← Фикх общий

Фикх общий · id 615

الرفعة في بعض متون فقه المذاهب الأربعة

مجموعة من المؤلفين

Полный текст (30 стр.). Показаны 1–30.

стр. 1

الرِّفْعَةُ فِي بَعْضِ مُتُونِ فِقْهِ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ (مَجْمُوعٌ قَيِّمٌ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعِ مَنْظُومَاتٍ) جَمَعَهُ وَرَتَّبَهُ وَضَبَطَهُ بِالشَّكْلِ د. تَوفِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ضَمْرَةُ مُدَرِّسُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي الْمَسْجِدِ الْحُسَيْنِيِّ الْكَبِيرِ الْمُجَازُ بِإِقْرَاءِ الْعَشْرِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى وَدَوَاوِينِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

стр. 2

حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٤١ هـ -٢٠٢٠ م

стр. 3

الرِّفْعَةُ فِي بَعْضِ مُتُونِ فِقْهِ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ (مَجْمُوعٌ قَيِّمٌ يَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعِ مَنْظُومَاتٍ) جَمَعَهُ وَرَتَّبَهُ وَضَبَطَهُ بِالشَّكْلِ د. تَوفِيقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ضَمْرَةُ مُدَرِّسُ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ فِي الْمَسْجِدِ الْحُسَيْنِيِّ الْكَبِيرِ الْمُجَازُ بِإِقْرَاءِ الْعَشْرِ الصُّغْرَى وَالْكُبْرَى وَدَوَاوِينِ السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ

стр. 4

الإهداء إلى والديّ الكريمين إلى كل من علمني حرفًا إلى زوجتي الفاضلة إلى أبنائي الأحبة إلى طلابي الأعزاء أهدي هذا العمل المؤلف

стр. 5

بسم الله الرحمن الرحيم إِنَّ الْحَمْدَ لِلهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إلَاّ اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٢)﴾ [آل عمران]. ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا (١)﴾ [النساء]. ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾ [الأحزاب]. (وَبَعْدُ): فَهَذا كِتَابٌ قيِّمٌ جَمَعَ أَرْبَعَ مَنْظُومَاتٍ فِقْهِيَّةٍ مُعْتَمَدَةٍ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ، وَلَا يَخْفَى مَا لِلْمُتُونِ مِنَ الْمَكَانَةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالرَّصِيدِ الْفِقْهِيِّ الْغَزِيرِ، وَكَمْ لِلْمَنْظُومَاتِ مِنْ فَضْلٍ فِي ضَبْطِ قَوَاعِدِ الْفِقْهِ وَأُصُولِهِ بِطَرِيقَةٍ تُسَهِّلُ حِفْظَهَا وَاسْتِحْضَارَهَا. وَقَبْلَ الشُّرُوعِ فِي وَاحَةِ الْمَنْظُومَاتِ الْفِقْهِيَّةِ يَحْسُنُ أَنْ نُشِيرَ إِلَى مُقَدِّمَاتٍ هَامَّةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْفِقْهِ وَنَشْأَتِهِ، وَدَوْرِ الْمَدَارِسِ الْفِقْهِيَّةِ فِي خِدْمَةِ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ، وَإِرْسَاءِ قَوَاعِدِهِ وَأُصُولِهِ. أَوَّلًا: فَضْلُ الْعِلْمِ وَمَكَانَتُهُ: الْعِلْمُ قِيمَةٌ مِنَ الْقِيَمِ الْعُلْيَا الَّتِي جَاءَ بِهَا الْإِسْلَامُ وَأَقَامَ عَلَيْهَا حَيَاةَ الْإِنْسَانِ وَجَعَلَهُ طَرِيقَ الْإِيمَانِ، وَبِهِ فَضَّلَ اللهُ تَعَالَى آدَمَ عَلَى الْمَلَائِكَةِ، وَأَوَّلُ مَا نَزَلَ مِنْهُ عَلَى الرَّسُولِ الْكَرِيمِ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾ [العلق].

стр. 6

وَقَدْ رَفَعَ اللهُ تَعَالَى مَكَانَةَ أَهْلِ الْعِلْمِ حِينَ ذَكَرَ شَهَادَتَهُمْ بَعْدَ شَهَادَتِهِ سُبْحَانَهُ قَالَ تَعَالَى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)﴾ [آل عمران] فَانْظُرْ كَيْفَ بَدَأَ بِنَفْسِهِ وَثَنَّى بِالْمَلَائِكَةِ الْكِرَامِ وثَلَّثَ بِأَهْلِ الْعِلْمِ، وحَسْبُكَ بهذا شَرَفًا وَفَضْلًا، وسُمُوًّا ونُبْلًا ... وَقَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة:١١]. عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَريقًا إِلَى الجَنَّةِ، وَإنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَضَعُ أجْنِحَتَهَا لِطَالِبِ العِلْمِ رِضًا بِمَا يَصْنَعُ، وَإنَّ الْعَالِمَ لَيَسْتَغْفِرُ لَهُ مَنْ فِي السَّماوَاتِ وَمَنْ فِي الأرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ في الْمَاءِ، وَفضْلُ الْعَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِ الْقَمَرِ عَلَى سَائِرِ الْكَوَاكِبِ، وَإنَّ العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ، وَإنَّ الْأَنْبِيَاءَ لَمْ يَوَرِّثُوا دِينَارًا وَلا دِرْهَمًا وَإنَّمَا وَرَّثُوا الْعِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بحَظٍّ وَافِرٍ) [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]. وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا رُتْبَةَ فَوْقَ النُّبُوَّةِ، وَلَا شَرَفَ فَوْقَ شَرَفِ الْوِرَاثَةِ لِتِلْكَ الرُّتْبَةِ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: الْمِيرَاثُ النَّبَوِيُّ يَتَفَاوَتُ بَيْنَ الْوَرَثَةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا تَتَفَاوَتُ حُظُوظُ أَهْلِ الْمِيرَاثِ؛ فَمِنَ الْوَرَثَةِ مَنْ يَأْخُذُ النِّصْفَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَأْخُذُ السُّدُسَ وَمِنْهُمُ الثُّلُثَيْنِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ عَصَبَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يُحْجَبُ.

стр. 7

قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ لِكُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ: (يَا كُمَيْلُ، الْعِلْمُ خَيْرٌ مِنَ الْمَالِ الْعِلْمُ؛ يَحْرُسُكَ وَأَنْتَ تَحْرُسُ الْمَالَ، وَالْعِلْمُ حَاكِمٌ وَالْمَالُ مَحْكُومٌ عَلَيْهِ وَالْمَالُ تُنْقِصُهُ النَّفَقَةُ وَالْعِلْمُ يَزْكُو بِالْإِنْفَاقِ) (١). وَقَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ: (لَيْسَ شَيْءٌ أَعَزَّ مِنَ الْعِلْمِ، الْمُلُوكُ حُكَّامٌ عَلَى النَّاسِ وَالْعُلَمَاءُ حُكَّامٌ عَلَى الْمُلُوكِ) (٢). وَقَالَ وَهْبٌ: يَتَشَعَّبُ مِنَ الْعِلْمِ الشَّرَفُ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهُ دَنِيًّا، وَالْعِزُّ وَإِنْ كَانَ مَهِينًا، وَالْقُرْبُ وَإِنْ كَانَ قَصِيًّا، وَالْغِنَى وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا، وَالْمَهَابَةُ وَإِنْ كَانَ وَضِيعًا (٣). وَعَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ﵁ قَالَ: تَعَلَّمُوا الْعِلْمَ فَإِنَّ تَعَلُّمَهُ للهِ خَشْيَةٌ، وَطَلَبَهُ عِبَادَةٌ، وَمُدَارَسَتَهُ تَسْبِيحٌ، وَالْبَحْثَ عَنْهُ جِهَادٌ، وَتَعْلِيمَهُ لِمَنْ لَا يَعْلَمُهُ صَدَقَةٌ وَبَذْلَهُ لِأَهْلِهِ قُرْبَةٌ، لِأَنَّهُ مَعَالِمُ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ، وَالْأَنِيسُ فِي الْوَحْشَةِ وَالصَّاحِبُ فِي الْخَلْوَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى السَّرَاءِ وَالضَّرَاءِ، وَالدَّيْنُ عِنْدَ الْأَخِلَّاءِ وَالْقُرْبُ عِنْدَ الْغُرَبَاءِ، يَرْفَعُ اللهُ بِهِ أَقْوَامًا فَيَجْعَلُهُمْ فِي الْخَلْقِ قَادَةً يُقْتَدَى بِهِمْ وَأَئِمَّةً فِي الْخَلْقِ تُقْتَفَى آثَارُهُمْ، وَيُنْتَهَى إِلَى رَأْيِهِمْ، وَتَرْغَبُ الْمَلَائِكَةُ فِي حُبِّهِمْ بِأَجْنِحَتِهَا تَمْسَحُهُمْ، حَتَّى كُلُّ رَطِبٍ وَيَابِسٍ لَهُمْ مُسْتَغْفِرٌ، حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ وَهَوَامُّ وَسِبَاعُ الْبَرِّ وَأَنْعَامُهُ، وَالسَّمَاءُ وَنُجُومُهَا، وَلِأَنَّ الْعِلْمَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ _________ (١) كنز العمال (١٠/ ٢٦٣). (٢) التذكرة في الوعظ، ابن الجوزي ص ٥٦. (٣) تذكرة السامع والمتكلم ص (٨).

стр. 8

مِنَ الْعَمَى، وَنُورُ الْأَبْصَارِ مِنَ الظُّلَمِ، وَقُوَّةُ الْأَبْدَانِ مِنَ الضَّعْفِ، يَبْلُغُ بِهِ الْعَبْدُ مَنَازِلَ الْأَحْرَارِ، وَمُجَالَسَةَ الْمُلُوكِ، وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَالْفِكْرُ بِهِ يُعْدَلُ بِالصِّيَامِ، وَمُدَارَسَتُهُ بِالْقِيَامِ، بِهِ يُطَاعُ اللهُ ، وَيُعْبَدُ بِهِ اللهُ جَلَّ وَعَلَا وَبِهِ تُوصَلُ الْأَرْحَامُ، وَبِهِ يُعْرَفُ الْحَلَالُ مِنَ الْحَرَامِ، إِمَامُ الْعَمَلِ؛ وَالْعَمَلُ تَابِعٌ لَهُ يُلْهَمُهُ السُّعَدَاءُ ويُحْرَمُهُ الْأَشْقِيَاءُ" [رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي جَامِعِ الْعِلْمِ وَفَضْلِهِ وَأَوْرَدَهُ الْمُنْذِرِيُّ فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ]. وَالْمَرْءُ فِي طَرِيقِ سَيْرِهِ إِلَى اللهِ تَعَالَى لَا بُدَّ لَهُ مِنْ عِلْمٍ نَافِعٍ صَحِيحٍ يُبَصِّرُهُ الْحَقَّ وَيَهْدِيهِ الطَّرِيقَ، وَعَمَلٍ صَالِحٍ يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الُعُبُورِ بِسَلَامٍ. وَلَا يَخْفَى مَا فَضَّلَ اللهُ تَعَالَى بِهِ الْعِلْمَ وَأَهْلَهُ الْعَامِلِينَ بِهِ، الدَّاعِينَ إِلَيْهِ، فَالْعِلْمُ نُورٌ يَهْدِي بِهِ اللهُ مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ إِلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ، وَإِذَا كَانَ النَّاسُ أَمْوَاتًا فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ أَحْيَاءٌ. وَصَدَقَ الشَّاعِرُ حَيْثُ يَقُولُ: مَا الْفَخْرُ إِلَّا لِأَهْلِ الْعِلْمِ إِنَّهُمُ ... عَلَى الْهُدَى لِمَنِ اسْتَهْدَى أَدِلَّاءُ وَقَدْرُ كُلِّ امْرِئٍ مَا كَانَ يُحْسِنُهُ ... وَالْجَاهِلُونَ لِأَهْلِ الْعِلْمِ أَعْدَاءُ فَفُزْ بِعِلْمٍ تَعِشْ حَيًّا بِهِ أَبَدًا ... النَّاسُ مَوْتَى وَأَهْلُ الْعِلْمِ أَحْيَاءُ (١) _________ (١) إحياء علوم الدين (١/ ١٥).

стр. 9

ثَانِيًا: أَهَمِّيَّةُ التَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ: مَنْ تَفَقَّهَ فِي دِينِهِ فَقَدْ سَلَكَ طَرِيقَ الْعِلْمِ الْمُوصِلَةِ لِلْجَنَّةِ، وَمَنْ وَاظَبَ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ للهِ، وَتَفَقَّهَ فِي دِينِ اللهِ زَادَتْ خَشْيَتُهُ للهِ، وَسَلِمَتْ عَقِيدَتُهُ وَصَحَّتْ عِبَادَتُهُ، وَحَسُنَتْ مُعَامَلَاتُهُ لِلنَّاسِ، وَكَانَ مِمَّنْ أَرَادَ اللهُ لَهُمُ الْخَيْرَ كَمَا قَالَ الرَّسُولُ ﵌: (مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْهُ في الدِّينِ) [الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. وَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ ﵌ لِابْنِ عَبَّاسٍ بِالْفِقْهِ فَقَالَ: (اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ) [أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ]. وَقَدْ حَثَّتِ النُّصُوصُ الشَّرْعِيَّةُ عَلَى طَلَبِ الْفِقْهِ، مَعَ بَيَانِ فَضْلِ الْفِقْهِ فِي الدِّينِ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ [التوبة]. وَيَنْبَغِي عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَتَعَلَّمَ الْفِقْهَ الصَّحِيحَ، وَيَحْذَرَ مِنَ الْفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَيُحِيلَ السَّائِلَ لِمَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ عَالِمًا. فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: أَصَابَ رَجُلًا جُرْحٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﵌ ثُمَّ احْتَلَمَ فَأُمِرَ بِالِاغْتِسَالِ فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللهِ ﵌ فَقَالَ: قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللهُ، أَلَمْ يَكُنْ شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ .. [رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ]. وَمَنْ يَرْغَبُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ـ وَمِنْهُ الْفِقْهِ ـ فَهُوَ يَسِيرُ فِي طَرِيقِ الْجَنَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: (مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغِي فِيهِ عِلْمًا سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَريقًا إِلَى الْجَنَّةِ) [الْبُخَارِيُّ].

стр. 10

ثَالِثًا: نَشْأَةُ الْمَدَارِسِ الْفِقْهِيَّةِ: الْمَدَارِسُ الْفِقْهِيَّةُ هِيَ: نِتَاجُ مَجْمُوعَةٍ كَبِيرَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَخَصِّصِينَ الَّذِينَ امْتَازُوا بِالْكَفَاءَةِ الْعِلْمِيَّةِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى النَّظَرِ وَالِاسْتِدْلَالِ وَالِاجْتِهَادِ، والتَّفَرُّغِ لِلِاشْتِغَالِ بِدِرَاسَةِ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ، وَاسْتِنْبَاطِ أَحْكَامِهِ، وَالْعَمَلِ عَلَى صِيَاغَةِ أُصُولِهِ وَفُرُوعِهِ وَمَبَادِئِهِ وَمَقَاصِدِهِ، وَتَوْسِيعِ مَبَاحِثِهِ فِي فَتَرَاتٍ مُتَعَاقِبَةٍ .. حَتَّى اكْتَمَلَ وَضْعُ الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ. أ ـ الْفِقْهُ فِي الْعَصْرِ النَّبَوِيِّ: الْعَصْرُ النَّبَوِيُّ هُوَ الْمَرْجِعُ الْأَوَّلُ لِكُلِّ الْمُسْلِمِينَ؛ لِاخْتِصَاصِهِ بِنُزُولِ الْوَحْيِ حَتَّى اكْتَمَلَ الدِّينُ. وَكَانَ لِلشَّرْعِ الْإِسْلَامِيِّ مَصْدَرَانِ تَلَخَّصَ فِيهِمَا مَا نَزَلَ مِنَ الْوَحْيِ: الْقُرْآنُ والْحَدِيثُ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿(٦٨) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ﴾ [الأحزاب:٣٤] وَآيَاتُ اللهِ هِيَ: الْقُرْآنُ وَالْحِكْمَةُ: هِيَ السُّنَّةُ النَّبَوِيَّةُ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [الحشر:٧]، وَكَانَتْ مَهَمَّةُ الصَّحَابَةِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللهِ ﵌: تَلَقِّي مَا جَاءَ بِهِ الرَّسُولُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، وَحِفْظَهُ وَتَطْبِيقَهُ وَكِتَابَتَهُ الْقُرْآنِ. وَكَانَ الْفِقْهُ فِي الْعَصْرِ النَّبَوِيِّ يُؤْخَذُ مِنَ الْمُعَلِّمِ الْأَوَّلِ لِلْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّة رَسُولِ اللهِ ﵌ وَكَانَ الصَّحَابَةُ ﵃ يَأْخُذُونَ عَنِ النَّبِيِّ الْأَحْكَامَ الشَّرْعِيَّةَ وَيُعَلِّمُونَ

стр. 11

النَّاسَ؛ فَتَلَخَّصَ الْفِقْهُ فِي عَدَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ، وَبِوَفَاةِ رَسُولِ اللهِ ﵌ انْقَطَعَ الْوَحْيُ، وَكَانَ الدِّينُ الْإِسْلَامِيُّ مُكْتَمِلًا، وَاضِحَ الْمَعَالِمِ (١). ب ـ الْفِقْهُ فِي عَهْدِ الصَّحَابِةِ: امْتَازَ الصَّحَابِةِ بِخَصَائِصَ جَعَلَتْهُمْ أَفْضَلَ الدَّرَجَاتِ الْعِلْمِيَّةِ، وَيَرْجِعُ تَفَوُّقُهُمُ الْفِقْهِيُّ إِلَى عَوَامِلَ مِنْهَا: • مُلَازَمَةُ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَإِدَامَةُ الْأَخْذِ عَنْهُ. • دُعَاءُ النَّبِيِّ ﵌ وَشُهُودُهُ لَهُمْ بِالْمَكَانَةِ، وَحَثُّهُ عَلَى التَّعَلُّمِ مِنْهُمْ، وَتَكْلِيفُهُمْ بِالْقَضَاءِ وَالْإِفْتَاءِ. • الْفِطْنَةُ وَالذَّكَاءُ وَقُوَّةُ الْإِدْرَاكِ، وَجَوْدَةُ الرَّأْيِ وَالْفَهْمِ، وَحُسْنُ الِاسْتِدْلَالِ. • التَّفَرُّغُ لِلتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالتَّعْلِيمِ وَالْإِفْتَاءِ. • الْإِقْرَارُ وَالْمُوَافَقَةُ مِنْ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ فِي كَيْفِيَّةِ فِقْهِ النَّصِّ وَالْتِقَاطِ دَلَالَتِهِ وَأَدَائِهِ عَلَى الْوَجْهِ الصَّحِيحِ. ـ طَبَقَةُ كِبَارِ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ: وَمِنْ كِبَارِ فُقَهَاءِ الصَّحَابَة: (الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ) وَكَانَ مِنَ الصَّحَابَةِ مَرَاجِعُ الْفَتْوَى وَمِنْهُمْ: (عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَعَبْدُ اللهِ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ)، وَكَانَ مِنَ النِّسَاءِ أَيْضًا: (أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ) وَبَعْضُ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ وَغَيْرُهُنَّ .. _________ (١) انظر تاريخ التشريع الاسلامي، مناع القطان ص ٣٢.

стр. 12

وَإِنَّ مِنَ الصَّحَابَةِ مَنْ دَعَا لَهُمُ الرَّسُولُ ﵌ فَكَانَ هَذا الدُّعَاءُ شَهَادَةً فِي حَقِّهِمْ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى الْيَمَنِ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ تَبْعَثُنِي وَأَنَا حَدِيثُ السِّنِّ لَا عِلْمَ لِي بِالْقَضَاءِ .. ! قَالَ: «انْطَلِقْ فَإِنَّ اللهَ سَيَهْدِي قَلْبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ» [أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَحْمَدُ]. وَكَالدُّعَاءِ لِابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ: «اللَّهُمَّ، فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ، وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ» [أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ بِهَذَا اللَّفْظِ]. وَهُنَاكَ الْإِجَازَةُ النَّبَوِيَّةُ: مِثْلُ تَكْلِيفِ بَعْضِ الصَّحَابَةِ لِلْقِيَامِ بِمَهَمَّةِ الْقَضَاءِ وَالْفَتْوَى وَالتَّعْلِيمِ، فَقَدْ أَرْسَلَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ إِلَى الْيَمَنِ قَاضِيًا وَمُفْتِيًا. وَالشَّهَادَةُ مِثْلُ حَدِيثِ: (وَأَفْرَضُهُمْ زَيْدٌ) [أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ]. وَعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: (أَرْحَمُ أُمَّتِي بِأُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ وَأَشَدُّهَا فِي دِينِ اللهِ عُمَرُ، وَأَصْدَقُهَا حَيَاءً عُثْمَانُ، وَأَعْلَمُهَا بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ ابْنُ جَبَلٍ، وَأَقْرَؤُهَا لِكِتَابِ اللهِ أُبَيٌّ وَأَعْلَمُهَا بِالْفَرَائِضِ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ، وَأَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ أَبُو عُبَيْدَةَ ابْنُ الْجَرَّاحِ ([أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ] فَهَؤُلَاءِ نُخْبَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ ﵃ كَانُوا مُلَازِمِينَ لِرَسُولِ اللهِ ﵌ دَائِمَي الْأَخْذِ عَنْهُ حَتَّى اسْتَحَقَّوا هَذِهِ الْأَوْسِمَةَ، وَشَهِدَ لَهُمُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ﵌ وَلَفَتَ أَصْحَابَهُ إِلَيْهِمْ لِيَعْرِفُوا قَدْرَ كُلٍّ فِي مَجَالِ امْتِيَازِهِ وَتَفَوُّقِهِ.

стр. 13

وَقَدْ حَصَلَ اخْتِلَافٌ فِقْهِيٌّ بَيْنَ الصَّحَابَةِ فِي حَيَاتِهِ ﵊ حِينَ اجْتَهَدُوا فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ، فَقَدْ قَالَ ﵌: (لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدٌ الْعَصْرَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ) [الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ] فَصَلَّاهَا بَعْضُهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَلَمْ يُصَلِّهَا الْبَاقَونَ إِلَّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بَعْدَ أَنْ فَاتَ وَقْتُهَا، وَأَقَرَّ النَّبِيُّ ﵌ الْفَرِيقَيْنِ عَلَى اجْتِهَادِهِمْ، وَهَذا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ يَتَعَدَّدُ فِي الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ. قَالَ مَسْرُوقٌ: انْتَهَى الْعِلْمُ إِلَى ثَلَاثَةٍ: عَالِمٍ بِالْمَدِينَةِ، وَعَالِمٍ بِالشَّامِ، وَعَالِمٍ بِالْعِرَاقِ؛ فَعَالِمُ الْمَدِينَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَالِمُ الْعِرَاقِ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَعَالِمُ الشَّامِ أَبُو الدَّرْدَاءِ، فَإِذَا الْتَقَوْا سَأَلَ عَالِمُ الشَّامِ وَعَالِمُ الْعِرَاقِ عَالِمَ الْمَدِينَةِ وَلَمْ يَسَأَلْهُمَا (١). ـ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَفِي الْحَدِيثِ: (رَضِيتُ لِأُمَّتِي مَا رَضِيَ لَهَا ابْنُ أُمِّ عَبْدٍ) يَعْنَي: ابْنَ مَسْعُودٍ، [أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ]. وَبَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الْكُوفَةِ. رَوَى حَارِثَةُ بْنُ مُضَرِّبٍ أَنَّ عُمَرَ ﵁ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْكُوفَةِ: (أَمَّا بَعْدُ) فَإِنِّي قَدْ بَعَثْتُ إِلَيْكُمْ عَمَّارًا أَمِيرًا وَعَبْدَ اللهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَاضِيًا وَوَزِيرًا، وَإِنَّهُمَا مِنْ نُجَبَاءِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﵌ وَمِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا، فَاسْمَعُوا لَهُمَا وَأَطِيعُوا فَقَدْ آثَرْتُكُمْ بِهِمَا عَلَى نَفْسِي (٢). _________ (١) طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٤٢. (٢) الطبقات الكبرى لابن سعد ٦/ ٨٨.

стр. 14

ـ وَمِنْهُمْ أَبُو الدَّرْدَاءِ ﵁. رَوَى يَزِيدُ بْنُ عُمَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا حَضَرَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ الْمَوْتُ قِيلَ لَهُ: يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَوْصِنَا، قَالَ: الْتَمِسُوا الْعِلْمَ عِنْدَ أَرْبَعَةٍ: عِنْدَ عُوَيْمِرٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ، وَعِنْدَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ، وَعِنْدَ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَلَامٍ (١). • وَمِنَ الْعُلَمَاءِ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَريُّ: وَكَانَ مِمَّنْ بَعَثَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ إِلَى الْيَمَنِ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ الْقُرْآنَ، وَوَلَّاهُ عُمَرُ عَلَى الْبَصْرَةِ. قَالَ مَسْرُوقٌ: كَانَ الْعِلْمُ فِي سِتَّةِ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﵌ يَصِفُهُمْ أَهْلُ الْكُوفَةِ: عُمَرَ، وَعَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللهِ، وَأَبِي مُوسَى، وَأُبَيٍّ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ (٢). • وَمِنَ الْعُلَمَاءِ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ: عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﵌: أَيُّ آيَةٍ مَعَكَ فِي كِتَابِ اللهِ أَعْظَمُ؟. قُلْتُ: (اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ) قَالَ: فَضَرَبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: (لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ) [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَحْمَدُ]. وَتَحَاكَمَ إِلَيْهِ عُمَرُ ـ وَهُوَ خَلِيفَةٌ ـ وَالْعَبَّاسُ ﵄ فِي دَارٍ كَانَتْ لِلْعَبَّاسِ إِلَى جَانِبِ الْمَسْجِدِ فَقَضَى لِلْعَبَّاسِ عَلَى عُمَرَ، وَلَا يَتَوَلَّى الْقَضَاءَ بَيْنَ كِبَارِ الصَّحَابَةِ إِلَّا عَالِمٌ مُجْتَهِدٌ. _________ (١) الاستيعاب في معرفة الأصحاب لابن عبد البر ٣/ ١٢٢٨. (٢) طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٤٤.

стр. 15

• وَمِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقُ ﵄: قَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ: مَا أَشْكَلَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ ﵌ شَيْءٌ فَسَأَلْنَا عَنْهُ عَائِشَةَ إِلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا (١). وَقَالَ مَسْرُوقٌ: لَقَدْ رَأَيْتُ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﵌ يَسْأَلُونَهَا عَنِ الْفَرَائِضِ (٢). ـ الطَّبَقَةُ الثَّانِيَةُ مِنْ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ: هِيَ طَبَقَةُ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا صِغَارَ السِّنِّ بِالنِّسْبَةِ لِلصَّحَابَةِ الْأَكْبَرِ مِنْهُمْ سِنًّا، وَبِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ أَخَذُوا الْعِلْمَ عَنْ كِبَارِ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَا تَعَلَّمُوهُ فِي الْعَصْرِ النَّبَوِيِّ. وَاشْتَهَرَ بِالْعِلْمِ مِنْ هَؤُلَاءِ: • عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ. كَانَ يُسَمَّى: الْبَحْرَ لِغَزَارَةِ عِلْمِهِ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ: نِعْمَ تَرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ابْنُ عَبَّاسٍ (٣). وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يُدْنِيهِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءَ مِثْلَهُ، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعَلَّمَ. وَقَالَ لَهُ عُمَرُ: إِنَّكَ لَأَصْبَحُ فِتْيَانِنَا وَجْهًا، وَأَحْسَنُهُمْ خُلُقًا، وَأَفْقَهُهُمْ فِي كِتَابِ اللهِ (٤). _________ (١) طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٤٧. (٢) طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٤٨. (٣) طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٤٩. (٤) طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٤٩.

стр. 16

• وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَالَ ابْنُ سِيرِينَ: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالْمَنَاسِكِ ابْنُ عُمَرَ بَعْدَ ابْنِ عَفَّانَ (١). وَقَالَ مَالِكٌ: أَقَامَ ابْنُ عُمَرَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﵌ سِتِّينَ سَنَةً يُفْتِي النَّاسَ فِي الْمَوْسِمِ، وَكَانَ مِنْ أَئِمَّةِ الدِّينِ (٢). • وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ: قَالَ الْقَاسِمُ: مَا كَانَ أَحَدٌ أَعْلَمَ بِالْمَنَاسِكِ مِنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ (٣). • وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ السَّهْمِيُّ وَكَانَ يُفْتِي الصَّحَابَةَ. قَالَ عَبْدُ الرَّحْمنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: لَمَّا مَاتَ الْعَبَادِلَةُ: عَبْدُ اللهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ صَارَ الْفِقْهُ فِي جَمِيعِ الْبُلْدَانِ إِلَى الْمَوالِي (٤). ـ وَمِمَّنْ أُخِذَ عَنْهُ الْفِقْهُ مِنَ الصَّحَابَةِ: أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ، وَأَبُو هُرَيْرَةُ الدَّوْسِيُّ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ، وَأَبُو وَاقِدٍ اللَّيْثِيُّ، وَعَبْدُ اللهِ ابْنُ بُحَيْنَةَ، وَغَيْرُهُمْ .. _________ (١) طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٥٠. (٢) طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٥٠. (٣) طبقات الفقهاء للشيرازي، ص ٥٠. (٤) طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٥١.

стр. 17

ـ وَمِنَ النِّسَاءِ: فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللهِ ﵌ وَحَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ، وَأُمُّ سَلَمَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ، وَأَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ، وَأُمُّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ، وَأُمُّ هَانِئٍ بِنْتُ أَبِي طَالِبٍ (١). ج ـ الفقه في عصرالتابعين: وَأَمَّا مَذَاهِبُ فِقْهِ التَّابِعِينَ فَهِيَ امْتِدَادٌ لِمَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ، وَفي عَهْدِهِمْ تَأَسَّسَتْ مَذَاهِبُ الْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ، وَظَهَرَتْ مَدَارِسُهُ الْكُبْرَى وَالَّتِي كَانَ أَشْهَرُهَا وَأَكْثَرُهَا انْتِشَارًا: مَدْرَسَةَ الْحِجَازِ فِي الْمَدِينَةِ الْمُنَوَّرَةِ، بِاعْتِبَارِهَا أُمَّ الْمَدَارِسِ الْفِقْهِيَّةِ، ثُمَّ مَدْرَسَةَ الْبَلَدِ الْحَرَامِ (مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ) ثُمَّ مَدْرَسَةَ الْكُوفَةِ بِالْعِرَاقِ. ١ ـ مَدْرَسَةُ الْكُوفَةِ بِالْعِرَاقِ: وَاشْتَهَرَتْ بِفِقْهِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ مِنْ كِبَارِ فُقَهَاءِ الصَّحَابَةِ، وَمِنْ أَكْثَرِهِمْ عِلْمًا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَمُلَازَمَةً لِرَسُولِ اللهِ ﵌،، وَأَخَذَ عَنْهُ فُقَهَاءُ الْعِرَاقِ وَغَيْرُهُمْ وَكَانَ مِنْ أَشْهَرِ التَّابِعِينَ الَّذِينَ أَخَذُوا مَذْهَبَهُ: عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ، وَالْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وَمَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ، وَالْقَاضِي شُرَيْحٌ، وَعَمْرُو بْنُ شُرَحْبِيلَ الْهَمَدَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَأَخَذَ مِنْ بَعْدِهِمْ: مَنْصُورُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ، وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعَيُّ. وَأَخَذَ عَنْهُمْ: أَبُو حَنِيفَةَ، وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ. _________ (١) طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٣٥.

стр. 18

٢ ـ مَدْرَسَةُ فُقَهَاءِ مَكَّةَ: وَاشْتَهَرَ فِيهَا مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ، وَكَانَ مِنْ أَفْقَهِ الصَّحَابَةِ وَأَعْلَمِهِمْ بِتَأْوِيلِ الْقُرْآنِ. وَمِنْ أَشْهَرِ تَلَامِذَتِهِ الْفُقَهَاءِ: عِكْرِمَةُ، وَعَطَاءُ، وَطَاوُوسُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيرٍ. وَعَنْهُمْ أَخَذَ: عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، وَغَيْرُهُمْ. وَأَخَذَ عَنْهُمْ الْإِمَامُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ. ٣ ـ مَدْرَسَةُ فِقْهِ الْمَدِينَةِ: تُعَدُّ الْمَدِينَةُ الْمُنَوَّرَةُ أَوَّلَ مَدْرَسَةٍ لِلْفِقْهِ الْإِسْلَامِيِّ، وَكَانَ مِنْ أَشْهَرِ الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ انْتِشَارًا فِيهَا مَذْهَبُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ الَّذِي شَهِدَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﵌ بِأَنَّهُ أَعْلَمُ الصَّحَابَةِ بِالْفَرَائِضِ، وَبِالْقُرْآنِ. وَمِمَّنِ اشْتُهِرَ بِالْأَخْذِ عَنْهُ فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ السَّبْعَةُ وَهُمْ: (سَعِيدُ بْنُ الْمَسَيِّبِ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَأَبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ) (١). وَأَشْهَرُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ: مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمٍ الزُّهْرِيُّ. وَعَنْهُ أَخَذَ الْإِمَامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ مُؤَسِّسُ الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ (٢). _________ (١) الفقه الاسلامي وأدلته، الدكتور وهبة الزحيلي ١/ ٤٢. (٢) انظر طبقات الفقهاء للشيرازي ص ٥٧.

стр. 19

د ـ الْمَذَاهِبُ الْفِقْهِيَّةُ: تَأَسَّسَتِ الْمَذَاهِبُ الْفِقْهِيَّةُ مِنْ خِلَالِ نَقْلِ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ، ثُمَّ اشْتَهَرَ الْفِقْهُ فِي الْمَدَارِسِ الثَّلَاثِ - كَمَا قُلْنَا -: الْمَدِينَةِ، وَمَكَّةَ، وَالْكُوفَةِ، وَالَّتِي ظَهَرَتْ فِيهَا مَذَاهِبُ فِقْهِيَّةٌ لِعَدَدٍ مِنْ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ وَتَابِعِيهِمِ الَّذِينَ اشْتَغَلُوا بِصِيَاغَةِ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ وَتَدْوِينِهَا. وَكَانَتِ الْمَذَاهِبُ الْفِقْهِيَّةُ كَثِيرَةً غَيْرَ أَنَّهَا لَمْ يُقَيَّضْ لَهَا مِنَ التَّلَامِيذِ مَنْ يَجْمَعُ قَوَاعِدَهَا وَيَعْتَنِي بِهَا فَانْدَثَرَتْ، وَمِنْ بَيْنِ الْمَذَاهِبِ الَّتِي وُجِدَ لَهَا مِنَ الْحَمَلَةِ وَالنَّقَلَةِ مَنْ نَشَرَهَا وَأَشْهَرَهَا الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ. وَالْمَذْهَبُ الْفِقْهِيُّ بِمَعْنَى: الِاتِّجَاهِ الْفِقْهِيِّ فِي فَهْمِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَالطَّرِيقَةِ الَّتِي يَنْهَجُهَا الْمُجْتَهِدُ، وَكَيْفِيَّاتِ الِاسْتِدْلَالِ وَاسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيَّةِ الْفَرْعِيَّةِ مِنْ أَدِلَّتِهَا وَفْقَ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَتَتَّفِقُ الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ فِي الْأُصُولِ الْكُلِّيَّةِ وَالْأَدِلَّةِ الْإِجْمَالِيَّةِ وتختلف في بعض الفروع نَتِيجَةَ الِاخْتِلَافِ فِي بَعْضِ طُرُقِ الِاجْتِهَادِ الثَّانَوِيَّةِ مِنْ حَيْثُ تَقْدِيمُ بَعْضِ الْأَدِلَّةِ عَلَى بَعْضٍ، وَتَرْتِيبُهَا، وَشُرُوطُ الْأَخْذِ بِهَا، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا اخْتَارَهُ كُلُّ إِمَامٍ أُصُولًا لِمَذْهَبِهِ، وَبَنَى عَلَيْهَا اجْتِهَادَهُ وَتَمَيَّزَ بِهَا عَنْ غَيْرِهِ. وَالْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ هِيَ خُلَاصَةُ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ، وَالْأَكْثَرُ انْتِشَارًا فِي الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ وَهِيَ:

стр. 20

• الْمَذْهَبُ الْحَنَفِيُّ: وَتَلَخَّصَ مِنْ مَدْرَسَةِ فِقْهِ الْكُوفَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ صَاغَهُ إِمَامُ الْمَذْهَبِ: أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ، إِضَافَةً إِلَى تَحْقِيقِ الْمُجْتَهِدِينِ مِنْ رُوَاةِ الْمَذْهَبِ، كَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ. • الْمَذْهَبُ الْمَالِكِيُّ: تَلَخَّصَ مِنْ مَدْرَسَةِ فِقْهِ الْمَدِينَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ صَاغَهُ إِمَامُ الْمَذْهَبِ: مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ. • الْمَذْهَبُ الشَّافِعِيُّ: أَوَّلُ مَنْ صَاغَهُ إِمَامُ الْمَذْهَبِ: مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ أَخَذَ عَنْ مَالِكٍ، وَعَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَعَنْ غَيْرِهِمْ مِنْ فُقَهَاءِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ، وَاهْتَمَّ بِاللُّغَةِ وَقَوَاعِدِهَا، وَصَاغَ عِلْمَ أُصُولِ الْفِقْهِ. وَمِنْ أَشْهَرِ عُلَمَاءِ الشَّافِعِيَّةِ فِي حَيَاةِ الشَّافِعِيِّ تَلَامِذَتُهُ: الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الِجيزِيُّ، وَالرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْمُرَادِيُّ، وَالْبُوَيْطِيُّ. وَمِنْ أَشْهَرِ الْمُحَقِّقِينَ فِي الْمَذْهَبِ النَّوَوِيُّ وَالرَّافِعِيُّ. • الْمَذْهَبُ الْحَنْبَلِيُّ أَوَّلُ مَنْ صَاغَهُ إِمَامُ الْمَذْهَبِ: أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَخَذَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ، وَتَأَثَّرَ بِفِقْهِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، وَاهْتَمَّ بِالْحَدِيثِ. ـ وَقَدْ صَنَّفَ الْعُلَمَاءُ فِي كُلِّ مَذْهَبٍ مِئَاتِ الْكُتُبِ وَنَقَّحُوهَا، وَضَبَطُوا الْمَسَائِلَ حَتَّى وَصَلَتْ إِلَيْنَا نَتِيجَةَ جُهْدٍ جَمَاعِيٍّ، وَتَدْقِيقٍ وَتَمْحِيصٍ عَبْرَ الْعُصُورِ، فَجَاءَ الْفِقْهُ الْإِسْلَامِيُّ صَافِيًا مِنَ الشَّوَائِبِ، مُعْتَمِدًا عَلَى الْأَدِلَّةِ ثُمَّ عَلَى اجْتِهَادِ الْمُجْتَهِدِينَ، الَّذِينَ خَدَمُوا الْفِقْهَ الْإِسْلَامِيَّ خِدْمَةً عَظِيمَةً، فَجَزَاهُمُ اللهُ عَنَّا كُلَّ خَيْرٍ.

стр. 21

هـ أَهِمِّيَّةُ الدَّلِيلِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ: ثَبَتَ عَنِ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ ﵀ تَعَالَى قَوْلُهُ: (إِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي) (١) وَنُقِلَتْ هَذِهِ الْعِبَارَةُ عَنْ غَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ، قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ: وَهَذَا مِنْ سِيَادَتِهِ وَأَمَانَتِهِ وَهَذَا نَفَسُ إِخْوَانِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ ﵏ وَرَضِيَ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ. وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَئِمَّةَ كَانُوا لَا يُقَدِّمُونَ عَلَى النَّصِّ رَأْيًا، وَهُمُ الَّذِينَ وَضَعُوا الْمَنْهَجَ الْأُصُولِيَّ لِلْفِقْهِ فَقَالُوا: [لَا اجْتِهَادَ فِي مَوْرِدِ النَّصِّ]. فَلَا يُوجَدُ فَقِيهٌ تَرَكَ الْآيَةَ وَالْحَدِيثَ الصَّحِيحَ، وَقَدَّمَ رَأْيَهُ عَلَيْهِمَا، أَوْ تَعَصَّبَ لِرَأْيِ شَيْخِهِ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلنَّصِّ، وَإِنَّمَا يُقَدِّمُونَ النَّصَّ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، لَكِنْ إِنْ كَانَتِ الْآيَةُ ظَنِّيَّةَ الدَّلَالَةِ -وَكَذَا الْحَدِيثُ- أَوْ لَمْ يَثْبُتِ الْحَدِيثُ عِنْدَهُمْ اجْتَهَدُوا وَأَعْمَلُوا الْفِكْرَ لِلْوُصُولِ إِلَى الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ. قَالَ النَّوَوِيُّ ﵀: وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ رَأَى حَدِيثًا صَحِيحًا قَالَ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَعَمِلَ بِظَاهِرِهِ، وَإِنَّمَا هَذَا فِيمَنْ لَهُ رُتْبَةُ الِاجْتِهَادِ فِي الْمَذْهَبِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ صِفَتِهِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْهُ، وَشَرْطُهُ أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ لَمْ يَقِفْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ صِحَّتَهُ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ مُطَالَعَةِ كُتُبِ الشَّافِعِيِّ كُلِّهَا وَنَحْوِهَا مِنْ كُتُبِ أَصْحَابِهِ الْآخِذِينَ عَنْهُ وَمَا أَشْبَهَهَا وَهَذَا شَرْطٌ صَعْبٌ قَلَّ مَنْ يَتَّصِفُ بِهِ، وَإِنَّمَا اشْتَرَطُوا مَا ذَكَرْنَا _________ (١) تقريب الوصول إلى علم الأصول، لابن جزي ص ٢٠٢.

стр. 22

لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ ﵀ تَرَكَ الْعَمَلَ بِظَاهِرِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ رَآهَا وَعَلِمَهَا لَكِنْ قَامَ الدَّلِيلُ عِنْدَهُ عَلَى طَعْنٍ فِيهَا أَوْ نَسْخِهَا أَوْ تَخْصِيصِهَا أَوْ تَأْوِيلِهَا أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ. قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرٍو ﵀: لَيْسَ الْعَمَلُ بِظَاهِرِ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ بِالْهَيِّنِ فَلَيْسَ كُلُّ فَقِيهٍ يَسُوغُ لَهُ أَنْ يَسْتَقِلَّ بِالْعَمَلِ بِمَا يَرَاهُ حُجَّةً مِنْ الْحَدِيثِ وَفِيمَنْ سَلَكَ هَذَا الْمَسْلَكَ مِنْ الشَّافِعِيِّينَ مَنْ عَمِلَ بِحَدِيثٍ تَرَكَهُ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَمْدًا مَعَ عِلْمِهِ بِصِحَّتِهِ لِمَانِعٍ اطَّلَعَ عَلَيْهِ وَخَفِيَ عَلَى غَيْرِهِ كَأَبِي الْوَلِيدِ مُوسَى بْنِ أَبِي الْجَارُودِ مِمَّنْ صَحِبَ الشَّافِعِيَّ قَالَ: صَحَّ حَدِيثُ (أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ) فَأَقُولُ: قَالَ الشَّافِعِيُّ: أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ، فَرَدُّوا ذَلِكَ عَلَى أَبِي الْوَلِيدِ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ تَرَكَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِصِحَّتِهِ لِكَوْنِهِ مَنْسُوخًا عِنْدَهُ وَبَيَّنَ الشَّافِعِيُّ نَسْخَهُ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ (١). و ـ خَصَائِصُ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ: ١ ـ أَنَّهَا تَسْتَمِدُّ أَحْكَامَهَا مِنْ نُصُوصِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ وَمَعَاقِدِ الْإِجْمَاعِ وَتَعْتَمِدُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى مَنْهَجِ أُصُولِ الْفِقْهِ. ٢ ـ أَنَّهَا خُلُاصَةُ مَذَاهِبِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ. ٣ ـ أَنَّهَا اسْتَكْمَلَتْ دِرَاسَاتِهَا الْعِلْمِيَّةَ، وَوُضِعَتْ أُسُسُهَا وَمَنَاهِجُهَا الْعِلْمِيَّةُ وَاسْتُخْلِصَتْ مُحْتَوَيَاتُهَا بِالتَّدْوِينِ. _________ (١) المجموع شرح المهذب للنووي ١ أ ٦٤.

стр. 23

٤ ـ أَنَّهَا نُقِلَتْ عَنْ أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ بِوَاسِطَةِ الرُّوَاةِ وَالْأَصْحَابِ وَالطُّرُقِ وَحَصَلَتْ عَلَى الِاهْتِمَامِ وَالتَّنْقِيحِ وَالتَّحْرِيرِ وَالْبَحْثِ وَالتَّحْقِيقِ، وَتَلَخَّصَ ذَلِكَ فِي أَعْدَادٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الْمُدَوَّنَاتِ وَالْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَالْمُؤَلَّفَاتِ. ٥ ـ أَنَّهَا حَظِيَتْ بِالْقَبُولِ الْوَاسِعِ لَدَى الْعُلَمَاءِ. ٦ ـ أَنَّهَا الْأَكْثَرُ انْتِشَارًا وَاشْتِهَارًا فِي الْعَالَمِ الْإِسْلَامِيِّ. ز ـ الْمَرْجِعِيَّةُ هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بِفَهْمِ الْأَئِمَّةِ: إِنَّ مَنْهَجَ الْمُسْلِمَ الصَّحِيحَ أَنَّ الْمَرْجِعِيَّةَ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ هِيَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ بِفَهْمِ السَّلَفِ الصَّالِحِ ﵃ وَقَدْ كَانَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ ذَلِكَ الْعَصْرِ الذَّهَبِيِّ، عَصْرِ السَّلَفِ الصَّالِحِ. وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: (خَيْرُ الْقُرُونِ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ) [أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ] وَقَدْ كَانَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ مِنْ عَصْرِ السَّلَفِ الصَّالِحِ. فَلَوْ جَاءَ الْيَوْمَ مَنْ يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْخُذُ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ مُبَاشَرَةً، دُونَ الرُّجُوعِ إِلَى فَهْمِ الْأَئِمَّةِ، وَيَنْصِبُ نَفْسَهُ مُجْتَهِدًا يَضْرِبُ أَقْوَالَ الْأَئِمَّةِ، وَيَخْتَرِعُ لِنَفْسِهِ اتِّجَاهًا يَرَاهُ سَلِيمًا، فَإِنَّهُ أَبْعَدُ النَّاسِ عَنِ الصَّوَابِ. ح ـ[فَضْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَمَكَانَتُهُمْ] أَجْمَعَتِ الْأُمَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ عَلَى مَكَانَةِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَفَضْلِهِمْ، وَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ مُتَّفِقُونَ عَلَى كُلِّ الْأُصُولِ الْفِقْهِيَّةِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي بَعْضِ الْفُرُوعِ.

стр. 24

وَالْمَسَائِلُ الْفَرْعِيَّةُ الَّتِي اخْتَلَفُوا فِيهَا هِيَ الَّتِي كَوَّنَتْ نَشْأَةَ الْمَذَاهِبِ الْفِقْهِيَّةِ الْأَرْبَعَةِ (الْحَنَفِيِّ، الْمَالِكِيِّ، الشَّافِعِيِّ، الْحَنْبَلِيِّ)، وَهَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ بِحَسْبِ ظُهُورِهِمْ بِالتَّرْتِيبِ هُمْ: ١ ـ الْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ (٨٠ هـ ـ ١٥٠ هـ) ٢ ـ الْإِمْامُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ (٩٣ هـ ـ ١٧٩ هـ) ٣ ـ الْإِمَامُ مُحَمَّدُ بْنُ إِدْرِيسَ الشَّافِعِيُّ (١٥٠ هـ ـ ٢٠٤ هـ) ٤ ـ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ (١٦٤ هـ ـ ٢٤١ هـ) وَالْإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ النُّعْمَانُ بْنُ ثَابِتٍ هُوَ أَوَّلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَهُوَ التَّابِعِيُّ الْوَحِيدُ بَيْنَهُمْ، وَقَدْ لَقِيَ عَدَدًا مِنْ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ﵌، وَالْمُرَجَّحُ أَنَّهُ لَمْ يَلْتَقِ بِأَيٍّ مِنَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَلَوْهُ، وَلَكِنَّ الْإِمَامَ الشَّافِعِيَّ الْتَقَى بِالْإِمَامَيْنِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، حَيْثُ كَانَ الشَّافِعِيُّ تِلْمِيذَ الْإِمَامِ مَالِكٍ وَشَيْخَ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ. ط ـ[ثَنَاءُ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعِةِ]: قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: كَانَ أَبُو حَنِيفَةَ أَعْلَمَ النَّاسِ. وَقاَلَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: النَّاسُ فِي الْفِقْهِ عِيَالٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ (١). وَقَالَ: إِذَا ذُكِرَ الْعُلَمَاءُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ (٢). _________ (١) سير أعلام النبلاء للذهبي ٦/ ٤٠٣. (٢) سير أعلام النبلاء للذهبي ٨/ ٥٧.

стр. 25

وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ: خَرَجْتُ مِنْ بَغْدَادَ فَمَا خَلَّفْتُ بِهَا رَجُلًا أَفْضَلَ وَلَا أَعْلَمَ وَلَا أَفْقَهَ وَلَا أَتْقَى مِنِ ابْنِ حَنْبَلٍ (١). وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: مَا مَسَّ أَحَدٌ مِحْبَرَةً وَلَا قَلَمًا إِلَّا وَلِلشَّافِعِيِّ فِي عُنُقِهِ مِنَّةٌ (٢). وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: إِنَّ اللهَ يُقَيِّضُ لِلنَّاسِ فِي رَأْسِ كُلِّ مِئَةٍ مَنْ يُعَلِّمُهُمُ السُّنَنَ، وَيَنْفِي عَنْ رَسُولِ اللهِ ﵌ الْكَذِبَ، قَالَ: فَنَظَرْنَا فَإِذَا فِي رَأْسِ الْمِئَةِ عُمَرُ ابْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ، وَفِي رَأْسِ الْمِئَتَيْنِ الشَّافِعِيُّ (٣). قَالَ عَبْدُ اللهِ بنُ أَحْمَدَ: قُلْتُ لأَبِي: أَيَّ رَجُلٍ كَانَ الشَّافِعِيُّ، فَإِنِّي سَمِعتُكَ تُكْثِرُ مِنَ الدُّعَاءِ لَهُ؟ قَالَ: يَا بُنِيَّ، كَانَ كَالشَّمْسِ لِلدُّنْيَا، وَكَالْعَافِيَةِ لِلنَّاسِ، فَهَلْ لِهَذَيْنِ مِنْ خَلَفٍ، أَوْ مِنْهُمَا عِوَضٌ؟ (٤). وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ: لَقِيَنِي أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلَ بِمَكَّةَ، فَقَالَ: تَعَالَ حَتَّى أُرِيَكَ رَجُلًا لَمْ تَرَ عَيْنَاكَ مِثْلَهُ. قَالَ: فَأَقَامَنِي عَلَى الشَّافِعِيِّ. ﵃ وَجَزَاهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ كُلَّ خَيْرٍ. _________ (١) سير أعلام النبلاء ١١/ ١٩٥. (٢) سير أعلام النبلاء للذهبي ١٠/ ٤٧. (٣) سير أعلام النبلاء للذهبي ١٠/ ٤٦. (٤) سير أعلام النبلاء ١٠/ ٤٥.

стр. 26

رابعًا ـ الاجْتِهَادُ وَشُرُوطُهُ: الِاجْتِهَادُ لُغَةً: الْوُسْعُ وَالطَّاقَةُ، وَبِالْفَتْحِ: الْمَشَقَّةُ وَقِيلَ: الْمُبَالَغَةُ وَالْغَايَةُ. وَاصْطِلَاحًا: قَالَ الْقُرَافِيُّ: الِاجْتِهَادُ بَذْلُ الْوُسْعِ فِي الْأَحْكَامِ الْفَرْعِيَّةِ الْكُلِّيَّةِ مِمَّنْ حَصَلَتْ لَهُ شَرَائِطُ الِاجْتِهَادِ (١). وَشَرْطُ الْمُفْتِي الْمُسْتَقِلِّ: أَنْ يَكُونَ قَيِّمًا بِمَعْرِفَةِ أَدِلَّةِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الْكِتَابِ، وَالسُّنَّةِ، وَالْإِجْمَاعِ، وَالْقِيَاسِ، وَمَا الْتَحَقَ بِهَا عَلَى التَّفْصِيلِ، عَالِمًا بِمَا يُشْتَرَطُ فِي الْأَدِلَّةِ وَوُجُوهِ دَلَالَتِهَا، وَبِكَيْفِيَّةِ اقْتِبَاسِ الْأَحْكَامِ مِنْهَا، وَذَلِكَ يُسْتَفَادُ مِنْ عِلْمِ أُصُولِ الْفِقْهِ، عَارِفًا مِنْ عِلْمِ الْقُرْآنِ، وَعِلْمِ الْحَدِيثِ، وَعِلْمِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ، وَعِلْمَيِ النَّحْوِ، وَاللُّغَةِ، وَاخْتِلَافِ الْعُلَمِاءِ وَاتِّفَاقِهِمِ بِالْقَدْرِ الَّذِي يَتَمَكَّنُ بِهِ مِنَ الْوَفَاءِ بِشُرُوطِ الْأَدِلَّةِ وَالِاقْتِبَاسِ مِنْهَا، ذَا دُرْبَةٍ وَارْتِيَاضٍ فِي اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ، عَالِمًا بِالْفِقْهِ، ضَابِطًا لِأُمَّهَاتِ مَسَائِلِهِ وَتَفَارِيعِهِ الْمَفْرُوغِ مِنْ تَمْهِيدِهَا. فَمَنْ جَمَعَ هَذِهِ الْفَضَائِلَ فَهُوَ الْمُفْتِي الْمُطْلَقُ الْمُسْتَقِلُّ الَّذِي يَتَأَدَّى بِهِ فَرْضُ الْكِفَايَةِ، وَهُوَ الَّذِي يَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مِنْ غَيْرِ تَقْلِيدٍ وَتَقَيُّدٍ بِمَذْهَبِ أَحَدٍ ... وَمُنْذُ دَهْرٍ طَوِيلٍ طُوِيَ بِسَاطُ الْمُفْتِي الْمُسْتَقِلِّ الْمُطْلَقِ، وَالْمُجْتَهِدِ الْمُسْتَقِلِّ، وَأُفْضِيَ أَمْرُ الْفَتْوَى إِلَى الْفُقَهَاءِ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى أَئِمَّةِ الْمَذَاهِبِ الْمَتْبُوعَةِ (٢). _________ (١) أدب المفتي والمستفتي لابن الصلاح ص ٢٧. (٢) أدب المفتي والمستفتي لابن الصلاح ص ٣٦.

стр. 27

خامسًا ـ الِاجْتِهَادُ الْجَمَاعِيُّ: الْإِسْلَامُ دِينٌ صَالِحٌ لِكُلِّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ، وَقَضَايَا الْأُمَّةِ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا قَضَايَا مُسْتَجِدَّةٌ لَمْ تَكُنْ فِي عَصْرِ الْفُقَهَاءِ قَدِيمًا، وَهِيَ تَحْتَاجُ إِلَى اجْتِهَادٍ، لِذَلِكَ كَانَ الِاجْتِهَادُ الْجَمَاعِيُّ ضَرُورَةً فِي حَيَاةِ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ. وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ الْمُعَاصِرِينَ عِدَّةَ مَفَاهِيمَ لِلِاجْتِهَادِ الْجَمَاعِيِّ، لَعَلَّ مِنْ أَبْرَزِهَا أَنَّهُ: «اسْتِفْرَاغُ أَغْلَبِ الْفُقَهَاءِ الْجُهْدَ لِتَحْصِيلِ ظَنٍّ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ، وَاتِّفَاقُ جَمِيعِهِمْ أَوْ أَغْلَبِهِمْ عَلَى الْحُكْمِ بَعْدَ التَّشَاوُرِ». والِاجْتِهَادُ الْجَمَاعِيُّ يَخْتَلِفُ عَنِ الِاجْتِهَادِ الْفَرْدِيِّ فِي كَوْنِهِ جُهْدَ جَمَاعَةٍ وَلَيْسَ جُهْدَ فَرْدٍ، وَإِنَّ هَذِهِ الْجَمَاعَةَ تَكُونُ أَغْلَبَ الْعُلَمَاءِ الْمُجْتَهِدِينَ أَوْ أَكْثَرَهُمْ. وَهُوَ أَفْضَلُ الْحُلُولِ لِمُعَالَجَةِ الْمُسْتَجِدَّاتِ فِي حَيَاةِ الْأُمَّةِ، فَضْلًا عَنْ أَنَّهُ يُعَدُّ مِنْ أَنْجَعِ السُّبُلِ إِلَى تَوْحِيدِ النُّظُمِ التَّشْرِيعِيَّةِ لِلْأُمَّةِ، وَهُنَاكَ أَنْوَاعٌ مِنَ الْقَضَايَا الَّتِي تَتَطَلَّبُ اجْتِهَادًا جَمَاعِيًّا، وَمِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ: أَوَّلًا: الْقَضَايَا الْمُسْتَجِدَّةُ ذَاتُ الطَّابَعِ الْعَامِّ أَوِ الْمُعَقَّدَةُ أَوِ الْمُتَشَعِّبَةُ بَيْنَ عِدَّةِ عُلُومٍ. ثَانِيًا: الْقَضَايَا الَّتِي قَامَتْ أَحْكَامُهَا عَلَى أَسَاسٍ مُتَغَيِّرٍ، كَالْعُرْفِ أَوِ الْمَصْلَحَةِ أَوْ كَانَ لِظُرُوفِ الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ دَوْرٌ فِي حُكْمِهَا، مِمَّا يَجْعَلُهَا تَتَغَيَّرُ لِتَغَيُّرِ أَسَاسِهَا. وَمِنْ أَمْثِلَتِهَا: مَا يَتَعَلَّقُ مِنْهَا بِالشَّرِكَاتِ وَأَنْوَاعِهَا، وَأَنْظَمِةِ التَّأْمِينِ

стр. 28

وَالسِّيَاسَاتِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمُسْتَجِدَّاتِ، وَالْقَضَايَا الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِوَسَائِلِ الْعِلَاجِ الْمُتَقَدِّمَةِ، وَأَجْهِزَةِ الْإِنْعَاشِ، وَأَطْفَالِ الْأَنَابِيبِ وَبُنُوكِ الْحَلِيبِ، وَالْكَثِيرِ مِنَ الْقَضَايَا وَالْأَحْكَامِ الْمَدَنِيَّةِ وَالتِّجَارِيَّةِ .. وَغَيْرِهَا (١). وَقَدْ قَامَتِ الْمَجَامِعُ الْفِقْهِيَّةُ الْإِسْلَامِيَّةُ الْيَوْمَ بِهَذَا الدَّوْرِ - الْبَحْثِ فِي الْمَوَاضِيعِ الْمُعَاصِرَةِ - وَاجْتَهَدَتْ فِيهَا، وَهَذَا يُشْعِرُ بِالطُّمَأْنِينَةِ لِأَنَّ الَّذِينَ بَحَثُوا هَذِهِ الْمَسَائِلَ عُلَمَاءُ مُتَخَصِّصُونَ فِي الْفِقْهِ، بِالْإِضَافَةِ إِلَى مَشُورَةِ الْمُتَخَصِّصِينَ فِي الطِّبِّ وَالِاقْتِصَادِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِتِلْكَ الْمَسَائِلِ. _________ (١) انظر الاجتهاد الجماعي في التشريع الاسلامي، عبد المجيد السوسة الشرفي.

стр. 29

سَادِسًا: أَهِمِّيَّةُ الْمُتُونِ: كَانَ السَّلَفُ رَحِمَهُمُ اللهُ تَعَالَى يَحْرِصُونَ عَلَى حِفْظِ الْمُتُونِ حِرْصًا شَدِيدًا، فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَتَخَصَّصَ فِي عِلْمٍ بَحَثَ عَنْ مَتْنٍ لَهُ لِيَحْفَظَهُ وَيَضْبِطَهُ؛ لَأَنَّ حِفْظَ الْمَتْنِ يُسَهِّلُ الْعِلْمَ، قَالَ الْإِمَامُ السَّفَارِينِيُّ رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى: وَصَارَ مِنْ عَادَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ... أَنْ يَعْتَنُوا فِي سَبْرِ ذَا بِالنَّظْمِ لِأَنَّهُ يَسْهُلُ لِلْحِفْظِ كَمَا ... يَرُوقُ لِلْسَّمْعِ وَيَشْفِي مِنْ ظَمَا فَلَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ إِمَامًا حَتَّى يَحْفَظَ، لِأَنَّ عَقْلَ الْإِنْسَانِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُسَيْطِرَ عَلَى الْمُعْلُومَاتِ مَهَمَا بَلَغَ ذَكَاؤُهُ، لِذَا فَقَدْ قَامَ الْعُلَمَاءُ بِجَمْعِ الْمَعْلُومَاتِ فِي كُلِّ فَنٍّ بِالنَّظْمِ وَالتَّرْتِيبِ لِيَسْهُلَ اسْتِحْضَارُهُ فِي وَقْتِ الْحَاجَةِ. وَالْمُتُونُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ نَوْعَانِ: فَمِنْهَا نَثْرٌ وَمِنْهَا شِعْرٌ، وَالْعَرَبُ تُحِبُّ الْشِّعْرَ وَتُقَدِّمُهُ عَلَى النَّثْرِ، وَمِنْ هُنَا انْتَشَرَتِ الْمَنْظُومَاتُ الشِّعْرِيَّةُ فِي فُنُونِ الْعِلْمِ.

стр. 30

سَابِعًا ـ الْعَمَلُ فِي هَذَا الْكِتَابِ: • اخْتِيَارُ الْأَهَمِّ مِنَ الْمَنْظُومَاتِ الْفِقْهِيَّةِ الْمُعْتَمَدَةِ. • ضَبْطُ الْمَنْظُومَاتِ بِالشَّكْلِ، وَعَلَامَاتِ التَّرْقِيمِ. • كَلِمَةٌ مُوجَزَةٌ لِلتَّعْرِيفِ بِالنَّظْمِ وَأَصْلِهِ وَالنَّاظِمِ. • يُوجَدُ إِجَازَةٌ فِي نِهَايَةِ الْكِتَابِ لِلَّذِينَ يَسْمَعُونَ هَذِهِ الْمَنْظُومَاتِ أَوْ يَقْرَؤُونَهَا. وَلَا يَفُوتُنَا أَنْ نَشْكُرَ الشَّيْخَ أَبَا رَامِي جمال جميل ذيب عناية لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ جُهْدٍ كَبِيرٍ لِإِخْرَاجِ هَذَا الْكِتَابِ. وَصَلَّى اللهُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ أَجْمَعِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ. كَتَبَهُ: محمد رزق صالح الزامل ومحمد سامي محمد علي وعمار موفق هاشم خليل.