه الْبَغَوِيّ والمحاملي قَالَ النَّوَوِيّ إِن تيَمّم مَعَ الْوضُوء فَحسن وَإِن اقْتصر على الْوضُوء فَلَيْسَ بجيد لِأَن الْمَطْلُوب الْغسْل وَالتَّيَمُّم يقوم مقامة دون الْوضُوء قَالَ الإسنائي نَص الشَّافِعِي على الِاسْتِحْبَاب فِي الْوضُوء والاقتصار عَلَيْهِ دون التَّيَمُّم وَعَزاهُ إِلَى نقل الْمحَامِلِي وَالْمَاوَرْدِيّ وَالله أعلم
وَمِنْهَا دُخُول مَكَّة
(كَانَ ابْن عمر ﵄ لَا يقدم مَكَّة إِلَّا بَات بِذِي طوى حَتَّى يصبح ويغتسل ثمَّ يدْخل مَكَّة نَهَارا وَيذكر عَن النَّبِي ﷺ أَنه كَانَ يَفْعَله) ثمَّ لَا فرق فِي اسْتِحْبَاب
стр. 40
الْغسْل لمن دخل مَكَّة بَين من أحرم بِالْحَجِّ أَو الْعمرَة أَو يحرم الْبَتَّةَ وَقد نَص الشَّافِعِي فِي الْأُم أَن من لم يحرم يغْتَسل وَاحْتج بِأَنَّهُ ﵊ عَام الْفَتْح اغْتسل لدُخُول مَكَّة وَهُوَ حَلَال يُصِيب الطّيب نعم قَالَ الْمَاوَرْدِيّ الْمُعْتَمِر إِذا خرج من مَكَّة فَأحْرم واغتسل لإحرامه ثمَّ أَرَادَ دُخُول مَكَّة نظر إِن كَانَ أحرم من مَكَان بعيد كالجعرانة وَالْحُدَيْبِيَة اسْتحبَّ الْغسْل لدُخُول مَكَّة وَإِن أحرم من التَّنْعِيم فَلَا لقُرْبه قَالَ ابْن الرّفْعَة وَيظْهر أَن يُقَال بِمثلِهِ فِي الْحَج وَالله أعلم
وَمِنْهَا الْوُقُوف بِعَرَفَة وَيسْتَحب أَن يغْتَسل لِأَن عمر ﵄ كَانَ يَفْعَله وَحكى ابْن الْخلّ ذَلِك عَن رَسُول الله ﷺ وَلِأَنَّهُ مَوضِع اجْتِمَاع فَيسنّ فِيهِ الإغتسال كَالْجُمُعَةِ وَمِنْهَا الرَّمْي أَيَّام التَّشْرِيق يغْتَسل لكل يَوْم غسلا فَتكون الأغسال ثَلَاثَة لِأَنَّهُ مَوضِع يجْتَمع فِيهِ النَّاس فَيسنّ فِيهِ الْغسْل كَالْجُمُعَةِ وَلَا يسْتَحبّ الْغسْل لرمي جَمْرَة الْعقبَة لقربة من غسل الْوُقُوف بِخِلَاف بَقِيَّة الجمرات لبعدها وَأَيْضًا فوقت الجمرات الثَّلَاث بعد الزَّوَال وَهُوَ وَقت تهجر وَلِهَذَا يكون الْغسْل لَهُنَّ بعد الزَّوَال وَالله أعلم
وَمِنْهَا يسن الْغسْل للطَّواف وَلَفظ الشَّيْخ يَشْمَل طواف الْقدوم وَطواف الْإِفَاضَة وَطواف الْوَدَاع وَقد نَص الشَّافِعِي على اسْتِحْبَاب الْغسْل لهَذِهِ الثَّلَاثَة فِي الْقَدِيم لِأَن النَّاس يَجْتَمعُونَ لَهُ فَيُسْتَحَب لَهُ الِاغْتِسَال والجديد أَنه لَا يسْتَحبّ لِأَن وقته موسع فَلَا تغلب فِيهِ الزحمة بِخِلَاف سَائِر المواطن كَذَا قَالَه الرَّافِعِيّ وَالنَّوَوِيّ فِي الرَّوْضَة وَشرح الْمُهَذّب وَهُوَ قَضِيَّة كَلَام الْمِنْهَاج لِأَنَّهُ لم يعد إِلَّا أَنه فِي الْمَنَاسِك قَالَ يسْتَحبّ الْغسْل للثَّلَاثَة وَيشْهد للجديد وَهُوَ عدم الِاسْتِحْبَاب مَا رَوَت عَائِشَة ﵂ أَن النَّبِي ﷺ أول شَيْء بَدَأَ بِهِ حِين قدم مَكَّة أَنه تَوَضَّأ ثمَّ طَاف بِالْبَيْتِ وَكَذَا التَّعْلِيل وَالله أعلم
وأهمل الشَّيْخ أغسالاً مِنْهَا الْغسْل من الْحجامَة وَالْحمام قَالَ الرَّافِعِيّ وَالْأَكْثَرُونَ لم يذكروهما قَالَ النَّوَوِيّ فِي زِيَادَة الرَّوْضَة الْمُخْتَار الْجَزْم باستحبابهما وَقد نقل صَاحب جمع الْجَوَامِع فِي منصوصات الشَّافِعِي أَنه قَالَ أحب الْغسْل من الْحجامَة وَالْحمام وكل أَمر يُغير الْجَسَد وَأَشَارَ الشَّافِعِي بذلك إِلَى أَن حكمته أَن ذَلِك يُغير الْجَسَد ويضعفه وَالْغسْل يشد وينعشه وَالله أعلم وَيسن الِاغْتِسَال للاعتكاف نَص عَلَيْهِ الشَّافِعِي وَيسن الْغسْل لكل لَيْلَة من رَمَضَان نَقله الْعَبَّادِيّ عَن الْحَلِيمِيّ وَيسن الْغسْل لحلق العانه قَالَ الْخفاف فِي الصال وَيسن الْغسْل لدُخُول مَدِينَة رَسُول الله ﷺ قَالَه النَّوَوِيّ فِي الْمَنَاسِك وَأما الْغسْل لدُخُول الْكَعْبَة فقد نَقله ابْن الرّفْعَة عَن صَاحب التَّلْخِيص وَهَذَا النَّقْل غلط وَالله أعلم قَالَ
следующие страницы →