← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6157

الحاوي الكبير

الماوردي

Полный текст (8 408 стр.). Показаны 6196–6235 · переход к 6201.

стр. 6196

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتِدْلَالًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ فِعْلَ الرَّجُلِ مَعَ فِعْلِ الْمَرْأَةِ وَطْءٌ وَاحِدٌ، فَإِذَا سَقَطَ الحد في جنبتها بالجحود سقط في جنبته وَإِنْ أَقَرَّ لِعَدَمِ الْكَمَالِ؛ لِأَنَّ الْحَدَّ لَا يَجِبُ إِلَّا فِي زِنًا كَامِلٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ الزِّنَا بِجُحُودِهَا وَإِقْرَارِهِ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ وُجُودٍ وَعَدَمٍ، فَصَارَ شُبْهَةٌ فِيهِ، فَوَجَبَ إِسْقَاطُ الْحَدِّ بِهِ. وَدَلِيلُنَا: أَنَّ مَاعِزًا لَمَّا أَقَرَّ بِالزِّنَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - أربع مرات قال: الْآنَ أَقْرَرْتَ أَرْبَعًا فَبِمَنْ قَالَ: بِفُلَانَةٍ فَلَمْ يَبْعَثْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - إِلَيْهَا وَلَمْ يَسْأَلْهَا وَلَوْ كَانَ إِقْرَارُهَا شَرْطًا فِي وُجُوبِ حَدِّهِ وَإِنْكَارُهَا مُوجِبًا لِسُقُوطِهِ لَكَفَّ عَنْ رَجْمِهِ إِلَّا بَعْدَ سُؤَالِهَا. وَرَوَى سَهْلُ بن سعد الساعدي أن رجلاً اقر أنه زنا بِامْرَأَةٍ فَبَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ َ - إِلَيْهَا فَجَحَدَتْ، فَحُدَّ الرَّجُلُ، وَهَذَا نَصٌّ. فَإِنْ قيل: إنما حده القذف. قيل: حد القاذف لها لا يَسْتَحِقُّ إِلَّا بِمُطَالَبَتِهَا، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهَا طَالَبَتْ، فَصَارَ مَحْمُولًا عَلَى حَدِّ الزِّنَا دُونَ الْقَذْفِ. وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ لَيْسَ فِي جُحُودِهَا أَكْثَرُ مِنْ عَدَمِ إِقْرَارِهَا بِالزِّنَا، وَهَذَا لَا يُوجِبُ سقوط الحد عنه كالسكوت إذا لم يجحد وَلَمْ تُقِرَّ، وَلِأَنَّ مَنْ لَمْ يَمْنَعْ سُكُوتُهُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى غَيْرِهِ لَمْ يَمْنَعْ منه جحوده قياساً على غيرها، وَلِأَنَّ جُحُودَهَا لَوْ كَانَ مُسْقِطًا لِلْحَدِّ عَنْهُ لوجب إذا كانت غائبة ألا يَحُدَّ حَتَّى تَحْضُرَ؛ لِجَوَازِ أَنْ تَجْحَدَ فَيَسْقُطَ الْحَدُّ عَنْهُ، وَفِي إِجْمَاعِهِمْ عَلَى تَعْجِيلِ حَدِّهِ قَبْلَ قُدُومِهَا وَسُؤَالِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إِقْرَارَهَا وجحودها سواء في حقه. وأما الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِ " بِأَنَّهُ وَطْءٌ وَاحِدٌ) فَهُوَ أَنَّهُ وَإِنْ كَانَ وَطْئًا وَاحِدًا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَثْبُتَ حُكْمُهُ فِي جَنَبَةِ أَحَدِهِمَا، وَإِنْ سَقَطَ فِي جَنَبَةِ الْآخَرِ، كَمَا لَوْ كَانَ عَاقِلًا وَهِيَ مَجْنُونَةٌ أَوْ كَبِيرًا وَهِيَ صَغِيرَةٌ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ أَنَّ سُقُوطَهُ فِي جَنَبَةِ أَحَدِهِمَا شُبْهَةٌ فَهُوَ: أَنَّهَا شُبْهَةٌ فِي حَقِّهَا دُونَ حَقِّهِ، وَذَلِكَ لَا يُوجِبُ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْهُ كَمَا لَوْ أَكْرَهَهَا عَلَى الزِّنَا لَمْ يكن سقوط الحد عنها موجباً لِسُقُوطِ الْحَدِّ عَنْهُ، وَبَنَى أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى هذه المسألة إذا زنا الناطق بخرساء.

стр. 6197

قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَجْعَلُ إِشَارَتَهَا بِالزِّنَا إِقْرَارًا فتصير كالجاحدة، وعندنا يجب الحد عليه وعليها إِنْ أَشَارَتْ بِالْإِقْرَارِ، وَكَذَلِكَ الْأَخْرَسُ إِذَا أَشَارَ بالإقرار بالزنا حد. وقد مضت هَذِهِ الْ مَسْأَلَةُ فِي كِتَابِ " الْإِقْرَارِ) ثُمَّ يُقَالُ لِأَبِي حَنِيفَةَ: لَيْسَ فِي خَرَسِهَا أَكْثَرُ مِنْ سُكُوتِهَا وَسُكُوتُهَا لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ عليه، كذلك خرسها والله أعلم. (مسألة) قال الشافعي: " وَمَتَى رَجَعَ تُرِكَ وَقَعَ بِهِ بَعْضُ الْحَدِّ أَوْ لَمْ يَقَعْ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: إِذَا رَجَعَ الْمُقِرُّ بِالزِّنَا عَنْ إِقْرَارِهِ قُبِلَ رُجُوعُهُ وَسَقَطَ الْحَدُّ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ، سَوَاءٌ وَقَعَ بِهِ بَعْضُ الْحَدِّ أَوْ لَمْ يَقَعْ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمَالِكٌ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَدَاوُدُ بْنُ عَلِيٍّ: لَا يُقْبَلُ رُجُوعُهُ وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ، سَوَاءً وَقَعَ به الْحَدِّ أَوْ لَمْ يَقَعْ. وَقَالَ بَعْضُ الْعِرَاقِيِّينَ: يُقْبَلُ رُجُوعُهُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي حَدِّهِ وَلَا يُقْبَلُ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ) فَدَلَّ عَلَى أَنْ لَا تَأْثِيرَ لِلرُّجُوعِ بَعْدَ إِبْدَاءِ الصَّفْحَةِ. قَالُوا: ولأنه حق ثَبَتَ بِإِقْرَارِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ بِرُجُوعِهِ قِيَاسًا عَلَى حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ. وَدَلِيلُنَا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ -: " ادرؤوا الْحُدُودَ بِالشُّبَهَاتِ) وَرُجُوعُهُ شُبْهَةٌ لِاحْتِمَالِ صِدْقِهِ، وَلِأَنَّ مَاعِزًا لَمَّا هَرَبَ مِنْ حَرِّ الْأَحْجَارِ وَتَبَعُوهُ حَتَّى قَتَلُوهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: " هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه) فَلَوْ لَمْ يَكُنْ لِرُجُوعِهِ تَأْثِيرٌ لَمْ يُنْدَبْ إِلَى تَرْكِهِ بَعْدَ الْأَمْرِ بِرَجْمِهِ. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا أَقَرَّ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ بِالزِّنَا ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ فَتَرَكَهُ وَقَالَ: لَأَنْ أَتْرُكَ حَدًّا بِالشُّبْهَةِ أَوْلَى مِنْ أَنْ أُقِيمَ حَدًّا بِالشُّبْهَةِ، وَوَافَقَ أَبَا بَكْرٍ ﵁ على مِثْلِ هَذَا، وَلَيْسَ لَهُمَا فِي الصَّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا، وَلِأَنَّهُ حَدٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ثَبَتَ بِقَوْلِهِ: فَجَازَ أَنْ يَسْقُطَ بِرُجُوعِهِ كَالرِّدَّةِ، وَلِأَنَّ ما ثبت من حدود الله تعالى بالقول يجب أَنْ يَسْقُطَ بِالْقَوْلِ قِيَاسًا عَلَى رُجُوعِ الشُّهُودِ.

стр. 6198

فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْخَبَرِ فِي " إِبْدَاءِ الصَّفْحَةِ) فالراجع غير مبد لصفحته وإنما يكون مبدئاً إذا قام عَلَى إِقْرَارِهِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى حقوق الآدميين فمن وجهين هما فرق يمنع من صحة الجمع: أحدهما: أن حقوق الله تعالى تدرأ بالشبهات وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ لَا تُدْرَأُ بِهَا. وَالثَّانِي: هُوَ أَنَّ عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ أَنْ يُقِرَّ بها، وكذلك لَمْ يُقْبَلْ رُجُوعُهُ فِيهَا، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَّا التَّوْبَةُ مِنْهَا، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَى أَنْ لَا يُقِرَّ بِهَا، فلذلك قبل رجوعه فيها. وروى مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ عَنِ ابْنِ هَزَّالٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ لَهُ: وَيْحَكَ يَا هَزَّالُ لَوْ سَتَرْتَهُ بثوبك كان خيراً لك) . (فَصْلٌ) فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، فَالْحُدُودُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ. وَالثَّانِي: مَا كَانَ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةِ. وَالثَّالِثُ: مَا كَانَ مِنَ الْحُقُوقِ الْمُشْتَرَكَةِ. فأما حقوق الله تعالى المحضة فحد الزنا وقتل الردة وحد شرب الْخَمْرِ، فَإِذَا وَجَبَتْ بِالْإِقْرَارِ سَقَطَتْ بِالرُّجُوعِ عَنْهُ، وَلَوْ وَجَبَتْ بِالشَّهَادَةِ لَمْ تَسْقُطْ بِرُجُوعِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَسَقَطَتْ بِرُجُوعِ الشُّهُودِ، فَإِنِ اجْتَمَعَ فِيهَا الْإِقْرَارُ بِهَا، وَالشَّهَادَةُ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ تَخْتَصُّ إِقَامَتُهَا بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِالشَّهَادَةِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: تَخْتَصُّ إِقَامَةُ الْحَدِّ فِيهَا بِالشَّهَادَةِ دُونَ الْإِقْرَارِ؛ لِأَنَّهَا أَغْلَظُ، فَعَلَى هَذَا إِنْ رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الْحَدُّ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تَخْتَصُّ إِقَامَتُهَا بِالْإِقْرَارِ دُونَ الشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الشهادة مع الاعتراف مطرحة، فعلى هذا لو رَجَعَ عَنْ إِقْرَارِهِ سَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ، وَالْأَصَحُّ من إطلاق هذين الوجهين عندي أن ينظر فِي اجْتِمَاعِهِمَا، فَإِنْ تَقَدَّمَ الْإِقْرَارُ عَلَى الشَّهَادَةِ كَانَ وُجُوبُ الْحَدِّ بِالْإِقْرَارِ وَسَقَطَ بِالرُّجُوعِ، وَإِنْ تَقَدَّمَتِ الشَّهَادَةُ عَلَى الْإِقْرَارِ كَانَ وُجُوبُ الْحَدِّ

стр. 6199

بالشهادة ولم يسقط بالرجوع؛ لأن وجوبه ما سبقها فَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ مَا تُعْقِبُهُ، وَعَلَى الْوُجُوهِ كلها لا يسقط أحدهما الآخر. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَذَّبَ الشُّهُودَ حُدَّ بشهادتهم وإن صدقهم سقط عنه الحد فلم يحد بشهادتهم ولا بإقراره قال: لِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى مُقِرٍّ فَسَقَطَتْ، وَالْإِقْرَارُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ حَتَّى يَتَكَرَّرَ أَرْبَعًا. وَهَذَا مِمَّا يَدْفَعُهُ الْمَعْقُولُ أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى مُنْكَرٍ وَيَسْقُطَ عَنْ مُقِرٍّ، وَإِنْ بَنَاهُ عَلَى أَصْلٍ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ أَصْلِهِ. وَأَمَّا حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ الْمَحْضَةُ فَالْقِصَاصُ وَحَدُّ الْقَذْفِ، فَإِذَا وَجَبَ بِالْإِقْرَارِ لَمْ يَسْقُطْ بِالرُّجُوعِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْفَرْقَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ بَيْنَهُمَا إِلَّا أَنْ يُصَدِّقَهُ صَاحِبُ الْحَقِّ فَيَسْقُطَ بِالتَّصْدِيقِ دُونَ الرُّجُوعِ. وَأَمَّا الْحُقُوقُ المشتركة التي يتعلق بها حق الله وَحُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ فَهِيَ السَّرِقَةُ يَجِبُ فِيهَا الْقَطْعُ، وهو من حقوق الله الْمَحْضَةِ، وَغُرْمُ الْمَالِ الْمَسْرُوقِ وَهُوَ مِنْ حُقُوقِ الآدميين المحضة، فإذا أوجب بِالْإِقْرَارِ لَمْ يَسْقُطِ الْغُرْمُ بِالرُّجُوعِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ وَفِي سُقُوطِ الْقَطْعِ بِالرُّجُوعِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَسْقُطُ لِاخْتِصَاصِهِ بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى. وَالثَّانِي: لَا يَسْقُطُ بِالرُّجُوعِ لِاقْتِرَانِهِ بِمَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ الرُّجُوعُ. (فَصْلٌ) [الْأَلْفَاظُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي رُجُوعِ المقر على نفسه بالزنا] فأما ما يكون به راجعاً في إِقْرَارِهِ فَهُوَ الْقَوْلُ، وَذَلِكَ بِإِحْدَى ثَلَاثَةِ أَلْفَاظٍ، إِمَّا أَنْ يَقُولَ كَذَبْتُ فِي إِقْرَارِي، أَوْ يَقُولُ: لَمْ أَزْنِ، أَوْ يَقُولُ: قَدْ رَجَعْتُ عن إقراري، فكل واحد من هذه الألفاظ الثَّلَاثَةِ يَكُونُ رُجُوعًا صَرِيحًا، فَإِنْ قَالَ: لَا تحدوني لم يكن رجوعاً صريحاً؛ لأنه يجوز أن يريد به العفو أو الإنظار، وَلَا يَجُوزُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَلَا الْإِنْظَارُ لَهُ إلا لعذر ينظر لأجله من مرض، أو جنة أَوْ قَضَاءِ دَيْنٍ فَيُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ الكف عنه، فإذا بين عَنْ مُرَادِهِ عُمِلَ عَلَيْهِ وَحُكِمَ بِمُوجِبِهِ. وَلَوْ قَالَ: لَا حَدَّ عَلَيَّ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى صَرِيحِ الرُّجُوعِ مَعَ احْتِمَالٍ فِيهِ فَيُسْأَلُ عَنْهُ، فَأَمَّا إِنْ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِالرُّجُوعِ وَلَكِنَّ هَرَبَ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَقُومُ هَرَبُهُ مَقَامَ رُجُوعِهِ بِاللَّفْظِ الصَّرِيحِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَقُومُ مَقَامَهُ وَيَكُونُ رُجُوعًا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ فِي مَاعِزٍ حِينَ هَرَبَ مِنَ الْأَحْجَارِ " هلا تركتموه لعله أن يتوب فيتوب الله عليه) .

стр. 6200

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ رُجُوعًا لِاحْتِمَالِهِ، وَلَكِنْ يُسْأَلُ عَنْ هَرَبِهِ بَعْدَ الْإِمْسَاكِ عَنْهُ لِاحْتِمَالِهِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قال: " غرم قَاتِلَ مَاعِزٍ بَعْدَ هَرَبِهِ دِيَتَهُ) وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكُلُّ مَا جَعَلْنَاهُ رُجُوعًا صَرِيحًا بَعْدَ الْإِقْرَارِ أَوْجَبْنَا بِهِ ضَمَانَ النَّفْسِ إِنْ قُتِلَ بَعْدَهُ، وَكُلُّ مَا لَمْ نَجْعَلْهُ رُجُوعًا صَرِيحًا لم نوجب له به الضمان. (مسألة) قال الشافعي: " وَلَا يُقَامُ حَدُّ الْجَلْدِ عَلَى حُبْلَى وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ الْمُدْنَفِ وَلَا فِي يَوْمٍ حَرُّهُ أَوْ بَرْدُهُ مُفْرِطٌ وَلَا فِي أَسْبَابِ التَّلَفِ) . قال الماوردي: إِذَا كَانَ الْحَدُّ جَلْدًا أُخِّرَ مَعَ وُجُودِ الأسباب القاتلة وهي ضربان: أحدهما: حَبَلٌ يَخْتَصُّ بِالنِّسَاءِ، وَمَرَضٌ يَعُمُّ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ. فَأَمَّا الْحَبَلُ فَهُوَ أَنْ تَكُونَ الْمَحْدُودَةُ حُبْلَى حَامِلًا بِوَلَدٍ فَهُوَ مَانِعٌ مِنْ جَلْدِهَا كَمَا هُوَ مَانِعٌ مِنْ رَجْمِهَا، سَوَاءٌ كَانَ حَمْلُهَا من زنا أو حَلَالٍ؛ لِأَنَّ جَلْدَ الْحَامِلِ مُفْضٍ إِلَى تَلَفِهَا وتلف حَمْلِهَا، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مَحْظُورٌ. وَلِأَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِعُمَرَ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا وَقَدْ أَمَرَ بِحَدِّ زَانِيَةٍ حَامِلٍ إِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا، فَرَدَّهَا وَقَالَ: " لَوْلَا عَلِيٌّ لَهَلَكَ عُمَرُ) فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا وَهِيَ فِي نِفَاسِهَا فَإِنْ أَمِنَ مِنْ تَلَفِهَا فِيهِ جُلِدَتْ، وإن خيف من تلفها فيه أمهلت. وروى أَبُو جَمِيلَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ قَالَ: فَجَرَتْ جَارِيَةٌ لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ -. فَقَالَ لِي: " يَا عَلِيُّ انْطَلِقْ فَأَقِمِ الْحَدَّ عَلَيْهَا، فَأَتَيْتُهَا فَوَجَدْتُهَا يَسِيلُ دَمُهَا لَا يَنْقَطِعُ، فَعُدْتُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فأخبرته أني وجدت دمها يسيل لا يَنْقَطِعُ فَقَالَ: دَعْهَا حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا، ثُمَّ اجْلِدْهَا، وَأَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) . وَأَمَّا الْمَرَضُ فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُرْجَى زواله كالسل، والفالج فيكون في النضو عَلَى مَا سَيَأْتِي. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَرْجُوَّ الزَّوَالِ كَالْحُمَّى وَالصُّدَاعِ فَيُؤَخَّرَ الْمَحْدُودُ فِيهِ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ مَرَضِهِ؛ لِأَنَّ جَلْدَهُ فِي الْمَرَضِ مُفْضٍ إِلَى تَلَفِهِ، وَلَيْسَ يَخْلُو حَدُّهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ. إِمَّا أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الْأَصِحَّاءِ أَوْ حَدُّ الْمَرْضَى، أَوْ يُؤَخَّرُ حَتَّى يَبْرَأَ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الْأَصِحَّاءِ لِإِفْضَائِهِ إِلَى تَلَفِهِ.

стр. 6201

وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الْمَرْضَى؛ لأنه لا يُمْكِنُ أَنْ يُقَامَ عَلَيْهِ حَدُّ الْأَصِحَّاءِ فَلَمْ يبق إلى أَنْ يُؤَخَّرَ إِلَى صِحَّتِهِ. وَأَمَّا الضَّرْبُ الثَّانِي: وهو المختص بالزمان فهو شأن إِفْرَاطُ الْحَرِّ وَإِفْرَاطُ الْبَرْدِ؛ لِأَنَّ الْجَلْدَ فِيهِمَا مُفْضٍ إِلَى التَّلَفِ، وَالْمَقْصُودُ بِالْجَلْدِ الرَّدْعُ وَالزَّجْرُ دون التلف، فيؤخر فِي شِدَّةِ الْحَرِّ إِلَى اعْتِدَالِ الْهَوَاءِ وَفِي شِدَّةِ الْبَرْدِ إِلَى اعْتِدَالِهِ، فَإِنْ كَانَ هَذَا الْمَحْدُودُ فِي بِلَادِ الْحَرِّ الَّتِي لَا يَسْكُنُ حَرُّهَا أَوْ فِي بِلَادِ الْبَرْدِ الَّتِي لَا يَقِلُّ بَرْدُهَا لَمْ يُؤَخَّرْ حَدُّهُ وَلَمْ يُنْقَلْ إِلَى الْبِلَادِ الْمُعْتَدِلَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَأْخِيرِ الْحَدِّ وَلُحُوقِ الْمَشَقَّةِ، وَقُوبِلَ إِفْرَاطُ الْحَرِّ وَإِفْرَاطُ الْبَرْدِ بِتَخْفِيفِ الضَّرْبِ حَتَّى يَسْلَمَ فِيهِ مِنَ الْقَتْلِ كَمَا نَقُولُهُ فِي الْمَرَضِ الْمُلَازِمِ. (فَصْلٌ) فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا يُوجِبُ تَأْخِيرَ جَلْدِهِ فَلَمْ يؤخر وَجَلْدُهُ فِيهِ، فَإِنْ سَلِمَ مِنَ التَّلَفِ فَقَدْ أَسَاءَ فِيمَا فَعَلَ وَلَا غُرْمَ عَلَيْهِ، وَإِنْ صدر عنه تلف فيه ضربان: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتْلَفَ غَيْرُ الْمَحْدُودِ كَالْحَامِلِ إِذَا جُلِدَتْ فَأَلْقَتْ جَنِينًا مَيِّتًا فَهُوَ مَضْمُونٌ عَلَى مَنْ جَلَدَهَا كَمَا قَدْ ضَمِنَ عُمَرُ جَنِينَ المرأة حين أجهضته من رهبة رسالته. والضرب الثَّانِي: أَنْ يَتْلَفَ الْمَحْدُودُ فَفِي وُجُوبِ ضَمَانِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَضْمَنُ دِيَتَهُ لِتَعَدِّيهِ بِالْوَقْتِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَضْمَنُ دِيَتَهُ لِحُدُوثِهِ عَنْ جَلْدٍ مستحق. (مسألة) قال الشافعي: " وَيُرْجَمُ الْمُحْصَنُ فِي كُلِّ ذَلِكَ إِلَّا أَنْ تَكُونَ امْرَأَةً حُبْلَى فَتُتْرَكَ حَتَّى تَضَعَ وَيُكْفَلَ وَلَدُهَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا كَانَ الْحَدُّ رَجْمًا لَمْ يَجُزْ أَنْ تُرْجَمَ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ غَامِدٍ أَتَتِ النبي ﷺ َ - فَقَالَتْ: إِنِّي زَنَيْتُ فَطَهِّرْنِي فَقَالَ: ارْجِعِي فَرَجَعَتْ، فلما كان من الغد أتته فقالت: لعلك تريد أن تردني كَمَا رَدَّدْتَ مَاعِزًا، فَوَاللَّهِ إِنِّي لَحُبْلَى فَقَالَ لَهَا: ارْجِعِي حَتَّى تَلِدِي، فَرَجَعَتْ، فَلَمَّا وَلَدَتْهُ أَتَتْهُ بِالصَّبِيِّ فَقَالَتْ: قَدْ وَلَدْتُهُ، فَقَالَ: ارْجِعِي فأرضعيه حتى تفطميه [ ... ] وفي يده شيء يأكل فَأَمَرَ بِالصَّبِيِّ فَدُفِعَ إِلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا، ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَرُجِمَتْ، وَلِأَنَّ عَلِيًّا قَالَ لِعُمَرَ ﵁ وَقَدْ أَمَرَ بِرَجْمِ حَامِلٍ: " إِنَّهُ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَى مَا فِي بَطْنِهَا) فَرَدَّهَا وَقَالَ لَهُ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ مِثْلَ ذَلِكَ، فَإِذَا وَضَعَتْ حَمْلَهَا أَمْسَكَ عَنْهَا حَتَّى تُرْضِعَ وَلَدَهَا اللِّبَأَ الَّذِي لَا يَسْتَغْنِي عَنْهُ فِي حِفْظِ حَيَاتِهِ، ثُمَّ يُنْظَرُ فِي مُرْضِعِ الْوَلَدِ بَعْدَ اللِّبَأِ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ:

стр. 6202

أحدها: أن يوجد ويتعين فيسلم الولد إلى مرضعته وترجم الأم. والثاني: أن لا يوجد لرضاعه غَيْرُ الْأُمِّ فَيُؤَخَّرُ رَجْمُهَا حَتَّى تُرْضِعَهُ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ثُمَّ تُرْجَمَ؛ لِأَنَّنَا لَمَّا حَفِظْنَا حَيَاتَهُ حَمْلًا فَأَوْلَى أَنْ نَحْفَظَهَا وَلِيدًا. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْلَمَ وُجُودَ الْمُرْضِعِ وَلَكِنْ لَمْ يَتَعَيَّنْ فَفِي جواز رجمها قبل تعيينه وَدَفْعِهِ إِلَى الْمُرْضِعِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ رَجْمُهَا؛ لِأَنَّ الْمُرْضِعَ مَوْجُودٌ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ حَتَّى يُسَلَّمَ إِلَى الْمُرْضِعِ ثُمَّ تُرْجَمَ. فَأَمَّا غَيْرُ الْحَامِلِ مِنَ النِّسَاءِ وَالرِّجَالِ إِذَا كَانُوا مَرْضَى أَوْ فِي حَرٍّ مُفْرِطٍ أَوْ بَرْدٍ مُفْرِطٍ فَفِي تَعْجِيلِ رَجْمِهِمْ مَعَ بَقَاءِ الْمَرَضِ وَفَرْطِ الْحَرِّ وَالْبَرْدِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ حَكَاهَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ. أَحَدُهَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، والمنصوص عليه في هذا الموضع أن يُعَجَّلَ الرَّجْمُ وَلَا يُؤَخَّرَ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ الْقَتْلُ بِخِلَافِ الْمَجْلُودِ، وَسَوَاءٌ رُجِمَ بِإِقْرَارٍ أَوْ شَهَادَةٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُؤَخِّرُ رَجْمُهُ وَلَا يُعَجَّلُ حَتَّى يَبْرَأَ مِنْ مَرَضِهِ وَيَعْتَدِلَ الْحَرُّ وَالْبَرْدُ، سَوَاءٌ رُجِمَ بِإِقْرَارٍ أَوْ بَيِّنَةٍ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ وَيَرْجِعَ الشُّهُودُ في الشهادة فلا تعجيل في زمان التوجه حَتَّى يُمْكِنَ اسْتِدْرَاكُ مَا يَمْنَعُ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أن يُؤَخَّرُ إِنْ رُجِمَ بِالْإِقْرَارِ وَلَا يُؤَخَّرَ إِنْ رُجِمَ بِالشَّهَادَةِ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنَ الْمُقِرِّ رُجُوعُهُ؛ لِأَنَّهُ مَنْدُوبٌ إِلَى الرُّجُوعِ، وَالظَّاهِرُ مِنَ الشُّهُودِ أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ مَنْدُوبِينَ إِلَى الرجوع، والله أعلم. (مسألة) قال الشافعي: " وَإِنْ كَانَ الْبِكْرُ نِضْوَ الْخَلْقِ إِنْ ضُرِبَ بالسيف تلف ضرب بإثكال النخل اتباعاً لفعل النبي ﷺ َ - ذَلِكَ فِي مِثْلِهِ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا كَانَ حَدُّ النِّضْوِ الرَّجْمُ فَإِنَّهُ يُرْجَمُ لِوَقْتِهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ وَهُوَ فِي وُجُوبِ الرَّجْمِ كَمَيَّتِهِ، وَإِنْ كَانَ حَدُّهُ الْجَلْدَ وَهُوَ نضو الخلق ضعيف التركيب، وإن كَانَ سَلِيمَ الْخِلْقَةِ فَحَدَثَ بِهِ مَرَضٌ لَا يُرْجَى زَوَالُهُ فَأَنْهَكَهُ حَتَّى صَارَ بِمَنْزِلَةٍ إِنْ ناله ألم الضرب أتلفه فهو والمخلوق كذلك سواء في الجلد إذا زنيا، وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ جَلْدِهِمَا عَلَى ثَلَاثَةِ مَذَاهِبَ: أَحَدُهَا: وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أنه يعدل عن جلده بِالسَّوْطِ إِلَى إِثْكَالِ النَّخْلِ فَيَجْمَعُ مِنْهَا مِائَةَ شِمْرَاخٍ يُضْرَبُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً، وَلَا يُعْتَبَرُ فِي جَلْدِهِ السَّوْطُ وَلَا الْعَدَدُ.

стр. 6203

وَالثَّانِي: وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي جَلْدِهِ السَّوْطُ وَالْعَدَدُ كَغَيْرِهِ. وَالثَّالِثُ: وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِيهِ السَّوْطُ وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَدُ، فَيُجْمَعُ مِائَةُ سَوْطٍ وَيُضْرَبُ بِهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً. وَاسْتَدَلَّ مَنْ جَعَلَهُ كَغَيْرِهِ بِعُمُومِ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢] . وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ مُقْعَدًا أَسْوَدَ فِي جوار سعد بن معاذ زنا فأحبل فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - أَنْ يُجْلَدَ بِإِثْكَالِ النَّخْلِ. وَرُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْأَنْصَارِ اشْتَكَى حَتَّى ضَنِيَ وَعَادَ جِلْدُهُ عَلَى عَظْمِهِ، فَدَخَلَتْ عَلَيْهِ جَارِيَةٌ لِبَعْضِهِمْ فَهَشَّ لَهَا فَوَقَعَ عَلَيْهَا، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رِجَالٌ قَوْمِهِ يَعُودُونَهُ أَخْبَرَهُمْ وَقَالَ: اسْتَفْتَوْا لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - فَذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ. وَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ: مَا رَأَيْنَا أَحَدًا مِنَ النَّاسِ بِهِ مِنَ الضُّرِّ مِثْلَ مَا بِهِ مَا هُوَ إِلَّا جِلْدٌ وَعَظْمٌ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - أَنْ يَأْخُذُوا مِائَةَ شِمْرَاخٍ فَيَضْرِبُوهُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً. وَهَذَا نَصٌّ فِي هَذَا الْبَابِ، وَبِمِثْلِ هَذَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ أَيُّوبَ ﵇ وَقَدْ حَلَفَ لَيَضْرِبَنَّ زَوْجَتَهُ مِائَةً فَقَالَ: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ [ص: ٤٤] . حَكَى الشَّافِعِيُّ مُنَاظَرَةً جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ خَالَفَهُ فِيهِ فَقَالَ: قَالَ لِي بَعْضُهُمْ: لَا أعرف الحد إلا واحداً، وإن كان مضنوءاً من خلقته. قُلْتُ لَهُ: أَتَرَى الْحَدَّ أَكْبَرَ أَوِ الصَّلَاةَ؟ . فقال: الصلاة قال كل فرض قَدْ نَأْمُرُهُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَجَالِسًا، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فعلى جنبه. فَقَالَ هَذَا اتِّبَاعُ سُنَّةٍ وَمَوْضِعُ ضَرُورَةٍ قُلْتُ فَكَذَلِكَ الْجَلْدُ اتِّبَاعُ سُنَّةٍ وَمَوْضِعُ ضَرُورَةٍ قَالَ: فَقَدْ يَتْلَفُ الصَّحِيحُ الْمُحْتَمِلُ لِلضَّرْبِ وَيَعِيشُ النِّضْوُ الضَّعِيفُ. قُلْتُ: إِنَّمَا إِلَيْنَا الظَّاهِرُ وَالْأَرْوَاحُ بِيَدِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ. وَهَذَا دَلِيلٌ وَاضِحٌ وَجَوَابٌ مُقْنِعٌ. (فَصْلٌ) فَإِنْ سَرَقَ هَذَا النِّضْوُ الْخَلْقَ وَعُلِمَ أَنَّ الْقَطْعَ قَاتِلُهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:

стр. 6204

أَحَدُهُمَا: يَسْقُطُ عَنْهُ الْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ كَمَا يَسْقُطُ عَنْهُ عَدَدُ الْجَلْدِ فِي الزِّنَا؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ زَجْرُهُ دُونَ قَتْلِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُقْطَعُ كَغَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ فِي جَلْدِ الزِّنَا مُخَالِفًا لِغَيْرِهِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْقَطْعَ اسْتِهْلَاكٌ كَالرَّجْمِ فاستويا فيه. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَيْسَ لِلْقَطْعِ بَدَلٌ وَلِلْجَلْدِ بَدَلٌ فَافْتَرَقَا، وَلَكِنْ لَوْ كَانَ الْقَطْعُ مُسْتَحِقًّا فِي قِصَاصٍ وَجَبَ اسْتِيفَاؤُهُ مِنْهُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَلَوْ كَانَ الْجَلْدُ مُسْتَحِقًّا فِي حَدِّ قَذْفٍ حُدَّ كحد الزنا. (مسألة) قال الشافعي: " وَلَا يَجُوزُ عَلَى الزِّنَا وَاللِّوَاطِ وَإِتْيَانِ الْبَهَائِمِ إِلَّا أَرْبَعَةٌ يَقُولُونَ رَأَيْنَا ذَلِكَ مِنْهُ يَدْخُلُ في ذلك دخول المرود في المكحلة (قال المزني) ﵀ قلت أنا ولم يجعل في كتاب الشهادات إتيان البهيمة زِنًا وَلَا فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي مَسِّ فرج البهيمة وضوءاً) . قال الماوردي: وهذه الْمَسْأَلَةُ تَشْتَمِلُ عَلَى أَرْبَعَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: فِي الزِّنَا. وَالثَّانِي: فِي اللِّوَاطِ. وَالثَّالِثُ: فِي إِتْيَانِ الْبَهَائِمِ. وَالرَّابِعُ: فِي الشَّهَادَةِ عَلَى ذَلِكَ. فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الزِّنَا: فَهُوَ أَنْ يَطَأَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا شُبْهَةِ عَقْدٍ، ولا بملك، وَلَا شُبْهَةِ مِلْكٍ، وَلَا شُبْهَةِ فِعْلٍ عَالِمًا بِالتَّحْرِيمِ، فَيَجْتَمِعُ فِي وَطْئِهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ السِّتَّةُ، فَأَمَّا الْعَقْدُ فَهُوَ مَا صَحَّ مِنَ الْمَنَاكِحِ. وَأَمَّا شُبْهَةُ الْعَقْدِ فَهُوَ مَا احْتَمَلَهُ الِاجْتِهَادُ مِنَ الْعُقُودِ الْفَاسِدَةِ كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَالشِّغَارِ، وَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ وَلَا شُهُودٍ فَهَذَا وَمَا جَانَسَهُ مِنْ شُبْهَةِ الْعُقُودِ الْمَانِعُ مِنْ حَدِّ الزِّنَا وَالْمُوجَبُ لِلُحُوقِ الْوَلَدِ. وَأَمَّا الْعَقْدُ عَلَى ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ كَالْأُمَّهَاتِ، وَالْأَخَوَاتِ، وَالْخَالَاتِ، وَالْعَمَّاتِ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رِضَاعٍ فَلَا يَكُونُ مِنْ شُبْهَةِ الْعُقُودِ، وَيَكُونُ الْوَاطِئُ فِيهِ زَانِيًا يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَدُّ، وَكَذَلِكَ لَوْ نَكَحَ مُعْتَدَّةً أَوْ مُطَلَّقَةً مِنْهُ ثلاثاً قبل زوج ووطء فيه كان من هذه الأحوال كلها زانياً، وَبِهِ قَالَ أبو يوسف ومحمد. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: اسْمُ الْعَقْدِ يَمْنَعُ مِنْ وجوب الحد، وإذا وطء أُمَّهُ، أَوْ أُخْتَهُ أَوْ مُعْتَدَّةً بِعَقْدِ نِكَاحٍ لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَتَّى قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَوِ اسْتَأْجَرَ امْرَأَةً

стр. 6205

ليزني بها أو يستخدمها فَوَطِئَهَا فَلَا حَدَّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ وَطْءٌ عَنْ عَقْدٍ فَاسِدٍ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ فِيهِ الْحَدُّ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الْمَنَاكِحِ الْفَاسِدَةِ. قَالَ: وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ لَا يُحَدُّ بِهِ الْكَافِرُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُحَدَّ بِهِ الْمُسْلِمُ كَالنِّكَاحِ بِغَيْرِ وَلِيٍّ. قَالَ: وَلِأَنَّ مَا لَمْ يَنْطَلِقْ عَلَيْهِ اسْمُ الزِّنَا لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ حُكْمُ الزِّنَا؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ تَابِعٌ لِلِاسْمِ، وَاسْتَدَلَّ بأن اسم الزنا غير منطلق عليه أن الْمَجُوسَ يَنْكِحُونَ أُمَّهَاتِهِمْ وَأَخَوَاتِهِمْ وَلَا يَجْرِي عَلَيْهِمُ اسْمُ الزِّنَا وَلَا حُكْمُهُ. وَدَلِيلُنَا قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبائكم مِنَ النِّسَاءِ إِلا مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾ [النساء: ٢٢] وَالْفَاحِشَةُ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ هي الزنا لقوله تعالى: ﴿واللاتي تأتين الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] . وَرَوَى دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ: " مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوهُ) وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مُوَاقَعَتِهَا بِالنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ غَيْرَ النكاح يستوي فيه ذات المحارم وَغَيْرُهَا. وَرَوَى أَشْعَثُ عَنْ عَدِيُّ بْنُ ثَابِتٍ عَن الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ مَرَّ بِي خالي أبو بردة بن دينار وَمَعَهُ لِوَاءٌ فَقُلْتُ أَيْنَ تُرِيدُ؟ فَقَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - إِلَى رَجُلٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أَنْ آتِيَهُ بِرَأْسِهِ. وَرُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ: بينهما انا أطوف على إبل لي ضلت إذ أقبل ركب أو فوارس مَعَهُمْ لِوَاءٌ فَجَعَلَ الْأَعْرَابُ يَطِيفُونَ بِي لِمَنْزِلَتِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - إِذْ أَتَوْا قُبَّةً فَاسْتَخْرَجُوا مِنْهَا رَجُلًا فَضَرَبُوا عُنُقَهُ، فَسَأَلْتُ عَنْهُ فَذَكَرُوا أَنَّهُ أَعْرَسَ بِامْرَأَةِ أبيه.

стр. 6206

وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مِنْهُمْ إِلَّا عَنْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ هَذَانِ الْخَبِرَانِ فِي رَجُلَيْنِ، وهو الأظهر؛ لاختلاف الحالين. واحتمل أن يكون في رجل واحد روي على لفظتين مختلفتين وَحَالَتَيْنِ مُتَقَارِبَتَيْنِ، وَأَيُّهُمَا كَانَ فَهُوَ دَلِيلٌ. وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ وَطْءٌ مُحَرَّمٌ بِدَوَاعِيهِ غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَعَ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِهِ مُوجِبًا لِلْحَدِّ إِذَا لَمْ يُصَادِفُ مِلْكًا قِيَاسًا عَلَيْهِ إِذَا تَجَرَّدَ عَنْ عَقْدٍ. فَإِنْ قِيلَ: العقد شبهة. قيل: الشبهة ما اشتبه حُكْمُهُ بِالِاخْتِلَافِ فِي إِبَاحَتِهِ كَنِكَاحِ الْمُتْعَةِ، وَهَذَا غَيْرُ مُشْتَبَهٍ لِلنَّصِّ عَلَى تَحْرِيمِهِ فَلَمْ يَكُنْ شُبْهَةً. وَقَوْلُنَا: يَحْرُمُ بِدَوَاعِيهِ، احْتِرَازًا مِنْ وَطْءِ المحرمة والصائمة الحائض. وَقَوْلُنَا: غَيْرُ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، احْتِرَازًا مِنَ الْمَنَاكِحِ الْمُخْتَلِفِ فِيهَا. وَقَوْلُنَا: إِذَا لَمْ يُصَادِفُ مِلْكًا، احْتِرَازًا مِنَ الْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَلِأَنَّهُ عَقَدَ عَلَى مَنْ لَا يُسْتَبَاحُ بِحَالٍ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ وَجُودُهُ كَعَدَمِهِ كَالْعَقْدِ عَلَى الْغُلَامِ، وَلِأَنَّ هَذَا الْعَقْدَ لَا تَأْثِيرَ لَهُ لِوُجُودِ التَّحْرِيمِ بَعْدَهُ كَوُجُودِهِ قَبْلَهُ. وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى المناكح الفاسدة فالمعنى فيه ما ذكرنا من اختلاف الناس فيه. وقياسهم عَلَى الْكَافِرِينَ فَالْمَعْنَى فِيهِ: أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ مُبَاحًا في دينهم، واستدلالهم بِأَنَّهُ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الزِّنَا فَغَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ اسْمَ الزِّنَا لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ في المجوس لاعتقادهم إباحته، وينطلق عليه من الْمُسْلِمِينَ لِلنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، فَهَذَا حُكْمُ الْعَقْدِ وَشُبْهَتُهُ وَهُمَا شَرْطَانِ مِنَ السِّتَّةِ. (فَصْلٌ) وأما الملك فهو أن يطأ به أمة يصح مِلْكُهُ لَهَا وَلَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ وَطْؤُهَا فَيَكُونُ مُبَاحًا كَالنِّكَاحِ، فَإِنْ كَانَتْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ كَالْأُمَّهَاتِ وَالْأَخَوَاتِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي وَطْئِهِنَّ عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ، وَعَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ يُنْظَرُ فَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ لَا يَسْتَقِرُّ لَهُ عَلَيْهَا مِلْكٌ كَالْأُمِّ وَالْجَدَّةِ فَوَطْؤُهُ لَهَا وَإِنْ مَلِكَهَا زِنًا، يُوجِبُ الْحَدَّ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ قَدْ زَالَ بِعِتْقِهَا عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّنْ يَسْتَقِرُّ لَهُ عَلَيْهَا مِلْكٌ مِنَ الْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَسَائِرِ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فَفِي وُجُوبِ الحد عليها بِالْوَطْءِ مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجِبُ الحد عليها؛ لِأَنَّهُ مِلْكٌ لَا يُسْتَبَاحُ بِهِ الْوَطْءُ بِحَالٍ فَأَشْبَهَ مِلْكَ الْغُلَامِ.

стр. 6207

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا حَدَّ فِيهِ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ الْمُسْتَبَاحَ إِذَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مِلْكٌ مَنَعَ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ كَالْأَمَةِ الْمُشْتَرَكَةِ، وَيَكُونُ الْمِلْكُ مُخَالِفًا لِلنِّكَاحِ؛ لِأَنَّ الْمِلْكَ ثَابِتٌ فَكَانَ مِنْ أَقْوَى الشُّبَهِ وَالنِّكَاحُ غَيْرُ ثَابِتٍ فَارْتَفَعَتْ شُبْهَتُهُ مَعَ انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِهِ، وَصَارَ بِخِلَافِ وَطْءِ الْغُلَامِ الَّذِي لَا يُسْتَبَاحُ جِنْسُهُ بِحَالٍ، فَهَذَا الشَّرْطُ الثَّالِثُ. (فَصْلٌ) وَأَمَّا الشَّرْطُ الرَّابِعُ وَهُوَ شُبْهَةُ الْمِلْكِ: فَهُوَ أَنْ يَمْلِكَهَا بِعَقْدٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَيَكُونُ فِي سُقُوطِ الْحَدِّ كَالْمَنَاكِحِ الْمُخْتَلَفِ فِي إِبَاحَتِهَا، فَإِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَى فَسَادِهِ غَيْرَ مُخْتَلَفٍ فِي إِبَاحَتِهِ كَانَ الْوَطْءُ فِيهِ مُوجِبًا لِلْحَدِّ، وَهَكَذَا المرتهن إذا وطئ جارية قد استرقها. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا حَدَّ عَلَى الْوَاطِئِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ. (فَصْلٌ) وَأَمَّا الشَّرْطُ الْخَامِسُ: وَهُوَ شُبْهَةُ الْفِعْلِ: فَهُوَ أَنْ يَجِدَ عَلَى فِرَاشِهِ امْرَأَةً يَظُنُّهَا أَمَتَهُ، أَوْ زَوْجَتَهُ، وَتَظُنُّهُ زَوْجَهَا، أَوْ سَيِّدَهَا فَيَطَأَهَا وَتُمَكِّنَهُ فَلَا حَدَّ عِنْدِ الشَّافِعِيِّ على واحد منهما. وقال أبو حنيفة: عليها الْحَدُّ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْحَدَّ إِنَّمَا يَسْقُطُ بِعَقْدٍ أو شبهة عقد، وليس ها هنا عَقْدٌ وَلَا شُبْهَةُ عَقْدٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ الْحَدُّ كَالْعَمْدِ. وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّهُ وَطِئَ مَنِ اعْتَقَدَ أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمُهُ الْحَدُّ إِذَا بَانَ أَنَّهَا غَيْرُ زَوْجَتِهِ قِيَاسًا عَلَى الْمَزْفُوفَةِ إِلَيْهِ إِذَا قِيلَ: أَنَّهَا زَوْجَتُهُ فَبَانَتْ غَيْرُ زَوْجَتِهِ، وَبِهِ يَفْسُدُ اسْتِدْلَالُهُ، وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ يَثْبُتُ بِهِ تَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ فِيهِ الْحَدُّ كَالْوَطْءِ فِي نِكَاحِ المتعة، فإن قيل: لأن الْمُتْعَةَ عَقْدٌ. قِيلَ: الْعُقُودُ الْفَاسِدَةُ لَا تُبِيحُ الْوَطْءَ وَلَمَّا لَمْ يَمْنَعْ هَذَا الْفَرْقُ مِنَ اسْتِوَائِهِمَا فِي تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ لَمْ يَمْنَعْ مِنَ اسْتِوَائِهِمَا فِي سُقُوطِ الْحَدِّ. (فَصْلٌ) وَأَمَّا الشَّرْطُ السَّادِسُ وَهُوَ الْعِلْمُ بِالتَّحْرِيمِ فَلِأَنَّ الْعِلْمَ بِهِ هُوَ الْمَانِعُ مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَيْهِ كَالَّذِي لَمْ تبلغه دعوة الإسلام لم يلزمه أَحْكَامُهُ، كَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَعْلَمْ تَحْرِيمَ الزِّنَا لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ أَحْكَامُهُ، وَالَّذِي لَا يَعْلَمُ تَحْرِيمَ الزِّنَا مَعَ النَّصِّ الظَّاهِرِ فِيهِ وَإِجْمَاعُ الخاصة والعامة عليه أحد ثلاثة: إما جنون أفاق بعد بلوغه فزنا لِوَقْتِهِ. أَوْ حَدِيثُ عَهْدٍ بِإِسْلَامٍ لَمْ يَعْلَمْ أحكامه. أو قادم من بادية لَمْ يَظْهَرْ فِيهَا تَحْرِيمُهُ.

стр. 6208

فَإِنِ ادَّعَى الزَّانِي أَنَّهُ جَهِلَ تَحْرِيمَ الزِّنَا نُظِرَ فَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَدِ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ كان قوله مقبولاً، ولا يلزمه إحلافه إلا اسْتِظْهَارًا؛ لِأَنَّهُ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ خِلَافُهُ. (فَصْلٌ) فَإِذَا تَكَامَلَتْ فِي الْوَاطِئِ وَالْمَوْطُوءَةِ شُرُوطُ الزِّنَا السِّتَّةُ وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِمَا، سَوَاءٌ وَطِئَ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَكُونُ الْوَطْءُ فِي الدُّبُرِ زِنًا، ولا يجب به الحد، حتى قال: إنه لَا يَفْسُدُ بِهِ الْحَجُّ وَالصِّيَامُ. وَلَا تَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ، وَلَا يَجِبُ بِهِ الْغُسْلُ إِلَّا أن ينزل منه فَيَغْتَسِلُ بِالْإِنْزَالِ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّهُ اسْتِمْتَاعٌ لَا يُفْضِي إِلَى فَسَادِ النَّسَبِ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ وُجُوبُ الْحَدِّ كَالِاسْتِمْتَاعِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ. وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ إِيلَاجٌ فِي أَحَدِ الْفَرْجَيْنِ، فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الْحَدِّ كَالْقُبُلِ، وَلِأَنَّ تَحْرِيمَهُ أَغْلَظُ مِنْ تَحْرِيمِ الْقُبُلِ، لِأَنَّهُ لَا يُسْتَبَاحُ بِالْعَقْدِ فَكَانَ بِوُجُوبِ الْحَدِّ أَحَقَّ. فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إِلَى فَسَادِ النَّسَبِ فَالْعِلَّةُ فِيهِ هَتْكُ الْحُرْمَةِ. [وَفَسَادُ النَّسَبِ تَابِعٌ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ وَلَا يَكُونُ، وَهَذَا أَعْظَمُ فِي هَتْكِ الْحُرْمَةِ] . (فَصْلٌ) فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْوَطْءَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْفَرْجَيْنِ زِنًا يُوجِبُ الْحَدَّ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ فِي أَحَدِهِمَا سَوَاءٌ أَنَزَلَ أَوْ لَمْ يُنْزِلْ، فَإِنْ غَيَّبَ بَعْضَ الْحَشَفَةِ، أَوِ اسْتَمْتَعَ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ عُزِّرَ، وَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَتَعْزِيرُهُ بِتَغْيِيبِ بَعْضِ الْحَشَفَةِ أَغْلَظُ مِنْ تَعْزِيرِهِ بِاسْتِمْتَاعِهِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ، وتعزيره بِالِاسْتِمْتَاعِ بِمَا دُونَ الْفَرْجِ أَغْلَظُ مِنْ تَعْزِيرِهِ بالمضاجعة والقبلة وإفضاء الْبَشَرَةَ بِالْبَشَرَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ حَدٌّ. وَقَالَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِذَا اضْطَجَعَا فِي فِرَاشٍ وَاحِدٍ عَلَى الْمُعَانَقَةِ يُقَبِّلُهَا وَتُقَبِّلُهُ حُدَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَحِدُّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسِينَ جَلْدَةٍ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنْ لَا حَدَّ عَلَيْهِمَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَجُلًا آتِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - فَقَالَ: إِنِّي نِلْتُ مِنَ امْرَأَةٍ مَا يَنَالُهُ الرَّجُلُ مِنْ زَوْجَتِهِ إِلَّا بِوَطْءٍ قَبَّلْتُهَا وَعَانَقْتُهَا فَمَا يَجِبُ عَلَيَّ، فَتَلَا قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿أقم الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الحسنات

стр. 6209

يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤] وَلَمْ يُوجِبْ عَلَيْهِ حَدًّا، فهذا حُكْمُ الزِّنَا وَمَا تَفَرَّعَ عَلَيْهِ. (فَصْلٌ) [الْقَوْلُ في اللواط] وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي: فِي اللِّوَاطِ فَهُوَ إِتْيَانُ الذكر الذكر، وهو من أَغْلَظُ الْفَوَاحِشِ تَحْرِيمًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ من العالمين﴾ إلى قوله ﴿بل أنتم مُسْرِفُونَ﴾ [الأعراف: ٨٠، ٨١] فَجَعَلَهُ مِنْ سَرَفِ الْفَوَاحِشِ، وَلِذَلِكَ عذب الله قوم لوط بالخسف ومطر عَلَيْهِ الْحَيَوَانَ الْبَهِيمَ حَتَّى لَا يَأْتِيَ ذَكَرٌ ذَكَرًا. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ لَعَنَ اللَّهُ مَنْ يَعْمَلُ عَمَلَ قوم لوط) . وروي عنه ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَوَّلُ مَنْ لَاطَ إِبْلِيسُ أُهْبِطَ مِنَ الْجَنَةِ فَرْدًا لَا زَوْجَةَ لَهُ فَلَاطَ بنفسه فكانت ذريته منه) . فإذا ثبت أَنَّهُ مِنْ أَغْلَظِ الْفَوَاحِشِ فَفِيهِ أَغْلَظُ الْحُدُودِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا حَدَّ فِيهِ، وَلَا يَفْسُدُ بِهِ الْحَجُّ وَلَا الصَّوْمُ وَلَا يَجِبُ بِهِ الْغُسْلُ إِلَّا أَنْ يُنْزِلَ فَيَغْتَسِلُ، وَيُعَزَّرَانِ ويحبسان حتى يتوبا استدلالا بأن مَا لَمْ يَنْطَلِقْ عَلَيْهِ اسْمُ الزِّنَا لَمْ يجب فيه حد كالاستمتاع بما دون الفرج؛ لأنه اسْتِمْتَاعٌ لَا يُسْتَبَاحُ بِعَقْدٍ فَلَمْ يَجِبْ فِيهِ حد الاستمتاع وبمثله مِنَ الزَّوْجَةِ وَلِأَنَّ أُصُولَ الْحُدُودِ لَا تَثْبُتُ قياساً. دليلنا رِوَايَةُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ: " مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ) .

стр. 6210

وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: إِتْيَانُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ زِنًا) . وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قال: " الَّذِي يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ ارْجُمُوا الْأَعْلَى وَالْأَسْفَلَ) . وَرَوَى صَفْوَانُ بْنُ سُلَيْمٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَنَّهُ وَجَدَ فِي بَعْضِ ضَوَاحِي الْعَرَبِ رَجُلًا يُنْكَحُ كَمَا تُنْكَحُ الْمَرْأَةِ فَكَتَبَ إلى أبي بكر، فاستشار أبو بكر الصحابة فيه فَكَانَ عَلِيٌّ أَشَدَّهُمْ قَوْلًا فِيهِ فَقَالَ: مَا فَعَلَ هَذَا إِلَّا أُمَّةٌ مِنَ الْأُمَمِ وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلَ اللَّهُ بِهَا، أَرَى أَنْ يُحَرَقَ بِالنَّارِ، فَكَتَبَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ إِلَيْهِ فَحَرَقَهُ، وَأَخَذَ بِهِ ابْنُ الزُّبَيْرِ فَكَانَ يَحْرِقُ اللِّوَاطِيُّ فِي خِلَافَتِهِ. وَرُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا حَرَقَ لُوطِيًّا وَرَجَمَ لُوطِيًّا. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ يُلْقَى من شاهق منكساً ثم يرجم بالحجارة، وهذا قَوْلُ مَنْ ذَكَرْنَا مِنَ الصَّحَابَةِ وَلَيْسَ لَهُمْ فيه مُخَالِفٌ فَكَانَ إِجْمَاعًا بَعْدَ نَصٍّ، وَلِأَنَّهُ فَرْجٌ مَقْصُودٌ بِالِاسْتِمْتَاعِ فَوَجَبَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ وُجُوبُ الْحَدِّ قِيَاسًا عَلَى قُبُلِ الْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّهُ أَغْلَظُ مِنَ الزِّنَا إِذْ لَا سَبِيلَ إِلَى اسْتِبَاحَتِهِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ فِيهِ حَدُّ الزِّنَا كَالزِّنَا. وَقَوْلُهُمْ: إِنَّهُ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ اسْمُ الزنا فقد أطلق الله عليه اسم الْفَاحِشَةَ الَّتِي جَعَلَهَا زِنًا. وَأَمَّا اسْتِبَاحَتُهُ مِنَ الزوجة فلأن صحة العقد عليها بشبهة، وَأَمَّا إِيجَابُ الْحُدُودِ بِالْقِيَاسِ فَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ، وَعَلَى أَنَّ فِي حَدِّ اللِّوَاطِ نَصًّا، فَإِذَا ثَبَتَ وجوب الحد فيهما فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِيهِمَا بِتَغْيِيبِ الْحَشَفَةِ، وَفِيهِ إِذَا كَانَا بَالِغَيْنِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: نُصَّ عَلَيْهِ فِي اخْتِلَافِ عَلِيٍّ، وَعَبْدِ اللَّهِ أَنَّ حَدَّهُ الْقَتْلَ فِي الْمُحْصَنِ وَالْبِكْرِ، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بن عَبَّاسٍ وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، وَلِأَنَّهُ أَغْلَظُ مِنَ الزِّنَا فَكَانَ حَدُّهُ أَغْلَظَ مِنْ حَدِّ الزِّنَا، فعلى هذا في قتله قولان: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ يُقْتَلُ رَجْمًا بِالْأَحْجَارِ كَالزِّنَا؛ لِأَنَّهُ الْمَشْرُوعُ فِيهِ. وَالثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْبَصْرِيِّينَ: أَنَّهُ يُقْتَلُ بِالسَّيْفِ صَبْرًا كَالرِّدَّةِ تَعَلُّقًا بِظَاهِرِ الْخَبَرِ.

стр. 6211

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَقَلَهُ الرَّبِيعُ وَقَالَ: رَجَعَ الشَّافِعِيُّ إِلَيْهِ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ كَحَدِّ الزِّنَا يُرْجَمُ فِيهِ الْمُحْصَنُ وَيُجْلَدُ الْبِكْرُ مِائَةً وَيُغَرَّبُ عَامًا. وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ، لِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " الْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَالثَّيِّبُ بالثيب جلد مائة والرجم) ولأنه لما وجب الْفَرْقُ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فِيمَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ فِيهِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا فِيمَا اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ فِيهِ وَيَسْتَوِي فِيهِ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا غَيْرُ بَالِغٍ عُزِّرَ وَلَمْ يُحَدَّ. [حُكْمُ السِّحَاقِ] فَأَمَّا السِّحَاقُ وَهُوَ إِتْيَانُ الْمَرْأَةِ الْمَرْأَةَ فَهُوَ مَحْظُورٌ كَالزِّنَا وَإِنْ خَالَفَهُ فِي حَدِّهِ؛ لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " السِّحَاقُ زِنَا النِّسَاءِ بَيْنَهُنَّ) . وَالْوَاجِبُ فيه التعزير دون الحد لعدم الإيلاج بينهما. (فصل) [حكم إتيان البهائم] وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ فِي إِتْيَانِ الْبَهَائِمِ فَهُوَ مِنَ الْفَوَاحِشِ الْمُحَرَّمَةِ. رَوَى ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ عن إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حنيفة عَنْ دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ: " مَنْ وَقَعَ عَلَى بَهِيمَةٍ فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ) . وَرَوَاهُ أَبُو سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، وَقَدْ رَوَى الشَّافِعِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي اخْتِلَافِ عَلِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ، وَقَالَ: إِنْ صَحَّ قُلْتُ بِهِ، لِأَنَّ فِي رِوَايَتِهِ ضَعْفًا، فَإِنْ كَانَ صَحِيحًا قُتِلَ وَقُتِلَتِ الْبَهِيمَةُ، وَإِنْ لَمْ يَصِحَّ ففيه ثلاثة أقاويل: أحدها: يُقْتَلُ وَفِيهِ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: رجماً بالحجارة قاله البغداديون. والثاني: صبراً بالسيف قاله البصريون، وسواء كان بكراً أو ثيباً، ولأنه فَرْجٌ لَا يُسْتَبَاحُ بِحَالٍ فَكَانَ حُكْمُهُ أَغْلَظَ.

стр. 6212

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ فِي حُكْمِ الزِّنَا يُرْجَمُ إِنْ كَانَ ثَيِّبًا وَيُجْلَدُ وَيُغَرَّبُ إِنْ كَانَ بِكْرًا لِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا أَصْلٌ لِمَا عَدَاهُ مخرج من قوله في كتاب الشهادات. والقول الثالث: لِأَنَّهُمْ يَعُدُّونَ الِاسْتِمْنَاءَ وَإِتْيَانَ الْبَهَائِمِ زِنًا فَاقْتَضَى هَذَا مِنْ كَلَامِهِ أَنْ لَا يَكُونَ زِنًا وَلَا يَجِبُ فِيهِ حَدٌّ، وَيُعَزَّرْ فَاعِلُهُ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهَا تَمْنَعُ مِنَ النَّظَرِ إِلَيْهَا وَلَا يَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ مَسِّهَا. وَالثَّانِي: لِنُفُورِ النُّفُوسِ مِنْهَا وَمَيْلِهَا إِلَى الْآدَمِيِّينَ فَوَجَبَ الْحَدُّ فِيمَا مَالَتْ إِلَيْهِ النُّفُوسُ وَسَقَطَ فِيمَا نَفَرَتْ مِنْهُ النُّفُوسُ، كَمَا وَجَبَ الْحَدُّ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ لِمَيْلِ النُّفُوسِ إِلَيْهِ، وَسَقَطَ فِي شُرْبِ الْبَوْلِ لِنُفُورِ النُّفُوسِ مِنْهُ، فَعَلَى هَذَا إِنْ جَعَلْنَاهُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ أَوْجَبْنَا الْغُسْلَ بِالْإِيلَاجِ فيه، وإن لم نوجب الحد ففي وجوب الغسل بالإيلاج وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجِبُ بِهِ الْغُسْلُ؛ لِأَنَّهُ فَرْجٌ مُحَرَّمٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا غُسْلَ إِلَّا بِالْإِنْزَالِ؛ لِأَنَّهُ يَصِيرُ فِي حُكْمِ الْمُبَاشِرَةِ فِي غَيْرِ فَرْجٍ، فَأَمَّا الْبَهِيمَةُ فَقَدْ أُغْفِلَ الْكَلَامُ فِيهَا، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُجُوبِ قَتْلِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ بِنَاءً عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي حَدِّهِ هَلْ هُوَ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَبَرِ أَوْ الِاسْتِدْلَالِ؟ أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا لَا تُقْتَلُ إِذَا قِيلَ إِنَّ حَدَّ إِتْيَانِهَا مَأْخُوذٌ مِنَ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِدْلَالِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجِبُ قَتْلُهَا إِذَا قِيلَ: إِنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَبَرِ، وسواء كَانَتِ الْبَهِيمَةُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ، وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ في " مختصره) أنها تقتل إن كَانَتْ لَهُ وَلَا تُقْتَلُ إِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ، وَهَذَا الْفَرْقُ لَا وَجْهَ لَهُ لِعُمُومِ الْخَبَرِ. فَإِنْ قِيلَ: فَمَا الْمَعْنَى فِي قَتْلِهَا وَلَيْسَ عَلَى الْبَهَائِمِ حُدُودٌ. قِيلَ: لَيْسَتْ تُقْتَلُ حَدًّا وفي معنى قتلها أمران: أحدهما: للستر على من أتاها أن لا ترى فيقذفه الناس بإتيانها. والثاني: أن لا تَأْتِيَ بِخَلْقٍ مُشَوَّهٍ فَقَدْ قِيلَ: إِنْ بَعْضَ الرُّعَاةِ أَتَى بَهِيمَةً فَأَتَتْ بِخَلْقٍ مُشَوَّهٍ، فَعَلَى هَذَا تُقْتَلُ ذَبْحًا لَا رَجْمًا، وَفِي إِبَاحَةِ أكلها إن كانت مأكولة اللحم وجهان: أحدهما: لا تؤكل، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ لِأَنَّ النُّفُوسَ تَعَافُ أَكْلَهَا وَقَدْ أُتِيَتْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تؤكل؛ لأن إتيانها لم ينقلها عن جِنْسِهَا الْمُسْتَبَاحِ، وَهَلْ يَلْزَمُ غُرْمُهَا لِمَالِكِهَا إِنْ كانت غير مأكولة أو كانت مأكولة فقيل لَا تُؤْكَلُ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ:

стр. 6213

أَحَدُهُمَا: لَا غُرْمَ لَهُ لِأَنَّ الشَّرْعَ أَوْجَبَ قَتْلَهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَغْرَمُ لَهُ قِيمَتَهَا لِاسْتِهْلَاكِهَا عَلَيْهِ وَيَكُونُ غُرْمُهَا عَلَى مَنْ أَتَاهَا لِاسْتِهْلَاكِهَا بفعله. (فصل) [الشهادة على الزنا] وأما الفصل الثالث فِي الشَّهَادَةِ عَلَى ذَلِكَ. أَمَّا الزِّنَا وَاللِّوَاطُ فلا يقبل في الشهادة عليها أَقَلَّ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ عُدُولٍ، سَوَاءٌ كَانَ فِي رَجْمٍ أَوْ جَلَدٍ، عَلَى حُرٍّ، أَوْ عَبْدٍ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ [النساء: ١٥] ولقوله تعالى: ﴿لولا جاؤوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ [النور: ١٣] . وَلِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ - لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ حِينَ سَأَلَهُ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أَقْتُلُهُ أَوْ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فَقَالَ ﷺ َ - " لَا حَتَّى تَأْتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ كَفَى بِالسَّيْفِ شا) يعني شاهد عَلَيْكَ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَاتِ تَتَغَلَّظُ بِتَغْلِيظِ الْمَشْهُودِ فِيهِ، فلما كَانَ الزِّنَا وَاللِّوَاطُ مِنْ أَغْلَظِ الْفَوَاحِشِ الْمَحْظُورَةِ وآخرها كَانَتِ الشَّهَادَةُ فِيهِ أَغْلَظَ؛ لِيَكُونَ أَسْتَرَ لِلْمَحَارِمِ، وَأَنْفَى لِلْمَعَرَّةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُسْمَعَ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ. وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ: تُسْمَعُ فِيهِ شَهَادَةَ ثَلَاثَةِ رِجَالٍ وَامْرَأَتَيْنِ، وَيَجِيءُ عَلَى قِيَاسِ مَذْهَبِهِ أَنْ تُسْمَعَ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ وَأَرْبَعُ نسوة، وليس كذلك يصح؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ رُخْصَةٌ فِيمَا خَفَّ وَهُوَ الْأَمْوَالُ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُسْمَعَ فِي مَوَاضِعَ التَّغْلِيظِ. فَأَمَّا الشَّهَادَةُ فِي إِتْيَانِ الْبَهَائِمِ، فَإِنْ جَعَلْنَاهُ مُوجِبًا لِلْحَدِّ لَمْ يُسْمَعْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ عُدُولٍ، وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مُوجِبًا لِلتَّعْزِيرِ دُونَ الْحَدِّ فَفِيهِ وَفِي الشَّهَادَةِ عَلَى مَنْ أَتَى امْرَأَةً دُونَ الْفَرْجِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ لَا يسمع فيها أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةِ شُهُودٍ؛ لِأَنَّهُ مِنْ جِنْسٍ تَغَلَّظَتْ فِيهِ الشَّهَادَةُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ الْمُزَنِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ خَيْرَانَ، أَنَّهُ يُسْمَعُ فيها شَاهِدَانِ لِخُرُوجِهِ عَنْ حُكْمِ الزِّنَا فِي الْحَدِّ، فَخَرَجَ عَنْ حُكْمِهِ فِي الشَّهَادَةِ. وَقَالَ أَبُو حنيفة: يسمع في اللواط وإتيان البهائم ووطء الْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ الْقُبُلِ شَاهِدَانِ بِنَاءً عَلَى أصله.

стр. 6214

[الْقَوْلُ فِي صِفَةِ الشَّهَادَةِ] . فَأَمَّا صِفَةُ الشَّهَادَةِ فلا يجزئ أَنْ يَقُولَ الشُّهُودُ: رَأَيْنَاهُ يَزْنِي حَتَّى يَصِفُوا ما شاهدوه من الزنا، وهو أَنْ يَقُولُوا: رَأَيْنَا ذَكَرَهُ يَدْخُلُ فِي فَرْجِهَا كَدُخُولِ الْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ؛ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - تثبت ماعز في إقراره فقال: " أدخلت ذَلِكَ مِنْكَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا كَدُخُولِ الْمِرْوَدِ في المكحلة والرشا في البئر؟) فقال: نَعَمْ فَأَمَرَ بِرَجْمِهِ، فَلَمَّا اسْتَثْبَتَهُ فِي الْإِقْرَارِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يَسْتَثْبِتَ فِي الشَّهَادَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الشُّهُودَ عَلَى الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ بِالزِّنَا لَمَّا شَهِدُوا بِهِ عِنْدَ عُمَرَ ﵁ وهم أبو بكرة، ونافع، ونفيع، وزياد فصرح بذلك أبو بكرة، ونافع، ونفيع، فَأَمَّا زِيَادٌ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: قُلْ مَا عندك وأرجوا أَنْ لَا يَهْتِكَ اللَّهُ صَحَابِيًّا عَلَى لِسَانِكَ، فقال زياد: رأيت نفساً تعلوا أواستاً تنبو ورأيت رجلاها عَلَى عُنُقِهِ كَأَنَّهُمَا أُذُنَا حِمَارٍ وَلَا أَدْرِي يا أمير المؤمنين مَا وَرَاءَ ذَلِكَ، فَقَالَ عُمَرُ: اللَّهُ أَكْبَرُ فَأَسْقَطَ الشَّهَادَةَ وَلَمْ يَرَهَا تَامَّةً. وَالثَّالِثُ: أَنَّ الزنا لفظ مشترك. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " الْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا اللَّمْسُ وَيُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ الْفَرْجُ) فَلِذَلِكَ لَزِمَ فِي الشَّهَادَةِ نَفِيُ هَذَا الِاحْتِمَالِ بِذِكْرِ مَا شَاهَدَهُ مِنْ وُلُوجِ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ. (فَصْلٌ) وَإِذَا ظَهَرَ بِغَيْرِ ذَاتِ الزَّوْجِ حَمْلٌ، وَلَمْ يُشْهَدْ عَلَيْهَا بِالزِّنَا وَلَا أَقَرَّتْ بِهِ لَمْ تُحَدَّ، وَقَالَ مَالِكٌ: تُحَدُّ بِالْحَمْلِ؛ لأنه من وطء، وظاهره إِذَا كَانَتْ خَلِيَّةً أَنَّهُ مِنْ زِنًا فَحُدَّتْ بِالظَّاهِرِ وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِمَا رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ أُتِيَ بِامْرَأَةٍ حَامِلٍ غَيْرِ ذات زوج فسألها عنه فقال: لَمْ أُحِسَّ حَتَّى رَكِبَنِي رَجُلٌ فَقَذَفَ فِي مِثْلَ الشِّهَابِ فَقَالَ عُمَرُ: دَعُوهَا فَإِنَّهَا شَابَّةٌ، وَلِأَنَّ الْحَمْلَ قَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ وَطْءِ شُبْهَةٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ إِكْرَاهٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ زِنًا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُحْكَمَ فِيهِ بِالْأَغْلَظِ مَعَ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " ادرؤوا الحدود بالشبهات) .

стр. 6215

وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ تُسْأَلْ عَنِ الْحَمْلِ قَبْلَ الْوَضْعِ وَلَا إِنْ وَضَعَتْهُ مَيِّتًا؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِسُؤَالِهَا حُكْمٌ سِوَى الْحَدِّ، وَلَا يجوز أن تسأل عما يوجب حد الزنى عَلَيْهَا؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " مَنْ أَتَى مِنْ هَذِهِ الْقَاذُورَاتِ شَيْئًا فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مَنْ يُبْدِ لَنَا صَفْحَتَهُ نُقِمْ حَدَّ اللَّهِ عَلَيْهِ) . وَإِنْ وَضَعَتْ وَلَدًا حَيًّا سُئِلَتْ عَنْهُ حِينَئِذٍ لِمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنْ حَقِّ الْوَلَدِ فِي ثُبُوتِ نَسَبِهِ، فَإِنْ أقرت به من زنا حدث بإقرارها، والله أعلم. (مسألة) قال الشافعي: " وإن شَهِدُوا مُتَفَرِّقِينَ قَبِلْتُهُمْ إِذَا كَانَ الزِّنَا وَاحِدًا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، لَا فَرْقَ فِي الشهادة على الزنا بين أن يفرق الشهود في أدائها أو يجتمعوا عليها. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ: تُسْمَعُ شَهَادَتُهُمْ إِنِ اجْتَمَعُوا عَلَيْهَا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ، وَيُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَلَا تُقْبَلُ إِنِ افْتَرَقُوا فِي الْأَدَاءِ فَشَهِدَ بَعْضُهُمْ فِي مَجْلِسٍ وَشَهِدَ آخَرُونَ مِنْهُمْ فِي مَجْلِسٍ آخَرَ، وَلَا يَجِبُ بِشَهَادَتِهِمْ حَدٌّ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الشَّهَادَةَ عَلَى الزِّنَا تَكُونُ بِلَفْظِ الْقَذْفِ، فَإِنْ تَكَامَلَ فِيهَا الْعَدَدُ خَرَجَتْ عَنْ حُكْمِ الْقَذْفِ إِلَى الشَّهَادَةِ، وَإِنْ لَمْ يَتَكَامَلِ الْعَدَدُ اسْتَقَرَّ فِيهَا حُكْمُ الْقَذْفِ وَلَمْ تَكُنْ شَهَادَةً، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَجْلِسُ مُعْتَبَرًا فِي اسْتِقْرَارِ حُكْمِهَا؛ لِأَنَّ لِلْمَجْلِسِ تَأْثِيرًا فِي اسْتِقْرَارِ الأحكام كالقبول بعد البدل في العقود، وكالقبض في عقد التصرف. قالوا: وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ فِيهِ مُعْتَبِرَةٌ بِكَمَالِ الْأَدَاءِ وَكَمَالِ العدد، فلما كان تفريق الأداء في مجلس ذُكِرَ فِي أَحَدِهِمَا أَنَّهُ زِنًا وَوَصِفَ فِي الْآخَرِ الزِّنَا يَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الشَّهَادَةِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَفْرِيقُ الْعَدَدِ فِي مَجْلِسَيْنِ مَانِعًا من صحة الشهادة. قالوا: وَلِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا ثَبَتَ بِالْإِقْرَارِ تَارَةً وَبِالشَّهَادَةِ أُخْرَى، ثُمَّ تَغَلَّظَ الْإِقْرَارُ مِنْ وَجْهَيْنِ تَصْرِيحٌ بِصِفَةٍ، وَعَدَدٌ فِي تَكْرَارِهِ وَجَبَ أَنْ تَتَغَلَّظَ الشَّهَادَةُ فِيهِ مِنْ وَجْهَيْنِ: زِيَادَةُ عَدَدٍ، وَاجْتِمَاعٌ فِي مَجْلِسٍ. وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية [النور: ٤] . وَلَمْ يُفَرِّقْ فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ، وَلِأَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ يَجِبُ الْحُكْمُ بِهَا إِذَا تَكَامَلَ عَدَدُهَا

стр. 6216

فِي مَجْلِسٍ وَجَبَ الْحُكْمُ بِهَا إِذَا تَكَامَلَ عددها في مجلسين ووجب الحكم إِذَا تَكَامَلَ عَدَدُهَا فِي مَجَالِسَ قِيَاسًا عَلَى سَائِرِ الشَّهَادَاتِ، وَلِأَنَّهُ زَمَانٌ لَا يُعْتَبَرُ فِي شَهَادَةِ غَيْرِ الزِّنَا فَوَجَبَ أَنْ لَا يُعْتَبَرَ في غير الزنا كالموالاة؛ ولأن شهادة الحقوق نوعان: لله، وللآدميين وليست يُعْتَبَرُ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا اجْتِمَاعُ الشُّهُودِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الزِّنَا مُلْحَقًا بِأَحَدِهِمَا، وَلِأَنَّ شَهَادَةَ الْوَاحِدِ إِذَا تَقَدَّمَتْ لَمْ يَخْلُ مِنْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا شَاهِدًا، أَوْ قَاذِفًا، فَإِنْ كَانَ شَاهِدًا لَمْ يَصِرْ قَاذِفًا بِتَأَخُّرِ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ قَاذِفًا لَمْ يَصِرْ شَاهِدًا بِشَهَادَةِ غَيْرِهِ، ولأنه ليس في تفرق الشَّهَادَةِ فِي مَجْلِسَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ تَبَاعُدِ مَا بين الزمانيين، وَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي الشَّهَادَةِ، كَمَا لَوِ اسْتَدَامَ الْمَجْلِسُ فِي جَمِيعِ الْيَوْمِ فَشَهِدَ بَعْضُهُمْ فِي أَوَّلِهِ وَبَعْضُهُمْ فِي آخِرِهِ وَلِأَنَّ قَوْلَهُمْ يُفْضِي إِلَى رَدِّ الشَّهَادَةِ إِذَا تَفَرَّقَتْ فِي الزَّمَانِ الْقَصِيرِ، وَهُوَ إِذَا قَامَ الْحَاكِمُ مِنْ مَجْلِسِهِ بَيْنَ الشَّهَادَتَيْنِ قَدْرَ الصَّلَاةِ وَإِلَى إِمْضَائِهَا إِذَا تَفَرَّقَتْ فِي الزَّمَانِ الطَّوِيلِ، وَهُوَ إِذَا استدام مجلسه في جَمِيعَ النَّهَارِ فَشَهِدَ بَعْضُهُمْ فِي صَبَاحِهِ وَشَهِدَ بَعْضُهُمْ فِي مَسَائِهِ، وَمَا أَفْضَى إِلَى هَذَا كَانَ اعْتِبَارُهُ مُطَّرَحًا، وَلِأَنَّ تَفَرُّقَ الشُّهُودِ أَنْفَى لِلرِّيبَةِ وَأَمْنَعُ مِنَ التَّوَاطُؤِ وَالْمُتَابَعَةِ؛ لِأَنَّ الِاسْتِرَابَةَ بالشهود تقتضي تفريقاً ليختبر بالتفريق رتبتهم فكان افتراقهم أولى أن يعتبر مِنَ اجْتِمَاعِهِمْ. فَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِأَنَّهُ فِي صُورَةِ القاذف وإن لم يكمل العدد: فهو أنه لَوْ كَانَ قَاذِفًا لَمَا جَازَ أَنْ يُكْمِلَ بِهِ الْعَدَدَ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ الْقَاذِفِ غَيْرَ مَقْبُولَةٍ، وما ادَّعَوْهُ مِنْ تَأْثِيرِ الْمَجْلِسِ فِي الْعُقُودِ فَلَيْسَ يصح؛ لِأَنَّ التَّأْثِيرَ فِيهَا يَكُونُ بِالتَّرَاخِي، وَإِنْ كَانَ المجلس واحداً والقبض بالصرف هو المعتبر بالمجلس وليس القبض قولاً فيعتبر بِهِ الشَّهَادَةُ. وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِتَفَرُّقِ الْأَدَاءِ فَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ لَوْ تَفَرَّقَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ لَمْ يَتِمَّ فَكَذَلِكَ فِي مَجْلِسَيْنِ وَالْعَدَدُ لَوْ تَفَرَّقَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ تَمَّ فَكَذَلِكَ فِي مَجْلِسَيْنِ. وَأَمَّا اعْتِبَارُهُمْ بِتَغْلِيظِ الْإِقْرَارِ مِنْ وَجْهَيْنِ فَغَيْرُ مُسَلَّمٍ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَغَلَّظُ عِنْدَنَا بِالتَّكْرَارِ وَإِنْ تَغَلَّظَ عِنْدَهُمْ، ثُمَّ لَا يَسْتَوِيَانِ عَلَى قَوْلِهِمْ؛ لِأَنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ تَكْرَارَ الْإِقْرَارِ فِي مَجَالِسَ، فَإِنْ تَكَرَّرَ فِي مَجْلِسٍ لَمْ يَتِمَّ، وَيَعْتَبِرُونَ أعداد الشهادة في مجلس وإن كَانَ فِي مَجَالِسَ لَمْ يَتِمَّ، فَلَمْ يَسْلَمْ لَهُمْ مَعْنَى الْجَمْعِ فَبَطُلَ. (فَصْلٌ) وَتُسْمَعُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى قَدِيمِ الزِّنَا وَحَدِيثِهِ، وَيُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِشَهَادَتِهِمْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى قَدِيمِ الزِّنَا وَلَا يُحَدُّ. وَقَالَ أَبُو يوسف: جهدت بأبي حنيفة أن يوقت للمتقدم وَقْتًا فَأَبَى. وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ: وَقَّتَهُ أَبُو حَنِيفَةَ بِسَنَةٍ، فَإِنْ شَهِدَ قَبْلَهَا قُبِلَ، وَإِنْ شَهِدَ بَعْدَهَا لَمْ يُقْبَلْ، احْتِجَاجًا بِرِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ

стр. 6217

أَنَّهُ قَالَ: أَيُّمَا شُهُودٍ شَهِدُوا عَلَى حَدٍّ لَمْ يَشْهَدُوا عِنْدَ حَضْرَتِهِ فَإِنَّمَا هُمْ شُهُودُ ضَغْنٍ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ، وَلِأَنَّ شُهُودَ الزِّنَا مخيرون بين إقامتها وتركها، فإن أَخَّرَهَا صَارَ تَارِكًا لَهَا وَالْعَائِدُ فِي الشَّهَادَةِ بَعْدَ تَرْكِهَا مُتَّهَمٌ، وَشَهَادَةُ الْمُتَّهَمِ مَرْدُودَةٌ، وَلِأَنَّ الشَّهَادَةَ مُعْتَبَرَةٌ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى قَوْلٍ وَعَدَدٍ كَالْعُقُودِ، فَلَمَّا بَطُلَتِ الْعُقُودُ بِتَأْخِيرِ الْقَوْلِ وَافْتِرَاقِ الْعَدَدِ وَجَبَ أَنْ تَكُونَ الشَّهَادَةُ بِمَثَابَتِهَا فِي إِبْطَالِهَا بِتَأْخِيرِ الْقَوْلِ وَافْتِرَاقِ الْعَدَدِ. وَدَلِيلُنَا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى عُمُومِ الْأَحْوَالِ فِي الْفَوْرِ وَالتَّرَاخِي، وَلِأَنَّ كُلَّ شَهَادَةٍ قُبِلَتْ عَلَى الْفَوْرِ قُبِلَتْ عَلَى التَّرَاخِي كَالشَّهَادَةِ عَلَى سَائِرِ الْحُقُوقِ؛ وَلِأَنَّهُ أَحَدُ نَوْعَيْ مَا ثَبَتَ بِهِ الزِّنَا فَوَجَبَ أَنْ لَا يَبْطُلَ بِالتَّرَاخِي كَالْإِقْرَارِ، وأما حَدِيثُ عُمَرَ فَهُوَ مُرْسَلٌ؛ لِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يلقه وخالفه، وَقَدْ خَالَفَ عُمَرُ هَذَا الْقَوْلِ فِي قِصَّةِ الْمُغِيرَةِ فَإِنَّهُ نَقَلَ الشُّهُودَ فِيهَا مِنَ الْبَصْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ وَسَمِعَهَا بَعْدَ تَطَاوُلِ الْمُدَّةِ وَعَلَى أَنَّ قَوْلَهُ: " لَمْ يَشْهَدُوا) مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُمْ لم يشهدوا الْفِعْلَ فَلَا تُقْبَلُ مِنْهُمْ شَهَادَتُهُمْ. وَأَمَّا الِاسْتِدْلَالُ بِالتُّهْمَةِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ التُّهْمَةَ فِي الْمُبَادَرَةِ أَقْوَى مِنْهَا فِي التَّأْخِيرِ. رَوَى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ: " إِذَا تَثَبَّتَّ أَصَبْتَ أَوْ كِدْتَ تُصِيبُ، وَإِذَا اسْتَعْجَلْتَ أَخْطَأْتَ أَوْ كِدْتَ تُخْطِئُ) . وَالثَّانِي: أَنَّ التُّهْمَةَ بِالْعَدَاوَةِ لَا تُوجِبُ عِنْدَهُ رَدَّ الشهادة وإن ردت عندنا، ولو صار متهوماً بِالتَّأْخِيرِ لَرُدَّتْ بِهِ فِي غَيْرِ الزِّنَا. وَأَمَّا اعتبارهم بالعقود فباطل بسائر الشهادات والله أعلم. (مسألة) قال الشافعي: " وَمَنْ رَجَعَ بَعْدَ تَمَامِ الشَّهَادَةِ لَمْ يُحَدَّ غيره وإن لم تتم شُهُودُ الزِّنَا أَرْبَعَةً فَهُمْ قَذَفَةٌ يُحَدُّونَ) . قَالَ الماوردي: هاتان مَسْأَلَتَانِ، وَالْأُولَى فِيهِمَا تَقْدِيمٌ لِلثَّانِيَةِ؛ لِأَنَّهَا أَصْلٌ لِلْأُولَى وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ بِالزِّنَا أَقَلُّ مِنْ أَرْبَعَةٍ، إِمَّا أَنْ يَكُونُوا ثَلَاثَةً، أَوِ اثْنَيْنِ، أو واحد، الْحُكْمُ فِيهِمْ سَوَاءٌ، وَسَوَاءٌ حَضَرَ الرَّابِعُ فَتَوَقَّفَ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ، فَهَلْ يَصِيرُ الشُّهُودُ إِذَا لَمْ يَكْمُلُ عَدَدُهُمْ قَذَفَةً يُحَدُّونَ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ:

стр. 6218

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَظْهَرُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي أَكْثَرِ كُتُبِهِ مِنْ قَدِيمٍ وَجَدِيدٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمْ قَدْ صَارُوا قَذَفَةً يُحَدُّونَ. وَالْقَوْلُ الثاني: مخرج من كلام علقه فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ، ويكونوا على عدالتهم، ولا يصيروا قَذَفَةً بِنُقْصَانِ عَدَدِهِمْ، فَإِذَا قِيلَ بِالْأَوَّلِ: أَنَّهُمْ قَدْ صَارُوا قَذَفَةً يُحَدُّونَ فَدَلِيلُهُ قِصَّةُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَكَانَ أَمِيرًا عَلَى الْبَصْرَةِ مِنْ قِبَلِ عُمَرَ، وَكَانَ مِنْكَاحًا فَخَلَا بِامْرَأَةٍ فِي دَارٍ كَانَ يَنْزِلُهَا وَيَنْزِلُ مَعَهُ فِيهَا أَبُو بكرة، ونافع وشبل بن معبد ونفيع وزياد بن أمية، وَكَانَ جَمِيعُهُمْ مِنْ ثَقِيفٍ فَهَبَّتْ رِيحٌ فَتَحَتِ الْبَابَ عَنِ الْمُغِيرَةِ فَرَأَوْهُ عَلَى بَطْنِ الْمَرْأَةِ يفعل بها ما يفعل الزوج بزوجته، فَلَمَّا أَصْبَحُوا تَقَدَّمَ الْمُغِيرَةُ فِي الْمَسْجِدِ لِيُصَلِّيَ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكَرَةَ: تَنَحَّ عَنْ مُصَلَّانَا، وانتشرت القصة، فبلغت عمر فكتبوا وكتب أَنْ يُرْفَعُوا جَمِيعًا إِلَيْهِ، فَلَمَّا قَدِمُوا عَلَيْهِ حضروا مَجْلِسَهُ بَدَأَ أَبُو بَكَرَةَ فَشَهِدَ بِالزِّنَا وَوَصَفَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْمُغِيرَةِ: ذَهَبَ رُبُعُكَ، ثُمَّ شَهِدَ بعده نافع فقال علي المغيرة ذَهَبَ نِصْفُكَ، ثُمَّ شَهِدَ بَعْدَهُ شِبْلُ بْنُ مَعْبَدٍ فَقَالَ عَلِيٌّ لِلْمُغِيرَةِ: ذَهَبَ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِكَ وَقَالَ عُمَرُ: أَوَدُّ الْأَرْبَعَةَ وَأَقْبَلَ زِيَادٌ لِيَشْهَدَ فقال له عمر: إيها يا سرح العقاب قل ما عندك وأرجوا أن لا يفضح الله على يديك أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَتَنَبَّهَ زِيَادٌ فَقَالَ: رَأَيْتُ أَرْجُلًا مُخْتَلِفَةً، وَأَنْفَاسًا عَالِيَةً، وَرَأَيْتُهُ عَلَى بَطْنِهَا وَأَنَّ رِجْلَيْهَا عَلَى كَتِفَيْهِ كَأَنَّهُمَا أُذُنَا حِمَارٍ، وَلَا أَعْلَمُ مَا وراء ذلك، فقال عمر: الله اكبر يا أخي قم فاجلد هؤلاء الثلاثة، فجلدوا جلد القذف، وقال عمر لأبي بكرة، تُبْ أَقْبَلْ شَهَادَتَكَ فَقَالَ: وَاللَّهِ لَا أَتُوبُ، والله لقد زنا، والله لقد زنا، فهم عمر بجلده فقال علي: إن جلدته رجمت صاحبكما، وَفِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْهُ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: إِنْ كان هذا القول منه غير الْأَوَّلِ فَقَدْ كَمُلَتِ الشَّهَادَةُ فَارْجُمْ صَاحِبَكَ، وَإِنْ كان هو الأول فقد جلد فيه. والثاني: معناه إِنَّكَ إِنْ جَلَدْتَهُ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ فَارْجُمْ صَاحِبَكَ بِغَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ أحد من الصحابة فصارت إجماعاً، فاعترض طَاعِنٌ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أحدهما: إن قال لما عَرَّضَ عُمَرُ لِزِيَادٍ أَنْ لَا يَسْتَوْفِيَ شَهَادَتَهُ وَفِيهَا إِسْقَاطٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَإِضَاعَةٌ لِحُدُودِهِ. وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ عُمَرَ ﵁ اتَّبَعَ فِي ذَلِكَ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فِي التَّعْرِيضِ بِمَا يَدْرَأُ بِهِ الْحُدُودَ، فَإِنَّهُ عَرَّضَ لِمَاعِزٍ حِينَ أَقَرَّ عِنْدَهُ بِالزِّنَا فَقَالَ: " لعلك قبلت لعلك لامست) لِيَرْجِعَ عَنْ إِقْرَارِهِ، كَذَلِكَ فَعَلَ عُمَرُ فِي تَعْرِيضِهِ لِلشَّاهِدِ أَنْ لَا يَسْتَكْمِلَ الشَّهَادَةَ؛ لِأَنَّ جنب المؤمن حمى.

стр. 6219

والاعتراض الثاني: قَالَ: لِمَ عَرَّضَ عُمَرُ بِمَا أَسْقَطَ بِهِ الحد عن المغيرة وهو واحد وواجب به الحد على الشهود وهم ثلاثة؟ فقيل عنه ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَمَّا تَرَدَّدَ الْأَمْرُ بَيْنَ قَتْلٍ وَجَلْدٍ كَانَ إِسْقَاطُ الْقَتْلِ بِالْجَلْدِ أَوْلَى مِنْ إِسْقَاطِ الْجَلْدِ بِالْقَتْلِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا خَالَفَ الشُّهُودُ مَا نُدِبُوا إِلَيْهِ مِنْ سِتْرِ الْعَوْرَاتِ، وَخَالَفُوا قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ -: " هَلَّا سَتَرْتَهُ بِثَوْبِكَ يَا هَزَّالُ) كَانُوا بِالتَّغْلِيظِ أَحَقَّ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَالثَّالِثِ: أَنَّ رَجْمَ الْمُغِيرَةِ لَمْ يَجِبْ إِلَّا أَنْ تَتِمَّ شَهَادَتُهُمْ، وَجَلْدُهُمْ قَدْ وَجَبَ مَا لَمْ تَتِمَّ شَهَادَتُهُمْ، فَكَانَ إِسْقَاطُ مَا لَمْ يَجِبْ أَوْلَى مِنْ إِسْقَاطِ ما وجب. الاعتراض الثَّالِثُ: إِنْ قَالُوا: إِنَّ الصَّحَابَةَ عُدُولٌ، وَهَذِهِ الصفة لَا تَخْلُو مِنْ جَرْحِ بَعْضِهِمْ وَفِسْقِهِ، لِأَنَّهُمْ إِنْ صَدَقُوا فِي الشَّهَادَةِ فَالْمُغِيرَةُ زَانٍ، وَالزِّنَا فِسْقٌ، وَإِنْ كَذَبُوا فَهُمْ قَذَفَةٌ، وَالْقَذْفُ فِسْقٌ، قيل: هذه الصفة لَا تَمْنَعُ مِنْ عَدَالَةِ جَمِيعِهِمْ، وَالْخَلَاصُ مِنْ قَدْحٍ يَعُودُ عَلَى بَعْضِهِمْ، أَمَّا الْمُغِيرَةُ وَهُوَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ فَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ نَكَحَهَا سِرًّا فلم يذكروه لعمر؛ لأنه كان لا يرى نكاح السر ويحد فيه وكان يتبسم عِنْدَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ، فَقِيلَ لَهُ فِي ذَلِكَ فقال: لأن أَعْجَبُ مِمَّا أُرِيدُ أَنْ أَفْعَلَهُ بَعْدَ كَمَالِ شهادتهم، فقيل: وَمَا تَفْعَلُ قَالَ: أُقِيمُ الْبَيِّنَةَ أَنَّهَا زَوْجَتِي. وأما الشهود فلأنهم شاهدوا بِظَاهِرِ مَا شَاهَدُوا فَسَلِمَ جَمَاعَتُهُمْ مِنْ جَرْحٍ وَتَفْسِيقٍ، وَلِذَلِكَ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى قَبُولِ أَخْبَارِهِمْ فِي الدِّينِ وَأَثْبَتُوا أَحَادِيثَهُمْ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ َ - وَإِنْ كَانَ أَبُو بَكَرَةَ إِذَا أُتِيَ بِكِتَابٍ لَمْ يَشْهَدْ فِيهِ وَقَالَ: إِنَّ الْقَوْمَ فَسَّقُونِي، وَكَانَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْهُ ثِقَةً بِنَفْسِهِ، فَدَلَّتْ هذه القصة من عُمَرَ ﵁ عَلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَى الشُّهُودِ إِذَا لَمْ يَكْمُلْ عَدَدُهُمْ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى شَيْئَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الشَّهَادَةَ بِالزِّنَا أَغْلَظُ مِنْ لَفْظِ الْقَذْفِ بِالزِّنَا، لِأَنَّهُ يَقُولُ فِي الْقَذْفِ: زَنَيْتَ وَلَا يَصِفُ الزِّنَا، وَيَقُولُ فِي الشَّهَادَةِ: أَشْهَدُ أَنَّكَ زَنَيْتَ وَيَصِفُ الزِّنَا، وَالْقَذْفُ لَا يُوجِبُ حَدَّ الْمَقْذُوفِ، والشهادة توجب حد المشهود عليه، ولما كَانَتِ الشَّهَادَةُ أَغْلَظَ مِنَ الْقَذْفِ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ كَانَتْ بِوُجُوبِ الْحَدِّ إِذَا لَمْ تَتِمَّ أَوْلَى. وَالثَّانِي: أَنَّ سُقُوطَ الْحَدِّ عَنْهُمْ ذَرِيعَةٌ إلى تسرع الناس إلى القذف إذا أرادوه أَنْ يُخْرِجُوهُ مَخْرَجَ الشَّهَادَةِ حَتَّى لَا يُحَدُّوا، وَفِي حَدِّهِمْ صِيَانَةُ الْأَعْرَاضِ عَنْ تَوَقِّي الْقَذْفِ فَكَانَ أَوْلَى وَأَحَقَّ، وَإِنْ قِيلَ بِالْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُمْ عَلَى عَدَالَتِهِمْ لَا يُحَدُّونَ فَدَلِيلُهُ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ [النور: ٤] فَفَرَّقَ بَيْنَ الْقَذَفَةِ وَالشُّهُودِ فَدَلَّ عَلَى افْتِرَاقِهِمْ فِي الْحُدُودِ، وَلِأَنَّ الْقَذْفَ مَعَرَّةٌ وَالشَّهَادَةُ إِقَامَةُ حق، ولذلك إذا أكثر الْقَذَفَةُ حُدُّوا، وَلَوْ كَثُرَ الشُّهُودُ لَمْ يُحَدُّوا، فَاقْتَضَى ذَلِكَ وُقُوعَ الْفَرْقِ بَيْنَهُمْ إِذَا قَلُّوا كَمَا وَقَعَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمْ إِذَا كَثُرُوا، وَلِأَنَّ حكم كل

стр. 6220

وَاحِدٍ مِنَ الشُّهُودِ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ مُعْتَبَرٌ بِنَفْسِهِ لَا بِغَيْرِهِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ تَأْخِيرُ غَيْرِهِ عَنِ الشَّهَادَةِ مُوجِبًا لِفِسْقِهِ، وَلِأَنَّ حَدَّ الشُّهُودِ إِذَا لَمْ يَكْمُلُوا مُفْضٍ إِلَى كَتْمِ الشَّهَادَةِ خَوْفًا أَنْ يُحُدُّوا إِنْ لَمْ يكملوا فتكتم حقوق الله تعالى ولا تؤدى، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَلا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةِ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣] فَهَذَا تَوْجِيهُ الْقَوْلَيْنِ فِيهِمْ إِذَا نَقَصَ عَدَدُهُمْ وَكَمُلَتْ فِي الْعَدَالَةِ أَوْصَافُهُمْ. (فَصْلٌ) فَأَمَّا إِذَا كَمُلَ عَدَدُهُمْ وَنَقَصَتْ أَوْصَافُهُمْ فشهد عليه بِالزِّنَا أَرْبَعَةٌ فَكَانُوا عَبِيدًا، أَوْ فُسَّاقًا، أَوْ أَعْدَاءً لَا تُقْبَلُ عَلَيْهِ شَهَادَتُهُمْ، وَلَمْ يُجْلَدْ بِهِمُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي رَدِّهِمْ بِنُقْصَانِ الصِّفَةِ مَعَ كَمَالِ الْعَدَدِ هَلْ يَجْرِي مَجْرَى رَدِّهِمْ بِنُقْصَانِ الْعَدَدِ مَعَ كَمَالِ الصِّفَةِ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِمْ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أحدها: أنهما سواء، وأن كل ما منع مِنَ الْحُكْمِ بِالشَّهَادَةِ مِنْ نُقْصَانِ عَدَدٍ أَوْ نُقْصَانِ صِفَةٍ هَلْ يَصِيرُ الشُّهُودُ بِهِ قَذَفَةً يُحَدُّونَ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ: لِأَنَّهَا شَهَادَةٌ لم توجب الْحُكْمَ بِهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُمَا مُخْتَلَفَانِ فَلَا يصيروا بِنُقْصَانِ الصِّفَةِ مَعَ كَمَالِ الْعَدَدِ قَذَفَةً، وَلَا يُحَدُّونَ وَإِنْ صَارُوا بِنُقْصَانِ الْعَدَدِ مَعَ كَمَالِ الصِّفَةِ قَذَفَةً وَحُدُّوا فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ، لِأَنَّ نُقْصَانَ الْعَدَدِ نَصٌّ، وَنُقْصَانُ الصِّفَةِ اجْتِهَادٌ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مَشْهُورَانِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: حَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ أَنَّهُ إِنْ كَانَ الرَّدُّ بِنُقْصَانِ الصِّفَةِ أمراً ظاهراً كَالرِّقِّ وَالْفِسْقِ الظَّاهِرِ جَرَى مَجْرَى نُقْصَانِ الْعَدَدِ هل يَصِيرُونَ قَذَفَةً يُحَدُّونَ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ، فَإِنْ كَانَ نُقْصَانُ الصِّفَةِ بِأَمْرٍ خَفِيٍّ كَالْفِسْقِ الْخَفِيِّ وَالْعَدَاوَةِ الْخَفِيَّةِ كَانَ مُخَالِفًا لِنُقْصَانِ الْعَدَدِ فَلَمْ يَصِيرُوا بِهِ قَذَفَةً وَلَمْ يُحَدُّوا قَوْلًا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهُ كَالنَّصِّ تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ قبل سماعها والخفي منه اجتهاد ترد بها الشَّهَادَةُ بَعْدَ سَمَاعِهَا فَافْتَرَقَا. (فَصْلٌ) وَيَتَفَرَّعُ عَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ فِي نُقْصَانِ الْعَدَدِ وَنُقْصَانِ الصِّفَةِ فَرْعَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكْمُلَ عَدَدُهُمْ وَتَكْمُلَ صِفَةُ بَعْضِهِمْ دُونَ بَعْضٍ كَأَرْبَعَةٍ شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا وَفِيهِمْ عَبْدٌ، أَوْ فَاسِقٌ وَبَاقِيهِمْ عُدُولٌ، فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ نُقْصَانَ الْعَدَدِ لَا يُوجِبُ الحد فهو أولى، وإن قيل: إنه موجب الْحَدَّ فَفِي هَذَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَى جَمِيعِهِمْ لِقُوَّةِ الشهادة بكمال العدد وبكمال صفة الأكثرين. والوجه الثاني: أنه يحد جميعهم لرد شهادتهم. والوجه الثالث: يُحَدُّ مَنْ نَقَصَتْ صِفَتُهُ بِالرِّقِّ وَالْفِسْقِ، وَلَا يُحَدُّ مَنْ كَمُلَتْ صِفَتُهُ

стр. 6221

بِالْعَدَالَةِ لِلُحُوقِ الظِّنَّةِ بِالْفَاسِقِ وَانْتِفَائِهَا عَنِ الْعَدْلِ. وَالْفَرْعُ الثَّانِي: أَنْ يَكْمُلَ عَدَدُهُمْ وَتَكْمُلَ صِفَتُهُمْ فَتُرَدُّ شَهَادَتُهُمْ فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تُرَدَّ لِتَكَاذُبٍ فِيهَا وَتَعَارُضٍ وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ أَنَّهُ زَنَا بِهَا يَوْمَ الجمعة ببغداد، ويشهد الآخران أنه زنا بِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْبَصْرَةِ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ رد الشهود من غير تكاذب موجب الحد فوجب به مَعَ التَّكَاذُبِ أَوْلَى، وَإِنْ قِيلَ: إِنَّهُ لَا يُوجِبُ الْحَدَّ فَفِي رَدِّهِمْ بِالتَّكَاذُبِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يُحَدُّونَ جَمِيعًا لِلْقَطْعِ بِالْكَذِبِ فِي شَهَادَتِهِمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُحَدُّونَ جَمِيعًا، لِأَنَّ الْكَذِبَ لَمْ يَتَعَيَّنْ فِي إِحْدَى الْجِهَتَيْنِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أن يُحَدَّ الْأَخِيرَانِ؛ لِتَقَدُّمِ إِكْذَابِ الْأَوَّلَيْنِ لَهُمَا قَبْلَ شهادتهما ولا يحد الأولان لحدوث إكذاب الآخران لهما بعد شهادتهما وهذا صحيح. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تُرَدَّ شَهَادَتُهُمْ لِاخْتِلَافِ الزِّنَا مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى وُجُودِهِ مِنْهُمَا، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ أَنَّهُ زَنَا بِهَا فِي يوم الجمعة ويشهد الآخران أنه زنا بِهَا فِي يَوْمِ السَّبْتِ، أَوْ يَشْهَدُ اثْنَانِ أنه زنا بها في الدار، ويشهد آخران أنه زنا بِهَا فِي الْبَيْتِ، فَلَيْسَ فِي هَذَا تَكَاذُبٌ؛ لِأَنَّهُمَا فِعْلَانِ لَمْ تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ بِأَحَدِهِمَا فَلَمْ يُحَدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ، فَأَمَّا حَدُّ الشُّهُودِ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ نُقْصَانَ الْعَدَدِ غَيْرُ مُوجِبٍ لِلْحَدِّ فَهَذَا أَوْلَى، وَإِنْ قِيلَ إِنَّهُ مُوجِبٌ لِلْحَدِّ ففي وجوبه ها هنا وَجْهَانِ: أْحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجِبُ الْحَدُّ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الشَّهَادَةَ لَمْ تُكْمَلْ بِهِمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ لِكَمَالِ الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا وَإِنِ اخْتَلَفَتْ فصارت كاملة في سقوطه الْعِفَّةِ وَإِنْ لَمْ تُكْمَلْ فِي وُجُوبِ الْحَدِّ. وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِمْ بِهِ وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ أَنَّهُ أكرهها على الزنا، ويشهد الآخران أَنَّهَا طَاوَعَتْهُ عَلَى الزِّنَا، فَلَا حَدَّ عَلَى المرأة؛ لأنها تحد بالمطاوعة دُونَ الْإِكْرَاهِ، وَلَمْ تَكْمُلِ الشَّهَادَةُ عَلَيْهَا بِالْمُطَاوَعَةِ، فَسَقَطَ الْحَدُّ عَنْهَا. وَأَمَّا الرَّجُلُ فَفِي وُجُوبِ حَدِّهِ بِشَهَادَتِهِمْ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ في " جامعه) . أحدهما: لا يحد؛ لأن اخْتِلَافُ الصِّفَةِ كَاخْتِلَافِ الْفِعْلِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ يُحَدُّ لِاتِّفَاقِهِمْ فِي الشَّهَادَةِ عَلَيْهِ بِزِنًا وَاحِدٍ يُوجِبُ الْحَدَّ وَلَيْسَ فِيهَا تَعَارُضٌ؛ لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ يَكُونُ فِي أَوَّلِ الْفِعْلِ وَالْمُطَاوَعَةَ فِي آخِرِهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ حُكِمَ بِشَهَادَتِهِمْ فِي حَدِّ الرَّجُلِ لَمْ يُحَدُّوَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَلَا في الْمَرْأَةِ لِثُبُوتِهَا، وَإِنْ لَمْ يُحْكَمْ

стр. 6222

بشهادتهم في حد الرجل جاز الْحُكْمُ فِي وُجُوبِ حَدِّهِمْ كَالضَّرْبِ الثَّانِي إِنْ قِيلَ: إِنَّهُمْ لَا يُحَدُّونَ إِذَا نَقَصُوا، فَهَؤُلَاءِ أولى أن لا يحدوا، وإن قيل: يُحَدُّونَ إِذَا نَقَصُوا فَفِي وُجُوبِ حَدِّ هَؤُلَاءِ وَجْهَانِ: فَإِنْ قُلْنَا: لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ فَلَا مَسْأَلَةَ، وَإِنْ قُلْنَا الْحَدُّ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ حُدَّ شاهد الْإِكْرَاهِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ، وَحُدَّ شاهد الْمُطَاوَعَةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَحَقِّ الْمَرْأَةِ وَهُوَ قذف لهما بزنا واحد، فهل يَحُدُّونَ لَهُمَا حَدًّا وَاحِدًا أَوْ حَدَّيْنِ؟ عَلَى قولين: أحدهما: وهو الْقَدِيمِ: يُحَدُّونَ حَدًّا وَاحِدًا؛ لِأَنَّ الزِّنَا وَاحِدٌ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْجَدِيدُ: يُحَدُّونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَدًّا مُفْرَدًا؛ لِأَنَّهُ مَقْذُوفٌ فِي عَيْنِهِ، وَاللَّهُ أعلم. (فصل) وأما المسألة المسطورة أوله فصورتها: في أربعة شَهِدُوا عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمْ عَنْ شَهَادَتِهِ بَعْدَ الْحُكْمِ بِشَهَادَتِهِمْ وَقَبْلَ إِقَامَةِ الْحَدِّ بِهَا، سَقَطَ الْحَدُّ عَنِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ، وَحُدَّ مِنَ الشُّهُودِ الرَّاجِعُ عَنْ شَهَادَتِهِ لِاعْتِرَافِهِ بِالْقَذْفِ، وَلَمْ يُحَدَّ مَنْ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهَا. وقال أبو حنيفة: حد مَنْ رَجَعَ وَمَنْ لَمْ يَرْجِعْ إِلَّا أَنْ يكون رجوعه بعد إقامة الحد فيحد الرابع وَحْدَهُ، احْتِجَاجًا بِأَنَّ نُقْصَانَ الْعَدَدِ فِي الِانْتِهَاءِ كَنُقْصَانِهِ فِي الِابْتِدَاءِ فِي سُقُوطِ حَدِّ الزِّنَا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ بِمَثَابَتِهِ فِي وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ: هُوَ أَنَّ مَنْ وَجَبَ الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِ لَمْ يُحَدَّ إِذَا أَقَامَ عَلَى شَهَادَتِهِ كَمَا لَوْ لَمْ يَرْجِعْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ، وَلِأَنَّ نُقْصَانَ الْعَدَدِ بَعْدَ كَمَالِهِ لَا يُوجِبُ حَدَّ مَنْ بَقِيَ، كَمَا لَوْ مَاتَ بَعْضُهُمْ أَوْ فُسِّقَ قَبْلَ إِقَامَةِ الْحَدِّ، وَهَذَا أَلْزَمُ لِأَبِي حَنِيفَةَ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ: لَوْ مَاتَ أَحَدُهُمْ لَمْ يُحَدَّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عِنْدَهُ وَلَمْ يُحَدَّ الْبَاقُونَ مِنَ الشُّهُودِ، وَيُحَدُّ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ عِنْدَنَا، وَلَا يُحَدُّ الشُّهُودُ. وَالْفَرْقُ بَيْنَ نُقْصَانِ الْعَدَدِ من الِابْتِدَاءِ وَنُقْصَانِهِ فِي الِانْتِهَاءِ أَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ نُقْصَانِهِ فِي الِابْتِدَاءِ مُمْكِنٌ، وَالتَّحَرُّزُ مِنْ نُقْصَانِهِ فِي الِانْتِهَاءِ غَيْرُ مُمْكِنٍ. (فَصْلٌ) فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ حُكْمِ الشَّهَادَةِ عَلَى الزِّنَا إذا لم يجب بها حد الزنا وفي وُجُوبِ حَدِّ الْقَذْفِ عَلَى الشُّهُودِ أَوْ سُقُوطِهِ عَنْهُمْ عَلَى التَّرْتِيبِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ. فَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِمْ كَانُوا عَلَى عَدَالَتِهِمْ فِي سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ وَقَبُولِ خَبَرِهِمْ. وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّ الْحَدَّ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّهُ لَا يُحَدُّ لِلْقَذْفِ إِلَّا قَاذِفٌ، وَالْقَاذِفُ لا تسمع شهادته حتى يتوب، وبذلك قال عمر ﵁ لِأَبِي بَكْرَةَ: " تُبْ أَقْبَلْ شهادتك) فأما قبول أخبارهم عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - ففيه وجهان:

стр. 6223

أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيِّ أَنَّ أَخْبَارَهُمْ مَقْبُولَةٌ؛ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ قَبِلُوا رِوَايَاتِ أَبِي بَكْرَةَ وَمَنْ حُدَّ مَعَهُ وَلَمْ يَقْبَلُوا شَهَادَتَهُمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَقْيَسُ: أَنَّهُ لَا تُقْبَلُ أخبارهم كما لا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ؛ لِأَنَّ مَا جُرِحَ فِي تَعْدِيلِ الشَّهَادَةِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْحُقُوقِ كَانَ أَوْلَى أَنْ يُجْرَحَ في تعديل الرواية المتعلقة بالدين، والله أعلم. (مسألة) قال الشافعي: فَإِنْ رُجِمَ بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةٍ ثُمَّ رَجَعَ أَحَدُهُمْ سَأَلْتُهُ فَإِنْ قَالَ عَمَدْتُ أَنْ أَشْهَدَ بِزُورٍ مَعَ غَيْرِي لِيُقْتَلَ فَعَلَيْهِ الْقَوَدُ وَإِنْ قَالَ شَهَدْتُ وَلَا أَعْلَمُ عَلَيْهِ الْقَتْلَ أَوْ غَيْرَهُ أُحْلِفَ وَكَانَ عَلَيْهِ رُبُعُ الدِّيَةِ وَالْحَدُّ وَكَذَلِكَ إِنْ رَجَعَ الْبَاقُونَ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ. إِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَحُدَّ بِشَهَادَتِهِمْ ثُمَّ رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ فَقَدْ صَارُوا بِالرُّجُوعِ قَذَفَةً وَيُحَدُّونَ، وَلَا يَخْلُو حَالُ مَا أُقِيمَ بِشَهَادَتِهِمْ مِنَ الْحَدِّ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَكُونَ رَجْمًا، أَوْ جَلْدًا، فَإِنْ كَانَ رَجْمًا ضَمِنُوا بِالرُّجُوعِ نَفْسَ الْمَرْجُومِ، وَسُئِلُوا عَنْ شَهَادَتِهِمْ هَلْ عَمَدُوا الْكَذِبَ فِيهَا لِيُقْتَلَ أو لم يعمدوه؟ ولهم فِي الْجَوَابِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقُولُوا: أَخْطَأْنَا جَمِيعًا، فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ الْخَطَأِ مُؤَجَّلَةٌ فِي أَمْوَالِهِمْ لَا عَلَى عَوَاقِلِهِمْ؛ لِأَنَّهَا عَنِ اعْتِرَافٍ. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقُولُوا: عَمَدْنَا وَلَمْ نَعْلَمْ أَنَّهُ يُقْتَلُ وَظَنَنَّاهُ بِكْرًا، فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَلَا قَوَدَ، وَتَكُونُ فِي أَمْوَالِهِمْ دُونَ عَوَاقِلِهِمْ. وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَقُولُوا عَمَدْنَا لِيُقْتَلَ فعليهم القود، فإن عفا عنه فدية العمد المحض فِي أَمْوَالِهِمْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَلَيْهِمُ الدِّيَةُ دون القود، والكلام معه يأتي في الشهادات. وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَقُولُوا عَمَدَ بَعْضُنَا وَأَخْطَأَ بَعْضُنَا فَلَا قَوَدَ عَلَى الْعَامِدِ وَلَا عَلَى الخاطئ؛ لكن على العامد دية العمد، وَعَلَى الْخَاطِئِ دِيَةُ الْخَطَأِ مُؤَجَّلَةٌ. (فَصْلٌ) وَإِنْ كان الحد جلداً فلم يُؤَثِّرِ الْجَلْدُ فِي بَدَنِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى الشُّهُودِ، وَإِنْ أَثَّرَ فِي بَدَنِهِ فَأَنْهَرَ دَمًا وَأَحْدَثَ جُرْحًا ضَمِنَهُ الشُّهُودُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَضْمَنُونَ أَثَرَ الْجَلْدِ وَمَا حَدَثَ مِنْهُ وَإِنْ ضَمِنُوا دِيَةَ النَّفْسِ فِي الرَّجْمِ؛ لِأَنَّ الشَّهَادَةَ أَوْجَبَتِ الرَّجْمَ فَضَمِنُوهُ، ولم يوجب أَثَرَ الْجَلْدِ فَلَمْ يَضْمَنُوهُ. وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّهَا جِنَايَةٌ حَدَثَتْ عَنْ شَهَادَتِهِمْ فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمَهُمْ غُرْمُهَا كَالنَّفْسِ، وَلِأَنَّ مَا ضُمِّنَ بِهِ النَّفْسُ ضُمِنَ بِهِ مَا دُونَهَا كَالْمُبَاشِرَةِ، وَمَا اسْتُدِلَّ بِهِ غَيْرُ صَحِيحٍ؛ لِأَنَّ

стр. 6224

السَّرَايَةَ مَضْمُونَةٌ كَالْجِنَايَةِ، فَهَذَا حُكْمُ رُجُوعِهِمْ جَمِيعًا، فأما إذا رجع أحدهم فهي مسألة الكتاب فَيُنْظَرُ، فَإِنْ قَالَ: عَمَدْتُ وَعَمَدَ أَصْحَابِي وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ دُونَهُمْ، وَإِنْ قَالَ: أَخْطَأْتُ أَوْ قَالَ: عَمَدْتُ وَأَخْطَأَ أَصْحَابِي فَعَلَيْهِ رُبُعُ الدِّيَةِ دُونَ الْقَوَدِ، وَلَوْ رَجَعَ اثْنَانِ وَجَبَ عَلَيْهِمَا نِصْفُ الدِّيَةِ، وَلَوْ رَجَعَ ثَلَاثَةٌ كَانَ عَلَيْهِمْ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الدِّيَةِ. (فَصْلٌ) وَإِذَا شَهِدَ سِتَّةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَرُجِمَ ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُمْ وَاحِدٌ، أَوِ اثْنَانِ وَبَقِيَ بَعْدَ الرَّاجِعِ بَيِّنَةٌ كَامِلَةٌ فَفِي ضَمَانِ الرَّاجِعِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الأصح، ورواه البويطي عن الشافعي: أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِبَقَاءِ بَيِّنَةٍ يَجِبُ بها الرجم، فصار رجوعه كَعَدَمِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: حَكَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ، أَنَّ الرَّاجِعَ يُضْمَنُ مَعَ بَقَاءِ الْبَيِّنَةِ؛ لِأَنَّهُ رجل بِشَهَادَةِ جَمِيعِهِمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَتَعَيَّنَ فِي الشَّهَادَةِ بَعْضَهُمْ. فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ الرَّاجِعُ مِنَ السِّتَّةِ وَاحِدًا فَعَلَيْهِ سُدُسُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ واحد من ستة، ولو رجع اثنان فعليهما ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَلَكِنْ لَوْ رَجَعَ مِنَ السِّتَّةِ ثَلَاثَةٌ ضَمَنُوا، لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ الْمَذْهَبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ بَيِّنَةٌ كَامِلَةٌ، وَفِي قَدْرِ مَا يَضْمَنُونَهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ عَلَى الثَّلَاثَةِ رُبُعُ الدِّيَةِ، لِأَنَّ الْبَاقِيَ مِنَ الْبَيِّنَةِ ثَلَاثَةُ أَرْبَاعِهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وهو الظاهر من منصوص الْبُوَيْطِيِّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ عَلَيْهِمْ نِصْفَ الدِّيَةِ لِرُجُوعِ نِصْفِ الشُّهُودِ. وَلَوْ رَجَعَ مِنَ السِّتَّةِ أربعة فأحد الوجهين: عَلَيْهِمْ نِصْفُ الدِّيَةِ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ مَنْ بَقِيَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِمْ ثُلُثَا الدِّيَةِ اعْتِبَارًا بِعَدَدِ مَنْ رَجَعَ. (فَصْلٌ) وَإِذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا وَشَهِدَ اثْنَانِ بِإِحْصَانِهِ ثُمَّ رَجَعَ شَاهِدَا الْإِحْصَانِ دُونَ شُهُودِ الزِّنَا فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ عَلَيْهِمَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حنيفة لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمَا، لِأَنَّهُ رُجِمَ بِالزِّنَا لَا بِالْإِحْصَانِ فَلَمْ يَلْزَمْ شُهُودَ الْإِحْصَانِ ضَمَانٌ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ، وَحَكَاهُ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنِ الْمُزَنِيِّ أَنَّ عَلَيْهِمَا الضَّمَانَ، لِأَنَّهُ لَوْلَا شَهَادَتُهُمَا بِالْإِحْصَانِ لَمْ يُرْجَمْ. وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: إِنْ كَانَتِ الشَّهَادَةُ بِالْإِحْصَانِ قَبْلَ الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا لَمْ

стр. 6225

يَضْمَنْ شُهُودُ الْإِحْصَانِ، وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَهَا ضَمِنُوا، ولقوله وجه، فَعَلَى هَذَا إِذَا ضُمِنَ شَاهِدَا الْإِحْصَانِ، فَفِي قَدْرِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَهُوَ الظاهر من رواية المزني: اعتباراً بأعداد الجمع. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: نِصْفُ الدِّيَةِ، اعْتِبَارًا بِأَنَّهُمَا أَحَدُ خبرين، وَلَوْ رَجَعَ شُهُودُ الزِّنَا الْأَرْبَعَةُ، وَلَمْ يَرْجِعْ شاهداً الإحصان ضمنوا. وفي قدر ما يلزمهم ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: جَمِيعُ الدِّيَةِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ شُهُودَ الْإِحْصَانِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِمْ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَضْمَنُونَ ثُلُثَيِ الدِّيَةِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ شاهدي الإحصان يضمنان الثلث. والوجه الثالث: لو رَجَعَ وَاحِدٌ مِنْ شُهُودِ الزِّنَا وَوَاحِدٌ مِنْ شهود الإحصان ففيها ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّ عَلَى شَاهِدِ الزِّنَا ربع الدية، ولا شيء على شاهدي: الإحصان إذا قيل بخروجهم عَنِ الضَّمَانِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عَلَى شَاهِدِ الزنا سدس الدية، وعلى شاهد الإحصان سُدُسُ الدِّيَةِ إِذَا اعْتُبِرَ عَدَدُ الْجَمِيعِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّ عَلَى شَاهِدِ الزِّنَا ثُمُنَ الدِّيَةِ، وَعَلَى شَاهِدِ الْإِحْصَانِ رُبُعُ الدِّيَةِ إِذَا اعْتُبِرَ كل خبر. (فَصْلٌ) وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا فَأَنْكَرَ الْإِحْصَانَ وَكَانَ لَهُ زَوْجَةً لَهُ مِنْهَا وَلَدٌ لَمْ يَثْبُتْ بِهِ إِحْصَانُهُ. وَقَالَ أَبُو حنيفة: يثبت إحصانه بولد مِنْ زَوْجَتِهِ احْتِجَاجًا بِأَنَّ لُحُوقَ الْوَلَدِ بِهِ إِنَّمَا يَكُونُ لِإِجْرَاءِ حُكْمِ الْوَطْءِ عَلَيْهِ، وَإِذَا جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْوَطْءِ فِي لُحُوقِهِ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ الْوَطْءِ فِي إِحْصَانِهِ وَكَمَالِ الْمَهْرِ بِهِ. وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ وَلَدَ الزَّوْجَةِ يَلْحَقُ بِالْإِمْكَانِ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ تُدْرَأُ بِالشُّبَهَاتِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَطِئَهَا دُونَ الْفَرْجِ فَاسْتَدْخَلَتْ مَنِيَّهُ فلحق به الولد، ولم يثبت له الْحَصَانَةُ، فَأَمَّا كَمَالُ الْمَهْرِ بِلُحُوقِ الْوَلَدِ فَفِيهِ قولان: أحدهما: لا يكمل كما لا تثبت الْحَصَانَةُ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يَكْمُلُ الْمَهْرُ وَإِنْ لَمْ تَثْبُتِ الْحَصَانَةُ؛ لِأَنَّ الشُّبْهَةَ تُدْرَأُ بِهَا الْحُدُودُ دون الحقوق.

стр. 6226

(مسألة) قال الشافعي: " وَلَوْ شَهِدَ عَلَيْهَا بِالزِّنَا أَرْبَعَةٌ وَشَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ عُدُولٍ أَنَّهَا عَذْرَاءُ فَلَا حَدَّ) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ بَقَاءَ الْعُذْرَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ الزِّنَا، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَعَوْدِ الْبَكَارَةِ بَعْدَ الزِّنَا، فَلَمَّا احْتُمِلَ الْأَمْرَيْنِ سقط الحد عنها؛ لأن الحد يدرأ بالشبهة، وَلَا يَجِبُ مَعَ الِاحْتِمَالِ، وَأَمَّا الشُّهُودُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ بَقَاءَ الْعُذْرَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَعَوْدِهَا بَعْدَ الزِّنَا فَيَكُونُوا صَادِقِينَ، وَيُحْتَمَلُ أن يكون لعدم الزنا فيكونوا كاذبين فلا حد عليهم وَهُمْ عَلَى الْعَدَالَةِ، فَلَمْ يَجِبْ أَنْ يُجَرَّحُوا بالشك وجنب المؤمن حمى فلم يجب أن يحد بِالشُّبْهَةِ، وَلَوْ بَانَ بَعْدَ الشَّهَادَةِ عَلَيْهَا بِالزِّنَا أَنَّهَا رَتْقَاءُ، أَوْ قَرْنَاءُ نُظِرَ: فَإِنْ كَانَ القرن والرتق يَمْنَعُ مِنْ إِيلَاجِ الْحَشَفَةِ فِي الْفَرْجِ لَمْ تُحَدَّ كَالْعُذْرَةِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَمْنَعُ مِنْ إيلاجها في الفرج حدث بِخِلَافِ الْعُذْرَةِ، ثُمَّ تَكُونُ هَذِهِ الشَّهَادَةُ وَإِنْ سقط الحد مُسْقِطَةً لِعِفَّتِهَا، فَإِنْ قَذَفَهَا قَاذِفٌ لَمْ يُحَدَّ لِكَمَالِ الشَّهَادَةِ بِالزِّنَا وَسُقُوطِ الْحَدِّ بِالشُّبْهَةِ. (فَصْلٌ) وإذا شهد أربعة على رجل أنه زنا بامرأة فشهد اثنان منهم أنه زنا بِهَا فِي الزَّاوِيَةِ الْيُمْنَى مِنْ هَذَا الْبَيْتِ، وشهد الآخران، أنه زنا بِهَا فِي الزَّاوِيَةِ الْيُسْرَى مِنْهُ لَمْ يَجِبِ الْحَدُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: أَحَدُهُمَا اسْتِحْسَانًا لَا قِيَاسًا، وَكَذَلِكَ لَوِ اخْتَلَفَ الشهود الأربعة في الزوايا الأربع حدهم استحساناً، وسميت هذه المسألة الزَّوَايَا احْتِجَاجًا بِأَنَّ الشَّهَادَةَ إِذَا أَمْكَنَ حَمْلُهَا عَلَى الصِّحَّةِ لَمْ يَجُزْ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْفَسَادِ، وَقَدْ يُمْكِنُ أَنْ يَزْحَفَ الزَّانِيَانِ مِنْ زاوية إلى أُخْرَى فَيَكُونَا فِي أَوَّلِ الْفِعْلِ فِي زَاوِيَةٍ فَيَرَاهُمَا شَاهِدَانِ، وَفِي آخِرِ الْفِعْلِ فِي زَاوِيَةٍ أُخْرَى فَيَرَاهُمَا فِيهَا شَاهِدَانِ، وَيَكُونُ الزِّنَا وَاحِدًا. وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّ الزِّنَا يَخْتَصُّ بِزَمَانٍ وَمَكَانٍ، فَلَمَّا كَانَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الزَّمَانِ يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ الْحَدِّ، وَهُوَ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ أنه زنا بها وقت الظهر، ويشهد الآخران أنه زنا بها وَقْتِ الْعَصْرِ، وَإِنِ احْتُمِلَ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ الْفِعْلِ فِي الظُّهْرِ وَآخِرُهُ فِي الْعَصْرِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ اخْتِلَافُهُمَا فِي الْمَكَانِ بِمَثَابَتِهِ، وَإِنْ أَمْكَنَ حُكِمَ اخْتِلَافُهُ عَلَى أَوَّلِ الْفِعْلِ وَآخِرِهِ، وَالْعِلَّةُ فِيهِ أَنَّ الْفِعْلَ فِي أَحَدِ الْمَكَانَيْنِ غَيْرُ الْفِعْلِ فِي الْمَكَانِ الْآخَرِ وَفِيهِ انْفِصَالٌ. (مسألة) قال الشافعي: " وإن أكرهها على الزنا فعليه الحد دونها ومهر مِثْلِهَا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا اسْتَكْرَهَ امرأة على نفسها حتى زنا بِهَا وَجَبَ الْحَدُّ عَلَيْهِ دُونَهَا، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ؛ لِرِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَبْدِ الجبار بن

стр. 6227

وَائِلِ بْنِ حُجْرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً اسْتُكْرِهَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَدَرَأَ الْحَدَّ عَنْهَا، وَحَدَّ الزَّانِي بِهَا. فَأَمَّا المهر فمختلف في وجوبه فمذهب الشافعي أن عليه لَهَا مَهْرُ مِثْلِهَا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا مَهْرَ عَلَيْهِ؛ احْتِجَاجًا بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - عَنْ مَهْرِ الْبَغِيِّ، رَوَاهُ بِالتَّسْكِينِ، وَالْبَغْيُ الزِّنَا، وهذا زنا. قال: وَلِأَنَّهُ وَطْءٌ وَجَبَ بِهِ الْحَدُّ عَلَى الْوَاطِئِ فوجب أن يسقط عنه المهر كالمطاوعة. قال: وَلِأَنَّ الْحَدَّ يَجِبُ مَعَ انْتِفَاءِ الشُّبْهَةِ وَالْمَهْرُ يَجِبُ مَعَ وُجُودِ الشُّبْهَةِ فَامْتَنَعَ اجْتِمَاعُهُمَا. وَدَلِيلُنَا قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ َ - " أَيُّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ بِغَيْرِ إِذْنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ مَسَّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا) وَهَذَا مُسْتَحِلٌّ لِفَرْجِهَا فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ مَهْرُهَا. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا لَزِمَهُ الْمَهْرُ في العقد الفاسد قيل: كلما ضمن بالبدل من العقد الفاسد ضمن بالغضب والإكراه كالأموال؛ لأنه وَطْءٌ فِي غَيْرِ مِلْكٍ، فَإِذَا سَقَطَ بِهِ الْحَدُّ عَنِ الْمَوْطُوءَةِ وَجَبَ بِهِ الْمَهْرُ عَلَى الْوَاطِئِ كَالْوَاطِئِ بِالشُّبْهَةِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا وَجَبَ الْمَهْرُ لِلْمَوْطُوءَةِ بِنِكَاحٍ فَاسِدٍ كَانَ وُجُوبُهُ لِلْمُسْتَكْرَهَةِ أَوْلَى مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ مَعَ عِلْمِهَا عَاصِيَةٌ، وَالْمُسْتَكْرَهَةَ غَيْرُ عَاصِيَةٍ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْمَنْكُوحَةَ مُمَكِّنَةٌ، وَالْمُسْتَكْرِهَةَ غَيْرُ مُمَكِّنَةٍ. فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ نَهْيِهِ عَنْ " مَهْرِ الْبَغِيِّ) فَالرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ الْبَغِيُّ بالتشديد يعني الزانية، وليست هذه الزانية. ولا دليل ايضاً لمن روى بالتخفيف يَعْنَى الزِّنَا؛ لِأَنَّ هَذَا الْوَطْءَ زِنًا فِي حَقِّ مَنْ حُدَّ، وَلَيْسَ بِزِنَا فِي حَقِّ مَنْ لَمْ يُحَدَّ. وَأَمَّا قِيَاسُهُمْ عَلَى الْمُطَاوَعَةِ فَالْمَعْنَى فِيهِ وُجُوبُ الْحَدِّ عَلَيْهَا. وَأَمَّا اسْتِحَالَةُ وُجُودِ الشُّبْهَةِ وَعَدَمِهَا فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ فَهُوَ مستحيل في حق

стр. 6228

الواحد، وليس بمستحيل فِي حَقِّ الِاثْنَيْنِ، كَمَا لَمْ يَسْتَحِلَّ أَنْ يَجِبَ الْحَدُّ عَلَى الْوَاطِئِ وَيَسْقُطَ الْحَدُّ عَنِ الموطوءة. وجملته أن الذي يختص بالرجل ثلاثة أحكام الحد، والمهر، والنسب. وأما النَّسَبُ: فَيُعْتَبَرُ بِهِ شُبْهَةُ الْوَاطِئِ دُونَ الْمَوْطُوءَةِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُ شُبْهَةٌ لَحِقَ بِهِ وَإِنْ لم يكن لَهُ شُبْهَةٌ لَمْ يَلْحَقْ بِهِ. وَأَمَّا الْمَهْرُ: فَيُعْتَبَرُ بِهِ شُبْهَةُ الْمَوْطُوءَةِ دُونَ الْوَاطِئِ، فَإِنْ كَانَ لَهَا شُبْهَةٌ وَجَبَ لَهَا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لها شبهة لم يجب. وَأَمَّا الْحَدُّ فَيُعْتَبَرُ بِهِ شُبْهَةُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ كَانَتْ لَهُمَا شُبْهَةٌ سَقَطَ الْحَدُّ عنهما، وإن لم يكن لها شبهة وجب الحد عليها، وَإِنْ كَانَتْ لِأَحَدِهِمَا شُبْهَةٌ دُونَ الْآخَرِ وَجَبَ عَلَى مَنِ انْتَفَتْ عَنْهُ الشُّبْهَةُ وَسَقَطَ عَمَّنْ لحقت به الشبهة. (فصل) فأما الرجل إذا أكره على الزنا فمذهب الشافعي لا حد عليه كالمرأة. وذهب بعض أصحابه إِلَى وُجُوبِ الْحَدِّ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّ الْوَطْءَ لَا يكون إلا مع الانتشار الحادث عن الشهوة، وحدوث الشهوة يكون عَنِ الِاخْتِيَارِ دُونَ الْإِكْرَاهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ أَكْرَهَهُ السُّلْطَانَ عَلَى الزِّنَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ، وَإِنْ أَكْرَهْهُ غَيْرُ السُّلْطَانِ حُدَّ؛ اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ إِكْرَاهَ السُّلْطَانِ فِسْقٌ يَخْرُجُ بِهِ مِنَ الْإِمَامَةِ فَيَصِيرُ الْوَقْتُ خَالِيًا مِنْ إِمَامٍ كَزَمَانِ الْفَتْرَةِ، وَيَصِيرُ عِنْدَهُ كَدَارِ الْحَرْبِ الَّتِي لَا يَجِبُ عَلَى الزَّانِي فِيهَا حَدٌّ عِنْدِهِ، وَكِلَا الأمرين فاسداً. وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِمْ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " ادرؤوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ) وَالْإِكْرَاهُ مِنْ أَعْظَمِ الشُّبَهَاتِ، وَلِأَنَّهُ إِكْرَاهٌ عَلَى الزِّنَا فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ بِهِ الْحَدُّ كَإِكْرَاهِ الْمَرْأَةِ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَا سَقَطَ فيه الحد، أو أُكْرِهَتْ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ سَقَطَ فِيهِ الْحَدُّ إِذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ كَالسَّرِقَةِ وَشُرْبِ الْخَمْرِ. فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِحُدُوثِ الِانْتِشَارِ عَنِ الشَّهْوَةِ فَهُوَ: أَنَّ الشَّهْوَةَ مَرْكُوزَةٌ فِي الطِّبَاعِ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهَا، وَإِنَّمَا يُمْكِنُ دَفْعُ النَّفْسِ عَنِ الانقياد لها لدين أو تقية، فَصَارَ الْإِكْرَاهُ عَلَى الْفِعْلِ لَا عَلَى الشَّهْوَةِ، والحد إنما يجب في الْفِعْلِ دُونَ الشَّهْوَةِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِ أبي حنيفة بخلو الدار من الإمام لِخُرُوجِهِ بِالْفِسْقِ مِنَ الْإِمَامَةِ فَمِنْ وَجْهَيْنِ:

стр. 6229

أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ السُّلْطَانُ الْمُكْرِهُ غَيْرُ إِمَامٍ، فَلَا تَخْلُو الدَّارُ مِنْ إِمَامٍ، وَأَنْتَ تسوي بين الأمرين فلم يصح التعليل. وَالثَّانِي: أَنَّ خُلُوَّ الدَّارِ مِنْ إِمَامٍ لَا يُوجِبُ إِسْقَاطَ الْحُدُودِ كَمَا لَمْ يُوجِبِ اسْتِبَاحَةَ أَسْبَابِهَا، وَكَذَلِكَ دَارُ الْحَرْبِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فيها. (مسألة) قال الشافعي: " وَحَدُّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ أُحْصِنَا بِالزَّوَاجِ أَوْ لَمْ يُحْصَنَا نِصْفُ حَدِّ الْحُرِّ وَالْجَلْدُ خَمْسُونَ جَلْدَةً وقال في موضع آخر أستخير الله في نفيه نصف سنة وقطع في موضع آخر بأن ينفى نصف سنة (قال المزني) ﵀ قلت أنا وهذا بقوله أولى قياسا على نصف ما يجب على الحر من عقوبة الزنا) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، حَدُّ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ إِذَا زَنَيَا الْجَلْدُ وَإِنْ تَزَوَّجَا دُونَ الرجم، وزعم بعض أهل الظاهر أن عليهم الرَّجْمَ إِذَا تَزَوَّجَا احْتِجَاجًا بِعُمُومِ قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) ، لأن ما أوجب إراقة الدم حد استوى فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ كَالْقَتْلِ بِالرِّدَّةِ، وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَهَذَا قَوْلٌ شَاذٌّ قَدْ تَقَدَّمَ دَلِيلُهُ فِي اشْتِرَاطِ الْحُرِّيَّةِ فِي الْإِحْصَانِ، وَالْخَبَرُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَحْرَارِ؛ لِأَنَّهُ بَيَانٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَاللاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ [النساء: ١٥] وَأَمَّا الْقَتْلُ بِالرِّدَّةِ وَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ فَلِأَنَّهُمَا لَا يَرْجِعَانِ إِلَى بَدَلٍ فَاسْتَوَى فِيهِمَا الْحُرُّ وَالْعَبْدُ وَلَمْ يَتَنَصَّفْ فِي الْعَبْدِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَبَعَّضُ، ولما كان للرجم في الزنا بدليتنصف وَهُوَ الْجَلْدُ سَقَطَ الرَّجْمُ عَنْهُ إِلَى الْبَدَلِ الَّذِي يَتَنَصَّفُ وَهُوَ الْجَلْدُ. (فَصْلٌ) فَإِذَا ثَبَتَ سُقُوطُ الرَّجْمِ عَنِ الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ فَحَدُّهُمَا الْجَلْدُ، واختلف الناس فيه فمذهب الشافعي، وأبي حَنِيفَةَ، وَمَالِكٌ: أَنَّهُمَا يُحَدَّانِ نِصْفَ حَدِّ الزِّنَا خمسون جَلْدَةً. وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ إِنْ تَزَوَّجَا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُ الْجَلْدِ، وَإِنْ لَمْ يَتَزَوَّجَا فَلَا حَدَّ عَلَيْهِمَا. وَقَالَ دَاوُدُ عَلَى الْعَبْدِ جَمِيعُ الْحَدِّ تَزَوَّجْ أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ. وَأَمَّا الْأُمَّةُ فَإِنْ تَزَوَّجَتْ فَعَلَيْهَا نصف الحد وإن لم تتزوج فعنه رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: عَلَيْهَا حَدٌّ كَامِلٌ.

стр. 6230

وَالثَّانِيَةُ: لَا حَدَّ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّهُ حَمَلَ قَوْلَهُ تعالى: ﴿فإذا أحصن﴾ [النساء: ٢٥ ٍ] أَيْ تَزَوَّجْنَ ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وَأَمْسَكَ عَنْ ذِكْرِهِنَّ إِذَا لَمْ يَتَزَوَّجْنَ، فَاحْتُمِلَ أَنْ يَكْمُلَ عَلَيْهَا الْحَدُّ، واحتمل أن لا يجب عليها حد فلذلك ما اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ. وَدَلِيلُنَا عَلَى وُجُوبِ نِصْفِ الحد على العبد والأمة فيمن تَزَوَّجَ أَوْ لَمْ يَتَزَوَّجْ، قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فإذا أحصن﴾ فِيهِ قِرَاءَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: بِالضَّمِّ، وَمَعْنَاهُ تَزَوَّجْنَ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَالثَّانِيَةُ: بِالْفَتْحِ وَمَعْنَاهُ أَسْلَمْنَ قَالَهُ ابن مسعود. ﴿فإن أتين بفاحشة﴾ يَعْنِي الزِّنَا ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يَعْنِي: نِصْفَ حَدِّ الْحُرَّةِ، فَذَكَرَ إِحْصَانَهُنَّ فِي تنصيف الحد لينبه بأن تَنْصِيفَهُ فِي غَيْرِ الْإِحْصَانِ أَوْلَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَ ثُبُوتِ الرِّقِّ إِحْصَانٌ. وَرَوَى الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - سُئِلَ عَنِ الْأَمَةِ إِذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ فَقَالَ: " إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثَمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا، ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَاجْلِدُوهَا ثَمَّ بِيعُوهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ) . قَالَ الزُّهْرِيُّ: لَا أَدْرِي أَبْعَدَ الثَّالِثَةِ أَوِ الرَّابِعَةِ وَالضَّفِيرُ: الْحَبْلُ. وَرَوَى الزُّهْرِيُّ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ جَلَدَ وَلَائِدَ أَبْكَارًا مِنْ وَلَائِدِ الْإِمَارَةِ فِي الزِّنَا، وَلِأَنَّ حَدَّ الزِّنَا مَوْضُوعٌ عَلَى الْمُفَاضَلَةِ؛ لأن الحر مفضل فيه على العبد والثيب مفضل فيه على البكر وقال تَعَالَى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠] لفضلهن على من سواهن، فلم يجز من نَقْصِ الْعَبْدِ أَنْ يُسَاوِيَ الْحُرَّ فِي حَدِّهِ، وَلَمْ يَجُزْ إِسْقَاطُ حَدِّهِ؛ لِئَلَّا تُضَاعَ حُدُودُ الله تعالى فَوَجَبَ تَنْصِيفُهَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، وَيُقَالُ لِدَاوُدَ لِمَا وَجَبَ عَلَى الْأَمَةِ نِصْفُ الْجَلْدِ وَلَمْ يَكُنْ لِتَنْصِيفِهِ سَبَبٌ سِوَى الرِّقِّ وَجَبَ أَنْ يُتْنَصَفَ فِي الْعَبْدِ لِأَجْلِ الرِّقِّ وَهَذَا مِنْ فحوى الخطاب. فإذا ثبت أن حدها على النصف فهو خمسون جلدة، واختلف قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ التَّغْرِيبِ فِيهِ عَلَى قولين:

стр. 6231

أَحَدُهُمَا: وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا تَغْرِيبَ فِيهِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ: " إِذَا زَنَتِ الْأَمَةُ فَاجْلِدُوهَا) وَلَمْ يَأْمُرْ بتغريبها، لأن التَّغْرِيبَ مَوْضُوعٌ لِلُحُوقِ الْمَعَرَّةِ وَإِدْخَالِ الْمَشَقَّةِ، وَلَا مَعَرَّةَ فِيهِ عَلَى الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ، وَلَا مَشَقَّةَ تلحقها في الغربة؛ لأنهما مع العبد أرفه. والقول الثاني: أن التغريب واجب لقوله تَعَالَى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ. وَرَوَى نَافِعٌ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ أَمَةً لَهُ زَنَتْ فَجَلَدَهَا وَنَفَاهَا إِلَى فَدَكَ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ جُلِدَ فِي الزِّنَا غُرِّبَ كَالْحُرِّ، وَلِأَنَّهُ حَدٌّ يَتَبَعَّضُ فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَحَقَّ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ كالجلد، وفيه وجه ثالث لبعض أصحابنا: أنه إن تولى الإمام جلدها غربها، وإن تولاه السيد لم يغربها، وفرق ما بينهما من وجهين: أحدهما: نفوذ أمر الإمام في جميع الْبِلَادِ دُونَ السَّيِّدِ. وَالثَّانِي: لِاتِّسَاعِ بَيْتِ الْمَالِ لنفقة التَّغْرِيبِ دُونَ السَّيِّدِ، فَإِذَا قِيلَ بِوُجُوبِ التَّغْرِيبِ ففي قدره قولان: أحدهما: أنه تغريب عام كَالْحُرِّ، قَالَهُ فِي الْقَدِيمِ؛ لِأَنَّ مَا قُدِّرَ بِالْحَوْلِ اسْتَوَى فِيهِ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ كَالْحَوْلِ فِي أجل العنة. والقول الثاني: أنه تغريب نِصْفَ عَامٍ قَالَهُ فِي الْجَدِيدِ، وَهُوَ مَعْنَى قوله ها هنا: " أَسْتَخِيرُ اللَّهَ فِي نَفْيِهِ نِصْفَ سَنَةٍ) وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ حَدٌّ يَتَبَعَّضُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَلَى النِّصْفِ مِنَ الْحُرِّ كَالْجَلْدِ، وَخَالَفَ أَجْلَ الْعُنَّةِ؛ لِأَنَّهُ مَضْرُوبٌ لِظُهُورِ عَيْبٍ يُعْلَمُ بتغيير الفصول الأربعة فيستوي فِيهِ الْحُرَّ وَخَالَفَهُ فِي مُدَّةِ التَّغْرِيبِ. (مَسْأَلَةٌ) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: " وَيَحُدُّ الرَّجُلُ أَمَتَهُ إِذَا زَنَتْ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " إذا زنت أمة أحدكم فتبين زناها فليجدها)) . قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ: يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ إِقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى عَبِيدِهِ وَإِمَائِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يَتَوَلَّاهُ وَالْإِمَامُ أَحَقُّ بِإِقَامَتِهِ. وَقَالَ مَالِكٌ: لا يجوز أن يتولى السيد حَدَّ أَمَتِهِ إِذَا كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ غَيْرِ ذَاتِ الزوج. واستدلوا بأنه من حدود الله تعالى فوجب أن يكون الأئمة أَحَقَّ بِإِقَامَتِهِ قِيَاسًا عَلَى حَدِّ الْحُرِّ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَى الْحُرِّ لَمْ يَمْلِكْ إِقَامَتَهُ عَلَى الْعَبْدِ كَالصَّغِيرِ

стр. 6232

وَالْمَجْنُونِ، وَلِأَنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ إِقَامَةَ الْحَدِّ بِالْبَيِّنَةِ لَمْ يَمْلِكْ إِقَامَتَهُ بِالْإِقْرَارِ كَالْأَجْنَبِيِّ، وَلِأَنَّهُ حَدٌّ لَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ إِقَامَتَهُ عَلَيْهِ بَعْدَ عِتْقِهِ فَلَمْ يَمْلِكْ إِقَامَتَهُ عَلَيْهِ فِي حَالِ رِقِّهِ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ. وَدَلِيلُنَا رِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قَالَ: " أَقِيمُوا الْحُدُودَ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَهَذَا نَصٌّ. فَإِنْ قِيلَ: يَعْنِي بِإِذْنِ الْإِمَامِ ففيه وجهان: أحدهما: إن إطلاقه يمنع من هذا التقييد. وَالثَّانِي: أَنَّهُ يُسْقِطُ فَائِدَةَ الْخَبَرِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَوْ أَذِنَ لِغَيْرِ السَّيِّدِ جَازَ. وَرَوَى الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هريرة قال: جاء رجل بوليده إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فقال له: رسول الله إن جارتي زَنَتْ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: " اجلدها خمسين، فإن عَادَتْ فَعُدْ، وَإِنْ عَادَتْ فَعُدْ) ، وَفِي الرَّابِعَةِ: " فإن عَادَتْ فَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعْرٍ) وَرَوَى إِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: " إِذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا الْحَدَّ وَلَا يُثَرِّبْ فَإِنْ عَادَتْ فَزَنَتْ فَتَبَيَّنَ زناها فليبعها ولو بعقد مِنْ شَعْرٍ) وَمَعْنَى لَا يُثَرِّبُ أَنْ لَا يُعَيِّرَ فَإِنْ قِيلَ فَلِمَ نَهَاهُ عَنْ تَعْيِيرِهَا وَالتَّثْرِيبِ عَلْيَهَا وَهُوَ أَبْلَغُ فِي الزَّجْرِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَهَاهُ عَنِ الِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ دون الحد. والثاني: أن التعبير والتثريب تعزير يَسْقُطُ مَعَ الْحَدِّ. فَإِنْ قِيلَ: يَحْمِلُ مَا أُمِرَ بِهِ مِنَ الْجَلْدِ عَلَى التَّعْزِيرِ دُونَ الْحَدِّ فَعَنْهُ جَوَابَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ إِطْلَاقَ الْحَدِّ يَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ التَّعْزِيرِ. وَالثَّانِي: أَنَّ الْحَدَّ يسقط بالتعزير، ولأنه إجماع الصحابة. روى حسن بن محمد أن فاطمة ﵍ جلدت أمة لها الحديث. وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَطَعَتْ جَارِيَةً لَهَا سَرَقَتْ.

стр. 6233

وَرُوِيَ أَنَّ حَفْصَةَ ﵂ قَتَلَتْ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا. وَرَوَى نَافِعٌ أَنَّ عَبْدَ الله بن عمر قَطَعَ يَدَ غُلَامٍ لَهُ سَرَقَ، وَرُوِيَ أَنَّ أبا بردة جلد وليدة له زنت. وروي أن مقرن سال ابن مسعود عَنْ أَمَةٍ لَهُ زَنَتْ فَقَالَ اجْلِدْهَا. وَرُوِيَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ قال: كان الأنصار عند رأس الحول يخرجون من زنا مِنْ إِمَائِهِمْ فَيَجْلِدُونَهُمْ فِي مَجَالِسِهِمْ، وَلَا يُعْرَفُ لهم مخالف فثبت أَنَّهُ إِجْمَاعٌ. وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّ لِلْإِمَامِ حَقَّ الولاية وللسيد حق الملك فيجمع بينهما إحدى علتين: إحدهما: أَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ تَزْوِيجَهَا مَعَ اخْتِلَافِ الدِّينَيْنِ مَلَكَ حَدَّهَا كَالْإِمَامِ. وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ الْإِقْرَارَ عَلَيْهِ بِجِنَايَةِ الْخَطَأِ فِي رقبته ملك إقامة الحد على يديه كَالْإِمَامِ، وَلِأَنَّ تَصَرُّفَ السَّيِّدِ فِي عَبْدِهِ أَعَمُّ، وعقوده فيه أتم من الإمام المتفرد بنظر الولاية فَكَانَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ أَحَقُّ، وَخَالَفَ الْأَجْنَبِيُّ الَّذِي لَا نَظَرَ لَهُ فِيهِ وَلَا حَقَّ، وَخَالَفَ الْحُرُّ الَّذِي لَا وِلَايَةَ لَهُ إِلَّا لِلْإِمَامِ، وَخَالَفَ الصَّبِيَّ وَالْمَجْنُونَ لِثُبُوتِ الْوِلَايَةِ عَلَيْهِمَا فَلَمْ تَصِحَّ الْوِلَايَةُ مِنْهُمَا، وَسَنَذْكُرُ فِي حُكْمِ الْبَيِّنَةِ وَالسَّرِقَةِ فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ مَا يَكُونُ جَوَابًا وَانْفِصَالًا. (فَصْلٌ) فَإِذَا ثَبَتَ لِلسَّيِّدِ إِقَامَةُ الْحَدِّ على عبيده وإمائه فَالْكَلَامُ فِيهِ مُشْتَمِلٌ عَلَى ثَلَاثَةِ فُصُولٍ: أَحَدُهَا: فِي السَّيِّدِ الَّذِي يَمْلِكُ إِقَامَةَ الْحُدُودِ. وَالثَّانِي: فِيمَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ مِنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ. وَالثَّالِثُ: فِيمَا يَجُوزُ لِلسَّيِّدِ أَنْ يُقِيمَ بِهِ الْحُدُودَ. فَأَمَّا الْفَصْلُ الْأَوَّلُ وَهُوَ السَّيِّدُ الَّذِي يَمْلِكُ إِقَامَةَ الْحُدُودِ فَهُوَ مَنِ اسْتُكْمِلَتْ فِيهِ أَرْبَعَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: جَوَازُ الْأَمْرِ بِالْبُلُوغِ وَالْعَقْلِ وَالرُّشْدِ؛ لأن من لم ينفذ مرة في حق نفسه فأولى أن يَنْفُذَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ، فَإِنْ كَانَ صَغِيرًا، أو مجنوناً، أو سفيهاً لم يملك إمامة الْحَدِّ، فَإِنْ أَقَامَهُ أَحَدُ هَؤُلَاءِ كَانَ تَعَدِّيًا مِنْهُ عَلَى عَبْدِهِ، وَلَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ بِجَلْدِهِ، وَإِنْ كَانَ فَاسِقًا. فَفِي جَوَازِ إِقَامَتِهِ لِلْحَدِّ عَلَى عَبْدِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ يَسْتَحِقُّ بِوِلَايَةٍ تَنْتَفِي مَعَ الْفِسْقِ.

стр. 6234

وَالثَّانِي: يَجُوزُ لَهُ إِقَامَتُهُ؛ لِأَنَّ فِسْقَهُ لَمَّا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ إِنْكَاحِ عَبْدِهِ وَأَمَتِهِ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِمَا. وَالشَّرْطُ الثَّانِي: أن يكون رجلا؛ لأن الرجال أحصن بالولايات من النساء، فإن كان امْرَأَةً فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ لَا حق لها فيه ولا لوليها، وَيَتَوَلَّاهُ الْإِمَامُ لِقُصُورِهَا عَنْ وِلَايَاتِ الرِّجَالِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّاهُ وَلَيُّهَا نِيَابَةً عَنْهَا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ تُبَاشِرَهُ بِنَفْسِهَا كَالنِّكَاحِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ مُبَاشَرَةَ إِقَامَتِهِ بِنَفْسِهَا وَبِمَنْ تَسْتَنِيبُهُ فِيهِ مِنْ وَلِيٍّ وَغَيْرِ وَلِيٍّ لتفردها بالملك وحقوقه، وقد جلدت فاطمة ﵍ أَمَةً لَهَا زَنَتْ، وَقَطَعَتْ عَائِشَةُ ﵂ أَمَةً لَهَا سَرَقَتْ. وَالشَّرْطُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ تَامَّ الْمِلْكِ فِي كَامِلِ الرِّقِّ، فَإِنْ كَانَ السَّيِّدُ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ مَمْلُوكٌ فَلَا حق له في إقامة الحد لِنَقْصِهِ بِمَا فِيهِ مِنَ الرِّقِّ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مُدَبَّرًا، أَوْ مُخَارِجًا، أَوْ مُعْتَقًا نَصْفُهُ لم يملك إقامة الحد على عبده بجريان أحكام الرق عليه، ولو كان مكاتباً ففي استحقاقه بحد عَبْدِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَسْتَحِقُّهُ لِاسْتِقْرَارِ مِلْكِهِ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: لَا يَسْتَحِقُّهُ لِنَقْصِهِ بِمَا يَجْرِي عَلَيْهِ مِنْ أَحْكَامِ الرِّقِّ، وَلَوْ كَانَ السَّيِّدُ تَامَّ الْمِلْكِ بِكَمَالِ الْحُرِّيَّةِ إِلَّا أَنَّ الْعَبْدَ غَيْرُ تَامِّ الرِّقِّ لِعِتْقِ بَعْضِهِ وَرِقِّ بَعْضِهِ لَمْ يَسْتَحِقَّ إِقَامَةَ الْحَدِّ عَلَيْهِ وَجْهًا وَاحِدًا؛ لِمَا فِيهِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ الَّتِي لَا وِلَايَةَ لَهُ عَلَيْهَا، وَلَوْ كَانَ الْعَبْدُ بَيْنَ شَرِيكَيْنِ لَمْ يَجُزْ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ، فَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَى إِقَامَتِهِ جَازَ. وَالشَّرْطُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحُدُودِ وَمِنَ المجتهدين فيه ليعلم ما يجب فيه ولا يَجِبُ، فَإِنْ كَانَ مُتَّفَقًا عَلَى وُجُوبِهِ عُمِلَ فِيهِ عَلَى الِاتِّفَاقِ مِنَ الْفُقَهَاءِ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ لَمْ يَخْلُ رَأْيُهُ وَرَأْيُ الْإِمَامِ مِنْ أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى وجوبه فللسيد أن يتفرد بِاسْتِيفَائِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَتَّفِقَا عَلَى إِسْقَاطِهِ فَلَا حَدَّ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَرَى الْإِمَامُ وُجُوبَهُ وَالسَّيِّدُ إسقاطه، فللإمام، يَسْتَوْفِيَهُ دُونَ السَّيِّدِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَرَى السَّيِّدُ وُجُوبَهُ دُونَ الْإِمَامِ فَلِلسَّيِّدِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِرَأْيِهِ مَا لَمْ يَحْكُمِ الْإِمَامُ بِإِسْقَاطِهِ، فَإِنْ حُكِمَ بِهِ مُنِعَ مِنْهُ السَّيِّدُ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْإِمَامِ أَنْفَذُ وَأَعَمُّ، فَإِنْ لَمْ يَكُنِ

стр. 6235

السَّيِّدُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحُدُودِ مُنِعَ مِنْ إِقَامَتِهَا؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ وُجُوبَهَا حَتَّى يَرْجِعَ فِيهَا إِلَى مَنْ يَجُوزُ لَهُ الْعَمَلُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ رَجَعَ إِلَى حَاكِمٍ جَازَ أَنْ يَعْمَلَ عَلَى قَوْلِهِ فِيمَا حَكَمَ بِهِ مِنْ وُجُوبٍ إسقاطه، وَيَقُومَ بِاسْتِيفَاءِ مَا حَكَمَ الْحَاكِمُ بِوُجُوبِهِ، وَلَيْسَ للإمام نقضه وإن رجع فيه إلى استيفاء وفيه نُظِرَ، فَإِنْ كَانَ الْحَدُّ مُتَّفَقًا عَلَى وُجُوبِهِ كان لِلسَّيِّدِ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ بِقَوْلِ مَنْ أَفْتَاهُ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلَفًا فِيهِ فَفِي جَوَازِ اسْتِيفَاءِ السَّيِّدِ له بِفُتْيَاهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ لَا يَتَعَيَّنُ إِلَّا بِحُكْمِ حَاكِمٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ، لِأَنَّ تَصَرُّفَ السَّيِّدِ فِي عَبْدِهِ أَقْوَى مِنْ تَصَرُّفِ الْحَاكِمِ إِلَّا أَنْ يَحْكُمَ الْحَاكِمُ بِسُقُوطِهِ فَيُمْنَعُ. (فَصْلٌ) وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي وَهُوَ مَا يَمْلِكُهُ السَّيِّدُ مِنْ إِقَامَةِ الْحُدُودِ فهو ما كان جلداً إما في زِنًا، أَوْ قَذْفٍ، أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ، لِأَنَّهُ يَمْلِكُ تَأْدِيبَهُ بِالْجَلْدِ فِي حَقِّ نَفْسِهِ، وَهَلْ يَمْلِكُ مِنْ حَدِّهِ مَا تَعَلَّقَ بِإِرَاقَةِ الدِّمَاءِ مِنْ قَطْعِهِ فِي السَّرِقَةِ وَقَتْلِهِ بِالرِّدَّةِ أَمْ لا؟ على وجهين: أحدهما: لا يملك؛ لِأَنَّهُ لَا يَمْلِكُ مِثْلَهُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ فَلَا يَقْطَعُهُ إِذَا سَرَقَ وَلَا يَقْتُلَهُ إِذَا ارْتَدَّ، وَيَكُونُ الْإِمَامُ أَحَقَّ بِقَطْعِهِ وَقَتْلِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ يَمْلِكُ مِنْ حُدُودِ الدِّمَاءِ مِثْلَ ما يملكه مِنْ حُدُودِ الْجَلْدِ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَدْ يملك مثله منه في حق نفسه كالجناية وقطع السلعة. وَالثَّانِي: أَنَّ الْعِلَّةَ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ عَلَيْهِ مِلْكُ الرَّقَبَةِ دُونَ مَا يَسْتَحِقُّهُ مِنَ التَّأْدِيبِ؛ لِأَنَّ الزَّوْجَ يَسْتَحِقُّ تَأْدِيبَ زَوْجَتِهِ فِي النُّشُوزِ، وَالْأَبَ يَسْتَحِقُّ تَأْدِيبَ وَلَدِهِ فِي الِاسْتِصْلَاحِ، وَلَا يستحق واحد منهما إقامة الحدود. وروى نَافِعٌ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ قَطَعَ عَبْدًا لَهُ سَرَقَ. وَرُوِيَ أَنَّ عَائِشَةَ قَطَعَتْ أَمَةً لَهَا سَرَقَتْ، وَقَتَلَتْ حَفْصَةُ جَارِيَةً لَهَا سَحَرَتْهَا. فَأَمَّا التَّغْرِيبُ إِذَا قِيلَ بِوُجُوبِهِ فِي الْعَبْدِ وَالْأَمَةِ إِذَا زَنَيَا فَفِي اسْتِحْقَاقِ السَّيِّدِ لَهُ وَتَفَرُّدِهِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَسْتَحِقُّهُ السَّيِّدُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِأَنَّهُ أَحَدُّ الْحَدَّيْنِ كَالْجَلْدِ. وَالثَّانِي: لِأَنَّهُ يَمْلِكُ تغريبه في غير الزنا فكان بتغريب الزِّنَا أَحَقُّ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّهُ لأمرين:
следующие страницы →