← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6157

الحاوي الكبير

الماوردي

Полный текст (8 408 стр.). Показаны 6646–6685 · переход к 6651.

стр. 6646

دَارِهِمْ مُسْلِمٌ، وَلَمْ يَتَتَرَّسُوا بِهِ جَازَ رَمْيُهُمْ بِخِلَافِ لَوْ تَتَرَّسُوا بِهِ، لِأَنَّهُمْ إِذَا تَتَرَّسُوا بِهِ كَانَ مَقْصُودًا، وَإِذَا لَمْ يَتَتَرَّسُوا بِهِ فَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ، فَهَذَا حُكْمُهُ فِي وُجُوبِ الْكَفِّ عَنْ رَمْيِهِمْ، فَأَمَّا الْكَفُّ عَنْ حِصَارِهِمْ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَأْمَنَ عَلَى مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ أَسْرَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَقْتُلُوهُمْ، فَيَجُوزُ حِصَارُهُمْ وَالْمُقَامُ عَلَى قِتَالِهِمْ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَأْمَنَ عَلَيْهِمْ، وَيَغْلِبَ فِي الظَّنِّ أَنَّهُمْ يَقْتُلُونَهُمْ، إِنْ أَقَمْنَا عَلَى قِتَالِهِمْ فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْنَا فِي الْكَفِّ عَنْهُمْ ضَرَرٌ، فَالْوَاجِبُ أَنْ يَكُفَّ عن حصارهم استبقاءا لِنُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ لِئَلَّا يَتَعَجَّلَ بِقَتْلِهِمْ ضَرَرًا وَلَيْسَ فِي مُتَارَكَتِهِمْ ضَرَرٌ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ عَلَيْنَا فِي الْكَفِّ عَنِ الْمُشْرِكِينَ ضَرَرٌ لِخَوْفِنَا مِنْهُمْ عَلَى حَرِيمِ الْمُسْلِمِينَ، وَحَرَمِهِمْ، فَلَا يَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمْ، وَلَا الِامْتِنَاعُ عَنْ قِتَالِهِمْ فَإِنْ قَتَلُوهُمُ اسْتِدْفَاعًا لِأَكْثَرِ الضَّرَرَيْنِ بِأَقَلِّهِمَا وَكَانَ وُجُوبُ الْمُقَامِ عَلَى قِتَالِهِمْ مُعْتَبَرًا بِالضَّرَرِ الْمُخَوِّفِ مِنْهُمْ، فَإِنْ كَانَ مُعَجَّلًا وَجَبَ الْمُقَامُ عَلَيْهِمْ، وَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلًا لَمْ يَجُزِ الْمُقَامُ إِلَّا عِنْدَ تَجَدُّدِهِ وَحُدُوثِهِ، فَهَذَا حُكْمُ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ إِذَا تَتَرَّسُوا بِهِمْ قَبْلَ الْتِحَامِ الْقِتَالِ (فَصْلٌ) : وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَتَتَرَّسُوا بِهِمْ بَعْدَ الْتِحَامِ الْقِتَالِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُوَلِّيَ الْمُسْلِمُونَ عَنْهُمْ لِأَجْلِ الأسرى، فإن فَرْضَ قِتَالِهِمْ قَدْ تَعَيَّنَ بِالْتِقَاءِ الزَّحْفَيْنِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَرْمِيَهُمُ الْمُسْلِمُونَ مَا أَقَامُوا عَلَى حَرْبِهِمْ، ويتعمدون بِالرَّمْيِ وَيَتَوَقَّوْا رَمْيَ مَنْ تَتَرَّسُوا بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ وَلَّوْا عَنِ الْحَرْبِ فَعَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يُمْكِنَ اسْتِنْقَاذُ الْأَسْرَى مِنْهُمْ إِنِ اتَّبَعُوا، فَوَاجِبٌ أَنْ يَتَّبِعُوا حَتَّى يَسْتَنْقِذَ الْأَسْرَى مِنْهُمْ، لِمَا يَلْزَمُ مِنْ حِرَاسَةِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: ٣٢] . وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يمكن اسنتقاذ الْأَسْرَى مِنْهُمْ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخَافَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ اتِّبَاعِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَتَّبِعُوهُمْ وَعَلَيْهِمْ أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ إِذَا انْهَزَمُوا لِتَحْرِيمِ التَّغْرِيرِ بِالْمُسْلِمِينَ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَخَافَهُمُ الْمُسْلِمُونَ إِلَّا كَخَوْفِهِمْ فِي الْمَعْرَكَةِ، فَلَا يَجِبُ اتِّبَاعُهُمْ وَلَا يَجِبُ الْكَفُّ عَنْهُمْ، وَأَمِيرُ الْجَيْشِ فِيهِمْ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ فِي اعْتِمَادِ الأصلح من اتباعه، أَوِ الْكَفِّ عَنْهُمْ

стр. 6647

(فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّانِي فِي ضَمَانِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَهَذَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْمِدَ قَتْلَهُ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَقْتُلَهُ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ دَعَتْهُ إِلَى قَتْلِهِ، فَهَذَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ كَمَا لَوْ قَتَلَهُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، لَأَنَّ دَارَ الشِّرْكِ لَا تُبِيحُ دَمَ مُسْلِمٍ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ تَدْعُوَهُ الضَّرُورَةُ إِلَى قَتْلِهِ، لِيَتَوَصَّلَ بِهِ إِلَى دَفْعِ الشِّرْكِ عَنْ نَفْسِهِ، فَفِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ، حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَخْرِيجًا مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي وُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى الْمُكْرَهِ إِذَا قَتَلَ: أَحَدُهُمَا: عَلَيْهِ الْقَوَد إِذَا قَتَلَ كَوُجُوبِ الْقَوَدِ عَلَى الْمُكْرِهِ لِاشْتِرَاكِهِمَا فِي الضَّرُورَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا قَوَدَ عَلَيْهِ إِذَا قَتَلَ، لِأَنَّهُ لَا قَوَدَ عَلَى الْمُكْرَهِ، وَيَكُونُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَتَكُونُ هَذِهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ مَعَ الْكَفَّارَةِ، لِأَنَّهَا دِيَةُ عَمْدٍ سَقَطَ الْقَوَدُ فِيهِ بِشُبْهَةٍ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ لَا يَعْمِدَ قَتْلَهُ وَلَا يَعْلَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ وَلَا دِيَةَ وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] . فَاقْتَصَرَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ دُونَ الدِّيَةِ، لِأَنَّ دَارَ الْكُفْرِ مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَعْمِدَ قَتْلَهُ، وَلَا يَعْلَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ يَجْهَلُ بِحَالِهِ مَعَ الْغَالِبِ مِنْ حُكْمِ الدَّارِ شُبْهَةٌ فِي سقوط القود، وعليه الداية وَالْكَفَّارَةُ، وَتَكُونُ دِيَةَ عَمْدٍ يَتَحَمَّلُهَا فِي مَالِهِ. وَقَالَ أَبُو إِبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيُّ: عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ لِجَهْلِهِ بِإِسْلَامِهِ. وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ لَا يَعْمِدَ قَتْلَهُ وَيَعْلَمَ أَنَّهُ مُسْلِمٌ، فَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، وَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ وَفِي وُجُوبِ الدِّيَةِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا دِيَةَ عَلَيْهِ تَغْلِيبًا لِإِبَاحَةِ الدَّارِ. والقول الثاني: عليه الداية تَغْلِيبًا لِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ، وَتَكُونُ دِيَةَ خَطَأٍ تَتَحَمَّلُهَا العاقلة. (مسألة) : قال الشافعي: " لَوْ رَمَى فِي دَارِ الْحَرْبِ فَأَصَابَ مُسْتَأْمَنًا وَلَمْ يَقْصِدْهُ فَلَيْسَ عَلَيْهِ إِلَّا رَقَبَةٌ وَلَوْ كان عالما بِمَكَانِهِ ثُمَّ رَمَاهُ غَيْرَ مُضْطَرٍّ إِلَى الرَّمْيِ فَعَلَيْهِ رَقَبَةٌ وَدِيَةٌ ".

стр. 6648

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ حُكْمَ الْمُسْتَأْمَنِ وَالذِّمِّيِّ فِي دَارِ الْحَرْبِ فِي تَحْرِيمِ دِمَائِهِمَا كَالْمُسْلِمِ إِنْ تَتَرَّسُوا بِهِمْ يَجِبُ تَوَقِّيهِمْ، كَمَا يَجِبُ تَوَقِّي الْمُسْلِمِ فَإِنْ أُصِيبَ أَحَدُهُمْ قَتِيلًا كَانَ فِي حُكْمِ الْمُسْلِمِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْأَقْسَامِ الْأَرْبَعَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ [النساء: ٩٢] . وَيَسْتَوِي أَحْكَامُهَا إِلَّا فِي شَيْئَيْنِ: أَحَدُهُمَا: الْقَوَدُ لِسُقُوطِهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِ وَالذِّمِّيِّ. وَالثَّانِي: قَدْرُ الدِّيَةِ لِاخْتِلَافِهِمَا بالإسلام والكفر، وهما في ما عَدَاهُنَّ سَوَاءٌ، فَإِنْ وَجَبَ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ وَجَبَا فِي قَتْلِ الذِّمِّيِّ، وَإِنْ وَجَبَ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ الْقَوَدُ وَالْكَفَّارَةُ، وَجَبَ فِي دِيَةِ الذِّمِّيِّ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ، فَإِنْ وَجَبَ فِي قَتْلِ الْمُسْلِمِ الْكَفَّارَةُ دُونَ الدِّيَةِ كَانَ الذِّمِّيُّ بِمَثَابَتِهِ يَجِبُ فِي قَتْلِهِ الْكَفَّارَةُ، دُونَ الدِّيَةِ، وَيَسْتَوِي الْمُسْتَأْمَنُ وَالذِّمِّيُّ فِي ضَمَانِهِمَا بِالدِّيَةِ أَوْ بِالْكَفَّارَةِ وَيَفْتَرِقَانِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنَّ الذِّمِّيَّ يَلْزَمُنَا دَفْعُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُ، وَالْمُسْتَأْمَنَ لَا يَلْزَمُنَا دَفْعُ أَهْلِ الْحَرْبِ عَنْهُ، وبالله التوفيق. (مسألة) : قال الشافعي: " وَلَوْ أَدْرَكُونَا وَفِي أَيْدِينَا خَيْلُهُمْ أَوْ مَاشِيَتُهُمْ لَمْ يَحِلَّ قَتْلُ شَيْءٍ مِنْهَا وَلَا عَقْرُهُ إلا أن يذبح لمأكله ولو جاز ذلك لغيظهم بقتلهم طلبنا غيظهم بقتل أطفالهم ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا غَنِمْنَا خَيْلَهُمْ وَمَوَاشِيَهُمِ ثُمَّ أَدْرَكُونَا وَلَمْ نَقْدِرْ عَلَى دَفْعِهِمْ عَنْهَا جَازَ تَرْكُهَا عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَجُزْ قَتْلُهَا وَعَقْرُهَا طَلَبًا لِغَيْظِهِمْ، أَوْ قَصْدًا لِإِضْعَافِهِمْ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ قَتْلُهَا وَعَقْرُهَا لِإِحْدَى حَالَتَيْنِ، إِمَّا لِغَيْظِهِمْ، وَإِمَّا لِإِضْعَافِهِمُ احْتِجَاجًا بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ مَا أَفْضَى إِلَى إِضْعَافِهِمْ جَازَ اسْتِهْلَاكُهُ عَلَيْهِمْ كَالْأَمْوَالِ. وَالثَّانِي: أَنَّ نَمَاءَ الْحَيَوَانِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِتْلَافِهِ عَلَيْهِمْ كَالْأَشْجَارِ. وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - " أَنَّهُ نَهَى عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ إِلَّا لِمَأكَلِهِ " وروي عنه ﷺ َ - " أَنَّهُ نَهَى أَنْ تُصْبَرَ الْبَهَائِمُ أَوْ تُتَّخَذَ غَرَضًا ". وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا بِغَيْرِ حَقِّهَا سَأَلَهُ اللَّهُ عَنْ قَتْلِهَا " قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا: قَالَ: " أَنْ يَذْبَحَهَا فَيَأْكُلَهَا وَلَا يَقْطَعَ رَأْسَهَا وَيَرْمِيَ بِهَا " وَهَذِهِ أَخْبَارٌ تَمْنَعُ مِنْ عَقْرِهَا وَقَتْلِهَا، وَلِأَنَّ كُلَّ حَيَوَانٍ لَا يَحِلُّ قَتْلُهُ إِذَا قُدِرَ عَلَى اسْتِنْقَاذِهِ لَمْ يَحِلَّ قَتْلُهُ، إِذَا عَجَزَ عَنِ اسْتِنْقَاذِهِ كَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَلِأَنَّهُ

стр. 6649

لَوْ جَازَ قَتْلُهَا لِغَيْظِهِمْ بِهَا كَانَ غَيْظُهُمْ بِقَتْلِ نِسَائِهِمْ أَكْثَرَ، وَذَلِكَ مَحْظُورٌ وَلَوْ قَتَلَهُ لِإِضْعَافِهِمْ كَانَ إِضْعَافُهُمْ بِقَتْلِ أَوْلَادِهِمْ وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ فَبَطَلَ الْمَعْنَيَانِ فِي قَتْلِ الْبَهَائِمِ وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِهْلَاكِ الْأَمْوَالِ، وَقَطْعِ الْأَشْجَارِ، فَأَبُو حَنِيفَةَ يَمْنَعُ مِنْ قَطْعِ الْأَشْجَارِ وَيُبِيحُ قَتْلَ الْحَيَوَانِ، وَالشَّافِعِيُّ يُبِيحُ قَطْعَ الْأَشْجَارِ وَيَمْنَعُ مِنْ قَتْلِ الْحَيَوَانِ، فَصَارَا مُجْمِعَيْنِ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْأَشْجَارِ وَالْحَيَوَانِ، وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْمُبَاحِ مِنْهُمَا وَالْمَحْظُورِ، فَصَارَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُمْتَنِعًا وَإِبَاحَةُ الْأَشْجَارِ، وَحَظْرُ الْحَيَوَانِ أَوْلَى مِنْ عَكْسِهِ لِأَنَّ لِلْحَيَوَانِ حُرْمَتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: لِمَالِكِهِ، وَالْأُخْرَى لِخَالِقِهِ، فَإِذَا سَقَطَتْ حُرْمَةُ الْمَالِكِ لِكُفْرِهِ، بَقِيَتْ حُرْمَةُ الْخَالِقِ فِي بَقَائِهِ عَلَى حَظْرِهِ، وَلِذَلِكَ مُنِعَ مَالِكُ الْحَيَوَانِ مِنْ تَعْطِيشِهِ وَإِجَاعَتِهِ، لِأَنَّهُ إِنْ أَسْقَطَ حُرْمَةَ ملكه بَقِيَتْ حُرْمَةُ خَالِقِهِ، وَحُرْمَتُهُ أَكْبَرُ مِنْ حُرْمَةِ الْأَمْوَالِ، وَأَكْثَرُ مِنْ حَقِّ الْمَالِكِ وَحْدَهُ فَإِذَا سَقَطَ حُرْمَةُ مَالِكِهِ لِكُفْرِهِ جَازَ اسْتِهْلَاكُهُ لِزَوَالِ حُرْمَتِهِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى مَالِكِ الْمَالِ وَالشَّجَرِ اسْتِهْلَاكُهُ، وَإِنْ حَرُمَ عَلَيْهِ اسْتِهْلَاكُ حَيَوَانِهِ. (مسألة) : قال الشافعي: " لَوْ قَاتَلُونَا عَلَى خَيْلِهِمْ فَوَجَدْنَا السَّبِيلَ إِلَى قَتْلِهِمْ بِأَنْ نَعْقِرَ بِهِمْ فَعَلْنَا لِأَنَّهَا تَحْتَهُمْ أَدَاةٌ لِقَتْلِنَا وَقَدْ عَقَرَ حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ بأبي سفيان بن حرب يوم أحد فانعكست بِهِ فَرَسُهُ فَسَقَطَ عَنْهَا فَجَلَسَ عَلَى صَدْرِهِ لِيَقْتُلَهُ فَرَآهُ ابْنُ شَعُوبٍ فَرَجَعَ إِلَيْهِ فَقَتَلَهُ وَاسْتَنْقَذَ أَبَا سُفْيَانَ مِنْ تَحْتِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا ذَكَرَ إِذَا قَاتَلُونَا عَلَى خَيْلِهِمْ جَازَ لَنَا أَنْ نَعْقِرَهَا عَلَيْهِمْ، لِنَصِلَ بِعُقْرِهَا إِلَى قَتْلِهِمْ وَالظَّفَرِ بِهِمْ، لِأَنَّهُمْ مُمْتَنِعُونَ بِهَا فِي الطَّلَبِ وَالْهَرَبِ أَكْثَرَ مِنَ امْتِنَاعِهِمْ بِحُصُونِهِمْ وَسِلَاحِهِمْ، فَصَارَتْ أَذًى لَنَا فَجَازَ اسْتِهْلَاكُهَا لِأَجْلِ الْأَذَى، كَمَا جَازَ اسْتِهْلَاكُ مَا صَالَ مِنَ الْبَهَائِمِ، وَإِنْ لَمْ يَجُزِ اسْتِهْلَاكُ مَا لَمْ يَصِلْ، وَقَدْ عَقَرَ حَنْظَلَةُ بْنُ الرَّاهِبِ فَرَسَ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ يَوْمَ أُحُدٍ، وَاسْتَعْلَى عَلَيْهِ لِيَقْتُلَهُ فَرَآهُ ابْنُ شَعُوبٍ فَبَدَرَ إِلَى حَنْظَلَةَ وَهُوَ يَقُولُ: (لَأَحْمِيَنَّ صَاحِبِي وَنَفْسِي ... بِطَعْنَةٍ مِثْلِ شُعَاعِ الشَّمْسِ) ثُمَّ طَعَنَ حَنْظَلَةَ فَقَتَلَهُ، وَاسْتَنْقَذَ أَبَا سُفْيَانَ مِنْهُ فَخَلَصَ أَبُو سُفْيَانَ وَهُوَ يَقُولُ: (فَمَا زَالَ مُهْرِي مَزْجَرَ الْكَلَبِ مِنْهُمْ ... لَدَى غُدْوَةٍ حَتَّى دَانَتْ لِغُرُوبِ ٩ ... (أُقَاتِلُهُمْ وادعي يال غالب ... وَأَدْفَعُهُمْ عَنِّي بُرِكُنِ صَلِيبِ) (وَلَوْ شِئْتُ نَحَّتْنِي كُمَيْتٌ لِحَمْرَةٍ ... وَلَمْ أَحْمِلِ النَّغْمَاءَ لِابْنِ شَعُوبِ) فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنَ شَعُوبٍ فَقَالَ مُجِيبًا لَهُ حِينَ لَمْ يَشْكُرْهُ: (وَلَوْلَا دِفَاعِي يَا ابْنَ حَرْبٍ وَمَشْهَدِي ... لَأَلْفَيْتَ يَوْمَ النَّعْفِ غَيْرَ مُجِيبِ) (وَلَوْلَا مَكَرِّي الْمُهْرَ بِالنَّعْفِ قَرْقَرَتْ ... ضِبَاعٌ عَلَيْهِ أَوْ ضِرَاءُ كَلِيبِ)

стр. 6650

وَمَوْضِعُ الدَّلِيلِ مِنْ هَذَا الْخَبَرِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - رَأَى حَنْظَلَةَ وَقَدْ عَقَرَ فَرَسَ أَبِي سُفْيَانَ فَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرْهُ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا كَانَ رَاكِبُ الْفَرَسِ مِنْهُمُ امْرَأَةً أَوْ صَبِيًّا كَانَا يُقَاتِلَانِ عَلَيْهَا، جَازَ عَقْرُهَا مِنْ تَحْتِهِمَا كَمَا لَوْ كَانَ رَاكِبُهَا رَجُلًا مُقَاتِلًا، وَإِنْ كَانَا لَا يُقَاتِلَانِ عَلَيْهَا لَمْ يَجُزْ عَقْرُهَا كَمَا لَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَرْكُوبَةٍ. (فَصْلٌ) : وَلَوْ أَدْرَكُونَا وَمَعَنَا خَيْلُهُمْ وَهُمْ رَجَّالَةٌ إِنْ أُطْلِقَتْ عَلَيْهِمْ وَرَكِبُوهَا قَهَرُونَا بِهَا جَازَ عَقْرُهَا لِاسْتِدْفَاعِ الْأَذَى بِهَا، كَمَا لَوْ كَانُوا رُكْبَانًا عَلَيْهَا. (مَسْأَلَةٌ) : قال الشافعي: " فِي كِتَابِ حُكْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَإِنَّمَا تَرَكْنَا قتل الرهبان اتباعا لأبي بكر الصديق ﵁ وَقَالَ فِي كِتَابِ السِّيَرِ وَيُقْتَلُ الشُّيُوخُ وَالْأُجَرَاءُ والرهبان قتل دريد بن الصمة ابن خمسين ومائة سنة في شجار لا يستطيع الجلوس فذكر ذلك للنبي ﷺ َ - فلم ينكر قتله (قال) ورهبان الديات والصوامع والمساكن سواء ولو ثبت عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ خلاف هذا لأشبه أن يكون أمرهم بالجد على قتال من يقاتلهم ولا يتشاغلون بالمقام على الصوامع عن الحرب كالحصون لا يشغلون بالمقام بها عما يستحق النكاية بالعدو وليس أن قتال أهل الحصون حرام وكما روي عنه أنه نهى عن قطع الشجر المثمر ولعله لأنه قد حظر رسول الله ﷺ َ - يقطع على بني النضير وحضره يترك وعلم أن النبي ﷺ َ - وعدهم بفتح الشام فترك قطعه لتبقى لهم منفعته إذا كان واسعا لهم ترك قطعه (قال المزني) ﵀: هذا أولى القولين عندي بالحق لأن كفر جميعهم واحد وكذلك سفك دمائهم بالكفر في القياس واحد ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَةُ الْمُشْرِكِينَ بَعْدَ الظَّفَرِ بِهِمْ يَنْقَسِمُ أَرْبَعَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: الْمُقَاتِلَةُ أَوْ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ فَهُوَ مِنَ الْمُقَاتِلَةِ وَيَجُوزُ قَتْلُهُمْ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ خِيَارِ الْإِمَامِ فِيهِمْ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُمْ أَهْلُ الرَّأْيِ وَالتَّدْبِيرِ مِنْهُمْ دُونَ الْقِتَالِ، فَيَجُوزُ قَتْلُهُمْ أَيْضًا شُبَّانًا كَانُوا أَوْ شُيُوخًا، قَدَرُوا عَلَى الْقِتَالِ أَوْ لَمْ يَقْدِرُوا، لِأَنَّ التَّدْبِيرَ عِلْمٌ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالُ عَمَلٌ وَالْعِلْمُ أَصْلٌ لِلْعَمَلِ، وَقَدْ أَفْصَحَ الْمُتَنَبِّي حَيْثُ قَالَ: (الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ ... هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ الْمَحَلُّ الثَّانِي) وَلِأَنَّ التَّدْبِيرَ أَنْكَى وَأَضَرُّ وَهُوَ مِنَ الشَّيْخِ أَقْوَى وَأَصَحُّ، هَذَا دُرَيْدُ بْنُ الصِّمَّةِ أَشَارَ عَلَى هَوَازِنَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أَنْ يَتَجَرَّدُوا لِلْقِتَالِ، وَلَا يُخْرِجُوا مَعَهُمُ الذَّرَارِيَ، فَخَالَفَهُ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النَّضْرِيُّ وَخَرَجَ بِهِمْ فَهُزِمُوا فَقَالَ دريد في ذلك:

стр. 6651

سقط

стр. 6652

سقط

стр. 6653

سقط

стр. 6654

سقط

стр. 6655

سقط

стр. 6656

سقط

стр. 6657

سقط

стр. 6658

سقط

стр. 6659

سقط

стр. 6660

سقط

стр. 6661

سقط

стр. 6662

سقط

стр. 6663

سقط

стр. 6664

سقط

стр. 6665

سقط

стр. 6666

سقط

стр. 6667

سقط

стр. 6668

سقط

стр. 6669

سقط

стр. 6670

سقط

стр. 6671

سقط

стр. 6672

سقط

стр. 6673

سقط

стр. 6674

سقط

стр. 6675

سقط

стр. 6676

سقط

стр. 6677

سقط

стр. 6678

سقط

стр. 6679

سقط

стр. 6680

سقط

стр. 6681

سقط

стр. 6682

سقط

стр. 6683

وَرَايَاتُهُ مَنْشُورَةٌ، وَسُيُوفُهُ مَشْهُورَةٌ، قَالُوا: وَهَذِهِ صِفَةُ الْعَنْوَةِ الَّتِي حَلَفَ بِهَا أَنْ يَغْزُوَهُمْ. قَالَ: وَقَدْ رَوَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ عَنْوَةً، وَهُوَ مِنْ أَخَصِّ أَصْحَابِهِ وَأَقْرَبِهِمْ مِنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ نَصًّا. قَالُوا: وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَتْحَ مَكَّةَ فَقَالَ لِي يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ادْعُ الْأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَتَوْهُ مُهَرْوِلِينَ فَقَالَ لَهُمْ: " إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ أَوْبَشَتْ أَوْبَاشَهَا، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاحْصُدُوهُمْ حَصْدًا، حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الصَّفَا " فَكَانَ أَمْرُهُ بِالْقَتْلِ نَافِيًا لِعَقْدِ الصُّلْحِ. قَالُوا: وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ " وَلَوْ كَانَ دُخُولُهُ عَنْ صُلْحٍ لكَانَ جَمِيعُ النَّاسِ آمِنِينَ بِالْعَقْدِ. قَالُوا: وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ بِالْبَيْتِ، وَفِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: مَا تَرَوْنِي صَانِعًا بِكُمْ قَالُوا: أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ فَاصْنَعْ بِنَا صُنْعَ أَخٍ كَرِيمٍ " فَقَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ، وَمَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ، واليوم يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ بِالْعَفْوِ آمَنُوا لَا بالصلح قالوا: ولأن أم هانىء أَمَّنَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ رَجُلَيْنِ فَهَمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِقَتْلِهِمَا، فَمَنَعَتْهُ، وَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ: " قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أم هانىء " وَلَوْ كَانَ صُلْحًا لَاسْتَحَقَّا الْأَمَانَ لَا بِالْإِجَارَةِ، وَلَمَا اسْتَجَازَ عَلِيٌّ أَنْ يَهُمَّ بِقَتْلِهِمَا قَالُوا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: كُلُّ الْبِلَادِ فُتِحَتْ بِالسَّيْفِ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَإِنَّهَا فُتِحَتْ بِالْقُرْآنِ، أَوْ قَالَتْ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ بِالسَّيْفِ عَنْوَةً. قَالُوا: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ الْفِيلَ عَنْ مَكَّةَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " فَدَلَّ تَسْلِيطُهُ عَلَيْهَا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُحَارِبًا فِيهَا، غَيْرَ مُصَالِحٍ. قَالُوا: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ حِمَاسَ بْنَ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ أَعَدَّ سِلَاحًا لِلْقِتَالِ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنَّكَ تَقُومُ بِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فقال: لها إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، وَخَرَجَ مُرْتَجِزًا يَقُولُ: (إِنْ تُقْبِلُوا الْيَوْمَ فَمَا لي علة ... هذا سلاح كامل وأله)

стр. 6684

(وَذُو غِزَارَيْنِ سَرِيعُ السَّلَّهْ ... ) . وَلَحِقَ بِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، فِيمَنْ يُقَاتِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي قُرَيْشٍ وَعَادَ مُنْهَزِمًا، فَدَخَلَ بَيْتَهُ وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَغْلِقِي عَلَيَّ الْبَابَ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: فَأَيْنَ مَا كُنْتَ تَعِدُنَا فَقَالَ (إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يوم الخندمه ... إذا فر صفوان وفر عكرمه) (وأبو يزيد قائم كالمؤتمة ... واستقبلتهم بالسيوف المسامه) (يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ ... ضَرْبًا فَلَا تُسْمَعُ إلا غمغمه) (لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه) فدل على دخولها بالقتال. قالوا: ولأنه صَالَحَهُمْ عَلَى دُخُولِهَا لَتَرَدَّدَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمُ الرُّسُلُ، وَلَكَتَبَ فِيهِ الصُّحُفَ، كَمَا فَعَلَ مَعَهُمْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُوَ لَمْ يَلْبَثْ حَتَّى دُخُولِهَا بِعَسْكَرِهِ قَهْرًا، فَكَيْفَ يَكُونُ صُلْحًا. وَدَلِيلُنَا عَلَى دُخُولِهَا صُلْحًا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا ولا نصيرا﴾ [الفتح: ٢٢] يعني، والله أعلم، أَهْلَ مَكَّةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا وَلَوْ قَاتَلُوا لَمْ يُنْصَرُوا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] فَأَخْبَرَ بِكَفِّ الْفَرِيقَيْنِ، وَالْكَفُّ يَمْنَعُ من العنوة وقوله تعالى ﴿من بعد أن أظفركم عليهم﴾ يُرِيدُ بِهِ الِاسْتِعْلَاءَ وَالدُّخُولَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - مُسْتَعْلِيًا فِي دُخُولِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَالْمُحَارِبُ لَا يَكُونُ آمِنًا، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ دُخُولُهَا صُلْحًا لَا عَنْوَةً، وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الرعد ﴿ولا يزال الذين كفروا يصيبهم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣١] الْآيَةَ فأخبر بإصابة القوارع ولهم إِلَى أَنْ يَحُلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - قَرِيبًا مِنْهُمْ فَصَارَ غَايَةَ قَوَارِعَهُمْ، وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ مَكَّةَ إِلَى أَنْ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَانْتَهَتِ الْقَوَارِعُ، فَصَارَ مَا بَعْدَهَا غَيْرَ قَارِعَةٍ، وَالْمُخَالِفُ يَجْعَلُ مَا بَعْدُ بَحْلُولِهِ أَعْظَمَ الْقَوَارِعِ، وَفِي هَذَا إِبْطَالٌ لِقَوْلِهِ، وَفِيهَا مُعْجِزَةٌ وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ كَوْنِهِ، لِأَنَّ سُورَةَ الرَّعْدِ مَكِّيَّةٌ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نَقْلُ السِّيرَةِ فِي الدُّخُولِ إِلَيْهَا وَاتِّفَاقُ الرُّوَاةِ عَلَيْهَا، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - حِينَ تَأَهَّبَ لِلْمَسِيرِ إِلَيْهَا أَخْفَى أَمْرَهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ خُذْ عَلَى أَبْصَارِهِمْ حَتَّى لَا يَرَوْنِي إِلَّا بَغْتَةً " وَسَارَ مُحِثًّا حَتَّى نَزَلَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، وَهِيَ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ وَكَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ لَقِيَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِالسُّقْيَا، فَسَارَ مَعَهُ وَأَمَرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَنْ يُوقِدَ نَارًا، فَأُوقِدَتْ عَشَرَةُ آلَافِ نَارٍ أَضَاءَتْ بِهَا بُيُوتُ مَكَّةَ، وفعل ذلك؟ ؟

стр. 6685

إِرْهَابًا لَهُمْ وَإِيثَارًا لِلْبُقْيَا عَلَيْهِمْ، لِيَنْقَادُوا إِلَى الصُّلْحِ وَالطَّاعَةِ، وَلَوْ أَرَادَ اصْطِلَامَهُمْ لَفَاجَأَهُمْ بِالدُّخُولِ، وَلَكِنَّهُ أَنْذَرَ وَحَذَّرَ فَلَمَّا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مَنْ نَزَلَ بِهِمْ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَتَحَسَّسُونَ الْأَخْبَارَ، وَقَالَ الْعَبَّاسُ وَأَشْيَاخُ قُرَيْشٍ: وَاللَّهِ لَئِنْ دَخَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - عنوة إنه لهلاك قريش آخر الدهر، فركب بَغْلَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - الشهباء وتوجه إلى مكة؛ ليعلم قريش حَتَّى يَسْتَأْمِنُوهُ فَبَيْنَمَا هُوَ بَيْنَ الْأَرَاكِ لَيْلًا وإذا سَمِعَ كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ فَعَرَفَ صَوْتَهُ، فَتَعَارَفَا وَاسْتَخْبَرَهُ عَنِ الْحَالِ، فَأَخْبَرَهُ بِنُزُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فِي عَشَرَةِ آلَافٍ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهَا فَاسْتَشَارَهُ، فَقَالَ تَأْتِيهِ فِي جِوَارِي فَتُسْلِمُ، وَتَسْتَأْمِنُهُ لِنَفْسِكَ وَقَوْمِكَ، وَأَرْدَفَهُ عَلَى عَجُزِ الْبَغْلَةِ، وَعَادَ مُسْرِعًا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَأَخْبَرَهُ بِحَالِهِ فَقَالَ: اذْهَبْ بِهِ فَقَدْ أَمَّنَاهُ حَتَّى تَأْتِيَنِي بِهِ مِنَ الْغَدِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أتاه به وفأسلم وَعَقَدَ مَعَهُ الْأَمَانَ لِأَهْلِ مَكَّةَ، عَلَى أَنْ لَا يُقَاتِلُوهُ فَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ، فَقَالَ: ﵇: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، من دَخَلَ دَارَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ فَهُوَ آمِنٌ من ألقى سلاحه فهو آمن من أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ " فَكَانَ عَقْدُ الْأَمَانِ مُتَعَلِّقًا بِهَذَا الشَّرْطِ. وَهَذَا يُخَالِفُ حُكْمَ الْعَنْوَةِ فَدَلَّ عَلَى انْعِقَادِ الصُّلْحِ وُجُودُ هَذَا الشَّرْطِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - لما أَمَّنَ أَبَا سُفْيَانَ، وَعَقَدَ مَعَهُ أَمَانَ قُرَيْشٍ عَلَى الشُّرُوطِ الْمُقَدَّمَةِ، أَنْفَذَهُ؟ إِلَى مَكَّةَ مَعَ الْعَبَّاسِ ثُمَّ اسْتَدْرَكَ مَكْرَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَنْفَذَ إِلَى الْعَبَّاسِ أَنْ يَسْتَوْقِفَ أَبَا سُفْيَانَ بِمَضِيقِ الْوَادِي: لِيَرَى جُنُودَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَغَدْرًا يَا بَنِي هَاشِمٍ: فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بَلْ أَنْتَ أَغْدَرُ وَأَفْجَرُ، وَلَكِنْ لِتَرَى جُنُودَ اللَّهِ فِي إِعْزَازِ دِينِهِ وَنُصْرَةِ رَسُولِهِ، فَلَوْ كَانَ دُخُولُهُ عَنْوَةً لَمْ يَقُلْ أَبُو سُفْيَانَ: أَغَدْرًا، وَلَمْ يَجْعَلِ اسْتِيقَافَهُ غَدْرًا، فَلَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بَعْدَ كَتَائِبِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ: قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِلْعَبَّاسِ: لَقَدْ أُوتِيَ ابْنُ أَخِيكَ مُلْكًا عَظِيمًا: فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: وَيْحَكَ إِنَّهَا النُّبُوَّةُ فَقَالَ: نَعَمْ إِذًا، ثُمَّ أَرْسَلَهُ الْعَبَّاسُ إِلَى مَكَّةَ مُنْذِرًا لِقَوْمِهِ؟ بِالْأَمَانِ، فَأَسْرَعَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَصَرَخَ فِي الْمَسْجِدِ: فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَ بِمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، قَالُوا: فَمَهْ، قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ آمِنٌ، قَالُوا: وَمَا تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ، قال: من دخل المسجد فهو آمن من أغلق بابه فهو آمن من أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَحِينَئِذٍ كَفُّوا وَاسْتَسْلَمُوا، وَهَذَا مِنْ شَوَاهِدِ الصُّلْحِ دُونَ الْعَنْوَةِ. وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ رَايَةَ الْأَنْصَارِ كَانَتْ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عِنْدَ دُخُولِهِ مَكَّةَ، فَقَالَ سَعْدٌ وَهُوَ يُرِيدُ دُخُولَهَا: (الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَة ... الْيَوْمَ تُسْبَى الْحُرْمَة) الْيَوْمَ يَوْمٌ يُذِلُّ اللَّهُ قُرَيْشًا.
следующие страницы →