Полный текст (8 408 стр.). Показаны 6442–6481 · переход к 6447.
стр. 6442
بِالْحَدِيدِ، وَيُعْتَبَرُ فِيهِ قَدْرُ مَا يَنْدَفِعُ بِهِ، فَإِنْ تَجَاوَزَهُ إِلَى زِيَادَةٍ فِي الْجِرَاحِ أَوْ إِلَى الْقَتْلِ كَانَ مَأْخُوذًا بِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْدَفِعُ إِلَّا بِالْقَتْلِ كَانَ لَهُ قَتْلُهُ، وَإِنْ كَانَ يَنْدَفِعُ عَنْهُ بِجِرَاحَةٍ وَاحِدَةٍ فَجَرَحَهُ جراحتين فمات منها فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ؛ لِأَنَّهُ مَاتَ مِنْ جِرَاحَتَيْنِ إِحْدَاهُمَا مُبَاحَةٌ لَا تُضْمَنُ، وَالثَّانِيَةُ مَحْظُورَةٌ تُضْمَنُ، وَكَذَلِكَ لَوِ انْدَفَعَ بِجِرَاحِة فَجَرَحَهُ ثَلَاثَ جِرَاحَاتٍ ضَمِنَ نِصْفَ الدِّيَةِ وَكَذَلِكَ لَوِ انْدَفَعَ بِجِرَاحَتَيْنِ فَجَرَحَهُ ثَلَاثًا ضَمِنَ نِصْفَ الدِّيَةِ وَلَا تَتَقَسَّطُ الدِّيَةُ عَلَى أعداد الجراح، إنما تَتَقَسَّطُ عَلَى أَحْكَامِهَا فِي الْحَظْرِ وَالْإِبَاحَةِ كَالْمُرْتَدِّ إِذَا جُرِحَ فِي حَالِ الرِّدَّةِ بَعْدَ الْإِسْلَامِ، وَكَالشَّرِيكَيْنِ فِي الْجِرَاحِ إِذَا جُرِحَ أَحَدُهُمَا جِرَاحَةً وَجُرِحَ الْآخَرُ عَشْرًا، كَانَا فِي الدِّيَةِ سَوَاءً، وَهَكَذَا لَوِ انْدَفَعَ بِقَطْعِ إِحْدَى يَدَيْهِ فَعَادَ بعد قطعهما وَقَطَعَ الْيَدَ الْأُخْرَى ضَمِنَهَا، فَإِنْ سَرَى الْقَطْعُ إِلَى نَفْسِهِ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ فِي النَّفْسِ، وَعَلَيْهِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وإن انْدَمَلَ الْقَطْعُ كَانَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ فِي الْيَدِ الثَّانِيَةِ أَوْ دِيَتُهَا، وَلَا يَجُوزُ إِذَا وَلَّى الطَّالِبُ مُدْبِرًا أَنْ يُتْبَعَ بِجِرَاحٍ وَلَا قَتْلٍ، ويكون ما فعله المطلوب بعد إدلائه عَنْهُ الطَّالِبَ مِنْ جِرَاحٍ وَقَتْلٍ مَضْمُونًا عَلَيْهِ، كَالْمُحَارِبِينَ إِذَا وَلَّوْا عَنْ قَطْعِ الطَّرِيقِ، وَالْبُغَاةِ إِذَا أَدْبَرُوا عَنِ الْقِتَالِ.
(فَصْلٌ)
وَالْحُكْمُ الرَّابِعُ فِي جَوَازِ الدَّفْعِ وَوُجُوبِهِ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ عَلَى اخْتِلَافِ الْمَطْلُوبِ، وَيَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: مَا جَازَ وَلَمْ يَجِبْ وَهُوَ طَلَبُ الْمَالِ، فَالْمَطْلُوبُ بِالْخِيَارِ بَيْنَ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ مَالِهِ وَبَيْنَ أَنْ يُمَكَّنَ مِنْهُ وَلَا يَدْفَعَ عَنْهُ؛ لِأَنَّ بَذْلَ الْمَالِ مُبَاحٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: مَا وَجَبَ الدَّفْعُ عَنْهُ، وَهُوَ مَنْ أُرِيدَ مِنْهُ قَتْلُ غَيْرِهِ مِنْ وَلَدٍ أَوْ زَوْجَةٍ أَوْ أُرِيدَ مِنْ أَحَدِهِمُ الْفَاحِشَةُ فَالدَّفْعُ عَنْهُ وَاجِبٌ، وَفِي الْإِمْسَاكِ عَنْهُ مَأْثَمٌ؛ لِأَنَّ إِبَاحَةَ ذَلِكَ مَحْظُورٌ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ وَجَوَازِهِ، وَهُوَ إِذَا أُرِيدَتْ نَفْسُهُ، وَهَذَا مُعْتَبَرٌ بِالطَّالِبِ، فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَيْسَ لَهُ زَاجِرٌ مِنْ نَفْسِهِ كَالْبَهِيمَةِ وَالْمَجْنُونِ، فَوَاجِبٌ عَلَى الْمَطْلُوبِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَيَكُونُ فِي الْكَفِّ كَالْإذُنِ في قتل نفسه، وإن كان الطالب من يَزْجُرُهُ عَنِ الْقَتْلِ عَقْلٌ وَدِينٌ كَالْمُكَلَّفِ مِنَ الْآدَمِيِّينَ فَفِي وُجُوبِ الدَّفْعِ عَنْ نَفْسِهِ وَجْهَانِ ذَكَرْنَاهُمَا فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ عَلَيْهِ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ وَيَكُونُ آثِمًا بِالْكَفِّ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] وَلِأَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ قَتْلُ نَفْسِهِ وَإِبَاحَةُ قَتْلِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ لَهُ الدَّفْعُ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَإِنْ كَفَّ لَمْ يَأْثَمْ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى فِي ابْنَيْ آدَمَ: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ
стр. 6443
الله رب العالمين﴾ [المائدة: ٢٨] ولأن للطالب زاجر مِنْ نَفْسِهِ وَلِذَلِكَ امْتَنَعَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ﵁ من الدفع عن نفسه والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَلَوْ عَضَّ يَدَهُ رَجُلٌ فَانْتَزَعَ يَدَهُ فَنَدَرَتْ ثنيتا العاض كان ذلك هدرا وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قال: " أيدع يده في فيك تقضهما كأنها في في فحل) وأهدر ثنيته) .
قال الماوردي: وهذا صحيح، وحكم الدَّفْعِ عَنِ الْأَطْرَافِ كَحُكْمِ الدَّفْعِ عَنِ النَّفْسِ، فَإِذَا عَضَّ يَدَهُ فَلَهُ أَنْ يَنْتَزِعَهَا مِنْ فيه، وإن سَقَطَ بِنَزْعِهَا أَسْنَانُ الْعَاضِّ كَانَتْ هَدَرًا، وَلَا يَلْزَمُهُ زَجْرُهُ بِالْقَوْلِ قَبْلَ النَّزْعِ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى خَلَاصِهَا بِالنَّزْعِ تَجَاوَزَهُ إِلَى أَقَلِّ ما يمكن، ولا يتجاوزه مِنَ الْأَقَلِّ إِلَى الْأَكْثَرِ، وَتَنْهَدِرُ بِالْجَذْبِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا أَسْنَانُ الْعَاضِّ، وَيُقَالُ لِلْعَضِّ بِالْأَسْنَانِ الْقَضْمُ، وَلِلْعَضِّ بِالْأَضْرَاسِ الْخَضْمُ، وَمِنْهُ قَوْلُ الْحَسَنِ البصري: يا ابن آدم تخضم وتقضم، والحساب في البيدر.
فإن سَقَطَتْ أَسْنَانُ الْعَاضِّ سَقَطَ ضَمَانُهَا عَنِ الْمَعْضُوضِ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ.
وَقَالَ مَالِكٌ، وَابْنُ أَبِي لَيْلَى: يَضْمَنُهَا الْمَعْضُوضُ وَإِنْ لَمْ يَضْمَنِ النَّفْسَ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى سُقُوطِ الضَّمَانِ فِي الْأَسْنَانِ وَالْأَطْرَافِ كَسُقُوطِهِ فِي النَّفْسِ مَا رَوَاهُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ عن عميه يعلى بن أمية وسلمة بْنِ أُمَيَّةَ قَالَا خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، وَمَعَنَا صَاحِبٌ لَنَا فَقَاتَلَ رَجُلًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَعَضَّ الرَّجُلُ ذِرَاعَهُ فَجَذَبَهَا مِنْ فِيهِ، فَطَرَحَ ثَنِيَّتَهُ فَأَتَى الرَّجُلُ النَّبِيَّ ﷺ َ - يلتمس العقل، فقال النبي ﷺ َ -: " ينطلق أحدكم لأخيه فيعضه عضيض الفحل، ثم يأتي يطب الْعَقْلَ لَا عَقْلَ لَهُ) فَأَبْطَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - وَلِأَنَّ حُرْمَةَ النَّفْسِ أَغْلَظُ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ إِلَّا بِالْقَتْلِ لَمْ يَضْمَنْ، فَكَانَ بِأَنْ لَا يَضْمَنَ مَا دُونَهَا أَجْدَرُ، وَلِأَنَّ تَرْكَ يَدِهِ فِي فِيهِ حَتَّى يَزْجُرَهُ بِالْقَوْلِ اسْتِصْحَابُ أَلَمٍ وَزِيَادَةُ ضَرَرٍ فَلَمْ يَلْزَمِ الصَّبْرُ عَلَيْهِ رِفْقًا بِالْعَاضِّ في زجره ووعظه.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَلَوْ عَضَّهُ كَانَ لَهُ فَكُّ لَحْيَيْهِ بِيَدِهِ الأخرى فإن عض قفاه فلم تنله يداه كان له أن ينزع رَأْسَهُ مِنْ فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلَهُ التحامل عليه برأسه إلى ورائه ومصعداً ومنحدراً وإن غلبه ضبطاً بِفِيهِ كَانَ لَهُ ضَرْبُ فِيهِ بِيَدِهِ حَتَّى يُرْسِلَهُ فَإِنْ بَعَجَ بَطْنَهُ بِسِكِّينٍ أَوْ فَقَأَ عَيْنَهُ بِيَدِهِ أَوْ ضَرَبَهُ فِي بَعْضِ جَسَدِهِ ضمن ورفع إِلَى عُمَرَ بْنِ
стр. 6444
الخطاب ﵁ جَارِيَةٌ كَانَتْ تَحْتَطِبُ فَاتَّبَعَهَا رَجُلٌ فَرَاوَدَهَا عَنْ نَفْسِهَا فَرَمَتْهُ بِفِهْرٍ أَوْ صخر فَقَتَلَتْهُ فَقَالَ عُمَرُ هَذَا قَتِيلُ اللَّهِ وَاللَّهِ لا يودي أبداً) .
قال الماوردي: وهذا صَحِيحٌ إِذَا عَضَّ قَفَاهُ فَلَهُ أَنْ يَتَوَصَّلَ إِلَى خَلَاصِهِ مِنْهُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، كَمَا وصفه الشافعي في الترتيب أن يبدأ ببدنه فِي فَكِّ لَحْيَيْهِ، فَإِنْ تَخَلَّص بِذَلِكَ لَمْ يَتَجَاوَزْهُ إِلَى غَيْرِهِ، فَإِنْ تَجَاوَزَهُ ضَمِنَ، فَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهُ بِيَدِهِ فَلَهُ التَّحَامُلُ عَلَيْهِ بِرَأْسِهِ مِنْ وَرَائِهِ، فَإِنْ تَخَلَّصَ مِنْهُ لَمْ يتجاوزه، فإن تجاوز ضمن، فإن لم يتخلص منه نتر قفاه ولم يضمن أسنانه إن ذهبت، فإن تجاوزه ضمن، وإن لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهُ فَلَهُ أَنْ يَعْدِلَ إِلَى أَقْرَبِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ بَعْجِ بَطْنِهِ أَوْ فَقْءِ عَيْنِهِ، وَلَا يَضْمَنُ أَقْرَبَهُمَا وَيَضْمَنُ أَبْعَدَهُمَا: إِلَّا أَنْ لَا يَتَخَلَّصَ مِنْهُ إِلَّا بِأَبْعَدِهِمَا وَأَغْلَظِهِمَا فَلَا يَضْمَنُ، فَإِنْ لَمْ يَتَخَلَّصْ مِنْهُ إِلَّا بِقَتْلِهِ لَمْ يَضْمَنْ قَتْلَهُ، وَالَّذِي نَقَلَهُ الْمُزَنِيُّ ها هنا أنه إن بعج بطنه أو فقء عَيْنَهُ ضَمِنَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا وَصَفْنَا مِنَ الترتيب في القدرة على خلاصة بغير فقء ولا بعج، فَأَمَّا إِذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْخَلَاصِ إِلَّا بِالْبَعْجِ وَالْفَقْءِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، وَهَذَا أَصْلٌ مستمر فلو قتله واختلف ولي القاتل والمقتول فَقَالَ الْقَاتِلُ: قَتَلْتُهُ دَفْعًا عَنِّي لِأَنِّي لَمْ أَقْدِرْ عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ إِلَّا بِالْقَتْلِ، وَقَالَ وَلِيُّهُ: بَلْ كُنْتَ قَادِرًا عَلَى الْخَلَاصِ مِنْهُ بِغَيْرِ الْقَتْلِ فَتَعَدَّيْتَ بِقَتْلِهِ، فَإِنْ كَانَ لِلْقَاتِلِ بَيِّنَةٌ تَشْهَدُ بِمَا ادَّعَاهُ سُمِعَتْ وَلَمْ يَضْمَنِ النَّفْسَ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ بَيِّنَةٌ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الولي والقاتل ضامن للنفس وكذلك الرَّجُلُ إِذَا رَاوَدَ جَارِيَةً عَلَى نَفْسِهَا أَوْ راود غلاما على نفسه فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِ إِلَّا بِقَتْلِهِ لَمْ يَضْمَنَاهُ لِحَدِيثِ عُمَرَ، وَلَوْ قَدَرَا عَلَى دَفْعِهِ بِغَيْرِ قَتْلٍ ضَمِنَاهُ عَلَى الْأَصْلِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَلَوْ قَتَلَ رَجُلٌ رَجُلًا فَقَالَ وَجَدْتُهُ عَلَى امرأتي فقد أقر بالقود وادعى فَإِنْ لَمْ يُقِمْ بَيِّنَةً قُتِلَ قَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أُمْهِلُهُ حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ؟ فقال ﵊ " نعم) وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ﵁ إِنْ لَمْ يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِذَا وَجَدَ الرَّجُلُ مَعَ امرأته رجلاً يزني بها أو مع بنته أَوْ أُخْتِهِ أَوْ مَعَ ابْنِهِ يَلُوطُ بِهِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَدْفَعَهُ عَنْهُ وَيَمْنَعَهُ مِنْهُ.
وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ لَعَنَ الرَّكَانَةَ وَهُوَ الَّذِي لَا يَغَارُ عَلَى أَهْلِهِ.
وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغَارُ لِلْمُسْلِمِ فليغر) .
стр. 6445
وَلِأَنَّ مَنْعَهُ مِنَ الْفَاحِشَةِ حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ الله تعالى وحق نفسه في أهله وحق امْرَأَتِهِ إِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً فَلَمْ يَسَعْهُ إِضَاعَةُ هذه الحقوق بالكف والإمساك، فأما إن كان وَجَدَهُ يَزْنِي بِأَجْنَبِيَّةٍ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِهِ فَعَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَهُ مِنْهَا وَيَكُفَّهُ عَنْهَا، فَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً تَفَرَّدَ الْمَنْعُ بِهِ دُونَهَا، وَإِنْ كَانَتْ مطاوعة توجه المنع إليهما وَالْإِنْكَارُ عَلَيْهِمَا؛ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ صِيَانَةِ مَحَارِمِ الله تعالى وَحِفْظِ حُقُوقِهِ وَالْكَفِّ عَنْ مَعَاصِيهِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَرَى ذَلِكَ فِي أَهْلِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَرَاهُ فِي غَيْرِ أَهْلِهِ أَنَّ فَرْضَهُ فِي أَهْلِهِ مُتَعَيِّنٌ عَلَيْهِ، وَفِي غَيْرِ أَهْلِهِ عَلَى الْكِفَايَةِ.
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ وُجُوبِ الدفع نظر حال الرجل الزَّانِي فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قد أَوْلَجَ فَعَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَدْفَعَهُ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْتَهِيَ إِلَى الْقَتْلِ إِلَّا أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَى دَفْعِهِ بِغَيْرِ الْقَتْلِ كَمَا قُلْنَا فِي دَفْعِهِ عَنْ طَلَبِ النَّفْسِ وَالْمَالِ، وينظر فإن لم يكن قد وقع عليهما فَفِي الدَّفْعِ أَنَاةٌ، وَإِنْ وَقَعَ عَلَيْهَا تَعَجَّلَ الدَّفْعُ وَتَغَلَّظَ وَإِنْ كَانَ قَدْ أَوْلَجَ جَازَ أن يبدأ في دفعه بالقتل ولا يترتب عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ؛ لِأَنَّهُ فِي كُلِّ لَحْظَةٍ تَمُرُّ عَلَيْهِ مُوَاقِعًا لَهُ بِالزِّنَا لَا يَسْتَدْرِكُ بالأناة فجاز لأجلها أن يعجل القتل.
روي أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇: إنني وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا فَلَمْ أَقْتُلْهُ، فَقَالَ عَلِيٌّ: أَمَا إِنَّهُ لَوْ كَانَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ لَقَتَلْتُهُ يَعْنِي الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، فَدَلَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى وُجُوبِ قَتْلِهِ، وَفِي هَذَا الْقَتْلِ وَجْهَانِ مُحْتَمَلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَتْلُ دَفْعٍ فَعَلَى هَذَا يَخْتَصُّ بِالرَّجُلِ دُونَ الْمَرْأَةِ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْبِكْرُ وَالثَّيِّبُ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ قَتْلُ حَدٍّ يَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ دُونَ السُّلْطَانِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِتَفَرُّدِهِ بِالْمُشَاهَدَةِ الَّتِي لَا تَتَعَدَّاهُ.
وَالثَّانِي: لِاخْتِصَاصِهِ فِيهِ بِحَقِّ نَفْسِهِ فِي إِفْسَادِ فِرَاشِهِ عَلَيْهِ فِي الزِّنَا بِزَوْجَتِهِ.
فَعَلَى هذا يجوز فِيهِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ إِنْ كَانَتْ مُطَاوِعَةً إِلَّا أَنَّ الْمَرْأَةَ يُفَرَّقُ فِيهَا بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ فَتُقْتَلُ إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا، وَتُجْلَدُ إِنْ كَانَتْ بِكْرًا.
وَأَمَّا الرَّجُلُ فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ؛ لِأَنَّهُ حد زنا كَالْمَرْأَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ أَظْهَرُ أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ فِيهِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ، وَيُقْتَلُ فِي الْحَالَيْنِ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ قَتْلَهُ حَدًّا أَغْلَظُ مِنْ قَتْلِهِ دَفْعًا، وَيَجُوزُ لِتَغْلِيظِ حَالِهِ أَنْ يُقْتَلَ دَفْعًا فَجَازَ أَنْ يُقْتَلَ حَدًّا.
стр. 6446
وَالثَّانِي: أَنَّ السُّنَّةَ لَمْ تُفَرِّقْ فِي إِبَاحَتِهِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ لِتَغْلِيظِ حُكْمِهِ فِي حَقِّ الْمُسْتَوْفِي.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ مَا وَصَفْنَا وَادَّعَى الْقَاتِلُ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِأَنَّهُ وَجَدَهُ عَلَى امْرَأَتِهِ وأنكر وليه ذلك وادعى قتله لغير سَبَبٍ وَجَبَ عَلَى الْقَاتِلِ إِقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنْ وُجُودِهِ عَلَى امْرَأَتِهِ، فَإِنْ أَقَامَهَا بَرِئَ، وَإِنْ لَمْ يُقِمْهَا أُحْلِفَ الْوَلِيُّ وأقيد من القاتل؛ لأنه مقر بالقتل ومدع سقوط القود.
وروي أَنَّ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنْ وَجَدْتُ مَعَ امْرَأَتِي رَجُلًا أَقْتُلُهُ أو لَا حَتَّى آتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ قَالَ: " لَا حَتَّى تَأْتِيَ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ، كَفَى بِالسَّيْفِ شَا) ، يَعْنِي شَاهِدًا عَلَيْكَ، وَمَعْنَى هَذَا السُّؤَالِ أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ سُقُوطِ الْقَوَدِ.
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الشَّامِ يُقَالُ له ابن خيري، وجد مع امرأته رجلاً فقتله وقتلها، فَرُفِعَ إِلَى مُعَاوِيَةَ فَأُشْكِلَ عَلَيْهِ فَكَتَبَ إِلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ لِيَسْأَلَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ عَنِ ذَلِكَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ عَلِيٌّ: لَيْسَ هَذَا بِأَرْضِنَا، عَزَمْتُ عَلَيْكَ لَتُخْبِرْنِي، فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ عَلِىٌّ: يَرْضَوْنَ بِحُكْمِنَا وَيَنْقِمُونَ عَلَيْنَا إِنْ لم ما يَأْتِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَلْيُعْطَ بِرُمَّتِهِ، وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ:
أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ فَلْيُضْرَبْ عَلَى رُمَّتِهِ قَوَدًا.
وَالثَّانِي: مَعْنَاهُ فَلْتُبْذَلْ رُمَّتُهُ لِلْقَوَدِ اسْتِسْلَامًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ لَمْ يُكَلِّفْ فِي مِثْلِ هَذَا الْبَيِّنَةِ وَأَهْدَرَ الدَّمَ بِشَاهِدِ الْحَالِ فِيمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا خرج في الجهاد وَخَلَفَ زَوْجَتَهُ وَأَخَاهُ، وَكَانَ لَهُ جَارٌ يَهُودِيٌّ فَمَرَّ الْأَخُ بِبَابِ أَخِيهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَسَمِعَ منها كلام اليهودي وهو ينشد:
(وأشعث الْإِسْلَامُ مِنِّي ... خَلَوْتُ بِعِرْسِهِ لَيْلَ التَّمَامِ)
(أَبِيتُ على ترائبها وتمسي ... على جرداء لاحقة الخزام)
(كَأَنَّ مَوَاضِعَ الرَّبَلَاتِ مِنْهَا ... فِئَامٌ يَنْهَضُونَ إِلَى فئام)
فدخل الدار فوجده معها فَقَتَلَهُ، فَرُفِعَ إِلَى عُمَرَ فَأَهْدَرَ دَمَهُ مِنْ غَيْرِ بَيِّنَةٍ فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ اشْتِهَارَ الْحَالِ بِالِاسْتِفَاضَةِ أَغْنَى عَنِ الْبَيِّنَةِ الْخَاصَّةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ إِقَامَةَ الْبَيِّنَةِ مَوْقُوفٌ عَلَى طَلَبِ الْوَلِيِّ، فَإِذَا لَمْ يَطْلُبْ سَقَطَ لُزُومُهَا.
стр. 6447
(مسألة)
قال الشافعي: " وَلَوْ تَطَلَّعَ إِلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ ثُقْبٍ فَطَعَنَهُ بِعُودٍ أَوْ رَمَاهُ بِحَصَاةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَهَا فذهبت عينه فهي هدر وَاحْتَجَّ بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - نَظَرَ إِلَى رَجُلٍ يَنْظُرُ إِلَى بَيْتِهِ مِنْ جحر وبيده مدرى يحك به رأسه فقال ﵊ " لَوْ أَعْلَمُ أَنَّكَ تَنْظُرُ لِي أَوْ تَنْظُرُنِي لطعنت به في عينك إنما جعل الاستئذان من أجل الْبَصَرِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَنَازِلَ سَاتِرَةٌ لعورات أهلها يحرم انتهاكها بالنظر إلى من فيها، فإذا تطلع رجل على مَنْزِلِ رَجُلٍ لَمْ يَخْلُ حَالُ مَا تَطَلَّعَ مِنْهُ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ:
إِمَّا أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِأَبْصَارِ الْمَارَّةِ أَوْ غَيْرَ سَاتِرٍ لَهَا، فَإِنْ كَانَ سَاتِرًا لِأَبْصَارِ الْمَارَّةِ كَالْمُتَطَلِّعِ مِنْ ثُقْبٍ فِي بَابٍ أَوْ كُوَّةٍ صَغِيرَةٍ فِي حَائِطٍ أَوْ شُبَّاكٍ ضَيِّقِ الْأَعْيُنِ فَلِصَاحِبِ الدَّارِ أَنْ يَرْمِيَ عَيْنَ الْمُتَطَلِّعِ بِمَا يَجُوزُ أَنْ يُفْضِيَ إِلَى فَقْءِ عَيْنِهِ، وَلَا يُفْضِيَ إِلَى تَلَفِ نَفْسِهِ كَالْحَصَاةِ وَالْعُودِ اللَّطِيفِ وَالْمِدْرَى وَإِنْ كَانَ مِنْ حَدِيدٍ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَهُ بِسَهْمٍ وَلَا أَنْ يَطْعَنَهُ بِرُمْحٍ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَصِلُ إِلَى الدِّمَاغِ فَتَتْلَفُ بِهِ النَّفْسُ، وَالْمَقْصُودُ كف العين من النَّظَرِ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ تَلَفَ النَّفْسِ، فَإِنْ فَعَلَ ذلك ضمن نفسه ولا يضمن بإفقاء عَيْنه، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلِ اسْتَبَاحَ فَقْءَ عَيْنِهِ بِابْتِدَاءِ التَّطَلُّعِ أَوْ بَعْدَ زَجْرِهِ بِالْكَلَامِ إِذَا لَمْ يَمْتَنِعْ عَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْمَرْوَزِيِّ، وَأَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ، وَجُمْهُورِ البصريين أن يَسْتَبِيحَهُ بَعْدَ زَجْرِهِ بِالْكَلَامِ، فَإِنِ امْتَنَعَ بِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتَعَدَّاهُ، وَإِنِ ابْتَدَأَ بِفَقْءِ عَيْنِهِ ضَمِنَ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُوَافِقًا لِلْأُصُولِ فِي صَوْلِ الْفَحْلِ وَطَلَبِ النَّفْسِ وَالْمَالِ فِي تَرْتِيبِ الدَّفْعِ حَالًا بَعْدَ حَالٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أبي هُرَيْرَةَ وَأَكْثَرِ الْبَغْدَادِيِّينَ أَنَّهُ يَسْتَبِيحُ فَقْءَ عَيْنِهِ بِابْتِدَاءِ التَّطَلُّعِ، وَلَا يَلْزَمُهُ تَقْدِيمُ زَجْرِهِ بِالْكَلَامِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِلْأُصُولِ فِي صَوْلِ الْفَحْلِ وَطَلَبِ الْمَالِ وَالنَّفْسِ وَمُوَافِقًا لِنَزْعِ الْيَدِ الْمَعْضُوضَةِ إِذَا سَقَطَ بِهَا أَسْنَانُ الْعَاضِّ ابْتِدَاءً واختلف في مذهب أبي حنيفة من الْوَجْهَيْنِ فَحَكَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ الرَّازِيُّ الْوَجْهَ الأول أنه لا يجوز أن يبدأ بفقء إِلَّا بَعْدَ زَجْرِهِ بِالْكَلَامِ، وَهُوَ ضَامِنٌ إِنِ ابْتَدَأَ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ احْتِجَاجًا بِأَنَّ دخول الدار أَغْلَظُ مِنَ التَّطَلُّعِ عَلَيْهِ فِي دَارِهِ، فَلَوْ دَخَلَهَا لَمْ يَسْتَبِحْ أَنْ يَبْتَدِئَ بِفَقْءِ عَيْنِهِ فكان بأن لا يستبيحه بالتطلع أولى وحكى عنه الطحاوي.
والوجه الثَّانِي: أَنَّهُ يَسْتَبِيحُ بِالتَّطَلُّعِ أَنْ يَبْتَدِئَهُ بِفَقْءِ العين وَلَا يَلْزَمُهُ ضَمَانُهَا وَهُوَ الَّذِي يَنْصُرُهُ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَيَجْعَلُونَهُ خِلَافًا مَعَ أَبي حَنِيفَةَ احْتِجَاجًا بِالْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ
стр. 6448
فِي الْمُتَطَلِّعِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - وقوله للرجل: " لو أعلم أنك تنظرني لطعنت بها فِي عَيْنِكَ إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ الْبَصَرِ) فَاحْتَمَلَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ أَنْ يَكُونَ لِتَغْلِيظِ حرمته ﷺ َ - عَلَى حُرْمَةِ سَائِرِ أُمَّتِهِ، وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِشَرْعٍ يَعُمُّ جَمِيعَ الْأُمَّةِ، وَهُوَ أَشْبَهُ بتعليله كقوله: " إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ الْبَصَرِ) وَقَدْ رُوِيَ بِمَا هُوَ عَامُّ الْحُكْمِ لَا يَدْخُلُهُ احْتِمَالٌ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أنه قال: لو أن امرءاً اطَّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إِذْنِكَ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ فَلَيْسَ عَلَيْكَ جُنَاحٌ) وَهَذَا نَصٌّ، فَإِنْ قيل: فهذا خبر واحد مخالف الْأُصُولَ، فَلَمْ يُعْمَلْ عَلَيْهِ.
قِيلَ: الْأُصُولُ مَأْخُوذَةٌ مِنَ النُّصُوصِ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُدْفَعَ بِهَا النَّصُّ، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يُلْحَقُ بِأَصْلٍ فِي هَدْرِ أَسْنَانِ الْعَاضِّ بِابْتِدَاءِ نَزْعِ الْيَدِ مِنْ فِيهِ، وَقَدْ رُوِيَ فِي خَبَرٍ آخَرَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - قال: " من اطلع من صيرة بَابٍ فَفُقِئَتْ عَيْنُهُ فَهِيَ هَدَرٌ) .
قَالَ أَبُو عبيد: الصير الشق.
فأما توجيه الْأَوَّلِ بِأَنَّ دَاخِلَ الدَّارِ لَا يُبْتَدَأُ بِفَقْءِ عَيْنِهِ، فَقَدْ حَكَى ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي جَوَازِ الِابْتِدَاءِ بِفَقْئِهَا وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ أَغْلَظُ حَالًا مِنَ الْمُتَطَلِّعِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ إِذَا دَخَلَ بِجَمِيعِ بَدَنِهِ سَقَطَ الْحُكْمُ في تفضيل الأعضاء كالجنايات يلزم فيها دية لأعضاء إذا فضلت وَلَا يَلْزَمُ فِي الْقَتْلِ دِيَاتُهَا وَإِنْ بَطَلَتْ.
(فَصْلٌ)
وَإِنِ اطَّلَعَ عَلَيْهِ مِمَّا لَا يَسْتُرُ أَبْصَارَ الْمَارَّةِ كَالْبَابِ الْمَفْتُوحِ وَالْكُوَّةِ الْوَاسِعَةِ وَالشُّبَّاكِ الْوَاسِعِ الْأَعْيُنِ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهِ وَهُوَ عَلَى اجْتِيَازِهِ مَارًّا، لَا يقف عليه، فلا إنكار عليه،
стр. 6449
وَلَوْ غَضَّ بَصَرَهُ عَنْهُ كَانَ أَوْلَى؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الدَّارِ لَوْ أَرَادَ الِاسْتِتَارَ عَنِ الْأَبْصَارِ لغلق بَابَهُ، وَسَدَّ كُوَّتَهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقِفَ الْمُتَطَلِّعُ عَلَيْهِ، وَيَسْتَدِيمَ النَّظَرَ إِلَيْهِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ لَهُ رَمْيُهُ وَفَقْءُ عَيْنِهِ كَالْمُتَطَلِّعِ مِمَّا يَسْتُرُ أَبْصَارَ الْمَارَّةِ لِلتَّعَدِّي بِهِمَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْقَاسِمِ الصَّيْمَرِيِّ لَيْسَ لَهُ رَمْيُهُ وَلَا فَقْءُ عَيْنِهِ، وَهُوَ ضَامِنٌ إِنْ فَعَلَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَبَاحَ النَّظَرَ إِلَيْهِ بِفَتْحِ بَابِهِ، وَلَوْ أراد أن يستتر لغلقه، وَيَصِيرُ كَالْوَاقِفِ عَلَيْهِ فِي طَرِيقٍ ثُمَّ يَنْظُرُ فَإِنْ وَقَفَ الْمُتَطَلِّعُ فِي حَرِيمِ الدَّارِ كَانَ لِصَاحِبِهَا مَنْعُهُ مِنَ الْوُقُوفِ عَلَيْهِ، وَإِنْ وَقَفَ في باحة الطَّرِيقِ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَنْعُهُ مِنَ الْوُقُوفِ، ويمنعه من النظر وباحة الطريق وسطه، وفي حيث أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ لِلنِّسَاءِ بَاحَةُ الطَّرِيقِ وَلَكِنْ لَهُنَّ حُجْرَتَاهُ، وَبَاحَتُهُ وَسَطُهُ، وَحُجْرَتَاهُ جَانِبَاهُ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ فِي حَظْرِ التَّطَلُّعِ وَرَمْيِ الْمُتَطَلِّعِ فَالْحَظْرُ عَامٌّ وَالرَّمْيُ خَاصٌّ فَيَحْرُمُ التطلع على المناسبين مِنَ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ، كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْأَجَانِبِ،؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ، أَوْ كَانَ مَعَ حُرْمَتِهِ عَلَى حَلَالِهِ، فَلَا يَحِلُّ لِذِي بَصَرٍ أَنْ يَرَاهُ وَأَمَّا الرَّمْيُ فَخَاصٌّ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُتَطَلِّعِ، وَلَا يَخْلُو حَالُهُ مِنْ ثلاثة أقسام:
أحدهما: أَنْ يَكُونَ مِنْ وَالِدَيْهِ الَّذَيْن لَا يَثْبُتُ لَهُ عَلَيْهِمْ قِصَاصٌ فِي جِنَايَةٍ وَلَا حَدٌّ فِي قَذْفٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ رَمْيُهُمْ، وَلَا فقؤهم، لأنه نوع حد فسقط عنه كَالْقَذْفِ، فَإِنْ رَمَاهُمْ وَفَقَأَهُمْ ضَمِنَ وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ أَمْ لَا؟ مُعْتَبَرًا بِحَالِهِ فَإِنْ كَانَ عِنْدَ التَّطَلُّعِ عَلَيْهِ مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ فَلَا شُبْهَةَ لَهُ وَعَلَيْهِ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ فَهِيَ شُبْهَةٌ لَهُ فِي سُقُوطِ الْقَوَدِ عَنْهُ، وَيَضْمَنُ الدِّيَةَ.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُتَطَلِّعُ أَجْنَبِيًّا أَوْ مِنْ مناسبية وَذَوِي رَحِمِهِ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهِ كَبَنِي الْأَعْمَامِ، وَبَنِي الْأَخْوَالِ. فَهُمْ فِي حَظْرِ التطلع كَالْأَجَانِبِ فِي إِبَاحَةِ رَمْيِهِمْ، وَفَقْءِ أَعْيُنِهِمْ لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي تَحْرِيمِ النَّظَرِ. وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمُتَطَلِّعُ رَجُلًا، أَوِ امْرَأَةً وَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي الدَّارِ رَجُلٌ، أَوِ امْرَأَةٌ فِي تَحْرِيمِ التَّطَلُّعِ، وَرَمْيِ الْمُتَطَلِّعِ، وَإِنْ كَانَ تَطَلُّعُ الرَّجُلِ عَلَى الرَّجُلِ، وَتَطَلُّعُ الْمَرْأَةِ عَلَى الْمَرْأَةِ، أَخَفَّ حَظْرًا مِنْ تَطَلُّعِ الرَّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ وَتَطَلُّعِ الْمَرْأَةِ عَلَى الرَّجُلِ، وَلَكِنْ لو كان
стр. 6450
التَّطَلُّعُ عَلَى دَارٍ لَا سَاكِنَ فِيهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُرْمَى الْمُتَطَلِّعُ سَوَاءٌ كَانَ فِيهَا مَتَاعٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ لِارْتِفَاعِ الْعَوْرَةِ. فَإِنْ رُمِيَ الْمُتَطَلِّعُ ضَمِنَهُ رَامِيهِ وَهَكَذَا الْأَعْمَى لَا يَجُوزُ أَنْ يُرْمَى إِذَا تَطَلَّعَ عَلَى الْمَنَازِلِ المسكونة، لأنه لا ينهتك بِتَطَلُّعِهِ عَوْرَةٌ فَإِنْ رُمِيَ ضَمِنَهُ الرَّامِي.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْمُتَطَلِّعُ مِنْ ذَوِي الْمَحَارِمِ الذين يجري بينهم الْقِصَاصُ فِي الْجِنَايَةِ، وَالْحَدُّ فِي الْقَذْفِ، كَالْأَبْنَاءِ، وَالْبَنَاتِ، وَالْإِخْوَةِ، وَالْأَخَوَاتِ، وَالْأَعْمَامِ، وَالْعَمَّاتِ، وَالْأَخْوَالِ، وَالْخَالَاتِ، فَفِي جَوَازِ رَمْيِهِمْ وَفَقْءِ أَعْيُنِهِمْ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِ أَبِي حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيِّ: لَهُ رَمْيُهُمْ كَالْأَجَانِبِ لِجَرَيَانِ الْقِصَاصِ، وَالْحُدُودِ، بَيْنَهُمْ.
روَى صَفْوَانُ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ َ - " أَسْتَأْذِنُ عَلَى أُمِّي؟ قَالَ: نَعَمْ، قَالَ إِنِّي أَخْدُمُهَا، قَالَ: اسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا، فَعَاوَدَهُ ثَلَاثًا فَقَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ تَرَاهَا عُرْيَانَةً قَالَ لَا، قَالَ فَاسْتَأْذِنْ عَلَيْهَا) .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْسَ لَهُ رَمْيُهُمْ، ويضمن إن رماهم كالآباء لقول الله تَعَالَى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] الْآيَةَ فَشَرَكَ بَيْنَ جَمِيعِهِمْ فِي إِبَاحَةِ النَّظَرِ إِلَى الزِّينَةِ الباطنة؛ لأن الزينة الظاهرة لا تحرم عَلَى الْأَجَانِبِ فَسَوَّى بَيْنَ الزَّوْجِ وَبَيْنَ ذَوِي الْمَحَارِمِ فِيهَا وَإِنْ خَالَفَهُمْ فِي التَّلَذُّذِ بِهَا دونهم.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَلَوْ دَخَلَ بَيْتَهُ فَأَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَهُ ضَرْبُهُ وَإِنْ أَتَى عَلَى نَفْسِهِ (قَالَ المزني) ﵀ الَّذِي عُضَّ رَأْسُهُ فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنَ الْعَاضِّ أَوْلَى بِضَرْبِهِ وَدَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنْ أَتَى ذَلِكَ عَلَى نَفْسِهِ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ الْمَسَاكِنَ حِمَى سَاكِنِيهَا سَوَاءٌ مَلَكُوهَا، أَوِ اسْتَأْجَرُوهَا وَلَهُمْ مَنْعُ غَيْرِهِمْ مِنْ دُخُولِهَا إِلَّا بِإِذْنِهِمْ لِأَمْرَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: لِاخْتِصَاصِهِمْ بِالتَّصَرُّفِ فِيهَا.
وَالثَّانِي: لِأَنَّهَا سَاتِرَةٌ لِعَوْرَاتِهِمْ وَلِحُرَمِهِمْ.
فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا أَجْنَبِيٌّ، أَوْ مُنَاسِبٌ، لَيْسَ بِذِي مَحْرَمٍ، لَمْ يَجُزْ إِلَّا بِإِذْنٍ صَرِيحٍ، سَوَاءٌ كَانَ الْبَابُ مُغْلَقًا، أَوْ مَفْتُوحًا؛ لِقَوْلِ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] وَقَرَأَ ابْنُ
стр. 6451
عَبَّاسٍ " حَتَّى تَسْتَأْذِنُوا) فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَدْخُلَهَا ذُو رَحِمٍ مَحْرَمٍ فَلَهُ حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَكُونَ سَاكِنًا فِيهَا مَعَ مَالِكِهَا، فَلَا يَلْزَمُهُ الاستئذان، ولكن عليه إذا أَرَادَ الدُّخُولَ أَنْ يُشْعِرَ بِدُخُولِهِ، بِالنَّحْنَحَةِ، وَشِدَّةِ الوطئ، وَتَثْقِيلِ الْخُطُوَاتِ لِيَسْتَتِرَ الْعُرْيَانُ، وَيَفْتَرِقَ الْمُجْتَمِعَانِ.
وَالْحَال الثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ ذُو الْمَحْرَمِ سَاكِنًا فِيهَا، فَيَنْظُرُ فِي الْبَابِ، فَإِنْ كَانَ مُغَلَّقًا، لَمْ يَجُزِ الدُّخُولُ إِلَّا بِإِذْنٍ، وَإِنْ كَانَ مَفْتُوحًا فَفِي وُجُوبِ الِاسْتِئْذَانِ وَانْتِظَارِ الْإِذْنِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ عَلَيْهِمُ الِاسْتِئْذَانُ، وَيَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الدُّخُولُ بِغَيْرِ إِذنٍ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ رَبُّ الدَّارِ عَلَى عَوْرَةٍ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: إِنَّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ لِأَجْلِ الْبَصَرِ) .
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لا يلتزم الِاسْتِئْذَانُ وَيَلْزَمُ الْإِشْعَارُ بِالدُّخُولِ بِالنَّحْنَحَةِ وَالْحَرَكَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلا عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم أو بيت أُمَّهَاتِكُمْ أَوْ بُيُوتِ إِخْوَانِكُمْ أَوْ بُيُوتِ أَخَوَاتِكُمْ أو بيوت أعمامكم أو بيوت عماتكم﴾ [النور: ٦١] الآية ففرق الله تعالى بَيْنَ ذَوِي الْمَحَارِمِ وَغَيْرِهِمْ فِي الْإِبَاحَةِ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ الدُّخُولِ بِإِذْنٍ، وَغَيْرِ إِذْنٍ، فَدَخَلَهَا مَنْ هُوَ مَمْنُوعٌ مِنَ الدُّخُولِ بِغَيْرِ إِذْنٍ، فَلَا يَخْتَلِفُ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَهُ بِالْقَتْلِ، وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجُوزُ أَنْ يَبْتَدِئَهُ بِفَقْءِ الْعَيْنِ أَمْ لَا عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنَ الْوَجْهَيْنِ، وَيَسْتَحِقُّ إِخْرَاجُهُ مِنْهَا بِالْقَوْلِ، وَلَا يَتَجَاوَزُهُ إِنْ خَرَجَ بِهِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِالْقَوْلِ تَجَاوَزَهُ إِلَى الدَّفْعِ، وَالْجَرِّ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ تَجَاوَزَهُ إِلَى الضَّرْبِ بِالْعَصَا، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ تَجَاوَزَهُ إِلَى الْجَرْحِ بِالسَّيْفِ، فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ إِلَّا بِالْقَتْلِ فَقَتَلَهُ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَطَالِبِ النَّفْسِ وَالْمَالِ يَتَرَتَّبُ الْأَمْرُ فِيهِمَا بِأَقْرَبِ ما يمكن إلى أن تنتهي غايته إلى القتل، فإن وُجِدَ هَذَا الدَّاخِلُ قَتِيلًا فِي الدَّارِ فَادَّعَى صَاحِبُهَا أَنَّهُ قَتَلَهُ دَفْعًا عَنْ دَارِهِ، وَتَوَصُلًا إِلَى إِخْرَاجِهِ، وَادَّعَى وَلِيُّهُ أَنَّهُ قَتَلَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَلِيِّ مَعَ يَمِينِهِ، وَعَلَى الْقَاتِلِ الْقَوَدُ كَمَنْ قَتَلَ رَجُلًا وَادَّعَى أَنَّهُ وجده مع امْرَأَتِهِ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ. وأُقِيدَ مِنْهُ، فَلَوْ أقام صاحب الدار بينته أنه دخل عليه بسيف مشهور، أو قوس موتور، أو رهب مَخْرُوط، نُظِرَ فِي الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ أُكْمِلَتِ الشَّهَادَةُ بِأَنْ قَالُوا: وَأَرَادَهُ بِذَلِكَ: سَقَطَ عَنْهُ الْقَوَدُ. وإن لم يقولوا له ذَلِكَ، فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ أَنَّهُ تُقْبَلُ مِنْهُ هَذِهِ الدَّعْوَى، وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْقَوَدُ والدية؛ لأن الظاهر من هذه الحال تشهد بِصِدْقِ الْمُدَّعِي، فَقُبِلَ بِهَا قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَعِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الشَّهَادَةَ تُوجِبُ سُقُوطَ الْقَوَدِ؛ لِأَنَّهَا شُبْهَةٌ فِيهِ، وَلَا تُوجِبُ سُقُوطَ الدِّيَةِ، لِاحْتِمَالِ دُخُولِهِ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يَكُونَ لِهَرَبٍ مِنْ طَلَبٍ، وَلَكِنْ لَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ
стр. 6452
بِسَيْفٍ غَيْرِ مَشْهُورٍ، وَقَوْسٍ غَيْرِ مَوْتُورٍ، لَمْ يسقط بها قود، ولا دية. والله أعلم.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا الْتَقَى رَجُلَانِ أَوْ زَحِفَانِ فَتَقَاتَلَا ظُلْمًا عَلَى عَصَبِيَّةٍ، وَطَلَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نفس الآخر وماله فَكُلُّ قَاتِلٍ مِنْهُمَا ظَالِمٌ، وَكُلُّ مَقْتُولٍ مِنْهُمَا مَظْلُومٌ يُقَادُ مِنْ قَاتِلِهِ وَيَكُونَانِ مُتَسَاوِيَيْنِ فِي الظُّلْمِ قَبْلَ الْقَتْلِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي التَّعَدِّي بِالْقِتَالِ وَمُخْتَلِفَيْنِ بَعْدَ الْقَتْلِ فَيَصِيرُ الْقَاتِلُ ظَالِمًا وَالْمَقْتُولُ مَظْلُومًا؛ لِأَنَّ التَّعَدِّيَ صَارَ بِالْقَتْلِ مُتَعَيِّنًا فِي الْقَاتِلِ دُونَ الْمَقْتُولِ، وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى يُحْمَلُ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ -: " إذا التقى المسلمان بسيفهما فَالْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ) يَعْنِي لِظُلْمِهِمَا بِالْقِتَالِ ثُمَّ صَارَ الْقَاتِلُ أَكْثَرَ ظُلْمًا بَالْقَتْلِ فَصَارَ وَعِيدُهُ أَغْلَظَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
فَأَمَّا كَلَامُ الْمُزَنِيِّ فَقَدْ أَصَابَ فِي جَوَابِهِ وَوَهِمَ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي تَأْوِيلِهِ وَالْحُكْمُ فِيهِ عَلَى مَا مَضَى وبالله التوفيق.
стр. 6453
(باب الضمان على البهائم)
قال الشافعي: " أَخْبَرَنَا مَالِكٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ سعد بن محيصة أن ناقة للبراء دخلت حائطاً فأفسدت فيه فقضى ﵇ أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ وَمَا افسدت المواشي بالليل فهو ضامن على أهلها (قال الشافعي) ﵀: والضمان عَلَى الْبَهَائِمِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا مَا أَفْسَدَتْ مِنَ الزَّرْعِ بِاللَّيْلِ ضَمِنَهُ أَهْلُهَا وَمَا أَفْسَدَتْ بِالنَّهَارِ لَمْ يَضْمَنُوهُ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: هَذَا الْبَابُ مَقْصُورٌ على جنايات البهائم المضمونة على أربابها بعد ما تَقَدَّمَ مِنْ جِنَايَاتِ الْآدَمِيِّينَ الْمَضْمُونَةِ عَلَيْهِمْ وَهِيَ ضَرْبَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ سَارِحَةً فِي مَرَاعِيهَا، وهي مسألة الكتاب، فتعدل من مراعيها إلى زروع ترعاها، وأشجار تفسدها، أو تفسد ثمرها، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعَهَا أَرْبَابُهَا فَيَضْمَنُوا مَا أَفْسَدَتْهُ لَيْلًا وَنَهَارًا؛ لِأَنَّ فِعْلَ الْبَهِيمَةِ إِذَا كَانَتْ مَعَ صَاحِبِهَا مَنْسُوبٌ إليه، وإذا لم يكن معها منصوب إِلَيْهَا، كَالْكَلْبِ إِذَا أَرْسَلَهُ صَاحِبُهُ أَكَلَ مَا صَادَهُ، وَإِذَا اسْتُرْسِلَ بِنَفْسِهِ لَمْ يُؤْكَلْ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَنْفَرِدَ الْبَهَائِمُ عَنْ أَرْبَابِهَا، وَلَا يَكُونُوا مَعَهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُنْسَبَ أَرْبَابُهَا إِلَى التَّفْرِيطِ لِإِرْسَالِهِمْ لَهَا فِيمَا لَا يَسْتَبِيحُونَ رَعْيَهُ، أَوْ فِيمَا يَضِيقُ عَنْ كفاياتهم، كحريم الأنهار وطرق الضباع فَعَلَيْهِمْ ضَمَانُ مَا أَفْسَدَتْهُ لَيْلًا وَنَهَارًا؛ لِأَنَّ التَّفْرِيطَ عُدْوَانٌ يُوجِبُ الضَّمَانَ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يُنْسَبَ أَرْبَابُهَا إِلَى التَّفْرِيطِ لِإِرْسَالِهِمْ لَهَا نَهَارًا فِي مَوَاتٍ يَتَّسِعُ لَهَا وَحَبْسِهَا لَيْلًا في مراحها، وعطنها فذهب الشافعي أنه لا ضمان عليهم في مارعته نَهَارًا، وَعَلَيْهِمْ ضَمَانُ مَا رَعَتْهُ لَيْلًا، وَفَرَّقَ بَيْنَ رَعْيِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِالسُّنَّةِ وَالِاعْتِبَارِ.
стр. 6454
وَسَوَّى أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَ رَعْيِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي مَذْهَبِهِ الَّذِي سَوَّى فِيهِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فَحَكَى الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْهُمْ عَنْهُ سُقُوطَ الضَّمَانِ فِي الزَّمَانَيْنِ وَحَكَى الْخُرَاسَانِيُّونَ عَنْهُ وُجُوبَ الضَّمَانِ فِي الزَّمَانَيْنِ.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى سُقُوطِ الضَّمَانِ فِيهِمَا بقول النبي ﷺ َ -: " الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ) .
وَرُوِيَ " جَرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ) .
وَالْعَجْمَاءُ: الْبَهِيمَةُ، وَالْجُبَارُ: الْهَدَرُ الَّذِي لَا يُضْمَنُ، وَلِأَنَّ مَا سَقَطَ ضَمَانُهُ نَهَارًا سَقَطَ ضَمَانُهُ لَيْلًا كَالْوَدَائِعِ طَرْدًا وَالْغُصُوبِ عَكْسًا.
وَاسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إِلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ فِي الزَّمَانَيْنِ بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) وَلِأَنَّ مَا وَجَبَ ضَمَانُهُ لَيْلًا وَجَبَ ضَمَانُهُ نَهَارًا، كالْغُصُوبِ طَرْدًا وَالْوَدَائِعِ عَكْسًا.
وَدَلِيلُنَا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الزَّمَانَيْنِ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ لَيْلًا وَسُقُوطِهِ نَهَارًا، سُنَّةُ الرَّسُولِ ﷺ َ - بَعْدَ مَا وَرَدَ بِهِ التَّنْزِيلُ فِي قِصَّةِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شاهدين فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٨، ٧٩] وَفِي الْحَرْثِ الَّذِي حَكَمَا فِيهِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: أنه زرع وقعت فيه الغنم ليلاً قَالَهُ قَتَادَةُ، وَهُوَ الْأَشْبَهُ بِلَفْظِ الْحَرْثِ.
وَالثَّانِي: أنه كرم وقعت فيه الْغَنَمُ، قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وَهُوَ أَشْهَرُ فِي النقل. ﴿إذا نفشت فيه غنم القوم﴾ [الأنبياء: ٧٨] والنفش رَعْيُ اللَّيْلِ وَالْهَمْلُ: رَعْيُ النَّهَارِ، قَالَهُ قَتَادَةُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْقَضَاءَ كَانَ فِي رَعْيِ اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ. ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ [الأنبياء: ٧٨] يَعْنِي: حُكْمَ دَاوُدَ وَحُكْمَ سُلَيْمَانَ، وَالَّذِي حَكَمَ به داود على ما ورد به النَّقْلُ وَإِنْ لَمْ يَدُلَّ الْقُرْآنُ عَلَيْهِ أَنَّهُ جَعَلَ الْغَنَمَ مِلْكًا لِصَاحِبِ الْحَرْثِ عِوَضًا عَنْ فساده وكان سليمان ﵇ حاضر الحكمة فَقَالَ: أَرَى أَنْ تُدْفَعَ الْغَنَمُ إِلَى صَاحِبِ الْكَرْمِ؛ لِيَنْتَفِعَ بِهَا وَيُدْفَعَ الْكَرْمُ إِلَى صَاحِبِ الْغَنَمِ، لِيُعَمِّرَهُ، فَإِذَا عَادَ إِلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ؛ رَدَّهُ عَلَى صَاحِبِهِ وَاسْتَرْجَعَ غَنَمَهُ، فَصَوَّبَ الله تعالى حُكْمَ سُلَيْمَانَ وَبَيَّنَ خَطَأَ دَاوُدَ فَقَالَ: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ [الأنبياء: ٧٩] فَرَدَّ دَاوُدُ حُكْمَهُ، وَأَمْضَى حُكْمَ سُلَيْمَانَ، ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ [الأنبياء: ٧٩] يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ آتَى كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمًا وَعِلْمًا فِي وُجُوبِ ذلك الضمان لَيْلًا، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي صِفَتِهِ، لِأَنَّهُمَا اتَّفَقَا عَلَى وُجُوبِ الضَّمَانِ، وَإِنِ اخْتَلَفَا فِي الصِّفَةِ.
стр. 6455
والثاني: معناه إن خَصَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعِلْمٍ أَفْرَدَهُ بِهِ دُونَ الْآخَرِ فَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ أُوتِيَ حُكْمًا، وَعِلْمًا.
فَإِنْ قِيلَ: فَكَيْفَ نَقَضَ دَاوُدُ حُكْمَهُ بِاجْتِهَادِ غَيْرِهِ فَعَنْهُ جَوَابَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ ذَكَرَ الْحُكْمَ وَلَمْ يُمْضِهِ، حَتَّى بَانَ لَهُ صَوَابُ مَا حَكَمَ بِهِ سُلَيْمَانُ فَعَدَلَ إِلَيْهِ، وَحَكَمَ بِهِ وَهَذَا جَائِزٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَوَّبَ قَضَاءَ سُلَيْمَانَ فَصَارَ نَصًّا وَحُكْمُ مَا خَالَفَ النَّصَّ مَرْدُودٌ.
وَالدَّلِيلُ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى مَنْ سَوَّى بَيْنَ اللَّيْلِ والنهار وفي سُقُوطِ الضَّمَانِ، نَصٌّ صَرِيحٌ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَوْجَبَهُ فِي رَعْيِ الْغَنَمِ فِي اللَّيْلِ، وَعَلَى مَنْ سَوَّى بَيْنَهُمَا فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ مِنْ طَرِيقِ التَّنْبِيهِ لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَى صِفَةٍ تقتضي انتفاء عِنْدَ عَدَمِهَا، ثُمَّ جَاءَتِ السُّنَّةُ، بِنَصٍّ صَرِيحٍ، فِي الْفَرْقِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، وَهُوَ الْحَدِيثُ المتقدم في صدر الكتاب رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ أَنَّ نَاقَةً للبراء بن عازب دخلت حائطاً فأفسدت فَإِنْ قِيلَ: حَرَامُ بْنُ سَعْدٍ لَا صُحْبَةَ لَهُ فَكَانَ مُرْسَلًا.
قِيلَ: قَدْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مُسْنَدًا عَنْ أَيُّوبَ بْنِ سُوَيْدٍ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ دَخَلَتْ حَائِطَ قَوْمٍ، فَأَفْسَدَتْ فيه فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - أَنَّ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ وَمَا أفسدت المواشي بالليل فهو ضمان على أهلها " فَقَدْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ أَيُّوبَ عَنِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ مُسْنَدًا فَتَأَكَّدَ، وَهُوَ نَصٌّ صَرِيحٌ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ بِاللَّيْلِ، وَسُقُوطِهِ بِالنَّهَارِ لَا تأويل فيه بصرفه عَنْ ظَاهِرِ نَصِّهِ، ثُمَّ الْفَرْقُ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمَوَاشِيَ وَالزُّرُوعَ مَرْصَدَانِ لِطَلَبِ الْفَضْلِ فِيهِمَا، وَاسْتِمْدَادِ الرِّزْقِ مِنْهُمَا، وَالْفَضْلُ فِي الْمَوَاشِي بِإِرْسَالِهَا نَهَارًا، فِي مَرَاعِيهَا فَسَقَطَ حِفْظُهَا فِيهِ، وَالْفَضْلُ فِي الزُّرُوعِ، بِعَمَلِ أَهْلِهَا نَهَارًا، فِيهَا فَوَجَبَ عَلَيْهِمْ حِفْظُهَا فِيهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّيْلَ زَمَانُ النَّوْمِ وَالدَّعَةِ، فَلَزِمَ أَرْبَابَ الْمَوَاشِي فِيهِ حِفْظُهَا فِي أَفْنِيَتِهِمْ وَمَسَاكِنِهِمْ، وَسَقَطَ فِيهِ عَنْ أَرْبَابِ الزروع حفظها لا يوائهما فِيهِ إِلَى مَسَاكِنِهِمْ، فَثَبَتَ بِهَذَيْنِ حِفْظُ الزُّرُوعِ عَلَى أَهْلِهَا فِي النَّهَارِ، دُونَ اللَّيْلِ، وَحِفْظُ الْمَوَاشِي عَلَى أَهْلِهَا
стр. 6456
بِاللَّيْلِ، دُونَ النَّهَارِ، فَلِذَلِكَ صَارَ رَعْيُ النَّهَارِ هَدَرًا لِوُجُوبِ الْحِفْظِ فِيهِ عَلَى أَرْبَابِ الزُّرُوعِ، ورعي الليل مضموناً بالوجوب، للحفظ فِيهِ عَلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي.
وَالدَّلِيلُ مِنَ الْقِيَاسِ عَلَى مَنْ سَوَّى بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ أَنَّ النَّهَارَ زَمَانٌ لَا يُنْسَبُ أرباب المواشي فيه إِلَى التَّفْرِيطِ فَوَجَبَ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُمْ ضَمَانُ ما أفسدته قياساً على غير الزروع.
وَالدَّلِيلُ عَلَى مَنْ سَوَّى بَيْنَ اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ، فِي سُقُوطِ الضَّمَانِ، أَنَّ اللَّيْلَ زَمَانٌ، يُنْسَبُ أرباب المواشي فيه إلى التفريط؛ فوجب أن يلزمهم الضمان مَا أَفْسَدَتْ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِ الزُّرُوعِ.
وَالدَّلِيلُ مِنَ الْقِيَاسِ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ أَنَّهَا بَهَائِمُ أَفْسَدَتْ مَالًا فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ الضَّمَانُ مُعْتَبَرًا بِجِهَةِ التَّفْرِيطِ قِيَاسًا عَلَى غَيْرِ الزُّرُوعِ مِنْ سَائِرِ الْأَمْوَالِ.
فَأَمَّا جَوَابُ مَنْ أَسْقَطَ الضَّمَانَ لِقَوْلِهِ " الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ) فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الرِّوَايَةَ " جرح العجماء) ، وَالْجَرْحُ لَا يَكُونُ فِي رَعْيِ الزُّرُوعِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى رَعْيِ النَّهَارِ.
وَالْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى رَعْيِ النَّهَارِ فَالْمَعْنَى فِي النَّهَارِ عَدَمُ التَّفْرِيطِ، وَفِي اللَّيْلِ وُجُودُ التَّفْرِيطِ، فَافْتَرَقَا، وأما جواب من أوجب الضمان لقوله: " لَا يَحِلُّ مَالُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ) فَهُوَ أَنَّهُ لَيْسَ اسْتِعْمَالُهُ فِي حِفْظِ أَمْوَالِ أَرْبَابِ الزُّرُوعِ بِأَوْلَى مِنَ اسْتِعْمَالِهِ فِي حِفْظِ أَمْوَالِ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي فَسَقَطَ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ لِتَكَافُؤِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى رَعْيِ اللَّيْلِ، فَالْمَعْنَى فِي اللَّيْلِ وُجُودُ التَّفْرِيطِ وَفِي النَّهَارِ عَدَمُهُ.
(فَصْلٌ)
فَإِذَا ثَبَتَ مَا ذكرنَا مِنْ سُقُوطِ الضَّمَانِ فِي النَّهَارِ، وَوُجُوبِهِ فِي اللَّيْلِ فَتَكَاثَرَتِ الْمَوَاشِي بِالنَّهَارِ، حَتَّى عَجَزَ أَرْبَابُ الزُّرُوعِ عَنْ حِفْظِهَا، فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَرْبَابِ الزُّرُوعِ تَقْصِيرٌ فِي الْحِفْظِ.
وَالثَّانِي: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي؛ تَفْرِيطٌ فِي الْحِفْظِ.
وَعَلَى هَذَا لو أحرز أرباب المواشي مواشيهم في الليل، فَغَلَبَتْهُمْ، وَنَفَرَتْ فَرَعَتْ فِي اللَّيْلِ زَرْعًا، فَفِي وجوب الضمان وَجْهَانِ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ:
أَحَدُهُمَا: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَرْبَابِ الْمَوَاشِي تَفْرِيطٌ.
وَالثَّانِي: يَجِبُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ أرباب الزروع تقصير.
стр. 6457
(فَصْلٌ)
وَإِذَا كَانَ لِرَجُلٍ هِرٌّ فَأَكَلَتْ حَمَامَ قَوْمٍ، أَوْ أَفْسَدَتْ طَعَامَهُمْ، أَوْ كَانَ لَهُ كَلْبٌ فَفَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ بِهِمْ فَهَذَا عَلَى ضربين:
أحدهما: أن يكون الكلب والهر ضَعِيفَيْنِ غَيْرَ ضَارِيَيْنِ، فَلَا يَلْزَمُ أَرْبَابَهُمَا حِفْظُهُمَا ليلاً ولا نهاراً، فلا يجب عليهم ضَمَانُ مَا أَفْسَدَاهُ فِي لَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ.
والضرب الثاني: أن يكون الهر قوياً ضارباً، وَالْكَلْبُ شَدِيدًا عَقُورًا، فَعَلَى أَرْبَابِهِمَا حِفْظُهُمَا فِي اللَّيْلِ، وَالنَّهَارِ، وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ ضَمَانُ مَا أَفْسَدَاهُ لَيْلًا، وَنَهَارًا، فَيَسْتَوِي فِيهِمَا حُكْمُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَسُقُوطِهِ، وَإِنِ اخْتَلَفَ حُكْمُ الْمَوَاشِي فِي ضَمَانِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لِلْفَرْقِ بَيْنَهُمَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: السُّنَّةُ الَّتِي فَرَّقَتْ فِي الْمَوَاشِي بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَأَطْلَقَتْ فِي غَيْرِ الْمَوَاشِي حُكْمَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ.
وَالثَّانِي: الْعُرْفُ، وَالْعَادَةُ، فِي رَعْيِ الْمَوَاشِي بِالنَّهَارِ، وَحَبْسِهَا فِي اللَّيْلِ، وَالتَّسْوِيَةُ فِي الْهِرِّ وَالْكَلْبِ، بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ، والله أعلم.
(مسألة)
قال الشافعي: " وَالْوَجْهُ الثَّانِي إِنْ كَانَ الرَّجُلُ رَاكِبًا فَمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ فِيهَا أَوْ ذَنَبِهَا مِنْ نَفْسٍ أَوْ جُرْحٍ فَهُوَ ضَامِنٌ له لأن عليه منعها في تلك الحال من كل ما أتلفت به أحداً وكذلك إن كان سائقا أو قائداً وكذلك الإبل المقطورة بالبعير الذي هو عليه لأنه قائد لها وكذلك الإبل يسوقها ولا يجوز إلا ضمان ما أصابت الدابة تحت الرجل ولا يضمن إلا ما حملها عليه فوطئته فأما من ضمن عن يدها ولم يضمن عن رجلها فهذا تحكم وأما مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - من أن " الرجل جبار) فهو خطأ لأن الحفاظ لم يحفظوه هكذا) .
قال الماوردي: وهذا صَحِيحٌ وَهُوَ الضَّرْبُ الثَّانِي مِنْ ضَمَانِ الْبَهَائِمِ أَنْ تَكُونَ سَائِرَةً وَلَا تَكُونُ رَاعِيَةً وَلَهَا حَالَتَانِ:
إِحْدَاهُمَا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا صَاحِبُهَا.
وَالثَّانِيَةُ: أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهَا.
فَإِنْ كَانَ مَعَهَا صاحبها ضمن جميع ما أتلفته برأسها ويدها ورجلها وذنبها سَوَاءٌ كَانَ رَاكِبًا. أَوْ قَائِدًا، أَوْ سَائِقًا.
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ كَانَ سَائِقًا ضَمِنَ جميع ذلك كله، كَقَوْلِنَا، وَإِنْ كَانَ قَائِدًا، أَوْ رَاكِبًا ضَمِنَ ما أتلفته برأسها، ويدها، ولم يضمن ما أتلفته برجلها، وذنبها،
стр. 6458
اسْتِدْلَالًا بِرِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ: " الرِّجْلُ جُبَارٌ) وَلِأَنَّهُ إِذَا كَانَ رَاكِبًا، أَوْ قَائِدًا لَمْ يُمْكِنْهُ أَنْ يَحْفَظَ مِنْهَا إلا رأسها ويدها فضمن مَا تَلِفَ بِهِمَا، وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَحْفَظَ مِنْهَا رِجْلَهَا، وَذَنَبَهَا، فَلَمْ يَضْمَنْ مَا تَلِفَ بِهِمَا، وَيُمْكِنُ السَّائِقُ حِفْظَ جَمِيعِهِ، فَضَمِنَ مَا تَلِفَ بِجَمِيعِهِ، وَدَلِيلُنَا هُوَ أَنَّهَا بَهِيمَةٌ مَعَهَا صَاحِبُهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ ضَامِنًا لِجِنَايَتِهَا كَالسَّائِقِ؛ وَلِأَنَّهَا جِنَايَةٌ يَضْمَنُهَا سَائِقُهَا فَوَجَبَ أَنْ يَضْمَنَهَا راكبها، وقائدها، كالجناية برأسها ويده.
فأما الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: " الرِّجْلُ جُبَارٌ) فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أحدهما: أنه ضعيف عنه أصحاب الحديث قد أَنْكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَغَيْرُهُ،
وَالثَّانِي: أَنْ يُحْمَلَ قَوْلُهُ: " الرِّجْلُ جُبَارٌ) عَلَى مَعْنَى " ذِي الرِّجْلِ جُبَارٌ) كما قال ﷺ َ -: " لَا سَبْقَ إِلَّا فِي نَصْلٍ، أَوْ خُفٍّ، أَوْ حَافِرٍ) مَعْنَاهُ فِي ذِي خُفٍّ، وَذِي حَافِرٍ، وَيَكُونُ مُوَافِقًا لِقَوْلِهِ: " الْعَجْمَاءُ جُرْحُهَا جُبَارٌ) وَهُوَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا صَاحِبُهَا.
وَأَمَّا الجواب عن قولهم: إن راكبها وقائدها لا يقدر على حفظ يدها وَذَنَبِهَا فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ رَاكِبَهَا وَقَائِدَهَا أضبط بها وَأَقْدَرُ عَلَى تَصَرُّفِهَا بِاخْتِيَارٍ مِنْ سَائِقِهَا؛ فَكَانَ أَوْلَى بِالضَّمَانِ مِنْهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّ رَأْسَهَا وَيَدَهَا فِي حَقِّ سَائِقِهَا كَرِجْلِهَا وَذَنَبِهَا فِي حَقِّ قَائِدِهَا، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَا فِي الْحُكْمِ سَوَاءً.
(فَصْلٌ)
وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَهَا صَاحِبُهَا فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ قَدْ أَرْسَلَهَا صَاحِبُهَا بِاخْتِيَارِهِ، أَوْ فَرَّطَ فِي رَبْطِهَا وَحِفْظِهَا فَاسْتَرْسَلَتْ فَيَكُونُ ضَامِنًا لِمَا أَتَلَفَتْ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهَا، لِأَنَّ مَا حَدَثَ بِتَفْرِيطِهِ مَضْمُونٌ عَلَيْهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يقصر صاحبها بعد ربطها وضبطها، ويسترسل فتتلف مالاً، أو إنساناً فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنْ لَا ضَمَانَ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " جَرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ) ، وَلِأَنَّهُ غَيْرُ مُفَرِّطٍ فِي الْحِفْظِ فَكَانَ كَرَعْيِ الْمَوَاشِي بِالنَّهَارِ.
стр. 6459
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الضَّمَانُ؛ لِأَنَّهُ قَلَّ مَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا مِنْ تَفْرِيطٍ خَفِيٍّ، وَهَذَانِ الْوَجْهَانِ مُخَرَّجَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي اصْطِدَامِ السَّفِينَتَيْنِ إِذَا كَانَ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيطٍ فَفِي وجوب الضمان قولان.
(مسألة)
قال الشافعي: " ولو أنه اوقفها فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَقِفَهَا فِيهِ ضَمِنَ وَلَوْ وَقَفَهَا فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ) .
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ وُقُوفَ الدَّابَّةِ لَا يَخْلُو مِنْ أَنْ يَكُونَ فِي مِلْكِهِ، أَوْ غَيْرِ مِلْكِهِ فَإِنْ وَقَفَهَا فِي مِلْكِهِ لَمْ يَضْمَنْ مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ، لِخُرُوجِهِ عَنْ حُكْمِ التَّعَدِّي، وَإِنْ وَقَفَهَا فِي غَيْرِ مِلْكِهِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقِفَهَا فِي مِلْكِ غَيْرِهِ فَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْ لِتَعَدِّيهِ بِوَقْفِهَا فِيهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ عَنْ إِذَنِ الْمَالِكِ، فَلَا يَضْمَنُ، كَمَا لَا يَضْمَنُ إِذَا وَقَفَهَا فِي مِلْكِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقِفَهَا فِي طَرِيقٍ سَابِلٍ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يُنْسَبَ إِلَى التَّفْرِيطِ وَذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ. إِمَّا أَنْ تَكُونَ الطَّرِيقُ ضَيِّقَةً.
وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ الدَّابَّةُ شَغِبَةً.
وَإِمَّا أَنْ يَقِفَهَا فِي وَسَطِ طَرِيقٍ فَسِيحَةٍ، فَيَكُونُ ضَامِنًا لِمَا أَتْلَفَتْ لِتَعَدِّيهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يُنْسَبَ إِلَى تَفْرِيطٍ؛ لِأَنَّهُ وَقَفَهَا بِفِنَاءِ دَارِهِ فِي طَرِيقٍ وَاسِعَةٍ وَالدَّابَّةُ غَيْرُ شَغِبَةٍ، فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلِهِ فِي حَفْرِ الْبِئْرِ بِفِنَاءِ داره هل يضمن ما تلف بِهَا عَلَى قَوْلَيْنِ: فَلَوْ مَرَّ بِهَذِهِ الدَّابَّةِ الواقفة من تحتها وبعج بطنها حتى نفرت، وأتلفت، ضمن الذي بعجها مَا أَتْلَفَتْهُ وَجْهًا وَاحِدًا، وَلَمْ يَضْمَنْهُ وَاقِفُهَا؛ لِأَنَّهُ تَعَدٍّ بِمُبَاشَرَةٍ يَسْقُطُ بِهِ حُكْمُ السَّبَبِ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا مَرَّتْ بَهِيمَةٌ لِرَجُلٍ بِجَوْهَرَةٍ لِآخَرَ، فَابْتَلَعَتْهَا، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعَ الْبَهِيمَةِ صَاحِبُهَا فَيَضْمَنُ الْجَوْهَرَةَ، لِأَنَّ فِعْلَ البهيمة مَنْسُوبٌ إِلَيْهِ وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْبَهِيمَةُ شَاةً أَوْ بَعِيرًا.
وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنْ كَانَتِ الْبَهِيمَةُ شاة يَضْمَنُ الْجَوْهَرَةَ، وَإِنْ كَانَتْ بَعِيرًا ضَمِنَهَا؛ لِأَنَّ العادة في البعير أن تضبط، وَفِي الشَّاةِ أَنْ تُرْسَلَ وَهَذَا فَرْقٌ فَاسِدٌ، لِاسْتِوَائِهِمَا فِي ضَمَانِ الزَّرْعِ وَسُقُوطِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَكُونَ مَعَ الْبَهِيمَةِ صَاحِبُهَا فَقَدْ قَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ
стр. 6460
لَا يَضْمَنُ الْجَوْهَرَةَ إِنْ كَانَ ذَلِكَ نَهَارًا، ويضمنها أن كان ليلاً كالزروع، وَالَّذِي أَرَاهُ أَنَّهُ يَضْمَنُهَا لَيْلًا وَنَهَارًا بِخِلَافِ الزَّرْعِ.
وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ رَعْيَ الزَّرْعِ مَأْلُوفٌ، فَلَزِمَ حِفْظُهُ مِنْهَا، وَابْتِلَاعَ الْجَوْهَرَةِ غَيْرُ مَأْلُوفٍ فَلَمْ يَلْزَمْ حِفْظُهَا مِنْهَا، فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ ضامنها؛ فَإِنْ طَلَبَ صَاحِبُ الْجَوْهَرَةِ ذَبْحَ الْبَهِيمَةِ لِيَسْتَرْجِعَ جَوْهَرَتَهُ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْبَهِيمَةِ مِنْ أَنْ تَكُونَ مَأْكُولَةً، أَوْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ فَإِنْ كَانَتْ غير مأكولة؛ لم تذبح، وغرم صَاحِبُهَا، قِيمَةَ الْجَوْهَرَةِ، فَإِنْ دُفِعَتِ الْقِيمَةُ، ثُمَّ مَاتْتِ الْبَهِيمَةُ، وَأُخْرِجَتِ الْجَوْهَرَةُ مِنْ جَوْفِهَا، فَفِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يَمْلِكُهَا صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ بِدَفْعِ الْقِيمَةِ، وَلَا يَلْزَمُهُ رَدُّهَا.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: تُعَادُ إِلَى صاحبها وتسترجع قيمة البهمية، لِأَنَّهَا عَيْنُ مَالِهِ، فَإِنْ نَقَصَتْ قِيمَتُهَا بِالِابْتِلَاعِ ضمن صاحب البهيمة قدر نقصها، فإن كَانَتِ الْبَهِيمَةُ مَأْكُولَةً فَفِي ذَبْحِهَا لِاسْتِرْجَاعِ الْجَوْهَرَةِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: تُذْبَحُ لِأَجْلِ الرَّدِّ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُتَوَصَّلُ إِلَى رَدِّهَا بِوَجْهٍ مُبَاحٍ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تُذْبَحُ وَتَكُونُ كَغَيْرِ الْمَأْكُولَةِ لِنَهْيِ النَّبِيِّ ﷺ َ - عَنْ ذَبْحِ الْبَهَائِمِ إِلَّا لِمَأْكَلَةٍ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا أَدْخَلَتِ الْبَهِيمَةُ رَأْسَهَا فِي إِنَاءٍ لِرَجُلٍ، وَلَمْ يُمْكِنْ خَلَاصُهَا إِلَّا بِذَبْحِهَا، أَوْ كَسْرِ الْإِنَاءِ، فَلَا يَخْلُو حَالُهُمَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ:
أَحَدُهَا: أن يكون صاحب البهيمة غير متعد لوضعها في حقه وصاحب الإناء متعد لوضعه فِي غَيْرِ حَقِّهِ، فَالْإِنَاءُ غَيْرُ مَضْمُونٍ لِتَعَدِّي صَاحِبِهِ؛ فَيُكْسَرُ لِخَلَاصِ الْبَهِيمَةِ، وَيَكُونُ مَا لَا يُمْكِنُ خَلَاصُ الْبَهِيمَةِ، إِلَّا بِكَسْرِهِ فَكَسْرُهُ هَدَرٌ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ مَضْمُونًا.
وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ مُتَعَدِّيًا وَصَاحِبُ الْإِنَاءِ غَيْرَ مُتَعَدٍّ؛ فَيَكُونُ الْإِنَاءُ مَضْمُونًا عَلَى صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ لِتَعَدِّيهِ بِهَا وَيُنْظَرُ فِي الْبَهِيمَةِ، فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ كُسِرَ الْإِنَاءُ لِاسْتِخْلَاصِهَا، وَضَمِنَهُ صَاحِبُهَا، وَإِنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً فَعَلَى وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: تُذْبَحُ الْبَهِيمَةُ وَيُسْتَخْلَصُ الْإِنَاءُ.
وَالثَّانِي: يُكْسَرُ الْإِنَاءُ وَيُضْمَنُ لِصَاحِبِهِ كَغَيْرِ الْمَأْكُولَةِ.
وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُتَعَدِّيًا، فَيَكُونُ الضَّمَانُ بِصَاحِبِ البهيمة أخص؛ لأن لها فعلاً اختص بزيادة التعدي، فيكون كَمَا لَوْ تَعَدَّى صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ، وَلَمْ يَتَعَدَّ صَاحِبُ الْإِنَاءِ.
وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ مُتَعَدٍّ فَهَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أضرب:
стр. 6461
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْلَمَ صَاحِبُ الْإِنَاءِ بِالْبَهِيمَةِ، وَلَا يَعْلَمَ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ بِالْإِنَاءِ، فَيَخْتَصُّ الْحِفْظُ بِصَاحِبِ الْإِنَاءِ، وَيَكُونُ إِنَاؤُهُ هَدَرًا كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَعْلَمَ صَاحِبُ الْبَهِيمَةِ بِالْإِنَاءِ، وَلَا يَعْلَمَ صَاحِبُ الْإِنَاءِ بِالْبَهِيمَةِ، فَيَخْتَصُّ الْحِفْظُ بِصَاحِبِ الْبَهِيمَةِ، وَيَكُونُ الْإِنَاءُ مَضْمُونًا كَالْقِسْمِ الثَّانِي.
وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْلَمَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِذَلِكَ؛ فَيَصِيرُ الْحِفْظُ عَلَيْهِمَا، وَيَكُونُ الضَّمَانُ بِصَاحِبِ الْبَهِيمَةِ أَخَصَّ لِزِيَادَةِ فِعْلِهَا كَالْقِسْمِ الثَّالِثِ.
وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ: أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا غَيْرَ عَالِمٍ بِالْآخَرِ، فَفِي ضَمَانِ الْإِنَاءِ وَجْهَانِ بِنَاءً عَلَى اختلاف الوجهين من ضمان البهيمة إذا وقفت بفناء داره، فأتلفت.
أحد الوجهين: أَنَّ الْإِنَاءَ غَيْرُ مَضْمُونٍ عَلَى صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ، فَيَكُونُ كَالْقِسْمِ الْأَوَّلِ فِي كَسْرِهِ لِخَلَاصِ الْبَهِيمَةِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ مَضْمُونًا عَلَى صَاحِبِ الْبَهِيمَةِ فَيَكُونُ كَالْقِسْمِ الثَّانِي فِي اعْتِبَارِ حَالِ الْبَهِيمَةِ فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَأْكُولَةٍ؛ لَمْ تُذْبَحْ وَكُسِرَ الْإِنَاءُ لِخَلَاصِهَا وَضُمِنَ، وَإِنْ كَانَتْ مَأْكُولَةً، فَفِي ذَبْحِهَا وَجْهَانِ، بِنَاءً عَلَى مَا مَضَى.
(مسألة)
قال الشافعي: " ولو جعل في داره كلبا عقوراً أو حبالة فَدَخَلَ إِنْسَانٌ فَقَتَلَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ (قال المزني) وسواء عندي أذن له في الدخول أو لم يأذن له) .
قال الماوردي: فقد مضت مثل هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي حَفْرِ الْبِئْرِ فِي دَارِهِ، فَإِذَا رَبَطَ فِي دَارِهِ سَبُعًا، أَوْ كَلْبًا عَقُورًا، أَوْ نَصَبَ فِيهَا أُحْبُولَةً، أَوْ شَرَكًا فَدَخَلَ إِلَيْهَا مَنْ هَلَكَ بِهَا فَلَهُ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَدْخُلَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ مَالِكِهَا، فَنَفْسُهُ هَدَرٌ لِتَعَدِّيهِ بِالدُّخُولِ.
وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يكرهه رب الدار على الدخول فيها فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَتَّصِلَ الْإِكْرَاهُ بِالتَّلَفِ فَيَكُونُ مَضْمُونًا بِالدِّيَةِ عَلَى الْمُكْرِهِ؛ لِتَعَدِّيهِ بِالْإِكْرَاهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَتَّصِلَ الْإِكْرَاهُ بِالتَّلَفِ، فَفِي اسْتِصْحَابِ حُكْمِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ مستصحب الحكم إلى التَّلَفِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَضْمُونًا عَلَى الْمُكْرِهِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: قَدْ زَالَ حُكْمُهُ بِانْقِطَاعِهِ فَيَكُونُ كَغَيْرِ الْمُكْرَهِ.
وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَأْذَنَ وَلَا يكره فإن علم الدَّاخِلُ بِالْحَالِ، أَوْ كَانَ الْمَوْضِعُ مُضِيئًا وَالدَّاخِلُ بصيراً، أو كان التَّحَرُّزُ مِنْ ذَلِكَ مُمْكِنًا، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ، ونفس الداخل
стр. 6462
هدر، وإن لم يعلمه بالحال، وكان الموضع مظلماً، أو كانت الدَّاخِلُ ضَرِيرًا، فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ قَوْلَانِ:
أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ غَيْرُ مُتَعَدٍّ بِالسَّبَبِ، وَلَا مُبَاشِرٍ لِلتَّلَفِ.
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: عَلَيْهِ الضَّمَانُ فَخَرَجَ مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِيمَنْ سَمَّ طَعَامًا، وَأُذِنَ فِي أَكْلِهِ، لِأَنَّهُ مُتَسَبِّبٌ؛ لِمَا يَخْفَى تَلَفُهُ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا أَوْقَدَ نَارًا فِي دَارِهِ، أَوْ سَجَّرَ بِهَا تَنُّورًا، فَطَارَ مِنْ شَرَرِ النَّارِ مَا أَتْلَفَ، وَأَحْرَقَ، فَلَا ضَمَانَ فِيهِ؛ لِأَنَّهُ غير متعد، وَقَدْ رَوَى مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " أَنَّهُ قَالَ: " النَّارُ جُبَارٌ) وَفِي تَأْوِيلِهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إِبَاحَةُ النَّارِ، وَأَنَّ مَنِ اقْتَبَسَهَا بِغَيْرِ إِذْنِ صَاحِبِهَا لَمْ يَلْزَمْهُ له قِيمَةٌ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مَنْ أَوْقَدَهَا فِي حَقِّهِ، فَتَعَدَّتْ إِلَى غَيْرِهِ، لَمْ يَغْرَمْ مُوقِدُهَا مَا أَتْلَفَتْهُ، وَأَمَّا إِذَا أَحْرَقَ بِهَا حَشِيشًا فِي أَرْضِهِ، فَتَعَدَّتِ النَّارُ إِلَى زَرْعِ جَارِهِ، فَأَحْرَقَتْهُ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ زَرْعُ الْجَارِ غَيْرَ مُتَّصِلٍ بِحَشِيشِ صَاحِبِ النَّارِ، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ، كَمَا لَا يَضْمَنُ صَاحِبُ التَّنُّورِ مَا أَطَارَتْهُ الرِّيحُ مِنْ شَرَرِ نَارِهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الزَّرْعُ النَّابِتُ مُتَّصِلًا بِالْحَشِيشِ الْمَحْرُوقِ فَيَنْظُرُ فِي صِفَةِ الرِّيحِ وَقْتَ إِلْقَاءِ النَّارِ، فَإِنْ كَانَتْ مَصْرُوفَةً عَنْ جِهَةِ الزَّرْعِ بِهُبُوبِهَا إِلَى غَيْرِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَى صَاحِبِ النَّارِ، وَإِنْ كَانَ هُبُوبُهَا إِلَى جِهَةِ الزَّرْعِ فَفِي الضَّمَانِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: يجب؛ لأن من طبع النار أن تسري إِلَى جِهَةِ الرِّيحِ.
وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ هُبُوبَ الرِّيحِ لَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ.
(فَصْلٌ)
وَإِذَا أَرْسَلَ الْمَاءَ فِي أَرْضِهِ فَخَرَجَ إِلَى أَرْضِ غَيْرِهِ، فَأَفْسَدَهَا، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَا أَرْسَلَهُ فِيهَا مِنَ الْمَاءِ بِقَدْرِ حَاجَتِهَا، فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِيمَا خَرَجَ مِنْهُ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ أَكْثَرَ مِنْ قَدْرِ الْحَاجَةِ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَعْجَزَ عَنْ حَبْسِ الزِّيَادَةِ لِطُغْيَانِ الْمَاءِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَعَدِّيهِ.
وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَقْدِرَ عَلَى حَبْسِهِ فَفِي وُجُوبِ الضَّمَانِ وَجْهَانِ:
стр. 6463
أَحَدُهُمَا: يَجِبُ؛ لِأَنَّ مِنْ طَبْعِ الْمَاءِ أَنْ يَجْرِيَ وَيَفِيضَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجِبُ؛ لِأَنَّ الْجَارَ قَدْ كَانَ يَقْدِرُ عَلَى الِاحْتِرَازِ مِنْهُ بحظيرة تصد عنه، والله أعلم بالصواب.
стр. 6464
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
(كتاب السير
من خمسة كتب: الجزية، والحكم في أهل الكتاب، وإملاء على كتاب الواقدي وإملاء على غزوة بدر، وإملاء على كتاب اختلاف أبي حنيفة والأوزاعي)
قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَارَ لِرِسَالَتِهِ، وَاصْطَفَى لِنُبُوَّتِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قَصِيِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ فَبَعَثَهُ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ، حِينَ وَهَتِ الْأَدْيَانُ، وَعُبِدَتِ الْأَوْثَانُ، وَغَلَبَ الْبَاطِلُ عَلَى الْحَقِّ، وَعَمَّ الْفَسَادُ فِي الْخَلْقِ؛ لِيَخْتِمَ بِهِ رُسُلَهُ، وَيُوَضِّحَ بِهِ سُبُلَهُ، وَيَسْتَكْمِلَ بِهِ دِينَهُ، وَيَحْسِمَ بِهِ مِنَ الْفَسَادِ، مَا عَمَّ، وَمِنَ الْبَاطِلِ مَا تم، فاختاره من بيت اشتهر فِيهِمْ مَبَادِئُ طَاعَتِهِ، وَقَوَاعِدُ عِبَادَتِهِ، بِالْبَيْتِ الَّذِي جَعَلَهُ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا، وَالْحَجِّ الَّذِي جَعَلَهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ رُكْنًا، لِيَكُونُوا مُسْتَأْنِسِينَ بِتَدَيُّنٍ سَهْلٍ تَسْهُلُ بِهِ إِجَابَتُهُمْ، وَلَا يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ مَلِكٍ قَدِ اسْتَحْكَمَ مُعْتَقَدَهُمْ، فَتَصْعُبَ إِجَابَتُهُمْ لُطْفًا، تَسْهُلُ بِهِ الْمَبَادِئُ، وَأَحْكَمَ بِهِ الْعَوَاقِبَ، فَكَانَ مِنْ أَوَائِلِ التَّأْسِيسِ لِنُبُوَّتِهِ أَنْ كَثَّرَ اللَّهُ قُرَيْشًا بَعْدَ الْقِلَّةِ، وَأَعَزَّهُمْ بَعْدَ الذِّلَّةِ، وَجَعَلَهُمْ دَيَّانِينَ الْعَرَبِ، وَوُلَاةَ الْحَرَمِ، فَكَانَ أَوَّلَ من هجس في نفسه بظهور النُّبُوَّةِ مِنْهُمْ " كَعْبُ بْنُ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ " فَكَانَ يَجْمَعُ النَّاسَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ، وَهُوَ سَمَّاهُ لِجَمْعِ النَّاسِ فِيهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ، وَكَانَ يُسَمَّى عُرُوبَةَ، وَكَانَ يَخْطُبُ فِيهِ عَلَى قُرَيْشٍ، وَيَقُولُ بَعْدَ خُطْبَتِهِ حَرَمُكُمْ عَظِّمُوهُ، وَتَمَسَّكُوا بِهِ، فَسَيَأْتِي لَهُ بِنَاءٌ عَظِيمٌ، وَسَيَخْرُجُ بِهِ نَبِيٌّ كَرِيمٌ، وَاللَّهِ لَوْ كُنْتُ فِيهِ ذَا سَمْعٍ، وبصر، ويد، ورجل، لتنصبت تنصب الجمل، ول رقلت إِرْقَالَ الْفَحْلِ، ثُمَّ يَقُولُ:
(يَا لَيْتَنِي شَاهِدٌ فحواء دعوته ... إذا قريش تبقي الحق خذلانا)
وَهَذَا مِنْ فِطَرِ الْإِلْهَامِ، وَمَخَائِلِ الْعُقُولِ.
ثُمَّ انْتَقَلَتِ الرِّئَاسَةُ بَعْدَهُ إِلَى " قُصَيِّ بْنِ كِلَابِ " فَجَدَّدَ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ بَنَاهَا بعد إبراهيم، وإسماعيل، وبن دَارَ النَّدْوَةِ لِلتَّحَاكُمِ، وَالتَّشَاجُرِ، وَالتَّشَاوُرِ، وَعَقْدِ الْأَلْوِيَةِ، وَهِيَ أَوَّلُ دَارٍ بُنِيَتْ بِمَكَّةَ، وَكَانُوا يُخَيِّمُونَ فِي جِبَالِهَا ثُمَّ بَنَى الْقَوْمُ دُورَهُمْ بِهَا
стр. 6465
فَزَادَتِ الرِّئَاسَةُ، وَقَوِيَ تَأْسِيسُ النُّبُوَّةِ، ثُمَّ أُمِّرَتْ قُرَيْشٌ وَكَثُرَتْ حَتَّى قَصَدَهُمْ صَاحِبُ الْفِيلِ، لِهَتْكِ الْحَرَمِ، وَهَدْمِ الْكَعْبَةِ، وَسَبْيِ قُرَيْشٍ، فَأَخَذَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ بِحَلْقَةِ الْبَابِ وَقَالَ:
(يَا رَبِّ لَا نَرْجُو لَهُمْ سِوَاكَا ... )
(يَا رَبِّ فَامْنَعْ مِنْهُمْ حِمَاكَا ... )
(إِنَّ عَدُوَّ الْبَيْتِ مَنْ عَادَاكَا ... )
(امْنَعْهُمْ أَنْ يُخَرِّبُوا قُرَاكَا ... )
فَأَرْسَلَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ بِمَا حكاه في كتابه العزيز ﴿طيرا أبابيل، ترميهم بحجارة من سجيل، فجعلهم كعصف مأكول﴾ فَهَلَكُوا جَمِيعًا فَقَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ:
(أَنْتِ مَنَعْتَ الحبش والأقيالا ... )
(وَقَدْ رَعَوْا بِمَكَّةَ الْأَجْبَالَا ... )
(وَقَدْ خَشِينَا مِنْهُمُ الْقَتَالَا ... )
(وَكُلَّ أَمْرٍ لَهُمْ مِعْضَالَا ... )
٠
- (حَمْدًا وَشُكْرًا، لك ذا الجلالا ... )
قد شهد بِذَلِكَ تَأْسِيسُ النُّبُوَّةِ فِيهِمْ، وَبَقِيَ تَعْيِينُهَا فِي الْمَخْصُوصِ بِهَا مِنْهُمْ.
(فَصْلٌ)
: وَكَانَ مِنْ مَبَادِئِ أَمَارَاتِ النُّبُوَّةِ فِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - إِجَابَةُ دَعْوَةِ جَدِّهِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، حَتَّى هَلَكَ أَصْحَابُ الْفِيلِ، تَخْصِيصًا لَهُ بِالْكَرَامَةِ حِينَ خُصَّ بِالنُّبُوَّةِ، فِي وَلَدِهِ، ثُمَّ ظَهَرَ نُورُ النُّبُوَّةِ فِي وَجْهِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ، حَتَّى مَرَّ بِكَاهِنَةٍ مَنْ كَوَاهِنِ الْعَرَبِ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - " آمِنَةَ بِنْتَ وَهْبٍ " فَرَأَتِ الْكَاهِنَةُ نُورَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَقَالَتْ لَهُ: هَلْ لَكَ أَنْ تَقَعَ عَلَيَّ، وَلَكَ مِائَةُ نَاقَةٍ مِنَ الْإِبِلِ فَقَالَ:
(أَمَّا الْحَرَامُ فَالْمَمَاتُ دُونَهُ ... وَالْحِلُّ لَا حِلَّ فَاسْتَبِينُهُ)
(فَكَيْفَ بِالْأَمْرِ الَّذِي تَبْغِينَهُ ... يَحْمِي الْكَرِيمُ عِرْضَهُ وَدِينَهْ)
وَمَضَى لِشَأْنِهِ، وَنَكَحَ آمِنَةَ، فَعَلَقَتْ مِنْهُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - وَعَادَ فَمَرَّ بِالْكَاهِنَةِ فَعَرَضَ لَهَا، فَلَمْ تَرَ ذَلِكَ النُّورَ، فَقَالَتْ: قَدْ كَانَ هَذَا مَرَّةً فَالْيَوْمَ لَا، فَأُرْسِلَتْ مَثَلًا قَالَ: ثُمَّ وُلِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - عَامَ الْفِيلِ، عَلَى مَا رَوَاهُ أَكْثَرُ النَّاسِ فِي شِعْبِ بَنِي هَاشِمٍ، فِي جِوَاءِ أَبِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَتَرَكُوا عَلَيْهِ لَيْلَةَ وِلَادَتِهِ، جَفْنَةً كَبِيرَةً، فَانْفَلَقَتْ عَنْهُ فَلْقَتَيْنِ
стр. 6466
فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ مَبَادِئِ أَمَارَاتِ النُّبُوَّةِ، فِي نَفْسِهِ، ثُمَّ مَاتَ أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ وَأُمُّهُ حَامِلٌ بِهِ فَكَفَلَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ، فَكَانَ يَرَى مِنْ شَأْنِهِ مَا يَسُرُّهُ، وَمَاتَ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ مِنْ وِلَادَتِهِ، فَوَصَّى بِهِ إِلَى عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَخَا عَبْدِ اللَّهِ لِأُمِّهِ، فَخَرَجَ بِهِ أَبُو طَالِبٍ إِلَى الشَّامِ بِتِجَارَةٍ له، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ؛ فَنَزَلَ تَحْتَ صَوْمَعَةٍ بِالشَّامِ عِنْدَ بُصْرَى وَكَانَ في الصومعة راهب يقال له " بحيرا " قَدْ قَرَأَ كُتُبَ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَعَرَفَ مَا فيها من الأنباء والإمارات، فرأى بحيرا مِنْ صَوْمَعَتِهِ غَمَامَةً قَدْ أَظَلَّتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - مِنَ الشَّمْسِ فَنَزَلَ إِلَيْهِ وَجَعَلَ يَتَفَقَّدُ جَسَدَهُ، حَتَّى رَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ، وَسَأَلَهُ عَنْ حَالِهِ فِي مَنَامِهِ، وَيَقَظَتِهِ فَأَخْبَرَهُ، بِهَا، فَوَافَقَتْ مَا عِنْدَهُ فِي الْكُتُبِ وَسَأَلَ أَبَا طَالِبٍ عَنْهُ فَقَالَ: ابْنِي فَقَالَ: كَلَّا، قَالَ ابْنُ أَخِي: مَاتَ أَبُوهُ، وَهُوَ حَمْلٌ قَالَ: صَدَقْتَ، وَعَمِلَ لَهُمْ، وَلِمَنْ مَعَهُمْ مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ طَعَامًا لَمْ يَكُنْ يَعْمَلُهُ لَهُمْ مِنْ قَبْلُ، وَقَالَ: احْفَظُوا هَذَا مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَإِنَّهُ سَيِّدُ الْعَالَمِينَ، وَسَيُبْعَثُ إِلَيْنَا وَإِلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، فَإِنْ عَرَفُوهُ مَعَكُمْ قَتَلُوهُ فَقَالُوا كَيْفَ عَرَفْتَ هَذَا قَالَ بِالسَّحَابَةِ الَّتِي أَظَلَّتْهُ، وَرَأَيْتُ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْرُوفِ كَتِفِهِ، مِثْلَ التُّفَّاحَةِ عَلَى النَّعْتِ الْمَذْكُورِ، فَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ بُشْرَى نُبُوَّتِهِ، وَهُوَ لِصِغَرِهِ غَيْرُ دَاعٍ إِلَيْهَا وَلَا مُتَأَهِّبٌ لَهَا
(فَصْلٌ)
ثُمَّ نَشَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - فِي قُرَيْشٍ عَلَى أَحْسَنِ هَدْيٍ وَطَرِيقَةٍ وَأَشْرَفِ خُلُقٍ وَطَبِيعَةٍ وَأَصْدَقِ لِسَانٍ وَلَهْجَةٍ وَكَانَتْ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ذَاتَ شَرَفٍ وَيَسَارٍ وَكَانَتْ لَهَا مَتَاجِرُ وَمُضَارِبَاتٌ فَلَمَّا عَرَفَتْ أَمَانَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - وَصِدْقَ لَهْجَتِهِ أَبَضْعَتْهُ مَالًا يَتَّجِرُ لَهَا بِهِ إِلَى الشَّامِ مُضَارِبًا وَأَنْفَذَتْ مَعَهُ مَوْلَاهَا " مَيْسَرَةَ " لِيَخْدِمَهُ فِي طَرِيقِهِ، فَنَزَلَ ذَاتَ يَوْمٍ تَحْتَ صَوْمَعَةِ رَاهِبٍ، فَرَأَى الرَّاهِبُ مِنْ ظُهُورِ كَرَامَاتِ اللَّهِ مَا عَلِمَ، أَنَّهَا لَا تَكُونُ إِلَّا لِنَبِيٍّ مُنْزَلٍ، وَقَالَ لِمَيْسَرَةَ مَنْ هَذَا الرَّجُلُ؟ فقال الرجل: مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أَهْلِ الْحَرَمِ فَقَالَ: إِنَّهُ نَبِيٌّ: وَكَانَ مَيْسَرَةُ يَرَاهُ إِذَا رَكِبَ تُظِلُّهُ غَمَامَةٌ تَقِيهِ حَرَّ الشَّمْسِ، فَلَمَّا قَدِمَ عَلَى " خَدِيجَةَ " قَصَّ مَيْسَرَةُ عَلَيْهَا حَدِيثَ الرَّاهِبِ، وَمَا شَاهَدَهُ مِنْ ظِلِّ الْغَمَامَةِ وَتَضَاعَفَ لَهَا رِبْحُ التجارة، فكانت هذه بشرى ثانية بِنُبُوَّتِهِ، فَرَغِبَتْ خَدِيجَةُ فِي نِكَاحِهِ وَكَانَ قَدْ خَطَبَهَا أَشْرَافُ قُرَيْشٍ، فَامْتَنَعَتْ، وَسَفَرَ بَيْنَهُمَا فِي النكاح " ميسرة "
وقيل مولاة مولدة [من مولدات مكة] وَخَافَتِ امْتِنَاعَ أَبِيهَا عَلَيْهِ؛ لِفَقْرِهِ، فَعَقَرَتْ لَهُ ذبيحة وألبسته حبرة، بطيب وعقير، وَعَقِيرٍ وَسَقَتْهُ خَمْرًا، حَتَّى سَكِرَ، وَحَضَرَ رَسُولُ الله ﷺ َ - وَمَعَهُ عَمُّهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَاخْتُلِفَ فِي حُضُورِ أَبِي طَالِبٍ مَعَهُ وَخَطَبَهَا مِنْ أَبِيهَا فَأَجَابَهُ، وَزَوَّجَهُ بِهَا، وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً، وَخَدِيجَةُ ابْنَةُ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَدَخَلَ بِهَا مِنْ لَيْلَتِهِ فَلَمَّا أَصْبَحَ خُوَيْلِدٌ وَصَحَا، رَأَى آثَارَ مَا عَلَيْهِ فَقَالَ: مَا هَذَا الْعَقِيرُ، وَالْعَبِيرُ، وَالْحَبِيرُ؟ قِيلَ لَهُ: زَوَّجْتَ خَدِيجَةَ بِمُحَمَّدٍ قَالَ: مَا فَعَلْتُ: قِيلَ لَهُ قَبُحَ بِكَ هَذَا وَقَدْ دَخَلَ بِهَا، فَرَضِيَ، وَلِأَجْلِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بعد ظهور
стр. 6467
الْإِسْلَامِ " لَا يُرْفَعُ إِلَيَّ نِكَاحُ نَشْوَانَ إِلَّا أَجَزْتُهُ ثُمَّ إِنَّ خَدِيجَةَ كَفَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - أُمُورَ دُنْيَاهُ، فَكَانَ ذَلِكَ مِنْ أَسْبَابِ اللُّطْفِ، وَوَلَدَتْ لَهُ جَمِيعَ أَوْلَادِهِ إِلَّا " إِبْرَاهِيمَ " فَكَانَ لَهُ مِنْهَا مِنَ الْبَنِينَ " الْقَاسِمُ " وَبِهِ كَانَ يُكْنَى، وَالظَّاهِرُ، وَالطَّيِّبُ، وَمِنَ الْبَنَاتِ " زَيْنَبُ " وَ " رُقَيَّةُ " وَ " أُمُّ كُلْثُومٍ " وَ " فَاطِمَةُ "، فَمَاتَ الْبَنُونَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ، وَعَاشَ الْبَنَاتُ بَعْدَهَا، ثُمَّ إِنَّ قُرَيْشًا تَشَاوَرَتْ فِي هَدْمِ الْكَعْبَةِ، وَبِنَائِهَا، لِقِصَرِ سُمْكِهَا وَكَانَ فَوْقَ الْقَامَةِ، وَسِعَةِ حِيطَانِهَا وَأَرَادُوا تَعْلِيَتَهَا وَخَافُوا مِنَ الْإِقْدَامِ عَلَى هَدْمِهَا وَكَانَ يَظْهَرُ فِيهَا حَيَّةٌ يَخَافُ النَّاسُ مِنْهَا، فَعَلَتْ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى جِدَارِ الْكَعْبَةِ؛ فَسَقَطَ طائر فاختطفها فقالت قريش: إنا لنرجوا أَنْ يَكُونَ اللَّهُ قَدْ رَضِيَ مَا أَرَدْنَا وَكَانَ الْبَحْرُ قَدْ أَلْقَى سَفِينَةً عَلَى سَاحِلِ " جُدَّةَ " لِرَجُلٍ مِنْ تُجَّارِ الرُّومِ، فَهَدَمُوا الْكَعْبَةَ، وَبَنَوْهَا وَأَسْقَفُوهَا بِخَشَبِ السَّفِينَةِ، وَذَلِكَ بَعْدَ عَامِ الْفُجَّارِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - ابْنُ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً، فَلَمَّا أَرَادُوا وَضْعَ الْحَجَرَ فِي الرُّكْنِ، تَنَازَعَتْ فِيهِ قَبَائِلُ قُرَيْشٍ وَطَلَبَتْ كُلُّ قَبِيلَةٍ أَنْ تَتَوَلَّى وَضْعَهُ فَقَالَ أَبُو أُمَيَّةَ بْنُ الْمُغِيرَةِ: وَكَانَ أَسَنَّ قُرَيْشٍ كُلِّهَا حِينَ خَافَ أَنْ يَقْتَتِلُوا عَلَيْهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ تَقَاضُوا إِلَى أَوَّلِ مَنْ يَدْخُلُ مِنْ بَابِ هَذَا الْمَسْجِدِ فَكَانَ أَوَّلَ دَاخِلٍ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - فَقَالُوا: هَذَا " مُحَمَّدٌ " وَهُوَ الْأَمِينُ وَكَانَ يُسَمَّى قَبْلَ النُّبُوَّةِ " الْأَمِينَ " لِأَمَانَتِهِ وَعِفَّتِهِ، وَصِدْقِهِ، وَقَالُوا: قَدْ رَضِينَا بِهِ، فَلَمَّا وَصَلَ إِلَيْهِمْ أَخْبَرُوهُ فَقَالَ: ائْتُونِي ثَوْبًا فَأَتَوْهُ بِثَوْبٍ فَأَخَذَ الْحَجَرَ وَوَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ، وَقَالَ: لِتَأْخُذْ كُلُّ قَبِيلَةٍ بِنَاحِيَةٍ مِنَ الثَّوْبِ وَارْفَعُوهُ جَمِيعًا فَفَعَلُوا فَلَمَّا بَلَغَ الْحَجَرُ إِلَى مَوْضِعِهِ وَضَعَهُ فِيهِ بِيَدِهِ، فَكَانَ هَذَا الْفِعْلُ مِنْهُمْ وَوُقُوعُ الِاخْتِيَارِ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِهِمْ مِنَ الْأَمَارَاتِ مَا يُحَدِّدُهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مِنْ دِينِهِ وَشَوَاهِدَ مَا يُؤْتِيهِ مِنْ نُبُوَّتِهِ
(فَصْلٌ)
: ثُمَّ لَمَّا تَقَارَبَ زَمَانُ نُبُوَّتِهِ انْتَشَرَ فِي الْأُمَمِ أَنَّ اللَّهَ سَيَبْعَثُ نبيا في هذا الزمان، أن ظُهُورَهُ قَدْ آنَ فَكَانَتْ كُلُّ أُمَّةٍ لَهَا كِتَابٌ تَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْ كِتَابِهَا، وَكُلُّ أُمَّةٍ لَا كِتَابَ لَهَا تَرَى مِنَ الْآيَاتِ الْمُنْذِرَةِ مَا تَسْتَدِلُّ عَلَيْهِ بِعُقُولِهَا. فَحُكِيَ أَنَّهُ كَانَ لِقُرَيْشٍ عِيدٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَنْفَرِدُ فِيهِ النِّسَاءُ عَنِ الرِّجَالِ فَاجْتَمَعْنَ فِيهِ فَوَقَفَ عَلَيْهِنَّ يَهُودِيٌّ وَفِيهِنَّ " خَدِيجَةُ " فَقَالَ لَهُنَّ: يَا مَعْشَرَ نِسَاءِ قُرَيْشٍ يُوشِكُ أَنْ يُبْعَثَ فِيكُنَّ نَبِيٌّ، فَأَيَّتُكُنَّ اسْتَطَاعَتْ أَنْ تَكُونَ لَهُ أَرْضًا فَلْتَفْعَلْ. فَوَقَرَ ذَلِكَ فِي نَفْسِ خَدِيجَةَ.
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: كُنْتُ عِنْدَ وَثَنٍ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَقَدْ ذَبَحَ لَهُ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ عِجْلًا، وَنَحْنُ نَنْظُرُ إِلَيْهِ لِيُقَسِّمَ لَنَا مِنْهُ إِذْ سَمِعْتُ مِنْ جَوْفِ الْعِجْلِ صَوْتًا، مَا سَمِعْتُ صَوْتًا قَطُّ أَنْفَذَ مِنْهُ، وذلك قبل الإسلام بشهر، وشيعه، يَقُولُ: يَا آلَ ذَرِيحٍ، أَمْرٌ نَجِيحٌ؛ وَرَجُلٌ يَصِيحُ، يَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ
стр. 6468
وَرُوِيَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ صَنَمٍ قَبْلَ أَنْ يَبْعَثْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بِشَهْرٍ فَنَحَرْنَا جَزُورًا فَسَمِعْنَا صَائِحًا يَصِيحُ: اسْمَعُوا إِلَى الْعَجَبِ ذَهَبَ اسْتِرَاقُ الْوَحْيِ لِنَبِيٍّ بِمَكَّةَ اسْمُهُ " أَحْمَدُ " مُهَاجِرٌ إِلَى يَثْرِبَ.
وَمِثْلُ ذَلِكَ كَثِيرٌ يَطُولُ بِهِ الْكِتَابُ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ الْخَارِجَةَ عَنِ الْعَادَاتِ تَوْطِئَةً لِلنُّبُوَّةِ، وَقَبُولِ رِسَالَتِهِ
(فَصْلٌ)
: وَلَمَّا دَنَا مَبْعَثُ رَسُولِ الله ﷺ َ - وَحُبِّبَ إِلَيْهِ الْخَلْوَةُ فِي غَارِ حِرَاءٍ فَكَانَ يُؤْتَى بِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ فَيَأْكُلُ مِنْهُ، وَيُطْعِمُ الْمَسَاكِينَ، حَتَّى ظَهَرَتْ عَلَامَاتُ نُبُوَّتِهِ وَاخْتُلِفَ فِيهَا، فَحُكِيَ عَنِ الشَّعْبِيِّ، وَدَاوُدَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَرَنَ إِسْرَافِيلَ بِنُبُوَّةِ رَسُولِهِ ﷺ َ - ثَلَاثَةَ سِنِينَ يَسْمَعُ حِسَّهُ وَلَا يَرَى شَخْصَهُ، وَيُعَلِّمُهُ الشَّيْءَ بَعْدَ الشَّيْءِ، وَلَا يَنْزِلُ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فَلَمَّا مَضَتْ ثَلَاثَةُ سِنِينَ، قَرَنَ لِنُبُوَّتِهِ جِبْرِيلُ ﵇ فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ
وَرَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - عَنْ أَوَّلِ نُبُوَّتِهِ فَقَالَ " يَا أَبَا ذَرٍّ أَتَانِي مَلَكَانِ وَأَنَا بِبَطْحَاءِ مَكَّةَ فَوَقَعَ أَحَدُهُمَا فِي الْأَرْضِ وَالْآخَرُ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لَصَاحِبِهِ أَهْوَ هُوَ؟ قَالَ هُوَ هُوَ، قَالَ: فَزِنْهُ بِرَجُلٍ مِنْ أُمَّتِهِ فَوُزِنْتُ بِرَجُلٍ فَرَجَحْتُهُ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِعَشَرَةٍ فَوُزِنْتُ بِعَشَرَةٍ فَوَزَنْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِمِائَةٍ، فَوَزَنَنِي بِمِائَةِ فَرَجَحْتُهُمْ، ثُمَّ قَالَ: زِنْهُ بِأَلْفٍ فَوَزَنَنِي فَرُجَحَتْهُمْ، فَجَعَلُوا يَنْتَشِرُونَ عَلَيَّ مِنْ كِفَّةِ الْمِيزَانِ قَالَ: فَقَالَ: أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: لَوْ وَزَنْتَهُ بِأُمَّتِهِ لَرَجَحَهَا، ثُمَّ قَالَ: أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ شُقَّ بَطْنَهُ، فَشَقَّ بَطْنِي، ثُمَّ قَالَ: شُقَّ قَلْبَهُ فَشَقَّ قَلْبِي، فَأَخْرَجَ مِنْهُ مَغْمَزَ الشَّيْطَانِ، وَعَلَقَ الدَّمِ، ثُمَّ قَالَ: اغْسِلْ بَطْنَهُ غَسْلَ الْإِنَاءِ، وَاغْسِلْ قَلْبَهُ غسل الملاءة ثم دعى بِالسَّكِينَةِ كَأَنَّهَا وَجْهُ هِرَّةٍ فَأُدْخِلَتْ قَلْبِي ثُمَّ قَالَ: خِط بَطْنَهُ، فَخَاطَا بَطْنِي وَجَعْلَا الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيَّ فَمَا هُوَ إِلَّا أَنْ وَلَيَّا عَنِّي، فَكَأَنَّمَا أُعَايِنُ الْأَمْرَ مُعَايَنَةً " فَكَانَ هَذَا مُقَدِّمَةَ نُبُوَّتِهِ وَهَذَا قَوْلٌ ثَانٍ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: " أَوَّلُ مَا ابْتُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ تَجِيءُ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ " حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ
стр. 6469
فَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - حِينَ نَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ أَنَّهُ قَالَ فَغَتَّنِي غَتَّةً وَقَالَ: اقْرَأْ قُلْتُ وَمَا أَقْرَأُ؟ قَالَ فَغَتَّنِي ثَانِيَةً، وَقَالَ: اقْرَأْ قُلْتُ: وَمَا أَقْرَأُ؟ قَالَ ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خلق﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ١، ٢]
وَهَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ الثَّلَاثِ تَعَارُضٌ يَمْنَعُ بَعْضَهَا عَنْ بَعْضٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ ذَلِكَ فِي اجْتِمَاعٍ وَانْفِرَادٍ
وَلَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - مِنْ حِرَاءٍ، وَدَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ وَحَدَّثَهَا مَا كَانَ، وَقَالَ لَهَا: إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ لِي فَقَالَتْ: كَلَّا مَا كَانَ رَبُّكَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِكَ، وَأَتَتْ خَدِيجَةُ إِلَى " وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ " وَكَانَ ابْنَ عَمِّهَا، وَخَرَجَ فِي طَلَبِ الدِّينِ وَتَنَصَّرَ وَقَرَأَ التَّوْرَاةَ، وَالْإِنْجِيلَ، وَسَمِعَ مَا فِي الْكُتُبِ فَأَخْبَرَتْهُ بِمَا كَانَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَقَالَ هَذَا هُوَ النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى موسى ولئن كنت صادقة فإن زوجك محمد نَبِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَيَلْقَيَنَّ مِنْ أُمَّتِهِ شِدَّةً فَإِنَّهُ مَا بُعِثَ نَبِيٌّ، إِلَّا عُودِيَ، وَلَئِنْ عِشْتُ لَهُ لَأُؤْمِنَنَّ بِهِ وَلَأَنْصُرَنَّهُ نَصْرًا مُؤَزَّرًا
فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَالَ الثَّانِيَةَ مِنْ أَحْوَالِ نُبُوَّتِهِ، وَلَمْ يُؤْمَرْ فِيهَا بِإِنْذَارٍ، وَلَا رِسَالَةٍ
ثُمَّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - لَمَّا عَادَ إِلَى مَنْزِلِهِ قَالَ لِخَدِيجَةَ: دَثِّرُونِي وصبوا علي ماء بارد، فَدَثَّرُوهُ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ، ﵇، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ وَأَنَا جِبْرِيلُ وأنزل عليه: ﴿يا أيها المدثر قم فأنذر﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدثر] فَكَانَتْ هَذِهِ الْحَالَ الثَّالِثَةَ الَّتِي تَمَّتْ بِهَا نُبُوَّتُهُ، وَتَحَقَّقَتْ بِهَا رِسَالَتُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ سَنَةً في قول الأكثرين، وفي قول فريق ابْنُ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ.
قَالَ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدٍ: أَوَّلُ مَا تَلَقَّاهُ جِبْرِيلُ لَيْلَةَ السَّبْتِ وَلَيْلَةَ الْأَحَدِ ثُمَّ ظَهَرَ لَهُ بِرِسَالَةِ اللَّهِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ
وَرَوَى أَبُو قَتَادَةَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: " سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقَالَ: " ذَلِكَ يَوْمٌ وُلِدْتُ فِيهِ وَأُنْزِلَ عَلَيَّ فِيهِ النُّبُوَّةُ "
وَاخْتَلَفُوا فِي أَيِّ اثْنَيْنٍ كَانَ، مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ
فَقَالَ أَبُو قِلَابَةَ: كَانَ فِي الثَّانِي عَشَرَ من شهر رمضان، وقال أبو الخلد: كَانَ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْهُ
стр. 6470
ثُمَّ أَخْبَرَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - خَدِيجَةَ بِمَا نَزَلَ عَلَيْهِ فَقَالَتْ: لَهُ يَا ابْنَ عَمِّ هَلْ تَسْتَطِيعُ أَنْ تُخْبِرَنِي بِصَاحِبِكَ هَذَا الَّذِي أَتَاكَ إِذَا جَاءَكَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قالت: فأخبرني به وإذا جاءك؛ فجاء لها جِبْرِيلُ فَقَالَ لَهَا: يَا خَدِيجَةُ هَذَا جِبْرِيلُ قَدْ جَاءَنِي قَالَتْ: قُمْ فَاجْلِسْ عَلَى فَخْذِي الْيُسْرَى، فَجَلَسَ عَلَيْهَا، فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَتْ: تَحَوَّلْ إِلَى فَخْذِي الْيُمْنَى فَتَحَوَّلَ إِلَيْهَا فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ قَالَ: نَعَمْ قَالَتْ: فَتَحَوَّلْ فِي حِجْرِي فَتَحَوَّلَ فِي حِجْرِهَا فَقَالَتْ: هَلْ تَرَاهُ، قَالَ: نَعَمْ فَتَحَسَّرَتْ وَأَلْقَتْ خِمَارَهَا وَهُوَ جَالِسٌ فِي حِجْرِهَا فَقَالَتْ هَلْ تَرَاهُ؟ قَالَ لَا فَقَالَتْ: يَا ابْنَ عَمِّ اثْبُتْ، وَأَبْشِرْ فَوَاللَّهِ إِنَّهُ لَمَلَكٌ، وَمَا هُوَ بِشَيْطَانٍ، وَآمَنَتْ بِهِ، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ
(فَصْلٌ)
: ثُمَّ رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ وَهُوَ بِأَعْلَى مَكَّةَ فَهَمَزَ لَهُ بِعَقِبِهِ فِي نَاحِيَةِ الْوَادِي، فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ عَيْنٌ فَتَوَضَّأَ جِبْرِيلُ مِنْهَا لِيُرِيَهُ كَيْفَ الطُّهُورُ فَتَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - مِثْلَ مَا تَوَضَّأَ ثُمَّ قَامَ جِبْرِيلُ فَصَلَّى، وَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بِصَلَاتِهِ، فَكَانَتْ هَذِهِ أَوَّلَ عِبَادَةٍ فُرِضَتْ عَلَيْهِ
ثُمَّ انْصَرَفَ جِبْرِيلُ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - إِلَى خَدِيجَةَ فَتَوَضَّأَ لَهَا حَتَّى تَوَضَّأَتْ وَصَلَّى بِهَا كَمَا صَلَّى بِهِ جِبْرِيلُ، فَكَانَتْ أَوَّلَ مَنْ تَوَضَّأَ، وَصَلَّى بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - وَاسْتَسَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بِالْإِنْذَارِ مَنْ يَأْمَنُهُ
فَاخْتُلِفَ فِي أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ خَدِيجَةَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقَاوِيلَ:
أَحَدُهَا: إِنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الذُّكُورِ وَصَلَّى، وَهُوَ ابْنُ تِسْعِ سِنِينَ وَقِيلَ: ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ، وَهَذَا قَوْلُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ
وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَصَلَّى أَبُو بَكْرٍ، ﵁، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ: سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ أَوَّلِ النَّاسِ إِسْلَامًا فَقَالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ:
(إِذَا تَذَكَّرْتَ شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ ... فَاذْكُرْ أَخَاكَ أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا)
(خَيْرَ الْبَرِيَّةِ أَتْقَاهَا، وَأَعْدَلَهَا ... بعد النبي، وأوفاها بما حلا)
(الثاني اثنين المحمود مَشْهَدُهُ ... وَأَوَّلَ النَاسِ مِنْهُمْ صَدَّقَ الرُسُلَا)
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ: إنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَهُوَ قَوْلُ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ يدعوا إِلَى الْإِسْلَامِ مَنْ وَثِقَ بِهِ، لِأَنَّهُ كَانَ تاجرا ذا خلق معروف وَكَانَ أَنْسَبَ قُرَيْشٍ لِقُرَيْشٍ، وَأَعْلَمَهُمْ بِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ حَسَنَ التَّآلُفِ لَهُمْ، وَكَانُوا يُكْثِرُونَ غِشْيَانَهُ، فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِ عُثْمَانُ بن عفان
стр. 6471
وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عوف، وطلحة بن عبد اللَّهِ، وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَجَاءَ بِهِمْ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - حَتَّى اسْتَجَابُوا لَهُ بِالْإِسْلَامِ، وَصَلَّوْا، فَصَارُوا مَعَ مَنْ تَقَدَّمَ ثَمَانِيَةً أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَصَلَّى، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ فِي الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ
(فَصْلٌ)
وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - عَلَى الِاسْتِسْرَارِ بِدُعَائِهِ مُدَّةَ ثَلَاثِ سِنِينَ مِنْ مَبْعَثِهِ وَقَدِ انْتَشَرَتْ دَعْوَتُهُ فِي قُرَيْشٍ، إِلَى أَنْ أُمِرَ بِالدُّعَاءِ جَهْرًا، وَنَزَلَ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الحجر: ٩٤] فَلَزِمَهُ الْجَهْرُ بِالدُّعَاءِ، وَأُمِرَ أَنْ يَبْدَأَ بِإِنْذَارِ عَشِيرَتِهِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الأقربين وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤، ٢١٥]
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَصَعِدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - الصَّفَا فَهَتَفَ: يَا صَاحِبَاهُ يَا بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ حَتَّى ذَكَرَ الْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ مِنْ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ، فَاجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَقَالُوا: مَا لَكَ؟ فَقَالَ أَرَأَيْتُمْ لَوْ أَخْبَرْتُكُمْ أَنَّ خَيْلًا تَخْرُجُ بِسَفْحِ هَذَا الْجَبَلِ أَمَا كُنْتُمْ تُصَدِّقُونِي؟ قَالُوا: بَلَى: مَا جَرَّبْنَا عَلَيْكَ كَذِبًا قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، أَلِهَذَا جَمَعْتَنَا؟ ثُمَّ قَامَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ [المسد: ١] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قُرَيْشٍ فِي دُعَائِهِ لَهُمْ مُبَاعَدَةٌ لَهُ وَلَكِنْ رَدُّوا عَلَيْهِ بَعْضَ الرَّدِّ، حَتَّى ذَكَرَ آلِهَتَهُمْ وَعَابَهَا، وَسَفَّهَ أَحْلَامَهُمْ فِي عِبَادَتِهَا، فَلَمَّا فَعَلَ ذَلِكَ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِهِ، وَتَظَاهَرُوا بِعَدَاوَتِهِ إِلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ مِنْهُمْ بِالْإِسْلَامِ وَهُمْ قَلِيلٌ مُسْتَخْفُونَ وَحَدَبَ عَلَيْهِ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ فَمَنَعَ مِنْهُ وَقَامَ دُونَهُ وَإِنْ كَانَ عَلَى رَأْيِهِمْ فَلَمَّا طَالَ هَذَا عَلَيْهِمُ، اجْتَمَعَتْ مَشْيَخَةُ قُرَيْشٍ إِلَى أَبِي طَالِبٍ وَقَالُوا: إِنَّ ابْنَ أَخِيكَ قَدْ عَابَ عَلَيْنَا دِينَنَا وَسَبَّ آلِهَتَنَا، وَسَفَّهَ أَحْلَامَنَا، وَضَلَّلَ آبَاءَنَا فَإِمَّا أَنْ تَكُفَّهُ عَنَّا وَإِمَّا أَنْ تُخَلِّيَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ، فَإِنَّكَ عَلَى مِثْلِ مَا نَحْنُ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، فَقَالَ لَهُمْ أَبُو طَالِبٍ قَوْلًا رَفِيقًا، وَرَدَّهُمْ رَدَّا جَمِيلًا وَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - عَلَى دُعَائِهِ فَلَمَّا كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ، وَاشْتَدَّ بِهِمْ عَادُوا إِلَى أَبِي طَالِبٍ ثَانِيَةً، وَقَالُوا: قَدِ اسْتَنْهَيْنَاكَ ابْنَ أَخِيكَ، وَلَمْ تَنْهَهُ وَاسْتَكْفَفْنَاكَ فَلَمْ تَكُفَّهُ، وَأَنْتَ كَبِيرُنَا فَأَنْصِفْنَا مِنْهُ، وَمُرْهُ أَنْ يَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِنَا، حَتَّى نَدَعَهُ وَإِلَهَهُ الَّذِي يَعْبُدُهُ، فَبَعَثَ إِلَيْهِ أَبُو طَالِبٍ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ لَهُ: يَا ابْنَ أَخِي هَؤُلَاءِ مَشْيَخَةُ قَوْمِكَ، وَقَدْ سَأَلُوكَ النِّصْفَ أَنْ تَكُفَّ عَنْ شَتْمِ آلِهَتِهِمْ، وَيَدَعُوكَ وَإِلَهَكَ فَقَالَ: أَو عَمِّ أَوَلَا أَدْعُوهُمْ إِلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْهَا؟ قَالَ وَإِلَى مَا تَدْعُوهُمْ قَالَ: أَدْعُوهُمْ إِلَى كَلِمَةٍ تَدِينُ لَهُمْ بِهَا الْعَرَبُ وَيَمْلِكُونَ بِهَا الْعَجَمَ قَالَ أَبُو جَهْلٍ: مَا هِيَ وأبيك
стр. 6472
لَنُعْطِيَنَّكَهَا، وَعَشْرَ أَمْثَالِهَا، قَالَ: تَقُولُ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ فَنَفَرُوا وَقَالُوا: لَا سَلْنَا غَيْرَ هَذِهِ فَقَالَ: لَوْ جِئْتُمُونِي بِالشَّمْسِ حَتَّى تَضَعُوهَا فِي يَدَيَّ مَا سَأَلْتُكُمْ غَيْرَهَا فَغَضِبُوا وَقَالُوا: أَجَعَلَ الآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عجاب ثُمَّ قَالُوا وَاللَّهِ لَنَشْتُمَنَّكَ وَإِلَهَكَ الَّذِي يَأْمُرُكَ بِهَذَا ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ [ص: ٦: ٧]
(فصل: [الهجرة إلى الحبشة] )
وَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - مَا يَنَالُ أَصْحَابُهُ مِنَ الْبَلَاءِ وَمَا هُوَ فِيهِ مِنَ الْعَافِيَةِ بِمَا يَسَّرَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ دِفَاعِ عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ لِأَصْحَابِهِ: " لَوْ خَرَجْتُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا عَادِلًا إِلَى أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجَا " فَهَاجَرَ إِلَيْهَا مَنْ خَافَ عَلَى دِينِهِ، وَهِيَ أَوَّلُ هِجْرَةٍ هَاجَرَ إِلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، فَكَانَ أَوَّلُ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ وَذَلِكَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسٍ مِنَ الْمَبْعَثِ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا، وَأَرْبَعَ نِسْوَةٍ مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَامْرَأَتُهُ " رُقَيَّةُ " بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - وَأَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ، وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ، وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ، ثُمَّ خَرَجَ فِي أَثَرِهِمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي جَمَاعَةٍ صَارُوا مَعَ الْمُتَقَدِّمِينَ اثْنَيْنِ وَثَمَانِينَ نَفْسًا، وَصَادَفُوا مِنَ النَّجَاشِيِّ مَا حَمِدُوهُ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ، ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَجَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بِالْقُرْآنِ فِي صَلَاتِهِ حِينَ أَسْلَمَ حَمْزَةُ، وَلَمْ يَكُنْ يَجْهَرُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ وَقَوِيَ بِهِ الْمُسْلِمُونَ، وقرأ عبد الله ين مَسْعُودٍ سُورَةَ الرَّحْمَنِ عَلَى الْمَقَامِ جَهْرًا حَتَّى سَمِعَتْهَا قُرَيْشٌ، فَنَالُوهُ بِالْأَيْدِي، فَلَمَّا رَأَتْ قُرَيْشٌ مَنْ يَدْخُلُ مِنْهُمْ فِي الْإِسْلَامِ وَعَدُوا رَسُولَ الله ﷺ َ - أَنْ يُعْطُوهُ مَالًا، وَيُزَوِّجُوهُ مَنْ شَاءَ مِنْ نِسَائِهِمْ، وَيَكُونُوا تَحْتَ عَقِبِهِ وَيَكُفَّ عَنْ ذِكْرِ آلهتهم قالوا: فإنا لَمْ يَفْعَلْ فَإِنَّا نَعْرِضُ عَلَيْكَ خَصْلَةً وَاحِدَةً لَنَا وَلَكَ فِيهَا صَلَاحٌ، أَنْ تَعْبُدَ آلِهَتَنَا سَنَةً، وَنَعْبُدَ إِلَهَكَ سَنَةً فَقَالَ: " حَتَّى أَنْظُرَ مَا يَأْتِينِي بِهِ رَبِّي " فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ١ - ٣] إِلَى آخِرِ السُّورَةِ فَكَفَّ عَنْ ذَلِكَ
стр. 6473
وَكَانَ يَتَمَنَّى مِنْ رَبِّهِ أَنْ يُقَارِبَ قَوْمَهُ، وَيَحْرِصُ عَلَى صَلَاحِهِمْ، بِمَا وَجَدَ إِلَيْهِ السَّبِيلَ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ سُورَةَ " النَّجْمِ " فَقَرَأَهَا عَلَى قُرَيْشٍ حَتَّى بَلَغَ إِلَى قَوْلِهِ ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللات والعزى وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الأُخْرَى﴾ [النجم: ١، ٢] أَلْقَى الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ: تِلْكَ الْغَرَانِيقُ الْعُلَى، وَإِنَّ شَفَاعَتَهُنَّ لَتُرْتَجَى وَانْتَهَى إِلَى السَّجْدَةِ فَسَجَدَ فِيهَا وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ اتِّبَاعًا لِأَمْرِهِ، وَسَجَدَ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ لِمَا سَمِعُوهُ مِنْ مَدْحِ آلِهَتِهِمْ، وَكَانَ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ شَيْخًا كَبِيرًا لَا يستطيع السجود فأخذ بيده
стр. 6474
حَفْنَةً مِنَ الْبَطْحَاءِ، فَسَجَدَ عَلَيْهَا وَتَفَرَّقَ النَّاسُ مِنَ الْمَسْجِدِ مُتَقَارِبِينَ قَدْ سَرَّ الْمُشْرِكُونَ وَسَكَنَ الْمُسْلِمُونَ، وَبَلَغَتِ السَّجْدَةُ، مَنْ بِأَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَقَالُوا: أَسْلَمَتْ قُرَيْشٌ فَنَهَضَ مِنْهُمْ رِجَالٌ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - وَتَأَخَّرَ آخَرُونَ، وَأَتَى جِبْرِيلُ ﵇ رَسُولَ الله ﷺ َ - فَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ مَاذَا صَنَعْتَ؟ لَقَدْ تَلَوْتَ عَلَى النَّاسِ مَا لَمْ آتِكَ بِهِ، فَحَزِنَ حزنا شديدا، وخاف من الله خوفا كثيرا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مَا عَذَرَهُ فِيهِ فَقَالَ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [الحج: ٥٢] وَنَسَخَ مَا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ عَلَى لِسَانِهِ بقوله: ﴿ألكم الذكر وله الأنثى تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى﴾ [النجم: ٢٢] فَقَالَتْ قُرَيْشٌ حِينَ سَمِعُوا النَّسْخَ: نَدِمَ مُحَمَّدٌ عَلَى مَا ذَكَرَ مِنْ مَدْحِ آلِهَتِنَا وَجَاءَ بِغَيْرِهِ فَازْدَادُوا شَرًّا وَشِدَّةً عَلَى مَنْ أَسْلَمَ، وَقَدِمَ مَنْ عَادَ مَنْ أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَعَرَفُوا قَبْلَ دُخُولِ مَكَّةَ مَا نُسِخَ مِنْ إِلْقَاءِ الشَّيْطَانِ فَمِنْهُمْ مَنْ رَجَعَ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ طَرِيقِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ مَكَّةَ مُسْتَخْفِيًا، وَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَهَا فِي جِوَارٍ، فَدَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَزَوْجَتُهُ رُقَيَّةُ ﵄ فِي جِوَارِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَدَخَلَ عُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ فِي جِوَارِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ، وَدَخَلَ جَعْفَرِ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ سِرًّا وَكَانَ جَمِيعُهُمْ ثَلَاثَةً وَثَلَاثِينَ نَفْسًا، ثُمَّ عَادُوا وَغَيْرُهُمْ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ إِلَّا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ فَإِنَّهُ أَقَامَ حَتَّى هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ وَهَذِهِ هِيَ الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ إِلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ
(فَصْلٌ)
: وَلَمَّا اسْتَقَرَّ نُفُورُ قُرَيْشٍ بَعْدَ سُورَةِ النَّجْمِ عَادَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - وأصحابه بأمرين: أحدهما: مراسلة النجاشي في من هاجر إليه
стр. 6475
وَالثَّانِي: تَحَالُفُهُمْ عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ فِيمَنْ بَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ -
فَأَمَّا مُرَاسَلَةُ النَّجَاشِيِّ فَأَنْفَذُوا فِيهَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ، وَعُمَارَةَ بْنَ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ مَعَ هَدَايَا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ لِيُعْلِمُوهُ أَنَّ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَفْسَدُوا الْأَدْيَانَ وَرُبَّمَا أَفْسَدُوا دِينَكَ وَدِينَ قَوْمِكَ وَكَانَ نَصْرَانِيًّا فَجَمَعَ بَيْنَهُمْ وَفَلَحَتْ حُجَّةُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِمْ، وَلَمْ يَظْفَرُوا بِطَائِلٍ وَعَادَ عَمْرٌو وَهَلَكَ عُمَارَةُ
وَأَمَّا تَحَالُفُهُمْ عَلَى النَّاسِ فَإِنَّ قُرَيْشًا أَجْمَعَتْ رَأْيَهَا، وَتَعَاقَدَتْ عَلَى مُقَاطَعَةِ بَنِي هَاشِمٍ وَأَنْ لَا يُنَاكِحُوهُمْ، وَلَا يُبَايِعُوهُمْ، وَلَا يُسَاعِدُوهُمْ فِي شَيْءٍ مِنْ أُمُورِهِمْ حِينَ أَقَامَ أَبُو طَالِبٍ عَلَى نُصْرَةِ رسول الله ﷺ َ - وَكَتَبُوا مَا تَعَاقَدُوا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ فِي صَحِيفَةٍ وَعَلَّقُوهَا فِي سَقْفِ الْكَعْبَةِ، فَجَمَعَ أَبُو طَالِبٍ جَمِيعَ بَنِي هَاشِمٍ، وَبَنِي الْمُطَّلِبِ مُسْلِمَهُمْ وَكَافِرَهُمْ وَعَاهَدَهُمْ عَلَى إِجْمَاعِ الْكَلِمَةِ، وَدُخُولِ الشِّعْبِ، فَأَجَابُوا إِلَّا أَبَا لَهَبٍ وَوَلَدُهُ فَإِنَّهُمُ انْحَازُوا عَنْهُمْ إِلَى قُرَيْشٍ، وَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - فِي الشِّعْبِ مَعَ أَبِي طَالِبٍ وَسَائِرِ بَنِي هاشم وبني المطلب مدة ثلاثة سِنِينَ لَا يَصِلُ إِلَيْهِمُ الطَّعَامُ إِلَّا سِرًّا وَلَا يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ أَحَدٌ إِلَّا مُسْتَخْفِيًا إِلَى أَنْ بَدَأَ مِنْ قُرَيْشٍ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو فَكَلَمَّ زُهَيْرَ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ ثُمَّ كَلَّمَ الْمُطْعِمَ بْنَ عَدِيٍّ، ثُمَّ كَلَّمَ أَبَا الْبَخْتَرِيِّ يُقَبِّحُ لِكُلٍّ مِنْهُمْ قَبِيحَ مَا ارْتَكَبُوهُ مِنْ قَطِيعَةِ الْأَرْحَامِ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطَّلِبِ، فَوَافَقُوهُ وَاجْتَمَعُوا مِنْ غَدٍ فِي نَادِي قُرَيْشٍ عَلَى نَقْضِ الصَّحِيفَةِ وَبَدَأَ بِالْكَلَامِ هِشَامُ بْنُ عَمْرٍو، فَرَدَّ عَلَيْهِ أَبُو جَهْلٍ: فَتَكَلَّمَ زُهَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ بِمِثْلِ كَلَامِ هُشَامٍ. فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: هَذَا أَمْرٌ أُبْرِمَ بِلَيْلٍ، وَأُحْضِرَتِ الصَّحِيفَةُ مِنْ سَقْفِ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ أَكَلَتْهَا الْأَرَضَةُ إِلَّا قَوْلَهُمْ: " بِاسْمِكَ اللَّهُمَّ " فَإِنَّهُ بَقِيَ وَشُلَّتْ يَدُ كَاتِبِهَا، وَهُوَ مَنْصُورُ بْنُ عِكْرِمَةَ وَخَرَجَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - إِلَى مَكَّةَ مُنْتَشِرِينَ فِيهَا كَمَا كَانُوا.
(فَصْلٌ)
: ثُمَّ لَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنَ الشِّعْبِ عَلَى حَالِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا لَا يَصِلُ إِلَيْهِ مَكْرُوهٌ حَتَّى مَاتَ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ، وَمَاتَتْ خَدِيجَةُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ، وَذَلِكَ قَبْلَ هِجْرَتِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ، فَنَالَهُ الْأَذَى بَعْدَ ذَلِكَ، حَتَّى نَثَرَ بَعْضُ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، فَدَخَلَ بَيْتَهُ فَرَأَتْ إِحْدَى بَنَاتِهِ التُّرَابَ عَلَى رَأْسِهِ، فَبَكَتْ فَقَالَ: " لَا تَبْكِي فَإِنَّ اللَّهَ يَمْنَعُ أَبَاكِ "
وَخَرَجَ إِلَى الطَّائِفِ لِيَمْتَنِعَ، وَيَسْتَنْصِرَ ثقيف، فَلَمَّا انْتَهَى إِلَيْهَا عَمَدَ إِلَى سَادَاتِهَا وَهُمْ ثَلَاثَةُ أُخْوَةٍ عَبْدُ يَالِيلَ، وَمَسْعُودٌ وَحَبِيبٌ بَنُو عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ فَكَلَّمَهُمْ وَدَعَاهُمْ إِلَى
стр. 6476
الْإِسْلَامِ وَإِلَى نُصْرَتِهِ فَرَدُّوهُ رَدًّا قَبِيحًا، وَأَغْرَوْا بِهِ عَبِيدَهُمْ، وَسُفَهَاءَهُمْ فَاتَّبَعُوهُ يَرْمُونَهُ بِالْأَحْجَارِ، حَتَّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ فَرَجَعُوا عَنْهُ وَمَالَ إِلَى حَائِطٍ لِعُتْبَةَ وَشَيْبَةَ ابْنَيْ رَبِيعَةَ فَاسْتَنَدَ إِلَيْهِ، لِيَسْتَرْوِحَ مِمَّا نَالَهُ، فَرَآهُ عُتْبَةُ، وَشَيْبَةُ، فَرَقَّا لَهُ بِالرَّحِمِ مِمَّا لَقِيَ، وَأَنْفَذَا إِلَيْهِ طَبَقَ عِنَبٍ مَعَ غُلَامٍ لَهُمَا نَصْرَانِيٍّ، يُقَالُ لَهُ " عَدَّاسٌ " فَلَمَّا مَدَّ يَدَهُ لِيَأْكُلَ مِنْهُ سَمَّى اللَّهَ فَاسْتَخْبَرَهُ " عَدَّاسٌ " عَنْ أَمْرِهِ فَأَخْبَرَهُ وَعَرَفَ نُبُوَّتَهُ، فَقَبَّلَ يَدَيْهِ، وَقَدَمَيْهِ، فَلَمَّا عَادَ " عَدَّاسٌ " إِلَى عُتْبَةَ، وَشَيْبَةَ، فَقَالَا لَهُ: رَأَيْنَاكَ فَعَلْتَ مَعَهُ مَا لَمْ تَفْعَلْهُ مَعَنَا، قَالَ: لِأَنَّهُ نَبِيٌّ، فَقَالَا: فَتَنَكَ عَنْ دِينِكَ ثُمَّ رَجَعَ رَسُولُ الله ﷺ َ - يُرِيدُ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا صَارَ بِنَخْلَةِ الْيَمَامَةِ فَقَامَ فِي اللَّيْلِ يُصَلِّي، وَيَقْرَأُ، فَمَرَّ بِهِ سَبْعَةُ نَفَرٍ مِنَ الْجِنِّ قِيلَ: إِنَّهُمْ مِنْ جِنِّ نَصِيبِينَ الْيَمَنِ فَاسْتَمَعُوا لَهُ، فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صِلَاتِهِ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ، قَدْ آمَنُوا وَأَجَابُوا إِلَى مَا سَمِعُوا، فَكَانَ مَا قَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ [الأحقاف: ٢٩] .
وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - مَكَّةَ وَقُرَيْشٌ عَلَى أَشَدِّ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ خِلَافِهِ، وَفِرَاقِ دِينِهِ
وَقِيلَ: إِنَّهُ دَخَلَ فِي جِوَارِ الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيٍّ
(فَصْلٌ)
: فَلَمَّا اشْتَدَّ الْأَذَى بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - بَعْدَ مَوْتِ أَبِي طَالِبٍ عَادَ مِنَ الطَّائِفِ غَيْرَ ظَافِرٍ مِنْهُمْ بِإِجَابَةٍ عَرَضَ نَفْسَهُ فِي الْمَوَاسِمِ عَلَى قَبَائِلِ الْعَرَبِ، فَبَدَأَ بِكِنْدَةَ فَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوهُ، ثُمَّ أَتَى كَلْبًا، فَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي عَبْدِ اللَّهِ مِنْهُمْ، فَلَمْ يَقْبَلُوهُ، ثُمَّ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي حَنِيفَةَ، فَكَانُوا أَقْبَحَ الْعَرَبِ رَدًّا لَهُ
ثُمَّ عَرَضَ نَفْسَهُ عَلَى بَنِي عَامِرٍ، فَقَالَ زَعِيمُهُمْ: إِنْ شَارَكَتْنَا فِي هَذَا الْأَمْرِ قَبِلْنَاكَ فَتَرَكَهُمْ، وَقَالَ: " الْأَمْرُ لِلَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ " ثُمَّ حَضَرَ الْمَوْسِمَ سِتَّةُ نَفَرٍ مِنَ الْخَزْرَجِ، وَهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - وَدَعَاهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ فَأَجَابُوا إِلَيْهِ وَكَانُوا قَدْ سَمِعُوا يَهُودَ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ، إِذَا قَاتَلُوهُمْ: لَنَا نَبِيٌّ يُبْعَثُ، وَنَحْنُ نَنْتَصِرُ بِهِ عَلَيْكُمْ فَوَقَرَ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى، بِهِمْ مِنَ الْخَيْرِ، فَلِذَلِكَ سَارَعُوا إِلَى الْإِجَابَةِ في دُعَائِهِ، وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ نَفْسَهُ، فَقَالُوا: نَقْدَمُ عَلَى قَوْمِنَا، وَنُخْبِرُهُمْ بِمَا دَخَلْنَا فِيهِ فَلَمَّا عَادُوا وَذَكَرُوا لَهُمْ مَا دَخَلُوا فِيهِ مِنَ الْإِسْلَامِ، فَلَمْ تَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إِلَّا وَفِيهَا ذِكْرُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ وَافَى إِلَى الْمَوْسِمِ مِنَ الْأَنْصَارِ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ تسعة من الخزرج، وهو أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ
стр. 6477
وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ، وَعَوْفٌ وَمُعَاذٌ، ابْنَا عَفْرَاءَ، وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ، وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ قَيْسٍ وَيَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ، أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَعَبَّاسُ بْنُ عُبَادَةَ، وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَثَلَاثَةٌ مِنَ الْأَوْسِ وَهُمْ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ، وَعُوَيْمُ بْنُ سَاعِدَةَ، وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ فَلَقَوْا رَسُولَ الله ﷺ َ - فِي الْعَقَبَةِ الْأُولَى وَكَانَ مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ، فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ بَيْعَةَ النِّسَاءِ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ تُفْرَضَ الْحَرْبُ، قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَذَلِكَ عَلَى أَنْ لَا نُشْرِكَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا نَسْرِقَ، وَلَا نَزْنِيَ، وَلَا نَقْتُلَ، أولادنا، ولا نأتي بهتان، نَفْتَرِيهِ بَيْنَ أَيْدِينَا، وَأَرْجُلِنَا وَلَا نَعْصِيهِ فِي مَعْرُوفٍ، فَإِنْ وَفَّيْتُمْ فَلَكُمُ الْجَنَّةُ، وَإِنْ غَشَيْتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَأُخِذْتُمْ بَعْدَهُ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَإِنْ سَتَرْتُمْ عَلَيْهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَأَمْرُكُمْ إِلَى اللَّهِ
فَلَمَّا انْصَرَفُوا بَعَثَ مَعَهُمْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ، وَأَمَرَهُ أَنْ يُقْرِئَهُمُ الْقُرْآنَ وَيُعَلِّمَهُمُ الْإِسْلَامَ، وَيُفَقِّهَهُمْ فِي الدِّينِ، فَقَدِمَ مَعَهُمْ وَنَزَلَ عَلَى أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَةَ وَدَعَا الْأَنْصَارَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَكَانَ يُسْلِمُ عَلَى يَدِهِ قَوْمٌ بَعْدَ قَوْمٍ، وَكَانَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَهُمَّا سَيِّدَا قَوْمِهِمَا بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ أَنْكَرَا ذَلِكَ حَتَّى قَرَأَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ عَلَيْهِمَا سُورَةَ الزُّخْرُفِ فَلَمَّا سَمِعَاهَا أَسْلَمَا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، وَجَمِيعُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَكَانُوا أَوَّلَ قَوْمٍ أَسْلَمَ جَمِيعُهُمْ، وَصَلَّى مُصْعَبٌ بِالنَّاسِ الْجُمُعَةَ فِي حَرَّةِ بَنِي بَيَاضَةَ وَهِيَ أَوَّلُ جُمُعَةٍ صُلِّيَتْ فِي الْإِسْلَامِ، وَعَادَ مُصْعَبٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - وَهُوَ بِمَكَّةَ فَذَكَرَ لَهُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَسَرَّهُ
وَحَكَى أَبُو عِيسَى قَالَ: سَمِعَتْ قُرَيْشٌ فِي اللَّيْلِ قَائِلًا عَلَى أَبِي قبيس يقول:
(فإن يُسْلِمِ السَّعْدَانِ يُصْبِحُ مُحَمَّدٌ ... بِمَكَّةَ لَا يَخْشَى خِلَافَ الْمُخَالِفِ)
فَلَمَّا أَصْبَحُوا قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَنِ السَعْدَانِ؟ سَعْدُ بَكْرٍ، وَسَعْدُ تَمِيمٍ. فَلَمَّا كَانَ فِي اللَّيْلَةِ الثَّانِيَةِ سَمِعُوهُ يَقُولُ:
(أَيَا سَعْدَ الْأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِرًا ... وَيَا سَعْدُ سَعْدَ الْخَزْرَجِينَ الْغَطَارِفِ)
(أَجِيبَا عَلَى دَاعِي الْهُدَى، وَتَمَنَّيَا ... عَلَى اللَّهِ فِي الْفِرْدَوْسِ مُنْيَةَ عَارِفِ)
(فَإِنَّ ثَوَابَ اللَّهِ لِلطَالِبِ الْهُدَى ... جِنَانٌ مِنَ الفردوس ذات رفارف)
فلما أصبحوا قال سُفْيَانُ: هُمَا وَاللَّهِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ
(فَصْلٌ)
: وَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ حَجَّ مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ سَبْعُونَ رَجُلًا، وَكَانَ فِيهِمُ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ فَصَلَّى إِلَى الْكَعْبَةِ حِينَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - وَقَالَ: لَا أَتْرُكُهَا وَرَاءَ ظَهْرِي. ثُمَّ سَأَلَهُ عَنْهَا فَقَالَ لَهُ: قَدْ كُنْتَ عَلَى قِبْلَةٍ لَوْ صَبَرْتَ عَلَيْهَا فَعَادَ وَاسْتَقْبَلَ
стр. 6478
بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنِ اسْتَقْبَلَ الْكَعْبَةَ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ أَوْصَى بِثُلُثِ مَالِهِ، وَوَاعَدُوا رسول الله ﷺ َ - العقبة في أوسط أيام التشريق فيأتوا تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي رِحَالِهِمْ، ثُمَّ خَرَجُوا مِنْهَا بَعْدَ ثَلَاثِ لَيَالٍ، لِمَوْعِدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَحَضَرُوا شِعْبَ الْعَقَبَةِ وَوَافَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - وَمَعَهُ عَمُّهُ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَأَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ فَأَوْقَفَ الْعَبَّاسَ عَلَى فَمِ الشِّعْبِ عَيْنًا لَهُ، وَأَوْقَفَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى فَمِ الطَّرِيقِ الْآخَرِ عَيْنًا لَهُ، وَتَلَا عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - الْقُرْآنَ وَأَخَذَ عَلَيْهِمُ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمُوا جَمِيعًا، وَقَدْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَسْلَمَ ثُمَّ قَالَ لِلْعَبَّاسِ وَهُوَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ: " خُذْ عَلَيْهِمُ الْعَهْدَ " وَكَانُوا أَخْوَالَهُ، لِأَنَّ أُمَّ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ كَانَتْ سَلْمَى بِنْتَ عَمْرٍو مِنْ بَنِي النَّجَّارِ مِنَ الْخَزْرَجِ فَقَالَ الْعَبَّاسُ: يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ إِنَّ مُحَمَّدًا مِنَّا فِي عِزٍّ مِنْ قَوْمِهِ، وَمَنَعَةٍ فِي بَلَدِهِ وَقَدْ أَبَى إِلَّا الِانْقِطَاعَ إِلَيْكُمْ، وَاللُّحُوقَ بِكُمْ، فَإِنْ مَنَعْتُمُوهُ مِمَّا تَمْنَعُوا مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، وَإِلَّا فَدَعُوهُ بَيْنَ قَوْمِهِ، وَفِي بَلَدِهِ، فَقَالَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ بَلْ نَمْنَعُهُ مِمَّا نَمْنَعُ مِنْهُ أَنْفُسَنَا وَأَبْنَاءَنَا، فَقَالَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ النَّاسِ حِبَالًا يَعْنِي الْيَهُودَ وَإِنَّا قَاطُعُوهَا فَهَلْ عَسَيْتَ إِنْ نَحْنُ فَعَلْنَا ذَلِكَ، ثُمَّ أَظْهَرَكَ اللَّهُ أَنْ تَرْجِعَ إِلَى قَوْمِكَ وَتَدَعَنَا؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - ثم قال: " بَلِ الدَّمَ الدَّمَ، وَالْهَدْمَ الْهَدْمَ أَنْتُمْ مِنِّي، وَأَنَا مِنْكُمْ أُحَارِبُ مَنْ حَارَبْتُمْ وَأُسَالِمُ مَنْ سَالَمْتُمْ "
فَأَقْبَلَ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ عَلَى الْأَنْصَارِ، وَقَالَ: يَا قَوْمِ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - حَقًّا وَأَشْهَدُ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَصَادِقٌ وَإِنَّهُ الْيَوْمَ لَفِي حَرَمِ اللَّهِ، وَبَيْنَ عَشِيرَتِهِ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِنْ تُخْرِجُوهُ إِلَيْكُمْ تَرْمِيكُمُ الْعَرَبُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ كَانَتْ أَنْفُسُكُمْ قَدْ طَابَتْ بِالْقِتَالِ وَذَهَابِ الْأَمْوَالِ، وَالْأَوْلَادِ فَادْعُوهُ وَإِلَّا فَمِنَ الْآنَ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ اشْتَرِطْ عَلَيْنَا لِرَبِّكَ، وَلِنَفْسِكَ مَا تُرِيدُ: فَقَالَ: " أَشْتَرِطُ لِرَبِّي أَنْ تَعْبُدُوهُ، وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَأَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي عَمَّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ " فَأَجَابُوهُ وَأَحْسَنُوا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدِ اشْتَرَطْتَ لِرَبِّكِ، وَلِنَفْسِكَ، فَمَاذَا لَنَا إِذَا أَوْفَيْنَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ، فَقَالَ النبي ﷺ َ - " لَكُمْ عَلَى اللَّهِ الْوَفَاءُ بِالْجَنَّةِ " فَقَالَ ابْنُ رَوَاحَةَ قَدْ قَبِلْنَا مِنَ اللَّهِ مَا أَعْطَانَا، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - " اخْتَارُوا مِنْكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا كَمَا اخْتَارَ مُوسَى مِنْ قَوْمِهِ، وَقَالَ لِلنُّقَبَاءِ: أَنْتُمْ عَلَى قومكم بما فيهم كفلاء، ككفالة الحواريين، يعني ابْنَ مَرْيَمَ " قَالُوا نَعَمْ: فَبَايَعُوهُ عَلَى هَذَا وَكَانَ أَصْغَرَ مَنْ حَضَرَ سِنًّا أَبُو مَسْعُودٍ الْبَدْرِيُّ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ.
وَاخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ مَنْ بَايَعَهُ، فَقَالَ قَوْمٌ: أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ
وَقَالَ آخَرُونَ: الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ
стр. 6479
وَقَالَ آخَرُونَ: أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَكَانَتْ هَذِهِ البيعة على حرب الأحمر والأسود والبيعة الأولة، بَيْعَةُ النِّسَاءِ عَلَى غَيْرِ حَرْبٍ، وَعَادُوا إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى هَذَا
(فَصْلٌ)
: وَلَمَّا عَادَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - مِنْ بَيْعَةِ الْأَنْصَارِ فِي الْعَقَبَةِ إِلَى مَكَّةَ، وَذَلِكَ فِي ذِي الْحِجَّةِ عَادَتِ الْفِتْنَةُ أَشَدَّ مِمَّا كَانَتْ فِي فِتْنَةِ الْهِجْرَةِ إِلَى الْحَبَشَةِ، وَاشْتَدَّ الْأَذَى بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - لِأَصْحَابِهِ: " إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ جَعَلَ لَكُمْ إِخْوَانًا وَدَارًا تَأْمَنُونَ فِيهَا " فَخَرَجُوا أَرْسَالًا، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهَا بَعْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيُّ، وَبَعْدَهُ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ، ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ، ثُمَّ تَتَابَعَ النَّاسُ أَرْسَالًا وَرَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - مُقِيمٌ بِمَكَّةَ يَنْتَظِرُ إِذْنَ رَبِّهِ، وَاسْتَأْذَنَهُ أَبُو بَكْرٍ فِي الْهِجْرَةِ فَاسْتَوْقَفَهُ
وَأُسْرِيَ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ بَيْنَ بَيْعَتَيِ الْأَنْصَارِ فِي الْعَقَبَةِ
قَالَ الزُّهْرِيُّ قَبْلَ هِجْرَتِهِ بِسَنَةٍ فَأَصْبَحَ وَقَصَّ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَذَكَرَ لَهُمْ حَدِيثَ الْمِعْرَاجِ فَازْدَادَ الْمُشْرِكُونَ تَكْذِيبًا وَأَسْرَعُوا إِلَى أَبِي بَكْرٍ وَقَالُوا لَهُ: إِنَّ صَاحِبَكَ يَزْعُمُ أَنَّهُ قَدْ ذَهَبَ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَعَادَ مِنْ لَيْلَتِهِ، فَقَالَ: إِنْ قَالَ ذَلِكَ فَهُوَ صَادِقٌ، فَلِذَلِكَ سُمِّيَ الصِّدِّيقُ وَوَصَفَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - مَا رَأَى فِي طَرِيقِهِ فَكَانَ عَلَى مَا وَصَفَهُ
وَاخْتُلِفَ فِي إِسْرَائِهِ هَلْ كَانَ بِجِسْمِهِ، أَوْ بِرُوحِهِ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أُسْرِيَ بِجِسْمِهِ
وَقَالَتْ عَائِشَةُ: أُسْرِيَ بِرُوحِهِ وَمَا زَالَ جِسْمُهُ عِنْدِي، وَلَمَّا صَارَتِ الْمَدِينَةُ دَارَ هِجْرَةٍ وَصَارَ مَنْ بِهَا مِنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ أَنْصَارًا امْتَنَعَتْ قُرَيْشٌ أَنْ يَنْصُرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - عليهم فاجتمعوا في دار الندوة ليتشاوروا فِي أَمْرِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْيَوْمُ لِكَثْرَةِ زِحَامِهِمْ فِيهِ يَوْمُ " الزَّحْمَةِ " فَقَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: احْبِسُوهُ فِي الْحَدِيدِ وَأَغْلِقُوا عَلَيْهِ بَابًا، وَتَرَبَّصُوا بِهِ
وَقَالَ آخَرُ: أَخْرِجُوهُ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِكُمْ، وَلَا عَلَيْكُمْ مَا أَصَابَهُ بَعْدَكُمْ
وَقَالَ أَبُو جَهْلٍ: لَسْتُ أَرَى مَا ذَكَرْتُمْ رَأْيَ كَرِيمٍ، وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ فَتًى شَابًّا، نَسِيبًا ويجتمعون عليه بأسيافهم، فيضربوه ضربة رجل واحد، فيقتلوه وَيَتَفَرَّقُ دَمُهُ فِي قَبَائِلِهِمْ فَلَا يَقْدِرُ بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ عَلَى حَرْبِ جَمِيعِهِمْ، وَيَرْضَوْا بِالْعَقْلِ فَنَعْقِلُهُ لَهُمْ فَأَجْمَعُوا عَلَى هَذَا الرَّأْيِ، وَتَفَرَّقُوا عَنْهُ لِيُثْبِتُوهُ مِنْ لَيْلَتِهِ، وَتَفَرَّقُوا لِيَجْتَمِعُوا عَلَى قَتْلِهِ فَنَزَلَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ، وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] فَعَلِمَ رَسُولُ
стр. 6480
الله ﷺ َ - بِذَلِكَ فَأَعْلَمَ أَبَا بَكْرٍ بِالْهِجْرَةِ وَقَدْ كَانَ أَعَدَّ لِلْهِجْرَةِ رَاحِلَتَيْنِ، وَاسْتَخْلَفَ عَلِيًّا فِي مَنَامِهِ، وَأَنْ يَتَّشِحَ بِبُرْدِهِ الْحَضْرَمِيِّ الْأَخْضَرِ، لِأَنَّ قُرَيْشًا تَرَى مَنَامَهُ فِيهِ، وَأَمَرَ عَلِيًّا أَنْ يَرُدَّ وَدَائِعَ النَّاسِ عَلَيْهِمْ، وَخَرَجَ فِي الظَّلَامِ مَعَ أَبِي بَكْرٍ إِلَى غَارِ ثَوْرٍ، وَخَرَجَ مَعَهُمَا عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ لِخِدْمَتِهِمَا وَلِيَرُوحَ عَلَيْهِمَا بِغَنَمٍ يَرْعَاهَا لِأَبِي بَكْرٍ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ يَأْتِي كُلَّ يَوْمٍ بِمَا يَتَجَدَّدُ مِنْ أَخْبَارِ قُرَيْشٍ بِمَكَّةَ، وَتَأْتِي أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ بِطَعَامٍ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - لِعَامِرِ بْنِ فُهَيْرَةَ: " ارْتَدْ لَنَا دَلِيلًا مِنَ الْأَزْدِ فَإِنَّهُمْ أَوْفَى بِالْعَهْدِ " فَاسْتَأْجَرَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُرَيْقِطٍ اللَّيْثِيَّ، وَكَانَ مُشْرِكًا وَأَقَامَا فِي الْغَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَكَانَ خُرُوجُهُمَا فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ، فِي صَفَرٍ وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ فِي طَلَبِهِ وَجَعَلُوا لِمَنْ جَاءَهُمْ بِهِ مِائَةَ نَاقَةٍ حَمْرَاءَ فَفَاتَهُمْ
وَرُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ َ - لَمَّا خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ بَكَى وَقَالَ: " اللَّهُمَّ إِنَّكَ أَخْرَجْتَنِي مِنْ أَحَبِّ الْبِلَادِ إِلَيَّ، فَأَسْكِنِّي أَحَبَّ الْبِلَادِ إِلَيْكَ " وَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، فَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: وُلِدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَبُعِثَ نَبِيًّا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَهَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَمَاتَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ، وَكَانَ قُدُومُهُ قَبْلَ قِيَامِ الظَّهِيرَةِ، فَنَزَلَ بِقُبَاءَ عَلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِي دَارِ كُلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ وَقِيلَ فِي دَارِ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ فَأَقَامَ بَقِيَّةَ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ وَيَوْمَ الثُّلَاثَاءِ، وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، وَبَنَى مَسْجِدَ قُبَاءَ، وَخَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْمَدِينَةِ فَأَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فِي بَطْنِ وَادٍ لَهُمْ، فَصَلَّى بِهِمُ الْجُمُعَةَ، وَهِيَ أَوَّلُ جُمُعَةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - فَلَمَّا دَخَلَ الْمَدِينَةَ، أَرْخَى زِمَامَ نَاقَتِهِ، فَجَعَلَ لَا يَمُرُّ بِدَارٍ إِلَّا سَأَلَهُ أَهْلُهَا النُّزُولَ عَلَيْهِمْ، وَهُوَ يَقُولُ: " خَلُّوا زِمَامَهَا، فَإِنَّهَا مَأْمُورَةٌ " حَتَّى انْتَهَى إِلَى مَوْضِعِ الْمَسْجِدِ الْيَوْمَ فَبَرَكَتْ على باب مسجده وهي يومئذ مريد لِيَتِيمَيْنِ مِنَ الْأَنْصَارِ سَهْلٍ وَسُهَيْلٍ ابْنَيْ عَمْرٍو وَكَانَا فِي حِجْرِ مُعَاذِ بْنِ عَفْرَاءَ فَنَزَلَ عَنْهَا وَاحْتَمَلَ أَبُو أَيُّوبَ رَحْلَهُ فَوَضَعَهُ فِي بَيْتِهِ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ وَقَالَ: " الْمَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ " وَقَالَ لِلْأَنْصَارِ: ثَامِنُونِي بِهَذَا الْمِرْبَدِ؟ فَقَالُوا: لَا نَأْخُذُ لَهُ ثَمَنًا فَبَنَاهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بِنَفْسِهِ وَبِأَصْحَابِهِ مَسْجِدًا وَهُوَ يَقُولُ:
(اللَّهُمَّ لَا عَيْشَ إِلَّا عَيْشُ الْآخِرَة ... فَارْحَمِ الْأَنْصَارَ وَالْمُهَاجِرَة)
وَأَقَامَ عِنْدَ أَبِي أَيُّوبَ، حَتَّى فَرَغَ مِنْ بِنَائِهِ، وَهَاجَرَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، قَامَ فِيهَا بِرَدِّ الْوَدَائِعِ عَلَى أَهْلِهَا، وَكَانَ آخِرَ مَنْ قَدِمَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ
стр. 6481
سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فِي عَشَرَةٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَبَنَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بِعَائِشَةَ ﵂ بَعْدَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ فِي شَوَّالٍ، وَكَانَ قَدْ تزوجها بمكة قبل الهجرة بثلاثة سِنِينَ فِي شَوَّالٍ بَعْدَ وَفَاةِ خَدِيجَةَ، وَهِيَ ابْنَةُ سِتِّ سِنِينَ
وَقِيلَ: ابْنَةُ سَبْعٍ وَكَانَ قَدْ تَزَوَّجَ قَبْلَهَا بَعْدَ خَدِيجَةَ سَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ، وَقَدِمَتْ عَلَيْهِ بَعْدَ هِجْرَتِهِ
وَاخْتَلَفَ أَهْلُ النَّقْلِ فِي مُدَّةِ مَقَامَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - بمكة بعد النبوة فقال الأكثرون: ثلاث عشر سنة وقال آخرون عشرة سِنِينَ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ قُرِنَ بِإِسْرَافِيلَ ثَلَاثَ سِنِينَ، ثُمَّ قُرِنَ بِجِبْرِيلَ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ
(فَصْلٌ)
: وَلَمَّا اسْتَقَرَّتْ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - دَارُ هِجْرَتِهِ وَنَزَلَ الْمُهَاجِرُونَ عَلَى الْأَنْصَارِ آخَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بَيْنَ أَصْحَابِهِ، لِيَزِيدَهُمْ أُلْفَةً، وَتَنَاصُرًا، ثُمَّ وَادَعَ مَنْ حَوْلَهُ مِنَ الْيَهُودِ لِتَسْتَقِرَّ بِهِمُ الدَّارُ، وإنهم أهل كتاب يرجوا مِنْهُمْ أَنْ يُؤَدُّوا الْأَمَانَةَ بِإِظْهَارِ مَا فِيهِ مِنْ ذِكْرِ نُبُوَّتِهِ، فَخَانُوا الْأَمَانَةَ وَجَحَدُوا الصِّفَةَ، وَظَهَرَ الْمُنَافِقُونَ بِالْمَدِينَةِ، يُعْلِنُونَ الْإِسْلَامَ وَيُبْطِنُونَ الْكُفْرَ، وَيُوَافِقُونَ الْيَهُودَ فِي السِّرِّ عَلَى التَّكْذِيبِ، وَكَانَ النِّفَاقُ فِي الشُّيُوخِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَحْدَاثِ إِلَّا وَاحِدٌ وَكَانَ رَأْسَ الْمُنَافِقِينَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ فَصَارَ فِيهِمْ رَسُولُ الله ﷺ َ - بِقَبُولِ الظَّاهِرِ مِنْ إِسْلَامِهِمْ، وَإِنْكَارِ الْبَاطِنِ مِنْ نِفَاقِهِمْ، وَقَصَدَتْهُ الْيَهُودُ بِالْمَكْرِ، فَحَرَّضُوا بَيْنَ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ، وَذَكَّرُوهُمْ تُرَاثَ الْجَاهِلِيَّةِ لِيَخْتَلِفُوا فَيُنْقَضُ بِهِمْ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ، وَقَطَعَ اخْتِلَافَهُمْ وَعَادَتْ أُلْفَتُهُمْ وَهُوَ مع ذلك يدعوا إِلَى الْإِسْلَامِ حَتَّى أُذِنَ لَهُ فِي الْقِتَالِ، فَكَانَ أَوَّلُ لِوَاءٍ عَقَدَهُ فِي سَنَةِ مَقْدَمِهِ لِحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ هِجْرَتِهِ لِيَعْتَرِضَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيهَا أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ فَبَلَغُوا سَيْفَ الْبَحْرِ وَاصْطَفَّوْا لِلْقِتَالِ، حَتَّى حَجَرَ بَيْنَهُمْ، مَجْدِيُّ بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِيُّ فَافْتَرَقُوا وَعَادَ حَمْزَةُ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
ثُمَّ سَرِيَّةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَقَدَ لَهُ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - لِوَاءً فِي شَوَّالٍ، وَهُوَ الشَّهْرُ الثَّامِنُ مِنْ هِجْرَتِهِ عَلَى سِتِّينَ رَجُلًا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ، لِيَعْتَرِضَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فِيهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنَ الْجُحْفَةِ فَتَنَاوَشُوا، وَلَمْ يُسِلُّوا السُّيُوفَ
وَرَمَى سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ بِسَهْمٍ فَكَانَ أَوَّلَ سَهْمٍ رُمِيَ فِي الْإِسْلَامِ، وَعَادَ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا.
ثُمَّ سَرِيَّةُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ بَعْدَ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ مَنْ هِجْرَتِهِ عَقَدَ لَهُ لِوَاءً عَلَى عِشْرِينَ رَجُلًا، لِيَعْتَرِضَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ، فَفَاتَتْهُ فَكَانَتْ لَهُ فِي السَّنَةِ الأولة من هجرته هذه السرايا الثلاث
следующие страницы →