Полный текст (8 408 стр.). Показаны 6652–6691 · переход к 6657.
стр. 6652
سقط
стр. 6653
سقط
стр. 6654
سقط
стр. 6655
سقط
стр. 6656
سقط
стр. 6657
سقط
стр. 6658
سقط
стр. 6659
سقط
стр. 6660
سقط
стр. 6661
سقط
стр. 6662
سقط
стр. 6663
سقط
стр. 6664
سقط
стр. 6665
سقط
стр. 6666
سقط
стр. 6667
سقط
стр. 6668
سقط
стр. 6669
سقط
стр. 6670
سقط
стр. 6671
سقط
стр. 6672
سقط
стр. 6673
سقط
стр. 6674
سقط
стр. 6675
سقط
стр. 6676
سقط
стр. 6677
سقط
стр. 6678
سقط
стр. 6679
سقط
стр. 6680
سقط
стр. 6681
سقط
стр. 6682
سقط
стр. 6683
وَرَايَاتُهُ مَنْشُورَةٌ، وَسُيُوفُهُ مَشْهُورَةٌ، قَالُوا: وَهَذِهِ صِفَةُ الْعَنْوَةِ الَّتِي حَلَفَ بِهَا أَنْ يَغْزُوَهُمْ.
قَالَ: وَقَدْ رَوَى أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - دَخَلَ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ عَنْوَةً، وَهُوَ مِنْ أَخَصِّ أَصْحَابِهِ وَأَقْرَبِهِمْ مِنْهُ، فَكَانَ ذَلِكَ نَصًّا.
قَالُوا: وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ: قَالَ: شَهِدْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَتْحَ مَكَّةَ فَقَالَ لِي يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ادْعُ الْأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَتَوْهُ مُهَرْوِلِينَ فَقَالَ لَهُمْ: " إِنَّ قُرَيْشًا قَدْ أَوْبَشَتْ أَوْبَاشَهَا، فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاحْصُدُوهُمْ حَصْدًا، حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الصَّفَا " فَكَانَ أَمْرُهُ بِالْقَتْلِ نَافِيًا لِعَقْدِ الصُّلْحِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ يَوْمَ الْفَتْحِ: مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ " وَلَوْ كَانَ دُخُولُهُ عَنْ صُلْحٍ لكَانَ جَمِيعُ النَّاسِ آمِنِينَ بِالْعَقْدِ.
قَالُوا: وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ طَافَ بِالْبَيْتِ، وَفِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: مَا تَرَوْنِي صَانِعًا بِكُمْ قَالُوا: أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ فَاصْنَعْ بِنَا صُنْعَ أَخٍ كَرِيمٍ " فَقَالَ: اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ، وَمَثَلِي وَمَثَلُكُمْ، كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: ﴿لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ، واليوم يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ [يوسف: ٩٢] وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ بِالْعَفْوِ آمَنُوا لَا بالصلح
قالوا: ولأن أم هانىء أَمَّنَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ رَجُلَيْنِ فَهَمَّ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِقَتْلِهِمَا، فَمَنَعَتْهُ، وَأَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ: " قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أم هانىء " وَلَوْ كَانَ صُلْحًا لَاسْتَحَقَّا الْأَمَانَ لَا بِالْإِجَارَةِ، وَلَمَا اسْتَجَازَ عَلِيٌّ أَنْ يَهُمَّ بِقَتْلِهِمَا
قَالُوا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: كُلُّ الْبِلَادِ فُتِحَتْ بِالسَّيْفِ إِلَّا الْمَدِينَةَ، فَإِنَّهَا فُتِحَتْ بِالْقُرْآنِ، أَوْ قَالَتْ بِلَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ بِالسَّيْفِ عَنْوَةً.
قَالُوا: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ الْفِيلَ عَنْ مَكَّةَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ وَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِأَحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي، وَإِنَّمَا أُحِلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ، ثُمَّ هِيَ حَرَامٌ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ " فَدَلَّ تَسْلِيطُهُ عَلَيْهَا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مُحَارِبًا فِيهَا، غَيْرَ مُصَالِحٍ.
قَالُوا: وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ حِمَاسَ بْنَ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ أَعَدَّ سِلَاحًا لِلْقِتَالِ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَاللَّهِ مَا أَرَى أَنَّكَ تَقُومُ بِمُحَمَّدٍ وَأَصْحَابِهِ، فقال: لها إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، وَخَرَجَ مُرْتَجِزًا يَقُولُ:
(إِنْ تُقْبِلُوا الْيَوْمَ فَمَا لي علة ... هذا سلاح كامل وأله)
стр. 6684
(وَذُو غِزَارَيْنِ سَرِيعُ السَّلَّهْ ... ) .
وَلَحِقَ بِصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، فِيمَنْ يُقَاتِلُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي قُرَيْشٍ وَعَادَ مُنْهَزِمًا، فَدَخَلَ بَيْتَهُ وَقَالَ لِامْرَأَتِهِ: أَغْلِقِي عَلَيَّ الْبَابَ، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: فَأَيْنَ مَا كُنْتَ تَعِدُنَا فَقَالَ
(إِنَّكِ لَوْ شَهِدْتِ يوم الخندمه ... إذا فر صفوان وفر عكرمه)
(وأبو يزيد قائم كالمؤتمة ... واستقبلتهم بالسيوف المسامه)
(يَقْطَعْنَ كُلَّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ ... ضَرْبًا فَلَا تُسْمَعُ إلا غمغمه)
(لهم نهيت خلفنا وهمهمه ... لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه)
فدل على دخولها بالقتال.
قالوا: ولأنه صَالَحَهُمْ عَلَى دُخُولِهَا لَتَرَدَّدَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمُ الرُّسُلُ، وَلَكَتَبَ فِيهِ الصُّحُفَ، كَمَا فَعَلَ مَعَهُمْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهُوَ لَمْ يَلْبَثْ حَتَّى دُخُولِهَا بِعَسْكَرِهِ قَهْرًا، فَكَيْفَ يَكُونُ صُلْحًا.
وَدَلِيلُنَا عَلَى دُخُولِهَا صُلْحًا قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ قَاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الأَدْبَارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا ولا نصيرا﴾ [الفتح: ٢٢] يعني، والله أعلم، أَهْلَ مَكَّةَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا وَلَوْ قَاتَلُوا لَمْ يُنْصَرُوا، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: ٢٤] فَأَخْبَرَ بِكَفِّ الْفَرِيقَيْنِ، وَالْكَفُّ يَمْنَعُ من العنوة وقوله تعالى ﴿من بعد أن أظفركم عليهم﴾ يُرِيدُ بِهِ الِاسْتِعْلَاءَ وَالدُّخُولَ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - مُسْتَعْلِيًا فِي دُخُولِهِ، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ﴾ [الفتح: ٢٧] وَالْمُحَارِبُ لَا يَكُونُ آمِنًا، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ دُخُولُهَا صُلْحًا لَا عَنْوَةً، وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الرعد ﴿ولا يزال الذين كفروا يصيبهم بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ [الرعد: ٣١] الْآيَةَ فأخبر بإصابة القوارع ولهم إِلَى أَنْ يَحُلَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - قَرِيبًا مِنْهُمْ فَصَارَ غَايَةَ قَوَارِعَهُمْ، وَهَذِهِ حَالُ أَهْلِ مَكَّةَ إِلَى أَنْ نَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَانْتَهَتِ الْقَوَارِعُ، فَصَارَ مَا بَعْدَهَا غَيْرَ قَارِعَةٍ، وَالْمُخَالِفُ يَجْعَلُ مَا بَعْدُ بَحْلُولِهِ أَعْظَمَ الْقَوَارِعِ، وَفِي هَذَا إِبْطَالٌ لِقَوْلِهِ، وَفِيهَا مُعْجِزَةٌ وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ قَبْلَ كَوْنِهِ، لِأَنَّ سُورَةَ الرَّعْدِ مَكِّيَّةٌ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نَقْلُ السِّيرَةِ فِي الدُّخُولِ إِلَيْهَا وَاتِّفَاقُ الرُّوَاةِ عَلَيْهَا، وَهُوَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - حِينَ تَأَهَّبَ لِلْمَسِيرِ إِلَيْهَا أَخْفَى أَمْرَهُ وَقَالَ: اللَّهُمَّ خُذْ عَلَى أَبْصَارِهِمْ حَتَّى لَا يَرَوْنِي إِلَّا بَغْتَةً " وَسَارَ مُحِثًّا حَتَّى نَزَلَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، وَهِيَ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ مِنْ مَكَّةَ وَكَانَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَدْ لَقِيَهُ قَبْلَ ذَلِكَ بِالسُّقْيَا، فَسَارَ مَعَهُ وَأَمَرَ كُلَّ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، أَنْ يُوقِدَ نَارًا، فَأُوقِدَتْ عَشَرَةُ آلَافِ نَارٍ أَضَاءَتْ بِهَا بُيُوتُ مَكَّةَ، وفعل ذلك؟ ؟
стр. 6685
إِرْهَابًا لَهُمْ وَإِيثَارًا لِلْبُقْيَا عَلَيْهِمْ، لِيَنْقَادُوا إِلَى الصُّلْحِ وَالطَّاعَةِ، وَلَوْ أَرَادَ اصْطِلَامَهُمْ لَفَاجَأَهُمْ بِالدُّخُولِ، وَلَكِنَّهُ أَنْذَرَ وَحَذَّرَ فَلَمَّا خَفِيَ عَلَيْهِمْ مَنْ نَزَلَ بِهِمْ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَتَحَسَّسُونَ الْأَخْبَارَ، وَقَالَ الْعَبَّاسُ وَأَشْيَاخُ قُرَيْشٍ: وَاللَّهِ لَئِنْ دَخَلَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - عنوة إنه لهلاك قريش آخر الدهر، فركب بَغْلَةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - الشهباء وتوجه إلى مكة؛ ليعلم قريش حَتَّى يَسْتَأْمِنُوهُ فَبَيْنَمَا هُوَ بَيْنَ الْأَرَاكِ لَيْلًا وإذا سَمِعَ كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ فَعَرَفَ صَوْتَهُ، فَتَعَارَفَا وَاسْتَخْبَرَهُ عَنِ الْحَالِ، فَأَخْبَرَهُ بِنُزُولِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فِي عَشَرَةِ آلَافٍ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِهَا فَاسْتَشَارَهُ، فَقَالَ تَأْتِيهِ فِي جِوَارِي فَتُسْلِمُ، وَتَسْتَأْمِنُهُ لِنَفْسِكَ وَقَوْمِكَ، وَأَرْدَفَهُ عَلَى عَجُزِ الْبَغْلَةِ، وَعَادَ مُسْرِعًا بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فَأَخْبَرَهُ بِحَالِهِ فَقَالَ: اذْهَبْ بِهِ فَقَدْ أَمَّنَاهُ حَتَّى تَأْتِيَنِي بِهِ مِنَ الْغَدِ، فَلَمَّا أَصْبَحَ أتاه به وفأسلم وَعَقَدَ مَعَهُ الْأَمَانَ لِأَهْلِ مَكَّةَ، عَلَى أَنْ لَا يُقَاتِلُوهُ فَقَالَ الْعَبَّاسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبُّ الْفَخْرَ، فَقَالَ: ﵇: مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، من دَخَلَ دَارَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ فَهُوَ آمِنٌ من ألقى سلاحه فهو آمن من أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ " فَكَانَ عَقْدُ الْأَمَانِ مُتَعَلِّقًا بِهَذَا الشَّرْطِ.
وَهَذَا يُخَالِفُ حُكْمَ الْعَنْوَةِ فَدَلَّ عَلَى انْعِقَادِ الصُّلْحِ وُجُودُ هَذَا الشَّرْطِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - لما أَمَّنَ أَبَا سُفْيَانَ، وَعَقَدَ مَعَهُ أَمَانَ قُرَيْشٍ عَلَى الشُّرُوطِ الْمُقَدَّمَةِ، أَنْفَذَهُ؟ إِلَى مَكَّةَ مَعَ الْعَبَّاسِ ثُمَّ اسْتَدْرَكَ مَكْرَ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَنْفَذَ إِلَى الْعَبَّاسِ أَنْ يَسْتَوْقِفَ أَبَا سُفْيَانَ بِمَضِيقِ الْوَادِي: لِيَرَى جُنُودَ اللَّهِ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: أَغَدْرًا يَا بَنِي هَاشِمٍ: فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ بَلْ أَنْتَ أَغْدَرُ وَأَفْجَرُ، وَلَكِنْ لِتَرَى جُنُودَ اللَّهِ فِي إِعْزَازِ دِينِهِ وَنُصْرَةِ رَسُولِهِ، فَلَوْ كَانَ دُخُولُهُ عَنْوَةً لَمْ يَقُلْ أَبُو سُفْيَانَ: أَغَدْرًا، وَلَمْ يَجْعَلِ اسْتِيقَافَهُ غَدْرًا، فَلَمَّا أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بَعْدَ كَتَائِبِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ: قَالَ أَبُو سُفْيَانَ لِلْعَبَّاسِ: لَقَدْ أُوتِيَ ابْنُ أَخِيكَ مُلْكًا عَظِيمًا: فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ: وَيْحَكَ إِنَّهَا النُّبُوَّةُ فَقَالَ: نَعَمْ إِذًا، ثُمَّ أَرْسَلَهُ الْعَبَّاسُ إِلَى مَكَّةَ مُنْذِرًا لِقَوْمِهِ؟ بِالْأَمَانِ، فَأَسْرَعَ حَتَّى دَخَلَ مَكَّةَ، فَصَرَخَ فِي الْمَسْجِدِ: فَقَالَ: يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، هَذَا مُحَمَّدٌ قَدْ جَاءَ بِمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ، قَالُوا: فَمَهْ، قَالَ: مَنْ دَخَلَ دَارِي فَهُوَ آمِنٌ، قَالُوا: وَمَا تُغْنِي عَنَّا دَارُكَ، قال: من دخل المسجد فهو آمن من أغلق بابه فهو آمن من أَلْقَى سِلَاحَهُ فَهُوَ آمِنٌ، فَحِينَئِذٍ كَفُّوا وَاسْتَسْلَمُوا، وَهَذَا مِنْ شَوَاهِدِ الصُّلْحِ دُونَ الْعَنْوَةِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ رَايَةَ الْأَنْصَارِ كَانَتْ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عِنْدَ دُخُولِهِ مَكَّةَ، فَقَالَ سَعْدٌ وَهُوَ يُرِيدُ دُخُولَهَا:
(الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَة ... الْيَوْمَ تُسْبَى الْحُرْمَة)
الْيَوْمَ يَوْمٌ يُذِلُّ اللَّهُ قُرَيْشًا.
стр. 6686
فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - فَعَزَلَهُ عَنِ الرَّايَةِ وَسَلَّمَهَا إِلَى ابْنِهِ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ وَقَالَ
(الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَهْ ... الْيَوْمَ تُسْتَرُ فِيهِ الْحُرْمَهْ)
الْيَوْمَ يُعِزُّ اللَّهُ قُرَيْشًا.
فَجَعلَهُ يَوْمَ مَرْحَمَةٍ، وَأَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ مَلْحَمَةٍ، فَدَلَّ عَلَى الصُّلْحِ دُونَ الْعَنْوَةِ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَدَّمَ أَمَامَهُ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ، وَمَعَهُ رَايَتُهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ الْعُلْيَا، وَهِيَ أَعْلَى مَكَّةَ، وَفِيهَا دَارُ أَبِي سُفْيَانَ، وَأَنْفَذَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ؛ لِيَدْخُلَ مِنَ اللَّيْطِ، وَهِيَ أَسْفَلَ مَكَّةَ، وَفِيهَا دَارُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَوَصَّاهُمَا أَنْ لَا يُقَاتِلَا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمَا عَلَى مَا قَرَّرَهُ مِنَ الشَّرْطِ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ، فَأَمَّا الزُّبَيْرُ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ أَحَدٌ، وَدَخَلَ حَتَّى غَرَسَ الرَّايَةَ بِالْحَجُونِ، وَأَمَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَإِنَّهُ لَقِيَهُ جَمْعٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَحُلَفَائِهِمْ بَنِي بَكْرٍ، فِيهِمْ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو وَقَاتَلُوهُ، فَقَاتَلَهُمْ حَتَّى قَتَلَ مِنْ قُرَيْشٍ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا، وَمِنْ هُذَيْلَ أَرْبَعَةَ رِجَالٍ، وَلُّوا مُنْهَزِمِينَ، فَلَمَّا رَأَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - البارقة على رؤوس الْجِبَالِ، قَالَ مَا هَذَا، وَقَدْ نَهَيْتُ خَالِدًا عَنِ الْقِتَالِ " فَقِيلَ لَهُ: إِنَّ خَالِدًا قُوتِلَ فَقَاتَلَ: فَقَالَ: " قَضَى اللَّهُ خَيْرًا " وَأَنْفَذَ إِلَيْهِ أن يرفع السَّيْفَ، وَهَذَا مِنْ دَلَائِلِ الصُّلْحِ دُونَ الْعَنْوَةِ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عَنْوَةً لَمْ يَذْكُرِ الْقِتَالَ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهُ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - فِي يَوْمِ الْفَتْحِ حِينَ سَارَ لِدُخُولِ مَكَّةَ كان يسير أَبِي بَكْرٍ وَأُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ عَلَى نَاقَتِهِ لقصوى، وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ، وَلَوْ دَخَلَهَا مُحَارِبًا لَرَكِبَ فَرَسًا، ثُمَّ قَصَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَنَّهُ رَأَى فِي الْمَنَامِ أَنَّ كَلْبَةً أَقْبَلَتْ مِنْ مَكَّةَ فَاسْتَلْقَتْ عَلَى ظَهْرِهَا، وَانْفَتَحَ فَرْجُهَا، وَدُرَّ لَبَنُهَا فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: ذَهَبَ كَلْبُهُمْ، وأقبل خيرهم وسيتضرعون إليك بالرحم، ثم خرج نِسَاءُ مَكَّةَ فَلَطَّخْنَ وُجُوهَ الْخَيْلِ بِالْخَلُوقِ، وَفِيهِمْ قتيلة بنت النضير بْنِ الْحَارِثِ، فَاسْتَوْقَفَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - فَوَقَفَ لَهَا، وَكَانَ قَتَلَ أَبَاهَا النَّضْرَ بْنَ الحارث صبرا فأنشدته:
(يا راكبا إن الأثيا مَظِنَّةٌ ... عَنْ صُبْحِ خَامِسَةٍ وَأَنْتَ مُوَفَّقُ)
(بَلِّغْ بِهِ مَيْتًا فَإْنَّ تَحِيَّةً ... مَا إِنْ تَزَالُ بِهَا الرَّكَائِبُ تَخْفُقُ)
(مِنِّي إِلَيْهِ وَغَيْرَةٌ مَسْفُوحَةٌ ... جادت لمانحها وأخرى تخنق)
(أمحمد ها أنت صنو نجيبة ... من فوقها وَالْفَحْلُ فَحُلٌ مُعْرِقُ)
(فَالنَّضْرُ أَقْرَبُ مَنْ قَتَلْتَ قَرَابَةً ... وَأَحَقُّهُمْ إِنْ كَانَ عِتْقًا يُعْتَقُ)
(مَا كان ضرك لو منت ... وربما من الفتى وهو المغيظ المخنق)
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: " لَوْ كُنْتُ سَمِعْتُ شِعْرَهَا مَا قَتَلْتُهُ وَلَمَّا رَأَى الْخَلُوقَ عَلَى خَيْلِهِ، وَالنِّسَاءُ يَمْسَحُونَ وُجُوهَ الْخَيْلِ بِخُمُورِهِنَّ، قَالَ: " لِلَّهِ دَرُّ حَسَّانَ، كَأَنَّمَا ينطق عن
стр. 6687
رُوحِ الْقُدُسِ، فَقَالَ لَهُ الْعَبَّاسُ، كَأَنَّكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - تريد قوله:
(عدمنا خيلنا إن لم نروها ... تنير النقع موعدها كَدَاءُ)
(تُنَازِعُنَا الْأَعِنَّةُ مُسْرِعَاتٍ ... يُلَطِّمُهُنَّ بِالْخُمُرِ النِّسَاءُ)
(فإن أعرضتم عنا اعتمرنا وكان ... الفتح وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ)
(وَإِلَّا فَاصْبِرُوا لِجَلَادِ يَوْمٍ ... يُعِزُّ اللَّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ)
فَقَالَ: نَعَمْ، وَدَخَلَ مَكَّةَ وَابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ، وَهُوَ ضَرِيرٌ بَيْنَ يَدَيْهِ، وَهُوَ يَقُولُ:
(يَا حَبَّذَا مَكَّةُ مِنْ وَادِي ... أَرْضٌ بِهَا أَهْلِي وَعُوَّادِي)
(بِهَا أَمْشِي بِلَا هَادِي ... أرض بِهَا تَرْسَخُ أَوْتَادِي)
فَدَلَّتْ هَذِهِ الْحَالُ فِي اسْتِقْبَالِ النِّسَاءِ وَسُكُونِ النُّفُوسِ إِلَيْهِ وَالرُّؤْيَا الَّتِي قَصَّهَا عَلَى الصُّلْحِ دُونَ الْعَنْوَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - اسْتَثْنَى يَوْمَ الْفَتْحِ قَتْلَ سِتَّةٍ مِنَ الرِّجَالِ، وَأَرْبَعٍ مِنَ النِّسَاءِ، وَإِنْ تَعَلَّقُوا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ.
فَأَمَّا الرِّجَالُ: فَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَهَبَّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ، وَالْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ خَطَلٍ.
وَأَمَّا النِّسْوَةُ، فَهِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ، وَسَارَّةُ مَوْلَاةُ عَمْرِو بْنِ هَاشِمٍ، وَبِنْتَانِ لِابْنِ خَطَلٍ، فَقُتِلَ مِنَ الرِّجَالِ ثَلَاثَةٌ ابْنُ خَطَلٍ تَعَلَّقَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ، فَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ، وَأَمَّا مَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ فَقَتَلَهُ نُمَيْلَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَأَمَّا الْحُوَيْرِثُ بْنُ نُقَيْذٍ فَقَتَلَهُ عَلِيُّ بن أبي طالب وَقُتِلَتْ إِحْدَى بِنْتَيِ ابْنِ خَطَلٍ، وَاسْتُؤْمِنَ لِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ، فَدَلَّ اسْتِثْنَاءُ هَؤُلَاءِ النَّفَرِ عَلَى عموم الأمان، ولو لم يكن أمان لم يحتج إلى استثناء، وَقَدْ قَالَ زُهَيْرُ بْنُ أَبِي سُلْمَى فِي هَذَا الصُّلْحِ ما عير به قريش فَقَالَ
(وَأَعْطَيْنَا رَسُولَ اللَّهِ مِنَّا ... مَوَاثِيقًا عَلَى حسن التصادف)
(وأعطينا المقادة حين قلنا ... تعالوا بارزونا بالتقاف)
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ ضُرِبَتْ لَهُ بِالْحَجُونِ قُبَّةٌ أَدَمٌ عِنْدَ رَايَتِهِ الَّتِي رَكَزَهَا الزُّبَيْرُ، فَقِيلَ لَهُ هَلَّا نَزَلْتَ فِي دُورِكَ، فَقَالَ: " وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رَبْعٍ " وَلَوْ كَانَ دُخُولُهُ مَكَّةَ عَنْوَةً لَكَانَ، رِبَاعُ مَكَّةَ كُلُّهَا لَهُ، ثُمَّ بَدَأَ بِالطَّوَافِ عَلَى نَاقَتِهِ الْقصْوَى، وَكَانَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ صَنَمًا، وَكَانَ أَعْظَمَهَا هُبَلُ، وَهُوَ تُجَاهَ الْكَعْبَةِ، فَكَانَ كُلَّمَا مَرَّ بِصَنَمٍ مِنْهَا أَشَارَ إِلَيْهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ، وَقَالَ: " جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ، إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا " فَيَسْقُطُ الصَّنَمُ لِوَجْهِهِ وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ، ثُمَّ أَتَاهُ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ فَأَسْلَمُوا طَوْعًا وَكَرْهًا، وَبَايَعُوهُ، وَلَيْسَ هَذِهِ حَالَ مَنْ قَاتَلَ وَقُوتِلَ فَدَلَّتْ عَلَى الصُّلْحِ وَالْأَمَانِ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ -
стр. 6688
قَالَ: " لَمْ تَحِلَّ لِي غَنَائِمُ مَكَّةَ " وَالْعَنْوَةُ تُوجِبُ إِحْلَالَ غَنَائِمِهَا، فَدَلَّ عَلَى دُخُولِهَا صُلْحًا، وَفَقَدَتْ أُخْتُ أَبِي بَكْرٍ عُقْدًا لَهَا، فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ ﵁ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: ذَهَبَتْ أَمَانَاتُ النَّاسِ، وَلَوْ حَلَّتِ الْغَنَائِمُ لَمْ يَكُنْ أَخْذُهُ خِيَانَةً، تَذْهَبُ بِهَا الْأَمَانَةُ.
فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا لَمْ تَحِلَّ غِنَائِمُهَا؛ لِأَنَّهَا حَرَمُ اللَّهِ الَّذِي يُمْنَعُ مَا فِيهِ، فَعَنْهُ ثَلَاثُ أَجْوِبَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ عُمُومَ قَوْلِ الله تعالى: ﴿واعلموا أنما ما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [الأنفال: ٤١] يَمْنَعُ مِنْ تَخْصِيصِ الْحَرَمِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْنَعِ الْحَرَمُ مِنَ الْقَتْلِ، وَهُوَ أَغْلَظُ مِنَ الْمَالِ، حَتَّى قَتَلَ رَسُولُ الله ﷺ َ - مَنْ قَتَلَ كَانَ أَوْلَى أَنْ لَا يُمْنَعَ مِنْ غَنَائِمِ الْأَمْوَالِ، وَلَوْ مَنَعَهُمُ الْحَرَمُ مِنْ ذَلِكَ لَمَا احْتَاجُوا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - إِلَى أَمَانٍ.
وَالثَّالِثُ: أَنَّ مَا فِي الْكَعْبَةِ مِنَ الْمَالِ أَعْظَمُ حُرْمَةً، مِمَّا فِي مَنَازِلِ الرِّجَالِ
وَقَدْ رَوَى مُجَالِدٌ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - مَكَّةَ وَجَدَ فِي الْكَعْبَةِ مَالًا كَانَتِ الْعَرَبُ تُهْدِيهِ، فَقَسَّمَهُ فِي قُرَيْشٍ، فَكَانَ أَوَّلَ مَنْ دَعَاهُ لِلْعَطَاءِ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ، ثُمَّ دعى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ فَقَالَ: خُذْ كَمَا أَخَذَ قَوْمُكَ، فَقَالَ حَكِيمٌ: آخُذُ خَيْرًا أَوْ أَدَعُ قال: بل تدع قال: ومنك؟ قَالَ: وَمِنِّي " الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى " فَقَالَ: حَكِيمٌ لَا آخُذُ مِنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ أَبَدًا، فَلَمَّا لَمْ تَمَنَعِ الْكَعْبَةُ مَا فِيهَا وَحُرْمَةُ الْحَرَمِ بِهَا كَانَ الْحَرَمُ أَوْلَى أَنْ لَا يَمْنَعَ مَا فِيهِ لَكِنْ لَمَّا كَانَ مَا فِي الْحَرَمِ أَمْوَالٌ لِمَنْ قَدِ اسْتَأْمَنُوهُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِالْأَمَانِ، وَلَمَّا لَمْ يَكُنْ مَا فِي الْكَعْبَةِ مَالٌ لِمُسْتَأْمَنٍ لَمْ يَحْرُمْ عليه بالأمان.
فإن قيل: إنما لم يغنمها، وإن ملك غنائمها؛ لِأَنَّهُ عَفَا عَنْهَا كَمَا عَفَا عَنْ قَتْلِ النفوس، فهل يجوز له وللأمة بعده أن يعفو عَنِ الْقِتَالِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى الْمَحْضَةِ الْمُعْتَبَرَةِ بِالْمَصْلَحَةِ، وَلَيْسَ لَهُ وَلِلْأَئِمَّةِ بَعْدَهُ أَنْ يَعْفُوا عَنِ الْغَنَائِمِ، إِلَّا بِطِيبِ أَنْفُسِ الغانمين؛ لأن مِنْ حُقُوقِهِمْ، أَلَّا تَرَاهُ لَمَّا أَرَادَ الْعَفْوَ عن سبي هوازن استطاب نفوس الغانمين، حتى ضمن لمن لم تطب نفسه بِحَقِّهِ سِتَّ قَلَائِصَ عَنْ كُلِّ رَأْسٍ، وَمَا اسْتَطَابَ فِي غَنَائِمِ مَكَّةَ نَفْسَ أَحَدٍ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا لَمْ تُمْلَكْ لِأَجْلِ الْأَمَانِ الَّذِي انْعَقَدَ بِهِ الصُّلْحُ، فَلَمْ يَحْتَجْ فِيهَا إِلَى اسْتِطَابَةِ النُّفُوسِ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - يَنْفُذُ السَّرَايَا مِنْ مَكَّةَ إِلَى مَا حَوْلَهَا مِنْ عَرَفَاتٍ وَغَيْرِهَا، فَيَأْتُوهُ بِغَنَائِمِهَا؛ لِأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَمَانٌ.
وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا كَانَ أَبُو حَامِدٍ الْمَرْوَزِيُّ يَعْتَمِدُهُ أَنَّ نَقْلَ الْمُوجِبِ يُغْنِي عَنْ نَقْلِ الْمُوجَبِ وَمُوجِبُ الْعَنْوَةِ الْقَتْلُ وَالْغَنِيمَةُ، وَمُوجِبُ الصُّلْحِ الْعَفْوُ وَالْمَنُّ، فَلَمَّا عَفَا وَمَنَّ، وَلَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَغْنَمْ، وَأَنْكَرَ حِينَ رَأَى خَالِدًا قَدْ قُتِلَ كَانَ هَذَا دَلِيلًا عَلَى الصُّلْحِ، وَمَانِعًا مِنَ الْعَنْوَةِ وَصَارَ الصُّلْحُ كَالْمَنْقُولِ لِنَقْلِ مُوجِبِهِ مِنَ الْعَفْوِ.
стр. 6689
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ [النصر: ١] فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْفَتْحَ يَنْطَلِقُ عَلَى الصُّلْحِ وَالْعَنْوَةِ؛ لِقَوْلِهِمْ: فُتِحَتْ مَكَّةُ صُلْحًا، وَفُتِحَتْ عَنْوَةً؛ لِأَنَّ الْفَتْحَ هُوَ الظَّفَرُ بِالْبَلَدِ بَعْدَ امْتِنَاعِهِ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ ظَفَرٌ بِمُمْتَنَعٍ.
وَالثَّانِي: أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ فُتُوحِهِ كُلِّهَا، فَكَانَتْ خَبَرًا عَنْ مَاضِيهَا قَالَ مُقَاتِلٌ: نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ الطَّائِفِ، وَالطَّائِفُ آخِرُ فُتُوحِهِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - إِنَّ آخِرَ وَطْأَةٍ وَطِئَهَا اللَّهُ بِوَجٍّ " يَعْنِي آخَرَ مَا أَظْفَرَ اللَّهُ بِالْمُشْرِكِينَ بِوَجٍّ وَوَجٌّ هِيَ الطَّائِفُ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فَرِحَ بِهَا أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ﵄ وَبَكَى الْعَبَّاسُ لَهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: مَا يُبْكِيكَ يَا عَمِّ قَالَ: نُعِيَتْ إِلَيْكَ نَفْسُكَ قَالَ: إِنَّهُ لَكمَا تَقُولُ، وَسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ سُورَةَ التَّوْدِيعِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح: ١] فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مَا حَكَاهُ الشَّعْبِيُّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ؛ لِأَنَّهُ أَصَابَ فِيهَا مَا لَمْ يُصِبْ فِي غَيْرِهَا بُويِعَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ، وَأُطْعِمُوا نَخْلَ خَيْبَرَ، وَظَهَرَتِ الرُّومُ عَلَى فَارِسَ، تَصْدِيقًا لِخَبَرِهِ وَبَلَغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ.
وَالثَّانِي: أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي فَتْحِ مَكَّةَ، وَالْفَتْحُ يَكُونُ عَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ:
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] فَهُوَ أَنَّ الْكَفَّ يَمْنَعُ مِنَ الْقِتَالِ، وَقَوْلُهُ ﴿مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٢٤] فَهُوَ أَنَّهُ قَدْ أَظْفَرَهُ بِهِمْ حِينَ لَمْ يُقَاتِلُوهُ وَاسْتَسْلَمُوا عَفْوًا، فَكَانَ أَبْلَغَ الظَّفَرِ بَعْدَ الْمُحَارَبَةِ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا نَزَلَتْ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ وَأَنَّ قَوْلَهُ: ﴿بِبَطْنِ مكة﴾ يَعْنِي الْحَرَمَ، وَحُكِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَضْرِبَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فِي الْحُدَيْبِيَةِ قَدْ كَانَ فِي الْحِلِّ، وَمُصَلَّاهُ فِي الْحَرَمِ، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِمَكَّةَ عَنِ الْحَرَمِ، وهذا تكلف فِي الْجَوَابِ يُخَالِفُ الظَّاهِرَ.
فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قوله تعالى: ﴿قاتلوهم يعذبهم الله بأيدكم﴾ [التوبة: ١٤] فَهُوَ أَنَّهُ أُمِرَ بِقِتَالِهِمْ إِنِ امْتَنَعُوا، وَبِالْكَفِّ عَنْهُمْ إِنِ اسْتَسْلَمُوا؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾ [الأنفال: ٦١] وَهُمْ يَوْمَ الْفَتْحِ اسْتَسْلَمُوا وَلَمْ يَمْتَنِعُوا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قوله: ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ﴾ [محمد: ٣٥] فَهُوَ أَنَّ النَّهْيَ تَوَجَّهَ إِلَى أَنْ يَدْعُوَ الْمُسْلِمُونَ إِلَى الصُّلْحِ، وَهُمْ مَا دَعَوْا إِلَيْهِ وَإِنَّمَا دَعَا إِلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ، فَخَرَجَ عَنِ النَّهْيِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الِاسْتِدْلَالِ بِصِفَةِ مَسِيرِهِ وَقَسَمِهِ بِاللَّهِ أن يغزوهم ودخوله إليه بِسُيُوفٍ مَشْهُورَةٍ وَرَايَاتٍ مَنْشُورَةٍ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ
стр. 6690
أَحَدُهُمَا: أَنَّ الصُّلْحَ وَالْأَمَانَ تَحَدَّدَ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ، فَلَا اعْتِبَارَ بِمَا كَانَ قَبْلَهُ، وَقَسَمُهُ أَنْ يغزوهم فقد قال فيه " إنشاء اللَّهُ فَاسْتَثْنَى عَلَى أَنَّهُ قَدْ غَزَاهُمْ؛ لِأَنَّهُ قَهَرَهُمْ وَدَخَلَ عَلَيْهِمْ غَالِبًا "
وَالثَّانِي: أَنَّ نَشْرَ الرَّايَاتِ وَسَلَّ السُّيُوفِ مِنْ عَادَاتِ الْجُيُوشِ فِي الصلح والعنوة، وإنما يقع بين الفرق الْحَالَتَيْنِ بِالْقِتَالِ وَالْمُحَارَبَةِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّهُ دَخَلَهَا عَنْوَةً مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمَّا دَخَلَهَا عَلَى كُرْهٍ مِنْهُمْ وَظُهُورٍ عَلَيْهِمْ صَارَ مَوْصُوفًا بِالْعَنْوَةِ.
وَالثَّانِي: أَنَّ الْعَنْوَةَ الْخُضُوعُ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: ١١١] أَيْ: خَضَعَتْ، وَهُمْ قَدْ خَضَعُوا حِينَ اسْتَسْلَمُوا لِأَمَانِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ " احْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الصَّفَا " فَمِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ قَالَ قَبْلَ نُزُولِهِ بِمَرِّ الظَّهْرَانِ وَعَقْدِ الْأَمَانِ مَعَ أَبِي سُفْيَانَ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرِ ابن الْمُنْذِرِ رَوَى أَنَّهُ قَالَ: " احْصُدُوهُمْ غَدًا حَصْدًا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الصَّفَا " وَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ فِي كِتَابِ " الْأَمْوَالِ " عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى مَنْ قَاتَلَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَسْفَلَ مَكَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ وَبُنِيَ نُفَاثَةَ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ: لَوْ كَانَ صُلْحًا لَأَمِنَ جَمِيعُ النَّاسِ وَلَمْ يَخُصَّهُ بِمَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ وَأَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ أَنَّهُ جَعَلَ عَقْدَ الْأَمَانِ مُعَلَّقًا بِهَذَا الشَّرْطِ، فَصَارَ خَاصًّا فِي اللَّفْظِ عَامًّا فِي الْحُكْمِ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ، لِقُرَيْشٍ " أَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ " فَهُوَ لِأَنَّهُ أَمَّنَهُمْ بَعْدَ الْخَوْفِ، وَأَحْسَنَ إِلَيْهِمْ بَعْدَ إِسَاءَتِهِمْ، وَصَفَحَ عَنْهُمْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِمْ، فَصَارُوا بِتَرْكِ الْمُؤَاخَذَةِ، طُلَقَاءَ وَبِالْإِحْسَانِ عُتَقَاءَ، وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أَمَّ هَانِئٍ " فَهُوَ أَنَّ الرَّجُلَيْنِ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُمَا شَرْطُ الْأَمَانِ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا شَاكَّيْنِ فِي سِلَاحِهِمَا، وَقَدْ عَلَّقَ شَرْطَ الْأَمَانِ بِإِلْقَاءِ السِّلَاحِ وَغَلْقِ الْأَبْوَابِ فَبَقِيَا عَلَى حُكْمِ الْأَصْلِ؛ فَلِذَلِكَ اسْتَجَازَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵇ أَنَّ يَقْتُلَهُمَا حَتَّى اسْتَجَارَا بِأُمِّ هَانِئٍ، فَأَمَّنَهُمَا رَسُولُ الله ﷺ َ -.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ " كُلُّ الْبِلَادِ فُتِحَتْ بِالسَّيْفِ إِلَّا الْمَدِينَةَ " فَهُوَ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ الْبِلَادِ فُتِحَتْ بِالْخَوْفِ مِنَ السَّيْفِ إِلَّا الْمَدِينَةَ وَلَمْ تَرِدِ به الْعَنْوَةُ وَالصُّلْحُ؛ لِأَنَّهُ قَدْ فَتَحَ بَعْضَ الْبِلَادِ صُلْحًا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ حَبَسَ الْفِيلَ عَنْ مَكَّةَ وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رسوله " فهو
стр. 6691
مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ الْفِيلَ لَمْ يَظْفَرْ بِهَا، وَلَا دَخَلَهَا، وَأَظْفَرَ اللَّهُ رَسُولَهُ بِهَا حَتَّى دَخَلَهَا.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ حِمَاسِ بْنِ قَيْسٍ، وَمَا أَنْشَدَهُ مِنْ شِعْرِهِ: فَهُوَ أَنَّهُ كَانَ حَلِيفَ بَنِي بَكْرٍ الَّذِينَ قَاتَلُوا خَالِدًا، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قُرَيْشٍ الْقَابِلِينَ لِأَمَانِ رَسُولِ الله ﷺ َ - ثُمَّ قَدْ أمَّنَ مَنْ أَلْقَى سِلَاحَهُ، وَأَغْلَقَ بَابَهُ، فَلَئِنْ دَلَّ أَوَّلُ أَمْرِهِ عَلَى الْعَنْوَةِ، فَلَقَدْ دَلَّ آخِرُهُ عَلَى الصُّلْحِ، وَابْتَدَأَ بِالْقِتَالِ بِجَهْلِهِ بِعَقْدِ الْأَمَانِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى شَرْطِ الْأَمَانِ حِينَ عَلِمَ بِهِ.
وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِأَنَّ عَقْدَ الصُّلْحِ مَا تَرَدَّدَتْ فِيهِ الرُّسُلُ وَكُتِبَ فِيهِ الصُّحُفَ كَالْحُدَيْبِيَةِ، فَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ صُلْحٌ عَلَى الْمُوَادَعَةِ وَالْكَفِّ، فَاحْتَاجَ إِلَى الرُّسُلِ وَكَتْبِ الصُّحُفِ وَهَذَا أَمَانُ اسْتِسْلَامٍ وَتَمْكِينٍ عُلِّقَ بِشَرْطٍ، فَاسْتَغْنَى فِيهِ عَنْ تَرَدُّدِ الرُّسُلِ وَكَتْبِ الصُّحُفِ وَاقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى أَخْبَارِ أَبِي سُفْيَانَ وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ بِحَالِهِ، وَذِكْرِهِ لِقُرَيْشٍ مَا تَعَلَّقَ بِشَرْطِهِ، وَاقْتَصَرَ مِنْ قَبُولِهِمْ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ دُونَ الرِّضَا وَالِاخْتِبَارِ.
(فَصْلٌ)
: وَإِذْ قَدْ مَضَتْ دَلَائِلُ الْفَتْحِ فِي الْعَنْوَةِ وَالصُّلْحِ، فَالَّذِي أَرَاهُ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ نَقْلُ هَذِهِ السِّيرَةِ وَشُرُوطِ الْأَمَانِ فِيهَا لِمَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْهُ مَنْ قَاتَلَ: أَنَّ أَسْفَلَ مَكَّةَ دَخْلَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَنْوَةً، وَأَعْلَى مَكَّةَ دَخَلَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ صُلْحًا؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - بَعْدَ عَقْدِ الْأَمَانِ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ، وَبَعَثَ الزُّبَيْرَ مِنْ أَعْلَاهَا، وَأَمَرَهُمَا أَنْ لَا يُقَاتِلَا إِلَّا مَنْ قَاتَلَهُمَا، فَأَمَّا خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَإِنَّهُ دَخَلَ مِنْ أَسْفَلِ مَكَّةَ فَقُوتِلَ فَقَاتَلَ، فَلَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ قَبُولُ الشَّرْطَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنَّمَا قَاتَلَهُ بَنُو بَكْرٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِمَكَّةَ دَارٌ، وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ فِي مُقَاتَلَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ أبي جهل وصفوان بن أمية وسهيل بن عَمْرٍو، وَهُمْ مِنْ أَكَابِرِ قُرَيْشٍ وَأَعْيَانِ أَهْلِ مَكَّةَ وَهِيَ دَارُهُمْ، وَأَمَّا الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ فَإِنَّهُ دَخَلَ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ فَلَمْ يُقَاتِلْهُ أَحَدٌ، وَلَا قَاتَلَ أَحَدًا، فَوَجَدَ شَرْطَ الْأَمَانِ مِنْهُمْ فَانْعَقَدَ الصُّلْحُ لَهُمْ، وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - وجميع جيشه من جهة الزبير ابن الْعَوَّامِ، فَصَارَ حُكْمُ جَبْهَتِهِ هُوَ الْأَغْلَبُ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - بِمَكَّةَ الْتَزَمَ أَمَانَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ، وَاسْتَأْنَفَ أَمَانَ مَنْ قَاتَلَ، وَلِذَلِكَ اسْتَجَدَّ لِعِكْرِمَةَ بْنِ أبي جهل وصفوان ابن أُمَيَّةَ أَمَانًا، وَأَمَّنَ مَنْ أَجَارَتْهُ أُمُّ هَانِئٍ، وَلَمْ يَغْنَمْ أَسْفَلَ مَكَّةَ؛ لِأَنَّ الْقِتَالَ كَانَ عَلَى جِبَالِهَا، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا، فَهَذَا مَا اقْتَضَاهُ نَقْلُ السِّيرَةِ وَشَوَاهِدُ حَالِهَا.
فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ لَمَّا قَاتَلَ خَالِدٌ وَقَتَلَ: " اللَّهُمَّ إِنِّي أَبْرَأُ إِلَيْكَ مِمَّا صَنَعَ خَالِدٌ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ خَالِدًا قَاتَلَ وَقَتَلَ بِغَيْرِ حَقٍّ، ففِيهِ وَجْهَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّ هَذَا، قَالَهُ لِخَالِدٍ فِي غَيْرِ يَوْمِ الْفَتْحِ؛ لِأَنَّهُ بَعَثَهُ بَعْدَ اسْتِقْرَارِ الْفَتْحِ سَرِيَّةً مِنْ مَكَّةَ إِلَى بَنِي جذيمة من كنانة، وكانوا أسفل من مكة عَلَى لَيْلَةٍ مِنْهَا نَاحِيَةَ يَلَمْلَمَ لِيَدْعُوهُمْ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَأَتَاهُمْ وَقَدْ أَسْلَمُوا وَصَلُّوا، فَقَتَلَ مَنْ ظَفَرَ بِهِ مِنْهُمْ، فَلَمَّا
следующие страницы →