← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6157

الحاوي الكبير

الماوردي

Полный текст (8 408 стр.). Показаны 6763–6802 · переход к 6768.

стр. 6763

حَتَّى مَضَى لَمْ يَجُزْ أَنْ يُطَالِبَهُمْ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ إِذَا جُعِلَ تَبَعًا لِلدِّينَارِ، وَجَازَ أَنْ يُطَالِبَهُمْ بِهِ عَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي إِذَا جُعِلَ مَقْصُودًا كَالدِّينَارِ. وَلَوْ تَكَاثَرَ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَلَى ضَيْفٍ تَنَازَعُوهُ كَانَ الْخِيَارُ إِلَى الضَّيْفِ دُونَ الْمُضِيفِ فِي نُزُولِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ، وَلَوْ تَكَاثَرَ الْأَضْيَافُ عَلَى الْمُضِيفِ كَانَ الْخِيَارُ إِلَى الْمُضِيفِ دُونَ الأضياف إلى أن يقصد عَدَدُ أَهْلِ النَّاحِيَةِ عَنْ إِضَافَةِ جَمِيعِهِمْ، فَيُقْرَعَ بَيْنَهُمْ، وَيُضِيفُ كُلُّ وَاحِدِ مِنْهُمْ مَنْ قَرَعَ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَكُونَ لِلْأَضْيَافِ عَرِّيفٌ يَكُونُ هُوَ الْمُرَتِّبَ لَهُمْ، لِيَنْقَطِعَ التَّنَازُعُ بَيْنَهُمْ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْفَصْلُ الثَّالِثُ: فِي بَيَانِ الضِّيَافَةِ، فَيُعْتَبَرُ فِيهَا ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ: أَحَدُهَا: عَدَدُ الْأَضْيَافِ. وَالثَّانِي: أَيَّامُ الضِّيَافَةِ. وَالثَّالِثُ: قَدْرُ الضِّيَافَةِ. فَأَمَّا الشَّرْطُ الْأَوَّلُ: فِي عَدَدِ الْأَضْيَافِ، فَهُوَ أَنْ يُشْتَرَطَ عَلَى الْمُوسِرِ مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مِنْ خَمْسَةٍ إِلَى عَشَرَةٍ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ مِنْ ثَلَاثَةٍ إِلَى خَمْسَةٍ بِحَسَبِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ التَّرَاضِي، لِيُضِيفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ الْقَدْرَ الْمَشْرُوطَ عَلَيْهِ فِي يَسَارِهِ وَتَوَسُّطِهِ، فَإِنْ سَوَّى بَيْنِ الْمُوسِرِ وَالْمُتَوَسِّطِ فِي عَدَدِ الْأَضْيَافِ جَازَ مَعَ الْمُرَاضَاةِ كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُسَوَّى بَيْنَهُمْ فِي دِينَارِ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ شَرَطَ عَلَى جَمِيعِ النَّاحِيَةِ عَدَدًا مِنَ الْأَضْيَافِ كَأَنَّهُ شَرَطَ عَلَى النَّاحِيَةِ ضِيَافَةَ أَلْفِ رَجُلٍ جَازَ، وَاجْتَمَعُوا عَلَى تَقْسِيطِ الْأَلْفِ بَيْنَهُمْ عَلَى مَا يُنْفِقُونَ عَلَيْهِ مِنْ تُفَاضِلٍ أَوْ تَسَاوٍ، فَإِنِ اخْتَلَفُوا، وَتَنَازَعُوا إِلَيْنَا قُسِّطَتْ بَيْنَهُمْ عَلَى التَّسَاوِي دُونَ التَّفَاضُلِ، فَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ جِزْيَةُ رؤوس تَفَاضَلُوا فِيهَا، فَفِي اعْتِبَارِ الضِّيَافَةِ بِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَتَفَاضَلُونَ فِي الضِّيَافَةِ، بِحَسَبِ تَفَاضُلِهِمْ فِي جزية الرؤوس إِذَا جُعِلَتِ الضِّيَافَةُ تَبَعًا. وَالثَّانِي: يَتَسَاوَوْنَ فِي الضِّيَافَةِ، وَإِنْ تَفَاضَلُوا فِي الْجِزْيَةِ إِذَا جُعِلَتِ الضِّيَافَةُ أَصْلًا. وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّانِي: فِي أَيَّامِ الضِّيَافَةِ: فَالْعُرْفُ وَالشَّرْعُ فِيهَا لِكُلِّ ضَيْفٍ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ أَمَّا الْعُرْفُ فَمَشْهُورٌ فِي النَّاسِ تَقْدِيرُهَا بِالثَّلَاثِ وَأَمَّا الشَّرْعُ: فَلِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ - الضِّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا مَكْرُمَةٌ. وَرُوِيَ " صَدَقَةٌ "، وَلِأَنَّ الضِّيَافَةَ مُسْتَحَقَّةٌ لِلْمُسَافِرِ وَمُقَامُهُ فِي سَفَرِهِ ثَلَاثٌ، وَمَا زَادَ عَلَيْهَا مُغَيِّرٌ لحكم السفر إلى الإقاة، وَالضِّيَافَةُ لَا يَسْتَحِقُّهَا مُقِيمٌ، فَإِنْ زَادَ فِي الشرط

стр. 6764

عَلَى ثَلَاثٍ أَوْ نَقَصَ مِنْهَا كَانَ الشَّرْطُ أَحَقَّ مِنْ مُطْلَقِ الشَّرْعِ وَالْعُرْفِ، وَيَذْكَرُ عَدَدَ أَيَّامِ الضِّيَافَةِ فِي السَّنَةِ أَنَّهَا مِائَةُ يَوْمٍ أَوْ أَقَلُّ، أَوْ أَكْثَرُ لِيَكُونَ أَنْفَى لِلْجَهَالَةِ، فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ عَدَدَ الضِّيَافَةِ، وَأَيَّامَهَا فِي السَّنَةِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ عِنْدَ قُدُومِ كُلِّ قَوْمٍ كَانَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الضِّيَافَةِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ إِذَا جُعِلَتْ تَبَعًا. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ إِذَا جُعِلَتْ أَصْلًا. وَأَمَّا الشَّرْطُ الثَّالِثُ: فَهُوَ قَدْرُ الضِّيَافَةِ، فَمُعْتَبَرَةٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: جِنْسُ الطَّعَامِ، وَذَلِكَ غَالِبُ أَقْوَاتِهِمْ مِنَ الْخُبْزِ وَالْأُدْمِ، فَإِنْ كَانُوا يَقْتَاتُونَ الْحِنْطَةَ، ويتأدمون باللحم، فإن عليهم يُضِيفُوهُمْ بِخُبْزِ الْحِنْطَةِ وَأُدْمِ اللَّحْمِ. وَإِنْ كَانُوا يَقْتَاتُونَ الشَّعِيرَ، وَيَتَأَدَّمُونَ بِالْأَلْبَانِ أَضَافُوهُمْ مِنْهُ أَوْ بِمَا سِوَى ذَلِكَ مِمَّا هُوَ غَالِبُ قُوتِهِمْ وَإِدَامِهِمْ، وَإِنْ كَانَتْ لَهُمْ ثِمَارٌ وَفَوَاكِهُ يَأْكُلُونَهَا غَالِبًا فِي كُلِّ يَوْمٍ شَرَطَهَا عَلَيْهِمْ فِي زَمَانِهَا وَلَيْسَ لِلْأَضْيَافِ أَنْ يُكَلِّفُوهُمْ مَا لَيْسَ بِغَالِبٍ مِنْ أَقْوَاتِهِمْ، وَإِدَامِهِمْ، وَلَا ذَبْحَ حُمْلَانِهِمْ وَدَجَاجِهِمْ، وَلَا الْفَوَاكِهَ النَّادِرَةَ وَالْحَلْوَى الَّتِي لَا تُؤْكَلُ فِي يَوْمٍ غَالِبًا، وَلَا مَا لَمْ يَتَضَمَّنْهُ شَرْطُ صُلْحِهِمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: مِقْدَارُ الطَّعَامِ وَالْإِدَامِ، وَلِلطَّعَامِ فِي الشَّرْعِ أَصْلٌ أَكْثَرُهُ " مُدَّانِ " مِنْ حَبٍّ فِي فِدْيَةِ الْأَذَى، وَأَقَلُّهُ " مُدٌّ " فِي كَفَّارَةِ الْأَيْمَانِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ يَحْتَاجُ أَحَدٌ فِي الْأَغْلَبِ إِلَى أَكْثَرَ مِنْ " مُدَّيْنِ " وَلَا يَقْتَنِعُ فِي الْأَغْلَبِ بِأَقَلَّ مِنْ " مُدٍّ " و " الْمُدُّ " رِطْلٌ وَثُلُثٌ، وَيَكُونُ خُبْزُهُ رَطْلَيْنِ، وَالْمُدَّانِ أَرْبَعَةُ أَرْطَالٍ خُبْزًا. فَأَمَّا الْإدَامُ، فَلَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ، فَيَكُونُ مِقْدَارُهُ مُعْتَبَرًا بِالْعُرْفِ الْغَالِبِ يَشْرِطُ لِكُلِّ ضَيْفٍ مِنَ الْخُبْزِ كَذَا، فَإِنْ ذَكَرَ أَقَلَّ مِنْ رِطْلَيْنِ لَمْ يَقْتَنِعْ، وَإِنْ ذَكَرَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةٍ لَمْ يَحْتَجْ إِلَيْهَا، وَلَوْ شَرَطَ ثَلَاثَةً كَانَ وَسَطًا، وَيَذْكُرُ جِنْسَ الْإِدَامِ، وَمِقْدَارَهُ لِلضَّيْفِ فِي كُلِّ يَوْمٍ، وإن كانت له دواب ذكر ما يعلقه الْوَاحِدُ مِنْهَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنَ التِّبْنِ وَالْقَتِّ وَالشَّعِيرِ بِمِقْدَارٍ كَافٍ، لَا سَرَفَ فِيهِ ولا تقتير، فإن شرط علفها، وأطلقه علقت التِّبْنَ وَالْقَتَّ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ لِلْأَضْيَافِ أُجْرَةُ حَمَّامٍ، وَلَا طَبِيبٍ، وَيُشْتَرَطُ عَلَيْهِمْ أَنَّ مَنِ انْقَطَعَ مَرْكُوبُهُ حَمَلُوهُ إِلَى أَقْرَبِ بِلَادِ الضِّيَافَةِ لَهُمْ، فَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِمْ لَمْ يَلْزَمْهُمْ. وَالْوَجْهُ الثالث: السكن لحاجتهم إليه ب فِي الْحَرِّ وَالْبَرْدِ، فَيُشْتَرَطُ عَلَيْهِمْ أَنْ يُسَكِّنُوهُمْ مِنْ فُضُولِ مَنَازِلِهِمْ، وَكَنَائِسِهِمْ، وَبِيَعِهِمْ، لِيَكِنُّوا فِيهَا مِنْ حَرٍّ وَبَرْدٍ، وَكَذَلِكَ لِدَوَابِّهِمْ. وَقَدْ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ إِلَى الشَّامِ أَنْ يُؤْخَذَ أَهْلُ الذِّمَّةِ

стр. 6765

بِتَوْسِيعِ أَبْوَابِ كَنَائِسِهِمْ وَبِيَعِهِمْ، لِيَدْخُلَهَا الرَّاكِبُ إِذَا نَزَلَهَا، وَلَيْسَ لِلْأَضْيَافِ إِخْرَاجُهُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ إِذَا نَزَلُوا عَلَيْهِمْ، وَإِنْ ضَاقَتْ بِهِمْ. وَيُثْبِتُ الْإِمَامُ مَا اسْتَقَرَّ مِنْ صُلْحِ هَذِهِ الضِّيَافَةِ فِي دِيوَانِ كُلِّ بَلَدٍ مِنْ بِلَادِ الضِّيَافَةِ، لِيَأْخُذَهُمْ عَامِلُ ذَلِكَ الْبَلَدِ بِمُوجِبِهِ ثُمَّ يُثْبِتُهُ فِي الدِّيوَانِ الْعَامِّ لِثُبُوتِ الْأَمْوَالِ، كُلِّهَا لِيُرْفَعَ إِلَيْهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِذَا تَنَازَعَ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ وَأَهْلُ الذِّمَّةِ، وَإِنْ فُقِدَ الدِّيوَانُ، وَلَمْ يُعْرَفْ فِيهِ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ عَمِلَ مَا يَشْهَدُ بِهِ شَاهِدَانِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ شَهَادَةٌ قُبِلَ فِيهِ قَوْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ إِقْرَارًا لَا خَبَرًا وَلَا شَهَادَةً، فَإِنْ عَمِلَ عَلَى قَوْلِهِمْ فِيهَا ثُمَّ بَانَ لَهُ زِيَادَةٌ رَجَعَ عليهم بها. (مسألة) : قال الشافعي: " وَلَا يُؤْخَذُ مِنِ امْرَأَةٍ وَلَا مَجْنُونٍ حَتَّى يَفِيقَ وَلَا مَمْلُوكٍ حَتَّى يَعْتِقَ وَلَا صَبِيٍّ حَتَّى يَنْبُتَ الشَعْرُ تَحْتَ ثِيَابِهِ أَوْ يَحْتَلِمَ أَوْ يَبْلُغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَيَلْزَمُهُ الْجِزْيَةُ كَأَصْحَابِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِيمَنْ تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ عَنْهُ أَرْبَعَةَ أَصْنَافٍ النِّسَاءَ وَالْمَجَانِينَ، وَالْعَبِيدَ وَالصِّبْيَانَ. فَأَمَّا النِّسَاءُ، فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ لِخُرُوجِهِنَّ عَنِ الْمُقَاتِلَةِ، وَتَحْرِيمِ قَتْلِهِنَّ عِنْدَ السَّبْيِ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [التوبة: ٢٩] . وَهُنَّ غَيْرُ مُقَاتِلَاتٍ. وَقَدْ مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ بِامْرَأَةٍ مَقْتُولَةٍ، فَقَالَ: " مَا بَالُ هَذِهِ تُقْتَلُ وَهِيَ لَا تُقَاتِلُ " فَلِذَلِكَ قُلْنَا: إِنَّهُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهَا، سَوَاءٌ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ يُؤَدِّي الْجِزْيَةَ أَوْ كَانَتْ خَالِيَةً لَا تَتْبَعُ رَجُلًا، وَهَكَذَا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً، فَلَوْ بَذَلَتِ امْرَأَةٌ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ الْجِزْيَةَ عَنْ نَفْسِهَا لَمْ يَلْزَمْ لِخُرُوجِهَا مِنْ أَهْلَ الْجِزْيَةِ، فَإِنْ دَفَعَتْهَا مُخْتَارَةً جَازَ قَبُولُهَا مِنْهَا، وَتَكُونُ هَدِيَّةً لَا جِزْيَةً، فَإِنِ امْتَنَعَتْ مِنْ إِقْبَاضِهَا لَمْ تُجْبَرْ عَلَى دَفْعِهَا، لِأَنَّ الْهَدَايَا لَا إِجْبَارَ فِيهَا وَإِذَا نَزَلَ جَيْشُ الْمُسْلِمِينَ حِصْنًا، فَبَذَلَ نِسَاؤُهُ الْجِزْيَةَ لَمْ يَخْلُ حَالُهُنَّ مِنْ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ مَعَهُنَّ رِجَالٌ، فَلَا يَصِحُّ عَقْدُ الْجِزْيَةِ مَعَهُنَّ، سَوَاءٌ بَذَلْنَ الْجِزْيَةَ مِنْ أَمْوَالِهِنَّ أَوْ مِنْ أَمْوَالِ رِجَالِهِنَّ، لِأَنَّهُنَّ إِنْ بَذَلْنَهَا مِنْ أَمْوَالِهِنَّ، فَلَسْنَ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ، فَلَا تَلْزَمُهُنَّ، وَإِنْ بَذَلْنَهَا مِنْ أَمْوَالِ رِجَالِهِنَّ لَمْ يُلْزَمِ الرِّجَالُ بِعَقْدِ غَيْرِهِمْ. وَالثَّانِي: أَنْ يَنْفَرِدَ النِّسَاءُ فِي الْحِصْنِ عَنْ رَجُلٍ مُخْتَلِطٍ بِهِنَّ، فَفِي انْعِقَادِ الْجِزْيَةِ مَعَهُنَّ مُنْفَرِدَاتٍ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ وَأَشَارَ إِلَيْهِمَا أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ تَوْجِيهًا: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَا تَنْعَقِدُ بِهِمَا الذِّمَّةُ لَهُنَّ لِخُرُوجِهِنَّ من أهل الجزية، فلم تنعقد

стр. 6766

معهم الْجِزْيَةُ، فَعَلَى هَذَا يُصَمِّمُ أَمِيرُ الْجَيْشِ عَلَى حِصَارِهِنَّ حَتَّى يُسْبَيْنَ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: تَنْعَقِدُ مَعَهُنَّ الذِّمَّةُ بِمَا بَذَلْنَهُ مِنَ الْجِزْيَةِ وَيَحْرُمُ سَبْيُهُنَّ لِأَنَّهُ لَمَّا كَانَ إِقْرَارُهُنَّ بِالْجِزْيَةِ تَبَعًا كَانَ إِقْرَارُهُنَّ بِمَا بَذَلْنَهُ مُنْفَرِدَاتٍ أَوْلَى، فَعَلَى هَذَا هَلْ تَلْزَمُهُنَّ الْجِزْيَةُ بِبَذْلِهِنَّ أَمْ لَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَشَارَ إِلَيْهِمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَحَدُهُمَا: يَلْزَمُهُنَّ أَدَاؤُهَا بَعْدَ إِعْلَامِهِنَّ عِنْدَ عَقْدِهَا أَنَّهُنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا فَإِنِ امْتَنَعْنَ مِنْ بَذْلِهَا بَعْدَ لُزُومِهَا خَرَجْنَ عَنِ الذِّمَّةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُنَّ أَدَاؤُهَا وَتَكُونُ كَالْهَدِيَّةِ تُؤْخَذُ مِنْهُنَّ إِذَا أَجَبْنَ إِلَيْهَا، وَلَا تُؤْخَذُ إِذَا امْتَنَعْنَ مِنْهَا، وَهَلْ عَلَى ذِمَّتِهِنَّ فِي حَالَتَيِ الْإِجَابَةِ وَالْمَنْعِ. وَإِذَا اجْتَمَعَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ، فَبَذَلَ الرجال الجزية عن أنفسهم ونساءهم نُظِرَ. فَإِنْ بَذَلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ جَازَ، وَلَزِمَهُمْ مَا بَذَلُوهُ، وَجَرَى مَجْرَى زِيَادَةٍ بَذَلُوهَا مِنْ جِزْيَتِهِمْ، وَلَا يُؤْخَذُ الرِّجَالُ إِلَّا بِجِزْيَةِ أَنْفُسِهِمْ دُونَ نِسَائِهِمْ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْمَجَانِينُ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ لِارْتِفَاعِ الْقَلَمِ عَنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ فِي جُمْلَةِ الذَّرَارِي وَلَا يُقْتَلُ الْمَجْنُونُ إِذَا سُبِيَ، هَذَا إِذَا كَانَ جُنُونُهُ مُطْبِقًا، فَأَمَّا إِذَا جُنَّ فِي زَمَانٍ، وَأَفَاقَ فِي زَمَانٍ، فَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُرَاعَى فِيهِ أَغْلَبُ حَالَتَيْهِ. فَإِنْ كان المجنون أَكْثَرَ، فَلَا جِزْيَةَ، وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ، فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ يُلَفَّقُ زَمَانُ الْإِفَاقَةِ قَلَّ أَوْ كَثُرَ حَتَّى يَسْتَكْمِلَ حَوْلًا، فَإِنْ كَانَ يُجَنُّ يَوْمًا وَيُفِيقُ يَوْمًا أُخِذَتْ مِنْهُ جِزْيَةُ سَنَةٍ مِنْ سَنَتَيْنِ وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ يَوْمَيْنِ وَيُفِيقُ يَوْمًا أُخِذَتْ مِنْهُ جِزْيَةُ سَنَةٍ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَإِنْ كَانَ يُجَنُّ يَوْمًا، وَيُفِيقُ يَوْمَيْنِ أُخِذَتْ مِنْهُ جِزْيَةُ سَنَةٍ مِنْ سَنَةٍ وَنِصْفٍ، ثُمَّ عَلَى هَذَا الْقِيَاسِ، لِأَنَّهُ لَمَّا اخْتَلَفَ حُكْمُ الْإِفَاقَةِ، وَحُكْمُ الْجُنُونِ كَانَ تَمَيُّزُهَا أَوْلَى مِنْ تَغْلِيبِ أَحَدِهِمَا، لِأَنَّ فِي التَّمْيِيزِ جَمْعًا بَيْنَ الْحُكْمَيْنِ وَفِي تَغْلِيبِ الْأَكْثَرِ إِسْقَاطُ أَحَدِهِمَا. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْعَبِيدُ، فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ، لِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ لَا جِزْيَةَ عَلَى الْعَبِيدِ. وَقَالَ عُمَرُ: لَا جِزْيَةَ عَلَى مَمْلُوكٍ. وَلِأَنَّهُمْ تَبَعٌ لساداتهم، لوأنهم لَا يَمْلِكُونَ، فَكَانُوا أَسْوَأَ حَالًا مِنَ الْفُقَرَاءِ، وَلِأَنَّهُمْ مَمَالِيكُ، فَكَانُوا كَسَائِرِ الْأَمْوَالِ، وَكَذَا لَا جِزْيَةَ عَلَى مُدَبَّرٍ، وَلَا مُكَاتَبٍ، وَلَا أُمِّ وَلَدٍ، لِأَنَّهُمْ عَبِيدٌ، وَلَا جِزْيَةَ عَلَى مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ مَمْلُوكٌ، لِأَنَّ أَحْكَامَ الرِّقِّ عَلَيْهِ أَغْلَبُ. وَقِيلَ: إِنَّهُ يُؤَدِّي مِنَ الْجِزْيَةِ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ، لِأَنَّهُ يُمْلَكُ بِهَا، فَإِذَا عَتَقَ

стр. 6767

الْعَبْدُ عَلَى كُفْرِهِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ اسْتُؤْنِفَتْ جِزْيَتُهُ، وَسَوَاءٌ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ أَوْ كَافِرٌ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ أَعْتَقَهُ مُسْلِمٌ، فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، لِحُرْمَةِ وَلَائِهِ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِأَنَّ حُرْمَةَ النَّسَبِ أَغْلَظُ، وَلَا تَسْقُطُ الْجِزْيَةُ بِإِسْلَامِ الْأَبِ، فَكَانَ أَوْلَى أَنْ لَا تَسْقُطَ بِإِسْلَامِ الْمُعْتِقِ، لَكِنْ إِنْ كَانَ الْمُعْتِقُ مُسْلِمًا اسْتُؤْنِفَتْ جِزْيَتُهُ عَنْ مُرَاضَاةٍ، وَإِنْ كَانَ مُعْتِقُهُ ذِمِّيًّا، فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ يَلْزَمُهُ جِزْيَةُ مُعْتِقِهِ، لِأَنَّهَا لَزِمَتْهُ بِعِتْقِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَلْزَمُهُ جِزْيَةُ عَصَبَتِهِ، لِأَنَّهُمْ أَخَصُّ بِمِيرَاثِهِ وَنُصْرَتِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ إِلَّا مَا اسْتَأْنَفَ الصُّلْحَ عَلَيْهِ بِمُرَاضَاتِهِ، لِيُفْرِدَهُ بِهَا مِنْ غَيْرِهِ، فَإِنِ امتنع منها بنذر إِلَيْهِ عَهْدُهُ ثُمَّ صَارَ حُرًّا، وَعَلَى الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلِينَ تُؤْخَذُ مِنْهُ جَبْرًا. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الصِّبْيَانُ، فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِمْ لِارْتِفَاعِ الْقَلَمِ عَنْهُمْ، وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ لِمُعَاذٍ: " خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا " فَدَلَّ عَلَى سُقُوطِهَا عَنْ غَيْرِ الْحَالِمِ، وَلِأَنَّهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ الْقِتَالِ، وَلِأَنَّهُمْ يُسْتَرَقُّونَ إِذَا سُبُوا، فَصَارُوا أَمْوَالًا، فَإِذَا بَلَغُوا وَجَبَتْ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةُ. وَالظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ يَلْتَزِمُونَ جِزْيَةَ آبَائِهِمْ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْنَافِ عَقْدٍ مَعَهُمْ، لِأَنَّهُمْ خَلَفٌ لِسَلَفِهِمْ. وَقَالَ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفَرَايِينِيُّ: لَا تَلْزَمُهُمْ جِزْيَةُ آبَائِهِمْ، وَيُسْتَأْنَفُ مَعَهُمْ عَقْدُهَا عَنْ مُرَاضَاتِهِمْ، إِمَّا بِمِثْلِهَا أَوْ بِأَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ إِذَا لَمْ يَنْقُصْ عَنِ الدِّينَارِ، وَهَذَا وَهَمٌ فِيهِ يَفْسُدُ مِنْ وَجْهَيْنِ: مَذْهَبٍ، وَحِجَاجٍ. أَمَّا الْمَذْهَبُ: فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَدْ جَعَلَ جِزْيَةَ الْوَلَدِ إِذَا اخْتَلَفَتْ جِزْيَةُ أَبَوَيْهِ أَنَّ جِزْيَتَهُ جِزْيَةُ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ. وَأَمَّا الْحِجَاجُ: فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ لَمَّا كَانُوا تَبَعًا لِآبَائِهِمْ فِي أَمَانِ الذِّمَّةِ كَانُوا تَبَعًا لَهُمْ فِي قَدْرِ الْجِزْيَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ. وَهَذَا يَجْعَلُهُ مُؤَقَّتًا يَلْزَمُ اسْتِئْنَافُهُ مَعَ بُلُوغِ كُلِّ وَلَدٍ، وَفِيهِ أَعْظَمُ مَشَقَّةٍ، وَمَا فَعَلَهُ أَحَدٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ. فَأَمَّا الْبُلُوغُ: فَيَكُونُ بِالِاحْتِلَامِ، وَبِاسْتِكْمَالِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، وَيُحْكَمُ بِبُلُوغِهِ بِإِنْبَاتِ الشَّعْرِ، لِأَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ حَكَمَ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ أَنَّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمَوَاسِي قُتِلَ، وَمَنْ لَمْ تَجْرِ عَلَيْهِ اسْتُرِقَّ.

стр. 6768

فقال النبي ﷺ َ -: " هَذَا حُكْمُ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعَةِ أَرْقِعَةٍ ". وَهَلْ يَكُونُ ذَلِكَ بُلُوغًا فِيهِمْ كَالسِّنِّ وَالِاحْتِلَامِ، أَوْ يَكُونُ دَلِيلًا عَلَى بُلُوغِهِمْ، فِيهِ قَوْلَانِ مَضَيَا. (فَصْلٌ) : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا، وَبَلَغَ الصَّبِيُّ، وَأُعْتِقَ الْعَبْدُ، وَأَفَاقَ الْمَجْنُونُ نُظِرَ. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَوَّلِ الْحَوْلِ: فَقَدْ سَاوَوْا أَهْلَ دِينِهِمْ فِي حَوْلِ جِزْيَتِهِمْ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي تَضَاعِيفِ الْحَوْلِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ قَدْ مَضَى مِنَ الْحَوْلِ نِصْفُهُ قِيلَ لَهُمْ: لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسْتَأْنَفَ لَكُمْ حَوْلٌ غَيْرُ حَوْلِ أَهْلِ دِينِكُمْ لِأَنَّهُ شَاقٌّ، وَأَنْتُمْ بِالْخِيَارِ إِذَا حَالَ حَوْلُ الْجَمَاعَةِ وَقَدْ مَضَى لَكُمْ مِنَ الْحَوْلِ نِصْفُهُ بَيْنَ أَنْ تُعْطُوا جِزْيَةَ نِصْفِ سَنَةٍ ثُمَّ يُسْتَأْنَفُ لَكُمُ الْحَوْلُ مَعَ الْجَمَاعَةِ، وَبَيْنَ أَنْ تَتَعَجَّلُوا جِزْيَةَ سَنَةٍ حَتَّى تُؤْخَذَ مِنْكُمْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ جِزْيَةُ نِصْفِ سَنَةٍ، وَبَيْنَ أَنْ تَسْتَنْظِرُوا بِجِزْيَةِ نِصْفِ هَذِهِ السَّنَةِ حَتَّى تُؤْخَذَ مِنْكُمْ مَعَ جِزْيَةِ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ إِذَا تَمَّتْ جِزْيَةُ سَنَةٍ وَنِصْفٍ فَأَيُّ هذه الثلاثة سألوها أجيبوا إليها. (مسألة) : قال الشافعي: " وَتُؤْخَذُ مِنَ الشَّيْخِ الْفَانِي وَالزَّمِنِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى إِبَاحَةِ قَتْلِ مَنْ أُسِرَ مِنْهُمْ، وَقَدِ اخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي إِبَاحَةِ قَتْلِ الرُّهْبَانِ، وَأَصْحَابِ الصَّوَامِعِ، وَالْأَعْمَى وَمَنْ لَا نَهْضَةَ فِيهِ مِنَ الشُّيُوخِ وَالزَّمْنَى الَّذِينَ لَا يُقَاتِلُونَ إِمَّا لِتَعَبُّدٍ كَالرُّهْبَانِ أَوْ لِعَجْزٍ كَالشَّيْخِ الْفَانِي، فَفِي جَوَازِ قَتْلِهِمْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، لِأَنَّهُمْ مِنْ جِنْسٍ مُبَاحِ الْقَتْلِ، وَلِأَنَّهُمْ كَانَ رَأْيُهُمْ، وَتَدْبِيرُهُمْ أَضَرَّ عَلَيْنَا مِنْ قِتَالِ غَيْرِهِمْ، فَعَلَى هَذَا لَا يُقَرُّونَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِجِزْيَةٍ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُمْ، لِأَنَّ الْقَتْلَ لِلْكَفِّ عَنِ الْقِتَالِ، وَقَدْ كَفُّوا أَنْفُسَهُمْ عَنْهُ، فَلَمْ يُقْتَلُوا، فَعَلَى هَذَا يُقَرُّونَ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فَصَارَ فِي إِقْرَارِهِمْ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ قَوْلَانِ. (فَصْلٌ) : فَأَمَّا يَهُودُ خَيْبَرَ، فَالَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاءُ أَنَّهُمْ مِمَّنْ أُخِذَ الْجِزْيَةُ مِنْهُمْ كَغَيْرِهِمْ، وَقَدْ تَظَاهَرُوا فِي هَذَا الزَّمَانِ بِأَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فِي كِتَابٍ نَسَبُوهُ إِلَيْهِ أَسْقَطُوا بِهِ الْجِزْيَةَ عَنْ نُفُوسِهِمْ، وَلَمْ يَنْقُلْهُ أَحَدٌ مِنْ رُوَاةِ الْأَخْبَارِ، وَلَا مِنْ أَصْحَابِ الْمَغَازِي، وَلَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ فِي إِثْبَاتِهِ قَوْلًا غَيْرَ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ - فَإِنَّهُ - جَعَلَ مُسَاقَاةَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فِي نَخْلِ خَيْبَرَ حِينَ افْتَتَحَهَا، وَقَوْلُهُ لَهُمْ: " أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ " أَمَانًا، وَجَعْلَهُمْ بِالْمُسَاقَاةِ خَوَلًا، وَأَنَّ بِهَذَيْنِ سَقَطَتِ الْجِزْيَةُ عَنْهُمْ، وَهَذَا قَوْلٌ تَفَرَّدَ بِهِ لَا أَعْرِفُ لَهُ مُوَافِقًا عَلَيْهِ، وَلَيْسَ الْأَمَانُ مُوجِبًا لِسُقُوطِ الْجِزْيَةِ، لِأَنَّهَا تَجِبُ بِالْأَمَانِ، فَلَمْ تَسْقُطْ

стр. 6769

بِهِ وَلَا تَسْقُطُ بِالْمُعَامَلَةِ كَمَا لَا تَسْقُطُ بِهَا جِزْيَةُ غَيْرِهِمْ، وَلَوْ جَازَ هَذَا فِيهِمْ لَكَانَ فِي أَهْلِ فَدَكَ أَجْوَزَ، لِأَنَّهُ فَتَحَهَا صُلْحًا، وَفَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً، وَأَحْسَبُ أَبَا عَلِيِّ بْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمَّا رَأَى الْوُلَاةَ عَلَى هَذَا أَخْرَجَ لِفِعْلِهِمْ وَجْهًا، وَمَا لَمْ يُثْبِتْهُ الْفُقَهَاءُ لِنَقْلٍ أَوْجَبَ التَّخْصِيصَ فَحُكْمُ الْعُمُومِ فِيهِ أمضى. والله أعلم. (مسألة) : قال الشافعي:: " وَمَنْ بَلَغَ وَأُمُّهُ نَصْرَانِيَّةٌ وَأَبُوهُ مَجُوسِيٌّ أَوْ أُمُّهُ مَجُوسِيَّةٌ وَأَبُوهُ نَصْرَانِيٌّ فَجِزْيَتُهُ جِزْيَةُ أَبِيهِ لِأَنَّ الْأَبَ هُوَ الَذِي عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ لَسْتُ أَنْظُرُ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ إِذَا اخْتَلَفَ حُكْمُ أَبَوَيِ الْكَافِرِ فِي حُكْمِ كُفْرِهِمَا الْمُتَعَدِّي عَنْهُمَا إِلَى وَلَدِهِمَا تَعَلَّقَ بِاخْتِلَافِهِمَا أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ: أَحَدُهَا: الْجِزْيَةُ. وَالثَّانِي: النِّكَاحُ وَالذَّبِيحَةُ. وَالثَّالِثُ: عَقْدُ الذِّمَّةِ. وَالرَّابِعُ: الدِّيَةُ. فَأَمَّا الْحُكْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ الْجِزْيَةُ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَبُوهُ نَصْرَانِيًّا لَهُ جِزْيَةٌ، وَأُمُّهُ يَهُودِيَّةً لِقَوْمِهَا جِزْيَةٌ أُخْرَى، فَجِزْيَةُ الْوَلَدِ جِزْيَةُ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ سَوَاءٌ قَلَّتْ جِزْيَةُ أَبِيهِ أَوْ كَثُرَتْ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ دَاخِلٌ فِي نَسَبِ أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ، فَدَخَلَ فِي جِزْيَتِهِ دُونَهَا. وَالثَّانِي: أَنَّ الْجِزْيَةَ عَلَى أَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ، فَدَخَلَ فِي جِزْيَةِ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ دُونَ مَنْ لَا تَجِبْ عَلَيْهِ. وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّانِي: وَهُوَ اسْتِبَاحَةُ النِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ يَهُودِيًّا، وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا، فَيُنْظَرُ. فَإِنْ كَانَ أَبُوهُ مَجُوسِيًّا وَأُمُّهُ نَصْرَانِيَّةً، لَمْ تَحِلَّ ذَبِيحَةُ الْوَلَدِ وَلَمْ يُنْكَحْ إِنْ كَانَ امْرَأَةً تَغْلِيبًا لِحُكْمِ الْحَظْرِ، وَاعْتِبَارًا بِلُحُوقِ النَّسَبِ. وَإِنْ كَانَ أَبُوهُ نَصْرَانِيًّا وَأُمُّهُ مَجُوسِيَّةً، فَفِيهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُعْتَبَرُ بِأَبِيهِ وَاسْتِبَاحَةِ نِكَاحِهِ، وَأَكْلِ ذَبِيحَتِهِ، تَعْلِيلًا بِلُحُوقِ النَّسَبِ بِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: يُعْتَبَرُ بِأُمِّهِ فِي حَظْرِ نِكَاحِهِ، وَتَحْرِيمِ ذَبِيحَتِهِ تَعْلِيلًا لِتَغْلِيبِ الْحَظْرِ عَلَى الْإِبَاحَةِ. وَأَمَّا الْحُكْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ عَقْدُ الذِّمَّةِ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ كِتَابِيًّا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ،

стр. 6770

وَالْآخَرُ وَثَنِيًّا لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، فَقَدِ اخْتَلَفَ كَلَامُ أَصْحَابِنَا فِيهِ، لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ عَطَفَ بِهِ عَلَى اسْتِبَاحَةِ النِّكَاحِ وَالذَّبِيحَةِ عَطْفًا مُرْسَلًا، فَخَرَجَ عَنِ اخْتِلَافِهِمْ فِيهِ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ فِي ذِمَّتِهِ وَدِينِهِ مُلْحَقًا بِأَبِيهِ دُونَ أُمِّهِ اعْتِبَارًا بِنَسَبِهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ أَبُوهُ كِتَابِيًّا، فَهُوَ كِتَابِيٌ يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ وَإِنْ كَانَ وَثَنِيًّا فَهُوَ وَثَنِيٌّ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ فِي دِينِهِ مُلْحَقًا بِأُمِّهِ دُونَ أَبِيهِ اعْتِبَارًا بِجِزْيَتِهِ وَرِقِّهِ فِي لُحُوقِهِ بِأُمِّهِ دُونَ أَبِيهِ، وَلِحُدُوثِهِ عَنِ اخْتِلَافِ الدِّينِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتْ أُمُّهُ كِتَابِيَّةً، فَهُوَ كِتَابِيٌّ يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ وَثَنِيَّةً، فَهُوَ وَثَنِيٌّ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنْ يُلْحَقَ بِأَثْبَتِهِمَا دِينًا كَمَا يُلْحَقُ بِالْمُسْلِمِ مِنْهُمَا دُونَ الْكَافِرِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ أَبُوهُ كِتَابِيًّا وَأُمُّهُ وَثَنِيَّةً أُلْحِقَ بِأَبِيهِ، وَجُعِلَ كِتَابِيًّا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ، وَإِنْ كَانَتْ أُمُّهُ كِتَابِيَّةً، وَأَبُوهُ وَثَنِيًّا أُلْحِقَ بِأُمِّهِ، وَجُعِلَ كِتَابِيًّا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ. وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ: أَنْ يُلْحَقَ بِأَغْلَظِهِمَا كُفْرًا، لِأَنَّ التَّخْفِيفَ رُخْصَةٌ مُسْتَثْنَاةٌ، فَعَلَى هَذَا أَيُّهُمَا كَانَ فِي دِينِهِ وَثَنِيًّا، فَهُوَ وَثَنِيٌّ لَا يُقَرُّ بِالْجِزْيَةِ سَوَاءٌ كَانَ الْوَثَنِيُّ مِنْهُمَا أَبًا أَوْ أُمًّا، وَهُوَ ضِدُّ الْوَجْهِ الثَّالِثِ كَمَا أَنَّ الْوَجْهَ الثَّانِيَ ضِدُّ الْوَجْهِ الْأَوَّلِ. وَأَمَّا الْحُكْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ الدِّيَةُ: إِذَا قُتِلَ، فَهُوَ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ نَصْرَانِيًّا وَالْآخَرُ مَجُوسِيًّا، فَهُوَ مُلْحَقٌ فِي الدِّيَةِ بِأَكْثَرِ أَبَوَيْهِ دِيَةً سَوَاءٌ كَانَ أَبًا أَوْ أُمًّا، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي " الْأُمِّ ". وَالْفَرْقُ بَيْنَ الدِّيَةِ وَالنَّسَبِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الدِّيَةَ لَمَّا اخْتَلَفَتْ بِاخْتِلَافِ الدِّينِ، وَلَمْ تَخْتَلِفْ بِاخْتِلَافِ النِّسَبِ، وَكَانَ فِي الدِّينِ مُلْحَقًا بِالْمُسْلِمِ مِنْهُمَا تَغْلِيظًا كَانَ فِي الدِّيَةِ مُلْحَقًا بِأَغْلَظِهِمَا دِيَةً. وَالثَّانِي: أَنَّ مَا أَوْجَبَ ضَمَانَ النُّفُوسِ كَانَ مُعْتَبَرًا بِأَغْلَظِ الْحُكْمَيْنِ كَالْمُحْرِمِ إِذَا قَتَلَ مَا تَوَلَّدُ مِنْ بين وحشي وأهلي ومأكول، ومحظور لزمه الجزاء تغليظا. (مسألة) : قال الشافعي: " فَأَيُّهُمْ أَفْلَسَ أَوْ مَاتَ فَالْإِمَامُ غَرِيمٌ يَضْرِبُ مَعَ غُرَمَائِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا مَاتَ الذِّمِّيُّ أَوْ أَفْلَسَ بَعْدَ الْحَوْلِ لَمْ تَسْقُطْ عَنْهُ الْجِزْيَةُ بِمَوْتِهِ وَفَلَسِهِ، وَأَسْقَطَهَا أَبُو حَنِيفَةَ بِمَوْتِهِ احْتِجَاجًا بِأَنَّ الْجِزْيَةَ عُقُوبَةٌ تَسْقُطُ عَنِ الْمَيِّتِ كَالْحُدُودِ، لِأَنَّهُ يَخْرُجُ بِالْمَوْتِ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ عَنْهُ الْجِزْيَةُ كَالنِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ. وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّهُ مَالٌ اسْتَقَرَّ قَبُولُهُ فِي ذِمَّتِهِ، فَلَمْ يَسْقُطْ بِمَوْتِهِ كَالدُّيُونِ، ولأن

стр. 6771

الْجِزْيَةَ عِوَضٌ عَنْ حَقْنِ دَمِهِ، وَإِقْرَارِهِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ عَلَى كُفْرِهِ فَلَمْ يَسْقُطْ مَا وَجَبَ مِنْهَا بِمَوْتِهِ كَالْأُجُورِ. فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اعْتِبَارِهِمْ بِالْحُدُودِ، فَهُوَ أَنَّ الْحَدَّ مُتَعَلِّقٌ بِالْبَدَنِ، فَسَقَطَ بِالْمَوْتِ كَالْقِصَاصِ، وَالْجِزْيَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالْمَالِ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِالْمَوْتِ كَالدِّيَةِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ اسْتِدْلَالِهِمْ بِخُرُوجِهِ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ، فَهُوَ أَنَّهَا تُؤْخَذُ عَلَى مَا مَضَى فِي حَيَاتِهِ، وَقَدْ كَانَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْقِتَالِ. فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِالْمَوْتِ وَالْفَلَسِ، كَانَتْ كَالدُّيُونِ الْمُسْتَقِرَّةِ تُقَدَّمُ عَلَى الْوَصَايَا، وَالْوَرَثَةِ، وَيُسَاهِمُ فِيهَا الْغُرَمَاءُ بِالْحِصَصِ، وَيَكُونُ مَا عَجَزَ الْمَالُ عَنْهَا دَيْنًا فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ، وَثَابِتًا عَلَى الْمَيِّتِ. وَهَكَذَا لَوْ زَمِنَ أَوْ عَمِيَ أَوْ جُنَّ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ، وَأَسْقَطَهَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْهُ، وَدَلِيلُهُ ما قدمناه. (مسألة) : قال الشافعي: " وَإِنْ أَسْلَمَ وَقَدْ مَضَى بَعْضُ السَّنَةِ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَا مَضَى مِنْهَا " قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا أَسْلَمَ الذِّمِّيُّ بَعْدَ وُجُوبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِ لَمْ تَسْقُطْ بِإِسْلَامِهِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَسْقُطُ عَنْهُ بِإِسْلَامِهِ اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . وَالْمُسْلِمُ لَا صَغَارَ عَلَيْهِ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] . وَقَدِ انْتَهَى بِالْإِسْلَامِ، فَوَجَبَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مَا سَلَفَ مِنَ الْجِزْيَةِ. وَبِمَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ. وَبِمَا رَوَى مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ لَا جِزْيَةَ عَلَى مُسْلِمٍ ، وَهَذَا نَصٌّ. وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهَا عُقُوبَةٌ تَتَعَلَّقُ بِالْكُفْرِ، فَوَجَبَ أَنْ تَسْقُطَ بِالْإِسْلَامِ كَالْقِتَالِ. وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنْهُ صَغَارًا وَذِلَّةً، وَالْمُسْلِمُ لَا صَغَارَ عَلَيْهِ، فَوَجَبَ سُقُوطُهَا عَنْهُ. وَدَلِيلُنَا: قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - الزَّعِيمُ غَارِمٌ وَقَدْ ضَمِنَهَا، فَوَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُ غرمها.

стр. 6772

وَمِنَ الْقِيَاسِ: أَنَّهُ مَالٌ اسْتَقَرَّ ثُبُوتُهُ فِي ذِمَّتِهِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَسْقُطَ بِإِسْلَامِهِ كَالدُّيُونِ فَإِنْ قِيلَ: يَبْطُلُ بِالزَّوْجَيْنِ الْوَثَنِيَّيْنِ إِذَا أَسْلَمَ الزَّوْجُ مِنْهُمَا قَبْلَ الدُّخُولِ سَقَطَ عَنْهُ صَدَاقُهَا بِإِسْلَامِهِ. قِيلَ: صَدَاقُهَا إِنَّمَا بَطَلَ بِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ كَمَا يَبْطُلُ صَدَاقُهَا بِالرِّدَّةِ، لِوُقُوعِ الْفُرْقَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ فِي صَلَاتِهِ، فَبَطَلَتْ بِكَلَامِهِ حَلَّ لَهُ الْكَلَامُ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ لَا بِالْكَلَامِ؟ فَإِنْ قِيلَ: إِنَّمَا لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ الدَّيْنُ بِإِسْلَامِهِ، لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ ابْتِدَاؤُهُ فِي إِسْلَامِهِ، وَسَقَطَتِ الْجِزْيَةُ بِإِسْلَامِهِ، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَثْبُتَ ابْتِدَاؤُهَا فِي إِسْلَامِهِ. فَالْجَوَابُ عَنْهُ: أَنَّهُ تَبْطُلُ عِلَّةُ الْأَصْلِ بِالْمَوْتِ، لِأَنَّهُ يَمْنَعُ مِنِ ابْتِدَاءِ الدِّينِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنِ اسْتَدَامَتِهِ، وَتُبْطُلُ عِلَّةُ الْفَرْعِ بِالِاسْتِرْقَاقِ، وَيَمْنَعُ الْإِسْلَامُ مِنِ ابْتِدَائِهِ، وَلَا يَمْنَعُ مِنِ اسْتَدَامَتِهِ، وَلِأَنَّ الجزية والخراج مستحقان بالكفر، لما لَمْ يَسْقُطْ بِالْإِسْلَامِ مَا وَجَبَ مِنَ الْخَرَاجِ لَمْ يَسْقُطْ بِهِ مَا وَجَبَ مِنَ الْجِزْيَةِ. وَتَحْرِيرُهُ قِيَاسًا، أَنَّهُ مَالٌ مُسْتَحَقٌّ بِالْكُفْرِ، فَلَمْ يَسْقُطْ مَا وَجَبَ مِنْهُ بِالْإِسْلَامِ كَالْخَرَاجِ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُ أَهْلِ خُرَاسَانَ بِأَنَّ مَا وَجَبَ عَلَى الْكَافِرِ بِالِالْتِزَامِ لَمْ يَسْقُطْ بِالْإِسْلَامِ كَالْخَرَاجِ، وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ مُعَاوَضَةٌ عَنْ حَقْنِ الدَّمِ وَالْمُسَاكَنَةِ، فَلَمْ يَسْقُطْ مَا وَجَبَ مِنْهَا بِالْإِسْلَامِ كَالْأُجْرَةِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى ﴿وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة ٢٩] . فَهُوَ أَنَّ الصَّغَارَ عِلَّةٌ فِي الْوُجُوبِ دُونَ الْأَدَاءِ، وَوُجُوبُهَا يَسْقُطُ بِالْإِسْلَامِ، وَأَدَاؤُهَا لَا يَسْقُطُ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] فَهُوَ أَنَّ الْغُفْرَانَ مُخْتَصٌّ بِالْآثَامِ دُونَ الْحُقُوقِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ ﷺ َ - الْإِسْلَامُ يَجُبُّ مَا قَبْلَهُ فَهُوَ أَنَّهُ يَقْطَعُ وُجُوبَ مَا قَبْلَهُ، وَلَا يَرْفَعُ مَا وَجَبَ مِنْهُ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ: لَا جِزْيَةَ عَلَى مُسْلِمٍ فَهُوَ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى ابْتِدَاءِ الْوُجُوبِ دُونَ الِاسْتِيفَاءِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِمْ عَلَى الْقَتْلِ، فَهُوَ أَنَّ الْجِزْيَةَ مُعَاوَضَةٌ، وَلَيْسَتْ عُقُوبَةً، ثُمَّ هُوَ مُنْتَقِضٌ بِالِاسْتِرْقَاقِ لَا يَبْطُلُ بِالْإِسْلَامِ، وَإِنْ وَجَبَ بِالْكُفْرِ، ثُمَّ الْمَعْنَى فِي الْقَتْلِ أَنَّهُ وَجَبَ بِالْإِصْرَارِ عَلَى الْكُفْرِ، وَقَدْ زَالَ الْإِصْرَارُ بِالْإِسْلَامِ، فَلِذَلِكَ سَقَطَ، وَالْجِزْيَةُ وَجَبَتْ مفاوضة عَنِ الْمُسَاكَنَةِ، وَتِلْكَ الْمُسَاكَنَةُ لَمْ تَنْزِلْ، فَلَمْ تسقط بالإسلام.

стр. 6773

وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ، إِنَّهُمْ صَغَارٌ، فَهُوَ أَنَّهُ مُنْتَقِضٌ بِالِاسْتِرْقَاقِ، وَبِالْخَرَاجِ، وَيَفْسُدُ بِالْحُدُودِ، وَهِيَ عقوبة وإزلال، وَلَا تَسْقُطُ بِالْعُقُوبَةِ بَعْدَ الْوُجُوبِ عَلَى أَنَّ الصَّغَارَ عَلَيْهِ، فِي الْوُجُوبِ دُونَ الِاسْتِيفَاءِ وَقَدْ يمنع الإسلام من وجوب ما ل ايمنع مِنِ اسْتِيفَائِهِ كَذَلِكَ الْجِزْيَةُ. (فَصْلٌ) : فَإِذَا ثَبَتَ أَنَّ الْإِسْلَامَ لَا يُسْقِطُ مَا وَجَبَ مِنَ الجزية، لم يخل إسلامه مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ أَوْ مِنْ تَضَاعِيفِهِ. فَإِنْ كَانَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ وَاسْتِقْرَارِ الْوُجُوبِ اسْتُوفِيَتْ مِنْهُ جَبْرًا وَحُبِسَ بِهَا إِنِ امْتَنَعَ. وَإِنْ كَانَ إِسْلَامُهُ فِي تَضَاعِيفِ الْحَوْلِ سَقَطَتْ عَنْهُ جِزْيَةُ مَا بَقِيَ مِنَ الحول، وهل تؤخذ مِنْهُ جِزْيَةُ مَا مَضَى قَبْلَ إِسْلَامِهِ أَمْ لَا؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مِنِ اخْتِلَافِ قَوْلَيِ الشَّافِعِيِّ فِي حَوْلِ الْجِزْيَةِ: هَلْ هُوَ مَضْرُوبٌ لِلْوُجُوبِ أَوْ لَا. فَأَحَدُ قَوْلَيْهِ: أَنَّهُ مَضْرُوبٌ لِلْوُجُوبِ كَالْحَوْلِ فِي الزَّكَاةِ، فَعَلَى هَذَا لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ فِيمَا مَضَى مِنْهُ قَبْلَ إِسْلَامِهِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ مَضْرُوبٌ لِلْأَدَاءِ كَالْحَوْلِ فِي عَقْلِ الدِّيَةِ، فَعَلَى هَذَا تَجِبُ عَلَيْهِ جِزْيَةُ مَا مَضَى قَبْلَ إِسْلَامِهِ. وَخَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ الْقَوْلَيْنِ مَعًا وَقَالَ: الْجِزْيَةُ تَجِبُ بِأَوَّلِ الْحَوْلِ، وَتُؤْخَذُ فِي أَوَّلِهِ، وَلَيْسَ الْحَوْلُ فِيهَا مَضْرُوبًا لِلْوُجُوبِ، وَلَا لِلْأَدَاءِ، وِإِنَّمَا هُوَ مَضْرُوبٌ لِانْقِضَاءِ مُدَّتِهَا، احْتِجَاجًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يؤمنون بالله، ولا باليوم الآخر﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] . فَأَمَرَ بِالْكَفِّ عَنْ قِتَالِهِمْ بإعطاء الجزية، فدل على استحقاقها بالكف عنه دُونَ الْحَوْلِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا لَا يَتَعَلَّقُ بِأَوَّلِ الْحَوْلِ وُجُوبُهَا، وَلَا أَدَاؤُهَا، مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: أَنَّهُ كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ أَنْ تُؤْخَذَ جِزْيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ، دِينَارًا فِي كُلِّ سَنَةٍ " فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ وُجُوبُهَا وَأَدَاؤُهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ السَّنَةِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهُ فِي كُلِّ حَوْلٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَلْزَمَ أَدَاؤُهُ قَبْلَ انْقِضَاءِ حَوْلِهِ كَالزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ عَلَى. الْعَاقِلَةِ. فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الدِّيَةِ، فَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِعْطَاءِ الْجِزْيَةِ ضَمَانُهَا دُونَ دَفْعِهَا، لِإِجْمَاعِنَا عَلَى أَنَّهُمْ إِذَا ضَمِنُوا الْجِزْيَةَ حَرُمَ قَتْلُهُمْ قَبْلَ دَفْعِهَا. (فَصْلٌ) : وَإِذَا تَعَذَّرَ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنَ الذِّمِّيِّ حَتَّى مَضَتْ عَلَيْهِ سَنَوَاتٌ لَمْ تَتَدَاخَلْ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ جِزْيَةُ مَا مَضَى مِنَ السِّنِينَ كُلِّهَا.

стр. 6774

وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: تَتَدَاخَلُ، وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُ إِلَّا جِزْيَةُ سَنَةٍ وَاحِدَةٍ، اسْتِدْلَالًا بِأَنَّ الْجِزْيَةَ عُقُوبَةٌ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَتَدَاخَلَ كَالْحُدُودِ. وَدَلِيلُنَا: هُوَ أَنَّهَا مَالٌ يَتَكَرَّرُ وُجُوبُهُ فِي كُلِّ حَوْلٍ، فَوَجَبَ أَنْ لَا يَتَدَاخَلَ كَالزَّكَاةِ وَالدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَلِأَنَّ الْجِزْيَةَ مُعَاوَضَةٌ عَنْ حَقْنِ الدَّمِ وَالْمُسَاكَنَةِ، فَوَجَبَ أَنْ لَا تَتَدَاخَلَ كَالْأُجْرَةِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ قِيَاسِهِ عَلَى الْحُدُودِ مَعَ انْتِقَاضِهِ بِمَنْ أَفْطَرَ بِجِمَاعٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ، ثُمَّ أَفْطَرَ فِيهِ فِي يَوْمٍ ثَانٍ، لَمْ تَتَدَاخَلِ الْكَفَّارَتَانِ، وَإِنْ كَانَتَا مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ، فَهُوَ أَنَّ الْمَعْنَى فِي الْحُدُودِ أَنْ لَا مَالَ فِيهَا، فَجَازَ أَنْ تَتَدَاخَلَ كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ، وَالْجِزْيَةُ مَالٌ، فَلَمْ تَتَدَاخَلْ، كَالْمَالِ فِيهَا. فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا، وَغَابَ الذِّمِّيُّ سِنِينَ ثُمَّ عَادَ مُسْلِمًا، وَادَّعَى تَقَدُّمَ إِسْلَامِهِ، وَسُقُوطَ جِزْيَتِهِ فِي جَمِيعِ مُدَّتِهِ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: قُبِلَ قَوْلُهُ فِي سُقُوطِهَا عَنْهَا، وَأُحْلِفَ إِنِ اتُّهِمَ. قَالَ الرَّبِيعُ: وَفِيهَا قَوْلٌ آخَرُ: أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ، لِأَنَّهَا عَلَى أَصْلِ الْوُجُوبِ، فَلَمْ تَسْقُطْ بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى. وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ قَالَ مَذْهَبًا لِنَفْسِهِ، وَلَيْسَ يَصِحُّ، لِأَنَّهُ خُلْفٌ فِي أَصْلِ الْوُجُوبِ، وَالْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بالصواب. (مسألة) : قال الشافعي: " وَيَشْتَرِطُ عَلَيْهِمْ أَنَّ مَنْ ذَكَرَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مُحَمَّدًا ﷺ َ - أو دين الله بما لا ينبغي أو زنى بمسلمة أو أصابها باسم نكاح أو فتن مسلما عن دينه أو قطع عليه الطريق أو أعان أهل الحرب بدلالة على المسلمين أو آوى عينا لهم فقد نقض عهده وأحل دمه وبرئت منه ذمة الله تعالى وذمة رسوله ﵊ ويشترط عليهم أن لا يسمعوا المسلمين شركهم وقولهم في عزير والمسيح ولا يسمعونهم ضرب ناقوس وإن فعلوا عزروا ولا يبلغ بهم الحد ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ بِعَقْدِ الْجِزْيَةِ تَقْوِيَةُ الْإِسْلَامِ، وَإِعْزَازُهُ وَإِضْعَافُ الْكُفْرِ وَإِذْلَالُهُ لِيَكُونَ الْإِسْلَامُ أَعْلَى وَالْكُفْرُ أَخْفَضَ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ َ - الْإِسْلَامُ يَعْلُو وَلَا يُعْلَى فَكُلُّ مَا دَعَا إِلَى هَذَا كَانَ الْإِمَامُ مَأْمُورًا بِاشْتِرَاطِهِ عَلَيْهِمْ، وَمَا يُؤْخَذُونَ بِهِ مِنْ ذَلِكَ فِي عَقْدِ جِزْيَتِهِمْ يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا وَجَبَ بِالْعَقْدِ دُونَ الشَّرْطِ. وَالثَّانِي: مَا وَجَبَ بِالشَّرْطِ، وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ بِالْعَقْدِ. وَالثَّالِثُ: مَا لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ، وَوَجَبَ بِالشَّرْطِ. وَالرَّابِعُ: مَا لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ، وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ بِالشَّرْطِ.

стр. 6775

وَالْخَامِسُ: مَا لَمْ يَجِبْ بِعَقْدٍ وَلَا شَرْطٍ. فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَا وَجَبَ بِالْعَقْدِ، وَكَانَ الشَّرْطُ فِيهِ مُؤَكَّدًا لَا مُوجَبًا فَثَلَاثَةُ أَشْيَاءٍ: أَحَدُهَا: الْتِزَامُ الْجِزْيَةِ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] أي يضمنوها. وَالثَّانِي: الْتِزَامُ أَحْكَامِهَا بِالْإِسْلَامِ فِيمَا أَجَابُوهُ مِنَ المسلمين، لقوله تعالى: ﴿وهم صاغرون﴾ والصغار: أَنْ تَجْرِيَ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِمْ. وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَجْتَمِعُوا عَلَى قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، لِيَكُونُوا آمِنِينَ مِنْهُمْ كَمَا أَمِنُوهُمْ نَقْضًا لِعَهْدِهِمْ، فَلَوْ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ بَعْضُهُمْ، وَقَعَدَ عَنْهُمْ بَعْضُهُمُ انْتَقَضَ عَقْدُ الْمُقَاتِلِ، وَنُظِرَ فِي الْقَاعِدِ، فَإِنْ ظَهَرَ مِنْهُ الرِّضَا كَانَ نَقْضًا لِعَهْدِهِ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ الرِّضَا كَانَ عَلَى عَهْدِهِ، وَلَوِ امْتَنَعُوا جَمِيعًا مِنْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ كَانَ نَقْضًا لِعَهْدِهِمْ سَوَاءٌ امْتَنَعُوا جَمِيعًا مِنِ الْتِزَامِهَا أَوْ مِنْ أَدَائِهَا وَإِنِ امْتَنَعَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ مِنْ بَذْلِهَا نُظِرَ، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنِ الْتِزَامِهَا كَانَ نَقْضًا لِعَهْدِهِ كَالْجَمَاعَةِ، وَإِنِ امْتَنَعَ مِنْ أَدَائِهَا مَعَ بَقَائِهِ عَلَى الْتِزَامِهَا لَمْ يَكُنْ نَقْضًا لِعَهْدِهِ، وَأُخِذَتْ مِنْهُ بِخِلَافِ الْجَمَاعَةِ، لِأَنَّ إِجْبَارَ الْجَمَاعَةِ عَلَيْهَا مُتَعَذِّرٌ، وَإِجْبَارَ الْوَاحِدِ عَلَيْهَا مُمْكِنٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: لَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُمْ إِذَا امْتَنَعُوا مِنْ أَدَائِهَا، وَيَنْتَقِضُ إِذَا امْتَنَعُوا مِنْ بَذْلِهَا كَالْآحَادِ، وَفِيمَا ذَكَرْنَا مِنَ الْفَرْقِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا وَجَبَ بِالشَّرْطِ، وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ بِالْعَقْدِ وَهُوَ مَا مُنِعُوا مِنْهُ لِتَحْرِيمِهِ، وَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ. أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَذْكُرُوا كِتَابَ اللَّهِ بِطَعْنٍ عَلَيْهِ وَلَا تَحْرِيفٍ لَهُ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَذْكُرُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - بِتَكْذِيبٍ لَهُ، وَلَا إِزْرَاءٍ عَلَيْهِ. وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يَذْكُرُوا دِينَ اللَّهِ بِذَمٍّ لَهُ، وَلَا قَدْحٍ فِيهِ. وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَفْتِنُوا مُسْلِمًا عَنْ دِينِهِ، وَلَا يَتَعَرَّضُوا لِدَمِهِ أَوْ مَالِهِ. وَالْخَامِسُ: أَنْ لَا يُصِيبُوا مُسْلِمَةً بِزِنًا، وَلَا بِاسْمِ نِكَاحٍ. وَالسَّادِسُ: أَنْ لَا يُعِينُوا أَهْلَ الحرب، ولا يؤوا عَيْنًا لَهُمْ، وَلَا يَنْقُلُوا أَخْبَارَ الْمُسْلِمِينَ إِلَيْهِمْ. فَهَذِهِ السِّتَّةُ تَجِبُ بِالشَّرْطِ، وَفِي وُجُوبِهَا بِالْعَقْدِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: تَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَيَكُونُ الشَّرْطُ تَأْكِيدًا، تَعْلِيلًا بِدُخُولِ الضَّرَرِ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، فَعَلَى هَذَا إِنْ خَالَفُوهَا انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ.

стр. 6776

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: إِنَّهَا لَا تَجِبُ بِالْعَقْدِ، تَعْلِيلًا بِدُخُولِهِمْ تَحْتَ الْقُدْرَةِ، وَخُرُوجِهَا عَنْ لَوَازِمِ الْجِزْيَةِ، لَكِنَّهَا تَلْزَمُ بِالشَّرْطِ، لِتَحْرِيمِهَا وَظُهُورِ الضَّرَرِ بِهَا، وَقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ -: " الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ " فَعَلَى هَذَا إِنْ خَالَفُوهَا بَعْدَ اشْتِرَاطِهَا، فَفِي انْتِقَاضِ عَهْدِهِمْ بِهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَنْتَقِضُ بِهَا عَهْدُهُمْ لِلُزُومِهَا بِالشَّرْطِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَنْتَقِضُ بِهَا عَهْدُهُمْ، لِخُرُوجِهَا عَنْ لَوَازِمِ الْعَقْدِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا لَا يَجِبُ بِالْعَقْدِ، وَيَجِبُ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ مَا مَنَعُوا مِنْهُ، لِأَنَّهُ مُنْكَرٌ، فَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يَعْلُوا عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَبْنِيَةِ، وَيَكُونُوا إِنْ لَمْ يَنْخَفِضُوا عَنْهُمْ مُسَاوِينَ لَهُمْ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يُحْدِثُوا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ بَيْعَةً، وَلَا كَنِيسَةً، وَإِنْ أُقِرُّوا عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ. وَالثَّالِثُ: أَنْ لَا يُجَاهِرُوا الْمُسْلِمِينَ بِإِظْهَارِ صُلْبَانِهِمْ. وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يَتَظَاهَرُوا بِشُرْبِ خُمُورِهِمْ، وَخَنَازِيرِهِمْ، وَلَا يَسْقُوا مُسْلِمًا خَمْرًا، وَلَا يُطْعِمُونَهُمْ خِنْزِيرًا. وَالْخَامِسُ: أَنْ لَا يَتَظَاهَرُوا بِمَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ مِنْ قَوْلِهِمْ: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، وَالْمَسِيحُ. وَالسَّادِسُ: أَنْ لَا يُظْهِرُوا بِتِلَاوَةِ مَا نُسِخَ مِنْ كُتُبِهِمْ، وَلَا يُظْهِرُوا فِعْلَ مَا نُسِخَ مِنْ صَلَوَاتِهِمْ وَأَصْوَاتِ نَوَاقِيسِهِمْ. فَهَذِهِ سِتَّةٌ تَجِبُ عَلَيْهِمْ بِالشَّرْطِ، لِأَنَّهَا مَنَاكِيرُ لَزِمَ الْمَنْعُ مِنْهَا بِالشَّرْعِ، فَإِنْ خَالَفُوهَا، فَفِي بُطْلَانٍ عَهْدِهِمْ بِهَا قَوْلَانِ عَلَى مَا مَضَى. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْقِسْمُ الرَّابِعُ: وَهُوَ مَا لَمْ يَجِبْ بِالْعَقْدِ، وَاخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهِ بِالشَّرْطِ، وَهُوَ مَا مُنِعُوا مِنْهُ، لِتَطَاوُلِهِمْ بِهِ، وَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْيَاءٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُمْنَعُوا مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ عِتَاقًا، وَهِجَانًا، وَلَا يُمْنَعُوا مِنْ رُكُوبِ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ. وَالثَّانِي: تَغْيِيرُ هَيْئَاتِهِمْ، بِلُبْسِ الْغُبَارِ وَشَدِّ الزُّنَّارِ، لِيَتَمَيَّزُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ بِاخْتِلَافِ الهيئة، ولواحدة نِسَائِهِمْ إِذَا بَرَزَتْ بِأَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْخُفَّيْنِ أَحْمَرَ، وَالَآخَرُ أَسْوَدَ لِيَتَمَيَّزَ بِهِ نِسَاؤُهُمْ.

стр. 6777

وَأَنْ يَكُونَ عَلَى أَبْوَابِهِمْ أَثَرٌ يَتَمَيَّزُ بِهَا دُورُهُمْ، فَقَدْ أَخَذَ عُمَرُ ﵁ بَعْضَ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِذَلِكَ، فَكَانَ أَوْلَى، وَالثَّالِثُ: أَنْ يُخْفُوا دَفْنَ مَوْتَاهُمْ، وَلَا يُظْهِرُوا إِخْرَاجَ جَنَائِزِهِمْ. وَالرَّابِعُ: أَنْ لَا يُظْهِرُوا عَلَى مَوْتَاهُمْ لَطْمًا، وَلَا نَدْبًا، وَلَا نَوْحًا. وَالْخَامِسُ: أَنْ لَا يَدْخُلُوا مَسَاجِدَنَا صِيَانَةً لَهَا مِنْهُمْ. وَالسَّادِسُ: أَنْ لَا يَتَمَلَّكُوا مِنْ رَقِيقِ الْمُسْلِمِينَ عَبْدًا، وَلَا أَمَةً، لِئَلَّا يُذِلُّوهُمْ بِالِاسْتِرْقَاقِ، وَيَحْمِلُوهُمْ عَلَى الِارْتِدَادِ. فَهَذِهِ السِّتَّةُ إِنْ لَمْ تُشْتَرَطْ عَلَيْهِمْ لَمْ تَلْزَمْهُمْ، وَفِي لُزُومِهَا إِذَا شُرِطَتْ عَلَيْهِمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا تَلْزَمُ لِخُرُوجِهَا عَلَى مُحَرَّمٍ وَمُنْكَرٍ، فَعَلَى هَذَا إِنْ خَالَفُوهَا بَعْدَ اشْتِرَاطِهَا غزروا عَلَيْهَا، وَلَمْ يَنْتَقِضْ بِهَا عَهْدُهُمْ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا تَلْزَمُ بِالشَّرْطِ، لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " الْإِسْلَامُ يَعْلُو، وَلَا يُعْلَى عَلَيْهِ " فَعَلَى هَذَا إذا خالفوها بعد بالشرط، فَعَلَى انْتِقَاضِ عَهْدِهِمْ بِهَا قَوْلَانِ عَلَى مَا مَضَى. فَصْلٌ : وَأَمَّا الْقِسْمُ الْخَامِسُ: وَهُوَ مَا لَا يَجِبُ بِعَقْدٍ، وَلَا شَرْطٍ، وَهُوَ مَا زَادَ عَلَى إِذْلَالِهِمْ، وَذَلِكَ سِتَّةُ أَشْيَاءٍ: أَحَدُهَا: أَنْ لَا يُعْلُوا أَصْوَاتهُمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَالثَّانِي: أَنْ لَا يَتَقَدَّمُوا عَلَيْهِمْ فِي الْمَجَالِسِ. وَالثَّالِثُ: لَا يُضَايِقُوهُمْ فِي الطَّرِيقِ، وَلَا يَمْشُوا فِيهَا إِلَّا أَفْرَادًا مُتَفَرِّقِينَ. وَالرَّابِعُ: أَنْ يَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ، وَلَا يُسَاوُوهُمْ فِي الرَّدِّ، فَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " اضْطَرُّوهُمْ إِلَى أَضْيَقِ الطُرُقِ، وَلَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسَّلَامِ " وَالْخَامِسُ: إِذَا اسْتَعَانَ بِهِمْ مُسْلِمٌ فيما لا يستضروا بِهِ أَعَانُوهُ. وَالسَّادِسُ: أَنْ لَا يَسْتَبْذِلُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ مِهَنِ الْأَعْمَالِ بِأَجْرٍ وَلَا تَبَرُّعٍ. فَهَذِهِ السِّتَّةُ تُشْتَرَطُ عَلَيْهِمْ إِذْلَالًا لَهُمْ، فَإِنْ خَالَفُوهَا لَمْ يَنْتَقِضْ بِهَا عَهْدُهُمْ، وَجبِرُوا عَلَيْهَا، إِنِ امْتَنَعُوا مِنْهَا، فَإِنْ أَقَامُوا عَلَى الِامْتِنَاعِ عُزِّرُوا. (فَصْلٌ) : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا يَنْتَقِضُ بِهِ الْعَهْدُ، وَلَا يَنْتَقِضُ، فَإِنْ لَمْ يَنْتَقِضْ بِهِ عَهْدُهُمْ، أُخِذُوا بِمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْحُقُوقِ، وَأُقِيمَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَتْلٍ، وَلَزِمَهُ مِنْ حَدٍّ، وَقُوِّمُوا بِهِ مِنْ تَأْدِيبٍ وَإِنِ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ، نُظِرَ حَالُهُمْ بَعْدَ نَقْضِهِمْ، فَإِنْ قَاتَلُوا بَطَلَ أَمَانُهُمْ،

стр. 6778

وَكَانُوا حَرْبًا يُقْتَلُونَ، وَيُسْتَرَقُّونَ، وَإِنْ لَمْ يُقَاتِلُونَا فَفِي بُطْلَانِ أَمَانِهِمْ بِانْتِقَاضِ عَهْدِهِمْ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الْجِزْيَةِ أَنَّ أَمَانَهُمْ لَا يَبْطُلُ بِنَقْضِ الْعَهْدِ، لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ فِي عَقْدٍ، فَالْتَزَمْنَا حُكْمَهُ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمُوهُ. وَلَا يَجُوزُ بَعْدَ نَقْضِ الْعَهْدِ أَنْ يُقَرُّوا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَلَزِمَ أَنْ يَبْلُغُوا مَأْمَنَهُمْ، ثُمَّ يَكُونُوا بَعْدَ بُلُوغِ مَأْمَنِهِمْ حَرْبًا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: نَصَّ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ مِنَ الْأُمِّ أَنَّ أَمَانَهُمْ قَدْ بَطَلَ، لِأَنَّهُ مُسْتَحَقٌّ بِالْعَهْدِ، فَبَطَلَ بِانْتِقَاضِهِ مَا اسْتَحَقَّ بِهِ كَسَائِرِ الْعُقُودِ، فَعَلَى هَذَا قَدْ صَارُوا بِبُطْلَانِ الْأَمَانِ حَرْبًا يَجْرِي عَلَيْهِمْ حُكْمُ الْأَسْرَى إِمَّا الِاسْتِرْقَاقُ أَوِ الْمَنُّ، أَوِ الْفِدَاءُ، فَلَوْ أَسْلَمُوا قَبْلَهَا سَقَطَتْ عَنْهُمْ، وَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُسْتَرَقُّوا، وَيُفَادَوْا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ، وَإِنْ جَازَ اسْتِرْقَاقُ الْأَسِيرِ الْمُحَارِبِ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، لِأَنَّ لِهَؤُلَاءِ أَمَانًا مُتَقَدِّمًا لَمْ يَكُنْ لِلْأَسِيرِ، فَصَارَ حُكْمُهُمْ بِهِ أَضْعَفَ وَأَخَفَّ مِنَ الْأَسِيرِ. فَأَمَّا أَمَانُ ذَرَارِيهِمْ مِنَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ، فَفِي بُطْلَانِ أَمَانِهِمْ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَبْطُلُ، لِأَنَّهُمْ تَبَعٌ فِي لُزُومِهِ، فَكَانُوا تَبَعًا فِي بُطْلَانِهِ، فَيَصِيرُوا سَبْيًا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: - وَهُوَ أَظْهَرُ - أَنَّ أَمَانَهُمْ لَا يَبْطُلُ لِاسْتِقْرَارِهِ فِيهِمْ، فَلَمْ يَبْطُلْ بِبُطْلَانِهِ فِي غَيْرِهِمْ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْبَوْا، وَيَجُوزَ إِقْرَارُهُمْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ، فَإِنْ سَأَلُوا الرُّجُوعَ لِدَارِ الْحَرْبِ أُعِيدَ الصِّبْيَانُ، لِأَنَّهُ لَا حُكْمَ لِاخْتِيَارِ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ، وَأَقَامَ الصِّبْيَانَ حَتَّى يَبْلُغُوا، ثُمَّ يُخَاطَبُوا بِالْجِزْيَةِ، فَإِنِ الْتَزَمُوهَا اسْتُؤْنِفَ عَهْدُهُمْ عَلَيْهَا، وَإِنِ امْتَنَعُوا مِنْهَا بَلَغُوا مَأْمَنَهُمْ، ثُمَّ كَانُوا حَرْبًا، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ الصغار مطلبهم أهلوهم مِنْ دَارِ الْحَرْبِ نُظِرَ. فَإِنْ كَانَ طَالِبُهُمْ هُوَ الْمُسْتَحِقَّ لِحَضَانَتِهِمْ أُجِيبَ إِلَى رَدِّهِمْ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ الْمُسْتَحِقِّ لِحَضَانَتِهِمْ مُنِعَ مِنْهُمْ. (مسألة) : قال الشافعي: " وَلَا يُحْدِثُوا فِي أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ كَنِيسَةً وَلَا مَجْمَعًا لِصَلَاتِهِمْ وَلَا يُظْهِرُوا فِيهَا حَمْلَ خَمْرٍ وَلَا إِدْخَالَ خِنْزِيرٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا قَدْ دَخَلَ فِي جُمْلَةِ الْقِسْمِ الثَّالِثِ مِنْ مُنْكَرَاتِهِمْ، فيمنعوا مِنْ إِحْدَاثِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ فِي أَمْصَارِ الْمُسْلِمِينَ، لِمَا رَوَى مَسْرُوقٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ قَالَ: لَمَّا صَالَحَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ نَصَارَى الشَّامِ كَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا، فَذَكَرَ فِيهِ إنَّهُمْ لَا يَبْنُونَ فِي بِلَادِهِمْ، وَلَا فِيمَا حَوْلَهَا دِيرًا وَلَا كَنِيسَةً، وَلَا صَوْمَعَةَ رَاهِبٍ وَأَنْ لَا يَمْنَعُوا

стр. 6779

الْمَارَّةَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَأَبْنَاءِ السَّبِيلِ، وَأَنْ لَا يُجَدِّدُوا مَا خَرِبَ مِنْهَا - ذَكَرَهُ أَبُو الْوَلِيدِ فِي الْمُخَرَّجِ عَلَى كِتَابِ الْمُزَنِيِّ، وَلِأَنَّ إِحْدَاثَهَا مَعْصِيَةٌ، لِاجْتِمَاعِهِمْ فِيهَا عَلَى إِظْهَارِ الْكُفْرِ، وَلِذَلِكَ أَبْطَلْنَا الْوُقُوفَ عَلَى الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ، وَعَلَى كُتُبِ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ، وَلِأَنَّهُمْ يَقْتَطِعُونَ مَا بَنَوْهُ مِنْ غَيْرِ إِظْهَارِ الْإِسْلَامِ فِيهَا، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْإِسْلَامُ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ظَاهِرًا، فَلِهَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ مُنِعُوا. فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّ حُكْمَ بِلَادِ الْإِسْلَامِ مَوْضُوعَةٌ عَلَى هَذَا لَمْ يَخْلُ حَالُهُمْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: مَا أَحْيَاهُ الْمُسْلِمُونَ. وَالثَّانِي: مَا فَتَحُوهُ عَنْوَةً. وَالثَّالِثُ: مَا فَتَحُوهُ صُلْحًا. فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ مَا ابْتَدَأَ الْمُسْلِمُونَ إِنْشَاءَهُ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ مِنْ مَوَاتٍ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِ مِلْكٌ كَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالَحَ لِأَهْلِ الذِّمَّةِ فِي نُزُولِهَا عَلَى إِحْدَاثِ بَيْعَةٍ وَلَا كَنِيسَةٍ فِيهَا، لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالَحُوا عَلَى مَا يَمْنَعُ مِنْهُ الشَّرْعُ، وَيَكُونُ خَارِجًا مِنْ جُمْلَةِ صُلْحِهِمْ، وَإِنْ تَمَسَّكُوا فِيهِ بِعَقْدِ الصُّلْحِ قِيلَ لَهُمْ: إِنْ رَضِيتُمْ بِإِبْطَالِ هَذَا مِنْهُ، وَإِلَّا نَقَضْنَا عَهْدَكُمْ، وَبَلَّغْنَاكُمْ مَآمِنَكُمْ، وَلَا يَبْطُلُ أَمَانُهُمْ بِنَقْضِنَا بِعَهْدِهِمْ لِأَنَّنَا نَحْنُ نَقَضْنَاهُ بِمَا مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهُ. فَإِنْ قِيلَ: فَقَدْ نَرَى فِي هَذِهِ الْأَمْصَارِ بِيَعًا وَكَنَائِسَ كَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ، وَهُوَ مِصْرٌ إِسْلَامِيٌّ بَنَاهُ الْمَنْصُورُ. قُلْنَا: إِنْ عَلِمْنَا أَنَّهَا أُحْدِثَتْ وَجَبَ هَدْمُهَا، وَإِنْ عَلِمْنَا أَنَّهَا كَانَتْ قَدِيمَةً فِي الْمِصْرِ قَبْلَ إِنْشَائِهِ لِأَنَّ النَّصَارَى قَدْ كَانُوا يَبْنُونَ صَوَامِعَ، وَدِيَارَاتٍ، وَبِيَعًا فِي الصَّحَارِي يَنْقَطِعُونَ إِلَيْهَا، فَتُقَرُّ عَلَيْهِمْ، وَلَا تُهْدَمُ، وَإِنْ أَشْكَلَ أَمْرُهَا، أُقِرَّتِ اسْتِصْحَابًا، لِظَاهِرِ حَالِهَا. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: وَهُوَ مَا فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ عَنْوَةً مِنْ بِلَادِ الشِّرْكِ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُصَالَحُوا عَلَى اسْتِئْنَافِ بِيَعٍ وَكَنَائِسَ فِيهَا، فَأَمَّا مَا تَقَدَّمَ مِنْ بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، فَمَا كَانَ مِنْهَا خَرَابًا عِنْدَ فَتْحِهَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُعَمِّرُوهُ، لِدُرُوسِهَا قَبْلَ الْفَتْحِ، فَصَارَتْ كَالْمَوَاتِ. فَأَمَّا الْعَامِرُ مِنَ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ عِنْدَ فَتْحِهَا، فَفِي جَوَازِ إِقْرَارِهَا عَلَيْهِمْ إِذَا صُولِحُوا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ إِقْرَارُهَا عَلَيْهِمْ لِخُرُوجِهَا عَنْ أَمْلَاكِهِمُ الْمَغْنُومَةِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ،

стр. 6780

وَلِذَلِكَ أُقِرَّتِ الْبِيَعُ وَالْكَنَائِسُ فِي بِلَادِ الْعَنْوَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَمْلِكُهَا الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَزُولُ عَنْهَا حُكْمُ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ وَتَصِيرُ مِلْكًا لَهُمْ مَغْنُومًا لَا حَقَّ فِيهَا لِأَهْلِ الذِّمَّةِ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لِمَا ابْتَنَوْهُ مِنْهَا حُرْمَةٌ فَدَخَلَتْ فِي عُمُومِ الْمَغَانِمِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ بِيعَتْ عَلَيْهِمْ، لِتَكُونَ عَلَى حَالِهَا بِيَعًا وَكَنَائِسَ لَهُمْ، فَفِي جَوَازِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا، يَجُوزُ اسْتِصْحَابًا لِحَالِهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا تَجُوزُ لِزَوَالِهَا عَنْهُمْ بِمِلْكِ الْمُسْلِمِينَ لَهَا، فَصَارَتْ كَالْبِنَاءِ الْمُبْتَدَأِ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ مَا فَتَحَهُ الْمُسْلِمُونَ صُلْحًا، فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أن نصالحهم على أن يكون ملك الدار لَنَا دُونَهُمْ، وَيَسْكُنُونَ مَعَنَا فِيهَا بِالْجِزْيَةِ، فَيُنْظَرُ فِي بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، فَإِنِ اسْتَثْنَوْهَا فِي صُلْحِهِمْ أُقِرَّتْ عَلَيْهِمْ، لِأَنَّ الصُّلْحَ يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ عَامًّا فِي جَمِيعِ أَرْضِهِمْ، وَخَاصًّا فِي بَعْضِهِمْ، فَيُقَرُّوا عَلَيْهَا بِالصُّلْحِ، وَيُمْنَعُوا مِنِ اسْتِحْدَاثِ غَيْرِهَا، وَإِنْ لَمْ يَسْتَثْنُوهَا فِي صُلْحٍ صَارَتْ كَأَرْضِ الْعَنْوَةِ هَلْ يَمْلِكُ الْمُسْلِمُونَ بِيَعَهُمْ وَكَنَائِسَهُمْ إِذَا فَتَحُوهَا؟ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْوَجْهَيْنِ: وَيَكُونُ حُكْمُ هَذَا الْبَلَدِ فِي مَنْعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ فِي الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَحْكَامِنَا. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ نُصَالِحَهُمْ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِلْكُ الدَّارِ لَهُمْ دُونَنَا عَلَى جِزْيَةٍ يؤدونها إلينا، عن رؤوسهم أَوْ عَنْ أَرْضِهِمْ أَوْ عَنْهُمَا جَمِيعًا فَيَجُوزُ أَنْ يُقَرُّوا عَلَى بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَأْنِفُوا فِيهَا إِحْدَاثَ بِيَعٍ وَكَنَائِسَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهَا لِلْمُسْلِمِينَ مَلِكٌ. فَأَمَّا الْأَقْسَامُ الْخَمْسَةُ الَّتِي يُؤْخَذُ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِهَا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَيُؤْخَذُ هَؤُلَاءِ فِي بَلَدِهِمْ بِقِسْمَيْنِ مِنْهَا، وَهُوَ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي، لِأَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ الْمَقْصُودُ بِعَقْدِ الْجِزْيَةِ وَهِيَ الْأَحْكَامُ الثَّلَاثَةُ، لِأَنَّهُمْ قَدْ صَارُوا بِهَذَا الصُّلْحِ مِنْ أَهْلِ الْجِزْيَةِ. وَبِالْقِسْمِ الثَّانِي: وَهِيَ الشُّرُوطُ السِّتَّةُ، لِأَنَّهَا مُحَرَّمَاتٌ مَنَعَ الشَّرْعُ مِنْهَا. فَأَمَّا الْأَقْسَامُ الثَّلَاثَةُ الْبَاقِيَةُ مِنْ منكراتهم واستعلائهم، فلا يؤخذ بِهَا، وَلَا يُمْنَعُوا مِنْهَا، لِأَنَّهَا دَارُهُمْ، وَهِيَ دَارُ مُنْكَرٍ فِي مُعْتَقَدٍ وَفِعْلٍ، فَكَانَ أَقَلُّ أَحْوَالِهِمْ فِيهَا أَنْ يَكُونُوا مُقَرِّينَ عَلَى مَا يُقَرُّونَ عَلَيْهِ فِي بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ. (فَصْلٌ) : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ تُسْتَحْدَثَ، فَهِيَ مَا كَانَتْ مَجْمَعًا لِصَلَوَاتِهِمْ، وَمَا اخْتُصَّ بِعِبَادَاتِهِمْ، وَتِلَاوَةِ كُتُبِهِمْ، وَدِرَاسَةِ

стр. 6781

كُفْرِهِمْ، فَهِيَ الْمَخْصُوصَةُ بِالْحَظْرِ وَالْمَنْعِ، فَأَمَّا بِنَاءُ مَا سِوَاهَا فَضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ تَكُونَ أَمْلَاكًا خاصة، يسكنها أربابها، فلا يمنعوا بنائها، وَلَا أَنْ يَبِيعَهَا الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِمْ، وَيَشْتَرُونَهَا مِنْهُمْ، لِأَنَّهَا مَنَازِلُ سُكْنَى، وَلَيْسَتْ بُيُوتَ صَلَاةٍ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَبْنُوا مَا يَسْكُنُهُ بَنُو السَّبِيلِ مِنْهُمْ لِكُلِّ مَارٍّ وَمُجْتَازٍ، وَلَا يَخْتَصُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِمِلْكِهِ، فَيُنْظَرُ. فَإِنْ شَارَكَهُمُ الْمُسْلِمُونَ فِي سُكْنَاهُ فَجَعَلُوهُ لِكُلِّ مَارٍّ مِنْ مُسْلِمٍ وَذِمِّيٍّ جَازَ، وَلَمْ يُمْنَعُوا مِنْ بَقَائِهِ، وَإِنْ جَعَلُوهُ مَقْصُورًا عَلَى أَهْلِ دِينِهِمْ دُونَ الْمُسْلِمِينَ، فَفِي جَوَازِ تَمْلِيكِهِمْ مِنْ بِنَائِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ، لِأَنَّهُ مَنْزِلُ سَكَنٍ، فَصَارَ كَالْمَنْزِلِ الْخَاصِّ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ أَنْ يُمَكَّنُوا مِنْهُ كَالْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ، لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَقْصُورًا عَلَيْهِمْ عُمُومًا، لِيَتَعَبَّدَ فِيهِ سَابِلَتُهُمْ، فَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البيع والكنائس فرق، وقد يؤول بِهِمْ إِلَى أَنْ يَصِيرَ بَيْعَةً أَوْ كَنِيسَةً لَهُمْ. (فَصْلٌ) : فَأَمَّا مَا اسْتُهْدِمَ مِنْ بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمِ الَّتِي يَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ عَلَيْهَا مَعَ عِمَارَتِهَا، فَفِي جَوَازِ إِعَادَتِهِمْ لِبِنَائِهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ: يُمْنَعُونَ مِنْ إِعَادَةِ بِنَائِهَا، وَيَكُونُ إِقْرَارُهُمْ عَلَيْهَا مَا كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى عِمَارَتِهَا، لِأَنَّ عُمَرَ ﵁ شَرَطَ عَلَى نَصَارَى الشَّامِ أَنْ لَا يُجَدِّدُوا مَا خَرِبَ مِنْهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ لَهُمْ إِعَادَةُ بِنَائِهَا اسْتِصْحَابًا لِحُكْمِهَا، وَأَنَّ الْأَبْنِيَةَ لَا تَبْقَى عَلَى الْأَبَدِ، فَلَوْ مُنِعُوا مِنْ بِنَائِهَا بَطَلَتْ عَلَيْهِمْ. وَالصَّحِيحُ عِنْدِي مِنْ إِطْلَاقِ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ أَنْ يُنْظَرَ فِي خَرَابِهَا، فَإِنْ صَارَتْ دَارِسَةً مُسْتَطْرَفَةً كَالْمَوَاتِ مُنِعُوا مِنْ بِنَائِهَا، لِأَنَّهُ اسْتِئْنَافُ إِنْشَاءٍ، وَإِنْ كَانَتْ شَعِثَةً بَاقِيَةَ الْآثَارِ وَالْجُدْرَانِ جَازَ لَهُمْ بِنَاؤُهَا، وَلَوْ هَدَمُوهَا لِاسْتِئْنَافِهَا لَمْ يُمْنَعُوا، لِأَنَّ عِمَارَةَ الْمُسْتَهْدَمِ اسْتِصْلَاحٌ وَإِنْشَاءَ الدارس استئناف. (مسألة) : قال الشافعي: " وَلَا يُحْدِثُونَ بِنَاءً يَتَطَوَّلُونَ بِهِ بِنَاءَ الْمُسْلِمِينَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّهُ لَا تَخْلُو مَسَاكِنُهُمْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَسْتَأْنِفُوا بِنَاءَهَا. وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَدِيمُوا سُكْنَاهَا. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُعِيدُوا بِنَاءَهَا.

стр. 6782

فَأَمَّا الْقِسْمُ الْأَوَّلُ: وَهُوَ أَنْ يَسْتَأْنِفُوا بِنَاءَهَا بَعْدَ الْعَهْدِ، فَلَا يَخْلُو مُجَاوِرُوهُمْ فِي مَوْضِعِهِمْ مِنَ الْمِصْرِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا أَنْ يَكُونُوا مُسْلِمِينَ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ مِنْ غَيْرِ دِينِهِمْ. فَإِنْ كَانَ مُجَاوِرُوهُمْ مُسْلِمِينَ، لَمْ يكن لهم أن يعلو بِأَبْنِيَتِهِمْ عَلَى أَبْنِيَةِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَطَّوَّلُوا عَلَى أَبْنِيَتِهِمْ، لقول النبي ﷺ َ - الإسلام يعلو ولا يعلى فإن علو بِأَبْنِيَتِهِمْ هُدِمَتْ عَلَيْهِمْ، وَهَلْ يُمَكَّنُونَ مِنْ مُسَاوَاتِهِمْ فِي الْأَبْنِيَةِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يُمَكَّنُونَ مِنْ الْمُسَاوَاةِ، لِأَنَّهُ قَدْ أُمِنَ الِاسْتِعْلَاءُ وَالِاسْتِشْرَافُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُمْنَعُونَ مِنَ الْمُسَاوَاةِ حَتَّى تُنْقَصَ أَبْنِيَتُهُمْ عَنْ أَبْنِيَةِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْمُسَاوَاةِ فِي اللِّبَاسِ وَالرُّكُوبِ، لِقَوْلِهِ ﷺ َ - الإسلام يعلو، ولا يعلى. وهل يراعى المنع مِنَ الِاسْتِعْلَاءِ فِي مَوْضِعِهِمْ مِنَ الْمِصْرِ أَوْ فِي جَمِيعِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي مَوْضِعِهِمُ الَّذِي هُمْ فِيهِ جِيرَةٍ، لِأَنَّ مَا بَعُدَ عَنْهُمْ، فَقَدْ أَمِنَ إِشْرَافَهُمْ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: يُمْنَعُونَ فِي جَمِيعِ الْمِصْرِ أَنْ يَتَطَاوَلُوا بِالِاسْتِعْلَاءِ عَلَى أَهْلِ الْمِصْرِ، وَإِنْ كَانَ مُجَاوِرُوهُمْ فِي مَوْضِعِهِمْ مِنْ أَهْلِ دِينِهِمْ جَازَ لَهُمْ أَنْ يَتَطَاوَلُوا فِيهَا بِأَبْنِيَتِهِمْ، فَيَعْلُوَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ كَمَا يَعْلُو بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَعْضٍ، وَهَلْ يُمْنَعُ جميعهم أن يعلو بِأَبْنِيَتِهِمْ عَلَى أَبْنِيَةِ مَنْ لَا يُجَاوِرُهُمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمِصْرِ أَوْ لَا؟ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ: وَإِنْ كَانَ مُجَاوِرُوهُمْ فِي مَوْضِعِهِمْ أَهْلَ ذِمَّةٍ عَلَى غَيْرِ دِينِهِمْ كَالْيَهُودِ مَعَ النَّصَارَى، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَالَى بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الْأَبْنِيَةِ، لِأَنَّ جَمِيعَهُمْ أَهْلُ ذِمَّةٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُمْنَعُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِذَا اسْتَعْدَوْنَا، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنَ الْمُسَاوَاةِ، لِأَنَّ عَلَيْنَا أَنْ نَمْنَعَ كُلَّ صِنْفٍ مِنْهُمْ مِمَّا نَمْنَعُ بِهِ أَنْفُسَنَا. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّانِي: مِنْ مَسَاكِنِهِمْ أَنْ تَكُونَ قَدِيمَةَ الْأَبْنِيَةِ، إِمَّا لِأَنَّهُمْ سَكَنُوهَا قَبْلَ صُلْحِهِمْ، أَوْ لِأَنَّهُمُ اشْتَرَوْهَا مِنْ مُسْلِمٍ بَعْدَ الصُّلْحِ، فَيَجُوزُ إِقْرَارُهُمْ

стр. 6783

عَلَيْهِمَا، وَإِنِ اسْتَعْلَوْا بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، كَمَا نُقِرُّهُمْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْبِيَعِ وَالْكَنَائِسِ، وَإِنْ مُنَعُوا مِنَ اسْتِحْدَاثِهَا، لَكِنَّهُمْ يُمْنَعُونَ مِنَ الْإِشْرَافِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَأَنْ لَا يَعْلُوا عَلَى سُطُوحِهَا إِلَّا بَعْدَ تَحْجِيرِهَا، وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرِ الْمُسْلِمُ بِتَحْجِيرِ سَطْحِهِ مِنْ جَارِهِ، وَيُمْنَعُ صِبْيَانُهُمْ مِنَ الْإِشْرَافِ، وَإِنْ لَمْ يُمْنَعْ صِبْيَانُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْإِشْرَافِ، فَيَصِيرُوا مَأْخُوذِينَ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ إِشْرَافِهِمْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كَمَا يُؤْخَذُ الْمُسْلِمُ بِالْمَنْعِ منْ إِشْرَافِهِ عَلَى جَارِهِ الْمُسْلِمِ، وَيُؤْمَرُ بِالتَّحْجِيرِ، وَإِنْ لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ الْمُسْلِمُ لِأَنَّ الْمُسْلِمَ مَأْمُونٌ وَهُمْ غَيْرُ مَأْمُونِينَ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْقِسْمُ الثَّالِثُ: وَهُوَ أَنْ يُعِيدُوا أَبْنِيَةَ مَسَاكِنِهِمْ بَعْدَ اسْتِهْدَامِهَا، فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُمْ يَصِيرُونَ كَالْمُسْتَأْنِفِينَ لِبِنَائِهَا، فَيُمْنَعُوا مِنَ الِاسْتِعْلَاءِ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ كَانَتْ عَالِيَةً قَبْلَ هَدْمِهَا، وَهَذَا عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يُمْنَعُونَ مِنْ إِعَادَةِ بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ إِذَا اسْتُهْدِمَتْ فَأَمَّا إِذَا أَرَادُوا أَنْ يَرْتَفِقُوا فِي أَبْنِيَتِهِمْ بِإِخْرَاجِ الرَّوَاشِينَ وَالْأَجْنِحَةِ إِلَى طُرُقِ السَّابِلَةِ فَفِيهَا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُمْنَعُونَ ارْتِفَاقَهُمْ بِهَا كَالْمُسْلِمِينَ، لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي اسْتِطْرَاقِهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُمْنَعُونَ مِنْهَا، وَإِنْ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهَا الْمُسْلِمُونَ، لِأَنَّهَا طُرُقُ الْمُسْلِمِينَ دُونَهُمْ كمَا يُمْنَعُونَ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ الَّذِي لَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْمُسْلِمُ، وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي آثَارِ حُشُوشِهِمْ إِذَا أَرَادُوا حَفْرَهَا فِي أَفَنِيَةِ دُورِهِمْ كَانَ عَلَى هَذَيْنِ الوجهين: (مسألة) : قال الشافعي: " وَأَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ هَيْئَتِهِمْ فِي الْمَلْبَسِ وَالْمَرْكَبِ وبين هيآت الْمُسْلِمِينَ وَأَنْ يَعْقِدُوا الزَّنَانِيرَ عَلَى أَوْسَاطِهِمْ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَالْمُسْلِمِينَ فِي هَيْئَاتِ الْمَلْبَسِ وَالْمَرْكَبِ، فَيُؤْخَذُونَ بِهِ فِي عَقْدِ ذِمَّتِهِمْ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمْ، لِيَتَمَيَّزُوا بِهِ، فَيُعْرَفُوا، ولا يشتبهوا بِالْمُسْلِمِينَ، فَيَخْفَوْا، لِمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، مِنِ افْتِرَاقِ الْأَحْكَامِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْهَيْئَاتِ مُعْتَبَرٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: فِي مَلَابِسِهِمْ. وَالثَّانِي: فِي أَبْدَانِهِمْ.

стр. 6784

وَالثَّالِثُ: فِي مَوَاكِبِهِمْ. فَأَمَّا الْمُعْتَبَرُ فِي مَلَابِسِهِمْ فَالِاخْتِيَارُ أَنْ يُجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لُبْسُ الْغِيَارِ. وَالثَّانِي: شَدُّ الزُّنَّارِ. فَأَمَّا الْغِيَارُ، فَهُوَ أَنْ يُغَيِّرُوا لَوْنَ ثَوْبٍ وَاحِدٍ مِنْ مَلَابِسِهِمْ لَا يَلْبَسُ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَ لَوْنِهِ، إِمَّا في عمائهم، وَإِمَّا فِي قُمُصِهِمْ، وَيَكُونُوا فِيمَا سِوَاهُ مِثْلَ مَلَابِسِ الْمُسْلِمِينَ، وَيُفَرَّقُ بَيْنَ غِيَارِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، لِيَتَمَيَّزُوا، وَعَادَةُ الْيَهُودِ أَنْ يَكُونَ غِيَارُهُمِ الْعَسَلِيَّ، وهو الماثل إِلَى الصُّفْرَةِ كَالْعَسَلِ، وَرُبَّمَا غَيَّرُوا بِنَوْعٍ مِنَ الأزرق يخالف معهود الأزرق، وغيار النَّصَارَى أَنْ يَكُونَ غِيَارُهُمُ الْأَدْكَنَ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنَ الْفَاخِتِيِّ، وَرُبَّمَا غَيَّرُوا بِنَوْعٍ مِنَ الصُّوفِ. وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَلْوَانُ شَرْطًا لَا يُتَجَاوَزُ إِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِلَوْنٍ مُتَمَيِّزٍ فَإِذَا صَارَ مَأْلُوفًا مُنِعُوا مِنَ الْعُدُولِ عَنْهُ إِلَى غَيْرِهِ، لِئَلَّا يَقَعَ الِاشْتِبَاهُ وَالْإِشْكَالُ، فَإِنْ تَشَابَهَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى فِي لَوْنِ الْغِيَارِ جَازَ، وَإِنْ كَانَ تَمَيُّزُهُمْ فِيهِ أَوْلَى. وَأَمَّا الزُّنَّارُ فَهُوَ كَالْخَيْطِ الْمُسْتَغْلِظِ يَشُدُّونَهُ في أوساطهم فوق ثيابهم، وأرديتهم، ويمنعوا أَنْ يَسْتَبْدِلُوا بِشَدِّ الْمَنَاطِقِ وَالْمِنْدِيلِ، لِأَنَّ الْمِنْطَقَةَ مِنْ لُبْسِ الْمُتَخَصِّصِينَ بِالرُّتَبِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَالْمَنَادِيلِ فِي الْأَوْسَاطِ مِنْ لُبْسِ ذَوِي الصَّنَائِعِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَلَمْ يَتَمَيَّزْ بِهَا أَهْلُ الذِّمَّةِ، وَجَمِيعُ الْأَلْوَانِ مِنَ الزَّنَانِيرِ سَوَاءٌ بِخِلَافِ الْغِيَارِ، لِأَنَّ أَصْلَ الزُّنَّارِ كَالْغِيَارِ. فَإِنْ شُرِطَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ فِي غِيَارٍ أَوْ زُنَّارٍ جَازَ، لِأَنَّهُمْ يَتَمَيَّزُونَ بِهِ، وَإِنْ شَرَطَ عَلَيْهِمُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْغِيَارِ وَالزُّنَّارِ أَخَذُوا بِهِمَا مَعًا، لِأَنَّهُ أَبْلَغُ فِي التَّمَيُّزِ مِنْ أَحَدِهِمَا. فَأَمَّا نساء أهل الذمة، فيؤخذون بِلُبْسِ الْغِيَارِ فِي الْخِمَارِ الظَّاهِرِ الَّذِي يُشَاهَدُ، ويلبسوا خُفَّيْنِ مِنْ لَوْنَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَسْوَدُ، وَالْآخَرُ: أَحْمَرُ أَوْ أَبْيَضُ، لِيَتَمَيَّزَ نِسَاؤُهُمْ عَنْ نِسَاءِ الْمُسْلِمِينَ، ويؤخذوا بِشَدِّ الزُّنَّارِ دُونَ الْخِمَارِ، لِئَلَّا تَصِفَهَا بِثِيَابِهَا بَعْدَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرًا، فَإِنِ اقْتَصَرَ فِي النِّسَاءِ عَلَى التَّمَيُّزِ بِأَحَدِهِمَا جَازَ، وَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَ الثَّلَاثَةِ أَوْلَى، فَإِنْ لَبِسَ أَهْلُ الذِّمَّةِ الْعَمَائِمَ وَالطَّيَالِسَةَ، لَمْ يُمْنَعُوا. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ: يُمْنَعُونَ مِنْ لُبْسِ الْعَمَائِمِ وَالطَّيَالِسَةِ، لِأَنَّهَا مِنْ أَجْمَلِ مَلَابِسِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ تَمَيُّزُهُمْ عَنِ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا تَمَيَّزُوا بِالْغِيَارِ وَالزُّنَّارِ جَازَ أَنْ يُسَاوُوهُمْ فِي صِفَاتِ مَلَابِسِهِمْ كَمَا يُسَاوُوهُمْ فِي أنواع مأكلهم.

стр. 6785

وَأَمَّا لُبْسُ فَاخِرِ الدِّيبَاجِ وَالْحَرِيرِ، فَلَا يُمْنَعُونَ مِنْهُ فِي مَنَازِلِهِمْ، وَفِي مَنْعِهِمْ مِنْهُ ظَاهِرًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُمْنَعُونَ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنَ التَّطَاوُلِ بِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُمْنَعُونَ مِنْهُ كَمَا لَا يُمْنَعُونَ مِنْ فَاخِرِ الثِّيَابِ الْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ، وَلِأَنَّهُمْ يَصِيرُونَ مُتَمَيِّزِينَ بِلُبْسِهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، لِتَحْرِيمِ لُبْسِهِ عَلَيْهِمْ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْفَرْقُ الْمُعْتَبَرُ فِي أَبْدَانِهِمْ، فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي شُعُورِهِمْ. وَالثَّانِي: فِي أَجْسَادِهِمْ. فَأَمَّا الشُّعُورُ فَيُمَيَّزُونَ فِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْحَذِفُوا في مقدم رؤوسهم عراضا تخالف شوابير الأشراف. والثاني: لا يفرقوا شعورهم في رؤوسهم، وَيُرْسِلُونَهَا ذَوَائِبَ، لِأَنَّ هَذَا مِنَ الْمُبَاهَاةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ. وَأَمَّا فِي أَجْسَادِهِمْ، فَهُوَ أَنْ تُطْبَعَ خَوَاتِيمُ الرَّصَاصِ مَشْدُودَةً، فِي أَيْدِيهِمْ أَوْ رِقَابِهِمْ، وَهُوَ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَذَلُّ، وَإِنَّمَا أُخِذُوا بِالتَّمَيُّزِ فِي أَبْدَانِهِمْ فِي هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: عِنْدَ دُخُولِ الْحَمَّامَاتِ، فَإِذَا تَجَرَّدُوا فِيهَا مِنْ ثِيَابِهِمْ، وَقَدِ اخْتِيرَ أَنْ يَدْخُلُوهَا وَفِي أَيْدِيهِمْ جَلْجَلٌ. وَالثَّانِي: لِأَنَّهُمْ رُبَّمَا وُجِدُوا مَوْتَى، لِيُعْرَفُوا، فَيُدْفَعُوا إِلَى أَهْلِ دِينِهِمْ، فَيَدْفِنُونَهُمْ فِي مَقَابِرِهِمْ وَلَا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ، فَيُصَلُّوا عَلَيْهِمْ، وَيَدْفِنُونَهُمْ فِي مَقَابِرِهِمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُمَيَّزُوا بِمِيسَمٍ وَلَا وَسْمٍ، لِأَنَّهُ مُؤْلِمٌ وَغَيْرُ مَأْثُورٍ، فَإِنِ اقْتَصَرُوا عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ فِي أَبْدَانِهِمْ إِمَّا بِالشُّعُورِ أَوْ بِخَوَاتِيمِ الرَّصَاصِ الْمَطْبُوعَةِ جَازَ، لِوُقُوعِ التَّمْيِيزِ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَوْلَى، لِأَنَّهُ أظهر. فأما النساء فلا يعرض لتحذيف شعورهم، ويمنعوا مِنَ الْفَرْقِ وَالذَّوَائِبِ فِي الْحَمَّامَاتِ دُونَ مَنَازِلِهِنَّ، وَهُنَّ فِي طَابَعِ خَوَاتِيمِ الرَّصَاصِ إِذَا خَرَجْنَ كَالرِّجَالِ. (فَصْلٌ) : فَأَمَّا الْفَرْقُ الْمُعْتَبَرُ فِي مَرَاكِبِهِمْ فَمِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي جِنْسِ الْمَرْكُوبِ. وَالثَّانِي: فِي صِفَةِ الْمَرْكُوبِ. فَأَمَّا جِنْسُ الْمَرْكُوبِ، فَيَرْكَبُونَ الْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ، وَيُمْنَعُونَ مِنْ رُكُوبِ الْخَيْلِ

стр. 6786

عِتَاقًا، وَهِجَانًا، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] . فَأَخْبَرَ بِإِعْدَادِهَا لِأَوْلِيَائِهِ فِي جِهَادِ أَعْدَائِهِ. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ الْخَيْلُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ. يَعْنِي بِالْخَيْرِ الْغَنِيمَةَ، وَهُمُ الْمَغْنُومُونَ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرُوا بِهَا غَانِمِينَ. وَرُوِيَ أَنَّهُ قَالَ الْخَيْلُ ظُهُورُهَا عِزٌّ وَبُطُونُهَا كَنْزٌ. وَأَمَّا صِفَةُ الْمَرْكُوبِ، فَيُخْتَارُ أَنْ يَرْكَبُوا عَلَى الْأُكُفِ عُرْضًا لِرِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَتَبَ إِلَى أُمَرَاءِ الْأَجْنَادِ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَخْتِمُوا فِي رِقَابِ أَهْلِ الذِّمَّةِ بِالرَّصَاصِ، وَأَنْ يُظْهِرُوا مَنَاطِقَهُمْ، وَيَجُزُّوا نَوَاصِيَهُمْ، وَيَرْكَبُوا الْأُكُفِ عُرْضًا، وَلَا يَتَشَبَّهُوا بِالْمُسْلِمِينَ فِي لَبُوسِهِمْ. فَأَمَّا الْخَتْمُ بِالرَّصَاصِ فِي رِقَابِهِمْ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ، وَأَمَّا إِظْهَارُ مَنَاطِقِهِمْ، فَهُوَ شَدُّ الزُّنَّارِ فِي أَوْسَاطِهِمْ، فَوْقَ ثِيَابِهِمْ، وَأَمَّا جَزُّ نَوَاصِيهِمْ فَهُوَ مَا ذَكَرْنَا مِنْ تحذيفهم في مقدم رؤوسهم. وَأَمَّا رُكُوبُ الْأُكُفِ عُرْضًا فَهُوَ أَنْ تَكُونَ رِجْلَا الرَّاكِبِ إِلَى جَانِبٍ، وَظَهْرُهُ إِلَى جَانِبٍ، فَإِنَّ تَجَاوُزَ الْأُكُفَ إِلَى ضِدِّهِ بِحَمْلِ الْأَثْقَالِ إِلَى السُّرُوجِ بِمَا تَمَيَّزَ مِنْ سُرُوجِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَتْ رُكُبُهُمْ فِيهَا خَشَبًا، وَلَمْ تَكُنْ حَدِيدًا وَيُمْنَعُونَ مَنْ تَخَتُّمِ الْفِضَّةِ وَالذَّهَبِ لِمَا فِيهَا مِنَ التَّطَاوُلِ وَالْمُبَاهَاةِ، وَلَوْ وُسِمَتْ بِغَالُهُمْ بِمَا يتميز به عما للمسلمين كان أولى. (مسألة ) : قال الشافعي: " وَلَا يَدْخُلُوا مَسْجِدًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مُعْتَبَرٌ بِعَقْدِ الذِّمَّةِ مَعَهُمْ، فَإِنْ شُرِطَ فِيهِ أَنْ لَا يَدْخُلُوا مَسْجِدَ الْمُسْلِمِينَ مُنِعُوا مِنْ دُخُولِهِ بِحُكْمِ الشَّرْطِ، وَإِنْ أُغْفِلَ شَرْطُهُ عَلَيْهِمْ مُنِعُوا مِنْ دُخُولِهِ لِأَكْلٍ وَمَنَامٍ، لِمَا فِيهِ مِنِ اسْتِبْذَالِهِمْ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ الْمُسْلِمُ، لِأَنَّ الْمُسْلِمَ يَعْتَقِدُ تَعْظِيمَهُ دِينًا، وَالْمُشْرِكَ يَرَى اسْتِبْذَالَهُ دِينًا. وَأَمَّا دُخُولُهَا لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ، وَمَا يَعْرِضُ فِيهِ مِنْ حَاجَةٍ إِلَى مُسْلِمٍ، فَيَجُوزُ بِإِذْنٍ وَيُمْنَعُونَ مِنْهُ بِغَيْرِ إِذَنٍ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ، فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] . فَدَلَّتْ هَذِهِ الْآيَةُ عَلَى إِبَاحَةِ الدُّخُولِ بَعْدَ الْإِذْنِ. فَإِنْ قَدِمَتْ وُفُودُ الْمُشْرِكِينَ، فَالْأَوْلَى أَنْ يُنْزِلَهُمُ الْإِمَامُ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ، فَإِنْ أَرَادَ إِنْزَالَهُمْ فِي الْمَسَاجِدِ اعْتُبِرَتْ حَالُهُمْ. فَإِنْ خِيفَ مِنْهُمْ تَنْجِيسُ الْمَسْجِدِ مُنِعُوا مِنْ نُزُولِهِ، وَإِنْ أُمِنَ مِنْهُمْ تَنْجِيسُهُ نُظِرَ

стр. 6787

فيه، إن لم يرج إِسْلَامَهُمْ مُنِعُوا مِنْ نُزُولِهِ صِيَانَةً لَهُ مِنَ الِاسْتِبْذَالِ، وَإِنْ رُجي إِسْلَامُهُمْ عِنْدَ سَمَاعِ الْقُرْآنِ جَازَ إِنْزَالُهُمْ فِيهِ. قَدْ أَنْزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ، فَكَانَ سَبَبًا لِإِسْلَامِهِمْ، وَإِسْلَامِ قَوْمِهِمْ. وَلَوْ دَعَتِ الضَّرُورَةُ فِيمَنْ لَمْ يَرْجُ إِسْلَامَهُمْ إِلَى إِنْزَالِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ لِتَعَذُّرِ مَا يَنْزِلُونَ فِيهِ، مُسْتَكِنِّينَ فِيهِ مِنْ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ جَازَ لِأَجْلِ الضَّرُورَةِ أَنْ يَنْزِلُوا، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - أَنْزَلَ سَبْيَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَبَنِيَ النَّضِيرِ مِنْ ضَرُورَةٍ حَتَّى أَمَرَ بِهِمْ، فَبِيعُوا وَرَبَطَ ثُمَامَةَ بْنَ أُثَالٍ الْحَنَفِيَّ إِلَى سَارِيَةٍ فِي مَسْجِدِهِ. فَأَمَّا مَنْ يَصِحُّ مِنْهُ الْإِذْنُ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لِمُقَامٍ أَوِ اجْتِيَازٍ، فَإِنْ كَانَ لِمُقَامٍ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ تَزِيدُ عَلَى مُقَامِ السَّفَرِ لَمْ يَصِحَّ الْإِذْنُ فِيهِ إِلَّا مِنْ سُلْطَانٍ يَنْفُذُ أَمْرُهُ فِي الدِّينِ أَوْ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ أَهْلُ تِلْكَ النَّاحِيَةِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيَكُونُ الْإِذْنُ مَشْرُوطًا أَنْ لَا يَسْتَضِرَّ بِهِ أَحَدٌ مِنَ الْمُصَلِّينَ. وَإِنْ كَانَ دُخُولُهُ لِاجْتِيَازٍ أَوْ لُبْثٍ يَسِيرٍ نُظِرَ فِي الْمَسْجِدِ. فَإِنْ كَانَ مِنَ الْجَوَامِعِ الَّتِي لَا يَتَرَتَّبُ الْأَئِمَّةُ فِيهَا إِلَّا بِإِذْنِ السُّلْطَانِ لَمْ يَصِحَّ الْإِذْنُ فِي دُخُولِهِ إِلَّا مِنْ سُلْطَانٍ لِأَنَّهُ لَمَّا اعْتُبِرَ إِذْنُهُ فِي إِمَامَةِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ، كَانَ أَوْلَى أَنْ يُعْتَبَرَ فِيمَا أُبِيحَ مِنْ دُخُولِ أَهْلِ الذِّمَّةِ. وَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ مِنْ مَسَاجِدِ الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ الَّتِي يَتَرَتَّبُ فِيهَا أَئِمَّتُهَا بِغَيْرِ إِذَنِ السُّلْطَانِ لَمْ يُعْتَبَرْ إِذَنُ السُّلْطَانِ فِي دُخُولِهِ. وَفِيمَنْ يَصِحُّ إِذْنُهُ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: كُلٌّ مَنْ صَحَّ أَمَانُهُ لِمُشْرِكٍ مِنْ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ، وَحُرٍّ وَعَبْدٍ، صَحَّ إِذْنُهُ فِي الْمَسْجِدِ، لِأَنَّ حُكْمَ الْأَمَانِ أَغْلَظُ. والْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إِلَّا إِذْنُ مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ مِنَ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ، لِمَا تَعَلَّقَ بِهِمْ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ. (فَصْلٌ) : فَأَمَّا تَعْلِيمُهُمُ الْقُرْآنَ، فَيَجُوزُ بِهِ إِذَا رُجِيَ بِهِ إِسْلَامُهُمْ وَلَا يَجُوزُ إِذَا خِيفَ بِهِ الِاسْتِهْزَاءُ بِهِ. قَدْ سَمِعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - أُخْتَهُ تَقْرَأُ سُورَةَ " طه " - فَأَسْلَمَ. وَقَالَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ: إِذَا سَمِعْتُ الْقُرْآنَ كَادَ أَنْ يَنْقَطِعَ قَلْبِي. وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي تَعَلُّمِ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ، وَأَخْبَارِ الرَّسُولِ إِنْ رُجِيَ بِهِ إِسْلَامُهُمْ لَمْ

стр. 6788

يُمْنَعُوا مِنْهُ، وَإِنْ خِيفَ اعْتِرَاضُهُمْ وَجَرْحُهُمْ فِيهِ مُنِعُوا مِنْهُ، وَلَا يُمْنَعُونَ مِنْ تَعْلِيمِ الشِّعْرِ وَالنَّحْوِ، وَمَنَعَهُمْ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ مِنْ تَعَلُّمِهِ، لِأَنَّهُ فِي اسْتِقَامَةِ أَلْسِنَتِهِمْ بِهِ تَطَاوُلًا عَلَى مَنْ قَصَّرَ فِيهِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّهُمْ رُبَّمَا اسْتَعَانُوا بِهِ فِي الِاعْتِرَاضِ عَلَى الْقُرْآنِ. وَهَذَا فَاسِدٌ، لأنه ليس من حلوم الدِّينِ، وَأَشْبَهَ عِلْمَ الطِّبِّ وَالْحِسَابِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تعالى. قد صان كتابه عن قدم بدليل، واعتراض بحجة. (مسألة) : قال الشافعي: " وَلَا يَسْقُوا مُسْلِمًا خَمْرًا وَلَا يُطْعِمُوهُ خِنْزِيرًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يُكْرِهُوا الْمُسْلِمِينَ عَلَى شُرْبِ الْخَمْرِ، وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ، فَإِنَّ التَّبَعَةَ فِيهِ عليهم لا على المسلم، فيعزروا سَوَاءٌ شُرِطَ عَلَيْهِمْ فِي عَهْدِهِمْ، أَوْ لَمْ يُشْرَطْ، وَلَا يَنْتَقِضْ بِهِ الْعَهْدُ إِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ، وَفِي انْتِقَاضِهِ بِهِ إِنْ شُرِطَ وَجْهَانِ: وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَغْلِبَهُمُ الْمُسْلِمُ عَلَيْهِ كَرْهًا، فَيَشْرَبَ خَمْرَهُمْ، وَيَأْكُلَ خِنْزِيرَهُمْ، فَيُقَامُ عَلَى الْمُسْلِمِ حَدُّ الْخَمْرِ، وَيُعَزَّرُ لِأَكْلِ الْخِنْزِيرِ، وَيُعَزَّرُ فِي حَقِّ أَهْلِ الذِّمَّةِ، لِتَعَدِّيهِ عَلَيْهِمْ، وَلَا قِيمَةَ عَلَيْهِ، فِيمَا شَرِبَهُ مِنَ الْخَمْرِ وَأَكَلَهُ مِنَ الخنزير. والحالة الثَّالِثَةُ: أَنْ يَعْرِضُوهُ عَلَى الْمُسْلِمِ مِنْ غَيْرِ إِكْرَاهٍ وَيَقْبَلُهُ الْمُسْلِمُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ تَغْلِيبٍ، فَيُقَامُ عَلَى الْمُسْلِمِ حَدُّ الْخَمْرِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى، وَلَا يُعَزَّرُ فِي حَقِّهِمْ، وَيُعَزَّرُ الذِّمِّيُّ، إِنْ كَانَ ذَلِكَ مَشْرُوطًا فِي عَهْدِهِمْ، وَلَا يُعَزَّرُ إِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ، وَهَكَذَا لَوِ ابْتَدَأَ الْمُسْلِمُ بِطَلَبِهِ، فَأَجَابُوهُ إِلَّا أَنَّ تَعْزِيرَهُمْ فِي الِابْتِدَاءِ بِعَرْضِهِ أَغْلَظُ مِنْ تَعْزِيرِهِمْ فِي إِجَابَتِهِمْ، وَإِنِ اسْتَوَتِ الْحَالَاتُ فِي حَدِّ الْمُسْلِمِ وتعزيره. (مسألة) : قال الشافعي: " فَإِنْ كَانُوا فِي قَرْيَةٍ يَمْلِكُونَهَا مُنْفَرِدِينَ لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهُمْ فِي خَمْرِهِمْ وَخَنَازِيرِهِمْ وَرَفْعِ بُنْيَانِهِمْ وإن كان لهم بمصر المسلمين كنيسة أو بناء طائل لبناء المسلمين لم يكن للمسلمين هدم ذلك وتركوا على ما وجدوا ومنعوا إحداث مثله وهذا إن كان المصر للمسلمين أحيوه أو فتحوه عنوة وشرط هذا على أهل الذمة وإن كانوا فتحوا بلادهم على صلح منهم على تركهم ذلك خلو وإياه ولا يجوز أن يصالحوا على أن ينزلوا بلاد الإسلام يحدثوا فيه ذلك ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَبْلُ إِنْ تَفَرَّدُوا بِمِلْكِهِ وَسُكْنَاهُ مِنَ الْقُرَى وَالْبِلَادِ لَمْ يُعْتَرَضْ عَلَيْهِمْ فِي إِظْهَارِ خُمُورِهِمْ وَخَنَازِيرِهِمْ فِيهِ، وَضَرْبِ نَوَاقِيسِهِمْ، وَابْتِنَاءِ بِيَعِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ، وَتَعْلِيَةِ مَنَازِلِهِمْ، وَتَرْكِ الْغِيَارِ وَالزُّنَّارِ وَلِأَنَّهَا زَادُهُمْ، فَأَشْبَهَتْ دَوَاخِلَ مَنَازِلِهِمْ. فَأَمَّا رُكُوبُهُمُ الْخَيْلَ فِيهَا فيحتمل وجهين:

стр. 6789

أَحَدُهُمَا: لَا يُمْنَعُونَ مِنْ رُكُوبِهَا كَمَا لَمْ يُمْنَعُوا مِمَّا سِوَاهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُمْنَعُونَ مِنْ رُكُوبِهَا، لِأَنَّهَا رُبَّمَا صَارَتْ قُوَّةً لَهُمْ تَدْعُوهُمْ إِلَى نَقْضِ الْعَهْدِ، فَخَالَفَتْ بِذَلِكَ مَا سِوَاهَا، ثُمَّ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ هَذَا مِنْ حُكْمِهِمْ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ الَّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً وَصُلْحًا ما قد مضى شرحه. (مسألة) : قال الشافعي: " وَيَكْتُبُ الْإِمَامُ أَسْمَاءَهُمْ وَحُلَاهُمْ فِي دِيوَانٍ وَيُعَرِّفُ عَلَيْهِمْ عُرَفَاءَ لَا يَبْلُغُ مَوْلُودٌ وَلَا يَدْخُلُ فِيهِمْ أَحَدٌ مِنْ غَيْرِهِمْ إِلَّا رَفَعَهُ إِلَيْهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهُوَ كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مَوْضُوعٌ لِلتَّأْبِيدِ، فَاحْتَاجَ إِلَى دِيوَانٍ يُفْرَدُ لَهُ، وَقَدْ سُمِّيَ دِيوَانَ الْجَوَالِي، لِأَنَّهُمْ أُجْلُوا عَنِ الْحِجَازِ، فَسُمُّوا جَوَالِيَ، وَهَذَا الدِّيوَانُ مَوْضُوعٌ فِيهِمْ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: أَنْ يَذْكُرَ فِيهِ عَقْدُ ذِمَّتِهِمْ، وَمَبْلَغُ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ مِنْ قَدْرِ جِزْيَتِهِمْ، وَمَا شُرِطَ عَلَيْهِمْ مِنَ الْأَحْكَامِ، لِيُحْمَلُوا عَلَيْهَا فِيمَا عَلَيْهِمْ، وَلَهُمْ مِمَّنْ تَوَلَّاهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَذِكْرُ الْإِمَامِ احْتِيَاطٌ، وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكْتُبَ فِيهِ اسْمَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، وَيَرْفَعَ فِي نَسَبِهِ وَقَبِيلَتِهِ، وَصِنَاعَتِهِ حَتَّى يَتَمَيَّزَ عَنْ غَيْرِهِ، وَيَذْكُرَ حِلْيَةَ بَدَنِهِ الَّتِي لَا تَتَغَيَّرُ بِالْكِبَرِ كَالطُّولِ وَالْقِصَرِ، وَالْبَيَاضِ، وَالسُّمْرَةِ، وَالسَّوَادِ، وَحِلْيَةَ الْوَجْهِ وَالْأَعْضَاءِ، لِيَتَمَيَّزَ إِنْ وَافَقَ اسْمٌ اسْمًا، وَيَذْكُرَ فِيهِ الذُّكُورَ مِنْ أَوْلَادِهِمْ دُونَ الْإِنَاثِ، لِاعْتِبَارِ الْجِزْيَةِ بِبُلُوغِ الذُّكُورِ دُونَ الْإِنَاثِ وَإِنْ وُلِدَ لِأَحَدِهِمْ مَوْلُودٌ أَثْبَتَهُ، وَإِنْ مَاتَ مِنْهُمْ مَيِّتٌ أَسْقَطَهُ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُثْبِتَ فِيهِ مَا أَدَّوْهُ مِنَ الْجِزْيَةِ، لِيُعْلَمَ بِهِ مَا بَقِيَ وَمَا اسْتُوْفِيَ، وَيَكْتُبَ لَهُمْ بِالْأَدَاءِ بَرَاءَةً يَكْتُبُ اسْمَ الْمُؤَدِّي، وَنَسَبَهُ، وَحِلْيَتَهُ، لِيَكُونَ حُجَّةً لَهُ تَمْنَعُ مِنْ مُطَالَبَتِهِ، وَيُخْتَارُ أَنْ يَكُونَ حَوْلُ الْجِزْيَةِ مُعْتَبَرًا بِالْمُحَرَّمِ، لِأَنَّهُ أَوَّلُ السَّنَةِ الْعَرَبِيَّةِ، وَتُعْتَبَرُ فِيهِ السَّنَةُ الْهِلَالِيَّةُ كَمَا تُعْتَبَرُ فِي الزَّكَاةِ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا مِنْ حُكْمِ دِيوَانِهِمْ عَرَّفَ الْإِمَامُ عَلَيْهِمُ العرفاء وضم إلى كل عريف قوما معينين أَثْبَتَ مَعَهُمُ اسْمَ عَرِّيفِهِمْ فِي الدِّيوَانِ وَيَكُونُوا عَدَدًا يَضْبُطُهُمُ الْعَرِّيفُ الْوَاحِدُ فِيمَا نُدِبَ لَهُ. وَالْعَرِّيفُ مَنْدُوبٌ لِثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ: أَحَدُهَا: أَنْ يَعْرِفَ حَالَ مَنْ وُلِدَ فِيهِمْ، فَيُثْبِتَهُ، وَحَالَ مَنْ مَاتَ مِنْهُمْ، فَيُسْقِطَهُ، وَمَنْ قَدِمَ عَلَيْهِمْ مِنْ غَرِيبٍ وَمِنْ مُسَافِرٍ عَنْهُمْ، وَمُقِيمٍ، وَيُثْبِتُ جَمِيعَ ذَلِكَ فِي دِيوَانِهِمْ. وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَامَ بِهَذَا مِنَ الْوَفَاءِ إِلَّا مُسْلِمًا يقبل خبره.

стр. 6790

وَجَوَّزَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَكُونَ ذِمِّيًّا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي قَبُولِ شَهَادَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ. وَالثَّانِي: أَنْ يَعْرِفَ حَالَ مَنْ دَخَلَ فِي جِزْيَتِهِمْ، وَمَنْ خَرَجَ مِنْهَا فَيُثْبِتَهُ، وَالدَّاخِلُ فِيهَا: الصَّبِيُّ إِذَا بَلَغَ، وَالْمَجْنُونُ إِذَا أَفَاقَ، وَالْعَبْدُ إِذَا عَتَقَ. وَالْخَارِجُ مِنْهَا: مَنْ مَاتَ أَوْ جُنَّ بَعْدَ إِفَاقَتِهِ، أَوِ افْتَقَرَ بَعْدَ غِنَاهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ. وَكَذَلِكَ مَنْ عَمِيَ أَوْ زَمِنَ، وَيَعْرِفَ حَالَ مَنْ نَقَضَ عَهْدَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَامَ بِهَذَا مِنَ الْعُرَفَاءِ إِلَّا مُسْلِمٌ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يُحْضِرَهُمْ إِذَا أريدوا لأداء الجزيرة، وَلِاسْتِيفَاءِ حَقٍّ عَلَيْهِمْ، وَلِيَشْكُوا إِلَيْهِ، مَا يُنْهِيهِ عنهم إلى الإمام من حَقٍّ لَهُمْ يَسْتَوْفُونَهُ، أَوْ مِنْ تَعَدِّي مُسْلِمٍ عَلَيْهِمْ يَكُفُّ عَنْهُمْ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْ قَامَ بِهَذَا مِنَ الْعُرَفَاءِ ذِمِّيًّا مِنْهُمْ، لِأَنَّهَا نِيَابَةٌ عَنْهُمْ، لَا يُعْمَلُ فِيهَا عَلَى خَبَرِهِ. (مسألة) : قال الشافعي: " وَإِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ صُلْحُهُمْ بَعَثَ فِي كُلِّ بِلَادٍ فَجُمِعَ الْبَالِغُونَ مِنْهُمْ ثُمَّ يُسْأَلُونَ عَنْ صُلْحِهِمْ فَمَنْ أَقَرَّ بِأَقَلِّ الْجِزْيَةِ قُبِلَ مِنْهُ وَمَنْ أَقَرَّ بِزِيَادَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ غَيْرُهَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، إِذَا عَقَدَ الْإِمَامُ مَعَهُمُ الذِّمَّةَ عَلَى جِزْيَةٍ وَشُرُوطٍ يَجُوزُ مِثْلُهَا، وَجَبَ عَلَى مَنْ بَعْدَهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ إِمْضَاءُ عَهْدِهِ، وَأَجْرَى أَهْلَ الذِّمَّةِ فِيهِ عَلَى شَرْطِهِ، لِأَنَّ عَقْدَ الذِّمَّةِ مُؤَبَّدٌ. فَإِنْ كَانَ فِي عَقْدِهِ مَا يَمْنَعُ مِنَ الشَّرْعِ، وَهُوَ أَنْ يُصَالِحَهُمْ عَلَى أَقَلَّ مِنْ دِينَارٍ، أَوْ يَشْتَرِطَ لَهُمْ شُرُوطًا يَمْنَعُ الشَّرْعُ مِنْهَا أَبْطَلَ الْإِمَامُ بَعْدَهُ ذَلِكَ، وَاسْتَأْنَفَ الصُّلْحَ مَعَهُمْ عَلَى مَا يَجُوزُ فِي الشَّرْعِ، فَإِنْ أَجَابُوهُ إِلَيْهِ غَيَّرَ فِي الديوان ما تقدم من الصلح الفاسد، وأثبتت فِيهِ مَا اسْتَأْنَفَهُ مِنَ الصُّلْحِ الْجَائِزِ. وَإِنِ امْتَنَعُوا مِنْ إِجَابَتِهِمْ إِلَيْهِ نَقَضَ عَهْدَهُمْ، وَبَلَّغَهُمْ منهم، وَعَادُوا حرمًا. (فَصْلٌ) : فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا، وَتَطَاوَلَ الزَّمَانُ، وَأَشْكَلَ عَلَى إِمَامِ الْوَقْتِ قَدْرُ جِزْيَتِهِمْ، فَإِنِ اسْتَفَاضَتْ بِهَا الْأَخْبَارُ، وَانْتَشَرَ ذِكْرُهَا فِي الْأَمْصَارِ، عَمِلَ فِيهَا عَلَى الْخَبَرِ الْمُسْتَفِيضِ. وَإِنْ لَمْ تُعْرَفِ اسْتِفَاضَتُهَا رَجَعَ إِلَى شَهَادَةِ الْعُدُولِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِذَا شَهِدَ مِنْهُمْ عَدْلَانِ بِمِقْدَارٍ مِنَ الْجِزْيَةِ يَجُوزُ أَنْ يُصَالَحُوا عَلَى مِثْلِهِ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ، وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ بِهِ عَدْلَانِ، وَكَانَ فِي دِيوَانِهِمُ الْمَوْضُوعِ بِجِزْيَتِهِمْ قَدْرُ جِزْيَتِهِمْ، وَشُرُوطِ صُلْحِهِمْ، فَإِنِ ارْتَابَ بِهِ وَلَمْ تَقَعْ فِي النَّفْسِ صِحَّتُهُ، لِخُطُوطٍ مُشْتَبِهَةٍ، لَمْ يَجُزْ أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهِ.

стр. 6791

وَإِنِ انْتَفَتْ عَنْهُ الرِّيبَةُ، وَكَانَ تَحْتَ خَتْمِ أُمَنَاءِ الْكِتَابِ فَفِي جَوَازِ الْعَمَلِ عَلَيْهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهِ الْقُضَاةُ وَالْحُكَّامُ، وَعَلَى هَذَا لَوِ ادَّعَى ذِمِّيٌّ دَفْعَ جِزْيَتِهِ بِبَرَاءَةٍ أَحْضَرَهَا لَمْ يَبْرَأْ بِهَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ بَيْتِ الْمَالِ اعْتِبَارًا بِعُرْفِ الْأَئِمَّةِ فِيهِ؛ لِأَنَّ الدِّيوَانَ مَوْضُوعٌ لَهُ، وَكَمَا يَجُوزُ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ أَنْ يَعْمَلَ الرَّاوِي عَلَى خَطِّهِ إِذَا تَحَقَّقَهُ، وَخَالَفَ مَا عَلَيْهِ الْقُضَاةُ وَالْحُكَّامُ مِنَ الْعَمَلِ بِمَا فِي دَوَاوِينِهِمْ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ حُقُوقَ بَيْتِ الْمَالِ عَامَّةٌ، فَكَانَ حُكْمُهَا أَوْسَعَ، وَأَحْكَامَ الْقُضَاةِ خَاصَّةٌ، فَكَانَ حُكْمُهَا أَضْيَقَ. وَالثَّانِي: إِنَّ حُقُوقَ بَيْتِ الْمَالِ لَا يَتَعَيَّنُ مُسْتَحِقُّهَا، وَيَتَعَذَّرُ مَنْ يَتَوَلَّى الْإِشْهَادَ فِيهَا، وَحُقُوقَ الْخُصُومِ عِنْدَ الْقُضَاةِ، يَتَعَيَّنُ مُسْتَحِقُّهَا، وَلَا يَتَعَذَّرُ عَلَيْهِ أَنْ يَتَوَلَّى الْإِشْهَادَ فِيهَا. وَعَلَى هَذَا لَوِ ادَّعَى ذِمِّيٌّ دَفْعَ جِزْيَتِهِ ببراءة أحضرها تقع في النفس صحتها برىء منها. (فَصْلٌ) : فَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْإِمَامُ مَا يَعْمَلُ عَلَيْهِ مِنْ جِزْيَتِهِمْ مِنْ خَبَرٍ مُسْتَفِيضٍ، ولا شهادة خاصة، ولا ديوان موثوق، وبصحته أَوْ وَجَدَهُ، وَقُلْنَا: إِنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْمَلَ بِهِ، فَعَلَيْهِ أَنْ يَجْمَعَ أَهْلَ الذِّمَّةِ مِنْ جَمِيعِ الْأَمْصَارِ، وَيَسْأَلَهُمْ عَنْ قَدْرِ جِزْيَتِهِمْ، وَالْأَوْلَى أَنْ يَسْأَلَهُمْ أَفْرَادًا غَيْرَ مُجْتَمِعِينَ، فَإِذَا اعْتَرَفُوا بِقَدْرٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جِزْيَةً لَمْ يَقْبَلْ مِنْهُمْ، وَكَانَ مَعَهُمْ عَلَى مَا مَضَى، لَوْ صُولِحُوا عَلَى مَا لَا يَجُوزُ وَإِنِ اعْتَرَفُوا بِقَدْرٍ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ جِزْيَةً قَبِلَهُ مِنْهُمْ، وَلَهُمْ فِيهِ حَالَتَانِ. إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَتَّفِقُوا جَمِيعًا عَلَى الْقَدْرِ، فَيَعْمَلَ عَلَيْهِ مَعَ جَمِيعِهِمْ بَعْدَ إِحْلَافِهِمْ عَلَيْهِ، وَالْيَمِينُ وَاحِدَةٌ. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَخْتَلِفُوا فِيهَا، فَيُقِرُّ بَعْضُهُمْ بِدِينَارٍ، وَيُقِرُّ بَعْضُهُمْ بِأَكْثَرَ، فَيَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا أَقَرَّ بِهِ، وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، وَإِنْ جَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَيَكْتُبُ الْإِمَامُ فِي دِيوَانِ الْجِزْيَةِ أَنَّهُ رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِمْ حِينَ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ صُلْحُهُمْ، فَاعْتَرَفُوا بِكَذَا وَكَذَا. وَإِنِ اخْتَلَفُوا أَثْبَتَ أَسْمَاءَ الْمُخْتَلِفِينَ، وَمَا لَزِمَ كُلَّ وَاحِدٍ بِإِقْرَارِهِ، وَأَنَّهُ أَمْضَاهُ بَعْدَ إِحْلَافِهِ، لِجَوَازِ أَنْ تَتَجَدَّدَ بَيِّنَةٌ عَادِلَةٌ، يُخَالِفُهَا، فَيَحْكُمَ بِهَا، وَإِنْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ بِأَكْثَرِهِمَا

стр. 6792

أَقَرُّوا بِهِ عَمِلَ عَلَيْهَا، وَاسْتَوْفَى مَا لَمْ يَأْخُذْهُ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَعَادَ إِلَى دِيوَانِهِ، فَأَثْبَتَ مَا قَامَتْ بِهِ الْبَيِّنَةُ بَعْدَمَا أَخَذَ مِنَ الْإِقْرَارِ، وَصَارَ ذَلِكَ حُكْمًا مُؤَبَّدًا، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (مسألة) : قال الشافعي: " وَلَيْسَ لِلْإِمَامُ أَنْ يُصَالِحَ أَحَدًا مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يَسْكُنَ الْحِجَازَ بِحَالٍ وَلَا يَبِينُ أَنْ يَحْرُمَ أَنْ يَمُرَّ ذِمِّيٌّ بِالْحِجَازِ مَارًّا لَا يُقِيمُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ، وَذَلِكَ مقام مسافر، لاحتمال أمر النبي ﷺ َ - بإجلائهم عنها أن لا يسكنوها ولا بأس أن يدخلها الرسل لقوله تعالى: ﴿وإن أحد من المشركين أستجارك﴾ الآية ولولا أن عمر ﵁ أجل من قدم المدينة منهم تاجرا ثلاثة أيام لا يقيم فيها بعد ثلاث لرأيت أن لا يصالحوا على أن لا يدخلوها بحال ولا يتركوا يدخلونها إلا بصلح كما كان عمر ﵁ يأخذ من أموالهم إذا دخلوا المدينة ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ: حَرَمٌ، وَحِجَازٌ، وَمَا عَدَاهُمَا. فَأَمَّا الْحَرَمُ، فَهُوَ أَشْرَفُهَا، لِمَا خَصَّهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ بَيْتِهِ الْحَرَامِ الَّذِي عَلَّقَ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ وَالْحَجَّ، وَشَرَّفَهُ بِهَاتَيْنِ الْعِبَادَتَيْنِ مَا مَيَّزَهُ مِنْ سَائِرِ الْبِلَادِ بِحُكْمَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَدْخُلَهُ قَادِمٌ إِلَّا مُحْرِمٌ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ. وَالثَّانِي: تَحْرِيمُ صَيْدِهِ أَنْ يُصَادَ، وَشَجَرِهِ أَنْ يُعْضَدَ. وَلَمَّا كَانَتْ لَهُ هَذِهِ الْحُرْمَةُ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَهُ مُشْرِكٌ مِنْ كِتَابِيٍّ، وَلَا وَثَنِيٍّ لِمَقَامٍ، وَلَا اجْتِيَازٍ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَجُوزُ دُخُولُهُمْ إِلَيْهِ لِلتِّجَارَةِ وَحَمْلِ الْمِيرَةِ مِنْ غَيْرِ اسْتِيطَانٍ، وَيُمْنَعُونَ مِنَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ، احْتِجَاجًا بِأَنَّ شَرَفَ الْبِقَاعِ لَا يَمْنَعُ مِنْ دُخُولِهِمْ إِلَيْهَا كَالْمَسَاجِدِ، وَلَمَّا لَمْ تَمْنَعِ الْجَنَابَةُ مِنْ دُخُولِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ الْمُشْرِكُ. وَقَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، وَقَتَادَةُ يَجُوزُ أَنْ يُقِيمَ فِيهِ الذِّمِّيُ دُونَ الْوَثَنِيِّ، وَالْعَبْدُ الْمُشْرِكُ إِذَا كَانَ مِلْكًا لِمُسْلِمٍ، لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - " أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْ نَصْرَانِيٍّ بِمَكَّةَ يُقَالُ لَهُ مَوْهَبٌ "، وَلَا تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ إِلَّا مِنْ مُسْتَوْطِنٍ، وَهَذَا خَطَأٌ، لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هذا﴾ [التوبة: ٢٨] . وفي قوله: ﴿نجس﴾ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُمْ أَنْجَاسُ الْأَبْدَانِ، كَنَجَاسَةِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، حَتَّى أَوْجَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ الْوُضُوءَ عَلَى مَنْ ضَاجَعَهُمْ. وَالثَّانِي: إِنَّهُ سَمَّاهُمْ أَنْجَاسًا لِأَنَّهُمْ يَجْنُبُونَ، فَلَا يَغْتَسِلُونَ، فَصَارُوا لِوُجُوبِ الْغُسْلِ عَلَيْهِمْ كَالْأَنْجَاسِ، وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا أَنْجَاسًا، وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ

стр. 6793

وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ لَمَّا كَانَ عَلَيْنَا أَنْ نَجْتَنِبَهُمْ كَالْأَنْجَاسِ صَارُوا بِالِاجْتِنَابِ فِي حُكْمِ الْأَنْجَاسِ، وَهَذَا قول جمهور أهل العلم. وقوله: ﴿فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] . يُرِيدُ بِهِ الْحَرَمَ، فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالْمَسْجِدِ، لِحُلُولِهِ فِيهِ، كَمَا قَالَ: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [الإسراء: ٧١] . يُرِيدُ بِهِ مَكَّةَ، لِأَنَّهُ أُسْرِيَ بِهِ مِنْ مَنْزِلِ أُمِّ هَانِئٍ وَهَكَذَا كُلُّ مَوْضِعٍ ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى، فَقَالَ اللَّهُ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ، فَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْحَرَمَ إِلَّا فِي قَوْلِهِ: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤] . يُرِيدُ بِهِ الْكَعْبَةَ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، وَقَدْ مَنَعَ أَنْ يَقْرَبَهُ مُشْرِكٌ، وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَنْعُ مَحْمُولًا عَلَى عُمُومِهِ فِي الدُّخُولِ وَالِاسْتِيطَانِ. وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ ^ [البقرة: ١٢٦] يَعْنِي مَكَّةَ، وَحَرَمَهَا، ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا﴾ ^ [البقرة: ١٢٦] . يَعْنِي بِمَكَّةَ، وَهُوَ قَبْلَ فَتْحِهَا، فَدَلَّ عَلَى تَحْرِيمِهَا عَلَى الْكَافِرِ بَعْدَ فَتْحِهَا. وَرُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ: " أَلَا لَا يَحُجَّنَّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ " وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى الْقَصْدِ، فَكَانَ عَلَى عُمُومِهِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا اخْتُصَّ الْحَرَمُ بِمَا شَرَّفَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ عَلَى سَائِرِ الْبِقَاعِ تَعْظِيمًا لِحُرْمَتِهِ، كَانَ أَوْلَى أَنْ يُصَانَ مِمَّنْ عَانَدَهُ، وَطَاعَنَهُ، وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - لَمَّا ذَكَرَ فَضَائِلَ الْأَعْمَالِ فِي الْبِقَاعِ، فَضَّلَهُ عَلَى غَيْرِهِ، فَقَالَ: صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي بِأَلْفِ صَلَاةٍ، وَصَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ أَلْفِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي هَذَا . وَهَذَا التَّفْضِيلُ يُوجِبُ فَضْلَ الْعِبَادَةِ. فَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ مَوْهَبٍ النَّصْرَانِيِّ بِمَكَّةَ، فَهُوَ أَنَّهُ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ، لِأَنَّها نَزَلَتْ سَنَةَ تِسْعٍ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنْ دُخُولِ الْمَسَاجِدِ، فَهُوَ أَنَّ حُرْمَةَ الْحَرَمِ أَعْظَمُ، لِتَقَدُّمِ تَحْرِيمِهِ، وَلِوُجُوبِ الْإِحْرَامِ فِي دُخُولِهِ، وَلِلْمَنْعِ مِنْ قَتْلِ صَيْدِهِ. وَأَمَّا الْجَوَابُ عَنِ الْمُسْلِمِ الْجُنُبِ، فَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا لَمْ يُمْنَعِ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ مِنْ الِاسْتِيطَانِ لَمْ يُمْنَعْ مِنَ الدُّخُولِ وَالْمُشْرِكُ مَمْنُوعٌ مِنْ الِاسْتِيطَانِ، فَمُنِعَ مِنَ الدُّخُولِ. فَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْخُلَ الْحَرَمَ مُشْرِكٌ، وَوَرَدَ الْمُشْرِكُ رَسُولًا إِلَى الْإِمَامِ، وَهُوَ فِي الْحَرَمِ، خَرَجَ الْإِمَامُ إِلَيْهِ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ فِي الدُّخُولِ، فَلَوْ دَخَلَ مُشْرِكٌ إِلَى الْحَرَمِ لَمْ يُقْتَلْ، وَعُزِّرَ إِنْ عَلِمَ بِالتَّحْرِيمِ، وَلَمْ يُعَزَّرْ إِنْ جَهِلَ، وَأُخْرِجَ، فَإِنْ مَاتَ فِي الْحَرَمِ لَمْ يُدْفَنْ فِيهِ، فَلَوْ دُفِنَ فِيهِ نُبِشَ، وَنُقِلَ إِلَى الْحِلِّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ بَلِيَ، فَيُتْرَكَ كَسَائِرِ الْأَمْوَاتِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ.

стр. 6794

وَلَوْ أَرَادَ مُشْرِكٌ أَنْ يَدْخُلَ الْحَرَمَ، لِيُسْلِمَ بِهِ مُنِعَ مِنْ دُخُولِهِ، حَتَّى يُسْلِمَ، ثُمَّ يَدْخُلَهُ بَعْدَ إِسْلَامِهِ، فَلَوْ صَالَحَ الْإِمَامُ مُشْرِكًا عَلَى دُخُولِ الْحَرَمِ بِمَالٍ بَذَلَهُ كَانَ الصُّلْحُ بَاطِلًا، وَيُمْنَعُ الْمُشْرِكُ مِنَ الدُّخُولِ، فَإِنْ دَخَلَ إِلَيْهِ أُخْرِجَ مِنْهُ، وَلَزِمَهُ الْمَالُ الَّذِي بَذَلَهُ مَعَ فَسَادِ الصُّلْحِ، لِحُصُولِ مَا أَرَادَ مِنَ الدُّخُولِ، وَاسْتَحَقَّ عَلَيْهِ مَا سَمَّاهُ دُونَ أُجْرَةِ الْمِثْلِ، وَإِنْ فَسَدَ، لِأَنَّهُ لَا أُجْرَةَ لِمِثْلِهِ لِتَحْرِيمِهِ. وَحَدُّ الْحَرَمِ مِنْ طَرِيقِ الْمَدِينَةِ دُونَ التَّنْعِيمِ عِنْدَ بُيُوتِ نِفَارٍ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الْعِرَاقِ عَلَى بنية خَلٍّ بِالْمُقَطِّعِ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ. وَمِنْ طَرِيقِ الْجِعِرَّانَةِ مِنْ شِعْبِ آلِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدٍ عَلَى تِسْعَةِ أَمْيَالٍ، وَمِنْ طَرِيقِ الطَّائِفِ عَلَى عَرَفَةَ مِنْ بَطْنِ نَمِرَةَ عَلَى سَبْعَةِ أَمْيَالٍ. وَمِنْ طَرِيقِ جَدَّةَ مُنْقَطَعُ الْأَعْشَاشِ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ. (فَصْلٌ) : وَأَمَّا الْحِجَازُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْطِنَهُ مُشْرِكٌ، مِنْ كِتَابِيٍّ وَلَا وَثَنِيٍّ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ كَسَائِرِ الْأَمْصَارِ احْتِجَاجًا بِإِقْرَارِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - لَهُمْ إِلَى أَنْ قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَاَلَى إِلَيْهِ، وَلِأَنَّ كُلَّ أَرْضٍ حَلَّ صَيْدُهَا حَلَّ لَهُمُ اسْتِيطَانُهَا كَغَيْرِ الْحِجَازِ. وَدَلِيلُنَا: مَا رَوَاهُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂، قَالَتْ: كَانَتْ آخِرُ مَا عَهِدَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - أَنْ قَالَ لَا يَجْتَمِعُ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ دِينَانِ وَهَذَا نَصٌّ. وَلَمَّا قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى قَبْلَ عَمَلِهِ بِهِ لَمْ يَسْقُطْ حُكْمُ قَوْلِهِ، وَتَشَاغَلَ أَبُو بَكْرٍ فِي أَيَّامِهِ مَعَ قِصَرِهَا بِأَهْلِ الرِّدَّةِ، وَمَانِعِي الزَّكَاةِ، وَتَطَاوَلَتِ الْأَيَّامُ بِعُمَرَ ﵁ وَتَكَامَلَتْ لَهُ جَزِيرَةُ الْعَرَبِ، وَفَتَحَ مَا جَاوَرَهَا - نَفَّذَ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ - فِيهِمْ، فَاجْتَمَعَ رَأْيُهُ، وَرَأْيُ الصَّحَابَةِ ﵃ عَلَى إِجْلَائِهِمْ وَكَانَ فِيهِمْ تُجَّارٌ وَأَطِبَّاءُ، وَصُنَّاعٌ، يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إِلَيْهِمْ فَضَرَبَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْهُمْ تَاجِرًا، وَصَانِعًا مَقَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ يُنَادَى فِيهِمْ، بَعْدَهَا اخْرُجُوا، وَهُنَا إِجْمَاعٌ بَعْدَ نَصٍّ لَا يَجُوزُ خِلَافُهُمَا، وَلِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ َ - قَالَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ حِينَ سَاقَاهُمْ عَلَى نَخْلِهَا: " أُقِرُّكُمْ مَا أَقَرَّكُمُ اللَّهُ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مُقَامَهُمْ غَيْرُ مُسْتَدَامٍ، وَأَنَّ لِحَظْرِهِ فِيهِمْ حُكْمًا مُسْتَجَدًّا. وَرُوِيَ عَنْهُ ﷺ َ - أَنَّهُ قَالَ لَئِنْ عِشْتُ إِلَى قَابِلٍ لَأَنْفِيَنَّ الْيَهُودَ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ فَمَاتَ قَبْلَ نَفْيِهِمْ، وَلِأَنَّ الْحِجَازَ لَمَّا اخْتُصَّ بِحَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى، وَمَبْعَثِ رِسَالَتِهِ وَمُسْتَقَرِّ دِينِهِ، وَمُهَاجَرَةِ رَسُولِهِ ﷺ َ - صَارَ أَشْرَفَ مِنْ غَيْرِهِ، فَكَانَتْ حُرْمَتُهُ أَغْلَظَ، فَجَازَ أَنْ يُصَانَ عَنْ أَهْلِ الشِّرْكِ كَالْحَرَمِ

стр. 6795

فَإِذَا ثَبَتَ حَظْرُ اسْتِيطَانِ أَهْلِ الذِّمَّةِ لِلْحِجَازِ، فَيَجُوزُ أَنْ يَدْخُلُوهُ دُخُولَ الْمُسَافِرِينَ لَا يُقِيمُوا مِنْ مَوْضِعٍ مِنْهُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ؛ لِأَنَّ عُمَرَ حِينَ أَجْلَاهُمْ ضَرَبَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْهُمْ تَاجِرًا أَوْ صَانِعًا مَقَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ، فَكَانَ هَذَا الْقَدْرُ مُسْتَثْنًى مِنَ الْحَظْرِ، اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - لا يجتمع دينان في جزيرة العرب محمول عَلَى الِاسْتِيطَانِ دُونَ الِاجْتِيَازِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ، ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] وَيَكْفِيهِ أَنْ يَهْتَدِيَ بِسَمَاعِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى فِي مُدَّةِ ثَلَاثٍ؛ وَلِأَنَّهُ لَمَّا انْخَفَضَتْ حُرْمَةُ الْحِجَازِ عَنِ الْحَرَمِ، وَفُضِّلَتْ عَلَى غَيْرِهِ أُبِيحَ لَهُمْ مِنْ مُقَامِ مَا لَمْ يَسْتَبِيحُوهُ فِي الْحَرَمِ، وَحُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنِ اسْتِيطَانِ الْحِجَازِ مَا اسْتَبَاحُوهُ فِي غَيْرِهِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ اخْتُصَّتِ الْإِبَاحَةُ بِمُقَامِ الْمُسَافِرِ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ لَا يَتَجَاوَزُونَهَا، وَيُمْنَعُونَ مِنْ دُخُولِ الْحِجَازِ، وَإِنْ كَانُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ إِلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ التَّصَرُّفُ دُونَ الْأَمَانِ. فَلَوْ أَذِنَ لَهُمْ وَاحِدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَدْخُلُوا بِإِذْنِهِ، وَإِنْ كَانَ لَوْ أَذِنَ لِحَرْبِيٍّ جَازَ أَنْ يَدْخُلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِإِذْنِهِ. وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا: أَنَّ الْمَقْصُودَ بِإِذْنِهِ لِلْحَرْبِيِّ أَمَانُهُ، وَأَمَانُ الْوَاحِدِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَجُوزُ، وَالْمَقْصُودَ بِإِذْنِهِ لِلذِّمِّيِّ فِي دُخُولِ الْحِجَازِ التَّصَرُّفُ الْمَقْصُورُ عَلَى إِذْنِ الْإِمَامِ فَلَوْ دَخَلَ ذِمِّيٌّ الْحِجَازَ بِغَيْرِ إِذْنٍ عُزِّرَ وَأُخْرِجَ وَلَا يُغْنَمُ مَالُهُ؛ لِأَنَّ لَهُ بِالذِّمَّةِ أَمَانًا وَلَوْ دَخَلَ حَرْبِيٌّ بِلَادَ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ إِذْنٍ غُنِمَ مَالُهُ؛ لِأَنَّهُ لَا أَمَانَ لَهُ، وَيَجُوزُ إِذَا أَقَامُوا بِبَلَدٍ مِنَ الْحِجَازِ ثَلَاثًا أَنْ يَنْتَقِلُوا إِلَى غَيْرِهِ، فَيُقِيمُوا فِيهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ كَذَلِكَ فِي بَلَدٍ بَعْدَ بَلَدٍ، فَإِنْ لَمْ يَقْضِ حَاجَتَهُ فِي الثَّلَاثِ، وَاحْتَاجَ إِلَى زِيَادَةِ مَقَامٍ؛ لِاقْتِضَاءِ الدُّيُونِ مُنِحَ، وَقِيلَ لَهُ: وَكِّلْ مَنْ يَقْبِضُهَا لَكَ، وَلَوْ مَرِضَ، وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى النُّهُوضِ مُكِّنَ مِنَ الْمُقَامِ؛ لِأَنَّهَا حَالُ ضَرُورَةٍ حَتَّى يَبْرَأَ، فَيَخْرُجَ بِخِلَافِ الدَّيْنِ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى قَبْضِهِ، فَإِنْ مَاتَ فِي الْحِجَازِ لَمْ يُدْفَنْ فِيهِ؛ لِأَنَّ الدَّفْنَ مَقَامُ تَأْبِيدٍ إِلَّا أَنْ يَتَعَذَّرَ إِخْرَاجُهُ، وَيَتَغَيَّرَ إِنِ اسْتُبْقَى مِنْ غَيْرِ دَفْنٍ فَيُدْفَنُ فِي الْحِجَازِ لِلضَّرُورَةِ كَمَا يُقِيمُ فِيهِ مَرِيضًا. فَأَمَّا الْحِجَازُ، فَهُوَ بَعْضُ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَلِأَنَّ كُلَّ قَوْلٍ لرسول الله ﷺ َ - مُتَوَجِّهٌ إِلَى جَزِيرَةِ الْعَرَبِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَهِيَ فِي قَوْلِ الْأَصْمَعِيِّ مِنْ أَقْصَى عَدَنَ إِلَى أَقْصَى رِيفِ الْعِرَاقِ فِي الطُّولِ، وَمِنْ جَدَّةَ وَمَا وَالَاهَا إِلَى أَطْرَافِ الشَّامِ فِي الْعَرْضِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: جَزِيرَةُ الْعَرَبِ فِي الطُّولِ مَا بَيْنَ حَفْرِ أَبِي مُوسَى إِلَى أَقْصَى الْيَمَنِ، وَفِي الْعَرْضِ مَا بَيْنَ رَمْلَ إِلَى يَبْرِينَ إِلَى مُنْقَطَعِ السَّمَاوَةِ، وَفِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ أَرْضُ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ، وَحَدُّ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ: إِذَا خَلَّفْتَ عَجَازَ مُصْعِدًا، فَقَدْ أَنْجَدْتَ، فَلَا تَزَالُ مُنْجِدًا حَتَّى تَنْحَدِرَ فِي ثَنَايَا ذَاتِ عِرْقٍ، فَإِذَا فَعَلْتَ فَقَدْ أَتْهَمْتَ، وَلَا تَزَالُ مُتْهِمًا فِي ثَنَايَا الْعَرْجِ حَتَّى يَسْتَقْبِلَكَ الْأَرَاكُ وَالْمَدَارِجُ

стр. 6796

وَقَالَ غَيْرُهُ، جَبَلُ السُّرَاةِ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَهُوَ أَعْظَمُ جِبَالِهَا يُقْبِلُ مِنْ ثُغْرَةِ الْيَمَنِ حَتَّى يَنْتَهِيَ إِلَى وَادِي الشَّامِ فَمَا دُونَ هَذَا الْجَبَلِ فِي غَرْسِيَّةَ مِنْ أَسْيَافِ الْبَحْرِ إِلَى ذَاتِ عِرْقٍ، وَالْجُحْفَةِ هُوَ تِهَامَةُ، وَمَا دُونَ هَذَا الْجَبَلِ فِي شَرْقِيِّ مَا بَيْنَ أَطْرَافِ الْعِرَاقِ إِلَى السَّمَاوَةِ، فَهُوَ نَجْدٌ. وَأَمَّا الْحِجَازُ فَهُوَ حَاجِزٌ بَيْنَ تِهَامَةَ وَنَجْدٍ، وَهُوَ مِنْهُمَا، وَحَدُّهُ مُخْتَلَفٌ فِيهِ، فَقَالَ قَوْمٌ: هُوَ مَا احْتَجَزَ بِالْجَبَلِ فِي شَرْقِيِّهِ وَغَرْبِيِّهِ عَنْ بِلَادِ مَذْحِجَ إِلَى فَيْدَ. وَقَالَ آخَرُونَ: هُوَ اثنا عَشْرَةَ دَارًا لِلْعَرَبِ. فَالْحَدُّ الْأَوَّلُ: بَطْنُ مَكَّةَ، وأعلا رُمَّةَ، وَظَهْرُهُ وَحَرَّةُ لَيْلَى. وَالْحَدُّ الثَّانِي: يَلِي الشَّامَ شَفْى وَبَدَا، وَهُمَا جَبَلَانِ. وَالْحَدُّ الثَّالِثُ: يَلِي تِهَامَةَ بَدْرٌ، وَالسُّقْيَا، وَرِهَاطُ، وَعُكَاظُ. وَالْحَدُّ الرَّابِعُ: سَاكَةُ وَوَدَّانُ. وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَتِهِ بِالْحِجَازِ، فَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ، لِأَنَّهُ حَجَزَ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ. وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ: سُمِّيَ حِجَازًا لِمَا أَحْجَزَ مِنَ الْجِبَالِ وَأَمَّا غَيْرُ الْحِجَازِ فَضْلٌ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَمَنْ دَخَلَهَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِغَيْرِ ذِمَّةٍ وَلَا عَهْدٍ فَهُوَ حَرْبٌ كَالْأَسْرَى يُغْنَمُ وَيُسْبَى، وَيَكُونُ الْإِمَامُ فِيهِ مُخَيَّرًا كَتَخْيِيرِهِ فِي الْأَسِيرِ بَيْنَ الْأَحْكَامِ الْأَرْبَعَةِ مِنَ الْقَتْلِ أَوِ الْأَسْرِ أَوِ الْمَنِّ أَوِ الْفِدَاءِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَعْفُوَ مِنْ سَبْيِ ذُرِّيَّتِهِ بِخِلَافِ السَّبَايَا فِي الْحَرْبِ؛ لِأَنَّ الْغَانِمِينَ قَدْ مَلَكُوهُمْ؛ فَلَا يَصِحُّ العفو عنهم إلا بإذنهم، وَذُرِّيَّةُ هَذَا الدَّاخِلِ بِغَيْرِ عَهْدٍ لَمْ يَمْلِكْهُمْ أحد، فجاز فوق الْإِمَامِ. فَأَمَّا مَنْ دَخَلَ دَارَ الْإِسْلَامِ بِأَمَانٍ، فَضَرْبَانِ: أَهْلُ ذِمَّةِ، وَأَهْلُ عَهْدٍ. فَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ، فَهُوَ الْمُسْتَوْطِنُ، وَلَا يَجُوزُ اسْتِيطَانُهُمْ إِلَّا بِجِزْيَةٍ إِذَا كَانُوا أَهْلَ كِتَابٍ، أَوْ شُبْهَةِ كِتَابٍ. وَأَمَّا أَهْلُ الْعَهْدِ، فَهُوَ الدَّاخِلُ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ بِغَيْرِ اسْتِيطَانٍ، فَيَكُونُ مَقَامُهُمْ مَقْصُورًا عَلَى مُدَّةٍ لَا يَتَجَاوَزُونَهَا، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿فَسِيحُوا فِي الأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: ٢] . فَأَمَّا مُدَّةُ سَنَةٍ، فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقِيمُوهَا إِلَّا بِجِزْيَةٍ، وَفِي جَوَازِ إِقَامَتِهِمْ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ فِيمَا بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَبَيْنَ سَنَةٍ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِأَنَّهَا دُونَ السَّنَةِ كالأربعة.

стр. 6797

وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَا يَجُوزُ؛ لِأَنَّهُ فَوْقَ الْأَرْبَعَةِ كَالسَّنَةِ، وَسَوَاءٌ كَانُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ لم يكونوا. (مسألة) : قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَلَا يُتْرَكْ أَهْلُ الْحَرْبِ يَدْخُلُونَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ تُجَّارًا فَإِنْ دَخَلُوا بِغَيْرِ أَمَانٍ وَلَا رِسَالَةٍ غُنِمُوا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يُرَاعِيَ ثُغُورَ الْمُسْلِمِينَ الْمُتَّصِلَةَ بِدَارِ الْحَرْبِ مِنْ دُخُولِ الْمُشْرِكِينَ إِلَيْهَا؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُؤْمَنُونَ عَلَيْهَا مِنْ غِرَّةٍ يَظْفَرُونَ بِهَا أَوْ مَكِيدَةٍ يُوقِعُونَهَا، وَمَنْ دَخَلَهَا مِنْهُمْ، فَهُوَ حَرْبٌ مَغْنُومٌ يَتَحَكَّمُ الْإِمَامُ فِيهِ بِخِيَارِهِ مِنْ قَتْلِهِ أَوِ اسْتِرْقَاقِهِ أَوْ فِدَائِهِ أَوِ الْمَنِّ عَلَيْهِ إِلَّا فِي حَالَتَيْنِ أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ رَسُولًا لِلْمُشْرِكِينَ فِيمَا يَعُودُ بِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ صُلْحٍ يُجَدَّدُ أَوْ هُدْنَةٍ تُعْقَدُ أَوْ فِدَاءِ أَسْرَى؛ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ أَبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ﴾ [التوبة: ٦] . قِيلَ: إِنَّهَا فِي الْمُرْسَلِ فَيَكُونُ لَهُ بِالرِّسَالَةِ أَمَانٌ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ، لَا يَحْتَاجُ مَعَهَا إِلَى اسْتِئْنَافِ أَمَانٍ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ رَسُولًا فِي وَعِيدٍ وَتَهْدِيدٍ، فَلَا يَكُونُ أَمَانٌ، وَيَكُونُ حَرْبًا يَفْعَلُ فِيهِ الْإِمَامُ مَا يَرَاهُ مِنَ الْأُمُورِ الْأَرْبَعَةِ؛ لِأَنَّ فِي هَذِهِ الرِّسَالَةِ مَضَرَّةً، وَفِي الْأُولَى مَنْفَعَةً فَصَارَ بِالْمَنْفَعَةِ مُوَالِيًا، فَأَمِنَ وَبِالْمَضَرَّةِ مُعَادِيًا، فَغُنِمَ. فَلَوِ ادَّعَى وَقَدْ دَخَلَ بِلَادَ الْإِسْلَامِ أَنَّهُ رَسُولٌ نُظِرَ فِي دَعْوَاهُ فَإِنْ عُلِمَ صِدْقُهُ فِيهَا كَانَ آمِنًا، وَإِنْ عُلِمَ كَذِبُهُ فِيهَا كَانَ مَغْنُومًا، وَإِنْ أَشْبَهَتْ حَالُهُ قُبِلَ قَوْلُهُ، وَكَانَ آمِنًا، وَلَمْ يَلْزَمْ إِحْلَافُهُ عَلَى الرِّسَالَةِ، لِأَنَّهُ مُبَلِّغٌ ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلا الْبَلاغُ﴾ [المائدة: ٩٩] . وَلَا يَجُوزُ إِذَا دَخَلَ الرُّسُلُ بِلَادَ الْإِسْلَامِ أَنْ يُظْهِرُوا فِيهَا مُنْكَرًا مِنْ صُلْبَانِهِمْ وَخُمُورِهِمْ، وَخَنَازِيرِهِمْ، وَجَوَّزَ لَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ إِظْهَارَ خُمُورِهِمْ وَخَنَازِيرِهِمْ؟ لِأَنَّهَا عِنْدَهُ مِنْ جُمْلَةِ أَمْوَالِهِمُ الْمَضْمُونَةِ الِاسْتِهْلَاكِ وَهَذَا فَاسِدٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ - الإسلام يعلوا وَلَا يُعْلَى. (فَصْلٌ) : وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ لِهَذَا الدَّاخِلِ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ أَمَانٌ يَدْخُلُ بِهِ دَارَ الْإِسْلَامِ، فَيَصِيرُ آمِنًا عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَوَلَّاهُ إِلَّا الْإِمَامُ أَوْ مَنْ نَابَ عَنْهُ مِنْ أُولِي الْأَمْرِ؛، لِأَنَّهُ أَعْرَفُ بِالْمَصْلَحَةِ مِنْ أَشْذَاذٍ وَأَقْدَرُ عَلَى الِاحْتِرَازِ مِنْ كَيْدِهِ، فَإِنْ قَدَّرَ لَهُ الْإِمَامُ مُدَّةَ الْأَمَانِ أُقِرَّ عَلَيْهَا إِلَى انْقِضَائِهَا مَا انْتَهَتْ إِلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ سَنَةً إِلَّا بِجِزْيَةٍ، وَفِيمَا بَيْنَ الْأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَالسَّنَةِ قَوْلَانِ مَضَيَا

стр. 6798

وَلَا تُنْقَضُ عَلَيْهِ مُدَّةُ أَمَانِهِ، وَلَا يَخْرُجُ قَبْلَ انْقِضَائِهَا إِلَّا بِمُوجِبٍ لِنَقْضِ الْأَمَانِ؛ لِوُجُوبِ الْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ، فَإِنْ كَانَ الَّذِي أَمَّنَهُ فِي دُخُولِهِ رَجُلٌ مِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ أَمَانُهُ مَقْصُورًا عَلَى حَقْنِ دَمِهِ وَمَالِهِ دُونَ مُقَامِهِ، وونظر الْإِمَامُ فِي حَالِهِ، فَإِنْ رَأَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ إِقْرَارَهُ أَقَرَّهُ عَلَى الْأَمَانِ، وَقَرَّرَ لَهُ مُدَّةَ مُقَامِهِ، وَلَمْ يَكُنْ لِمَنْ أَمَّنَهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ تَقْدِيرُ مُدَّتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَرَ الْإِمَامُ مِنَ الْمَصْلَحَةِ إِقْرَارَهُ، فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَخْرَجَهُ مِنْهَا آمِنًا حَتَّى يَصِلَ إِلَى مَأْمَنِهِ ثُمَّ يَصِيرُ حَرْبًا، فَيَكُونُ أَمَانُ الْمُسْلِمِ لَهُ مُوجِبًا لِحَقْنِ دَمِهِ وَلِمُقَامِهِ، وَإِقْرَارِهِ، فَافْتَرَقَا فِي الْحُكْمِ مِنْ وَجْهٍ، وَاجْتَمَعَا فِيهِ مِنْ وَجْهٍ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا دَخَلَ الْحَرْبِيُّ بِأَمَانِ الْإِمَامِ ثُمَّ عَادَ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ انْقَضَى حُكْمُ أَمَانِهِ فَإِنْ عَادَ ثَانِيَةً بِغَيْرِ أَمَانٍ غُنِمَ حَتَّى يَسْتَأْنِفَ أَمَانًا، لِأَنَّهُ خَاصٌّ، فَلَمْ يَتَكَرَّرْ، فَلَوْ عَقَدَ لَهُ الْأَمَانَ عَلَى تَكْرَارِ الدُّخُولِ صَحَّ اعْتِبَارًا بِصَرِيحِ الْعَقْدِ، وَكَانَ فِي عَوْدِهِ وَتَرَدُّدِهِ آمِنًا يُقِيمُ فِي كُلِّ دَفْعَةٍ مَا شُرِطَ لَهُ مِنَ الْمُدَّةِ وَإِذَا كَانَ ٠ أَمَانُ الْحَرْبِيِّ مِنْ قِبَلِ الْإِمَامِ كَانَ عَامًّا فِي جَمِيعِ بِلَادِ الْإِسْلَامِ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَهُ مَقْصُورًا عَلَى بَلَدٍ بِعَيْنِهِ، فَلَا يَصِيرُ آمِنًا فِي غَيْرِهِ، وَإِذَا كَانَ أَمَانُهُ مِمَّنِ اسْتَنَابَهُ الْإِمَامُ كَانَ عَامًّا فِي بِلَادِ وِلَايَتِهِ وَلَا يَكُونُ عَامًّا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا، لِأَنَّ وِلَايَةَ الْإِمَامِ عَامَّةٌ، وَوِلَايَةَ النَّائِبِ عَنْهُ خَاصَّةٌ، وَإِذَا كَانَ أَمَانُهُ مِنْ جِهَةِ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ كَانَ أَمَانُهُ مَقْصُورًا عَلَى بَلَدِهِ خَاصَّةً وَفِيمَا كَانَ طَرِيقًا لَهُ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ، لِأَنَّ الْأَمَانَ يَقْتَضِي عَوْدَهُ إِلَى مَأْمَنِهِ، وَلَا يَكُونُ لَهُ أَمَانٌ إِنْ يتجاوز ذَلِكَ إِلَى غَيْرِهِ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَإِذَا دَخَلَ حَرْبِيٌّ دَارَ الْإِسْلَامِ وَادَّعَى أَنَّهُ دَخَلَهَا بِأَمَانِ مُسْلِمٍ، فَإِنْ كَانَ مَنِ ادَّعَى أَمَانَهُ حَاضِرًا رَجَعَ إِلَى قَوْلِهِ، فَإِنْ صَدَّقَهُ عَلَى الْأَمَانِ قُبِلَ قَوْلُهُ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَمَّنَهُ فِي حَالِ تَصْدِيقِهِ صَحَّ أَمَانُهُ، وَإِنْ أَكْذَبَهُ عَلَى الْأَمَانِ كَانَ الْحَرْبِيُّ مَغْنُومًا، وَإِنْ كَانَ مَنِ ادَّعَى أَمَانَهُ غَائِبًا فَفِي قَبُولِ قَوْلِ الْحَرْبِيِّ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُقْبَلُ قَوْلُهُ، وَيَكُونُ آمِنًا كَمَا يُقْبَلُ قَوْلُ مَنِ ادَّعَى الرِّسَالَةَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُقْبَلُ وَإِنْ قُبِلَ فِي الرِّسَالَةِ؛ لِأَنَّ إقامة البينة على الرسالة متعذر قبل قَوْلُهُ فِيهَا، وَإِقَامَتُهَا عَلَى الْأَمَانِ مُمْكِنَةٌ، فَلَمْ يقبل قوله فيه. (مسألة) : قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِنْ دَخَلُوا بِأَمَانٍ وَشُرِطَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ عُشْرٌ أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ أُخِذَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَجُمْلَتُهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ أَنْ يَشْتَرِطَ فِي مَتَاجِرِ أَهْلِ الْحَرْبِ إِذَا دَخَلُوا بِلَادَ الْإِسْلَامِ لِمَنَافِعِهِمْ، وَكَانَ انْقِطَاعُهَا عَنِ الْمُسْلِمِينَ غَيْرَ ضَارٍّ بِهِمْ حَتَّى يَأْخُذَهُ الْإِمَامُ مِنْهُمْ مِنْ عُشْرٍ أَوْ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ بِحَسَبِ مَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ يَكُونُ عِبْئًا مَصْرُوفًا فِي أَهْلِ الْفَيْءِ؛ لِأَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ صَالَحَ أَهْلَ الْحَرْبِ فِي حَمْلِ مَتَاجِرِهِمْ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ عَلَى الْعُشْرِ، وَصَالَحَ أَهْلَ الذِّمَّةِ فِي حَمْلِهَا إِلَى الْمَدِينَةِ عَلَى نِصْفِ الْعُشْرِ لِيَكُونَ ذَلِكَ ضِعْفَ مَا يُؤْخَذُ فِي زَكَاةِ الْمُسْلِمِ مِنْ رُبْعِ العشر؛ ولأن

стр. 6799

الْإِمَامَ مَنْدُوبٌ إِلَى تَوْفِيرِ مَا يَصِلُ إِلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ إِمَّا بِغَنِيمَةٍ إِنْ قُهِرُوا، وَإِمَّا بِجِزْيَةٍ وَخَرَاجٍ إِنْ صُولِحُوا، فَكَذَلِكَ عُشْرُ أَمْوَالِهِمْ إِذَا اتَّجَرُوا، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشُّرُوطِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِمْ كَانَ الْعُرْفُ الَّذِي عَمِلَ بِهِ الْأَئِمَّةُ الْعُشْرَ، وَلَيْسَ بِحَدٍّ لَا يَجُوزُ مُجَاوَزَتُهُ إِلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى مَا يُؤَدِّي إِلَيْهِ الِاجْتِهَادُ الْمُعْتَبَرُ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: فِي كَثْرَةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ وقلتها، فإن كثرت الحاجة إليه كالأموات كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَقَلَّ، وَإِنْ قَلَّتِ الْحَاجَةُ إِلَيْهِ كَالطَّرَفِ وَالدَّقِيقِ كَانَ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ أَكْثَرَ، فَإِنَّ عُمَرَ ﵁ أَخَذَ مِنْ الْقُطْنِيَّةِ الْعُشْرَ، وَأَخَذَ مِنَ الْحِنْطَةِ وَالزَّبِيبِ نِصْفَ الْعُشْرِ. وَالثَّانِي: الرُّخْصُ وَالْغَلَاءُ، فَإِنْ كَانَ انْقِطَاعُهَا يُحْدِثُ الْغَلَاءَ كَانَ الْمَأْخُوذُ أَقَلَّ، وَإِنْ كَانَ لَا يُحْدِثُ الْغَلَاءَ كَانَ الْمَأْخُوذُ أَكْثَرَ، وَإِذَا كَانَ الِاجْتِهَادُ فِيهِ مُعْتَبَرًا مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ عَمِلَ الْإِمَامُ فِي تَقْرِيرِهِ عَلَى مَا يُؤَدِّيهِ اجْتِهَادُهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ رَأَى مِنَ الْمَصْلَحَةِ اشْتِرَاطَ الْعُشْرِ فِي جَمِيعِهَا فَعَلَ، وَإِنْ رَأَى اشْتِرَاطَ نِصْفِ الْعُشْرِ فَعَلَ، وَإِنْ رَأَى اشْتِرَاطَ الْخُمُسِ فَعَلَ، وَإِنْ رَأَى أَنْ يُنَوِّعَهَا بِحَسَبِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا، فَيَشْرِطَ فِي نَوْعٍ مِنْهَا الْخُمُسَ، وَفِي نَوْعٍ الْعُشْرَ، وَفِي نَوْعٍ نِصْفَ الْعُشْرِ فَعَلَ، وَصَارَ مَا انْعَقَدَ شَرْطُهُ عَلَيْهِ حَقًّا وَاجِبًا فِي مَتَاجِرِهِمْ مَا أَقَامُوا عَلَى صُلْحِهِمْ، كَالْجِزْيَةِ لَا يَجُوزُ لِغَيْرِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنْ يَنْقُضَهُ إِلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ، فَإِنْ نَقَضُوا شَرْطَهُمْ بطل حكم الشرط بنقضهم، وجار اسْتِئْنَافٌ وَصُلْحٌ مَعَهُمْ يَبْتَدِئُهُ بِمَا يَرَاهُ مِنْ زِيَادَةٍ عَلَى الْأَوَّلِ أَوْ نُقْصَانٍ مِنْهُ. (فَصْلٌ) : فَإِذَا تَقَرَّرَ مَا وَصَفْنَا لَمْ يَخْلُ حَالُ الْعُشْرِ مِنْ أَنْ يَكُونَ مَشْرُوطًا فِي عَيْنِ الْمَالِ أَوْ يَكُونَ فِي ذِمَمِهِمْ عَنِ الْمَالِ، فَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي الْمَالِ وَجَبَ عَلَى كُلِّ مَنْ حَمَلَهُ إِلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ مِنْ حَرْبِيٍّ وَذِمِّيٍّ وَمُسَالِمٍ، أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ الْعُشْرُ، وَلَا يَمْنَعُ الْإِسْلَامُ مِنْ أَخْذِهِ، وَلَا يَكُونُ أَخْذُهُ مِنَ الْمُسْلِمِ جِزْيَةً، إِنَّمَا يَكُونُ ثَمَنًا يُضَافُ إِلَى الثَّمَنِ الَّذِي ابْتَاعَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَيَكُونُ مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِمْ تِسْعَةُ أَعْشَارِ ثَمَنِهِ، وَمَا أَدَّاهُ إِلَى الْإِمَامِ عُشْرُ الثَّمَنِ أَوْ عُشْرُ الْأَصْلِ، وَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا فِي ذِمَمِهِمْ لِأَجْلِ الْمَالِ وَعَنْهُ أُخِذَ عُشْرَهُ مِنَ الْحَرْبِيِّ إِذَا حَمَلَهُ وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنَ الْمُسْلِمِ؛ لِأَنَّهُ جِزْيَةٌ مَحْضَةٌ، وَفِي أَخْذِهِ مِنَ الذِّمِّيِّ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُؤْخَذُ مِنْهُ لِشِرْكِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُؤْخَذُ مِنْهُ لِجَرَيَانِ حُكْمِ الْإِسْلَامِ عَلَيْهِ. فَأَمَّا الذِّمِّيُّ إِذَا اتَّجَرَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ فِي مَالِهِ؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ مَأْخُوذَةٌ مِنْهُ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ مَالِهِ، إِلَّا أَنْ يَدْخُلَ تَاجِرًا إِلَى الْحِجَازِ فَيُمْنَعَ مِنْ دُخُولِهِ إِلَّا بِمَا يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ مِنْ عُشْرِ مَالِهِ؛ لِأَنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنِ اسِتِيطَانِ الْحِجَازِ فَمُنِعَ مِنَ التِّجَارَةِ فِيهِ إِلَّا مَعْشُورًا، وَهُوَ لَا يُمْنَعُ مِنِ اسْتِيطَانِ غَيْرِهِ، فَلَمْ يُعْشَرْ.

стр. 6800

(مسألة) : قال الشافعي رحمه الله تعالى: " فَإِنْ لَمْ يَكُنْ شُرِطَ عَلَيْهِمْ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ شَيْءٌ وَسَوَاءٌ كَانُوا يَعْشِرُونَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا دَخَلُوا بِلَادَهُمْ أَوْ يُخَمِّسُونَهُمْ أَوْ لَا يَعْرِضُونَ لَهُمْ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْحَرْبِ بِأَمَانٍ، وَلَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِمْ عُشُورُ أَمْوَالِهِمْ، فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمْ فِيهَا إِذَا حَمَلُوهَا عهم، وَلَا وَجْهَ لِمَا قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِنَّهُمْ يَعْشِرُونَ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ الْمَعْهُودِ مِنْ فِعْلِ عُمَرَ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُفْعَلُ مَعَهُمْ مَا يَفْعَلُونَهُ مَعَ تُجَّارِنَا إِذَا دَخَلُوا إِلَيْهِمْ، فَإِنْ كَانُوا يَعْشِرُونَهُمْ عُشِرُوا، وَإِنْ كَانُوا يَخْمِسُونَهُمْ خُمِسُوا، وَإِنْ كَانُوا يَتْرُكُونَهُمْ تُرِكُوا؛ لِأَنَّها عُقُوبَةٌ، وَقَدْ قَالَ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ٢٦] وَهَذَا خَطَأٌ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ - الْمُسْلِمُونَ عَلَى شُرُطِهِمْ وَلِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَأْخُذْ عُشْرَهُمْ إِلَّا بَعْدَ اشْتِرَاطِهِ عَلَيْهِمْ؛ وَلِأَنَّهُ مَالٌ مَأْخُوذٌ عَنْ أَمَانٍ، فَلَمْ يَلْزَمْ بِغَيْرِ شَرْطٍ كالجزية؛ لوأن عُلُوَّ الْإِسْلَامِ يَمْنَعُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِمْ كَمَا يقتضى بِهِمْ فِي الْغَدْرِ إِنْ غَدَرُوا، فَأَمَّا الْآيَةُ فَوَارِدَةٌ فِي الِاقْتِصَاصِ مِمَّنْ مُثِّلَ بِهِ مِنْ قتلى أحد، ثم قال ﴿ولئن صبرتم له خير للصابرين﴾ [النحل: ١٢٦] . (مسألة) : قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَإِذَا اتَّجَرُوا فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ إِلَى أُفُقٍ مِنَ الْآفَاقِ لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ إلا مرة كالجزية وقد ذكر عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ كَتَبَ أن يؤخذ مما ظهر من أموالهم أموال المسلمين وأن يكتب لهم براءة إلى مثله من الحول ولولا أن عمر ﵁ أخذه منهم ما أخذناه ولم يبلغنا أنه أخذ من أحد في سنة إلا مرة (قال) ويؤخذ منهم ما أخذ عمر من المسلمين ربع العشر ومن أهل الذمة نصف العشر ومن أهل الحرب العشر اتباعا له على ما أخذ (قال المزني) ﵀: قد روى الشافعي ﵀ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ﵁ من حديث صحيح الإسناد أنه أخذ من النبط من الحنطة والزيت نصف العشر يريد بذلك أن يكثر الحمل إلى المدينة ومن القطنية العشر (قال الشافعي) ولا أحسبه أخذ ذلك منهم إلا بشرط ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا أَخَذَ مِنَ الْحَرْبِيِّ عُشْرَ مَالِهِ فِي دُخُولِهِ ثُمَّ نَقَلَهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ لَمْ يُعْشَرْ، وَكَذَلِكَ لَوْ طَافَ بِهِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ؛ لِأَنَّهَا دَارٌ وَاحِدَةٌ، فَإِنَّهُ بَاعَ مَالَهُ وَاشْتَرَى بِهِ مَتَاعًا مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، وَأَرَادَ حَمْلَهُ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ رُوعِيَ شَرْطُ صُلْحِهِمْ، فَإِنْ كَانَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمْ تَعْشِيرُ أَمْوَالِهِمْ مِنْ دُخُولِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ عُشِرُوا خَارِجِينَ كَمَا عُشِرُوا دَاخِلِينَ. وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَطْ عَلَيْهِمْ لَمْ يُعْشَرُوا فِي الْخُرُوجِ وَعُشِرُوا فِي الدُّخُولِ، وَإِذَا اتَّجَرُوا

стр. 6801

فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ حَتَّى حَالَ عَلَيْهِمُ الْحَوْلُ، قَالَ الشَّافِعِيُّ: عُشِرُوا بَعْدَ انْقِضَاءِ الْحَوْلِ ثَانِيَةً وَاعْتَبَرَهُمْ بِالْمُسْلِمِينَ فِي أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْهُمْ فِي كل حول، وهذا عند مُعْتَبَرٌ بِالشَّرْطِ الْمَعْقُودِ مَعَهُمْ، فَإِنْ تَضَمُّنَ تَعْشِيرَ أَمْوَالِهِمْ فِي كُلِّ حَوْلٍ عُشِرُوا، وَإِنْ تَضَمَّنَ تَعْشِيرَهَا مَا حَمَّلُوهُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُعْشَرُوا اعْتِبَارًا بِمُوجِبِ الشَّرْطِ. فَأَمَّا الذِّمِّيُّ إِذَا اتَّجَرَ فِي الْحِجَازِ بَعْدَ تَعْشِيرِ مَالِهِ حَتَّى حَالَ عَلَيْهِ الْحَوْلُ عُشِرَ ثَانِيَةً فِي كُلِّ حَوْلٍ؛ لِأَنَّ لِلذِّمِّيِّ فِي الْجِزْيَةِ حَوْلًا مُقَيَّدًا تَتَكَرَّرُ جِزْيَتُهُ فِيهِ، فَجُعِلَ أَصْلًا لِعَشْرِ مَالِهِ فِي كُلِّ حَوْلٍ، وَلَيْسَ هُوَ فِي حَوْلِ الْجِزْيَةِ أَصْلًا؛ وَلِأَنَّ أَحْكَامَ الْإِسْلَامِ جَارِيَةٌ عَلَى الذِّمِّيِّ دُونَ الْحَرْبِيِّ، فَلَمَّا اسْتَقَرَّ حُكْمُ الْإِسْلَامِ عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ مَالِ الْمُسْلِمِ فِي كُلِّ حَوْلٍ، صَارَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي تَعْشِيرِ مَالِ الذِّمِّيِّ فِي الْحِجَازِ فِي كُلِّ حَوْلٍ. فَأَمَّا إِذَا اتَّجَرَ الذِّمِّيُّ فِي غَيْرِ الْحِجَازِ مِنْ بِلَادِ الْإِسْلَامِ، فَلَا عُشْرَ عَلَيْهِ لِجَوَازِ اسْتِيطَانِهِ لَهَا بِخِلَافِ بِلَادِ الْحِجَازِ الَّتِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَوْطِنَهَا، فَإِنْ شَرَطَ الْإِمَامُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ حُمِلُوا عَلَى شُرُوطِهِ، وَكَانَ زِيَادَةً فِي جزيتهم. (مسألة) : قال الشافعي رحمه الله تعالى: " وَيُحَدِّدُ الْإِمَامُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي تِجَارَاتِهِمْ مَا يَبِينُ لَهُ وَلَهُمْ وَلِلْعَامَّةِ لِيَأْخُذَهُمْ بِهِ الْوُلَاةُ وَأَمَّا الْحَرَمُ فَلَا يَدْخُلَهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ بِحَالٍ كان له بها مال أو لم يكن ويخرج الإمام منه إلى الرسل ومن كان بها منهم مريضا أو مات أخرج ميتا ولم يدفن بها، وروي أنه سمع عددا من أهل المغازي يرون أن النبي ﷺ َ - قال: " لا يجتمع مسلم ومشرك في الحرم بعد عامهم هذا. قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ، حَتَّى يَنْتَشِرَ فِي كَافَّةِ الْمُسْلِمِينَ، وَفِيهِمْ، يَزُولُ الْخِلَافُ مَعَهُمْ، فَإِذَا انْتَشَرَ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ كُلِّهَا فِي عَصْرٍ بَعْدَ عَصْرٍ اكْتَفَى بِانْتِشَارِهِ عَنْ تَجْدِيدِهِ، فَإِنْ خِيفَ بِتَطَاوُلِ الزَّمَانِ أَنْ يُخْفَى جَدَّدَهُ كَمَا يَفْعَلُ الْحُكَّامُ فِي الْوُقُوفِ إِذَا خِيفَ دُرُوسُهَا جَدَّدُوا الْإِسْجَالَ بِهَا؛ لِتَكُونَ حُجَجُ سَبِيلِهَا دَائِمَةَ الثُّبُوتِ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا رَأَى الْإِمَامُ أَنْ يُسْقِطَ عَنْ أَهْلِ الْحَرْبِ تَعْشِيرَ أَمْوَالِهِمْ بِحَادِثٍ اقْتَضَاهُ نَظَرُهُ مِنْ جَدَبٍ أَوْ قَحْطٍ أَوْ لِخَوْفٍ مِنْ قُوَّةٍ تَجَدَّدَتْ لَهُمْ جَازَ إِسْقَاطُهُ عَنْهُمْ، وَلَوْ رَأَى إِسْقَاطَ الْجِزْيَةِ عَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَجُزْ إِسْقَاطُهَا؛ لِأَنَّ الْجِزْيَةَ نَصٌّ وَالْعُشْرَ اجْتِهَادٌ. وَإِذَا زَالَ السَّبَبُ الَّذِي تَرَّكَهُ تَعْشِيرَ أَمْوَالِهِمْ لَمْ يَأْخُذْهُمْ بِعُشْرِ مَا كَانُوا حَمَلُوهُ، وَنَظَرَ فِي التَّرْكِ؛ فَإِنْ كَانَ مُسَامَحَةً لَهُمْ أَخَذَ عُشْرَهُمْ بَعْدَ زَوَالِ السَّبَبِ بِالشَّرْطِ الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ إِسْقَاطًا لَمْ يَأْخُذْهُ بَعْدَ زَوَالِ سَبَبِهِ إِلَّا بِشَرْطٍ مُسْتَأْنَفٍ. وَإِذَا دَعَتِ الْإِمَامَ الضَّرُورَةُ فِي الِاسْتِعَانَةِ بِأَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَنْ

стр. 6802

يَتْرُكَ عَلَيْهِمُ الْجِزْيَةَ؛ لِيَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى مَعُونَةِ الْمُسْلِمِينَ كَانَ الْأَوْلَى قَبْضُهَا مِنْهُمْ، وَرَدُّهَا عَلَيْهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ وَأَرْفَقَهُمْ بِتَرْكِهَا عَلَيْهِمْ جَازَ، وَكَانَ ذَلِكَ إِبْرَاءً مِنْهَا فِي وَقْتِهَا، وَلَمْ يَكُ إِسْقَاطًا لَهَا مِنْ أَصْلِهَا، فَإِذَا زَالَ السَّبَبُ عَادَ إِلَى أَخْذِهَا بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ. (فَصْلٌ) : وَإِذَا عُقِدَتِ الذِّمَّةُ مَعَ قَوْمٍ وَجَبَ الذَّبُّ عَنْهُمْ مِنْ كُلِّ مَنْ آذَاهُمْ مِنْ مُسْلِمٍ وَمُشْرِكٍ سَوَاءٌ اخْتَلَطُوا بِالْمُسْلِمِينَ أَوِ اعْتَزَلُوهُمْ، فَلَوْ عَجَّلَ الْإِمَامُ بِجِزْيَتِهِمْ، وَقَصَدَهُمُ الْعَدُوُّ، فَلَمْ يَذُبَّ عَنْهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَرُدَّ مِنْ جِزْيَتِهِمْ مَا قَابَلَ زَمَانَ مُتَارَكَتِهِمْ مَعَ عَدُوِّهِمْ دُونَ مَا عَدَاهُ، فَإِنِ اشْتَرَطُوا فِي عَقْدِ صُلْحِهِمْ أَنْ لَا يَذُبَّ أَهْلَ الْحَرْبِ عَنْهُمْ لَمْ يَصِحَّ الشَّرْطُ إِنْ كَانُوا مُخْتَلِطِينَ بِالْمُسْلِمِينَ لِئَلَّا يَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْمُسْلِمِينَ، وَإِنِ اعْتَزَلُوا الْمُسْلِمِينَ بِقَرْيَةٍ انْفَرَدُوا بِسُكْنَاهَا، فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمْ مُسْلِمٌ أَوْ مَالُ مُسْلِمٍ، أَوْ كَانَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ دَارِ الْحَرْبِ قَرْيَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ لَمْ يَصِحِّ هَذَا الشَّرْطُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ، وَلَا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ مُسْلِمٌ حُمِلُوا عَلَى الشَّرْطِ فِي مُتَارِكَتِهِمْ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ، وَلَمْ يَلْزَمِ الذَّبُّ عَنْهُمْ إِلَّا أَنْ يَخَافَ عَلَيْهِمُ الِاصْطِلَامَ، فَيَلْزَمُ اسْتِنْقَاذُ نُفُوسِهِمْ دُونَ أَمْوَالِهِمْ، لِأَنَّ لِلذِّمَّةِ حَقًّا فِي حِفْظِهَا، وَسَقَطَ حِفْظُ أَمْوَالِهِمْ بِالشَّرْطِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
следующие страницы →