← Фикх шафии

Фикх шафии · id 6157

الحاوي الكبير

الماوردي

Полный текст (8 408 стр.). Показаны 7053–7092 · переход к 7058.

стр. 7053

(فَصْلٌ:) وَالشَّرْطُ الْخَامِسُ: أَنْ يَكُونَ الْغَرَضُ مِنَ الْهَدَفِ مَعْلُومًا، لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ بِالْإِصَابَةِ. أَمَّا الْهَدَفُ فَهُوَ تُرَابٌ يُجْمَعُ أَوْ حَائِطٌ يُبْنَى، وَأَمَّا الْغَرَضُ فَهُوَ جِلْدٌ أَوْ شَيْءٌ بالٍ يُنْصَبُ فِي الْهَدَفِ، وَيُخْتَصُّ بِالْإِصَابَةِ، وَرُبَّمَا جُعِلَ فِي الْغَرَضِ دَارَةٌ كَالْهِلَالِ تُخْتَصُّ بِالْإِصَابَةِ مِنْ جُمْلَةِ الْغَرَضِ، وَهِيَ الْغَايَةُ فِي الْمَقْصُودِ مِنْ حِذْقَ الرُّمَاةِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَالْعِلْمُ بِالْغَرَضِ يَكُونُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: مَوْضِعُهُ مِنَ الْهَدَفِ فِي ارْتِفَاعِهِ وَانْخِفَاضِهِ، لِأَنَّ الْإِصَابَةَ فِي الْمُنْخَفِضِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الْمُرْتَفِعِ. وَالثَّانِي: قَدْرُ الْغَرَضِ فِي ضِيقِهِ وَسَعَتِهِ، لِأَنَّ الْإِصَابَةَ فِي الْوَاسِعِ أَكْثَرُ مِنْهَا فِي الضَّيِّقِ، وَأَوْسَعُ الْأَغْرَاضِ فِي عرف الرماة ذراع، وأقله أربع أَصَابِعَ. وَالثَّالِثُ: قَدْرُ الدَّارَةِ مِنَ الْغَرَضِ إِنْ شُرِطَتِ الْإِصَابَةُ بِهَا. (فَصْلٌ:) وَالشَّرْطُ السَّادِسُ: أَنْ يَكُونَ مَحَلُّ الْإِصَابَةِ مَعْلُومًا هَلْ هُوَ فِي الْهَدَفِ أَوْ فِي الْغَرَضِ أَوْ فِي الدَّارَةِ؟ لِأَنَّ الْإِصَابَةَ فِي الْهَدَفِ أَوْسَعُ، وَفِي الْغَرَضِ أَوْسَطُ، وَفِي الدَّارَةِ أَضْيَقُ، وَإِنْ أُغْفِلَ ذَلِكَ كَانَ جَمِيعُ الْغَرَضِ مَحَللًّا لِلْإِصَابَةِ، لِأَنَّ مَا دُونَهُ تَخْصِيصٌ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ فَهُوَ بِالْغَرَضِ مَخْصُوصٌ. فَإِنْ كَانَتِ الْإِصَابَةُ مَشْرُوطَةً فِي الْهَدَفِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْغَرَضِ، وَلَزِمَ وَصْفُ الْهَدَفِ فِي طُولِهِ وَعَرْضِهِ، وَإِنْ شُرِطَتِ الْإِصَابَةُ فِي الْغَرَضِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْهَدَفِ، وَلَزِمَ وَصْفُ الْغَرَضِ وَإِنْ شُرِطَتِ الْإِصَابَةُ فِي الدَّارَةِ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْغَرَضِ وَلَزِمَ وَصْفُ الدَّارَةِ. (فَصْلٌ:) وَالشَّرْطُ السَّابِعُ أَنْ تَكُونَ الْإِصَابَةُ مَوْصُوفَةً بِقَرْعٍ أَوْ خَزْقٍ أَوْ خَسْقٍ. - فَالْقَارِعُ: مَا أَصَابَ الْغَرَضَ، وَلَمْ يُؤَثِّرْ فِيهِ. - وَالْخَازِقُ: مَا ثَقَبَ الْغَرَضَ، وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ. - وَالْخَاسِقُ: مَا ثَبَتَ مِنَ الْغَرَضِ بَعْدَ أَنْ ثَقَبَ. وَلَا يُحْتَسَبُ بِالْقَارِعِ فِي الْخَزْقِ وَالْخَسْقِ، وَيُحْتَسَبُ بِالْخَاسِقِ فِي الْقَرْعِ، وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ فِي الْخَسْقِ، وَيُحْتَسَبُ بِالْخَازِقِ فِي الْقَرْعِ وَالْخَزْقِ، وَيَنْطَلِقُ عَلَى جَمِيعِ هَذِهِ الْإِصَابَاتِ اسْمُ الْخَوَاصِلِ وَهُوَ جَمْعُ خِصَالٍ، فَإِنْ أُغْفِلَ هَذَا الشَّرْطُ كَانَتِ الْإِصَابَةُ مَحْمُولَةً عَلَى الْقَرْعِ، لِأَنَّ مَا عَدَاهُ زِيَادَةٌ. (فَصْلٌ:) وَالشَّرْطُ الثَّامِنُ: أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْإِصَابَةِ مَعْلُومًا هَلْ هُوَ مُبَادَرَةٌ أَوْ مُحَاطَّةٌ لِأَنَّ حُكْمَ كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْآخَرِ، وَالْمُبَادَرَةُ أَنْ يُبَادِرَ أَحَدُهُمَا إلى

стр. 7054

اسْتِكْمَالِ إِصَابَتِهِ فِي أَقَلِّ الْعَدَدَيْنِ عَلَى مَا سَنَصِفُهُ. - وَالْمُحَاطَّةُ أَنْ يُحَطَّ أَقَلُّ الْإِصَابَتَيْنِ مِنْ أَكْثَرِهِمَا، وَيَكُونَ الْبَاقِي بَعْدَهَا هُوَ الْعَدَدَ الْمَشْرُوطَ عَلَى مَا سَنَشْرَحُهُ، فَإِنْ أَغْفَلَا ذَلِكَ وَمَا يَشْتَرِطَاهُ فَسَدَ الْعَقْدُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرُّمَاةِ عُرْفٌ مَعْهُودٌ بِأَحَدِهِمَا، وَفِي فَسَادِهِ إِنْ كَانَ لَهُمْ عُرْفٌ مَعْهُودٌ وَجْهَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. (فَصْلٌ:) وَالشَّرْطُ التَّاسِعُ: أَنْ يَكُونَ الْمَالُ الْمُخْرَجُ فِي النِّضَالِ مَعْلُومًا، لِأَنَّهُ عِوَضٌ فِي عَقْدٍ، وَيُسَمَّى هَذَا الْمَالُ الْمُخْرَجُ السَّبَقَ بِفَتْحِ الْبَاءِ، وَيُسَمَّى الْخَطَرَ، وَيُسَمَّى النَّدَبَ، وَيُسَمَّى الْوَجَبَ: وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ أَسْمَائِهِ، فَإِنْ أُغْفِلَ ذِكْرُ الْغَرَضِ كَانَ بَاطِلًا، وَلَا شَيْءَ لِلنَّاضِلِ إِذَا نَضَلَ، وَإِنْ جُهِلَ الْغَرَضُ كَانَ الْعَقْدُ بَاطِلًا، وَفِي اسْتِحْقَاقِهِ لِأُجْرَةِ مِثْلِهِ إِذَا نَضَلَ وَجْهَانِ: (فَصْلٌ:) وَالشَّرْطُ الْعَاشِرُ: أَنْ يُذْكَرَ الْمُبْتَدِئُ مِنْهُمَا بِالرَّمْيِ، وَكَيْفِيَّةُ الرَّمْيِ هَلْ يَتَرَامَيَانِ سَهْمًا وَسَهْمًا أَوْ خَمْسًا وَخَمْسًا، لِيَزُولَ التَّنَازُعُ وَيَعْمَلَ كُلُّ وَاحِدٍ منهما على شرطه، فإن أغفل ذكر المبتدئ مِنْهُمَا بِالرَّمْيِ، فَفِي الْعَقْدِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ. وَالثَّانِي: جَائِزٌ. وَفِي الْمُبْتَدِئِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: مُخْرِجُ الْمَالِ. وَالثَّانِي: مَنْ قَرَعَ. وَإِنْ أُغْفِلَ عَدَدُ مَا يَرْمِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي بَدْئِهِ فَالْعَقْدُ صَحِيحٌ، وَيَحْمِلَانِهِ عَلَى عُرْفِ الرُّمَاةِ إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ، فَإِنِ اخْتَلَفَ عُرْفُهُمْ رَمَيَا سَهْمًا، فَهَذِهِ عَشَرَةُ شُرُوطٍ يُعْتَبَرُ بِهَا عَقْدُ الْمُنَاضَلَةِ. فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذِهِ (الْمَسْأَلَةِ:) " وكذلك لو سَبَقَ أَحَدُهُمَا قَرَعًا مَعْلُومًا "، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِهِ بِالْقَرَعِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْمَالَ وَيَكُونُ مِنْ أَسْمَائِهِ كَالْوَجَبِ وَالنَّدَبِ وَالْخَطَرِ - ذَكَرَهُ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ، وَحَكَاهُ عَنِ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ. وَالثَّانِي: وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي قَوْلِ أَصْحَابِنَا إِنَّهُ أَرَادَ صِفَةَ الْإِصَابَةِ أَنَّهَا قَرْعٌ لَا خَزْقٌ وَلَا خَسْقٌ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَرَادَ بِالْقَرَعِ الرَّشْقَ فِي عَدَدِ الرَّمْيِ، وَلَهُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثَّلَاثَةِ حُكْمٌ بَيَّنَّاهُ - وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ -.

стр. 7055

(مسألة:) قال الشافعي: " فَإِنِ اشْتَرَطَا مُحَاطَّةً فَكُلَّمَا أَصَابَ أَحَدُهُمَا وَأَصَابَ الْآخَرُ بِمِثْلِهِ أَسْقَطَا الْعَدَدَيْنِ وَلَا شيءٍ لواحدٍ مِنْهُمَا وَيَسْتَأْنِفَانِ وَإِنْ أَصَابَ أَقَلَّ مِنْ صَاحِبِهِ حَطَّ مِثْلَهُ حَتَّى يَخْلُصَ لَهُ فَضْلُ الْعَدَدِ الَّذِي شَرَطَ فَيَنْضُلَهُ بِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ النِّضَالَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: مُحَاطَّةٌ وَمُبَادَرَةٌ، فبدأ الشَّافِعِيُّ بِذِكْرِ الْمُحَاطَّةِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ غَالِبَ الرَّمْيِ فِي زَمَانِهِ، وَقِيلَ إِنَّهُ كَانَ رَامِيًا يُصِيبُ مِنَ الْعَشَرَةِ ثَمَانِيَةً فِي الْغَالِبِ وَهِيَ عَادَةُ حُذَّاقِ الرُّمَاةِ. فَإِذَا عَقَدَا سَبَقَ النِّضَالِ عَلَى إِصَابَةِ خَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ مُحَاطَّةً وَرِمَايَةً وَجَبَ أَنْ تُحَطَّ أَقَلُّ الْإِصَابَتَيْنِ فِي أَكْثَرِهِمَا وَيُنْظَرَ فِي الْبَاقِي بَعْدَ الْحَطِّ، فَإِنْ كَانَ خَمْسَةً، فَهُوَ الْقَدْرُ الْمَشْرُوطُ فَيَصِيرُ صَاحِبُهُ بِهِ نَاضِلًا. وَإِنْ كَانَ الْبَاقِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ لَمْ يَنْضُلْ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ أَصَابَةً لِنُقْصَانِهِ مِنَ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ، فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا بَعْدَ الرَّمْيِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إِمَّا أَنْ يَتَسَاوَيَا فِي الْإِصَابَةِ أَوْ يَتَفَاضَلَا. - فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْإِصَابَةِ، فَأَصَابَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشْرًا عَشْرًا أَوْ خَمْسًا خَمْسًا، قَالَ الشَّافِعِيُّ: " فَلَا شَيْءَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا وَليَسْتَأْنِفَانِ "، فَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا في مراده بقوله: " وليستأنفان " عَلَى وَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: أَحَدُهُمَا: يَسْتَأْنِفَانِ الرَّمْيَ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ، لِأَنَّ عَقْدَ الْمُحَاطَّةِ مَا أَوْجَبَ حَطَّ الْأَقَلِّ مَن الْأَكْثَرِ وَلَيْسَ مَعَ التَّسَاوِي عَقْدُ حَطٍّ، فَخَرَجَ مِنْ عَقْدِ الْمُحَاطَّةِ، فَلِذَلِكَ اسْتَأْنَفَا الرَّمْيَ لِيَصِيرَ مَا يَسْتَأْنِفَانِهِ فِي عُقُودِ الْمُحَاطَّةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ بِهِمَا يَسْتَأْنِفَانِ عَقْدًا مُسْتَجَدًّا إِنْ أَحَبَّا، لِأَنَّ الْعَقْدَ الْوَاحِدَ لَا يَلْزَمُ فِيهِ إِعَادَةُ الرَّمْيِ مَعَ التَّكَافُؤِ كَمَا لَا يَلْزَمُ فِي الْخَيْلِ إِعَادَةُ الْجَرْيِ مَعَ التَّكَافُؤِ وَالَّذِي أَرَاهُ - وَهُوَ عِنْدِي الْأَصَحُّ - أَنْ يُنْظَرَ. فَإِنْ تَسَاوَيَا فِي الْإِصَابَةِ قَبْلَ الرَّشْقِ اسْتَأْنَفَا الرَّمْيَ بِالْعَقْدِ الْأَوَّلِ. وَإِنْ تَسَاوَيَا فِيهِ بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الرَّشْقِ اسْتَأْنَفَاهُ بعقد مستجد إن أحيا، لِأَنَّهُمَا قَبْلَ اسْتِكْمَالِ الرَّشْقِ فِي بَقَايَا أَحْكَامِ الْعَقْدِ وَبَعْدَ اسْتِكْمَالِهِ قَدْ نُقِضَتْ جَمِيعُ أَحْكَامِهِ. (فَصْلٌ:) فَإِنْ تَفَاضَلَا فِي الْإِصَابَةِ لَمْ يَخْلُ تَفَاضُلُهُمَا فِيهَا مِنْ ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَفْضُلَ، وَلَا يَنْضُلَ بِمَا فَضَلَ، وَهُوَ أَنْ يَشْتَرِطَا إِصَابَةَ خَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ مُحَاطَّةً، فَيُصِيبَ أَحَدُهُمَا عَشَرَةَ أَسْهُمٍ، وَيُصِيبَ الْآخَرُ سِتَّةَ أَسْهُمٍ فَتُحَطَّ السِّتَّةُ مِنَ الْعَشَرَةِ، فَيَكُونُ الْبَاقِي مِنْهَا أَرْبَعَةً فَلَا يَنْضُلُ، لِأَنَّ شَرْطَ الْإِصَابَةِ خَمْسَةٌ، وَهَكَذَا لَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَصَابَ الْآخَرُ أَحَدَ عَشَرَ لَمْ يَنْضُلِ الْفَاضِلُ، لِأَنَّ الباقي له

стр. 7056

بعد الخط أَرْبَعَةٌ ثُمَّ عَلَى هَذِهِ الْعِبْرَةِ إِذَا كَانَ الْبَاقِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَنْضُلَ بِمَا فَضَلَ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الرَّشْقِ، وَهُوَ أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ عِشْرِينَ، وَيُصِيبَ الْآخَرُ عَشَرَةً مِنْ عِشْرِينَ، فَيَنْضُلَ الْفَاضِلُ، لِأَنَّهَا إِذَا أُسْقِطَتْ مِنْ إِصَابَتِهِ عَشَرَةٌ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَهَا خَمْسَةً، وَهُوَ عَدَدُ النَّضْلِ، وَهَكَذَا لَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا عَشَرَةً، وَأَصَابَ الْآخَرُ خَمْسَةً كَانَ الْفَاضِلُ نَاضِلًا، لِأَنَّهُ إِذَا أُسْقِطَتِ الْخَمْسَةُ مِنْ إِصَابَتِهِ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَهَا خَمْسَةً، وَهُوَ عَدَدُ النَّضْلِ، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْبَاقِي بَعْدَ الْحَطِّ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسَةٍ، ثُمَّ عَلَى هَذِهِ الْعِبْرَةِ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَنْضُلَ بِمَا فَضَلَ قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الرَّشْقِ، وَهُوَ أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا عشرة من خمسة عشرة، ويصيب الآخر خمسة من خمسة عشرة، وَيَكُونُ الْبَاقِي مِنَ الْأَكْثَرِ خَمْسَةً هِيَ عَدَدُ النضل فهو يَسْتَقِرُّ النِّضَالُ بِهَذَا قَبْلَ اسْتِيفَاءِ الرَّشْقِ أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَسْتَقِرُّ النَّضْلُ وَيَسْقُطُ بَاقِي الرَّشْقِ، لِأَنَّ مَقْصُودَهُ مَعْرِفَةُ الْأَحْذَقِ، وَقَدْ عُرِفَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: - وَهُوَ الْأَظْهَرُ - أَنَّهُ لَا يَسْتَقِرُّ النَّضْلُ بِهَذِهِ الْمُبَادَرَةِ إِلَى الْعَدَدِ حَتَّى يَرْمِيَا بَقِيَّةَ الرَّشْقِ، لِأَنَّ الْعَقْدَ قَدْ تَضَمَّنَهَا، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يُصِيبَ الْمَفْضُولُ جَمِيعَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا وَيُخْطِئَ الْفَاضِلُ جَمِيعَهَا أَوْ أَكْثَرَهَا. وَعَلَى هَذَا يَكُونُ التَّفْرِيعُ، فَإِذَا رَمَيَا بَقِيَّةَ الرَّشْقِ، وَهُوَ الْخَمْسَةُ الْبَاقِيَةُ فَإِنْ أَصَابَ الْمَفْضُولُ جَمِيعَهَا أو أخطأ الفاضل جمعيها، فَقَدِ اسْتَوَيَا وَلَمْ يَنْضُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا لِأَنَّ إِصَابَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَشَرَةٌ وَإِنْ أَصَابَ الْفَاضِلُ، وَأَخْطَأَ الْمَفْضُولُ جَمِيعَهَا اسْتَقَرَّ فَضْلُ الْفَاضِلِ، لِأَنَّهُ أَصَابَ خَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ عِشْرِينَ، وَأَصَابَ الْمَفْضُولُ خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ فَكَانَ الْبَاقِي بَعْدَ الْحَطِّ عَشَرَةً هِيَ أَكْثَرُ مِنْ شَرْطِهِ، فَلَوْ أَصَابَ الْفَاضِلُ مِنَ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ سَهْمًا، وَأَصَابَ الْمَفْضُولُ سَهْمَيْنِ لَمْ يَفْضُلِ الْفَاضِلُ، لِأَنَّ عَدَدَ إِصَابَتِهِ أَحَدَ عَشَرَ سَهْمًا، وَعَدَدَ إِصَابَةِ الْمَفْضُولِ سَبْعَةٌ إِذَا حُطَّتْ مِنْ تِلْكَ الْإِصَابَةِ كَانَ الْبَاقِي أَرْبَعَةً وَالشَّرْطُ أَنْ تَكُونَ خَمْسَةً فَلِذَلِكَ لَمْ يَنْضُلْ وَإِنْ فَضَلَ، فَلَوْ أَصَابَ الْفَاضِلُ سَهْمَيْنِ، وَالْمَفْضُولُ سَهْمَيْنِ صَارَ الْفَاضِلُ نَاضِلًا، لِأَنَّهُ أَصَابَ اثْنَيْ عَشَرَة، وَأَصَابَ الْمَفْضُولُ سَبْعَةً لِيَبْقَى لِلْفَاضِلِ بَعْدَ الْحَطِّ خَمْسَةٌ. وَلَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا سَبْعَةً مِنْ عَشَرَةٍ وَأَصَابَ الْآخَرُ سَهْمَيْنِ مِنْ عَشَرَةٍ، فَإِذَا رَمَيَا بَقِيَّةَ السِّهَامِ فَإِنْ أَصَابَ الْمَفْضُولُ جَمِيعَهَا، وَأَخْطَأَ الْفَاضِلُ جَمِيعَهَا صَارَ الْأَوَّلُ نَاضِلًا وَالثَّانِي مَنْضُولًا لِأَنَّ الْأَوَّلَ لَهُ سَبْعَةٌ وَالثَّانِيَ لَهُ اثْنَا عَشَرَ يَبْقَى لَهُ بَعْدَ الْحَطِّ خَمْسَةٌ وَلَوْ أَصَابَ الْأَوَّلُ جَمِيعَهَا، وَأَصَابَ الثَّانِي جَمِيعَهَا كَانَ الْأَوَّلُ نَاضِلًا لِأَنَّ إِصَابَتَهُ سبعة عشر

стр. 7057

وَإِصَابَةَ الثَّانِي اثْنَا عَشَرَ، فَإِنْ أَخْطَأَ الْأَوَّلُ فِي سَهْمٍ مِنْ بَقِيَّةِ الرَّشْقِ لَمْ يَفْضُلْ وَلَمْ يَنْضُلْ، وَلَوْ أَصَابَ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ، وَأَصَابَ الْآخَرُ سَهْمَيْنِ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ اسْتَقَرَّ النَّضْلُ، وَسَقَطَ بَقِيَّةُ الرَّشْقِ وَجْهًا وَاحِدًا، لِأَنَّ الْمَفْضُولَ لَوْ أَصَابَ جَمِيعَ الْخَمْسَةِ الْبَاقِيَةِ فِي الرَّشْقِ حَتَّى اسْتَكْمَلَ بِمَا تَقَدَّمَ سَبْعَةً كَانَ مَنْضُولًا، لِأَنَّ الْبَاقِيَ لِلْفَاضِلِ بَعْدَ حَطِّهَا خَمْسَةٌ، فَلَمْ يَسْتَفِدْ بِبَقِيَّةِ الرَّمْيِ أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ النَّضْلَ، فَسَقَطَ ثَمَّ عَلَى هذه العبرة. (مسألة:) قال الشافعي: " وَيَسْتَحِقُّ سَبَقَهُ يَكُونُ مِلْكًا لَهُ يُقْضي بِهِ عليه كالدين يلزمه إن شاء أطعم أصحابه وإن شاء تموله ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ إِذَا نَضَلَ الرَّامِي مَلَكَ مَالَ النِّضَالِ، وَكَذَلِكَ فِي السَّبَقِ، وَصَارَ كَسَائِرِ أَمْوَالِهِ، فَإِنْ كَانَ عَيْنًا اسْتَحَقَّ أَخْذَهَا وَإِنْ كَانَ دَيْنًا اسْتَوْجَبَ قَبْضَهُ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ أَنْ يُطْعِمَهُ أَصْحَابَهُ مِنْ أَهْلِ النِّضَالِ وَالسِّبَاقِ. وَحَكَى الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الرُّمَاةِ أَنَّ عَلَيْهِ أَنْ يُطْعِمَهُ أَصْحَابَهُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَمَلَّكَهُ، وَهَذَا فَاسِدٌ لِأَنَّهُ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ كَمَالِ الْإِجَارَةِ أَوْ مَالِ الْجِعَالَةِ، لِأَنَّ عَقْدَهُ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الْعَقْدَيْنِ، وَالْعِوَضُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُسْتَحَقٌّ يَتَمَلَّكُهُ مُسْتَحِقُّهُ وَلَا تَلْزَمُهُ مُشَارَكَةُ غَيْرِهِ، فَبَطَلَ مَا قَالَهُ الْمُخَالِفُ فِيهِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ مَطَلَ بِهِ الْمَنْضُولُ قَضَى بِهِ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ، وَحَبَسَهُ فِيهِ، وَبَاعَ عَلَيْهِ مِلْكَهُ، وَإِنْ مَاتَ أَوْ أَفْلَسَ ضُرِبَ بِهِ مَعَ غُرَمَائِهِ وَيُقَدَّمُ بِهِ عَلَى ورثته. (مسألة:) قال الشافعي: " وَإِنْ أَخَذَ بِهِ رَهْنًا أَوْ ضَمِينًا فجائزٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ مَالَ النِّضَالِ لَا يَخْلُو إِمَّا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّنًا أَوْ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنْ كَانَ مُعَيَّنًا لَمْ يَجُزْ أَخْذُ الرَّهْنِ مِنْهُ، وَلَا الضَّمِينِ لِأَنَّ الْأَعْيَانَ لَا تُسْتَوْفَى مِنْ رَهِينٍ وَلَا ضَامِنٍ، فَلَمْ يَصِحَّ فِيهَا رَهْنٌ وَلَا ضَمَانٌ، وَإِنْ كَانَ فِي الذِّمَّةِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ الْمَالُ بِالْفَلْجِ جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ، وَالضَّمِينِ لِاسْتِقْرَارِهِ فِي الذِّمَّةِ كَسَائِرِ الدُّيُونِ، وَإِنْ لَمْ يَسْتَقِرَّ بِالْفَلْجِ كَانَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ وَالضَّمِينِ مُعْتَبَرًا بِحُكْمِ الْعَقْدِ فِي اللُّزُومِ وَالْجَوَازِ، فَإِنْ قِيلَ بِلُزُومِهِ كَالْإِجَارَةِ جَازَ أَخْذُ الرَّهْنِ فِيهِ، وَالضَّمِينِ كَالْأُجْرَةِ، وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِهِ كَالْجِعَالَةِ، فَفِي جَوَازِ أَخْذِ الرَّهْنِ وَالضَّمِينِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لَا يَجُوزُ أَخْذُهُمَا مِنْهُ لِأَنَّ الْعِوَضَ فِيهِ غَيْرُ لَازِمٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ فِيهِ لِأَنَّهُ مُفْضٍ إِلَى اللُّزُومِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ فِيهِ الضَّمِينُ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ فِيهِ الرَّهْنُ، لِأَنَّ حُكْمَ الضَّمَانِ أَوْسَعُ مِنْ حُكْمِ الرَّهْنِ، كَمَا يَجُوزُ ضَمَانُ الدَّرَكِ، وَلَا يجوز أخذ الرهن فيه.

стр. 7058

(مسألة:) قال الشافعي: " وَلَا يَجُوزُ السَّبَقُ إِلَّا مَعْلُومًا كَمَا لَا يَجُوزُ فِي الْبُيُوعِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ يُرِيدُ بِالسَّبَقِ الْمَالَ الْمُخْرَجَ فِي الْعَقْدِ، فَلَا يَصِحُّ مَعَهُ الْعَقْدُ حَتَّى يَكُونَ مَعْلُومًا مِنْ وَجْهَيْنِ، إِمَّا بِالتَّعْيِينِ كَاسْتِبَاقِهِمَا عَلَى عَيْنٍ شَاهِدٍ، وَإِمَّا بِالصِّفَةِ كَاسْتِبَاقِهِمَا عَلَى مالٍ فِي الذِّمَّةِ، لِأَنَّهُ مِنْ عُقُودِ الْمُعَاوَضَاتِ كَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ، فَإِنْ تَسَابَقَا عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى مَا يَحْكُمُ بِهِ زَيْدٌ كَانَ بَاطِلًا لِلْجَهَالَةِ بِهِ عِنْدَ الْعَقْدِ. وَلَوْ تَسَابَقَا وَتَنَاضَلَا عَلَى مِثْلِ مَا يُسَابِقُ أَوْ يُنَاضِلُ بِهِ زَيْدٌ وَعَمْرٌو. فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بَعْدَ عِلْمِهِمَا بِقَدْرِهِ صَحَّ، وَإِنْ كَانَ قَبْلَ عِلْمِهِمَا بِقَدْرِهِ بَطَلَ، وَلَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا فِي ذِمَّةِ الْآخَرِ قَفِيزٌ مِنْ حِنْطَةٍ، فَتَنَاضَلَا عَلَيْهِ، فَإِنْ كَانَ الْقَفِيزُ مُسْتَحَقًّا مِنْ سَلَمٍ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ عَلَى السَّلَمِ قَبْلَ قَبْضِهِ لَا تَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ عَنْ غَصْبٍ صَحَّ، لِأَنَّ الْمُعَاوَضَةَ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ تَصِحُّ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَرْضٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ مِنَ الْوَجْهَيْنِ فِي صِحَّةِ الْمُعَاوَضَةِ عَلَيْهِ قَبْلَ قَبْضِهِ، وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى دِينَارٍ إِلَّا دَانِقًا صَحَّ، وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى دِينَارٍ إلا درهماً لم يصح، لأن يكون بالاستثناء مِنْ جِنْسِهِ مَعْلُومًا، وَبِالِاسْتِثْنَاءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ مَجْهُولًا، وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى دِينَارٍ مُعَجَّلٍ وَقَفِيزِ حِنْطَةٍ مُؤَجَّلٍ صَحَّ، لِأَنَّهُ عَلَى عِوَضَيْنِ حالٍ وَمُؤَجَّلٍ، وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى أَنْ يَأْخُذَ النَّاضِلُ دِينَارًا وَيُعْطِيَ دِرْهَمًا لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ النَّاضِلَ مِنْ شَرْطِهِ أَنْ يَأْخُذَ وَلَا يُعْطِيَ، وَلَوْ تَنَاضَلَا عَلَى دِينَارٍ بَذَلَهُ أَحَدُهُمَا فَإِنْ نُضِلَ دَفَعَهُ، وَلَمْ يَرْمِ أَبَدًا أَوْ شَهْرًا كَانَ الْعَقْدُ فَاسِدًا لِأَنَّهُ قَدْ شَرَطَ فِيهِ الِامْتِنَاعَ، وَهُوَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهِ، فَبَطَلَ وَإِذَا تَنَاضَلَا وَقَدْ فَسَدَ الْعَقْدُ بِمَا ذَكَرْنَا، فَنَضَلَ أَحَدُهُمَا، فَإِنْ كَانَ النَّاضِلُ بَاذِلَ الْمَالِ، فَلَا شَيْءَ عَلَى الْمَنْضُولِ، وَإِنْ كَانَ النَّاضِلُ غَيْرَ الْبَاذِلِ فَفِي استحقاقه الأجرة مِثْلِهِ عَلَى الْبَاذِلِ وَجْهَانِ عَلَى مَا مَضَى. (مسألة:) قال الشافعي: " وَلَوِ اشْتَرَطَ أَنْ يُطْعِمَ أَصْحَابَهُ كَانَ فَاسِدًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مَالَ السَّبَقِ يملكه الناضل، ويلزمه أَنْ يُطْعِمَهُ أَصْحَابَهُ، فَإِنْ شُرِطَ عَلَيْهِ فِي الْعَقْدِ أَنْ يُطْعِمَهُ أَصْحَابَهُ، وَلَا يَمْلِكَهُ كَانَ الشَّرْطُ فَاسِدًا لِأَنَّهُ يُنَافِي مُوجَبَ الْعَقْدِ، وَفِي فَسَادِ الْعَقْدِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْعَقْدَ يَفْسُدُ بِفَسَادِ الشَّرْطِ كَالْبَيْعِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إِنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ لَا يَفْسُدُ بِفَسَادِ هَذَا الشَّرْطِ، لِأَنَّ نَفْعَهُ لَا يَعُودُ عَلَى مُشْتَرِطه وَكَانَ وجوده كعدمه.

стр. 7059

(مسألة:) قال الشافعي: " وَقَدْ رَأَيْتُ مِنَ الرُّمَاةِ مَنْ يَقُولُ صَاحِبُ السَّبَقِ أَوْلَى أَنْ يَبْدَأَ وَالْمُسَبِّقُ لَهُمَا يُبْدِئُ أَيَّهُمَا شَاءَ وَلَا يَجُوزُ فِي الْقِيَاسِ عِنْدِي إِلَّا أَنْ يَتَشَارَطَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا اشْتِرَاطُ الِابْتِدَاءِ فَهُوَ مُعْتَبَرٌ فِي الرَّمْيِ دُونَ السَّبَقِ لِأَنَّهُمَا فِي السَّبَقِ يَتَسَاوَيَانِ فِي الْجَرْيِ مَعًا لَا يَتَقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ. وَأَمَّا الرَّمْيُ فَلَا بُدَّ أَنْ يَبْتَدِئَ بِهِ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ وَلَا يَرْمِيَانِ مَعًا لِاخْتِلَاطِ رَمْيِهِمَا، وَلِمَا يُخَافُ مِنْ تَنَافُرِهِمَا، فَإِنْ شَرَطَا فِي الْعَقْدِ الْبَادِئَ مِنْهُمَا بِالرَّمْيِ كَانَ أَحَقَّهُمَا بِالِابْتِدَاءِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُبْتَدِئُ مُخْرِجَ الْمَالِ أَوْ غَيْرَ مُخْرِجِهِ فَإِنْ أَرَادَ بَعْدَ اسْتِحْقَاقِهِ التَّقَدُّمَ أَنْ يَتَأَخَّرَ لَمْ يُمْنَعْ لِأَنَّ التَّقَدُّمَ حَقٌّ لَهُ، وَلَيْسَ يحق عَلَيْهِ وَإِنْ أُغْفِلَ فِي الْعَقْدِ اشْتِرَاطُ الْبَادِئِ بِالرَّمْيِ، فَفِي الْعَقْدِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْعَقْدَ بَاطِلٌ لِأَنَّ لِلْبِدَايَةِ تَأْثِيرًا فِي قُوَّةِ النَّفْسِ، وَكَثْرَةِ الْإِصَابَةِ، فَصَارَتْ مَقْصُودَةً، فَبَطَلَ الْعَقْدُ بِإِغْفَالِهَا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّ الْعَقْدَ صَحِيحٌ، وَإِنْ غُفِلَتْ فِيهِ الْبِدَايَةُ. وَقَدْ حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ فُقَهَاءِ الرُّمَاةِ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ الرَّمْيِ الَّذِي يُمْكِنُ تَلَافِيهِ بِمَا تَزُولُ التُّهْمَةُ فِيهِ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى عُرْفٍ أَوْ قُرْعَةٍ فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَ مُخْرِجُ الْمَالِ أَحَدَهُمَا كَانَ هُوَ الْبَادِئَ بِالرَّمْيِ اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَ بَاذِلُ الْمَالِ غَيْرَهُمَا كَانَ لِمُخْرِجِ الْمَالِ أَنْ يُقَدِّمَ مَنْ شَاءَ مِنْهُمَا اعْتِبَارًا بِالْعُرْفِ. وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ: أَنْ يُقْرَعَ بَيْنَهُمَا، فَإِنْ كَانَا مُخْرِجَيْنِ لِلْمَالِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا لِتَكَافُئِهُمَا، وَهَلْ يَدْخُلُ الْمُحَلِّلُ فِي قُرْعَتِهِمَا أَوْ يَتَأَخَّرُ عَنْهُمَا عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَتَأَخَّرُ وَلَا يَدْخُلُ فِي الْقُرْعَةِ إِذَا قِيلَ: إِنَّ مُخْرِجَ الْمَالِ يَسْتَحِقُّ التَّقَدُّمَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يَدْخُلُ فِي الْقُرْعَةِ وَلَا يَتَأَخَّرُ إِذَا قِيلَ: إِنَّ مُخْرِجَ الْمَالِ لَا يَتَقَدَّمُ إِلَّا بِالْقُرْعَةِ. (فَصْلٌ:) قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: " وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الرُّمَاةِ أَنْ يَكُونَ الرَّامِي الثَّانِي يَتَقَدَّمُ عَلَى الْأَوَّلِ بِخُطْوَةٍ أَوْ خُطْوَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ ". وَهَذَا مُعْتَبَرٌ بِعُرْفِ الرُّمَاةِ وَعَادَتِهِمْ، فَإِنْ كَانَتْ مُخْتَلِفَةً فِيهِ يَفْعَلُونَهُ تَارَةً، وَيُسْقِطُونَهُ أُخْرَى سَقَطَ اعْتِبَارُهُ وَوَجَبَ التَّسَاوِي فِيهِ، وَإِنْ كَانَتْ عَادَتُهُمْ جَارِيَةً لَا يَخْتَلِفُونَ فِيهَا، فَفِي لُزُومِ اعْتِبَارِهِ بَيْنَهُمَا وجهان: أحدهما: لا يعتبر لوجوب تَكَافُئِهِمَا فِي الْعَقْدِ فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ يَصِيرُ مُصِيبًا بتقدمه لا بحذفه.

стр. 7060

وَالْوَجْهُ الثَّانِي: يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيهِمَا لِأَنَّ الْعُرْفَ فِي الْعُقُودِ كَإِطْلَاقِ الْأَيْمَانِ، فَعَلَى هَذَا إِنْ لَمْ يَخْتَلِفْ عُرْفُهُمْ فِي عَدَدِ الْأَقْدَامِ حُمِلَا عَلَى الْعُرْفِ فِي عَدَدِهَا لِيَكُونَ الْقُرْبُ بِالْأَقْدَامِ فِي مُقَابَلَةِ قُوَّةِ النَّفْسِ بِالتَّقَدُّمِ. وَإِنِ اخْتَلَفَ الْعُرْفُ فِي عَدَدِ الْأَقْدَامِ اعْتُبِرَ أَقَلُّ الْعُرْفِ دُونَ أَكْثَرِهِ فَإِنْ تَقَدَّمَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِمَا لَا يَسْتَحِقُّ فَلَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِصَوَابِهِ، واحتسب عليه بخطئه. (مسألة:) قال الشافعي: " وَأيُّهُمَا بَدَأَ مِنْ وجهٍ بَدَأَ صَاحِبُهُ مِنَ الْآخَرِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: عَادَةُ الرُّمَاةِ فِي الْهَدَفِ مُخْتَلِفَةٌ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَكِلَاهُمَا جَائِزٌ. فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْمِي هَدَفَيْنِ مُتَقَابِلَيْنِ، فَيَقِفُ أَحَدُ الْحِزْبَيْنِ فِي هَدَفٍ يَرْمِي مِنْهُ إِلَى الْهَدَفِ الْآخَرِ، وَيَقِفُ الْحِزْبُ الْآخَرُ فِي الْهَدَفِ الْمُقَابِلِ، فَيَرْمِي مِنْهُ إِلَى الْهَدَفِ الْآخَرِ، وَهَذَا أَحَبُّهُمَا إِلَيْنَا مَعَ جَوَازِهِمَا - لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ َ -: " بَيْنَ الْهَدَفَيْنِ روضةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ " وَلِأَنَّهُ أَقْطَعُ لِلْمُتَنَافِرِ، وَأَقَلُّ لِلتَّعَبِ، فَإِنْ رَمَيَا إِلَى هَدَفَيْنِ كَانَ لِلْمُبْتَدِئِ بِالرَّمْيِ أَنْ يَقِفَ فِي أَيِّ الْهَدَفَيْنِ شَاءَ، وَيَرْمِيَ الْآخَرَ وَيَقِفَ الثَّانِي فِي الْهَدَفِ الثَّانِي، وَيَصِيرُ ذَلِكَ مُسْتَقِرًّا بَيْنَهُمَا إِلَى آخِرِ رَمْيِهِمَا، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مَنْهُمَا أَنْ يَدْفَعَ الْآخَرَ عَنْ هَدَفِهِ، وَإِنْ كَانَ الْهَدَفُ وَاحِدًا وَقَفَ الْمُبْتَدِئُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ شَاءَ فِي مُقَابَلَتِهِ، وَيَقِفُ الثَّانِي حَيْثُ شَاءَ مِنْ يَمِينِ الْأَوَّلِ أَوْ يَسَارِهِ، فَإِنْ لَمْ يَرْضَ إِلَّا أَنْ يَقِفَ فِي مَوْقِفِ الْأَوَّلِ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهَما: لَهُ أَنْ يَقِفَ فِي مَوْقِفٍ لِيُسَاوِيَهُ فِيهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْأَوَّلَ إِذَا زَالَ عَنْ مَوْقِفِهِ بِشَيْءٍ حسن صنيعه - والله أعلم -. (مسألة:) قال الشافعي: " وَيَرْمِي الْبَادِئُ بسهمٍ ثَمَّ الْآخَرُ بسهمٍ حَتَّى يُنْفِدَا نَبْلَهُمَا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا فِيمَا يَخْتَصُّ بِالرَّمْيِ دُونَ السَّبَقِ لِاخْتِصَاصِ الرَّمْيِ بِالْمُبْتَدِئِ، فَاخْتَصَّ بِمَا يُوَالِيهِ مِنْ عَدَدِ مَا يَرْمِي، فَإِنْ شَرَطَاهُ فِي الْعَقْدِ حَمَلَا فِيهِ عَلَى مُوجَبِ الشَّرْطِ، وَكَانَ الشَّرْطُ أَحَقَّ مِنَ الْعُرْفِ، فَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَرْمِيَا سَهْمًا وَسَهْمًا، أَوْ شَرَطَا أَنْ يَرْمِيَا خَمْسًا وَخَمْسًا، أَوْ شَرَطَا أَنْ يُوَاصِلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَمْيَ جَمِيعِ رَشْقِهِ رَمَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَدَدَ مَا أَوْجَبَ الشَّرْطُ، فَإِنْ زَادَ عَلَيْهِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا وَلَا مُخْطِئًا لِخُرُوجِهِ عَنْ مُوجَبِ الْعَقْدِ، وَإِنْ أُغْفِلَ وَلَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ لَمْ يَبْطُلِ الْعَقْدُ بِإِغْفَالِهِ لِإِحْكَامِهِ التَّكَافُؤَ فِيهِ وَاعْتُبِرَ فِيهِمَا عُرْفُ الرُّمَاةِ، لِأَنَّهُ يَجْرِي بَعْدَ الشَّرْطِ مَجْرَى الشَّرْطِ، فَإِنْ كَانَ عُرْفُ الرُّمَاةِ جَارِيًا حَدَّ الثَّلَاثَةِ الْمُجَوَّزَةِ فِي الشَّرْطِ صَارَ كَالْمُسْتَحَقِّ بِالشَّرْطِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرُّمَاةِ عُرْفٌ لِاخْتِلَافِهِ بَيْنَهُمْ رَمَيَا سَهْمًا وَسَهْمًا، وَلَمْ يَزِدْ كُلُّ

стр. 7061

واحد منهما على سهم واحد حتى يستنفذا جَمِيعَ الرَّشْقِ، لِأَنَّ قُرْبَ الْمُعَاوَدَةِ إِلَى الرَّمْيِ أَحْفَظُ لِحُسْنِ الصَّنِيعِ. فَإِنْ رَمَى أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ سَهْمٍ، فَإِنْ كَانَ قَبْلَ اسْتِقْرَارِ هَذَا التَّرْتِيبِ كَانَ مُحْتَسَبًا بِهِ مُصِيبًا وَمُخْطِئًا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا وَلَا مُخْطِئًا لِأَنَّهُ قَبْلَ الِاسْتِقْرَارِ مُجَوَّزٌ وَبَعْدَ الاستقرار ممنوع. (مسألة:) قال الشافعي: " وَإِذَا غَرَّقَ أَحَدُهُمَا وَخَرَجَ السَّهْمُ مِنْ يَدَيْهِ فَلَمْ يَبْلُغِ الْغَرَضَ كَانَ لَهُ أَنْ يَعُودَ بِهِ مِنْ قِبَلِ الْعَارِضِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا إِغْرَاقُ السَّهْمِ: فَهُوَ أَنْ يَزِيدَ فِي مَدِّ الْقَوْسِ لِفَضْلِ قُوَّتِهِ حَتَّى يَسْتَغْرِقَ السَّهْمَ، فَيَخْرُجَ مِنْ جَانِبِ الْوَتَرِ الْمَعْهُودِ إِلَى الْجَانِبِ الْآخَرِ، فإن من أجناس القسي والسهم مَا يَكُونُ مَخْرَجُ السَّهْمِ مِنْهَا عَنْ يَمِينِ الرَّامِي جَارِيًا عَلَى إِبْهَامِهِ، فَيَكُونُ إِغْرَاقُهُ أَنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ بِاسْتِيفَاءِ الْمَدِّ إِلَى يَسَارِهِ جَارِيًا عَلَى سَبَّابَتِهِ. وَمِنْهَا مَا يَكُونُ مَخْرَجُهُ بِالضِّدِّ على يساره الرَّامِي جَارِيًا عَلَى سَبَّابَتِهِ. فَيَكُونُ إِغْرَاقُهُ أَنْ يَخْرُجَ عَلَى يَمِينِهِ جَارِيًا عَلَى إِبْهَامِهِ، فَإِذَا أَغْرَقَ السَّهْمَ قَالَ الشَّافِعِيُّ: " لَمْ يَكُنْ إِغْرَاقُهُ مِنْ سُوءِ الرَّمْيِ، وَإِنَّمَا هُوَ الْعَارِضُ فَلَا يُحْتَسَبُ عَلَيْهِ إِنْ أَخْطَأَ بِهِ " وَهُوَ عِنْدِي نَظَرٌ، لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَمُدَّ الْقَوْسَ بِحَسَبِ الْحَاجَةِ حَتَّى زَادَ فِيهِ، فَأَغْرَقَ أَوْ نَقَصَ فَقَصَّرَ كَانَ بِسُوءِ الرَّمْيِ أَشْبَهَ. فَإِذَا أَخْطَأَ بِالسَّهْمِ الْمُغَرَّقِ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَإِنْ أَصَابَ احْتُسِبَ لَهُ، لِأَنَّ الْإِصَابَةَ بِهِ مَعَ الْخَلَلِ أَدُلُّ عَلَى حِذْقِ الرَّامِي في الإصابة مع الاستقامة. (مسألة:) قال الشافعي: " وَكَذَلِكَ لَوِ انْقَطَعَ وَتَرُهُ أَوِ انْكَسَرَتْ قَوْسُهُ فَلَمْ يَبْلُغِ الْغَرَضَ أَوْ عَرَضَ دُونَهُ دابةٌ أَوْ إنسانٌ فَأَصَابَهُ أَوْ عَرَضَ لَهُ فِي يَدَيْهِ مَا لَا يَمُرُّ السَّهْمُ مَعَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَعُودُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا انْقَطَعَ وَتَرُهُ، أَوِ انْكَسَرَ قَوْسُهُ، فَقَصَرَ وَقْعُ السَّهْمِ، وَأَخْطَأَ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُخْطِئْ لِسُوءِ رَمْيِهِ، وَلَكِنْ لِنَقْصِ آلَتِهِ، وَلَوْ أَصَابَ بِهِ كَانَ مَحْسُوبًا مِنْ إِصَابَتِهِ، لِأَنَّهُ أَدَلُّ عَلَى حِذْقِهِ، وَهَكَذَا لَوْ عَرَضَ دُونَ الْهَدَفِ عَارِضٌ مِنْ بَهِيمَةٍ أَوْ إِنْسَانٍ وَقَعَ السَّهْمُ فِيهِ، وَمَنَعَ مِنْ وُصُولِهِ إِلَى الْهَدَفِ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ، وَأُعِيدَ السَّهْمُ إِلَيْهِ، فَإِنْ خَرَقَ السَّهْمُ الْحَائِلَ وَنَفَذَ فِيهِ حَتَّى وَصَلَ إِلَى الْهَدَفِ، فَأَصَابَ كَانَ مَحْسُوبًا مِنْ إِصَابَتِهِ، لِأَنَّهُ بِالْإِصَابَةِ مِعِ هَذَا الْعَارِضِ أَشَدُّ وَأَرْمَى وَيُسَمَّى هَذَا السَّهْمُ خَارِقًا وَقَدْ كَانَ الْكُسَعِيُّ فِي الْعَرَبِ رَامِيًا، فَخَرَجَ ذَاتَ لَيْلَةٍ، فَرَأَى ظَبْيًا فَرَمَاهُ فَأَنْفَذَهُ وَخَرَجَ السَّهْمُ مِنْهُ، فَأَصَابَ حَجَرًا فَقَدَحَ مِنْهُ نَارًا فَرَأَى ضَوْءَ النَّارِ فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ

стр. 7062

فظن أنه أخطأ الظبي فقال: مثلي يُخْطِئُ؟ ! ... فَكَسَرَ قَوْسَهُ، وَأَخْرَجَ خِنْجَرَهُ، وَقَطَعَ إِبْهَامَهُ، فَلَمَّا أَصْبَحَ وَرَأَى الظَّبْيَ صَرِيعًا قَدْ نَفَذَ السَّهْمُ فِيهِ نَدِمَ، فَضَرَبَتْ بِهِ الْعَرَبُ مَثَلًا، فَقَالَ الشَّاعِرُ: (نَدِمْتُ نَدَامَةَ الْكُسَعِيِّ لَمَّا ... رَأَتْ عَيْنَاهُ مَا عَمِلَتْ يَدَاهُ) وَهَكَذَا لَوْ عَرَضَ لِلرَّامِي عِلَّةٌ فِي يَدِهِ أَوْ أَخَذَتْهُ رِيحٌ فِي يَدَيْهِ ضَعُفَ بِهَا عَنْ مَدِّ قَوْسِهِ لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ إِنْ قَصَّرَ أَوْ أَخْطَأَ لِأَنَّهُ لِعَارِضٍ مَنَعَ وَلَيْسَ مِنْ سُوءِ رَمْيٍ وقلة حذق. (مسألة:) قال الشافعي: " فَأَمَّا إِنْ جَازَ السَّهْمُ أَوْ أَجَازَ مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ فَهَذَا سُوءُ رَمْيٍ لَيْسَ بعارضٍ غُلِبَ عَلَيْهِ فَلَا يُرَدُّ إِلَيْهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يُقَالُ: جَازَ السَّهْمُ إِذَا مَرَّ فِي إِحْدَى جَانِبَيِ الْهَدَفِ، وَيُسَمَّى " خَاصِرٌ " وَجَمْعُهُ خَوَاصِرُ لِأَنَّهُ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ مَأْخُوذٌ مِنَ الْخَاصِرَةِ، لِأَنَّهَا فِي جَانِبَيِ الْإِنْسَانِ، وَيُقَالُ: أَجَازَ السَّهْمُ إِذَا سَقَطَ وَرَاءَ الْهَدَفِ. فَإِذَا أَجَازَ السَّهْمُ، وَوَقَعَ فِي جَانِبِ الْهَدَفِ، أَوْ أَجَازَ وَوَقَعَ وَرَاءَ الهدف كان محسوباً منه خطأه لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى سُوءِ رَمْيِهِ، وَلَيْسَ بِمَنْسُوبٍ إِلَى عَارِضٍ فِي بَدَنِهِ أَوِ الْيَدِ. وَقَالَ أَبُو عَلِيِّ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ: الْجَائِزُ أَنْ يَقَعَ فِي الْهَدَفِ عَنْ أَحَدِ جَانِبَيِ الشَّنِّ فَعَلَى هَذَا إِنْ كَانَتِ الْإِصَابَةُ مَشْرُوطَةً فِي الشَّنِّ كَانَ الْجَائِزُ مُخْطِئًا وَإِنْ كَانَتْ مَشْرُوطَةً فِي الْهَدَفِ كَانَ الْجَائِزُ مُصِيبًا، وَيَجُوزُ أَنْ يَشْتَرِطَا أَنْ تَكُونَ إِصَابَةُ سِهَامِهِمَا جَائِزَةً، فَيُحْتَسَبَ بِالْجَائِزِ وَلَا يُحْتَسَبُ بِغَيْرِ الْجَائِزِ. وَيُقَالُ: " سَهْمٌ " طَامِحٌ، وَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الطَّامِحَ هُوَ الَّذِي قَارَبَ الْإِصَابَةَ، وَلَمْ يُصِبْ، وَيَكُونُ مُخْطِئًا. وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ الْوَاقِعُ بَيْنَ الشَّنِّ وَرَأْسِ الْهَدَفِ، فَيَكُونُ مُخْطِئًا إِنْ شُرِطَ الْإِصَابَةُ فِي الشَّنِّ، وَمُصِيبًا إِنْ شُرِطَ فِي الْهَدَفِ، وَيَجُوزُ أَنْ يُشْتَرَطَ فِي الْإِصَابَةِ فَلَا يُحْتَسَبُ لَهُ مُصِيبًا إِلَّا بِسَهْمٍ طَامِحٍ كَالْجَائِزِ. وَيُقَالُ: سَهْمٌ " عَاصِدٌ "، وَهُوَ الْوَاقِعُ فِي أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ، فَيَكُونُ كَالْجَائِزِ فِي تَأْوِيلِ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَيُقَالُ: سَهْمٌ " طَائِشٌ " وَهُوَ الَّذِي يُجَاوِزُ الْهَدَفَ كَالْجَائِزِ إِلَّا أَنَّ الْجَائِزَ مَا عُرِفَ مَكَانُ وُقُوعِهِ، وَالطَّائِشُ مَا لَمْ يُعْرَفْ مَكَانُ وُقُوعِهِ، وَالطَّائِشُ مَحْسُوبٌ عَلَيْهِ فِي الخطأ كالجائز.

стр. 7063

وَيُقَالُ: سَهْمٌ " غَائِرٌ " وَهُوَ الْمُصِيبُ الَّذِي لَا يُعْرَفُ رَامِيهِ، فَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ لواحدٍ مِنَ الرَّامِيَيْنِ لِلْجَهْلِ بِهِ. وَيُقَالُ: سَهْمٌ " خَاطِفٌ " وَهُوَ الْمُرْتَفِعُ فِي الْهَوَاءِ ثُمَّ يُخْطَفُ نَازِلًا، فَإِنْ أَخْطَأَ بِهِ كَانَ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ مِنْ سُوءِ رَمْيِهِ، وَإِنْ أَصَابَ بِهِ، فَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُحْتَسَبُ بِهِ مِنْ إِصَابَتِهِ لِحُصُولِهِ بِرَمْيِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُحْتَسَبُ بِهِ مِنَ الْإِصَابَةِ لِأَنَّ تَأْثِيرَ الرَّمْيِ فِي إِيقَاعِ السَّهْمِ، فَأَمَّا سُقُوطُهُ، فَلِثِقَلِهِ، فَصَارَ مُصِيبًا بِغَيْرِ فِعْلِهِ، فَعَلَى هَذَا هَلْ يُحْتَسَبُ مِنْ خَطَئِهِ أم لا؟ على وجهين: أحدها: يُحْتَسَبُ بِهِ مِنْ خَطَئِهِ لِأَنَّهُ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُصِيبًا كَانَ مُخْطِئًا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُحْتَسَبُ بِهِ مِنَ الْخَطَأِ، لِأَنَّهُ مَا أَخْطَأَ، وَأَسْوَأُ أَحْوَالِهِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُصِيبًا أَنْ لَا يَكُونَ مُخْطِئًا. وَالصَّحِيحُ عِنْدِي مِنْ ذَلِكَ: أَنْ يَنْظُرَ نُزُولَ السَّهْمِ خَطَأً بَعْدَ ارْتِفَاعِهِ، فَإِنِ انْحَطَّ فَاتِرًا لِحِدَّةٍ لَا يَقْطَعُ مَسَافَةً احْتُسِبَ عَلَيْهِ خَاطِئًا، وَإِنْ نَزَلَ فِي بَقِيَّةِ حِدَّتِهِ جَارِيًا فِي قَطْعِ مَسَافَتِهِ احْتُسِبَ لَهُ صَائِبًا، لِأَنَّ الرَّمْيَ بِالْفُتُورِ مُنْقَطِعٌ وَبِالْحِدَّةِ مُنْدَفِعٌ. (مسألة:) قال الشافعي: " وَإِذَا كَانَ رَمْيُهُمَا مُبَادَرَةً فَبَلَغَ تِسْعَةَ عَشَرَ مِنْ عِشْرِينَ رَمَى صَاحِبُهُ بِالسَّهْمِ الَّذِي يُرَاسِلُهُ ثم رمى البادئ فإن أصاب سهمه ذلك فلج عليه وإن لم يرم الآخر بالسهم لأن المبادرة أن يفوت أحدهما الآخر وليس كالمحاطة (قال المزني) ﵀: هذا عندي لا ينضله حتى يرمي صاحبه بمثله ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الرَّمْيَ ضَرْبَانِ: محاطة، ومبادرة. وقد مضت المحاطة، وهذه الْمُبَادَرَةُ، وَصُورَتُهَا: أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى إِصَابَةِ عَشَرَةٍ مِنْ ثَلَاثِينَ مُبَادَرَةً، فَيَكُونُ الرَّشْقُ ثَلَاثِينَ سَهْمًا، وَالْإِصَابَةُ الْمَشْرُوطَةُ مِنْهَا عَشَرَةُ أَسْهُمٍ، فَأَيُّهُمَا بَدَرَ إِلَى إِصَابَتِهَا فِي أَقَلِّ الْعَدَدَيْنِ فِيهِ فَضَلَ، وَسَقَطَ رَمْيُ الرَّشْقِ وَإِنْ تَكَافَآ فِي الْإِصَابَةِ مِنْ عددٍ متساوٍ سَقَطَ رَمْيُ الثَّانِي وَلَيْسَ مِنْهُمَا فَاضِلٌ. وَبَيَانُهُ أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا عَشَرَةً مِنْ عِشْرِينَ، وَيُصِيبَ الْآخَرُ تِسْعَةً مِنْ عِشْرِينَ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ نَاضِلًا، لِأَنَّهُ اسْتَكْمَلَ إِصَابَةَ عَشَرَةٍ مِنْ عِشْرِينَ، وَقَدْ رَمَاهَا الثَّانِي فَنَقَصَ مِنْهَا، وَلَا يَرْمِيَانِ بَقِيَّةَ الرَّشْقِ لِحُصُولِ النَّضْلِ، فَلَوْ أَصَابَ كُلُّ واحدٍ مِنْهُمَا عَشَرَةً مِنْ عِشْرِينَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمَا نَاضِلٌ وَلَا مَنْضُولٌ، وَسَقَطَ رَمْيُ الْبَاقِي مِنَ الرَّشْقِ، لِأَنَّ زِيَادَةَ الْإِصَابَةِ فِيهِ مُقَيِّدَةٌ لِنَضْلٍ، وَلَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ وَأَصَابَ الْآخَرُ تِسْعَةً مِنْ عِشْرِينَ، فَالنِّضَالُ بِحَالِهِ، لِأَنَّ عَدَدَ الْإِصَابَةِ لَمْ يُسْتَوْفَ فَيَرْمِيَانِ مِنْ بَقِيَّةِ الرَّشْقِ مَا

стр. 7064

يَكْمُلُ بِهِ إِصَابَةُ أَحَدِهِمَا عَشَرَةً، فَإِنْ رَمَى الْأَوَّلُ سَهْمًا فَأَصَابَ فَقَدْ فَلَجَ عَلَى الثَّانِي، وَنَضَلَ وَسَقَطَ رَمْيُ الثَّانِي، وَلَوْ رَمَى الْأَوَّلُ خَمْسَةً، فَأَخْطَأَ فِي جَمِيعِهَا، وَرَمَى الثَّانِي خَمْسَةً فَأَصَابَ فِي جَمِيعِهَا صَارَ الثَّانِي نَاضِلًا وَسَقَطَ رَمْيُ الثَّانِي فِي الرَّشْقِ لِأَنَّ الْأَوَّلَ أَصَابَ تسعة من خمس وَعِشْرِينَ وَأَصَابَ الثَّانِي عَشَرَةً مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ثُمَّ عَلَى هَذِهِ الْعِبْرَةِ. فَأَمَّا مَسْأَلَةُ الْكِتَابِ فَصُورَتُهَا أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى إِصَابَةِ عَشَرَةٍ مِنْ ثلاثين مبادرة، فيصيب البادئ منهما تسعة من تِسْعَةَ عَشَرَ، وَيُصِيبُ الْآخَرُ الْمُبْدَأُ ثَمَانِيَةً مِنْ تسعة عشر، ثم رمى الْبَادِئُ سَهْمًا آخَرَ يَسْتَكْمِلُ بِهِ الْعِشْرِينَ فَيُصِيبُ، فَيَصِيرُ بِهِ نَاضِلًا، وَيُمْنَعُ الْآخَرُ الْمُبْدَأُ مِنْ رَمْيِ السَّهْمِ الْآخَرِ الَّذِي رَمَاهُ الثَّانِي، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَفِيدُ بِهِ نِضَالًا وَلَا مُسَاوَاةً لِأَنَّ الْبَاقِيَ لَهُ مِنَ الْعِشْرِينَ سَهْمٌ وَاحِدٌ وَعَلَيْهِ إِصَابَتَانِ، وَلَوْ رَمَى فَأَصَابَهُ بَقِيَتْ عَلَيْهِ إِصَابَةٌ يَكُونُ بِهَا مَنْضُولًا، فَلَمْ يَكُنْ لِرَمْيِهِ مَعْنًى يَسْتَحِقُّهُ بِالْعَقْدِ، فَلِذَلِكَ مُنِعَ مِنْهُ، وَلَوْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ أَصَابَ تِسْعَةً مِنْ تِسْعَةَ عَشَرَ ثُمَّ رَمَى الْبَادِئُ وَأَصَابَ، كَانَ لِلْمُبْدَأُ أَنْ يَرْمِيَ لِجَوَازِ أَنْ يُصِيبَ فَيُكَافَئَ. فَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَظَنَّ أَنَّ الشَّافِعِيَّ مَنَعَ الْمُبْدَأَ أَنْ يَرْمِيَ بِالسَّهْمِ الْبَاقِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَتَكَلَّمَ عَلَيْهِ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ، بَلْ أَرَادَ مَنْعَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لِلتَّعْلِيلِ الْمَذْكُورِ. (فَصْلٌ:) فأما الحواب فَهُوَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ الرَّمْيِ، وَهِمَ فِيهِ أَبُو حَامِدٍ الْإِسْفِرَايِينِيُّ، فَجَعَلَهُ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ السَّهْمِ، وَسَمَّاهُ حَوَابِيَ بِإِثْبَاتِ الْبَاءِ فِيهِ، وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ السَّهْمُ الْوَاقِعُ دُونَ الْهَدَفِ ثُمَّ يَحْبُو إِلَيْهِ حَتَّى يَتَّصِلَ بِهِ مَأْخُوذٌ مِنْ حَبْوِ الصَّبِيِّ، وَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الرَّمْيِ الْمُزْدَلِفِ يَفْتَرِقَانِ في الاسم لأن المزدلف أحدٌ والجابي أَضْعَفُ، وَيَسْتَوِيَانِ فِي الْحُكْمِ عَلَى مَا سَيَأْتِي، وَالَّذِي قَالَهُ سَائِرُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْحَوَابَ نَوْعٌ مِنَ الرَّمْيِ وَأَنَّ أَنْوَاعَ الرَّمْيِ ثَلَاثَةٌ: الْمَحَاطَّةُ - وَالْمُبَادَرَةُ - وَالْحَوَابُ. وَقَدْ ذَكَرْنَا الْمُحَاطَّةَ وَالْمُبَادَرَةَ. فَأَمَّا الْحَوَابُ فَهُوَ أَنْ يُحْتَسَبَ بِالْإِصَابَةِ فِي الشَّنِّ وَالْهَدَفِ وَيُسْقِطَ الْأَقْرَبُ إِلَى الشَّنِّ مَا هُوَ أَبْعَدُ مِنَ الشَّنِّ وَإِنْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا الْهَدَفَ عَلَى شِبْرٍ مِنَ الشَّنِّ فَاحْتُسِبَ لَهُ ثُمَّ أَصَابَ الْآخَرُ الْهَدَفَ عَلَى فَتْرٍ مِنَ الشَّنِّ احْتُسِبَ لَهُ وَأُسْقِطَ إِصَابَةُ الشَّنِّ لِأَنَّهَا أَبْعَدُ، ولو أصاب أحدها خَارِجَ الشَّنِّ وَاحْتُسِبَ بِهِ، وَأَصَابَ الْآخَرُ فِي الشَّنِّ احْتُسِبَ بِهِ، وَأُسْقِطَ إِصَابَةُ خَارِجِ الشَّنِّ. وَلَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا الشَّنَّ فَاحْتُسِبَ بِهِ، وَأَصَابَ الْآخَرُ الدَّارَةَ الَّتِي فِي الشَّنِّ احْتُسِبَ بِهِ وَأُسْقِطَ إِصَابَةُ الشَّنِّ، وَلَوْ أَصَابَ أَحَدُهُمَا الدَّارَةَ الَّتِي فِي الشَّنِّ فَاحْتُسِبَ بِهِ وَأَصَابَ الْآخَرُ الْعَظْمَ الَّذِي فِي دَارَةِ الشَّنِّ احْتُسِبَ وَأُسْقِطَ إِصَابَةُ الدَّارَةِ فَيَكُونُ كُلُّ

стр. 7065

قَرِيبٍ مُسْقِطًا لِمَا هُوَ أَبْعَدُ مِنْهُ، فَهَذَا نَوْعٌ مِنَ الرَّمْيِ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأُمِّ، وَذَكَرَ مَذَاهِبَ الرُّمَاةِ فِيهِ، وَفَرَّعَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ الْمُزَنِيُّ، إِمَّا لِاخْتِصَارِهِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِرَأْيِهِ لِضِيقِهِ وَكَثْرَةِ خَطَرِهِ، لِأَنَّهُ يُسْقِطُ الْإِصَابَةَ بَعْدَ إِثْبَاتِهَا، وَالْمَذْهَبُ جَوَازُهُ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ نَوْعٌ مَعْهُودٌ فِي الرَّمْيِ، فَأَشْبَهَ الْمُحَاطَّةَ وَالْمُبَادَرَةَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَبْعَثُ عَلَى مُعَاطَاةِ الْحِذْقِ فَصَحَّ. وَذَلِكَ فِي جَوَازِ النِّضَالِ عَلَى إصابة الجواب، وَكَانَ عَقْدُهُمَا عَلَى إِصَابَةِ خَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ فَلَهُمَا إِذَا تَنَاضَلَا ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقْصُرَا عَلَى عَدَدِ الْإِصَابَةِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَسْتَوْفِيَا عدد الإصابة. والثالث: أن يستوفيها أحدهما، ويقصر عنها الآخر. فأما الحال الأول: وَهُوَ أَنْ يَقْصُرَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَدَدِ الْإِصَابَةِ فَيُصِيبَ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ، فَقَدِ ارْتَفَعَ حُكْمُ الْعَقْدِ بِنُقْصَانِ الْإِصَابَةِ مِنَ الْعَدَدِ الْمَشْرُوطِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا نَاضِلٌ وَلَا مَنْضُولٌ، وَلَا اعْتِبَارَ بِالْقُرْبِ وَالْبُعْدِ مَعَ نُقْصَانِ الْعَدَدِ. وَأَمَّا الْحَالُ الثَّانِيَةُ: وَهِيَ أَنْ يَسْتَوْفِيَا مَعًا عَدَدَ الْإِصَابَةِ، فَيُصِيبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خَمْسَةً فَصَاعِدًا، فَيُعْتَبَرَ حِينَئِذٍ حَالُ الْقُرْبِ وَالْبُعْدِ، فَإِنَّهُمَا لَا يَخْلُوَانِ فِيهِمَا مِنْ أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ تَكُونَ الْإِصَابَاتُ فِي الْهَدَفِ، وَقَدْ تَسَاوَتْ فِي الْقُرْبِ مِنَ الشَّنِّ، وَلَيْسَتْ بَعْضُهَا بِأَقْرَبَ إِلَيْهِ مِنْ بَعْضٍ، فَقَدْ تَكَافَآ وَلَيْسَ فِيهِمَا نَاضِلٌ وَلَا مَنْضُولٌ، وَهَكَذَا لَوْ تَقَدَّمَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا سَهْمٌ كَانَ أَقْرَبَ إِلَى الشَّنِّ مِنْ بَاقِي سِهَامِهِ، وَتَسَاوَى السَّهْمَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ فِي الْقُرْبِ مِنَ الشَّنِّ كَانَا سَوَاءً لَا نَاضَلَ فِيهِمَا وَلَا مَنْضُولَ، فَإِنْ تَقَدَّمَ لِأَحَدِهِمَا سَهْمٌ وَلِلْآخَرِ سَهْمَانِ وَتَسَاوَتِ السِّهَامُ الثَّلَاثَةُ فِي قُرْبِهَا مِنَ الشَّنِّ، فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّه المتقرب بسهمين ناضل للمتقرب بِسَهْمٍ، لِفَضْلِهِ فِي الْعَدَدِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُمَا سَوَاءٌ لَا نَاضَلَ فِيهِمَا وَلَا مَنْضُولَ، لِأَنَّ نِضَالَ الجواب مَوْضُوعٌ عَلَى الْقُرْبِ دُونَ زِيَادَةِ الْعَدَدِ. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ تَكُونَ سِهَامُ أَحَدِهِمَا أَقْرَبَ إِلَى الشَّنِّ مِنْ سِهَامِ الْآخَرِ، فَأَقْرَبُهُمَا إِلَى الشَّنِّ هُوَ النَّاضِلُ، وَأَبْعَدُهُمَا مِنَ الشَّنِّ هُوَ الْمَنْضُولُ. وَهَكَذَا لَوْ تَقَدَّمَ

стр. 7066

لِأَحَدِهِمَا سَهْمٌ وَاحِدٌ، فَكَانَ أَقْرَبَ إِلَى الشَّنِّ مِنْ جَمِيعِ سِهَامِ الْآخَرِ أُسْقِطَتْ بِهِ سِهَامُ صَاحِبِهِ، وَلَمْ يَسْقُطْ بِهِ سِهَامُ نَفْسِهِ، وَكَانَ هُوَ النَّاضِلَ بِسَهْمِهِ الْأَقْرَبِ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ تَكُونَ سِهَامُ أَحَدِهِمَا فِي الْهَدَفِ، وَسِهَامُ الْآخَرِ في الشن، فيصيب الْمُصِيبُ فِي الشَّنِّ هُوَ النَّاضِلَ، وَالْمُصِيبُ فِي الهدف منضول. وَهَكَذَا لَوْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا سَهْمٌ وَاحِدٌ فِي الشَّنِّ وَجَمِيعُ سِهَامِ الْآخَرِ خَارِجَة الشَّنِّ كَانَ الْمُصِيبُ فِي الشَّنِّ هُوَ النَّاضِلَ بِسَهْمِهِ الْوَاحِدِ وَقَدْ أُسْقِطَ بِهِ سِهَامُ صَاحِبِهِ، وَلَمْ يُسْقِطْ لَهُ سِهَامَ نَفْسِهِ، وَإِنْ كَانَتْ أَبْعَدَ إِلَى الشَّنِّ مِنْ سِهَامِ صَاحِبِهِ. وَالْقِسْمُ الرَّابِعُ: أَنْ تَكُونَ سِهَامُهُمَا جَمِيعًا صَائِبَةً فِي الشَّنِّ لَكِنَّ سِهَامَ أَحَدِهِمَا أَوْ بَعْضِهِمَا فِي الشَّنِّ الدَّارَةِ، وَسِهَامَ الْآخَرِ خَارِجَ الدَّارَةِ، وَإِنْ كَانَتْ جَمِيعُهَا فِي الشَّنِّ فَفِيهِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: وَقَدْ حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ الرُّمَاةِ أَنَّ الْمُصِيبَ فِي الدَّارَةِ نَاضِلٌ، وَالْمُصِيبَ خَارِجَ الدَّارَةِ مَنْضُولٌ، لِأَنَّهُ قُطْبُ الْإِصَابَةَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَإِلَيْهِ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ فِي اخْتِيَارِهِ أَنَّهُمَا سَوَاءٌ، وَلَيْسَ مِنْهُمَا نَاضِلٌ وَلَا مَنْضُولٌ، لِأَنَّ جَمِيعَ الشَّنِّ مَحَلُّ الْإِصَابَةِ. وَأَمَّا الْحَالُ الثَّالِثَةُ: وَهُوَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ أَحَدُهُمَا إِصَابَةَ الْخَمْسِ وَيُقَصِّرَ الْآخَرُ عَنْهُمَا، فَهَذَا عَلَى ضرين: أَحَدُهَمَا: أَنْ يَكُونَ مُسْتَوْفِي الْإِصَابَةِ أَقْرَبَ سِهَامًا إِلَى الشَّنِّ أَوْ مُسَاوِيًا صَاحِبَهُ، فَيَكُونُ نَاضِلًا، وَالْمُقَصِّرُ مَنْضُولًا. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْمُقَصِّرُ فِي الْإِصَابَةِ أَقْرَبَ سِهَامًا مِنَ الْمُسْتَوْفِي لَهَا، فَلَيْسَ فِيهَا نَاضِلٌ وَلَا مَنْضُولٌ، لِأَنَّ الْمُسْتَوْفِيَ قَدْ سَقَطَتْ سِهَامُهُ لِبُعْدِهَا، وَالْمُقَصِّرَ قَدْ سَقَطَتْ سهامه بنقصانها - والله أعلم -. (مسألة:) قَالَ الشَّافِعِيُّ ﵀: " وَإِذَا تَشَارَطَا الْخَوَاسِقَ لَمْ يُحْسَبْ خَاسِقًا حَتَّى يَخْزِقَ الْجِلْدَ بِنَصْلِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنْوَاعَ الرَّمْيِ مِنْ قَارَعٍ، وَخَازِقٍ، وَخَاسِقٍ، وَأَنَّهُ يُطْلَقُ عَلَى جَمِيعِهَا اسْمُ الْخَوَاصِلِ. فَالْقَارِعُ مَا أَصَابَ الشَّنَّ وَلَمْ يؤثر فيه، والخارق مَا أَثَّرَ فِيهِ وَلَمْ يَثْبُتْ، وَالْخَاسِقُ مَا ثَقَبَ الشَّنَّ وَثَبَتَ فِيهِ. وَيَحْمِلَانِ فِي الْإِصَابَةِ عَلَى مَا شَرَطَاهَا فَإِذَا شَرَطَا فِيهِمَا الْخَوَاسِقَ، فَإِذَا خَرَقَ الشَّنَّ

стр. 7067

وَثَبَتَ فِيهِ كَانَ خَاسِقًا مَحْسُوبًا، وَسَوَاءٌ طَالَ ثُبُوتُهُ أَوْ قَصُرَ لِأَنَّ الِاعْتِبَارَ بِوُجُودِ الثُّبُوتِ لَا بِدَوَامِهِ، وَإِنْ ثَقَبَ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ، فَالْمَذْهَبُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ أَنَّهُ غَيْرُ مَحْسُوبٍ، لِأَنَّ اسْمَ الْخَسْقِ، لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِ لِعَدَمِ صِفَتِهِ فِيهِ، وَخَرَّجَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِيهِ قَوْلًا آخَرَ: أَنَّهُ مَحْسُوبٌ لَهُ، لِأَنَّ سُقُوطَهُ بَعْدَ الثَّقْبِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِضَعْفِ الشَّنِّ أَوْ لِسَعَةِ الثَّقْبِ، فَاقْتَضَى أَنْ يَكُونَ مَحْسُوبًا لِوُجُودِ الثَّقْبِ الَّذِي هُوَ أَلْزَمُ الصِّفَتَيْنِ، وَهَذَا لَيْسَ بِصَحِيحٍ، لِأَنَّهُ يُصَيِّرُ الْخَاسِقَ مُسَاوِيًا لِلْخَازِقِ وَاخْتِلَافُ اسْمِهِمَا يوجب اختلاف حكمهما. (مسألة:) قال الشافعي: " وَلَوْ تَشَارَطَا الْمُصِيبَ فَمَنْ أَصَابَ الشَّنَّ وَلَمْ يَخْرِقْهُ حُسِبَ لَهُ لِأَنَّهُ مصيبٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ إِذَا تَشَارَطَا الْإِصَابَةَ احْتُسِبَ كُلُّ مُصِيبٍ مِنْ قَارِعٍ، وَخَازِقٍ، وَخَاسِقٍ، لِأَنَّ جَمِيعَهَا تُصِيبُ، وَهَكَذَا لَوْ تَشَارَطَا الْإِصَابَةَ قَرْعًا احْتُسِبَ بِالْقَارِعِ وَبِالْخَازِقِ وَبِالْخَاسِقِ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْقَرْعِ وَلَوْ تَشَارَطَا الْخَوَاصَلَ احْتُسِبَ بِكُلِّ مُصِيبٍ، لِأَنَّ إِصَابَةَ الْخَوَاصِلِ تَشْتَمِلُ عَلَى كُلِّ مُصِيبٍ مِنْ قَارِعٍ، وَخَارِقٍ، وَخَاسِقٍ. فَأَمَّا الْخَوَاصِلُ فَهُوَ مَا أَصَابَ جَانِبَ الشَّنِّ، فَإِنْ شَرَطَاهُ فِي الرَّمْيِ لَمْ يُحْتَسَبِ الْآنَ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطَاهُ احْتُسِبَ لَهُ مَعَ كُلِّ مُصِيبٍ فِي الشَّنِّ إِذَا كَانَتِ الْإِصَابَةُ مَشْرُوطَةً فِي الشَّنِّ. (فَصْلٌ:) وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى أَنْ تَكُونَ إِصَابَةُ أَحَدِهِمَا قَرْعًا، وَإِصَابَةُ الْآخَرِ خَسْقًا حَتَّى يَتَكَافَآ فِي الْإِصَابَةِ قَرْعًا أَوْ خَسْقًا، لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْعَقْدِ مَعْرِفَةُ أَحْذَقِهِمَا بِالرَّمْيِ، كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى أَنْ تَكُونَ إِصَابَةُ أَحَدِهِمَا خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ، وَإِصَابَةُ الْآخَرِ عَشَرَةً مِنْ عِشْرِينَ، لِمَا فِيهِ مِنَ التَّنَاضُلِ الَّذِي لَا يُعْلَمُ بِهِ الْأَحْذَقُ. (فَصْلٌ:) وَلَوْ تَشَارَطَا الْإِصَابَةَ قَرْعًا عَلَى أَنْ يُحْتَسَبَ بِخَاسْقِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَارْعَيْنِ وَيُعْتَدَّ بِهِ إِصَابَتَيْنِ كَانَ هَذَا جَائِزًا لِتَكَافُئِهِمَا فِيهِ، لِتَكُونَ زِيَادَةُ الصِّفَةِ مُقَابِلًا لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ. فَعَلَى هَذَا لَوْ شَرَطَا إِصَابَةَ عَشَرَةٍ مِنْ عِشْرِينَ عَلَى هَذَا الْحُكْمِ، فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا تِسْعَةً قَرْعًا وَأَصَابَ الْآخَرُ قَارْعَيْنِ، وَأَرْبَعَةَ خَوَاسِقَ، فَقَدْ نَضَلَ مَعَ قِلَّةِ إِصَابَتِهِ، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَكْمَلَ بِمُضَاعَفَةِ الْخَوَاسِقِ الْأَرْبَعَةِ مَعَ الْقَارْعَيْنِ إِصَابَةَ عَشَرَةٍ نَقَصَ الْآخَرُ عَنْهُمَا بِإِصَابَةِ واحد فصار بها منضولاً. (مسألة:) قال الشافعي: " وَإِذَا اشْتَرَطَا الْخَوَاسِقَ وَالشَّنُّ ملصقٌ بِالْهَدَفِ فَأَصَابَ ثَمَّ رَجَعَ فَزَعَمَ الرَّامِي أَنَّهُ خَسَقَ ثَمَّ رَجَعَ لغلظٍ لَقِيَهُ مِنْ حَصَاةٍ وَغَيْرِهَا وَزَعَمَ الْمُصَابُ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يَخْسَقْ وَأَنَّهُ إِنَّمَا قَرَعَ ثَمَّ رَجَعَ فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينِهِ إِلَّا أَنْ تَقُومَ بينةٌ فَيُؤْخَذَ بِهَا ".

стр. 7068

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اشْتِرَاطُ الْخَسْقِ إِنَّمَا يَكُونُ فِي إِصَابَةِ الشَّنِّ دُونَ الْهَدَفِ، وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الشَّنَّ هُوَ جِلْدٌ يُنْصَبُ فِي الْهَدَفِ تُمَدُّ أَطْرَافُهُ بِأَوْتَارٍ أَوْ خُيُوطٍ تُشَدُّ فِي أَوْتَادٍ مَنْصُوبَةٍ فِي الْهَدَفِ الْمَبْنِيِّ، وَرُبَّمَا كَانَ مُلْصَقًا بِحَائِطِ الْهَدَفِ، وَرُبَّمَا كَانَ بَعِيدًا مِنْهُ بِنَحْوٍ مِنْ شِبْرٍ أَوْ ذِرَاعٍ، وَهُوَ أَبْعَدُ مَا يُنْصَبُ، وَخَسْقُ الشَّنِّ إِذَا كَانَ بَعِيدًا مِنَ الْهَدَفِ أَوْضَحُ مِنْهُ إِذَا كَانَ مُلْصَقًا بِهِ. فَإِذَا رَمَى وَالشَّنُّ مُلْصَقٌ بِالْهَدَفِ، فَأَصَابَ الشَّنَّ ثُمَّ سَقَطَ بِالْإِصَابَةِ خَسَقَ، فَزَعَمَ الرَّامِي أَنَّهَا خَسَقَ وَلَقِيَ غِلَظًا فِي الْهَدَفِ مِنْ حَصَاةٍ أَوْ نَوَاةٍ، فَرَجَعَ وَهُوَ خَاسِقٌ وَزَعَمَ الْمَرْمِيُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ قَرَعَ فَسَقَطَ، وَلَمْ يَخْسِقْ، فَلَهُمَا ثلاثة أحوال: أحدهما: أَنْ يُعْلَمَ صِدْقُ الرَّامِي فِي قَوْلِهِ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُعْرَفَ مَوْضِعُ خَسْقِهِ، وَيُرَى الْغِلَظُ مِنْ ورائه، فيكون القول قول مَعَ يَمِينٍ، لِأَنَّ الْحَالَ شَاهِدَةٌ بِصِدْقِهِ. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُعْلَمَ صِدْقُ الْمَرْمِيِّ عَلَيْهِ فِي إِنْكَارِهِ إِمَّا بِأَنْ لَا يَرَى فِي الشَّنِّ خَسْقًا، وَإِمَّا بِأَنْ لَا يَرَى فِي الْهَدَفِ غِلَظًا فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ، وَلَا يَمِينَ عَلَيْهِ، لِأَنَّ الْحَالَ شَاهِدَةٌ بِصِدْقِهِ. وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَحْتَمِلَ صِدْقَ الْمُدَّعِي وَصِدْقَ الْمُنْكِرِ، لِأَنَّ فِي الشَّنِّ خواسق وفي الهدف غلط وَقَدْ أَشْكَلَتِ الْإِصَابَةُ هَلْ كَانَتْ فِي مُقَابَلَةِ الْغِلَظِ أَمْ لَا؟ فَإِنْ كَانَتْ بَيِّنَةٌ حُمِلَ عَلَيْهَا، وَإِنْ عُدِمَتِ الْبَيِّنَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُنْكِرِ مَعَ يَمِينِهِ، وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ مُصِيبًا وَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ مُخْطِئًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُحْتَسَبُ بِهِ فِي الْخَطَأِ إِذَا لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ فِي الْإِصَابَةِ لِوُقُوفِ الرَّامِي بَيْنَ صَوَابٍ وَخَطَأٍ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُحْتَسَبُ بِهِ فِي الْإِصَابَةِ، لِأَنَّ الْإِصَابَةَ لَا يُحْتَسَبُ بِهَا إِلَّا مَعَ الْيَقِينِ، وَكَذَلِكَ لَا يُحْتَسَبُ بِالْخَطَأِ إِلَّا مَعَ الْيَقِينِ، فَإِنْ نَكَلَ الْمُنْكِرُ عَنِ الْيَمِينِ أَحْلَفَ الرَّامِي الْمُدَّعِيَ، فَإِذَا حَلَفَ احْتُسِبَ بِإِصَابَتِهِ. (مَسْأَلَةٌ:) قَال الشافعي: " وإن كان الشن بَالِيًا فَأَصَابَ مَوْضِعَ الْخَرْقِ فَغَابَ فِي الْهَدَفِ فَهُوَ مصيبٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا مُعْتَبِرٌ بِالشَّنِّ والهدف، ولهما ثلاثة أحوال: أحدهما: أَنْ يَكُونَ الْهَدَفُ أَشَدَّ مِنَ الشَّنِّ، لِأَنَّهُ مَبْنِيٌّ قَدْ قَوِيَ وَاشْتَدَّ، فَإِذَا وَصَلَ السَّهْمُ إِلَيْهِ مِنْ ثَقْبٍ فِي الشَّنِّ ثَبَتَ فِي الْهَدَفِ الَّذِي هُوَ أَقْوَى مِنَ الشَّنِّ كَانَ ثُبُوتُهُ فِي الشَّنِّ الْأَضْعَفِ أَجْدَرَ وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ الشَّافِعِيُّ، فَيُحْتَسَبُ بِهِ خَاسِقًا. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ الشَّنُّ أَقْوَى مِنَ الْهَدَفِ وَأَشَدَّ، لِأَنَّهُ جِلْدٌ مَتِينٌ،

стр. 7069

وَالْهَدَفُ تُرَابٌ ثَائِرٌ أَوْ طِينٌ لَيِّنٌ، فَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ مُصِيبًا، وَلَا مُخْطِئًا، أَمَّا الْإِصَابَةُ فَلِجَوَازِ أَنْ لَا يَخْسِقَ الشَّنَّ، وَأَمَّا الْخَطَأُ فَلِعَدَمِ مَا خَسَقَ مَعَ بِلَى الشَّنِّ. وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَتَسَاوَى الشَّنُّ وَالْهَدَفُ فِي الْقُوَّةِ وَالضَّعْفِ، فَلَا يُحْتَسَبَ بِهِ مُخْطِئًا، وَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ مُصِيبًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُحْتَسَبُ مِنْ إِصَابَةِ الْخَسْقِ، لِأَنَّ ثُبُوتَهُ فِي الْهَدَفِ قَائِمٌ مُقَامَ ثُبُوتِهِ فِي الشَّنِّ عِنْدَ تَسَاوِيهِمَا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُحْتَسَبُ فِي إِصَابَةِ الْخَسْقِ، وَيُحْتَسَبُ فِي إِصَابَةِ الْقَرْعِ عَلَى الْأَحْوَالِ كُلِّهَا. (مَسْأَلَةٌ:) قَالَ الشافعي: " وَإِنْ أَصَابَ طَرَفَ الشَّنِّ فَخَرَقَهُ فَفِيهَا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يُحْسَبُ لَهُ خَاسِقًا إِلَّا أَنْ يَكُونَ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنَ الشَّنِّ طعنةٌ أَوْ خيطٌ أَوْ جلدٌ أَوْ شيءٌ مِنَ الشَّنِّ يُحِيطُ بِالسَّهْمِ وَيُسَمَّى بِذَلِكَ خَاسِقًا وَقَلِيلٌ ثبوته وكثيره سواءُ (قال) ولا يعرف الناس إذا وجهوا بأن يقال خاسقٌ إلا ما أحاط به المخسوق فيه ويقال للآخر خارمٌ لا خاسقٌ والقول الآخر أن يكون الخاسق قد يقع بالاسم على ما أوهن الصحيح فخرقه فإذا خرق منه شيئاً قل أو كثر ببعض النصل سمي خاسقاً لأن الخسق الثقب وهذا قد ثقب وإن خرق قال: وإذا وقع في خرق وثبت في الهدف كان خاسقاً والشن أضعف من الهدف ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا خَرَمَ السَّهْمُ الشَّنَّ فِي إِصَابَةِ الْخَوَاسِقِ، وَالْخَارِمُ هُوَ أَنْ يَقَعَ فِي حَاشِيَةِ الشَّنِّ فَيَخْرِمَهَا وَيَثْبُتَ، فَإِنْ بَقِيَ مِنْ تَوَابِعِ الشَّنِّ مَا يُحِيطُ بِدَائِرِ السَّهْمِ مِنْ طُفْيَةٍ أَوْ خَيْطٍ، وَالطُّفْيَةُ خُوصُ الْمُقْلِ يُدَارُ فِي حَاشِيَةِ الشَّنِّ بِالْحِجَازِ، فَإِنْ كَانَتِ الطُّفْيَةُ بَاقِيَةً بِخَيْطٍ بِدَائِرِ السَّهْمِ الْخَارِمِ كَانَ خَاسِقًا، لِأَنَّ الطُّفْيَةَ فِيهِ مِنْ جُمْلَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَبَقَّ مَعَ الْخَرْمِ شيءٌ مِنْ حَاشِيَةِ الشَّنِّ، وَحَصَلَ مَا خَرَجَ مِنْ دَائِرِ السَّهْمِ مَكْشُوفًا فَلَا يَخْلُو مَوْضِعُ السَّهْمِ مِنْ أَحَدِ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ دَائِرِ الشَّنِّ وَحَاشِيَتِهِ، وَإِنَّمَا سَقَطَ حَاشِيَةُ الشَّنِّ بِضَعْفِهِ، فَهَذَا يُحْتَسَبُ بِهِ خَاسِقًا، وَإِنْ خَرَمَ، لِأَنَّ خَرْمَهُ لِضَعْفِ الشَّنِّ لَا لِمَوْقِعِ السَّهْمِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ خُرُوجُهُ لِوُقُوعِ السَّهْمِ فِي الْحَاشِيَةِ، وَيَدْخُلُ بَعْضُ دَائِرِ السَّهْمِ فِي الشَّنِّ، وَيَخْرُجُ بَعْضُ دَائِرِهِ فِي الشَّنِّ، فَفِي الِاعْتِدَادِ بِهِ خَاسِقًا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يُعْتَدُّ بِهِ خَاسِقًا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ اخْتِصَاصَهُ بِاسْمِ الْخَرْمِ قَدْ زَالَ عِنْدَ حُكْمِ الْخَسْقِ، لِأَنَّ الْخَسْقَ مَا

стр. 7070

أَحَاطَ بِالْمَخْسُوقِ، وَاخْتِلَافُ الْأَسْمَاءِ يُغَيِّرُ الْأَحْكَامَ. وَالثَّانِي: إِنَّهُ قَدْ صَارَ بَعْضُ السَّهْمِ وَاقِعًا فِي الشَّنِّ، وَبَعْضُهُ خَارِجًا مِنَ الشَّنِّ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: أَنْ يُعْتَدَّ بِهِ خَاسِقًا لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْخَرْمَ زِيَادَةٌ عَلَى الْخَسْقِ لِأَنَّ كُلَّ خَارِمٍ خَاسِقٌ وَلَيْسَ كُلُّ خَاسِقٍ خَارِمًا. وَالثَّانِي: إِنَّ مَقْصُودَ الْخَسْقِ مِنَ الثَّقْبِ، وَالثُّبُوتُ مَوْجُودٌ فِيهِ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ، فَإِنْ جُعِلَ خَاسِقًا كَانَ مُصِيبًا، وَإِنْ لَمْ يُجْعَلْ خَاسِقًا لَمْ يَكُنْ مُصِيبًا وَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ مُخْطِئًا وَجْهَانِ عَلَى مَا ذكرنا. (مسألة:) قال الشافعي: " وَلَوْ كَانَ الشَّنُّ مَنْصُوبًا فَمَرَقَ مِنْهُ كَانَ عِنْدِي خَاسِقًا وَمِنَ الرُّمَاةِ مَنْ لَا يَحْسَبُهُ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ فِيهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا السَّهْمُ الْمَارِقُ، فَهُوَ أَنْ يَنْفُذَ فِي الشَّنِّ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ فَوْقَ الْهَدَفِ، وَيَخْرُجَ مِنْهُ، فَيَقَعَ وَرَاءَ الْهَدَفِ، فَيُحْتَسَبَ لَهُ فِي الرِّقَاعِ. فَأَمَّا فِي الْخَاسِقِ فَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُحْتَسَبُ بِهِ خَاسِقًا اعْتِبَارًا بِالْمَعْنَى، وَأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الْخَسْقِ، فَيُؤْخَذُ فِيهِ مَعْنَى الْخَسْقِ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ الرُّمَاةِ أَنَّهُ لَا يُحْتَسَبُ بِهِ خاسقاً، اعتباراً بالاسم، لأنه يسمى مارقاً ولا يُسَمَّى خَاسِقًا، فَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ أَثْبَتَ هَذَا الْقَوْلَ لِلشَّافِعِيِّ، وَمِنْهُمْ مَنْ نَفَاهُ عَنْهُ، لِأَنَّهُ أَضَافَهُ إِلَى غَيْرِهِ، وَلَا يَكُونُ مُخْطِئًا وَإِنْ لَمْ يُحْتَسَبْ خَاسِقًا لَا يَخْتَلِفُ فِيهِ أَصْحَابُنَا. وَأَمَّا السَّهْمُ الْمُزْدَلِفُ: فَهُوَ أَنْ يَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يِزْدَلِفُ مِنْهَا بِحَمْوَتِهِ وَحِدَّتِهِ، فَيَصِيرُ فِي الْهَدَفِ فَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ مُصِيبًا قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُحْتَسَبُ بِهِ مُصِيبًا، لِأَنَّهُ بِحِدَّةِ الرَّمْيِ أَصَابَ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: لَيْسَ بِمُصِيبٍ، لِخُرُوجِهِ مِنَ الرَّامِي إِلَى غَيْرِ الْهَدَفِ، وَإِنَّمَا أَعَادَتْهُ الْأَرْضُ حِينَ ازْدَلَفَ عَنْهَا فِي الْهَدَفِ. وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ لَمْ يُخْرِجِ الْمُزْدَلِفَ عَلَى قَوْلَيْنِ، وَحَمَلَهُ عَلَى اخْتِلَافِ حَالَيْنِ بِاعْتِبَارِ حَالِهِ عِنْدَ مُلَاقَاةِ الْأَرْضِ، فَإِنْ ضَعُفَتْ حَمْوَتُهُ بَعْدَ ازْدِلَافِهِ، وَلَانَتْ كَانَ مَحْسُوبًا فِي الْإِصَابَةِ، وَإِنْ قَوِيَتْ، وَصَارَ بَعْدَ ازْدِلَافِهِ أَحَدَّ لم

стр. 7071

يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا وَيَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى مُرُوقِ السَّهْمِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى ازدلافه، لأن مروق السهم عن فِعْلِ الرَّامِي، وَازْدِلَافَهُ مِنْ تَأْثِيرِ الْأَرْضِ، فَعَلَى هَذَا فِي الِاحْتِسَابِ بِهِ مُخْطِئًا إِذَا لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ مُخْطِئًا؛ لِأَنَّهُ مِنْ سُوءِ الرَّمْيِ. وَالثَّانِي: لَا يَكُونُ مُخْطِئًا مَا أَصَابَ، وَيَسْقُطُ الِاعْتِدَادُ بِهِ مُصِيبًا ومخطئاً، والله أعلم. (مسألة:) قال الشافعي: " فَإِنْ أَصَابَ بِالْقِدْحِ لَمْ يُحْسَبْ إِلَّا مَا أَصَابَ بِالنَّصْلِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا قِدْحُ السَّهْمِ فَهُوَ خَشَبَتُهُ الْمُرَيَّشَةُ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا يُسَمَّى بِهِ مِنْهَا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْمٌ لِجَمِيعِ الْخَشَبَةِ. وقال آخرون: هم اسْمٌ يَخْتَصُّ بِمَوْضِعِ الْوَتَرِ مِنْهُ، فَيُسَمَّى فُوقَ السَّهْمِ، وَهُوَ الْجُزْءُ الَّذِي يَدْخُلُ فِيهِ الْوَتَرُ. وَأَمَّا النَّصْلُ فَهُوَ الطَّرَفُ الْآخَرُ مِنَ السَّهْمِ، وَاخْتُلِفَ فِيمَا يُسَمَّى مِنْهُ نَصْلًا، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: هُوَ اسْمٌ لِلْحَدِيدِ الْمُسَمَّى زَجًّا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هُوَ اسْمٌ لِطَرَفِ الْخَشَبَةِ الَّتِي يُوضَعُ فِيهَا الزَّجُّ مِنَ الْحَدِيدِ، وَالْإِصَابَةُ إِنَّمَا تَكُونُ بِالنَّصْلِ لَا بِالْقِدْحِ. فَإِذَا أَصَابَ بِغَيْرِ النَّصْلِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا، وَنُظِرَ فِيمَا أَصَابَ بِهِ مِنَ السَّهْمِ، فَإِنْ أَصَابَ بِعُرْضِ السَّهْمِ، احْتُسِبَ بِهِ مُخْطِئًا؛ لِأَنَّهُ مَنْسُوبٌ إِلَى سُوءِ رَمْيِهِ، وَإِنْ أَصَابَ بِقِدْحِ سَهْمِهِ، فَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ مُخْطِئًا وَجْهَانِ تَعْلِيلًا بِمَا قَدَّمْنَاهُ. (مَسْأَلَةٌ:) قال الشافعي: " وَلَوْ أَرْسَلَهُ مُفَارِقًا لِلشَّنِّ فَهَبَّتْ ريحٌ فَصَرَفَتْهُ أَوْ مُقَصِّرًا فَأَسْرَعَتْ بِهِ فَأَصَابَ حُسِبَ مُصِيبًا وَلَا حُكْمَ لِلرِّيحِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اعْلَمْ أَنَّ لِلرِّيحِ تَأْثِيرًا مِنْ تَغْيِيرِ السَّهْمِ عَنْ جِهَتِهِ، وَحُذَّاقُ الرُّمَاةِ يَعْرِفُونَ مَخْرَجَ السَّهْمِ عَنِ الْقَوْسِ هَلْ هُوَ مُصِيبٌ أَوْ مُخْطِئٌ، فَإِذَا خَرَجَ السَّهْمُ، فَغَيَّرَتْهُ الرِّيحُ، فَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَخْرُجَ مُفَارِقًا لِلشَّنِّ، فَتَعْدِلَ بِهِ الرِّيحُ إِلَى الشَّنِّ فَيُصِيبَ أَوْ يَكُونَ مُقَصِّرًا عَنِ الْهَدَفِ، فَتُعِينَهُ الرِّيحُ حَتَّى يَنْبَعِثَ، فَيُصِيبَ، فَتُعْتَبَرَ حَالُ الرِّيحِ، فَإِنْ كَانَتْ ضَعِيفَةً كَانَ مَحْسُوبًا فِي الْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ تَأْثِيرِ الرَّمْيِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ تَأْثِيرِ الرِّيحِ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّيحُ قَوِيَّةً نُظِرَ، فَإِنْ كَانَتْ مَوْجُودَةً عِنْدَ إِرْسَالِ السَّهْمِ كَانَ مَحْسُوبًا فِي الْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدِ اجْتَهَدَ فِي التَّحَرُّزِ مِنْ تَأْثِيرِ الريح بتحريف سهمه، فأصاب

стр. 7072

باجتهاده ورميه، وَإِنْ حَدَثَتِ الرِّيحُ بَعْدَ إِرْسَالِ السَّهْمِ، فَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ وَجْهَانِ تَخْرِيجًا مِنَ اخْتِلَافِ قَوْلَيْهِ فِي الِاحْتِسَابِ بِإِصَابَةِ الْمُزْدَلِفِ: أَحَدُهُمَا: يُحْتَسَبُ بِهِ مصيباً إذا احتسب إصابة الْمُزْدَلِفِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يُحْتَسَبُ مُصِيبًا، وَلَا مخطئاً إِذَا لَمْ يُحْتَسَبْ بِإِصَابَةِ الْمُزْدَلِفِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ مُوَافِقًا لِلْهَدَفِ، فَتَعْدِلَ بِهِ الرِّيحُ حَتَّى يَخْرُجَ عَنِ الْهَدَفِ، فَيُعْتَبَرَ حَالُ الرِّيحِ، فَإِن كَانَتْ طَارِئَةً بَعْدَ خُرُوجِ السَّهْمِ عَنِ الْقَوْسِ أُلْغِيَ السَّهْمُ، وَلَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ التَّحَرُّزَ مِنْ حُدُوثِ الرِّيحِ غَيْرُ مُمْكِنٍ، فَلَمْ يُنْسَبْ إِلَى سُوءِ الرَّمْيِ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّيحُ مَوْجُودَةً عِنْدَ خُرُوجِ السَّهْمِ نُظِرَ فِيهَا، فَإِنْ كَانَتْ قَوِيَّةً لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ أَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ الَّذِي يَتَحَرَّزُ بِهِ مِنَ الرِّيحِ، وَلَمْ يُخْطِئْ مِنْ سُوءِ الرَّمْيِ، وَإِنْ كَانَتِ الرِّيحُ ضَعِيفَةً، فَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ مِنَ الْخَطَأِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ خَطَأً؛ لِأَنَّنَا عَلَى يَقِينٍ مِنْ تَأْثِيرِ الرَّمْيِ، وَفِي شَكٍّ مِنْ تَأْثِيرِ الرِّيحِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَكُونُ مَحْسُوبًا فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّ الرِّيحَ تُفْسِدُ صَنِيعَ الْمُحْسِنِ، وَإِنْ قَلَّتْ كَمَا تُفْسِدُهُ إِذَا كَثُرَتْ. (فَصْلٌ:) وَلَوْ هَبَّتِ الرِّيحُ، فَأَزَالَتِ الشَّنَّ عَنْ مَوْضِعِهِ إِلَى غَيْرِهِ لَمْ يَخْلُ حَالُ السَّهْمِ بَعْدَ زَوَالِ الشَّنِّ عَنْ مَوْضِعِهِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَقَعَ فِي غَيْرِ الشَّنِّ وَفِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ الَّذِي كَانَ فِيهِ، فَيُحْتَسَبَ بِهِ مُخْطِئًا؛ لِأَنَّهُ وَقَعَ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْإِصَابَةِ قَبْلَ الرِّيحِ وَبَعْدَهَا. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَقَعَ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي كَانَ فِيهِ الشَّنُّ فِي الْهَدَفِ، فَيُحْتَسَبُ مُصِيبًا لِوُقُوعِهِ فِي مَحَلِّ الْإِصَابَةِ. وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يقع في الثمن بَعْدَ زَوَالِهِ عَنْ مَوْضِعِهِ، فَهَذَا عَلَى ضَرْبَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَزُولَ الشَّنُّ عَنْ مَوْضِعِهِ بَعْدَ خُرُوجِ السَّهْمِ، فَيُحْتَسَبُ بِهِ فِي الْخَطَأِ لِوُقُوعِهِ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْإِصَابَةِ عِنْدَ خُرُوجِ السَّهْمِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: أَنْ يَخْرُجَ السَّهْمُ بَعْدَ زَوَالِ الشَّنِّ عَنْ مَوْضِعِهِ، وَعِلْمِ الرَّامِيِ بِزَوَالِهِ، فَيُنْظَرُ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي صَارَ فِيهِ، فَإِنْ كَانَ خَارِجًا مِنَ الْهَدَفِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا وَلَا مُخْطِئًا لِخُرُوجِهِ عَنْ مَحَلِّ الصَّوَابِ وَالْخَطَأِ، وَإِنْ كَانَ مُمَاثِلًا لِمَوْضِعِهِ مِنَ الْهَدَفِ احْتُسِبَ بِهِ مُصِيبًا؛ لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ مَحِلًّا لِلْإِصَابَةِ.

стр. 7073

(مسألة:) قال الشافعي: " وَلَوْ كَانَ دُونَ الشَّنِّ شيءٌ فَهَتَكَهُ السَّهْمُ ثُمَّ مَرَّ بِحَمْوَتِهِ حَتَّى يُصِيبَ كَانَ مُصِيبًا وَلَوْ أَصَابَ الشَّنَّ ثُمَّ سَقَطَ بَعْدَ ثُبُوتِهِ حُسِبَ وَهَذَا كَنَزْعِ إِنْسَانٍ إِيَّاهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّهُ إِذَا اعْتَرَضَ بَيْنَ السَّهْمِ وَالْهَدَفِ حَائِلٌ مِنْ بَهِيمَةٍ أَوْ إِنْسَانٍ، فَإِنِ امْتَنَعَ بِهِ السَّهْمُ مِنَ الْوُصُولِ إِلَى الْهَدَفِ لَمْ يُحْتَسَبْ فِي صَوَابٍ وَلَا خَطَأٍ، وَإِنْ نَفَذَ فِي الْحَائِلِ حَتَّى مَرَقَ مِنْهُ، وَأَصَابَ الْهَدَفَ كَانَ مُصِيبًا، وَلَوْ نَقَضَ الْحَائِلُ السَّهْمَ حتى عدل بالنقص إِلَى الْهَدَفِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا وَلَا مُخْطِئًا؛ لِأَنَّهُ بِالنَّقْضِ أَصَابَ لَا بِالرَّمْيِ كَمَنْ رَمَى الْجَمْرَةَ بِحَصَاةٍ فَوَقَعَتْ عَلَى إِنْسَانٍ، فَنَقَضَهَا حَتَّى وَقَعَتْ فِي الْجَمْرَةِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهَا، ولو أصاب السهم الحائل ثم اندفع بحمومته، فَأَصَابَ فَهَذَا مُزْدَلِفٌ، وَفِي الِاحْتِسَابِ بِهِ فِي الإصابة قولان. (مسألة:) قال الشافعي: " وَلَا بَأْسَ أَنْ يُنَاضِلَ أَهْلُ النُّشَّابِ أَهْلَ الْعَرَبِيَّةِ وَأَهْلَ الْحُسْبَانِ لِأَنَّ كُلَّهَا نصلٌ، وَكَذَلِكَ الْقِسِيُّ الدُّودَانِيَّةُ وَالْهِنْدِيَّةُ وَكُلُّ قوسٍ يُرْمَى عَنْهَا بسهمٍ ذِي نصلٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَنْوَاعُ الْقِسِيِّ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِ النَّاسِ، فَلِلْعَرَبِ قِسِيٌّ، وَسِهَامٌ وللعجم قسي وسهام، وقيل إن أول ما صَنَعَ الْقِسِيَّ الْعَرَبِيَّةَ إِبْرَاهِيمُ الْخَلِيلُ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْه وَأَوَّلَ مَنْ صَنَعَ الْقِسِيَّ الْفَارِسِيَّةَ النُّمْرُوذُ بْنُ كَنْعَانَ، وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ َ - يُحِبُّ الْقَوْسَ الْعَرَبِيَّةَ، وَيَأْمُرُ بِهَا، وَيَكْرَهُ الْقَوْسَ الْفَارِسِيَّةَ، وَيَنْهَى عَنْهَا، وَرَأَى رَجُلًا يَحْمِلُ قَوْسًا فَارِسِيَّةً فَقَالَ: " مَلْعُونٌ حَامِلُهَا، عَلَيْكُمْ بِالْقِسِيِّ الْعَرَبِيَّةِ وَسِهَامِهَا فَإِنَّهُ سَيُفْتَحُ عَلَيْكُمْ بِهَا " وَلَيْسَ هَذَا مِنْهُ مَحْمُولًا عَلَى الْحَظْرِ الْمَانِعِ، وَفِي تَأْوِيلِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: لِيَحْفَظَ بِهِ آثَارَ الْعَرَبِ، وَلَا يَعْدِلُ النَّاسُ عَنْهَا رَغْبَةً فِي غَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّدْبُ إِلَى تَفْضِيلِ الْقَوْسِ الْعَرَبِيَّةِ بَاقِيًا. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ أَمَرَ بِهَا لِتَكُونَ شِعَارَ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى لَا يَتَشَبَّهُوا بِأَهْلِ الْحَرْبِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَيُقْتَلُوا، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ النَّدْبُ إِلَى تَفْضِيلِهَا مُرْتَفِعًا؛ لِأَنَّهَا قَدْ فَشَتْ فِي عَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ. وَالثَّالِثُ: مَا قَالَهُ عَطَاءٌ إِنَّهُ لَعَنَ مَنْ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ بِهَا، فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ ذَلِكَ نَدْبًا إِلَى تَفْضِيلِ الْعَرَبِيَّةِ عَلَيْهَا، وَيَكُونُ نَهْيًا عَنْ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ بِهَا وَبِغَيْرِهَا، وَخَصَّهَا بِاللَّعْنِ، لِأَنَّهَا كَانَتْ أَنَكَأَ فِي الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِهَا، وَقَدْ رَضِيَ عَنْهَا الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ فِي قِتَالِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ كَانَ الِاقْتِدَاءُ بِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - فِي قَوْسِهِ لِمَنْ قَوِيَ رَمْيُهُ عَنْهَا أَحَبَّ إِلَيْنَا، فَإِنْ كَانَ بِالْفَارِسِيَّةِ أَرَمَى كَانَتْ بِهِ أَوْلَى، وَيَكُونُ النَّدْبُ مِنْهَا إِلَى مَا هُوَ به

стр. 7074

أَرَمَى، فَإِذَا تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ لَمْ يَخْلُ حَالُ الْمُتَنَاضِلَيْنِ فِي عَقْدِ نِضَالِهَا مِنْ خَمْسَةِ أَحْوَالٍ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَا فِيهِ الرَّمْيَ عَنِ الْقَوْسِ الْعَرَبِيَّةِ، فَعَلَيْهِمَا أَنْ يَتَنَاضَلَا بِالْعَرَبِيَّةِ، وَلَيْسَ لواحد منهما أن يعدل عنهما إِلَى الْفَارِسِيَّةِ؛ لِأَجْلِ الشَّرْطِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا مَعًا عَلَى الْعُدُولِ عَنِ الْعَرَبِيَّةِ إِلَى الْفَارِسِيَّةِ جَازَ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الشَّرْطِ أَنْ يَلْتَزِمَهُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ دُونَ غَيْرِهِ. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَا فِيهِ الرَّمْيَ عَنِ الْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ، فَعَلَيْهِمَا أَنْ يَتَنَاضَلَا بِالْفَارِسِيَّةِ، وَلَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا إِلَى الْعَرَبِيَّةِ، فَإِنْ تَرَاضَيَا مَعًا بِالْعُدُولِ إِلَيْهَا جَازَ. وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَا أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا عَنِ الْقَوْسِ الْعَرَبِيَّةِ، وَيَرْمِيَ الْآخَرُ عَنِ الْقَوْسِ الْفَارِسِيَّةِ، فَهَذَا جَائِزٌ، وَإِنِ اخْتَلَفَتْ قَوْسَاهُمَا؛ لِأَنَّ مَقْصُودَ الرَّمْيِ حَذْقُ الرَّامِيِ، وَالْآلَةُ تَبَعٌ وَمِثْلُهُ فِي السَّبَقِ إِذَا شَرَطَ أَحَدُهُمَا أَنْ يَتَسَابَقَ عَلَى فَرَسٍ، والآخر على بغل ولا يَجُوزُ، وَإِنْ سَوَّى أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ بَيْنَهُمَا فِي الْجَوَازِ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ فِي السَّبَقِ الْمَرْكُوبَانِ وَالرَّاكِبَانِ تَبَعٌ، فَلَزِمَ التَّسَاوِي فِيهِ، وَلَمْ يَلْزَمِ التَّسَاوِي فِي آلَةِ الرَّمْيِ، فَعَلَى هَذَا لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَعْدِلَ عَنِ الشَّرْطِ فِي قَوْسِهِ وَإِنْ سَاوَى فِيهِمَا صَاحِبَهُ لِأَجْلِ شَرْطِهِ، فَإِنْ رَاضَاهُ عَلَيْهَا جَازَ. وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يَشْتَرِطَا أَنْ يَرْمِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَمَّا شَاءَ مِنْ قَوْسٍ عَرَبِيَّةٍ أَوْ فَارِسِيَّةٍ، فَيَجُوزَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْمِيَ عَنْ أَيِّ الْقَوْسَيْنِ شَاءَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الرَّمْيِ وَبَعْدَهُ، فإن أراد أحدهما منع صاحبه مع خِيَارِهِ، لَمْ يَجُزْ سَوَاءٌ تَمَاثَلَا فِيهَا أَوِ اخْتَلَفَا. وَالْحَالُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يُطْلِقَا الْعَقْدَ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ، فَإِنْ كَانَ لِلرُّمَاةِ عُرْفٌ فِي أَحَدِ الْقَوْسَيْنِ حُمِلَ عَلَيْهِ، وَجَرَى فِي الْعُرْفِ فِي الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ مَجْرَى الشَّرْطِ فِي الْعَقْدِ الْمُقَيَّدِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلرُّمَاةِ فِيهِ عُرْفٌ مَعْهُودٌ فَهُمَا بِالْخِيَارِ فِيمَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ أحد القوسين، إذا كان فيهما مُتَسَاوِيَيْنِ؛ لِأَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يُوجِبُ التَّكَافُؤَ وَإِنِ اخْتَلَفَا لَمْ يُقْرَعْ بَيْنَهُمَا؛ لِأَنَّهُ أَصْلٌ فِي الْعَقْدِ، وَقِيلَ لَهُمَا: إِنِ اتَّفَقْتُمَا وَإِلَّا فُسِخَ الْعَقْدُ بَيْنَكُمَا. فَأَمَّا الْقَوْسُ " الدُّودَانِيَّةُ " فَهِيَ الْقَوْسُ الَّتِي لَهَا مَجْرًى يَمُرُّ السَّهْمُ فِيهِ، وَمِنْهَا قَوْسُ الرَّجُلِ، وَإِنْ كَانَ أَغْلَبُهَا قَوْسَ الْيَدِ، فَيَجُوزُ أَنْ يُنَاضِلَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِذَا اتَّفَقُوا، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَ الرَّجُلَانِ أَحَدُهُمَا قَائِمٌ، وَالْآخِرُ جَالِسٌ إِلَّا عَنْ تَرَاضٍ، فَيَلْزَمُ تَسَاوِيهِمَا فِي الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا اعْتُبِرَ فِيهِ الْأَغْلَبُ مِنْ عُرْفِ الرُّمَاةِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنَاضِلَ أَهْلُ النُّشَّابِ أَصْحَابَ الْجُلَاهِقِ؛ لِاخْتِلَافِ الصِّفَةِ فِيهَا، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْحَذْفُ بِأَحَدِهِمَا حَذْفًا بِالْآخَرِ.

стр. 7075

مسألة قال الشافعي: " ولا يجوز أن ينتصل رَجُلَانِ وَفِي يَدِي أَحَدِهِمَا مِنَ النَّبْلِ أَكْثَرُ مِمَّا فِي يَدَيِ الْآخَرِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا عَشَرَةً مِنْ عِشْرِينَ، وَيُصِيبَ الْآخَرُ عَشَرَةً مِنْ ثَلَاثِينَ، فَيَكُونُ رَشْقُ أَحَدِهِمَا أَكْثَرَ مِنْ رَشْقِ الْآخَرِ، وَيَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ: " فِي يَدِ أَحَدِهِمَا " أَيْ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا، وَإِنَّمَا لَمْ يَجُزِ التَّفَاضُلُ فِي عَدَدِ الرَّشْقِ الَّذِي يَجِبُ فِيهِ التَّمَاثُلُ؛ لِأَنَّهُ إن نضل، فللكثرة رَمْيِهِ لَا بِحَسْبَ صُنْعِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لا يتناضلا عَلَى أَنْ يُصِيبَ أَحَدُهُمَا خَمْسَةً مِنْ عِشْرِينَ، وَيُصِيبَ الْآخَرُ عَشَرَةً مِنْ عِشْرِينَ، فَلَا يَجُوزُ لِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّعْلِيلِ بِالتَّفَاضُلِ فِيمَا يُوجِبُ التَّمَاثُلَ وَأَنَّهُ إِنْ نَضَلَهُ فَلِقِلَّةِ إِصَابَتِهِ لَا بِحُسْنِ صَنِيعِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ: إِنَّ مِنْ عَادَةِ حُذَّاقِ الرُّمَاةِ إِذَا رَمُوا أَنْ يَأْخُذُوا فِي اليد اليمن بَيْنَ الْخِنْصَرِ وَالسَّبَّابَةِ سَهْمًا أَوْ سَهْمَيْنِ مُعَدًّا لِلرَّمْيِ، فَأَرَادَ الشَّافِعِيُّ بِهَذَا أَنْ لَا يَجُوزَ أَنْ يَتَنَاضَلَا عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي يَدِ أَحَدِهِمَا إِذَا رَمَى سَهْمٌ وَاحِدٌ وَفِي يَدِ الْآخَرِ سَهْمَانِ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ السِّهَامِ فِي الْيَدِ مُؤَثِّرٌ فِي قِلَّةِ الْإِصَابَةِ؛ لِأَنَّهُ إِنْ نَضَلَ فَلِقِلَّةِ الْمَانِعِ مِنْ إِصَابَتِهِ لَا بِحُسْنِ صَنِيعِهِ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْيَدِ الْكَفَّ ذَاتَ الْأَصَابِعِ. (مَسْأَلَةٌ:) قال الشافعي: " وَلَا عَلَى أَنْ يُحْسَبَ خَاسِقُهُ خَاسِقَيْنِ وَالْآخَرُ خاسقٌ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ؛ لِأَنَّ عَقْدَ النضال يوجب التساوي، فإذا رفع فِيهِ التَّفَاضُلُ بِأَنْ يَكُونَ خَاسِقُ أَحَدِهِمَا خَاسِقَيْنِ، وَخَاسِقُ الْآخَرِ خَاسِقًا وَاحِدًا بَطَلَ بِهِ الْعَقْدُ لدخول التفاضل فيه، وأنه نضل فلمضاعفة خَوَاسِقِهِ لَا بِحُسْنِ صَنِيعِهِ. وَلَوْ شَرَطَا فِي الْقَرْعِ أَنْ يَكُونَ خَاسِقُ كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا قَارِعَيْنِ جَازَ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ تَسَاوَيَا فِي مُضَاعَفَةِ خواسقهما. (مسألة:) قال الشافعي: " وَلَا عَلَى أَنَّ لِأَحَدِهِمَا ثَابِتًا لَمْ يَرْمِ بِهِ وَيُحْسَبُ لَهُ مَعَ خَوَاسِقِهِ وَلَا عَلَى أن يطرح من خواسقه خاسقاً وعلى أَنَّ خَاسِقَ أَحَدِهِمَا خَاسِقَانِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ مَنِ احْتُسِبَ لَهُ بِخَاسِقٍ لَمْ يُصِبْهُ يَصِيرُ مُفَضَّلًا بِهِ عَلَى صَاحِبِهِ؛ فَإِنْ نَضَلَ، فَلِتَفْضِيلِهِ لَا بِحُسْنِ صَنِيعِهِ، وَمَنْ أُسْقِطَ لَهُ خَاسِقٌ قَدْ أَصَابَهُ يَصِيرُ بِهِ مَفْضُولًا إِنْ نَضَلَ فَلِحَطِّ إِصَابَتِهِ لَا لِسُوءِ صَنِيعِهِ، فَيَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلًا عَلَى الْأَمْرَيْنِ؛ لِعَدَمِ التساوي بين المتفاضلين.

стр. 7076

(مسألة:) قال الشافعي: " وَلَا أَنَّ أَحَدَهُمَا يَرْمِي مِنْ عرضٍ وَالْآخَرُ مِنْ أَقْرَبَ مِنْهُ إِلَّا فِي عرضٍ واحدٍ وعددٍ واحدٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ؛ لِأَنَّ مُوجِبَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي التَّسَاوِي فِيهِ، فَإِنْ وَقَعَ التَّفَاضُلُ فِيهِ أَفْسَدَهُ. وَمِنَ التَّفَاضُلِ اخْتِلَافُ الهدف في القرب والبعد، فيشرطا أَنْ يَرْمِيَ أَحَدُهُمَا مِنْ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، وَيَرْمِيَ الْآخَرُ مِنْ أَقَلَّ مِنْهَا، أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَجُزْ لِلتَّفَاضُلِ، وَلَكِنْ لَوْ كَانَتْ قَوْسُ أَحَدِهِمَا عَرَبِيَّةً، يُصِيبُ مِنْ مِائَةِ ذِرَاعٍ، وَقَوْسُ الْآخَرِ فَارِسِيَّةً يُصِيبُ مِنْ مِائَتَيْ ذِرَاعٍ، فَشَرَطَا هَذَا التَّفَاضُلَ لِاخْتِلَافِ الْقَوْسَيْنِ، لَمْ يَخْلُ حَالُهُمَا مِنْ أَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنْ يَشْتَرِطَا الْخِيَارَ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الْقَوْسَيْنِ فَيَجُوزَ هَذَا التَّفَاضُلُ؛ لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُسَاوِيَ صَاحِبَهُ فِيهِ إِذَا عَدَلَ إِلَى قَوْسِهِ. وَالثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَا أَحَدُهُمَا بِالْعَرَبِيَّةِ؛ وَلَا يَعْدِلُ عَنْهَا، وَيَرْمِي الْآخَرُ بِالْفَارِسِيَّةِ، وَلَا يَعْدِلُ عَنْهَا، فَيَمْنَعَ هَذَا التَّفَاضُلُ مِنْ جَوَازِ التَّنَاضُلِ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْدِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يُسَاوِيَ صَاحِبَهُ فِيهِ. وَمِنَ التَّفَاضُلِ الْمَانِعِ أَنْ يَكُونَ ارْتِفَاعُ الشَّنِّ فِي رَمْيِ أَحَدِهِمَا ذِرَاعًا، وَارْتِفَاعُهُ فِي رَمْيِ الْآخَرِ بَاعًا، فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ. وَمِنَ التَّفَاضُلِ الْمَانِعِ أَنْ تَكُونَ إِصَابَةُ أَحَدِهِمَا فِي الشَّنِّ وَإِصَابَةُ الْآخَرِ فِي الدَّارَةِ الَّتِي فِي الشَّنِّ، فَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ الْقَوْسَيْنِ، فَعَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ خِيَارِهِمَا فِي الْأَمْرَيْنِ. (مسألة:) قال الشافعي: " وَلَا عَلَى أَنْ يَرْمِيَ بقوسٍ أَوْ نبلٍ بأعيانها إن تغيرت لم يبدلهما ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ مَضَى فَرْقُ مَا بَيْنَ السبق والرمي بأن المقصود فراهة القوسين مِنَ السَّبَقِ، وَالْمَقْصُودَ مِنَ الرَّمْيِ حَذْقُ الرَّامِيَيْنِ، فَصَارَ الْفَرَسُ فِي السَّبَقِ أَصْلًا، وَالرَّاكِبُ تَبَعًا، فَلَزِمَ تَعْيِينُ الْفَرَسِ، وَلَمْ يَلْزَمْ تَعْيِينُ الرَّاكِبِ، وَصَارَ الرَّامِي فِي النِّضَالِ أَصْلًا وَالْقَوْسُ تَبَعًا، فَلَزِمَ تَعْيِينُ الرَّامِي وَلَمْ يَلْزَمْ تَعْيِينُ الْقَوْسِ، فَإِنْ أُسْقِطَ تَعْيِينُ مَا يَلْزَمُ تَعْيِينُهُ مِنَ الْقَوْسِ فِي السَّبَقِ وَالرَّامِي فِي النِّضَالِ بَطَلَ الْعَقْدُ، وَإِنْ عُيِّنَ مَا لَمْ يَلْزَمْ تَعْيِينُهُ مِنَ الرَّاكِبِ فِي السَّبَقِ أَنْ لَا يَرْكَبَ غَيْرُهُ، وَالْقَوْسُ فِي النِّضَالِ أَنْ لَا يَرْمِيَ عَنْ غَيْرِهَا، لَمْ يَتَعَيَّنِ اعْتِبَارًا بِحُكْمِ أَصْلِهِ، وَنُظِرَ فِي التَّعْيِينِ، فَإِنْ خَرَجَ مَخْرَجَ الشَّرْطِ الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ، فَقَالَ: عَلَى أَنْ لَا يَرْكَبَ إِلَّا هَذَا الْفَارِسُ، وَعَلَى أَنْ لَا يَرْمِيَ إِلَّا عَنْ هَذِهِ الْقَوْسِ بَطَلَ الْعَقْدُ فِي السَّبَقِ وَالنِّضَالِ؛ لِأَنَّهُ صَارَ مَعْقُودًا عَلَى شَرْطٍ غَيْرِ لَازِمٍ، وَإِنْ

стр. 7077

خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَذْكُورِ فِي الْعَقْدِ، فَقَالَ: وَيَرْكَبُ هَذَا الْفَارِسُ، وَيَرْمِي عَنْ هَذِهِ الْقَوْسِ كَانَ الْعَقْدُ فِي السَّبَقِ وَالنِّضَالِ جَائِزًا وَلَهُ أَنْ يُبَدِّلَ الرَّاكِبَ بِغَيْرِهِ إِذَا كَانَ فِي مِثْلِ ثِقَلِهِ لِعِلَّةٍ وَلِغَيْرِ عِلَّةٍ، وَيُبَدِّلَ الْقَوْسَ بِغَيْرِهَا إِذَا كَانَتْ مِنْ جِنْسِهَا لِعِلَّةٍ وَلِغَيْرِ عِلَّةٍ. (مسألة:) قال الشافعي: " ومن الرماة من زعم أنها إِذَا سَمَّيَا قَرْعًا يَسْتَبِقَانِ إِلَيْهِ فَصَارَا عَلَى السَّوَاءِ أَوْ بَيْنَهُمَا زِيَادَةَ سهمٍ كَانَ لِلْمُسْبِقِ أَنْ يَزِيدَ فِي عَدَدِ الْقَرْعِ مَا شَاءَ ومنهم من زعم أنه ليس له أن يزيد في عدد الفرع ما لم يكونا سواءً ومنهم من زعم أنه ليس له أن يزيد بغير رضا المسبق (قال المزني) ﵀: وهذا أشبه بقوله كما لم يكن سبقهما في الخيل ولا في الرمي ولا فِي الِابْتِدَاءِ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى غايةٍ واحدةٍ فكذلك فِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَزِيدَ إلا باجتماعهما على زيادة واحدٍ وبالله التوفيق ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا فِي لُزُومِ عَقْدِ السَّبَقِ وَالرَّمْيِ قَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَازِمٌ كَالْإِجَارَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ جَائِزٌ وَلَيْسَ بِلَازِمٍ، كَالْجِعَالَةِ، وَيَتَرَتَّبُ عليها مسألتان: أحدهما: فِي فَسْخِ الْعَقْدِ، فَإِنِ اجْتَمَعَا عَلَيْهِ صَحَّ، وَهَلِ الْفَسْخُ إِقَالَةُ مُرَاضَاةٍ أَوْ فَسْخُ خِيَارٍ عَلَى الْقَوْلَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ إِقَالَةَ مُرَاضَاةٍ إِنْ قِيلَ بِلُزُومِهِ كَالْإِقَالَةِ فِي الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ. وَالثَّانِي: فَسْخَ خِيَارٍ إِنْ قِيلَ بِجَوَازِهِ كَالْفَسْخِ فِي الْقِرَاضِ وَالْجِعَالَةِ. وَإِنِ انْفَرَدَ أَحَدُهُمَا بِالْفَسْخِ، فَإِنْ قِيلَ بِلُزُومِهِ كَالْإِجَارَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّفَرُّدُ بالفسخ، وإن قيل بجوازه كالجعالة، فإن كان قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الْعَمَلِ جَازَ لَهُ الْفَسْخُ، وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الْغَلَبَةِ، فَإِنْ كَانَ مُتَسَاوِيَيْنِ وَمُتَقَارِبَيْنِ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْإِصَابَةِ أَوْ فُضِّلَ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِسَهْمٍ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْفَسْخِ، وَهُوَ فَسْخُ خِيَارٍ، وَلَيْسَ بِإِقَالَةٍ، وَإِنْ تَفَاضَلَا فِي الْإِصَابَةِ، وَظَهَرَتْ عَلَى أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ قَبْلَ تَمَامِهِمَا، فَإِنْ فَسَخَ مَنْ ظَهَرَ أَنَّهُ غَالِبٌ جَازَ، وَإِنْ فَسَخَ مَنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مَغْلُوبٌ، فَفِي جَوَازِهِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يَجُوزُ لِاسْتِوَائِهِمَا فِي خِيَارِ الْعَقْدِ. وَالثَّانِي: لَا يَجُوزُ لِئَلَّا يُضَاعَ عَلَى الْغَالِبِ مَا يَلُوحُ مِنْ وُجُوبِ حَقِّهِ. وَأَمَّا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ فِي زِيَادَةِ الشَّرْطِ، وَهُوَ أَنْ يَعْقِدَاهُ عَلَى إِصَابَةِ عَشَرَةٍ مِنْ عِشْرِينَ، فَيَجْعَلَ إِصَابَةَ خَمْسَةٍ مِنْ عِشْرِينَ أَوْ يَجْعَلَ إِصَابَةَ عَشَرَةٍ مِنْ ثلاثين أو يعقداه عَلَى أَنَّ الْعِوَضَ فِيهِ دِينَارٌ، فَيُجْعَلَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ، فَإِنْ قِيلَ بِلُزُومِهِ كَالْإِجَارَةِ، وَلَمْ يصح

стр. 7078

ذَلِكَ مِنْ أَحَدِهِمَا حَتَّى يَجْتَمِعَا عَلَى فَسْخِ الْعَقْدِ، وَاسْتِئْنَافِ عَقْدٍ مُسْتَجَدٍّ. وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِهِ كَالْجِعَالَةِ جَازَ أَنْ يَنْفَرِدَ بِهِ أَحَدُهُمَا، لَكِنْ لَا يَصِيرُ الْآخِذُ دَاخِلًا فِيهِ إِلَّا أَنْ يَسْتَأْنِفَ الرِّضَا بِهِ، وَقِيلَ لِه: إِنْ شِئْتَ أَنْ تُرَامِيَهُ عَلَى هَذَا، وَإِلَّا مَلَكَ خِيَارَكَ. فَأَمَّا مَا حَكَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنِ الرُّمَاةِ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا أَرَادَ بِهِ على وجهين: أحدهما: أراد مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ مِنْ لُزُومِهِ وَجَوَازِهِ وَزِيَادَتِهِ، وَنُقْصَانِهِ، قَدْ قَالَهُ غَيْرُهُ وَتَقَدَّمَهُ بِهِ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ أَصَحَّ مَذَاهِبِهِمْ عِنْدَهُ؛ لِيُعْلَمَ صَحِيحُهَا وَفَاسِدُهَا. وَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: إِذَا سيما قَرْعًا يَسْتَبِقَانِ إِلَيْهِ ثَلَاثَةُ تَأْوِيلَاتٍ: أَحَدُهَا: إِنَّهُ أَرَادَ بِالْقَرْعِ صِحَّةَ الْإِصَابَةِ. وَالثَّانِي: إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ عَدَدَ الْإِصَابَةِ. وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ مَالَ النِّضَالِ. وَأَمَّا الْمُزَنِيُّ فَإِنَّهُ قَالَ: كَمَا لَمْ يَكُنْ سِبَاقُهُمْ فِي الْخَيْلِ، وَلَا فِي الرَّمْيِ فِي الِابْتِدَاءِ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى غَايَةٍ وَاحِدَةٍ، كَذَلِكَ فِي الْقِيَاسِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا أَنْ يَزِيدَ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَى زِيَادَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي مُرَادِ الْمُزَنِيِّ بِكَلَامِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ أَرَادَ اخْتِيَارَ أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي لُزُومِ الْعَقْدِ دُونَ جَوَازِهِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُصِيبًا فِي اخْتِيَارِهِ، مُخْطِئًا فِي تَعْلِيلِهِ؛ لِأَنَّ أَظْهَرَ الْقَوْلَيْنِ لُزُومُهُ، فَصَحَّ اخْتِيَارُهُ، وعلل بأن لما لَمْ يَنْعَقِدْ إِلَّا بِاجْتِمَاعٍ، لَمْ يَنْفَسِخْ إِلَّا بِالِاجْتِمَاعِ وَهَذَا تَعْلِيلٌ فَاسِدٌ؛ بِالْعُقُودِ الْجَائِزَةِ كُلِّهَا مِنَ الْمُضَارَبَةِ وَالْوَكَالَةِ وَالْجِعَالَةِ لَا تَنْعَقِدُ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا وَيَجُوزُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِالْفَسْخِ أَحَدُهُمَا. وَالثَّانِي: إِنَّهُ أَرَادَ بِهِ إِذَا دَعَا أَحَدُهُمَا فِي الْ مَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ إِلَى زِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ صَاحِبَهُ إِلَّا بِاجْتِمَاعِهِمَا عَلَيْهِ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ الشَّافِعِيِّ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُخْطِئًا فِي تَأْوِيلِهِ، مُصِيبًا فِي تَعْلِيلِهِ؛ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يُوجِبْ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا إِلَّا مَا اجْتَمَعَا عَلَى الرِّضَا بِهِ فِي الْقَوْلَيْنِ معاً. (مسألة:) قال الشافعي: " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ إِنْ أَصَبْتَ بِهَذَا السَّهْمِ فَقَدَ نَضَلْتُكَ إِلَّا أَنْ يَجْعَلَ رجلٌ لَهُ سَبَقًا إِنْ أَصَابَ بِهِ ".

стр. 7079

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَصُورَتُهَا فِي عَقْدٍ بَيْنَ مُتَنَاضِلَيْنِ عَلَى إِصَابَةٍ مَعْلُومَةٍ مِنْ رَشْقٍ مَعْلُومٍ، كَاشْتِرَاطِهِمَا إِصَابَةَ عَشَرَةٍ مِنْ عِشْرِينَ فَيَشْرَعَانِ فِي الرَّمْيِ، وَيُصِيبُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَقْدِ إِصَابَتِهِ عَلَى تساوٍ أَوْ تُفَاضِلٍ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ، ثُمَّ يَسْتَثْقِلَانِ إِتْمَامَ الرَّمْيِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ هوذا أَرْمِي بِهَذَا السَّهْمِ فَإِنْ أَصَبْتُ بِهِ، فَقَدَ نَضَلْتُكَ وَإِنْ أَخْطَأْتُ بِهِ، فَقَدَ نَضَلْتَنِي فَهَذَا بَاطِلٌ، لَا يَصِيرُ بِهِ نَاضِلًا إِنْ أَصَابَ، ولا منضولاً إن أخطأت. وَلِبُطْلَانِهِ عِلَّتَانِ: إِحْدَاهُمَا: إِنَّهُ جَعَلَ الْإِصَابَةَ الْوَاحِدَةَ قَائِمَةً مَقَامَ إِصَابَاتٍ، فَبَطَلَ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَالثَّانِيَةُ: أَنْ يَؤُولَ إِلَى أَنْ يَصِيرَ مِنْ قِلَّةِ إِصَابَتِهِ نَاضِلًا وَمِنْ كَثْرَةِ إِصَابَتِهِ مَنْضُولًا، فَإِنْ تَقَاسَمَا عَقْدَهُمَا، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ أَوْ لِغَيْرِهِ: ارْمِ بِسَهْمِكَ هَذَا، فَإِنْ أَصَبْتَ بِهِ، فَلَكَ دِرْهَمٌ، جَازَ وَاسْتَحَقَّ الدِّرْهَمَ إِنْ أَصَابَ، وَلِجَوَازِهِ عِلَّتَانِ: إِحْدَاهُمَا إِنَّهُ قَدْ أَجَابَهُ إِلَى مَا سَأَلَ، فَالْتَزَمَ لَهُ مَا بَذَلَ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ. وَالثَّانِيَةُ: إِنَّهُ تَحْرِيضٌ فِي طَاعَةٍ فَلَزِمَ الْبَذْلُ عَلَيْهَا كَالْمُنَاضَلَةِ. قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: وَهَذَا بَذْلُ مَالٍ عَلَى عَمَلٍ، وَلَيْسَ بِنِضَالٍ؛ لِأَنَّ النِّضَالَ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَأَكْثَرَ. (فَصْلٌ:) فَإِذَا تَنَاضَلَ رَجُلَانِ عَلَى إِصَابَةِ عَشَرَةٍ مِنْ عِشْرِينَ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَحَضَرَ ثَالِثٌ، فَقَالَ لِمُخْرِجِ الْمَالِ: أَنَا شَرِيكُكَ فِي الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ، فَإِنْ نَضَلْتَ فَلِي نِصْفُ الْعَشَرَةِ، وَإِنْ نَضَلَكَ فَعَلَيَّ نِصْفُ الْعَشَرَةِ كَانَ بَاطِلًا، وَهَكَذَا لَوْ قَالَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا: أَنَا شَرِيكُكَ فِي الْغُنْمِ وَالْغُرْمِ فَهُوَ بَاطِلٌ لِعِلَّتَيْنِ: إِحْدَاهُمَا: إِنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي عَقْدِهِمَا، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يَصِيرَ شَرِيكًا لَهُمَا. وَالثَّانِي: إِنَّهُ يَصِيرُ آخِذًا بِغَيْرِ عَمَلٍ وَمُعْطِيًا مِنْ غَيْرِ بَذْلٍ. (مَسْأَلَةٌ:) قال الشافعي: " وَإِنْ قَالَ ارْمِ عَشَرَةَ ارشاقٍ فَإِنْ كَانَ صَوَابُكَ أَكْثَرَ فَلَكَ كَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنَاضِلَ نَفْسَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي صُورَةِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْمُزَنِيَّ حَذَفَ مِنْهَا مَا قَدْ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " فَقَالَ فِيهِ: وَلَوْ قَالَ لَهُ: نَاضِلْ نَفْسَكَ، وَارْمِ عَشَرَةَ أَرْشَاقٍ، فَإِنْ كَانَ صَوَابُكَ أَكْثَرَ مِنْ خَطَئِكَ فَلَكَ كَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُنَاضِلَ نَفْسَهُ، فَحَذَفَ الْمُزَنِيُّ قَوْلَهُ: " نَاضِلْ نَفْسَكَ " وَأَوْرَدَ بَاقِيَ كَلَامِهِ وَحُكْمُهُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ بَاطِلٌ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا.

стр. 7080

وَاخْتَلَفُوا فِي تَعْلِيلِهِ، فَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيُّ: وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ تَعْلِيلِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ جَعَلَهُ مُنَاضِلًا لِنَفْسِهِ، وَالنِّضَالُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ، فَإِنْ كَثُرَ، فَاسْتَحَالَ نِضَالُ نَفْسِهِ فَبَطَلَ. وقال آخرون: بل علة بطلانه أنه فاضل عَلَى خِطْئِهِ بِصَوَابِهِ بِقَوْلِهِ: إِنْ كَانَ صَوَابُكَ أكثر من خطئك، والخطأة لَا يُنَاضَلُ عَلَيْهِ، وَلَا بِهِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّ الْ مَسْأَلَةَ مُصَوَّرَةٌ عَلَى مَا أَوْرَدَهُ الْمُزَنِيُّ هاهنا، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ نِضَالَ نَفْسِهِ، وَقَالَ لَهُ: ارْمِ عَشَرَةَ أَرْشَاقٍ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي صِحَّتِهِ وَجْهَانِ مِنَ اخْتِلَافِ الْعِلَّتَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّهُ صَحِيحٌ، وَيَسْتَحِقُّ مَا جُعِلَ لَهُ لِلتَّعْلِيلِ الْأَوَّلِ؛ لأنه بذل مال عَلَى عَمَلٍ لَمْ يُنَاضِلْ فِيهِ نَفْسَهُ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ بَاطِلٌ لِلتَّعْلِيلِ الثَّانِي أَنَّهُ مُنَاضِلٌ على خطته وصوابه، ويتفرع على هَاتَيْنِ الْمَسْأَلَتَيْنِ ثَالِثَةٌ: وَاخْتَلَفَ فِيهَا أَصْحَابُنَا بِأَيِّهِمَا تَلْحَقُ عَلَى وَجْهَيْنِ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ: نَاضِلْ وَارْمِ عَشَرَةَ أَرْشَاقٍ فَإِنْ كَانَ صَوَابُكَ أَكْثَرَ، فَلَكَ كَذَا فَتُوَافِقَ الْمَسْأَلَةَ الْأُولَى فِي قَوْلِهِ: نَاضِلْ، وَتُوَافِقَ الْمَسْأَلَةَ الثَّانِيَةَ فِي حَذْفِ قَوْلِهِ: نَاضِلْ نَفْسَكَ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ إِنَّهُمَا فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ الْأُولَى فِي الْبُطْلَانِ؛ لِأَجْلِ قَوْلِهِ: نَاضِلْ، وَالنِّضَالُ لَا يَكُونُ إِلَّا بَيْنَ اثْنَيْنِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ: نَاضِلْ نَفْسَكَ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّهَا فِي حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ الثَّانِيَةِ فِي حَمْلِ صِحَّتِهَا عَلَى وَجْهَيْنِ مِنَ اخْتِلَافِ الْعِلَّتَيْنِ إِذَا سَقَطَ قَوْلُهُ نَاضِلْ نَفْسَكَ صَارَ قَوْلُهُ: نَاضِلْ، يَعْنِي: ارْمِ عَلَى نِضَالٍ، وَالنِّضَالُ الْمَالُ، فَصَارَ كَالِابْتِدَاءِ بِقَوْلِهِ: ارْمِ عَشَرَةَ أرشاق. (مسألة:) قال الشافعي: " وَإِذَا رَمَى بسهمٍ فَانْكَسَرَ فَإِنْ أَصَابَ بِالنَّصْلِ كَانَ لَهُ خَاسِقًا وَإِنْ أَصَابَ بِالْقِدْحِ لَمْ يَكُنْ خَاسِقًا وَلَوِ انْقَطَعَ بِاثْنَيْنِ فَأَصَابَ بِهِمَا جَمِيعًا حُسِبَ الَّذِي فِيهِ النَّصْلُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا صَحِيحٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَاهُ، فَإِذَا انْكَسَرَ السهم بعد خروجه عند الْقَوْسِ، فَلَهُ خَمْسَةُ أَحْوَالٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَسْقُطَ عَادِلًا عَنِ الْهَدَفِ، فَلَا يُحْتَسَبَ عَلَيْهِ فِي الْخَطَأِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ فَسَادِ السَّهْمِ، لَا مِنْ سوء الرمي.

стр. 7081

والحال الثانية: أنه يُصِيبَ بِعُرْضِ السَّهْمِ، فَيُرَدَّ عَلَيْهِ، وَلَا يُحْتَسَبُ بِهِ مُصِيبًا وَلَا مُخْطِئًا؛ لِأَنَّهُ أَصَابَ بِغَيْرِ مَحَلِّ الْإِصَابَةِ. وَالْحَالُ الثَّالِثَةُ: أَنْ يُصِيبَ بِكَسْرِ الْقِدْحِ دُونَ النَّصْلِ، فَيُرَدَّ، وَلَا يُحْتَسَبُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَالْحَالُ الرَّابِعَةُ: أَنْ يُصِيبَ بِكَسْرِ النَّصْلِ، فينر، فَإِنْ وَقَعَتِ الْإِصَابَةُ مِنْ كَسْرِ النَّصْلِ بِالطَّرَفِ الَّذِي فِيهِ حَدِيدَةُ النَّصْلِ، احْتُسِبَ بِهِ مُصِيبًا، لِأَنَّهُ أَصَابَ بِمَحَلِّ الْإِصَابَةِ، وَإِنْ أَصَابَ مِنْهُ بِالطَّرَفِ الْآخَرِ الْمُتَّصِلِ بِقِدْحِ الْفُوقِ لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا، وَلَا مُخْطِئًا، لِأَنَّهُ أَصَابَ بِغَيْرِ مَحَلِّ الْإِصَابَةِ. وَالْحَالُ الْخَامِسَةُ: أَنْ يُصِيبَ بِالْكَسْرَيْنِ مَعًا، فَلَا يُحْتَسَبَ بِكَسْرِ الْقِدْحِ، وَيَكُونُ الِاحْتِسَابُ بِكَسْرِ النَّصْلِ مُعْتَبَرًا بِمَا ذَكَرْنَا إِنْ كَانَ بِطَرَفِ الْحَدِيدَةِ كَانَ مُصِيبًا، وَإِنْ كَانَ بِطَرَفِهِ الآخر كان مردوداً. (مسألة:) قال الشافعي: " وإن كان في الشن نبلٌ فأصاب سهمه فُوقَ سهمٍ فِي الشَّنِّ لَمْ يُحْسَبْ وَرُدَّ عَلَيْهِ وَرُمِيَ بِهِ لِأَنَّهُ عارضٌ دُونَ الشَّنِّ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: قَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ فُوقَ السَّهْمِ هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي فِي طَرَفِهِ لِمَوْقِعِ الْوَتَرِ، فَإِذَا ثَبَتَ سَهْمٌ فِي الشَّنِّ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ سَهْمُ هَذَا عَلَى فُوقِ السَّهْمِ الَّذِي فِي الْهَدَفِ، فَلِلسَّهْمِ الثَّابِتِ فِي الْهَدَفِ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يَدْخُلَ مِنْهُ فِي الْهَدَفِ قَدْرَ نَصْلِهِ، وَيَكُونَ بَاقِي طُولِهِ خَارِجًا، فَلَا يُحْتَسَبَ لِهَذَا بِسَهْمِهِ لَا مُخْطِئًا، وَلَا مُصِيبًا؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ كُلَّ الْهَدَفِ، فَصَارَ مُقَصِّرًا، فَلَمْ يعتد به مصيباً، ولا مخطئاً، ومنعه طائل، فَلَمْ يَصِرْ مُخْطِئًا. وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يَكُونَ السَّهْمُ الثَّابِتُ فِي الْهَدَفِ قَدْ دَخَلَ جَمِيعُهُ فِي الْهَدَفِ حَتَّى غَاصَ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ إِلَّا مَوْضِعُ فُوقِهِ، فَوَقَعَ عَلَيْهِ هَذَا السَّهْمُ، فَيُنْظَرُ فِي الْإِصَابَةِ: فَإِنْ كَانَتْ قَرْعًا احْتُسِبَ بِهَذَا السَّهْمِ مُصِيبًا لِوُصُولِ السَّهْمِ إِلَى مَحَلِّ الْإِصَابَةِ مِنَ الْهَدَفِ، وَإِنْ كَانَتِ الْإِصَابَةُ خَسْقًا لَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ مُصِيبًا وَلَا مُخْطِئًا إِلَّا إِنْ ثَبَتَ نَصْلُهُ مِنْ فُوقِ ذَلِكَ السَّهْمِ، فَيُحْتَسَبُ بِهِ مُصِيبًا فِي الْخَسْقِ؛ لِأَنَّ مَا خَسَقَ الْخَشَبَ، وَثَبَتَ فِيهِ فَأَوْلَى أَنْ يَخْسَقَ الشَّنَّ، وَيَثْبُتَ فِيهِ، وَأَحْسَنُ مَا تَكُونُ الْإِصَابَةُ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ: (نُصِيبُ بِبَعْضِهَا أَفْوَاقَ بعضٍ ... فلولا الكسر لاتصلت مصيبا) (مسألة:) قال الشافعي: " وَإِذَا أَرَادَ الْمُسْتَبِقُ أَنْ يَجْلِسَ وَلَا يَرْمِيَ وَلِلْمُسْبَقِ فضلٌ أَوْ لَا فَضْلَ لَهُ فَسَوَاءٌ وقد يكون له الفضل فنيضل ويكون عليه الفضل وينضل والرماة

стр. 7082

يختلفون في ذلك فمنهم من يجعل له أن يجلس ما لم ينضل ومنهم من يقول ليس له أن يجلس إلا من عذرٍ وأحسبه إن مرض مرضاً يضر بالرمي أو يصيب إحدى يديه علةٌ تمنعه من ذلك كان له أن يجلس ويلزمهم أن يقولوا إذا تراضيا على أصل الرمي الأول ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: إِذَا جَلَسَ أَحَدُ الْمُتَنَاضِلَيْنِ عَنِ الرَّمْيِ، فَلَهُ حَالَتَانِ: إِحْدَاهُمَا: أَنْ يُرِيدَ بِهِ تَأْخِيرَ الرَّمْيِ عَنْ وَقْتِهِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِيهِ مَعْذُورًا أَوْ غَيْرَ مَعْذُورٍ، فَإِنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ، وَطَلَبَ التَّأْخِيرَ أُخِّرَ، وَلَمْ يُجْبَرْ عَلَى التَّعْجِيلِ سَوَاءٌ قِيلَ بِلُزُومِهِ كَالْإِجَارَةِ أَوْ بِجَوَازِهِ كَالْجِعَالَةِ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِأَوْكَدَ مِنْ فَرْضِ الْجُمُعَةِ الَّتِي يَجُوزُ التَّأَخُّرُ عَنْهَا بِالْعُذْرِ وَأَعْذَارُهُ فِي تَأْخِيرِ الرَّمْيِ مَا أَثَّرَ فِي نَفْسِهِ مِنْ مَرَضٍ أَوْ شَدَّةِ حَرٍّ أَوْ بَرْدٍ أَوْ أَثَّرَ فِي رَمْيِهِ مِنْ شِدَّةِ رِيحٍ أَوْ مَطَرٍ أَوْ أَثَّرَ فِي أَهْلِهِ مِنْ مَوْتٍ حَلَّ أَوْ حَادِثٍ نَزَلَ أَوْ أَثَّرَ فِي مَالِهِ مِنْ جَائِحَةٍ طَرَقَتْ أَوْ خَوْفٍ طَرَأَ؛ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فِي تَأْخِيرِ الرَّمْيِ عُذْرٌ، وَالْتَمَسَ بِهِ الدَّعَةَ إِلَى وَقْتٍ آخَرَ، فَفِي إِجْبَارِهِ عَلَى التَّعْجِيلِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُجْبَرُ عَلَيْهِ، إِذَا قِيلَ بِلُزُومِهِ كَالْإِجَارَةِ. وَالثَّانِي: لَا يُجْبَرُ عَلَى تَعْجِيلِهِ إِذَا قِيلَ بِجَوَازِهِ كَالْجِعَالَةِ. (فَصْلٌ:) وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ: أَنْ يُرِيدَ بِالْجُلُوسِ عَنِ الرَّمْيِ فَسْخَ الْعَقْدِ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا فِي الْفَسْخِ أَوْ غَيْرَ مَعْذُورٍ، فَإِنْ كَانَ مَعْذُورًا فِي الْفَسْخِ، وَأَعْذَارُ الْفَسْخِ أَضْيَقُ وَأَغْلَظُ مِنْ أَعْذَارِ التَّأْخِيرِ وَهِيَ مَا اخْتَصَّتْ بِنَفْسِهِ مِنَ الْعُيُوبِ الْمَانِعَةِ مِنْ تَتِمَّةِ رَمْيِهِ، وَهِيَ ضَرْبَانِ: أَحَدُهُمَا: مَا لَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَشَلَلِ يَدِهِ أَوْ ذَهَابِ بَصَرِهِ، فَالْفَسْخُ وَاقِعٌ بِحُدُوثِ هَذَا الْمَانِعِ، وَلَيْسَ يَحْتَاجُ إِلَى فَسْخِهِ بِالْقَوْلِ. وَالضَّرْبُ الثَّانِي: مَا يُرْجَى زَوَالُهُ كَمَرَضِ يَدِهِ أَوْ رَمَدِ عَيْنِهِ أَوْ علة جسده، فلا يتفسخ الْعَقْدُ بِحُدُوثِ هَذَا الْمَانِعِ، بِخِلَافِ الضَّرْبِ الْأَوَّلِ، لِإِمْكَانِ الرَّمْيِ بِإِمْكَانِ زَوَالِهِ، وَيَكُونُ الْفَسْخُ بِالْقَوْلِ، وَذَلِكَ مُعْتَبَرٌ بِحَالِ صَاحِبِهِ، فَإِنْ طَلَبَ تَعْجِيلَ الرَّمْيِ، فَلَهُ الْفَسْخُ لِتَعَذُّرِ التَّعْجِيلِ عَلَيْهِ، وَيَكُونُ اسْتِحْقَاقُ هَذَا الْفَسْخِ مُشْتَرَكًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ صَاحِبِهِ، وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَسْخُ الْعَقْدِ بِهِ، وَإِنْ أَجَابَ صَاحِبَهُ إِلَى الْإِنْظَارِ بِالرَّمْيِ إِلَى زَوَالِ الْمَرَضِ، فَهَلْ يَكُونُ عُذْرُهُ فِي الْفَسْخِ بَاقِيًا أَمْ لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَكُونُ بَاقِيًا فِي اسْتِحْقَاقِ الْفَسْخِ؛ لِئَلَّا تَكُونَ ذِمَّتُهُ مُرْتَهِنَةً بِالْعَقْدِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ عُذْرَ الْفَسْخِ قَدْ زَالَ بِالِانْتِظَارِ، وَلَيْسَ لِلْمُنْظِرِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هَذَا الْإِنْظَارِ، وَإِنْ جَازَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْإِنْظَارِ بِالدُّيُونِ؛ لِأَنَّهُ عَنْ عَيْبٍ رَضِيَ بِهِ وَجَرَى مَجْرَى الْإِنْظَارِ بِالْإِعْسَارِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِطَالِبِ الْفَسْخِ عُذْرٌ فِي الْفَسْخِ.

стр. 7083

فَإِنْ قِيلَ بِلُزُومِ الْعَقْدِ كَالْإِجَارَةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْفَسْخُ، وَأُخِذَ بِهِ جَبْرًا، فَإِنِ امْتَنَعَ مِنْهُ حُبِسَ عَلَيْهِ كَمَا يُحْبَسُ بِسَائِرِ الْحُقُوقِ إِذَا امْتَنَعَ بِهَا، فَإِنْ طَالَ بِهِ الْحَبْسُ، وَهُوَ عَلَى امْتِنَاعِهِ عُزِّرَ حَتَّى يُجِيبَ، وَإِنْ قِيلَ بِجَوَازِ الْعَقْدِ كَالْجِعَالَةِ، فَلَهُ الْفَسْخُ قَبْلَ الرَّمْيِ، وَبَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهِ، وَقَبْلَ ظُهُورِ الْغَلَبَةِ، فَإِنْ ظَهَرَتِ الْغَلَبَةُ لِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ كَانَتْ لِطَالِبِ الْفَسْخِ، فَلَهُ الْفَسْخُ، وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ، فَفِي اسْتِحْقَاقِهِ لِلْفَسْخِ قَوْلَانِ مَضَيَا: أَحَدُهُمَا: لَا يَسْتَحِقُّهُ بَعْدَ ظُهُورِهَا، لِتَفْوِيتِ الْأَغْرَاضِ الْمَقْصُودَةِ بَعْدَ ظُهُورِهَا. وَالْقَوْلُ الثَّانِي: وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ هاهنا، لَهُ الْفَسْخُ لِمَا عَلَّلَ بِهِ مِنْ أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ لَهُ الْفَضْلُ فَيَنْضُلُ وَيَكُونُ عَلَيْهِ الفضل، فينضل. (مسألة:) قال الشافعي: " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْبِقَهُ عَلَى أَنْ يُعِيدَ عَلَيْهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا قَوْلُهُ: " وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَسْبِقَهُ " فَفِيهِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: لَا يَعْقِدُ مَعَهُ عَقْدَ السَّبَقِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ. وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: لَا يَخْرُجُ مَالُ السَّبَقِ عَلَى هَذَا الشَّرْطِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: " عَلَى أَنْ يُعِيدَ عَلَيْهِ "، ففيه تأويلان عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَخْطَأَ أُعِيدَ عَلَيْهِ السَّهْمُ وَلَمْ يُحْتَسَبْ بِهِ فِي الْخَطَأِ، وَيُجْعَلُ كُلُّ خَطَأَيْنِ خَطَأً وَاحِدًا. وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي: عَلَى أَنَّهُ إِذَا أَصَابَ أُعِيدَ صَوَابُهُ، فَاحْتُسِبَ بِهِ إِصَابَتَيْنِ، وَالْعَقْدُ عَلَى التَّأْوِيلَيْنِ بَاطِلٌ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: اشْتِرَاطُ تَفَاضُلِهِمَا فِيمَا يَجِبُ فِيهِ تُسَاوِيهِمَا. وَالثَّانِي: إِنَّ مَقْصُودَ عَقْدِهِمَا مَعْرِفَةُ أَحْذَقِهِمَا، وَلَا يُعْلَمُ مَعَ مناضلة التفاضل حذق الحاذق. (مسألة:) قال الشافعي: " وَإِنْ سَبَقَهُ عَلَى أَنْ يَرْمِيَ بِالْعَرَبِيَّةِ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَرْمِيَ بِالْفَارِسِيَّةِ لِأَنَّ مَعْرُوفًا أَنَّ الصَّوَابَ عَنِ الْفَارِسِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْهُ عَنِ الْعَرَبِيَّةِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: وَهَذَا كَمَا قَالَ، إِذَا كَانَ عَقْدُ نِضَالِهِمَا أَنْ يَكُونَ عَنْ قَوْسٍ عربية، فأراد أن يبذلها بِقَوْسٍ فَارِسِيَّةٍ لَمْ يَجُزْ لِأَنَّ الصَّوَابَ بِالْفَارِسِيَّةِ أَكْثَرُ مِنْهُ بِالْعَرَبِيَّةِ وَلَوْ أَرَادَ أَنْ يُبَدِّلَهَا بقوة أُخْرَى عَرَبِيَّةٍ جَازَ؛ لِأَنَّ الْجِنْسَ يَتَعَيَّنُ بِالشَّرْطِ وَلَا يَتَعَيَّنُ لَهُ وَاحِدٌ مِنَ الْجِنْسِ، وَلَوْ كَانَ عَقْدُ نِضَالِهِمَا عَلَى الْفَارِسِيَّةِ، فَأَرَادَ أَنْ يُبَدِّلَهَا بِالْعَرَبِيَّةِ، لَمْ يَجُزْ لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: إِنَّ تَعْيِينَ الْجِنْسِ يَمْنَعُ مِنَ الْعُدُولِ عَنْهُ.

стр. 7084

وَالثَّانِي: إِنَّ مَقْصُودَ الرَّمْيِ تَفَاضُلُهُمَا فِي الْحَذْقِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْعَرَبِيَّةِ أَحْذَقَ، فَلَا يَدُلُّ عَلَى أنه مع التماثل أحذق. (مسألة:) قال الشافعي: " وَإِنْ سَبَقَهُ وَلَمْ يُسَمِّ الْغَرَضَ كَرِهْتُهُ فَإِنْ سَمَّيَاهُ كَرِهْتُ أَنْ يَرْفَعَهُ أَوْ يَخْفِضَهُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْغَرَضُ فِي اللُّغَةِ، فَهُوَ اسْمٌ لِلْمُرَادِ بِالْفِعْلِ الْمَقْصُودِ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الْإِرَادَةِ، لِأَنَّ الْغَرَضَ مَا اقْتَرَنَ بِالْفِعْلِ وَالْإِرَادَةُ قَدْ تَعُمُّ، فَتَكُونُ بِفِعْلٍ وَغَيْرِ فِعْلٍ، وَهُوَ مُسْتَعْمَلٌ فِي النِّضَالِ وَلَهُ فِيهِ حَقِيقَةٌ وَمَجَازٌ، فَحَقِيقَةُ الْغَرَضِ فِي النِّضَالِ: مَحَلُّ الْإِصَابَةِ مِنَ الْهَدَفِ وَمَجَازُهُ فِي النِّضَالِ مَوْقِفُ الرَّامِي عِنْدَ رَمْيِ الْهَدَفِ. وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَجَبَ أَنْ يَصِفَ الْغَرَضَ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْإِصَابَةِ وَالْغَرَضَ الَّذِي هُوَ مَوْقِفُ الرَّامِي؛ لِيَكُوَنَ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ فِيمَا أُرِيدَ بِهَا مِنْهُمَا مَعْلُومًا بَعْدَ تَفْسِيرِهِمَا وَمَعْرِفَتِهِمَا. أَمَّا الْغَرَضُ فِي الْهَدَفِ، فَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ الْهَدَفَ هُوَ بِنَاءٌ يُنْصَبُ فِيهِ الْغَرَضُ، وَالْغَرَضُ يَشْتَمِلُ عَلَى شَنٍّ وَجَرِيدٍ وَعُري وَمَعَالِيقَ. فَالشَّنُّ هُوَ الْجِلْدُ. وَالْجَرِيدُ: هُوَ الْخَشَبُ الْمُحِيطُ بِالشَّنِّ، حَتَّى يَنْبَسِطَ فِيهِ كَحَلْقَةِ الْمُنْخُلِ، وَأَمَّا الْعُرْي: فهو كالحلق حول الشن. فأما الْمَعَالِيقُ: فَهِيَ أَوْتَارٌ يُشَدُّ بِهَا عُري الشَّنِّ إِلَى أَوْتَادٍ فِي الْهَدَفِ، وَفِي الشَّنِّ دَائِرَةٌ هِيَ أَضْيَقُ مِنْهُ، وَفِي الدَّائِرَةِ هِلَالٌ هُوَ أَضْيَقُ، وَفِي الْهِلَالِ خَاتَمٌ هُوَ أَضْيَقُ مِنْهُ، فَأَحْذَقُ الرُّمَاةِ مَنْ يَشْتَرِطُ إِصَابَةَ الْخَاتَمِ، فَلَا يحتسب له بإصابة الْهِلَالِ، وَمَا زَادَ ثُمَّ يَلِيهِ مَنْ يَشْتَرِطُ إِصَابَةَ الْهِلَالِ، فَلَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِإِصَابَةِ الدَّائِرَةِ، وَمَا زَادَ، ثُمَّ يَلِيهِ مَنْ يَشْتَرِطُ إِصَابَةَ الدَّائِرَةِ، فَلَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِإِصَابَةِ الشَّنِّ، وَمَا زَادَ ثُمَّ يَلِيهِ مَنْ يَشْتَرِطُ إِصَابَةَ الشَّنِّ، فَلَا يُحْتَسَبُ لَهُ بِبَقِيَّةِ الْغَرَضِ، وَمَا زَادَ ثُمَّ يَلِيهِ مَنْ يَشْتَرِطُ إِصَابَةَ الْغَرَضِ، فَيُحْتَسَبُ بِإِصَابَةِ الشَّنِّ، وَالشَّنِّ وَالْعُرَى، وَفِي الِاحْتِسَابِ لَهُ بِإِصَابَةِ الْمَعَالِيقِ قَوْلَانِ: أَحَدُهُمَا: يُحْتَسَبُ بِهَا كَالْعُرَى. وَالثَّانِي: لَا يُحْتَسَبُ بِهَا كَالْأَوْتَادِ وَلَهُمْ فِي مَحَلِّ الْغَرَضِ مِنَ الْهَدَفِ عَادَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْفَعُهُ وَيُسَمُّونَهُ جَوَّانِيٌّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْفِضُهُ وَيُسَمُّونَهُ مَيْلَانِيٌّ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَوَسَّطُ فِيهِ وَيُسَمُّونَهُ نَطْحَانِيٌّ. وَأَمَّا الْغَرَضُ فِي مَوْقِفِ الرَّامِي، فَهُوَ مَقَامُ الرَّامِي فِي اسْتِقْبَالِ الْهَدَفِ يَرْمِيهِ مِنْ مَسَافَةٍ مُقَدَّرَةٍ تَقِلُّ الْإِصَابَةُ بِبُعْدِهَا، وَتَكْثُرُ بِقُرْبِهَا، وَيَحْتَاجُ فِي الْقَرِيبَةِ إِلَى الْقَوْسِ اللَّيِّنَةِ حَتَّى لَا يَمْرُقَ السَّهْمُ، وَفِي الْبَعِيدَةِ إِلَى الْقَوْسِ الشَّدِيدَةِ حَتَّى يَصِلَ السَّهْمُ.

стр. 7085

(فَصْلٌ:) وَإِذَا تَقَرَّرَ مَا ذَكَرْنَا فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا أَرَادَهُ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِقَوْلِهِ: " وَإِنْ سَبَقَهُ، وَلَمْ يُسَمِّ الْغَرَضَ كَرِهْتُهُ "، هَلْ أَرَادَ بِهِ غَرَضَ الْهَدَفِ أَوْ غَرَضَ الْمَوْقِفِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ أَنَّهُ أَرَادَ غَرَضَ الْمَوْقِفِ أَنْ تَكُونَ مَسَافَتُهُ مُقَدَّرَةً بِالشَّرْطِ فِي الْعَقْدِ، وَإِنْ أَغْفَلَا ذِكْرَهَا، وَعُرْفُ الرُّمَاةِ فِيهِ مُخْتَلِفٌ بَطَلَ الْعَقْدُ لِلْجَهْلِ بِمَا هُوَ مَقْصُودٌ فِيهِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: " كَرِهْتُهُ " أَيْ حَرَّمْتُهُ، كَمَا قَالَ: " وَأَكْرَهُ أَنْ يُدْهَنَ مِنْ عَظْمِ فِيلٍ " أَيْ أُحَرِّمُهُ، وَإِنْ كَانَ لِلرُّمَاةِ فِيهِ عرفٌ مَعْهُودٌ، فَفِي حَمْلِهِمَا عَلَيْهِ مَعَ الْإِطْلَاقِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يُحْمَلَانِ فِيهِ عَلَى الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ الْعُرْفَ مَعَ عَدَمِ الشَّرْطِ يَقُومُ فِي الْعُقُودِ مَقَامَ الشَّرْطِ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْعَقْدُ صَحِيحًا، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: " كَرَاهَةً " يُرِيدُ: كَرَاهَةَ اخْتِيَارٍ لَا كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ، وَإِنَّمَا كَرِهَهُ مَعَ الصِّحَّةِ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ لِأَعْيَانِ الْمُتَنَاضِلَيْنِ أَغْرَاضٌ فِي مُخَالَفَةِ الْعُرْفِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُمَا لَا يُحْمَلَانِ فِيهِ عَلَى الْعُرْفِ، لِهَذَا التَّعْلِيلِ مِنَ اخْتِلَافِ الْأَغْرَاضِ فِيهِ وَأَنَّ الْقَوِيَّ فِي الْبُعْدِ أَرْغَبُ، وَالضَّعِيفَ فِي الْقُرْبِ أَرْغَبُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْعَقْدُ بَاطِلًا، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: " كَرِهْتُهُ " أَيْ: حَرَّمْتُهُ، وَإِذَا تَقَدَّرَتْ مَسَافَةُ الْغَرَضِ إِمَّا بِالشَّرْطِ وَإِمَّا بِالْعُرْفِ لَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنَ الْمُتَنَاضِلَيْنِ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ، وَلَا يَنْقُصَ مِنْهُ لِأَنَّ الْجَوَابَ مَحْمُولٌ عَلَى الْقَوْلِ بِلُزُومِهِ كَالْإِجَارَةِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: " فَإِنْ سَمَّيَاهُ كَرِهْتُ أَنْ يَرْفَعَهُ أَوْ يَخَفِضَهُ " أَيْ: مَنَعْتُ أَنْ يَزِيدَ فِيهِ أَوْ يَنْقُصَ مِنْهُ؛ لِأَنَّ الزِّيَادَةَ ارْتِفَاعٌ، وَالنُّقْصَانَ انْخِفَاضٌ، فَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مُرَادِ الشَّافِعِيِّ بِالْمَسْأَلَةِ وَجَوَابُهَا عَلَى هَذَا الْمُرَادِ فِي أَحْكَامِهَا مَعَ الذِّكْرِ وَالْإِغْفَالِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: وَهُوَ قَوْلُ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ إِنَّ مُرَادَ الشَّافِعِيِّ بِهَذَا غَرَضُ الْهَدَفِ فِي ارْتِفَاعِهِ وَانْخِفَاضِهِ، وَتَوَسُّطِهِ، فَإِنْ سَمَّيَاهُ فِي الْعَقْدِ حُمِلَا عَلَى مَا سَمَّيَاهُ وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنْ يَرْفَعَهُ إِنْ كَانَ مُنْخَفِضًا وَلَا أَنْ يَخْفِضَهُ إِذَا كَانَ مُرْتَفِعًا الْتِزَامًا بِحُكْمِ الشَّرْطِ. وَإِنْ أَغْفَلَاهُ لَمْ يَبْطُلِ الْعَقْدُ بِإِغْفَالِهِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ تَوَابِعِ مَقْصُودِهِ، وَقِيلَ لَهُمَا: إِنِ اتَّفَقْتُمَا عَلَيْهِ بَعْدَ الْعَقْدِ حُمِلْتُمَا فِيهِ عَلَى اتِّفَاقِكُمَا، وَلَمْ يَكُنْ لِوَاحِدٍ مِنْكُمَا بَعْدَ الِاتِّفَاقِ أَنْ يَرْفَعَهُ أَوْ يَخْفِضَهُ، وَإِنِ اخْتَلَفْتُمَا فِيهِ حُمِلْتُمَا عَلَى العرف، ويكون الاتفاق هاهنا مُقَدَّمًا عَلَى الْعُرْفِ؛ لِأَنَّ ارْتِفَاعَ الْغَرَضِ أَمْكَنُ لِلطَّوِيلِ، وَالرَّاكِبِ، وَانْخِفَاضَهُ أَمْكَنُ لِلْقَصِيرِ وَالنَّازِلِ. وَإِنْ كَانَ الْعُرْفُ عِنْدَ تَقَدُّرِ الِاتِّفَاقِ، مُخْتَلِفًا رُوعِيَ فِيهِ أَوْسَطُ الْأَغْرَاضِ الْمُسَمَّى:

стр. 7086

الْجَوَّانِيَّ؛ لِتَعْدِيلِ مَا بَيْنَ الْإِرَادَتَيْنِ، وَيَكُونُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ: " كَرِهْتُ " مَحْمُولًا عَلَى كَرَاهَةِ الِاخْتِيَارِ، وَاللَّهُ أعلم. (مسألة:) قال الشافعي: " وَقَدْ أَجَازَ الرُّمَاةُ لِلْمُسْبِقِ أَنْ يُرَامِيَهُ رَشْقًا وَأَكْثَرَ فِي الْمِائَتَيْنِ وَمَنْ أَجَازَ هَذَا أَجَازَهُ فِي الرُّقْعَةِ وَفِي أَكْثَرَ مِنْ ثلاثمائةٍ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَلَامًا مُشْتَبَهًا يَشْتَمِلُ عَلَى أَسْمَاءٍ مُبْهَمَةٍ، وَأَحْكَامٍ مُخْتَلِفَةٍ فيلزم تعيين أسمائها، وبيان أحكامها. فأما السماء، فَذَكَرَ مِنْهَا الرَّشْقَ، فَقَدْ ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ بِفَتْحِ الرَّاءِ اسْمٌ لِلرَّمْيِ، وَبِكَسْرِهَا اسْمٌ لِعَدَدِ الرَّمْيِ، وَهُمَا عَدَدَانِ لَازِمٌ وَمُسْتَحَبٌّ. فَأَمَّا اللَّازِمُ فِي الْعَقْدِ، فَهُوَ جُمْلَةُ عَدَدِ الرَّمْيِ الَّذِي تَعَاقَدَا عَلَيْهِ، كَاشْتِرَاطِهِمَا رَمْيَ مِائَةِ سَهْمٍ، فَالْمِائَةُ رشقٌ يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الرِّشْقِ حَقِيقَةً. وَأَمَّا الْمُسْتَحَبُّ فِي الْعَقْدِ، فَهُوَ تَفْصِيلُ عَدَدِ الرَّمْيِ الَّذِي يَتَنَاوَبَانِ فِيهِ كَاشْتِرَاطِهِمَا أَنْ يَتَرَامَيَا خَمْسًا خَمْسًا، أَوْ عَشْرًا عَشْرًا، فَالْعَشْرُ رشقٌ، يَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الرِّشْقِ، مَجَازًا؛ لِأَنَّهَا بَعْضُ الْحَقِيقَةِ، فَصَارَا رِشَقَيْنِ: رِشْقَ جُمْلَةٍ، وَرِشْقَ تَفْصِيلٍ. وَعَادَةُ الرُّمَاةِ فِي رِشْقِ التَّفْصِيلِ مُخْتَلِفَةٌ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ خَمْسًا خَمْسًا وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ عَشْرًا عَشْرًا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَخْتَارُ أَنْ يَكُونَ اثْنَيْ عَشَرَ اثْنَيْ عَشَرَ تَبَرُّكًا بقول النبي ﷺ َ - لِسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَوْمَ أُحُدٍ: ارْمِ فداك أبي وأمي، اثني عَشْرَةَ مَرَّةً، فَكَانَ حُسْنُ الْأَثَرِ فِي الرَّمْيِ مُعْتَبَرًا بِهَذِهِ الدَّعْوَةِ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ رَمَى فِي الْإِسْلَامِ سَهْمًا، وَأَرَاقَ فِيهِ دَمًا، وَشِعْرُهُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَيْهِ حَيْثُ يَقُولُ: (أَلَا هَلْ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ أَنِّي ... حَمَيْتُ صَحَابَتِي بِصُدُورِ نبلي) (فما تعتد رامٍ فِي عدوٍّ ... بسهمٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ قبلي) \ وذلك أن دينك دين صدق وذي حق حتى أَتَيْتَ بِهِ وَعَدْلِ. فَأَمَّا النَّدْبُ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ اسْمًا لِمَالِ السَّبَقِ، وَالرَّمْيِ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ اسْمًا لِعَدَدِ الرَّمْيِ كَالرِّشْقِ، وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا، هَلْ يَنْطَلِقُ عَلَى عَدَدِ الْجُمْلَةِ أم عدد

стр. 7087

التَّفْصِيلِ أَوْ يَخْتَصُّ بِعَدَدِ التَّفْصِيلِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: يَنْطَلِقُ عَلَى الْعَدَدَيْنِ كَالرِّشْقِ، وَقَالَ آخَرُونَ، يَخْتَصُّ بِعَدَدِ التَّفْصِيلِ دُونَ الْجُمْلَةِ. وَاخْتَلَفَ مَنْ قَالَ بِهَذَا هَلْ يَخْتَصُّ بِرَمْيِ الْجُلَاهِقِ أَوْ يَعُمُّ النُّشَّابَ وَالْجُلَاهِقَ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: النَّدْبُ كَالرِّشْقِ يَعُمُّ انْطِلَاقَهُمَا عَلَى عَدَدِ الرَّمْيِ فِي النِّشَابِ وَالْجُلَاهِقِ وَهُوَ الْبُنْدُقُ. وَقَالَ آخَرُونَ: الرِّشْقُ مُخْتَصٌّ بِعَدَدِ الرَّمْيِ فِي النِّشَابِ، وَالنَّدْبُ مُخْتَصٌّ بِعَدَدِ الرَّمْيِ فِي الْجُلَاهِقِ وَمِنَ الْأَسْمَاءِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ في هذه المسألة " الرفعة " وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي رِوَايَتِهَا فَرَوَاهَا الْمُزَنِيُّ: الرُّقْعَةُ بِالْقَافِ وَضَمِّ الرَّاءِ، وَرَوَاهَا ابْنُ سُرَيْجٍ: " الرِّفعة " بِالْفَاءِ وَكَسَرِ الرَّاءِ مَأْخُوذٌ مِنَ الِارْتِفَاعِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ الْمَنْصُوصُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ " الْأُمِّ " وَنَسَبَ الْمُزَنِيَّ إِلَى الْوَهْمِ، فَعَلَى رِوَايَةِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ يَكُونُ هَذَا الِاسْمُ صِفَةً لِلْغَرَضِ فِي ارْتِفَاعِهِ مِنْ خَفْضٍ إِلَى عُلُوٍّ. وَعَلَى رِوَايَةِ الْمُزَنِيِّ أَنَّهَا الرُّقْعَةُ بِالْقَافِ اخْتُلِفَ فِي المراد بها هاهنا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا: إِنَّهُ اسْمٌ لِلْغَرَضِ الَّذِي فِي الْهَدَفِ، فَيَكُونُ مُسَمًّى بِاسْمَيْنِ بِالرُّقْعَةِ وَبِالْغَرَضِ. وَالثَّانِي: إِنَّهُ اسْمٌ يَخْتَصُّ بِهَا فِي وَسَطِ الْغَرَضِ مِنْ عَظْمٍ هُوَ أَضِيقُ مَا فِيهِ مِنْ مَوَاقِعَ الْإِصَابَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ لَهُ سِمَةٌ بِالْخَاتَمِ، فَيُسَمَّى بِاسْمَيْنِ بِالرُّقْعَةِ وَبِالْخَاتَمِ. وَالثَّالِثُ: إِنَّهُ اسْمٌ لِمَسَافَةِ الرَّمْيِ، فِيمَا بَيْنَ مَوْقِفِ الرَّامِي وَالْهَدَفِ وَلَئِنْ طَالَ الْكَلَامُ بِتَفْسِيرِ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ، فَلَا غِنًى عَنْهَا؛ لِتَعَلُّقِ الْأَحْكَامِ بِهَا. (فصل:) فإذا تقرر هَذِهِ الْجُمْلَةُ، فَقَدِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أوجه: أحدها: أنها مُصَوَّرَةٌ فِي قَدْرِ الْمَسَافَةِ الَّتِي تَجُوزُ أَنْ يَتَنَاضَلَا إِلَيْهَا، وَحَدُّ أَقَلِّهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يُخْطِئَ فِيهِ الرُّمَاةُ لِبُعْدِهِ، وَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُخْطِئُوا فِيهِ؛ لِقُرْبِهِ، فَالنِّضَالُ عَلَيْهِ بَاطِلٌ، وَحَدُّ أَكْثَرِهَا مَا يَجُوزُ أَنْ يُصِيبَ فِيهِ الرُّمَاةُ لِقُرْبِهِ. فَأَمَّا مَا لَا يَجُوزُ أَنْ يُصِيبُوا فِيهِ لِبُعْدِهِ، فَالنِّضَالُ عَلَيْهِ بَاطِلٌ، وَهَذَانِ الْحَدَّانِ فِي الْأَقَلِّ وَالْأَكْثَرِ هُمَا حَدَّا تَحْقِيقٍ لِمَعْنَاهُمَا وَحَدُّهُمَا بِالْمَسَافَةِ حَدُّ تَقْرِيبٍ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ، وَلِأَكثَرِ الْمَسَافَةِ عَلَى التَّقْرِيبِ مُعْتَادٌ وَنَادِرٌ فَأَمَّا حَدُّهُ الْمُعْتَادُ عَلَى التَّقْرِيبِ، فَهُوَ مِائَتَا ذِرَاعٍ، لِمَا رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ َ - قَدِمَ عَلَيْهِ مِنْ غَزَاةٍ، وَوَصَفَ لَهُ حَرْبَهُمْ فِيهَا، فَقَالَ: كُنَّا نُحَارِبُ الْعَدُوَّ، فَإِنْ كَانُوا مِنَّا عَلَى مِائَتَيْ ذِرَاعٍ رَمَيْنَاهُمْ

стр. 7088

بِالسِّهَامِ، وَإِنْ كَانُوا دُونَهَا رَضَخْنَاهُمْ بِالْأَحْجَارِ، وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ مِنْ ذَلِكَ طَعَنَّاهُمْ بِالرِّمَاحِ، وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ إِلَيْنَا ضَرَبْنَاهُمْ بِالسُّيُوفِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ َ -: " هَذَا هُوَ الْحَرْبُ ". وَأَمَّا حَدُّهُ الثَّالِثُ عَلَى التَّقْرِيبِ، فَهُوَ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ؛ لِأَنَّ فِي الرُّمَاةِ من يصيب منه. وَالْإِصَابَةُ فِي الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا مُتَعَذِّرَةٌ. وَحُكِيَ أَنَّهُ لَمْ يُرَ أَحَدٌ كَانَ يَرْمِي عَلَى أَرْبَعِ مائة ذراع، ويصيب إلا عقبة من عَامِرٍ الْجُهَنِيُّ، وَهَذَا شَاذٌّ فِي النَّادِرِ إِنْ صَحَّ، فَلَا اعْتِبَارَ بِهِ، وَلَا يَصِحُّ الْعَقْدُ عليه، فإن عقد النضال على أكثر الْمَسَافَةِ الْمُعْتَادَةِ، وَهِيَ مِائَتَا ذِرَاعٍ صَحَّ الْعَقْدُ إِذَا كَانَ مِثْلُ الرَّامِيَيْنِ يُصِيبُ فِيهِمَا، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُمَا لَا يُصِيبُ مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ وَإِنْ عُقِدَ عَلَى أَكْثَرَ الْمَسَافَةِ النَّادِرَةِ وَهِيَ ثَلَاثُمِائَةِ ذِرَاعٍ، وَكَانَ مِثْلُهُمَا لَا يُصِيبُ مِنْهَا، لَمْ يَصِحَّ الْعَقْدُ، وَإِنْ كَانَ مِثْلُهُمَا قَدْ يُصِيبُ مِنْهَا، فَفِي صِحَّةِ الْعَقْدِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ لِإِمْكَانِ إِصَابَتِهِمَا مِنْهَا كَالْمَسَافَةِ الْمُعْتَادَةِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: إِنَّهُ بَاطِلٌ؛ لِأَنَّ النَّادِرَ غَرَرٌ، وَالْغَرَرُ في العقود مردود بالنهي عنه، وحكم مَا بَيْنَ الْمُعْتَادِ وَالنَّادِرِ، فَيَلْحَقُ بِأَقْرَبِهِمَا إِلَيْهِ، فَإِنْ كَانَتِ الزِّيَادَةُ عَلَى الْمِائَتَيْنِ، أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ، فَهُوَ مِنَ الْمُعْتَادِ، وَإِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِينَ فَهُوَ فِي النَّادِرِ. وَأَمَّا عَقْدُهُ عَلَى مَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِمِائَةِ، فَإِذَا كَثُرَتِ الزِّيَادَةُ بَطَلَ الْعَقْدُ عَلَى مَا زَادَ عَلَى الثلاثمائة فإن كثرت الزيادة بطل العقد بها وإن قلت الزيادة كانت حكم الثلاثمائة على الصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ؛ لِأَنَّ إِغْفَالَ ذِكْرِهِ فِي الْعَقْدِ يُبْطِلُهُ، فَصَارَ مِنْ لَوَازِمِهِ. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: مَا اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ، وهو: هل الإصابة من الفرع إِلَى الْخَسْقِ، هَلْ يُحْتَاجُ فِيهِ إِلَى فَسْخِ العقد، واستئناف غيره، أو لَا؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: يَصِحُّ بِغَيْرِ فَسْخٍ، إِلْحَاقًا بِمَحَلِّ الْغَرَضِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: لَا يَصِحُّ إِلَّا بَعْدَ الْفَسْخِ إِلْحَاقًا بِمَحَلِّ الْإِصَابَةِ مِنَ الْغَرَضِ، فَإِنِ اعْتُبِرَ فِيهِ الْفَسْخُ، اسْتَأْنَفَا الرَّمْيَ، وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ الْفَسْخُ بَنَيَا عَلَى الرَّمْيِ الْمُتَقَدِّمِ، وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: " وَمَنْ أَجَازَ هَذَا إِجَازَةً فِي الرُّقْعَةِ " أَيْ مَنْ أجاز الزيادة في المسافة فأولى أن يجيز تَغْيِيرَ الْغَرَضِ؛ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَسَافَةِ أَغْلَظُ، وَاللَّهُ أعلم. (مسألة:) قال الشافعي: " وَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِطَا أَنْ يَرْمِيَا أَرْشَاقًا مَعْلُومَةً كُلَّ يومٍ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى آخِرِهِ فلا يفترقا حتى يفرعا منها إلا من عذرٍ أو مرضٍ أَوْ عاصفٍ مِنَ الرِّيحِ ".

стр. 7089

قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: لَا يَخْلُو حَالُ الرَّمْيِ مِنْ حالين: أحدهما: أَنْ يَكُونَ مَعْقُودًا عَلَى رِشْقٍ وَاحِدٍ يُمْكِنُ رَمْيُ جَمِيعِهِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، فَهَذَا يَجِبُ أَنْ يُوَالَى رَمْيُ جَمِيعِهِ، وَلَا يُفَرَّقَ، وَلَهُمَا فيه ثلاثة أحوال: أحدهما: أن يعقداه معجلاً، فَيَلْزَمُ رَمْيَ جَمِيعِهِ فِي يَوْمِ عَقْدِهِ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدِهِمَا تَأْخِيرُهُ، إِلَّا مِنْ عُذْرٍ يَمْنَعُ مِنَ الرَّمْيِ مِنْ مَرَضٍ بِالرَّامِي أَوْ مَطَرٍ أَوْ رِيحٍ يُفْسِدُ آلَةَ الرَّمْيِ، فَإِنْ أَخَّرَاهُ عَنْ يَوْمِهِمْ عَنْ تَرَاضٍ، فَهُوَ إِنْظَارٌ لَا يَفْسَدُ بِهِ الْعَقْدُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا. وَالثَّانِي: أَنْ يَعْقِدَاهُ مُؤَجَّلًا فِي يَوْمٍ مُسَمًّى جَعَلَاهُ وَقْتًا لِلرَّمْيِ، فَفِي الْعَقْدِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: بَاطِلٌ؛ لِأَنَّهُ عُقِدَ عَلَى عَيْنِ شَرْطٍ فِيهِ تَأْخِيرُ الْقَبْضِ. وَالْوَجْهُ الثَّانِي: صَحِيحٌ، لِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لِأَنَّ الْعَمَلَ فِيهِ مَضْمُونٌ فِي الذِّمَّةِ. وَالثَّانِي: ِإِنَّ عَقْدَهُ أَوْسَعُ حُكْمًا مِمَّا عَدَاهُ، فَعَلَى هَذَا يَكُونُ الْأَصْلُ هُوَ الْمُسْتَحَقَّ فِيهِ الرَّمْيُ، لَا يُقَدَّمُ قَبْلَهُ، وَلَا يُؤَخَّرُ بَعْدَهُ، فَإِنْ أَرَادَ أَحَدُهُمَا تَقْدِيمَهُ أَوْ تَأْخِيرَهُ، وَامْتَنَعَ مِنْهُ صَاحِبُهُ، كَانَ مَحْمُولًا عَلَى الْقَوْلَيْنِ، وَإِنِ اتَّفَقَا عَلَى تَقْدِيمِهِ أَوْ تَأْخِيرِهِ مِنْ غَيْرِ فَسْخٍ جَازَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا، وَلَوْ بَدَّرَ أَحَدُهُمَا، فَرَمَى قَبْلَ حُلُولِ الْأَجَلِ لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِصَوَابِهِ، وَلَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيْهِ بِخَطَئِهِ؛ لِأَنَّهُ رَمْيٌ لِمَ يقتضيه الْعَقْدُ. وَالثَّالِثُ: أَنْ يَعْقِدَاهُ مُطْلَقًا لَا يَشْتَرِطَا فِيهِ حُلُولًا، وَلَا تَأْجِيلًا، فَيَقْتَضِي إِطْلَاقُهُ الْحُلُولَ؛ لِأَنَّ الْأَجَلَ فِي الْعَقْدِ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِشَرْطِهِ. (فَصْلٌ:) وَالْحَالُ الثَّانِيَةُ مِنَ الْأَصْلِ: أَنْ يَكُونَ النِّضَالُ مَعْقُودًا عَلَى أرشاقٍ كَثِيرَةٍ لَا يُمْكِنُ رَمْيُ جَمِيعِهَا فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ لِعَقْدِهِ عَلَى مِائَةِ رِشْقٍ، فَهَذَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ: أَحَدُهَا: أَنْ يَشْتَرِطَا فِيهِ مَا يُمْكِنُ، وَهُوَ أَنْ يَجْعَلَا فِي كُلِّ يَوْمٍ رَمْيَ أَرْشَاقٍ مَعْلُومَةٍ يَتَّسِعُ الْيَوْمُ لِرَمْيِهَا مِنْ غَيْرِ إِرْهَاقٍ، فَهَذَا جَائِزٌ، وَيَخْتَصُّ كُلُّ يومٍ رَمْي مَا سُمِّيَ فِيهِ، وَلَا يَلْزَمُ الزِّيَادَةُ عَلَيْهِ، وَلَا النُّقْصَانُ مِنْهُ، وَلَيْسَ هَذَا بِتَأْجِيلٍ يَخْرُجُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَإِنَّمَا هُوَ تَقْدِيرُ الرَّمْيِ فِي زَمَانِهِ، فَصَحَّ وَجْهًا وَاحِدًا. وَالْقِسْمُ الثَّانِي: أَنْ يَشْتَرِطَا مَا يَمْتَنِعُ، وَهُوَ رَمْيُ جَمِيعِ الْأَرْشَاقِ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَهُوَ يَضِيقُ عَنْ جَمِيعِهَا فَهَذَا بَاطِلٌ، لِامْتِنَاعِهِ، وَيَكُونُ الْعَقْدُ بِهِ بَاطِلًا. وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ الْعَقْدُ مُطْلَقًا لَا يَشْتَرِطَا فِيهِ تَقْدِيرَ الرَّمْيِ، فَيَلْزَمُ فِيهِ أَنْ يَرْمِيَا فِي كُلِّ يَوْمٍ مَا اتَّسَعَ لَهُ بِحَسْبِ طُولِ النَّهَارِ وَقِصَرِهِ، وَلَا يَلْزَمُ الرَّمْيُ فِي الليل

стр. 7090

لِخُرُوجِهِ عَنْ مَعْهُودِ الْعَمَلِ إِلَى الِاسْتِرَاحَةِ، وَلَا يلزم الارتفاق في رمي في النَّهَارِ وَيَكُونُ ابْتِدَاؤُهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَانْتِهَاؤُهُ قَبْلَ غُرُوبِهَا، وَيُمْسِكَانِ عَنْهُ فِي أَوْقَاتِ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَالطَّهَارَةِ وَالصَّلَاةِ وَأَوْقَاتِ الِاسْتِرَاحَةِ الْمَعْهُودَةِ. وَعَادَةُ الرُّمَاةِ تَخْتَلِفُ فِي مُوَاصَلَةِ الرَّمْيِ؛ لِأَنَّ فِيهِمْ مَنْ تَكْثُرُ إِصَابَتُهُ إِذَا وَاصَلَ لِقُوَّةِ بَدَنِهِ، وَشِدَّةِ سَاعَدِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَقِلُّ إِصَابَتُهُ إِذَا وَاصَلَ لِضَعْفِ بَدَنِهِ، وَلِينِ سَاعَدِهِ، فَإِذَا عَدَلَ بِهِمَا عَنِ الْمُوَاصَلَةِ وَالْفُتُورِ إِلَى حَالٍ مُعْتَدِلَةٍ اعْتَدَلَ رَمْيُهُمَا وَتَكَافَأَ فَإِنْ عَرَضَ مَا يَمْنَعُ مِنَ الرَّمْيِ إِمَّا فِي الزَّمَانِ مِنْ مَطَرٍ أَوْ رِيحٍ أَوْ فِي أَبْدَانِهِمَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ عِلَّةٍ أُخِّرَ الرَّمْيُ فِيهِ إِلَى زَوَالِهِ. (مسألة:) قال الشافعي: " وَمَنِ اعْتَلَّتْ أَدَاتُهُ أُبْدِلَ مَكَانَ قَوْسِهِ وَنَبْلِهِ وَوَتَرِهِ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا قَوْلُهُ: " اعْتَلَّتْ أَدَاتُهُ " فهي كلمة مستعارة يستعلمها الرُّمَاةُ عِنْدَ فَسَادِ آلَتِهِمْ، مَأْخُوذٌ مِنْ عِلَّةِ الْمَرِيضِ، فَإِذَا انْكَسَرَ قَوْسُهُ، أَوْ لَانَ وَانْقَطَعَ وَتَرُهُ، أَوِ اسْتَرْخَى وَانْدَقَّ سَهْمُهُ أَوِ اعْوَجَّ كَانَ لَهُ أَنْ يُبَدِّلَهُ بِغَيْرِهِ صَحِيحًا؛ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ حُكْمِ الْآلَةِ أَنَّهَا تَبَعٌ لَا تَتَعَيَّنُ فِي الْعَقْدِ، وَإِنَّمَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ الرَّامِيَانِ فَلَمْ يَجُزْ إِبْدَالُ الرَّامِي بِغَيْرِهِ إِذَا اعْتَلَّ، وَجَازِ إِبْدَالُ الْآلَةِ بِغَيْرِهَا إِذَا اعْتَلَّتْ، وَإِنْ أَرَادَ إِبْدَالَهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ تَعْتَلَّ جَازَ لَكِنْ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الرَّمْيِ لِإِبْدَالِهَا إِذَا اعْتَلَّتْ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهُ لِإِبْدَالِهَا إِذَا لَمْ تَعْتَلَّ. (مسألة:) قال الشافعي: " وَإِنْ طَوَّلَ أَحَدُهُمَا بَالْإِرْسَالِ الْتِمَاسَ أَنْ تَبْرُدَ يَدُ الرَّامِي أَوْ يَنْسَى حُسْنَ صَنِيعِهِ فِي السهم الذي رماه فأصاب أو أخطأ فليستعتب من طريق الخطأ فقال لم أنو هذا لم يكن ذلك له وقيل له ارم كما ترمي الناس لا معجلاً عن التثبت في مقامك وتزعك وإرسالك ولا مبطئاً لإدخال الضرر بالحبس على صاحبك ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الرَّامِيَانِ عَلَى اقْتِصَادٍ فِي التَّثَبُّتِ مِنْ غَيْرِ إِبْطَاءٍ، وَلَا إِعْجَالٍ فَإِنْ طَوَّلَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ أَنْ تَقَدَّمَ رَمْيُ صَاحِبِهِ عَلَى الِاقْتِصَادِ لِيَبْرُدَ يَدُ صَاحِبِهِ فِي السَّهْمِ الَّذِي رَمَى بِهِ، فَنَسِيَ صَنِيعَهُ إِنْ أَصَابَ، فَلَا يُسَنُّ بِصَوَابِهِ، أَوْ أَخْطَأَ فلا يزول عن سنته عن خَطَئِهِ، فَإِنْ أَمْسَكَ صَاحِبُهُ عَنِ الِاسْتِعْتَابِ تُرِكَ هَذَا الْمُتَبَاطِئُ عَلَى حَالِهِ، وَإِنِ اسْتَعْتَبَ وَشَكَا قِيلَ لِلْمُتَبَاطِئِ: لَيْسَ لَكَ أَنْ تَضُرَّ بِصَاحِبِكَ فِي الْإِبْطَاءِ كَمَا لَيْسَ لِصَاحِبِكَ أَنْ يَضُرَّ بِكَ فِي الْإِعْجَالِ وَاعْدِلْ إِلَى الْقَصْدِ فِي تَثَبُّتِكَ غَيْرَ مُتَبَاطِئٍ وَلَا مُعَجَّلٍ، فَإِنْ قَالَ: هَذِهِ عَادَتِي لَا أَقْدِرُ عَلَى فِرَاقِهَا، نُظِرَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعْرُوفًا مِنْهُ، قِيلَ لِصَاحِبِهِ: لَا سَبِيلَ إِلَى هَذَا مِنْ تَكْلِيفِهِ غَيْرَ عَادَتِهِ، وَهُوَ عَيْبٌ أَنْتَ لِأَجْلِهِ بِالْخِيَارِ، بَيْنَ مُنَاضَلَتِهِ أَوْ فَسْخِهِ، وَإِنْ كَانَ مَعْرُوفًا بِخِلَافِ مَا ادَّعَاهُ لَمْ تُقْبَلْ دَعْوَاهُ، وَأُخِذَ بِالِاعْتِدَالِ فِي قَصْدِهِ جَبْرًا مَا أَقَامَ عَلَى عَقْدِهِ.

стр. 7091

وَفِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ: وَيُسْتَعْتَبُ مِنْ طَرِيقِ الْخَطَأِ تَأْوِيلَانِ: أَحَدُهُمَا: مَعْنَاهُ أَنَّ إِطَالَةَ إِرْسَالِهِ خَطَأٌ مِنْهُ، فَيُعَاتَبُ عَلَيْهِ. وَالثَّانِي: إِنَّ خَطَأَ صَاحَبِهِ فَهُوَ لِإِطَالَةِ إِرْسَالِهِ، فَيُعَاتَبُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ خَطَؤُهُ مَحْسُوبًا عَلَيْهِ، كَمَا أَنَّ صَوَابَهُ مَحْسُوبًا له، وبالله التوفيق. (مسألة:) قال الشافعي: " وَلَوْ كَانَ الرَّامِي يُطِيلُ الْكَلَامَ وَالْحَبْسَ قِيلَ لَهُ لَا تُطِلْ وَلَا تَعْجَلْ عَمَّا يُفْهَمُ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: أَمَّا الْمُرْمِي، فَهُوَ الْمُؤْتَمَنُ بَيْنَ الْمُتَنَاضِلَيْنِ وَيُسَمَّى الْمُشِيرَ، وَالْمُوَطِّنَ لَا يُشِيرُ عَلَى كل واحد منهما بمقصوده، ويخرج سهمه، وبموطن مَوْقِفَهُ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِ سَهْمَهُ بَعْدَ رَمْيِهِ، وَيُخْبِرُ بِصَوَابِهِ أَوْ خَطَئِهِ، وَعَلَى هَذَا أَنْ يَعْدِلَ بين المتناضلين، ولا يميل إلى أحدهما، فيجوز، وَلَا يَمْدَحَ أَحَدَهُمَا وَيَذُمَّ الْآخَرَ، وَلْيَكُنْ إِمَّا مَادِحًا لَهُمَا أَوْ سَاكِتًا عَنْهُمَا، وَلِيُعَجِّلْ رَدَّ سهم كل واحد منهما عليه، ولا يحسبه عَنْهُ، فَيَنْسَى حُسْنَ صَنِيعِهِ، فَإِنْ خَالَفَ بِالْمَيْلِ، عَلَى أَحَدِهِمَا، مُنِعَ لِإِضْرَارِهِ بِهِ، وَإِنْ سَاوَى بَيْنَهُمَا فِي إِكْثَارِ الْكَلَامِ، وَإِطَالَتِهِ، وَحَبْسِ السَّهْمِ فِي إِعَادَتِهِ صَارَ مُضِرًّا بِهِمَا، وَتَوَجَّهَ الْمَنْعُ إِلَيْهِ فِي حَقِّهِمَا بَعْدَ أَنْ كَانَ فِي حَقِّ أَحَدِهِمَا، وَأُمِرَ بِإِقْلَالِ الْكَلَامِ، وَتَعْجِيلِ السِّهَامِ؛ لِأَنَّ كَثْرَةَ كَلَامِهِ مُدْهِشٌ، وَحَبْسَهُ لِلسِّهَامِ يُنْسِي حُسْنَ صَنِيعِهَا فَإِنْ كَفَّ وَإِلَّا اسْتُبْدِلَ بِهِ غَيْرُهُ مِمَّنْ يَتَرَاضَيَانِهِ بِهِ الْمُتَنَاضِلَانِ، فَإِنِ اخْتَلَفَا، اخْتَارَ الْحَاكِمُ لَهُمَا مُؤْتَمَنًا، وَهَكَذَا لَوْ كَانَ الْكَلَامُ مِنْ أَحَدِ الْمُتَنَاضِلَيْنِ مَدْحًا لِنَفْسِهِ بِالْإِصَابَةِ، وَذَمًّا لِصَاحِبِهِ بِالْخَطَأِ كُفَّ وَمُنِعَ، فَإِنْ أَقَامَ عليه، ولم يقلع عنه غرر، وَلَمْ يُسْتَبْدَلْ بِهِ لِتَعْيِينِهِ فِي الْعَقْدِ الَّذِي لَا يَقُومُ غَيْرُهُ فِيهِ مَقَامَهُ. (مَسْأَلَةٌ:) قَالَ الشافعي: " وَلِلْمُبْدِئِ أَنْ يَقِفَ فِي أَيِّ مقامٍ شَاءَ ثَمَّ لِلْآخَرِ مِنَ الْغَرَضِ الْآخَرِ أَيِّ مَقَامٍ شَاءَ ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: يُرِيدُ بِالْمُبْدِئِ الَّذِي قَدِ اسْتَحَقَّ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالرَّمْيِ، إِمَّا بِالشَّرْطِ أَوْ بِقُرْعَةٍ، فَإِذَا كَانَ الرَّمْيُ بَيْنَ هَدَفَيْنِ، وَهُوَ الْمَسْنُونُ وَالْأَوْلَى بِالْمَعْهُودِ أَنْ يَرْمِيَ الْمُتَنَاضِلَانِ مِنْ أَحَدِ الْهَدَفَيْنِ إِلَى الْآخَرِ، رِشْقًا بِحَسْبِ مَا اسْتَقَرَّ بَيْنَهُمَا، مِنْ خَمْسٍ خَمْسٍ أَوْ عَشْرٍ عَشْرٍ، ثُمَّ يَمْضِيَا إِلَى الْهَدَفِ فَيَجْمَعَا سِهَامَهَا وَيَرْمِيَا مِنْهُ إِلَى الْهَدَفِ الثَّانِي رِشْقًا ثَالِثًا كَذَلِكَ أَبَدًا حَتَّى يَسْتَكْمِلَا رَمْيَ جَمِيعِ أَرْشَاقِهِمَا، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ، فَلِلْمُبْتَدِئِ بِالرَّمْيِ أَنْ يَبْتَدِئَ مِنْ أَيِّ الْهَدَفَيْنِ شَاءَ، وَيَقِفَ مِنْهُ أَيَّ مَوْقِفٍ شَاءَ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اسْتَحَقَّ الِابْتِدَاءَ بِالرَّمْيِ اسْتَحَقَّ الْخِيَارَ فِي مَوْقِفِ الرَّمْيِ، فَيَقِفُ حَيْثُ شَاءَ مِنَ الْهَدَفِ عَنْ يَمِينِهِ أَوْ يَسَارِهِ أَوْ وَسَطِهِ، فَإِذَا صَارَ إِلَى الْهَدَفِ الثَّانِي، صَارَ الْخِيَارُ فِي الْمَوْقِفِ

стр. 7092

إِلَى الرَّامِي الثَّانِي، فَيَقِفُ فِيهِ حَيْثُ شَاءَ مِنْ يَمِينٍ أَوْ يَسَارٍ أَوْ وَسَطٍ، كَمَا كَانَ الْخِيَارُ فِي الْهَدَفِ الْأَوَّلِ إِلَى الرَّامِي الْأَوَّلِ؛ لِأَنَّ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا مُسْتَحَقَّةٌ، فَلَمَّا كَانَ الْخِيَارُ فِي الْهَدَفِ الْأَوَّلِ لِلْأَوَّلِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الْهَدَفِ الثَّانِي لِلثَّانِي، فَإِذَا عَادَ إِلَى الْهَدَفِ الثَّانِي الْأَوَّلُ عَادَ الْخِيَارُ لِلْأَوَّلِ، فَإِذَا عَادَ إِلَى الْهَدَفِ الثَّانِي صَارَ الْخِيَارُ لِلثَّانِي، وَلَا يُجْمَعُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا الْخِيَارُ فِي الْهَدَفَيْنِ، لِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ مِنَ التَّفْضِيلِ عَلَى صَاحِبِهِ، فَإِنْ شَرَطَاهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ: بَطَلَ الْعَقْدُ بِالتَّفْضِيلِ الْمَشْرُوطِ فِيهِ، فَإِنْ شَرَطَا أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِهِمَا الْخِيَارُ فِي الْهَدَفَيْنِ عَلَى أَنْ يَكُونَ لِصَاحِبِهِ الْخِيَارُ بَعْدَهُ فِي الْهَدَفَيْنِ جَازَ؛ لِأَنَّهُمَا قَدْ تَسَاوَيَا فِيهِ. (فَصْلٌ:) وَإِذَا كَانَ النِّضَالُ بَيْنَ ثَلَاثَةٍ، وَقَفَ الْمُبْتَدِئُ بِالرَّمْيِ فِي الْهَدَفِ الَّذِي شَاءَ، وَوَقَفَ مِنْهُ حَيْثُ شَاءَ ثُمَّ نُظِرَ فِي الثَّانِي وَالثَّالِثِ، فَإِنِ اسْتَقَرَّ الْمُبْتَدِئُ مِنْهُمَا بِالرَّمْيِ بِشَرْطٍ أَوْ قَرَعَهُ، وإلا أقرع بينهما ووقف الرامي الثاني في الْهَدَفِ حَيْثُ شَاءَ، فَإِذَا عَادَ إِلَى الْهَدَفِ الأول وقف الرامي الثالث من حَيْثُ شَاءَ لِيَتَسَاوَى الثَّلَاثَةُ فِي اخْتِيَارِ الْمَوْقِفِ فِي هَدَفٍ بَعْدَ هَدَفٍ لِرَمْيِ رِشْقٍ سَوَاءٌ كَانَ حُكْمُ الثَّالِثِ مَعَ الثَّانِي كَحُكْمِ الثَّانِي مَعَ الْأَوَّلِ. فَإِذَا تَرَتَّبُوا عَلَى هَذَا الِاخْتِيَارِ فِي ثَلَاثَةِ أَرْشَاقٍ صَارُوا فِي الرِّشْقِ الرَّابِعِ إِلَى حُكْمِ الرِّشْقِ الْأَوَّلِ فِي عَوْدِ الْخِيَارِ إلى الأول، والله أعلم بالصواب. (فَصْلٌ:) وَإِذَا قَالَ أَحَدُ الْمُتَنَاضِلَيْنِ: نَسْتَقْبِلُ الشَّمْسَ فِي رَمْيِنَا. وَقَالَ الْآخَرُ: نَسْتَدْبِرُهَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ دَعَا إِلَى اسْتِدْبَارِهَا؛ لِأَنَّ شُعَاعَ الشَّمْسِ إِذَا اسْتَقْبَلَ الرَّامِي، اخْتَلَّ عَلَيْهِ رَمْيُهُ فَإِنْ شَرَطَا فِي الْعَقْدِ اسْتِقْبَالَهَا حُمِلَا عَلَيْهِ بِالشَّرْطِ، كَمَا أَنَّ مُطْلَقَ الْعَقْدِ يَقْتَضِي الرَّمْيَ بِالنَّهَارِ، فَإِنْ شَرَطَا فِيهِ الرَّمْيَ لَيْلًا حُمِلَا عَلَيْهِ، إِمَّا فِي ضَوْءِ الْقَمَرِ أَوْ مَشَاعِلِ النَّارِ. (مسألة:) قال الشافعي: " وَإِذَا اقْتَسَمُوا ثَلَاثَةً وَثَلَاثَةً فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَقْتَرِعُوا وَلْيَقْسِمُوا قَسْمًا مَعْرُوفًا ". قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ: النِّضَالُ ضَرْبَانِ: أَفْرَادٌ وَأَحْزَابٌ، وَقَدْ مَضَى نِضَالُ الْأَفْرَادِ، فَأَمَّا نِضَالُ الْأَحْزَابِ، فَهُوَ أَنْ يُنَاضِلَ حِزْبَانِ يَدْخُلُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا جَمَاعَةٌ، يَتَقَدَّمُ عَلَيْهِمْ أَحَدُهُمْ، فَيَعْقِدُ النِّضَالَ عَلَى جَمِيعِهِمْ، فَهَذَا يَصِحُّ عَلَى شُرُوطِهِ، وَهُوَ مَنْصُوصُ الشَّافِعِيِّ ﵀ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ ﵏ وَجُمْهُورُهُمْ. وَحُكِيَ عَنْ أَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَأْخُذُ بِفِعْلِ غَيْرِهِ، وَهَذَا فَاسِدٌ، لِأَنَّهُمْ إِذَا اشتركوا صار فعل جمعيهم وَاحِدًا فَاشْتَرَكُوا فِي مُوجِبِهِ
следующие страницы →